٤٩ - ٱلْحُجُرَات
49 - Al-Hujurat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
2
Tafseer
الرازي
{أية : لاَ تُقَدّمُواْ } تفسير : [الحجرات: 1] نهي عن فعل ينبىء عن كونهم جاعلين لأنفسهم عند الله ورسوله بالنسبة إليهما وزناً ومقداراً ومدخلاً في أمر من أوامرهما ونواهيهما، وقوله {لاَ تَرْفَعُواْ } نهي عن قول ينبىء عن ذلك الأمر، لأن من يرفع صوته عند غيره يجعل لنفسه اعتباراً وعظمة وفيه مباحث: البحث الأول: ما الفائدة في إعادة النداء، وما هذا النمط من الكلامين على قول القائل {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ } تفسير : [الحجرات: 1]، و {لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوٰتَكُمْ }؟ نقول في إعادة النداء فوائد خمسة: منها أن يكون في ذلك بيان زيادة الشفقة على المسترشد كما في قول لقمان لابنه {أية : يٰبُنَىَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ } تفسير : [لقمان: 13] {أية : يٰبُنَىَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ } تفسير : [لقمان: 16]، {أية : يا بني أقم الصلاةَ } تفسير : [لقمان: 17] لأن النداء لتنبيه المنادى ليقبل على استماع الكلام ويجعل باله منه، فإعادته تفيد ذلك، ومنها أن لا يتوهم متوهم أن المخاطب ثانياً غير المخاطب أولاً: فإن من الجائز أن يقول القائل يا زيد افعل كذا وقل كذا يا عمرو، فإذا أعاده مرة أخرى، وقال يا زيد قل كذا، يعلم من أول الكلام أنه هو المخاطب ثانياً أيضاً ومنها أن يعلم أن كل واحد من الكلامين مقصود، وليس الثاني تأكيداً للأول كما تقول يا زيد لا تنطق ولا تتكلم إلا بالحق فإنه لا يحسن أن يقال يا زيد لا تنطق يا زيد لا تتكلم كما يحسن عند اختلاف المطلوبين، وقوله تعالى: {لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوٰتَكُمْ } يحتمل وجوهاً: أحدها: أن يكون المراد حقيقته، وذلك لأن رفع الصوت دليل قلة الاحتشام وترك الاحترام، وهذا من مسألة حكمية وهي أن الصوت بالمخارج ومن خشي قلبه ارتجف وتضعف حركته الدافعة فلا يخرج منه الصوت بقوة، ومن لم يخف ثبت قلبه وقوي، فرفع الهواء دليل عدم الخشية ثانيها: أن يكون المراد المنع من كثر الكلام لأن من يكثر الكلام يكون متكلماً عن سكوت الغير فيكون في وقت سكوت الغير لصوته ارتفاع وإن كان خائفاً إذا نظرت إلى حال غيره فلا ينبغي أن يكون لأحد عند النبي صلى الله عليه وسلم كلام كثير بالنسبة إلى كلام النبي صلى الله عليه وسلم لأن النبي عليه الصلاة والسلام مبلغ، فالمتكلم عنده إن أراد الإخبار لا يجوز، وإن استخبر النبي عليه السلام عما وجب عليه البيان، فهو لا يسكت عما يسأل وإن لم يسأل، وربما يكون في السؤال حقيدة برد جواب لا يسهل على المكلف الإتيان به فيبقى في ورطة العقاب ثالثها: أن يكون المراد رفع الكلام بالتعظيم أي لا تجعلوا لكلامكم ارتفاعاً على كلام النبي صلى الله عليه وسلم في الخطاب كما يقول القائل لغيره أمرتك مراراً بكذا عندما يقول له صاحبه مرني بأمر مثله، فيكون أحد الكلامين أعلى وأرفع من الآخر، والأول أصح والكل يدخل في حكم المراد، لأن المنع من رفع الصوت لا يكون إلا للاحترام وإظهار الاحتشام، ومن بلغ احترامه إلى حيث تنخفض الأصوات عنده من هيبته وعلو مرتبته لا يكثر عنده الكلام، ولا يرجع المتكلم معه في الخطاب، وقوله تعالى: {وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ } فيه فوائد: إحداها: أن بالأول حصل المنع من أن يجعل الإنسان كلامه أو صوته أعلى من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وصوته، ولقائل أن يقول فما منعت من المساواة فقال تعالى: ولا تجهروا له كما تجهرون لأقرانكم ونظرائكم بل اجعلوا كلمته عليا. والثانية: أن هذا أفاد أنه لا ينبغي أن يتكلم المؤمن عند النبي عليه السلام كما يتكلم العبد عند سيده، لأن العبد داخل تحت قوله {كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ } لأنه للعموم فلا ينبغي أن يجهر المؤمن للنبي صلى الله عليه وسلم كما يجهر العبد للسيد وإلا لكان قد جهر له كما يجهر بعضكم لبعض، لا يقال المفهوم من هذا النمط أن لا تجعلوه كما يتفق بينكم، بل تميزوه بأن لا تجهروا عنده أبداً وفيما بينكم لا تحافظون على الاحترام، لأنا نقول ما ذكرنا أقرب إلى الحقيقة، وفيه ما ذكرتم من المعنى وزيادة، ويؤيد ما ذكرنا قوله تعالى: {أية : ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } تفسير : [الأحزاب: 6] والسيد ليس أولى عند عبده من نفسه حتى لو كانا في مخمصة ووجد العبد ما لو لم يأكله لمات لا يجب عليه بذله لسيده، ويجب البذل للنبي صلى الله عليه وسلم، ولو علم العبد أن بموته ينجو سيده لا يلزمه أن يلقى نفسه في التهلكة لإنجاء سيده، ويجب لإنجاء النبي عليه الصلاة والسلام، وقد ذكرنا حقيقته عند تفسير الآية، وأن الحكمة تقتضي ذلك كما أن العضو الرئيس أولى بالرعاية من غيره، لأن عند خلل القلب مثلاً لا يبقى لليدين والرجلين استقامة فلو حفظ الإنسان نفسه وترك النبي عليه الصلاة والسلام لهلك هو أيضاً بخلاف العبد والسيد. الفائدة الثانية: أن قوله تعالى: {لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوٰتَكُمْ } لما كان من جنس {لا تَجْهَرُواْ } لم يستأنف النداء، ولما كان هو يخالف التقدم لكون أحدهما فعلاً والآخر قولاً استأنف كما في قول لقمان {أية : يا بني لا تشرك } تفسير : [لقمان: 13] وقوله {أية : يا بني أقم الصلاةَ } تفسير : [لقمان: 17] لكون الأول من عمل القلب والثاني من عمل الجوارح، وقوله {يابُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ المنكر} من غير استئناف النداء لأن الكل من عمل الجوارح. واعلم أنا إن قلنا المراد من قوله {لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوٰتَكُمْ } أي لا تكثروا الكلام فقوله {وَلاَ تَجْهَرُواْ } يكون مجازاً عن الإتيان بالكلام عن النبي صلى الله عليه وسلم بقدر ما يؤتى به عند غيره، أي لا تكثروا وقللوا غاية التقليل، وكذلك إن قلنا المراد بالرفع الخطاب فالمراد بقوله {لا تَجْهَرُواْ } أي لا تخاطبوه كما تخاطبون غيره وقوله تعالى: {أَن تَحْبَطَ أَعْمَـٰلُكُمْ } فيه وجهان مشهوران: أحدهما: لئلا تحبط والثاني: كراهة أن تحبط، وقد ذكرنا ذلك في قوله تعالى: {أية : يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } تفسير : [النساء: 176] وأمثاله، ويحتمل ههنا وجهاً آخر وهو أن يقال معناه: واتقوا الله واجتنبوا أن تحبط أعمالكم، والدليل على هذا أن الإضمار لما لم يكن منه بد فما دل عليه الكلام الذي هو فيه أولى أن يضمر والأمر بالتقوى قد سبق في قوله تعالى: {أية : وَٱتَّقَوْاْ } تفسير : [الحجرات: 1] وأما المعنى فنقول قوله {أَن تَحْبَطَ } إشارة إلى أنكم إن رفعتم أصوتكم وتقدمتكم تتمكن منكم هذه الرذائل وتؤدي إلى الاستحقار، وإنه يفضي إلى الانفراد والارتداد المحبط وقوله تعالى: {وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } إشارة إلى أن الردة تتمكن من النفس بحيث لا يشعر الإنسان، فإن من ارتكب ذنباً لم يرتكبه في عمره تراه نادماً غاية الندامة خائفاً غاية الخوف فإذا ارتكبه مراراً يقل الخوف والندامة ويصير عادة من حيث لا يعلم أنه لا يتمكن، وهذا التمكن كان في المرة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو غيرها، وهذا كما أن من بلغه خبر فإنه لا يقطع بقول المخبر في المرة الأولى، فإذا تكرر عليه ذلك وبلغ حد التواتر يحصل له اليقين ويتمكن الاعتقاد، ولا يدري متى كان ذلك، وعند أي خبر حصل هذا اليقين، فقوله {وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } تأكيد للمنع أي لا تقولوا بأن المرة الواحدة تعفي ولا توجب رده، لأن الأمر غير معلوم فاحسموا الباب، وفيه بيان آخر وهو أن المكلف إذا لم يحترم النبي صلى الله عليه وسلم ويجعل نفسه مثله فيما يأتي به بناء على أمره يكون كما يأتي به بناء على أمر نفسه، لكن ما تأمر به النفس لا يوجب الثواب وهو محبط حابط، كذلك ما يأتي به بغير أمر النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ حابط محبط، والله أعلم. واعلم أن الله تعالى لما أمر المؤمنين باحترام النبي صلى الله عليه وسلم وإكرامه وتقديمه على أنفسهم وعلى كل من خلقه الله تعالى أمر نبيه عليه السلام بالرأفة والرحمة، وأن يكون أرأف بهم من الوالد، كما قال: {أية : وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الحجر: 88] وقال تعالى: {أية : وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم } تفسير : [الكهف: 28] وقال: {أية : وَلاَ تَكُن كَصَـٰحِبِ ٱلْحُوتِ } تفسير : [القلم: 48] إلى غير ذلك لئلا تكون خدمته خدمة الجبارين الذين يستعبدون الأحرار بالقهر فيكون انقيادهم لوجه الله.
