٤٨ - ٱلْفَتْح
48 - Al-Fath (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
29
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ} «مُحَمَّدٌ» مبتدأ و «رَسُولُ» خبره. وقيل: «مُحَمَّدٌ» ابتداء و «رَسُولُ اللَّهِ» نعته. {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ} عطف على المبتدأ، والخبر فيما بعده؛ فلا يوقف على هذا التقدير على «رَسُولُ اللَّهِ». وعلى الأول يوقف على «رَسُولُ اللَّهِ»؛ لأن صفاته عليه السلام تزيد على ما وصف أصحابه؛ فيكون «مُحَمَّدٌ» ابتداء و «رَسُولُ اللَّهِ» الخبر «وَالَّذِينَ مَعَهُ» ابتداء ثان. و «أَشِدَّاءُ» خبره و «رُحَمَاءُ» خبر ثان. وكون الصفات في جملة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هو الأشبه. قال ابن عباس: أهل الحديبية أشداء على الكفار؛ أي غلاظ عليهم كالأسد على فريسته. وقيل: المراد بـ «ـالَّذِينَ مَعَهُ» جميع المؤمنين. {رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} أي يرحم بعضهم بعضاً. وقيل: متعاطفون متوادّون. وقرأ الحسن «أشداء على الكفار رحماء بينهم» بالنصب على الحال، كأنه قال: والذين معه في حال شدّتهم على الكفار وتراحمهم بينهم. {وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً } إخبار عن كثرة صلاتهم. {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً} أي يطلبون الجنة ورضا الله تعالى. الثانية ـ قوله تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ} السيما العلامة؛ وفيها لغتان: المد والقصر؛ أي لاحت علامات التهجُّد بالليل وأمارات السهر. وفي سنن ابن ماجه قال: حدّثنا إسماعيل بن محمد الطلخي قال حدّثنا ثابت بن موسى أبو يزيد عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار»تفسير : . وقال ابن العربي: ودَسّه قوم في حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم على وجه الغلط، وليس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فيه ذكر بحرف. وقد روى ٱبن وهب عن مالك «سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ» ذلك مما يتعلق بجباههم من الأرض عند السجود؛ وبه قال سعيد بن جبير. وفي الحديث الصحيح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: صلى صبيحة إحدى وعشرين من رمضان وقد وَكَفَ المسجد وكان على عريش؛ فٱنصرف النبيّ صلى الله عليه وسلم من صلاته وعلى جبهته وأرنبته أثر الماء والطين. وقال الحسن: هو بياض يكون في الوجه يوم القيامة. وقاله سعيد بن جبير أيضاً، ورواه العَوْفي عن ابن عباس، قاله الزهري. وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة، وفيه: «حديث : حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يُخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار مَن كان لا يشرك بالله شيئاً ممن أراد الله أن يرحمه ممن يقول لا إلٰه إلا الله فيعرفونهم في النار بأثر السجود تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود حرّم الله على النار أن تأكل أثر السجود»تفسير : . وقال شهر بن حَوشب: يكون موضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر. وقال ابن عباس ومجاهد: السيما في الدنيا وهو السَّمْت الحسن. وعن مجاهد أيضاً؛ هو الخشوع والتواضع. قال منصور: سألت مجاهداً عن قوله تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ} أهو أثر يكون بين عيني الرجل؟ قال لا؛ ربما يكون بين عيني الرجل مثل رُكْبة العنز وهو أقسى قلباً من الحجارةٰ ولكنه نور في وجوههم من الخشوع. وقال ابن جُريج: هو الوقار والبهاء. وقال شَمِر بن عطية: هو صفرة الوجه من قيام الليل. قال الحسن: إذا رأيتهم حسبتهم مرضى وما هم بمرضى. وقال الضحاك: أمَا إنه ليس بالنَّدْب في وجوههم ولكنه الصفرة. وقال سفيان الثَّوْرِيّ: يصلّون بالليل فإذا أصبحوا رؤي ذلك في وجوههم؛ بيانه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار»تفسير : . وقد مضى القول فيه آنفاً. وقال عطاء الخراساني: دخل في هذه الآية كل من حافظ على الصلوات الخمس. الثالثة ـ قوله تعالى: {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ} قال الفرّاء: فيه وجهان، إن شئت قلت المعنى ذلك مثلهم في التوراة وفي الإنجيل أيضاً؛ كمثلهم في القرآن؛ فيكون الوقف على «اْلإنْجِيلِ» وإن شئت قلت: تمام الكلام ذلك مثلهم في التوراة، ثم ابتدأ فقال: ومثلهم في الإنجيل. وكذا قال ابن عباس وغيره: هما مثلان، أحدهما في التوراة والآخر في الإنجيل؛ فيوقف على هذا على «التَّوْرَاةِ». وقال مجاهد: هو مثل واحد؛ يعني أن هذه صفتهم في التوراة والإنجيل، فلا يوقف على «التَّوْرَاةِ» على هذا، ويوقف على «اْلإنْجِيلِ»، ويبتدىء {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ} على معنى وهم كزرع. و «شَطْأَهُ» يعني فراخه وأولاده، قاله ابن زيد وغيره. وقال مقاتل: هو نبت واحد، فإذا خرج ما بعده فقد شَطَأه. قال الجوهري: شَطْءُ الزرع والنبات فراخه، والجمع أشطاء. وقد أشطأ الزرعُ خرج شَطْؤه. قال الأخفش في قوله: «أَخْرَجَ شَطْأَهُ» أي طَرفَه. وحكاه الثعلبي عن الكسائي. وقال الفراء: أشطأ الزرعُ فهو مُشْطِىء إذا خرج. قال الشاعر:شعر : أخرج الشطء على وجه الثرى ومن الأشجار أفنان الثمر تفسير : الزجاج: أخرج شطأه أي نباته. وقيل: إن الشطء شوك السُّنْبُل، والعرب أيضاً تسميه: السَّفَا، وهو شَوْك البُهْمَى، قاله قُطْرُب. وقيل: إنه السنبل، فيخرج من الحبة عشر سنبلات وتسع وثمان؛ قاله الفراء، حكاه الماوردي. وقرأ ٱبن كثير وابن ذكوان «شَطَأه» بفتح الطاء؛ وأسكن الباقون. وقرأ أنس ونصر بن عاصم وٱبن وَثَّاب «شَطَاه» مثل عصاه. وقرأ الجحدريّ وٱبن أبي إسحاق «شَطَه» بغير همز؛ وكلها لغات فيها. وهذا مثل ضربه الله تعالى لأصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ يعني أنهم يكونون قليلاً ثم يزدادون ويكثرون؛ فكان النبيّ صلى الله عليه وسلم حين بدأ بالدعاء إلى دينه ضعيفاً فأجابه الواحد بعد الواحد حتى قَوِيَ أمره؛ كالزرع يبدو بعد البذر ضعيفاً فيقوى حالاً بعد حال حتى يغلظ نباتُه وأفراخُه. فكان هذا من أصح مَثَل وأقوى بيان. وقال قتادة: مثل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الإنجيل مكتوب أنه سيخرج من قوم ينبتون نبات الزرع، يأمرون بالمعروف ويَنْهَوْن عن المنكر. {فَآزَرَهُ} أي قوّاه وأعانه وشدّه؛ أي قوّى الشطءُ الزرع. وقيل بالعكس، أي قوّى الزرع الشطء. وقراءة العامة «آزَرَهُ» بالمدّ. وقرأ ٱبن ذكوان وأبو حَيْوَة وحُميد بن قيس «فَأَزَرَهُ» مقصورة، مثل فَعَلَه. والمعروف المدّ. قال امرؤ القيس: شعر : بمَحْنِيَة قد آزر الضّالَ نَبْتُها مَجَرّ جيوش غَانمين وخُيَّبِ تفسير : {فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ} على عوده الذي يقوم عليه فيكون ساقاً له. والسوق: جمع الساق. {يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ} أي يعجب هذا الزرع زرّاعه. وهو مَثَلٌ كما بيّنا، فالزرع محمد صلى الله عليه وسلم، والشطء أصحابه، كانوا قليلاً فكثروا، وضعفاء فَقَوُوا، قاله الضحاك وغيره. {لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ} اللام متعلقة بمحذوف؛ أي فعل الله هذا لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليغيظ بهم الكفار. الرابعة ـ قوله تعالى: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي وعد الله هؤلاء الذين مع محمد، وهم المؤمنون الذين أعمالهم صالحة. {مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} أي ثواباً لا ينقطع وهو الجنة. وليست «مِن» في قوله: «منهم» مبعّضة لقوم من الصحابة دون قوم، ولكنها عامة مجنّسة، مثل قوله تعالى: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ} تفسير : [الحج:0 3] لا يقصد للتبعيض لكنه يذهب إلى الجنس، أي فاجتنبوا الرجس من جنس الأوثان، إذ كان الرجس يقع من أجناس شتَّى، منها الزنى والربا وشرب الخمر والكذب، فأدخل «مِن» يفيد بها الجنس وكذا «منهم»، أي من هذا الجنس، يعني جنس الصحابة. ويقال: أنفق نفقتك من الدراهم، أي اجعل نفقتك هذا الجنس. وقد يخصص أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بوعد المغفرة تفضيلاً لهم، وإن وعد الله جميع المؤمنين المغفرة. وفي الآية جواب آخر: وهو أن «من» مؤكدة للكلام؛ والمعنى وعدهم الله كلَّهم مغفرة وأجراً عظيماً. فجرى مجرى قول العربي: قطعت من الثوب قميصاً؛ يريد قطعت الثوب كله قميصاً. و «من» لم يبعض شيئاً. وشاهد هذا من القرآن {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ}تفسير : [الإسراء:2 8] معناه وننزل القرآن شفاء؛ لأن كل حرف منه يشفي، وليس الشفاء مختصًّا به بعضه دون بعض. على أن من اللغويين من يقول: «من» مجنسة؛ تقديرها ننزل الشفاء من جنس القرآن، ومن جهة القرآن، ومن ناحية القرآن. قال زهير:شعر : أمن أمّ أوْفَى دِمْنَةٌ لم تَكَلَّم تفسير : أراد من ناحية أمّ أَوْفَى دِمْنَةٌ، أم من منازلها دِمْنَة. وقال الآخر: شعر : أخُو رغائبَ يعطيها ويسألها يأبَى الظُّلامةَ منه النَّوْفَلُ الزُّفَرُ تفسير : فـ «ـمن» لم تُبَعِّض شيئاً، إذ كان المقصد يأبى الظلامة لأنه نَوْفَلٌ زُفَرُ. والنَّوْفَل: الكثير العطاء. والزُّفَر: حامل الأثقال والمؤن عن الناس. الخامسة ـ روى أبو عروة الزبيريّ من ولد الزبير: كنا عند مالك بن أنس، فذكروا رجلاً ينتقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ مالك هذه الآية {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ} حتى بلغ {يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ}. فقال مالك: مَن أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية؛ ذكره الخطيب أبو بكر. قلت: لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله. فمن نقص واحداً منهم أو طعن عليه في روايته فقد ردّ على الله رَبِّ العالمين، وأبطل شرائع المسلمين؛ قال الله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ} الآية. وقال: {أية : لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ} تفسير : [الفتح: 18] إلى غير ذلك من الآي التي تضمنت الثناء عليهم، والشهادةَ لهم بالصدق والفلاح؛ قال الله تعالى: {أية : رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ}تفسير : [الأحزاب:3 2]. وقال: {أية : لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً ـ إلى قوله ـ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ}تفسير : [الحشر: 8]، ثم قال عز من قائل: {أية : وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ ـ إلى قوله ـ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}تفسير : [الحشر: 9]. وهذا كله مع علمه تبارك وتعالى بحالهم ومآل أمرهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خَيْرُ الناسِ قَرْنِي ثم الذين يلونهم»تفسير : وقال: «حديث : لا تَسُبُّوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أُحُدٍ ذهباً لم يدرك مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفه»تفسير : خرجهما البخاري. وفي حديث آخر: «حديث : فلو أن أحدكم أنفق ما في الأرض لم يدرك مُدّ أحدهم ولا نَصيفه»تفسير : . قال أبو عبيد: معناه لم يدرك مدّ أحدهم إذا تصدق به ولا نصف المد؛ فالنصيف هو النصف هنا. وكذلك يقال لللعُشْر عَشِير، وللخُمس خميس، وللتسع تَسيع، وللثّمن ثَمين، وللسّبع سَبيع، وللسّدس سَدِيس، وللرّبع رَبيع. ولم تقل العرب للثلث ثليث. وفي البَزّار عن جابر مرفوعاً صحيحاً: «حديث : إن الله ٱختار أصحابي على العالمين سِوى النبيّين والمرسلين وٱختار لي من أصحابي أربعة ـ يعني أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً ـ فجعلهم أصحابي»تفسير : . وقال: «حديث : في أصحابي كلِّهم خير»تفسير : . وروى عُوَيم بن ساعدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله عزّ وجل ٱختارني وٱختار لي أصحابي فجعل لي منهم وزراء وأختاناً وأصهاراً فمن سَبَّهم فعليه لعنة الله والملائكة والناسِ أجمعين ولا يقبل الله منه يوم القيامة صَرْفاً ولا عَدْلاً»تفسير : . والأحاديث بهذا المعنى كثيرة، فَحذَارِ من الوقوع في أحد منهم، كما فعل مَن طعن في الدين فقال: إن الْمُعَوِّذَتَيْن ليستا من القرآن، وما صحّ حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تثبيتهما ودخولهما في جملة التنزيل إلا عن عقبة بن عامر، وعقبة بن عامر ضعيف لم يوافقه غيره عليها، فروايته مطّرحة. وهذا ردّ لما ذكرناه من الكتاب والسنّة، وإبطال لما نقلته لنا الصحابة من المِلّة. فإن عقبة بن عامر بن عيسى الجُهَني ممن روى لنا الشريعة في الصحيحين البخاري ومسلم وغيرهما، فهو ممن مدحهم الله ووصفهم وأثنى عليهم ووعدهم مغفرة وأجراً عظيماً. فمن نسبه أو واحداً من الصحابة إلى كذب فهو خارج عن الشريعة، مبطل للقرآن طاعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومتى ألحِق واحد منهم تكذيباً فقد سُبّ؛ لأنه لا عار ولا عَيْب بعد الكفر بالله أعظمُ من الكذب، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من سَبّ أصحابه؛ فالمكذّب لأصغرهم ـ ولا صغير فيهم ـ داخلٌ في لعنة الله التي شهد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألزمها كلّ مَن سب واحداً من أصحابه أو طعن عليه. وعن عمر بن حبيب قال: حضرت مجلس هارون الرشيد فجرت مسألة تنازعها الحضور وعلت أصواتهم؛ فاحتج بعضهم بحديث يرويه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فرفع بعضهم الحديث وزادت المدافعة والخصام حتى قال قائلون منهم: لا يُقبل هذا الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن أبا هريرة مُتَّهَم فيما يرويه، وصَرّحوا بتكذيبه، ورأيت الرشيد قد نحا نحوهم ونَصَر قولهم فقلت أنا: الحديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو هريرة صحيح النقل صدوق فيما يرويه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيره؛ فنظر إليّ الرشيد نظر مُغْضِب، وقمت من المجلس فانصرفت إلى منزلي، فلم ألبث حتى قيل: صاحب البريد بالباب، فدخل فقال لي: أجب أمير المؤمنين إجابة مقتول، وتحنّط وتكفّن! فقلت: اللَّهُم إنك تعلم أني دفعت عن صاحب نبيّك، وأجللت نبيّك أن يطعن على أصحابه، فَسلِّمني منه. فأدخلت على الرشيد وهو جالس على كرسي من ذهب، حاسر عن ذراعيه؛ بيده السيف وبين يديه النِّطْع؛ فلما بَصُرَ بي قال لي: يا عمر بن حبيب ما تلقّاني (أحد) من الرد والدفع (لقولي بمثل) ما تلقّيتني به! فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الذي قلتَه وجادلت عنه فيه ازدراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم (وعلى ما جاء به)؛ إذا كان أصحابه كذابين فالشريعة باطلة، والفرائض والأحكام في الصيام والصلاة والطلاق والنكاح والحدود كلّه مردود غير مقبول! فرجع إلى نفسه ثم قال: أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك الله؛ وأمر لي بعشرة آلاف درهم. قلت: فالصحابة كلّهم عدول، أولياء الله تعالى وأصفياؤه، وخِيرته من خلقه بعد أنبيائه ورسله. هذا مذهب أهل السنة، والذي عليه الجماعة من أئمة هذه الأمة. وقد ذهبت شِرذمة لا مبالاة بهم إلى أن حال الصحابة كحال غيرهم، فيلزم البحث عن عدالتهم. ومنهم من فرق بين حالهم في بُداءة الأمر فقال: إنهم كانوا على العدالة إذ ذاك؛ ثم تغيّرت بهم الأحوال فظهرت فيهم الحروب وسفك الدماء؛ فلا بُدّ من البحث. وهذا مردود؛ فإن خيار الصحابة وفضلاءهم كعليّ وطلحة والزبير وغيرهم رضي الله عنهم ممن أثنى الله عليهم وزكّاهم ورضي عنهم وأرضاهم ووعدهم الجنة بقوله تعالى: {مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}. وخاصة العشرة المقطوع لهم بالجنة بإخبار الرسول هم القدوة مع علمهم بكثير من الفتن والأمور الجارية عليهم بعد نبيّهم بإخبارهم لهم بذلك. وذلك غير مسقط من مرتبتهم وفضلهم، إذ كانت تلك الأمور مبنية على الاجتهاد، وكل مجتهد مصيب. وسيأتي الكلام في تلك الأمور في سورة «الحجرات» مبيّنة إن شاء الله تعالى.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن محمد صلى الله عليه وسلم أنه رسوله حقاً بلا شك ولا ريب فقال: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ} وهذا مبتدأ وخبر، وهو مشتمل على كل وصف جميل، ثم ثنى بالثناء على أصحابه رضي الله عنهم، فقال: {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} كما قال عز وجل: {أية : فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ} تفسير : [المائدة: 54] وهذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديداً عنيفاً على الكفار، رحيماً براً بالأخيار، غضوباً عبوساً في وجه الكافر، ضحوكاً بشوشاً في وجه أخيه المؤمن كما قال تعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً} تفسير : [التوبة: 123] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر»تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً»تفسير : . وشبك صلى الله عليه وسلم بين أصابعه، كلا الحديثين في الصحيح. وقوله سبحانه وتعالى: {تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً} وصفهم بكثرة العمل وكثرة الصلاة وهي خير الأعمال، ووصفهم بالإخلاص فيها لله عز وجل والاحتساب عند الله تعالى جزيل الثواب، وهو الجنة المشتملة على فضل الله عز وجل، وهو سعة الرزق عليهم ورضاه تعالى عنهم، وهو أكبر من الأول كما قال جل وعلا: {وَرِضْوَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ}. وقوله جل جلاله: {سِيمَـٰهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ} قال علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: سيماهم في وجوههم، يعني: السمت الحسن. وقال مجاهد وغير واحد: يعني: الخشوع والتواضع. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا حسين الجعفي عن زائدة عن منصور عن مجاهد: {سِيمَـٰهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ} قال: الخشوع. قلت: ما كنت أراه إلا هذا الأثر في الوجه، فقال: ربما كان بين عيني من هو أقسى قلباً من فرعون. وقال السدي: الصلاة تحسن وجوههم، وقال بعض السلف: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار، وقد أسنده ابن ماجه في سننه عن إسماعيل بن محمد الطلحي عن ثابت بن موسى عن شريك، عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» تفسير : والصحيح أنه موقوف. وقال بعضهم: إن للحسنة نوراً في القلب وضياء في الوجه وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الناس. وقال أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه: ما أسرّ أحد سريرة، إلا أبداها الله تعالى على صفحات وجهه وفلتات لسانه. والغرض أن الشيء الكامن في النفس يظهر على صفحات الوجه، فالمؤمن إذا كانت سريرته صحيحة مع الله تعالى أصلح الله عز وجل ظاهره للناس، كما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: من أصلح سريرته أصلح الله تعالى علانيته. وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمود بن محمد المروزي، حدثنا حامد بن آدم المروزي، حدثنا الفضل بن موسى عن محمد بن عبيد الله العرزمي عن سلمة بن كهيل، عن جندب بن سفيان البجلي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما أسر أحد سريرة، إلا ألبسه الله تعالى رداءها، إن خيراً فخير وإن شراً فشر» تفسير : العرزمي متروك. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء، ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله للناس كائناً ما كان»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا زهير، حدثنا قابوس بن أبي ظبيان: أن أباه حدثه عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الهدي الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة» تفسير : ورواه أبو داود عن عبد الله بن محمد النفيلي عن زهير به، فالصحابة رضي الله عنهم خلصت نياتهم، وحسنت أعمالهم، فكل من نظر إليهم أعجبوه في سمتهم وهديهم. وقال مالك رضي الله عنه: بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة رضي الله عنهم الذين فتحوا الشام يقولون: والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا، وصدقوا في ذلك فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة، وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد نوه الله تبارك وتعالى بذكرهم في الكتب المنزلة والأخبار المتداولة، ولهذا قال سبحانه وتعالى ههنا: {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ} ثم قال: {وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ} أي فراخه {فَآزَرَهُ} أي شده {فَٱسْتَغْلَظَ} أي شب وطال {فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ} أي فكذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم آزروه وأيدوه ونصروه فهم معه كالشطء مع الزرع {لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ}. ومن هذه الآية انتزع الإمام مالك رحمة الله عليه، في رواية عنه، بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة رضي الله عنهم. قال: لأنهم يغيظونهم، ومن غاظ الصحابة رضي الله عنهم فهو كافر لهذه الآية، ووافقه طائفة من العلماء رضي الله عنهم على ذلك، والأحاديث في فضل الصحابة رضي الله عنهم والنهي عن التعرض لهم بمساءة كثيرة، ويكفيهم ثناء الله عليهم ورضاه عنهم. ثم قال تبارك وتعالى: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنْهُم} مِن هذه لبيان الجنس {مَّغْفِرَةً} أي لذنوبهم {وَأَجْراً عَظِيماً} أي ثواباً جزيلاً ورزقاً كريماً. ووعد الله حق وصدق لا يخلف ولا يبدل، وكل من اقتفى أثر الصحابة رضي الله عنهم، فهو في حكمهم، ولهم الفضل والسبق والكمال الذي لا يلحقهم فيه أحد من هذه الأمة، رضي الله عنهم وأرضاهم وجعل جنات الفردوس مأواهم، وقد فعل. قال مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه»تفسير : . آخر تفسير سورة الفتح ولله الحمد والمنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {مُحَمَّدٌ } مبتدأ {رَسُولِ ٱللَّهِ } خبره {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ } أي أصحابه من المؤمنين مبتدأ خبره {أَشِدَّاءُ } غلاظ {عَلَى ٱلْكُفَّارِ } لا يرحمونهم {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } خبر ثان، أي متعاطفون متوادّون كالوالد مع الولد {تَرَاهُمْ } تبصرهم {رُكَّعاً سُجَّداً } حالان {يَبْتَغُونَ } مستأنف يطلبون {فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ } علاماتهم مبتدأ {فِى وُجُوهِهِمْ } خبره وهو نور وبياض يُعْرَفون به في الآخرة أنهم سجدوا في الدنيا {مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ } متعلق بما تعلق به الخبر، أي كائنة. وأعرب حالاً من ضميره المنتقل إلى الخبر {ذٰلِكَ } أي الوصف المذكور {مّثْلُهُمْ } صفتهم مبتدأ {فِي ٱلتَّوْرَاةِ } خبره {وَمَثَلُهُمْ فِى ٱلإنجِيلِ } مبتدأ وخبره {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْئَهُ } بسكون الطاء وفتحها: فراخه {فَآزَرَهُ } بالمد والقصر. قواه وأعانه {فَٱسْتَغْلَظَ } غلظ {فَٱسْتَوَىٰ } قوي واستقام {عَلَىٰ سُوقِهِ } أصوله جمع ساق {يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ } أي زرَّاعه لحسنه،مثّل الصحابة رضي الله عنهم بذلك لأنهم بدأوا في قلة وضعف فكثروا وقووا على أحسن الوجوه {لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ } متعلق بمحذوف دل عليه ما قبله، أي شبهوا بذلك {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنْهُم } أي الصحابة ومن لبيان الجنس لا للتبعيض لأنهم كلهم بالصفة المذكورة {مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } الجنة وهما لمن بعدهم أيضاً كما في آيات.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} فيه ستة تأويلات: أحدها: أنه ثرى الأرض وندى الطهور، قاله سعيد بن جبير. الثاني: أنها صلاتهم تبدوا في وجوههم، قاله ابن عباس. الثالث: أنه السمت، قاله الحسن. الرابع: الخشوع، قاله مجاهد. الخامس: هو أن يسهر الليل فيصبح مصفراً، قاله الضحاك. السادس: هو نور يظهر على وجوههم يوم القيامة، قاله عطية العوفي. {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطَأَهُ} فيه قولان: أحدهما: أن مثلهم في التوراة بأن سيماهم في وجوههم. ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه. الثاني: أن كلا الأمرين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل. وقوله: {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الشطأ شوك السنبل، والعرب أيضاً تسميه السفا والبهمي، قاله قطرب. الثاني: أنه السنبل، فيخرج من الحبة عشر سنبلات وتسع وثمان، قاله الكلبي والفراء. الثالث: أنه فراخه التي تخرج من جوانبه، ومنه شاطىء النهر جانبه، قاله الأخفش. {فَآزَرَهُ} فيه قولان: أحدهما: فساواه فصار مثل الأم، قاله السدي. الثاني: فعاونه فشد فراخ الزرع أصول النبت وقواها. {فَاسْتَغْلَظَ} يعني اجتماع الفراخ مع الأصول. {فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} أي على عوده الذي يقوم عليه فيكون ساقاً له. {يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} يعني النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، لأن ما أعجب المؤمنين من قوتهم كإعجاب الزراع بقوة رزعهم هو الذي غاظ الكفار منهم. ووجه ضرب المثل بهذا الزرع الذي أخرج شطأه، هو أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بدأ بالدعاء إلى دينه كان ضعيفاً، فأجابه الواحد بعد الواحد حتى كثر جمعه وقوي أمره، كالزرع يبدو بعد البذر ضعيفاً فيقوى حالا بعد حال يغلظ ساقه وأفراخه فكان هذا من أصح مثل وأوضح بيان، والله أعلم.
