Verse. 4613 (AR)

٤٩ - ٱلْحُجُرَات

49 - Al-Hujurat (AR)

يٰۗاَيُّہَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا لَا تُـقَدِّمُوْا بَيْنَ يَدَيِ اللہِ وَرَسُوْلِہٖ وَاتَّقُوا اللہَ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ سَمِيْعٌ عَلِيْمٌ۝۱
Ya ayyuha allatheena amanoo la tuqaddimoo bayna yadayi Allahi warasoolihi waittaqoo Allaha inna Allaha sameeAAun AAaleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا» من قدم بمعنى تقدم، أي لا تَقَدَّمُوا بقول ولا فعل «بين يدي الله ورسوله» المبلغ عنه، أي بغير إذنهما «واتقوا الله إن الله سميع» لقولكم «عليم» بفعلكم، نزلت في مجادلة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما عند النبي صلى الله عليه وسلم في تأمير الأقرع بن حابس أو القعقاع بن معبد ونزل فيمن رفع صوته عند النبي صلى الله عليه وسلم.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : في بيان حسن الترتيب وجوه: أحدها: أن في السورة المتقدمة لما جرى منهم ميل إلى الامتناع مما أجاز النبي صلى الله عليه وسلم من الصلح وترك آية التسمية والرسالة وألزمهم كلمة التقوى كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم على سبيل العموم: لا تقدموا بين يدي الله ورسوله، ولا تتجاوزوا ما يأمر الله تعالى ورسوله الثاني: هو أن الله تعالى لما بيّن محل النبي عليه الصلاة والسلام وعلو درجته بكونه رسوله الذي يظهر دينه وذكره بأنه رحيم بالمؤمنين بقوله {أية : رَّحِيمٌ } تفسير : [التوبة: 128] قال لا تتركوا من احترامه شيئاً لا بالفعل ولا بالقول، ولا تغتروا برأفته، وانظروا إلى رفعة درجته الثالث: هو أن الله تعالى وصف المؤمنين بكونهم أشداء ورحماء فيما بينهم راكعين ساجدين نظراً إلى جانب الله تعالى، وذكر أن لهم من الحرمة عند الله ما أورثهم حسن الثناء في الكتب المتقدمة بقوله {أية : ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإنجِيلِ } تفسير : [الفتح: 29] فإن الملك العظيم لا يذكر أحداً في غيبته إلا إذا كان عنده محترماً ووعدهم بالأجر العظيم، فقال في هذه السورة لا تفعلوا ما يوجب انحطاط درجتكم وإحباط حسناتكم ولا تقدموا. وقيل في سبب نزول الآية وجوه: قيل نزلت في صوم يوم الشك، وقيل نزلت في التضحية قبل صلاة العيد، وقيل نزلت في ثلاثة قتلوا اثنين من سليم ظنوهما من بني عامر، وقيل نزلت في جماعة أكثروا من السؤال وكان قد قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفود والأصح أنه إرشاد عام يشمل الكل ومنع مطلق يدخل فيه كل إثبات وتقدم واستبداد بالأمر وإقدام على فعل غير ضروري من غير مشاورة وفي التفسير مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: {لاَ تُقَدِّمُواْ } يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من التقديم الذي هو متعد، وعلى هذا ففيه وجهان: أحدهما: ترك مفعوله برأسه كما في قوله تعالى: {يحيي ويميت } وقول القائل فلان يعطي ويمنع ولا يريد بهما إعطاء شيء معين ولا منع شيء معين وإنما يريد بهما أن له منعاً وإعطاء كذلك ههنا، كأنه تعالى يقول لا ينبغي أن يصدر منكم تقديم أصلاً والثاني: أن يكون المفعول الفعل أو الأمر كأنه يقول {لاَ تُقَدِّمُواْ } يعني فعلاً {بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } أو لا تقدموا أمراً الثاني: أن يكون المراد {لاَ تُقَدِّمُواْ } بمعنى لا تتقدموا، وعلى هذا فهو مجاز ليس المراد هو نفس التقديم بل المراد لا تجعلوا لأنفسكم تقدماً عند النبي صلى الله عليه وسلم يقال فلان تقدم من بين الناس إذا ارتفع أمره وعلا شأنه، والسبب فيه أن من ارتفع يكون متقدماً في الدخول في الأمور العظام، وفي الذكر عند ذكر الكرام، وعلى هذا نقول سواء جعلناه متعدياً أو لازماً لا يتعدى إلى ما يتعدى إليه التقديم في قولنا قدمت زيداً، فالمعنى واحد لأن قوله {لاَ تُقَدِّمُواْ } إذا جعلناه متعدياً أو لازماً لا يتعدى إلى ما يتعدى إليه التقديم في قولنا قدمت زيداً، فتقديره لا تقدموا أنفسكم في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم أي لا تجعلوا لأنفسكم تقدماً ورأياً عنده، ولا نقول بأن المراد لا تقدموا أمراً وفعلاً، وحينئذ تتحد القراءتان في المعنى، وهما قراءة من قرأ بفتح التاء والدال وقراءة من قرأ بضم التاء وكسر الدال، وقوله تعالى: {بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } أي بحضرتهما لأن ما بحضرة الإنسان فهو بين يديه وهو ناظر إليه وهو نصب عينيه وفي قوله {بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } فوائد: أحدها: أن قول القائل فلان بين يدي فلان، إشارة إلى كون كل واحد منهما حاضراً عند الآخر مع أن لأحدهما علو الشأن وللآخر درجة العبيد والغلمان، لأن من يجلس بجنب الإنسان يكلفه تقليب الحدقة إليه وتحريك الرأس إليه عند الكلام والأمر، ومن يجلس بين يديه لا يكلفه ذلك، ولأن اليدين تنبىء عن القدرة يقول القائل هو بين يدي فلان، أي يقلبه كيف شاء في أشغاله كما يفعل الإنسان بما يكون موضوعاً بين يديه، وذلك مما يفيد وجوب الاحتراز من التقدم، وتقديم النفس لأن من يكون كمتاع يقلبه الإنسان بيديه كيف يكون له عنده التقدم وثانيها: ذكر الله إشارة إلى وجوب احترام الرسول عليه الصلاة والسلام والانقياد لأوامره، وذلك لأن احترام الرسول صلى الله عليه وسلم قد يترك على بعد المرسل وعدم اطلاعه على ما يفعل برسوله فقال: {بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ } أي أنتم بحضرة من الله تعالى وهو ناظر إليكم، وفي مثل هذه الحالة يجب احترام رسوله وثالثها: هو أن هذه العبارة كما تقرر النهي المتقدم تقرر معنى الأمر المتأخر وهو قوله {وَٱتَّقَوْاْ } لأن من يكون بين يدي الغير كالمتاع الموضوع بين يديه يفعل به ما يشاء يكون جديراً بأن يتقيه، وقوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } يحتمل أن يكون ذلك عطفاً يوجب مغايرة مثل المغايرة التي في قول القائل لا تتم واشتغل، أي فائدة ذلك النهي هو ما في هذا الأمر، وليس المطلوب به ترك النوم كيف كان، بل المطلوب بذلك الاشتغال فكذلك لا تقدموا أنفسكم ولا تتقدموا على وجه التقوى، ويحتمل أن يكون بينهما مغايرة أتم من ذلك، وهي التي في قول القائل احترم زيداً واخدمه، أي ائت بأتم الاحترام، فكذلك ههنا معناه لا تتقدموا عنده وإذا تركتم التقدم فلا تتكلوا على ذلك فلا تنتفعوا بل مع أنكم قائمون بذلك محترمون له اتقوا الله واخشوه وإلا لم تكونوا أتيتم بواجب الاحترام وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } يؤكد ما تقدم لأنهم قالوا آمنا، لأن الخطاب يفهم بقوله {يا أيها الذين آمنوا } فقد يسمع قولهم ويعلم فعلهم وما في قلوبهم من التقوى والخيانة، فلا ينبغي أن يختلف قولكم وفعلكم وضمير قلبكم، بل ينبغي أن يتم ما في سمعه من قولكم آمنا وسمعنا وأطعنا وما في علمه من فعلكم الظاهر، وهو عدم التقدم وما في قلوبكم من الضمائر وهو التقوى.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} قال العلماء: كان في العرب جَفاءٌ وسوءُ أدب في خطاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وتلقيب الناس. فالسورة في الأمر بمكارم الأخلاق ورعاية الآداب. وقرأ الضحاك ويعقوب الحضرميّ: «لاَ تَقَدَّمُوا» بفتح التاء والدال من التقدّم. الباقون «تُقَدِّمُوا» بضم التاء وكسر الدال من التقديم؛ ومعناهما ظاهر. أي لا تقدموا قولاً ولا فعلاً بين يدي الله وقول رسوله وفعله فيما سبيلُه أن تأخذوه عنه من أمر الدين والدنيا. ومن قدّم قولَه أو فعله على الرسول صلى الله عليه وسلم فقد قدّمه على الله تعالى؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يأمر عن أمر الله عز وجل. الثانية ـ واختلف في سبب نزولها على أقوال ستة: الأول ـ ما ذكره الواحديّ من حديث ابن جريج قال: حدّثني ٱبن أبي مُليكة أن عبد الله بن الزبير أخبره: أنه قدم ركب من بني تميم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: أمِّر القَعْقاع بن مَعْبد. وقال عمر: أمِّر الأقرع بن حابس. فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي. وقال عمر: ما أردتُ خلافك. فتماديا حتى ارتفعت أصواتهما؛ فنزل في ذلك: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ـ إلى قوله ـ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ}. رواه البخاري عن الحسن بن محمد بن الصباح؛ ذكره المهدَوِيّ أيضاً. الثاني ـ ما روي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أراد أن يستخلف على المدينة رجلاً إذا مضى إلى خَيْبَر؛ فأشار عليه عمر برجل آخر؛ فنزل: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}. ذكره المَهْدَوِيّ أيضاً. الثالث ـ ما ذكره الماوردِيّ عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنفذ أربعة وعشرين رجلاً من أصحابه إلى بني عامر فقتلوهم؛ إلا ثلاثة تأخروا عنهم فسلموا وانكفأوا إلى المدينة؛ فلقوا رجلين من بني سُليم فسألوهما عن نسبهما فقالا: من بني عامر، لأنهم أعز من بني سليم فقتلوهما؛ فجاء نفر من بني سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن بيننا وبينك عهداً، وقد قتل منا رجلان؛ فوداهما النبيّ صلى الله عليه وسلم بمائة بعير، ونزلت عليه هذه الآية في قتلهم الرجلين. وقال قتادة: إن ناساً كانوا يقولون لو أنزل فيّ كذا، لو أنزل فيّ كذا؟ فنزلت هذه الآية. ابن عباس: نُهُوا أن يتكلموا بين يدي كلامه. مجاهد: لا تفتاتوا على الله ورسوله حتى يقضي الله على لسان رسوله؛ ذكره البخاري أيضاً. الحسن: نزلت في قوم ذَبحُوا قبل أن يصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأمرهم أن يعيدوا الذبح. ٱبن جريج: لا تقدموا أعمال الطاعات قبل وقتها الذي أمر الله تعالى به ورسوله صلى الله عليه وسلم. قلت: هذه الأقوال الخمسة المتأخرة ذكرها القاضي أبو بكر بن العربي، وسردها قبله الماوردي. قال القاضي: وهي كلها صحيحة تدخل تحت العموم؛ فالله أعلم ما كان السبب المثير للآية منها، ولعلها نزلت دون سبب؛ والله أعلم. قال القاضي: إذا قلنا إنها نزلت في تقديم الطاعات على أوقاتها فهو صحيح؛ لأن كل عبادة مؤقتة بميقات لا يجوز تقديمها عليه كالصلاة والصوم والحج؛ وذلك بيّن. إلا أن العلماء اختلفوا في الزكاة، لما كانت عبادة مالية وكانت مطلوبة لمعنًى مفهوم، وهو سدّ خَلّة الفقير، ولأن النبيّ صلى الله عليه وسلم استعجل من العباس صدقة عامين، ولما جاء من جمع صدقة الفطر قبل يوم الفطر حتى تعطى لمستحقيها يوم الوجوب وهو يوم الفطر؛ فاقتضى ذلك كله جواز تقديمها العام والاثنين. فإن جاء رأس العام والنصاب بحاله وقعت موقعها. وإن جاء رأس العام وقد تغيّر النصاب تبيّن أنها صدقة تطوّع. وقال أشهب: لا يجوز تقديمها على الحول لحظة كالصلاة؛ وكأنه طرد الأصل في العبادات فرأى أنها إحدى دعائم الإسلام فوفاها حقها في النظام وحسن الترتيب. ورأى سائر علمائنا أن التقديم اليسير فيها جائز؛ لأنه معفوٌّ عنه في الشرع بخلاف الكثير. وما قاله أشهب أصح؛ فإن مفارقة اليسير الكثير في أصول الشريعة صحيح، ولكنه لمعانٍ تختص باليسير دون الكثير. فأما في مسألتنا فاليوم فيه كالشهر، والشهر كالسنة. فإما تقديم كلّي كما قاله أبو حنيفة والشافعيّ، وإمّا حفظ العبادة على ميقاتها كما قال أشهب. الثالثة ـ قوله تعالى: {لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ} أصل في ترك التعرّض لأقوال النبيّ صلى الله عليه وسلم، وإيجاب اتباعه والاقتداء به، وكذلك حديث : قال النبيّ صلى الله عليه وسلم في مرضه:«مُرُوا أبا بكر فَلْيُصَلّ بالناس». فقالت عائشة لحفصة رضي الله عنهما: قولي له إن أبا بكر رجل أسيف وإنه متى يَقُم مَقامَك لا يُسْمِع الناسَ من البكاء؛ فَمُرْ عمر فلْيصلّ بالناس. فقال صلى الله عليه وسلم:«إنكنّ لأنتنّ صواحبُ يوسف. مُرُوا أبا بكر فليصلّ بالناس»تفسير : . فمعنى قوله «صواحب يوسف» الفتنة بالردّ عن الجائز إلى غير الجائز. وربما احتج بُغَات القياس بهذه الآية. وهو باطل منهم؛ فإن ما قامت دلالته فليس في فعله تقديم بين يديه. وقد قامت دلالة الكتاب والسنّة على وجوب القول بالقياس في فروع الشرع؛ فليس إذاً تقدّم بين يديه. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} يعني في التقدّم المنهي عنه. {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} لقولكم {عَلِيمٌ} بفعلكم.

البيضاوي

تفسير : مدنية وآيها ثما ني عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ } أي لا تقدموا أمراً، فحذف المفعول ليذهب الوهم إلى كل ما يمكن، أو ترك لأن المقصود نفي التقديم رأساً أو لا تتقدموا ومنه مقدمة الجيش لمتقدميهم، ويؤيده قراءة يعقوب«لاَ تُقَدّمُواْ» . وقرىء «لاَ تُقَدّمُواْ» من القدوم. {بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } مستعار مما بين الجهتين المسامتتين ليدي الإنسان تهجيناً لما نهوا عنه، والمعنى لا تقطعوا أمراً قبل أن يحكما به. وقيل المراد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الله تعظيم له وإشعار بأنه من الله بمكان يوجب إجلاله. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في التقديم أو مخالفة الحكم. {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ } لأقوالكم. {عَلِيمٌ } بأفعالكم. { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوٰتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِىّ } أي إذا كلمتموه فلا تجاوزوا أصواتكم عن صوته. {وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ } ولا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم بل اجعلوا أصواتكم أخفض من صوته محاماة على الترحيب ومراعاة للأدب. وقيل معناه ولا تخاطبوه باسمه وكنيته كما يخاطب بعضكم بعضاً وخاطبوه بالنبي والرسول، وتكرير النداء لاستدعاء مزيد الاستبصار والمبالغة في الاتعاظ والدلالة على استقلال المنادى له وزيادة الاهتمام به. {أَن تَحْبَطَ أَعْمَـٰلُكُمْ } كراهة أن تحبط فيكون علة للنهي، أو لأن تحبط على أن النهي عن الفعل المعلل باعتبار التأدية لأن في الجهر والرفع استخفافاً قد يؤدي إلى الكفر المحبط، وذلك إذا انضم إليه قصد الإِهانة وعدم المبالاة. وقد روي: أن ثابت بن قيس كان في أذنه وقر وكان جهورياً، فلما نزلت تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتفقده ودعاه فقال: يا رسول الله لقد أنزلت إليك هذه الآية وإني رجل جهير الصوت فأخاف أن يكون عملي قد حبط، فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : لست هناك إنك تعيش بخير وتموت بخير وإنك من أهل الجنة»تفسير : {وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } أنها محبطة. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوٰتَهُمْ } يخفضونها. {عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ } مراعاة للأدب أو مخافة عن مخالفة النهي. قيل كان أبو بكر وعمر بعد ذلك يسرانه حتى يستفهمهما. {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ } جربها للتقوى ومرنها عليها، أو عرفها كائنة للتقوى خالصة لها، فإن الامتحان سبب المعرفة واللام صلة محذوف أو للفعل باعتبار الأصل، أو ضرب الله قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف الشاقة لأجل التقوى، فإنها لا تظهر إلا بالاصطبار عليها، أو أخلصها للتقوى من امتحن الذهب إذا أذابه وميز إبريزه من خبثه. {لَهُم مَّغْفِرَةٌ } لذنوبهم. {وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } لغضهم وسائر طاعاتهم، والتنكير للتعظيم والجملة خبر ثان لأن أو استئناف لبيان ما هو جزاء الغاضين إحماداً لحالهم كما أخبر عنهم بجملة مؤلفة من معرفتين، والمبتدأ إسم الإِشارة المتضمن لما جعل عنواناً لهم، والخبر الموصول بصلة دلت على بلوغهم أقصى الكمال مبالغة في الاعتداد بغضهم والارتضاء له، وتعريضاً بشناعة الرفع والجهر وأن حال المرتكب لهما على خلاف ذلك. {إَنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء ٱلْحُجُرٰتِ } من خارجها خلفها أو قدامها، ومن ابتدائية فإن المناداة نشأت من جهة الوراء، وفائدتها الدلالة على أن المنادي داخل الحجرة إذ لا بد وأن يختلف المبتدأ والمنتهى بالجهة، وقرىء «ٱلْحُجُرٰتِ » بفتح الجيم، وسكونها وثلاثتها جمع حجرة وهي القطعة من الأرض المحجورة بحائط، ولذلك يقال لحظيرة الإِبل حجرة. وهي فعلة بمعنى مفعول كالغرفة والقبضة، والمراد حجرات نساء النبي عليه الصلاة والسلام وفيها كناية عن خلوته بالنساء ومناداتهم من ورائها إما بأنهم أتوها حجرة حجرة فنادوه من روائها، أو بأنهم تفرقوا على الحجرات متطلبين له، فأسند فعل الأبعاض إلى الكل. وقيل إن الذي ناداه عيينة بن حصن والأقرع بن حابس، وفدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلاً من بني تميم وقت الظهيرة وهو راقد فقالا يا محمد اخرج إلينا، وإنما أسند إلى جميعهم لأنهم رضوا بذلك أو أمروا به، أو لأنه وجد فيما بينهم. {أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } إذ العقل يقتضي حسن الأدب ومراعاة الحشمة سيما لمن كان بهذا المنصب. {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ } أي ولو ثبت صبرهم وانتظارهم حتى تخرج إليهم، فإن أن وإن دلت بما في حيزها على المصدر دلت بنفسها على الثبوت، ولذلك وجب إضمار الفعل وحتى تفيد أن الصبر ينبغي أن يكون مغنياً بخروجه، فإن حتى مختصة بغاية الشيء في نفسه ولذلك تقول: أكلت السمكة حتى رأسها، ولا تقول حتى نصفها، بخلاف إلى فإنها عامة، وفي {إِلَيْهِمُ } إشعار بأنه لو خرج لا لأجلهم ينبغي أن يصبروا حتى يفاتحهم بالكلام أو يتوجه إليهم. {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } لكان الصبر خيراً لهم من الاستعجال لما فيه من حفظ الأدب وتعظيم الرسول الموجبين للثناء والثواب، والإِسعاف بالمسؤول إذ روي أنهم وفدوا شافعين في أسارى بني العنبر فأطلق النصف وفادى النصف. {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } حيث اقتصر على النصح والتقريع لهؤلاء المسيئين الأدب التاركين تعظيم الرسول عليه الصلاة والسلام. { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن جَاءكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ } فتعرفوا وتصفحوا، روي أنه عليه الصلاة والسلام بعث الوليد بن عقبة مصدقاً إلى بني المصطلق وكان بينه وبينهم إحنة، فلما سمعوا به استقبلوه فحسبهم مقاتليه فرجع وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم قد ارتدوا ومنعوا الزكاة فهم بقتالهم فنزلت. وقيل بعث إليهم خالد بن الوليد فوجدهم منادين بالصلاة متهجدين فسلموا إليه الصدقات فرجع، وتنكير الفاسق والنبأ للتعميم، وتعليق الأمر بالتبين على فسق المخبر يقتضي جواز قبول خبر العدل من حيث إن المعلق على شيء بكلمة إن عدم عند عدمه، وأن خبر الواحد لو وجب تبينه من حيث هو كذلك لما رتب على الفسق، إذ الترتيب يفيد التعليل وما بالذات لا يعلل بالغير. وقرأ حمزة والكسائي فتثبتوا أي فتوقفوا إلى أن يتبين لكم الحال. {أَنْ تُصِيبُوا } كراهة إصابتكم. { قَوْمَاً بِجَهَالَةٍ } جاهلين بحالهم. {فَتُصْبِحُواْ } فتصيروا. {عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَـٰدِمِينَ } مغتمين غما لازماً متمنين أنه لم يقع، وتركيب هذه الأحرف الثلاثة دائر مع الدوام. {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ } أن بما في حيزه ساد مسد مفعولي اعلموا باعتبار ما قيد به من الحال وهو قوله: {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ } فإنه حال من أحد ضميري فيكم، ولو جعل استئنافاً لم يظهر للأمر فائدة. والمعنى أن فيكم رسول الله على حال يجب تغييرها وهي أنكم تريدون أن يتبع رأيكم في الحوادث، ولو فعل ذلك {لَعَنِتُّمْ } أي لوقعتم في الجهد من العنت، وفيه إشعار بأن بعضهم أشار إليه بالإِيقاع ببني المصطلق وقوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ } استدراك ببيان عذرهم، وهو أنه من فرط حبهم للإِيمان وكراهتهم للكفر حملهم على ذلك لما سمعوا قول الوليد، أو بصفة من لم يفعل ذلك منهم إحماداً لفعلهم وتعريضاً بذم من فعل ويؤيده قوله: {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلرشِدُونَ } أي أولئك المستثنون هم الذين أصابوا الطريق السوي، {وَكَرَّهَ } يتعدى بنفسه إلى مفعول واحد فإذا شدد زاد له آخر، لكنه لما تضمن معنى التبعيض نزل كره منزلة بغض فعدي إلى آخر بإلى، أو نزل إليكم منزلة مفعول آخر. و {ٱلْكُفْرِ }: تغطية نعم الله بالجحود. {وَٱلْفُسُوقَ }: الخروج عن القصد {وَٱلْعِصْيَانَ }: الامتناع عن الانقياد. {فَضْلاً مّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً } تعليل لـ {كَرِهَ } أو {حَبَّبَ }، وما بينهما اعتراض لا لـ {ٱلرشِدُونَ } فإن الفضل فعل الله، والرشد وإن كان مسبباً عن فعله مسند إلى ضميرهم أو مصدر لغير فعله فإن التحبيب والرشد فضل من الله وإنعام. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بأحوال المؤمنين وما بينهم من التفاضل {حَكِيمٌ } حيث يفضل وينعم بالتوفيق عليهم.

ابن كثير

تفسير : هذه آيات أدب الله تعالى بها عباده المؤمنين، فيما يعاملون به الرسول صلى الله عليه وسلم من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام، فقال تبارك وتعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي لا تسارعوا في الأشياء بين يديه، أي قبله، بل كونوا تبعاً له في جميع الأمور حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي حديث معاذ رضي الله عنه حيث قال له النبي صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن: «حديث : بمَ تحكم؟» تفسير : قال: بكتاب الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : فإن لم تجد؟» تفسير : قال: بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : فإن لم تجد؟» تفسير : قال رضي الله عنه: أجتهد رأيي، فضرب في صدره وقال: «حديث : الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم»تفسير : . وقد رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه. فالغرض منه أنه أخر رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد الكتاب والسنة، ولو قدمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقديم بين يدي الله ورسوله. قال علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: {لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة، وقال العوفي عنه: نهى أن يتكلموا بين يدي كلامه، وقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء حتى يقضي الله تعالى على لسانه، وقال الضحاك: لا تقضوا أمراً دون الله ورسوله من شرائع دينكم، وقال سفيان الثوري: {لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} بقول ولا فعل، وقال الحسن البصري: {لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} قال: لا تدعوا قبل الإمام، وقال قتادة: ذكر لنا أن ناساً كانوا يقولون: لو أنزل في كذا وكذا، لو صنع كذا، فكره الله تعالى ذلك، وتقدم فيه. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي فيما أمركم به {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} أي لأقوالكم {عَلِيمٌ} بنياتكم. وقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَٰتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ} هذا أدب ثان أدب الله تعالى به المؤمنين أن لا يرفعوا أصواتهم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فوق صوته، وقد روي أنها نزلت في الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وقال البخاري: حدثنا بسرة بن صفوان اللخمي، حدثنا نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة، قال: كاد الخيران أن يهلكا: أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس رضي الله عنه أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر، قال نافع: لا أحفظ اسمه، فقال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما: ما أردت إلا خلافي، قال: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَٰتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِىِّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَـٰلُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} قال ابن الزبير رضي الله عنهما: فما كان عمر رضي الله عنه يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني: أبا بكر رضي الله عنه. انفرد به دون مسلم. ثم قال البخاري: حدثنا حسن بن محمد، حدثنا حجاج عن ابن جريج، حدثني ابن أبي ملكية: أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أخبره: أنه قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر رضي الله عنه: أمّر القعقاع بن معبد، وقال عمر رضي الله عنه: بل أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر رضي الله عنه: ما أردت إلا خلافي، فقال عمر رضي الله عنه: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت في ذلك: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} حتى انقضت الآية {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ} الآية. وهكذا رواه ههنا منفرداً به أيضاً. وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا الفضل بن سهل، حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا حصين بن عمر عن مخارق عن طارق بن شهاب عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَٰتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ} قلت: يا رسول الله والله لا أكلمك إلا كأخي السرار. حصين بن عمر، هذا وإن كان ضعيفاً لكن قد رويناه من حديث عبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة رضي الله عنهما بنحو ذلك، والله أعلم. وقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا أزهر بن سعد، أخبرنا ابن عون، أنبأني موسى بن أنس عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم افتقد ثابت بن قيس رضي الله عنه، فقال رجل: يا رسول الله أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده في بيته منكساً رأسه، فقال له: ما شأنك؟ فقال: شر، كان يرفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم فقد حبط عمله فهو من أهل النار، فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أنه قال: كذا وكذا، قال موسى: فرجع إليه المرة الآخرة ببشارة عظيمة فقال: «حديث : اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النّار، ولكنك من أهل الجنة» تفسير : تفرد به البخاري من هذا الوجه. وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَٰتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ} إلى قوله {وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} وكان ثابت بن قيس بن الشماس رفيع الصوت، فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا من أهل النار، حبط عملي، وجلس في أهله حزيناً، ففقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق بعض القوم إليه، فقالوا له: تفقدك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك؟ قال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم وأجهر له بالقول، حبط عملي، أنا من أهل النار، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه بما قال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا، بل هو من أهل الجنة» تفسير : قال أنس رضي الله عنه: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، فلما كان يوم اليمامة، كان فينا بعض الانكشاف، فجاء ثابت بن قيس بن شماس، وقد تحنط ولبس كفنه، فقال: بئسما تعودون أقرانكم، فقاتلهم حتى قتل رضي الله عنه. وقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ} إلى آخر الآية، جلس ثابت رضي الله عنه في بيته قال: أنا من أهل النار، واحتبس عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن معاذ: «حديث : يا أبا عمرو ما شأن ثابت، اشتكى؟» تفسير : فقال سعد رضي الله عنه: إنه لجاري، وما علمت له بشكوى. قال: فأتاه سعد رضي الله عنه، فذكر له قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ثابت رضي الله عنه: أنزلت هذه الآية، ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنا من أهل النار، فذكر ذلك سعد رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بل هو من أهل الجنة» تفسير : ثم رواه مسلم عن أحمد بن سعيد الدارمي عن حَبَّانُ بن هلال عن سليمان بن المغيرة به، قال: ولم يذكر سعد بن معاذ رضي الله عنه. وعن قطن بن نُسير عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس رضي الله عنه بنحوه، وقال: ليس فيه ذكر سعد بن معاذ رضي الله عنه. حدثني هريم بن عبد الأعلى الأسدي، حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي يذكر عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية، فاقتص الحديث ولم يذكر سعد بن معاذ رضي الله عنه، وزاد: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجل من أهل الجنة. فهذه الطرق الثلاث معللة لرواية حماد بن سلمة فيما تفرد به من ذكر سعد بن معاذ رضي الله عنه، والصحيح أن حال نزول هذه الآية لم يكن سعد بن معاذ رضي الله عنه موجوداً؛ لأنه كان قد مات بعد بني قريظة بأيام قلائل سنة خمس، وهذه الآيات نزلت في وفد بني تميم، والوفود إنما تواتروا في سنة تسع من الهجرة، والله أعلم. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا أبو ثابت بن ثابت بن قيس بن شماس، حدثني عمي إسماعيل بن محمد بن ثابت بن قيس ابن شماس عن أبيه رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: {لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَٰتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِىِّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ} قال: قعد ثابت بن قيس رضي الله عنه في الطريق يبكي، قال: فمر به عاصم بن عدي من بني العجلان، فقال: ما يبكيك يا ثابت؟ قال: هذه الآية، أتخوف أن تكون نزلت فيَّ وأنا صيت رفيع الصوت. قال: فمضى عاصم بن عدي رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وغلبه البكاء، فأتى امرأته جميلة ابنة عبد الله بن أبي بن سلول، فقال لها: إذا دخلت بيت فرسي، فشدي على الضبة بمسمار، فضربته بمسمار، حتى إذا خرج عطفه، وقال: لا أخرج حتى يتوفاني الله تعالى، أو يرضى عني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وأتى عاصم رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبره، فقال: «حديث : اذهب فادعه لي» تفسير : فجاء عاصم رضي الله عنه إلى المكان، فلم يجده، فجاء إلى أهله، فوجده في بيت الفرس، فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك، فقال: اكسر الضبة، قال: فخرجا، فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما يبكيك يا ثابت؟» تفسير : فقال رضي الله عنه: أنا صيت، وأتخوف أن تكون هذه الآية نزلت فيَّ: {لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَٰتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ} فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أما ترضى أن تعيش حميداً وتقتل شهيداً وتدخل الجنة؟» تفسير : فقال: رضيت ببشرى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا أرفع صوتي أبداًعلى صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَٰتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ} الآية. وقد ذكر هذه القصة غير واحد من التابعين كذلك، فقد نهى الله عز وجل عن رفع الأصوات بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع صوت رجلين في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم قد ارتفعت أصواتهما، فجاء فقال: أتدريان أين أنتما؟ ثم قال: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً. وقال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره صلى الله عليه وسلم كما كان يكره في حياته عليه الصلاة والسلام؛ لأنه محترم حياً، وفي قبره صلى الله عليه وسلم دائماً، ثم نهى عن الجهر له بالقول كما يجهر الرجل لمخاطبه ممن عداه، بل يخاطب بسكينة ووقار وتعظيم، ولهذا قال تبارك وتعالى: {وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} كما قال تعالى: {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً}. وقوله عز وجل: {أَن تَحْبَطَ أَعْمَـٰلُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} أي إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده؛ خشية أن يغضب من ذلك، فيغضب الله تعالى لغضبه فيحبط عمل من أغضبه، وهو لا يدري كما جاء في الصحيح: «حديث : إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى لا يلقي لها بالاً يكتب له بها الجنة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض» تفسير : ثم ندب الله تعالى إلى خفض الصوت عنده وحث على ذلك وأرشد إليه ورغب فيه فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَٰتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ} أي أخلصها لها وجعلها أهلاً ومحلاً {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} وقد قال الإمام أحمد في كتاب الزهد: حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن منصور عن مجاهد قال: كتب إلى عمر: يا أمير المؤمنين رجل لا يشتهي المعصية ولا يعمل بها أفضل، أم رجل يشتهي المعصية، ولا يعمل بها، فكتب عمر رضي الله عنه: إن الذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ } من قدم بمعنى تقدم أي لا تتقدموا بقول ولا فعل {بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } المبلغ عنه، أي بغير إذنهما {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ } لقولكم {عَلِيمٌ } بفعلكم نزلت في مجادلة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما عند النبي صلى الله عليه وسلم في تأمير الأقرع بن حابس أو القعقاع بنمعبد.

الشوكاني

تفسير : قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } قرأ الجمهور {تقدّموا} بضم المثناة الفوقية، وتشديد الدال مكسورة، وفيه وجهان: أحدهما: أنه متعدّ، وحذف مفعوله لقصد التعميم، أو ترك المفعول للقصد إلى نفس الفعل كقولهم: هو يعطي ويمنع، والثاني: أنه لازم نحو: وجه وتوجه، ويعضدّه قراءة ابن عباس، والضحاك، ويعقوب (تقدموا) بفتح التاء والقاف والدال. قال الواحدي: قدم ها هنا بمعنى تقدّم، وهو لازم. قال أبو عبيدة: العرب تقول: لا تقدّم بين يدي الإمام وبين يدي الأب، أي: لا تعجل بالأمر دونه والنهي؛ لأن المعنى: لا تقدّموا قبل أمرهما ونهيهما، وبين يدي الإمام عبارة عن الإمام لا ما بين يدي الإنسان، ومعنى الآية: لا تقطعوا أمراً دون الله ورسوله، ولا تعجلوا به. وقيل: المراد معنى بين يدي فلان: بحضرته؛ لأن ما يحضره الإنسان، فهو بين يديه {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في كلّ أموركم، ويدخل تحتها الترك للتقدّم بين يدي الله ورسوله دخولاً أوّلياً. ثم علل ما أمر به من التقوى بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ } لكلّ مسموع {عَلِيمٌ} بكل معلوم {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوٰتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِىّ } يحتمل أن المراد حقيقة رفع الصوت؛ لأن ذلك يدلّ على قلة الاحتشام وترك الاحترام؛ لأن خفض الصوت وعدم رفعه من لوازم التعظيم والتوقير. ويحتمل أن يكون المراد: المنع من كثرة الكلام ومزيد اللغط، والأوّل أولى. والمعنى: لا ترفعوا أصواتكم إلى حدّ يكون فوق ما يبلغه صوت النبيّ صلى الله عليه وسلم. قال المفسرون: المراد من الآية: تعظيم النبي وتوقيره، وأن لا ينادوه كما ينادي بعضهم بعضاً {وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ } أي: لا تجهروا بالقول إذا كلمتموه، كما تعتادونه من الجهر بالقول إذا كلم بعضكم بعضاً. قال الزجاج: أمرهم الله بتجليل نبيه، وأن يغضوا أصواتهم، ويخاطبوه بالسكينة والوقار، وقيل: المراد بقوله {وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ }: لا تقولوا يا محمد ويا أحمد؛ ولكن يا نبيّ، الله ويا رسول الله، توقيراً له، والكاف في محل نصب على أنها نعت مصدر محذوف، أي: جهراً مثل جهر بعضكم لبعض، وليس المراد برفع الصوت وبالجهر في القول هو ما يقع على طريقة الاستخفاف، فإن ذلك كفر، وإنما المراد أن يكون الصوت في نفسه غير مناسب لما يقع في مواقف من يجب تعظيمه وتوقيره. والحاصل أن النهي هنا وقع عن أمور، الأوّل: عن التقدّم بين يديه بما لا يأذن به من الكلام. والثاني: عن رفع الصوت البالغ إلى حدّ يكون فوق صوته، سواء كان في خطابه، أو في خطاب غيره. والثالث: ترك الجفاء في مخاطبته، ولزوم الأدب في مجاورته؛ لأن المقاولة المجهورة إنما تكون بين الأكفاء الذين ليس لبعضهم على بعض مزية توجب احترامه وتوقيره. ثم علل سبحانه ما ذكره بقوله: {أَن تَحْبَطَ أَعْمَـٰلُكُمْ } قال الزجاج: أن تحبط أعمالكم التقدير: لأن تحبط أعمالكم، أي: فتحبط، فاللام المقدرة لام الصيرورة كذا قال، وهذه العلة يصح أن تكون للنهي، أي: نهاكم الله عن الجهر خشية أن تحبط، أو كراهة أن تحبط، أو علة للمنهي أي: لا تفعلوا الجهر فإنه يؤدّي إلى الحبوط، فكلام الزجاج ينظر إلى الوجه الثاني لا إلى الوجه الأوّل، وجملة: {وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } في محل نصب على الحال، وفيه تحذير شديد ووعيد عظيم. قال الزجاج: وليس المراد وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ يوجب أن يكفر الإنسان وهو لا يعلم، فكما لا يكون الكافر مؤمناً إلاّ باختياره الإيمان على الكفر، كذلك لا يكون الكافر كافراً من حيث لا يعلم. ثم رغب سبحانه في امتثال ما أمر به، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوٰتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ } أصل الغض: النقص من كل شيء. ومنه نقص الصوت {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ } قال الفراء: أخلص قلوبهم للتقوى، كما يمتحن الذهب بالنار، فيخرج جيده من رديئه، ويسقط خبيثه. وبه قال مقاتل، ومجاهد وقتادة. وقال الأخفش: اختصها للتقوى، وقيل: طهرها من كلّ قبيح، وقيل: وسعها وسرّحها، من محنت الأديم: إذا وسعته. وقال أبو عمرو: كلّ شيء جهدته فقد محنته، واللام في {للتقوى} متعلقة بمحذوف، أي: صالحة للتقوى كقولك أنت صالح لكذا، أو للتعليل الجاري مجرى بيان السبب، كقولك جئتك لأداء الواجب، أي: ليكون مجيئي سبباً لأداء الواجب {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } أي: أولئك لهم، فهو خبر آخر لاسم الإشارة، ويجوز أن يكون مستأنفاً لبيان ما أعدّ الله لهم في الآخرة. {إَنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء ٱلْحُجُرٰتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } هم جفاة بني تميم كما سيأتي بيانه، و{وراء الحجرات}: خارجها وخلفها، والحجرات: جمع حجرة، كالغرفات جمع غرفة، والظلمات جمع ظلمة، وقيل: الحجرات جمع حجرة، والحجر جمع حجرة، فهو جمع الجمع، الحجرة: الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوّط عليها، وهي فعيلة بمعنى مفعولة. قرأ الجمهور: {الحجرات} بضم الجيم. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع، وشيبة بفتحها تخفيفاً، وقرأ ابن أبي عبلة بإسكانها، وهي لغات، و «من» في {من وراء} لابتداء الغاية، ولا وجه للمنع من جعلها لهذا المعنى {أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } لغلبة الجهل عليهم، وكثرة الجفاء في طباعهم. {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } أي: لو انتظروا خروجك، ولم يعجلوا بالمناداة لكان أصلح لهم في دينهم ودنياهم، لما في ذلك من رعاية حسن الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورعاية جانبه الشريف والعمل بما يستحقه من التعظيم والتجليل. وقيل: إنهم جاءوا شفعاء في أسارى، فأعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم نصفهم، وفادى نصفهم، ولو صبروا لأعتق الجميع، ذكر معناه مقاتل {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } كثير المغفرة والرحمة بليغهما لا يؤاخذ مثل هؤلاء فيما فرط منهم من إساءة الأدب {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن جَاءكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ } قرأ الجمهور {فتبينوا} من التبين، وقرأ حمزة، والكسائي (فتثبتوا) من التثبت، والمراد من التبين: التعرّف والتفحص، ومن التثبت: الأناة وعدم العجلة والتبصر في الأمر الواقع والخبر الوارد حتى يتضح ويظهر. قال المفسرون: إن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، كما سيأتي بيانه إن شاء الله. وقوله: {إن تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ } مفعول له، أي: كراهة أن تصيبوا، أو لئلا تصيبوا؛ لأن الخطأ ممن لم يتبين الأمر، ولم يتثبت فيه هو الغالب وهو جهالة؛ لأنه لم يصدر عن علم، والمعنى: ملتبسين بجهالة بحالهم {فَتُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ } بهم من إصابتهم بالخطأ {نَـٰدِمِينَ } على ذلك مغتمين له مهتمين به. ثم وعظهم الله سبحانه، فقال: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ } فلا تقولوا قولاً باطلاً، ولا تتسرّعوا عند وصول الخبر إليكم من غير تبين، و"أن" وما في حيزها سادة مسدّ مفعولي اعلموا، وجملة: {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مّنَ ٱلأمْرِ لَعَنِتُّمْ } في محل نصب على الحال من ضمير فيكم، أو مستأنفة، والمعنى: لو يطيعكم في كثير مما تخبرونه به من الأخبار الباطلة، وتشيرون به عليه من الآراء التي ليست بصواب؛ لوقعتم في العنت، وهو التعب والجهد والإثم والهلاك، ولكنه لا يطيعكم في غالب ما تريدون قبل وضوح وجهه له، ولا يسارع إلى العمل بما يبلغه قبل النظر فيه {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإيمَـٰنَ } أي: جعله أحبّ الأشياء إليكم، أو محبوباً لديكم، فلا يقع منكم إلاّ ما يوافقه، ويقتضيه من الأمور الصالحة، وترك التسرع في الأخبار، وعدم التثبت فيها، قيل: والمراد بهؤلاء: من عدا الأوّلين؛ لبيان براءتهم عن أوصاف الأوّلين، والظاهر أنه تذكير للكل بما يقتضيه الإيمان، وتوجبه محبته التي جعلها الله في قلوبهم {وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ } أي: حسنه بتوفيقه حتى جروا على ما يقتضيه في الأقوال والأفعال {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ } أي: جعل كل ما هو من جنس الفسوق، ومن جنس العصيان مكروهاً عندكم، وأصل الفسق: الخروج عن الطاعة، والعصيان: جنس ما يعصى الله به، وقيل: أراد بذلك الكذب خاصة، والأوّل أولى {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلرشِدُونَ } أي: الموصوفون بما ذكرهم الراشدون. والرشد: الاستقامة على طريق الحق مع تصلب، من الرشادة: وهي الصخرة {فَضْلاً مّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً } أي: لأجل فضله وإنعامه، والمعنى: أنه حبّب إليكم ما حبَّب، وكرّه ما كرّه؛ لأجل فضله وإنعامه، أو جعلكم راشدين لأجل ذلك، وقيل: النصب بتقدير فعل، أي: تبتغون فضلاً ونعمة {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بكل معلوم {حَكِيمٌ } في كل ما يقضي به بين عباده ويقدّره لهم. وقد أخرج البخاري وغيره، عن عبد الله بن الزبير قال: قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلاّ خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فأنزل الله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } حتى انقضت الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } قال: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه. وأخرج ابن مردويه عن عائشة في الآية قالت: لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم. وأخرج البخاري في تاريخه عنها قالت: كان أناس يتقدّمون بين يدي رمضان بصيام، يعني: يوماً أو يومين، فأنزل الله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ }. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عنها أيضاً: أن ناساً كانوا يتقدّمون الشهر، فيصومون قبل النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا} الآية. وأخرج البزار، وابن عدي، والحاكم، وابن مردويه عن أبي بكر الصديق قال: أنزلت هذه الآية {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوٰتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِىّ } قلت: يا رسول الله، والله لا أكلمك إلاّ كأخي السرار، وفي إسناده حصين بن عمر، وهو ضعيف؛ ولكنه يؤيده ما أخرجه عبد بن حميد، والحاكم وصححه من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: لما نزلت: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوٰتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ } قال أبو بكر: والذي أنزل عليك الكتاب يا رسول الله لا أكلمك إلاّ كأُخي السرار حتى ألقى الله. وأخرج البخاري، ومسلم وغيرهما عن أنس قال: لما نزلت: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوٰتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِىّ } إلى قوله: {وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } وكان ثابت بن قيس بن شماس رفيع الصوت فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حبط عملي، أنا من أهل النار، وجلس في بيته حزيناً، ففقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق بعض القوم إليه، فقالوا: فقدك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما لك؟ قال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبيّ، وأجهر له بالقول، حبط عملي، أنا من أهل النار، فأتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأخبروه بذلك، فقال:«حديث : لا، بل هو من أهل الجنة»تفسير : ؛ فلما كان يوم اليمامة قتل. وفي الباب أحاديث بمعناه. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة في قوله: {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ } قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : منهم ثابت بن قيس بن شماس»تفسير : . وأخرج أحمد، وابن جرير، وأبو القاسم البغوي، والطبراني، وابن مردويه، قال السيوطي: بسند صحيح من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمٰن، عن الأقرع بن حابس، أنه أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد اخرج إلينا، فلم يجبه، فقال: يا محمد إن حمدي زين، وإن ذمي شين، فقال:« ذاك الله»، فأنزل الله: {إَنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء ٱلْحُجُرٰتِ }، قال ابن منيع: لا أعلم روى الأقرع مسنداً غير هذا. وأخرج الترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن البراء بن عازب في قوله: {إَنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء ٱلْحُجُرٰتِ } قال: جاء رجل فقال: يا محمد إن حمدي زين، وإن ذمي شين، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:« ذاك الله». وأخرج ابن راهويه، ومسدد، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه قال السيوطي: بإسناد حسن عن زيد بن أرقم قال: اجتمع ناس من العرب فقالوا: انطلقوا إلى هذا الرجل فإن يك نبياً فنحن أسعد الناس به، وإن يك ملكاً نعش بجناحه، فأتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما قالوا، فجاءوا إلى حجرته، فجعلوا ينادونه: يا محمد يا محمد فأنزل الله: {إَنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء ٱلْحُجُرٰتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني، وجعل يقول:«حديث : لقد صدّق الله قولك يا زيد، لقد صدق الله قولك يا زيد»تفسير : . وفي الباب أحاديث. وأخرج أحمد، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن منده، وابن مردويه، قال السيوطي: بسند جيد عن الحارث بن ضرار الخزاعي قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاني إلى الإسلام، فدخلت فيه وأقررت به، ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها، وقلت: يا رسول الله أرجع إلى قومي، فأدعوهم إلى الإسلام، وأداء الزكاة، فمن استجاب لي جمعت زكاته، وترسل إليّ يا رسول الله رسولاً لإبان كذا وكذا؛ ليأتيك ما جمعت من الزكاة، فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له، وبلغ الإبان الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه احتبس الرسول، فلم يأت، فظنّ الحارث أن قد حدث فيه سخطة من الله ورسوله، فدعا سروات قومه، فقال لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وقت لي وقتاً يرسل إليّ رسوله؛ ليقبض ما كان عندي من الزكاة وليس من رسول الله الخلف، ولا أرى حبس رسوله إلاّ من سخطة، فانطلقوا فنأتي رسول الله، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى الحارث؛ ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فَرَقَ فرجع، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن الحارث منعني الزكاة، وأراد قتلي، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم البعث إلى الحارث، فأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقلّ البعث، وفصل عن المدينة لقيهم الحارث فقالوا: هذا الحارث؟ فلما غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم؟ قالوا: إليك، قال: ولم؟ قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليك الوليد بن عقبة، فزعم أنك منعته الزكاة، وأردت قتله، قال: لا، والذي بعث محمداً بالحقّ ما رأيته بتة، ولا أتاني، فلما دخل الحارث على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : منعت الزكاة، وأردت قتل رسولي» تفسير : ؟ قال: لا والذي بعثك بالحقّ ما رأيته، ولا رآني، وما أقبلت إلاّ حين احتبس عليّ رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم خشيت أن تكون كانت سخطة من الله ورسوله، فنزل: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن جَاءكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ } إلى قوله: {حَكِيمٌ }قال ابن كثير: هذا من أحسن ما روي في سبب نزول الآية. وقد رويت روايات كثيرة متفقة على أنه سبب نزول الآية، وأنه المراد بها وإن اختلفت القصص.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} فيه خمسة أقاويل: أحدها: أن ناساً كانوا يقولون: لو أنزل فيَّ كذا، لو أنزل فيَّ كذا، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. الثاني: أنهم نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه، قاله ابن عباس. الثالث: معناه ألا يقتاتوا على الله ورسوله، حتى يقضي الله على لسان رسوله، قاله مجاهد. الرابع: أنها نزلت في قوم ضحوا قبل أن يصلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهم أن يعيدوا الذبح، قاله الحسن. الخامس: لا تقدموا أعمال الطاعات قبل وقتها الذي أمر به الله تعالى ورسوله، قال الزجاج. وسبب نزولها ما حكاه الضحاك عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أنفذ أربعة وعشرين رجلاً من أصحابه إلى بني عامر فقتلوهم إلا ثلاثة تأخروا عنهم فسلموا وانكفئوا إلى المدينة فلقوا رجلين من بني سليم فسألوهما عن نسبهما فقالا: من بني عامر فقتلوهما، فجاء بنو سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: إن بيننا وبينك عهداً وقد قتل منا رجلان فوداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بمائة بعير ونزلت عليه هذه الآية في قتلة الرجلين. {وَاتَّقُواْ اللَّهَ} يعني في التقدم المنهي عنه. {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ} لقولكم {عَلِيمٌ} بفعلكم. قوله عز وجل: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوتِ النَّبِّيِ} قيل إن رجلين من الصحابة تماريا عنده فارتفعت أصوتهما، فنزلت هذه الآية، فقال أبو بكر رضي الله عنه عند ذلك: والذي بعثك بالحق لا أكلمك بعدها إلا كأخي السرار. {وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} فيه وجهان: أحدهما: أنه الجهر بالصوت. روي أن ثابت بن قيس بن شماس قال: يا نبي الله والله لقد خشيت أن أكون قد هلكت، نهانا الله عن الجهر بالقول وأنا امرؤ جهير الصوت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يَا ثَابِتَ أَمَأ تَرْضَى أَن تَعِيشَ حَمِيداً وتُقْتَلَ شَهِيداً وَتَدْخُلَ الْجَنَّةَ"تفسير : ؟ فعاش حميداً وقتل شهيداً يوم مسيلمة. الثاني: أن النهي عن هذا الجهر هو المنع من دعائه باسمه أو كنيته كما يدعو بعضهم بعضاً بالاسم والكنية، وهو معنى قوله {كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ}، ولكنْ دعاؤه بالنبوة والرسالة كما قال تعالى {أية : لاَ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُم بَعْضاً} تفسير : [النور: 63]. {أن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ} فيه وجهان: أحدهما: أن معناه فتحبط أعمالكم. الثاني: لئلا تحبط أعمالكم. {وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} بحبط أعمالكم. قوله عز وجل: {... أُولَئِكَ الَّذِينَ امْـتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى} فيه تأويلان: أحدهما: معناه أخلصها للتقوى، قاله الفراء. الثاني: معناه اختصها للتقوى، قاله الأخفش.