القرطبي
تفسير : فيه ست مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ} روى البخاريّ والترمذيّ عن ٱبن أبي مُليكة قال: حدثني عبد الله بن الزبير أن الأقرع بن حابس قدِم على النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فقال أبو بكر: يا رسول الله استعمله على قومه؛ فقال عمر: لا تستعمله يا رسول الله؛ فتكلما عند النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى ارتفعت أصواتهما؛ فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي. فقال عمر: ما أردت خلافك؛ قال: فنزلت هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ} قال: فكان عمر بعد ذلك إذا تكلم عند النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يسمع كلامه حتى يُستفهمه. قال: وما ذكر ابن الزبير جدّه يعني أبا بكر. قال: هذا حديث غريب حسن. وقد رواه بعضهم عن ٱبن أبي مليكة مرسلاً، لم يذكر فيه عن عبد الله بن الزبير. قلت: هو البخاري، قال: عن ٱبن أبي مُليكة كاد الخيِّران أن يهلكا: أبو بكر وعمر، رفعا أصواتهما عند النبيّ صلى الله عليه وسلم حين قدِم عليه ركب بني تميم؛ فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مُجاشِع، وأشار الآخر برجل آخر؛ فقال نافع: لا أحفظ اسمه، فقال أبو بكر لعمر: ما أردتَ إلا خلافي. فقال: ما أردتُ خلافك. فارتفعت أصواتهما في ذلك؛ فأنزل الله عز وجل: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ} الآية. فقال ٱبن الزبير: فما كان عمر يُسمع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه. ولم يذكر ذلك عن أبيه؛ يعني أبا بكر الصديق. وذكر المهدويّ عن عليّ رضي الله عنه: نزل قوله: {لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ} فينا لما ٱرتفعت أصواتنا أنا وجعفر وزيد بن حارثة، نتنازع ٱبنة حمزة لما جاء بها زيد من مكة؛ فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لجعفر؛ لأن خالتها عنده. وقد تقدم هذا الحديث في «آل عمران». وفي الصحيحين حديث : عن أنس بن مالك: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم افتقد ثابت بن قيس فقال رجل: يا رسول الله، أنا أعلم لك عِلْمَهُ؛ فأتاه فوجده جالساً في بيته مُنَكِّساً رأسه؛ فقال له: ما شأنك؟ فقال: شَر! كان يرفع صوته فَوْقَ صوتِ النبيّ صلى الله عليه وسلم فقد حبِط عمله وهو من أهل النار. فأتى الرجل النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره أنه قال كذا وكذا. فقال موسى: فرجع إليه المرة الآخرة ببشارة عظيمة؛ فقال: «اذهب إليه فقل له إنك لستَ من أهل النار ولكنك من أهل الجنة»تفسير : لفظ البخاري وثابت هذا هو ثابت بن قيس بن شماس الخزرجي يُكْنَى أبا محمد بٱبنه محمد. وقيل: أبا عبد الرحمٰن. قُتِل له يوم الحرّة ثلاثةٌ من الولد: محمد، ويحيى، وعبد الله. وكان خطيباً بليغاً معروفاً بذلك، كان يقال له خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما يقال لحسان شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولما قدِم وفد تميم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلبوا المفاخرة قام خطيبهم فٱفتخر، ثم قام ثابت بن قيس فخطب خطبة بليغة جَزْلة فغلبهم، وقام شاعرهم وهو الأقرع بن حابس فأنشد:شعر : أتيناك كَيْمَا يعرف الناس فضلنا إذا خالفونا عند ذكر المكارِم وإنا رؤوس الناس من كل مَعَشَرٍ وأن ليس في أرض الحجاز كدارِم وإنّ لنا المِرْباع في كل غارة تكون بنجد أو بأرض التهائم تفسير : فقام حسان فقال:شعر : بَني دارمٍ لا تَفْخَرُوا إن فَخْرَكُمْ يعود وَبَالاً عند ذكر المكارم هَبِلتم علينا تفخرون وأنتُم لنا خَوَلٌ مِن بين ظِئر وخادِم تفسير : في أبيات لهما. فقالوا: خطيبهم أخطب من خطيبنا، وشاعرهم أشعر من شاعرنا؛ فارتفعت أصواتهم فأنزل الله تعالى: {لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ}. حديث : وقال عطاء الخراساني: حدّثتني ٱبنة ثابت بن قيس قالت: لما نزلت {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ} الآية، دخل أبوها بيته وأغلق عليه بابه؛ فَفَقده النبيّ صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه يسأله ما خبره؛ فقال: أنا رجل شديد الصوت؛ أخاف أن يكون حبِط عملي. فقال عليه السلام: «لستَ منهم بل تعيش بخير وتموت بخير». قال: ثم أنزل الله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}[لقمان:8 1] فأغلق بابه وطَفِق يبكي؛ ففقده النبيّ صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه فأخبره؛ فقال: يا رسول الله، إني أحب الجمال وأحب أن أسود قومي. فقال: «لستَ منهم بل تعيش حَمِيداً وتُقتل شهيداً وتدخل الجنة»تفسير : . قالت: فلما كان يوم اليمامة خرج مع خالد بن الوليد إلى مُسَيْلِمَة فلما التقَوْا انكشفوا، فقال ثابت وسالم مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حفر كل واحد منهما له حفرة فثبتا وقاتلا حتى قُتلا؛ وعلى ثابت يومئذ درع له نفيسة؛ فمرّ به رجل من المسلمين فأخذها؛ فبينما رجل من المسلمين نائم أتاه ثابت في منامه فقال له: أوصيك بوصية، فإياك أن تقول هذا حُلْم فتضيعه، إني لما قُتلت أمس مرَّ بي رجل من المسلمين فأخذ درعي ومنزلُه في أقصى الناس، وعند خبائه فرس يَسْتَنُّ في طِوَله، وقد كفأ على الدّرع بُرْمَةً، وفوق البرمة رَحْل؛ فَأْتِ خالداً فمُرْه أن يبعث إلى درعي فيأخذها، وإذا قدمتَ المدينة على خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ يعني أبا بكر ـ فقل له: إن عليّ من الدَّين كذا وكذا، وفلان من رقيقي عتيق وفلان؛ فأتى الرجل خالداً فأخبره؛ فبعث إلى الدرع فأتي بها وحدّث أبا بكر برؤياه فأجاز وصيته. قال: ولا نعلم أحداً أجيزت وصيّته بعد موته غير ثابت، رحمه الله؛ ذكره أبو عمر في الاستيعاب. الثانية ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ} أي لا تخاطبوه: يا محمد، ويا أحمد. ولكن: يا نبيّ الله، ويا رسول الله؛ توقيراً له. وقيل: كان المنافقون يرفعون أصواتهم عند النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ ليقتدي بهم ضَعَفة المسلمين فَنُهِي المسلمون عن ذلك. وقيل: «لاَ تَجْهَرُوا لَهُ» أي لا تجهروا عليه، كما يقال: سقط لِفِيه؛ أي على فيه. {كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} الكاف كاف التشبيه في محل النصب؛ أي لا تجهروا له جهراً مثل جهر بعضكم لبعض. وفي هذا دليل (على) أنهم لم يُنهوا عن الجهر مطلقاً حتى لا يسوغ لهم إلا أن يكلموه بالهمس والمخافتة؛ وإنما نُهُوا عن جهر مخصوص مقيّد بصفة؛ أعني الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منهم فيما بينهم، وهو الخلو من مراعاة أبَّهة النبوّة وجلالة مقدارها وانحطاط سائر الرتب وإن جلّت عن رتبتها. {أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } أي من أجل أن تحبط، أي تبطل؛ هذا قول البصريين. وقال الكوفيون: أي لئلا تحبط أعمالكم. الثالثة ـ معنى الآية الأمرُ بتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوقيره، وخفضِ الصوت بحضرته وعند مخاطبته؛ أي إذا نطق ونطقتم فعليكم ألا تبلغوا بأصواتكم وراء الحدّ الذي يبلغه بصوته، وأن تغضُّوا منها بحيث يكون كلامه غالباً لكلامكم، وجهرُه باهراً لجهركم؛ حتى تكون مزيّته عليكم لائحة، وسابقته واضحة، وٱمتيازه عن جمهوركم كشِيَة الأبلق. لا أن تغمروا صوته بلغطكم، وتَبْهَرُوا منطقه بصخبكم. وفي قراءة ابن مسعود «لاَ تَرْفَعُوا بِأَصْوَاتِكُمْ». وقد كره بعض العلماء رفع الصوت عند قبره عليه السلام. وكره بعض العلماء رفع الصوت في مجالس العلماء تشريفاً لهم؛ إذ هم ورثة الأنبياء. الرابعة ـ قال القاضي أبو بكر بن العربي: حرمة النبيّ صلى الله عليه وسلم مَيّتاً كحرمته حيًّا، وكلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثالُ كلامه المسموع من لفظه، فإذا قرىء كلامه، وجب على كل حاضر ألا يرفع صوته عليه، ولا يَعرض عنه؛ كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به. وقد نبّه الله سبحانه على دوام الحرمة المذكورة على مرور الأزمنة بقوله تعالى: {أية : وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ} تفسير : [الأعراف: 204]. وكلامه صلى الله عليه وسلم من الوَحْي، وله من الحكمة مثل ما للقرآن؛ إلا معاني مستثناة، بيانها في كتب الفقه. الخامسة ـ وليس الغرض برفع الصوت ولا الجهر ما يقصد به الاْستخفاف والاْستهانة؛ لأن ذلك كفر والمخاطبون مؤمنون. وإنما الغرض صوت هو في نفسه والمسموع من جَرْسه غير مناسب لما يُهاب به العظماء ويوقّر الكبراء، فيتكلف الغض منه وردّه إلى حدٍّ يميل به إلى ما يستبين فيه المأمور به من التعزير والتوقير. ولم يتناول النهي أيضاً رفع الصوت الذي يتأذى به رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهو ما كان منهم في حرب أو مجادلة معاندٍ أو إرهاب عدوّ أو ما أشبه ذلك؛ ففي الحديث أنه حديث : قال عليه السلام للعباس بن عبد المطلب لما انهزم الناس يوم حُنين: «ٱصرخ بالناس»تفسير : ، وكان العباس أجهر الناس صوتاً. يروى أن غارة أتتهم يوماً فصاح العباس: يا صباحاه! فأسقطت الحوامل لشدّة صوته، وفيه يقول نابغة بني جعدة:شعر : زَجْرُ أبي عُرْوة السباع إذا أشفق أن يختلطن بالغنم تفسير : زعمت الرواة أنه كان يزجر السباع عن الغنم فيفتق مرارة السبع في جوفه. السادسة ـ قال الزجاج: {أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ} التقدير لأن تحبط؛ أي فتحبط أعمالكم، فاللام المقدرة لام الصيرورة وليس قوله: {أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } بموجب أن يكفر الإنسان وهو لا يعلم؛ فكما لا يكون الكافر مؤمناً إلا باختياره الإيمان على الكفر، كذلك لا يكون المؤمن كافراً من حيث لا يقصد إلى الكفر ولا يختاره بإجماع. كذلك لا يكون الكافر كافراً من حيث لا يعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل فيمن رفع صوته عند النبي صلى الله عليه وسلم {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوٰتَكُمْ } إذا نطقتم {فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِىِّ } إذا نطق {وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ } إذا ناجيتموه {كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ } بل دون ذلك إجلالاً له {أَن تَحْبَطَ أَعْمَٰلُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } أي خشية ذلك بالرفع والجهر المذكورين.
ابن عبد السلام
تفسير : {لا تَرْفَعُواْ أصْوَاتَكُمْ} تمار عند الرسول صلى الله عليه وسلم رجلان فارتفعت أصواتهما فنزلت فقال أبو بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ: والذي بعثك بالحق لا أكلمك بعدها إلا كأخي السرار {وَلا تَجْهَرُواْ} برفع أصواتكم، أو لا تدعوه باسمه وكنيته كدعاء بعضكم بعضاً بالأسماء والكنى ولكن أدعوه بالنبوة والرسالة {أَن تَحْبَطَ} أي فتحبط، أو لئلا تحبط.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} أي لا تجعلوا كلامكم مرتفعاً على كلام النبي صلى الله عليه وسلم في الخطاب وذلك، لأن رفع الصوت دليل على قلة الاحتشام وترك الاحترام. وقوله: لا تقدموا نهي عن فعل وقوله لا ترفعوا أصواتكم نهي عن قول {ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض} أمرهم أن يبجلوه ويفخموه ويعظموه ولا يرفعوا أصواتهم عنده ولا ينادوه كما ينادي بعضهم بعضاً فيقول يا محمد بل يقولون يا رسول الله يا نبي الله {أن تحبط أعمالكم} أي لئلا تحبط. وقيل: مخافة أن تحبط حسناتكم {وأنتم لا تشعرون} أي بذلك. (ق) عن أنس بن مالك قال: حديث : لما نزلت هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} الآية جلس ثابت بن قيس في بيته وقال: أنا من أهل النار. واحتبس عن النبي صلى الله عليه وسلم فسأل النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمرو ما شأن ثابت أيشتكي؟ فقال سعد: إنه لجاري وما علمت له شكوى. قال: فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ثابت: أنزلت هذه الآية ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنا من أهل النار فذكر ذلك سعد للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو من أهل الجنة . تفسير : زاد في رواية: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجل من أهل الجنة مسلم وللبخاري نحوه. وروي حديث : لما نزلت هذه الآية قعد ثابت في الطريق يبكي فمر به عاصم بن عدي فقال: ما يبكيك يا ثابت؟ قال: هذه الآية أتخوف أن تكون أنزلت فيّ وأنا رفيع الصوت على النبي صلى الله عليه وسلم أخاف أن يحبط عملي وأن أكون من أهل النار. فمضى عاصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وغلب ثابتاً البكاء فأتى امرأته جميلة بنت عبد الله بن أبي ابن سلول فقال لها: إذا دخلت بيت فرسي فشدي على الضبة بمسمار فضربتها بمسمار. وقال: لا أخرج حتى يتوفاني الله أو يرضى عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره قال اذهب فادعه فجاء عاصم إلى المكان الذي رآه فيه فلم يجده فجاء إلى أهله فوجده في بيت الفرس. فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك فقال اكسر الضبة فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك يا ثابت؟ فقال: أنا صيت وأتخوف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن تعيش حميداً وتقتل شهيداً وتدخل الجنة؟ فقال: رضيت ببشرى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا أرفع صوتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم أبداًً تفسير : فأنزل الله تعالى: {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله...}
السيوطي