ابن عبد السلام
تفسير : {سِيمَاهُمْ} ثرى الأرض وندى الطهور، أو السمت الحسن، أو الصفار من السهر، أو تبدوا صلاتهم في وجوههم، أو نور وجوههم يوم القيامة {مَثَلُهُمْ فِى التَّوْرَاةِ} بأن سيماهم في وجوههم {وَمَثَلُهُمْ فِى الإنْجِيلِ} كزرع، أو كلا المثلين في التوراة والإنجيل {شَطْئَهُ} شوك السنبل وهو البهمي والسفا، أو السنبل يخرج من الحبة عشر سنبلات وتسع وثمان، أو فراخه التي تخرج من جوانبه. شاطىء النهر جانبه {فَآزَرَهُ} ساواه فصار مثل الأم، أو شد فراخ الزرع أصول النبت وقواها {فَاسْتَغْلَظَ } باجتماع الفراخ مع الأصول {لِيَغِيظَ بِهِمُ} بالرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله ـ تعالى ـ عنهم لأن ما أعجب المؤمنين من قوتهم كإعجاب الزراع بقوة زرعهم هو الذي غاظ الكفار منهم شبه ضعف الرسول صلى الله عليه وسلم في أمره وإجابة الواحد بعد الواحد له حتى قوي أمره وكثر جمعه بالزرع يبدو ضعيفاً فيقوى حالاً بعد حال حتى يغلظ بساقه وأفراخه.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ} قال جمهور الناس: هو ابتداء وخبر، استوفى فيه تعظيمَ منزلة النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ} ابتداء، وخبره: {أَشِدَّاءُ} و{رُحَمَاءُ} خبر ثانٍ، وهذا هو الراجح؛ لأَنَّهُ خبر مضاد لقول الكفار: «لا تكتب مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ»، {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ} إشارة إلى جميع الصحابة عند الجمهور، وحكى الثعلبيُّ عن ابن عباس أَنَّ الإشارة إلى مَنْ شَهِدَ الحديبية. * ت *: ووصف تعالى الصحابة بأَنَّهُمْ رحماء بينهم، وقد جاءت أحاديثُ صحيحةٌ في تراحم المؤمنين؛ حدثنا الشيخ وليُّ الدين العراقيُّ بسنده عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاصي أَنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمٰنُ؛ ارْحَمُوا مَنْ في الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ»تفسير : وأخرج الترمذيُّ من طريق أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: «حديث : لاَ تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إلاَّ مِنْ [قَلْبٍ] شَقِيٍّ»تفسير : وخَرَّجَ عن جرير بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ لاَ يَرْحَمِ النَّاسَ، لاَ يَرْحَمْهُ اللَّهُ»تفسير : قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهذا الحديث خَرَّجه مسلم عن جرير، وخَرَّجَ مسلم أيضاً من طريق أبي هريرةَ: «حديث : مَنْ لاَ يَرْحَمْ لاَ يُرْحَمْ»تفسير : انتهى، وبالجملة: فأسباب الألفة والتراحم بين المؤمنين كثيرةٌ، ولو بأَنْ تَلْقَى أخاك بوجه طَلْقٍ، وكذلك بَذْلُ السلام وَطيِّبُ الكلام، فالمُوَفَّقُ لا يحتقر من المعروف شيئاً، وقد روى الترمذي الحكيم في كتاب «ختم الأولياء» له بسنده عن عمر بن الخطاب ـــ رضي اللَّه عنه ـــ قال: سمعتُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ كَان أَحَبَّهُمَا إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَحْسَنُهُمَا بِشْراً بِصَاحِبِهِ» تفسير : أوْ قَالَ: «حديث : أَكْثَرُهُمَا [بِشْراً] بِصَاحِبِهِ، فَإذَا تَصَافَحَا، أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، تِسْعُونَ مِنْهَا لِلَّذِي بَدَأَ، وَعَشَرَةٌ لِلَّذِي صُوفِحَ»،تفسير : انتهى. وقوله: {تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً} أي: ترى هاتين الحالتين كثيراً فيهم و{يَبْتَغُونَ}: معناه: يطلبون. وقوله سبحانه: {سِيمَـٰهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ} قال مالك بن أنس: كانت جِبَاهُهُم مَتْرِبَةً من كثرة السجود في التراب؛ وقاله عِكْرِمَةُ، ونحوه لأبي العالية، وقال ابن عباس وخالد الحنفي وعطية: هو وعد بحالهم يومَ القيامة من اللَّه تعالى، يجعل لهم نوراً من أَثر السجود، قال * ع *: كما يجعل غُرَّةً من أثر الوضوء، حسبما هو في الحديث، ويؤيد هذا التأويلَ اتصالُ القولِ بقوله: «فَضْلاً مِنَ اللَّهِ» وقال ابن عباس: السَّمْتُ الحَسَنُ هو السيما، وهو خشوع يبدو على الوجه، قال * ع *: وهذه حالةُ مُكْثِرِي الصلاةَ؛ لأَنَّها تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، وقال الحسن بن أبي الحسن، وشِمْرُ بن عَطِيَّةَ: «السيما»: بَيَاضٌ وصُفْرَةٌ وتَبْهِيجٌ يعتري الوجوهَ من السَّهَرِ، وقال عطاء بن أبي رباح، والربيع بن أنس: «السِّيمَا»: حُسْنٌ يعتري وُجُوهَ المُصَلِّينَ، قال * ع *: ومن هذا الحديثُ الذي في «الشِّهاب»: «حديث : مَنْ كَثُرَتْ صَلاَتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ» تفسير : قال * ع *: وهذا حديث غَلِطَ فيه ثابت بن موسى الزاهد، سَمِعَ شَرِيكَ بنَ عبد اللَّه يقول: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عن أبي سفيانِ، عن جابر، ثم نزع شريك لما رأى ثابتاً الزاهد فقال يعنيه: مَنْ كَثُرَتْ صَلاَتُهُ بِاللَّيْلِ، حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ، فَظَنَّ ثابت أَنَّ هذا الكلام حديث متركِّب على السند المذكور، فَحَدَّثَ به عن شريك. * ت *: واعلم أَنَّ اللَّه سبحانه جعل حُسْنَ الثناء علامةً على حسن عُقْبَى الدار، والكون في الجنة مع الأبرار، جاء بذلك صحيح الآثار عن النبي المختار؛ ففي «صحيح البخاريِّ » «ومسلم» عن أنس قالَ: «حديث : مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْراً، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: وَجَبَتْ، ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَىٰ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا وَجَبَتْ؟ فَقَالَ: هَذا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْراً فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ في الأَرْضِ» تفسير : ،انتهى، ونقل صاحب «الكوكب الدُّرِّيِّ» من مسند البَزَّارِ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال: «حديث : يُوشِكُ أَنْ تَعْرِفُوا أَهْلَ الجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِمَ؟ قَالَ: بالثَّنَاءِ الحَسَنِ وَالثَّنَاءِ السَّيِّىءِ»تفسير : ، انتهى، ونقله صاحب كتاب «التشوُّف إلى رجال التصوُّف» وهو الشيخ الصالح أبو يعقوب يوسف بن يحيى التالي، عن ابن أبي شيبةَ، ولفظه: وخَرَّجَ أبو بكر بن أبي شيبةَ أَنَّهُ قال صلى الله عليه وسلم في خُطْبَتِهِ: «حديث : تُوشِكُوا أَنْ تَعْرِفُوا أَهْلَ الجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَوْ قَالَ: خِيَارَكُمْ مِنْ شِرَارِكُمْ، قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بِالثَّنَاءِ الحَسَنِ، وَبِالثَّنَاءِ السَّيِّىءِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ»تفسير : . ومن كتاب «التشوُّف» قال: وخَرَّجَ البزَّارُ عن أنس قال: «حديث : قيل: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَهْلُ الجَنَّةِ؟ قال: مَنْ لاَ يَمُوتُ حَتَّىٰ تُمْلأَ مَسَامِعُهُ مِمَّا يُحِبُّهُ، قِيلَ: فَمَنْ أَهْلُ النَّارِ؟ قَالَ: مَنْ لاَ يَمُوتُ حَتَّى تُمْلأَ مَسَامِعُهُ مِمَّا يَكْرَهُ» تفسير : قال: وخَرَّج البَزَّارُ عن أبي هريرةَ «حديث : أَنَّ رجلاً قال: يا رَسُولَ اللَّهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ أَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ، قَالَ: لاَ تَغْضَبْ، وَأَتَاهُ آخَرُ، فَقَالَ: مَتَىٰ أَعْلَمُ أَنِّي مُحْسِنٌ؟ قَالَ: إذَا قَالَ جِيرَانُكَ: إنَّكَ مُحْسِنٌ، فَإنَّكَ مُحْسِنٌ، وَإذَا قَالُوا: إنَّكَ مُسِيءٌ، فَإنَّكَ مُسِيءٌ» تفسير : انتهى، ونقل القرطبي في «تذكرته» عن عبد اللَّه بن السائب قال: مَرَّتْ جنازةٌ بابن مسعود فقال لرجُلٍ: قُمْ فانظرْ أَمِنْ أهل الجنَّةِ هُوَ أَمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فقال الرجل: ما يُدْرِينِي أمِنْ أهل الجنة هو أَمْ مِنْ أهل النار؟ قال: انظر ما ثَنَاءُ الناسِ عليه، فأنتم شهداءُ اللَّه في الأرض، انتهى وباللَّه التوفيق، وإياه نستعين. وقوله سبحانه: {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِى ٱلتَّوْرَاةِ...} الآية: قال مجاهد وجماعة من المتأولين: المعنى: ذلك الوصف هو مَثَلُهُمْ في التوراة ومثلهم في الإنجيل، وتم القول، و{كَزَرْعٍ } ابتداءُ تمثيل، وقال الطبريُّ وحكاه عن الضَّحَّاك: المعنى: ذلك الوصف هو مثلهم في التوراة، وتَمَّ القولُ، ثم ابتدأ {وَمَثَلُهُمْ فِى ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ}. * ت *: وقيل غير هذا، وأبينها الأَوَّلُ، وما عداه يفتقر إلى سند يقطع الشكِ. وقوله تعالى: {كَزَرْعٍ} على كل قول هو مَثَلٌ للنبيِّ ـــ عليه السلام ـــ وأصحابِهِ في أَنَّ النبي ـــ عليه السلام ـــ بُعِثَ وَحْدَهُ فكان كالزرع حَبَّةً واحدة، ثم كَثُرَ المسلمون فهم كالشطء، وهو فراخ السُّنْبُلَةِ التي تنبت حول الأصل؛ يقال: أشطأتِ الشجرةُ: إذا أخرجت غُصُونَها، وأشطأ الزرع: إذا أخرج شطأه، وحكى النقاش عن ابن عباس أَنَّهُ قال: الزَّرْعُ: النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، {فَازَرَهُ}: عليُّ بن أبي طالب، {فَٱسْتَغْلَظَ} بأبي بكر، {فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ} بعمر بن الخطاب. * ت *: وهذا لَيِّنُ الإسناد والمتن، كما ترى، واللَّه أعلم بِصِحَّتِهِ. وقوله تعالى: {فَازَرَهُ} له معنيان: أحدهما: ساواه طولاً. والثَّاني: أنَّ: «آزره» و«وَازَرَهُ» بِمعنى: أعانه وَقَوَّاهُ؛ مأخوذٌ من الأَزَرِ، وفَاعِلُ «آزر» يحتملُ أنْ يكون الشَّطْءَ، ويحتمل أَنْ يكون الزَّرْعَ. وقوله تعالى: {لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ} ابتداء كلام قبله محذوف، تقديره: جعلهم اللَّه بهذه الصفة؛ ليغيظ بهم الكفار، قال الحسن: مِنْ غَيْظِ الكُفَّارِ قولُ عُمَرَ بِمَكَّةَ: لاَ يُعْبَدُ اللَّهُ سِرّاً بَعْدَ الْيَوْمِ. وقوله تعالى: {مِنْهُمْ} هي لبيان الجنس، وليست للتبعيض؛ لأَنَّه وعد مرجٍ للجميع.
ابن عادل
تفسير : قوله: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ} يجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر؛ لأنه لما تقدم "هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُوله" دل على ذلك المقدر، أي هو أي الرسول بالهُدَى محمد و "رسول الله" بدل أو بيان، أو نعت. وأن يكون مبتدأ وخبراً، وأن يكون مبتدأ و "رسول الله" على ما تقدم من البيان والبدل، والنعت "والذين معه" عطف على محمد والخبر "عَنْهم". قوله: {أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ} (قال ابن الخطيب: كأنه قال: "والذين معه" جميعهم {أشداء الكفار رحماء بينهم} لأن وصف الشدة والرحمة وجد في جميعهم، أما في المؤمنين فقوله تعالى: {أية : أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [المائدة:54] وأما في حق النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ فقوله تعالى: {أية : وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ} تفسير : [التوبة:73]. وقال في حقه: {أية : بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [التوبة:128]. وعلى هذا فقوله: "تَرَاهُمْ" لا يكون خطاباً مع النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ بل يكون عاماً خرج مَخْرَج الخطاب تقديره تراهم أيها السامع كائناً من كان). وقرأ ابن عامر في رواية: رَسُولَ اللهِ بالنصب على الاختصاص وهي تؤيد كونه تابعاً لا خبراً حالة الرفع. ويجوز أن يكون "وَالَّذِينَ مَعَهُ" على هذا الوجه مجروراً عطفاً على الجلالة أي ورسول الذين آمنوا معه لأنه لما أرسل إليهم أضيف إليهم فهو رسول الله بمعنى أن الله أرسله ورسول أمته بمعنى أنه مرسل إليهم ويكون "أشداء" حينئذ خبر مبتدأ مضمرم أي هُمْ أَشِدَّاءُ. ويجوز أن يكون تَمَّ الكلامُ على "رَسُول اللهِ" و "الَّذين مَعَهُ" و "أشِدَّاء" خبره. وقرأ الحسن: أشِدَّاءَ رُحَمَاءَ بالنصب إما على المَدْح وإمَّا على الحال من الضمير المستكِنّ في "مَعَهُ"؛ لوقوعه صلة، والخبر حينئذ عن المبتدأ قوله "تَرَاهُمْ ركعاً" و "رُكَّعاً سُجَّداً" حالان؛ لأن الرؤية بصرية، وكذلك "يَبتَغُونَ". ويجوز أن يكون مستأنفاً. وإذا كان حالاً فيجوز أن تكون حالاً ثالثة من مفعول "تَرَاهُمْ" وأن تكون من الضمير المستتر في "رُكَّعاً سُجَّداً". وجوز أبو البقاء أن يكون "سُجَّداً حالاً من الضمير في "رُكَّعاً" حالاً مقدرةً. فعلى هذا يكون "يَبْتَغُونَ" حالاً من الضمير "سُجَّداً"، فيكون حالاً من حال، وتلك الحال الأولى حالٌ من حالٍ أخرى. وقرأ ابن يَعْمُرَ أَشِدَّا ـ بالقصر ـ. والقَصْرُ من ضرائر الأشعار كقوله: شعر : 4497ـ لاَ بُـدَّ مِـنْ صَنْعَـا وإنْ طَـالَ السَّفَـرْ .............................. تفسير : فلذلك كانت شاذة. وقال أبو حيان: وقرأ عمرو بن عبيد: ورُضْوَاناً بضم الراء قال شهاب الدين: وهذه قراءة متواترة، قرأ بها عاصمٌ في رواية أبي بكر عنهُ، وتقدمت في سورة آل عمران واستثنيت له حرفاً واحداً وهو ثاني المائدة. فصل معنى الآية: {أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ} أي غِلاظٌ عليهم كالأسد على فريسته، لا تأخذهم فيهم رأفة "رُحَمَاءُ بينهم" متعاطفون متوادُّون بعضهم لبعض كالوالد مع الوَلَد كقوله تعالى: {أية : أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [المائدة:54] و {تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً} خبر عن كثرة صلاتهم ومداومتهم عليها {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ}، أن يدخلهم الجنة "وَرِضْوَاناً" أي يرضى عنهم. وهذا تمييز لركوعهم وسجودهم عن ركوع الكافر وسجوده وركوع المرائي وسجوده فإنه لا يبتغي به ذلك. قوله: "سِيمَاهُمْ" قرىء سِيمياؤُهُمْ بياء بعد الميم والمد. وهي لغة فصيحة، وأنشد ـ (رحمة الله عليه): شعر : 4498ـ غُـلاَمٌ رَمَـاهُ اللَّهُ بالْحُسْـنِ يَافِعـاً لَـهُ سِيمْيَـاءُ لا تُشَـقُّ عَلَـى البَصَـر تفسير : وتقدم الكلام عليها وعلى اشتاقها في آخر البقرة. و "فِي وُجُوهِهِمْ" خبر "سِيمَاهُمْ" و {مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ} حال من الضمير المستتر في الجار وهو "في وُجُوهِهِمْ". وقرأ العامة "مِن أَثْرِ" بفتحتين. وابن هرمُز بكسر وسكون. وقتادة "مِنْ آثار" جمعاً. فصل المعنى علامتهم في وجوههم من أثر السجود. قيل: المراد سيماهم نورٌ وبياضٌ في وجوههم يوم القيامة كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}تفسير : [آل عمران:106]. رواه عطيةُ العَوْفيُّ عن ابن عباس: وقال عطاء بن أبي رباح والربيع بن أنس: استنارة وجوههم من كَثْرَةِ صلاتهم. وقال شهر بن حوشب: تكون مواضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر. وروى الوالبيُّ عن ابن عباس: هو السَّمْتُ الحسن والخشوعُ والتواضع وهو قول مجاهد. والمعنى أن السجود أورثهم الخشوعَ والسَّمْتَ الحسن الذي يعرفون به. وقال الضحاك: صفرة الوجوه. وقال الحسن ـ رضي الله عنه ـ: إذا رأيتهم حسبتهم مرضى وما هم بمرضى. وقال سعيد بن جبير وعكرمة: هو أثر التراب على الجِبَاه. وقيل: المراد ما يظهر في الجباه بكثرة السجود. قوله: "ذَلِكَ مَثَلُهْمْ"، "ذلك" إشارة إلى ما تقدم من وصفهم بكونهم أشِدَّاءَ رُحَمَاءَ لهم سِيمَا في وجوههم وهو مبتدأ خبره "مَثَلُهُمْ" و "فِي التَّوْرَاةِ" حال من "مَثَلَهُمْ" والعامل معنى الإشارة. قوله: {وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ} يجوز فيه وجهان: أحدهما أنه مبتدأ وخبره "كَزَرْعٍ" فيوقف على قوله: "فِي التَّوْرَاةِ" فهما مَثَلانِ. وإليه ذهب أبن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ. والثاني: أنه معطوف على "مَثَلُهُمْ" الأول فيكون مثلاً واحداً في الكتابين ويوقف حينئذ على: في الإنجِيلِ وإليه نحا مُجاهدٌ، والفراء. وعلى هذا يكون قوله "كَزَرْعٍ" فيه أوجه: أحدها: أنه خبر مبتدأ مضمر أي مثلهم كزرع فسر بها المثل المذكور. الثاني: أنه حال من الضمير في "مَثَلُهُمْ" أي مُمَاثِلِينَ زَرْعاً هذِهِ صفَتُهُ. الثالث: أنها نعت مصدر محذوف أي تمثيلاً كزرعٍ. ذكره أبو البقاء. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون "ذلك" إشارة مبهمةً أوضحت بقوله: "كزرع"، كقوله تعالى: {أية : وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ}تفسير : [الحجر:66]. قوله: {أَخْرَجَ شَطْأَهُ} صفة لـ "زَرْع". وقرأ ابنُ ذَكوَان بفتح الطاء والباقون بإسكانها. وهما لغتان كالنَّهْر والنَّهَر. وقرأ أبو حَيْوة: شَطَاءَهُ بالمد. وزيد بن على: شَطَاهُ بألف صريحة بعد الطاء فيحتمل أن تكون بدلاً من الهمزة بعد نقل حركتها إلى الساكن قبلها على لغة من يقول: المِرَاةُ والكَمَاةُ بعد النقل. وهو مقيسٌ عند الكوفيين. ويحتمل أن يكون مقصوراً من الممدود. وأبو جعفر ونافع ـ في رواية ـ "شَطَهُ" بالنقل والحذف. وهو القياس. والجَحْدَريُّ شَطْوَهُ أبدل الهمزة واواً، أو يكون لغة مستقلة. وهذه كلها لغات في فِرَاخ الزرع، يقال: شَطَا الزرعُ وأَشْطَأ أي أخْرَجَ فِرَاخَهُ. وهل يختص ذلك بالحِنْطَةِ فقط أو بها وبالشعير فقط أو لا يختص؟ خلافٌ مشهور. قال الشاعر: شعر : 4499ـ أَخْـرَجَ الشَّـطْءَ عَـلَى وَجْـهِ الثَّـرَى وَمِـنَ الأَشْجَـارِ أفنـانُ الثَّمَــرْ تفسير : قوله: "فآزَرَهُ" العامة على المد وهو على "أَفْعَلَ". وَغَلَّطوا من قال: إنه فاعل كَجَاهَرَ وغَيْرِه بأنه لم يسمع في مضارعه: يُؤَازِرُ على يؤزر. وقرأ ابن ذكوان: فَأَزَرَه مَقصُوراً، جعله ثلاثياً. وقرىء "فأزَّرَهُ" بالتشديد. والمعنى في الكل: قوّاه. وقيل: ساواه، وأنشد: شعر : 4500ـ بِمَحْنِيَــةٍ قَدْ آزَرَ الضَّـال نَبْتُهَـا مَجَــرَّ جُيُــوشٍ غَانِمِيــنَ وَخُيَّــبِ تفسير : قوله: "عَلَى سُوقِهِ" متعلق بـ "اسْتَوَى". ويجوز أن يكون حالاً أي كائناً على سوقه أي قائماً عليها. وقد تقدم في النمل أنَّ قُنبلاً يقرأ سُؤْقِهِ بالهمزة الساكنة. كقوله: شعر : 4501ـ أَحَـبُّ المُؤْقِدِينَ إلَــيَّ مُــؤْسَـى ................................. تفسير : وبهمزة مضمومة بعدها واو كعروج وتوجيه ذلك. والسُّوق جمع سَاقٍ. "فصل". قال المفسرون: يقال: أشطأ الزرع فهو مُشْطِىء إذا خَرَجَ. قال مقاتل: هو نبت واحد فإذا خرج بعده فهو شطء. وقال السُّديّ: هو أن يخرج معه الطاقة الأخرى "فَآزَرَهُ" قَوَّاهُ وأَعَانَهُ وشدَّ أزره "فَاسْتَغْلَظَ" غَلُظَ ذلك الزرع "فَاسْتَوَى" تَمَّ وَتَلاَحَقَ نَبَاتُهُ عَلَى سُوقِهِ أصوله: "يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ" أي أعجب ذلك زُرَّاعَهُ هذ مثل ضربهُ الله لأصحاب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الإنجيل أنهم يكونوا قَليلاً ثم يَزْدَادُونَ وَيكْثُرُونَ. قال قتادة: مَثَلُ أصحاب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الإنجيل مكتوب له سيخرج قومٌ يَنْبتُونَ نبات الزرع يأمُرون بالمعروف وينهوْن عن المنكر. وقيل: الزرع ـ محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ والشطء أصحابه والمؤمنون. روى مبارك بن فُضَالة عن الحَسَن قال: محمد رسول الله والذين معه: أبو بكر الصديق {أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ} عمر بن الخطاب {رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} عثمان بن عفان {تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً} علي ابن أبي طالب "يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ رَبِّهِمْ" العشرة المبشرن "كَمَثَلِ زَرْعٍ" محمد {أَخْرَجَ شَطْأَهُ} أبو بكر {فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ} عثمان (بن عفان) يعني استغلظ عثمان بالإسلام {فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ} علي بن أبي طالب استقام الإسلام بسيفه {يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ} قال: المؤمنون {لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ} فعل عمر لأهل مكة بعدما أسلم لا يُعبد الله سرًّا بعد اليوم. روى أنس بن مالك:ـ رضي الله عنه ـ عن النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "حديث : أَرْحَمُ (أصْحَابِ) النَّبِيِّ أبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حُبًّا عُثْمَانُ وَأَفْرَضُهُمْ زيدٌ، وَأَقْوَأُهُمْ أبيٌّ، وَأَعْلَمُهُمْ بالحلال وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَلِكُلِّ أُمَّة أَمِينٌ وَأَمِين هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ"، وفي رواية أخرى: "وَأَقْضَاهُمْ عَلِيٌّ"تفسير : . وروى بريدةُ عن النَّبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "حديث : مَنْ مَاتَ مِنْ أَصْحَابِي بِأَرْض كان نُورَهُمْ وَقَائِدَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". تفسير : قوله: {يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ} حال أي معجباً. وهنا تم المَثَلُ. قوله: "لِيَغِيظَ" فيه أوجهٌ: أحدها: أنه متعلق بـ "وَعَدَ"؛ لأن الكفار إذا سمعوا بعزِّ المؤمنين في الدنيا وما أعد لهم في الآخرة غَاظَهُمْ ذلك. الثاني: أن يتعلق بمحذوف دل عليه تشبيهُهُمْ بالزرع في نمائِهِمْ وتقويتهم. قاله الزمخشري، أي شبههم الله بذلك ليغيظ. الثالث: أن يتعلق بما دل عليه قوله: {أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ....} إلى آخره أي جعلهم بهذه الصفات ليغيظ. قال مالك ابن أنس ـ (رضي الله عنه) ـ "مَنْ أصْبَحَ فِي قَلْبِهِ غَيْظٌ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فَقَدْ أَصَابَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ". وقال ـ عليه الصلاة السلام ـ: "حديث : اللهَ اللهَ فِي أَصْحَابِي لاَ تَتَّخِذُوهُمْ عَرَضاً بَعْدِي، فَمَن أحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ, وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ وَمَنْ أذَاهُمْ فَقَدَ أَذَانِي وَمَنْ أَذَانِي فَقَدْ أَذَى الله فَيُوشِكُ أَنْ يَأخُذَهُ"تفسير : . وقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدهِم وَلاَ نَصِيفَهُ ". تفسير : قوله: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنْهُم} "مِنْ" هذه للبيان، لا للتبعيض؛ لأن كلهم كذلك فهي كقوله: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ}تفسير : [الحج:30]. وقال الطبري: منهم يعني من الشطء الذي أخرج الزرع، وهم الداخلون في الإسلام إلى يوم القيامة، فَأَعَادَ الضمير على معنى الشطء لا على لَفْظِهِ فقال: "مِنْهُمْ" ولم يقل: مِنْه وهو معنًى حَسَنٌ. فصل قد تقدم الكلام على الأجر العظيم والمغفرة مراراً. وقال ههنا في حق الراكعين السَّاجدين: إنهم يَبْتَغُونَ فضلاً من الله ورِضْواناً وقال: "لهم أجر" ولم يقل: لهم ما يطلبو (نَـ) ـه من الفضْل؛ لأن المؤمن عند العمل لم يلتَفِتْ إلى عمله ولم يجعل له أجراً يعتدّ به فقال: لا أبتغي إلا فضلك فإن عملي نَزْرٌ لا يكون له أجرٌ والله تعالى آتاه من طلب الفضل، وسماه أجراً إشارةً إلى قبوله عمله ووقوعه الموقع. روى أنه من قرأ في أول ليلة من رمضان: إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً فِي التَّطَوع حُفِظَ في ذلك العام (انتهى).(اللَّهم إِنِّي أَسْأَلُكَ رِضَاكَ والْجَنَّة وأَعوذُ بك من سَخَطِكَ والنَّارِ).