ابن عطية

تفسير : كانت عادة العرب وهي إلى الآن الاشتراك في الآراء وأن يتكلم كل بما شاء ويفعل ما أحب، فمشى بعض الناس ممن لم تتمرن نفسه مع النبي صلى الله عليه وسلم على بعض ذلك، قال قتادة: فربما قال قوم: لو نزل كذا وكذا في معنى كذا وكذا وينبغي أن يكون كذا، وأيضاً فإن قوماً ذبحوا ضحاياهم قبل النبي صلى الله عليه وسلم، حكاه الحسن بن أبي الحسن، وقوماً فعلوا في بعض حروبه وغزواته أشياء بآرائهم، فنزلت هذه الآية ناهية عن جميع ذلك، وحكى الثعلبي عن مسروق أنه قال: دخلت على عائشة في يوم الشك فقالت للجارية: اسقه عسلاً، فقلت: إني صائم، فقالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام هذا اليوم، وفيه نزلت: {لا تقدموا بين يدي الله ورسوله}. وقال ابن زيد: معنى {لا تقدموا} لا تمشوا "بين يدي رسول الله"، وكذلك بين يدي العلماء فإنهم ورثة الأنبياء. وتقول العرب: تقدمت في كذا وكذا وتقدمت فيه: إذا قلت فيه. وقرأ الجمهور من القراء: "تُقدِموا" بضم التاء وكسر الدال. وقرأ ابن عباس والضحاك ويعقوب بفتح التاء والدال على معنى: لا تتقدموا، وعلى هذا يجيء تأويل ابن زيد في المشي. والمعنى على ضم التاء {بين يدي} قول الله ورسوله. وروي أن سبب هذه الآية هو أن وفد بني تميم لما قدم قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله لو أمرت الأقرع بن حابس. وقال عمر بن الخطاب: لا يا رسول الله، بل أمر القعقاع بن معبد، فقال له أبو بكر: ما أردت إلى خلافي، ويروى إلا خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك، وارتفعت أصواتهما فنزلت الآية في ذلك. وذهب بعض قائلي هذه المقالة إلى أن قوله: {لا تقدموا} معناه: {لا تقدموا} ولاة، فهو من تقديم الأمراء، وعموم اللفظ أحسن، أي اجعلوه مبدأً في الأقوال والأفعال. و: {سميع} معناه: لأقوالكم. {عليم} معناه: بأفعالكم ومقتضى أقوالكم. وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا} الآية هي أيضاً في ذلك الفن المتقدم، وروى حيح أنها نزلت بسبب عادة الأعراب من الجفاء وعلو الصوت والعنجهية، وحديث : كان ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه في صوته جهارة، فلما نزلت هذه الآية اهتم وخاف على نفسه وجلس في بيته لم يخرج، وهو كئيب حزين حتى عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره فبعث فيه فأنسه وقال له: "امش في الأرض بسطاً فإنك من أهل الجنة"". تفسير : وقال له مرة: "حديث : أما ترضى أن تعيش حميداً وتموت شهيداً"، تفسير : فعاش كذلك، ثم قتل باليمامة يوم مسيلمة. وفي قراءة ابن مسعود: "لا ترفعوا بأصواتكم" بزيادة الباء. وقوله: {كجهر بعضكم لبعض} أي كحال جهركم في جفائه وكونه مخاطبة بالأسماء والألقاب، وكانوا يدعون النبي صلى الله عليه وسلم. با محمد يا محمد، قاله ابن عباس وغيره، فأمرهم الله بتوقيره، وأن يدعوه بالرسالة والنبوءة والكلام اللين، فتلك حالة الموقر، وكره العلماء رفع الصوت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم. وبحضرة العالم وفي المساجد، وفي هذه كلها آثار. وقوله تعالى: {أن تحبط} مفعول من أجله، أي مخافة {أن تحبط}، والحبط: إفساد العمل بعد تقرره، يقال حبِط بكسر الباء وأحبطه الله، وهذا الحبط إن كانت الآية معرضة بمن يفعل ذلك استخفافاً واستحقاراً وجرأة فذلك كفر. والحبط معه على حقيقته، وإن كان التعريض للمؤمن الفاضل الذي يفعل ذلك غفلة وجرياً على طبعه، فإنما يحبط عمله البر في توقير النبي صلى الله عليه وسلم وغض الصوت عنده أن لو فعل ذلك، فكأنه قال: أن تحبط الأعمال التي هي معدة أن تعملوها فتؤجروا عليها. ويحتمل أن يكون المعنى: أن تأثموا ويكون ذلك سبباً إلى الوحشة في نفوسكم، فلا تزال معتقداتكم تتجرد القهقرى حتى يؤول ذلك إلى الكفر فتحبط الأعمال حقيقة. وظاهر الآية أنها مخاطبة لفضلاء المؤمنين الذين لا يفعلون ذلك احتقاراً، وذلك أنه لا يقال لمنافق يعمل ذلك جرأة وأنت لا تشعر، لأنه ليس له عمل يعتقده هو عملاً. وفي قراءة عبد الله بن مسعود: "فتحبط أعمالكم". ثم مدح الصنف المخالف لمن تقدم ذكره، وهم {الذين يغضون أصواتهم} عند النبي صلى الله عليه وسلم. وغض الصوت: خفضه وكسره، وكذلك البصر، ومنه قول جرير: [الوافر] شعر : فغض الطرف إنك من نمير تفسير : وروي أن أبا بكر وعمر كانا بعد ذلك لا يكلمان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا كأخي السرار، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحتاج مع عمر بعد ذلك إلى استعادة اللفظ، لأنه كان لا يسمعه من إخفائه إياه. و: {امتحن الله} معناه اختبر وظهر كما يمتحن الذهب بالنار فيسرها وهيأها للتقوى. وقال عمر بن الخطاب: امتحن للتقوى أذهب عنها الشهوات. قال القاضي أبو محمد: من غلب شهوته وغضبه، فذلك الذي {امتحن الله} قلبه للتقوى، وبذلك تكون الاستقامة.

ابن عبد السلام

تفسير : {لا تُقَدِّمُواْ} كان بعضهم يقول لو أنزل فِيَّ كذا لو أنزل فِيَّ كذا فنزلت، أو نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه "ع"، أو لا يفتاتوا على الله ـ تعالى ـ ورسوله صلى الله عليه وسلم حتى يقضي على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، أو ذبحوا قبل الرسول صلى الله عليه سلم فأمروا بإعادة الذبح، أو لا تقدموا أعمال الطاعات قبل وقتها المأمور به قال ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ: بعث الرسول صلى الله عليه وسلم أربعة عشر رجلاً من أصحابه إلى بني عامر فقتلوهم إلا ثلاثة فلما رجعوا إلى المدينة لقوا رجلين من بني سليم فسألوهم عن نسبهما فقالا من بين عامر فقتلوهما فأتى بنو سليم وقالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: إن بيننا وبينك عهداً وقد قتل منا رجلان فوداهما الرسول صلى الله عليه وسلم ونزلت هذه الآية في قتلهما {وَاتَّقُواْ} في التقديم {إِنَّ اللَّهُ سَمِيعٌ} لأقوالكم {عَلِيمٌ} بأفعالكم.

النسفي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ } قدّمه وأقدمه منقولان بتثقيل الحشو، والهمزة من قدمه إذا تقدمه في قوله تعالى {أية : يَقْدُمُ قَوْمَهُ }تفسير : [هود: 98] وحذف المفعول ليتناول كل ما وقع في النفس مما يقدم من القول أو الفعل، وجاز أن لا يقصد مفعول والنهي متوجه إلى نفس التقدمة كقوله {أية : هُوَ ٱلَّذِى يُحْيىِ وَيُمِيتُ }تفسير : [غافر: 68] أو هو من قدّم بمعنى تقدم كوجه بمعنى توجه ومنه مقدمة الجيش وهي الجماعة المتقدمة منه ويؤيده قراءة يعقوب {لاَ تُقَدّمُواْ } بحذف إحدى تاءي تتقدموا {بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } حقيقة قولهم جلست بين يدي فلان أن تجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله قريباً منه، فسميت الجهتان يدين لكونهما على سمت اليدين مع القرب منهما توسعاً كما يسمى الشيء باسم غيره إذا جاوره. وفي هذه العبارة ضرب من المجاز الذي يسمى تمثيلاً، وفيه فائدة جليلة وهي تصوير الهجنة والشناعة فيما نهوا عنه من الإقدام على أمر من الأمور دون الاحتذاء على أمثلة الكتاب والسنة. ويجوز أن يجري مجرى قولك «سرني زيد وحسن حاله» أي سرني حسن حال زيد. فكذلك هنا المعنى بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفائدة هذا الأسلوب الدلالة على قوة الاختصاص. ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الله بالمكان الذي لا يخفى سلك به هذا المسلك، وفي هذا تمهيد لما نقم منهم من رفع أصواتهم فوق صوته عليه السلام، لأن من فضله الله بهذه الأثرة واختصه هذا الاختصاص كان أدنى ما يجب له من التهيب والإجلال أن يخفض بين يديه الصوت. وعن الحسن أن إناساً ذبحوا يوم الأضحى قبل الصلاة فنزلت، وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيدوا ذبحاً آخر. وعن عائشة رضي الله عنها أنها نزلت في النهي عن صوم يوم الشك. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } فإنكم إن اتقيتموه عاقتكم التقوى عن التقدمة المنهي عنها {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ } لما تقولون {عَلِيمٌ } بما تعملون وحق مثله أن يتقي. {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } إعادة النداء عليهم استدعاء منهم لتجديد الاستبصار عند كل خطاب وارد، وتحريك منهم لئلا يغفلوا عن تأملهم {لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوٰتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِىِّ} أي إذا نطق ونطقتم فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم وراء الحد الذي يبلغه بصوته، وأن تغضوا منها بحيث يكون كلامه عالياً لكلامكم وجهره باهراً لجهركم حتى تكون مزيته عليكم لائحة وسابقته لديكم واضحة {وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ } أي إذا كلمتموه وهو صامت فإياكم والعدول عما نهيتم عنه من رفع الصوت بل عليكم أن لا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم، وأن تتعمدوا في مخاطبته القول اللين المقرب من الهمس الذي يضاد الجهر، أو لا تقولوا: له يا محمد يا أحمد وخاطبوه بالنبوة والسكينة والتعظيم، ولما نزلت هذه الآية ما كلم النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر إلا كأخي السرار. وعن ابن عباس رضي الله عنهم أنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وكان في أذانه وقر وكان جهوري الصوت، وكان إذا كلم رفع صوته وربما كان يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فيتأذى بصوته، وكاف التشبيه في محل النصب أي لا تجهروا له جهراً مثل جهر بعضكم لبعض، وفي هذا أنهم لم ينهوا عن الجهر مطلقاً حتى لا يسوغ لهم إلا أن يكلموه بالمخافتة، وإنما نهوا عن جهر مخصوص أعني الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منه فيما بينهم وهو الخلو من مراعاة أبهة النبوة وجلالة مقدارها. {أَن تَحْبَطَ أَعْمَـٰلُكُمْ } منصوب الموضع على أنه المفعول له متعلق بمعنى النهي، والمعنى انتهوا عما نهيتم عنه لحبوط أعمالكم أي لخشية حبوطها على تقدير حذف المضاف {وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ }. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوٰتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ } تم اسم «إن» عند قوله {رَسُولِ ٱللَّهِ } والمعنى يخفضون أصواتهم في مجلسه تعظيماً له {أُوْلَـٰئِكَ } مبتدأ خبره {ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ } وتم صلة {ٱلَّذِينَ } عند قوله {لِلتَّقْوَىٰ } و {أُوْلَـٰئِكَ } مع خبره خبر «إن». والمعنى أخلصها للتقوى من قولهم «امتحن الذهب وفتنة» إذا أذابه فخلص ابريزه من خبثه ونقاه، وحقيقته عاملها معاملة المختبر فوجدها مخلصة وعن عمر رضي الله عنه: أذهب الشهوات عنها. والامتحان افتعال من محنه وهو اختبار بليغ أو بلاء جهيد {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } جملة أخرى قيل: نزلت في الشيخين رضي الله عنهما لما كان منهما من غض الصوت، وهذه الآية ـ بنظمها الذي رتبت عليه من إيقاع الغاضين أصواتهم ـ اسماً لـ «إن» المؤكدة وتصيير خبرها جملة من مبتدأ وخبر معرفتين معاً والمبتدأ اسم الإشارة، واستئناف الجملة المستودعة ما هو جزاؤهم على عملهم، وإيراد الجزاء نكرة مبهماً أمره ـ دالة على غاية الاعتداد والارتضاء بفعل الخافضين أصواتهم، وفيها تعريض لعظيم ما ارتكب الرافعون أصواتهم. {إَنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرٰتِ } نزلت في وفد بني تميم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت الظهيرة وهو راقد وفيهم الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن، ونادوا النبي صلى الله عليه وسلم من وراء حجراته وقالوا: اخرج إلينا يا محمد فإن مدحنا زين وذمنا شين، فاستيقظ وخرج. والوراء الجهة التي يواريها عنك الشخص بظله من خلف أو قدام، و «من» لابتداء الغاية، وأن المناداة نشأت من ذلك المكان، والحجرة الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوط عليها وهي فعلة بمعنى مفعولة كالقبضة وجمعها الحجرات بضمتين، والحجرات بفتح الجيم وهي قراءة يزيد والمراد حجرات نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت لكل منهن حجرة. ومناداتهم من ورائها لعلهم تفرقوا على الحجرات متطلبين له أو نادوه من وراء الحجرة التي كان عليه السلام فيها ولكنها جمعت إجلالاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والفعل وإن كان مسنداً إلى جميعهم فإنه يجوز أن يتولاه بعضهم وكان الباقون راضين فكأنهم تولوه جميعاً {أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } يحتمل أن يكون فيهم من قصد استثناؤه، ويحتمل أن يكون المراد النفي العام إذا القلة تقع موقع النفي. وورود الآية على النمط الذي وردت عليه فيه ما لا يخفى من إجلال محل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها: التسجيل على الصائحين به بالسفه والجهل، ومنها إيقاع لفظ الحجرات كناية عن موضع خلوته ومقيله مع بعض نسائه، ومنها التعريف باللام دون الإضافة، ولو تأمل متأمل من أول السورة إلى آخر هذه الآية لوجدها كذلك. فتأمل كيف ابتدأ بإيجاب أن تكون الأمور التي تنتمي إلى الله ورسوله متقدمة على الأمور كلها من غير تقييد، ثم أردف ذلك النهي عما هو من جنس التقديم من رفع الصوت والجهر كأن الأول بساط للثاني، ثم أثنى على الغاضين أصواتهم ليدل على عظيم موقعه عند الله، ثم عقبه بما هو أطم وهجنته أتم من الصياح برسول الله صلى الله عليه وسلم في حال خلوته من وراء الجدر كما يصاح بأهون الناس قدراً لينبه على فظاعة ما جسروا عليه، لأن من رفع الله قدره عن أن يجهر له بالقول كان صنيع هؤلاء من المنكر الذي بلغ في التفاحش مبلغاً {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ } أي ولو ثبت صبرهم، ومحل {أَنَّهُمْ صَبَرُواْ } الرفع على الفاعلية. والصبر حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها قال الله تعالى: {أية : وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم }تفسير : [الكهف: 28]. وقولهم صبر عن كذا محذوف منه المفعول وهو النفس. وقيل: الصبر مرّ لا يتجرعه إلا حرّ. وقوله {حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ } يفيد أنه لو خرج ولم يكن خروجه إليهم ولأجلهم للزمهم أن يصبروا إلى أن يعلموا أن خروجه إليهم {لَكَانَ } الصبر {خَيْراً لَّهُمْ } في دينهم {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } بليغ الغفران والرحمة واسعهما فلن يضيق غفرانه ورحمته عن هؤلاء إن تابوا وأنابوا. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ } أجمعوا أنها نزلت في الوليد بن عقبة وقد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقاً إلى بني المصطلق وكانت بينه وبينهم إحنة في الجاهلية، فلما شارف ديارهم ركبوا مستقبلين إليه فحسبهم مقاتليه فرجع وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: قد ارتدوا ومنعوا الزكاة. فبعث خالد بن الوليد فوجدهم يصلون فسلموا إليه الصدقات فرجع. وفي تنكير الفاسق والنبأ شياع في الفساق والأنباء كأنه قال أي فاسق جاءكم بأي نبأ {فَتَبَيَّنُوآ} فتوقفوا فيه وتطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة ولا تعتمدوا قول الفاسق، لأن من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه. وفي الآية دلالة قبول خبر الواحد العدل لأنا لو توقفنا في خبره لسوينا بينه وبين الفاسق ولخلا التخصيص به عن الفائدة، والفسوق الخروج من الشيء. يقال: فسقت الرطبة عن قشرها، ومن مقلوبه: فقست البيضة إذا كسرتها وأخرجت ما فيها، ومن مقلوبه أيضاً: قفست الشيء إذا أخرجته من يد مالكه مغتصباً له عليه، ثم استعمل في الخروج عن القصد بركوب الكبائر. حمزة وعلي {فتثبتوا} والتثبت والتبين متقاربان وهما طلب الثبات والبيان والتعرف {أَن تُصِيبُوٱ قَوْماً } لئلا تصيبوا {بِجَهَالَةٍ } حال يعني جاهلين بحقيقة الأمر وكنه القصة {فَتُصْبِحُواْ } فتصيروا {عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَـٰدِمِينَ } الندم ضرب من الغم وهو أن تغتم على ما وقع منك تتمنى أنه لم يقع وهو غم يصحب الإنسان صحبة لها دوام. {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ } فلا تكذبوا فإن الله يخبره فينهتك ستر الكاذب، أو فارجعوا إليه واطلبوا رأيه. ثم قال مستأنفاً {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ } لوقعتم في الجهد والهلاك، وهذا يدل على أن بعض المؤمنين زينوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم الإيقاع ببني المصطلق وتصديق قول الوليد، وأن بعضهم كانوا يتصوّنون ويزعهم جدهم في التقوى عن الجسارة على ذلك وهم الذين استثناهم بقوله {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَـٰنَ } وقيل: هم الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى. ولما كانت صفة الذين حبب الله إليهم الإيمان غايرت صفة المتقدم ذكرهم وقعت «لكن» في حاقّ موقعها من الاستدراك وهو مخالفة ما بعدها لما قبلها نفياً وإثباتاً {وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ } وهو تغطية نعم الله وغمطها بالجحود {وَٱلْفُسُوقَ } وهو الخروج عن محجة الإيمان بركوب الكبائر {وَٱلْعِصْيَانَ } وهو ترك الانقياد بما أمر به الشارع {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلرٰشِدُونَ } أي أولئك المستثنون هم الراشدون يعني أصابوا طريق الحق ولم يميلوا عن الاستقامة، والرشد الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه من الرشادة وهي الصخرة {فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً } الفضل والنعمة بمعنى الإفضال والإنعام، والانتصاب على المفعول له أي حبب وكره للفضل والنعمة {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بأحوال المؤمنين وما بينهم من التمايز والتفاضل {حَكِيمٌ } حين يفضل وينعم بالتوفيق على الأفاضل.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} من التقديم أي لا ينبغي لكم أن يصدر منكم تقديم أصلاً. وقيل: لا تقدموا فعلاً بين يدي الله ورسوله. والمعنى: لا تقدموا بين يدي أمر الله ورسوله ولا نهيهما. وقيل: لا تجعلوا لأنفسكم تقدماً عند النبي صلى الله عليه وسلم وفيه إشارة إلى احترام رسول الله صلى الله عليه وسلم والانقياد لأوامره ونواهيه والمعنى: لا تعجلوا بقول أو فعل قبل أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قبل أن يفعله. وقيل: لا تقولوا بخلاف الكتاب والسنة واختلفوا في معنى الآية فروي عن جابر أنه في الذبح يوم الأضحى أي: لا تذبحوا قبل أن يذبح النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن أناساً ذبحوا قبل النبي صلى الله عليه وسلم فأمروا أن يعيدوا الذبح. (ق) عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا ومن ذبح قبل أن يصلي فإنما هو لحم عجله لأهله ليس من النسك في شيء" تفسير : زاد الترمذي في أوله: حديث : قال خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر وذكر الحديث . تفسير : وروي عن عائشة أنه في النهي عن صوم يوم الشك أي لا تصوموا قبل نبيكم عن عمار بن ياسر قال: "من صام في اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم" أخرجه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وقيل في سبب نزول هذه الآية: ما روي عن عبد الله بن الزبير أنه قدم وفد من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد بن زرارة. وقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس. قال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي. وقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزل في ذلك {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} حتى انقضت زاد في رواية فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه حتى يستفهمه أخرجه البخاري. وقيل: نزلت الآية في ناس كانوا يقولون: لو نزل في كذا أو صنع كذا وكذا، فكره الله ذلك وقيل في معنى الآية لا تفتئتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء حتى يقضيه الله على لسانه. وقيل في القتال وشرائع الدين: لا تقضوا أمراً من دون الله ورسوله {واتقوا الله} أي في تضييع حقه بمخالفة أمره {إن الله سميع} أي لأقوالكم {عليم} أي بأفعالكم.