تفسير : أخرج البخاري وابن المنذر والطبراني عن ابن أبي مليكة قال: كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر وعمر رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه ركب بني تميم فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس وأشار الآخر برجل آخر، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي، قال: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك فأنزل الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} الآية. قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه. وأخرجه الترمذي من طريق ابن أبي مليكة قال: حدثني عبد الله بن الزبير به. وأخرج ابن جرير والطبراني من طريق ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير أن الأقرع بن حابس قدم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: يا رسول الله استعمله على قومه، فقال عمر: لا تستعمله يا رسول الله. فتكلما عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى ارتفعت أصواتهما، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت الا خلافي، قال: ما أردت خلافك، فنزلت هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} فكان عمر بعد ذلك إذا تكلم عند النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمع كلامه حتى يستفهمه. وأخرج البزار وابن عدي والحاكم وابن مردويه عن أبي بكر الصديق قال: لما نزلت هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} قلت يا رسول الله: والله لا أكلمك إلا كأخي السرار. وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة قال: لما نزلت {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله} قال أبو بكر: والذي أنزل عليك الكتاب يا رسول الله لا أكلمك إلا كأخي السرار حتى ألقى الله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: كانوا يجهرون له بالكلام ويرفعون أصواتهم، فأنزل الله {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد في قوله {ولا تجهروا له بالقول} الآية قال: لا تنادوه نداء ولكن قولوا قولاً ليناً يا رسول الله. وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو يعلى والبغوي في معجم الصحابة وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أنس قال: حديث : لما نزلت {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} إلى قوله {وأنتم لا تشعرون} وكان ثابت بن قيس بن شماس رفيع الصوت فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم حبط عملي أنا من أهل النار، وجلس في بيته حزيناً ففقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له: فقدك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك؟ قال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم وأجهر له بالقول، حبط عملي، أنا من أهل النار، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه بذلك فقال: لا بل هو من أهل الجنة، فلما كان يوم اليمامة قتل ". تفسير : وأخرج ابن جرير والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس قال: حديث : لما نزلت هذه الآية {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول} قعد ثابت رضي الله عنه في الطريق يبكي فمرّ به عاصم بن عدي بن العجلان فقال: ما يبكيك يا ثابت؟ قال: هذه الآية أتخوف أن تكون نزلت فيَّ وأنا صيّت رفيع الصوت، فمضى عاصم بن عدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبره فقال: اذهب فأدعه لي فجاء فقال: ما يبكيك يا ثابت؟ فقال: أنا صيّت وأتخوّف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن تعيش حميداً وتقتل شهيداً وتدخل الجنة؟ قال: رضيت ولا أرفع صوتي أبداً على صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وأنزل الله تعالى {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله} تفسير : الآية. وأخرج ابن حبان والطبراني وأبو نعيم في المعرفة عن إسمعيل بن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري حديث : أن ثابت بن قيس قال: يا رسول الله: لقد خشيت أن أكون قد هلكت. قال: لمَ؟ قال: يمنع الله المرء أن يحمد بما لم يفعل وأجدني أحب الحمد، وينهى عن الخيلاء وأجدني أحب الجمال، وينهى أن نرفع أصواتنا فوق صوتك وأنا جهير الصوت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ثابت أما ترضى أن تعيش حميداً وتقتل شهيداً وتدخل الجنة؟ تفسير : قال الحافظ ابن حجر في الأطراف: هكذا أخرجه ابن حبان بهذا السياق وليس فيه ما يدل على أن إسمعيل سمعه من ثابت، فهو منقطع، ورواه مالك رضي الله عنه في الموطأ عن ابن شهاب عن إسمعيل عن ثابت أنه قال فذكره ولم يذكره من رواة الموطأ أحد إلا سعيد بن عفير وحده وقال: قال مالك: قتل ثابت بن قيس يوم اليمامة. قال ابن حجر رضي الله عنه: فلم يدركه إسمعيل، فهو منقطع قطعاً، إنتهى. وأخرج ابن جرير عن شمر بن عطية رضي الله عنه قال: حديث : جاء ثابت بن قيس بن شماس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محزون، فقال: يا ثابت ما الذي أرى بك؟ قال: آية قرأتها الليلة فأخشى أن يكون قد حبط عملي {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} وكان في أذنه صمم، فقال: أخشى أن أكون قد رفعت صوتي وجهرت لك بالقول، وأن أكون قد حبط عملي وأنا لا أشعر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إمشِ على الأرض نشيطاً فإنك من أهل الجنة ". تفسير : وأخرج البغوي وابن قانع في معجم الصحابة عن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس عن ثابت بن قيس بن شماس قال: حديث : لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} قعدت في بيتي، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: تعيش حميداً وتقتل شهيداً، فقتل يوم اليمامة ". تفسير : وأخرج البغوي وابن المنذر والطبراني والحاكم وابن مردويه والخطيب في المتفق والمفترق عن عطاء الخراساني قال: قدمت المدينة فلقيت رجلاً من الأنصار. قلت: حدثني حديث ثابت بن قيس بن شماس. قال: قم معي فانطلقت معه حتى دخلت على امرأة، فقال الرجل: هذه ابنة ثابت بن قيس بن شماس فاسألها عما بدا لك. فقلت: حدثيني. قالت: سمعت أبي يقول: لما أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} الآية دخل بيته وأغلق عليه بابه وطفق يبكي، ففقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما شأن ثابت؟ فقالوا: يا رسول الله ما ندري ما شأنه غير أنه قد أغلق عليه باب بيته فهو يبكي فيه. فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله: ما شأنك؟ قال: يا رسول الله: أنزل الله عليك هذه الآية، وأنا شديد الصوت فأخاف أن أكون قد حبط عملي. فقال: لست منهم، بل تعيش بخير وتموت بخير. قالت: ثم أنزل الله على نبيه {إن الله لا يحب كل مختالٍ فخور}، فأغلق عليه بابه وطفق يبكي فيه فافتقده رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ثابت ما شأنه؟ قالوا: يا رسول الله، والله ما ندري ما شأنه غير أنه قد أغلق عليه بابه وطفق يبكي فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما شأنك؟ قال: يا رسول الله: أنزل الله عليك {إن الله لا يحب كل مختالٍ فخورٍ} والله إني لأحب الجمال وأحب أن أسود قومي، قال: لست منهم بل تعيش حميداً وتقتل شهيداً ويدخلك الله الجنة بسلام. قالت: فلما كان يوم اليمامة خرج مع خالد بن الوليد إلى مسيلمة الكذاب فلما لقي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انكشفوا فقال ثابت لسالم مولى أبي حذيفة ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حفر كل منهما لنفسه حفرة، وحمل عليهم القوم، فثبتا حتى قتلا وكانت على ثابت يومئذ درع له نفيسة فمر به رجل من المسلمين فأخذها فبينا رجل من المسلمين نائم إذ أتاه ثابت بن قيس في منامه فقال له: إني أوصيك بوصية إياك أن تقول هذا حلم فتضيعه إني لما قتلت أمس مر بي رجل من المسلمين فأخذ درعي ومنزله في أقصى العسكر وعند خبائه فرس يستن في طوله وقد كفا على الدرع برمة وجعل فوق البرمة رحلاً فائتِ خالد بن الوليد فمره أن يبعث إلى درعي فيأخذها، وإذا قدمت على خليفة رسول الله فأخبره أن عليَّ من الدين كذا وكذا ولي من الدين كذا وكذا، وفلان من رقيقي عتيق، وفلان فإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه. فأتى الرجل خالد بن الوليد فأخبره، فبعث إلى الدرع فنظر إلى خباء في أقصى العسكر فإذا عنده فرس يستن في طوله فنظر في الخباء فإذا ليس فيه أحد فدخلوا فدفعوا الرجل فإذا تحته برمة ثم رفعوا البرمة فإذا الدرع تحتها، فأتوا به خالد بن الوليد. فلما قدموا المدينة حدّث الرجل أبا بكر برؤياه فأجاز وصيته بعد موته، ولا يعلم أحد من المسلمين جوّزت وصيته بعد موته غير ثابت بن قيس بن شماس. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} الآية، قال: نزلت في قيس بن شماس. وأخرج الترمذي وابن حبان وابن مردويه حديث : عن صفوان بن عسال رضي الله عنه أن رجلاً من أهل البادية أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يناديه بصوت له جهوري: يا محمد يا محمد، فقلنا: ويحك أخفض من صوتك فإنك قد نهيت عن هذا، قال: لا والله حتى أسمعه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هاؤم، قال: أرأيت رجلاً يحب قوماً ولم يلحق بهم، قال: المرء مع من أحب ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما أنزل الله {أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: منهم ثابت بن قيس بن شماس". وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {امتحن} قال: أخلص. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: أخلص الله قلوبهم فيما أحب. وأخرج أحمد في الزهد عن مجاهد قال: كتب إلى عمر رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين رجل لا يشتهي المعصية ولا يعمل بها أفضل أم رجل يشتهي المعصية ولا يعمل بها؟ فكتب عمر رضي الله عنه: إن الذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها {أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم} . وأخرج الحكيم الترمذي عن مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نفس ابن آدم شابة ولو التقت ترقوتاه من الكبر إلا من امتحن الله قلبه للتقوى وقليل ما هم ". تفسير : وأخرج ابن المبارك في الزهد عن أبي الدرداء قال: لا تزال نفس أحدكم شابة من حب الشيء ولو التقت ترقوتاه من الكبر إلا الذين امتحن الله قلوبهم وقليل ما هم.
ابو السعود
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوٰتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِىّ} شروعٌ في النَّهي عنِ التجاوزِ في كيفيةِ القولِ عندَ النبـيِّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ بعدَ النَّهي عنِ التجاوزِ في نفسِ القولِ والفعلِ، وَإعادةُ النداءِ معَ قُربِ العَهْدِ بهِ للمبالغةِ في الإيقاظِ والتنبـيهِ والإشعارِ باستقلالِ كُلَ مِنَ الكلامينِ باستدعاءِ الاعتناءِ بشأنِه أَيْ لاَ تبلُغوا بأصواتِكم وراءَ حدَ يبلُغه عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ بصوتِه وقُرِىءَ لا ترفعُوا بأصواتِكم عَلى أنَّ الباءَ زائدةٌ {وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ} إذَا كلمتُموه {كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} أيْ جهراً كَائناً كالجهرِ الجَارِي فيمَا بـينكُم بلْ اجعلُوا صوتَكُم أخفضَ منْ صوتِه عليهِ الصلاةُ والسلامُ وتعهّدُوا في مخاطبتِه اللينَ القريبَ منَ الهمسِ كَما هُو الدأبُ عندَ مخاطبةِ المَهيبِ المُعظمِ وحَافظُوا عَلى مُراعاةِ أُبَّهةِ النبوةِ وجَلالةِ مقدارِها، وَقيلَ مَعنْى لاَ تجهرُوا لهُ بالقولِ كجهرِ بعضِكُم لبعضٍ لا تقولُوا لهُ يَا محمدُ يَا أحمدُ وخَاطِبُوه بالنبوةِ قالَ ابْنُ عباسٍ، رضيَ الله عنُهمَا لما نزلتْ هذهِ الآيةُ قالَ أبوُ بكرٍ يا سولَ الله والله لاَ أكلمكَ إلاَّ السِّرارَ أَوْ أخَا السرارِ حَتَّى ألقى الله تعالَى وعن عمَر رضيَ الله عنْهُ أنَّه كانَ يكلمُه عليهِ الصلاةُ والسلامُ كأخِي السِّرارِ لا يسمعُهُ حَتَّى يستفهمَهُ وكانَ أبوُ بكرٍ رضيَ الله عنْهُ إذَا قدمَ على رسُولِ الله صَلَّى الله عليهِ وسلَم الوفودُ أرسلَ إليهمْ منْ يعلمهُمْ كيفَ يسلّمونَ ويأمرُهُم بالسكينةِ والوقارِ عندَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وقولُه تعالَى: {أَن تَحْبَطَ أَعْمَـٰلُكُمْ} إِمَّا علةٌ للنَّهي أيْ لا تجهرُوا خشيةَ أنْ تحبطَ أوْ كراهةَ أنْ تحبطَ كَما فِي قولِه تعالَى: {أية : يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } تفسير : [سورة النساء، الآية 17] أوْ للنهيّ أَيْ لا تجهرُوا لأجلِ الحبوطِ فإنَّ الجهرَ حيثُ كانَ بصددِ الأداءِ إلى الحبوطِ فكأنَّهُ فعلَ لأجلِه عَلى طريقةِ التمثيلِ كقولِه تعالى: { أية : لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} تفسير : [سورة القصص، الآية 8] وليسَ المرادُ بما نُهيَ عنْهُ منْ الرَّفعِ والجَهْرِ ما يقارنُه الاستخفافُ والاستهانةُ فإنَّ ذلكَ كفرٌ بلْ مَا يتُوهم أنْ يؤديَ إليهِ مما يجرِي بـينَهمْ في أثناءِ المحاورةِ منَ الرَّفعِ والجهرِ حسَبما يعربُ عنْهُ قولُه تعالَى: {كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} خَلاَ أنَّ رفعَ الصوتِ فوقَ صوتِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لمَّا كانَ منكراً محضاً لَمْ يُقيدْ بشيءٍ ولا ما يقعُ منهما في حربِ أو مجادلةِ معاندٍ أو إرهابِ عدوَ أو نحوِ ذلكَ وعنِ ابنِ عباسٍ رضيَ الله عنُهما نزلتْ في ثَابتِ بنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ وكانَ في أُذنِه وَقْرٌ وكانَ جَهْوريَّ الصوتِ ورُبَّما كانَ يكلمُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فيتأذَى بصوتِه وعنْ أنسٍ رضيَ الله عَنْهُحديث : أنهُ لمَّا نزلتْ الآيةُ فُقِدَ ثابتٌ وتفقدَهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ فأخبرَ بشأنِهِ فدعاهُ فسألَهُ فقالَ يَا رسولَ الله لقدْ أنزلتْ إليكَ هذهِ الآيةُ وإِنِّي رجلٌ جهيرُ الصوتِ فأخافُ أنْ يكونَ عَمَلِي قدْ حَبِطَ فقالَ لَهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ "لستَ هناكَ إنكَ تعيشُ بخيرٍ وتموتُ بخيرٍ وإنكَ منْ أهلِ الجنةِ" تفسير : وأمَّا مَا يُروى عنِ الحسنِ منْ أنَّها نزلتْ في بعضِ المنافقينَ الذينَ كانُوا يرفعونَ أصواتَهُم فوقَ صوتِه عليهِ الصلاةُ والسلامُ فقدْ قيلَ محملُه أنَّ نهيهَمُ مندرجٌ تحتَ نهَي المؤمنينَ بدلالةِ النصِّ {وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} حالٌ منْ فاعِل تحبطُ أيْ وَالحالُ أنكُم لاَ تشعرونَ بحبوطِها وفيهِ مزيدُ تحذيرٍ مما نُهوا عنْهُ.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ}[2] أي لا تخاطبوه إلا متفهمين، ثم بين كرامة من عظّمه فقال: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ}[3] أي أخلص نياتهم له.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ} [الآية: 2]. قال ابن عطاء: زجر عن الأذى لئلا يتخطى أحد إلى ما فوقه من ترك الحرمة. قال سهل: لا تخاطبوه إلا مستفهمين. وقال أبو بكر بن طاهر: لا تبدأوه بالخطاب ولا تجيبوه إلا على سبيل الحرمة.