البقاعي
تفسير : ولما ختم سبحانه بإحاطة العلم بالخفايا والظواهر في الإخبار بالرسالة، عينها في قوله جواباً لمن يقول: من الرسول المنوه باسمه: {محمد رسول الله} أي الملك الذي لا كفوء له، فهو الرسول الذي لا رسول يساويه لأنه رسول إلى جميع الخلق ممن أدرك زمانه بالفعل في الدنيا ومن تقدمه بالقوة فيها وبالفعل في الآخرة يوم يكون الكل تحت لوائه، وقد أخذ على الأنبياء كلهم الميثاق بأن يؤمنوا به إن أدركوه، وأخذ ذلك الأنبياء على أممهم، لا يكتب الرحمة التي وسعت كل شيء إلا لمن وقع العلم بالمحيط بإنه يؤمن به، فما عمل عامل عملاً صالحاً إلا كان له مثل أجره، تقدم ذلك العامل أو تأخر، كان من أهل السماء أو من أهل الأرض، وهذا أمر لا يحصيه إلا الله سبحانه وتعالى، وأشار بذلك إلى هذا الاسم بخصوصه في سورة محمد إلى أنه صلى الله عليه وسلم هو الخاتم - بما أشارت إليه الميم التي مخرجها ختام المخارج، وهي محيطة بما أشارة إليه صورته، وكررت في الاسم بعده غاية التأكيد، وهو ثلاث - كما أشار إليه اسمه: أحمد - إلى أنه مع كونه خاتماً فهو فاتح بما أشار إليه قوله صلى الله عليه وسلم"حديث : كنت أولهم خلقاً وآخرهم بعثاً" تفسير : واختصت به سورة الصف ليعادل ذلك بتصريح المبشر به عليه الصلاة والسلام بالبعدية في قوله{أية : برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد}تفسير : [الصف: 6] وأشارت الميم أوله أيضاً إلى بعثه عند الأربعين، وما بقي من حروفه وهي حمد يفيد له كمال الحمد بالفعل في السنة الثانية والخمسين من عمره وهي الثانية عشرة من نبوته ببيعة الأنصار رضي الله عنهم، وقد أشارت هذه السورة إلى كلمة الإخلاص تلويحاً مما ذكرت من كلمة الرسالة تصريحاً وبطنت سطوة الإلهية وظهرت الرحمة المحمدية - كما أشارت القتال إلى الرسالة تلويحاً وصرحت بسطوة الإلهية بكلمة الإخلاص والناشئة عن القتال تصريحاً، وقد تقدم في القتال نبذة من أسرار الكلمتين. ولما ذكر الرسول ذكر المرسل إليهم فقال تعالى: {والذين معه} أي بمعية الصحبة من أصحابه وحسن التبعية من التابعين لهم بإحسان: ولما كان شرف القوم شرفاً لرئيسهم، مدحهم بما يشمله فقال تعالى: {أشداء على الكفار} فهم لا تأخذهم بهم رأفة بل هم معهم كالأسد على فريسته، لأن الله أمرهم بالغلظة عليهم {رحماء بينهم} كالوالد مع الولد، لأن الله تعالى أمرهم باللين للمؤمنين، ولا مؤمن في زمانهم إلا من كان من أهل دينهم، فهو يحبهم ويحبونه بشهادة آية المائدة. ولما كان هذا بخلاف ما وصفت به الأمم الماضية من أنهم ما اختلفوا إلا من بعدما جاءهم العلم بغياً بينهم، فكان عجباً، بين الحامل عليه بقوله: {تراهم} أي أيها الناظر لهم {ركعاً سجداً} أي دائمي الخضوع فأكثر أوقاتهم صلاة قد غلبت صفة الملائكة على صفاتهم الحيوانية، فكانت الصلاة آمرة لهم بالخير مصفية عن كل نقص وضير. ولما كانت الصلاة مما يدخله الرياء، بين إخلاصهم بقوله: {يبتغون} أي يطلبون بذلك وغيره من جميع أحوالهم بغاية جهدهم وتغليباً لعقولهم على شهواتهم وحظوظهم {فضلاً} أي زيادة في الخير {من الله} أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال والجمال الذي أعطاهم ملكة الغلظة على الكفار بما وهبهم من جلاله والرقة على أوليائه بما أعطاهم من رحمته التي هيأهم بها للإحسان إلى عياله فنزعوا الهوى من صدورهم فصاروا يرونه وحده سيدهم المحسن إليهم لا يرون سيداً غيره، ولا محسن سواه. ولما ذكر عبادتهم وطلبهم الزيادة منها ومن غيرها من فضل الله الذي لا يوصل إلى عبادته إلا بمعونته، أتبعه المطلوب الأعلى فقال: {ورضواناً} أي رضاء منه عظيماً. ولما ذكر كثرة عبادتهم إخلاصهم فيها اهتماماً به لأنه لا يقبل عملاً بدونه، دل على كثرتها بقوله: {سيماهم} أي علامتهم التي لا تفارقهم {في وجوههم} ثم بين العلامة بقوله: {من أثر السجود} فهي نور يوم القيامة - رواه الطبراني عن أبي بن كعب رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم - هذا مع ما لهم من مثل ذلك في الدنيا من أثر الخشوع والهيبة بحيث إنه إذا رئي أحدهم أورث لرائيه ذكر الله، وإذا قرأ أورثت قراءته حزناً وخشوعاً وإخباتاً وخضوعاً، وإن كان رث الحال رديء الهيئة، ولا يظن أن من السيما ما يصنعه بعض المرائين من هيئة أثر سجود في جبهته، فإذا ذلك من سيما الخوارج، وفي نهاية ابن الأثير في تفسير الثفن: ومنه حديث أبي الدرداء رضي الله عنه: رأى رجلاً بين عينيه مثل ثفنة العنز، فقال: لو لم يكن هذا لكان خيراً - يعني كان على جبهته أثر السجود، وإنما كرهها خوفاً من الرياء بها، وقد روى صاحب الفردوس عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : إني لأبغض الرجل وأكرهه إذا رأيت بين عينيه أثر السجود . تفسير : ولما أتم وصفهم بهذا الأمر الذي لا يقدر عليه أحد إلا من صفاه الله من جميع حظوظه وشهواته، أشار إلى علوه فقال: {ذلك} أي هذا الوصف العالي جداً البديع المثال البعيد المنال {مثلهم في التوراة} فإنه قال فيها: أتانا ربنا من سببنا وشرق لنا من جبل ساعير، وظهر لنا من جبل فاران، معه ربوات الأطهار على يمينه، أعطاهم وحببهم إلى الشعوب وبارك على جميع أطهاره وهم يتبعون آثارك. فظهوره من فاران صريح في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فإنه لم يأت منها - وهي جبال مكة باتفاقهم - بعد نزول التوراة بالنبوة غيره صلى الله عليه وسلم، وربوات الأطهار إشارة إلى كثرة أمته، وأنهم في الطهارة كالملائكة، وأيد ذلك جعلهم من أهل اليمين، ووصفهم بالتحبيب إلى الشعوب، فكل ذلك دال على ما وصفوا به منا من شهادة الوجود - هذا مع ما وجدته في التوراة بعد تبديلهم لما بدلوا منها وإخفائهم كما قال الله تعالى لكثير، وروى أصحاب فتوح البلاد في فتح بيت المقدس عن كعب الأحبار أن سبب إسلامه أن أباه كان أخبره أنه ذخر عنه ورقتين جعلهما في كوة وطين عليهما، وأمره أن يعمل بهما بعد موته، قال: فلما مات فتحت عنهما فإذا فيهما: محمد رسول الله صلى الله خاتم النبيين لا نبي بعده مولده بمكة ومهاجرة بطيبة ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي السيئة بالسيئة، ولكن يجزي بالسيئة الحسنة ويعفو ويغفر ويصفح، وإن أمته الحمادون الذين يحمدون الله على كل شيء وعلى كل حال، ويذلل ألسنتهم بالتكبير، وينصر الله نبيهم على كل من ناواه، يغسلون فروجهم بالماء، ويؤثرون على أواسطهم، وأناجيلهم في صدورهم، يأكلون قربانهم في بطونهم ويؤجرون عليها، تراحمهم بينهم تراحم بين الأم والأب، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم، هم السابقون المقربون والشافعون والمشفع لهم. وأصله في الصحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وفي الدارمي عن كعب هذا، ولأصحاب الفتوح عن سمرة بن حوشب عن كعب قال: قلت لعمر رضي الله عنه وهو بالشام عند انصرافه: يا أمير المؤمنين! إنه مكتوب في كتاب الله "إن هذه البلاد التي كان فيها بنو إسرائيل وكانوا أهلها مفتوحة على رجل من الصالحين، رحيم بالمؤمنين شديد على الكافرين، سره مثل علانيته، وعلانيته مثل سره، وقوله لا يخالف فعله، والقريب والبعيد عنده في الحق سواء، أتباعه رهبان بالليل أسد بالنهار، متراحمون متباذلون" فقال عمر: ثكلتك أمك أحق ما تقول؟ قلت: أي والذي أنزل التوراة على موسى والذي يسمع ما نقول! إنه لحق، فقال عمر: فالحمد لله الذي أعزنا وشرفنا وأكرمنا ورحمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم ورحمته التي وسعت كل شيء - هذا على أن المراد بالمثل الوصف، ويمكن أن يكون على حقيقته، ويكون الذي في التوراة ما ترجمته "هم على أعدائهم كقرن الحديد وفيما بينهم في النفع والتواصل كالماء والصعيد، ولربهم كخامة الزرع مع الريح والصديق النصيح، وفي الإقبال على الآخرة كالمسافر الشاحب والباكي الناحب" فعبر عنه في كتابنا بما ذكر. ولما ذكر مثلهم في الكتاب الأول، أتبعه الكتاب الثاني الذي هو ناسخ ليعلم أنه قد أخذ على كل ناسخ لشريعته أن يصفهم لأمته ليتبعوهم إذا دعوهم فقال: {ومثلهم في الإنجيل} أي الذي نسخ الله به بعض أحكام التوراة {كزرع} أي مثل زرع {أخرج شطأه} أي فراخه وورقه وما خرج حول أصوله، فكان ذلك كله مثله. ولما ذكر هذا الإخراج سبب عنه قوله {فآزره} أي فأحاط به الشطأ، فقواه وطهره من غير نبتة نبتت عنه فتضعفه وساواه وحاذاه وعاونه، ويظهر أن قراءة الهمزة بالمد على المفاعلة أبلغ من قراءة ابن عامر بالقصر، لأن الفعل إذا كان بين اثنين يتجاذبانه كان الاجتهاد فيه أكثر، ثم سبب عن المؤازرة قوله: {فاستغلظ} أي فطلب المذكور من الزرع والشطأ الغلظ وأوجده فتسبب عن ذلك اعتداله {فاستوى} أي وجد فيه القيام العدل وجوداً عظيماً كأنه كان بغاية الاجتهاد والمعالجة {على سوقه} أي قصبه، جمع ساق، وهو ما قام عليه الشيء، حال كون هذا المذكور من الزرع والشطأ {يعجب الزراع} ويجوز كونه استنئافاً للتعجب منه والمبالغة في مدحه وإظهار السرور في أمره، وإذا أعجبهم وهم في غاية العناية بأمره والتفقد لحاله والملابسة له ومعرفة معانيه كان لغيرهم أشد إعجاباً، ومثل لأنهم يكونون قليلين ثم يكثرون مع البهجة في عين الناظر لما لهم من الرونق الذي منشؤه نور الإيمان وثبات الطمأنينة والإيقان وشدة الموافقة من بعضهم لبعض، ونفي المخالف لهم وإبعاده، وقد تقدم في هذا الكتاب في آخر المائدة أمثال ضربت في الإنجيل بالزرع أقربها إلى هذا مثل حبة الخردل فراجعه. ولما أنهى سبحانه مثلهم، ذكر الثمرة في جعلهم كذلك فقال: {ليغيظ} معلقاً له بما يؤخذ من معنى الكلام وهو جعلهم كذلك لأجل أن يغيظ {بهم} أي غيظاً شديداً بالغ القوة والإحكام {الكفار} وذلك أنهم لما كانوا أول الأمر قليلاً، كان الكفار طامعين في أن لا يتم لهم أمر، فكلما ازدادوا كثرة مع تمادي الزمان زاد غيظ الكفار منهم، فكيف إذا رأوا مع الزيادة والقوة منهم حسناً ونضارة ورونقاً وبهجة، فهو في الغيظ مما لو كانوا في أول الأمر كثيراً لأنه كان يكون دفعه ويقصر زمنه، فمن أبغض صحابياً خيف عليه الكفر لأنهم أول مراد بالآية، وغيرهم بالقصد الثاني وبالتبع، ومن أبغضهم كلهم كان كافراً، وإذا حملناه على غيرهم كان دليلاً على أن كل من خالف الإجماع كفر - قاله القشيري. ولما ثم مثلهم وعلة جعلهم كذلك، بشرهم فقال في موضع وعدهم لتعليق الوعد بالوصف على عادة القرآن ترغيباً في التمسك به وترهيباً من مجانبته: {وعد الله} أي الملك الأعظلم {الذين آمنوا} ولما كان الكلام في الذين معه صلى الله عليه وسلم، وكانت المعية ظاهرة في الاتحاد في الدين لم تكن شاملة للمنافقين، فلم يكن الاهتمام بالتقييد بمنهم هنا كالاهتمام به في سورة النور، فأخره وقدم العمل لأن العناية به هنا أكثر، لأنه من سيماهم المذكورة فقال: {وعملوا} أي تصديقاً لدعواهم الكون معه في الدين {الصالحات} ولما كان قوله "معه" يعم كما مضى من بعد الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وكان الخلل فيمن بعدهم كثيراً، قيد بقوله: {منهم} أي من الذين معه صلى الله عليه وسلم سواء كانوا من أصل الزرع أو فراخه التي أخرجها وهم التابعون لهم بإحسان. ولما كان الإنسان وإن اجتهد مقصراً عن بلوغ ما يحق له من العبادة، أشار إلى ذلك بقوله: {مغفرة} أي لما يقع منهم من الهفوات أو الذنوب والسيئات {وأجراً عظيماً *} بعد ذلك الستر، وقد جمعت هذه الآية الخاتمة لهذه السورة جميع حروف المعجم بشارة تلويحية مع ما فيها من البشائر التصريحية باجتماع أمرهم وعلو نصرهم، وذلك أنه لما كانت هذه العمرة قد حصل لهم فيها كسر لرجوعهم قبل وصولهم إلى قصدهم من الدخول إلى مكة المشرفة والطواف بالبيت العتيق، ولم يكن ذلك بسبب خلل أتى من قبلهم كما كان في غزوة أحد على ما مضى من بيانه في آل عمران التي هي سورة التوحيد الذي كلمته كلمة التقوى عند الآية الثانية لهذه، بشرهم سبحانه بما في هذه السورة من البشائر الظاهرة تصريحاً وبما في هذه الآية الخاتمة من جمعها لجميع حروف المعجم تلويحاً إلى أن أمرهم لا بد من تمامه، واشتداد سلكه وانبرامه، واتساق شأنه وانتظامه، وخفوق ألويته وأعلامه، وافتتحها بميم "محمد" وهي مضمومة، وختمها بميم "عظيماً" المنصوبة إشارة بما للميم من الختام بمخرجها إلى أن تمام الأمر قد دنا جداً إبانه، وحضر زمانه، وبما في أولها من الضم إلى رفعة دائمة في حمد كثير، وبما في آخرها من النصب إلى تمام الفتح وانتشاره، وقربه واشتهاره، على وجه عظيم، وشرف في علو جسيم، وأومأ تدويرها إلى أنه أمر لا انتهاء له، بل كلما ختم ابتدأ، وقد ظهر من هذا وما في صريح الآية من القوة المعزة للمؤمنين المذلة للكافرين رد مقطعها على مطلعها بالفتح للنبي صلى الله عليه وسلم والتسكين العظيم لأصحابه رضي الله عنهم، والرحمة والمغفرة والفوز العظيم لجميع أتباعه وأنصاره وأشياعه رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وجعلنا بمنه وكرمه منهم، وهذا آخر القسم الأول من القرآن، وهو المطول، وقد ختم - كما ترى - بسورتين هما في الحقيقة للنبي صلى الله عليه وسلم، وحاصلهما الفتح له بالسيف والنصر على من قاتله ظاهراً كما ختم الثاني المفصل بسورتين هما نصرة له صلى الله عليه وسلم بالحال على من قصده بالضر باطناً - والله الهادي للصواب وإليه المرجع والمآب وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.
السيوطي
تفسير : أخرج الخطيب في رواية مالك بسند ضعيف عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {والذين معه - إلى - مثلهم في التوراة} إلى قوله {كزرعٍ أخرج شطأه} قال مالك: نزل في الإِنجيل نعت النبي وأصحابه. وأخرج ابن سعد في الطبقات وابن أبي شيبة عن عائشة قالت: لما مات سعد بن معاذ حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر وأنا في حجرتي، وكانوا كما قال الله {رحماء بينهم} قيل فكيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع فقالت: كانت عينه لا تدمع على أحد ولكنه كان إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي عن جرير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يرحم الله من لا يرحم الناس ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود عن عبدالله بن عمرو يرويه قال: "حديث : من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا تنزع الرحمة إلا من شقي ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنما يرحم الله من عباده الرحماء ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {سيماهم في وجوههم} قال: أما إنه ليس بالذين ترون، ولكنه سيما الإِسلام وسحنته وسمته وخشوعه. وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: {سيماهم في وجوههم} قال السمت الحسن. وأخرج الطبراني في الأوسط والصغير وابن مردويه بسند حسن عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله {سيماهم في وجوههم من أثر السجود} قال: "النور يوم القيامة" . تفسير : وأخرج البخاري في تاريخه وابن نصر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {سيماهم في وجوههم من أثر السجود} قال: بياض يغشى وجوههم يوم القيامة. وأخرج عبد بن حميد وابن نصر وابن جرير عن الحسن رضي الله عنه مثله. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن نصر وابن جرير عن عطية العوفي رضي الله عنه قال: موضع السجود أشد وجوههم بياضاً يوم القيامة. وأخرج الطبراني عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الأنبياء عليهم السلام يتباهون أيهم أكثر أصحاباً من أمته فأرجو أن أكون يومئذ أكثرهم كلهم واردة، وإن كل رجل منهم يومئذ قائم على حوض ملآن معه عصا يدعو من عرف من أمته ولكل أمة سيما يعرفهم بها نبيهم ". تفسير : وأخرج الطبراني والبيهقي في سننه عن حميد بن عبد الرحمن قال: كنت عند السائب بن يزيد إذ جاء رجل في وجهه أثر السجود فقال: لقد أفسد هذا وجهه أما والله ما هي السيما التي سمّى الله، ولقد صليت على وجهي منذ ثمانين سنة ما أثّر السجود بين عينيّ. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن نصر وابن جرير عن مجاهد {سيماهم في وجوههم} قال: ليس الأثر في الوجه ولكن الخشوع. وأخرج ابن المبارك وعبد بن حميد وابن جرير وابن نصر عن مجاهد {سيماهم في وجوههم} قال: الخشوع والتواضع. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن نصر عن سعيد بن جبير في الآية، قال: ندى الطهور وثرى الأرض. وأخرج ابن نصر وابن المنذر عن الضحاك في الآية، قال: هو السهر إذا سهر الرجل من الليل أصبح مصفرّاً. وأخرج ابن أبي شيبة وابن نصر عن عكرمة رضي الله عنه {سيماهم في وجوههم} قال: السهر. وأخرج ابن مردويهحديث : عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {سيماهم في وجوههم} قال: إن جبريل قال: إذا نظرت إلى الرجل من أمتك عرفت أنه من أهل الصلاة بأثر الوضوء، وإذا أصبحت عرفت أنه قد صلى من الليل، وهو يا محمد العفاف في الدين والحياء وحسن السمت ". تفسير : وأخرج ابن إسحق وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حديث : كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهود خيبر "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله صاحب موسى وأخيه المصدق لما جاء به موسى، ألا إن الله قد قال لكم يا معشر أهل التوراة وإنكم تجدون ذلك في كتابكم {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} إلى آخر السورة" . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن مردويه وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما {ذلك مثلهم في التوراة} يعني مكتوب في التوراة والإِنجيل قبل أن يخلق السموات والأرض. وأخرج أبو عبيد وأبو نعيم في الحلية وابن المنذر عن عمار مولى بني هاشم قال: سألت أبا هريرة رضي الله عنه عن القدر قال: إكتف منه بآخر سورة الفتح {محمد رسول الله والذين معه} إلى آخر السورة، يعني أن الله نعتهم قبل أن يخلقهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله {رحماء بينهم} قال: جعل الله في قلوبهم الرحمة بعضهم لبعض {سيماهم في وجوههم من أثر السجود} قال: علامتهم الصلاة {ذلك مثلهم في التوراة} قال: هذا المثل في التوراة {ومثلهم في الإِنجيل} قال: هذا مثل آخر {كزرعٍ أخرج شطأه} قال: هذا نعت أصحاب محمد في الإِنجيل. قيل له: أنه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يخرج منهم قوم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {سيماهم في وجوههم من أثر السجود} قال: صلاتهم تبدو في وجوههم يوم القيامة {ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإِنجيل كزرع أخرج شطأه} قال: سنبله حين يبلغ نباته عن حباته {فآزره} يقول: نباته مع التفافه حين يسنبل، فهذا مثل ضربه الله لأهل الكتاب إذا خرج قوم ينبتون كما ينبت الزرع فيهم رجال يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ثم يغلظ فيهم الذين كانوا معهم، وهو مثل ضربه لمحمد يقول: يبعث الله النبي وحده ثم يجتمع إليه ناس قليل يؤمنون به ثم يكون القليل كثيراً وسيغلظون، ويغيظ الله بهم الكفار يعجب الزراع من كثرته وحسن نباته. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه {كزرعٍ أخرج شطأه} قال: يقول حب بر متفرقاً فأنبتت كل حبة واحدة ثم أنبتت من حولها مثلها حتى استغلظ واستوى على سوقه يقول: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قليلاً ثم كثروا واستغلظوا. وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {كزرعٍ} قال: أصل الزرع عبد المطلب أخرج شطأه محمداً صلى الله عليه وسلم فآزره بأبي بكر فاستغلظ بعمر فاستوى بعثمان على سوقه بعلي ليغيظ بهم الكفار. وأخرج ابن مردويه والقلظي وأحمد بن محمد الزهري في فضائل الخلفاء الأربعة والشيرازي في الألقاب عن ابن عباس رضي الله عنهما {محمد رسول الله والذين معه} أبو بكر {أشداء على الكفار} عمر {رحماء بينهم} عثمان {تراهم ركعاً سجداً} علي {يبتغون فضلاً من الله ورضواناً} طلحة والزبير {سيماهم في وجوههم من أثر الشجود} عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة بن الجراح {ومثلهم في الإِنجيل كزرعٍ أخرج شطأه فآزره} بأبي بكر {فاستغلظ} بعمر {فاستوى على سوقه} بعثمان {يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار} بعلي {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات} جميع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه {كزرعٍ أخرج شطأه} قال: نباته. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أنس رضي الله عنه {كزرعٍ أخرج شطأه} قال: نباته فروخه. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه {كزرعٍ أخرج شطأه} قال: حين تخرج منه الطاقة {فآزره} قواه {فاستغلظ فاستوى على سوقه} قال: على مثل المسلمين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {كزرعٍ أخرج شطأه} قال: ما يخرج بجنب كتابه الجعلة فيتم وينمو. {فآزره} قال: فشده وأعانه {على سوقه} قال: على أصوله. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن خيثمة قال: قرأ رجل على عبد الله سورة الفتح فلما بلغ {كزرعٍ أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار} قال: ليغيظ الله بالنبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه الكفار، ثم قال: أنتم الزرع وقد دنا حصاده. وأخرج الحاكم وصححه عن عائشة في قوله {ليغيظ بهم الكفار} قالت: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمروا بالإِستغفار لهم فسبوهم.
ابو السعود
تفسير : {مُحَمَّدٌ} خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ. وقولُه تعالى {رَسُولِ ٱللَّهِ} بدلٌ أو بـيانٌ أو نعتٌ، أيْ ذلكَ الرسولُ المرسلُ بالهُدَى ودينِ الحقِّ محمدٌ رسولُ الله، وقيلَ: محمدٌ، مبتدأ، رسولُ الله خبرُهُ والجملةُ مبـينةٌ للمشهودِ بهِ. وقولُه تعالَى {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ} مبتدأٌ خبرُهُ {أَشِدَّاء عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} وأشداءُ جمعُ شديدٍ، ورحماءُ جمع رحيمٍ، والمعنى أنَّهم يُظهرونَ لمن خالفَ دينَهُم الشدةَ والصَّلابةَ ولمن وافقَهُم في الدِّينِ الرحمةَ والرأفةَ، كقولِه تعالى: { أية : أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ}. تفسير : [سورة المائدة، الآية 54] وقُرىءَ أشداءَ ورحماءَ بالنَّصبِ على المدحِ أو على الحالِ من المستكنِّ في معه لوقوعِه صلةً فالخبرُ حينئذٍ قولُه تعالى {تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً} أي تشاهدُهم حالَ كونِهم راكعينَ ساجدينَ لمواظبتِهم على الصَّلواتِ، وهُو على الأولِ خبرٌ آخرُ، أو استئنافٌ. وقولُه تعالَى: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً} أي ثواباً ورضاً إما خبرٌ آخرُ، أو حالٌ من ضميرِ تراهُم أو من المستترِ في ر كَّعاً سُجَّداً أو استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالٍ نشأَ من بـيانِ مواظبتِهم على الركوعِ والسجودِ كأنَّه قيلَ ماذَا يردونَ بذلكَ فقيلَ يبتغُون فضلاً من الله إلخ {سِيمَـٰهُمْ} أي سَمْتُهم. وقُرِىءَ سيماؤُهم بالياءِ بعد الميمِ والمدِّ وهما لغتانِ، وفيها لغةٌ ثالثةٌ هي السيماءُ بالمدِّ وهُو مبتدأٌ خبرُهُ {فِى وُجُوهِهِمْ} أيْ في جِبَاهِهم. وقوله تعالى {مّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ} حالٌ من المستكنِّ في الجارِّ أي من التأثيرِ الذي يُؤثره كثرةُ السجودِ وما رُويَ عن النبـيِّ صلى الله عليه وسلم من قولُه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ « حديث : لا تقلبوا صورَكم » تفسير : أي لا تَسِمُوها إنَّما هُو فيما إذا اعتمدَ بجبهته على الأرضِ ليحدثَ فيها تلكَ السمةَ وذلك محضُ رياءٍ ونفاقٍ والكلامُ فيما حدثَ في جبهةِ السَّجَّادِ الذي لا يسجدُ إلا خالصاً لوجهِ الله عزَّ وجلَّ وكان الإمامُ زينُ العابدينَ وعليٌّ بنُ عبد اللَّهِ بنِ العباسِ رضيَ الله عنهُمَا يقالُ لهما ذُو الثفناتِ لما أحدثتْ كثرةُ سجودِهما في مواقعهِ منهما أشباهَ ثفناتِ البعيرِ قالَ قائلُهم شعر : دِيارُ عَليَ والحُسينِ وجَعْفر وَحمزةَ والسَّجَّادِ ذِي الثَّفِنَاتِ تفسير : وقيلَ: صفرةُ الوجهِ من خشيةِ الله تعالى وقيلَ: نَدى الطَّهورِ وترابُ الأرضِ، وقيل: استنارةُ وجوهِهم من طولِ ما صلَّوا بالليلِ قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: « حديث : من كثرُتْ صلاتُه بالليلِ حسُن وجهُه بالنهارِ » تفسير : وقُرِىءَ من آثارِ السجودِ، ومن إِثْرِ السجودِ بكسرِ الهمزةِ {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى ما ذُكِرَ من نعوتِهم الجليلةِ وما فيه من مَعْنى البعدِ مع قُربِ العهدِ بالمشارِ إليه للإيذانِ بعلوِّ شأنِه وبُعد منزلتِه في الفضلِ وهو مبتدأٌ خبرُهُ قولُه تعالى {مّثْلُهُمْ} أي وصفُهم العجيبُ الشأنِ الجارِي في الغرابةِ مَجْرى الأمثالِ. وقولُه تعالَى {فِي ٱلتَّوْرَاةِ} حالٌ من مثلُهم والعاملُ مَعْنى الإشارةِ. وقولُه تعالى {وَمَثَلُهُمْ فِى ٱلإنجِيلِ} عطفٌ على مثلُهم الأولِ كأنَّه قيلَ: ذلكَ مثلُهم في التوراةِ والإنجيلِ، وتكريرُ مثلُهم لتأكيدِ غرابتهِ وزيادةِ تقريرِها. وقولُه تعالى {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ} الخ تمثيلٌ مستأنفٌ أي هُم كزرعٍ أخرجَ فراخَهُ وقيل: هو تفسيرٌ لذلك على أنه إشارةٌ مبهمةٌ وقيل: خبرٌ لقولِه تعالى ومثلُهم في الإنجيلِ على أنَّ الكلامَ قد تمَّ عند قولِه تعالى مثلُهم في التوراةِ وقرىء شَطَأه بفتحات. وقرىء شَطَاه بفتح الطاء وتخفيف الهمزة وشَطَاءَهُ بالمدِّ وشَطَه بحذفِ الهمزةِ ونقل حركتِها إلى ما قبلَها وشَطْوَه بقلبِها واواً {فَازَرَهُ} فقوَّاهُ مِن المؤازرةِ بمعنى المعاونةِ أو من الإيزارِ وهي الإعانةُ وقُرِىءَ فأزَرَه بالتخفيف وأَزَّرهُ بالتشديدِ أي شدَّ أزْرَهُ. وقولُه تعالى {فَٱسْتَغْلَظَ} فصارَ غليظاً بعد ما كانَ دقيقاً {فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ} فاستقامَ على قَصَبهِ جمع ساقٍ وقُرِىءَ سُؤقهِ بالهمزةِ. {يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ} بقوتِه وكثافتِه وغلظِه وحسنِ منظرِه وهو مثلٌ ضربَهُ الله عزَّ وجلَّ لأصحابهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قلُّوا في بدءِ الإسلامِ ثم كثروا واستحكمُوا فترقَّى أمرُهم يوماً فيوماً بحيثُ أعجبَ الناسَ وَقيلَ: مكتوبٌ في الإنجيلِ سيخرُجُ قومٌ ينبُتون نباتَ الزرعِ يأمرونَ بالمعروفِ وينهونَ عن المنكرِ. وقولُه تعالى: {لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ} علةٌ لما يعربُ عنه الكلامُ من تشبـيههم بالزرعِ في زكائِه واستحكامِه أو لما بعده من قولِه تعالى: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} فإنَّ الكفارَ إذا سمعُوا بما أُعدَّ للمؤمنينَ في الآخرةِ مع ما لهُم في الدُّنيا من العزةِ غاظَهُم ذلكَ أشدَّ غيظٍ ومنُهم للبـيانِ. عن النبـيِّ صلى الله عليه وسلم: " حديث : مَنْ قَرأَ سُورةَ الفتحِ فكأنَّما كانَ ممَّن شهدَ معَ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فتحَ مكةَ".
التستري
تفسير : قوله تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ}[29] قال: المؤمن بالله وجه بلا قفا، مقبل عليه غير معرض عنه، ذلك سيما المؤمن. وقال عامر ابن عبد قيس: كاد المؤمن يخبر عن مكنون علمه، وكذلك وجه الكافر، وذلك قوله: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ}[29] وقال ابن مسعود رضي الله عنه: سر المؤمن يكون رداء عليه. والله سبحانه وتعالى أعلم.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ} [الآية: 29]. قال ابن عطاء: وصف محمدًا صلى الله عليه وسلم بأنه رسول والرسول لا يكون إلا أمينًا مأمونًا ظاهرًا وباطنًا سرًا وعلنًا ووصف الصحابة الذين معه بأوصاف ثمانية وهى أحوال خصت بها الخواص من أصحابه وهو حال البقاء واللقاء والحمد والوفاء والصدق والحياء والصحبة والرضاء فخص أبا بكر منها بأحوال وهى حالة اللقاء لقول النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله يتجلى للخلق عامة ويتجلى لأبى بكر خاصة ". تفسير : وحال الصحبة لقوله تعالى: {أية : إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ}تفسير : [الكهف: 40] وحال الرضا بقوله: {أية : وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ} تفسير : [الليل: 21] وحال الوفاء لقوله: "لو منعونى عناقاً أو عقالاً مما كانوا يؤدونها إلى رسول الله لجاهدتهم أو لقاتلتهم" وحال الصدق لقوله: {أية : وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ}تفسير : [الزمر: 33] وخص عمر بالجهد وعثمان بالحياء وعليًا بالتقى رضى الله عنهم جميعًا. قال القاسم فى قوله: {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ} قال: كان عمر فى وقت الكفر من الذين معه فى القبضة والقسمة، ومن الذين معه فى الحكم والشريعة، سئل الحسين متى كان محمد صلى الله عليه وسلم نبياً؟ وكيف جاءت رسالته؟ فقال نحن بعد فى الرسول والرسالة، والنبى والنبوة. أين أنت عن ذكر ما لا ذاكر له فى الحقيقة إلاَّ هو، وعن هوية من لا هوية له إلاَّ بهويته؟ وأين كان النبى عن نبوته حيث جرى القلم بقوله محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة عظم محله بذكره له بالرسالة فهو الرسول المكين والسفير الأمين جرى ذكره فى الأزل، لتمكين من الملائكة والأنبياء على أعظم محل وأشرف مكان. قوله تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ} [الآية: 29]. قال سهل: المؤمن وجه لله بلا قفا مقبل عليه غير معرض عنه، وذلك سيماء المؤمنين. قال عامر بن عبد قيس: كان وجه المؤمن مخبر عن مكنون علمه وكذلك وجه الكافر وذلك قوله: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ}. وقال الفضيل: سيماء المؤمنين للخشوع والتواضع، وسيماء المنافقين الترفع والتكبر. وقال ابن عطاء: هى عليهم خلع للأنوار لائحة. قال القاسم: هو أثر الخضوع والاستكانة تحت قضاء الله وقسمه. وقال بعضهم: هو شغل قلوبهم بما عملوا هل قبل منهم أم رد عليهم. قال عبد العزيز المكى: ليس هى النحولة والصفرة لكنه نور يظهر على وجوه العابدين يبدوا من باطنهم على ظاهرهم ذلك للمؤمنين ولو كان ذلك فى زنجى أو حبشى.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ}. {أَشِدَّآءُ} جمع شديد، أي فيهم صلابةٌ مع الكفار. {رُحَمَآءُ} جمع رحيم، وصَفَهَم بالرحمة والتوادِّ فيما بينهم. {تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً}. تراهم راكعين ساجدين يطلبون من الله الفضل والرضوان. {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ}. أي علامة التخشع التي على الصالحين. ويقال: هي في القيامة يوم تَبْيَضُّ وجوهٌ، وأنهم يكونون غداً محجلين. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من كثرت صلاته بالليل حَسُنَ وجههُ بالنهار " تفسير : ويقال في التفسير: "معه" أبو بكر، و{أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ} عمر؛ و{رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} عثمان، و{تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً} عليُّ رضي الله عنهم. وقيل: الآيةُ عامةٌ في المؤمنين. {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ}. هذا مثلهم في التوراة، وأما مثلهم في الإنجيل فكزرع أخرج شطأه أي: فراخه. يقال: أشطأ الزرعُ إذا أخرج صغاره على جوانبه. {فَآزَرَهُ} أي عاونه. {فَٱسْتَغْلَظَ} أي غلظُ واستوى على سوقه؛ وآزرت الصغار الكبار حتى استوى بعضه مع بعض. يعجب هذا الزرعُ الزرَّاع ليغيظ بالمسلمين الكفار؛ شَبَّهَ النبي (صلى الله عليه وسلم) بالزرع حين تخرج طاقة واحدة ينبت حولها فتشتد، كذلك كان وحده في تقوية دينه بمن حوله من المسلمين. فمَنْ حمل الآية على الصحابة: فمن أبغضهم دخل في الكفر، لأنه قال: {لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ} أي بأصحابه الكفارَ. ومَنْ حمله على المسلمين ففيه حُجَّة على الإجماع، لأنَّ من خالف الإجماع - فالله يغايظ به الكفارَ - فمخالفُ الإجماع كافرٌ. قوله جلّ ذكره: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} وَعد المؤمنين والمؤمنات مغفرة للذنوب، وأجراً عظيماً في الجنه فقوله: "منهم" للجنس أو للذين ختم لهم منهم بالإيمان.