القمي النيسابوري

تفسير : " القراءات: {لا تقدّموا} بالفتحات من التقدّم: يعقوب {الحجرات} بفتح الجيم: يزيد. {إخوتكم} على الجمع: يعقوب وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان {ولا تجسسوا} {ولا تنابزوا} و{لتعارفوا} بالتشديدات للإدغام: البزي وابن فليح {ميتاً} مشدّداً: أبو جعفر ونافع {يألتكم} بالهمز: أبو عمرو وسهل ويعقوب وقد لا يهمز في رواية. الآخرون: بالحذف {بما يعملون} على الغيبة: ابن كثير. الوقوف: {واتقوا الله} ط {عليم} ه ج {لا تشعرون} ه {للتقوى} ط {عظيم} ه {لا يعقلون} ه {خيراً لهم} ط {رحيم} ه {نادمين} ه {رسول الله} ط {والعصيان} ط {الراشدون} ه لأن {فضلاً} مفعول له {ونعمة} ط {حكيم} ه {بينهما} ج للشرط مع الفاء {أمر الله} ج لذلك {وأقسطوا} ط {المقسطين} ه {ترحمون} ه {منهن} ج للعدول عن الغيبة إلى الخطاب {بالألقاب} ط {بعد الإيمان} ه ج لابتداء الشرط مع احتمال {ومن لم يتب} عما ذكر من اللمز والنبز {الظالمون} ه {من الظن} ز للابتداء بأن إلا إنه للتعليل أي لأن {بعضاً} ج {فكرهتموه} ط {واتقوا الله} ط {رحيم} ه {لتعارفوا} ط {أتقاكم} ط {خبير} ه {آمناً} ط {قلوبكم} ط {شيئاً} ط {رحيم} ه {في سبيل الله} ط {الصادقون} ه {في الأرض} ط {عليم} ه {أسلموا} ط {إسلامكم} ج لأن "بل" للإضراب عن الأول {صادقين} ه {والأرض} ط {تعلمون} ه. التفسير: لما بين محل النبي صلى الله عليه وسلم وعلو منصبه بقوله {هو الذي أرسل رسوله} إلى آخر السورة افتتح الآن بقوله {لا تقدموا} الآية. ففيه تأكيد لما ذكر هناك من وجوب إتباعه والإذعان له. والأظهر أن هذا إرشاد عام. وذكر المفسرون في أسباب النزول وجوهاً منها ماروي عن ابن أبي مليكة أن عبد الله بن الزبير أخبر أنه قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه فقال أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أمّر القعقاع بن معبد وقال عمر: بل أمر الأقرع بن جابس. فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي. فقال عمر: ما أردت خلافك. فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فأنزل الله الآية. وقال الحسن والزجاج: نزلت في رجل ذبح الأضحية قبل الصلاة وقبل ذبح النبي صلى الله عليه وسلم فأمره بإعادتها وهو مذهب أبي حنيفة إلى أن تزول الشمس. وعند الشافعي يجوز الذبح إذا مضى من الوقت مقدار الصلاة. وعن عائشة أنها نزلت في صوم يوم الشك. وروي أنها في القتال أي لا تحملوا على الكفار في الحرب قبل أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم. وقدّم إما متعد وحذف المفعول للعموم حتى يتناول كل فعل وقول، أو ترك مفعوله كما في قوله "فلان يعطي ويمنع" لأن النظر إلى الفعل لا إلى المفعول كأنه قيل: يجب أن لا يصدر منكم تقدم أصلاً في أيّ فعل كان. وإما لازم نحو بين وتبين بمعنى يؤيده قراءة يعقوب. قال جار الله: حقيقة قولهم "جلست بين يدي فلان" أن يجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله حتى ينظر إليك من غير تقليب حدقة وذكر الله للتعظيم. وفيه أن التقديم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم كالتقديم بين يدي الله. قال ابن عباس: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه بل عليهم أن يصغوا ولا يتكلموا. وقيل: معناه لا تخالفوا كتاب الله وسنة رسوله. وعن الحسن في رواية أخرى: لما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أتته الوفود من الآفاق فأكثروا عليه بالمسائل فنهوا أن يبتدؤه بالمسألة حتى يكون هو المبتدىء {واتقوا الله} في التقديم أو أمرهم بالتقوى ليحملهم على ترك التقدمة فإن المتقي حذر عن كل ما فيه تبعة وريب {إن الله سميع} لأقوالكم {عليم} بنياتكم وأفعالكم. ثم أعاد النداء عليهم مزيداً للتنبيه، وفيه نوع تفصيل بعد إجمال وتتخصيص بعد تعميم. وعن ابن عباس أن ثابت ابن قيس بن شماس كان في أذنه وقر وكان جهوريّ الصوت وكان يتأذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوته إذا كلمه، فحين نزلت الآية فقد ثابت فتفقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذر بأنه رجل جهير الصوت يخاف أن تكون الآية نزلت فيه. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لست هناك إنك تعيش بخير وتموت بخير وإنك من أهل الجنة. وعن الحسن: نزلت في المنافقين كانوا يرفعون بأصواتهم فوق صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم استخفافاً واستهانة وليقتدي بهم ضعفة المسلمين فنهى المؤمنون عن ذلك. وعلى هذا فإما أن يكون الإيمان أعم من أن يكون باللسان أو به وبالقلب، وإما أن يكون الإيمان حقيقة فيكون تأديباً للمؤمنين الخلص حتى يكون حالهم بخلاف حال أهل النفاق، ويكون كلامهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أخفض من كلامه لهم رعاية لحشمته وصيانة على مهابته. قوله {ولا تجهروا له بالقول كجهر} أي جهراً مثل جهر {بعضكم لبعض} قيل: تكرار للمعنى الأوّل لأجل التأكيد فإن الجهر هو رفع الصوت والجمهور على أن بين النهيين فرقاً. ثم اختلفوا فقيل: الأول فيما إذا نطق ونطقوا أو أنصت ونطقوا في أثناء كلامه فنهوا أن يكون جهرهم باهر الجهر. والثاني فيما إذا سكت ونطقوا فنهوا عن جهر مقيد بما اعتادوه فيما بينهم وهو الخالي عن مراعاة أبهة النبوّة. وقيل: النهي الأول أعم مما إذا نطق ونطقوا أو أنصت ونطقوا والمراد بالنهي الثاني أن لا ينادي وقت الخطاب باسمه أو كنيته كنداء بعضهم لبعض فلا يقال: يا أحمد يا محمد يا أبا القاسم ولكن يا نبي الله يا رسول الله. ثم علل كلاً من النهيين بقوله {أن تحبط} أي كراهة حبوط أعمالكم وذلك أن الرفع والجهر إذا كان عن استخفاف وإهانة كان كفراً محبطاً للأعمال السابقة. والمفعول له يتعلق بالفعل الأول في الظاهر عند الكوفيين وبالعكس عند البصريين. وجوز في الكشاف أن يقدر الفعل في الثاني مضموماً إليه المفعول له كأنهما شيء واحد ثم يصب عليهما الفعل جميعاً صباً واحداً، والمعنى أنهم نهوا عن الفعل الذي فعلوه لأجل الحبوط لأنه كان بصدد الأداء إليه فجعل كأنه سبب في إيجاده كقوله {أية : ليكون لهم عدواً وحزناً}تفسير : [القصص: 8] وفي قوله {وأنتم لا تشعرون} إشارة إلى أن ارتكاب المآثم يجر الأعمال إلى الحبوط من حيث لا يشعر المرء به. ومثله قول الحكيم: إن كلاً من الأخلاق الفاضلة والرذيلة تكون أوّلاً حالاً ثم تصير ملكة راسخة وعادة مستمرة. ومنه قول أفلاطون: لا تصحب الشرير فإن طبعك يسرق وأنت لا تدري. فالعاقل من يجتهد في الفضائل أن تصير ملكات، وفي الرذائل أن تزول عنه وهي أحوال. قال ابن عباس: لما نزلت الآية قال أبو بكر: يا رسول الله والله ولا أكلمك إلا السرار أو كأخي السرار حتى ألقى الله فأنزل الله فيه وفي أمثاله {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله} هو افتعل من المحنة وهو اختبار بليغ يقال: امتحن فلان لأمر كذا أي جرب له فوجد قوياً عليه، أو وضع الامتحان موضع المعرفة لأن تحقق الشيء باختباره فكأنه قيل: عرف الله قلوبهم كائنة للتقوى فاللام متعلقة بالمحذوف كقولك: أنت لهذا الأمر. أو ضرب الله قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف لأجل التقوى وحصولها فيها سابقة ولا حقة {لهم مغفرة} لذنوبهم {وأجر عظيم} لطاعتهم. وفي تنكير الوعد وغير ذلك من مؤكدات الجملة تعريض بعظم ما ارتكب غيرهم واستحقاقهم أضداد ما استحق هؤلاء. يروى أنه كان إذا قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد أرسل إليهم أبو بكر من يعلمهم كيف يسلمون ويأمرهم بالسكينة والوقار. قال العلماء: إن النهي لا يتناول رفع الصوت الذي ليس باختيار المكلف كما مر في حديث ثابت بن قيس، ولا الذي نيط به صلاح في حرب أو جدال معاند أو إرهاب عدوّ. ففي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال للعباس ابن عبد المطلب لما انهزم الناس يوم حنين: أصرخ بالناس وكان العباس أجهر الناس صوتاً. وفيه قال نابغة بني جعدة: شعر : زجر أبي عروة السباع إذا أشفق أن يختلطن بالغنم تفسير : وأبو عروة كنية العباس. زعمت الرواة أنه كان يزجر السباع عن الغنم فيشق مرارة السبع في جوفه. ويروى أن غارة أتتهم يوماً فصاح العباس يا صباحاه فأسقطت الحوامل لشدّة صوته. ثم علمهم أدباً أخص فقال: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات} أي من جانب البر والخارج مناداة الأجلاف بعضهم لبعض. والحجرة البقعة التي يحجرها المرء لنفسه كيلا يشاركه فيها غيره من الحجر وهو المنع "فعلة" بمعنى مفعولة، وجمعت لأن كلاً من أمهات المؤمنين لها حجرة. روي أن وفداً من بني تميم قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وهم سبعون رجلاً منهم الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن. فدخلوا المسجد ونادوا النبي صلى الله عليه وسلم من خارج حجراته كأنهم تفرقوا على الحجرات أو أتوها حجرة فنادوه من ورائها أو نادوه من وراء الحجرة التي كان فيها، ولكنها جمعت إجلالاً له صلى الله عليه وسلم. والفعل وإن كان مستنداً إلى جميعهم فإنه يجوز أن يتولاه بعضهم لأن رضا الباقين به كالتولي له. وحكى الأصم أن الذي ناداه عيينة والأقرع قالا: أخرج إلينا يا محمد فإن مدحنا زين منا شين. فتأذى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك فخرج إليهم وهو يقول: إنما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمه شين. فقال لهم: فيم جئتم؟ فقالوا: جئنا بخطيبنا وشاعرنا نفاخرك ونشاعرك. فقال: ما بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت ولكن هاتوا. فقام خطيبهم فخطب وقام شاعرهم وأنشد فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس فقام وخطب وأمر حساناً فقام وأنشد. فلما فرغوا قام الأقرع وقال: والله ما أدري ما هذا، تكلم خطيبنا وكان خطيبهم أحسن قولاً، وأنشد شاعرنا وكان شاعرهم أشعر. ثم دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله. وعن زيد بن أرقم أنهم قالوا: نمتحنه فإن يكن ملكاً عشنا في جنابه، وإن يكن نبياً كان أولى بأن نكون أسعد الناس به. وقيل: إنهم وفدوا شافعين في أسرى بني العنبر. أما إخبار الله تعالى عنهم بأن أكثرهم لا يعقلون فإما لأن الأكثر أقيم مقام الكل على عادة الفصحاء كيلا يكون الكلام بصدد المنع، وإما لأن الحكم بقلة العقلاء فيهم عبارة عن العدم فإن القلة تقع موقع النفي في كلامهم، وإما لأن فيهم من رجع وندم على صنيعه فاستثناه الله تعالى. وإنما حكم عليهم بعدم العقل لأنهم يعقلوا أن هذا النحو من النداء خارج عن قانون الأدب ومنبىء عن عدم الوقار والأناة لا سيما في حق النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لم يكن يحتجب عن الناس إلا عند الخلوة والاشتغال بمهامّ أهل البيت فلذلك قال {ولو أنهم صبروا حتى تخرج} وفائدة قوله {إليهم} أنه لو خرج لا لأجلهم لزمهم الصبر إلى أن يكون خروجه إليهم لأجلهم {لكان} الصبر {خيراً لهم} في دينهم وهو ظاهر وفي دنياهم بأن ينسبوا إلى وفور العقل وكمال الأدب. وقيل: بإطلاق أسرائهم جميعاً فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق النصف وفادى النصف {والله غفور} مع ذلك لمن تاب {رحيم} في قبول التوبة. سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وفد بني تميم فقال: إنهم جفاة بني تميم ولولا أنهم من أشد الناس قتالاً للأعور الدجال لدعوت الله عليهم أن يهلكهم. ويحكى عن أبي عبيدة وهو المشهور بالعلم والزهادة وثقة الرواية أنه قال: ما وقفت بباب عالم قط حتى يخرج في وقت خروجه. ثم أرشدهم إلى أدب آخر فقال {يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ} وقد أجمع المفسرون على أنها نزلت في الوليد بن عقبة بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق مصدقاً وكان بينهما إحنة، فلما سمعوا به ركبوا إليه فلما سمع بهم خافهم فرجع فقال: إن القوم هموا بقتلي ومنعوا صدقاتهم. فهم النبي صلى الله عليه وسلم بغزوهم، فبيناهم في ذلك إذ قدم وفدهم وقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نكرمه ونؤدي إليه ما قبلنا من الصدقة فاتهمهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: لتنتهن أو لأبعثن إليكم رجلاً هو عندي كنفسي يقاتل مقاتلتكم ويسبي ذراريكم، ثم ضرب بيده على كتف علي رضي الله عنه فقالوا: نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله. وقيل: بعث إليهم خالد بن الوليد فوجدهم منادين بالصلاة متهجدين فسلموا إليه الصدقات فرجع. قال جار الله: في تنكير الفاسق والنبأ عموم كأنه قيل: أيّ فاسق جاءكم بأيّ نبأ فتوقفوا فيه واطلبوا البيان لأن من لا يتجافى جنس الفسوق ولا يتجافى بعض أنواعه الذي هو الكذب. والفسوق الخروج عن الشيء والانسلاخ منه فسقت الرطبة عن قشرها، ومن مقلوبه "فقست البيضة" إذا كسرتها وأخرجت ما فيها. ومن تقاليبه أيضاً "قفست الشيء" بتقديم القاف إذا أخرجته من يد مالكه غصباً. والنبأ الخبر الذي يعظم وقعه. واختبر لفظة "إن" التي هي للشك دون "إذا" تنبيهاً على أنه صلى الله عليه وسلم ومن معه بمنزلة لا يجسر أحد أن يخبرهم بكذب إلا على سبيل الفرض والندرة، فعلى المؤمنين أن يكونوا بحيث لا يطمع فاسق في مخاطبتهم بكلمة زور. ثم علل التبين بقوله {أن تصيبوا} أي كراهة إصابتكم {قوماً} حال كونكم جاهلين بحقيقة الأمر. والندم ضرب من الغم وهو أن تغتم على ما وقع منك متمنياً أنه لم يقع ولا يخلو من دوام وإلزام. ومن مقلوباته "أدمن الأمر" إذا دام عليه. ومدن بالمكان أقام به. قال الأصوليون من الأشاعرة: إن خبر الواحد العدل يجب العمل به لأن الله تعالى أمر بالتبيين في خبر الفاسق، ولو تبينا في خبر العدل لسوّينا بينهما. وضعف بأنه من باب التمسك بالمفهوم. واتفقوا على أن شهادة الفاسق لا تقبل لأن باب الشهادة أضيق من باب التمسك بمفهوم الخبر. وأكثر المفسرين على أن الوليد كان ثقة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار فاسقاً بكذبه. وقيل: إن الوليد لم يقصد الكذب ولكنه ظن حين اجتمعوا لإكرامه أن يكونوا هموا بقتله. ولقائل أن يقول: لفظ القرآن وسبب النزول يدل على خلافه. نعم لو قيل: إنه تاب بعد ذلك لكان له وجه ثم أرشدهم إلى أمر آخر قائلاً {واعلموا أن فيكم رسول الله} وليس هذا الأمر مقصوداً بظاهره لأنه معلوم مشاهد فلا حاجة إلى التنبيه عليه، وإنما المراد ما يستلزم كونه فيهم كما يقال من يغلط في مسألة أو يقول فيها برأيه: أعلم أن الشيخ حاضر. ثم قيل: المراد لا تقولوا الباطل والكذب فإن الله يخبره ويوحي إليه. وقيل: أراد أن الرأي رأيه فلا تعدوا رأيه وقد صرح بهذا المعنى في قوله {لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم} لوقعتم في العسر والمشقة والحرج لأنه أعلم منكم بالحنيفية السهلة السمحاء، ومن جملة ذلك قصة الوليد فإنه لو أطاعه وقبل قوله لقتل وقتلتم وأخذ المال وأخذتم فاتهمتهم. قال جار الله: الجملة المصدّره بلو ليس كلاماً مستأنفاً لاختلال النظم حينئذ ولكنها حال من أحد الضميرين في {فيكم} وهو المستتر المرفوع أو البارز المجرور. والمعنى أن فيكم رسول الله على حالة يجب تغييرها وهي أنكم تطلبون منه اتباع آرائكم. قلت: قد ذكرنا في وجه النظم بياناً آخر. ثم قال: فائدة تقدير خبر "أن" هو أن يعلم أن التوبيخ ينصب إلى هذا الغرض. وفائدة قوله {يطيعكم} بلفظ الاستقبال الدلالة على ما أرادوه من استمرار طاعته لهم وأنه لا يخالفهم في كثير مما عنّ لهم من الآراء والأهواء. وفي قوله {في كثير من الأمر} مراعاة لجانب المؤمنين حيث لم ينسب جميع آرائهم إلى الخطأ، وفيه أيضاً تعليم حسن وتأديب جميل في باب التخاطب. ويمكن أن يكون إشارة إلى تصويب رأي بعضهم لا إلى تصويب بعض رأيهم فقد قيل: إن بعضهم زينوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم الإيقاع ببني المصطلق وتصديق قول الوليد، وبعضهم كانوا يرون التحلم عنهم إلى أن يتبين أمرهم، وقد أشار إلى هذا البعض بقوله {ولكن الله حبب إليكم الأيمان} أي إلى بعضكم وإلا لم يحسن الاستدراك يعني بـ {لكن} فإن من شرطه مخالفة ما بعده لما قبله. فلو كان المخاطبون في الطرفين واحداً لم يكن للاستدراك معنى بل يؤدّي إلى التناقض لأنه يكون قد أثبت لهم في ثاني الحال محبة الإيمان وكراهة العصيان، وذكر أوّلاً أنه توجب إجابتهم الوقوع في العنت. قال أهل اللغة: الطاعة موافقة الداعي غير أن المستعمل في حق الأكابر الإجابة، وفي حق الأصاغر الطاعة، وقد ورد القرآن على أصل اللغة. استدلت الأشاعرة بقوله {حبب} و {كره} على مسألة خلق الأفعال. وحملها المعتزلة على نصب الأدلة أو اللطف والتوفيق أو الوعد والوعيد. والمعنى ولكن الله حبب إليكم الإيمان فأطعتموه فوقاكم العنت والكفر واضح. وأما الفسوق والعصيان فقيل: الأوّل الكبائر والثاني الصغائر. ويحتمل أن يكون الكفر مقابل التصديق بالجنان، والفسوق مقابل الإقرار باللسان لأن الفسق ههنا أمر قولي بدليل قوله {إن جاءكم فاسق بنبإ} سماه فاسقاً لكذبه والعصيان مقابل العمل بالأركان {أولئك} البعض المتبينون {هم الراشدون} وهذه جملة معترضة. وقوله {فضلاً من الله ونعمة} كل منهما مفعول له والعامل فيهما {حبب} و {كره} ويجوز أن يكونا منصوبين عن الراشدين لأن الرشد عبارة عن التحبيب والتكريه المستندين إلى الله، فكأن الرشد أيضاً فعله فاتحد الفاعل في الفعل والمفعول له بهذا الاعتبار. ويجوز أن يكونا مصدرين من غير لفظ الفعل وهو الرشد فكأنه قيل: فأولئك هم الراشدون رشداً لأن رشدهم إفضال وإنعام منه. قال بعض العلماء: الفضل بالنظر إلى جانب الله الغنيّ، والنعمة بالنظر إلى جانب العبد الفقير {والله عليم} بأحوال الخلق وما بينهم من التمايز والتفاضل {حكيم} في تدابيره وأفضاله وأنعامه. ثم علمهم حكماً آخر. في الصحيحين عن أنس أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا نبي الله لو أتيت عبد الله بن أبيّ. فانطلق إليه على حمار وانطلق المسلمون يمشون وهي أرض سبخة فبال الحمار فقال: إليك عني فوالله لقد آذاني نتن حمارك. فقال عبد الله بن رواحة: والله إن بول حماره أطيب ريحاً منك فغضب لعبد الله رجل من قومه وغضب لكل واحد منهما أصحابه فوقع بينهم حرب بالجريد والأيدي والنعال فأنزل الله فيهم {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} جمع لأن الطائفتين في معنى القوم، أو الناس، أو لأن اقل الجمع اثنان فرجع إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصلح بينهم. وعن مقاتل: قرأها عليهم فاصطلحوا. وقال ابن بحر: القتال لا يكون بالنعال والأيدي وإنما هذا في المنتظر من الزمان. والطائفة الجماعة وهي أقل من الفرقة لقوله {أية : فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة}تفسير : [التوبة: 122] وارتفاعها بمضمر دل عليه ما بعده أي إن اقتتلت طائفتان واختير "أن" دون "إذا" مع كثرة وقوع القتال بين المؤمنين ليدل على أنه مما ينبغي أن لا يقع إلا نادراً وعلى سبيل الفرض والتقدير، ولهذه النكتة بعينها قال {طائفتان} ولم يقل "فريقان" تحقيقاً للتقليل كما قلنا. وفي تقديم الفاعل على الفعل إشارة أيضاً إلى هذا المعنى لأن كونهما طائفتين مؤمنين يقتضي أن لا يقع القتال بينهما ولهذا اختير المضيّ في الفعل ولم يقل يقتتلون لئلا ينبىء عن الاستمرار. وفيه أيضاً من التقابل ما فيه. وإنما قدم الفعل في قوله {إن جاءكم فاسق بنبإ} ليعلم أن المجيء بالنبأ الكاذب يورث كون الجائي به فاسقاً سواء كان قبل ذلك فاسقاً أم لا، ولو أخر الفعل لم تتناول الآية إلا مشهور الفسق قبل المجيء بالنبأ. قال بعض العلماء: إنما قال {اقتتلوا} على الجمع ولم يقل "فأصلحوا بينهم" لأن عند القتال يكون لكل منهم فعل برأسه، أما عند العود إلى الصلح فإنه تتفق كل طائفة وإلا لم يتحقق الصلح فكان كل من الطائفتين كنفس واحدة فكانت التثنية أقعد. والبغي الاستطالة وإباء الصلح، والفيء الرجوع وبه سمي الظل لأنه يرجع بعد نسخ الشمس، أو لأن الناس يرجعون إليه، والغنيمة لأنها ترجع من الكفار إلى المسلمين. ومعنى قوله {إلى أمر الله} قيل: إلى طاعة الرسول أو من قام مقامه من ولاة الأمر بقوله {أية : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}تفسير : [النساء: 59] وقيل: إلى الصلح لقوله {أية : وأصلحوا ذات بينكم}تفسير : [الأنفال: 1] وقيل: إلى أمر الله بالتقوى فإن من خاف الله حق خشيته لا تبقى له عداوة إلا مع الشيطان. وإنما قال {فإن بغت} ولم يقل "فإذا" بناء على أن بغي إحداهما مع صلاح الأخرى كالنادر، وكذا قوله {فإن فاءت} لأن الفئة الباغية مع جهلها وعنادها وإصرارها على حقدها كالأمر النادر نظيره قول القائل لعبده: "إن مت فأنت حر". مع أن الموت لا بد منه وذلك لأن موته بحيث يكون العبد حياً باقياً في ملكه غير معلوم. واعلم أن الباغية في اصطلاح الفقهاء فرقة خالفت الإمام بتأويل باطل بطلاناً بحسب الظن لا القطع، فيخرج المرتد لأن تأويله باطل قطعاً، وكذا الخوارج وهم صنف من المبتدعة يكفرون من أتى بكبيرة ويسبون بعض الأئمة. وهكذا يخرج مانع حق الشرع لله أو للعباد عناداً لأنه لا تأويل له. ولا بد أن يكون له شوكة وعدد يحتاج الإمام في دفعهم إلى كلفه ببذل مال أو إعداد رجال، فإن كانوا أفراداً يسهل ضبطهم فليسوا بأهل بغي. والأكثرون على أن البغاة ليسوا بفسقه ولا كفرة لقوله تعالى {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} وعن عليّ رضي الله عنه: إخواننا بغوا علينا ولكنهم يخطئون فيما يفعلون ويذهبون إليه من التأويل كما وقع للخارجة عن عليّ رضي الله عنه حيث اعتقدوا أنه يعرف قتلة عثمان ويقدر عليهم ولا يقتص لمواطأته إياهم. وكما قال مانعو الزكاة لأبي بكر: أمرنا بدفع الزكاة إلى من صلاته سكن لنا وصلاة غير النبي صلى الله عليه وسلم ليست بسكن لنا. واتفقوا على أن معاوية ومن تابعه كانوا باغين للحديث المشهور "حديث : إن عماراً تقتله الفئة الباغية" تفسير : وقد يقال: إن الباغية في حال بغيها ليست بمؤمنة وإنما سماهم المؤمنين باعتبار ما قبل البغي كقوله {أية : يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه}تفسير : [المائدة: 54] والمرتد ليس بمؤمن بالاتفاق. أما الذي يتلفه العادل على الباغي وبالعكس في غير القتال فمضمون على القاعدة الممهدة في قصاص النفوس وغرامة الأموال، وأما في القتال فلا يضمن العادل لأنه مأمور بالقتال ولا الباغي على الأصح، لأن في الوقائع التي جرت في عصر الصحابة والتابعين لم يطلب بعضهم بعضاً بضمان نفس ومال، ولأنه لو وجبت الغرامة لنفرهم ذلك عن العود إلى الطاعة. والأموال المأخوذة في القتال تردّ بعد انقضاء الحرب إلى أربابها من الجانبين. والمراد من متلف القتال ما يتلف بسبب القتال ويتولد منه هلاكه حتى لو فرض إتلاف في القتال من غير ضرورة القتال كان كالإتلاف في غير القتال، والذين لهم تأويل بلا شوكة لزمهم ضمان ما أتلفوا من نفس ومال وإن كان على صورة القتال، وحكمهم حكم قطاع الطريق إذا قاتلوا، ولو أسقطنا الضمان لأبدت كل شرذمة من أهل الفساد تأويلاً وفعلت ما شاءت وفي ذلك إبطال السياسات، ولهذه النكتة قرن بالإصلاح. والثاني قوله {بالعدل} لأن تضمين الأنفس والأموال يحتاج فيه إلى سلوك سبيل العدل والنصفة لئلا يؤدي إلى ثوران الفتنة مرة أخرى. واحتج الشافعي لوجوب الضمان إذا لم يكن قتال بأن ابن ملجم قتل علياًَ رضي الله عنه زاعماً أن له شبهة وتأويلاً فأمر بحبسه وقال لهم: إن قتلتم فلا تمثلوا به فقتله الحسن بن علي رضي الله عنه وما أنكر عليه أحد. وأما الذين لهم شوكة ولا تأويل فالظاهر عند بعضهم نفي الضمان وعند آخرين الوجوب. وأما كيفية قتال الباغين فإن أمكن الأسر لم يقتلوا، وإن أمكن الإثخان فلا يذفف عليه كدفع الصائل إلا إذا التحم القتال وتعسر الضبط. قوله {وأقسطوا} أمر باستعمال القسط على طريق العموم بعدما أمر به في إصلاح ذات البين، قال أهل اللغة: القسط بالفتح والسكون الجور من القسط بفتحتين وهو اعوجاج في الرجلين. وعود قاسط يابس، والقسط بالكسر العدل والهمزة في أقسط للسلب أي أزال القسط وهو الجور. وحين بين إصلاح الخلل الواقع بين الطائفتين أراد أن يبين الخلل الواقع بين اثنين بالتشاتم والسباب ونحو ذلك فقال {إنما المؤمنون إخوة} أي حالهم لا يعدوا الأخوة الدينية إلى ما يضادّها {فأصحلوا بين أخويكم} بإيصال المظلوم إلى حقه وبدفع إثم الظلم عن الظالم. والتثنية بحسب الأغلب، ويحتمل أن يقال: إنه شامل لما دون الطائفتين. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يعيبه ولا يتطاول عليه في البنيان فيستر عنه الريح إلا بإذنه ولا يؤذيه بقتار قدره ثم قال احفظوا ولا يحفظ منكم إلى قليل" تفسير : {واتقوا الله} في سائر الأبواب راجين أن يرحمكم ربكم. ثم شرع في تأديبات آخر. والقوم الرجال خاصة لقيامهم على الأمور. قال جمهور المفسرين: إن ثابت بن قيس بن شماس كان في أذنيه وقر وكان إذا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه فيسمع ما يقول. فجاء يوماً وقد أخذ الناس مجالسهم فجعل يتخطى رقاب الناس ويقول: تفسحوا تفسحوا. فقال له رجل: أصبت مجلساً فاجلس. فجلس ثابت مغضباً ثم قال للرجل: يا فلان ابن فلانه يريد أمّاً كان يعير بها في الجاهلية فسكت الرجل استحياء فنزلت. وقيل: نزلت في الذين نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات واستهزؤا بالفقراء. وقيل: في كعب بن مالك قال لعبد الله: يا أعرابي. فقال له عبد الله: يا يهودي. وقيل: نزلت {ولا نساء من نساء} في عائشة وقد عابت أم سلمة بالقصر. ويروى أنها ربطت حقويها بثوب أبيض وأسدلت طرفها خلفها وكانت تجره فقالت عائشة لحفصة: انظري ماذات تجر خلفها كأنه لسان كلب. وعن عكرمة عن ابن عباس: أن صفية بنت حييّ أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن النساء يعيرنني ويقلن يا يهودية بنت يهوديين. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: هلا قلت إن أبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد. وتنكير القوم والنساء للبعضية أو لإفادة الشياع. وإنما لم يقل "رجل من رجل ولا امرأة من امرأة " زيادة للتوبيخ وتنبيهاً على أن السخرية قلما تصدر عن واحد ولكن ليشاركه في ذلك جمع من الحاضرين لأن ميل الطباع لى التلهي والدعابة والازدراء بالضعفاء وأهل السآمة أكثريّ. وإنما لم يقل "رجل من امرأة" وبالعكس لأن سخرية الجنس من الجنس أكثر فاقتصر على ذلك والباقي فيه بالأولى. وقوله {عسى أن يكونوا} كلام مستأنف ينبىء عن سبب النهي. عن عبد الله بن مسعود: البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب لخشيت أن أحوّل كلباً. قوله سبحانه {ولا تلمزوا} تأديب آخر واللمز الطعن باللسان. والمعنى حضوا أنفسكم بالانتهاء عن الطعن في أمثالكم من أهل هذا الدين ولا عليكم أن تعيبوا غير أهل دينكم. قيل: اللمز والسب خلف الإنسان، والهمز العيب في وجهه الإنسان. وقيل: بل الأمر بالعكس لأن من تقاليب همز هزم، وهو يدل على البعد، ومن مقلوب اللمز اللزم وهو يدل على القرب فيشمل العيب بالإشارة أيضاً. قوله {ولا تنابزوا} تأديب آخر والنبز بالسكون القذف بالمكروه من الألقاب، واللقب من الأعلام ما دل على مدح أو ذم، والنبز بالفتح اللقب القبيح فهو أخص من اللقب كما أن اللقب أخص من العلم. وإنما قال {ولا تنابزوا} ولم يقل ولا تنبزوا على منوال {ولا تلمزوا} لأن النبز لا يعجز الإنسان عن جوابه غالباً فمن ينبز غيره بالحمار كان لذلك الغير أن ينبزه بالثور مثلاً ولا كذلك اللمز فإن الملموز كثيراً ما يغفل عن عيب اللامز فلا يحضره في الجواب شيء فيقع اللمز من جانب واحد فقط. ثم أكد النهي عن التنابز بقوله {بئس الاسم} أي الذكر {الفسوق} وفي قوله {بعد الإيمان} وجوه أحدها: استقباح الجمع بين الأمرين كما تقول "بئس الشأن الصبوة بعد الشيخوخة" أي معها. وثانيها بئس الذكر أن يذكروا الرجل بالفسق أو باليهودية بعد إيمانه، وكانوا يقولون لمن أسلم من اليهود يا يهودي يا فاسق فنهوا عنه. وثالثها أن يجعل الفاسق غير مؤمن كما يقال للمتحوّل عن التجارة إلى الفلاحة "بئست الحرفة الفلاحة بعد التجارة" فمعنى بعد الإيمان بدلاً عن الإيمان {ومن لم يتب} عما نهي عنه {فأولئك هم الظالمون} لأن الإصرار على المنهي كفر إذ جعل المنهي كالمأمور فوضع الشيء في غير موضعه قوله {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن} فيه تأديب آخر. ومعنى اجتنبوا كونوا منه في جانب. وإنما قال {كثيراً} ولم يقل الظن مطلقاً لأن منه ما هو واجب كحسن الظن بالله وبالمؤمنين كما جاء في الحديث القدسي "حديث : أنا عند ظن عبدي بي"تفسير : قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله"تفسير : وقال "حديث : إن حسن الظن من الإيمان"تفسير : ومنه ما هو محظور وهو سوء الظن بالله وبأهل الصلاح. عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله حرم من المسلم دمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء "تفسير : وهو الذي أمر في الآية باجتنابه. ومنه ما هو مندوب إليه وهو إذا كان المظنون به ظاهر الفسق وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : من الحزم سوء الظن"تفسير : وعن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : احترسوا من الناس بسوء الظن" تفسير : ومنه المباح كالظن في المسائل الاجتهادية. قال أهل المعاني: إنما نكر {كثيراً} ليفيد معنى البعضية المصرح بها في قوله {إن بعض الظن إثم} ولو عرّف لأوهم أن المنهي عنه هو الظن الموصوف بالكثرة والذي يتصف بالقلة مرخص فيه. والهمزة في الإثم عوض عن الواو كأنه يثم الأعمال أي يكسرها بإحباطه. تأديب آخر {ولا تجسسوا} وقد يخص الذي بالحاء المهملة بتطلب الخبر والبحث عنه كقوله {أية : فتحسسوا من يوسف وأخيه}تفسير : [يوسف: 87] فبالجيم تفعل من الجس، وبالحاء من الحس. قال مجاهد: معناه خذوا ما ظهر ودعوا ما ستره الله. عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في خطبته "حديث : يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه لاتتبعوا عورات المسلمين فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع عورته حتى يفضحه ولو كان في جوف بيته" تفسير : وهذا الأدب كالسبب لما قبله. فلما نهى عن ذلك نهى عن سببه أيضاً. تأديب آخر {ولا يغتب} يقال غابه واغتابه بمعنى، والاسم الغيبة بالكسر وهي ذكر العيب بظهر الغيب، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال "حديث : أن تذكر أخاك بما يكره فإن كنت صادقاً اغتبته وإن كانت كاذباً فقد بهته" تفسير : ثم مثل ما يناله المغتاب من عرض صاحبه على أفظع وجه فقال {أيحب} إلى آخره. وفيه أنواع من المبالغة منها الاستفهام للتقرير ومحبة المكروه، ومنها إسناد الفعل إلى {أحدكم} ففيه إشعار بأنه لا أحد يحب ذلك، ومنها تقييد المكروه بأكل لحم الإنسان، ومنها تقييد الإنسان بالأخ، ومنها جعل الأخ أو اللحم ميتاً ففيه مزيد تنفير للطبع. وإنما مثل بالأكل لأن العرب تقول لمن ذكر بالسوء إن الناس يأكلون فلاناً ويمضغونه، وفلان مضغة للماضغ. شبهوا إدارة ذكره في الفم بالأكل. والميت لمزيد التنفير كما قلنا، أو لأن الغائب كالميت من حيث لا يشعر بما يقال فيه. أما الفاء في قوله {فكرهتموه} ففصيحة أو نتيجة لأنها للإلزام أي بل عافته نفوسكم فكرهتموه. أو فتحققت بوجوب الإقرار وبحكم العقل وداعي الطبع كراهتكم للأكل أو اللحم أو الميت فليتحق أيضاً أن تكرهوا لما هو نظيره وهي الغيبة. وقال ابن عباس: هي إدام كلاب الناس. وعنه أن سلمان كان يخدم رجلين من الصحابة ويسوّي لهما طعامهما فنام عن شأنه يوماً فبعثاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما عندي شيء فأخبرهما سلمان فعند ذلك قالا: لو بعثناه إلى بئر سميحة "لبئر من آبار مكة" لغار ماؤها. فلما راحا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما: ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما؟ فقالا: ما تناولنا لحماً. فقال: إنكما قد اغتبتما فنزلت. قلت: قد تبين في الحديث أن في الآية مبالغة أخرى وهي أنه أراد باللحم الميت المدوّد المنتن المخضر، وقد عبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر الحسي عن الأمر المعنوي الذي أدركه بنور النبوّة منهما. واعلم أن الغيبة وإن كانت منهية إلا أنها مباحة في حق الفاسق. ففي الحديث "حديث : اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس"تفسير : وروي "حديث : من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له واتقوا الله فيما نهاكم وتوبوا فيما وجد منكم " تفسير : . وحين علم المؤمنين تلك الآداب الجميلة عمم الخطاب منعاً من السخرية واللمز وغير ذلك على الإطلاق فقال {يا أيها الناس} الآية. قال بعض الرواة: حديث : إن ثابت بن قيس حين قال " فلان ابن فلانة" قال النبي صلى الله عليه وسلم: من الذاكر فلانة؟ فقام ثابت فقال: أنا يا رسول الله. فقال: انظر في وجوه القوم فنظر فقال: ما رأيت يا ثابت؟ قال: رأيت أبيض وأسود وأحمر. قال: فإنك لا تفضلهم إلا بالتقوى والدين تفسير : ، فأنزل الله هذه الآية. وعن مقاتل: لما كان يوم فتح مكة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً حتى أذن على ظهر الكعبة فقال عتاب بن أسيد: الحمد لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم. وقال الحرث بن هشام: أما وجه محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذناَ. وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئاً يغيره. وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئاً أخاف أن يخبر به رب السماء. فأتى جبريل عليه السلام فأخبره. وأقول: الآية تزجرهم عن التفاخر بالأنساب والتكاثر بالأموال والازدراء بالفقراء. ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأي في سوق المدينة غلاماً أسود يقول: من اشتراني فعلى شرط لا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف النبي صلى الله عليه وسلم: فاشتراه رجل وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراه عند كل صلاة ففقده يوماً فسأل عنه صاحبه فقال: محموم. فعاده ثم سأل عنه بعد أيام فقيل: هو في ذمائه. فجاءه وتولى غسله ودفنه فدخل على المهاجرين والأنصار أمر عظيم فنزلت. وقوله {من ذكر وأنثى} فيه وجهان: أحدهما من آدم وحوّاء فيدل على أنه لا تفاخر لبعض على بعض لكونهم أولاد رجل واحد وامرأة واحدة، والثاني كل واحد منكم أيها الموجودون وقت النداء خلقناه من أب وأم، والتفاوت في الجنس دون التفاوت في الجنسين كالذباب والذئاب مثلاً، لكن التفاوت بين الناس بالكفر والإيمان كالتفاوت الذي بين الجنسين، لأن الكافر كالأنعام بل أضل، والمؤمن هو الناس وغيره كالنسناس. والحاصل أن الشيء إما أن يترجح على غيره بأمر يلحقه ويترتب عليه بعد وجوده، وإما أن يترجح عليه بأمر هو قبله. وهذا القسم إما أن يرجع إلى القابل أو إلى الفاعل كما يقال "كان هذا من النحاس وهذا من الفضة وهذا عمل فلان" فذكر الله سبحانه أنه لا ترجح بحسب الأصل القابل لأنكم كلكم من ذكر وأنثى، ولا بحسب الفاعل فإن الله هو خالقكم. فإن كان تفاوت فبأمور لاحقة وأحقها بالتمييز هو التقوى لما قلنا، ولهذا يصلح للمناصب الدينية كالقضاء والشهادة كل شريف ووضيع إذا كان ديناً عالماً، ولا يصلح للمناصب الدينية كالقضاء والشهادة كل شريف ووضيع إذا كان ديناً عالماً، ولا يصلح لشيء منها فاسق وإن كان قرشي النسب قارونيّ النشب. ثم بين الحكمة التي من أجلها رتبهم على شعوب وقبائل وهي أن يعرف بعضهم نسب بعض فلا يعتزى إلى غير آبائه فقال {وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا} أي ليقع بينكم التعارف بسبب ذلك لا أن تتفاخروا بالأنساب. وقيل: الشعوب بطون العجم، والقبائل بطون العرب. وقال جار الله: الشعب بالفتح الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب. أوّلها شعب وهي أعم سمي بذلك لأن القبيلة تنشعب منها، ثم قبيلة، ثم عمارة، ثم بطن، ثم فخذ، ثم فصيلة وهي الأخص مثال ذلك: خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة. فائدة: لا ريب أن الخلق يستعمل في الأصول أكثر، والجعل يستعمل فيما يتفرع عليه، ولهذا قال {أية : خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور}تفسير : [الأنعام: 1] وقال في الآية {خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل} ولكنه قال في موضع آخر {أية : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} تفسير : [الذاريات: 56] فبين أن الأصل في الخلق والغرض الأقدم هو العبادة ليعلم منه أن اعتبار النسب وغيره مؤخر عن اعتبار العبادة فلهذا قال {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} وفيه معنيان: أحدهما أن التقوى تفيد الإكرام عند الله. والثاني أن الإكرام في حكم الله يورث التقوى والأول أشهر كما يقال "ألذ الأطعمة أحلاها" أي اللذة بقدر الحلاوة لا أن الحلاوة بقدر اللذة. عن النبي صلى الله عيله وسلم أنه طاف يوم فتح مكة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال "حديث : الحمد لله الذي أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتكبرها. يا أيها الناس إنما الناس رجلان: مؤمن تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله ثم قرأ الآية"تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله" تفسير : قال ابن عباس: كرم الدنيا الغنى وكرم الآخرة التقوى. {إن الله عليم} بظواهركم {خبير} ببواطنكم وحق مثله أن يخشى ويتقى. وحين حث عموم الناس على تقواه وبخ من في إيمانه ضعف. قال ابن عباس: إن نفراً من بني أسد قدموا المدينة في سنة جدبة وأظهروا الشهادتين ولم يكونوا مؤمنين في السر، وأفسدوا طريق المدينة بالقذاة، وأغلوا أسعارها وكانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتيناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان فأعطنا من الصدقة، وجعلوا يمنون عليه فأنزل الله هذه الآيات. أي قالوا آمنا بشرائطه فأطلع الله نبيه على مكنون ضمائرهم وقال: لن تؤمنوا إيماناً حقيقياً وهو الذي وافق القلب فيه اللسان. {ولكن قولوا أسلمنا} يعني إسلاماً لغوياً وهو الخضوع والانقياد خوفاً من القتل ودخولاً في زمرة أهل الإيمان والسلم. ثم أكد النفي المذكور بقوله {ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} وفيه فائدة زائدة هي أن يعلم أن الإيمان متوقع منهم لأن "لما" حرف فيه توقع وانتظار. ثم حثهم على الطاعة بقوله {وإن تطيعوا الله ورسوله لايلتكم} أي لا ينقصكم {من} ثواب {أعمالكم شيئاً} يعني الثواب المضاعف الموعود في نحو قوله {أية : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} تفسير : [الأنعام: 160] ألت يألت بالهمز إذا نقص وهي لغة غطفان. يقال ألته السلطان حقه أشدّ الألت. ولغة أسد وأهل الحجاز لأته ليتاً. وقال قطرب: ولته يلته بمعنى صرفه عن وجهه. فيكون {يلتكم} على وزن "يعدكم"، وعلى الوجه المتقدم على وزن "يبعكم". {إن الله غفور رحيم} لمن تاب وأخلص نيته. ثم وصف المؤمنين المحقين بقوله {إنما المؤمنون} ومعنى "ثم" في قوله {ثم لم يرتابوا} كما في قوله {أية : ربنا الله ثم استقاموا}تفسير : [فصلت: 30] وارتاب مطاوع رابه إذا أوقعه في الشك مع التهمة أي ثم لم يقع في قلوبهم شك فيما آمنوا به ولا إتهام لمن صدّقوه وذلك بتشكيك بعض شياطين الجن والإنس. وقال جار الله: وجه آخر لما كان زوال الريب ملاك الإيمان أفرد بالذكر بعد تقدم الإيمان تنبيهاً على مزيته وإشعاراً بأنهم مستقرون على ذلك في الأزمنة المتطاولة غضاً جديداً. وفي قوله {أولئك هم الصادقون} تعريض بأن المذكورين أولاً كاذبون ولهذا قال {قل لم تؤمنوا} إشارة إلى كذبهم في دعواهم ورب تعريض لا يقاومه التصريح. ثم أراد تجهيلهم بقوله {قل أتعلمون الله بدينكم} والباء قيل للسببية والأظهر أنه الذي في قولهم ما علمت بقدومك أي ما شعرت ولا أحطت به. وذكر في أسباب النزول أنه لما نزلت الآية الأولى جاءت هؤلاء الأعراب وحلفوا أنهم مؤمنون معتقدون فنزلت هذه الآية. والاستفهام للتوبيخ أي كيف تعلمونه بعقيدتكم وهو عالم بكل خافية والتعليم إفادة العلم على التدريج والمعالجة؟ وقيل: تعريض من لا يعلم بإفهام المعنى لأن يعلم قوله {يمنون عليك} نزلت في المذكورين وفي أمثالهم. يقال: منّ عليه صنعه إذا اعتدّه عليه منة وإنعاماً. قال أهل العربية: اشتقاق المنة من المن الذي هو القطع لأنه إنما يسدي النعمة إليه ليقطع بها حاجته لا غير من غير أن يعمل لطلب مثوبة وعوض. ثم قال {بل الله يمن عليكم} حيث هداكم للإيمان الذي ادّعيتموه. وفي إضافة الإسلام إليهم ازدراء بإسلامهم، وفي إيراد الإيمان مطلقاً غير مضاف إشارة إلى الإيمان المعهود الذي يجب أن يكون المكلف عليه. وجواب الشرط محذوف أي {إن كنتم صادقين} في ادعاء الإيمان الحقيقي فلله المنة عليكم. ثم عرض بأنهم غير صادقين فقال {إن الله يعلم} الآية والمراد أنه لا يخفي عليه ضمائرهم والله أعلم بالصواب.

الثعالبي

تفسير : قوله عز وجل: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ...} الآية: قال ابن زيد: معنى: {لاَ تُقَدِّمُواْ} لا تمشوا، وقرأ ابن عباس، والضَّحَّاكُ، ويعقوب: ـــ بفتح التاءِ والدال ـــ، على معنى: لا تَتَقَدَّمُوا، وعلى هذا يجيء تأويل ابن زيد، والمعنى على ضم التاء: بين يدي قولِ اللَّه ورسوله، ورُوِيَ أَنَّ سَبَبَ هذه الآية أَنَّ وفد بني تميم لما قَدِمَ، قال أبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رضي اللَّه عَنْهُ -: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَمَرْتَ الْقَعْقَاعَ بنَ مَعْبَدٍ؟ وَقَالَ عُمَرُ: لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلْ أَمِّرِ الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَرَدْتَ إلا خِلافي، فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتُ خِلاَفَكَ، وَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَنَزَلَتِ الآيةُ، وذهب بعض قَائِلِي هذه المَقَالَةِ إلَىٰ أَنَّ قوله: {لاَ تُقَدِّمُواْ}: أي: وُلاَةً، فهو من تقديم الأمراء، وعموم اللفظ أحسن، أي: اجعلوه مبدأ في الأَقوال والأَفعال، وعبارة البخاريِّ: وقال مجاهد: «لا تقدموا»: لا تَفْتَاتُوا على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى يقضيَ اللَّه عز وجل على لسانه، انتهى. وقوله سبحانه: {لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوٰتَكُمْ} الآية، هي أيضاً في هذا الفنِّ المتقدِّم؛ فرُويَ أَنَّ سببها ما تقدم عن أبي بكر وعمر ـــ رضي اللَّه عنهما ـــ والصحيح أَنَّها نزلت بسبب عادة الأَعراب من الجَفَاءِ وعُلُوِّ الصَّوْتِ، وكان ثابت بن قيس بن شماس ـــ رضي اللَّه عنه ـــ مِمَّنْ في صوته جهارة فلما نزلت هذه الآية اهْتَمَّ وخاف على نفسه، وجلس في بيته لم يخرج، وهو كئيب حزين حتى عَرَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خبره فبعث إليه، فآنسه، وقال له: «حديث : امْشِ في الأَرْضِ بَسْطاً؛ فإنَّكَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ»تفسير : ، وَقَالَ لَهُ مَرَّةً: «حديث : أَمَا تَرْضَىٰ أَنْ تَعِيشَ حَمِيداً، وَتَمُوتَ شَهِيداً؟»تفسير : فعاش كذلك، ثم قُتِلَ شَهِيداً بِاليَمَامَةِ يَوْمَ مُسَيْلَمَةَ. * ت *: وحديث ثابت بن قيس وتبشيره بالجنة خَرَّجَهُ البخاريُّ، وكذلك حديث أبي بكر وعمر وارتفاع أصواتهما خَرَّجه البخاريُّ أيضاً، انتهى. وقوله: {كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} أي: كحال أحدكم في جفائه، فلا تنادوه باسمه: يا محمد، يا أحمد؛ قاله ابن عباس وغيره، فأمرهم اللَّه بتوقيره، وأنْ يدعوه بالنبوَّةِ والرسالة، والكلام اللَّيِّنِ، وكَرِهَ العلماءُ رفعَ الصوت عند قبرِ النبي صلى الله عليه وسلم وبحضرة العَالِمِ وفي المساجد، وفي هذه كلها آثار؛ قال ابن العربيِّ في «أحكامه»: وحُرْمَةُ النبي صلى الله عليه وسلم مَيِّتاً كحرمته حَيًّا، وكلامه المأثور بعد موته في الرِّفْعَةِ مِثْلُ كلامه المسموع من لفظه، فإذا قُرىءَ كلامُه وجب على كل حاضر أَلاَّ يرفعَ صوتَهُ عليه، ولا يُعْرِضَ عنه، كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تَلَفُّظِهِ بِه، وقد نَبَّهَ اللَّه تعالى على دوام الحُرْمَةِ المذكورة على مرور الأزمنة بقوله: {أية : وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْءَانُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ }تفسير : [الأعراف:204] وكلام النبي صلى الله عليه وسلم هو من الوحي، وله من الحُرْمَةِ مِثْلُ ما للقرآن، انتهى. وقوله تعالى: {أَن تَحْبَطَ} مفعول من أجله، أي: مخافةَ أَنْ تحبطَ، ثم مدح سبحانه الذين يَغُضّون أصواتهم عند رسول اللَّه، وغَضُّ الصوت خَفْضُهُ وكَسْرُهُ، وكذلك البصر، ورُوِيَ: أَنَّ أبا بكر وعمر كانا بعد ذلك لا يُكَلِّمان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلاَّ كَأَخِي السِّرَارِ، وأَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يحتاج مع عمر بعد ذلك إلى استعادة اللفظ؛ لأَنَّهُ كان لا يسمعه من إخفائه إيَّاه، و{ٱمْتَحَنَ} معناه: اختبر وطَهَّرَ كما يُمْتَحَنُ الذهبُ بالنار، فَيَسَّرَهَا وهَيَّأها للتقوى، وقال عمر بن الخطاب: امتحنها للتقوى: أذهب عنها الشهوات. قال * ع *: من غَلَبَ شهوتَه وغضبَه فذلك الذي امتحن اللَّه قلبه للتقوى، وبذلك تكونُ الاستقامة، وقال البخاريُّ: {ٱمْتَحَنَ}: أخلص، انتهى.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} قرأ العامة بضم التاء وفتح القاف وتشديد الدال مكسورة. وفيها وجهان: أحدهما: أنه معتمدٍّ، وحذف مفعوله إما اقتصاراً كقوله: {يُحْيِـي وَيُمِيتُ} وكقولهم: "هُوَ يُعْطِي ويَمْنَعُ"، و "كُلُوا واشْرَبُوا" وإما اختصاراً للدلالة عليه أي لا تقدموا ما لا يصلح. والثاني: أنه لازم نحو: وَجه وتَوَجَّه. ويعضده قراءة ابن عباس والضحاك: لاَ تَقَدَّمُوا بالفتح في الثَّلاَثَةِ. والأصل لا تتقدموا فحذف إحدى التاءين. وبعض المكيين لا تقدموا كذلك إلا أنه بتشديد التاء كتاءات البَزّي والمتوصل إليه بحرف الجر في هاتين القراءتين أيضاً محذوف أَيْ لا تَتَقَدَّموا إلى أمر من الأمور. وعلى هذا فهو مجاز ليس المراد نفس التقديم بل المراد لا تجعلوا لأنفُسكم تقدماً عند النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقال: لفلان تقدم من بين الناس إذا ارتفع أمْرُهُ، وعَلاَ شَأْنُهُ. وقرىء: لا تُقْدموا ـ بضم التاء وكسر الدال ـ من أقدم أي لا تُقْدِمُوا على شيءٍ. فصل فصل في بيان حسن الترتيب وجوه: أحدها: أنهم في السورة المتقدمة لما جرى منهم ميلٌ إلى الامتناع مما أجاز النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الصلح، وألزمهم الله كلمة التقوى قال لهم على سبيل العموم: لا تقدموا بين يدي الله ورسوله أي لا تتجاوزوا ما أتى من الله تعالى ورسوله. الثاني: أنه تعالى لما بين علو درجة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بكونه رسوله الذي يظهر دينه وأنه بالمؤمنين رحيمٌ قال: لا تتركوا من احترامه شيئاً لا بالفعل ولا بالقول وانظروا إلى رفعة درجته. الثالث: أنه تعالى وصف المؤمنين بأنهم أشداء ورحماء فيما بينهم وبكونهم راكعين ساجدين وذكر أن لهم من الحرمة عند الله ما أورثهم حسن الثناء في الكتب المتقدمة بقوله: {أية : ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ}تفسير : [الفتح:29]، فإن المَلكَ العظيم لا يذكر أحداً في غيبته إلا إذا كان عنده محترماً ووعدهم بالأجر العظيم فقال في هذه السورة لا تفعلوا ما يوجب انْحِطَاط درجاتكم وإحباطَ حَسَنَاتِكم (ولا تقدموا). فصل في سبب النزول روى الشعبي عن جابر أنه في الذبح يوم الأضحى قبل الصلاة وهو قول الحسن أي لا يذبحوا قيل أن يذبح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وذلك أن ناساً ذبحوا قبل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأمرهم أن يُعِيدُوا الذَّبْحَ، وقال: "حديث : من ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاَةِ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ عَجَّلَهُ لأَهْلِهِ لَيْسَ مِنَ النُّسُك فِي شَيْءٍ"تفسير : . وروي عن مسروق عن عائشة أنه في النهي عن صوم الشك أي لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم. وروى ابن الزبير أنه قدم ركبٌ من بني تميم على النبي ـ صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: أمر القعْقَاع بن معبد بن زرارة. وقال عمر: بل أمر الأقرعَ بن حابس. قال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، قال عمر: ما أردت خلافَك فَتَمَارَيَا حتى ارتفعت أصواتهما فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله}؛ قال (ابن) الزبير: فكان عمر لا يسمع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (بعد هذه الآية) حتى يستفهمه. وقيل: نزلت في جماعة أكثروا من السؤال. وقال مجاهد: لا تَفْتَاتُوا على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بشيء حتى يَقْضِيَهُ الله على لسانه. وقال الضحاك: يعني في القتال وشرائع الدين، أي لا تقضوا أمراً دون الله ورسوله. قال ابن الخطيب: والأصحّ أنه إرشاد عام يشتمل الكل ومنع مطلق يدخل فيه كل افتِيَاتٍ وتقدُّم واستبدادٍ بالأمر وإقدامٍ على فعلٍ غيرِ ضروري من غير مُشَاوَرةٍ. فصل ومعنى بين يدي الله ورسوله أي بحضرتهما؛ لأن ما يحضره الإنسان فهو بين يديه ناظر إليه. وفي قوله: {بين يدي الله ورسوله} فوائد: إِحْدَاهَا: أن قول الإنسان فلان بين يدي فلان إشارة إلى أن كل واحد منهما حاضر عند الآخر مع أن لأحدهما علو الشأن وللآخر درجة العبيد والغِلْمَان؛ لأن من يجلس بجنب الإنسان يكلفه تَقْليب الحَدَقَة إليه وتحريك الرأس إليه عند الكلام ومن يجلس بين يديه لا يكلفه ذلك ولأن اليدين تنبىءُ عن القدرة لأن قول الإنسان: فلانٌ بين يدي فلان أي يُقَلِّبِه كيف يشاء في أشغاله كما يفعل الإنسان بما يكون موضوعاً بين يديه وذلك يفيد وجوب الاجْتِنَاب من التَّقَدُّم. وثانيها: ذكر الله إشارة إلى وجوب احترام الرسول والانقياد لأوامره، لأن احترام الرسول احترام للمرسل، لكن احترام الرسول قد يترك لأجل بُعد المرسل وعدم اطّلاعه على ما يفعل برسوله فقوله: "بين يدي الله" أي أنتم بحضرة من الله وهو ناظر إليكم. وفي مثل هذه الحال يجب احترام رسوله. وثالثها: أن العبارة كما تقرر النهي المتقدم تقرر الأمر المتأخِّر، وهو قوله: "واتّقوا الله" لأن من يكون بين يدي الغير كالمتاع الموضوع بين يديه يقلبه كيف يشاء يكون جديراً بأن يتقيه، وقوله: "وَاتَّقُوا الله" أي في تضييع حقه، ومخالفة أمره {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} لأقوالكم، "عَلِيمٌ" بأفعالكم. قوله (تعالى): {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ} في إعادة النداء فوائد منها أن في ذلك بيان زيادة الشفقة على المسترشد، كقول لقمان لابنه: {أية : يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ}تفسير : [لقمان:13] {أية : يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ}تفسير : [لقمان:16] {أية : يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ}تفسير : [لقمان:17]، لأن النداء تنبيه للمنادى ليقبل على استماع الكلام ويجعل بالَه منه، فإعادته تفيد تجدد ذلك. ومنها: أن لا يتوهم متوهم أن المخاطبَ ثانياً غير المخاطب الأول، فإن من الجائز أن يقول القائل: يا زيدُ افعلْ كذا وكذا يا عمرو، فإذا أعاد مرة أخرى وقال: يا زيد قل كذا (يا زيد قل كذا (وقل كذا)) يعلم أن المخاطب أولاً هو المخاطب ثانياً. ومنها أن يعلم أن كل واحد من الكلامين مقصود، وليس الثاني تأكيداً للأول كقولك: يَا زَيْدُ لا تَنْطق ولا تَتَكَلَّم إلا الحق فإنه لا يحسن أن تقول: يا زيدُ لا تَنْطقْ يا زيدُ لا تَتَكَلَّمْ كما يحسن عند اختلاف المطلوبين. فصل قوله: {لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ} يحتمل أن يكون المراد حقيقة رفع الصوت، لأن ذلك يدل على قلة الاحتشام، وترك الاحترام، وهو أن رفع الصوت يدل على عدم الخَشْيَة؛ لأن من خَشِيَ قلبُه ارْتَجَفَ وَضَعُفَتْ حركته الدافعة فلا يخرج منه الصوت بقوة، ومن لم يخف ثبت قلبه وقويت حركته الدافعةُ، وذلك دليلٌ على عدم الخشية. ويحتمل أن يكون المراد المنع من كثرة الكلام، لأن من كَثُر كلامه يكون متكلماً عند سكوت الغير فيبقى لصوته ارتفاعٌ وإن كان خائفاً فلا ينبغي أن يكون لأحد عند النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كلامٌ كثير بالنسبة إلى كلام النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مُبَلِّغ فالمتكلمُ عنده إن أراد الإخبار لا يجوزُ له، وإن سأل فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لَمَّا وجب عليه البيان فهو لا يسكت عما سُئَل، وإن لم يُسْأَل فربما يكون في الجواب تكليف لا يسهل على المكلف الإتيان به فيبقى في ورْطَة العِقَاب كما قال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}تفسير : [المائدة:101]. ويحتمل أن يكون المراد رفع الكلام بالتعظيم، أي لا تجعلوا لكلامكم ارتفاعاً على كلام النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ في الخطاب. والأول أوضح والكل يدخل في المراد. قال المفسرون: معناه بَجِّلُوه وفَخّموهُ ولا ترفعوا أصواتكم عنده ولا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضاً. روى أنس بن مالك (رضي الله عنه) قال:"حديث : لما نزل قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ} جلس ثابتُ بنُ قيسٍ في بيته، وقال: أنا من أهل النار واحتَبَسَ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فسأل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سعدَ بْنَ معاذ فقال: يا أبا عمرو ما شأنُ ثابت اشتكى؟ فقال سعدٌ: إنه لَجَارِي وما علمت له شكوى قال: فأتاه سعدٌ فَذَكَر له قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال ثابتٌ: أُنْزِلَتْ هذه الآية ولقد عَلِمْتُمْ أنِّي من أَرْفَعِكُمْ صوتاً عَلَى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنا من أهل النار فذكر ذلك سعدٌ للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بل هو من أهل الجنة". تفسير : وروي "حديث : لما نزلت هذه الآية قَعَدَ ثابتٌ في الطريق يبكي فمر به عاصمُ بْنُ عَدِيٌ فقال: ما يُبكِيكَ يا ثابتُ؟ قال: هذه الآية أتخوف أن تكونَ نزلت وأنا رفيعُ الصوت أخاف أن يُحْبَط عملي وأكون من أهل النار فمضى عاصم إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وغلب ثابتاً البكاءُ فَأتى امرأته جميلَة بنتَ عبدِ الله بن أبيِّ ابنِ سلول فقال لها: إذا دخلت فَرَسي فشُدّي على الضَّبَّة بمِسمارٍ، فضربت عليه بِمسْمَارٍ وقال: لا أخْرُجُ حتى يَتَوفَّانِي الله أو يَرْضَى عنِّي رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأتى عاصمٌ رسولَ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ فقال: اذهبْ فادْعُهُ لي فجاء عاصم إلى المكان الذي رآه فيه فلم يجدْه، فجاء إلى أهلِهِ فوجَدَهُ في بيت الفرس فقال له إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدعوك فقال له: اكْسِر الضَّبة فأتى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما يُبْكِيكَ يا ثابت؟ فقال: أنا صيت وأخاف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ، فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أما تَرْضَى أن تعيشَ حميداً وتُقْتَلَ شهيداً وتَدْخُلَ الجنة؟ فقال: رضيتُ ببُشْرَى الله ورسوله، لا أرفعْ صَوْتي أبداً على صوت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ"تفسير : فأنزل الله {ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ} الآية. قال أنس: فكُنَّا ننظر إلى رجلٍ من أهل الجنة يمشي بيننا فلما كان يومُ اليَمَامَة في حرب مُسَيْلِمَةَ رأى ثابتٌ من المسلمين بعض الانكسار فانهزت طائفةٌ منهم فقال: أُفٍّ لهؤلاء ثم قال ثابتٌ لسالمِ مولى أبي حذيفة: ما كنا نقاتل أعداء الله مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مثل هذا ثُمّ ثَبَتَا وقاتلا حتى قُتِلاَ واستشهد ثابتٌ وعليه دِرْعٌ فرآه رجلٌ من الصحابة بعد موته في المنام قال له: اعلم أن فلاناً رجلٌ من المسلمين نَزَع درعي فذهب بها وهي في ناحية من المعسكر عند فرس يستن (به) في طِوَله، وقد وضع على درعي بُرْمَةً؛ فأتِ خالدَ بْن الوليد وأخْبِرْه حتى يسترد درعي، وأت أبا بكر خليفة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقُلْ له: إن عليّ دَيْناً حتى يَقْضِيَهُ (عنِّي)، وفلان (وفلان) من رقيقي عتيق. فأخبر الرجلُ خالداً فوجد دِرْعه والفرسَ على ما وصفهُ فاسْتَرَدَّ الدرع وأخبر خالدٌ أبا بكر بتلك الرؤيا، وأجاز أبو بكر وصيَّتَهُ. قال مالك بن أنس (رضي الله عنه): لا أعلم وصيةً أُجيزَتْ بعد موت صاحبها إلا هذه. قوله: {وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} قال ابن الخطيب: إن قلنا: (إن) المراد من قوله: {لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ} أي لا تُكْثِرُوا الكلام فقوله: "ولاَ تَجْهَرُوا" يكون مجازاً عن الإتيان بالكلام عند النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقدر ما يؤتى به عند غيره أي لا تكثروا وقللوا غاية التقليل، وإن قلنا: المراد بالرفع الخطاب فقوله: "لاَ تَجْهَرُوا" أي لا تخاطبوه كما تُخَاطِبُو(نَ) غيره. واعلم أن قوله تعالى: {لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ} لما كان من جنس لا تجهروا لم يستأنف النداء، ولما كان مخالفاً للتقدم لكون أحدهما فعلاً والآخر قولاً استأنف كقول لقمان لابنه: {أية : يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ}تفسير : [لقمان:13]، وقوله: {أية : يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ}تفسير : [لقمان:17] لكن الأول من عمل القلب والثاني من عمل الجوارح، فقوله: {أية : يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ}تفسير : [لقمان:17] من غير استئناف النداء لكون الكل من عمل الجوارح. فإن قيل: ما الفائدة من قوله: {وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ} مع أن الجهر مستفاد من قوله: {لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ}؟. فالجواب: أن المنع من رفع الصوت هو أن لا يجعل كلامه أو صوته أعلى من كلام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو صوته، والنهي عن الجهر منع من المساواة، أي لا تجهروا له بالقول كما تَجْهَرُو(نَ) لنظرائكم بل اجعلوةا كلمته عُلْيَا. قوله: "أنْ تَحْبَطَ" مفعول من أجله. والمسألة من التنازع لأن كلاًّ من قوله: "لاَ تَرْفَعُوا" و "لاَ تَجْهَرُوا لَهُ" يطلبه من حيث المعنى فيكون معمولاً للثاني عند البصريين في اختيارهم، وللأول عند الكوفيين. والأول أصح للحذف من الأول أي لأن تَحْبَطَ. وقال أبو البقاء: إنها لام الصّيرورةِ و {أَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} حال. فصل معنى الكلام إنكم إن رفعتم أصواتكم وتقدمتم فذلك يؤدي إلى الاستحقار وهو يفضي إلى الارتداد والارتداد محبطٌ. وقوله: {وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} إشارة إلى أن الردّة تتمكن من النفس بحيث لا يشعر الإنسان فإن من ارتكب ذنباً لم يرتكبه في عمره تراه نادماً غاية الندامة خائفاً غايةَ الخَوف، فإذا ارتكبه مراراً قلّ خوفه ونَدَامَتُه ويصير عادة من حيث لا يعلم متى تمكن هذا كان في المرة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو غيرها، وهذا كما إذا بلغه خبر فإنه لا يقطع بالمخبر، فإذا تكرر عليه ذلك وبلغ إلى حد التواتر حصل له اليقينُ وتمكن الاعتقاد، ولا يدري متى كان ذلك وفي أي لَمْحَةٍ حَصَلَ هذا اليقين. فقوله: {وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} تأكيد للمنع أي لا تقولوا بأن المرة الواحدة تغفر ولا توجب رِدّة؛ لأن الامر غير معلوم بل احْسُموا الباب. قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ} أي إجلالاً له {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ} اختبرها وأخلصها كما يمتحن الذهب بالنار فتخرج خالصة. قوله: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ} يجوز أن يكون "أولئك" مبتدأ و "الذين" خبره والجملة خبر "إِنَّ" ويكون "لهم مَغْفِرَةٌ" جملة أخرى إما مستأنفة وهو الظاهر وإما حالية. ويجوز أن يكون "الَّذِينَ امْتَحَنَ (الله قُلُوبَهُمْ)" صفة "لأولئك" أو بدلاً منه أو بياناً و "لَهُمْ مَغْفِرَةٌ" جملة خبرية. ويجوز أن يكون "لهم" هو الخبر وحده و "مَغْفِرَةٌ" فاعل به واللام في قوله: "لِلْتَّقْوَى" يحتمل أن يتعلق بمحذوف تقديره عرف الله قلوبهم صالحة أي كائنة للتقوى كقولك: أنْتَ لِكذَا أي صَالِحٌ أي كائنٌ ويحتمل أن يكون للتعليل. وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون تعليلاً يجري مَجْرَى بيان السبب المتقدم، كقولك: جِئْتُكَ لإِكْرَامِكَ ابني أمسِ أي صار ذلك السبب السابق سبب المجيء. والثاني: أن يكون تعليلاً يجري مجرى بيانه علّيّة المقصود المتوقع الذي يكون لاحقاً لا سابقاً، كقولك: جِئْتُكَ لأَدَاء الوَاجِبِ، أي ليصير مجيئي سبباً لأداء الواجب. فعلى الأول فمعناه أن الله علم في قلوبهم تقواه فامتحن قلوبهم للتقوى التي كانت فيها، ولولا أن قلوبهم كانت مملوءة من التقوى لما أمرهم بتعظيم رسوله وتقديم نبيه على أنفسهم. على الثاني فمعناه أن الله تعالى امتحن قلوبهم بمعرفته معرفة رسوله بالتقوى أي ليرزقهم الله التقوى، ثم قال: {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} وقد تقدم الكلام عن ذلك.