القشيري
تفسير : أَمرَهم بحفظِ حرمته ومراعاةِ الأدب في خدمته وصحبته، وأَلاَّ ينظروا إليه بالعين التي ينظرون بها إلى أمثالهم. وأنه إذا كان بخُلُقهِ يُلاينُهم فينبغي ألا يتبسَّطوا معه متجاسرين، ولا يكونوا مع ما يعاشرهم به مِنْ تَخَلُّقِه عن حدودِهم زائدين. ويقال: لا تبدأوه بحديثٍ حتى يُفَاتِحَكم.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ} اعلمنا الله سبحانه بهذا التاديب ان خاطر حبيبه من كمال لطافته ومراقبته جمال ملكوته كان يتغير من الاصوات الجهرية وذلك من غاية شغله بالله وجمع همومه بين يدى الله فاذا صوت احد الجهر عنده خاصة ان يكلم كان يتاذى قلبه من صوته ويضيق صدره من ذلك كانه يتقاعد سره لحظة عن السير فى ميادين الازل والابد فخوفهم من ذلك فان تشويش خاطره عليه الصلاة والسّلام سبب بطلان اعمالكم {أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} فان من العرش الى الثرى لا يزن عنه خاطره ذرة اجتماع خاطر الانبياء والاولياء لمحة احب الى الله من اعمال المثقلين وفيه حفظ حرمة رسول الله وتاديب المريدين بين يدى اولياء الله قال ابن عطا زجر عن الاذى لئلا يتخطى احد الى ما فوقه من ترك الحرمة وقال سهل لا تخاطبوه الا مستفهمين قال الاستاذ ارمهم يحفظ حرمته ومراعاة الادب فى خدمته وصحبته ثم وصف الله المتادبين باداب الله انهم اهل التقوى الذى هو نور من الله فى قلوبهم فقدس سرائرهم من العجب والخطرات المذمومة وانهم ينظرون بذلك النور عظم حرمات حبيبه صلى الله عليه وسلم وما شرفه الله به من المنازل السنية والدرجات العلية بقوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ} ثم بين ان لهم مغفرة بانهم مستورون عن اعين الشياطين محفوظون من مكائدهم بما من الله عليهم من رعايته وعنايته وكشف مشاهدته بقوله {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} قال الحسين من امتحن الله قلبه بالتقوى ان شعاره القرأن ودثاره الايمان وسراجه التفكر وطيبه التقوى وطهارته التوبة ونظافته الحلال وزينته الروع وعلمه الأخرة وشغله بالله ومقامه مع الله وصومه الى المماة وافطاره من الجنة وجمعه الحنسات وكنزه الاخلاص وصحة المراقبة ونظره المشاهدة.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا اصواتكم فوق صوت النبى} شروع فى النهى عن التجاوز فى كيفية القول عند النبى عليه السلام بعد النهى عن التجاوز فى نفس القول والفعل والصوت هو الهوآء المنضغط عن قرع جسمين فان الهوآء الخارج من داخل الانسان ان خرج بدفع الطبع يسمى نفسا بفتح الفاء وان خرج بالارادة وعرض له تموج بتصادم جسمين يسمى صوتا والصوت الاختيارى الذى يكون للانسان ضربان ضرب باليد كصوت العود وما يجرى مجراه وضرب بالفم فالذى بالفم ضربان نطق وغيره فغيره النطق كصوت الناى والنطق اما مفرد من الكلام واما مركب كاحد الانواع من الكلام والمعنى لا تبلغوا باصواتكم ورآء حد يبلغه عليه السلام بصوته والباء للتعدية وقال فى المفردات تخصيص الصوت بالنهى لكونه اعم من النطق والكلام ويجوز انه خصه لان المكروه رفع الصوت لا رفع الكلام وعن عبد الله بن الزبير رضى الله عنه أن الاقرع بن حابس من بنى تميم قدم على النبى عليه السلام فقال ابو بكر رضى الله عنه يا رسول الله استعمله على قومه اى بتقديمه عليهم بالرياسة فقال عمر رضى الله عنه لا تستعمله يا رسول الله بل القعقاع بن معبد فتكلما عند النبى عليه السلام حتى ارتفعت اصواتهما فقال ابو بكر لعمر ما اردت الا خلافى فقال ما اردت خلافك فنزلت هذه الآية فكان عمر بعد ذلك اذا تكلم عند النبى لم يسمع كلامه حتى يستفهمه وقال ابو بكر آليت على نفسى ان لا اكلم النبى ابدا الا كأخى السرار يعنى سو كند ياد كردم كه بعد ازين هركز يا رسول خدا سخن بلند نكويم مكر جنانكه يا همرازى بنهان سخن كويند {ولا تجهروا له بالقول} اذا كلمتموه وتكلم هو ايضا والجهر يقال لظهور الشئ بافراط لحاسة البصر نحو رأيته جهارا او حاسة السمع نحو سوآء منكم من اسر القول ومن جهر به {كجهر بعضكم لبعض} اى جهرا كائنا كالجهر الجارى فيما بينكم بل اجعلوا صوتكم اخفض من صوته وتعهدوا فى مخاطبته اللين القريب من الهمس كما هو الدأب عند مخاطبة المهيب المعظم وحافظوا على مراعاة جله لة النبوة فنهوا عن جهر مخصوص مقيد وهو الجهر المماثل لجهر اعتادوه فيما بينهم لا عن الجهر مطلقا حتى لا يسوغ لهم الا ان يتكلموا بالهمس والمخافتة فالنهى الثانى ايضا مقيد بما اذا نطق ونطقوا والفرق ال مدلول النهى الاول حرمة رفع الصوت فوق صوته عليه السلام ومدلول الثانى حرمة ان يكون كلامهم معه عليه السلام فى صفة الجهر كالكلام الجارى بينهم ووجوب كون اصواتهم اخفض من صوته عليه السلام بعد كونها ليست بأرفع من صوته وهذا المعنى لا يستفاد من النهى الاول فلا تكرار والمفهوم من الكشاف فى الفرق بينهما ان معنى النهى الاول انه عليه السلام اذا نطق ونطقتم فعليكم ان لا تبلغوا بأصواتكم فوق الحد الذى يبلغ اليه صوته عليه السلام وان تغضوا من اصواتكم بحيث يكون صوته عاليا على اصواتكم ومعنى الثانى انكم اذ كلمتموه وهو عليه السلام ساكت فلا تبلغوا بالجهر فى القول الجهر الدآئر بينكم بل لينوا القول لينا يقارب الهمس الذى يضاد الجهر {ان تحبط اعمالكم} تا باطل نشود عملهاى شما بسبب اين جرأت. وهو علة اما للنهى على طريق التنازع فان كل واحد من قوله لا ترفعوا ولا تجهروا بطلبه من حيث المعنى فيكون علة للثانى عند البصريين وللاول عند الكوفيين كأنه قيل انتهوا عما نهيتم عنه لخشية حبوط اعمالكم او كراهته كما فى قوله تعالى {أية : يبين الله لكم ان تضلوا} تفسير : فحذف المضاف ولام التعليل واما علة للفعل المنهى كأنه قيل انتهوا عن الفعل الذى تفعلونه لاجل حبوط اعمالكم فاللام فيه لام العاقبة فانهم لم يقصدوا بما فعلوه من رفع الصوت والجهر حبوط اعمالهم الا انه لما كان بحيث قد يؤدى الى الكفر المحبط جعل كأنه فعل لاجله فادخل عليه لام العلة تشبيها لمؤدى الفعل بالعلة الغائية وليس المراد بما نهى عنه من الرفع والجهر ما يقارنه الاستخفاف والاستهانة فان ذلك كفر بل ما يتوهم ان يؤدى اليه مما يجرى بينهم فى اثناء المحاورة من الرفع والجهر خلا ان رفع الصوت فوق صوته عليه السلام لما كان منكرا محضا لم يقيد بشئ يعنى ان الاستخفاف به عليه السلام كفر لا الاستخفاف بأمرهما ربما انضم الى هذا الاستخفاف قصد الاهانة به عليه السلام وعدم المبالاة وكذا ليس المراد ما يقع الرفع والجهر فى حرب او مجادلة معاند او ارهاب عدو او نحو ذلك فانه مما لا بأس به اذلا يتأذى به النبى عليه السلام فلا يتناوله النهى ففى الحديث انه قال عليه السلام للعباس بن عبد المطلب لما انهزم الناس يوم حنين حديث : اصرخ بالناس تفسير : وكان العباس اجهر الناس صوتا (يروى) ان غارة اتتهم يوما اى فى المدينة فصاح العباس يا صباحاه فاسقط الحوامل لشدة صوته وكان يسمع صوته من ثمانية اميال كما مر فى الفتح وعن ابن العباس رضى الله عنهما نزلت فى ثابت بن قيس ابن شماس وكان فى اذنه وقر وكان جهورى الصوت اى جهيره ورفيعه وربما كان يكلم رسول الله فيتأذى بصوته وعن انس لما نزلت الآية فقد ثابت وتفقده عليه السلام فأخبر بشأنه فدعاه عليه السلام فسأله فقال يا رسول الله لقد انزلت اليك هذه الآية وانه رجل جهير الصوت فأخاف ان يكون عملى قد حبط فقال عليه السلام حديث : لست هناك انك تعيش بخير وتموت بخير وانك من اهل الجنة تفسير : وصدق رسول الله فان ثابتا مات بخير حيث قتل شهيدا يوم مسيلمة الكذاب وعليه درع فرآه رجل من الصحابة بعد موته فى المنام فقال له اعلم ان فلانا لرجل من المسلمين نزع درعى فذهب بها وهو فى ناحية من العسكر وعنده فرس مشدود يرعى وقد وضع على درعى برمة فائت خالد بن الوليد فأخبره حتى يسترد درعى وائت ابا بكر رضى الله عنه خليفة رسول الله وقل له ان على دينا لفلان حتى يقضى دينى وفلان من عبيدى حر فأخبر الرجل خالدا فوجد درعه والفرس على ما وصفه فاسترد الدرع واخبر خالد ابا بكر بتلك الرؤيا فاجاز ابو بكر وصيته قال مالك بن انس رضى الله عنه لا اعلم وصية اجيزت بعد موت صاحبها الا هذه الوصية {وانتم لا تشعرون} حال من فاعل تحبط اى والحال انكم لا تشعرون بحبوطها والشعور العلم والفطنة والعشر العلم الدقيق، ودانستن از طريق حس، وفيه مزيد تحذير لما نهوا عنه استدل الزمخشرى بالآية على ان الكبيرة تحبط الاعمال الصالحة اذ لا قائل بالفصل والجواب انه من باب التغليظ والمراد انهم لا يشعرون ان ذلك بمنزلة الكفر المحبط وليس كسائر المعاصى وايضا انه من باب ولا تكونن ظهيرا للكافرين يعنى ان المراد وهو الجهر والرفع المقرونان بالاستهانة والقصد الى التعريض بالمنافقين قال الراغب حبط العمل على ضرب احدها ان تكون الاعمال دنيوية فلا تغنى فى القيامة غناء كما اشار اليه تعالى بقوله {أية : وقدمنا الى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا}تفسير : والثانى ان تكون اعمالا اخروية لكن لم يقصد صاحبها بها وجه الله كما روى يؤتى برجل يوم القيامة فيقال له بم كان اشتغالك قال بقرآءة القرءآن فيقال له كنت تقرأ ليقال فلان قارئ وقد قيل ذلك فيومر به الى النار والثالث ان تكون اعمالا صالحة لكن بازآئها سيئات توفى عليها وذلك هو المشار اليه بخفة الميزان انتهى وحبط عمله كسمع وضرب حبطا وحبوطا بطل واحبطه الله ابطله كما فى القاموس وقال الراغب اصل الحبط من الحبط وهو ان تكثر الدابة من الكلأ حتى تنتفخ بطنها فلا يخرج منها شئ قال البقلى فى العرائس اعلمنا الله بهذا التأديب ان خاطر حبيبه من كمال لطافته ومراقبة جمال ملكوته كان يتغير من الاصوات الجهرية وذلك من غاية شغله بالله وجمع همومه بين يدى الله فكان اذا جهر احد عنده يتأذى قلبه ويضيق صدره من ذلك كأنه يتقاعد سره لحظة عن السير فى ميادين الازل فخوفهم الله من ذلك فان تشويش خاطره عليه السلام سبب بطلان الاعمال ومن العرش الى الثرى لا يزن عند خاطره ذرة واجتماع خاطر الانبياء والاولياء فى المحبة احب الى الله من اعمال الثقلين وفيه حفظ الحرمة لرسول الله وتأديب المريدين بين يدى اولياء الله، يقول الفقير ولكمال لطافته عليه السلام كان الموت عليه اشد اذ اللطيف يتأثر مما لا يتأثر الكثيف كما قال بعضهم قد شاهدنا اقواما من عرب البوادى يسلخ الحكام جميع جلد احدهم ولا يظهر ضجرا ولو سلخ اكبر الاولياء لصاح الا ان يؤخذ عقله بمشاهدة تمنع احساسه انتهى ومن هنا عرف ان لكل من الجهر والخفاء محلا فشديد النفس له الجهر ولينه له الاخفاء كما فى حال النكر وليس كل احد صاحب مشاهد وقال سهل لا تخاطبوه الا مستفهمين ثم ان الاصحاب رضى الله عنهم كانوا بعد هذه الآية لا يكلمونه عليه السلام الا جهرا يقرب من السر و الهمس وقد كره بعض العلماء رفع الصوت عند قبره عليه السلام لانه حى فى قبره وكذا القرب منه عليه السلام فى المواجهة عند السلام بحيث كان بينه وبينه عليه السلام اقل من اربعة اذرع وكره بعضهم رفع الصوت فى مجالس الفقهاء تشريفا لهم اذ هم ورثة الانبياء قال سليمان بن حرب ضحك انسان عند حماد بن زيد وهو يحدث بحديث عن رسول الله فغضب حماد وقال انى ارى رفع الصوت عند حديث رسول الله وهو ميت كرفع الصوت عنده وهو حى وقام وامتنع من الحديث ذلك اليوم وحاصله ان فيه كراهة الرفع عند الحديث وعند المحدث مع ان الضحك لا يخلو من السخرية والهزل ومجلس الجد لا يحتمل مثل ذلك ولو دخل السلف مجالس هذا الزمان من مجلس الوعظ والدرس واجتماع المولد ونحو ذلك خرجوا من ساعتهم لما رأوا من كثرة المنكرات وسوء الادب. بزركان كفته اند منترك الاداب رد عن الباب نهصد هزارساله طاعت ابليس بيك بى ادبى ضايع شد شعر : نكاه دارادب در طريق عشق ونياز كه كفته اندطريقت تمام آدابست تفسير : نسأل الله الكريم ان يجعلنا متحلين بحلية الادب العظيم
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} لمّا كانت السّورة المباركة لتأديب الامّة صدّر كلّ حكمٍ منها بالنّداء تلطّفاً بهم وتنشيطاً لهم للاستماع وجبراً لكلفة التّأديب بلذّة الخطاب {لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ} سواءٌ كان فوق صوته (ص) او لم يكن {كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ} كراهة ان تحبط {أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} فانّ رفع الصّوت عنده تركٌ لتعظيمه او اظهارٌ لتحقيره وكلاهما مورثٌ لحبط العمل، وورد انّ رسول الله (ص) كان اذا رفع احدٌ عنده صوته رفع صوته فوق صوته.
الهواري
تفسير : قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ}. تفسير الحسن أن أناساً من المنافقين كانوا يأتون النبي عليه السلام فيرفعون أصواتهم فوق صوته، يريدون بذلك أذاه والاستخفاف به. قال الحسن: نسبهم إلى ما أعطوه من الإيمان في الظاهر وما أقروا به من الفرائض فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}؛ وقد كان من المؤمنين من يرفع صوته فوق صوت النبي فلا ينهاه النبي عليه السلام عن ذلك، وإنما عنى بذلك المنافقين الذين يريدون أذاه والاستخفاف به. قال تعالى: {وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} أي: لا تقولوا له: يا محمد، وقولوا يا رسول الله ويا نبي الله. وقال مجاهد: لا تنادوه بذلك، ولكن قولوا له قولاً ليّناً سهلاً: يا رسول الله. ثم قال: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ} [يعظِّمونه بذلك فلا يرفعونها عنده]. {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ} أي: لذنوبهم {وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} أي: ثواب عظيم، أي: الجنة. وبلغنا أن ثابت بن قيس كان في أذنيه ثقل، وكان يرفع صوته عند رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال له رجل من قومه: إني لأراك تعيب على أصحابك من القول، وتأتي أسوأ ما يأتون. فقال له ثابت: وما ذلك؟ قال: ترفع فوق صوت النبي عليه السلام وتجهر له بالقول. فقال ثابت: يا رسول الله، أفيّ نزلت. قال: نعم. وهذا تفسير الكلبي: فقال ثابت: أما والذي أنزل عليك الكتاب لا أكلمك أبداً إلا سرّاً أو شبهه؟ فنزل عند ذلك {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ...} الآية. فصار هذا أدباً من آداب الله أدّب به المؤمنين.
اطفيش
تفسير : {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} لأن في الرفع عدم الاحترام زعم بعضهم انها نزلت لارتفاع صوت ابي بكر وعمر عند النبي صلى الله عليه وسلم والقصة المذكورة والصحيح انها بسبب عادة الاعراب من قلة الظرافة وعلو الصوت وقيل ذلك النهي اذا خوطب صلى الله عليه وسلم وليكن صوتكم دونه فتظهر مزيته وقيل الخطاب للمنافقين في المعنى وفي اللفظ للمؤمنين ليكون الأمر اغلظ على المنافقين وقيل كان المنافقون يرفعون اصواتهم ليظهروا قلة مبالاتهم به صلى الله عليه وسلم فيقتدي بهم ضعفة المسلمين وعن الحسن الخطاب للمنافقين لفظا ومعنى ولكن وصفهم بالايمان باعتبار ما اقروا به وقد كان من المسلمين من يرفع صوته عنه صلى الله عليه وسلم فلا ينهاه وانما عنى المنافقين الذين يريدون أذاه والاستخفاف به وقرأ ابن مسعود (بأصواتكم) بزيادة الباء لتأكيد النهي عن الواقع منهم وهو الرفع الشديد لا لجواز القليل واعاد النداء عليهم استدعاء منهم بتجديد الابصار عند الخطاب الوارد والتوطئة للانصات للحكم النازل وزجرا عن الغفلة والفتور عن تأملهم وعما يعملون بمحضره صلى الله عليه وسلم من الاذن الذي تعود المحافظة عليه بعظيم الجدوى عليهم في دينهم لأن في اعظام صاحب الشرع اعظام الشرع ومستعظم الشرع لا يدعه استعظامه ان يقصر في جدواه أو ان يفعل ما يصده عنه وكره رفع الصوت عند قبره صلى الله عليه وسلم وبحضرة العالم وفي المساجد قال القاضي أبو بكر ابن العربي حرمته ميتا كحرمته حيا وكلامه المأثور بعد موته كالمسموع من لسانه ولكلامه المأثور مثل القرآن لأنه وحي فيجب اذا كان حديثه يقرأ ان لا يرفع الصوت عليه ولا يعرض عنه كما في حياته صلى الله عليه وسلم {وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} بل دون ذلك ودون الجهر الخفاء والمراد الينوا القول لينا قريبا من الهمس الذي يضادد الجهر كما يخاطب المهيب المعظم ولما نزلت الآية قال ابو بكر لا اكلمك الا السرار واخا السرار حتى القى الله وكان عمر بعدها كذلك لا يسمعه النبي صلى الله عليه وسلم حتى يستفهمه وكان ابو بكر اذا قدم وقد ارسل اليهم من يعلمهم كيف يسلمون ويأمرهم بالوقار عنده صلى الله عليه وسلم وعن ابن عباس نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الخزرجي وكان في اذنه وقر وكان جهور الصوت ويتأذى صلى الله عليه وسلم بصوته وروي لما نزلت احتبس في بيته فسأل صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ ما شأن ثابت أشتكى؟ فقال انه لجاري وما علمت له شكوى فأتاه سعد فذكر له قوله نزلت الآية فقال: لقد علمتم إني من أرفعكم صوتا فاخاف ان يكون قد حبط عملي وروي فانا من أهل النار فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم ما قال فقال: بل هو من أهل الجنة وروي انه دعاه فقال اني جهير أخاف ان يحبط عملي فقال صلى الله عليه وسلم "حديث : لست هناك تعيش وتموت بخير وانك من أهل الجنة" تفسير : وروي انه لما نزلت قعد في الطريق يبكي فمر به عاصم بن علي فقال ما يبكيك فقال اخاف ان تكون نزلت فيّ وغلبه البكاء فاتى زوجته جميلة بنت عبيد الله بن أبي سلول فقال اذا دخلت بيت فرسي فشدي على الضبة بمسمار ولا اخرج حتى يتوفاني الله او يرضى عني رسوله فاخبر عاصم النبي صلى الله عليه وسلم فارسله اليه ولم يجده في الطريق ووجده في أهله في بيت الفرس فقال انه صلى الله عليه وسلم يدعوك فقال: كسر الضبة فاتاه فقال: ما يبكيك قال أنا صيِّت أي شديد الصوت اخاف أن تكون الآية نزلت فيّ فقال: اما ترضى ان تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة فقال: رضيت ببشرى الله ورسوله لا أرفع صوتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدا وقيل: قيل لثابت انك تعيب على أصحابك من القول وتأتي بأسوأ فقال: ما هو؟ قال ترفع صوتك فوق صوت النبي وتجهر له بالقول فقال أو فيّ نزلت قيل نعم والكاف متعلقة بـ {تَجْهَرُواْ} او بمحذوف نعت لمصدر محذوف اي جهر ثابت كجهر بعضكم او لا تعلق او اسم بمعنى مثل نعت لمصدر محذوف فانما نهوا عن الجهر الذي اعتادوه بينهم الخالي عن مراعاة حق النبوة والمؤمن ولو صدر منه رفع وجهر لم يقصد به استخفافا واستهانة لأنهما كفر ويجوز رفع الصوت في الحرب وجدال معاند ونحوهما ارهابا بحضرته وقد امر العباس وكان صيِّتاً ان يصرخ بالناس يوم حنين وروي أن غارة أتتهم يوما فصاح العباس يا صباحاه فاسقطت الحوامل لشدة صوته وانه يزجر السباع عن الغنم فيفتق مرارة السبع في جوفه وقال ابن عباس وغيره معنى {لاَ تَجْهَرُواْ لَهُ} الخ لا تنادوه باسمه كما ينادي بعضكم بعضا بل قولوا يا رسول الله او يا نبي الله* {أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ} في تأويل مصدر مفعول لأجله على تقدير مضاف ناصبة لا الناهية لان فيها معنى الفعل اي انتهوا عما نهيتم خشية الحبوط اي خشية منكم للحبوط كقولك لا تضرب زيد لادبه اي انته عن ضربه لأنه أديب او ناصبة ما بعد لا وعليه فالعلة صيرورية فان الرفع والجهر سببان موصولان للاحباط فكأنهم رفعوا وجهروا لاجل الاحباط فكأنه قيل ما تفعلون من الرفع والجهر لأجل الاحباط كفوا عنه فالنهي منصب على ما يفعلون وعلى العلة دفعة بخلاف الوجه الأول ويجيز بعضهم تقدير لا النافية مع لام التعليل المعلقة بلا الناهية أي انتهوا لئلا تحبط أعمالكم واختلفوا في ارتفاع الحرف كلا الناهية الأولى والثانية وفي التنازع في المفعول لأجله وعلى جوازه فيه فقيل: يقدر ضمير نائب عن المصدر الواقع مفعولا لأجله وقيل يقدر ضمير مجرور باللام وعلى كل يقدر متصلا بالفعل سواء قلنا تنازع الفعلان أو الحرفان ويؤيد النصب بالفعل الأول أو الثاني قراءة ابن مسعود بنصب (يحبط) على حد النصب في {أية : ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي} تفسير : وحبوط العمل فساده كقولك حبطت الابل اي فسد بطونها بأكل الحبط ودلت الآية ان من يأمن الآثام يرتكب ما يحبط عمله وان في العمل ما لا يدري انه اثم محبط فهو حول الحمى فليحذر من الوقوع فكأنه قال الامر غميض فاحذروا ان تقعوا* {وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} بالوقوع في الاحباط
اطفيش