الجنابذي
تفسير : {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ} هذه الجملة كسابقتها جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ ومحمّد مبتدء ورسول الله خبره او رسول الله صفته وقوله {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ} عطف على محمّد (ص) عطف المفرد والمعنى على الوجه الاوّل محمّد رسول الله (ص) والّذين معه فى المرتبة رسل الله، وعلى الوجه الثّانى محمّد رسول الله (ص) مع الّذين معه {أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ} او عطف على رسول الله (ص) على الوجه الاوّل والمعنى محمّدٌ رسول الله (ص) وهو الّذين معه فى الدّرجة فانّه لا فرق بينه وبين من كان معه فى الدّرجة، او هو الّذين معه بالبيعة والتّوبة فانّه وان كان غيرهم بوجهٍ لكنّه فعليّتهم الاخيرة وقد مرّ مراراً انّ شيئيّة الشّيء بفعليّته الاخيرة فشيئيّتهم الّتى هى فعليّتهم الاخيرة محمّد (ص) باعتبار تنزّله بصورته الى مراتبهم فانّه قد مضى مكرّراً انّ البيعة تورث تكيّف البائع بحسب نفسه وفعليّته الاخيرة بصورةٍ نازلةٍ من الّذى بويع معه، وقوله تعالى اشدّاء على الكفّار {رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} قرئ بالرّفع خبراً لمحمّدٍ (ص) والّذين معه على وجهٍ او خبراً للّذين معه على وجهٍ، او خبراً لمبتدءٍ محذوفٍ على وجهٍ، وقرئ بالنّصب حالاً، ولم يأت بأداة الوصل للاشعار بانّهم جامعون بين الوصفين فى جميع الاحوال لا انّ بعضهم اشدّاء وبعضهم رحماء، ولا انّهم فى حالٍ اشدّاء وفى حالٍ رحماء كأنّهم مرجوا الشّدّة بالرّحمة نظير حلوٌ حامضٌ، لكنّ الاشدّاء بمادّته والرّحماء بهيئته يدلاّن على انّهم جامعون بين الوصفين وكاملون فيهما {تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً} كأنّهم من كثرة صلاتهم مزجوا بين الوصفين {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً} الفضل عبارة عمّا يفيض الله على العباد بحسب مقام كثرتهم، والرّضوان عبارة عمّا يفيضه عليهم بحسب مقام وحدتهم وبعبارةٍ اخرى الفضل جزاء الاعمال المأخوذة بحسب قبول الرّسالة وهى احكام القالب، والرّضوان جزاء الاعمال المأخوذة بحسب قبول الولاية وهى احكام القلب والرّوح {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ} المراد به الاثر الّذى يحدث فى جباههم من كثرة السّجود فى الصّلاة، او المراد الاثر الّذى يحدث فى وجوههم من السّهر بسبب صلاة اللّيل، او الاثر الّذى يحدث فى وجوههم من كثرة خشوعهم لله تعالى {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ}. اعلم، انّ السّالك له شأنان؛ شأن السّلوك وشأن الجذب وهو بشأن السّلوك يؤدّى الحقوق ويقيم كثرات وجوده من قواه وجنوده ويقيم من كان تحت يده من اهله وعياله وخدمه وحشمه ويصلحهم ويسدّ فاقتهم، وبشأن الجذب ينصرف عن الكثرات الى الوحدة ويجذب قواه وجنوده وعياله الى جهة الوحدة، ويجعل مرمّة معاشه ومعاش من تحت يده بحيث يؤدّى الى حسن معاده، وبعبارةٍ اخرى له توجّه الى الكثرات وتوجّه الى الوحدة، وبتوجّهه الى الكثرة يصلح معاشه بحيث يؤدّى الى حسن معاده، وبتوجّهه الى الوحدة يصرف قواه وجنوده عن الكثرة الى الوحدة، وبعبارةٍ اخرى له قربان؛ قرب النّوافل وقرب الفرائض، وبعبارةٍ اخرى ما يصل اليه من الله امّا يصل اليه بكسبه واعماله وسبق استعداده واستحقاقه واختياره وانانيّته، او من دون ذلك، والكامل ايضاً له نظران؛ نظر الى الكثرة ونظر الى الوحدة، ووجه الى الكثرة ووجه الى الوحدة، وبالوجه الى الوحدة يأخذ من الله وبالوجه الى الكثرة يفيض ما يأخذه على غيره، وبتفاوت هذين النّظرين يختلف الكاملون فى مراتب الكمال، والكامل المطلق من كان نظره الى الطّرفين متساوياً من غير ترجّحٍ لاحد الطّرفين على الآخر وهو شأن محمّدٍ (ص) والّذين معه، وامّا سائر الانبياء (ع) فلا يخلو احد منهم من رجحان احد الطّرفين وانّ موسى (ع) كان نظره الى الكثرات غالباً على نظره الى الوحدة، وعيسى (ع) كان نظره الى الوحدة غالباً ولذا نقل فيما نقل انّ محمّداً (ص) قال: انّ اخى موسى (ع) كان عينه اليمنى عمياء، واخى عيسى (ع) كان عينه اليسرى عمياء، وانا ذو العينين، وللاشارة الى انّ محمّداً (ص) والمحمّديّين جامعون للطّرفين وكاملون فى النّظرين وتامّون فى القربين قال: ذلك الّذى ذكرنا من اتّصافهم بالاوصاف الاختياريّة والاحكام القالبيّة، واصلاح الكثرة مثلهم فى التّوراة الّذى هو نشأة موسى (ع) {وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ} الّذى هو حال نشأة عيسى (ع) {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ} قرئ بسكون التّاء وفتحها وقرئ بالمدّ وبالقصر، والشّطأ فرخ الحيوان والنّبات وورق النّبات {فَآزَرَهُ} قرئ من الثّلاثىّ المجرّد وبالمدّ من باب الافعال او المفاعلة والمعنى اعانه وقوّاه حتّى لحقت هذه الافراخ الامّهات او حتّى استكمل الاوراق {فَٱسْتَغْلَظَ} الزّرع او الشّطأ {فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ} فاستوى الزّرع او الفرخ {يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ} بحسنه واستغلاظه، قيل: هذا مثلٌ ضربه الله تعالى لمحمّدٍ (ص) واصحابه فالزّرع محمّد (ص) والشّطأ اصحابه والمؤمنون حوله وكانوا فى ضعف وقلّة كما يكون اوّل الزّرع دقيقاً ثمّ غلظ وقوى وتلاحق فكذلك المؤمنون قوّى بعضهم بعضاً حتّى استغلظ واستووا على امرهم {لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالبيعة العامّة {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} بالبيعة الخاصّة فانّها اصل جميع الصّالحات، ومن باع البيعة الخاصّة كان كأنّه عمل جميع الصّالحات او آمنوا بالبيعة الخاصّة وعملوا الصّالحات على طبق ما اخذ منهم فى بيعتهم {مِنْهُمْ} من النّاس او من الّذين آمنوا او من الّذين مع محمّدٍ (ص) {مَّغْفِرَةً} ستراً لمساويهم {وَأَجْراً عَظِيماً} لا يمكن ان يوصف.
فرات الكوفي
تفسير : {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً 29} قال: حدثني سعيد بن الحسن بن مالك قال: حدثنا بكار عن الحسن بن الحسين قال: حدثنا منصور بن مهاجر عن سعاد [ر: سعد]: عن أبي جعفر عليه السلام أنه سئل عن هذه الآية: {محمد رسول الله والذين آمنوا معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً} قال: [ر: فقال] مثلٌ أجراه الله في شيعتنا كما يجري لهم في الأصلاب ثم يزرعهم في الأرحام ويخرجهم للغاية التي أخذ عليهم ميثاقهم في الخلق، فمنهم أتقياء [و. ر] شهداء، ومنهم الممتحنة قلوبهم، ومنهم العلماء، ومنهم النجباء ومنهم النجداء ومنهم أهل التقى، ومنهم أهل التقوى ومنهم أهل التسليم، فازوا بهذه الأشياء سبقت لهم من الله وفضلوا بما فضلوا وجرت للناس بعدهم في المواثيق حالهم أسماؤهم حد المستضعفين وحد المرجون لأمر الله حداً [إما يعذبهم] وإما أن يتوب عليهم، وحد عسى أن يتوب عليهم، وحد لابثين فيها [أبداً وحد لابثين فيها. أ، ب] أحقاباً، وحد خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض، ثم حد الاستثناء من الله من الفريقين منازل الناس في الخير والشر، خلقان من خلق الله فيهما المشية فمن شاء من خلقه في قسمه ما قسم له تحويل عن حال زيادة في الأرزاق أو نقص منها أو تقصير في الآجال، وزيادة فيها أو نزول البلاء أو دفعه، ثم أسكن الأبدان على ما شاء من ذلك فجعل منه شعراً في القلوب ثابتاً لأهله ومنه عواري من القلوب والصدور إلى أجل له وقت فإذا بلغ وقتهم انتزع ذلك منهم، فمن ألهمه الله الخير وأسكنه في قلبه بلغ منه غايته التي أخذ عليها ميثاقه في الخلق الأول.
الهواري
تفسير : قوله عز وجل: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} [يعني متوادّين] {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} يعني يقيمون الصلوات الخمس {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} أي: بالصلاة والصوم والدين كله {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} قال بعضهم: يعرف الخشوع في وجوههم من أثر الصلاة. وقال بعضهم: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم}: في الآخرة يقومون غُرّاً محجّلين من أثر الوضوء. ذكروا عن أبي هريرة قال: يا رسول الله، كيف تعرف أمتك؟ قال: حديث : يقومون غُرّاً محجّلين من أثر الوضوء . تفسير : قال: {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ} أي: نعتهم في التوراة {وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ} أي: ونعتهم في الإنجيل؛ النعت الأول في التوراة، والنعت الآخر في الإنجيل {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ} أي: فراخه {فَآزَرَهُ} أي فشدَّهُ {فَاسْتَغْلَظَ} أي: فاشتد، {فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} أي: على قصبه، وقال بعضهم: على أصوله {يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ} أي: كثرته وكمامه ونباته. {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} أي يخرجون فيكونون قليلاً كالزرع حين يخرج ضعيفاً فيكثرون ويقوون فشبههم بالزرع؛ قال: يعجب الزراع بهم؛ يعجبون رسول الله كما يعجب ذلك الزرع الزراع ليغيظ بهم الكفار، أي ليغيظ بهم ربهم من كفر به؛ إنما يفعل ذلك بهم ليغيظ بهم الكفار. {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً} أي مغفرة الذنوب {وَأَجْرًا عَظِيمًا} [يعني الجنة].
اطفيش
تفسير : {مُّحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ} الذي سبق ذكره في قوله أرسل رسوله وذلك مبتدأ وخبر ومحمد خبر لمحذوف ورسول بدل أو بيان لمحمد ونعته والجملة بيان للمشهود به وقال الجمهور استئناف لتعظيم رسوله صلى الله عليه وسلم* {وَالَّذِينَ مَعَهُ} مبتدأ يعني المؤمنين مطلقا وقيل الصحابة وقال ابن عباس من شهد الحديبية والجمهور على الثاني* {أَشِدَّآءُ} خبر او محمد مبتدأ ورسوله بيان وبدل ونعت والذين معطوف على محمد و {أَشِدَّآءُ} خبر جمع شديد {عَلَى الْكُفَّارِ} غلاظ عليهم أقوياء كالاسد على الفريسة قال الحسن بلغ من تشددهم على الكفار انهم يتحررون من ثيابهم أن تمس ثيابهم ومن أبدانهم ان تمس ابدانهم* {رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} خبر ثان اي يتراحمون كالوالد مع الولد جمع رحيم قال الحسن بلغ من تراحمهم فيما بينهم انه لا يرى مؤمن مؤمنا الا صافحه وعانقه والمصافحة لا خلاف فيها والمعانقة لا بأس فيها وكذا التقبيل مع الذكر البالغ حيث لا فتنة أو مع الولد ولو طفلا ولا تقبل طفلة وتقبل يد الرجل لتعظيمه في الدين وكره ابو حنيفة المعانقة وتقبيل شيء من جسد الرجل ورخص ابو يوسف في معانقته وذلك كقوله تعالى {أية : أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} {أية : وأغلظ عليهم} {أية : بالمؤمنين رؤوف رحيم} تفسير : وحق على المسلمين في كل زمان ان يراعوا هذا التشدد وهذا الترحم يشددون على من خالف دينهم ويعاشرون اخوتهم في الاسلام متعطفين بالبر والصلة وكف الأذى والمعونة والاحتمال والأخلاق السمحة قال صلى الله عليه وسلم "حديث : الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" تفسير : وقال "حديث : لا تنزع الرحمة الا من شقي" تفسير : وقال "حديث : من لا يرحم الناس لا يرحمه الله" تفسير : وأسباب الألفة كثيرة تلقاه بوجه طليق وتبذل السلام وتطيب الكلام والموفق لا يحتقر من الخير شيئا وفي الحديث "حديث : اذا التقى المسلمان كان أحبهما الى الله أحسنهما بشراً بصاحبه أو قال أكثرهما فاذا تصافحا أنزل عليهما مائة رحمة تسعون للذي بدأ وعشرة للذي صوفح" تفسير : والمسلم يرحم كل أحد الا من منع الشرع رحمته كالكافر المشرك ومن رحمته اذلال للاسلام وكل أحد له رحمة تناسبه حتى الكافر المشرك اذا اذعن للاحكام وفي الآية ما يلحق بالطباق البديعي وهو الجمع بين معنيين يتعلق أحدها بما يقابل الآخر نوع تعلق كالسببية لا اللزوم فالمعنيان الشدة والرحمة والرحمة متعلقة باللين المقابل للشدة فان اللين سبب للرحمة وملزوم لها والرحمة مسببة ولازمة وقرئ بنصب (أشداء ورحماء) على المدح والحال من ضمير الاستقرار في (معه) والخبر هو* {تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً} مشتغلون بالصلاة في أكثر أوقاتها وقيل الصلوات الخمس والرؤية بصرية* {يَبْتَغُونَ} يطلبون وهو مستأنف او حال ثالثة والأولى والثانية ركعا {سُجَّداً} وهي مترادفة وان جعلنا سجدا حالا من ضمير {رُكَّعاً} و {رُكَّعاً} حالا من ضمير {سُجَّداً} ونحو ذلك كانت متداخلة (وركعا وسجدا) جمعا راكع وساجد ويجوز كون الرؤية علمية فيتعدد المفعول الثاني* {فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَاناً} وادعى بعض ان المراد الصلاة والصوم والدين كله والصحيح الأول وهو نص صريح ان المؤمن المخلص يطلب بعمله الأجر من الله ولا ضير عليه والدرجة العليا ان يعمل تعظيما لله ولا يخطر له ثواب أو عقاب ولا أجر للمرائي وقيل {الَّذِينَ مَعَهُ} أبو بكر و {أَشِدَّآءُ} عمر و {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَاناً} بقية الصحابة وعن بعض قومنا و {رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} عثمان و {رُكَّعاً سُجَّداً} عليّ وهذان القولان انما يقول بهما الفقيه الجافي الذي لا حظ له في معرفة الكلام وتصريفه وحقيقته ولو قال قائل الرجل قائم وأراد بالرجل زيدا مثلا وبقائم عمرا لاستحق أن يكون موضع لوم عند الناس فكيف يقول الله مثل ذلك* {سِيمَاهُمْ} اي علامتهم وقرئ سيماهم* {فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} وقرئ من (آثار السجود) في وجوههم (خبر سيماهم) و (من أثر) متعلق بما يتعلق به (في) وبمحذوف حال من ضمير الاستقرار وتلك السيما تكون يوم القيامة وهي نور وبياض يعرفون بها في الآخرة انهم يسجدون في الدنيا لله قاله ابن عباس والحنفي وعطية كما يجعلون غرا محجلين من أثر الوضوء قيل يكون موضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر قيل ويؤيد هذا القول اتصال ذلك بقوله {فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَاناً} وقيل هي ان يبعثوا غرا محجلين من أثر الوضوء وبذلك يعرفون كما في الحديث وقيل هي في الدنيا فقيل عن ابن عباس انها خشوع يبدو على الوجه من الاسلام وانها سجية الاسلام وسميته اورثهم السجود ذلك وهذه حالة مكثر الصلاة لانها تنهاهم عن الفحشاء والمنكر وقال عطاء بن ابي رباح والربيع بن انس استنارة وحسن يعتريان وجوه المصلين وفي الحديث "حديث : من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" تفسير : وقال الحسن ابن ابي الحسن وشمر بن عطية بياض وصفرة في الوجه من سهر الليل في الصلاة فمن سهر في الصلاة أصبح في وجهه نور وبياض ومن سهر في اللهو واللعب أصبح في وجهه ظلمة وقيل السيمة الحسن والخشوع والتواضع وقال الضحاك صفرة وقال سعيد بن المسيب ندى الطهور وتراب الارض وعن مالك بن انس وعكرمة وابي العالية كانت جباههم متربة من كثرة السجود وذلك انهم يصلون على التراب وقيل صفرة الوجه خشية الله وقيل ما يؤثرة السجود في الوجه من التكعب في الجبهة وعليه سعيد بن جبير وكان علي بن الحسن زين العابدين وعلي بن عبدالله بن عباس يقال لكل منهما ذو الثفنات لأن كثرة سجودهما احدث في جباههما اشباه ثفنات البعير وما ذكر من الثفنات واثر التراب انما يمدح بهما لعدم قصد الفاعل المدح وان قصده فرياء وكفر ولذلك نهي عن كثرة الاعتماد على الأرض بالوجه وقالوا ترك التراب على الجبهة بعد الصلاة جفاء قال بعض السلف كنا نصلي فلا يرى بين أعيينا شيء وترى أحدنا لا يصلي فترى بين عينيه ركبة البعير فلا ندري اثقلت الأرض أم خشنت الأرض وانما اراد من قصد الرياء وقد جعل الله حسن الثناء علامة للخير والذم علامة للشر وذلك اذا كان من العالم بالاحوال ولا شك انه اذا رأيت أهل ولايتك اثنين فصاعدا يمدحون أو يذمون تحكم بمدحهم او ذمهم روي انهم "حديث : مروا بجنازة فاثنوا خيرا فقال صلى الله عليه وسلم وجبت الجنة ومروا باخرى فقالوا شرا فقال وجبت النار انتم شهداء الله في أرضه وقال يوشك ان تعرفوا اهل الجنة من اهل النار قالوا يا رسول الله به قال بالثناء الحسن والثناء القبيح وقيل يا رسول الله من أهل الجنة فقال من لا يموت حتى تملأ مسامعه بما يحب قيل فمن أهل النار قال من لا يموت حتى تملأ مسامعه بما يكره وأتاه رجل فقال متى أعلم اني محسن فقال اذا قال جيرانك محسن وانت مسيء اذا قالوا انك مسيء" تفسير : ومرت جنازة فقال ابن مسعود انظروا من أهل الجنة أو النار فقالوا بماذا فقال بالثناء الحسن والسيء وبعد فان ذلك لا يلزم صدقة وما هو الا امارة تصدق وتكذب بدليل أحاديث أخرى مروية ومن كتب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الى آخر السورة شاهد العجب من القبول والتسخير وان علق ذلك على بهيمة خضعت وينفع الحمى الباردة وتزيد القوة والشدة للشيخ المريض والحفظ وتنفع الطفل أيضا ولا سيما ان كتبها ليلة الرابع عشر من شهر رمضان المعظم وقيل في الرابع والعشرين في خرقة حرير أبيض بمسك وكافور وماء ورد ويجلده بعد لف في جلد غزال وتنفع لكل ضرر وجن وانس وجبار والحامل وهي جامعة لحروف المعجم ومن أكثر من قراءتها أجيبت دعوته وخرج من الضيق وتكون له أعوان وأنصار على الخير ويعطى خير الدنيا والآخرة وتكتب هكذا* قوله الحق وله الملك حم عسق قوله سلام فهم مغفرة طس عم اسرافيل المر على داود وعز الله الذين آمنوا {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْاَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} الخ* تكتب مدورة حتى تتم وقالوا من كتب هذا قوله الحق وله الملك* ودفنه في الأرض رأى عجبا بعد تقابل به الشمس حين تطلع* (ذلك) الوصف واشارة مبهمة أوضحها قوله {كَزَرْعٍ} الخ كقوله وقضينا اليه ذلك الأمر ان دابر هؤلاء مقطوع مصبحين* {مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ} أي صفتهم العجيبة الشأن المذكورة فيها وذلك مبتدأ ومثلهم خبر* {وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ} وقرئ بفتح الهمزة* {كَزَرْعٍ} مبتدأ وخبر هذا تفسير الضحاك ويجوز كون {مَثَلهُم} معطوفا على {مَثَلهُم} وكزرع خبر لمحذوف اي هم كزرع وهو تفسير مجاهد واختاره بعضهم وتفسيره متعلق بمثل وحال منه ومن اسم الاشارة ولو كان مبتدأ لأن فيه معنى اشير وذلك ايضا يحتمله مجاهد قال قتادة مكتوب في الانجيل سيخرج قوم ينبتون الزرع ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر كالزرع يكونون قليلا ثم يكثرون وفي التوراة ان الله قال لابراهيم عليه السلام حين دعاه في ابنه اسماعيل قد أجبتك في اسماعيل او باركت عليه وكثرته وعظمته جدا جدا واجعله لأمة عظيمة يعني أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ومن أراد الاكثار من ذلك فعليه بمقامع الصلبان وروضات الإيمان لبعض علماء قرطبة ردها الله وجميع بلاد الاندلس للاسلام كان يعرف خطوط جهل الكتاب ولغتهم وجادلهم وأقحمهم {أَخْرَجَ شَطْأَهُ} فراخه وأولاده وارخ الزرع أخرج السنابل حول الأصل أو تهيأ للانشقاق بعد ما يطلع قرأ ابن كثير وابن عامر في رواية ابن ذكوان بفتح الطاء وقرئ (شطأه) بتخفيف الهمزة (وشطاه) بالمد (وشطه) بحذف الهمزة بعد نقل فتحها للطاء (وشطوه) بقلبها واوا وتلك لغات* {فَآزَرَهُ} فقواه من المؤازرة وهي المعاونة وعن الاخفش انه فعل ومن الازر وهو الاعانة او من الازار اي كن له كالازار او شد ازره وهو الحقو ومشد الازار منه والقائل ضمير الزرع أو (شطا) او المعنى ساواه طولا وقرأ ابن كثير في رواية ابن ذكوان (فآزره بهم) بدون الف وقرئ (فازره) كذلك لكن بالتشديد {فَاسْتَغْلَظَ} موافق لمجرد اي غلظ والصيرورة اي فصار غليظا والضمير للزرع {فَاسْتَوَى} استقام* {عَلَى سُوقِهِ} تم وتلاحق بناؤه والسوق بضم السين جمع ساق وهو العود الذي يقوم عليه فيكون ساقا له وقيل السوق الأصول وعن ابن كثير (سؤقه) بالهمزة* {يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ} اي يعجب حسنه ونماءه وكثافته وغلظه وقوته الزراع وذلك مثل ضربه الله للنبي وأصحابه قلوا في بدء الاسلام ثم كثروا واستحكموا فترقى أمرهم بحيث يعجب الناس وعن النقاش عن ابن عباس الزرع النبي فآزره عليّ فاستغلظ بأبي بكر فاستوى على سوقه بعمر وقيل الزرع النبي صلى الله عليه وسلم وشطأه أبو بكر فآزره عمر فاستغلظ عثمان فاستوى على سوقه عليّ يعجب الزراع جميع المؤمنين وقيل الزرع النبي والشطء أصحابه والمؤمنون وذلك ان النبي جاء وحده فهو كحبه واحدة ثم تقوى بالمسلمين بلا شك لكن منهم من مات على غير الوفاء* {لِيَغِيظَ بِهِمُ} وفاعل يغيظ ضمير (الله) وضمير رسوله وقيل (الزراع) هو رسوله والضمير المجرور للمؤمنين واللام متعلق بمحذوف اي انماهم وارقاهم ليغيظ بهم* {الْكُفَّارَ} او متعلق بوعد لأن الكفار اذا سمعوا بما وعد للمؤمنين في الآخرة مع ما يعزهم به في الدنيا غاظهم ذلك قال الحسن من غيظ الكفار قول عمر رضي الله عنه بمكة لا يعبد الله سرا بعد اليوم قال مالك بن انس: من اصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد اصابته هذه الآية. وعندنا كذلك ما لم تقم حجة ذم احدهم* {وَعْدَ اللهِ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} وماتوا عليها ولم ينقضوها بالموت على الكبيرة مثل قتل النفس التي حرم الله فان الاتيان الى الآخرة بالعمل الصالح شرط مذكور في غير الآية فتحمل عليه الآية* {مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} هو الجنة وقيل المغفرة جزاء الايمان والاجر العظيم جزاء العمل الصالح و (من) للتبعيض فخرج من لم يأت بالعمل الصالح وأتى به وأبطله بمثل قتل حرقوص وضرب ابن مسعود وضرب ابي ذر غير ذلك وقال القوم هي للبيان ليدخل جميع الصحابة وعن ابن جبير الضمير للشطء وان الشطء من يولد ويؤمن الى يوم القيامة والجمع نظر للمعنى سلمنا انها للبيان لكن لابد من اخراج من لم يمت على الوفاء وهذه احاديث نص في الاخراج وما ورد من الأحاديث في المدح فمحمول على ذلك الشرط والتخصيص والصحابة كلهم عدول وفي الآية الا من ظهر منه ما يبرأ به منه وليس كما يدعي بعض الأصحاب ان المتولين منهم معدودون والمتبرأ منهم معدودون والباقي يوقف فيه بل نتولى الباقي لشهرتهم في الخبر وكثرة الدلائل ولكونهم تحت الامام العادل وأما من توقف فيه أصحابنا فلفعل سوء لا يبلغه البراءة وليسوا أعني من توقفوا فيهم في الولاية ثم توقفوا فيهم بل ولو كان فيهم فلا ضير في نقله منها الى الوقوف لأن ولايته تبع قال الشيخ أحمد اعلم ان الصحابة كلهم عدول الاّ من ظهر تجريحه أو ارتداده وقيل كغيرهم في التوقف عن البحث عن العدالة وقيل بعدالتهم وقيل عدول الى وقت الفتن ثم يجب البحث وجاء في العامة خير الناس قرني ثم الثاني ثم الثالث يعني الصحابة والتابعين وتابعيهم والقرن مختلف فيه قيل عشر سنين وقيل عشرون وهكذا الى مائة وقال "حديث : لا تسبوا اصحابي فوالذي نفسي بيده لو ان أحدكم انفق مثل احد ذهبا ما بلغ مدهم ولا نصيفه" تفسير : وهذا فيمن لم يرد فيه خبر منه صلى الله عليه وسلم بذمه ولم يذمه ولم ير منه وكذا قوله "حديث : لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن احبهم أحبني ومن أبغضهم فقد أبغضني ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله يوشك أن يأخذه" تفسير : وقوله "حديث : ما من أحد يموت من أصحابي بأَرض إلا بعث قائدا ونورا لهم" تفسير : وقال في الخاصة "حديث : أبو بكر وعمر وعبدالرحمن بن عوف وأبو عبيدة في الجنة" تفسير : ولم يصح عد عثمان وعليّ فيهم الأحاديث تنافي ذلك يسلمها الخصم وصعد أحدا فرجف فقال اثبت انما عليك نبي وصديق وشهيد يعني أبا بكر وعمر ولم يصح عد عثمان في الشهادة مع عمر وقال "حديث : أرحم أمتي بأُمتي أبو بكر وأشدهم في الله عمر وأشدهم حراء عثمان" تفسير : يعني الحياء الطبيعي والمكتسب الذي يكون في غير المتوفى أيضا "حديث : وأفضلهم عليّ" تفسير : يعني فضل علم وشجاعة نحوهما "حديث : وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأفرضهم زيد بن ثابت وأقرأهم أبّي بن كعب ولكل قوم أمين وأمين هذه الأمة ابو عبيدة بن الجراح وما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر" تفسير : وقال "حديث : اقتدوا بالذين من بعدي من أصحابي أبي بكر وعمر واهتدوا بهدي عثمان أي مما وافق الحق وتمسكوا بعهد ابن مسعود" تفسير : وقال "حديث : أحب النساء اليّ عائشة وأحب الرجال أبوها وبعده عمر" تفسير : وقال "حديث : رحم الله أبا بكر زوجني ابنته وحملني الى دار الهجرة وصحبني في الغار وأعتق بلالا من ماله رحم عمر يقول الحق وان كان الحق مرا" تفسير : تركه وما له من صديق وكيف يصح أن يقول رحم الله عثمان تستحي منه الملائكة ورحم الله عليا اللهم أدر الحق معه حيث دار مع ما وصفهما به من الوقوع ثم الفتنة فان صح قوله ذلك فإنما قاله قبل علمه بما يحدثان بعده وكان أبو عبدالله محمد بن محبوب يقف عن الحسن والحسين وقال ولم أجد أحدا أعاب الحسين بشيء غير أنه أعان على قتل ابن ملجم فيما قال أبو صفرة والله أعلم أكان أم لا والحسين أحسن حالا وقلبي عليه أرأف اذا كان يرمي بالنبل ودمه ينضح وكتب اليه يزيد بن معاوية أن يبايعه فهرب الى مكة ثم خرج واتبعه زيادا بجنود فقتلوه ووقف فيهما بعض المسلمين مثل ابن محبوب وتبرأ منهما بعض وبالبراءة جزم في الضياء وتبرأوا من عليّ وعثمان وطلحة وجميع من رضي بحكومة الحكمين وحسان وفي كتاب الناسخ والمنسوخ هو ليس في الولاية عند اصحابنا الا ما يوجد في بعض الأثر من ولايته ووقفوا في محمد بن مسلمة وابن عمر وسعيد بن ابي وقاص وابي هريرة وابي الدرداء ابي امامة وكعب الاحبار وعبدالله بن سلام قال وأشك في زيد بن ثابت اهو في الولاية أم لا وما سمعت من عبدالرحمن بن أبي بكر الا خيرا وتولوا أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وعبدالرحمن بن عوف وابن مسعود وأبا ذر وسلمان وحمزة والعباس وحرقوصا وأبيّ بن كعب وزيد بن صوجان وخزيمة بن ثابت ومحمدا وعبدالله ابني بديل وعمارا وبلالا وسالما وعثمان بن مظعون وأويس وعبدالله بن رواحة واعلم يا أخي ان الاقتصار على هؤلاء تحجير للواسع وقد ثبت من رواية أبي عبيدة عن جابر بن زيد رضي الله عنهما عن عائشة رضي الله عنها انها قالت يغفر الله لأبي عبد الرحمن وهو ابن عمر وهذه منها ولاية له واذا اثبتت ولايته لم يتوقف فيه لشيء رئي فيه مما لا تدخل عليه الولاية بل يتولى حتى يري منه موجب براءة وثبت من رواية أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس حديث : ان أبا طلحة لما تصدق ببير قال له صلى الله عليه وسلم بخ بخ ذلك ما رابح يروح بصاحبه الى الجنة تفسير : فهذا إخبار بأنه من أهل الجنة وادعاه انه اشارة الى حقيقة المال تكلف ولم أر أحدا ادعى ذلك وثبت في القناطر انه صلى الله عليه وسلم قال لابي الدحداح كم من عذق رداح ودار فياح في الجنة لابي الدحداح فهذا نص انه من أهل الجنة والواضح ما قررته لك والا فلا أقل من أن توالي من مات من الصحابة قبل الفتنة الا من اشتهر عنه شر فبالله عليك ما يزيح الولاية عمن اختاروا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أنفسهم وأهلهم وأموالهم وماتوا دونه في قتال المشركين كجعفر ذي الجناحين الملقب بجعفر الطيار وغيره وتولى بعض أصحابنا المتأخرين مالك بن دينار وابراهيم بن أدهم وربيعة بن العدوية ونحوهم وهم من غير الصحابة وصرح أبو محمد عبدالله بن محمد بن ناصر بن ميال بن يوسف وزير أفلح بن عبدالوهاب بولاية مالك بن دينار وهرم بن حيان اللهم ببركة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبحق السورة علينا اخز النصارى وأهنهم وإكسر شوكتهم وصلى الله على سيدنا محمد وصحبه وسلم تسليما.