البقاعي

تفسير : ولما نوه سبحانه في القتال بذكر النبي صلى الله عليه وسلم في ابتدائها باسمه الشريق وسمى السورة به، وملأ سورة محمد بتعظيمه، وختمها باسمه، ومدح أتباعه لأجله، افتتح هذه باشتراط الأدب معه في القول والفعل للعد من حزبه والفوز بقربه، ومدار ذلك معالي الأخلاق، وهي إما مع الله سبحانه وتعالى أو مع رسوله صلى الله عليه وسلم أو مع غيرهما وإن كان كل قسم لا يخلو عن لحظة الآخر، وغيرهما إما أن يكون داخلاً مع المؤمنين في رتبة الطاعة أو خارجاً عنها، وهو الفاسق، والداخل في طاعة المؤمنين السالك لطريقتهم إما أن يكون حاضراً عندهم أو غائباً عنهم، فهذه خمسة أقسام، فصل النداء بسببها خمس مرات، كل مرة لقسم منها، وافتتح بالله لأن الأدب معه هو الأصل الجامع للكل والأس الذي لا يبنى إلا عليه، فقال منادياً للمتسمين بأول أسنان القلوب تنبيهاً على أن سبب نزولها من أفعالهم لا من أفعال أهل الكمال، فهو هفوة تقال، وما كان ينبغي أن يقال، وليشمل الخطاب المعهود للأدنى - ولو مع النفاق - من فوقه من باب الأولى: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان {لا تقدموا} وحذف المفعول ليعم كل ما يصح تقديمه فيذهب الوهم كل مذهب، ويجوز أن يكون حذفه من قصد إليه أصلاً، بل يكون النهي موجهاً إلى نفس التقدمة أي لا تتلبسوا بهذا الفعل، ويجوز أن يكون من قدم - بالتشديد بمعنى أقدم وتقدم أي شجع نفسه على التقدم، ومنه مقدمة الجيش، وهم متقدموه، وأشار إلى تهجين ما نهوا عنه وتصوير شناعته، وإلى أنهم في القبضة ترهيباً لهم فقال: {بين يدي الله} أي الملك الذي لا يطاق انتقامه. ولما كان السياق للنهي عن التقديم والتقدم، وكان مقتضى الرسالة إنفاذ الأوامر والنواهي عن الملك من غير أن يكون من المرسل إليهم اعتراض أصلاً، وبذلك استحق أن لا يتكلم بحضرته في مهم ولا يفعل مهم إلا بإذنه، لأن العبيد لما لهم من النقص لا استقلال لهم بشيء أصلاً، عبر بالرسول دون النبي بعد أن ذكر اسمه تعالى الأعظم زيادة في تصوير التعظيم فقال: {ورسوله} أي الذي عظمته ظاهرة جداً، ولذلك قرن اسمه باسمه وذكره بذكره، فهو تمهيد لما يأتي من تعظيمه، فالتعبير بذلك إشارة إلى أن النفس إذا خليت وفطرتها الأولى، امتلأت بمجرد رؤيته هيبة منه، وإجلالاً له، فلا يفعل أحد غير ذلك إلا بتشجيع منه لنفسه وتكليفها ضد ما تدعو إليه الفطرة الأولى القويمة، فالمعنى: لا تكونوا متقدمين في شيء من الأشياء والله يقول الحق ويهدي السبيل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبلغ عنه لا ينطق عن الهوى، فعلى الغير الاقتداء والاتباع، لا الابتداء والابتداع، سواء كان النبي صلى الله عليه وسلم غائباً أو حاضراً بموت أو غيره. فإن آثاره كعينه، فمن بذل الجهد فيها هدي للأصلح،{أية : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}تفسير : [العنكبوت: 69]. ولما استعار للدلالة على القدرة التعبير باليدين وصور البينة ترهيباً من انتقام القادر إذا خولف، صرح بذلك بقوله تعالى: {واتقوا الله} أي اجعلوا بينكم وبين غضب الملك الأعظم وقاية، فإن التقوى مانعة من أن تضعيوا حقه وتخالفوا أمره وتقدموا على شيء لم تعلموا رضاه فيه. ولما كان سبحانه مع كل بعلمه، وأقرب إليه من نفسه، فكان مع ذلك غيباً محضاً لكونه محتجباً برداء الكبر وإزار العظمة والقهر، وكان الإنسان لما غاب عنه نساء، ذكره مرهباً بقوله مستأنفاً أو معللاً مؤكداً تنبيهاً على ما في ذلك من الغرابة والعظمة التي يحق للإنسان مجاهدة نفسه لأجلها في الإيمان به والمواظبة على الاستمرار على استحضاره، لأن أفعال العاصي أفعال من ينكره: {إن الله} أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال. ولما كان ما يتقدم فيه إما قولاً أو فعلاً قال: {سميع} أي لأقوالكم أن تقولوها {عليم *} أي بأعمالكم قبل أن تعملوها. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما وصف سبحانه عباده المصطفين صحابه نبيه والمخصوصين بفضيلة مشاهدته وكريم عشرته فقال{أية : محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم}تفسير : [الفتح: 29] "إلى آخره"، فأثنى سبحانه عليهم وذكر وصفه تعالى بذلك في التوراة والإنجيل، وهذه خصيصة انفردوا بمزية تكريمها وجرت على واضح قوله تعالى{أية : كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف}تفسير : [آل عمران: 110] إلى آخره، وشهدت لهم بعظيم المنزلة لديه، ناسب هذا طلبهم بتوفية العشب الإيمانية قولاً وعملاً ظاهراً وباطناً على أوضح عمل وأخلص نية، وتنزيههم عما وقع من قبلهم في مخاطبات أنبيائهم كقول بني إسرائيل{أية : يا موسى ادع لنا ربك}تفسير : [الأعراف: 134] إلى ما شهد من هذا الضرب بسوء حالهم فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} الآية و {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول} - إلى قوله - {والله غفور رحيم} فطلبوا بآداب تناسب عليّ إيمانهم وإن اغتفر بعضه لغيرهم من ليس في درجتهم وقد قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين فكأن قد قيل لهم: لا تغفلوا ما منح لكم في التوراة والإنجيل، فإنها درجة لم ينلها غيركم من الأمم فقابلوها بتنزيه أعمالكم عن أن يتوهم في ظواهرها أنها صدرت عن عدم اكتراث في الخطاب، أو سوء قصد في الجواب، وطابقوا بين ظواهركم وبواطنكم وليكن علنكم منبئاً بسليم سرائركم {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولٰئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى} ثم عرفوا بسوء حال من عدل به عن هذه الصفة فقال تعالى {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} ثم أمروا بالتثبت عند نزغة الشيطان، أو تقول ذي بهتان {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ} الآية، ثم أمرهم بصلاح ذات بينهم والتعاون في ذلك بقتال الباغين العتاة وتحسين العشرة والتزام ما يثمر الحب والتودد الإيماني والتواضع، وأن الخير كله في التقوى {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} وكل ذلك محذر لعلي صفاتهم التي وصفوا بها في خاتمة سورة محمد. ولما ثبت إعظام الرسول صلى الله عليه وسلم بأن لا يفتات عليه بأن يتأهب ما هو وظيفته من التقدم في الأمور وقطع المهمات، فلا يكلم إلا جواباً أو سؤالاً في أمر ضروري لا يمكن تأخيره، وكان من يكلمه لذلك ربما رفع صوته رفعاً الأولى به غيره مما هو دونه، وكان من جملة أحواله أن يوحى إليه بالأمور العظيمة، وكان رفع الصوت إذ ذاك من المشوشات في حسن التلقي للوحي مع ما فيه من قلة الاحترام والإخلاء بالإجلال والإعظام، قال ذاكراً لثاني الأقسام، وهو ما كان النظر فيه إلى مقامه صلى الله عليه وسلم بالقصد الأول، مستنتجاً مما مضى من وصفه بالرسالة الدالة على النبوة، آمراً بحفظ حرمته ومراعاة الأدب في خدمته وصحبته بتبجيله وتفخيمه، وإعزازه وتعظيمه، مكرراً لندائهم بما ألزموا أنفسهم به من طاعته بتصديقه واستدعاء لتجديد الاستنصار وتطرية الندب إلى الإنصات وإشارة إلى أن المنادى له أمر يستحق أن يفرد بالنداء ويستقل بالتوصية: {يا أيها الذين آمنوا} مكرراً للتعبير بالأدنى من أسنان القلوب للتنبيه على أن فاعل مثل هذه المنهيات والمحتاج فيها إلى التنبيه بالنهي قد فعل من هذا حاله {لا ترفعوا أصواتكم} أي في شيء من الأشياء {فوق صوت النبي} أي الذي يتلقى عن الله، وتلقيه عنه متوقع في كل وقت، وهذا يدل على أن أذى العلماء الذين هيأهم الله لتلقي فهم دينه عند شديد جداً، فإن تكدير أوقاتهم يمنعهم عن كثير من ذلك. ولما بين ما في ذلك لأجل النبوة، بين ما ينبغي في نفسه من المزية فقال: {ولا تجهروا له بالقول} أي إذا كلمتموه سواء كان ذلك بمثل صوته أو أخفض من صوته، فإن ذلك غير مناسب لما يهاب به العظماء، ويوقر الكبراء. ولما شمل هذا كل جهر مخصوص، وهو ما يكون مسقطاً للمزية، قال: {كجهر بعضكم لبعض} أي فإنكم إن لم تفعلوا ذلك لم يظهر فرق بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين غيره. ولما نهى عن ذلك، بين ضرره فقال مبيناً أن من الأعمال ما يحبط ولا يدرى أنه محبط، ليكون العامل كالماشي في طريق خطر لا يزال يتوقى خطره ويديم حذره: {أن} أي النهي لأجل خشية أن {تحبط} أي تفسد فتسقط {أعمالكم} أي التي هي الأعمال بالحقيقة وهي الحسنات كلها {وأنتم لا تشعرون} أي بأنها حبطت، فإن ذلك إذا اجترأ الإنسان عليه استخف به وإذا استخف به واظب عليه، وإذا واظب عليه أوشك أن يستخف بالمخاطب فيكفر وهو لا يشعر. ولما تقدم سبحانه في الإخلال بشيء من حرمته صلى الله عليه وسلم ونهى عن رفع الصوت والجهر الموصوف، أنتج المخافة عنده على سبيل الإجلال، فبين ما لمن حافظ على ذلك الأدب العظيم، فقال مؤكداً لأن في المنافقين وغيرهم من يكذب بذلك، وتنبيهاً. على أنه لمحبة الله له ورضاه به أهل لأن يؤكد أمره ويواظب على فعله: {إن الذين يغضون} أي يخفضون ويلينون لما وقع عليهم من السكينة من هيبة حضرته، قال الطبري: وأصل الغض الكف في لين {أصواتهم} تخشعاً وتخضعاً ورعاية للأدب وتوقيراً. ولما كان المبلغ ربما أنساه اللغط ورفع الأصوات ما كان يريد أن يبلغه "إنه بينت لي ليلة القدر فخرجت لأخبركم بها فتلاحى رجلان فأنسيتها وعسى أن يكون خيراً لكم" قال: {عند رسول الله} أي الذي من شأنه أن يعلو كلامه على كل كلام، لأنه مبلغ من الملك الأعظم وعبر بعند التي للظاهر إشارة إلى أن أهل حضرة الخصوصية لا يقع منهم إلا أكمل الأدب. ولما ابتدأ ذكرهم مؤكداً تنبيهاً على عظيم ما ندبوا إليه، زاده إعظاماً بالإشارة إليهم بأداة البعد فقال: {أولٰئك} أي العالو الرتب لما لهم من علو الهمم بالخضوع لمن أرسله مولاهم الذي لا إحسان عندهم إلا منه {الذين امتحن الله} أي فعل المحيط بجميع صفات الكمال فعل المختبر بالمخالطة البليغة بالشدائد على وجه يؤدي إلى المنحة باللين والخلوص من كل درن، والانشراح والاتساع {قلوبهم} فأخلصها {للتقوى} أي الخوف المؤدي إلى استعداد صاحبه بإقامة ما يقيه من كل مكروه، والامتحان: اختبار بليغ يؤدي إلى خبر، فالمعنى أنه طهر قلوبهم ونقاها كما يمتحن الصائغ الذهب والفضة بالإذابة للتنقية والتخليص من كل غش لأجل إظهار ما بطن فيها من التقوى ليصير معلوماً للخلق في عالم الشهادة كما كان معلوماً له سبحانه في عالم الغيب، وهو خروجهم عن العادات البشرية ومفارقتهم لما توجبه الطبيعة، وهو حقيقة التوحيد، فإن التقوى لا تظهر إلا عند المحن والشدائد بالتكليف وغيرها، ولا تثبت إلا بملازمة الطاعة في المنشط والمكره والخروج عن مثل ذلك. ولما كان الإنسان وإن اجتهد في الإحسان محلاًّ للنقصان، استأنف الإخبار عن جزائهم بقوله: معرباً له من فاء السبب، إشارة إلى أن ذلك بمحض إحسانه: {لهم مغفرة} أي لهفواتهم وزلاتهم {وأجر عظيم *} أي جزاء لا يمكن وصفه على محاسن ما فعلوه.

السيوطي

تفسير : أخرج البخاري وابن المنذر وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال‏:‏ قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر‏:‏ أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر‏:‏ بل أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر ما أردت إلا خلافي، فقال عمر‏:‏ ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فأنزل الله تعالى ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله‏} ‏ حتى انقضت الآية‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس في قوله ‏{‏لا تقدموا بين يدي الله ورسوله‏} ‏ قال‏:‏ لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال‏:‏ ذكر لنا أن ناساً كانوا يقولون‏:‏ لو أنزل في كذا وكذا الوضع كذا وكذا، فكره الله ذلك وقدم فيه‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏لا تقدموا بين يدي الله ورسوله‏} ‏ قال‏:‏ نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه أن ناساً ذبحوا قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر، فأمرهم أن يعيدوا ذبحاً فأنزل الله ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله‏}‏‏ . وأخرج ابن أبي الدنيا في الأضاحي عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ ذبح رجل قبل الصلاة فنزلت‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله في قوله ‏ {‏لا تقدموا بين يدي الله ورسوله‏}‏ قال‏:‏ لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم‏.‏ وأخرج ابن النجار في تاريخه عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ كان أناس يتقدمون بين يدي رمضان بصيام يعني يوماً أو يومين فأنزل الله تعالى ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله‏}‏‏ . وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها أن ناساً كانوا يتقدمون الشهر فيصومون قبل النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله‏}‏ ‏. وأخرج سعيد بن منصور عن الضحاك أنه قرأ ‏ {‏لا تقدموا‏}‏ ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد في قوله ‏ {‏لا تقدموا بين يدي الله ورسوله‏}‏ قال‏:‏ لا تفتاتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء حتى يقضي الله على لسانه‏.‏ قال الحفاظ‏:‏ هذا التفسير على قراءة ‏"‏تقدموا‏"‏ بفتح التاء والدال‏.

ابو السعود

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} تصديرُ الخطابِ بالنداءِ لتنبـيهِ المخاطبـينَ عَلى أنَّ مَا في حيزهِ أمرٌ خطيرٌ يستدعِي مزيدَ اعتنائِهم بشأنِه وفرطَ اهتمامِهم بتلقّيهِ ومراعاتِه، ووصفهُمْ بالإيمانِ لتنشيطِهمْ والإيذانِ بأنَّه داعٍ إلى المحافظةِ عليهِ ووازعٌ عن الإخلالِ بهِ {لاَ تُقَدّمُواْ} أيْ لا تفعلُوا التقديمَ عَلى أنَّ تركَ المفعولِ للقصدِ إلى نفسِ الفعلِ منْ غيرِ اعتبارِ تعلقِه بأمرٍ منَ الأمورِ عَلى طريقةِ قولِهم فلانٌ يُعطِي ويمنعُ أيْ يفعلُ الإعطاءَ والمنعَ، أو لا تقدّمُوا أمراً منَ الأمورِ عَلى أنَّ حذفَ المفعولِ للقصدِ إلى تعميمهِ، والأولُ أَوفى بحقِّ المقامِ لإفادتِه النهيَ عنِ التلبسِ بنفسِ الفعلِ الموجبِ لانتفائِه بالكليةِ المستلزِمِ لانتفاءِ تعلقهِ بمفعولِه بالطريقِ البرهانيِّ وقدْ جُوِّز أنْ يكونَ التقديمُ بمعَنى التقدمِ ومنْهُ مقدمةُ الجيشِ للجماعةِ المتقدمةِ ويعضُده قراءةُ منْ قَرأ لا تَقدّمُوا بحذفِ إحْدَى التاءينِ منْ تتقدمُوا منَ القدومِ وقوله تعالى: {بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} مستعارٌ ممَّا بـينَ الجهتينِ المسامتتينِ ليدي الإنسانِ تهجيناً لِما نُهوا عنْهُ، والمَعْنى لا تقطعُوا أمراً قبلَ أنْ يحكُمَا بهِ وقيلَ المرادُ بـين يدي رسولِ الله وذكرُ الله تَعَالى لتعظيمهِ والإيذانِ بجلالةِ محلِه عندَهُ عزَّ وجلَّ. قيلَ نزلَ فيما جَرى بـينَ أبـي بكرِ وعمرَ رَضِيَ الله عنهمَا لَدَى النبـيِّ صلى الله عليه وسلم في تَأْميرِ الأَقْرعِ بنِ حَابِسٍ أَوِ القعقاعِ بنِ مَعْبدٍ {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في كُلِّ ما تأتونَ وما تذرونَ منَ الأقوالِ والأفعالِ التي منْ جُملتها مَا نحنُ فيهِ {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} لأقوالِكم {عَلِيمٌ} بأفعالِكم فمِنْ حَقِّه أنْ يُتقَّى وَيُراقبَ.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}[1] قال: إن الله تعالى أدب عباده المؤمنين، أي لا تقولوا قبل أن يقول، فإذا قال فأقبلوا عليه ناصتين له، مستمعين إليه، واتقوا الله في إهمال حقه، وتضييع حرمته {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ}[1] ما تقولون {عَلِيمٌ}[1] بما تعملون.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الآية: 1]. قال سهل: لا تقولوا قبل أن يقول وإذا قال فاقبلوا منه منصتين له سامعين إليه، واتقوا الله فى إهمال حقه وتضييع حرمته إن الله سميع لما تقولون عليم بما تعملون. قال بعضهم: لا تطلبوا وراء منزلته منزلة.

القشيري

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}: شهادةٌ للمنادَى بالشَّرف. {لاَ تُقَدِّمُواْ} أَمْرٌ بتحمُّل الكُلَف. قدَّمَ الإكرام بالشرف على الإلزام بالكُلَف أي لا تقدموا بحكمكم {بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}: أي لاتقضوا أمراً من دون الله ورسوله أي لا تعملوا من ذات أنفسِكم شيئاً. ويقال: قفوا حيثما وُقِفْتم، وافعلوا ما به أُمِرْتُم، وكونوا أصحابَ الاقتداءِ والاتّباع.. لا أربابَ الابتداءِ والابتداع.

البقلي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} هذا وعيد لمن حكم بخاطره بغير علم بالفرق بين الالهام والوسواس والكشف والخيال وهو اجس النفس وخطاب العقل ولسان السر والنور يخردل من خزفات خاطره ويحكم بها من الجهل بكلام الله وسنة رسوله ويلزم المستمعين من ابناء جنسه انها هى الحق ومقصوده الرياء والسمعة فاذا قال احد ما قال الله ورسوله لا ينفك عما انتحله من القاء العدو وحديث النفس فيلزم عليه وعيد الحق وتخديره بقوله {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} عن عذاب البعد وعما يقوله فانه تعالى سميع لقوله ويجازيه بان يجرم عليه مقائلة الحكمة عليهم بنيته الكاذبة ويجازيه بالنّار والشنار ولا يخلوا الانسان من هذه العلل النفسانية الشيطانية وان ان صديقا فانها مواضع الامتحان من قهر الله الذى قهر به عباده وفيه من الادب للمريدين ان لا يتكلموا بين يدى شيوخهم خاصة انهم يتكلمون بالمعارف فانه سبب سقوطهم من اعين الاكابر قال سهل لا يقولوا قبل ان يقول واذا قال فاقبلوا منه منصتين له مستمعين اليه واتقوا الله فى امهال حقه وتضيع حرمته ان الله سميع لما يقولون عليم بما يعلمون قال بعضهم لا تطلبوا وراء منزلته منزلة.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا ايها الذين آمنوا} تصدير الخطاب بالندآء لتنبيه المخاطبين على ان ما فى حيزه امر خطير يستدعى مزيد اعتنائهم بشأنه وفرط اهتمامهم بتلقيه ومراعاته ووصفهم بالايمان لتنشيطهم والايذان بأنه داع الى المحافظة ورادع عن الاخلال به {لا تقدموا} امرا من الامور {بين يدى الله ورسوله} ولا تقطعوه الا بعد ان يحكما به ويأذنا فيه فتكونوا اما عاملين بالوحى المنزل واما مقتدين بالنبى المرسل ولفظ اليدين بمعنى الجهتين الكائنتين فى سمت يدى الانسان وبين اليدين بمعنى بين الجهتين والجهة التى بينهما هى جهة الامام والقدام فقولك جلست بين يديه بمعنى جلست امامه وبمكان يحاذى يديه قريبا منه واذا قيل بين يدى الله امتنع ان يرادا لجهة والمكان فيكون استعارة تمثيلية شبه ما وقع من بعض الصحابة من القطع فى امر من الامور الدينية قبل ان يحكم به الله ورسوله بحال من يتقدم فى المشى فى الطريق مثلا لو قاحته على من يجب ان يتأخر عنه ويقفو اثره تعظيما له فعبر عن الحالة المشبهة بما يعبر به عن المشبه بها {واتقوا الله} فى كل ما تأتون وما تذررن من الاقوال والافعال {ان الله سميع} لاقوالكم {عليم} بأفعالكم فمن حقه ان يتقى ويراقب ويجوز ان يكون معنى لا تقدموا لا تفعلوا التقديم بالكلية على ان الفعل لم يقصد تعلقه بمفعوله وان كان متعديا قال المولى ابو السعود هو اوفى بحق المقام لافادة النهى عن التلبس بنفس الفعل الموجب لانتفائه بالكلية المستلزم لانتفاء تعلقه بمفعوله بالطريق البرهانى وقد جوز ان يكون التقديم لازما بمعنى التقدم ومنه مقدمة الجيش للجماعة المتقدمة منهم ومنه وجه بمعنى توجه وبين بمعنى تبين نهى عن التقدم لان التقدم بين يدى المرء خروج عن صفة المتابعة واستقلال فى الامر فيكون التقدم بين يدى الله ورسوله منافيا للايمان وقال مجاهد والحسن نزلت الآية فى النهى عن الذبح يوم الاضحى قبل الصلاة كأنه قيل لا تذبحوا قبل ان يذبح النبى عليه السلام وذلك ان ناسا ذبحوا قبل صلاة النبى عليه السلام فأمرهم ان يعيدوا الذبح وهو مذهبنا الا ان تزول الشمس وعند الشافعى يجوز اذا مضى من الوقت ما يسع الصلاة وعن البرآء رضى الله عنه خطبنا النبى عليه السلام يوم النحر فقال حديث : ان اول ما نبدأ به فى يومنا هذا ان نصلى ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد اصاب سنتنا ومن ذبح قبل ان نصلى فانما هو لحم عجله لاهله ليس من النسك فى شئ تفسير : وعن عائشة رضى الله عنها انها نزلت فى النهى عن صوم يوم الشك اى لا تصوموا قبل ان يصوم نبيكم قال مسروق كنا عند عائشة يوم الشك فأتى بلبن فنادتنى وفى بحر العلوم قالت للجارية اسقيه عسلا فقلت انى صائم فقالت قد نهى الله عن صوم هذا اليوم وتلت هذه الآية وقالت هذه فى الصوم وغيره وقال قتادة ان ناسا كانوا يقولون لو انزل فى كذا او صنع فى كذا ولو نزل كذا وكذا فى معنى كذا ولو فعل الله كذا وينبغى ان يكون كذا فكره الله ذلك فنزلت وعن الحسن لما استقر رسول الله بالمدينة اتته الوفود من الآفاق فاكثروا عليه بالمسائل فهو ان يبتدئوا بالمسألة حتى يكون هو المبتدئ والظاهر أن الآية عامة فى كل قول وفعل ولذا حذف مفعول لا تقدموا ليذهب ذهن السامع كل مذهب مما يمكن تقديمه من قول او فعل مثلا اذا جرت مسألة فى مجلسه عليه السلام لا تسبقوه بالجواب واذا حضر الطعام لا تبدئوا بالاكل قبلة واذا ذهبتم الى موضع لا تمشوا امامه الا لمصلحة دعت اليه ونحو ذلك مما يمكن فيه التقديم قيل لا يجوز تقدم الاصاغر على الاكابر الا فى ثلاثة مواضع اذا ساروا ليلا اورأوا خيلا اى جيشا او دخلوا سيلا اى ماء سائلا وكان فى الزمان الاول اذا مشى الشاب امام الشيخ يخسف الله به الارض ويدخل فى النهى المشى بين يدى العلماء فانهم ورثة الانبياء دليله ما روى عن ابى الدردآء رضى الله عنه قال رآنى رسول الله عليه السلام امشى امام ابى بكر رضى الله عنه فقال "حديث : تمشى امام من هو خير منك فى الدنيا والآخرة ما طلعت شمس ولا غربت على احد بعد النبيين والمرسلين خير او افضل من ابى بكر رضى الله عنه"تفسير : كما فى كشف الاسرار واكثر هذه الروايات يشعر بأن المراد بين يدى رسول الله وذكر الله لتعظيمه والايذان بجلالة محله عنده حيث ذكر اسمه تعالى توطئة وتمهيدا لذكر اسمه عليه السلام ليدل على قوة اختصاصه عليه السلام برب العزة وقرب منزلته من حضرته تعالى فان ايقاع ذكره تعالى موقع ذكره عليه السلام بطريق العطف تفسير للمراد يدل عليها لا محالة كما يقال اعجبنى زيد وكرمه فى موضع أن يقال اعجبنى كرم زيد للدلالة على قوة اختصاص الكرم به وقال ابن عباس رضى الله عنهما معنى الآية لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة. يقول الفقير لعله من باب الاكتفاء والمقصود ولا تفعلوا خلافهما ايضافان كلا منهما من قبيل التقدم لحدود الله وحدود رسوله وبهذا المعنى فى هذه الآية الهمت بين النوم واليقظة والله اعلم وفى الآية بيان رأفة الله على عباده حيث سماهم المؤمنين مع معصيتهم فقال يا أيها الذين آمنوا ولم يقل يا أيها الذين عصوا وهذا ندآء مدح كما فى تفسير ابى الليث وايضا فيها وعيد لمن حكم بخاطره بغير علم بالفرق بين الالهام والوسواس ويقول انه الحق فالزموه ومقصوده الرياء والسمعة ومن شرط المؤمن ان لا يرى رأيه وعقله واختياره فوق رأى النبى والشيخ ويكون مستسلما لما يرى فيه مصلحة ويحفظ الادب فى خدمته وصحبته ومن ادب المريد ان لا يتكلم بين يدى الشيخ فانه سبب سقوطه من اعين الاكابر قال سهل لا تقولوا قبل ان يقول واذا قال فاقبلوا منه منصتين له مستمعين اليه واتقوا الله فى اهمال حقه وتضييع حرمته ان الله سميع لما تقولون عليم بما تعملون وقال بعضهم لا تطلبوا ورآء منزلته منزلة فانه لا يوازيه احد بل لا يدانيه، جشم اواز حياكوش اواز حكمت زبان اوازثنا وتسبيح ودل اواز رحمت دست اواز سخاموى اوازمشك بويا. شعر : قيمت عطار ومشك اندر جهان كاسد شود جون برافشاند صبا زلفين عنبر ساى تو

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا} تصدير الخطاب بالنداء، تنبيهُ المخاطبين على أنَّ في حيّزه أمر خطير يستدعي اعتنائهم بشأنه، وفرط اهتمامهم بتلقيه ومراعاته، ووصفهم بالإيمان لتنشيطهم، والإيذان بأنه داع إلى المحافظة عليه ووازع عن الإخلال به، {لا تُقدِّموا} أي: لا تفعلوا التقديم، على ترك المفعول للقصد إلى نفس الفعل من غير اعتبار تعلقه بأمرٍ من الأمور، على طريقة قولهم: فلان يعطي ويمنع، أو: لا تُقدّموا أموراً من الأمور، على حذف المفعول، للعموم، أو: يكون التقديم بمعنى التقدُّم، من "قدّم" اللازم، ومنه: مقدمة الجيش، للجماعة المتقدَّمة، ويؤيده قراءة مَن قرأ: (لا تَقدَّموا) بحذف أحدى التاءين، أي: لا تتقدموا {بين يدي اللّهِ ورسولهِ}: لا تقطعوا أمراً قبل أن يحكما به، وحقيقة قولك: جلست بين يدي فلان: أن تجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله قريباً منه، فسُميت الجهتان يدين؛ لكونهما على سمت اليدين مع القرب منهما، توسعاً، كما يُسمّى الشيء باسم غيره إذا جاوره. وفي هذه العبارة ضرب من المجاز الذي يُسمى تمثيلاً، وفيه فائدة جليلة، وهي: تصوير الهُجْنَةِ والشناعة فيما نُهوا عنه من الإقدام على أمر من الأمور دون الاحتذاء على أمثلة الكتاب والسنة. ويجوز أن يجري مجرى قولك: سرَّني زيد وحُسْنُ ماله، فكذلك هنا المعنى: لا تُقدِّموا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم: وفائدة هذا الأسلوب: الدلالة على قوة الاختصاص، ولمَّا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الله بالمكان الذي لا يخفى؛ سلك به هذا المسلك، وفي هذا تميهد لما نُقِم منهم من رفع أصواتهم فوق صوته؛ لأن مَن فضَّله الله بهذه الأَثْرة، واختصه بهذا الاختصاص، كان أدنى ما يجب له من التهيُّب والإجلال: إن لا يُرفع صوتٌ بين يديه، ولا يُقطع أمر دونه، فالتقدمُ عليه تَقَدمٌ على الله؛ لأنه لا ينطلق عن الهوى، فنبغي الاقتداء بالملائكة؛ حيث قيل فيهم: {أية : لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ..}تفسير : [الأنبياء: 27] الخ. قال عبد الله بن الزبير: قَدِمَ وفد من تميم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: لو أمَّرت عليهم القعقاع بن معبد، وقال عمر: يا رسول الله؛ بل أَمِّر الأقرعَ بن حابس؛ فقال أبو بكر: ما أردتُ إلا خلافي، وقال عمر: ما أردتُ خِلافَك، وارتفعت أصواتهما، فنزلت. فعلى هذا يكون المعنى: لا تُقَدِّموا وُلاةً، والعموم أحسن كما تقدّم. وعبارة البخاري:"وقال مجاهد: (لا تقُوموا) لا تَفْتاتُوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يَقضي اللّهُ - عزّ وجل - على لسانه".وعن الحسن: أن ناساً ذبحوا يوم الأضحى قبل الصلاة، فنزلت، فأمرهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يعيدوا، وعن عائشة: أنها نزلت في النهي عن صوم يوم الشك. {واتقوا اللّهَ} في كل ما تأتون وتذرون من الأحوال والأفعال، التي من جملتها ما نحن فيه، {إِنَّ اللّهَ سميع} لأقوالكم {عليم} بأفعالكم، فمن حقِّه أن يُتَّقى ويُراقَب. {يا أيها آمنوا لا ترفعوا أصواتَكم فوقَ صوتِ النبي} شروع في النهي عن التجاوز في كيفية القول عند النبي صلى الله عليه وسلم، بعد النهي عن التجاوز في نفس القول والفعل، وإعادة النداء مع قرب العهد؛ للمبالغة في الإيقاظ والتنبيه، والإشعار باستقلال كل من الكلامين باستدعاء الاعتناء بشأنه؛ أي: لا تبلغوا بأصواتكم وراء حدٍّ يبلغه صوته صلى الله عليه وسلم، بل يكون كلامه عالياً لكلامكم، وجهره باهراً لجهركم، حتى تكون مزيّته عليكم لائحةً، وسابقته لديكم واضحة. {ولا تجهروا له بالقول} إذا كلّمتموه {كجَهْرِ بعضِكم لبعضٍ} أي: جهراً كائناً كالجهر الجاري فيما بينكم، بل اجعلوا أصواتكم أخفض من صوته، واختاروا في مخاطبته القول اللين القريب من الهمس، كما هو الدأب في مخاطبة المهابِ المُعظّم، وحافظوا على مراعاة هيبة النبوة وجلالة مقدارها. وقيل: معنى: {لا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض}: لا تقولوا: يا محمد، يا أحمد، بل: يا رسول الله. يا نبي الله، ولمّا نزلت هذه الآية؛ ما كلّم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر إلا كأخي السِّرار. وعن ابن عباس رضي الله عنه: أنها نزلت في ثابت بن قيس بن شمَاس، وكان في أذنيه وَقْر، وكان جَهْوَريَّ الصوت، وكان إذا تكلم رفع صوته، وربما كان يكلّم النبيَّ صلى الله عليه وسلم فيتأذّى من صوته. هـ. والصحيح ما تقدّم. وفي الآية أنهم لم يُنهوا عن الجهر مطلقاً، وإنما نُهوا عن جهرٍ مخصوص، أي: الجهر المنعوت بمماثلة ما اعتادوه فيما بينهم، وهو الخلوّ عن مراعاة هيبة النبوة، وجلالة مقدارها. وقوله: {أن تحبط أعمالُكم} مفعول من أجله، أي: لا تجهروا خشية أن تحبط أعمالكم، {وأنتم لا تشعرون} فإنَّ سوء الأدب ربنا يؤدي بصاحبه إلى العطب وهو لا يشعر. ولمّا نزلت الآية جلس ثابت بن قيس في بيته ولم يخرج، فتَفقَّده صلى الله عليه وسلم، فدعاه فسأله، فقال: يا رسول الله؛ لقد أُنزلت عليك هذه الآية، وإني رجل جهير الصوت، فأخاف أن يكون عملي قد حبط، فقال له صلى الله عليه وسلم: "حديث : لست هناك، تعيش بخير، وتموت بخير، وإنك من أهل الجنة ". تفسير : وأما ما يُروى عن الحسن: أنها نزلت في المنافقين، الذي كانوا يرفعون أصواتهم فوق صوته صلى الله عليه وسلم فقد قيل: محْمله: أنّ نهيهم مندرج تحت نهي المؤمنين بدليل النص. {إِنَّ الذين يَغُضُّون أصواتَهم عند رسول الله} أي: يخفضون أصواتهم في مجلسه، تعظيماً له، وانتهاءً عما عنه، {أولئك الذين امتحن اللّهُ قلوبَهم للتقوى} أي: أخلصها وصفَّاها، من قولهم: امتحن الذهب وفَتَنه: إذا أذابه، وفي القاموس: محنَه، كمنعه: اختبره، كامتحنه، ثم قال: وامتحن القول: نَظَرَ فيه ودبّره، والله قلوبَهم: شرحها ووسّعها، وفي الأساس: ومن المجاز: محنَ الأديمَ: مدّده حتى وسعه، وبه فسّر قوله تعالى: {امتحن اللّهُ قلوبَهم للتقوى} أي: شرحها ووسعها، {لهم مغفرة وأجرٌ عظيمٌ} أي: مغفرة لذنوبهم، وأجر عظيم: نعيم الجنان. الإشارة: على هذه الآية والتي بعدها اعتمد الصوفية فيما دوَّنوه من آداب المريد مع الشيخ، وهي كثيرة أُفردت بالتأليف، وقد جمع شيخنا البوزيدي الحسني رضي الله عنه كتاباً جليلاً جمع فيه من الآداب ما لم يُوجد في غيره، فيجب على كل مريد طالب للوصول مطالعتُه والعملُ بما فيه. والذي يُؤخذ من الآية: أنه لا يتقدم بين يدي شيخه بالكلام، لا سيما إذا سأله أحدٌ، فمِن الفضول القبيح أن يسبق شيخَه بالجواب، فإنَّ السائل لا يرضى بجواب غير الشيخ، مع ما فيه من إظهار علمه، وإشهار شأنه، والتقدم على شيخه. ومن ذلك أيضاً: ألاَّ يقطع أمراً دون مشورته، ما دام تحت الحجرية، وألاَّ يتقدم أمامه في المشي إلا بإذنه، وأن يغضّ صوته عند حضوره، بل لا يتكلم إلا أن يأذن له في الكلام، ويكون بخفض صوت وتعظيم. قلت: وما زالت أشياخنا تأمرنا بالتكلم عند المذاكرة؛ إذ بالكلام تُعرف أحوال الرجال، وسَمِعتُ شيخ شيخنا، مولاي العربي الدرقاوي الحسني رضي الله عنه يقول: حُكّونا في المذاكرة؛ ليظهر العلم، وكونوا معنا كما قال القائل: حك لي نربل لك، لا كما قال القائل: سَفِّجْ لي نعسل لك. هـ. لكن يكون بحثُه مع الشيخ على وجه الاسترشاد والاستعلام، من غير معارضة ولا جدال، وإلا وإلا فالسكوت أسلم. قال القشيري: {لا تُقدّموا بين يَدي الله ورسوله} لا تعملوا في أمر الدين من ذات أنفسكم شيئاً، وقُفوا حيثما وُقِفْتم، وافعلوا ما به أُمِرْتُم، أي: اعملوا بالشرع لا بالطبع في طلب الحق، وكونوا من أصحاب الاقتداء والاتباع، لا من أرباب الابتداء أو الابتداع. وقال في قوله تعالى: {لا ترفعوا أصواتَكم...} الآية، يُشير إلى أنه من شرط المؤمن: ألا يرى رأيَه وعقلَه واختيارَه فوق رأي النبي والشيخ، ويكون مستسلماً لرأيه، ويحفظ الأدب في خدمته وصحبته، {ولا تجهرا له بالقول كجهر بعضكم لبعض} أي: لا تخاطبوه كخطاب بعضكم لبعض، بل خاطبوه بالتعظيم والتبجيل، ولا تنظروا إليه بالعين التي تنظرون إلى أمثالكم، وإنه لحُسْن خُلقه قد يُلاعبكم، فلا تنبسطوا معه، متاجسرين عليه بما يُعاشركم من خُلقه، ولا تَبدأوه بحديث حتى يُفاتحكم، أن تحبط أعمالكم بسوء أدبكم، وأنتم لا تشعرون. إنَّ الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله وعند شيخه أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، أي: انتزع عنها حبّ الشهوات، وصفّاها من دنس سوءِ الأخلاق، وتخلقت بمكارم الأخلاق، حتى انسلختْ من عادات البشرية. هـ. وقال في القوت: الوقاية مقرونة بالنصرة؛ فإذا تولاَّه نَصَره على أعدائه، وأعْدى عدُوه نفْسُه، فإذا نَصَره عليها، أخرج الشهوة منها، فامتحنَ قلبَه للتقوى، ومحّض نفسَه، فخلّصها من الهوى. هـ. ثم ذكر مَن لم يستعمل الأدب مع الحضرة النبوية، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ}.