تفسير : {يا أيُّها الَّذين آمنُوا لا ترفعُوا أصْواتكُم فَوق صَوت النبِّي} أعاد النداء مع قرب النداء قبله، للتأكيد فى النهى عن رفع الصوت فوق صوته صلى الله عليه وسلم، وللتنبيه على أن تحريم ذلك الرفع أمر آخر عظيم يستقل بالاعتناء به، وذكر وجوب أن لا يساووا بأصواتهم صوته صلى الله عليه وسلم، كما يفعل بعضهم ببعض، بل يخفضوا أصواتهم عن صوته وجوبا فى قوله عز وجل: {ولا تَجْهروا له بالقَول كجَهْر بعْضِكُم لبعْضٍ} عقب كلامه ولا فى سكوته، بل دونه كمن يكلم جبارا مهيبا احتراما له، وان خفض صوته فاخفضوا انتم تحت خفضه، وان جهر كثيرا أكثر مما يجهر فى عادته فلا تقتصروا على جهره المعتاد، بل اخفضوا تحت جهره المعتاد، وقي: قوله عز وجل: {لا ترفعوا} فيما اذا نطق ونطقتم، وقوله: {لا تجهروا} فيما اذا سكت وتكلمتم. قال أبو هريرة عن الصديق، بعد نزول ذلك: والذى أنزل عليك الكتاب يا رسول الله لا أكلمك الا كأخى السرار حتى القى الله تعالى، وفى رواية: يا رسول الله لا أكلمك الا السرار، أو أخا السرار حتى ألقى الله تعالى، وكان رضى الله عنه اذا قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوفود، أرسل اليهم من يعلمهم كيف يكلمونه، صلى الله عليه وسلم، وكيف يسملون، ويأمرهم بالسكينة والوقار، وعن عبد الله بن الزبير: كان عمر اذا تكلم عند النبى صلى الله عليه وسلم لم يسمع كلامه حتى يستفهمه، وذلك كله حذر من الآية، وقيل: المعنى لا تقولوا يا محمد، كما ينادى بعضكم بعضا باسمه، بل قولوا يا نبى الله، أو يا رسول الله، وبحث بأنه لو كان المعنى هذا لقال: لا تخاطبوه كخطاب بعضكم لبعض، ولا يذكر الجهر، وهو ظاهر، وما ذكر من الجهر المنهى عنه فوق صوته، انما هو إذا لم يحتج الى الرفع، أما اذا احتيج اليه فيجوز كما اذا دعت ضرورة، وكما اذا كان بأمره صلى الله عليه وسلم، كما امر العباس يوم حنين أن ينادى: يا أصحاب السمرة، فنادى بأعلى صوته، نادى لغارة أتت يا صباحاه، فأسقطت الحوامل، قيل: يزجر السبع عن الغنم، فتنفق مرارته. وسئل ابنه عبد الله بن عباس لم لا تنفتق الغنم، فقال: انها الفت صوته، وأيضا انما يشدد الجهر فى الموضع الذى يحتاج الى ذلك، وما اذ دعا الى الرفع والجهر حال قتال فى حضرته صلى الله عليه وسلم، أو جدال كفار، أو منافق، أو ارهاب عدو، او نحو ذلك مما ليس اهانة له صلى الله عليه وسلم، والنهى عن الجهر والرفع محرمان فى حضرته ولو غير خطاب له الا لداع، كما مثلت قبل، وكما اذا كان داخل البيت ونادوه من خارج فى بعيد من الباب، او قريب فيجهروا له: يا رسول الله، أو يا نبى الله، ويعترض عليه بقوله عز وجل: "أية : ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً" تفسير : [الحجرات: 5]. {أنْ تَحبَط أعْمالكُم} أى كراهة ان تحبط أعمالكم الصالحة بتقدير مضاف، أو لئلا تحبط أعمالكم بتقدير اللام، ولا النافية، وهذه اللام المقدر لام العاقبة، لأنهم ليسوا يجهرون أو يرفعون قصدا لحصول الحبوط، بل عاقبة الجهر، والرفع الحبوط، ويجوز تقدير لام التعليل ولا النافية، فيؤديان ما يؤدى تقدير كراهة من المعنى، ولام العاقبة متعلقة بتجهروا، ويقدر مثله لترفعوا، وأما كراهة ولام التعليل فمتعلقان بأنهاكم، أو نهيتكم عن الرفع والجهر لئلا تحبط أعمالكم. {وأنتْم لا تَشْعُرون} الجملة حال من أعمال، والمفعول محذوف، أى لا تشعرون انها أى أعمالكم محبطة، والآية دليل على أن الكبائر محبطة للأعمال الصالحة، كما يحبطها الشرك، فلو جهر له صلى الله عليه وسلم أحد أو رفع صوته بعد نزول الآية جهالة بلا قَصْد إيذاءً أو زلة بلا قصد ايذاء لم يكن شركا بل كبيرة دون الشرك تحبط العمل، يحتمل أن المعى أنكم لا تعلمون أنها محبطة، ولو سمعتم النهى فهذه فائدة ذكر لا تشعرون، ولا حاجة الى دعوى أن الاحباط بلا قصد الايذاء منزل منزلة قصد الايذاء، وقصده شرك، إذ لا دليل على ذلك. ولما نزلت الآية احتبس ثابت بن قيس فى بيته، وأغلق عليه بابه، وطفق يبكى، فقال صلى الله عليه وسلم لسعد بن معاذ: "حديث : "ما شأن ثابت؟ وهل مرض؟" فقال: إنه جاري وما سمعت عنه مرضاً، فقال له سعد: ما شأنك؟ قال: نزلت الآية، وقد علمتم أني أرفعكم صوتاً على رسول الله عليه وسلم فأنا من أهل النار، فأخبره صلى الله عليه وسلم سعد بما قال ثابت، فقال صلى الله عليه وسلم: "بل هو من أهل الجنة"" تفسير : رواه البخارى ومسلم، وفى رواية: فكنا نراه رجلاً من أهل الجنة يمشي بين أظهرنا فأرسل إليه هذه الآية، فقال: "حديث : "ما شأنك؟" فقال: يا رسول الله أنزل الله عليك هذه الآية، وأنا شديد الصوت فأخاف أن يكون قد حبط عملي، فقال صلى الله عليه وسلم: "بل تعيش بخير وتموت بخير ولست ممن يحبط عمله"" تفسير : ولا ينافى قوله: فأنا من أهل النار قوله: أخاف، لأن مراده بأنه من أهل النار الظن لا الجزم أو أراد أنى من أهلها، وعبر عن هذا الجزم بالخوف تفننا فى العبارة. وعلى كل حال خاف بعد نزول الآية عما صدر منه من الجهر والرفع، قبل نزولها لغلبة الخوف، أو لظنه أنه مؤاخذ بما قبل نزولها، مع أنه لا مؤاخذة بما قبل نزولها، مع أنه لا قصد له فى الاهانة، بل الجهر طبع له كما هو شأن الأصم. ويروى: أنه أمر زوجه جميلة بنت عبد الله بن أبى بن سلول أن تسمر عليه باب فرشه، على أن لا يخرج حتى يموت أو يرضى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبر صلى الله عليه وسلم فناداه فقال: "حديث : "مالك تبكى؟" فقال: يا رسول الله إني صيت أخاف أن تأكلني النار لهذه الآية، فقال صلى الله عليه وسلم: "أما ترضى أن تعيش حميداً وتقتل شهيداً، وتدخل الجنة؟"" تفسير : فقال: رضيت ببشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أرفع صوتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدا، قال أنس: فكنا ننظر الى رجل من اهل الجنة يمشى بين أيدينا. وشهد حرب اليمامة لمسيلمة الكذاب، وانهزمت طائفة هو فيهم مع سالم مولى حذيفة، فقال: تبّاً لهؤلاء، ما كنا نقاتل أعداء الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل قتالنا هذا، وثبت حتى قتل، وعليه درع فقال فى المنام لصحابى: ان فلانا نزع درعى وهو فى ناحية من العسكر عند فرس يستن فى طيله وقد وضع عليه برمته، فأخبر خالدا ليسترده وأت خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقل له: إن على دينا حتى يقضيه، وفلان من رقيقى عتيق، فاسترد خالد الدرع، وأخبر خالد الصديق، فانفذ وصيته، حكم بعتق العبد، وانفذ دينه،قال أنس: لا أعلم وصيةٌ من ميت أجيزت بعد موت صاحبها إلا هذه، وقال: يا رسول الله لا أرفع صوتى أبدا عليك، فقيل عنه: قد يسر الله له ترك هذه العادة. واعلم أنه لا يرفع الصوت ولا يجهر عند قبره صلى الله عليه وسلم، لأنه حى، ولا عند قراءة حديثه احتراما له، ومن ذلك أن لا يستدبر قبره زائره بل يذهب على جنب، ولما نزل ذلك كان عمر وثابت بن قيس يغضان أصواتهما جدا، وكذا غيرهما فنزل قوله تعالى: {إنَّ الَّذين يغُضُّون أصْواتهم عنْد رسُول الله} مدح لمن غضوا أصواتهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نزول الآية، والمضارع لحكاية الحال الماضية المستمرة قبل النزول، ومعلوم أنهم يستمرون على الغض بعد نزولها، وذل للأدب معه صلى الله عليه وسلم، وما كان بعد نزولها، فلذلك ولئلا يخالفوا الآية، أو المراد مطلق من يغض بقطع النظر عما قبل النزول أو بعده، ويضعف التفسير بما بعده، وعليه فذلك إما مدح لقوم غضوا بعد النزول، فالمضارع للحكاية أيضا، وإما حض على أن يغضوا فيتصفوا بما فى قوله عز وجل: {أولئك} إشارة البعد مع التقرب العهد تفخيم، وقد قيل: المراد أبو بكر وعمر، وثابت بن قيس: كما روى ابن مردويه عن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم لما نزلت الآية قال: "منهم ثابت بن قيس بن شماس" والآية على العموم. {الذَّين امْتَحن اللَّهُ قلُوبهم اللتَّقْوى} أدبها وجعلها قابلة للتقوى، فالامتحان التمرين، والله منزه عنها، فالمراد لازمه على التجوز الارسالى الاصلى، واشتق منه امتحن على التجوز الارسالى التبعى، ومع ذلك، فاسناد التمرين المعبر عنه بالامتحان الى الله مجاز عقلى وحقيقته لأولئك المؤمنين. وحاصل المعنى: امتحنوا قلوبهم للتقوى، بتمكين الله عز وجل لهم، وزعم بعض أن الامتحان مجاز عن الصبر لعلاقة اللزوم، اى أنهم صبروا على التقوى أقوياء على مشاقها، والصواب أن يقال مجاز عن التصيير، وقيل: لامتحان المعرفة اطلاقا للسبب على المسبب، أى عرف الله قلوبهم لتقوى، لجواز اطلاق معنى المعرفة على الله تعالى، واختلف فيه بلفظ المعرفة، واللام صلة لامتحنَ، أو أريد بالامتحان الضرب بالمحن، فتكون اللام للتعليل، أو أريد به اخلاص الله تعالى قلوبهم للتقوى، وهو قول مجاهد، وأبى بن كعب، وأبى مسلم، والامتحان مستعار من امتحان الذهب بمعنى تجريبه بالنار، واخراج خبثه. {لَهُم مغْفرةٌ} عظيمة لذنوبهم فى الآخرة {وأجْرٌ عظيمٌ} هو الجنة وتوابعها قبلها، وبعد دخولها على غض الصوت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسائر أعمالهم الصالحات، والجملة خبر ثان لإن.
الالوسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوٰتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ } شروع في النهي عن التجاوز في كيفية القول عند النبـي صلى الله عليه وسلم بعد النهي عن التجاوز في نفس القول والفعل. وإعادة النداء مع قرب العهد به للمبالغة في الإيقاظ والتنبيه والإشعار باستقلال كل من الكلامين باستدعاء الاعتناء بشأنه أي لا تبلغوا بأصواتكم وراء حد يبلغه عليه الصلاة والسلام بصوته. وقرأ ابن مسعود {لا ترفعوا بأصواتكم} بتشديد {تَرْفَعُواْ} وزيادة الباء وقد شدد الأعلم الهذلي في قوله:شعر : رفعت عيني بالحجا زإلى أناس بالمناقب تفسير : / والتشديد فيه للمبالغة كزيادة الباء في القراءة إلا أن ليس المعنى فيها أنهم نهوا عن الرفع الشديد تخيلاً أن يكون ما دون الشديد مسوغاً لهم، ولكن المعنى نهيهم عما كانوا عليه من الجلبة واستجفاؤهم فيما كانوا يفعلون، وهو نظير قوله تعالى: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرّبَا أَضْعَـٰفاً مُّضَـٰعَفَةً } تفسير : [آل عمران: 130]. {وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ } أي جهراً كائناً كالجهر الجاري فيما بينكم، فالأول نهي عن رفع الصوت فوق صوته صلى الله عليه وسلم وهذا نهي عن مساواة جهرهم لجهره عليه الصلاة والسلام فإنه المعتاد في مخاطبة الأقران والنظراء بعضهم لبعض، ويفهم من ذلك وجوب الغض حتى تكون أصواتهم دون صوته صلى الله عليه وسلم، وقيل: الأول مخصوص بمكالمته صلى الله عليه وسلم لهم وهذا بصمته عليه الصلاة والسلام كأنه قيل: لا ترفعوا أصواتكم فوق صوته إذا نطق ونطقتم ولا تجهروا له بالقول إذا سكت وتكلمتم، ويفهم أيضاً وجوب كون أصواتهم دون صوته عليه الصلاة والسلام، فأياً ما كان يكون المآل اجعلوا أصواتكم أخفض من صوته صلى الله عليه وسلم وتعهدوا في مخاطبته اللين القريب من الهمس كما هو الدأب عند مخاطبة المهيب المعظم وحافظوا على مراعاة أبهة النبوة وجلالة مقدارها، ومن هنا قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بعد نزول الآية كما أخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه من طريق أبـي سلمة عن أبـي هريرة: «والذي أنزل عليك الكتاب يا رسول الله لا أكلمك إلا كأخي السرار حتى ألقى الله تعالى». وفي رواية أنه قال: يا رسول الله والله لا أكلمك إلا السرار أو أخا السرار حتى ألقى الله تعالى، وكان إذا قدم على رسول الله عليه الصلاة والسلام الوفود أرسل إليهم من يعلمهم كيف يسلمون ويأمرهم بالسكينة والوقار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عمر رضي الله تعالى عنه كما في «صحيح البخاري» وغيره عن ابن الزبير إذا تكلم عند النبـي صلى الله عليه وسلم لم يسمع كلامه حتى يستفهمه. وقيل: معنى {وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ} الخ ولا تخاطبوه باسمه وكنيته كما يخاطب بعضكم بعضاً وخاطبوه بالنبـي والرسول، والكلام عليه أبعد عن توهم التكرار لكنه خلاف الظاهر لأن ذكر الجهر عليه لا يظهر له وجه، وكان الظاهر أن يقال مثلاً: ولا تجعلوا خطابه كخطاب بعضكم بعضاً. {أَن تَحْبَطَ أَعْمَـٰلُكُمْ } تعليل لما قبله من النهيين على طريق التنازع بتقدير مضاف أي كراهة أن تحبط أعمالكم، والمعنى إني أنهاكم عما ذكر لكراهة حبوط أعمالكم بارتكابه أو تعليل للمنهي عنه، وهو الرفع والجهر بتقدير اللام أي لأن تحبط، والمعنى فعلكم ما ذكر لأجل الحبوط منهي عنه، ولام التعليل المقدرة مستعارة للعاقبة التي يؤدي إليها الفعل لأن الرفع والجهر ليس لأجل الحبوط لكنهما يؤديان إليه على ما تعلمه إن شاء الله تعالى، وفرق بينهما بما حاصله أن الفعل المنهي معلل في الأول والفعل المعلل منهي في الثاني وأيهما كان فمرجع المعنى إلى أن الرفع والجهر كلاهما منصوص الاداء إلى حبوط العمل، وقراءة ابن مسعود وزيد بن علي {فتحبط} بالفاء أظهر في التنصيص على أدائه إلى الإحباط لأن ما بعد الفاء لا يكون إلا مسبباً عما قبلها. وقوله تعالى: {وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } حال من فاعل {تَحْبَطَ } ومفعول {تَشْعُرُونَ } محذوف بقرينة ما قبله أي والحال أنتم لا تشعرون أنها محبطة. وظاهر الآية مشعر بأن الذنوب مطلقاً قد تحبط الأعمال الصالحة؛ ومذهب أهل السنة أن المحبط منها الكفر لا غير، والأول مذهب المعتزلة ولذا قال الزمخشري: / قد دلت الآية على أمرين هائلين أحدهما أن فيما يرتكب من الآثام ما يحبط عمل المؤمن. والثاني أن في أعماله ما لا يدري أنه محبط ولعله عند الله تعالى محبط. وأجاب عن ذلك ابن المنير عليه الرحمة بأن المراد في الآية النهي عن رفع الصوت على الإطلاق، ومعلوم أن حكم النهي الحذر مما يتوقع في ذلك من إيذاء النبـي صلى الله عليه وسلم، والقاعدة المختارة أن إيذاءه عليه الصلاة والسلام يبلغ مبلغ الكفر المحبط للعمل باتفاق فورد النهي عما هو مظنة لأذى النبـي صلى الله عليه وسلم سواء وجد هذا المعنى أو لا حماية للذريعة وحسماً للمادة، ثم لما كان هذا المنهى عنه منقسماً إلى ما يبلغ مبلغ الكفر وهو المؤذي له عليه الصلاة والسلام وإلى ما لا يبلغ ذلك المبلغ ولا دليل يميز أحد القسمين عن الآخر لزم المكلف أن يكف عن ذلك مطلقاً خوف أن يقع فيما هو محبط للعمل وهو البالغ حد الأذى اذ لا دليل ظاهراً يميزه، وإن كان فلا يتفق تمييزه في كثير من الأحيان. وإلى التباس أحد القسمين بالآخر وقعت الإشارة بقوله سبحانه: {أَن تَحْبَطَ أَعْمَـٰلُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } وإلا فلو كان الأمر على ما يعتقده الزمخشري لم يكن لقوله سبحانه: {وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} موقع إذ الأمر منحصر بين أن يكون رفع الصوت مؤذياً فيكون كفراً محبطاً قطعاً وبين أن يكون غير مؤذ فيكون كبيرة محبطة على رأيه قطعاً، فعلى كلا حاليه الإحباط به محقق إذن فلا موقع لإدعام الكلام بعدم الشعور مع أن الشعور ثابت مطلقاً، ثم قال عليه الرحمة: وهذا التقدير يدور على مقدمتين كلتاهما صحيحة. إحداهما أن رفع الصوت من جنس ما يحصل به الأذى وهذا أمر يشهد به النقل والمشاهدة حتى أن الشيخ ليتأذى برفع التلميذ صوته بين يديه فكيف برتبة النبوة وما تستحقه من الإجلال والإعظام. ثانيتهما أن إيذاء النبـي صلى الله عليه وسلم كفر وهذا ثابت قد نص عليه أئمتنا وأفتوا بقتل من تعرض لذلك كفراً ولا تقبل توبته فما أتاه أعظم عند الله تعالى وأكبر انتهى. وحاصل الجواب أنه لا دليل في الآية على ما ذهب إليه الزمخشري لأنه قد يؤدي إلى الإحباط إذا كان على وجه الإيذاء أو الاستهانة فنهاهم عز وجل عنه وعلله بأنه قد يحبط وهم لا يشعرون. وقيل: يمكن نظراً للمقام أن ينزل إذا هم رسول الله صلى الله عليه وسلم برفع الصوت منزلة الكفر تغليظاً إجلالاً لمجلسه صلوات الله تعالى عليه وسلامه ثم يرتب عليه ما يرتب على الكفر الحقيقي من الإحباط كقوله تعالى: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ } إلى قوله سبحانه: {أية : وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [آل عمران: 97] ومعنى {وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } عليه وأنتم لا تشعرون أن ذلك بمنزلة الكفر المحبط وليس كسائر المعاصي، ولا يتم بدون الأول. وجاز كما في «الكشف» أن يكون المراد ما فيه استهانة ويكون من باب {أية : فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لّلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [القصص: 86] مما الغرض منه التعريض كيف وهو قول منقول عن الحسن كما حكاه في «الكشاف». وقال أبو حيان: ((إن كانت الآية بمن يفعل ذلك استخفافاً فذلك كفر يحبط معه العمل حقيقة، وإن كانت للمؤمن الذي يفعله غلبة وجرياً على عادته فإنما يحبط عمله البر في توقير النبـي صلى الله عليه وسلم وغض الصوت عنده أن لو فعل ذلك كأنه قيل: مخافة أن تحبط الأعمال التي هي معدة أن تعملوها فتؤجروا عليها))، ولا يخفى ما في الشق الثاني من التكلف البارد. ((ثم إن من الجهر ما لم يتناوله النهي بالاتفاق وهو ما كان منهم في حرب أو مجادلة معاند أو إرهاب عدو أو ما أشبه ذلك مما لا يتخيل منه تأذ أو استهانة، ففي الحديث حديث : أنه عليه الصلاة والسلام قال للعباس بن عبد المطلب لما ولى المسلمون يوم حنين: ناد أصحاب السمرة فنادى بأعلى صوته أين أصحاب السمرة، وكان رجلاً صيتاًتفسير : . يروى أن غارة أتتهم يوماً فصاح العباس يا صباحاه / فأسقطت الحوامل لشدة صوته، وفيه يقول نابغة بني جعدة:شعر : زجر أبـي عروة السباع إذا أشفق أن يختلطن بالغنم تفسير : زعمت الرواة أنه كان يزجر السباع عن الغنم فيفتق مرارة السبع في جوفه))، وذكروا أنه سئل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فكيف لا تفتق مرارة الغنم؟ فقال: لأنها ألفت صوته. وروى البخاري ومسلم حديث : عن أنس لما نزلت هذه الآية جلس ثابت بن قيس في بيته وقال: أنا من أهل النار واحتبس فسأل النبـي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمرو ما شأن ثابت اشتكى؟ قال سعد: إنه جاري وما علمت له بشكوى فأتاه سعد فقال: أنزلت هذه الآية ولقد علمتم أني أرفعكم صوتاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنا من أهل النار فذكر ذلك سعد للنبـي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل هو من أهل الجنةتفسير : ، وفي رواية حديث : أنه لما نزلت دخل بيته وأغلق عليه بابه وطفق يبكي فافتقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما شأن ثابت؟ قالوا: يا رسول الله ما ندري ما شأنه غير أنه أغلق باب بيته فهو يبكي فيه فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه فسأله ما شأنك؟ قال: يا رسول الله أنزل الله عليك هذه الآية وأنا شديد الصوت فأخاف أن أكون قد حبط عملي فقال صلى الله عليه وسلم: لست منهم بل تعيش بخير وتموت بخيرتفسير : ، والظاهر أن ذلك منه رضي الله تعالى عنه كان من غلبة الخوف عليه وإلا فلا حرمة قبل النهي، وهو أيضاً أجل من أن يكون ممن كان يقصد الاستهانة والإيذاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم برفع الصوت وهم المنافقون الذين نزلت فيهم الآية على ما روي عن الحسن وإنما كان الرفع منه طبيعة لما أنه كان في أذنه صمم وعادة كثير ممن به ذلك رفع الصوت، والظاهر أنه بعد نزولها ترك هذه العادة، فقد أخرج الطبراني والحاكم وصححه حديث : أن عاصم بن عدي ابن العجلان أخبر النبـي صلى الله عليه وسلم بحاله فأرسله إليه فلما جاء قال: ما يبكيك يا ثابت؟ فقال: أنا صيت وأتخوف أن تكون هذه الآية نزلت فيَّ فقال له عليه الصلاة والسلام: أما ترضى أن تعيش حميداً وتقتل شهيداً وتدخل الجنة؟ قال: رضيت ولا أرفع صوتي أبداً على صوت رسول الله صلى الله عليه وسلمتفسير : . واستدل العلماء بالآية على المنع من رفع الصوت عند قبره الشريف صلى الله عليه وسلم، وعند قراءة حديثه عليه الصلاة والسلام لأن حرمته ميتاً كحرمته حياً. وذكر أبو حيان كراهة الرفع أيضاً بحضرة العالم. وغير بعيد حرمته بقصد الإيذاء والاستهانة لمن يحرم إيذاؤه والاستهانة به مطلقاً لكن للحرمة مراتب متفاوتة كما لا يخفى.