اطفيش
تفسير : {مُحمدٌ} مبتدأ {رسولُ الله} نعت او بدل {والَّذين مَعَه} معطوف على محمد، والخبر هو قوله تعالى: {أشدَّاءُ} غلاظ بالقلوب والبغض والمجانبة {على الكفَّار} المشركين {رُحماءُ} خبر ثان {بيْنَهم} بالحب والتودد والنفع، أو محمد رسول الله مبتدأ وخبر جملة مستأنفة لشهادة الله عز وجل له بالرسالة، ولتحقق ما وعده، لأن رسول الله لا يقول إلا صدقا، أو خبر لمحذوف، ورسول الله نعت أو بدل أى هو محمد، أى الذى أرسله الله بالمهدى محمد، فالذين مبتدأ أخباره ما بعد، والذين معه المؤمنون مطلقا من شأنهم أن يتصفوا بالشدة على الكفَّار، والرحمة فيما بينهم، أو هم الصحابة وعليه الجمهور، وقيل اصحاب الحديبية، وعليه ابن عباس، وحاصل ذلك أنهم أشداء فى الدين علىالأعداء، رحماء على الأولياء، كما قال الله عز عز وجل: "أية : أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين" تفسير : [المائدة: 54]. ومن ذلك تحرز المؤمنون أن تتصل ثياب المشركين بثيابهم، وأبدانهم بأبدانهم، وأن لا يرى مؤمن مؤمنا الا صافحه وعانقه، كما روى عن الحسن، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا التقى المسلمان فتصافحا وحمدا الله واستغفراه غفر لهما" تفسير : رواه أبو داود عن البراء، وروى الترمذى مرفوعاً: "حديث : ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلاَّ غفر لهما قبل أن يفترقا" تفسير : وذلك على إطلاقه، ولو مع جنابة، وكذا النساء فيما بينهن ولو فى حيض أو جنابة أو نفاس، أو مع محرم على وجه يجوز، وبلا خوف فتنة، وكره أبو حنيفة المعانقة والتقبيل فى الوجه أو اليد أو غيرهما، وأجاز أبو يوسف المعانقة، وكل ذلك جائز فى المذهب، وأجيز تقبيل يد المعظم فى الدين. وروى الترمذى عن أنس أن رجلا قال: "حديث : يا رسول الله أينحنى الرجل لآخر يلقاه؟ قال: "لا" قال: أيلتزمه ويقبله؟ قال: "لا" قال أيصافح يده بيده؟ قال: "نعم"" تفسير : وزاد رزين فى روايته عن أنس بعد قوله: ويقبله، إلا أن يأتى من سفره. وكذا قدم زيد بن خالد بن حارثة المدينة، وقرع الباب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بيت عائشة، فقام اليه يجر ثوبه فاعتنقه وقبله، قال أبو ذر: ما لقيته صلى الله عليه وسلم الا صافحنى، وأرسل الى يوما فأتيته على سريره فالتزمنى، وحرمت معانقة الأمرد، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا" تفسير : رواه أبو داود عن عبد الله بن عمر، ولا بأس أن يحسن الى مشرك ليتوصل الى أمر دينى. {تراهُم} بعينك أو تعلمهم {ركَّعاً سُجَّداً} خبر آخر لمحمد، أو للذين على ما مرّ أو مستأنف، والخطاب لعموم من يصلح له على البدلية، واذا جلعناه خبرا لمحمد صح أن يعلم نفسه، وأن يرى باقى جسده بعينه بعد العينين، وما لا يراه، والركوع والسجود عبارة عن كل الصلاة، لأنهما الجزءان اللذان تمتاز بهما، والمراد بالاستمرار الذى دل عليه المضارع كثرة الصلاة لا عدم الفترة، فهو استمرار عرفى. {يبْتَغون فضلاً من الله ورضواناً} خبر آخر كذلك، أو حال من الهاء، أو من ضمير ركعا أو سجدا، ويقدر مثله للآخر، أو جواب لقول من يقول: ما يبتغون من الاستمرار على الركوع والسجود، والرضوان رضا الله عنهم، وهو دوام، وليس فى الفضل من ربهم وهو الجنة من حيث مفهوم دلالة على الدوام فأخر ما مدلوله الدوام ليختم به {سيماهُم} علامتهم {في وجُوهِهِم من أثَر السُّجود} متعلق بما تعلق به فى وجوههم، أو بوجوههم لنيابته عما حذف، أو بمحذوف حال من المستتر، والمراد ما كان فى الجهة أو الأنف هو فى الوجه، وذلك حقيقة، إذ لا يشترط للظرفية الاستغراق، وليس ما يحدث فى الجبهة كتفثه البعير من كثرة السجود يعم الوجه. وقد سمى كل من على بن الحسين زين العابدين، وعلى بن عبد الله ابن عباس ذا الثفنات لكثر سجودهما، حتى أثر فى الجبهة، ومن تعمد ذلك ليحصل فصلاته فاسدة، وذلك رياء، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تعلموا صوركم" تفسير : بمعنى لا تجعلوا فيها علامة، وكذا قال ابن عمرلرجل رأى فى أنفه سيمة من أثر السجود، ومن تعمد الأثر لم تشمله الآية، رأى السائب بن يزيد الأثر فى وجه رجل فقال أفسد وجهه، والله ما هى بالسيما التى ذكر الله تعالى أى لأنه تعمدها رياء، أو لأن السيما فى الآية ما يرى من القبول فى وجه المصلى المخلص لا لتلك الثفنة، لقد صليت ثمانين سنة وما فى وجهى ذلك، قال بعض السلف: كنَّا نصلى وما يرى ذلك فى وجوهنا، والآن يصلى الرجل فترى فى وجهه ركبة البعير، أخشنت الأرض بعدنا أم ثقلت رءوسهم. وعن سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب: السيما ندى الطهور، وتراب الأرض، وهذا من نوع ما ذكر، وهذا كله ذكرته افادة لما ذكر بعض إلا ما ذكرته من أثر القبول، فانه الذى يتبادر لى من حين صغر السن، وهو موافق لنوع ما قال مجاهد، وسعيد بن منصور: ان السيما الخشوع والتواضع، وأما الثقنة فقد تكون فى وجه الرجل وقلبه أقسى من الحجر، وعن عكرمة والضحاك: السيما صفرة الوجه من السهر فى العبادة بشرط انتفاء الرياء، ومن سهر فى اللهو تصبح ظلمة فى وجهه، ثم رأيت عين ما قلت فى قول عبد العزيز المكى أنها نور يبدو من باطن العابد على وجهه ولو زنجيا، أو حبشيا، وفى قول عطاء: حسن يعترى وجوه المصلين، وفى قول بعض: هيبة فى وجه العابد لقرب عهده بمناجاة سيده. وعن ابن عباس: السمة الحسن، وعن ابن عباس والحسن: بياض فى الوجه يوم القيامة يعرف به، وقيل: موضع السجود أشد بياضا، وتكون كالبدر، ويبعثون غرا محجلين، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : النور يوم القيامة" تفسير : رواه الطبرانى عن أبى بن كعب، فلا مانع أنه الآن ويوم القيامة. {ذَلكَ} المذكور من نعوتهم البعيدة مرتبة وشأنا، ولو قيل: هذا بدل ذلك لتوهم أن المراد ثبوت السيما فى الوجوه لقربة {مثلُهُم} وصفهم العجيب الجارى مجرى المثل فى الغرابة {في التَّوراة} حال من مثل، لأنه خبر عما فيه معنى الحدث، وهو الاشارة {وَمثَلهُم} عطف على مثلهم {في الإنْجيل} حال من مثل الثانى لعطفه على الأول المخبر به عن الاشارة {كَزرع أخرج شطأه} خبر ثان للاشارة، أو خبر لمحذوف أى هم كزرع، أو مثلهم الثانى مبتدأ خبره كزرع والشطء فروخ للزرع لأنه خرج منه وتفرع فى شاطئيه أى جانبيه، يكون فى البر والشعير وغيرهما، وفى الشجر والنخل، والظاهر أن المراد هنا البر والشعير، لأنهما أنسب بالشطء، وأكثر المأكول فى أكثر المواضع. {فآزره} فعل ماض بوزن أفعل أصله همزتان، قلبت الآخرة ألفا بمعنى أعانه وقواه من قولك: آزرته بهمزة واحدة دون ألف، أى شددت ازاره، وآزرت البناء كذلك، وبألف قويت أسافله، وليس من المؤازرة من المفاعلة بوزن فاعل بفتح العين بمعنى المعاونة كالوزير الذى يحمل ثقل الرأى لنحو السلطان، خلافاً لمجاهد وبعضهم، ويحتاج قيل إلى سماع، فان المسموع فى معنى القوة والتقوية والاعانة من هذا اللفظ، أفعل بالهمزة، وفعل بالتخفيف، قلت: لا يقوله الا عن سماع، فقد سمعه أو أجازه قياسا، إذ لا مانع من قياس كأنه قيل: قوى أصله وقواه أصله، ويجوز أن يكون مفاعلة بمعنى المساواة، كما صرح به السدى والمازنى والسرقسطى، أى ساوى الشطء أصله كقول امرىء القيس: شعر : بمحنية قد آزر الضال نبتها بجر سيوف غانمين وحبب تفسير : وقد قرىء بما يناسب الأول وهو الصحيح، فآزره بهمزة دون ألف، وآزر بهمزة وشد، دون ألف، وضمير اخرج وآزر والهاء الأولى للزرع، والثانية للشطء، فالزرع قوى الشطء بجذب عروقه الماء الى الجهة، واسناد الاخراج والايزار الى الزرع مجاز، ويجوز عود ضمير آزر الى الشطء وهاء آزره الى الزرع ومعنى تقوي الشطء مجاز كما يناسبه عود الضمير اليه تعالى فى قوله تعالى: "ليغيظ" وهو قول عكرمة. {فاسْتَغْلظ} استفعل للصيرورة نحو استحجر الطين، أى صار حجرا أى كحجر، أو للبالغة كاستعمم فى وجه، فالمراد المبالغة فى الغلظ، والأول أولى، لأن المقام للترقى ألا ترى أنه ذكر الزرع، وذكر اخراج شطئه، وهو بعد ثبوت، وذكر تقوية الشىء وهى بعد حصول الشىء وبعد ذلك ذكر الاستواء {فاسْتوى على سُوقِه} استقام على أصوله جمع ساق وهو القصبة التى تكون السنبلة مثلا أعلاها، وذلك كلابة أى جبل ولوب وقارة وقور. {يُعْجبُ الزرَّاعَ} يستحسنونه لقوته وكثافته وغلظه، ولا يرون فيه عيبا مع أنهم أعرف بعيوب الزَّرع فغيرهم أولى بالاعجاب به لحسن منظره، ولكون الزراع أعرف ذكرهم، ومثل ذلك المثل المضروب لفظ الانجيل، سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، يخرج منهم قوم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فالزرع النبى صلى الله عليه وسلم، والشطء أصحابه وهو قول ابن عباس، وقيل: الشطء المسلمون الى يوم القيامة، وهو قول حسن من جهة المعنى ونفس الأمر، حتى أنه يشمل التابعين كن قرب زيد، تابعى التابعين كأبى عبيدة مسلم بن أبى كريمة. وقيل: هو من التابعين كما قال بعض أهل عمان: انه أدرك بعض الصحابة الذين روى عنهم شيخه جابر بن زيد رحمهما الله تعالى ودخل فى ذلك أئمة المذهب كعبد الرحمن بن رستم ومن بعده، والمغاربة والجندى ابن مسعود من شراة أبى يحيى ستة مائة واحدى وثلاثين، ومحمد بن عفان سنة مائة وسبع وسبعين، ووارث بن كعب سنة مائة وتسع وسبعين، وغسان بن عبد الله سنة مائة واثنتين وتسعين، وعبد الملك بن حميد سنة مائتين وسبع، والمهنا بن جيجر سنة مائتين وست وعشرين، والصلت بن مالك سنة مائتين وسبع وثلاثين، وعزان بن تميم سنة مائتين وسبع وسبعين، وغيرهم من المشارقة كسعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب وراشد بن الوليد. ومن متأخريهم ناصر بن مرشد سنة ألف وأربع وثلاثين، وسلطان بن سيف سنة ألف وستين، كل هؤلاء أئمة عدول كبار، ومن لم أذكر أكثر ممن ذكر، ومن أهل عصر العلامة سعيد بن خلفان، واللفظ المذكور عن الانجيل أنسب بما ذكر الضحاك وقتادة أن الزرع والشطء كليهما الصحابة، قلوا فى أول الاسلام وضعفوا، ثم كثروا وقووا حالا فحالا حتى اعجب الناس أمرهم، ولا مانع من أن يكون المراد فى الانجيل بالقوم النبى وأصحابه، ضعف حاله عند الناس أولا وهو وهم شرذمة قليلون، ثم تقوى وتقووا، وكثر العدد، وهو صلى الله عليه وسلم فى العدد. وحاصل ذلك أن الاسلام بدأ غريبا، ثم تقوى فى الزيادة بالصحابة، ولا يقال: المثل الدين، لأنه تعالى قال: {مثلهم} إلا بحذف والأصل عدمه أى مثل حالهم حال زرع. {لِيَغيظ} الله متعلق بمحذوف، أى فعل ذلك الترقى فى النبى صلى الله عليه وسلم ودينه وأصحابه ليغيظ، وهذا أولى من أن يجعل تعليلا لوعد بعده، إذ هو خلاف الأصل بالتقديم، وعدم التبادر، ولا نكتة للتقديم الا الحرص أو طريق الاهتمام، أو الفاصلة، إذ ليس يصح ان يقال: ما وعد الله الذين آمنوا الخ الا ليغيظ، وليس المقام مقام الصحابة فى ذكر التغليظ، والمعنى مع تقدير المتعلق كما رأيت أولى من دعوى التقديم لأجل الفاصلة، وأيضا الكفار لم يؤمنوا بالبعث، ولا بوعد النصر فى الدنيا، فيبعد اغتياظهم بسبب وعد المغفرة والأجر للمؤمنين ولو اغتاظ من عرف الحق منهم، وجحد بلسانه، وأمكن أن يغتاظوا ولو أنكروا البعث والنصر، لأن من اشتد عداوة لأحد يغتاظ بذكره بخير، ولو لم يصح الخير عنده، فقد يصح أن يتعلق مثل محذوفا أى مثل الله لهم بذلك الغيظ {بِهِم} أى بالمؤمنين {الكُفَّار} المعتادين المقابلين من قريش وغيرهم. {وَعَد الله الذين آمنُوا وعَمِلوا الصالحات منْهُم} من المؤمنين المذكورين بأنهم أشدء على الكفَّار رحماء بينهم الخ، ومن للبيان فانها تأتى للبيان مع الضمير، كما تأتى له مع الظاهر، كأنه قيل: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهم هؤلاء الأشداء كما هو وجه فى قوله تعالى: "أية : وعد الله الذين آمنوا منْكم وعملوا الصالحات ليستخلفنَّهم" تفسير : [النور: 55] وفى قوله تعالى: "أية : لعذبنا الذين كفروا منهم" تفسير : [الفتح: 25] على أن ضمير تزيلوا بالمؤمنين، ولم أرَ أحداً أقرب إلى الشرك من الشيعة إذ جعلوا من للتبعيض، وحكموا بالردة على من لم يبايع علياً بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف يمدح الله قوما مرتدين، ويذكر الله أنه راض عنهم، وهو عالم الغيب، وكيف يمدح قوما أكثرهم يرتدون، وهم أهل بيعة الرضوان حاشاهم، وهم مذكورون فى القرآن والتوراة والانجيل، بأنهم من أولياء الله عز وجل. وقال الطبرى: الهاء فى منهم عائدة الى الشطء الذى أخرجه الزرع، وهم الداخلون فى الاسلام الى يوم القيامة، ومن الفاسد فى التفسير ما قيل عن عكرمة: أخرج شطأة بأبى بكر، فآزره بعمر، فاستغلظ بعثمان، فاسْتوى على سوقه بعلىّ، وما قيل عن ابن عباس، ولا يصح عنه أبو بكر أشداء على الكفار عمر {رحماء بينهم} عثمان {تراهم ركعاً سجداً} على {يبتغون فضلا من الله ورضوانا} طلحة والزبير {سيماهم في وجوههم من أثر السجود} عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبى وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح {ومثلهم فى الانجيل كزرع أخرج شطأه فآزره} بأبى بكر {فاستغلظ} بعمر {فاستوى على سوقه} بعثمان {يعجب الزرَّاع ليغيظ بهم الكفار} بعلى {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات} جميع الصحابة، وما قيل: من أن الزرع عبد المطلب شطأه محمد صلى الله عليه وسلم، فآزره بأبى بكر، فاستغلظ بعمر، فاستوى على سوقه بعثمان ليغيظ بهم الكفار بعلى، وفضل الصحابة لا ينكر. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأشدهم حياء عثمان، وأفضلهم علي، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرأهم أبي بن كعب، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، وما أظلت الخضراء، وأقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر أشبه عيسى في ورعه" قال عمر: فنعرف له ذلك يا رسول الله قال: "نعم" تفسير : وليس فى ذلك تفضيلهم على عليّ فى العلم، فان قوله: "أقضاهم يأتى علىّ، ذلك كله لا مخصوص بالقضاء بين الناس، بل لا يكون أقضاهم بين الناس إلا لاشتماله على تلك الخصال كلها، ولو لم يكن فيهم إلا قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم" تفسير : كما فى البخارى ومسلم، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير الناس القرن الذي أنا فيهم، ثم الثاني، ثم الثالث" تفسير : لكفى. ومن خصائص الامام على بعد قرابته: أنه أشد الصحابة حفظا على عورته من أول أمره، وأشدهم غضا لعينه، ولذلك تولى غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمره صلى الله عليه وسلم، ولما قصده داهية العرب عمرو بن العاص للقتال بقهر معاوية له على ذلك، تحرك الى جهة علي بصورة القتال، فلما قصده علي ليقتله كشف عورته فأدبر عنه علي فذهب ونجا، وقد امتثل أمر معاوية. {مغْفِرةً} مصدر ميمى أى غفرانا عظيما لا تذكر لهم، ولا توجد فى صحائفهم {وأَجْراً عَظيماً} بعد البعث، وهو تسهيل المحشر والجنة، وما لهم فيها، والله الموفق للصواب.
الالوسي
تفسير : {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ } أي هو أو ذلك الرسول المرسل بالهدي ودين الحق محمد على أن الاسم الشريف خبر مبتدأ محذوف و {رَسُولِ ٱللَّهِ } عطف بيان أو نعت أو بدل، والجملة استئناف مبين لقوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ } تفسير : [الفتح: 28] وهذا هو الوجه الأرجح الأنسب بالمساق كما في «الكشف» ويؤيده نظراً إلى بعض ما يأتي من الأوجه إن شاء الله تعالى قراءة ابن عامر في رواية {رسول} بالنصب على المدح. وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ } مبتدأ خبره قوله سبحانه: {أَشِدَّاء عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ } وقال أبو حيان: ((الظاهر أن {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ } مبتدأ وخبر)) والجملة عليه مبنية للمشهود به، أما على كونه الرسالة فظاهر، وأما على كونه محقق الوعد فقيل: لأن كينونة ما وعده لازمة لكونه عليه الصلاة والسلام رسول الله إذ هو لا يوعد إلا بما هو محقق ولا يخبر إلا عن كل صدق. وجوز كون {مُحَمَّدٌ } مبتدأ و {رَّسُول} تابعاً له {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ } عطفاً عليه والخبر عنه وعنهم قوله تعالى: {أَشِدَّاء } الخ. وقرأ الحسن {أشداء} {رحماء } بنصبهما فقيل على المدح وقيل على الحال، والعامل فيهما العامل في {مَعَهُ } فيكون الخبر على هذا الوجه جملة {تَرَاهُمْ } الآتي وكذا خبر {ٱلَّذِينَ } على الوجه الأول. والمراد بالذين معه عند ابن عباس من شهد الحديبية، وقال الجمهور: جميع أصحابه صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم. و {أَشِدَّاء } جمع شديد و {رُحَمَاء } جمع رحيم، والمعنى أن فيهم غلظة وشدة على أعداء الدين ورحمة ورقة على إخوانهم المؤمنين. وفي وصفهم بالرحمة بعد وصفهم بالشدة تكميل واحتراس فإنه لو اكتفى بالوصف الأول لربما توهم أن مفهوم القيد غير معتبر فيتوهم الفظاظة والغلظة مطلقاً فدفع بأرداف الوصف الثاني، ومآل ذلك أنهم مع كونهم أشداء على الأعداء رحماء على الإخوان، ونحوه قوله تعالى: {أية : أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [المائدة: 54] وعلى هذا قوله:شعر : حليم إذا ما الحلم زين أهله على أنه عند العدو مهيب تفسير : وقد بلغ كما روى عن الحسن من تشددهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمناً إلا صافحه وعانقه. والمصافحة لم يختلف فيها الفقهاء. أخرج أبو داود عن البراء قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا التقى المسلمان / فتصافحا وحمدا الله واستغفراه غفر لهما» تفسير : وفي رواية الترمذي «حديث : ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا» تفسير : وفي «الأذكار النووية» ((أنها مستحبة عند كل لقاء وأما ما اعتاده الناس بعد صلاتي الصبح والعصر فلا أصل له ولكن لا بأس به، فإن أصل المصافحة سنة وكونهم محافظين عليها في بعض الأحوال ومفرطين في كثير منها لا يخرج ذلك البعض عن كونه من المصافحة التي ورد الشرع بأصلها، وجعل ذلك العز بن عبد السلام في «قواعده» من البدع المباحة))، وأطال الشيخ إبراهيم الكوراني قدس سره الكلام في ذلك. وأما المعانقة فقال الزمخشري: ((كرهها أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه وكذلك التقبيل قال: لا أحب أن يقبل الرجل من الرجل وجهه ولا يده ولا شيئاً من جسده، ورخص أبو يوسف عليه الرحمة المعانقة))؛ ويؤيد ما روى عن الإمام ما أخرجه الترمذي عن أنس قال: «حديث : سمعت رجلاً يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله الرجل منا يلقى أخاه أينحني له؟ قال: لا قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: لا قال: أياخذ بيده ويصافحه؟ قال: نعم»تفسير : وفي «الأذكار» التقبيل وكذا المعانقة لا بأس به عند القدوم من سفر ونحوه، ومكروه كراهة تنزيه في غيره، وللأمرد الحسن حرام بكل حال. أخرج الترمذي وحسنه عن عائشة قالت: قدم زيد بن خالد بن حارثة المدينة ورسول الله في بيتي فقرع الباب فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يجر ثوبه فاعتنقه وقبله، وزاد رزين في حديث أنس السابق بعد قوله: ويقبله قال: «لا إلا أن يأتي من سفره» وروى أبو داود سئل أبو ذر هل كان صلى الله عليه وسلم يصافحكم إذا لقيتموه؟ قال: ما لقيته قط إلا صافحني وبعث إليَّ ذات يوم ولم أكن في أهلي فجئت فأخبرت أنه صلى الله عليه وسلم أرسل إليَّ فأتيته وهو على سريره فالتزمني فكانت أجود أجود، وهذا يؤيد الإطلاق المحكي عن أبـي يوسف؛ وينبغي التأسي بهم رضي الله تعالى عنهم في التشدد على أعداء الدين والرحمة على المؤمنين. وقد أخرج ابن أبـي شيبة وأبو داود عن عبد الله بن عمر مرفوعاً «حديث : من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا»تفسير : واخرجاهما وأحمد وابن حبان والترمذي وحسنه عن أبـي هريرة قال: «حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تنزع الرحمة إلا من شقي»تفسير : ولا بأس بالبر والإحسان على عدو الدين إذا تضمن مصلحة شرعية كما أفاد ذلك ابن حجر في «فتاويه الحديثية» فليراجع. وقرأ يحيـى بن يعمر {أشدا} بالقصر وهي قراءة شاذة لأن قصر الممدود في الشعر نحو قوله:شعر : لا بد من صنعا وإن طال السفر تفسير : وقوله تعالى: {تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً } خبر آخر ـ للذين ـ أو استئناف ويجوز فيه غير ذلك على ما لا يخفى. والرؤية بصرية. والخطاب لكل من تتأتى منه. و {رُكَّعاً سُجَّداً } حال من المفعول، والمراد تراهم مصلين، والتعبير بالركوع والسجود عن الصلاة مجاز مرسل، والتعبير بالمضارع للاستمرار وهو استمرار عرفي، ومن هنا قال في «البحر»: هذا دليل على كثرة الصلاة منهم {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ ٱللَّهِ وَرُضْوَاناً } أي ثواباً ورضا، والجملة إما خبر آخر أو حال من مفعول {تَرَاهُمْ } أو من المستتر في {رُكَّعاً سُجَّداً } أو استئناف مبني على سؤال نشأ من بيان مواظبتهم على الركوع والسجود كأنه قيل: ماذا يريدون بذلك؟ فقيل: يبتغون فضلاً الخ. وقرأ عمرو بن عبيد {ورضواناً } بضم الراء. {سِيمَـٰهُمْ } أي علامتهم وقرىء {سيمياؤهم} بزيادة ياء بعد الميم والمد وهي لغة فصيحة كثيرة في الشعر قال الشاعر:شعر : غلام رماه الله بالحسن يافعاً له سيمياء لا تشق على البصر تفسير : / وجاء سيماء بالمد واشتقاقها من السُّومة بالضم العلامة تجعل على الشاة والياء مبدلة من الواو، وهي مبتدأ خبره قوله تعالى: {فِي وُجُوهِهِمْ } أي في جباههم أو هي على ظاهرها، وقوله سبحانه: {مّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ } حال من المستكن في الجار والمجرور الواقع خبراً لسيماهم أو بيان لها أي سيماهم التي هي أثر السجود. ووجه إضافة الأثر إلى السجود أنه حادث من التأثير الذي يؤثره السجود، وشاع تفسير ذلك بما يحدث في جبهة السجاد مما يشبه أثر الكي وثفنة البعير وكان كل من العليين علي بن الحسين زين العابدين وعلي بن عبد الله بن عباس أبـي الأملاك رضي الله تعالى عنهما يقال له ذو الثفنات لأن كثرة سجودهما أحدث في مواقعه منهما أشباه ثفنات البعير وهي ما يقع على الأرض من أعضائه إذا غلظ، وما روي من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تعلبوا صوركم»تفسير : أي لا تسموها من العَلْب بفتح العين المهملة وسكون اللام الأثر، وقول ابن عمر وقد رأى رجلاً بأنفه أثر السجود: إن صورة وجهك أنفك فلا تعلب وجهك ولا تشن صورتك فذلك إنما هو إذا اعتمد بجبهته وأنفه على الأرض لتحدث تلك السمة وذاك محض رياء ونفاق يستعاذ بالله تعالى منه، والكلام فيما حدث في وجه السجاد الذي لا يسجد إلا خالصاً لوجه الله عز وجل. وأنكر بعضهم كون المراد بالسيما ذلك. أخرج الطبراني والبيهقي في «سننه» عن حميد بن عبد الرحمن قال: كنت عند السائب بن يزيد إذ جاء رجل وفي وجهه أثر السجود فقال: لقد أفسد هذا وجهه أَما والله ما هي السيما التي سمى الله تعالى ولقد صليت على وجهي منذ ثمانين سنة ما أثر السجود بين عيني، وربما يحمل على أنه استشعر من الرجل تعمداً لذلك فنفى أن يكون ما حصل به هو السيما التي سمى الله تعالى، ونظيره ما حكي عن بعض المتقدمين قال: كنا نصلي فلا يرى بين أعيننا شيء ونرى أحدنا الآن يصلي فترى بين عينيه ركبة البعير فما ندري أثقلت الأرؤس أم خشنت الأرض. وأخرج ابن جرير وجماعة عن سعيد بن جبير أنه قال: هذه السيما ندى الطهور وتراب الأرض، وروي نحوه عن سعيد بن المسبب. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد أنه قال: ليس له أثر في الوجه ولكنه الخشوع، وفي رواية هي الخشوع والتواضع، وقال منصور: سألت مجاهداً أهذه السيما هي الأثر يكون بين عيني الرجل قال: لا وقد يكون مثل ركبة البعير وهو أقسى قلباً من الحجارة، وقيل: هي صفرة الوجه من سهر الليل وروي ذلك عن عكرمة والضحاك، وروى السلمي عن عبد العزيز المكي ليس ذاك هو النحول والصفرة ولكنه نور يظهر على وجوه العابدين يبدو من باطنهم على ظاهرهم يتبين ذلك للمؤمنين ولو كان في زنجي أو حبشي، وقال عطاء والربيع بن أنس: هو حسن يعتري وجوه المصلين، وأخرج ابن المنذر وابن جرير وابن أبـي حاتم والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس قال: السمت الحسن، وعن بعضهم ترى على وجوههم هيبة لقرب عهدهم بمناجاة سيدهم. والذاهبون إلى هذه الأقوال قائلون: إن المراد علامتهم في وجوههم وهم في الدنيا، وقال غير واحد: هذه السيما في الآخرة، أخرج البخاري في «تاريخه» وابن نصر عن ابن عباس أنه قال في الآية: بياض يغشى وجوههم يوم القيامة. وأخرج ابن نصر وعبد بن حميد وابن جرير عن الحسن مثله، وأخرجوا عن عطية العوفي قال: موضع السجود أشد وجوههم بياضاً، وأخرج الطبراني في «الأوسط» و«الصغير» وابن مردويه بسند حسن عن أبـي بن كعب قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {سِيمَـٰهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ } النور يوم القيامة»تفسير : ولا يبعد أن يكون النور علامة في وجوههم في الدنيا والآخرة / لكنه لما كان في الآخرة أظهر وأتم خصه النبـي صلى الله عليه وسلم بالذكر، وإذا صح الحديث فهو مذهبـي. وقرأ ابن هرمز {إثر} بكسر الهمزة وسكون الثاء وهو لغة في أثر. وقرأ قتادة {من آثار} بالجمع. {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما ذكر من نعوتهم الجليلة؛ وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان بعلو شأنه وبعد منزلته في الفضل، وقيل: البعد باعتبار المبتدأ أعني {أَشِدَّاء } ولو قيل هذا لتوهم أن المشار إليه هو النعت الأخير ـ أعني {سِيمَـٰهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ } ـ وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ } أي وصفهم العجيب الشأن الجاري في الغرابة مجرى الأمثال، وقوله سبحانه وتعالى: {فِي ٱلتَّوْرَاةِ } حال من {مَثَلُهُمْ } والعامل معنى الإشارة؛ وقوله تعالى: {وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإنجِيلِ } عطف على {مَثَلُهُمْ } الأول كأنه قيل: ذلك مثلهم في التوراة والإنجيل. وتكرير {مَثَلُهُمْ } لتأكيد غرابته وزيادة تقريرها. وقرىء {الانجيل} بفتح الهمزة. وقوله عز وجل: {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْئَهُ} الخ تمثيل مستأنف أي هم أو مثلهم كزرع الخ فالوقف على {ٱلإنجِيلِ } وهذا مروي عن مجاهد، وقيل: {مّثْلُهُمْ } الثاني مبتدأ وقوله تعالى: {كَزَرْعٍ } الخ خبره فالوقف على {ٱلتَّوْرَاةَ } وهذا مروي عن الضحاك وأبـي حاتم وقتادة، وجوز أن يكون {ذٰلِكَ } إشارة مبهمة أوضحت بقوله تعالى: {كَزَرْعٍ } الخ كقوله تعالى: {أية : وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَٰلِكَ ٱلأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَٰؤُلآْءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ } تفسير : [الحجر: 66] فعلى الأول والثالث {مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإنجِيلِ } شيء واحد إلا أنه على الأول {أَشِدَّاء عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ } الخ، وعلى الثالث {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ } الخ وعلى الثاني {مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ } شيء وهو {أَشِدَّاء } الخ ومثلهم في الإنجيل شيء آخر وهو {كَزَرْعٍ } الخ. واعترض الوجه الثالث بأن الأصل في الإشارة أن تكون لمتقدم وإنما يشار إلى المتأخر إذا كان نعتاً لاسم الإشارة نحو {أية : ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ } تفسير : [البقرة: 2]، وفيه أن الحصر ممنوع. والشطء فروخ الزرع كما قال غير واحد وهو ما خرج منه وتفرع في شاطئيه أي في جانبيه؛ وجمعه كما قال الراغب أشطاء، وقال قطرب: شوك السنبل يخرج من الحبة عشر سنبلات وتسع وثمان، وقال الكسائي والأخفش: طرفه، وأنشدوا:شعر : أخرج الشطء على وجه الثرى ومن الأشجار أفنان الثمر تفسير : وزعم أبو الفتح أن الشطء لا يكون إلا في البر والشعير، وقال صاحب «اللوامح»: شطأ الزرع وأشطأ إذا أخرج فراخه وهو في الحنطة والشعير وغيرهما، وفي «البحر» أشطأ الزرع أفرخ والشجرة أخرجت غصونها. وفي «القاموس» الشطء فراخ النخل والزرع أو ورقه جمعه شطوء، وشطأ كمنع شطأً وشطوءاً أخرجها، ومن الشجر ما خرج حول أصله وجمعه أشطاء، وأشطأ أخرجها اهـ، وفيه ما يرد به على أبـي الفتح مع زيادة لا تخفى فائدتها فلا تغفل. وقرأ ابن كثير وابن ذكوان {شطأه} بفتح الطاء. وقرأ أبو حيوة وابن أبـي عبلة وعيسى الكوفي كذلك وبالمد. وقرأ زيد بن علي كذلك أيضاً وبألف بدل الهمزة فاحتمل أن يكون مقصوراً وأن يكون أصله الهمز فنقل الحركة وأبدل الهمزة ألفاً كما قالوا في المرأة والكمأة المراة والكماة، وهو تخفيف مقيس عند الكوفيين وعند البصريين شاذ لا يقاس عليه، وقرأ أبوجعفر {شطه} بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على الطاء، ورويت عن شيبة ونافع والجحدري، وعن الجحدري أيضاً {شطوه} بإسكان الطاء وواو بعدها، قال أبو الفتح: هي لغة أو بدل من الهمزة. {فَآزَرَهُ} أي أعانه وقواه قاله الحسن وغيره، قال الراغب: وأصله من شد الإزار / يقال: أزرته أي شددت إزاره ويقال: آزرت البناء وأزرته قويت أسافله، وتأزر النبات طال وقوي. وذكر غير واحد أنه إما من المؤازرة بمعنى المعاونة أو من الإيزار وهي الإعانة. وفي «البحر» {آزر } أفعل كما حكي عن الأخفش، وقول مجاهد وغيره فاعل خطأ لأنه لم يسمع في مضارعه إلا يؤزر على وزن يكرم دون يوازر. وتعقب بأن هذه شهادة نفي غير مسموعة على أنه يجوز أن يكون ورد من بابين واستغنى بأحدهما عن الآخر ومثله كثير، مع أن السرقسطي نقله عن المازني لكنه قال: يقال آزر الشيء غيره أي ساواه وحاذاه، وأنشد لامرىء القيس:شعر : بمحنية قد آزر الضال نبتها مَجَرِّ جيوش غانمين وخيب تفسير : وجعل ما في الآية من ذلك، وهو مروي أيضاً عن السدي قال: آزره صار مثل الأصل في الطول، والجمهور على ما نقل أولاً. والضمير المرفوع في {آزَرَهُ} للشطء والمنصوب للزرع أي فقوى ذلك الشطء الزرع، والظاهر أن الإسناد في أخرج وآزر مجازي وكون ذلك من الإسناد إلى الموجب، وهو حقيقة على ما ذهب إليه السيالكوتي في «حواشيه على المطول» حيث قال في قولهم: سرتني رؤيتك: هذا القول مجاز إذا أريد منه حصول السرور عند الرؤية أما إذا أريد منه أن الرؤية موجبة للسرور فهو حقيقة لا يخفى حاله. وقرأ ابن ذكوان {فأزره } ثلاثياً. وقرىء {فأزره } بشد الزاي أي فشد أزره وقواه. {فَٱسْتَغْلَظَ } فصار من الدقة إلى الغلظ، وهو من باب استنوق الجمل، ويحتمل أن يراد المبالغة في الغلظ كما في استعصم ونحوه، وأوثر الأول لأن المساق ينبىء عن التدرج {فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ } فاستقام على قصبه وأصوله جمع ساق نحو لابة ولوب وقارة وقور. وقرأ ابن كثير {سؤقه } بإبدال الواو المضموم ما قبلها همزة، قيل: وهي لغة ضعيفة، ومن ذلك قوله:شعر : أحب المؤقدين إلى مؤسى تفسير : {يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ } بقوته وكثافته وغلظه وحسن منظره. والجملة في موضع الحال أي معجباً لهم، وخصهم تعالى بالذكر لأنه إذا أعجب الزراع وهم يعرفون عيوب الزرع فهو أحرى أن يعجب غيرهم، وهنا تم المثل وهو مثل ضربه الله تعالى للصحابة رضي الله تعالى عنهم قلوا في بدء الإسلام ثم كثروا واستحكموا فترقى أمرهم يوماً فيوماً بحيث أعجب الناس، وهذا ما اختاره بعضهم وقد أخرجه ابن جرير وابن المنذر، عن الضحاك وابن جرير وعبد بن حميد عن قتادة، وذكرا عنه قال أيضاً: مكتوب في الإنجيل سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يخرج منهم قوم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وفي «الكشاف» ((هو مثل ضربه الله تعالى لبدء ملة الإسلام وترقيه في الزيادة إلى أن قوي واستحكم لأن النبـي صلى الله عليه وسلم قام وحده ثم قواه الله تعالى بمن معه كما يقوي الطاقة الأولى ما يحتف بها مما يتولد منها))، وظاهره أن الزرع هو النبـي صلى الله عليه وسلم والشطء أصحابه رضي الله تعالى عنهم فيكون مثلاً له عليه الصلاة والسلام وأصحابه لا لأصحابه فقط كما في الأول ولكل وجهة، وروي الثاني عن الواقدي، وفي خبر أخرجه ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس ما يقتضيه. وقوله تعالى: {لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّٰرِ } علة لما يعرب عنه الكلام من إيجاده تعالى لهم على الوجه الذي تضمنه التمثيل، وظاهر كلام بعضهم أنه علة للتمثيل وليس بذاك، وقيل: علة لما بعده من قوله تعالى: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } فإن الكفار إذا سمعوا بما أعد الله تعالى للمؤمنين في الآخرة مع ما لهم في الدنيا من العزة غاظهم ذلك، وهو مع توقف تماميته بحسب الظاهر على / كون الكفار مستيقنين بالآخرة ومتحققين كون الوعد منه عز وجل بعيد. وضمير {مِنْهُمْ } لمن عاد عليه الضمائر السابقة، و {مِنْ } للبيان مثلها في قوله تعالى: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَـٰنِ } تفسير : [الحج: 30] وليس مجيئها كذلك مخصوصاً بما إذا كانت داخلة على ظاهره كما توهم صاحب «التحفة الإثني عشرية» في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ } تفسير : [النور: 55] فقال: حمل {مِنْ } للبيان إذا كان داخلاً على الضمير مخالف لاستعمال العرب، وأنكر ذلك عليه صاحب الترجمة لكن قال: لو ادعى هذا الخلاف في ضميري الخطاب والتكلم لم يبعد. ومن مجيئها للبيان داخلة على ضمير الغائب قوله تعالى: {أية : لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ } تفسير : [الفتح: 25] عند القائلين بأن ضمير {تَزَيَّلُواْ } للمؤمنين لا للتبعيض كما يقوله الشيعة الزاعمون ارتداد أكثر الصحابة رضي الله تعالى عنهم من أهل بيعة الرضوان وغيرهم، فإن مدحهم السابق بما يدل على الاستمرار التجددي كقوله تعالى: {تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً } ووصفهم بمايدل على الدوام والثبات كقوله سبحانه: {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى ٱلْكُفَّارِ } يأبى التبعيض والارتداد الذين زعموه عند من له أدنى إنصاف وشمة من دين، ويزيد زعمهم هذا سقوطاً عن درجة الاعتبار أن مدحهم ذاك قد كتبه الله تعالى في التوراة قبل أن يخلق السمٰوات والأرض، ولا يكاد عاقل يقبل أنه تعالى أطلق المدح وكتبه لأناس لم يثبت على تلك الصفة إلا قليل منهم، وإذا قلنا: إن هؤلاء الممدوحين هم أهل بيعة الرضوان الذين بايعوه عليه الصلاة والسلام في الحديبية كما يشعر به {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ } لا سيما على القول بأن السورة بتمامها نزلت عند منصرفه عليه الصلاة والسلام من الحديبية قبل أن يتفرقوا عنه صلى الله عليه وسلم كان سقوط ذلك الزعم أبين وأبين لأن الارتداد الذي يزعمونه كان لترك مبايعة علي كرم الله تعالى وجهه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع العلم بالنص على خلافته بزعمهم ومبايعة أبـي بكر رضي الله تعالى عنه، وكيف يكون ذاك ارتداداً والله عز وجل حين رضي عنهم علم أنهم يفعلونه، والقول بأنه سبحانه إنما رضي عن مبايعتهم أو عنهم من حيث المبايعة ولم يرض سبحانه عنهم مطلقاً لأجلها خلاف ظاهر الآية، والظاهر ما نفي، ولا يعكر عليه صدور بعض المعاصي من بعضهم بعد وإنما يعكر صدور ما لا يجامع الرضا أصلاً كالارتداد والعياذ بالله تعالى، وبالجملة جعل {مِنْ } للتبعيض ليتم للشيعة ما زعموه مما يأباه الكتاب والسنة وكلام العترة. وفي «التحفة الإثني عشرية» من ذلك ما تنشرح له الصدور وتزداد به قلوب المؤمنين نوراً على نور، ويا سبحان الله أين جعل {مِنْ } للتبعيض من دعوى الارتداد، ولكن من يضلل الله فما له من هاد. وتأخير {مِنْهُمْ } هنا عن {عَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } وتقديم {مّنكُمْ } عليه في آية النور [55] التي ذكرناها آنفاً لأن عمل الصالحات لا ينفك عنهم، وذلك ثمت لبيان الخلفاء والعمل الصالح ليس موقوفاً عليه لاستمرار صحة خلافتهم حتى لا ينعزلوا بالفسق، وقال ابن جرير: «منهم» يعني من الشطء الذي أخرجه الزرع وهم الداخلون في الإسلام إلى يوم القيامة فأعاد الضمير على معنى الشطء وكذلك فعل البغوي ولا يخفى بعده. هذا وفي «المواهب» أن الإمام مالكاً قد استنبط من هذه الآية تكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فإنهم يغيظونهم ومن غاظه الصحابة فهو كافر، ووافقه كثير من العلماء انتهى. وفي «البحر» ((ذكر عند مالك رجل ينتقص الصحابة فقرأ مالك هذه الآية فقال: من أصبح من الناس في قلبه غيظ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية))، ويعلم تكفير الرافضة بخصوصهم، وفي كلام عائشة / رضي الله تعالى عنها ما يشير إليه أيضاً، فقد أخرج الحاكم وصححه عنها في قوله تعالى: {لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ } قالت: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم. وعن بعض السلف جعل جمل الآية كل جملة مشيرة إلى معين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فعن عكرمة أنه قال: {أَخْرَجَ شَطْأَهُ } بأبـي بكر {فَآزَرَهُ } بعمر {فَٱسْتَغْلَظَ } بعثمان {فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ } بعلي رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وأخرج ابن مردويه والقاضي أحمد بن محمد الزهري في «فضائل الخلفاء الأربعة» والشيرازي في «الألقاب» عن ابن عباس {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ } أبو بكر {أَشِدَّاء عَلَى ٱلْكُفَّارِ } عمر {رُحَمَاء بَيْنَهُمْ } عثمان {تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً } علي كرم الله تعالى وجهه {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً } طلحة والزبير {سِيمَـٰهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ } عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبـي وقاص وأبو عبيدة بن الجراح {وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ} بأبـي بكر {فَٱسْتَغْلَظَ } بعمر {فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ } بعثمان {يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ } بعلي كرم الله تعالى وجهه {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } جميع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر عنه رضي الله تعالى عنه أيضاً في قوله تعالى: {كَزَرْعٍ} قال: أصل الزرع عبد المطلب {أَخْرَجَ شَطْأَهُ } محمد صلى الله عليه وسلم {فَآزَرَهُ} بأبـي بكر {فَٱسْتَغْلَظَ } بعمر {فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ } بعثمان {لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ } بعلي رضي الله تعالى عنه، وكل هذه الأخبار لم تصح فيما أرى ولا ينبغي تخريج ما في الآية عليها، وأعتقد أن لكل من الخلفاء رضي الله تعالى عنهم الحظ الأوفى مما تضمنته، ومتى أريد بالزرع النبـي عليه الصلاة والسلام كان حظ علي كرم الله تعالى وجهه من شطأه أوفى من حظ سائر الخلفاء رضي الله تعالى عنه، ولعل مؤازرته ومعاونته البدنية بقتل كثير من الكفرة أعدائه عليه الصلاة والسلام أكثر من مؤازرة غيره من الخلفاء أيضاً، ومع هذا لا ينخدش ما ذهب إليه محققو أهل السنة والجماعة في مسألة التفضيل كما لا يخفى على النبيه النبيل، فتأمل والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ومن باب الاشارة في بعض الآيات: {أية : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً } تفسير : [الفتح: 1] يشير عندهم إلى فتح مكة العماء بادخال الأعيان الثابتة ظاهره بنور الوجود فيها أي إظهارها للعيان لأجله عليه الصلاة والسلام على أن لام {لَكَ } للتعليل، وحاصله أظهرنا العالم لأجلك وهو في معنى ما يروونه من قوله سبحانه: "لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك" وقيل: يشير إلى فتح باب قلبه عليه الصلاة والسلام إلى حضرة ربوبيته عز وجل بتجلي صفات جماله وجلاله وفتح ما انغلق على جميع القلوب من الأسرار وتفصيل شرائع الإسلام وغير ذلك من فتوحات قلبه صلى الله عليه وسلم {لّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} ليستر وجودك في جميع الأزمنة بوجوده جل وعلا {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } بإثبات جميع حسنات العالم في صحيفتك إذ كنت العلة في إظهاره {أية : وَيَهْدِيَكَ صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً } تفسير : [الفتح: 2] بدعوة الخلق على وجه الجمع والفرق {وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ } على النفوس الأمارة ممن تدعوهم إلى الحق {أية : نَصْراً عَزِيزاً } تفسير : [الفتح: 3] قلما يشبهه نصر، ومن هنا كان صلى الله عليه وسلم أكثر الأنبياء عليهم السلام تبعاً، وكان علماء أمته كأنبياء بني إسرائيل إلى غير ذلك مما حصل لأمته بواسطة تربيته على الصلاة والسلام لهم وإفاضة الأنوار والأسرار على نفوسهم وأرواحهم، والمراد ليجمع لك هذه الأمور فلا تغفل {هُوَ ٱلَّذِي أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } فسروها بشيء يجمع نوراً وقوة وروحاً بحيث يسكن إليه ويتسلى به الحزين والضجر ويحدث عنده القيام بالخدمة / ومحاسبة النفس وملاطفة الخلق ومراقبة الحق والرضا بالقسم والمنع من الشطح الفاحش، وقالوا: لا تنزل السكينة إلا في قلب نبـي أو ولي {أية : لِيَزْدَادُواْ إِيمَـٰناً مَّعَ إِيمَـٰنِهِمْ } تفسير : [الفتح: 4] فيحصل لهم الإيمان العياني والإيمان الاستدلالي البرهاني {إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ شَاهِداً } على جميع المخلوقات إذ كنت أول مخلوق، ومن هنا أحاط صلى الله عليه وسلم علماً بما لم يحط به غيره من المخلوقات لأنه عليه الصلاة والسلام شاهد خلق جميعها، ومن هذا المقام قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد» {أية : وَمُبَشّراً وَنَذِيراً } تفسير : [الفتح: 8] إذ كنت أعلم الخلق بصفات الجمال والجلال {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ } يشير عندهم إلى كمال فناء وجوده صلى الله عليه وسلم وبقائه بالله عز وجل، وأيد ذلك بقوله سبحانه: {أية : يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } تفسير : [الفتح: 10] {سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ } المتخلفون عن السير إلى قتال الأنفس الأمارة {مّنَ ٱلأَعْرَابِ } من سكان بوادي الطبيعة {شَغَلَتْنَا أَمْوٰلُنَا وَأَهْلُونَا } العوائق والعلائق {فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا } اطلب من الله عز وجل ستر ذلك عنا ليتأتى لنا السير {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ } لتمكن حب ذلك في قلوبهم وعدم استعدادهم لدخول غيره فيها:شعر : رضوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم وخاضوا بحار الحب دعوى فما ابتلوا تفسير : {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً } أي إن هاتيك العوائق والعلائق لا تجديكم شيئاً {أية : بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْلَمُونَ خَبِيراً } تفسير : [الفتح: 11] فيجازيكم عليها حسبما تقتضي الحكمة {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ } بل حسبتم أن لا يرجع العقل والقوى الروحانية من السالكين السائرين إلى جهاد النفس وطلب مغانم التجليات والأنس إلى ما كانوا عليه من إدراك المصالح وتدبير حال المعاش وما تقتضيه هذه النشأة {وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْء } بالله تعالى وشؤنه عز وجل {وَكُنتُمْ } في نفس الأمر {أية : قَوْماً بُوراً } تفسير : [الفتح: 12] هالكين في مهالك الطبيعة وسوء الاستعداد {سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا } وهي مغانم التجليات ومواهب الحق لأرباب الحضرات {ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ } دعونا نسلك مسلككم لننال منالكم {يُرِيدُونَ أَن يُبَدّلُواْ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ } في حقهم من حرمانهم المغانم لسوء استعدادهم {قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ } حكم وقضى {مِن قَبْلُ } إذ كنتم في عالم الأعيان الثابتة {فَسَيَقُولُونَ } منكرين لذلك {بَلْ تَحْسُدُونَنَا } ولهذا تمنعوننا عن الاتباع {أية : بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } تفسير : [الفتح: 15] ولذلك نسبوا الحسد وهو من أقبح الصفات إلى ذوي النفوس القدسية المطهرة عن جميع الصفات الردية {قُلْ لّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ } ولا تتركون سدى {إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ } وهم النفس وقواها {تُقَـٰتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ } ينقادون لحكم رسول العقل المنزه عن شوائب الوهم {فَإِن تُطِيعُواْ } الداعي {يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ } تعالى: {أَجْرًا حَسَنًا } من أنواع المعارف والتجليات {أية : وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مّن قَبْلُ يُعَذّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً } تفسير : [الفتح: 16] وهو عذاب الحرمان والحجاب {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ } وهو من لم ير في الدار غيره دياراً {حَرَجٌ} في ترك السلوك والجهاد المطلوب منكم لأنه وراء ذلك {وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ } وهو من فقد شيخاً كاملاً سالماً عن عيب في كيفية التسليك والإيصال {حَرَجٌ } في ترك السلوك أيضاً، وهو إشارة إلى ما قالوا من أن ترك السلوك خير من السلوك على يد ناقص {وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ } بمرض العشق والهيام {أية : حَرَجٌ } تفسير : [الفتح: 17] في ذاك أيضاً لأنه مجذوب والجذبة خير من السلوك {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ } يشير إلى المعاهدين على القتل بسيف المجاهدة تحت سمرة الانفراد عن الأهل والمال، ويقال في أكثر الآيات الآتية نحو هذا {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى ٱلْكُفَّارِ } أعداء الله عز وجل في مقام الفرق {رُحَمَاء} فِيمَا {بَيْنَهُمْ} لقوة مناسبة بعضهم / بعضاً فهم جامعون لصفتي الجلال والجمال {سِيمَـٰهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ } له عز وجل وعدم السجود لشيء من الدنيا والأخرى وتلك السيما خلع الأنوار الإلهية، قال عامر بن عبد قيس: كاد وجه المؤمن يخبر عن مكنون عمله وكذلك وجه الكافر {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً } ستراً لصفاتهم بصفاته عز وجل {وَأَجْراً عَظِيماً } [الفتح: 29] وهو أن يتجلى سبحانه لهم بأعظم تجلياته وإلا فكل شيء دونه جل جلاله ليس بعظيم، وسبحانه من إله رحيم وملك كريم.
ابن عاشور
تفسير : {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ} لما بيّن صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في رؤياه واطمأنت نفوس المؤمنين أعقب ذلك بتنويه شأن الرسول صلى الله عليه وسلم والثناء على المؤمنين الذين معه. و {محمد} خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو محمد يعود هذا الضمير المحذوف على قوله: {أية : رسوله}تفسير : [الفتح: 28] في الآية قبلها. وهذا من حذف المسند الذي وصفه السكاكي "بالحذف الذي الاستعمال وارد على ترك المسند إليه وترك نظائره". قال التفتازاني في «المطول» «ومنه قولهم بعد أن يذكروا رجلاً: فتى من شأنه كذا وكذا، وهو أن يذكروا الديار أو المنازل ربع كذا وكذا». ومن أمثلة «المفتاح» لذاك قوله: (فراجعهما) أي العقل السليم والطبع المستقيم في مثل: قولهشعر : سأشكر عمراً إن تراخَتْ منيتي أياديَ لم تُمنن وإنْ هيَ جلّت فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت تفسير : إذ لم يقل: هو فتى. وهذا المعنى هو الأظهر هنا إذ ليس المقصود إفادة أن محمداً رسول الله وإنما المقصود بيان رسول الله من هو بعد أن أجرى عليه من الأخبار من قوله: {أية : لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق}تفسير : [الفتح: 27] إلى قوله: {أية : ليظهره على الدين كله}تفسير : [الفتح: 28] فيعتبر السامع كالمشتاق إلى بيان: مَنْ هذا المتحدث عنه بهذه الأخبار؟ فيقال له: محمد رسول الله، أي هو محمد رسول الله. وهذا من العناية والاهتمام بذكر مناقبه صلى الله عليه وسلم. فتعتبر الجملةُ المحذوفُ مبتدؤها مستأنفةً استئنافاً بيانياً. وفيه وجوه أخر لا تخفى، والأحسن منها هذا. وفي هذا نداء على إبطال جحود المشركين رسالته حين امتنعوا من أن يكتب في صحيفة الصلح «هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. وقالوا: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت». وقوله: {والذين معه} يجوز أن يكون مبتدأ و {أشداء} خبراً عنه وما بعده إخبار. والمقصود الثناء على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومعنى {معه}: المصاحَبة الكاملة بالطاعة والتأييد كقوله تعالى: {وقال الله إني معكم}. والمراد: أصحابه كلهم لا خصوص أهل الحديبية. وإن كانوا هم المقصود ابتداء فقد عُرفوا بصدق ما عاهدوا عليه الله، ولذلك لما انهزم المسلمون يوم حنين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس بن عبد المطلب نادِ يا أصل السَّمُرة. ويجوز أن يكون {والذين معه} عطفاً على {رسولَه} من قوله: {أية : هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق}تفسير : [التوبة: 33]. والتقدير: وأرسل الذين معه، أي أصحابه على أن المراد بالإرسال ما يشمل الإذن لهم بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى: {أية : إذ أرسلنا إليهم اثنين}تفسير : [يس: 14] الآية فإن المرسلين إلى أهل أنطاكية كانوا من الحواريين، أمرهم عيسى بنشر الهدى والتوحيد. فيكون الإرسال البعث له في قوله تعالى: {بعثنا عليكم عبادا لَنَا} وعلى هذا يكون {أرسلنا} في هذه الآية مستعملاً في حقيقته ومجازه. و {أشداء}: جمع شديد، وهو الموصوف بالشدة المعنوية وهي صلابة المعاملة وقساوتها، قال تعالى في وصف النار {أية : عليها ملائكة غلاظٌ شداد}تفسير : [التحريم: 6]. والشدة على الكفار: هي الشدة في قتالهم وإظهار العداوة لهم، وهذا وصف مدح لأن المؤمنين الذين مع النبي صلى الله عليه وسلم كانوا هم فئة الحق ونشر الإسلام فلا يليق بهم إلا إظهار الغضب لله والحب في الله والبغض في الله من الإيمان، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أقوى المؤمنين إيماناً من أجْل إشراق أنوار النبوءة على قلوبهم فلا جرم أن يكونوا أشد على الكفار فإن بين نفوس الفريقين تمام المضادة وما كانت كراهيتهم للصلح مع الكفار يوم الحديبية ورغبتهم في قتل أسراهم الذين ثقفوهم يوم الحديبية وعفا عنهم النبي صلى الله عليه وسلم إلا من آثار شدتهم على الكفار ولم تكن لاحت لهم المصلحة الراجحة على القتال وعلى القتل التي آثرها النبي صلى الله عليه وسلم. ولذلك كان أكثرهم محاورة في إباء الصلح يومئذٍ أشد أشدّائهم على الكفار وهو عمر بن الخطاب وكان أفهمهم للمصلحة التي توخاها النبي صلى الله عليه وسلم في إبرام الصلح أبا بكر. وقد قال سهل بن حنيف يوم صفين: أيها الناس اتهموا الرأي فلقد رأيتنا يوم أبي جندل، ولو نستطيع أن نرد على رسول الله فعله لرددناه. والله ورسوله أعلم. ثم تكون أحكام الشدة على الكفار من وجوب وندب وإباحة وأحكام صحبتهم ومعاملتهم جارية على مختلف الأحوال ولعلماء الإسلام فيها مقال، وقد تقدم كثير من ذلك في سورة آل عمران وفي سورة براءة. والشدة على الكفار اقتبسوها من شدة النبي صلى الله عليه وسلم في إقامة الدين قال تعالى {أية : بالمؤمنين رؤوف رحيم}تفسير : [التوبة: 128]. وأما كونهم رحماء بينهم فذلك من رسوخ أخوة الإيمان بينهم في نفوسهم. وقد وردت أخبار أخوتهم وتراحمهم في مواضع كثيرة من القرآن وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم. وفي الجمع لهم بين هاتين الخلتين المتضادتين الشدّةِ والرحمة إيماء إلى أصالة آرائهم وحكمة عقولهم، وأنهم يتصرفون في أخلاقهم وأعمالهم تصرف الحكمة والرشد فلا تغلب على نفوسهم محمدة دون أخرى ولا يندفعون إلى العمل بالجبلة وعدم الرؤية. وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: {أية : فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعِزّة على الكافرين} تفسير : في سورة العقود (54). وفي تعليق {رحماء} مع ظرف (بين) المفيد للمكان الداخل وسط ما يضاف هو إليه تنبيه على انبثاث التراحم فيهم جميعاً قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : تجد المسلمين في توادِّهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو اشتكى له جميع الجسد بالسهر والحمى» تفسير : . والخطاب في {تراهم} لغير معين بل لكل من تتأتى رؤيته إياهم، أي يراهم الرائي. وإيثار صيغة المضارع للدلالة على تكرر ذلك، أي تراهم كلما شئت أن تراهم ركعاً سجداً. وهذا ثناء عليهم بشدة إقبالهم على أفضل الأعمال المزكية للنفس، وهي الصلوات مفروضُها ونافلتها وأنهم يتطلبون بذلك رضى الله ورضوانه. وفي سوق هذا في مساق الثناء إيماء إلى أن الله حقق لهم ما يبتغونه. والسيما: العلامة، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : تعرفهم بسيماهم} تفسير : في البقرة (273) وهذه سيما خاصة هي من أثر السجود. واختلف في المراد من السيما التي وصفت بأنها {من أثر السجود} على ثلاثة أنحاء الأول: أنها أثر محسوس للسجود، الثاني أنها من الأثر النفسي للسجود، الثالث أنها أثر يظهر في وجوههم يوم القيامة. فبالأول فسر مالك بن أنس وعكرمة وأبو العالية قال مالك: السيما هي ما يتعلق بجباههم من الأرض عند السجود مثل ما تعلق بجبهة النبي صلى الله عليه وسلم من أثر الطين والماء لما وَكَف المسجد صبيحة إحدى وعشرين من رمضان. وقال السعيد وعكرمة: الأثر كالغدة يكون في جبهة الرجل. وليس المراد أنهم يتكلفون حدوث ذلك في وجوههم ولكنه يحصل من غير قصد بسبب تكرر مباشرة الجبهة للأرض وبشرات الناس مختلفة في التأثر بذلك فلا حرج على من حصل له ذلك إذا لم يتكلفه ولم يقصد به رياء. وقال أبو العالية: يسجدون على التراب لا على الأثواب. وإلى النحو الثاني فسر الأعمش والحسن وعطاء والربيع ومجاهد عن ابن عباس وابن جزء والضحاك. فقال الأعمش: مَن كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار. وقريب منه عن عطاء والربيع بن سليمان. وقال ابن عباس: هو حسن السمت. وقال مجاهد: هو نور من الخشوع والتواضع. وقال الحسن والضحاك: بياض وصفرة وتهيج يعتري الوجوه من السهر. وإلى النحو الثالث فسر سعيد بن جبير أيضاً والزهري وابن عباس في رواية العوفي والحسن أيضاً وخالد الحنفي وعطية وشهر بن حوشب: أنها سِيما تكون لهم يوم القيامة، وقالوا: هي بياض يكون في الوجه يوم القيامة كالقمر ليلة البدر يجعله الله كرامة لهم. وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أُبيّ بن كعب قال: قال رسول الله في قوله تعالى: {أية : سيماهم في وجوههم من أثر السجود}تفسير : [الفتح: 29]: النور يوم القيامة، قيل وسنده حسن. وهو لا يقتضي تعطيل بقية الاحتمالات إذ كل ذلك من السيما المحمودة ولكنّ النبي صلى الله عليه وسلم ذَكر أعلاها. وضمائر الغيبة في قوله: {تراهم} و {يبتغون} و {سيماهم في وجوههم} عائدة إلى {الذين معه} على الوجه الأول، وإلى كل من {محمد رسول اللَّه والذين معه} على الوجه الثاني. {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِى التوراة}. الإشارة بـــ {ذلك} إلى المذكور من صفات الذين مع النبي صلى الله عليه وسلم لأن السابق في الذكر بمنزلة الحاضر فيشار إليه بهذا الاعتبار فاسم الإشارة مبتدأ و{مثلهم} خبره. والمَثل يطلق على الحالة العجيبة، ويطلق على النظير، أي المُشابه فإن كان هنا محمولاً على الحالة العجيبة فالمعنى: أن الصفات المذكورة هي حالهم الموصوف في «التوراة». وقوله: {في التوراة} متعلق بــ {مثلهم} أو حال منه. فيحتمل أن في «التوراة» وصف قوم سيأتون ووصفوا بهذه الصفات، فبيّن الله بهذه الآية أن الذين مع النبي صلى الله عليه وسلم هم المقصود بتلك الصفة العجيبة التي في «التوراة»، أي أن «التوراة» قد جاءت فيها بشارة بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم ووصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والذي وقفنا عليه في «التوراة» مما يصلح لتطبيق هذه الآية هو البشارة الرمزية التي في الإصحاح الثالث والثلاثين من «سفر التثنية» من قول موسى عليه السلام: «جاء الربُ من سينا وأشرقَ لهم من سَعير وتلألأ من جبل فاران، وأتى من ربوات القُدُس وعن يمينه نار شريعة لهم فأحبّ الشعب جميع قديسيه وهم جالسون عند قدمك يتقبلون من أقوالك» فإن جبل فاران هو حِيال الحجاز. وقوله: «فأحب الشعب جميع قديسيه» يشير إليه قوله: {أية : رحماءُ بينهم}تفسير : [الفتح: 29]، وقد تقدم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ما ينطبق على هذا من سورة الفتح وقوله: قديسيه يفيد معنى {أية : تراهم رُكَّعا سُجَّدا}تفسير : [الفتح: 29] ومعنى {أية : سِيماهم في وجوههم من أثر السجود}تفسير : [الفتح: 29]. وقوله في «التوراة» «جالسون عند قدمك» يفيد معنى قوله تعالى: {أية : يبتغون فضلاً من الله ورضوانا}تفسير : [الحشر: 8]. ويكون قوله تعالى: {ذلك} إشارة إلى ما