الطوسي

تفسير : قرأ يعقوب {لا تقدموا} بفتح التاء والدال. الباقون بضم التاء وكسر الدال من التقديم. وقيل: انهما لغتان. قدم وتقدم مثل عجل وتعجل وقال ابن عباس والحسن: الآية {لا تقدموا} في الحكم أو في الأمر قبل كلامه صلى الله عليه وآله - بفتح الدال والتاء - وقال الحسن: ذبح قوم قبل صلاة العيد يوم النحر، فأمروا باعادة ذبيحة اخرى. وقال الزجاج: المعنى لا تقدموا أعمال الطاعة قبل الوقت الذي أمر الله والنبي صلى الله عليه وآله به حتى قيل: لا يجوز تقدم الزكاة قبل وقتها. وقال قوم: كانوا إذا سألوا عن شيء قالوا فيه قبل النبي صلى الله عليه وآله نهوا عن ذلك، والأولى حمل الآية على عمومها فيقال: كل شيء إذا فعل كان خلافاً لله ورسوله فهو تقدم بين أيديهما فيجب المنع من جميع ذلك. هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين الذين اعترفوا بتوحيده وإخلاص عبادته وأقروا بنبوة نبيه محمد صلى الله عليه وآله ينهاهم أن يتقدموا بين يدي النبي صلى الله عليه وآله بأن يفعلوا خلاف ما أمر به او يقولوا في الاحكام قبل ان يقول او يخالفوا أوقات العبادة، فان جميع ذلك تقدم بين يديه، وأمرهم ان يتقوا الله بأن يجتنبوا معاصيه ويفعلوا طاعاته {إن الله سميع} لما يقولونه {عليم} بما ينطوون عليه ويضمرونه. ثم أمرهم ثانياً بأن قال {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} على وجه الاستخفاف به صلى الله عليه وآله، فان مجاهد وقتادة قالا: جاء أعراب اجلاف من بني تميم، فجعلوا ينادون من وراء الحجرات: يا محمد إخرج إلينا، ولو أن إنساناً رفع صوته على صوت النبي صلى الله عليه وآله على وجه التعظيم له والاجابة لقوله لم يكن مأثورماً. وقد فسرّ ذلك بقوله {ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض} فان العادة جارية أن من كلم غيره ورفع صوته فوق صوته أن ذلك على وجه الاستخفاف به، فلذلك نهاهم عنه. وجهر الصوت اشد من الهمس، ويكون شديداً وضعيفاً ووسطاً. والجهر ظهور الصوت بقوة الاعتماد، ومنه الجهارة فى المنطق. ويقال: نهاراً جهاراً، وجاهر بالأمر مجاهرة. ونقيض الجهر الهمس. ثم بين تعالى انهم متى فعلوا ذلك بان يرفعوا الصوت على صوت النبي صلى الله عليه وآله على الوجه الذي قلناه أن يحبط اعمالهم، والتقدير لا ترفعوا أصواتكم لأن لا تحبط قال الزجاج: ويكون اللام لام العاقبة، والمعنى يحبط ثواب ذلك العمل، لانهم لو أوقعوه على وجه الاستحقاق لاستحقوا به الثواب، فلما فعلوه على خلاف ذلك استحقوا عليه العقاب، وفاتهم ذلك الثواب فذاك إحباط أعمالهم، فلا يمكن أن يستدل بذلك على صحة الاحباط فى الآية على ما يقوله أصحاب الوعيد، ولأنه تعالى علق الاحباط في الآية بنفس العمل، وأكثر من خالفنا يعلقه بالمستحق على الأعمال، وذلك خلاف الظاهر. ثم مدح تعالى من كان بخلاف من يرفع الصوت بين يدي النبي صلى الله عليه وآله، فقال {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله} اعظاماً للنبي وإجلالا له، والغض الحط من منزلة على وجه التصغير له بحالة، يقال: غض فلان عن فلان إذا ضعف حاله عن حال من هو أرفع منه، وغض بصره إذا ضعف عن حدة النظر، وغض صوته إذا ضعف عن الجهر، وقال جرير: شعر : فغض الطرف إنك من نمير فلا كعباً بلغت ولا كلاباً تفسير : ثم قال {أولئك} يعني الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله هم {الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى} أي لاخلاص التقوى فعاملهم معاملة المختبر كما يمتحن الذهب لا خلاص جيده. وقيل {امتحن الله قلوبهم للتقوى} اخلصها - فى قول مجاهد وقتادة - وقال قوم: معناه أولئك الذين علم الله التقوى فى قلوبهم، لان الامتحان يراد به العلم، فعبر عن العلم بالامتحان. ثم قال تعالى {لهم مغفرة} من الله لذنوبهم {وأجر عظيم} على افعالهم وطاعاتهم ثم خاطب النبي صلى الله عليه وآله على وجه الذم لمن يرفع صوته من اجلاف الاعراب على النبي صلى الله عليه وآله {إن الذين ينادونك} يا محمد {من وراء الحجرات} وهي جمع حجرة وكل (فعلة) بضم الفاء يجمع بالالف والتاء، لانه ليس بجمع سلامة محضة إذ ما يعقل من الذكر ألحق به، لانه اشرف المعنيين، فهو احق بالتفصيل، قال الشاعر: شعر : اما كان عباد كفياً لدارم بلى ولأبيات بها الحجرات تفسير : أي بلى ولبني هاشم. وقرأ ابو جعفر الحجرات بفتح الجيم. قال المبرد: أبدل من الضمة الفتحة استثقالا لتوالي الضمتين، ومنهم من أسكن مثل (عضد وعضد) وقال ابو عبيدة: جمع حجرة وغرفة يقال: حجرات وغرفات. ثم قال {أكثرهم لا يعقلون} لانهم بمنزلة البهائم لا يعرفون مقدار النبي صلى الله عليه وآله وما يستحقه من التوقير والتعظيم. وقيل: إن الذين رفعوا أصواتهم على النبي صلى الله عليه وآله قوم من بني تميم. وفي قراءة ابن مسعود (أكثرهم بنو تميم لا يعقلون). ثم قال {ولو أنهم صبروا} فلم ينادوك {حتى تخرج إليهم} من منزلك {لكان خيراً لهم} من أن ينادونك من وراء الحجرات {والله غفور رحيم} أي ساتر لذنوبهم إن تابوا منها لان ذلك كفر لا يغفره الله إلى بالتوبة.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالبيعة العامّة فانّ هذا حكم قالبىّ لجملة المسلمين {لاَ تُقَدِّمُواْ} قدم كنصر وقدّم من التّفعيل واستقدم وتقدّم بمعنىً والمعنى لا تمشوا {بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} والمقصود لا تقدّموا بين يدى رسوله لكنّه اضاف الله للاشعار بانّ التّقدّم بين يدى رسول الله (ص) هو التّقدّم بين يدى الله لانّ رسوله مظهره، وقرئ لاى تقدّموا من التّفعّل اى لا تتقدّموا، ويجوز ان يكون لا تقدّموا بضمّ التّاء وكسر الدّال من قدّمه اذا جعله مقدّماً فى الامر، ويكون المعنى لا تقدّموا احداً على الله ورسوله (ص)، او لا تقدّموا امراً على امر الله ورسوله (ص) او لا تختاروا امراً بين يدى رسوله (ص) من دون اذنه، او لا تجعلوا امر انفسكم مقدّماً على امر الله بان تجعلوا فى الاعمال المعاديّة امر النّفس والغايات النّفسيّة نصب اعينكم غافلين عن امر الله، وبان يكون نظركم فى الاعمال المعاشيّة الى ما يزيّنه لكم انفسكم من دون نظر فيها الى امر الله ونهيه، والمقصود من الكلّ هو المقصود من كلّ القرآن وهو لا تقدّموا احداً فى الخلافة ولا تُقْدموا على الخلافة من دون امر الله ورسوله (ص) {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} اى سخطه فى الاقدام على الامور الشّرعيّة {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} لما تقولون فى امر الخلافة، او لما تأمركم انفسكم عند اعمالكم المعاديّة والمعاشيّة {عَلِيمٌ} بنيّاتكم ودقائق اعمالكم واحوالكم ومكنوناتكم الّتى لا اطّلاع لكم عليها.

الأعقم

تفسير : {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} اختلفوا في سبب نزولها فقيل: نزلت في الذبح يوم الأضحى وذلك أن ناساً ذبحوا قبل صلاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأمرهم أن يعيدوا الذبح، وقيل: نزلت في قوم صاموا قبل صوم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: نزلت في الشرائع والقتال، يعني لا تقضوا أمراً دونه، وقيل: نزلت في قوم كانوا يحضرون مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فإذا سُئِل خاضوا فيه قبله وأفتوا، وقيل: هو عام {يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} قيل: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وكان جوهري الصوت وفي أذنيه وقر فإذا كلم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رفع صوته لأن فيه أحد شيئين إما لأن فيه نوع استخفاف فهو كفر وإما سوء أدب وفيه خلاف التعظيم المأمور به، ومتى قيل: أليس ثابت لم يكفر ولم يفسق؟ قلنا: لم يقصد الاستخفاف: {ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم} كما يرفع بعضكم صوته على بعض، وقيل: خاطبوا بالتعظيم {أن تحبط أعمالكم} أي لئلا تحبط أعمالكم يعني إن فعلتم ذلك {إن الذين يغضون أصواتهم} ناساً من العرب إذا أتوه يناجونه يا محمد فأنزل الله تعالى هذه الآية وقيل: نزلت في قوم رفعوا أصواتهم في القراءة خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أي يخفونها ولا يجهرون بها جهراً عظيماً كذلك مع الأئمة والعلماء {أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى} فوجدها خالصة، وقيل: امتحنهم ليظهر ما فيها من التقوى {لهم مغفرة} لذنوبهم {وأجر عظيم} {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} حديث : روى جابر بن عبد الله أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سُئِل عمن نزلت فيه هذه الآية فقال: "نزلت في بني تميم" تفسير : في وفد فيهم الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وقيس بن عاصم جاؤوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنادوه يا محمد أخرج إلينا نفاخرك فإن مدحنا زين وإن ذمنا شين، فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأجابهم نثراً، وأمر حسان فأجابهم نظماً، فارتفعت الأصوات فنزلت الآية: {أكثرهم لا يعقلون} يعني جهال {ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم} أنفع وأسلم من الآثام، وقيل: أقرب إلى الصلاح {والله غفور رحيم}.

الهواري

تفسير : تفسير سورة الحجرات، وهي مدنية كلها. {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عزّ وجلَّ: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. ذكروا عن الحسن أن قوماً ذبحوا قبل أن يضحي النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر، فلم يُجِز لهم ذلك، فأمر النبي عليه السلام أن يعيدوا ذبحاً آخر. فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِه}. ذكروا عن الحسن قال: من ذبح قبل الصلاة فليعد ذبحاً آخر. ذكروا عن البراء بن عازب أن خاله ضحى لابن له قبل أن يصلي النبي عليه السلام، فقال النبي عليه السلام: حديث : إنها لا تجزي لأحد بعدك . تفسير : ذكروا عن محمد بن سيرين أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن هذا اليوم النُّسُوك فيه بعد الصلاة، يعني يوم النحر . تفسير : وبعضهم يقول: {لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}، أي: في الأمر. وتفسير مجاهد: {لاَ تُقَدِّمُو} أي: لا تفتاتوا على الله ورسوله شيئاً حتى يقضيه الله على لسانه.

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ} من (قدم) المشدد اللازم الذي بمعنى (تقدم) كوجه وبين {الَّذِينَ} بمعنى توجه وتبين كما يدل له قراءة يعقوب {تُقَدِّمُواْ} بفتح التاء والقاف والدال أصله (تتقدموا) بتائين في قراءة يعقوب وابن عباس والضحاك حذفت احداهما ويدل له قراءة بعض بفتح التاء واسكان القاف وضم الدال من القدوم اي لا تقدموا الى امر من أمور الدين قبل الله ورسوله ولا مفعول له او من (قدم) المشدد المتعدي فمفعوله اما محذوف للتعميم وما ملغي لم يتعلق الغرض بذكره وغير مقصود حتى ان الفعل لازم او منزل منزلته ويتوجه النهي الى نفس التقدمة كأنه قيل لا تخالطوا التقدمة وكونه من المتعدي بوجهيه المذكورين اولي لبلاغته بلاغة شديدة وقد يقال المعنى على اللزوم كذلك لأن معموله محذوف اي لا تقدموا الى امر من الأمور من فعل أو قول و {يَدَي اللهِ وَرَسُولِهِ} كناية وتمثيل ولا يد لله حقيقة ولرسوله يد ان لم ترد احداهما تقول جلست بين يدي فلان تريد قدامه قريبا منه بين الجهتين المقابلتين ليديه فتسمي الجهتين باسم ما قربتا منه وهو اليدان وتقول جلست بين يديه ولو لم يكن له يدان وذلك تصوير لشناعة من يتقدم الى شيء قبل ان يأذن الله به ورسوله وذلك من عدم احترامهما ومن الاجتراء عليهما وتعظيم النفس عندهما وذلك في أمور الدين ونحوهما وشامل للنهي عن ان يمشي ماش بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن ان يفتتح بالكلام قبله وعن السبق بالجواب عند السؤال وعن جابر بن عبدالله والحسن انه في الذبح يوم الأضحى قبل النبي صلى الله عليه وسلم وهو انما يذبح بعد الصلاة فامرهم باعادة الذبح وهكذا كل من ذبح قبل الصلاة وهذا مذهب أبي حنيفة الى ان تزول الشمس وقال الشافعي يجوز اذا مضى من الوقت مقدار الصلاة وعن البراء بن عازب عنه صلى الله عليه وسلم "حديث : أول ما نبدا به يومنا هذا ان نصلي ثم نرجع فنخرج فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا ومن ذبح قبل ان يصلي فانما هو لحم عجله لأهله ليس من النسك" تفسير : قال ذلك في خطبته صلى الله عليه وسلم وعن البراء ان خاله ضحى لابن له قبل صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فقال انها لا تجزي عن احد بعدك وقيل انه في النهي عن صوم يوم الشك قال مسروق دخلت عائشة فيه فقالت للجارية اسقيه عسلا فقلت اني صائم فقالت: قد نهى الله عن صوم هذا اليوم اي لا تصوموا قبل نبيكم وعن عمار من صامه فقد عصى ابا القاسم وعن الحسن لما استقر بالمدينة أتته الوفود من الآفاق فاكثروا سؤاله وقال عبدالله بن الزبير قدم وفد تميم اليه صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد وقال عمر: أمر الأقرع بن حابس فقال أبو بكر: انما أردت خلافي فقال عمر لا وتنازعا فنزلت وقال قتادة نزلت في ناس يقولون لو انزل الله كذا وقيل بعث صلى الله عليه وسلم سبعة وعشرين رجلا عليهم المنذر بن عمرو الساعدي الى بني عامر فقتلوهم الا ثلاثة تأخروا عنهم فسلموا، وانكفأوا الى المدينة، فلقوا رجلين من بني سليم، فسألوهما عن نسبهما، فقالا من بني عامر لانهم أعز من بني سليم، فقتلوهما وسلبوهما، فجاء نفر من بني سليم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ان بيننا وبينك عهداً، وقد قتل منا رجلان فودهما النبي صلى الله عليه وسلم بمائة بعير ونزلت الآية في قتل الرجلين. ويجوز ان يكون المراد {لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَي رَسُولِ الله} وقال {بَيْنَ يَدَي اللهِ وَرَسُولِهِ} تعظيما له بذكر الله أولا واشعارا بجلال قدره عند الله كما تقول اعجبني زيد وعمله دلالة على قوة الاختصاص وفي الآية توطئة للنهي عن رفع الصوت فوق صوته صلى الله عليه وسلم وقال ابن زيد: المعنى لا تمشوا بين يدي رسوله وقول بعض لا تفتاتوا معناه لا تفيتوا شيئا حتى يقصه على لسان رسوله* {وَاتَّقُواْ اللهَ} في نهيه وامره تعنكم التقوى على عدم التقدمة المنهي عنها وعلى جميع الرذائل وعدم التقدمة هو من التقوى ولكن كما تقول مثلا للسارق لا تسرق واجتنب سبب العار تنهاه اولا عما فعل وتعم له ثانيا بما لو امتثل امرك فيه لم يرتكب السرقة وذلك ابلغ* {إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ} لاقواكم* {عَلِيمٌ} بافعالكم وحق مثله ان يتقي

اطفيش

تفسير : {يا أيُّها الَّذين آمنُوا لا تُقدِّمُوا بيْن يَدي الله ورسُولِه} بدأ السورة بالرحمة ترغيباً فيها، وترجية للمذنبين، ليتوبوا، وبدأ بعد الرحمة بالنداء اشارة الى عظمة ما نودوا اليه، ليزدادوا اعتناء به، أن يجتهد فيما دعى الله، عن ابن مسعود: كل {يا أيها الذين آمنوا} فى المدينة وكل: "أية : يا أيُّها الناس" تفسير : [الحجرات: 13] فى مكة، قلنا: قد يتخلف ذلك، وتقدم متعد الى مفعول واحد بنفسه، والى الآخر بعلى تقول: قدمت زيدا على عمر، ولكن استعمل هنا على طريق عدم تعلق الغرض بالمفعول، فنزل منزلة اللازم كقولك: الله يعطى ويمنع، وينفع ويضر، وقوله تعالى: "أية : يُحيي ويُميت" تفسير : [الدخان: 8] فالمعنى لا تفعلوا التقديم، ولا سبيل لكم اليه، فهو سلب لحقيقة التقديم، فيلزم منه أن لا مقدَّم ولا مقدَّم عليه بفتح الدالين أو هو متعد الى مفعول به مقصود حذف للعموم، أى لا تقدموا أمرا ما من الأمور على الآخر، وهذا أكثر استعمالا، وفيه السلامة من تنزيل المتعدى منزلة اللازم الذى هو خلاف الأصل لكل فيه الحذف الذى هو خلاف الأصل. وعندي الأول وهو تنزيله منزلة اللازم أولى وهو كثير، ولو كان الثانى أكثر وهو الحذف لأن أبلغية الكلام بسلب التقديم البتة أقوى من أبلغيته بحذف المفعول على طريق قصده للعموم، والوجهان من معنى التقديم، ويجوز أن يكون من معنى التقدم بضم الدال وهو لازم كقولك: مقدمة الجيش، ومقدمة جناحى الطائر، ويدل له قراءة ابن عباس، وأبى حيوة، والضحاك، ويعقوب وابن مقسم بفتح التاء والدال، والأصل عليه لا تتقدموا فحذفت احدى التاءين، ولفظ، بين مجاز مرسل أصلى، لأن حقيقته ما بين اليد اليمنى واليسرى، واستعمل فى معنى ما امر الله تعالى به، وما أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن يكون الكلام استعارة تمثيلية، شبه اثبات الحكم من غير اقتداء بالله ورسوله، لجامع البشاعة بتقدم الخادم بين يدى سيده فى السير بلا أمر منه، حيث لا مصلحة أى لا تجزموا بأمر قبل حكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فيه، وذلك تشبيه للمقول بالمحسوس. ويجوز أن يكون المراد بين يدى الرسول، وذكر لفظ الجلالة قبل الرسول تعظيما له صلى الله عليه وسلم ولشأنه، بأن مقوله مقول الله عز وجل، فكيف يعرض عنه، قال ابن عباس: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة، وعنه: نهوا أن تكلموا بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمروا أن يصغوا فهذا فى التلفظ وما مرّ فى اثبات الأحكام بدون الله ورسوله كما قال مجاهد لا تفتئتوا على الله ورسوله حتى يقضى الله، وروى حتى يقصه الله على رسوله صلى الله عليه وسلم، وسواء فى ذلك قراءة التقديم وقراءة التقدم، أو قراءة التقدم على التشبيه لجعلتهم فى الحكم، أو التلفظ بعجلة المسافر من سفره بجامع الرغبة، وقدر رغبوا فى الحكم أو القول. والآية على عموم لفظها ولو خص سببب النزول كما أخرج البخارى، عن عبد الله بن الزبير: قدم وفد من تميم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر رضى الله عنه: أمر القعقاع بن معبد بن زرارة، وقال عمر رضى الله عنه: بل أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر رضى الله عنه: ما أردت الا خلافى، فقال عمر رضى الله عنه: ما أردت خلافك، فتماريا حتى علت أصواتهما، فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا} الآية. وعن جابر بن عبد الله: الآية فى قوم ذبحوا الضحايا قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهوا عن ذلك وأمروا أن يعيدوا، وفى الترمذى، عن البراء بن عازب: خطبنا النبى صلى الله عليه وسلم يوم النحر وقال: "حديث : إنَّ أول ما نبدأ فى يومنا هذا أن نُصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل أن يصلي فإنَّما هو لحم عجله لأهله" تفسير : وليس من النسك فى شىء، وكذا فى البخارى ومسلم إلا أنهما لم يذكرا قوله: خطبنا النبى صلى الله عليه وسلم يوم النحر، وفى أبى داود والترمذى، عن عمار بن ياسر: من صام فى اليوم يشك فيه فقد عصى أبا القاسم. وأخرج الطبرى، عن الحسن: ذبح ناس قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر، فأمرهم النبى صلى الله عليه وسلم أن يعيدوا ذبحا، فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين أمنوا لا تقدموا} الآية أى تصديا له فى الأمر باعادة الذبح، ومراد الحسن، أنه نزل: {بسم الله الرحمن الرحيم * يا أيُّها الذين آمنوا لا تقدموا} وكذا فى حديث البخارى، وما يأتى وغيره اذ اذكر الراوى ما هو أول السورة بعد البسملة أنه نزل فى كذا، ولم يذكر البسملة، أو قال نزلت السورة وذكرها بأولها لا باسم السورة، ولم يذكر البسلمة، فالمراد أنه نزل: لبسم الرحمن الرحيم وما بعده، ولكن لم يذكروها لاشتراك السور فيها، وفى رواية ذبحوا قبل الصلاة، فأمرهم الخ. والذبح قبل الصلاة ذبح قبله صلى الله عليه وسلم، كما فى الرواية الأولى، لا يذبح قبلها، فهى ذبيحة لا تجزى عندنا، وعند أبى حنيفة كما تراه فى الحديثين، وكما روى البخارى ومسلم والترمذى، وأبو داود والنسائى، عن البراء: "حديث : ذبح بردة بن دينار قبل الصلاة، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "ابدلها" قال: يا رسول الله ليس عندى إلا جذعة، فقال صلى الله عليه وسلم: "اجعلها مكانها ولن تجزي عن أحد بعدك"" تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من ذبح قبل الصلاة فقد خالف سنتنا، وإنما ذبيحته جزورة قدمها لأهله ". تفسير : وعن الحسن، كثرت الوفود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثروا السؤال يعنى يقولون: أيجوز كذا، أيجوز كذا لو أنزل الوحى فى كذا لكان كذا، فنزلت الآية لا تبتدءوا بالسؤال، وظاهر كلام الحسن هذا مع ما تقدم عنه أن الآية نزلت فى جميع ما يروى أو يأتى بعد وقوعه، ومجموعه سبب النزول لا خصوص ما يذكر رواة الحديث. كما روى أنه بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية سبعين رجلا الى تهامة، وأمَّر عليهم المنذر بن عمرو الساعدى، فقتلهم بنو عامر، وعليهم عامر بن الطفيل الا ثلاثة نجوا فلقوا رجلين من بنى سليم قرب المدنية فانتسبا لهم الى بنى عامر، لأنهم أعز من سليم فقتولهم فسلبوهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بئسما صنعتم الرجلان من سليم كانا من أهل العهد وما سلبتم عنهم من ثياب هو ما كسوتهما" تفسير : فأعطى صلى الله عليه وسلم ورثتهما ديتهما، ونزلت الآية. وعن عائشة رضى الله عنهما: كان قوم يصومون قبله صلى الله عليه وسلم، فنزلت، أى يصومون يوم الشك من شعبان، أو يومين من آخره، أو مثل ذلك قبل رجب، أو قبل شعبان، اذ رأوه يصوم فيهما، ودخل مسروق على عائشة يوم الشك آخر شعبان، فأمرت جارية أن تسقيه عسلا فقال: إنى صائم، فقالت رضى الله عنها، نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم هذا اليوم، وفيه نزل: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا} الآية أى فيه وفى غيره، أو أرادت لا يخرج عن الآية، أو هذا مثل قول ابن مسعود للتى قالت له: قرأت القرآن وما وجدت فيه ما قلت من لعن الواشمة ان قرأته فقد وجدته، ألا ترين قوله تعالى: "أية : وما آتاكم الرسول فخذوه" تفسير : [الحشر: 7] الخ. وأدخل بعض فى الآية المشى قدامه صلى الله عليه وسلم، ويلتحق بما قال رسول الله ما يقول المجتهد المتأهل للاجتهاد، وقد أمر عبد المؤمن بتحريق كتب الفروع، ورد الناس الى قراءة كتب الحديث، واستنباط الأحكام منها، وكتب بذلك، وهو فى المغرب الأقصى الى جميع طلبة العلم من بلاد أندلس والعدوة، قلت: ذلك حسن لولا أنه لا يقدر الطلبة كلهم على الاستنباط، وليس يوجد فى كل قطر طالب يستنبط فقد يتعطل أمر العامة بذلك، وليس يوجد فى كل موطن مجتهد، وكذا أمر بنوه من بعده الناس بأن تؤخذ الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة مباشرة على طريق الاجتهاد المطلق، وحرقوا كثيراً من كتب الفروع الحادثة، واستحسنه بعض علماء عصرهم، ومنهم ابن العربى استحسنه. {إنَّ اللَّهَ سَميعٌ} لأقوالكم وأقوال غيركم {عليمٌ} بكل شىء من الأفعال والاعتقادات، فاحذروه فيما تقولون وما تفعلون.

الالوسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } وتصدير الخطاب بالنداء لتنبيه المخاطبين على أن ما في حيزه أمر خطير يستدعي مزيد اعتنائهم وفرط اهتمامهم بتلقيه ومراعاته، ووصفهم بالإيمان لتنشيطهم والإيذان بأنه داع للمحافظة عليه ورادع عن الإخلال به. و {تُقَدّمُواْ } من قدم المتعدي، ومعناه جعل الشيء قادماً أي متقدماً على غيره، وكان مقتضاه أن يتعدى إلى مفعولين لكن الأكثر في الاستعمال تعديته إلى الثاني بعلى تقول: قدمت فلاناً على فلان، وهو هنا محتمل احتمالين: الأول أن يكون مفعوله نسياً والقصد فيه إلى نفس الفعل وهو التقديم من غير اعتبار تعلقه بأمر من الأمور ولا نظر إلى أن المقدم ماذا هو على طريقة قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ} تفسير : [غافر: 68] وقولهم: يعطي ويمنع. فالمعنى لا تفعلوا التقديم ولا تتلبسوا به ولا تجعلوه منكم بسبيل. والثاني أن يكون قد حذف مفعوله قصداً إلى تعميمه لأنه لاحتماله لأمور لو قدر أحدها كان ترجيحاً بلا مرجح يقدر أمراً عاماً لأنه أفيد مع الاختصار، فالمعنى لا تقدموا أمراً من الأمور. والأول قيل أوفى بحق المقام لإفادته النهي عن التلبس بنفس الفعل الموجب لانتفائه بالكلية المستلزم لانتفاء تعلقه بمفعوله بالطريق البرهاني، ورجح الثاني بأنه أكثر استعمالاً، وبأن في الأول تنزيل المتعدي منزلة اللازم وهو خلاف الأصل والثاني سالم منه، والحذف وإن كان خلاف الأصل أيضاً أهون من التنزيل المذكور لكثرته بالنسبة إليه، وبعضهم لم يفرق بينهما لتعارض الترجيح عنده وكون مآل المعنى عليهما العموم المناسب للمقام. وذكر أن في الكلام تجوزين. أحدهما في / «بين» الخ فإن حقيقة قولهم بين يدي فلان ما بين العضوين فتجوز بذلك عن الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله قريباً منه باطلاق اليدين على ما يجاورهما ويحاذيهما فهو من المجاز المرسل. ثانيهما استعارة الجملة وهي التقدم بين اليدين استعارة تمثيلية للقطع بالحكم بلا اقتداء ومتابعة لمن يلزم متابعته تصويراً لهجنته وشناعته بصورة المحسوس فيما نهوا عنه كتقدم الخادم بين يدي سيده في سيره حيث لا مصلحة، فالمراد من {لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } لا تقطعوا أمراً وتجزموا به وتجترؤوا على ارتكابه قبل أن يحكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم به ويأذنا فيه، وحاصله النهي عن الأقدام على أمر من الأمور دون الاحتذاء على أمثلة الكتاب والسنة. وجوز أن يكون {تُقَدّمُواْ } من قدم اللازم بمعنى تقدم كوجه وبين، ومنه مقدمة الجيش خلاف ساقته وهي الجماعة المتقدمة منه، ويعضده قراءة ابن عباس وأبـي حيوة والضحاك ويعقوب وابن مقسم {لاَ تَقَدَّموا } بفتح التاء والقاف والدال، وأصله تتقدموا فحذفت إحدى التاءين تخفيفاً لأنه من التفعل وهو المطاوع اللازم، ورجح ما تقدم بما سمعت وبأن فيه استعمال أعرف اللغتين وأشهرهما. لا يقال: الظرف إذا تعلق به العامل قد ينزل منزلة المفعول فيفيد العموم كما قرروه في {أية : مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدّينِ } تفسير : [الفاتحة: 4] فليكن الظرف هٰهنا بمنزلة مفعول التقدم مغنياً غناءه، والتقدم بين يدي المرء خروج عن صفة المتابعة حساً فهو أوفق للاستعارة التمثيلية المقصود منها تصوير هجنة الحكم بلا اقتداء ومتابعة لمن يلزم متابعته بصورة المحسوس، فتخريج {لاَ تُقَدّمُواْ } على اللزوم أبلغ ولا يضره عدم الشهرة فإنه لا يقاوم الأبلغية المطابقة للمقام لما أشار إليه في «الكشف» من أن المراد النهي عن مخالفة الكتاب والسنة، والتعدية تفيد أن ذلك بجعل وقصد منه للمخالفة لأن التقديم بين يدي المرء أن تجعل أحداً إِما نفسك أو غيرك متقدماً بين يديه وذلك أقوى في الذم وأكثر استهجاناً للدلالة على تعمد عدم المتابعة لا صدورها عنه كيفما اتفق فافهم ولا تغفل. وجوز أن يكون {بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } من باب أعجبني زيد وكرمه فالنهي عن التقدم بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام فكأنه قيل: لا تقدموا بين يدي رسول الله، وذكر الله تعالى لتعظيمه عليه الصلاة والسلام والإيذان بجلالة محله عنده عز وجل ومزيد اختصاصه به سبحانه، وأمر التجوز عليه على حاله، وهو كما قال في «الكشف» أوفق لما يجيء بعده، فإن الكلام مسوق لإجلاله عليه الصلاة والسلام، وإذا كان استحقاق هذا الإجلال لاختصاصه بالله جل وعلا ومنزلته منه سبحانه فالتقدم بين يدي الله عز شأنه أدخل في النهي وأدخل. وإن جعل مقصوداً بنفسه على ما مر فالنهي عن الاستبداد بالعمل في أمر ديني لا مطلقاً من غير مراجعة إلى الكتاب والسنة، وعليه تفسير ابن عباس على ما أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم وأبو نعيم في «الحلية» عنه أنه قال: أي لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة، وكذا ما أخرجه ابن جرير وابن أبـي حاتم وابن مردويه عنه قال: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه بل عليهم أن يصغوا ولا يتكلموا. ووجه الدلالة على هذا أن كلامه عليه الصلاة والسلام أريد به ما ينقله عنه تعالى ولفظه أيضاً، وما اللفظ من الرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان المعنى من الوحي أو أراد كلام كل واحد من الله تعالى والرسول عليه الصلاة والسلام. وما أخرج عبد بن حميد والبيهقي في «شعب الإيمان» وغيرهما عن مجاهد أنه قال في ذلك: لا تفتاتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء حتى يقضي الله تعالى على لسانه يخرج على نحو التخريج الأول لكلام ابن عباس ويكون مؤيداً له، وبعضهم يروي أنه قال: لا تفتاتوا على الله تعالى / شيئاً حتى يقصه على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل مؤيداً لكلام ابن عباس أيضاً، وفسر التقدم بين يدي الله تعالى لأن التقدم بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام مكشوف المعنى، ثم إن كل ذلك من باب بيان حاصل المعنى في الجملة. وفي «الدر المنثور» بعد ذكر المروي عن مجاهد حسبما ذكرنا قال الحفاظ: هذا التفسير على قراءة {تقدموا} بفتح التاء والدال وهي قراءة لبعضهم حكاها الزمخشري وأبو حيان وغيرهما، وكأن ذلك مبني على أن {تقدموا } على هذه القراءة من قدم كعلم إذا مضى في الحرب ويأتي من باب نصر أيضاً إذ الافتيات وهو السبق دون ائتمار من يؤتمر أنسب بذلك. واختار بعض الأجلة جعله من قدم من سفره من باب علم لا غير كما يقتضيه عبارة «القاموس»، وعليه يكون قد شبه تعجيلهم في قطع الحكم في أمر من أمور الدين بقدوم المسافر من سفره إيذاناً بشدة رغبتهم فيه نحو {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً } تفسير : [الفرقان: 23]. واختلف في سبب النزول، فأخرج البخاري وابن المنذر وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال: «قدم ركب من بني تميم على النبـي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: أمّر القعقاع بن معبد، وقال عمر رضي الله تعالى عنه: بل أمّر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: ما أردت إلا خلافي، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: ما أردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } حتى انقضت الآية». وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن أن أناساً ذبحوا قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر فأمرهم عليه الصلاة والسلام أن يعيدوا ذبحاً فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} الخ، وفي «الكشاف» عنه أن أناساً ذبحوا يوم الأضحى قبل الصلاة فنزلت وأمرهم صلى الله عليه وسلم أن يعيدوا ذبحاً آخر، والأول ظاهر في أن النزول بعد الأمر والذبح قبل الصلاة يستلزم الذبح قبل رسول الله عليه الصلاة والسلام لأنه صلى الله عليه وسلم كان ينحر بعدها كما نطقت به الأخبار. وإلى عدم الإجزاء قبل ذهب الإمام أبو حنيفة والأخبار تؤيده، أخرج الشيخان والترمذي وأبو داود والنسائي عن البراء قال: «حديث : ذبح أبو بردة بن نيار قبل الصلاة فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: أبدلها فقال: يا رسول الله ليس عندي إلا جذعة فقال صلى الله عليه وسلم: اجعلها مكانها ولن تجزي عن أحد بعدك» تفسير : وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أول ما نبدأ به في يومنا هذا نصلي ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء»تفسير : وكان أبو بردة بن نيار قد ذبح قبل الصلاة الحديث، وفي المسألة كلام طويل محله كتب الفروع فراجعه إن أردته. وعن الحسن أيضاً لما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أتته الوفود من الآفاق فأكثروا عليه بالمسائل فنهوا أن يبتدءوه بالمسألة حتى يكون عليه الصلاة والسلام هو المبتدىء، وأخرج ابن جرير وغيره عن قتادة قال: ذكر لنا أن ناساً كانوا يقولون: لو أنزل في كذا وكذا لكان كذا وكذا فكره الله تعالى ذلك وقدم فيه. وقيل: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تهامة سرية سبعة وعشرين رجلاً عليهم المنذر بن عمرو الساعدي فقتلهم بنو عامر وعليهم عامر بن الطفيل إلا ثلاثة نفر نجوا فلقوا رجلين من بني سليم قرب المدينة فاعتزيا لهم إلى بني عامر لأنهم أعز من سليم فقتلوهما وسلبوهما ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بئسما صنعتم كانا من سليم أي كانا من أهل العهد لأنهم كانوا معاهدين والسلب ما كسوتهما فوداهما / رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ونزلت أي لا تعملوا شيئاً من ذات أنفسكم حتى تستأمروا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج الطبراني في «الأوسط» وابن مردويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: إن ناساً كانوا يتقدمون الشهر فيصومون قبل النبـي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } وفي رواية عن مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الكوفي دخلت على عائشة رضي الله تعالى عنها وكانت قد تبنته في اليوم الذي يشك فيه فقالت للجارية: اسقيه عسلاً فقلت: إني صائم فقالت: قد نهى الله تعالى عن صوم هذا اليوم وفيه نزلت {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ } الخ، فالمعنى كما في «المعالم» لا تصوموا قبل صوم نبيكم، وأَوَّل هذا صاحب «الكشف» فقال: الظاهر عندي أنها استدلت بالآية على أنه ينبغي أن يتمثل أمر النبـي صلى الله عليه وسلم ونهيه، وقد نهى عليه الصلاة والسلام وفيه نزلت أي في مثل هذا لدلالتها على وجوب الاتباع والنهي عن الاستبداد إذ لا يلوح ذلك التفسير على وجه ينطبق على يوم الشك وحده إلا بتكلف، وهذا نظير ما نقل عن ابن مسعود في جواب المرأة التي اعترضت عليه أنها قرأت كتاب الله وما وجدت اللعن على الواشمة كما ادعاه رضي الله تعالى عنه من قوله: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه أما رأيت {أية : وَمَا ءاتَـٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَـٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ } تفسير : [الحشر: 7] قالت: بلى قال: فإنه نهى عنه. وأنت تعلم بعد الرواية الأولى عن هذا التأويل، ويعلم من هذه الروايات وغيرها أنهم اختلفوا أيضاً في تفسير التقدم، وفي كثير منها تفسيره بخاص، وقال بعضهم: إن الآية عامة في كل قول وفعل ويدخل فيها أنه إذا جرت مسألة في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسبقوه في الجواب، وأن لا يمشى بين يديه إلا للحاجة، وأن يستأنى في الافتتاح بالطعام، ورجح بأنه الموافق للسياق ولما عرف في الأصول من أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وفي الكلام عليه بناء على ما قاله الطيبـي مجاز باعتبار القدر المشترك الصادق على الحقيقة أيضاً دون التمثيل وتشبيه المعقول بالمحسوس ويسمى في الأصول بعموم المجاز وفي الصناعة بالكناية لأنها لا تنافي إرادة الحقيقة أيضاً؛ ومن هنا يجوز إرادة لا تمشوا بين يديه صلى الله عليه وسلم؛ وذكر عليه الرحمة أنه لا يقدر على هذا القول مفعول بل يتوجه النهي إلى نفس الفعل فتأمل. ويحتج بالآية على اتباع الشرع في كل شيء وهو ظاهر مما تقدم. وربما احتج بها نفاة القياس وهو كما قال إلكيا باطل منهم. نعم قال الجلال السيوطي: يحتج بها على تقديم النص على القياس، ولعله مبني على أن العمل بالنص أبعد من التقدم بين يدي الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } أي في كل ما تأتون وتذرون من الأقوال والأفعال التي من جملتها ما نحن فيه {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ } لكل مسموع ومنه أقوالكم {عَلِيمٌ } بكل المعلومات ومنها أفعالكم فمن حقه أن يتقى ويراقب.