ذكر من الوصف. {وَمَثَلُهُمْ فِى ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزراع}. ابتداء كلام مبتدأ. ويكون الوقف على قوله: {في التوراة} والتشبيه في قوله: {كزرع} خبره، وهو المثَل. وهذا هو الظاهر من سياق الآية فيكون مشيراً إلى نحو قوله في «إنجيل متى» (الإصحاح 13 فقرة 3) «هو ذا الزَارع قد خرج ليزرع (يعني عيسى عليه السّلام) وفيما هو يزرع سقط بعض على الطريق فجاءت الطيور وأكلته» إلى أن قال «وسقط الآخر على الأرض الجيدة فأعطى ثمره بعض مائة وآخر ستين وآخر ثلاثين». قال فقرة، ثم قال: «وأما المزروع على الأرض الجيدة فهو الذي يسمع الكلمة ويفهم، وهو الذي يأتي بثَمر فيصنع بعضٌ مائةً وبعضٌ ستين وآخر ثلاثين». وهذا يتضمن نماء الإيمان في قلوبهم وبأنهم يدعون الناس إلى الدين حتى يكثر المؤمنون كما تنبت الحبة مائة سنبلة وكما تنبت من النواة الشجرة العظيمة. وفي قوله: {أخرج شطأه} استعارة الإخراج إلى تفرع الفراخ من الحبة لمشابهة التفرع بالخروج ومشابهة الأصل المتفرع عنه بالذي يخرج شيئاً من مكان. والشطْءُ بهمزة في آخره وسكون الطاء: فراخ الزرع وفروع الحبّة. ويقال: أشطأ الزرع، إذا أخرج فروعا. وقرأه الجمهور بسكون الطاء وبالهمز وقرأه ابن كثير {شَطأه} بفتح الطاء بعدها ألف على تخفيف الهمزة ألفا. و {آزره} قوّاه، وهو من المؤازرة بالهمز وهي المعاونة وهو مشتق من اسم الإزار لأنه يشد ظهر المتّزر به ويعينه شدهُ على العمل والحَمل كذا قيل. والأظهر عندي عكس ذلك وهو أن يكون الإزار مشتقاً اسمه من: آزر، لأن الاشتقاق من الأسماء الجامدة نادر لا يصار إلى ادعائه إلا إذا تعين. وصيغة المفاعلة في {آزره} مستعارة لقوة الفعل مثل قولهم: عافاك الله، وقوله تعالى: {أية : وبارك فيها}تفسير : [فصلت: 10]. والضمير المرفوع في {آزره} للشطء، والضمير المنصوب للزرع، أي قوًى الشطء أصله. وقرأ الجمهور {فآزره}. وقرأه ابن ذكوان عن ابن عامر {فأزَّره} بدون ألف بعد الهمزة والمعنى واحد. ومعنى {استغلظ} غلظ غلظاً شديداً في نوعه، فالسين والتاء للمبالغة مثل: استجاب. والضميران المرفوعان في {استغلظ} و {استوى} عائدان إلى الزرع. والسُوق: جمع ساق على غير قياس لأن ساقا ليس بوصف وهو اسم على زِنة فَعَل بفتحتين. وقراءة الجميع {على سوقه} بالواو بعد الضمة. وقال ابن عطية: قرأ ابن كثير {سُؤقه} بالهمزة (أي همزة ساكنة بعد السين المضمومة) وهي لغة ضعيفة يهْمزون الواو التي قبلها ضمة ومنه قول الشاعر:شعر : لحب المؤقِدان إلى مؤسى تفسير : وتنسب لقنبل عن ابن كثير ولم يذكرها المفسّرون ولم يذكرها في «حرز الأماني» وذكرها النوري في كتاب «غيث النفع» وكلامه غير واضح في صحة نسبة هذه القراءة إلى قنبل. وساق الزرع والشجرة: الأصل الذي تخرج فيه السنبل والأغصان. ومعنى هذا التمثيل تشبيه حال بدء المسلمين ونمائهم حتى كثروا وذلك يتضمن تشبيه بدء دين الإسلام ضعيفاً وتقويه يوماً فيوماً حتى استحكم أمره وتغلب على أعدائه. وهذا التمثيل قابل لاعتبار تجزئة التشبيه في أجزائه بأن يشبه محمد صلى الله عليه وسلم بالزارع كما مثل عيسى غلب الإسلام في الإنجيل، ويشبه المؤمنون الأولون بحبات الزرع التي يبذرها في الأرض مثل: أبي بكر وخديجة وعلي وبلال وعمّار، والشطْء: من أيدوا المسلمين فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا إلى الله وحده وانضم إليه نفر قليل ثم قواه الله بمن ضامن معه كما يقوي الطاقة الأولى من الزرع ما يحتف بها مما يتولد منها حتى يعجب الزرّاع. وقوله: {يعجب الزراع} تحسين للمشبّه به ليفيد تحسين المشبه. {لِيَغِيظَ بِهِمُ الكفار}. تعليل لما تضمنه تمثيلهم بالزرع الموصوف من نمائهم وترقيهم في الزيادة والقوة لأن كونهم بتلك الحالة من تقدير الله لهم أن يكونوا عليها فمثل بأنه فعل ذلك ليغيظ بهم الكفار. قال القرطبي: قال أبو عروة الزبيري: كنا عند مالك بن أنس فذكروا عنده رجلاً ينتقص أصحاب رسول الله فقرأ مالك هذه الآية {محمد رسول الله} إلى أن بلغ قوله: {ليغيظ بهم الكفار} فقال مالك: "من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية". وقلت: رحم الله مالك بن أنس ورضي عنه ما أدق استنباطه. {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عظيماً}. أعقب تنويه شأنهم والثناء عليهم بوعدهم بالجزاء على ما اتصفوا به من الصفات التي لها الأثر المتين في نشر ونصر هذا الدين. وقوله: {منهم} يجوز أن تكون (من) للبيان كقوله {أية : فاجتنبوا الرجس من الأوثان}تفسير : [الحج: 30] وهو استعمال كثير، ويجوز إبقاؤه على ظاهر المعنى من التبعيض لأنه وعد لكل من يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحاضر والمستقبل فيكون ذكر (من) تحذيراً وهو لا ينافي المغفرة لجميعهم لأن جميعهم آمنوا وعملوا الصالحات وأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم هم خيرة المؤمنين.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى {أية : فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [المائدة: 54]. قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاع}. قرأ هذا الحرف ابن كثير وابن ذكوان وابن عامر شطأه بفتح الطاء، والباقون من السبعة بسكون الطاء. وقرأ عامة السبعة غير ابن ذكوان: فآزره بألف بعد الهمزة. وقرأه ابن ذكوان عن عامر فأزره بلا ألف بعد الهمزة مجرداً. وقرأ عامة السبعة غير قنبل على سوقه بواو ساكنة بعد السين. وقرأه قنبل عن ابن كثير بهمزة ساكنة بدلاً من الواو وعنه ضم الهمزة بعد السين بعدها واو ساكنة. وهذه الآية الكريمة قد بين الله فيها أنه ضرب المثل في الإنجيل للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأنهم كالزرع يظهر في أول نباته رقيقاً ضعيفاً متفرقاً، ثم ينبت بعضه حول بعض، ويغلظ ويتكامل حتى يقوى ويشتد وتعجب جودته أصحاب الزراعة، العارفين بها، فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا في أول الإسلام في قلة وضعف ثم لم يزالوا يكثرون ويزدادون قوة حتى بلغوا ما بلغوا. وقوله تعالى: {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَه} أي فراخه فنبت في جوانبه. وقوله {فَآزَرَه} على قراءة الجمهور من المؤازرة، بمعنى المعاونة والتقوية، وقال بعض العلماء: {فَآزَرَه} أي ساواه في الطول، وبكل واحد من المعنيين فسر قول امرئ القيس: شعر : بمحنية قد آزر الصال نبتها مجر جيوش غانمين وخيب تفسير : وأما على قراءة ابن ذكوان {فَآزَرَه} بلا ألف، فالمعنى شد أزره أي قواه. ومنه قوله تعالى عن موسى{أية : وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي}تفسير : [طه: 29-31] الآية. وقوله، {فَٱسْتَغْلَظَ} أي صار ذلك الزرع غليظاً بعد أن كان رقيقاً، وقوله: {فَٱسْتَوَى} أي استتم وتكامل على سوقه أي على قصبه. وما تضمنته الآية الكريمة من المثل المذكور في الإنجيل المضروب للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأنهم يكونون في مبدأ أمرهم في قلة وضعف، ثم بعد ذلك يكثرون ويقوون. جاء موضحاً في آيات من كتاب الله تعالى كقوله {أية : وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي ٱلأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ}تفسير : [الأنفال: 26] الآية. وقوله تعالى {أية : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ}تفسير : [آل عمران: 123] وقوله تعالى{أية : ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ}تفسير : [المائدة: 3] الآية. إلى غير ذلك من الآيات.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 29- محمد رسول الله وأصحابه الذين معه أشداء أقوياء على الكفار، متراحمون، متعاطفون فيما بينهم، تُبصرهم راكعين ساجدين كثيرا، يطلبون بذلك ثوابا عظيما من الله ورضوانا عميما، علامتهم خشوع ظاهر فى وجوههم من أثر الصلاة كثيرا، ذلك هو وصفهم العظيم فى التوراة، وصفتهم فى الإنجيل كصفة زرع أخرج أول ما ينشق عنه، فآزره، فتحول من الدقة إلى الغلظ، فاستقام على أصوله، يُعجب الزراع بقوته، وكان المؤمنون كذلك، ليغيظ الله بقوتهم الكفار، وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة تمحو جميع ذنوبهم، وثوابا بالغا غاية العظم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: محمد رسول الله والذين معه: أي أصحابه رضوان الله عليهم. أشداء على الكفار: أي غلاظ لا يرحمونهم. رحماء بينهم: أي متعاطفون متوادون كالوالد مع الولد. تراهم ركعا سجدا: أي تبصرهم ركعاً سجداً أي راكعين ساجدين. يبتغون فضلا من الله ورضوانا: أي يطلبون بالركوع والسجود ثوابا من ربهم هو الجنة ورضوانا هو رضاه عز وجل. سيماهم في وجوههم: أي نور وبياض يعرفون به يوم القيامة أنهم سجدوا في الدنيا. ذلك: أي الوصف المذكور. مثلهم في التوراة: أي صفتهم في التوراة كتاب موسى عليه السلام. أخرج شطأه: أي فراخه. فآزره: أي قواه وأعانه. فاستغلظ فاستوى: أي غلظ واستوى أي قَوِيَ. على سوقه: جمع ساق أي على أصوله. يعجب الزراع: أي زارعيه لحسنه. ليغيظ بهم الكفار: هذا تعليل أي قواهم وكثرهم ليغيظ بهم الكفار. معنى الآيات: لما أخبر تعالى أنه أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله شهادة منه بذلك أخبر أيضا عنه بما يؤكد تلك الشهادة فقال تعالى {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ} من أصحابه {أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ} أي غلاظ قساة عليهم، وذلك لأمرين الأول أنهم كفروا بالله وعادوه ولم يؤمنوا به ولم يجيبوه، والله يبغضهم لذلك فهم إذاً غلاظ عليهم لذلك والثاني أن الغلظة والشدة قد تكون سببا في هدايتهم لأنهم يتألمون بها، ويرون خلافها مع المسلمين فيسلمون فيرحمون ويفوزون. وقوله تعالى {رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} أي فيما بينهم يتعاطفون يتراحمون فَتَرَى أحدهم يكره أن يمس جسمه أو ثوبه جسم الكافر أو ثوبه، وتراه مع المسلم إذا رآه صافحه وعانقه ولاطفه وأعانه وأظهر له الحب والود. وقوله تعالى {تَرَاهُمْ} أي تبصرهم أيها المخاطب {رُكَّعاً سُجَّداً} أي راكعين ساجدين في صلواتهم {يَبْتَغُونَ} أي يطلبون بصلاتهم بعد إيمانهم وتعاونهم وتحاببهم وتعاطفهم مع بعضهم، يطلبون بذلك {فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً} أي الجنة ورضا الله. وهذا أسمى ما يطلب المؤمن أن يدخله الله الجنة بعد أن ينقذه من النار ويرضى عنه. وقوله {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ} أي علامات إيمانهم وصفائهم في وجوههم من أثر السجود إذ يبعثون يوم القيامة غُراً محجلين من آثار الوضوء {أية : نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} تفسير : [التحريم: 8] وفي الدنيا عليهم سيما التقوى والصلاح والتواضع واللين والرحمة. وقوله تعالى {ذَلِكَ} أي المذكور {مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ} {وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ} أي فراخه {فَآزَرَهُ} أي قواه وأعانه {فَٱسْتَغْلَظَ} أي غلظ {فَٱسْتَوَىٰ} أي قوي {عَلَىٰ سُوقِهِ} جمع ساق ما يحمل السنبلة من أصل لها {يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ} أي الزارعين له وذلك لحسنه وسلامة ثمرته وقوله تعالى {لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ} أي قواهم وكثرهم من أجل أن يغيظ بهم الكفار ولذا ورد عن مالك بن أنس رحمه الله تعالى أن من يغيظه أصحاب رسول الله فهو كافر وقوله {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً} أي لذنوبهم {وَأَجْراً عَظِيماً} هو الجنة. هذا وعد خاص بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضوان الله عليهم وهناك وعد عام لسائر المؤمنين والمؤمنات وذلك في آيات أخرى مثل آية المائدة {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ}تفسير : [الآية: 9]. هداية الآية الكريمة: من هداية الآية الكريمة: 1- تقرير نبوة رسول الله وتأكيد رسالته. 2- بيان ما كان عليه رسول الله وأصحابه من الشدة والغلظة على الكفار والعطف والرحمة على أهل الإِيمان وهذا مما يجب الأتساء بهم فيه والاقتداء. 3- بيان فضل الصلاة ذات الركوع والسجود والطمأنينة والخشوع. 4- صفة أصحاب رسول الله في كل من التوراة والإِنجيل ترفع من درجتهم وتعلي من شأنهم. 5- بيان أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأوا قليلين ثم أخذوا يكثرون حتى كثروا كثرة أغاظت الكفار. 6- بُغض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتنافى مع الإِيمان منافاة كاملة لا سيما خيارهم وكبارهم كالخلفاء الراشدين الأربعة والمبشرين بالجنة العشرة وأصحاب بيعة الرضوان، وأهل بدر قبلهم. ولذا روي عن مالك رحمه الله تعالى أن من يغيظه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافر.
د. أسعد حومد
تفسير : {تَرَاهُمْ} {رِضْوَاناً} {ٱلتَّوْرَاةِ} {شَطْأَهُ} {فَآزَرَهُ} {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} (29) - إِن مُحمداً صلى الله عليه وسلم رَسُولُ اللهِ حَقّاً وَصِدْقاً، بِلاَ شَكٍّ وَلاَ رَيبٍ، وَإِنَّ أصْحَابَهُ يَتَّصِفُونَ بالصِّفَاتِ الجَمِيلةِ الحَسَنةِ، فَهُمْ أشِدَّاءٌ غِلاَظُ القُلُوبِ عَلَى الكُفارِ، وَهُمْ رُحَماءُ مُتَوَادُّونَ فيما بَيْنَهم يَرَاهُم النَّاظِرُ إليهِمْ دَائِبينَ عَلَى أدَاءِ الصَّلاةِ، مُخْلِصِينَ فيها للهِ، مُحْتَسِبينَ أجْرَهَا عِنْدَ اللهِ، يَبْتَغُونَ بِصَلاتِهِمْ رِضَا اللهِ وَرِضْوَانَهُ، تَتْرُكُ نُفُوسُهُمُ المُطْمَئِنَّةُ أَثَراً عَلَى وُجُوهِهِمْ، فَهِي هَادِئَةٌ مُطْمَئِنَّةٌ مَسْتَبْشِرَةٌ، وَهَذِهِ هِيَ صِفَاتُ المُؤمِنينَ المُخْلِصِينَ في التورَاةِ. وَجَاءَ وَصْفُهُمْ في الإِنجيلِ أَنَّ أتْبَاعَ مُحَمَّدٍ سَيَكُونُونَ قَلِيلينَ ثُمَّ يَزْدَادُونَ وَيكْثُرُونَ وَيَسْتَغْلظُونَ كَزَرْعٍ أخْرَجَ فُروعَهُ (شَطْأهُ) التي تَتَفَرَّعُ مِنْهُ عَلَى جَوَانِبِهِ، فَيَقْوى وَيَتَحَوَّلُ من الدِّقَّةِ إِلى الغِلْظَةِ، وَيَسْتَقيمُ عَلَى أصُولِهِ فَيُعْجَبُ بِهِ الزَّارِع لِخِصْبِهِ، وَقُوَّتِهِ، وَحُسْنِ مَظْهَرِهِ، وَقَدْ نَمَّاهُمُ اللهُ وأكْثَرَ عَدَدَهُم لِيَغِيظَ بهم الكُفَّارَ، وَقَدْ وَعَدَ اللهُ المُؤْمِنينَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، العَامِلِينَ للصَّالِحَاتِ، بأن يَغْفِرَ لَهُمْ ذُنُوبَهمْ، وَأنْ يُجْزِلَ لَهُمُ الأجْرَ والعَطَاءَ، وبِأنْ يُدْخِلَهُمْ جَنَّاتِهِ، وَاللهُ لاَ يُخْلِفَ وَعْدَهُ أبَداً. مَثَلُهُمْ - صِفَتُهُمْ. آزَرَهُ - قَوَّاهُ وَأعَانَهُ. الشَّطْءُ - فُرُوخُ الزَّرْعِ وَهُوَ مَا خَرَجَ مِنْ حَوَالَيْهِ وَتَفَرَّعَ. استَوَى عَلَى سُوقِهِ - اسْتَقَامَ عَلَى أصُولِهِ. سِيَماهُمْ - عَلاَمَتُهُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {مُّحَمَّدٌ} اسمه صلى الله عليه وسلم {رَّسُولُ ٱللَّهِ ..} [الفتح: 29] وصفه الجديد، لأننا عرفنا محمداً أولاً قبل أنْ يكون رسول الله، ومحمد من الحمد يعني أن الناس تحمده وقد حمده قومه منذ صِغَره، وقالوا: الصادق الأمين. فقد كانت سيرته وماضيه بينهم يدلّ على هذه الصفات، وعلى أنه شخص مميَّز بين أقرانه وأنه غير عادي. وقد أجمعوا على ذلك حتى قبل الرسالة، وكانوا يرون في طفولته أنه لم يُصَبْ بشيء من لوثة الطفولة ولهوها ولعبها، رأوا أنه كان يرعى الغنم وكان مثله من الفتيان الذين يرعون الغنم في البادية ينزلون بالليل إلى مكة يحضرون سهرات اللهو. أما هو فقد فكر مرة في أنْ ينزل معهم، فلما ذهب معهم إلى هناك أخذه النوم، فلم يستيقظ إلا بعد أنْ انفضَّ السامر. فكأن الله عصمه ونزَّه سمعه وبصره أنْ يسمع أو يرى شيئاً من هذا، أما رفاقه فقد تعجَّبوا لأنهم لم يروْه بينهم، لذلك أصبح مأموناً عندهم، ولما لم يُجرِّبوا عليه كذباً قط أصبح جديراً بأنْ يقولوا عنه: الصادق الأمين. وفي يوم من الأيام اجتمع الصبيان لحمل حجر ثقيل يلعبون به، فلما ثَقُلَ عليهم شمَّروا ثيابهم حتى لايؤثر الحجر في أكتافهم، وكان معهم رسول الله فأمسك بثوبه، وأراد أن يفعل مثلهم، فسمع صوتاً يقول له: عورتك يا محمد، فكان هو الوحيد الذي لم يكشف عن عورته. وقد لاحظوا عليه ذلك قبل سنِّ التمييز، فأخذوا عنه فكرة أنه مُهيأ من ناحية أخرى، ثم عرفوا سداد رأيه وحُسْن تفكيره في مسألة وضع الحجر الأسود في مكانه، حينما اختلفتْ قبائل قريش مَنْ ينال شرف وضع الحجر في مكانه حتى كادوا أنْ يتقاتلوا، ثم قالوا: نُحكِّم أول داخل علينا. فكان محمد الصادق الأمين الذي لا يختلف على أمانته اثنان، فأخذ رداءه ووضع عليه الحجر، وأمر كل قبيلة أنْ تأخذ بطرف منه، حتى إذا ما وصلوا به إلى موضعه من الكعبة حمله ووضعه في مكانه، وهكذا انتهى الخلاف الذي أثار حفيظة القوم. فقوله تعالى: {مُّحَمَّدٌ ..} [الفتح: 29] أي: هذا الذي تعرفونه وتعرفون صِدْقه وأمانته وكرم أخلاقه، هذا الذي لبث بين ظهرانيكم أربعينَ سنة هو رسول الله الذي اختاره الله للرسالة. إذن: أنتم شهدتم له قبل أنْ أرسله إليكم، وما دام قد شهدتم له بالخُلق الجميل وسداد الرأي فواجبٌ عليكم أنْ تُصدقوه. والحق سبحانه وتعالى لم يصف محمداً في ذاته إنما صفَّى أصوله، وزكَّاهم بأنْ عصمهم من السجود للأصنام، وهي عبادة كانت شائعة في هذا الوقت، وقد أجمعوا على أن أجداده لم يسجد أحدٌ منهم لصنم. لذلك جاء في الحديث الشريف: "حديث : ما زلت أتنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات"تفسير : أي: أنه صلى الله عليه وسلم جاء من نسل طاهر لم يخالطه شيء من سفاح الجاهلية. وقصة أبيه عبد الله مع زينب الخثعمية معروفة في الجزيرة العربية كلها خاصة في مكة، حيث رأت فيه جمالاً وجلالاً فعشقته حتى راودته عن نفسه، وعندها قال الأبيات المشهورة: شعر : أمَّا الحَرَامُ فَالمَمَاتُ دُونَهُ والحِلّ لا حل فَأسْتبِينَه يَحْمِي الكَرِيمُ عِرْضَهُ وَدِينَه فَكْيفَ بالأمْرِ الذِي تَبْغِينه؟ تفسير : فلما تزوج عبد الله من آمنة بنت وهب وحملت في رسول الله انتقل إليها هذا النور الذي كان في وجه عبد الله، فلما رأتْه الخثعمية بعد ذلك قالت: وماذا أفعل به وقد ذهب النور الذي كان في وجهه؟ وهذا يعني أن الحق سبحانه وتعالى صنع محمداً على عينه، وحماه من سِفَاح الجاهلية، وحماه في كل مراحله. وبعد ذلك مات أبوه واستُرضع في بني سعد، ورأت له مرضعته كثيراً من الكرامات والمعجزات، فلما قالت لإخوته في الرضاعة: احموا محمداً من حر الشمس. فقالوا: والله يا أماه ما نجده أبداً في حرِّها، لأنه إذا سار نرى فوقه غمامة تُظلله. إذن: شهد له في ذاته، وشهد له في آبائه، علم الجميع أنه مُؤيَّد من أعلى. فقوله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ ..} [الفتح: 29] يعني أنه اختار الرسول على وفْق رأيكم، فإياكم أنْ تكذِّبوه، ومحمد هنا مبتدأ مُخبر عنه بقوله: {رَّسُولُ ٱللَّهِ ..} [الفتح: 29]. أي: أن محمداً المعروف لكم هو رسول الله، والله أعلم حيث يجعل رسالته، فكان الواجب ساعة يُرسَل إليكم أنْ تؤمنوا به وأنْ تُصدقوه. والحق سبحانه وتعالى لما أيَّد محمداً بالمعجزات أيّده بمعجزة عقلية، وفرَّق بين معجزة عقلية ومعجزة كونية، فالمعجزة الكونية تقع مرة احدة، كما رأينا في قصة سيدنا عيسى عليه السلام، وأنه كلَّم الناس في المهد، ولم يَرَ هذه المعجزة سوى القوم الذين حضروها وعاينوا هذا الموقف. أما بالنسبة لنا فهو خبر نُصدقه ونؤمن به، لأن القرآنَ أخبر به. أما محمد فرسالته عامة وخاتمة للرسالات إلى قيام الساعة، إذن: فمعجزته يجب أن تتناسب مع عمومية الرسالة، يجب أن تكون معجزة خالدة باقية لا تنتهي بانتهاء الموقف. لذلك جاء القرآن معجزة باقية ببقاء الرسالة إلى قيام الساعة، فمنذ نزلت الرسالة ونحن نقرأ {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ ..} [الفتح: 29] وستظل تُقرأ إلى قيام الساعة، محمد رسول الله بدليل هذا القرآن المعجز. لذلك قال تعالى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}تفسير : [الحجر: 9] فتولَّى الحق سبحانه بنفسه حِفْظ القرآن على خلاف الكتب السابقة عليه، حيث وكل الله حفْظها إلى أهلها ومَنْ آمن بها. {أية : وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ ..}تفسير : [المائدة: 44] ومعنى {أية : ٱسْتُحْفِظُواْ ..}تفسير : [المائدة: 44] أي: طُلِب منهم حفظها تكليفاً من الله، والتكليف عرضة لأنْ يُطاع ولأنْ يُعصَى، وقد رأيناهم لم يحافظوا بل بدَّلوها وغيَّروها ونسُوا الكثير منها. أما القرآن فهو كما هو منذ أنزله الله على قلب رسوله صلى الله عليه وسلم، لأن الله حفظه بحفظه، ولم يأتمن على ذلك البشر. ومن مظاهر حفظ الله للقرآن أنْ يسخر له مَنْ يخدمه حتى ممَّنْ لا يؤمنون به، فكثيرٌ ممَّنْ يقومون على طباعة القرآن وزخرفته الآن من غير المسلمين، وقد رأينا الرجل الألماني الذي طبع القرآن كله في صفحة واحدة مع أنه لم يفعل هذا في الإنجيل وهو كتابه. إذن: نقول أن ماضي رسول الله بين قومه أهَّله لمهمة الرسالة، لذلك الذين استقبلوا خبر بعثته صلى الله عليه وسلم سارعوا إلى تصديقه قبل أنْ يسمعوا من القرآن آية واحدة، لماذا؟ لأنهم أخذوا الدليل على صدقه من ماضيه فيهم، فما جرَّبوا عليه كذباً قط، والذي لا يكذب على الناسَ من باب أوْلَى لا يكذب على الله ربّ الناس. ومثل هذا الموقف رأيناه أيضاً من الصِّديق أبي بكر في حادثة الإسراء والمعراج، فلما بلغه أن رسول الله يدَّعي أنه أُسْري به قال: إنْ كان قال فقد صدق. أما المعجزة فقد جاءتْ لمن كذَّب وأنكر رسالته صلى الله عليه وسلم، جاءت لمَنْ لم يؤمن ولمَنْ اتهم القرآن بأنه كذبٌ وافتراء، فجاء ليقول لهم {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ ..} [يونس: 38] أي: مفتراة. وقوله: {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ ..} [الفتح: 29] أي: آمنوا به وأصلحوا في معيته البشرية والمنهجية، وهؤلاء وصفهم بأنهم {أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ..} [الفتح: 29] إذن: جمعوا بين الشيء ونقيضه، بين الشدة والرحمة. وهذا دليل على أن المؤمن ليس له طبْع واحد يحكمه، إنما يتغير تبع التكليف الذي يأتيه من ربه عز وجل، فمع الأعداء تجده قوياً شديداً عليهم، يُريهم أن قناة المؤمن لا تلين، أما مع إخوانه المؤمنين فهو رحيم بهم شفيق عليهم. وفي موضع آخر عبَّر القرآن عن هذا المعنى، فقال: {أية : أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ..}تفسير : [المائدة: 54] فالمنهج الإيماني هو الذي يحكم سلوك المؤمن ويُوجهه، وهذا ما رأيناه بالفعل في تصرّفات كل من الصِّديق أبي بكر والفاروق عمر. فأبو بكر مع ما عُرِف عنه من اللين والرحمة لما جاءت مسألة الردة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيناه يخرج عن هذا الطبع الليِّن، ويكون في أشدِّ ما يمكن. ويقول لعمر: والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونها لرسول الله لقاتلتُهم عليه، وينهر عمر ويقول له: أجبَّار في الجاهلية خوَّار في الإسلام. والمتأمل في مسألة الردة يجد أنها تحتاج إلى قسوة وحزم، وإلا انتشرتْ خاصة بين ضعاف الإيمان، والناس ما يزالون حديثي عهد بالدين، وهذا ما أخرج أبا بكر من طبْع اللين إلى طبْع الشدة. وقوله تعالى: {تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً ..} [الفتح: 29] فهم مع هذه الشدة على الكفار تراهم ركعاً سجداً، والركوع والسجود مراحل لإظهار العبودية الكاملة لله تعالى، فالركوع تنحني بقامتك لله، والسجود أعظم من الركوع حيث تخرّ إلى الأرض وتضع جبهتك، وهي أشرف موضع فيك على الأرض تواضعاً وتذللاً لله وخضوعاً له سبحانه. لذلك قلنا: في الركوع والسجود كمال العبودية لله، وهذا فهمناه من قول إبليس الذي حكاه عنه القرآن: {أية : ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ ..}تفسير : [الأعراف: 17]. فلم يذكر باقي الاتجاهات أعلى وأسفل، لماذا؟ لأن الأعلى يمثل علو الألوهية، حين نرفع أيدينا بالدعاء، والأسفل يمثل ذُلَّ العبودية حينما تسجد الجباه، وتخضع لله تعالى، لذلك لا يأتي الشيطان من هذين. وقوله تعالى: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً ..} [الفتح: 29] هذه هي علة كونهم أشداء على الكفار ورحماء بينهم، وكوْنهم يحافظون على الركوع والسجود، أي: يفعلون هذا ابتغاء فضل الله وطمعاً في رضوان الله عنهم. وهذا قمة الإخلاص في الأعمال، فهدفهم من العمل وجه الله لا ينظرون إلى غيره، لماذا؟ لأنهم يحسبون حساب هذا اليوم الذي سيقفون فيه أمام الله، ولا يجدون غير الله يحاسبهم ويجازيهم. لذلك قلنا في العلماء والمخترعين الذين خدموا البشرية بأعمالهم الحسنة ومع ذلك لا نصيبَ لهم في الآخرة، لأنهم ما عملوا لله إنما للبشرية وللحضارة. لذلك قال الله عنهم: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}تفسير : [النور: 39] فُوجئ بالإله الحق الذي لم يكُنْ في باله هو الذي يحاسبه، وهو الذي يجازيه. ومن علامات هؤلاء المؤمنين أيضاً {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ..} [الفتح: 29] سيماهم أي علامتهم المميزة لهم هي الأثر الذي يتركه السجود في جبهة الإنسان والتي نسميها زبيبة الصلاة. فالخالق سبحانه لم يخلق البشر في الكون على قالب واحد، إنما لكل إنسان قالبه الخاص به، والذي لا يتطابق مع قالب آخر على كثرة الخَلْق، وهذه من طلاقة القدرة في عملية الخَلْق، فالناس مختلفون في الطول والقِصَر والعرض واللون والملامح .. إلخ. لكن الصفة المميزة لجميع المؤمنين الذين وصفهم الله بهذه الصفات، {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ..} [الفتح: 29] وهذه العلامة يلازمها نور في الوجه وبشاشة نلاحظها على وجه المؤمن، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. وكثيرون منّا يجد لذة في إطالة السجود، ويجد فيه أنْساً بالله فيعتاد ذلك، فتظهر هذه العلامة على جبهته إلى جانب هذا النور والإشراق الذي يبدو على وجهه. وتستطيع أنْ تلاحظ هذا إذا قارنت بين رجل قضى ليله في الشرب والخلاعة والاستهتار، وآخر قضى ليله في عبادة الله وتسبيحه. وهذه الوجوه تأتي هكذا {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ}تفسير : [عبس: 38-42]. ونحن نلاحظ هذه الصورة، ونرى بدايتها في الدنيا قبل الآخرة. وقوله تعالى: {ذَلِكَ ..} [الفتح: 29] أي: الأوصاف التي سبق ذكرها للمؤمنين مع محمد وهي: {أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ..} [الفتح: 29] هذه الصفات هي: {مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ ..} [الفتح: 29] وهكذا وصفتهم التوراة، فكأن التوراة فيها ذكر ومثَلٌ للمؤمنين الذين يؤمنون بمحمد الرسول الخاتم، لأن التوراة مُبشِّرة به. أما الإنجيل فقد وصفهم بأوصاف أخرى غير هذه {وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ ..} [الفتح: 29]. فهؤلاء المؤمنون مثلهم في الإنجيل مثل الزرع الذي أخرج {شَطْأَهُ ..} [الفتح: 29] أي فروعه، والشطأ هو أعلى العود أو السنبلة {فَٱسْتَغْلَظَ ..} [الفتح: 29] يعني: اشتد العود وقوِيَ وامتلأ {فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ ..} [الفتح: 29] يعني: بلغ مبلغه حتى إنه {يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ ..} [الفتح: 29] لكمال استوائه واستقامته {لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ ..} [الفتح: 29]. ولك الآن أنْ تقارن بين هذين المثالين تجد المثل الأول في التوراة اهتم بالنواحي الروحية، وذكر أموراً وأوصافاً كلها قيم ومعنويات، فأتباع محمد أشداء على الكفار رحماءُ بينهم، وهم رُكَّعٌ وسُجَّد يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، وهم سيماهم في وجوههم من أثر السجود، كلها قيم ومعنويات ليس فيها شيء من الماديات أبداً. أما مثلهم في الإنجيل فمثل مادي يخلو تماماً من الروحانيات أو القيم، لماذا؟ قالوا: لأن اليهود كانوا قوماً ماديين مبالغيين فيها؛ بحيث لا يقتنعون إلا بها. ففي فترة التيه التي كتبها الله عليهم رزقهم المنَّ والسَّلْوى، وهو طعام حُلو شهيٌّ يأتيهم دون تعب، وينزل عليهم دون سَعي منهم، فمل يرضوا به لأنه غيبٌ لا يعلمون مصدره، وطلبوا من الله أن يرزقهم مما تنبت الأرض من بقْلها وقثَّائها وفُومها وعدسها وبصلها. أي: ما يزرعونه بأيديهم ويباشرونه بأنفسهم. حتى في علاقتهم بالله أرادوا أنْ يكون سبحانه مادة، فقالوا: لموسى عليه السلام {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً ..}تفسير : [البقرة: 55] والحق سبحانه وتعالى غيب {أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ ..}تفسير : [الأنعام: 103]. أما رؤيتنا له سبحانه في الآخرة فلأننا نُعَدُّ فيها إعداداً آخر يناسب هذا الشرف، بحيث نتمكن من رؤيته تعالى، أما في الدنيا فلا نقدر على ذلك لأن الله تعالى لم يمنع تجليه على خَلْقه، لكن نحن في الدنيا لا نقدر على تحمل هذا التجلي. وهذا المعنى واضح في قصة سيدنا موسى عليه السلام، لما قال لربه عز وجل {أية : رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ ..}تفسير : [الأعراف: 143] فكان الجواب {أية : قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ..}تفسير : [الأعراف: 143] وهذا يعني أن غيرك يمكن أنْ يراني. {أية : فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً ..}تفسير : [الأعراف: 143] فلما تجلّى ربنا للجبل اندكّ الجبل، فكيف إذا تجلى سبحانه وتعالى على الإنسان، وموسى عليه السلام رأى الجبل وهو يندكّ فخرَّ وصعق من هَوْل ما رأى من أثر التجلِّي على المتجلَّى عليه. نقول: فلما كانوا بهذه الصورة من المادية جاء لهم بمثَل كله روحانيات وقيم، فكأنه ذكر في التوراة من صفات المؤمنين بمحمد ما ينقض أهل التوراة، يقول لهم: أنتم بالغتم في المادية، وسوف آتي بنبي له أمة تقيم الروحانيات والقيم التي قصَّرتم أنتم فيها. أما النصارى فكانوا يُغلِّبون الروحانيات، والإنجيل ذاته كله روحانيات وقيم، لذلك لما سُئِلَ سيدنا عيسى عليه السلام عن مسألة ميراث قال: أنا لم أبعث مورثاً. وهذا التباين بين التوراة والإنجيل جعل اليهود والنصارى يلتقون على كتاب واحد، مزيج من التوراة والإنجيل ليجمعوا بين المادية والروحانية، وسمَّوْه الكتاب المقدس، التقوا عليه رغم ما بينهم من العداوة والخلاف. ولما كان الإنجيل بهذا الوصف جاء مثَلُ المؤمنين فيه مثلاً مادياً تماماً، وهو الشيء الذي يفتقده الإنجيل، فالإنجيل يخلو تماماً من الحديث عن المعاملات وعن حركة الحياة، إذن: فكلُّ مثل منهما جاء ليجبر نقصاً، فاليهود ينقصهم الروحانيات، والنصارى ينقصهم الماديات في حركة الحياة. ونقف هنا عند قوله تعالى: {لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ ..} [الفتح: 29] هذه إشارة إلى أن تقدمنا في الماديات وبلوغنا فيها درجة الاستواء والاستقامة والاكتفاء الذاتي، هذا أمر يغيظ الكفار، فاحذروا أنْ يسبقوكم في هذا المجال. إنهم إن سبقوكم فيه أذلوا أعناقكم، وتحكموا في مقدراتكم، واستعلوا عليكم بما يملكون من إمكانيات ليست عندكم. وهذا للأسف ما حدث، فقد احتجنا إليهم في معظم الصناعات حتى في لقمة العيش، وها هم يفعلون بنا الأفاعيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فكأن الحق سبحانه وتعالى يقول لنا: يا مَنْ آمن بمحمد فارتضى بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً عليكم أنْ تأخذوا من كلٍّ بطرف، خذوا من الماديات ما يُعلي شأنكم، وما يُعينكم على حركة الحياة. وخذوا من الروحانيات ما يعصمكم من الزلل، ويصلح دينكم ودنياكم، لأن مثلكم في التوراة قِيَم، ومثلكم في الإنجيل مادة. لذلك جاء الإسلام مُؤيّداً بالعلم الكوني لا يتعارض معه، والقرآن مليء بالحديث عن هذه الكونيات، واقرأ إنْ شئتَ وتدبر هذه الآيات: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}تفسير : [فاطر: 27-28]. فذكر أجناس الوجود كلها الإنسان والحيوان والنبات والجماد، وكلمة العلماء هنا لا تقتصر على علماء الدين، إنما كل العلماء في كل المجالات دينية أو دنيوية. فكأن الحق سبحانه أراد لنا ديناً يجمع بين الدنيا والآخرة، بين العبادة وحركة الحياة، فإياكم أنْ تأخذوا الدين وتتركوا الدنيا لأعدائكم يستزلونكم بها. وسبق أنْ قلنا: مَنْ أراد أنْ تكون كلمته من رأسه فلتكُنْ لقمته من فأسه، فإياكم أنْ يتفوق عليكم أعداؤكم في هذا المجال، لأن عطاء الربوبية واحد للمؤمن وللكافر، فلا تتركوه اعتماداً على عطاء الألوهية. إنك لا تستطيع أنْ تقيم العبودية لله إلا إذا أخذتَ بعطاء الربوبية، وسعيْتَ إلى تطوير حركة الحياة والاستفادة منها والمشاركة فيها. وسبق أنْ أشرنا إلى مسألة ستر العورة مثلاً، وهي واجبة، ولا تتم العبادة إلا بها، انظر كم حركة من حركات الحياة نقوم بها لنستر عورتنا باللباس؟ تتبع بذرة القطن من حين أنْ تضعها في الأرض إلى أنْ تصير ثوباً تلبسه، إذن: نقول حركة الحياة هي التي تعين على حركة الدين. ثم يقول تعالى: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} [الفتح: 29] انظر {آمَنُواْ ..} [الفتح: 29] هذا جانب الدين {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ..} [الفتح: 29] هذا جانب الدنيا وما تحتاجه من حركة الحياة. فإياك إذن أنْ تهمل جانباً لحساب الآخر، لأن دينك دينٌ جامع للروح وللمادة. والذين آمنوا هم الذين جمعوا هذه الصفات ووعدهم الله هذا الوعد. والإيمان هو العقيدة الراسخة المستقرة في النفس، والتي لا تقبل المناقشة، فالقلب مطمئن بهذه العقيدة، وأنها تُسعد دنياه وآخرته، والأصل في الإيمان أنْ تؤمن بالله رباً وخالقاً للكون، تؤمن بأسمائه وصفاته. فإذا آمنتَ بهذه الصفات اطمأن قلبك إلى ما يجري عليك من قضائه وقدره، فهو سبحانه يبتليك بالخير لتشكر، ويبتليك بالشر لتصبر، فأنت مُثَاب في كلتا الحالتين. والإيمان من مادة (أمن) فهي تدور حول الأمان والاطمئنان. تقول: آمنت بكذا. يعني: اعتقدتُه اعتقاداً جازماً لا يدخله شَكٌّ، وآمنت له يعني: صدَّقته. وأمَّنه يعني: طمأنه على مستقبل حياته، إذن: كلها تدور حول الاستقرار والثبات وعدم التحول إلى النقيض. وثمرة الإيمان {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ..} [الفتح: 29] يُراد بها ما تقدَّم من قوله تعالى: {أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ..} [الفتح: 29] وهم في الماديات وفي حركة الحياة مثل الزرع الذي استوى على سُوقه يُعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار. والوعد للمؤمنين بماذا؟ {مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} [الفتح: 29] قلنا: فيها تخلية ثم تحلية يغفر أولاً. ثم يعطي الأجر. والقاعدة الشرعية أن درء المفسدة مقدَّم على جلب المصلحة. لذلك يقول تعالى: {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ..}تفسير : [آل عمران: 185] فالزحزحة عن النار في ذاتها نعمة، لذلك ضُرب الصراط على متن جهنم، فلا بد لمن يمر عليه أنْ يرى جهنم بعينه {أية : ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ}تفسير : [التكاثر: 7]. وهذا يُشعرك بعظمة الإيمان، وأنه النعمة الكبرى لأنه نجانا من هذه النار وأدخلنا الجنة، والعمل الصالح هو الذي أخذ بيدك وتجاوز بك هذه العقبة. واقرأ: {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ}تفسير : [العصر: 1-3] فمطلق الإنسان في خُسْر لا يستثنى منهم، ولا ينجو إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات. والتواصي بالحق يدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتواصي بالصبر يدل على أن هذا الطريق محفوفٌ بالمخاطر، ويحتاج منك إلى صبر على الأذى من الخصوم ومن المعارضين فالنصح ثقيل. وكلمة {أية : وَتَوَاصَوْاْ ..}تفسير : [العصر: 3] تعني أن الكلَّ يوصي، ففيها استمرارية ومداومة وعدم يأس، لأن المعارض الذي تنصحه قد يصبر هو أيضاً ويتمادى، فعليك أنْ تغالبه في الصبر، وهذا معنى قوله تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ ..}تفسير : [آل عمران: 200]. ووعد الله هو الوعد الحق الذي لا يتخلف، لماذا؟ لأنه وعد ممَّنْ يملك كلَّ أسباب الوفاء ولا يعوقه عن الوفاء شيء ولا يمنعه مانع، ولأنه سبحانه الحق الذي لا يتبدّل ولا يتغيّر ولا يتحول، فمَنْ إذن يحول دونه ودون تحقيق وعده؟ فهو سبحانه الإله الواحد الأحد الذي لا شريك له في مُلكه، ولا منازعَ له في سلطانه، وهو القوي، فلا توجد قوة أخرى تمنعه. أما الوعد من البشر فقد لا يتحقق لأنَّ الإنسان لا يملك كلَّ أسباب الوفاء، وهو أهل أغيار وتقلُّب. لذلك يقول سبحانه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ..}تفسير : [الرعد: 11]. إذن: نقول إن الحق سبحانه ثابت لا يتغير من أجلنا، لكن علينا نحن أنْ نغير من أنفسنا من أجله تعالى. وكلمة {مَّغْفِرَةً ..} [الفتح: 29] تعني: أن الخالق سبحانه وهو أعلم بخَلْقه علم أننا خطاءون كثيرو النسيان كثيرو الجهل، لكن هذا كله مُتوقع منا، ولا ينبغي أنْ يُيئسنا من رحمة الله لأنه هو الذي خلقنا على هذه الصورة، وهو الذي تكفّل لنا بالمغفرة، وما علينا نحن إلا أنْ نطرق أبوابها {أية : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ}تفسير : [طه: 82].
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله، عز وجل: {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ} قال يقول: مثلهم {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ}. يعني: ما يخرج بجنب الحقل، فيتم الأَول ويتم الآخر. {فَآزَرَهُ}. يعني: فشده وأَعانه {فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ} [الآية: 29]. يقول: فلحق بأَصحابه.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ} معناه الخِشوعُ. والسِّيماءُ: العَلامةُ. وقوله تعالى: {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ} معناه جَوانبُهُ. وقوله تعالى: {فَآزَرَهُ} معناه سَاواهُ فَصارَ مِثلَ الأُمِّ. {فَٱسْتَغْلَظَ} معناه غَلُظَ {فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ} قال زيدُ بن علي عليهما السَّلامُ: فالسَّاقُ: حَاملةُ الشَّجرِ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المهاجرين والأنصار، أنهم بأكمل الصفات، وأجل الأحوال، وأنهم { أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ } أي: جادون ومجتهدون في عداوتهم، وساعون في ذلك بغاية جهدهم، فلم يروا منهم إلا الغلظة والشدة، فلذلك ذل أعداؤهم لهم، وانكسروا، وقهرهم المسلمون، { رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } أي: متحابون متراحمون متعاطفون، كالجسد الواحد، يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، هذه معاملتهم مع الخلق، وأما معاملتهم مع الخالق فإنك { تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا } أي: وصفهم كثرة الصلاة، التي أجل أركانها الركوع والسجود. { يَبْتَغُونَ } بتلك العبادة { فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا } أي: هذا مقصودهم بلوغ رضا ربهم، والوصول إلى ثوابه. { سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ } أي: قد أثرت العبادة -من كثرتها وحسنها- في وجوههم، حتى استنارت، لما استنارت بالصلاة بواطنهم، استنارت [بالجلال] ظواهرهم. { ذَلِكَ } المذكور { مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ } أي: هذا وصفهم الذي وصفهم الله به، مذكور بالتوراة هكذا. وأما مثلهم في الإنجيل، فإنهم موصوفون بوصف آخر، وأنهم في كمالهم وتعاونهم { كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ } أي: أخرج فراخه، فوازرته فراخه في الشباب والاستواء. { فَاسْتَغْلَظَ } ذلك الزرع أي: قوي وغلظ { فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ } جمع ساق، { يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ } من كماله واستوائه، وحسنه واعتداله، كذلك الصحابة رضي الله عنهم، هم كالزرع في نفعهم للخلق واحتياج الناس إليهم، فقوة إيمانهم وأعمالهم بمنزلة قوة عروق الزرع وسوقه، وكون الصغير والمتأخر إسلامه، قد لحق الكبير السابق ووازره وعاونه على ما هو عليه، من إقامة دين الله والدعوة إليه، كالزرع الذي أخرج شطأه، فآزره فاستغلظ، ولهذا قال: { لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ } حين يرون اجتماعهم وشدتهم على دينهم، وحين يتصادمون هم وهم في معارك النزال، ومعامع القتال. { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } فالصحابة رضي الله عنهم، الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، قد جمع الله لهم بين المغفرة، التي من لوازمها وقاية شرور الدنيا والآخرة، والأجر العظيم في الدنيا والآخرة. ولنسق قصة الحديبية بطولها، كما ساقها الإمام شمس الدين ابن القيم في { الهدي النبوي } فإن فيها إعانة على فهم هذه السورة، وتكلم على معانيها وأسرارها، قال -رحمه الله تعالى:- فصل في قصة الحديبية قال نافع: كانت سنة ست في ذي القعدة، وهذا هو الصحيح، وهو قول الزهري، وقتادة، وموسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق وغيرهم. وقال هشام بن عروة، عن أبيه: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية في رمضان، وكانت في شوال، وهذا وهم، وإنما كانت غزاة الفتح في رمضان. قال أبو الأسود عن عروة: إنها كانت في ذي القعدة على الصواب. وفي الصحيحين عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر، كلهن في ذي القعدة، فذكر منهن عمرة الحديبية، وكان معه ألف وخمسمائة، هكذا في الصحيحين عن جابر، وعنه فيهما: كانوا ألفا وأربعمائة، وفيهما، عن عبد الله بن أبي أوفى: كنا ألفا وثلاثمائة، قال قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: كم كان الجماعة الذين شهدوا بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مائة، قال: قلت: فإن جابر بن عبد الله قال: كانوا أربع عشرة مائة، قال: يرحمه الله وهم، وهو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة، قلت: وقد صح عن جابر القولان، وصح عنه أنهم نحروا عام الحديبية سبعين بدنة، البدنة عن سبعة، فقيل له: كم كنتم؟ قال: ألفا وأربعمائة، بخيلنا ورجلنا، يعني: فارسهم وراجلهم. والقلب إلى هذا أميل، وهو قول البراء بن عازب، ومعقل بن يسار، وسلمة بن الأكوع، في أصح الروايتين، وقول المسيب بن حزن، قال شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ألفا وأربعمائة، وغلط غلطا بينا من قال: كانوا سبعمائة، وعذره أنهم نحروا يومئذ سبعين بدنة، والبدنة قد جاء إجزاؤها عن سبعة أو عشرة، وهذا لا يدل على ما قاله هذا القائل، فإنه قد صرح بأن البدنة كانت في هذه الغزوة عن سبعة، فلو كانت السبعون عن جميعهم، لكانوا أربعمائة وتسعين رجلا وقد قال بتمام الحديث بعينه، أنهم كانوا ألفا وأربعمائة. فصل فلما كانوا بذي الحليفة، حديث : قلد رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدي وأشعره، وأحرم بالعمرة، وبعث عينا له بين يديه من خزاعة، يخبره عن قريش، حتى إذا كانوا قريبا من عسفان، أتاه عينه، فقال: إني قد تركت كعب بن لؤي، قد جمعوا لك الأحابيش، وجمعوا لك جموعا، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. واستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه: أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم، فإن قعدوا قعدوا موتورين محزونين، وإن نجوا تكن عنقا قطعها الله، أم ترون أن نؤم البيت؟ فمن صدنا عنه قاتلناه؟ قال أبو بكر: الله ورسوله أعلم، إنما جئنا معتمرين، ولم نجئ لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فروحوا إذا" فراحوا، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش، فخذوا ذات اليمين" ، فوالله ما شعر بهم خالد، حتى إذا هو بغبرة الجيش، فانطلق يركض نذيرا لقريش. وسار النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها، بركت راحلته، فقال الناس: حل حل، فألحت، فقالوا: خلأت القصواء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل" ثم قال: "والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتموها" ثم زجرها، فوثبت به، فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية، على ثمد قليل الماء، إنما يتبرضه الناس تبرضا، فلم يلبث الناس أن نزحوه، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش. فانتزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوها فيه، قال: فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنها، وفزعت قريش لنزوله عليهم، فأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليهم رجلا من أصحابه، فدعا عمر بن الخطاب ليبعثه إليهم، فقال: يا رسول الله، ليس بمكة أحد من بني كعب يغضب لي، إن أوذيت، فأرسل عثمان بن عفان، فإن عشيرته بها، وإنه مبلغ ما أردت. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان، فأرسله إلى قريش، وقال: "أخبرهم أنا لم نأت لقتال، إنما جئنا عمارا، وادعهم إلى الإسلام". وأمره أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين، ونساء مؤمنات، فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح، ويخبرهم أن الله عز وجل مظهر دينه بمكة، حتى لا يستخفى فيها بالإيمان، فانطلق عثمان، فمر على قريش ببلدح، فقالوا: أين تريد؟ فقال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام، ونخبركم أنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا عمارا، قالوا: قد سمعنا ما تقول، فانفذ لحاجتك. وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص، فرحب به، وأسرج فرسه، فحمل عثمان على الفرس، فأجاره، وأردفه أبان حتى جاء مكة، وقال المسلمون قبل أن يرجع عثمان: خلص عثمان قبلنا إلى البيت وطاف به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون" فقالوا: وما يمنعه يا رسول الله وقد خلص؟ قال: "ذاك ظني به، أن لا يطوف بالكعبة حتى نطوف معه" واختلط المسلمون بالمشركين في أمر الصلح، فرمى رجل من أحد الفريقين رجلا من الفريق الآخر، وكانت معركة، وتراموا بالنبل والحجارة، وصاح الفريقان كلاهما، وارتهن كل واحد من الفريقين بمن فيهم، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عثمان قد قتل، فدعا إلى البيعة. فثار المسلمون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو تحت الشجرة، فبايعوه على أن لا يفروا، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد نفسه، وقال: "هذه عن عثمان" ولما تمت البيعة، رجع عثمان، فقال له المسلمون: اشتفيت يا أبا عبد الله من الطواف بالبيت، فقال: بئسما ظننتم بي، والذي نفسي بيده، لو مكثت بها سنة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، مقيم بالحديبية، ما طفت بها حتى يطوف بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت فأبيت، فقال المسلمون: رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان أعلمنا بالله، وأحسننا ظنا. وكان عمر أخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم للبيعة تحت الشجرة، فبايعه المسلمون كلهم إلا الجد ابن قيس، وكان معقل بن يسار، أخذ بغصنها يرفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أول من بايعه، أبو سنان الأسدي، وبايعه سلمة بن الأكوع ثلاث مرات، في أول الناس، وأوسطهم، وآخرهم. فبينما هم كذلك، إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي، في نفر من خزاعة، وكانوا عيبة نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم، من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي، وعامر بن لؤي، نزلوا أعداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك، وصادوك عن البيت. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا أماددهم ويخلوا بيني وبين الناس، وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا، وإن أبوا إلا القتال، فوالذي نفسي بيده، لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، أو لينفذن الله أمره" قال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشا، فقال: إني قد جئتكم من عند هذا الرجل، وسمعته يقول قولا فإن شئتم عرضته عليكم، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي: منهم: هات ما سمعته، قال: سمعته يقول كذا وكذا، فقال عروة بن مسعود الثقفي: إن هذا قد عرض عليكم خطة رشد، فاقبلوها، ودعوني آته، فقالوا: ائته، فأتاه، فجعل يكلمه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبديل، فقال له عروة عند ذلك: أي: محمد، أرأيت لو استأصلت قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى، فوالله إني لأرى وجوها، وأرى أوباشا من الناس، خليقا أن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكر: امصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟ قال: من ذا؟ قال: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده، لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها، لأجبتك. وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، وكلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة على رأس النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه السيف، وعليه المغفر فكلما أهوى عروة إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم، ضرب يده بنعل السيف، وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع عروة رأسه، وقال: من ذا؟ قال: المغيرة بن شعبة، فقال: أي: غدر، أولست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية، فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء". ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوالله إن تنخم النبي صلى الله عليه وسلم نخامة، إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها جلده ووجهه. وإذا أمرهم ابتدروا إلى أمره، وإذا توضأ، كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم، خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر، تعظيما له. فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، على كسرى، وقيصر، والنجاشي، والله ما رأيت ملكا يعظمه أصحابه، ما يعظم أصحاب محمد محمدا، والله ما تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم، خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له، وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته، فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له" فبعثوها فاستقبله القوم يلبون، فلما رأى ذلك، قال: سبحان الله، لا ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. فرجع إلى أصحابه، فقال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، وما أرى أن يصدوا عن البيت فقام مكرز بن حفص، وقال: دعوني آته، فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا مكرز بن حفص، وهو رجل فاجر" فجعل يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينا هو يكلمه، إذ جاء سهيل بن عمرو، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قد سهل لكم من أمركم" فقال: هات، اكتب بيننا وبينك كتابا، فدعا الكاتب، فقال: "اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم" فقال سهيل: أما الرحمن، فوالله ما ندري ما هو، ولكن اكتب: "باسمك اللهم" كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اكتب باسمك اللهم". ثم قال: "اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله " فقال سهيل: فوالله لو نعلم أنك رسول الله، ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني رسول الله وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله " فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به" فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن لك من العام المقبل، فكتب. فقال سهيل: على أن لا يأتيك منا رجل، وإن كان على دينك، إلا رددته علينا. فقال المسلمون: سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟ فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل يرسف في قيوده، قد خرج من أسفل مكة، حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما قاضيتك عليه، أن ترده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنا لم نقض الكتاب بعد" فقال: فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبدا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فأجزه لي" فقال: ما أنا بمجيزه، فقال: "بلى فافعل" قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز: قد أجزناه. فقال أبو جندل: يا معشر المسلمين، أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما، ألا ترون ما لقيت؟ وكان قد عذب في الله عذابا شديدا. قال عمر بن الخطاب: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله ألست نبي الله؟ قال: "بلى" قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟ قال: "بلى" فقلت: علام نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبين أعدائنا؟ فقال: "إني رسول الله، وهو ناصري، ولست أعصيه" قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: "بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟" قلت: لا قال: "فإنك آتيه ومطوف به". قال: فأتيت أبا بكر، فقلت له كما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورد عليه أبو بكر كما رد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء، وزاد: فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق، قال عمر: فعملت لذلك أعمالا. فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قوموا وانحروا، ثم احلقوا" فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، قام فدخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت: يا رسول الله أتحب ذلك؟ اخرج، ثم لا تكلم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلق لك، فقام فخرج، فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأى الناس ذلك، قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما، ثم جاءت نسوة مؤمنات، فأنزل الله عز وجل: { إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ } حتى بلغ { بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية، والأخرى صفوان بن أمية، ثم رجع إلى المدينة. وفي مرجعه أنزل الله عليه: { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا } إلى آخرها، فقال عمر: أفتح هو يا رسول الله؟ فقال: "نعم" فقال الصحابة: هنيئا لك يا رسول الله، فما لنا؟ فأنزل الله عز وجل: { هُوَ الَّذِي أَنزلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ } تفسير : الآية. انتهى. وهذا آخر تفسير سورة الفتح ولله الحمد والمنة [وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، نقلته من خط المفسر رحمه الله وعفا عنه، وكان الفراغ من كتابته في 13 ذي الحجة 1345 وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين آمين. بقلم الفقير إلى ربه سليمان بن حمد العبد الله البسام. غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين آمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات]. المجلد الثامن من تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان من به الله على عبده وابن عبده وابن أمته عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن سعدي.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 899 : 4 - سفين عن حميد الأعرج عن مجاهد في قوله {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ} قال، الخشوع والتواضع. [الآية 29]. 900 : 5 - سفين عن منصور عن مجاهد قال، هو الخشوع.
النسائي
تفسير : باب: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ} صلى الله عليه وسلم 532 - أنا حميد بن مسعدة، نا بشرٌ - يعني ابن المفضل/ - عن شعبة، عن قتادة، عن أنسٍ، قال: أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى الروم، فقالوا: إنهم لا يقرأون كتاباً إلا مختوماً، فاتخذ خاتماً من فضةٍ، كأني أنظرُ إلى بياضه في يده، ونقش فيه {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ} صلى الله عليه وسلم.
همام الصنعاني
تفسير : 2913- حدثنا عبد الرزاق، عن الثَّوري، عن منصور، عن مجاهد في قوله: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ}: [الآية: 29]، قالَ التَخشع. 2914- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن حميد الأعرج، عن مجاهد قال: التخشّع والتواضع. 2915- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ}: [الآية: 29]، قال: علامتهم الصَّلاَة. فـ {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ} وذكر مثلاً آخر في الإِنجيل فقال: {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ}: [الآية: 29]. 2916- قال عبد الرزاق، قال معمر، وقال قتادة والزّهري: أخرج نباته فآزره، يقولان: متلاحق قال: {يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ}: [الآية: 29]، يقولان: ليغيظ الله بالنبي وأصحابه الكفارَ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):