سيد قطب

تفسير : هذه السورة التي لا تتجاوز ثماني عشرة آية، سورة جليلة ضخمة، تتضمن حقائق كبيرة من حقائق العقيدة والشريعة، ومن حقائق الوجود والإنسانية. حقائق تفتح للقلب وللعقل آفاقاً عالية وآماداً بعيدة؛ وتثير في النفس والذهن خواطر عميقة ومعاني كبيرة؛ وتشمل من مناهج التكوين والتنظيم، وقواعد التربية والتهذيب، ومبادئ التشريع والتوجيه، ما يتجاوز حجمها وعدد آياتها مئات المرات! وهي تبرز أمام النظر أمرين عظيمين للتدبر والتفكير. وأول ما يبرز للنظر عند مطالعة السورة، هو أنها تكاد تستقل بوضع معالم كاملة، لعالم رفيع كريم نظيف سليم؛ متضمنة القواعد والأصول والمبادئ والمناهج التي يقوم عليها هذا العالم؛ والتي تكفل قيامه أولاً، وصيانته أخيراً.. عالم يصدر عن الله، ويتجه إلى الله، ويليق أن ينتسب إلى الله.. علم نقي القلب، نظيف المشاعر، عف اللسان، وقبل ذلك عف السريرة.. عالم له أدب مع الله، وأدب مع رسوله، وأدب مع نفسه، وأدب مع غيره. أدب في هواجس ضميره، وفي حركات جوارحه. وفي الوقت ذاته له شرائعه المنظمة لأوضاعه، وله نظمه التي تكفل صيانته. وهي شرائع ونظم تقوم على ذلك الأدب، وتنبثق منه، وتتسق معه؛ فيتوافى باطن هذا العالم وظاهره. وتتلاقى شرائعه ومشاعره. وتتوازن دوافعه وزواجره؛ وتتناسق أحاسيسه وخطاه، وهو يتجه ويتحرك إلى الله.. ومن ثم لا يوكل قيام هذا العالم الرفيع الكريم النظيف السليم وصيانته، لمجرد أدب الضمير ونظافة الشعور؛ ولا يوكل كذلك لمجرد التشريع والتنظيم. بل يلتقي هذا بذلك في انسجام وتناسق. كذلك لا يوكل لشعور الفرد وجهده، كما لا يترك لنظم الدولة وإجراءاتها. بل يلتقي فيه الأفراد بالدولة، والدولة بالأفراد، وتتلاقى واجباتهما ونشاطهما في تعاون واتساق. هو عالم له أدب مع الله، ومع رسول الله. يتمثل هذا الأدب في إدراك حدود العبد أمام الرب، والرسول الذي يبلغ عن الرب: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله، واتقوا الله، إن الله سميع عليم}.. فلا يسبق العبد المؤمن إلهه في أمر أو نهي، ولا يقترح عليه في قضاء أو حكم؛ ولا يتجاوز ما يأمر به وما ينهى عنه؛ ولا يجعل لنفسه إرادة أو رأياً مع خالقه.. تقوى منه وخشية، وحياء منه وأدباً.. وله أدب خاص فيه خطاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وتوقيره: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي. ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض، أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون. إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، لهم مغفرة وأجر عظيم. إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون، ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم، والله غفور رحيم}.. وهو عالم له منهجه في التثبت من الأقوال والأفعال، والاستيثاق من مصدرها، قبل الحكم عليها. يستند هذا المنهج إلى تقوى الله، وإلى الرجوع بالأمر إلى رسول الله، في غير ما تقدم بين يديه، ولا اقتراح لم يطلبه ولم يأمر به: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة، فتصبحوا على ما فعلتم نادمين؛ واعلموا أن فيكم رسول الله، لو يطيعكم في كثير من الأمر لَعَنِتُّم. ولكن الله حبَّبَ إليكم الإيمان، وزينه في قلوبكم، وكرَّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان، أولئك هم الراشدون، فضلاً من الله ونعمة، والله عليم حكيم}.. وهو عالم له نظمه وإجراءاته العملية في مواجهة ما يقع فيه من خلاف وفتن وقلاقل واندفاعات، تخلخل كيانه لو تركت بغير علاج. وهو يواجهها بإجراءات عملية منبثقة من قاعدة الأخوة بين المؤمنين، ومن حقيقة العدل والإصلاح، ومن تقوى الله والرجاء في رحمته ورضاه: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما؛ فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله؛ فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا، إن الله يحب المقسطين. إنما المؤمنون إخوة، فأصلحوا بين أخويكم، واتقوا الله لعلكم ترحمون}.. وهو عالم له آدابه النفسية في مشاعره تجاه بعضه البعض؛ وله آدابه السلوكية في معاملاته بعضه مع بعض: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم؛ ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن؛ ولا تلمزوا أنفسكم، ولا تنابزوا بالألقاب. بئس الاسم: الفسوق بعد الإيمان. ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} وهو عالم نظيف المشاعر، مكفول الحرمات، مصون الغيبة والحضرة، لا يؤخذ فيه أحد بظنه، ولا تتبع فيه العورات، ولا يتعرض أمن الناس وكرامتهم وحريتهم فيه لأدنى مساس: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم، ولا تجسسوا، ولا يغتب بعضكم بعضاً. أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً؟ فكرهتموه! واتقوا الله، إن الله تواب رحيم.} وهو عالم له فكرته الكاملة عن وحدة الإنسانية المختلفة الأجناس المتعددة الشعوب، وله ميزانه الواحد الذي يقوّم به الجميع. إنه ميزان الله المبرأ من شوائب الهوى والاضطراب: {يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير}.. والسورة بعد عرض هذه الحقائق الضخمة التي تكاد تستقل برسم معالم ذلك العالم الرفيع الكريم النظيف السليم، تحدد معالم الإيمان، الذي باسمه دُعي المؤمنون إلى إقامة ذلك العالم. وباسمه هُتف لهم ليلبوا دعوة الله الذي يدعوهم إلى تكاليفه بهذا الوصف الجميل، الحافز إلى التلبية والتسليم: {يا أيها الذين آمنوا}.. ذلك النداء الحبيب الذي يخجل من يدعى به من الله أن لا يجيب؛ والذي ييسر كل تكليف ويهون كل مشقة، ويشوق كل قلب فيسمع ويستجيب: {قالت الأعراب: آمنا. قل: لم تؤمنوا، ولـكن قولوا: أسلمنا. ولما يدخل الإيمان في قلوبكم. وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً، إن الله غفور رحيم. إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، ثم لم يرتابوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، أولـئك هم الصادقون. قل: أتُعلِّمون الله بدينكم، والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض، والله بكل شيء عليم}.. وتكشف السورة في ختامها عن ضخامة الهبة الإلهية للبشر. هبة الإيمان التي يمن بها على من يشاء، وفق ما يعلمه فيه من استحقاق: {يمنون عليك أن أسلموا. قل: لا تمنوا عليّ إسلامكم. بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين. إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون}.. فأما الأمر الثاني الذي يبرز للنظر من خلال السورة، ومن مراجعة المناسبات الواقعية التي صاحبت نزول آياتها، فهو هذا الجهد الضخم الثابت المطرد، الذي تمثله توجيهات القرآن الكريم والتربية النبوية الحكيمة، لإنشاء وتربية تلك الجماعة المسلمة، التي تمثل ذلك العالم الرفيع الكريم النظيف السليم، الذي وجدت حقيقته يوماً على هذه الأرض؛ فلم يعد منذ ذلك الحين فكرة مثالية، ولا حلماً طائراً، يعيش في الخيال! هذه الجماعة المثالية التي تمثلت حقيقة واقعة في فترة من فترات التاريخ لم تنبت فجأة ولم توجد مصادفة؛ ولم تخلق بين يوم وليلة. كذلك لم تظهر نتيجة نفحة تغير طبائع الأشياء كلها في لحظة أو ومضة. بل نمت نمواً طبيعياً بطيئاً كما تنمو الشجرة الباسقة العميقة الجذور. وأخذت الزمن اللازم لنموها، كما أخذت الجهد الموصول الثابت المطرد الضروري لهذا النمو. واحتاجت إلى العناية الساهرة، والصبر الطويل، والجهد البصير في التهذيب والتشذيب، والتوجيه والدفع، والتقوية والتثبيت. واحتاجت إلى معاناة التجارب الواقعية المريرة والابتلاءات الشاقة المضنية؛ مع التوجيه لعبرة هذه التجارب والابتلاءات.. وفي هذا كله كانت تتمثل الرعاية الإلهية لهذه الجماعة المختارة - على علم - لحمل هذه الأمانة الكبرى؛ وتحقيق مشيئة الله بها في الأرض. وذلك مع الفضائل الكامنة والاستعدادات المكنونة في ذلك الجيل؛ وفي الظروف والأحوال المهيأة له على السواء.. وبهذا كله أشرقت تلك الومضة العجيبة في تاريخ البشرية؛ ووجدت هذه الحقيقة التي تتراءى من بعيد وكأنها حلم مرفرف في قلب، أو رؤيا مجنحة في خيال! {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله، واتقوا الله إن الله سميع عليم. يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي. ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض، أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون. إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، لهم مغفرة وأجر عظيم. إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون، ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم، والله غفور رحيم}.. تبدأ السورة بأول نداء حبيب، وأول استجاشة للقلوب. {يا أيها الذين آمنوا}.. نداء من الله للذين آمنوا به بالغيب. واستجاشة لقلوبهم بالصفة التي تربطهم به، وتشعرهم بأنهم له، وأنهم يحملون شارته، وأنهم في هذا الكوكب عبيده وجنوده، وأنهم هنا لأمر يقدره ويريده، وأنه حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم اختياراً لهم ومنة عليهم، فأولى لهم أن يقفوا حيث أراد لهم أن يكونوا، وأن يقفوا بين يدي الله موقف المنتظر لقضائه وتوجيهه في نفسه وفي غيره، يفعل ما يؤمر ويرضى بما يقسم، ويسلم ويستسلم: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله، واتقوا الله إن الله سميع عليم}.. يا أيها الذين آمنوا، لا تقترحوا على الله ورسوله اقتراحاً، لا في خاصة أنفسكم، ولا في أمور الحياة من حولكم. ولا تقولوا في أمر قبل قول الله فيه على لسان رسوله، ولا تقضوا في أمر لا ترجعون فيه إلى قول الله وقول رسوله. قال قتادة: ذكر لنا أن ناساً كانوا يقولون: لو أنزل في كذا وكذا. لو صح كذا. فكره الله تعالى ذلك. وقال العوفي: نهوا أن يتكلموا بين يديه. وقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بشيء حتى يقضي الله تعالى على لسانه. وقال الضحاك: لا تقضوا أمراً دون الله ورسوله من شرائع دينكم. وقال علي بن طلحة عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة. فهو أدب نفسي مع الله ورسوله. وهو منهج في التلقي والتنفيذ. وهو أصل من أصول التشريع والعمل في الوقت ذاته.. وهو منبثق من تقوى الله، وراجع إليها. هذه التقوى النابعة من الشعور بأن الله سميع عليم.. وكل ذلك في آية واحدة قصيرة، تلمس وتصور كل هذه الحقائق الأصيلة الكبيرة. وكذلك تأدب المؤمنون مع ربهم ومع رسولهم؛ فما عاد مقترح منهم يقترح على الله ورسوله؛ وما عاد واحد منهم يدلي برأي لم يطلب منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يدلي به؛ وما عاد أحد منهم يقضي برأيه في أمر أو حكم، إلا أن يرجع قبل ذلك إلى قول الله وقول الرسول.. روى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة - بإسناده - "حديث : عن معاذ - رضي الله عنه - حيث قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - حين بعثه إلى اليمن: "بم تحكم؟" قال: بكتاب الله تعالى. قال - صلى الله عليه وسلم -: "فإن لم تجد؟" قال: بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال - صلى الله عليه وسلم -: "فإن لم تجد؟" قال - رضي الله عنه -: أجتهد رأيي. فضرب في صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما يرضي رسول الله ". تفسير : وحتى لكأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسألهم عن اليوم الذي هم فيه، والمكان الذي هم فيه، وهم يعلمونه حق العلم، فيتحرجون أن يجيبوا إلا بقولهم: الله ورسوله أعلم. خشية أن يكون في قولهم تقدم بين يدي الله ورسوله! جاء في حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي - رضي الله عنه - "حديث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل في حجة الوداع: "أي شهر هذا؟".. قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. فقال: "أليس ذا الحجة؟" قلنا: بلى! قال: "أي بلد هذا؟" قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. فقال: "أليس البلدة الحرام؟" قلنا بلى! قال: "فأي يوم هذا؟" قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. فقال: "أليس يوم النحر؟" قلنا بلى!.. الخ ". تفسير : فهذه صورة من الأدب، ومن التحرج، ومن التقوى، التي انتهى إليها المسلمون بعد سماعهم ذلك النداء، وذلك التوجيه، وتلك الإشارة إلى التقوى، تقوى الله السميع العليم. والأدب الثاني هو أدبهم مع نبيهم في الحديث والخطاب؛ وتوقيرهم له في قلوبهم، توقيراً ينعكس على نبراتهم وأصواتهم؛ ويميز شخص رسول الله بينهم، ويميز مجلسه فيهم؛ والله يدعوهم إليه بذلك النداء الحبيب؛ ويحذرهم من مخالفة ذلك التحذير الرهيب: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي. ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض، أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون}.. يا أيها الذين آمنوا.. ليوقروا النبي الذي دعاهم إلى الإيمان.. أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون.. ليحذروا هذا المزلق الذي قد ينتهي بهم إلى حبوط أعمالهم، وهم غير شاعرين ولا عالمين، ليتقوه! ولقد عمل في نفوسهم ذلك النداء الحبيب، وهذا التحذير المرهوب، عمله العميق الشديد: قال البخاري: حدثنا بسرة بن صفوان اللخمي، حدثنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة. قال: كاد الخيران أن يهلكا.. أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.. رفعا أصواتهما عند النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قدم عليه ركب بني تميم (في السنة التاسعة من الهجرة) فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس - رضي الله عنه - أخي بني مجاشع (أي ليؤمره عليهم) وأشار الآخر برجل آخر. قال نافع: لا أحفظ اسمه (في رواية أخرى أن اسمه القعقاع بن معبد) فقال: أبو بكر لعمر - رضي الله عنهما - ما أردت إلا خلافي. قال: ما أردت خلافك. فارتفعت أصواتهما في ذلك. فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي, ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض، أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون}. قال ابن الزبير - رضي الله عنه -: فما كان عمر - رضي الله عنه يسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد هذه الآية حتى يستفهمه!.. وروي عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه قال لما نزلت هذه الآية: قلت: يا رسول الله، والله لا أكلمك إلا كأخي السرار (يعني كالهمس!). وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "حديث : لما نزلت هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي - إلى قوله: وأنتم لا تشعرون} وكان ثابت بن قيس بن الشماس رفيع الصوت. فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا من أهل النار. حبط عملي. وجلس في أهله حزيناً. ففقده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانطلق بعض القوم إليه، فقالوا له: تفقدك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مالك؟ قال أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبروه بما قال. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا. بل هو من أهل الجنة"تفسير : . قال أنس - رضي الله عنه -: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة. فهكذا ارتعشت قلوبهم وارتجفت تحت وقع ذلك النداء الحبيب، وذلك التحذير الرعيب؛ وهكذا تأدبوا في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية أن تحبط أعمالهم وهم لا يشعرون. ولو كانوا يشعرون لتداركوا أمرهم! ولكن هذا المنزلق الخافي عليهم كان أخوف عليهم، فخافوه واتقوه! ونوه الله بتقواهم، وغضهم أصواتهم عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تعبير عجيب: {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولـئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى. لهم مغفرة وأجر عظيم}.. فالتقوى هبة عظيمة، يختار الله لها القلوب، بعد امتحان واختبار، وبعد تخليص وتمحيص، فلا يضعها في قلب إلا وقد تهيأ لها، وقد ثبت أنه يستحقها. والذين يغضون أصواتهم عند رسول الله قد اختبر الله قلوبهم وهيأها لتلقي تلك الهبة. هبة التقوى. وقد كتب لهم معها وبها المغفرة والأجر العظيم. إنه الترغيب العميق، بعد التحذير المخيف. بها يربي الله قلوب عباده المختارين، ويعدها للأمر العظيم. الذي نهض به الصدر الأول على هدى من هذه التربية ونور. وقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه سمع صوت رجلين في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - قد ارتفعت أصواتهما، فجاء فقال: أتدريان أين أنتما؟ ثم قال: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً! وعرف علماء هذه الأمة وقالوا: إنه يكره رفع الصوت عند قبره - صلى الله عليه وسلم - كما كان يكره في حياته - عليه الصلاة والسلام - احتراماً له في كل حال. ثم أشار إلى حادث وقع من وفد بني تميم حين قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العام التاسع الذي سمي "عام الوفود".. لمجيء وفود العرب من كل مكان بعد فتح مكة، ودخولهم في الإسلام، وكانوا أعراباً جفاة، فنادوا من وراء حجرات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم المطلة على المسجد النبوي الشريف: يا محمد. اخرج لنا. فكره النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الجفوة وهذا الإزعاج. فنزل قوله تعالى: {إن الذين ينادونك من ورآء الحجرات أكثرهم لا يعقلون، ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم، والله غفور رحيم}.. فوصفهم الله بأن أكثرهم لا يعقلون. وكرّه إليهم النداء على هذه الصفة المنافية للأدب والتوقير اللائق بشخص النبي - صلى الله عليه وسلم - وحرمة رسول الله القائد والمربي. وبيّن لهم الأولى والأفضل وهو الصبر والانتظار حتى يخرج إليهم. وحبب إليهم التوبة والإنابة، ورغبهم في المغفرة والرحمة. وقد وعى المسلمون هذا الأدب الرفيع، وتجاوزوا به شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى كل أستاذ وعالم. لا يزعجونه حتى يخرج إليهم؛ ولا يقتحمون عليه حتى يدعوهم.. يحكى عن أبي عبيد - العالم الزاهد الراوية الثقة - أنه قال: "ما دققت باباً على عالم قط حتى يخرج في وقت خروجه".. {يا أيها الذين آمنوا إن جآءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين. واعلموا أن فيكم رسول الله، لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم؛ ولـكن الله حبَّب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم، وكَّره إليكم الكفر والفسوق والعصيان، أولـئك هم الراشدون، فضلاً من الله ونعمة، والله عليم حكيم}.. كان النداء الأول لتقرير جهة القيادة ومصدر التلقي. وكان النداء الثاني لتقرير ما ينبغي من أدب للقيادة وتوقير. وكان هذا وذلك هو الأساس لكافة التوجيهات والتشريعات في السورة. فلا بد من وضوح المصدر الذي يتلقى عنه المؤمنون، ومن تقرير مكان القيادة وتوقيرها، لتصبح للتوجيهات بعد ذلك قيمتها ووزنها وطاعتها. ومن ثم جاء هذا النداء الثالث يبين للمؤمنين كيف يتلقون الأنباء وكيف يتصرفون بها؛ ويقرر ضرورة التثبت من مصدرها: {يا أيها الذين آمنوا إن جآءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة، فتصبحوا على ما فعلتم نادمين}.. ويخصص الفاسق لأنه مظنة الكذب. وحتى لا يشيع الشك بين الجماعة المسلمة في كل ما ينقله أفرادها من أنباء، فيقع ما يشبه الشلل في معلوماتها. فالأصل في الجماعة المؤمنة أن يكون أفرادها موضع ثقتها، وأن تكون أنباؤهم مصدقة مأخوذاً بها. فأما الفاسق فهو موضع الشك حتى يثبت خبره. وبذلك يستقيم أمر الجماعة وسطاً بين الأخذ والرفض لما يصل إليها من أنباء. ولا تعجل الجماعة في تصرف بناء على خبر فاسق. فتصيب قوماً بظلم عن جهالة وتسرع. فتندم على ارتكابها ما يغضب الله، ويجانب الحق والعدل في اندفاع. وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على صدقات بني المصطلق. وقال ابن كثير. قال مجاهد وقتادة: أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق يتصدقهم فتلقوه بالصدقة، فرجع فقال: إن بني المصطلق قد جمعت لك لتقاتلك (زاد قتادة وأنهم قد ارتدوا عن الإسلام) فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد - رضي الله عنه - إليهم، وأمره أن يتثبت ولا يعجل، فانطلق حتى أتاهم ليلاً، فبعث عيونه، فلما جاءوا أخبروا خالداً - رضي الله عنه - أنهم مستمسكون بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالد - رضي الله عنه - فرأى الذي يعجبه؛ فرجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره الخبر، فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة. قال قتادة: فكان الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "حديث : التثبت من الله والعجلة من الشيطان"تفسير : .. وكذا ذكر غير واحد من السلف منهم ابن أبي ليلى، ويزيد بن رومان، والضحاك، ومقاتل بن حبان. وغيرهم في هذه الآية أنها نزلت في الوليد بن عقبة. والله أعلم.. (انتهى كلام ابن كثير في التفسير).. ومدلول الآية عام، وهو يتضمن مبدأ التمحيص والتثبت من خبر الفاسق؛ فأما الصالح فيؤخذ بخبره، لأن هذا هو الأصل في الجماعة المؤمنة، وخبر الفاسق استثناء. والأخذ بخبر الصالح جزء من منهج التثبت لأنه أحد مصادره. أما الشك المطلق في جميع المصادر وفي جميع الأخبار، فهو مخالف لأصل الثقة المفروض بين الجماعة المؤمنة، ومعطل لسير الحياة وتنظيمها في الجماعة. والإسلام يدع الحياة تسير في مجراها الطبيعي، ويضع الضمانات والحواجز فقط لصيانتها لا لتعطيلها ابتداء. وهذا نموذج من الإطلاق والاستثناء في مصادر الأخبار. ويبدو أنه كان من بعض المسلمين اندفاع عند الخبر الأول الذي نقله الوليد بن عقبة، وإشارة على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعجل بعقابهم. وذلك حمية من هذا الفريق لدين الله وغضباً لمنع الزكاة. فجاءت الآية التالية تذكرهم بالحقيقة الضخمة والنعمة الكبيرة التي تعيش بينهم ليدركوا قيمتها وينتبهوا دائماً لوجودها: {واعلموا أن فيكم رسول الله}.. وهي حقيقة تتصور بسهولة لأنها وقعت ووجدت. ولكنها عند التدبر تبدو هائلة لا تكاد تتصور! وهل من اليسير أن يتصور الإنسان أن تتصل السماء بالأرض صلة دائمة حية مشهودة؛ فتقول السماء للأرض؛ وتخبر أهلها عن حالهم وجهرهم وسرهم، وتقوّم خطاهم أولا بأول، وتشير عليهم في خاصة أنفسهم وشؤونهم. ويفعل أحدهم الفعلة ويقول أحدهم القولة، ويسر أحدهم الخالجة؛ فإذا السماء تطلع، وإذا الله - جل جلاله - ينبئ رسوله بما وقع، ويوجهه لما يفعل وما يقول في هذا الذي وقع.. إنه لأمر. وإنه لنبأ عظيم. وإنها لحقيقة هائلة. قد لا يحس بضخامتها من يجدها بين يديه. ومن ثم كان هذا التنبيه لوجودها بهذا الأسلوب: {واعلموا أن فيكم رسول الله}.. اعلموا هذا وقدروه حق قدره، فهو أمر عظيم. ومن مقتضيات العلم بهذا الأمر العظيم أن لا يقدموا بين يدي الله ورسوله. ولكنه يزيد هذا التوجيه إيضاحاً وقوة، وهو يخبرهم أن تدبير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم بوحي الله أو إلهامه فيه الخير لهم والرحمة واليسر. وأنه لو أطاعهم فيما يعن لهم أنه خير لعنتوا وشق عليهم الأمر. فالله أعرف منهم بما هو خير لهم، ورسوله رحمة لهم فيما يدبر لهم ويختار: {لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتّم}.. وفي هذا إيحاء لهم بأن يتركوا أمرهم لله ورسوله، وأن يدخلوا في السلم كافة، ويستسلموا لقدر الله وتدبيره، ويتلقوا عنه ولا يقترحوا عليه. ثم يوجههم إلى نعمة الإيمان الذي هداهم إليه، وحرك قلوبهم لحبه، وكشف لهم عن جماله وفضله، وعلق أرواحهم به؛ وكره إليكم الكفر والفسوق والمعصية، وكان هذا كله من رحمته وفيضه: {ولكن الله حبَّب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم؛ وكَّره إليكم الكفر والفسوق والعصيان. أولئك هم الراشدون. فضلاً من الله ونعمة والله عليم حكيم}.. واختيار الله لفريق من عباده، ليشرح صدورهم للإيمان، ويحرك قلوبهم إليه، ويزينه لهم فتهفو إليه أرواحهم، وتدرك ما فيه من جمال وخير.. هذا الاختبار فضل من الله ونعمة، دونها كل فضل وكل نعمة. حتى نعمة الوجود والحياة أصلاً، تبدوا في حقيقتها أقل من نعمة الإيمان وأدنى! وسيأتي قوله تعالى: {بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان} فنفصل القول إن شاء الله في هذه المنة. والذي يستوقف النظر هنا هو تذكيرهم بأن الله هو الذي أراد بهم هذا الخير، وهو الذي خلص قلوبهم من ذلك الشر: الكفر والفسوق والعصيان. وهو الذي جعلهم بهذا راشدين فضلاً منه ونعمة. وأن ذلك كله كان عن علم منه وحكمة.. وفي تقرير هذه الحقيقة إيحاء لهم كذلك بالاستسلام لتوجيه الله وتدبيره، والاطمئنان إلى ما وراءه من خير عليهم وبركة، وترك الاقتراح والاستعجال والاندفاع فيما قد يظنونه خيراً لهم؛ قبل أن يختار لهم الله. فالله يختار لهم الخير، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم، يأخذ بيدهم إلى هذا الخير. وهذا هو التوجيه المقصود في التعقيب. وإن الإنسان ليعجل، وهو لا يدري ما وراء خطوته. وإن الإنسان ليقترح لنفسه ولغيره، وهو لا يعرف ما الخير وما الشر فيما يقترح. {أية : ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولاً}. تفسير : ولو استسلم لله، ودخل في السلم كافة، ورضي اختيار الله له، واطمأن إلى أن اختيار الله أفضل من اختياره، وأرحم له وأعود عليه بالخير. لاستراح وسكن. ولأمضى هذه الرحلة القصيرة على هذا الكوكب في طمأنينة ورضى.. ولكن هذا كذلك منة من الله وفضل يعطيه من يشاء. {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما. فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله. فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا. إن الله يحب المقسطين. إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم، واتقوا الله لعلكم ترحمون }.. وهذه قاعدة تشريعية عملية لصيانة المجتمع المؤمن من الخصام والتفكك، تحت النزوات والاندفاعات. تأتي تعقيباً على تبين خبر الفاسق، وعدم العجلة والاندفاع وراء الحمية والحماسة، قبل التثبت والاستيقان. وسواء كان نزول هذه الآية بسبب حادث معين كما ذكرت الروايات، أم كان تشريعاً لتلافي مثل هذه الحالة، فهو يمثل قاعدة عامة محكمة لصيانة الجماعة الإسلامية من التفكك والتفرق. ثم لإقرار الحق والعدل والصلاح. والارتكان في هذا كله إلى تقوى الله ورجاء رحمته بإقرار العدل والصلاح. والقرآن قد واجه - أو هو يفترض - إمكان وقوع القتال بين طائفتين من المؤمنين. ويستبقي لكلتا الطائفتين وصف الإيمان مع اقتتالهما، ومع احتمال أن إحداهما قد تكون باغية على الأخرى، بل مع احتمال أن تكون كلتاهما باغية في جانب من الجوانب. وهو يكلف الذين آمنوا - من غير الطائفتين المتقاتلتين طبعاً - أن يقوموا بالإصلاح بين المتقاتلين. فإن بغت إحداهما فلم تقبل الرجوع إلى الحق - ومثله أن تبغيا معاً برفض الصلح أو رفض قبول حكم الله في المسائل المتنازع عليها - فعلى المؤمنين أن يقاتلوا البغاة إذن، وأن يظلوا يقاتلونهم حتى يرجعوا إلى أمر الله. وأمر الله هو وضع الخصومة بين المؤمنين، وقبول حكم الله فيما اختلفوا فيه، وأدى إلى الخصام والقتال. فإذا تم قبول البغاة لحكم الله، قام المؤمنون بالإصلاح القائم على العدل الدقيق طاعة لله وطلباً لرضاه.. {إن الله يحب المقسطين}.. ويعقب على هذه الدعوة وهذا الحكم باستجاشة قلوب الذين آمنوا واستحياء الرابطة الوثيقة بينهم، والتي جمعتهم بعد تفرق، وألفت بينهم بعد خصام؛ وتذكيرهم بتقوى الله، والتلويح لهم برحمته التي تنال بتقواه: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون}.. ومما يترتب على هذه الأخوة أن يكون الحب والسلام والتعاون والوحدة هي الأصل في الجماعة المسلمة، وأن يكون الخلاف أو القتال هو الإستثناء الذي يجب أن يرد إلى الأصل فور وقوعه؛ وأن يستباح في سبيل تقريره قتال المؤمنين الآخرين للبغاة من إخوانهم ليردوهم إلى الصف، وليزيلوا هذا الخروج على الأصل والقاعدة. وهو إجراء صارم وحازم كذلك. ومن مقتضيات هذه القاعدة كذلك ألا يجهز على جريح في معارك التحكيم هذه، وألا يقتل أسير، وألا يتعقب مدبر ترك المعركة، وألقى السلاح، ولا تؤخذ أموال البغاة غنيمة. لأن الغرض من قتالهم ليس هو القضاء عليهم، وإنما هو ردهم إلى الصف، وضمهم إلى لواء الأخوة الإسلامية. والأصل في نظام الأمة المسلمة أن يكون للمسلمين في أنحاء الأرض إمامة واحدة، وأنه إذا بويع لإمام، وجب قتل الثاني، واعتباره ومن معه فئة باغية يقاتلها المؤمنون مع الإمام. وعلى هذا الأصل قام الإمام علي - رضي الله عنه - بقتال البغاة في وقعة الجمل وفي وقعة صفين؛ وقام معه بقتالهم أجلاء الصحابة رضوان الله عليهم. وقد تخلف بعضهم عن المعركة منهم سعد ومحمد بن مسلمة وأسامة بن زيد وابن عمر - رضي الله عنهم - إما لأنهم لم يتبينوا وجه الحق في الموقف في حينه فاعتبروها فتنة. وإما لأنهم كما يقول الإمام الجصاص: "ربما رأوا الإمام مكتفياً بمن معه مستغنياً عنهم بأصحابه فاستجازوا القعود عنه لذلك"... والاحتمال الأول أرجح، تدل عليه بعض أقوالهم المروية. كما يدل عليه ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - في ندمه فيما بعد على أنه لم يقاتل مع الإمام. ومع قيام هذا الأصل فإن النص القرآني يمكن إعماله في جميع الحالات - بما في ذلك الحالات الاستثنائية التي يقوم فيها إمامان أو أكثر في أقطار متفرقة متباعدة بين بلاد المسلمين، وهي حالة ضرورة واستثناء من القاعدة - فواجب المسلمين أن يحاربوا البغاة مع الإمام الواحد، إذا خرج هؤلاء البغاة عليه. أو إذا بغت طائفة على طائفة في إمامته دون خروج عليه. وواجب المسلمين كذلك أن يقاتلوا البغاة إذا تمثلوا في إحدى الإمامات المتعددة في حالات التعدد الاستثنائية، بتجمعهم ضد الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله. وهكذا يعمل النص القرآني في جميع الظروف والأحوال. وواضح أن هذا النظام، نظام التحكيم وقتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله، نظام له السبق من حيث الزمن في كل محاولات البشرية في هذا الطريق. وله الكمال والبراءة من العيب والنقص الواضحين في كل محاولات البشرية البائسة القاصرة التي حاولتها في كل تجاربها الكسيحة! وله بعد هذا وذاك صفة النظافة والأمانة والعدل المطلق، لأن الاحتكام فيه إلى أمر الله الذي لا يشوبه غرض ولا هوى، ولا يتعلق به نقص أو قصور.. ولكن البشرية البائسة تطلع وتعرج، وتكبو وتتعثر. وأمامها الطريق الواضح الممهد المستقيم! {يا أيها الذين آمنوا، لا يسخر قوم من قوم، عسى أن يكونوا خيراً منهم؛ ولا نسآء من نسآء، عسى أن يكن خيراً منهن. ولا تلمزوا أنفسكم، ولا تنابزوا بالألقاب، بئس الاسم: الفسوق بعد الإيمان. ومن لم يتب فأولـئك هم الظالمون}.. إن المجتمع الفاضل الذي يقيمه الإسلام بهدى القرآن مجتمع له أدب رفيع، ولكل فرد فيه كرامته التي لا تمس. وهي من كرامة المجموع. ولمز أي فرد هو لمز لذات النفس، لأن الجماعة كلها وحدة، كرامتها واحدة. والقرآن في هذه الآية يهتف للمؤمنين بذلك النداء الحبيب: {يا أيها الذين آمنوا}. وينهاهم أن يسخر قوم بقوم، أي رجال برجال، فلعلهم خير منهم عند الله، أو أن يسخر نساء من نساء فلعلهن خير منهن في ميزان الله. وفي التعبير إيحاء خفي بأن القيم الظاهرة التي يراها الرجال في أنفسهم ويراها النساء في أنفسهن ليست هي القيم الحقيقية، التي يوزن بها الناس. فهناك قيم أخرى، قد تكون خافية عليهم، يعلمها الله، ويزن بها العباد. وقد يسخر الرجل الغني من الرجل الفقير. والرجل القوي من الرجل الضعيف، والرجل السوي من الرجل المؤوف. وقد يسخر الذكي الماهر من الساذج الخام. وقد يسخر ذو الأولاد من العقيم. وذو العصبية من اليتيم... وقد تسخر الجميلة من القبيحة، والشابة من العجوز، والمعتدلة من المشوهة، والغنية من الفقيرة.. ولكن هذه وأمثالها من قيم الأرض ليست هي المقياس، فميزان الله يرفع ويخفض بغير هذه الموازين! ولكن القرآن لا يكتفي بهذا الإحياء، بل يستجيش عاطفة الأخوة الإيمانية، ويذكر الذين آمنوا بأنهم نفس واحدة من يلمزها فقد لمزها {ولا تلمزوا أنفسكم}.. واللمز: العيب. ولكن للفظة جرساً وظلاً؛ فكأنما هي وخزة حسية لا عيبة معنوية! ومن السخرية واللمز التنابز بالألقاب التي يكرهها أصحابها، ويحسون فيها سخرية وعيباً. ومن حق المؤمن على المؤمن ألا يناديه بلقب يكرهه ويزري به. ومن أدب المؤمن ألا يؤذي أخاه بمثل هذا. وقد غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسماء وألقاباً كانت في الجاهلية لأصحابها، أحس فيها بحسه المرهف، وقلبه الكريم، بما يزري بأصحابها، أو يصفهم بوصف ذميم. والآية بعد الإحياء بالقيم الحقيقية في ميزان الله، وبعد استجاشة شعور الأخوة، بل شعور الاندماج في نفس واحدة، تستثير معنى الإيمان، وتحذر المؤمنين من فقدان هذا الوصف الكريم، والفسوق عنه والانحراف بالسخرية واللمز والتنابز: {بئس الاسم: الفسوق بعد الإيمان}. فهو شيء يشبه الارتداد عن الإيمان! وتهدد باعتبار هذا ظلماً، والظلم أحد التعبيرات عن الشرك: {ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون}.. وبذلك تضع قواعد الأدب النفسي لذلك المجتمع الفاضل الكريم. {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن، إن بعض الظن إثم، ولا تجسسوا، ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً؟ فكرهتموه واتقوا الله، إن الله تواب رحيم}.. فأما هذه الآية فتقيم سياجاً آخر في هذا المجتمع الفاضل الكريم، حول حرمات الأشخاص به وكراماتهم وحرياتهم، بينما هي تعلم الناس كيف ينظفون مشاعرهم وضمائرهم، في أسلوب مؤثر عجيب.. وتبدأ - على نسق السورة - بذلك النداء الحبيب: {يا أيها الذين آمنوا}.. ثم تأمرهم باجتناب كثير من الظن، فلا يتركوا نفوسهم نهباً لكل ما يهجس فيها حول الآخرين من ظنون وشبهات وشكوك. وتعلل هذا الأمر: {إن بعض الظن إثم}. وما دام النهي منصباً على أكثر الظن، والقاعدة أن بعض الظن إثم، فإن إيحاء هذا التعبير للضمير هو اجتناب الظن السيِّئ أصلاً، لأنه لا يدري أي ظنونه تكون إثماً! بهذا يطهر القرآن الضمير من داخله أن يتلوث بالظن السيِّئ، فيقع في الإثم؛ ويدعه نقياً بريئاً من الهواجس والشكوك، أبيض يكن لإخوانه المودة التي يخدشها ظن السوء؛ والبراءة التي لا تلوثها الريب والشكوك، والطمأنينة التي لا يعكرها القلق والتوقع. وما أروح الحياة في مجتمع بريء من الظنون! ولكن الأمر لا يقف في الإسلام عند هذا الأفق الكريم الوضيء في تربية الضمائر والقلوب. بل إن هذا النص يقيم مبدأ في التعامل، وسياجاً حول حقوق الناس الذين يعيشون في مجتمعه النظيف، فلا يؤخذون بظنه، ولا يحاكمون بريبة؛ ولا يصبح الظن أساساً لمحاكمتهم. بل لا يصلح أن يكون أساساً للتحقيق معهم، ولا للتحقيق حولهم. والرسول صلى الله عليه وسلم - يقول: "حديث : إذا ظننت فلا تحقق"تفسير : .. ومعنى هذا أن يظل الناس أبرياء، مصونة حقوقهم، وحرياتهم، واعتبارهم. حتى يتبين بوضوح أنهم ارتكبوا ما يؤاخذون عليه. ولا يكفي الظن بهم لتعقبهم بغية التحقق من هذا الظن الذي دار حولهم! فأي مدى من صيانة كرامة الناس وحرياتهم وحقوقهم واعتبارهم ينتهي إليه هذا النص! وأين أقصى ما تتعاجب به أحسن البلاد ديمقراطية وحرية وصيانة لحقوق الإنسان فيها من هذا المدى الذي هتف به القرآن الكريم للذين آمنوا، وقام عليه المجتمع الإسلامي فعلاً، وحققه في واقع الحياة، بعد أن حققه في واقع الضمير؟ ثم يستطرد في ضمانات المجتمع إلى مبدأ آخر يتصل باجتناب الظنون: {ولا تجسسوا}.. والتجسس قد يكون هو الحركة التالية للظن؛ وقد يكون حركة ابتدائية لكشف العورات، والاطلاع على السوءات. والقرآن يقاوم هذا العمل الدنيء من الناحية الأخلاقية، لتطهير القلب من مثل هذا الاتجاه اللئيم لتتبع عورات الآخرين وكشف سوآتهم. وتمشياً مع أهدافه في نظافة الأخلاق والقلوب. ولكن الأمر أبعد من هذا أثراً. فهو مبدأ من مبادئ الإسلام الرئيسية في نظامه الاجتماعي، وفي إجراءاته التشريعية والتنفيذية. إن للناس حرياتهم وحرماتهم وكراماتهم التي لا يجوز أن تنتهك في صورة من الصور، ولا أن تمس بحال من الأحوال. ففي المجتمع الإسلامي الرفيع الكريم يعيش الناس آمنين على أنفسهم، آمنين على بيوتهم، آمنين على أسرارهم، آمنين على عوراتهم. ولا يوجد مبرر - مهما يكن - لانتهاك حرمات الأنفس والبيوت والأسرار والعورات. حتى ذريعة تتبع الجريمة وتحقيقها لا تصلح في النظام الإسلامي ذريعة للتجسس على الناس. فالناس على ظواهرهم، وليس لأحد أن يتعقب بواطنهم. وليس لأحد أن يأخذهم إلا بما يظهر منهم من مخالفات وجرائم. وليس لأحد أن يظن أو يتوقع، أو حتى يعرف أنهم يزاولون في الخفاء مخالفة ما، فيتجسس عليهم ليضبطهم! وكل ما له عليهم أن يأخذهم بالجريمة عند وقوعها وانكشافها، مع الضمانات الأخرى التي ينص عليها بالنسبة لكل جريمة. قال أبو داود: حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن زيد بن وهب. قال: أتى ابن مسعود، فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمراً. فقال عبد الله: إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به. وعن مجاهد: لا تجسسوا، خذوا بما ظهر لكم، ودعوا ما ستر الله. وروى الإمام أحمد - بإسناده - عن دجين كاتب عقبة. قال: قلت لعقبة: إن لنا جيراناً يشربون الخمر، وأنا داع لهم الشرط، فيأخذونهم. قال: لا تفعل ولكن عظهم وتهددهم. قال: ففعل فلم ينتهوا. قال: فجاءه دجين فقال: إني قد نهيتهم فلم ينتهوا. وإني داع لهم الشرط فتأخذهم. فقال له عقبة: ويحك! لا تفعل، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "حديث : من ستر عورة مؤمن فكأنما استحيا موءودة من قبرها " تفسير : وقال سفيان الثوري، عن راشد بن سعد، عن معاوية بن أبي سفيان، قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم"تفسير : . فقال أبو الدرداء - رضي الله عنه - كلمة سمعها معاوية - رضي الله عنه - من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفعه الله تعالى بها. فهكذا أخذ النص طريقه في النظام العملي للمجتمع الإسلامي! ولم يعد مجرد تهذيب للضمير وتنظيف للقلب، بل صار سياجاً حول حرمات الناس وحقوقهم وحرياتهم، فلا تمس من قريب أو بعيد، تحت أي ذريعة أو ستار. فأين هذا المدى البعيد؟ وأين هذا الأفق السامق؟ وأين ما يتعاجب به أشد الأمم ديمقراطية وحرية وحفظاً لحقوق الإنسان بعد ألف وأربع مائة عام؟ بعد ذلك يجيء النهي عن الغيبة في تعبير عجيب، يبدعه القرآن إبداعاً: {ولا يغتب بعضكم بعضاً. أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً؟ فكرهتموه}.. لا يغتب بعضكم بعضاً. ثم يعرض مشهداً تتأذى له أشد النفوس كثافة وأقل الأرواح حساسية. مشهد الأخ يأكل لحم أخيه.. ميتاً..! ثم يبادر فيعلن عنهم أنهم كرهوا هذا الفعل المثير للاشمئزاز، وأنهم إذن كرهوا الاغتياب! ثم يعقب على كل ما نهاهم عنه في الآية من ظن وتجسس وغيبة باستجاشة شعور التقوى، والتلويح لمن اقترف من هذا شيئاً أن يبادر بالتوبة تطلعاً للرحمة: {واتقوا الله إن الله تواب رحيم}.. ويسري هذا النص في حياة الجماعة المسلمة فيتحول إلى سياج حول كرامة الناس، وإلى أدب عميق في النفوس والقلوب. ويتشدد فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متمشياً مع الأسلوب القرآني العجيب في إثارة الاشمئزاز والفزع من شبح الغيبة البغيض. وفي حديث رواه أبو داود: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قيل: "حديث : يا رسول الله، ما الغيبة؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: "ذكرك أخاك بما يكره". قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال - صلى الله عيه وسلم -: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته"تفسير : .. ورواه الترمذي وصححه. وقال أبو داود: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن سفيان، حدثني علي بن الأقمر عن أبي حذيفة، "حديث : عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قلت للنبي - صلى الله عليه وسلم -: حسبك من صفية كذا وكذا (قال عن مسدد تعني قصيرة) فقال - صلى الله عليه وسلم -: "لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته". قالت: وحكيت له إنساناً. فقال - صلى الله عليه وسلم -: ما أحب أني حكيت إنساناً وأن لي كذا وكذا ".. تفسير : وروى أبو داود بإسناده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم. قلت: من هؤلاء يا جبرائيل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم ".. تفسير : ولما اعترف ماعز بالزنا هو والغامدية، ورجمهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد إقرارهما متطوعين وإلحاحهما عليه في تطهيرهما، سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلين يقول أحدهما لصاحبه: ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب! ثم سار النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى مر بجيفة حمار، فقال: "حديث : أين فلان وفلان؟ انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار"تفسير : . قالا: غفر الله لك يا رسول الله! وهل يؤكل هذا؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : فما نلتما من أخيكما آنفاً أشد أكلاً منه. والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها ". تفسير : وبمثل هذا العلاج الثابت المطرد تطهر المجتمع الإسلامي وارتفع، وانتهى إلى ما صار إليه: حلماً يمشي على الأرض، ومثلاً يتحقق في واقع التاريخ. وبعد هذه النداءات المتكررة للذين آمنوا؛ وأخذهم إلى ذلك الأفق السامي الوضيء من الآداب النفسية والاجتماعية؛ وإقامة تلك السياجات القوية من الضمانات حول كرامتهم وحريتهم وحرماتهم، وضمان هذا كله بتلك الحساسية التي يثيرها في أرواحهم، بالتطلع إلى الله وتقواه.. بعد هذه المدارج إلى ذلك الأفق السامق، يهتف بالإنسانية جميعها على اختلاف أجناسها وألوانها، ليردها إلى أصل واحد، وإلى ميزان واحد، هو الذي تقوم به تلك الجماعة المختارة الصاعدة إلى ذلك الأفق السامق: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبآئل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم. إن الله عليم خبير}.. يا أيها الناس. يا أيها المختلفون أجناساً وألواناً، المتفرقون شعوباً وقبائل. إنكم من أصل واحد. فلا تختلفوا ولا تتفرقوا ولا تتخاصموا ولا تذهبوا بدداً. يا أيها الناس. والذي يناديكم هذا النداء هو الذي خلقكم.. من ذكر وأنثى.. وهو يطلعكم على الغاية من جعلكم شعوباً وقبائل. إنها ليست التناحر والخصام. إنما هي التعارف والوئام. فأما اختلاف الألسنة والألوان، واختلاف الطباع والأخلاق، واختلاف المواهب والاستعدادات، فتنوع لا يقتضي النزاع والشقاق، بل يقتضي التعاون للنهوض بجميع التكاليف والوفاء بجميع الحاجات. وليس للون والجنس واللغة والوطن وسائر هذه المعاني من حساب في ميزان الله. إنما هنالك ميزان واحد تتحدد به القيم، ويعرف به فضل الناس: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}.. والكريم حقاً هو الكريم عند الله. وهو يزنكم عن علم وعن خبرة بالقيم والموازين: {إن الله عليم خبير}.. وهكذا تسقط جميع الفوارق، وتسقط جميع القيم، ويرتفع ميزان واحد بقيمة واحدة، وإلى هذا الميزان يتحاكم البشر، وإلى هذه القيمة يرجع اختلاف البشر في الميزان. وهكذا تتوارى جميع أسباب النزاع والخصومات في الأرض؛ وترخص جميع القيم التي يتكالب عليها الناس. ويظهر سبب ضخم واضح للألفة والتعاون: ألوهية الله للجميع، وخلقهم من أصل واحد. كما يرتفع لواء واحد يتسابق الجميع ليقفوا تحته: لواء التقوى في ظل الله. وهذا هو اللواء الذي رفعه الإسلام لينقذ البشرية من عقابيل العصبية للجنس، والعصبية للأرض، والعصبية للقبيلة، والعصبية للبيت. وكلها من الجاهلية وإليها، تتزيا بشتى الأزياء، وتسمى بشتى الأسماء. وكلها جاهلية عارية من الإسلام! وقد حارب الإسلام هذه العصبية الجاهلية في كل صورها وأشكالها، ليقيم نظامه الإنساني العالمي في ظل راية واحدة: راية الله.. لا راية الوطنية. ولا راية القومية. ولا راية البيت. ولا راية الجنس. فكلها رايات زائفة لا يعرفها الإسلام. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : كلكم بنو آدم، وآدم خلق من تراب. ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم، أو ليكونن أهون على الله تعالى من الجعلان ". تفسير : وقال - صلى الله عليه وسلم - عن العصبية الجاهلية: "حديث : دعوها فإنها منتنة ". تفسير : وهذه هي القاعدة التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي. المجتمع الإنساني العالمي، الذي تحاول البشرية في خيالها المحلق أن تحقق لوناً من ألوانه فتخفق، لأنها لا تسلك إليه الطريق الواحد الواصل المستقيم.. الطريق إلى الله.. ولأنها لا تقف تحت الراية الواحدة المجمعة.. راية الله.. وفي ختام السورة تأتي المناسبة لبيان حقيقة الإيمان وقيمته، في الرد على الأعراب الذين قالوا: "آمنا" وهم لا يدركون حقيقة الإيمان. والذين منوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم أسلموا وهم لا يقدرون منة الله على عباده بالإيمان: {قالت الأعراب: آمنا. قل: لم تؤمنوا، ولكن قولوا أسلمنا. ولما يدخل الإيمان في قلوبكم. وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً، إن الله غفور رحيم. إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، ثم لم يرتابوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، أولئك هم الصادقون. قل: أتعلمون الله بدينكم؟ والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض، والله بكل شيء عليم. يمنون عليك أن أسلموا. قل: لا تمنوا عليَّ إسلامكم، بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين. إن الله يعلم غيب السماوات والأرض، والله بصير بما تعملون}.. قيل: إنها نزلت في أعراب بني أسد. قالوا: آمنا. أول ما دخلوا في الإسلام. ومنوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا: يا رسول الله أسلمنا وقاتلتك العرب ولم نقاتلك. فأراد الله أن يعلمهم حقيقة ما هو قائم في نفوسهم وهم يقولون هذا القول. وأنهم دخلوا في الإسلام استسلاماً، ولم تصل قلوبهم بعد إلى مرتبة الإيمان. فدل بهذا على أن حقيقة الإيمان لم تستقر في قلوبهم. ولم تشربها أرواحهم: {قل: لم تؤمنوا. ولكن قولوا: أسلمنا. ولما يدخل الإيمان في قلوبكم}.. ومع هذا فإن كرم الله اقتضى أن يجزيهم على كل عمل صالح يصدر منهم لا ينقصهم منه شيئاً. فهذا الإسلام الظاهر الذي لم يخالط القلب فيستحيل إيماناً واثقاً مطمئناً. هذا الإسلام يكفي لتحسب لهم أعمالهم الصالحة فلا تضيع كما تضيع أعمال الكفار. ولا ينقص من أجرها شيء من عند الله ما بقوا على الطاعة والإستسلام: {وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً}. ذلك أن الله أقرب إلى المغفرة والرحمة، فيقبل من العبد أول خطوة، ويرضى من الطاعة والتسليم، إلى أن يستشعر قلبه الإيمان والطمأنينة: {إن الله غفور رحيم}.. ثم بين لهم حقيقة الإيمان: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، ثم لم يرتابوا. وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، أولئك هم الصادقون}. فالإيمان تصديق القلب بالله وبرسوله. التصديق الذي لا يرد عليه شك ولا ارتياب. التصديق المطمئن الثابت المستيقن الذي لا يتزعزع ولا يضطرب، ولا تهجس فيه الهواجس، ولا يتلجلج فيه القلب والشعور. والذي ينبثق منه الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله. فالقلب متى تذوق حلاوة هذا الإيمان واطمأن إليه وثبت عليه، لا بد مندفع لتحقيق حقيقته في خارج القلب. في واقع الحياة. في دنيا الناس. يريد أن يوحد بين ما يستشعره في باطنه من حقيقة الإيمان، وما يحيط به في ظاهره من مجريات الأمور وواقع الحياة. ولا يطيق الصبر على المفارقة بين الصورة الإيمانية التي في حسه، والصورة الواقعية من حوله. لأن هذه المفارقة تؤذيه وتصدمه في كل لحظة. ومن هنا هذا الانطلاق إلى الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس. فهو انطلاق ذاتي من نفس المؤمن. يريد به أن يحقق الصورة الوضيئة التي في قلبه، ليراها ممثلة في واقع الحياة والناس. والخصومة بين المؤمن وبين الحياة الجاهلية من حوله خصومة ذاتية ناشئة من عدم استطاعته حياة مزدوجة بين تصوره الإيماني، وواقعه العملي. وعدم استطاعته كذلك التنازل عن تصوره الإيماني الكامل الجميل المستقيم في سبيل واقعه العملي الناقص الشائن المنحرف. فلا بد من حرب بينه وبين الجاهلية من حوله، حتى تنثني هذه الجاهلية إلى التصور الإيماني والحياة الإيمانية. {أولئك هم الصادقون}.. الصادقون في عقيدتهم. الصادقون حين يقولون: إنهم مؤمنون. فإذا لم تتحقق تلك المشاعر في القلب، ولم تتحقق آثارها في واقع الحياة، فالإيمان لا يتحقق. والصدق في العقيدة وفي ادعائها لا يكون. ونقف قليلاً أمام هذا الاحتراس المعترض في الآية: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله - ثم لم يرتابوا -}.. إنه ليس مجرد عبارة. إنما هو لمس لتجربة شعورية واقعية. وعلاج لحالة تقوم في النفس. حتى بعد إيمانها.. {ثم لم يرتابوا} وشبيه بها الاحتراس في قوله تعالى.. {إن الذين قالوا ربنا الله.. ثم استقاموا..} فعدم الارتياب. والاستقامة على قولة: ربنا الله. تشير إلى ما قد يعتور النفس المؤمنة - تحت تأثير التجارب القاسية، والابتلاءات الشديدة - من ارتياب ومن اضطراب. وإن النفس المؤمنة لتصطدم في الحياة بشدائد تزلزل، ونوازل تزعزع. والتي تثبت فلا تضطرب، وتثق فلا ترتاب، وتظل مستقيمة موصولة هي التي تستحق هذه الدرجة عند الله. والتعبير على هذا النحو ينبه القلوب المؤمنة إلى مزالق الطريق، وأخطار الرحلة، لتعزم أمرها، وتحتسب، وتستقيم، ولا ترتاب عندما يدلهم الأفق، ويظلم الجو، وتناوحها العواصف والرياح! ثم يستطرد مع الأعراب يعلمهم أن الله أعلم بقلوبهم وما فيها؛ وأنه هو يخبرهم بما فيها ولا يتلقى منهم العلم عنها: {قل: أتُعلِّمون الله بدينكم؟ والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض، والله بكل شيء عليم}.. والإنسان يدعي العلم، وهو لا يعلم نفسه، ولا ما يستقر فيها من مشاعر، ولا يدرك حقيقة نفسه ولا حقيقة مشاعره؛ فالعقل نفسه لا يعرف كيف يعمل، لأنه لا يملك مراقبة نفسه في أثناء عمله. وحين يراقب نفسه يكف عن عمله الطبيعي، فلا يبقى هنالك ما يراقبه! وحين يعمل عمله الطبيعي لا يملك أن يشغل في الوقت ذاته بالمراقبة! ومن ثم فهو عاجز عن معرفة خاصة ذاته وعن معرفة طريقة عمله! وهو هو الأداة التي يتطاول بها الإنسان! {والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض}.. علماً حقيقياً. لا بظواهرها وآثارها. ولكن بحقائقها وماهياتها. وعلماً شاملاً محيطاً غير محدود ولا موقوت. {والله بكل شيء عليم}.. بهذا الإجمال الشامل المحيط. وبعد بيان حقيقة الإيمان التي لا يدركوها ولم يبلغوها، يتوجه إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالخطاب عن منِّهم عليه بالإسلام؛ وهذا المن ذاته دليل على أن حقيقة الإيمان لم تكن قد استقرت بعد في تلك القلوب، وأن حلاوة الإيمان لم تكن بعد قد تذوقتها تلك الأرواح: {يمنون عليك أن أسلموا. قل: لا تمنوا عليّ إسلامكم. بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان، إن كنتم صادقين}.. لقد منوا بالإسلام، وزعموا الإيمان. فجاءهم الرد أن لا يمنوا بالإسلام، وأن المنة لله عليهم لو صدقوا في دعوى الإيمان. ونحن نقف أمام هذا الرد، الذي يتضمن حقيقة ضخمة، يغفل عنها الكثيرون، وقد يغفل عنها بعض المؤمنين.. إن الإيمان هو كبرى المنن التي ينعم بها الله على عبد من عباده في الأرض. إنه أكبر من منة الوجود الذي يمنحه الله ابتداء لهذا العبد؛ وسائر ما يتعلق بالوجود من آلاء الرزق والصحة والحياة والمتاع. إنما المنة التي تجعل للوجود الإنساني حقيقة مميزة؛ وتجعل له في نظام الكون دوراً أصيلاً عظيماً. وأول ما يصنعه الإيمان في الكائن البشري، حين تستقر حقيقته في قلبه، هو سعة تصوره لهذا الوجود، ولارتباطاته هو به، ولدوره هو فيه؛ وصحة تصوره للقيم والأشياء والأشخاص والأحداث من حوله؛ وطمأنينته في رحلته على هذا الكوكب الأرضي حتى يلقى الله، وأنسه بكل ما في الوجود حوله، وأنسه بالله خالقه وخالق هذا الوجود؛ وشعوره بقيمته وكرامته؛ وإحساسه بأنه يملك أن يقوم بدور مرموق يرضى الله عنه، ويحقق الخير لهذا الوجود كله بكل ما فيه وكل من فيه. فمن سعة تصوره أن يخرج من نطاق ذاته المحدودة في الزمان والمكان، الصغيرة الكيان، الضئيلة القوة. إلى محيط هذا الوجود كله، بما فيه من قوى مذخورة، وأسرار مكنونة؛ وانطلاق لا تقف دونه حدود ولا قيود في نهاية المطاف. فهو، بالقياس إلى جنسه، فرد من إنسانية، ترجع إلى أصل واحد. هذا الأصل اكتسب إنسانيته ابتداء من روح الله. من النفخة العلوية التي تصل هذا الكائن الطيني بالنور الإلهي. النور الطليق الذي لا تحصره سماء ولا أرض ولا بدء ولا انتهاء. فلا حد له في المكان، ولا حد له في الزمان. وهذا العنصر الطليق هو الذي جعل من المخلوق البشري هذا الإنسان.. ويكفي أن يستقر هذا التصور في قلب إنسان ليرفعه في نظر نفسه، وليكرمه في حسه، وليشعره بالوضاءة والانطلاق؛ وقدماه تدبان على الأرض، وقلبه يرف بأجنحة النور إلى مصدر النور الأول الذي منحه هذا اللون من الحياة. وهو، بالقياس إلى الفئة التي ينتسب إليها، فرد من الأمة المؤمنة. الأمة الواحدة، الممتدة في شعاب الزمن، السائرة في موكب كريم، يقوده نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وإخوانهم من النبيين، صلوات الله عليهم أجمعين.. ويكفي أن يستقر هذا التصور في قلب إنسان، فيشعر أنه فرع من تلك الشجرة الطيبة الباسقة المتطاولة، العميقة الجذور، الممتدة الفروع، المتصلة بالسماء في عمرها المديد.. يكفي أن يشعر الإنسان هذا الشعور ليجد للحياة طعماً آخر، وليحس بالحياة إحساساً جديداً، وليضيف إلى حياته هذه حياة كريمة، مستمدة من هذا النسب العريق. ثم يتسع تصوره ويتسع حتى يتجاوز ذاته وأمته وجنسه الإنساني؛ ويرى هذا الوجود كله. الوجود الصادر عن الله، الذي عنه صدر، ومن نفخة روحه صار إنساناً. ويعرفه إيمانه أن هذا الوجود كله كائن حي، مؤلف من كائنات حية. وإن لكل شيء فيه روحاً، وأن لهذا الكون كله روحاً.. وأن أرواح الأشياء، وروح هذا الكون الكبير، تتوجه إلى بارئها الأعلى - كما تتوجه روحه هو - بالدعاء والتسبيح؛ وتستجيب له بالحمد والطاعة، وتنتهي إليه بالإذعان والاستسلام. فإذا هو كيان هذا الكون، جزء من كل، لا ينفصل ولا ينعزل. صادر عن بارئه، متجه إليه بروحه، راجع في النهاية إليه. وإذا هو أكبر من ذاته المحدودة. أكبر بقدر تصوره لضخامة هذا الوجود الهائل. وإذا هو مأنوس بكل ما حوله من أرواح. ومأنوس بعد ذلك كله بروح الله التي ترعاه. وعندئذ يشعر أنه يملك أن يتصل بهذا الوجود كله، وأن يمتد طولاً وعرضاً فيه؛ وأنه يملك أن يصنع أشياء كثيرة، وأن يُنشئ أحداثاً ضخمة، وأن يؤثر بكل شيء ويتأثر. ثم يملك أن يستمد مباشرة من تلك القوة الكبرى التي برأته وبرأت كل ما في الوجود من قوى وطاقات. القوة الكبرى التي لا تنحسر ولا تضعف ولا تغيب. ومن هذا التصور الواسع الرحيب يستمد موازين جديدة حقيقية للأشياء والأحداث والأشخاص والقيم والاهتمامات والغايات. ويرى دوره الحقيقي في هذا الوجود، ومهمته الحقيقية في هذه الحياة. بوصفه قدراً من أقدار الله في الكون، يوجهه ليحقق به ويحقق فيه ما يشاء. ويمضي في رحلته على هذا الكوكب، ثابت الخطو، مكشوف البصيرة، مأنوس الضمير. ومن هذه المعرفة لحقيقة الوجود حوله، ولحقيقة الدور المقسوم له، ولحقيقة الطاقة المهيأة له للقيام بهذا الدور. من هذه المعرفة يستمد الطمأنينة والسكينة والارتياح لما يجري حوله، ولما يقع له. فهو يعرف من أين جاء؟ ولماذا جاء؟ وإلى أين يذهب؟ وماذا هو واجد هناك؟ وقد علم أنه هنا لأمر، وأن كل ما يقع له مقدر لتمام هذا الأمر. وعلم أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأنه مجزي على الصغيرة والكبيرة، وأنه لم يخلق عبثاً، ولن يترك سدى، ولن يمضي مفرداً.. ومن هذه المعرفة تختفي مشاعر القلق والشك والحيرة الناشئة عن عدم معرفة المنشأ والمصير؛ وعدم رؤية المطوي من الطريق، وعدم الثقة بالحكمة التي تكمن وراء مجيئه وذهابه، ووراء رحلته في ذلك الطريق. يختفي شعور كشعور الخيام الذي يعبر عنه بما ترجمته: شعر : لبست ثوب العمر لم أستشر وحرت فيه بين شتى الفكر وسوف أنضو الثوب عني ولم أدر لماذا جئت أين المقر؟ تفسير : فالمؤمن يعرف - بقلب مطمئن، وضمير مستريح، وروح مستبشرة - أنه يلبس ثوب العمر بقدر الله الذي يصرف الوجود كله تصريف الحكيم الخبير. وأن اليد التي ألبسته إياه أحكم منه وأرحم به، فلا ضرورة لاستشارته لأنه لم يكن ليشير كما يشير صاحب هذه اليد العليم البصير. وأنه يلبسه لأداء دور معين في هذا الكون، يتأثر بكل ما فيه. ويؤثر في كل ما فيه. وأن هذا الدور يتناسق مع جميع الأدوار التي يقوم بها كل كائن من الأشياء والأحياء منذ البدء حتى المصير. وهو يعلم إذن لماذا جاء، كما أنه يعرف أين المقر، ولا يحار بين شتى الفكر، بل يقطع الرحلة ويؤدي الدور في طمأنينة وثقة وفي يقين. وقد يرتقي في المعرفة الإيمانية، فيقطع الرحلة ويؤدي الدور في فرح وانطلاق واستبشار، شاعراً بجمال الهبة وجلال العطية. هبة العمر - أو الثوب - الممنوح له من يد الكريم المنان، الجميل اللطيف، الودود الرحيم. وهبة الدور الذي يؤديه - كائناً ما كان من المشقة - لينتهي به إلى ربه في اشتياق حبيب! ويختفي شعور كالشعور الذي عشته في فترة من فترات الضياع والقلق، قبل أن أحيا في ظلال القرآن، وقبل أن يأخذ الله بيدي إلى ظله الكريم. ذلك الشعور الذي خلعته روحي المتعبة على الكون كله فعبرت عنه أقول: شعر : وقف الكون حائراً أين يمضي؟ ولماذا وكيف - لو شاء - يمضي؟ عبث ضائع وجهد غبين ومصير مقنَّع ليس يُرضي تفسير : فأنا أعرف اليوم - ولله الحمد والمنة - أنه ليس هنالك جهد غبين فكل جهد مجزي. وليس هناك تعب ضائع فكل تعب مثمر. وأن المصير مرض وأنه بين يدي عادل رحيم. وأنا أشعر اليوم - ولله الحمد والمنة - أن الكون لا يقف تلك الوقفة البائسة أبداً، فروح الكون تؤمن بربها، وتتجه إليه، وتسبح بحمده. والكون يمضي وفق ناموسه الذي اختاره الله له، في طاعة وفي رضى وفي تسليم! وهذا كسب ضخم في عالم الشعور وعالم التفكير، كما أنه كسب ضخم في عالم الجسد والأعصاب، فوق ما هو كسب ضخم في جمال العمل والنشاط والتأثر والتأثير. والإيمان - بعد قوة دافعة وطاقة مجمعة. فما تكاد حقيقته تستقر في القلب حتى تتحرك لتعمل، ولتحقق ذاتها في الواقع، ولتوائم بين صورتها المضمرة وصورتها الظاهرة. كما أنها تستولي على مصادر الحركة في الكائن البشري كلها، وتدفعها في الطريق.. "ذلك سر قوة العقيدة في النفس، وسر قوة النفس بالعقيدة. سر تلك الخوارق التي صنعتها العقيدة في الأرض. وما تزال في كل يوم تصنعها. الخوارق التي تغير وجه الحياة من يوم إلى يوم، وتدفع بالفرد وتدفع بالجماعة إلى التضحية في العمر الفاني المحدود في سبيل الحياة الكبرى التي لا تفنى؛ وتقف بالفرد القليل الضئيل أمام قوى السلطان وقوى المال وقوى الحديد والنار، فإذا هي كلها تنهزم أمام العقيدة الدافعة في روح فرد مؤمن. وما هو الفرد الفاني المحدود الذي هزم تلك القوى جميعاً، ولكنها القوة الكبرى الهائلة التي استمدت منها تلك الروح، والينبوع المتفجر الذي لا ينضب ولا ينحسر ولا يضعف". "تلك الخوارق التي تأتي بها العقيدة الدينية في حياة الأفراد وفي حياة الجماعات لا تقوم على خرافة غامضة، ولا تعتمد على التهاويل والرؤى. إنها تقوم على أسباب مدركة وعلى قواعد ثابتة. إن العقيدة الدينية فكرة كلية تربط الإنسان بقوى الكون الظاهرة والخفية، وتثبت روحه بالثقة والطمأنينة، وتمنحه القدرة على مواجهة القوى الزائلة والأوضاع الباطلة، بقوة اليقين في النصر، وقوة الثقة في الله. وهي تفسر للفرد علاقاته بما حوله من الناس والأحداث والأشياء، وتوضح له غايته واتجاهه وطريقه، وتجمع طاقاته وقواه كلها، وتدفعها في اتجاه. ومن هنا كذلك قوتها. قوة تجميع القوى والطاقات حول محور واحد، وتوجيهها في اتجاه واحد، تمضي إليه مستنيرة الهدف، في قوة، وفي ثقة، وفي يقين" ويضاعف قوتها أنها تمضي مع الخط الثابت الذي يمضي فيه الكون كله ظاهره وخافيه. وأن كل ما في الكون من قوى مكنونة تتجه اتجاهاً إيمانياً، فيلتقي بها المؤمن في طريقه، وينضم إلى زحفها الهائل لتغليب الحق على الباطل. مهما يكن للباطل من قوة ظاهرة لها في العيون بريق! وصدق الله العظيم: {يمنون عليك أن أسلموا. قل: لا تمنوا عليَّ إسلامكم. بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين}. فهي المنة الكبرى التي لا يملكها ولا يهبها إلا الله الكريم، لمن يعلم منه أنه يستحق هذا الفضل العظيم. وصدق الله العظيم. فماذا فقد من وجد الأنس بتلك الحقائق والمدركات وتلك المعاني والمشاعر؟ وعاش بها ومعها، وقطع رحلته على هذا الكوكب في ظلالها وعلى هداها؟ وماذا وجد من فقدها ولو تقلب في أعطاف النعيم. وهو يتمتع ويأكل كما تأكل الأنعام. والأنعام أهدى لأنها تعرف بفطرتها الإيمان؛ وتهتدي به إلى بارئها الكريم؟ {إن الله يعلم غيب السماوات والأرض، والله بصير بما تعملون}.. والذي يعلم غيب السماوات والأرض يعلم غيب النفوس، ومكنون الضمائر، وحقائق الشعور ويبصر ما يعمله الناس، فلا يستمد علمه بهم من كلمات تقولها ألسنتهم؛ ولكن من مشاعر تجيش في قلوبهم، وأعمال تصدق ما يجيش في القلوب.. وبعد فهذه هي السورة الجليلة، التي تكاد بآياتها الثمانية عشرة تستقل برسم معالم عالم كريم نظيف رفيع سليم. بينما هي تكشف كبريات الحقائق، وتقرر أصولها في أعماق الضمير..

ابن عاشور

تفسير : الافتتاح بنداء المؤمنين للتنبيه على أهمية ما يرد بعد ذلك النداء لتترقبه أسماعهم بشوق. ووَصْفُهم بــ {الذين آمنوا} جار مجرى اللقب لهم مع ما يؤذِن به أصله من أهليتهم لتلقي هذا النهي بالامتثال. وقد تقدم عند الكلام على أغراض السورة أن الفخر ذكر أن الله أرشد المؤمنين إلى مكارم الأخلاق، وهي إما في جانب الله أو جانب رسوله صلى الله عليه وسلم. أو بجانب الفساق أو بجانب المؤمن الحاضر أو بجانب المؤمن الغائب، فهذه خمسة أقسام، فذكر الله في هذه السورة خمس مرات {يا أيها الذين آمنوا} فأرشد في كل مرة إلى مكرمة مع قسم من الأقسام الخمسة إلخ، فهذا النداء الأول اندرج فيه واجب الأدب مع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم تعرض الغفلة عنها. والتقدم حقيقته: المشي قبل الغير، وفعله المجرد: قَدُم من باب نصر قال تعالى: {أية : يَقْدُم قومه يوم القيامة}تفسير : [هود: 98]. وحق قدم بالتضعيف أن يصير متعدياً إلى مفعولين لكن ذلك لم يرد وإنما يعدّى إلى المفعول الثاني بحرف (على). ويقال: قدَّم بمعنى تَقدم كأنه قدّم نفسه، فهو مضاعف صار غير متعد. فمعنى {لا تقدموا} لا تتقدموا. ففعل {لا تقدموا} مضارع قَدَّم القاصر بمعنى تقدم على غيره وليس لهذا الفعل مفعول، ومنه اشتقت مقدمة الجيش للجماعة المتقدمة منه وهي ضد الساقة. ومنه سميت مقدمةَ الكتاب الطائفةُ منه المتقدمة على الكتاب. ومادة فَعَّل تجيء بمعنى تفعّل مثل وجّه بمعنى توجّه وبَيَّن بمعنى تبيّن، ومن أمثالهم بَيّن الصبح لذي عينين. والتركيب تمثيل بتشبيه حال من يفعل فعلاً دون إذن مِن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بحال من يتقدم مُماشِيَه في مَشيه ويتركه خلفه. ووجه الشبه الانفراد عنه في الطريق. والنهي هنا للتحذير إذ لم يسبق صدور فعل من أحد افتياتا على الشرع. ويستروح من هذا أن هذا التقدم المنهي عنه هو ما كان في حالة إمكان الترقب والتمكن من انتظار ما يبرمه الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر الله فيومىء إلى أن إبرام الأمر في غيبة الرسول صلى الله عليه وسلم لا حرج فيه. وهذه الآية تؤيد قول الفقهاء: إن المكلف لا يقدِم على فعل حتى يعلم حكم الله فيه. وعدّ الغزالي العلمَ بحكم ما يُقدم عليه المكلف من قسم العلوم التي هي فرض على الأعيان الذين تعرض لهم. والمقصود من الآية النهي عن إبرام شيء دون إذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر قبله اسم الله للتنبيه على أن مراد الله إنما يعرف من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد حصل من قوله: {لا تقدموا} الخ معنى اتبعوا الله ورسوله. وسبب نزول هذه الآية ما رواه البخاري في «صحيحه» في قصة وفد بني تميم بسنده إلى ابن الزبير قال «قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: أمَّرْ عليهم القعقاع بن معبد بن زُرارة. وقال عُمر: بل أمِّر الأقرعَ بن حابس. قال أبو بكر: ما أردت إلاّ خلافي (أو إلَى خلافي) قال عمر: ما أردت خِلافك (أو إلى خلافك) فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما في ذلك فنزل {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون}تفسير : [الحجرات: 1، 2]. فهذه الآية توطئة للنهي عن رفع الأصوات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم والجهرِ له بالقول وندائه من وراء الحجرات. وعن الضحاك عن ابن عباس أنها نزلت بسبب بَعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سَرية فقتلتْ بنُو عامر رجالَ السرية إلا ثلاثة نَفرٍ نَجَوا فلقُوا رجلين من بني سُليم فسألوهما عن نسبتهما فاعتزيا إلى بني عامر ظنّاً منهما أن هذا الاعتزاء أنجى لهما من شر توقعاه لأن بني عامر أعزُّ من بني سليم، فقتلوا النفر الثلاثة وسلبوهما ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه فقال: «حديث : بئسما صنعتم كانَا من بني سليم، والسلَب ما كَسَوْتُهما»تفسير : أي عرف ذلك لما رأى السلب فعَرَفه بأنه كساهما إياه وكانت تلك الكسوة علامة على الإسلام لئلا يتعرض لهم المسلمون فوادهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا} الآية، أي لا تعملوا شيئاً من تلقاء أنفسكم في التصرف من الأمة إلا بعد أن تستأمروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى هذه الرواية تكون القصة جرت قبيل قصة بني تميم فقرنت آيتاهما في النزول. وهنالك روايات أخرى في سبب نزولها لا تناسب موقع الآية مع الآيات المتصلة بها. وأيَّا مَّا كان سبب نزولها فهي عامة في النهي عن جميع أحوال التقدم المراد. وجعلت هذه الآية في صدر السورة مقدَّمة على توبيخ وفد بني تميم حين نادوا النبي صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات لأن ما صدر من بني تميم هو من قبيل رفع الصوت عند النبي صلى الله عليه وسلم ولأن مماراة أبي بكر وعمرَ وارتفاع أصواتهما كانت في قضية بني تميم فكانت هذه الآية تمهيداً لقوله: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} الآية، لأن من خصه الله بهذه الحظوة، أي جعل إبرام العمل بدون أمره كإبرامه بدون أمر الله حقيق بالتهيب والإجلال أن يخفض الصوت لديه. وإنما قدم هذا على توبيخ الذين نادوا النبي صلى الله عليه وسلم لأن هذا أولى بالاعتناء إذ هو تأديب من هو أولى بالتهذيب. وقرأه الجمهور {تُقدموا} بضم الفوقية وكسر الدال مشددة. وقرأه يعقوب بفتحهما على أن أصله: لا تتقدموا. وقال فخر الدين عند الكلام على قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنَبإ فتبيّنوا}تفسير : [الحجرات: 6] في هذه السورة: إن فيها إرشاد المؤمنين إلى مكارم الأخلاق وهي: إما مع الله أو مع رسوله صلى الله عليه وسلم أو مع غيرهما من أبناء الجنس وهم على صنفين لأنهم: إما أن يكونوا على طريقة المؤمنين من الطاعة، وإمّا أن يكونوا خارجين عنها بالفسق؛ والداخل في طريقتهم: إما حاضر عندهم، أو غائب عنهم، فذكر الله في هذه السورة خمس مرات {يا أيها الذين آمنوا} وأرشد بعد كل مرة إلى مكرمة من قسم من الأقسام الخمسة. فقال أولاً: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بي يدي اللَّه ورسوله} وهي تشمل طاعة الله تعالى، وذُكر الرسول معه للإشارة إلى أن طاعة الله لا تعلم إلا بقول الرسول فهذه طاعة للرسول تابعة لطاعة الله. وقال ثانياً: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي}تفسير : [الحجرات: 2] لبيان الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم لذاته في باب حسن المعاملة. وقال ثالثاً: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ} الآية للتنبيه على طريقة سلوك المؤمنين في معاملة من يعرف بالخروج عن طريقتهم وهي طريقة الاحتراز منه لأن عمله إفساد في جماعتهم، وأعقبه بآية {أية : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا}تفسير : [الحجرات: 9]. وقال رابعاً {أية : يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم}تفسير : [الحجرات: 11] إلى قوله: {أية : فأولئك هم الظالمون}تفسير : [البقرة: 229] فنهى عما يكثر عدم الاحتفاظ فيه من المعاملات اللسانية التي قلّما يقام لها وزن. وقال خامساً: {أية : يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن} تفسير : [الحجرات: 12] إلى قوله: أية : تواب رحيم}تفسير : [الحجرات: 12] اهــ. ويريد: أن الله ذكر مثالاً من كل صنف من أصناف مكارم الأخلاق بحسب ما اقتضته المناسبات في هذه السورة بعد الابتداء بما نزلت السورة لأجله ابتداء ليكون كل مثال منها دالاً على بقية نوعه ومرشداً إلى حكم أمثاله دون كلفة ولا سآمة. وقد سلك القرآن لإقامة أهم حُسن المعاملة طريقَ النهي عن أضدادها من سوء المعاملة لأن درء المفسدة مقدم في النظر العقلي على جلب المصلحة. وعَطْف {واتقوا اللَّه} تكملة للنهي عن التقدم بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم ليدل على أن ترك إبرام شيء دون إذن الرسول صلى الله عليه وسلم من تقوى الله وحده، أي ضده ليس من التقوى. وجملة {إن اللَّه سميع عليم} في موضع العلة للنهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله وللأمر بتقوى الله. والسميع: العليم بالمسموعات، والعليم أعم وذكرها بين الصفتين كناية عن التحذير من المخالفة ففي ذلك تأكيد للنهي والأمر.

الشنقيطي

تفسير : وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {لاَ تُقَدِّمُواْ} فيه لعلماء التفسير ثلاثة أوجه: الأول منها وهو أصحها وأظهرها أنه مضارع قدم اللازمة بمعنى تقدم. ومنه مقدمة الجيش ومقدمة الكتاب بكسر الدال فيهما، وهو اسم فاعل قدم بمعنى تقدم. ويدل لهذا الوجه قراءة يعقوب من الثلاثة الذين هم تمام العشرة لا تقدموا بفتح التاء والدال المشددة وأصله لا تتقدموا فحذفت إحدى التاءين. الوجه الثاني: أنه مضارع قدم المتعدي، والمفعول محذوف لإرادة التعميم أي لا تقدموا قولاً ولا فعلاً بين يدي الله ورسوله بل أمسكوا عن ذلك حتى تصدروا فيه عن أمر الله ورسوله. الوجه الثالث: أنه مضارع قدم المتعدية ولكنها أجريت مجرى اللازم، وقطع النظر عن وقوعها على مفعولها، لأن المراد هو أصل الفعل دون وقوعه على مفعوله. ونظير ذلك قوله تعالى:{أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ}تفسير : [المؤمنون: 80] اي هو المتصف بالإحياء والإماتة، ولا يراد في ذلك وقوعهما على مفعول. وكقوله تعالى:{أية : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [الزمر: 9] لأن المراد، أن المتصفين بالعلم لا يستوون مع غير المتصفين به. ولا يراد هنا وقوع العلم على مفعول، وكذلك على هذا القول: لا تقدموا، لا تكونوا من المتصفين بالتقديم. وقد قدمنا في كلامنا الطويل على آية:{أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ}تفسير : [النساء: 82] أن لفظة بين يديه معناها أمامه، وذكرنا الآيات الدالة على ذلك. والمعنى لا تتقدموا أمام الله ورسوله: فتقولوا في شيء بغير علم ولا إذن من الله، وهذه الآية الكريمة فيها التصريح بالنهي عن التقديم بين يدي الله ورسوله، ويدخل في ذلك دخولاً أولياً تشريع ما لم يأذن به الله وتحريم ما لم يحرمه، وتحليل ما لم يحلله، لأنه لا حرام إلا ما حرمه الله ولا حلال إلا ما أحله الله، ولا دين إلا ما شرعه الله. وقد أوضحنا هذه بالآيات القرآنية بكثرة في سورة شورى في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ}تفسير : [الشورى: 10] وفي سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى:{أية : وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً}تفسير : [الكهف: 26] وفي سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى:{أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}تفسير : [الإسراء: 9] وفي غير ذلك من المواضع. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي بامتثال أمره واجتناب نهيه. وقوله {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} فهو سميع لكل ما تقولون من التقديم بين يديه وغيره، عليم بكل ما تفعلون من التقديم بين يديه وغيره.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- يا أيها الذين آمنوا: لا تقدِّموا أى أمر فى الدين والدنيا دون أن يأمر به الله ورسوله، واجعلوا لأنفسكم وقاية من عذاب الله بامتثال شريعته. إن الله تام السمع لكل ما تقولون، محيط علمه بكل شئ. 2- يا أيها الذين آمنوا: لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى إذا تكلم وتكلمتم، ولا تساووا أصواتكم بصوته - كما يخاطب بعضكم بعضاً - كراهة أن تبطل أعمالكم وأنتم لا تشعرون ببطلانها.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا: أي لا تتقدّموا بقول ولا فعل إذ هو من قدم بمعنى تقدم. بين يدي الله ورسوله: كمن ذبح يوم العيد قبل أن يذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكإِرادة أحد الشيخين تأمير رجل على قوم قبل استشارة الرسول صلى الله عليه وسلم. واتقوا الله إن الله سميع عليم: أي خافوا الله إنه سميع لأقوالكم عليم بأعمالكم. لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي: أي إذا نطقتم فوق صوت النبيّ إذا نطق. ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض: أي إذا ناجيتموه فلا تجهروا في محادثتكم معه كما تجهرون فيما بينكم إجلالا له صلى الله عليه وسلم وتوقيراً وتقديراً. أن تحبط أعمالكم: أي كراهة أن تبطل أعمالكم فلا تُثابون عليها. وأنتم لا تشعرون: بحبوطها وبطلانها. إذ قد يصحب ذلك استخفاف بالنبيّ صلى الله عليه وسلم لا سيما إذا صاحب ذلك إهانة وعدم مبالاة فهو الكفر والعياذ بالله. يغضون أصواتهم عند رسول الله: أي يخفضونها حتى لكأنهم يسارونه ومنهم أبو بكر رضي الله عنه. امتحن الله قلوبهم للتقوى: أي شرحها ووسعها لتتحمل تقوى الله. مأخوذ من محن الأديم إذا وسعه. لهم مغفرة وأجر عظيم: أي مغفرة لذنوبهم وأجر عظيم وهو الجنة. معنى الآيات: قوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} لو بحثنا عن المناسبة بين هذه السورة والتي قبلها لتجلت لنا واضحة إذا رجعنا بالذاكرة إلى موقف عمر رضي الله عنه وهو يريد أن لا يتم صلح بين المؤمنين والمشركين، وإلى موقف الصحابة كافة من عدم التحلل من إحرامهم ونحر هداياهم والرسول يأمر وهُم لا يستجيبون حتى تقدمهم صلى الله عليه وسلم فنحر هديه ثم نحروا بعده وتحللوا، إذ تلك المواقف التي أشرنا إليها فيها معنى تقديم الرأي بين يدي الله ورسوله وفي ذلك مضرة لا يعلم مداها إلاّ الله، ولما انتهت تلك الحال وذلك الظرف الصعب أنزل الله تعالى قوله {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي بالله رباً وإلهاً وبالإِسلام شرعة ودينا وبمحمد نبيّا ورسولا ناداهم بعنوان الإِيمان ليقول لهم ناهيا {لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي قولا ولا عملا ولا رأيا ولا فكرا أي لا تقولوا ولا تعملوا إلا تبعا لما قال الله ورسوله، وشرع الله ورسوله {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في ذلك فإِن التقدم بالشيء قبل أن يشرع الله ورسوله فيه معنى أنكم أعلم وأحكم من الله ورسوله وهذه زلّة كبرى وعاقبتها سوأى. ولذا قال {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} أي لأقوالكم {عَلِيمٌ} بأعمالكم وأحوالكم. ومن هنا فواجب المسلم أن لا يقول ولا يعمل ولا يقضي ولا يُفتَي برأيه إلا إذا علم قول الله ورسوله وحكمهما وبعد أن يكون قد علم أكثر أقوال الله والرسول وأحكامهما، فإذا لم يجد من ذلك شيئا اجتهد فقال أو عمل بما يراه أقرب إلى رضا الله تعالى فإِذا لاح له بعد ذلك نص من كتاب أو سنة عدل عن رأيه وقال بالكتاب والسنة. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [1] أما الآية الثانية [2] وهي قوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} فإِنها تطالب المسلم بالتأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأولا نهاهم رضي الله عنهم عن رفع أصواتهم فوق صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا هم تحدثوا معه وأوجب عليهم إجلال النبي وتعظيمه وتوقيره بحيث يكون صوت أحدهم إذا تكلم مع رسول الله أخفض من صوت الرسول صلى الله عليه وسلم ولقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذا كلّم رسول الله يساره الكلام مسارة وثانيا نهاهم إذا هم ناجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض بل يجب عليهم توقيره وتعظيمه. وأعلمهم أنه يخشى عليهم إذا هم لم يوقروا رسول الله ولم يجلوه أن تحبط أعمالهم كما تحبط بالشرك والكفر وهم لا يشعرون. إِذْ رَفْعُ الصوت للرسول ونداؤه بأعلى الصوت يا محمد أو يا نبيّ الله ويا رسول الله وبأعلى الأصوات إذا صاحبه استخفاف أو إهانة وعدم مبالاة صار كفراً محبطاً للعمل قطعا. وفي الآية الثالثة [3] يثني الله تعالى على أقوام يغضون أصواتهم أي يخفضونها عند رسول الله أي في حضرته وبين يديه كأبي بكر وعمر رضي الله عنهما هؤلاء يخبر تعالى أنه امتحن قلوبهم للتقوى أي وسعها وشرحها لتحمل تقوى الله والرسول صلى الله عليه وسلم يقول التقوى ها هنا ويشير إلى صدره ثلاثا، ويذكر لهم بشرى نعم البشرى وهي أن لهم منه تعالى مغفرة لذنوبهم، وأجراً عظيما يوم يلقونه وهو الجنة دار المتقين جعلنا الله منهم بفضله ورحمته. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- لا يجوز للمسلم أن يقدم رأيه أو اجتهاده على الكتاب والسنة فلا رأي ولا اجتهاداً إلاّ عند عدم وجود نص من كتاب أو سنة وعليه إذا اجتهد أن يكون ما اجتهد فيه أقرب إلى مراد الله ورسوله، أي الصق بالشرع، وإن ظهر له بعد الاجتهاد نص من كتاب أو سنة عاد إلى الكتاب والسنة وترك رأيه أو اجتهاده فوراً وبلا تردد. 2- بما أن الله تعالى قد قبض إليه نبيّه ولم يبق بيننا رسول الله نتكلم معه أو نناجيه فنخفض أصواتنا عند ذلك فإِن علينا إذا ذكر رسول الله بيننا أو ذكر حديثه أن نتأدب عند ذلك فلا نضحك ولا نرفع الصوت، ولا نظهر أي استخفاف أو عدم مبالاة وإلا يخشى علينا أن تحبط أعمالنا ونحن لا نشعر. 3- على الذين يغشون مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يرفعوا أصواتهم فيه إلا لضرورة درس أو خطبة أو أذان أو إقامة.

القطان

تفسير : لا تقَدموا بين يدي الله ورسوله: لا تعجلوا بالأمر قبل ان يأمر به الله ورسوله. لا ترفعوا اصواتكم: غضّوها وتكلموا بهدوء ولين. امتحنَ الله قلوبهم: طهّرها ونقاها واخلصها للتقوى. الحجرات: مكان سكن النبي الكريم، كان لكل زوجة حجرة، بيت. من وراء الحجرات: من خارجها. يا أيها الذين آمنوا لا تعجَلوا بأي أمر قبل ان يقضيَ الله ورسوله لكم فيه، فلا تقترحوا على الله ورسوله أي شيء قبل ان يقول الله ورسوله فيه، واتقوا الله وراقِبوه خَشيةَ ان تقولوا ما لم يأذن لكم الله ورسوله به. ان الله سميع لما تقولون، عليم بما تريدون. في هذه الآية الكريمة وما يليها تأديبٌ للصحابة وتعليم وتهذيب، فقد طلَب الله اليهم ان ينقادوا لأوامر الله ونواهيه، ولا يعجَلوا بقولٍ أو فعل قبل الرسول الكريم. ثم أدّبهم في الآية الثانية في الحديث والخطاب مع رسول الله، وأن يوقّروه، فلا يرفعوا أصواتَهم فوق صوت النبي إذا تكلم، بل يخفِضوها ولا يتكلّموا معه كما يتكلم بعضهم مع بعض. وأن يتأدبوا في مخاطبته فلا تقولوا: يا محمد، بل قولوا: يا نبيّ الله، او يا رسول الله، وبكل إجلال وتعظيم، حتى لا تبطُل أعمالكم وانتم لا تشعرون. ثم نوه الله تعالى بتقواهم، وغضّهم أصواتَهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعبير لطيف فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ}. هنا يرغّبهم الله ويتلطف بهم بعد ذلك التحذير المخيف، ويقول: ان الذين يخفضون اصواتهم في مجلس رسول الله، إجلالاً له، اولئك قد طهّر الله قلوبهم ونقّاها وأخلصَها للتقوى، فلهم مغفرةٌ لذنوبهم، واجر عظيم لتأدّبهم وغضّ اصواتهم وتقواهم. {إَنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. كان الأعراب (وهم قريبو عهد بالجاهلية) اكثرهم جُفَاة يأتون الى المدينة فيجتمعون عند حجُرات ازواج رسول الله، وينادونه بأصواتهم المزعجة: يا محمد، اخرج الينا. وكان هذا في العام التاسع من الهجرة وهو عام "الوفود" لدخول الناس في دين الله افواجا. فكان ذلك يؤذي النبيَّ الكريم عليه الصلاة والسلام. فأدّبهم الله بهذا القرآن الكريم، ووصفهم بأن أكثرهم لا يعقِلون، ثم بين لهم ان النداء بهذا الجفاء منافٍ للأدب والتوقيرِ اللائق بشخص النبي الكريم، وعلّمهم أن الأفضلَ لهم ان يصبروا وينتظروا حتى يخرجَ إليهم، ثم أتبع ذلك قوله تعالى: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. هذه السورة كما مرّ في المقدمة من أواخر السور نزولا، وفيها على قِصَرها قواعدُ وتعاليم للمؤمنين، وترسيخٌ لايمانهم، وتأديبٌ لهم ليتهيأوا لقيادة العالم. والحجُرات التي ورد ذكرها في الآية الكريمة هي تسعُ حجرات كانت لكل زوجة حجرة من جريد النخل، وعلى أبوابها المسوح من شعر أسود. وكانت غير مرتفعة يُتناول سقفها باليد، وفي غاية البساطة. قال سعيد بن المسيب وهو اكبر التابعين في المدينة: وددتُ أنهم تركوها على حالها حتى يراها الناس بما فيها من البساطة، فيروا ما اكتفى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، فيكون ذلك مما يزهِّد الناسَ في التفاخُر والتكاثر. وقد أُدخلت هذه الحجرات في عهدِ الوليدِ بن عبد الملك بأمرِه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى الناس لذلك. قراءات: قرأ يعقوب: لا تقدموا بفتح التاء والدال، والباقون: لا تُقْدموا بضم التاء وكسر الدال المشدَّدة.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} (1) - يُؤدِّبُ اللهُ تَعَالى في هذِهِ الآيَةِ عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ، وَيُعَلِّمُهُمْ أصُولَ مُخَاطَبَةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم والتَّعَامُلِ مَعَهُ، وَتَوْفيَتِه حَقَّهُ مِنَ التَّوقِيرِ والاحْتِرامِ. فَيَقُولُ تَعَالى للْمُؤمِنين: لا تُسْرعُوا في القَضَاءِ في أمْرٍ قَبْل أن يَقْضِيَ لَكُم فِيهِ اللهُ وَرَسُولُهُ، وكُونُوا تَبَعاً لِقَضَائِهِما وَأمْرِهما، وَلاَ تَتَكَلَّمُوا في أمْرٍ قَبْلَ أنْ يَأتِيَ الرَّسولُ عَلَى الكَلامِ فِيهِ، وَلا تَفْعَلُوا فِعْلاً قَبْْلَ أنْ يَفْعَلَهُ الرَّسُولُ، واتَّقُوا اللهَ يَا أَيُّها المُؤْمِنُونَ، فَإِنَّهُ سَمِيعٌ لما تَقُولُونَ، عَلِيمٌ بِمَا تَفْعَلُونَ. وَرُوِيَ أنَّ هذِهِ الآيةَ نَزَلَتْ رَداً على أنَاسٍ مِنَ المُسْلِمِينَ كَانُوا يَقُولُونَ لوْ أُنزِلَ فِي كَذا وَكَذا). لا تُقَدِّمُوا - لاَ تَقْتَرِحُوا - أو لا تَقْطَعُوا أمْراً.

الثعلبي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} قرأ العامة (تُقَدِّمُوا) بضم (التاء) وكسر (الدال) من التقديم، وقرأ الضحّاك، ويعقوب بفتحهما من التقدّم. واختلف المفسِّرون في معنى الآية، فروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس، قال: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنّة. عطية عنه: لا تتكلّموا بين يدي كلامه. وأخبرنا عبد الله بن حامد، قال: أخبرنا أبو الحسين عمر بن الحسن بن مالك الشيباني، قال: حدّثنا أحمد بن الحسن بن سعيد بن عثمان الخزاز. قال: حدّثنا حسين بن محارق أبو جنادة، عن عبد الله بن سلامة، عن السبعي، عن جابر بن عبد الله {لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} قال: في الذبح يوم الأضحى، وإليه ذهب الحسن، قال: لا تذبحوا قبل أن يذبح النبيّ صلى الله عليه وسلم وذلك أن ناساً من المسلمين ذبحوا قبل صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن يعيدوا الذبح. وأخبرنا عبد الخالق، قال: أخبرنا ابن حيي قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي العوام الرياحي، قال: حدّثنا أبي. قال: حدّثنا النعمان بن عبد السّلم التيمي، عن زفر بن الهذيل، عن يحيى بن عبد الله التيمي عن حبّال بن رفيدة، عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنه في قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} قالت: لا تصوموا قبل أن يصوم نبيّكم. وروي عن مسروق أيضاً، قال: دخلت على عائشة في اليوم الذي جئت فيه، فقالت للجارية: اسقيه عسلاً، فقلت: إنّي صائم. فقالت: قد نهى الله تعالى عن صوم هذا اليوم، وفيه نزلت {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} وأخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا عمر بن الخطّاب. قال: حدّثنا عبدالله بن الفضل. قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم. قال: حدّثني هشام بن يوسف، عن ابن جريح، قال: أخبرني ابن أبي مليكة أنّ عبدالله بن الزبير أخبرهم، قال: قدم رَكب من بني تميم على النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: أمّر القعقاع بن معبد زرارة، وقال عمر: بل أمّر الأقرع بن حابس، فقال أبوبكر: ما أردت إلاّ خلافي، وقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتّى ارتفعت أصواتهما، فأنزل الله سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} ... الآية. وقال قتادة: نزلت في ناس كانوا يقولون: لو أنزل في كذا، لوضع كذا. فكره الله ذلك وقدّم فيه. مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله بشيء حتّى يقضيه الله على لسانه. الضحّاك: يعني في القتال وشرائع الدين يقول: لا تقضوا أمراً دون الله ورسوله. حيان، عن الكلبي لا تستبقوا رسول الله بقول، ولا فعل حتّى يكون هو الذي يأمركم. وبه قال السدّي، وقال عطاء الخراساني:حديث : نزلت في قصة بئر معونة، وقيل في الثلاثة الذين نجّوا الرجلين السَّلميين، اللذين اعتزما إلى بني عامر وأخْذهم مالهما وكانا من أهل العهد، فلمّا أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سبق الخبر إليه، فقال: "بئس ما صنعتم، هما من أهل ميثاقي وهذا الذي معكم من نسوتي"، قالا: يا رسول الله إنّهما زعما أنّهما من بني عامر، فقلنا: رجلان ممّن قتل إخواننا. فقلنا: هما لذلك. وأتاه السَّلميون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا قود لهما لأنّهما اعتزما إلى عدوّنا". ولكنّه أيدهما، فوادَّهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله سبحانه في ذلك: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} تفسير : حين قتلوا الرجلين، وهذه رواية ماذان عن ابن عبّاس. وقال ابن زيد: لا تقطعوا أمراً دون رسول الله، وقيل: لا تمشوا بين يدي رسول الله، وكذلك بين أيدي العلماء فإنّهم ورثة الأنبياء. ودليل هذا التأويل ما أخبرنا أبو الحسن الخبازي، قال: حدّثنا أبو القاسم موسى بن محمّد الدينوري بها، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى، قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدّثنا رجل بمكّة، عن ابن جريج، عن عطاء، حديث : عن أبي الدرداء، قال: رآني النبيّ صلى الله عليه وسلم أمشي أمام أبي بكر، فقال: "تمشي أمام من هو خير منك في الدّنيا والآخرة، ما طلعت الشمس، ولا غربت على أحد بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم والمرسلين خيراً وأفضل من أبي بكر ". تفسير : وقيل: إنّها نزلت في قوم كانوا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا سُئل الرسول عن شيء، خاضوا فيه، وتقدّموا بالقول، والفتوى، فنهوا عن ذلك، وزجروا عن أن يقول أحد في شيء من دين الله سبحانه، قبل أن يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل: لا تطلبوا منزلة وراء منزلته. قال الأخفش: تقول العرب: فلان تقدّم بين يدي أبيه، وأُمّه، ويتقدّم إذا استبدّ بالأمر دونهما. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في تضييع حقّه، ومخالفة أمره. {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} لأقوالكم {عَلِيمٌ} بأفعالكم، وأحوالكم. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ} الآية نزلت في ثابت بن قيس ابن شماس، كان في أذنه وقر، وكان جهوري الصّوت، فإذا كلّم إنساناً جهر بصوته، فربّما كان يكلِّم رسول الله صلى الله عليه وسلم فينادي بصوته، فأنزل الله سبحانه {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ} {وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} أي لا تغلظوا له في الخطاب، ولا تنادوه باسمه يا محمّد، يا أحمد، كما ينادي بعضكم بعضاً، ولكن فخّموه، واحترموه، وقولوا له قولاً ليّناً، وخطاباً حسناً، بتعظيم، وتوقير: يا نبي الله، يا رسول الله، نظيره قوله سبحانه: {أية : لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} تفسير : [النور: 63]. {أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ} كي لا تبطل حسناتكم. تقول العرب: أسند الحائط أن يميل {وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} حديث : فلمّا نزلت هذه الآية قعد ثابت في الطريق، فمرّ به عاصم بن عدي، فقال: ما يبكيك يا ثابت؟ قال: هذه الآية أتخوّف أن تكون نزلت فيَّ، وأنا رفيع الصوت، أخاف أن يحبط عملي، وأن أكون من أهل النار، فمضى عاصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وغلب ثابتاً البكاء، فأتى امرأته جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول، فقال لها: إذا دخلت بيت فرسي، فشدّي على الضبة بمسمار فضربته بمسمار حتى إذا خرجت عطفه، وقال: لا أخرج حتّى يتوفّاني الله، أو يرضى عنّي رسول الله، فأتى عاصم رسول الله، فأخبره بخبره. فقال: "اذهب، فادعه لي". فجاء عاصم إلى المكان الذي رآه فلم يجده، فجاء إلى أهله، فوجده في بيت الفرس، فقال له: إنّ رسول الله يدعوك، فقال: أكسر الصَبّة، فأتيا رسول الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما يبكيك يا ثابت؟" فقال: أنا صيّت وأتخوّف أن تكون هذه الآية نزلت فيَّ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "أما ترضى أن تعيش سعيداً وتقتل شهيداً وتدخل الجنّة"، فقال: رضيت ببشرى الله ورسوله، لا أرفع صوتي أبداً على رسول الله، فأنزل الله سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ} الآية . تفسير : قال أنس: فكنّا ننظر إلى رجل من أهل الجنّة، يمشي بين أيدينا، فلمّا كان يوم اليمامة في حرب مسيلمة، رأى ثابت في المسلمين بعض الانكسار، وانهزمت طائفة منهم، فقال: أف لهؤلاء، وما يصنعون. ثمّ قال ثابت لسالم مولى أبي حذيفة: ما كنا نقاتل أعداء الله مع رسول الله مثل هذا، ثمّ ثبتا، ولم يزالا يقاتلان حتّى قُتلا. وثابت بن قيس عليه درع، فرآه رجل من الصحابة بعد موته في المنام أنّه قال له: اعلم أنّ فلاناً رجلٌ من المسلمين نزع درعي، فذهب بها وهي في ناحية من العسكر عنده فرس تستر في طوله، وقد وضع على درعي لرمه، فأتِ خالد بن الوليد، فأخبره حتّى يسترد درعي وأتِ أبا بكر خليفة رسول الله وقل له: إنّ عليَّ ديناً حتّى يقضي، وفلان من رقيقي عتيق. فأخبر الرجل خالداً فوجد درعه والفرس على ما وصفه، فاسترد الدرع، وأخبر خالد أبا بكر تلك الرؤيا، فأجاز أبو بكر وصيّته. قال مالك بن أنس: لا أعلم أجيزت بعد موت صاحبها إلاّ هذه. حدّثنا أبو محمّد المخلدي، قال: أخبرنا أبو العبّاس السرّاج، قال: حدّثنا زياد بن أيّوب، قال: حدّثنا عباد بن العوّام، ويزيد بن هارون وسعيد بن عادر، عن محمّد بن عمرو، عن أبي سلمة، قال: حدّثنا سعيد، عن أبي هريرة. قال: لمّا نزلت {لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ} ... الآية، قال أبو بكر: والله لا أرفع صوتي إلاّ كأخي السِرار. وروى ابن أبي مليكة عن أبي الزبير، قال: لمّا نزلت هذه الآية، ما حدّث عمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، فيسمع النبيّ صلى الله عليه وسلم كلامه حتّى يستفهمه ممّا يخفض صوته، فأنزل الله سبحانه فيهم: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ} إجلالاً له {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ} أي اختبرها، فأخلصها، واصطفاها كما يمتحن الذهب بالنار، فيخرج خالصه، وقال ابن عبّاس: أكرمها. وأخبرنا أبو سعيد محمّد بن موسى بن الفضل النيسابوري، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمّد ابن عبدالله بن أحمد الإصبهاني، قال: حدّثنا أبو بكر عبد الله بن محمّد بن عبد القريشي، قال: حدّثنا محمّد بن يحيى بن أبي خاتم، قال: حدّثني جعفر بن أبي جعفر، عن أحمد بن أبي الخولدي، قال: سمعت أبا سلمان يقول: قال عمر بن الخطّاب في قوله: {ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ} قال: أذهب الشهوات منها {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} ويقال: إنّ هذه الآيات الأربع من قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ} إلى قوله: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} نزلت في وفد تميم. وهو ما أخبرني أبو القاسم الحسن بن محمّد، قال: حدّثني أبو جعفر محمّد بن صالح بن هاني الورّاق سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، قال: حدّثنا الفضل بن محمّد بن المسيب بن موسى الشعراني، قال: حدّثنا القاسم بن أبي شيبة، قال: حدّثنا مُعلّى بن عبد الرّحمن، قال: حدّثنا عبد الحميد بن جعفر بن عمر بن الحكم، عن جابر بن عبد الله، قال: حديث : جاءت بنو تميم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فنادوا على الباب: يا محمّد اخرج علينا، فإنّ مدحنا زين وذمّنا شين. قال: فسمعها النبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى الله عليه وسلّم، فخرج عليهم، وهو يقول: "إنّما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمّه شين". قالوا: نحن ناس من بني تميم، جئنا بشاعرنا وخطيبنا نشاعرك ونفاخرك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما بالشعر بعثت، ولا بالفخار أمرت، ولكن هاتوا". فقال الزبرقان بن بدر لشاب من شبابهم: قم فاذكر فضلك، وفضل قومك. فقام، فقال: الحمد لله الذي جعلنا خير خلقه وآتانا أموالاً نفعل فيها ما نشاء، فنحن من خير أهل الأرض، من أكثرهم عدّة، ومالاً، وسلاحاً، فمن أنكر علينا قولنا، فليأت بقول هو أحسن من قولنا، وفعال هي خير من فِعالنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس، وكان خطيب رسول الله: "قم فأجبه". فقام، فقال: الحمد لله أحمده، وأستعينه، وأومن به، وأتوكّل عليه، وأشهد أن لا إله إلاّ الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، ثمّ دعا المهاجرين من بني عمّه أحسن الناس وجوهاً وأعظمهم أحلاماً. فأجابوه، فقالوا: الحمد لله الذي جعلنا أنصاره، ووزراء رسوله، وعزّاً لدينه، فنحن نقاتل الناس، حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله، فمن قالها منع منّا ماله، ونفسه، ومن أبى قتلناه، وكان زعمه في الله علينا هيناً، أقول قولي وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات. فقال الزبرقان بن بدر لشاب من شبابهم: قم يا فلان، فقل أبياتاً تذكر فيها فضلك، وفضل قومك. فقام الشاب، فقال: * نحن الكرام فلا حيٌّ يعادلنا * فينا الرؤوس وفينا يقسم الربع * * ونطعم الناس عند القحط كلّهم * من السديف إذا لم يؤنس القزع * * إذا أبينا فلا يأبى لنا أحد * إنا كذلك عند الفخر نرتفع * قال: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حسّان بن ثابت، فانطلق إليه الرّسول، فقال: وما تريد منّي وكنت عنده؟ قال: جاءت بنو تميم بشاعرهم، وخطيبهم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس، فأجابه، وتكلّم شاعرهم، فأرسل إليك لتجيبه. وذكر له قول شاعرهم. قال: فجاء حسّان، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجيبه فقال: يا رسول الله مره، فليُسمعني ما قال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "اسمعه ما قلت"، فأنشده ما قال، فقال حسّان: * إنّ الذوائب من فهر وإخوتهم * قد شرّعوا سُنّة للنّاس تتّبع * * يرضى بها كلّ من كانت سريرته * تقوى الإله وكلّ الخير يصطنع * ثمّ قال حسّان: * نصرنا رسول الله والدين عنوة * على رغم عات من معد وحاضر * * بضرب كأبزاغ المخاض مشاشه * وطعن كأفواه اللقاح الصوادر * * وسل أُحداً يوم استقلت شعابه * بضرب لنا مثل الليوث الجواذر * * ألسنا نخوض الموت في حومة الوغى * إذا طاب ورد الموت بين العساكر * * ونضرب هام الدارعين وننتمي * إلى حسب من جذم غسان قاهر * * فلولا حياء الله قلنا تكرّماً * على النّاس بالخيفين هل من منافر * * فأحياؤنا من خير من وطئ الحصى * وأمواتنا من خير أهل المقابر * قال: فقام الأقرع بن حابس، فقال: إنّي والله لقد جئت لأمر ما جاء له هؤلاء، وإنّي قد قلت شعراً، فاسمعه منّي، فقال: هات، فقال: * أتيناك كيما يعرف الناس فضلنا * إذا خالفونا عند ذكر المكارم * * وإنّا رؤُس الناس من كلّ معشر * وأنّ ليس في أرض الحجاز كدارم * * وإنّ لنا المرباع في كلّ غارة * تكون بنجد أو بأرض التهائم * فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قم يا حسّان فأجبه". فقام حسّان، فقال: * بني دارم لا تفخروا إنّ فخركم * يعود وبالاً عند ذكر المكارم * * هبلتم علينا تفخرون وأنتمُ * لنا خول من بين ظئر وخادم * فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لقد كنت غنياً يا أخا دارم أن يذكر منك ما قد ظننت أنّ الناس قد نسوه". قال: فكان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدّ عليهم من قول حسّان. ثمّ رجع حسّان إلى شعره. فقال: * كأفضل ما نلتم من المجد والعلى * ردافتنا من بعد ذكر الأكارم * * فإن كنتمُ جئتمْ لحقن دمائكم * وأموالكم أن تقسموا في المقاسم* * فلا تجعلوا لله ندّاً وأسلموا * ولا تفخروا عند النبيّ صلى الله عليه وسلم بدارم * * وإلاّ وربّ البيت مالت أكفّنا * على هامكم بالمرهفات الصوارم * قال: فقام الأقرع بن حابس، فقال: إنّ محمّداً المولى، إنه والله ما أدري ما هذا الأمر، تكلّم خطيبنا، فكان خطيبهم أحسن قولاً، وتكلّم شاعرنا، فكان شاعرهم أشعر، وأحسن قولاً. ثمّ دنا من النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّك رسوله. فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم "ما يضرّك ما كان قبل هذا". ثمّ أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكساهم، وقد كان يخلف في ركابهم عمرو بن الأهتم، وكان قيس بن عاصم يبغضه لحداثة سنه، فأعطاه رسول الله مثل ما أعطى القوم، فأزرى به قيس، وقال فيه أبيات شعر وارتفعت الأصوات، وكثر اللغط عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ} إلى قوله {وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} تفسير : يعني جزاء وافراً، وهو الجنّة.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : تستطيع هنا أن تلاحظ المناسبة بين هذه الآية في مفتتح سورة الحجرات وبين نهاية سورة الفتح، الحق سبحانه في أواخر آيات الفتح حدثنا عما دار في الحديبية، وكيف انتهى الموقف هناك بالصلح، وكيف أن هذا الصلح أحدث خلافاً بين الرسول وبين المؤمنين به. حديث : ووقف رسول الله وحده وقَبِلَ الصلح وقَبِلَ كل شروطهم، وتنازل لهم عن أشياء دلَّتْ على حنكته السياسية وعلى بُعْد نظره، في حين عارضه المؤمنون كما رأينا. حتى أن عمر يقول له: يا رسول الله ألسنا على الحق؟ يقول: بلى، يقول: أليسو على الباطل. يقول: بلى، يقول: فلم نُعطِ الدنية في ديننا؟ . تفسير : وقلنا: أنهم قبل أنْ يعودوا إلى المدينة أخبرهم الحق سبحانه بالحكمة من العودة دون أداء العمرة هذا العام. إذن: كان للمؤمنين رأي، وكان لرسول الله رأي آخر، لأن المسلمين تعصبوا لأنفسهم أما رسول الله فقد تعصَّب للإسلام. ولما حدثتْ المعارضة لرسول الله جاءتْ سورة الحجرات لتعالج هذه المسألة في أول آية منها: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ..} [الحجرات: 1] والنداء هنا خاص بالذين آمنوا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً ورسولاً. {لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ..} [الحجرات: 1] يعني: إياكم أنْ تُقدِّموا رأياً أو تقطعوا أمراً قبل أنْ يأذن الله لكم به ويأذن رسوله ويقضي فيه، لأن رسول الله لا يصدر إلا عن وحي من الله. وأنتم حينما تقفون في وجه أمر الرسول فأنتم في حقيقة الأمر تعارضون أمر الله الذي ارتضيتم به رباً وإلهاً وآمنتم بصفاته، ومقتضى هذا الإيمان ألاَّ تُقدِّموا رأيكم على رأيه، ولا حكمكم على حكمه، فإذا قال الله أو قال رسول الله فلا تقدموا رأياً من عندكم. وكلمة {بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ..} [الحجرات: 1] بين يديك يعني: أمامك، يعني لا تسبقوه بأنْ تقطعوا أمراً دونه، وتذكّر أنك أمام الله وفي مواجهته، فهو لا يُكلِّفك حركة فتلتفت يميناً أو شمالاً. وقوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ..} [الحجرات: 1] يعني: إنْ أردتم ألاَّ تُقدِّموا بين يدي الله ورسوله فاتقوا الله في ذلك. يعني: لا تكونوا كذابين فيه، ولا تعودوا مرة أخرى إلى المخالفة فهذا لا يصح. {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات: 1] يعني: اتقوا مَنْ هذه صفاته فهو سميع يسمع كلَّ ما يقال، وعليم بكل ما يختلج في نفوسكم، ولا يخفى عليه شيء من أموركم. وما دُمتم قد آمنتم به فقد وجبتْ عليكم طاعته وطاعة رسوله. ثم يقول الحق سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الآية: 1]. قال: يقول: لا تفتاتواعلى رسول الله، صلى الله عليه [وسلم] بشيءٍ. حتى يقضيه الله، عز وجل، على لسانه. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا: إِبراهيم، قال: نا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} [الآية: 2]. يقول: لا تنادوه باسمه نداءً، ولكن قولوا قولا لينا: يا رسول الله. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ} [الآية: 3]. يقول: أَخلص الله قلوبهم.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {يَغُضُّونَ} غضَّ صوته خفضه وخافت به {فَاسِقٌ} الفاسق: الخارج من حدود الشرع، وهو في أصل الاشتقاق موضوع لما يدل على معنى الخروج، مأخوذ من قولهم: فسقت الرطبة إِذا خرجت من قشرها، وسمي فاسقاً لخروجه عن الطاعة {نبأ} النبأ: الخبر الهام قال الراغب: لا يقال للخبر في الأصل نبأ حتى يكون ذا فائدة عظيمة يحصل به علم أو غلبة ظن {عَنِتُّمْ} وقعتم في العَنت وهو المشقة والهلاك قال في اللسان: العنت: الهلاك وأعنته أوقعه في الهلكة {ٱلرَّاشِدُونَ} جمع راشد وهو المهتدي إِلى محاسن الأمور {تَفِيۤءَ} ترجع {بَغَتْ} اعتدت واستطالت وأصله مجاوزة الحد في الظلم والطغيان {تَلْمِزُوۤاْ} تعيبوا. سَبَبُ النّزول: أ- روي أن بعض الأعراب الجفاة جاءوا إِلى حجرات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فجعلوا ينادونه: يا محمد أُخرج إِلينا، يا محمد أُخرج إِلينا فأنزل الله {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}. ب - وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث "الوليد بن عقبة" إِلى الحارث بن ضرار ليقبض ما كان عنده من الزكاة التي جمعها من قومه، فلما سار الوليد واقترب منهم خاف وفزع، فرجع إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله: إِنهم قد ارتدوا ومنعوا الزكاة، فهمَّ بعض الصحابة بالخروج إِليهم وقتالهم فأنزل الله {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ..} الآية. ج - عن أنس قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم لو أتيت "عبد الله بن أُبيٍّ" - وهو رأس المنافقين - فانطلق إِليه وركب حماراً، وانطلق معه المسلمون يمشون، فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم قال له: إِليك عني - أي تنحَّ وابتعد عني - فوالله لقد آذاني نتنُ حمارك، فقال رجل من الأنصار والله لحمارُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحاً منك، فغضب لعبد الله رجلٌ من قومه، وغضب للأنصاري آخرون من قومه، فكان بينهم ضربٌ بالجريد والأيدي والنعال، فأنزل الله {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا..} الآية. التفسِير: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي يا أيها المؤمنون، يا من اتصفتم بالإِيمان، وصدَّقتم بكتاب الله، لا تُقدموا أمراً أو فعلاً بين يدي الله ورسوله، وحُذِف المفعول للتعميم ليذهب ذهن السامع إِلى كل ما يمكن تقديمه من قولٍ أو فعل، كما إِذا عرضت مسألة في مجلسه صلى الله عليه وسلم لا يسبقونه بالجواب، وإِذا حضر الطعام لا يبتدئون بالأكل، وإِذا ذهبوا معه إِلى مكان لا يمشون أمامه ونحو ذلك قال ابن عباس: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه صلى الله عليه وسلم وقال الضحاك: لا تقضوا أمراً دون الله ورسوله من شرائع دينكم وقال البيضاوي: المعنى لا تقطعوا أمراً قبل أن يحكم الله ورسوله به، وقيل: المراد بين يدي رسول الله، وذُكر اللهُ تعظيماً له وإِشعاراً بأنه من الله بمكان يوجب إجلاله {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي واتقوا الله فيما أمركم به، إِن الله سميعٌ لأقوالكم، عليمٌ بنياتكم وأحوالكم، وإِظهار الاسم الجليل لتربية المهابة والروعة في النفس.. ثم أرشد تعالى المؤمنين إلى وجوب توقير الرسول وإِجلاله واحترامه فقال {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ} أي إِذا كلمتم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فاخفضوا أصواتكم ولا ترفعوها على صوتِ النبي {وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} أي ولا تبلغوا حدَّ الجهر عند مخاطبته صلى الله عليه وسلم كما يجهر بعضكم في الحديث مع البعض، ولا تخاطبوه باسمه وكنيته كما يخاطب بعضكم بعضاً فتقولوا: يا محمد، ولكنْ قولوا يا نبيَّ الله، ويا رسول الله، تعظيماً لقدره، ومراعاةً للأدب قال المفسرون: نزلت في بعض الأعراب الجفاة الذين كانوا ينادون رسول الله باسمه، ولا يعرفون توقير الرسول الكريم {أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} أي خشية أن تبطل أعمالكم من حيث لا تشعرون ولا تدرون، فإِن في رفع الصوت والجهر بالكلام في حضرته صلى الله عليه وسلم استخفافاً قد يؤدي إِلى الكفر المحبط للعمل قال ابن كثير: روي حديث : أن ثابت بن قيس كان رفيع الصوت، فلما نزلت الآية قال: أنا الذي كنتُ أرفع صوتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا من أهل النار، حبط عملي، وجلس في أهله حزيناً، فافتقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق بعض القوم إِليه فقالوا له: تفقَّدك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك؟ فقال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم حبط عملي أنا من أهل النار، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه بما قال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا بل هو من أهل الجنة تفسير : وفي رواية "حديث : أترضى أن تعيش حميداً، وتقتل شهيداً، وتدخل الجنة؟ فقال: رضيتُ ببشرى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ولا أرفع صوتي أبداً على صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى} أي إِن الذين يخفضون أصواتهم في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم أولئك الذين أخلص الله قلوبهم للتقوى ومرَّنها عليها وجعلها صفة راسخةً فيها قال ابن كثير: أي أخلصها للتقوى وجعلها أهلا ومحلاً {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} أي لهم في الآخرة صفحٌ عن ذنوبهم، وثواب عظيم في جنات النعيم.. ثم ذمَّ تعالى الأعراب الجفاة الذين ما كانوا يتأدبون في ندائهم للرسول صلى الله عليه وسلم فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ} أي يدعونك من وراء الحجرات، منازِل أزواجك الطاهرات {أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} أي أكثر هؤلاء غير عقلاء، إذ العقل يقتضي حسن الأدب، ومراعاة العظماء عند خطابهم، سيّما لمن كان بهذا المنصب الخطير قال البيضاوي: قيل إِن الذي ناداه "عُيينة بن حُصين" و"الأقرع بن حابس" وفدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلاً من بني تميم وقت الظهيرة وهو راقد فقالا يا محمد أخرج إِلينا {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} أي ولو أنَّ هؤلاء المنادين لم يزعجوا الرسول صلى الله عليه وسلم بمناداتهم وصبروا حتى يخرج إِليهم لكان ذلك الصبر خيراً لهم وأفضل عند الله وعند الناس، لما فيه من مراعاة الأدب في مقام النبوة {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي الغفور لذنوب العباد، الرحيم بالمؤمنين حيث اقتصر على نصحهم وتقريعهم، ولم يُنزل العقاب بهم.. ثم حذَّر تعالى من الاستماع للأخبار بغير تثبت فقال {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ} أي إِذا أتاكم رجل فاسق - غير موثوق بصدقه وعدالته - بخبرٍ من الأخبار {فَتَبَيَّنُوۤاْ} أي فتثبتوا من صحة الخبر {أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} أي لئلا تصيبوا قوماً وأنتم جاهلون حقيقة الأمر {فَتُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} أي فتصيروا نادمين أشد الندم على صنيعكم {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ} أي واعلموا - أيها المؤمنون - أنَّ بينكم الرسول المعظَّم، والنبيُّ المكرم، المعصوم عن اتباع الهوى {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} أي لو يسمع وشاياتكم، ويصغي بسمعه لإِرادتكم، ويطيعكم في غالب ما تشيرون عليه من الأمور، لوقعتم في الجهد والهلاك قال ابن كثير: أي اعلموا أنَّ بين أظهركم رسول الله فعظّموه ووقروه، فإِنه أعلم بمصالحكم وأشفق عليكم منكم، ولو أطاعكم في جميع ما تختارونه لأدَّى ذلك إلى عنتكم وحرجكم {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ} أي ولكنه تعالى - بمنّه وفضله - نوَّر بصائركم فحبَّب إِلى نفوسكم الإِيمان {وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} أي وحسَّنه في قلوبكم، حتى أصبح أغلى عندكم من كل شيء {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ} أي وبغَّض إِلى نفوسكم أنواع الضلال، من الكفر والمعاصي والخروج عن طاعة الله قال ابن كثير: والمراد بالفسوق الذنوبُ الكبار، وبالعصيان جميع المعاصي {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ} أي أولئك المتصفون بالنعوت الجليلة هم المهتدون، الراشدون في سيرتهم وسلوكهم، والجملة تفيد الحصر أي هم الراشدون لا غيرهم {فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً} أي هذا العطاء تفضلٌ منه تعالى عليكم وإِنعام {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي عليمٌ بمن يستحق الهداية، حكيم في خلقه وصنعه وتدبيره.. ثم عقَّب تعالى على ما يترتب على سماع الأنباء المكذوبة من تخاصم وتباغضٍ وتقاتل فقال {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} أي وإِنْ حدث أنَّ فئتين وجماعتين من إِخوانكم المؤمنين جنحوا إِلى القتال فأصلحوا بينهما، واسعوا جهدكم للإِصلاح بينهما، والجمعُ {ٱقْتَتَلُواْ} باعتبار المعنى، والتثنية {بَيْنَهُمَا} باعتبار اللفظ {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ} أي فإِن بغت إحداهما على الأخرى، وتجاوزت حدَّها بالظلم والطغيان، ولم تقبل الصلح وصمَّمت على البغي {فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ} أي فقاتلوا الفئة الباغية حتى ترجع إِلى حكم الله وشرعه، وتُقلع عن البغي والعدوان، وتعمل بمقتضى أخوة الإِسلام {فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ وَأَقْسِطُوۤاْ} أي فإِن رجعت وكفَّت عن القتال فأصلحوا بينهما بالعدل، دون حيفٍ على إِحدى الفئتين، واعدلوا في جميع أموركم {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} أي يحبُّ العادلين الذين لا يجورون في أحكامهم قال البيضاوي: والآية نزلت في قتالٍ حدث بين "الأوس" و "الخزرج" في عهده صلى الله عليه وسلم كان فيه ضرب بالسَّعف والنعال، وهي تدلُّ على أن الباغي مؤمن، وأنه إِذا كفَّ عن الحرب ترك، وأنه يجب تقديم النصح والسعي في المصالحة {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} أي ليس المؤمنون إِلا إخوة، جمعتهم رابطة الإِيمان، فلا ينبغي أن تكون بينهم عداوة ولا شحناء، ولا تباغضٌ ولا تقاتل قال المفسرون: {إِنَّمَا} للحصر فكأنه يقول: لا أخوَّة إلا بين المؤمنين، ولا أخوة بين مؤمن وكافر، وفي الآية إشارة إلى أنَّ أخوة الإِسلام أقوى من أخوَّة النسب، بحيث لا تعتبر أخوَّة النسب إِذا خلت عن أخوة الإِسلام {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} أي فأصلحوا بين إِخوانكم المؤمنين، ولا تتركوا الفرقة تدبُّ، والبغضاء تعمل عملها {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي اتقوا الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، لتنالكم رحمته، وتسعدوا بجنته ومرضاته {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ} أي يا معشر المؤمنين، يا من اتصفتم بالإِيمان، وصدَّقتم بكتاب الله وبرسوله، لا يهزأ جماعة بجماعة، ولا يسخر أحد من أحد، فقد يكون المسخور منه خيراً عند الله من الساخر، وربَّ أشعث أغبر ذو طمرين لو أقسم على الله لأبرَّه {وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ} أي ولا يسخر نساء من نساء فعسى أن تكون المحتقر منها خيراً عند الله وأفضل من الساخرة {وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ} أي ولا يعب بعضكم بعضاً، ولا يدع بعضكم بعضاً بلقب السوء، وإِنما قال {أَنفُسَكُمْ} لأن المسلمين كأنهم نفسٌ واحدة {بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ} أي بئس أن يسمى الإِنسان فاسقاً بعد أن صار مؤمناً قال البيضاوي: وفي الآية دلالة على أن التنابز فسقٌ، والجمع بينه وبين الإِيمان مستقبح {وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} أي ومن لم يتبْ عن اللَّمز والتنابز فأولئك هم الظالمون بتعريض أنفسهم للعذاب {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ} أي ابتعدوا عن التهمة والتخون وإِساءة الظنِّ بالأهل والناس، وعبَّر بالكثير ليحتاط الإِنسان في كل ظنٍّ ولا يسارع فيه بل يتأملُ ويتحقَّق {إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ} أي إِنَّ في بعض الظنِّ إِثم وذنب يستحق صاحبه العقوبة عليه قال عمر رضي الله عنه: "لا تظُنَّنَّ بكلمةٍ خرجت من أخيكَ المؤمنِ إِلا خيراً، وأنت تجدُ لها في الخير محملاً" {وَلاَ تَجَسَّسُواْ} أي لا تبحثوا عن عورات المسلمين ولا تتبعوا معايبهم {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً} أي لا يذكر بعضكم بعضاً بالسوء في غيبته بما يكرهه {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً} تمثيلٌ لشناعة الغيبة وقبحها بما لا مزيد عليه من التقبيح أي هل يحب الواحد منكم أن يأكل لحم أخيه المسلم وهو ميت؟ {فَكَرِهْتُمُوهُ} أي فكما تكرهون هذا طبعاً فاكرهوا الغيبة شرعاً، فإِن عقوبتها أشدُّ من هذا.. شبَّه تعالى الغيبة بأكل لحم الأخ حال كونه ميتاً، وإِذا كان الإِنسان يكره لحم الإِنسان - فضلاً عن كونه أخاً، وفضلاً عن كونه ميتاً وجب عليه أن يكره الغيبة بمثل هذه الكراهة أو أشد {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي خافوا الله واحذروا عقابه، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه {إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} أي إِنه تعالى كثير التوبة، عظيم الرحمة، لمن اتقى اللهَ وتاب وأناب، وفيه حثٌ على التوبة، وترغيبٌ بالمساعة إِلى الندم والاعتراف بالخطأ لئلا يقنط الإِنسان من رحمة الله.

زيد بن علي

تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال حدّثنا علي بن أحمد. قال حدّثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قوله تعالى: {لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} معناه لا تُعجِّلوا بالأمرِ والنهي دُونَهُ.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} هذه السورة مدنية ومناسبتها لآخر ما قبلها ظاهرة لأنه تعالى ذكر الرسول وأصحابه ثم قال وعد الله فربما صدر من المؤمن بعض شىء مما ينبغي أن ينهى عنه وقال ابن عباس: نهو أن يتكلموا بين يدي كلامه وقرىء لا تقدموا بفتح التاء وأصلها لا تتقدموا فحذف التاء الثانية. {أَن تَحْبَطَ} هو على حذف مضاف تقديره مخافة أن تحبط. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ} قيل نزلت في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ولما كان منهما من غض الصوت. {ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ} أي جربها ودربها للتقوى. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ} نزلت في وفد بني تميم الأقرع بن جابس والزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهثم وغيرهم ونووا ودخلوا المسجد وقت الظهيرة والنبي عليه السلام راقد فجعلوا ينادونه بجملتهم يا محمد اخرج إلينا فاستيقظ فخرج لهم وقصتهم وشاعرهم وخطيبهم وشاعره عليه السلام وخطيبه مذكور في البحر. {مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ} الوراء الجهة التي يواريها عنك الشخص من خلف أو قدام. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ} الآية سبب نزولها أن الحٰرث بن صوار أسلم وراح إلى قومه فجمع زكاتهم ووجه الرسول صلى الله عليه وسلم الوليد لقبض الزكاة فخاف الوليد ورجع فأخبر الرسول أن الحٰرث منع الزكاة فقدم الحٰرث بعد ذلك وأقسم أن الوليد ما جاء ولا رآه وجاء بزكاة قومه في قصة فيها طول ذكرت في البحر وفاسق وبنبأ مطلقان يتناول اللفظ كل واحد على جهة البدل. وقرىء: فتبينوا وفتثبتوا أخبر تعالى أن رسوله صلى الله عليه وسلم لو أطاعكم في كثير من الأمر الذي يؤدي إليه اجتهادكم وتقدمكم بين يديه لعنتم أي لشق عليكم. {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ} الآية سبب نزولها ما جرى بين الأوس والخزرج حين أساء الأدب عبد الله بن أبي بن سلول على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوجه إلى زيارة سعد بن عبادة في مرضه وتعصب بعضهم لعبد الله ورد عبد الله بن رواحة على ابن أبيّ فتجالد الحيان قيل بالحديد وقيل بالجريد والنعال والأيدي فنزلت فقرأها عليهم فاصطلحوا وقرىء بين أخويكم بالتثنية وأخوتكم بالجمع. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ} قيل سبب نزولها أن عكرمة ابن أبي جهل كان يمشي بالمدينة وقد أسلم فقال له قوم هذا ابن فرعون هذه الأمة فعز عليه ذلك وشكاهم فنزلت. قال الزمخشري: وهو في الأصل جمع قائم كصوم وزور. "انتهى". وفعل ليس من أبنية الجموع إلا على مذهب أبي الحسن في قوله ان ركبا جمع راكب. {عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ} يعني أن يكون المسخور منهم خيراً من الساخرين بهم عسى أن يكن أي يكون المسخور منهن خيراً من الساخرات بهم. {وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} أي تعيبوا بعضكم بعضاً. {وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ} أي القبيحة كقولهم سعيد بطه وأما الألقاب الحسنة فهي كالصديق في أبي بكر رضي الله عنه والفاروق في عمر. {بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ} أي بئس إسم تكتسبونه بعصيانكم ونبزكم بالألقاب فتكونون فساقاً بالمعصية بعد إيمانكم. {ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ} أي لا تعملوا على حسبه وأمر تعالى باجتنابه لئلا يجترىء أحد على ظن إلا بعد نظر تأول وتمييز بين حقه وباطله والمأمور باجتنابه هو بعض الظن المحكوم عليه. قال الزمخشري: والهمزة فيه بدل عن الواو وكأنه يثم الأعمال أي يكسرها بإِحباطه "انتهى". ليس هذا بشىء لأن تصريف هذه الكلمة مستعمل فيه الهمز تقول ألم يأثم فهو آثم والإِثم والآثام فالهمزة أصل ليست بدلاً عن واو وأما يثم فأصله يوثم وهي من مادة أخرى. {وَلاَ تَجَسَّسُواْ} أي لا تتبعوا عورات المسلمين ومعايبهم. والاستكشاف عما ستروه. {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً} يقال غابه واغتابه كغاله واغتاله والغيبة هي من الاغتياب وهي ذكر الرجل بما يكره أن يسمع بما هو فيه وفي الحديث حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الغيبة فقال: ان تذكر من المرء ما يكره أن يسمع فقيل: يا رسول الله وإن كان حقاً فقال عليه السلام: إذا قلت باطلاً فذلك البهتانتفسير : . وقال ابن عباس الغيبة ادام كلاب الناس. {أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً} روي في الحديث حديث : ما صام من أكل لحوم الناستفسير : . وقال أبو زيد السهيلي: ضرب المثل لآخذه العرض بأكل اللحم لأن اللحم ستر على العظم والشاتم لأخيه كأنه يقشر ويكشف ما عليه من ستر الله. قال الزمخشري: ميتاً نصب على الحال من الأخ "انتهى". هذا ضعيف لأن المجرور بالإِضافة لا يجيء الحال منه إلا إذا كان له موضع من الأعراب نحو أعجبني ركوب الفرس مسرجاً وقيام زيد مسرعاً فالفرس في موضع نصب وزيد في موضع رفع.

الجيلاني

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مقتضى إيمانكم: مراعاة الأدب مع الله ورسوله، فعليكم أن {لاَ تُقَدِّمُواْ} ولا تتقدموا في أمر من الأمور وحكم من الأحكام {بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي: لا تبادروا بإمضاء الأحكام ما لم تشاوروا بكتاب الله وسنة رسوله ولم تعرضوها عليهما {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} الغيور المطلع على ما في ضمائركم ونياتكم، واحذروا عن المسابقة والمبادرة في الأقوال والأحكام بمقتضى أرائكم وأهوائكم {إِنَّ ٱللَّهَ} المراقب عليكم في عموم أحوالكم {سَمِيعٌ} لأقوالكم {عَلِيمٌ} [الحجرات: 1] بنياتكم فيها. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} من خصائص إيمانكم بالله وبرسوله أن {لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ} وقت التكلم مع النبي صلى الله عليه وسلم {فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ} ولا تخلطوا أصواتكم مع صوته، بل {وَ} عليكم أن {لاَ تَجْهَرُواْ لَهُ} صلى الله عليه وسلم {بِٱلْقَوْلِ} مطلقاً {كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} إذ الجهر بالقول معه مخل لحرمته وتعظيمه، وإنما نهاكم سبحانه عنه؛ كراهة {أَن تَحْبَطَ} وتضيع {أَعْمَالُكُمْ} أي: الصالحات منها {وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2] إحباطها وضياعها. وبالجملة: {إِنَّ} المؤمنين المحسنين {ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ} ويحفظون {أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ} مراعاة لتعظيمه، وحفظاً للأدب معه {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء المقبولون، هم {ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ} المجرب لإخلاص عباده {قُلُوبَهُمْ} التي هي وعاء الإخلاص والإيمان ليجعلها مقراً {لِلتَّقْوَىٰ} المثمرة لأنواع اللذات الروحانية {لَهُم مَّغْفِرَةٌ} ستر وعفو عن مقتضيات بشريتهم {وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} [الحجرات: 3] هو تحققهم بمقام الرضا والتسليم. ثم قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة: {إِنَّ} المسرفين المسيئين {ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ} يا أكمل الرسل {مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ} حين كنت مستريحاً في خلوتك، فارغاً همَّك عن مقتضيات النبوة، متوجهاً إلى ربك حسب ولايتك {أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [الحجرات: 4] ولا يفهمون منزلتك عند ربك، ولا يتفطنون بخوتك معه واستغراقك بمطالعة وجهه الكريم؛ إذ لو كان لهم عقل يوقظهم من مقام الغفلة ويرشدهم ألبتة إلى مراعاة الأدب معك يا أكمل الرسل.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات: 1]، يشير إلى شهادة المنادي بالشرف: لا تقدموا أمر عمل المكلف قدم الإكرام بالشرف على إلزام الكلف؛ أي: لا تقدموا حكمكم برأيكم وعقلكم بين يدي الله ورسوله؛ أي: لا تقضوا أمراً دون الله ورسوله، ولا تعملوا في أمر الدين من ذات أنفسكم شيئاً، وقفوا حيثما وقفتم، وافعلوا ما به أمرتم؛ أي: اعملوا بالشرع لا بالطبع في طلب الحق، وكونوا أصحاب الاقتداء والاتباع لا أرباب الابتداء والابتداع. وبقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ} [الحجرات: 2]، يشير إلى أنه من شرط المؤمن ألاَّ يرى رأيه وعقله واختياره فوق رأي النبي صلى الله عليه وسلم والشيخ، ويكون مستسلماً لما فيه مصلحته، ويحفظ الأدب في خدمته وصحبته، {وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} [الحجرات: 2]؛ أي: لا تخاطبوه كخطاب بعضكم لبعض، بل خاطبوه بالتعظيم والتبجيل، ولا تنظروا إليه بالعين التي تنظرون إلى أمثالكم، وأنه بحسن خلقه يلاينكم، ولا تنبسطوا معه متجاسرين بما يعاشركم به من تخلقه، ولا تبدؤه بحديث حتى يفاتحكم، {أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ} [الحجرات: 2] بسوء الأدب وترك الحرمة، {وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2] لا تقفون عليه. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ} [الحجرات: 3] وعند شيخه، وهم الذين تقع عليهم السكينة من هيبة حضرته وولايته، {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ} [الحجرات: 3]، انتزع عنها حب الشهوات وصفاتها عن دنس سوء الأخلاق وتحليها بمكارمها، حتى انسلخوا عن عادات البشرية {لَهُم مَّغْفِرَةٌ} [الحجرات: 3]، بأنوار صفات الحق تعالى، {وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} [الحجرات: 3] بتجلي صفة العظمة. ثم أخبر عن سوء أدب بعض العرب بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ} [الحجرات: 4]، يشير إلى أنهم إنما ينادونك؛ لأنهم من وراء الحجبات يرونك فلا يعرفون قدرك، {أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [الحجرات: 4]؛ أي: مالهم به عقل يعرفون قدرك، ولو عرفوا قدرك لما تركوا حرمتك ولا التزموا هيبتك.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا متضمن للأدب، مع الله تعالى، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتعظيم له ، واحترامه، وإكرامه، فأمر [الله] عباده المؤمنين، بما يقتضيه الإيمان، بالله وبرسوله، من امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وأن يكونوا ماشين، خلف أوامر الله، متبعين لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في جميع أمورهم، و [أن] لا يتقدموا بين يدي الله ورسوله، ولا يقولوا، حتى يقول، ولا يأمروا، حتى يأمر، فإن هذا، حقيقة الأدب الواجب، مع الله ورسوله، وهو عنوان سعادة العبد وفلاحه، وبفواته، تفوته السعادة الأبدية، والنعيم السرمدي، وفي هذا، النهي [الشديد] عن تقديم قول غير الرسول صلى الله عليه وسلم، على قوله، فإنه متى استبانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجب اتباعها، وتقديمها على غيرها، كائنا ما كان. ثم أمر الله بتقواه عمومًا، وهي كما قال طلق بن حبيب: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله. وقوله: { إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ } أي: لجميع الأصوات في جميع الأوقات، في خفي المواضع والجهات، { عَلِيمٌ } بالظواهر والبواطن، والسوابق واللواحق، والواجبات والمستحيلات والممكنات. وفي ذكر الاسمين الكريمين -بعد النهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله، والأمر بتقواه- حث على امتثال تلك الأوامر الحسنة، والآداب المستحسنة، وترهيب عن عدم الامتثال. ثم قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ } وهذا أدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، في خطابه، أي: لا يرفع المخاطب له، صوته معه، فوق صوته، ولا يجهر له بالقول، بل يغض الصوت، ويخاطبه بأدب ولين، وتعظيم وتكريم، وإجلال وإعظام، ولا يكون الرسول كأحدهم، بل يميزوه في خطابهم، كما تميز عن غيره، في وجوب حقه على الأمة، ووجوب الإيمان به، والحب الذي لا يتم الإيمان إلا به، فإن في عدم القيام بذلك، محذورًا، وخشية أن يحبط عمل العبد وهو لا يشعر، كما أن الأدب معه، من أسباب [حصول الثواب و] قبول الأعمال. ثم مدح من غض صوته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن الله امتحن قلوبهم للتقوى، أي: ابتلاها واختبرها، فظهرت نتيجة ذلك، بأن صلحت قلوبهم للتقوى، ثم وعدهم المغفرة لذنوبهم، المتضمنة لزوال الشر والمكروه، والأجر العظيم، الذي لا يعلم وصفه إلا الله تعالى، وفي الأجر العظيم وجود المحبوب وفي هذا، دليل على أن الله يمتحن القلوب، بالأمر والنهي والمحن، فمن لازم أمر الله، واتبع رضاه، وسارع إلى ذلك، وقدمه على هواه، تمحض وتمحص للتقوى، وصار قلبه صالحًا لها ومن لم يكن كذلك، علم أنه لا يصلح للتقوى.

همام الصنعاني

تفسير : 2922- عبد الرزاق، قال، أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}: [الآية: 1]، إن ناساً كانوا يقولونَ: لولا أُنزل فِيَّ كذا، لولا أنزل فِيَّ كذا. 2923- قال معمر، وقال الحسن: هم قوم ذبحوا قبل أن يُصلِّي النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم النبي، فأعادوا الذبح.