ابن عاشور
تفسير : إعادة النداء ثانياً للاهتمام بهذا الغرض والإشعار بأنه غرض جدير بالتنبيه عليه بخصوصه حتى لا ينغمر في الغرض الأول فإن هذا من آداب سلوك المؤمنين في معاملة النبي صلى الله عليه وسلم ومقتضى التأدب بما هو آكد من المعاملات بدلالة الفحوى. وهذا أيضاً توطئة لقوله: {أية : إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون}تفسير : [الحجرات: 4] وإلقاءٌ لتربية ألقيت إليهم لمناسبة طرف من أطراف خبر وفد بني تميم. والرفع: مستعار لجهر الصوت جهراً متجاوزاً لِمعتاد الكلام، شبه جهر الصوت بإعلاء الجسم في أنه أشدّ بلوغاً إلى الأسماع كما أن إعلاء الجسم أوضح له في الإبصار، على طريقة الاستعارة المكنية، أو شبه إلقاء الكلام بجهر قويّ بإلقائه من مكان مرتفع كالمئذنة على طريقة الاستعارة التبعية. و {فوق صوت النبي} ترشيح لاستعارة {لا ترفعوا} وهو فوْق مجازي أيضاً. وموقع قوله: {فوق صوت النبي} موقع الحال من {أصواتكم}، أي متجاوزة صوت النبي صلى الله عليه وسلم أي متجاوزة المعتاد في جهر الأصوات فإن النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم بجهر معتاد. ولا مفهوم لهذا الظرف لأنه خارج مخرج الغالب، إذ ليس المراد أنه إذا رفع النبي صلى الله عليه وسلم صوته فارفعوا أصواتكم بمقدار رفعه. والمعنى: لا ترفعوا أصواتكم في مجلسه وبحضرته إذا كلم بعضُكم بعضاً كما وقع في صورة سبب النزول. ولقد تحصل من هذا النهي معنى الأمر بتخفيض الأصوات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ليس المراد أن يكونوا سكوتا عنده. وفي «صحيح البخاري»: قال ابن الزبير فما كان عُمر يُسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه. ولم يذكر (أي ابن الزبير) ذلك عن أبيه يعني أبا بكر ولكن، أخرج الحاكم وعبد بن حُميد عن أبي هريرة: أن أبا بكر قال بعد نزول هذه الآية (والذي أنزل عليك الكتاب يا رسول الله لا أكلمك إلاّ كأخِي السِّرَار حتى ألقى الله). وفي «صحيح البخاري» قال ابن أبي مليكة «كاد الخَيران أن يهلكا أبو بكر وعمر رفعا أصْوَاتَهما عند النبي صلى الله عليه وسلم". وهذا النهي مخصوص بغير المواضع التي يؤمر بالجهر فيها كالأذان وتكبير يوم العيد، وبغير ما أذِن فيه النبي صلى الله عليه وسلم إذناً خاصاً كقوله للعباس حين انهزم المسلمون يوم حنين «نَادِ يا أصحابَ السَّمُرة» وكان العباس جهير الصوت. وقوله: {ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض} نهي عن جهر آخر وهو الجهر بالصوت عند خطابهم الرسول صلى الله عليه وسلم لوجوب التغاير بين مقتضَى قوله: {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} ومقتضَى {ولا تجهروا له بالقول}. واللام في {له} لتعدية {تجهروا} لأن {تجهروا} في معنى: تقولوا، فدلت اللام على أن هذا الجهر يتعلق بمخاطبته، وزاده وضوحاً التشبيه في قوله: {كجهر بعضكم لبعض}. وفي هذا النهي ما يشمل صنيع الذين نادَوا النبي صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات فيكون تخلصاً من المقدمة إلى الغرض المقصود، ويظهر حسن موقع قولِه بعده {أية : إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون}تفسير : [الحجرات: 4]. و{أن تحبط أعمالكم} في محل نصب على نزع الخافض وهو لام التعليل وهذا تعليل للمنهي عنه لا للنهي، أي أن الجهر له بالقول يفضي بكم إن لم تكفوا عنه أن تحبط أعمالكم، فحبط الأعمال بذلك مما يحذر منه فجعله مدخولاً للام التعليل مصروف عن ظاهر. فالتقدير: خشية أن تحبط أعمالكم، كذا يقدّر نحاة البصرة في هذا وأمثاله. والكوفيون يجعلونه بتقدير (لا) النافية فيكون التقدير: أنْ لا تحبَط أعمالكم فيكون تعليلاً للنهي على حسب الظاهر. والحَبْط: تمثيل لعدم الانتفاع بالأعمال الصالحة بسبب ما يطرأ عليها من الكفر مأخوذ من حَبِطَت الإبل إذا أكلت الخضر فنفخ بطونها وتعتلّ وربما هلكت. وفي الحديث «حديث : وإن مما يُنبت الربيعُ لَمَا يقتل حَبطاً أو يُلمّ»تفسير : . وتقدم في سورة المائدة قوله تعالى: {أية : ومن يكفر بالإيمان فقد حَبط عملُه}تفسير : [المائدة: 5]. وظاهر الآية التحذير من حبط جميع الأعمال لأن الجمع المضاف من صيغ العموم ولا يكون حبط جميع الأعمال إلا في حالة الكفر لأن من الأعمال الإيمان فمعنى الآية: أن عدم الاحتراز من سوء الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذا النهي قد يفضي بفاعله إلى إثم عظيم يأتي على عظيم من صالحاته أو يفضي به إلى الكفر. قال ابن عطية: أي يكون ذلك سبباً إلى الوحشة في نفوسكم فلا تزال معتقداتكم تتدرج القهقرى حتى يؤول ذلك إلى الكفر فحَبط الأعمال. وأقول: لأن عدم الانتهاء عن سوء الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم يعود النفس بالاسترسال فيه فلا تزال تزداد منه وينقص توفير الرسول صلى الله عليه وسلم من النفس وتتولى من سيّـىء إلى أشد منه حتى يؤول إلى عدم الاكتراث بالتأدب معه وذلك كفر. وهذا معنى {وأنتم لا تشعرون} لأن المنتقل من سيّـىء إلى أسوأ لا يشعر بأنه آخذ في التملّي من السوء بحكم التعوّد بالشيء قليلاً قليلاً حتى تغمره المعاصي وربّما كان آخرها الكفر حين تضْرَى النفس بالإقدام على ذلك. ويجوز أن يراد حبط بعض الأعمال على أنه عام مراد به الخصوص فيكون المعنى حصول حطيطة في أعمالهم بغلبة عظم ذنب جهرهم له بالقول، وهذا مجمل لا يعلم مقدار الحبط إلا الله تعالى. ففي قوله: {وأنتم لا تشعرون} تنبيه إلى مزيد الحذر من هذه المهلكات حتى يصير ذلك دُربة حتى يصل إلى ما يحبط الأعمال، وليس عدم الشعور كائناً في إتيان الفعل المنهي عنه لأنه لو كان كذلك لكان صاحبه غير مكلف لامتناع تكليف الغافل ونحوه.
الشنقيطي
تفسير : سبب نزول هذه الآية الكريمة، أنه لما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفد تميم، أشار عليه أبو بكر رضي الله عنه أن يؤمر عليهم القعقاع بن معبد بن زرارة بن عدس، وأشار عليه عمر أن يؤمر عليه الأقرع بن حابس بن عقال. فقال له أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، فقال عم: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما فأنزل الله: {لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ} ذكره البخاري في صحيحه وغيره. وهذه الآية الكريمة علَّم الله فيها المؤمنين أن يعظموا النبي صلى الله عليه وسلم ويحترموه، ويوقروه، فنهاهم عن رفع أصواتهم فوق صوته، وعن أن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض، أي ينادونه باسمه: يا محمد، يا أحمد، كما ينادي بعضهم بعضاً. وإنما أمروا أن يخاطبوه خطاباً يليق بمقامه ليس كخطاب بعضهم لبعض، كأن يقولوا يا نبي الله أو يا رسول الله ونحو ذلك. وقوله: {أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ} أي لا تفعلوا ذلك لئلا تحبط أعمالكم، أو ينهاكم عن ذلك كراهة أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون أي لا تعلمون بذلك. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من لزوم توقير النبي صلى الله عليه وسلم، وتعظميه واحترامه جاء مبيناً في مواضع أخر كقوله تعالى:{أية : لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ}تفسير : [الفتح: 9] على القول بأن الضمير في تعزروه وتوقروه للنبي صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى{أية : لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً}تفسير : [النور: 63] كما تقدم وقوله تعالى{أية : فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ}تفسير : [الأعراف: 157] الآية. وقول هنا:{أية : وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ}تفسير : [الحجرات: 2] أي لا تنادوه باسمه: كيا محمد. وقد دلت آيات من كتاب الله على أن الله تعالى لا يخاطبه في كتابه باسمه، وإنما يخاطبه بما يدل على التعظيم والتوقير، كقوله:{أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ}تفسير : [الأنفال: 64-65-70].{أية : يَـۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ}تفسير : [المائدة: 41-67].{أية : يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ}تفسير : [المزمل: 1].{أية : يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ}تفسير : [المدثر: 1] مع أنه ينادي غيره من الأنبياء بأسمائهم كقوله {أية : وَقُلْنَا يَاآدَمُ}تفسير : [البقرة: 35]. وقوله:{أية : وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ}تفسير : [الصافات: 104] وقوله:{أية : قَالَ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِك}تفسير : [هود: 46]. قيل{أية : قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا}تفسير : [هود: 48]. وقوله:{أية : قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ}تفسير : [الأعراف: 144] وقوله:{أية : إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ}تفسير : [آل عمران: 55] وقوله: {أية : يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً}تفسير : [ص: 26]. أما النبي صلى الله عليه وسلم فلم يذكر اسمه في القرآن في خطاب، وإنما يذكر في غير ذلك كقوله:{أية : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ}تفسير : [آل عمران: 144]. وقوله:{أية : وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ}تفسير : [محمد: 2]. وقوله:{أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ}تفسير : [الفتح: 29]. وقد بين تعالى أن توقيره واحترامه صلى الله عليه وسلم بغض الصوت عنده لا يكون إلا من الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، أي أخلصها لها وأن لهم بذلك عند الله المغفرة والأجر العظيم، وذلك في قوله تعالى:{أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ}تفسير : [الحجرات: 3]. وقال بعض العلماء في قوله: {وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْل} أي لا ترفعوا عنده الصوت كرفع بعضكم صوته عند بعض. قال القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية ما نصه: وفي هذا دليل على أنهم لم ينهوا عن الجهر مطلقاً، حتى لا يسوغ لهم إلا أن يكلموه بالهمس والمخافتة، وإنما نهوا عن جهر مخصوص مقيد بصفة، أعني الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منهم فيما بينهم، وهو الخلو من مراعاة أبهة النبوة، وجلالة مقدارها وانحطاط سائر الرتب وإن جلت عن رتبتها. انتهى محل الغرض منه. وظاهر هذه الآية الكريمة أن الإنسان قد يحبط عمله وهو لا يشعر، وقد قال القرطبي: إنه لا يحبط عمله بغير شعوره وظاهر الآية يرد عليه. وقد قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية، ما نصه: وقوله عز وجل: {أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} أي إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده خشية أن يغضب من ذلك فيغضب الله تعالى لغضبه، فيحبط عمل من أغضبه وهو لا يدري، كما جاء في الصحيح"حديث : إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى لا يلقي لها بالاً يكتب له بها الجنة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض"تفسير : اهـ محل الغرض منه بلفظه. ومعلوم أن حرمة النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته كحرمته في أيام حياته، وبه تعلم أن ما جرت به العادة اليوم من اجتماع الناس قرب قبره صلى الله عليه وسلم وهم في صخب ولغط. وأصواتهم مرتفعة ارتفاعاً مزعجاً كله لا يجوز، ولا يليق، وإقرارهم عليه من المنكر. وقد شدد عمر رضي الله عنه النكير على رجلين رفعاً أصواتهما في مسجده صلى الله عليه وسلم، وقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً. مسألتان الأولى: اعلم أن عدم احترام النبي صلى الله عليه وسلم المشعر بالغض منه أو تنقيصه صلى الله عليه وسلم والاستخفاف به أو الاستهزاء به ردة عن الإسلام وكفر بالله. وقد قال تعالى في الذين استهزءوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وسخروا منه في غزوة تبوك لما ضلت راحلته:{أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}تفسير : [التوبة: 65-66]. المسألة الثانية وهي من أهم المسائل، اعلم أنه يجب على كل إنسان أن يميز بين حقوق الله تعالى التي هي من خصائص ربوبيته، التي لا يجوز صرفها لغيره، وبين حقوق خلقه كحق النبي صلى الله عليه وسلم، ليضع كل شيء في موضعه، على ضوء ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم في هذا القرآن العظيم والسنة الصحيحة. وإذا عرفت ذلك فاعلم: أن من الحقوق الخاصة بالله التي هي من خصائص ربوبيته التجاء عبده إليه اذا دهمته الكروب التي لا يقدر على كشفها إلا الله. فالتجاء المضطر الذي أحاطت به الكروب ودهمته الدواهي لا يجوز إلا لله وحده، لأنه من خصائص الربوبية فصرف ذلك الحق لله وإخلاصه له هو عين طاعة الله ومرضاته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ومرضاته وهو عين التوقير والتعظيم للنبي صلى الله عليه وسلم لأن أعظم أنواع توقيره وتعظيمه هو اتباعه والاقتداء به في إخلاص التوحيد والعبادة له وحده جل وعلا. وقد بين جل وعلا في آيات كثيرة من كتابه، أن التجاء المضطر من عباده إليه وحده، في أوقات الشدة والكرب من خصائص ربوبيته تعالى. من أصرح ذلك الآيات التي في سورة النمل أعني قوله تعالى:{أية : قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ}تفسير : [النمل: 59] إلى قوله:{أية : قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}تفسير : [النمل: 64]. فإنه جل وعلا قال في هذه الآيات الكريمات العظيمات:{أية : قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ}تفسير : [النمل: 59]. ثم بين خصائص ربوبيته الدالة على أنه المعبود وحده فقال:{أية : أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ}تفسير : [النمل: 60]. فهذه المذكورات التي هي خلق السماوات والأرض، وإنزال الماء من السماء وإنبات الحدائق ذات البهجة، التي لا يقدر على إنبات شجرها إلا الله، من خصائص ربوبية الله، ولذا قال تعالى بعدها {أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ} يقدر على خلق السماوات والأرض وإنزال الماء من السماء وإنبات الحدائق به، والجواب لا. لأنه لا إله إلا الله وحده. ثم قال تعالى:{أية : أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [النمل: 61]. فهذه المذكورات أيضاً، التي هي جعل الأرض قراراً، وجعل الأنهار خلالها، وجعل الجبال الرواسي فيها، وجعل الحاجز بين البحرين من خصائص ربوبيته جل وعلا، ولذا قال بعد ذكرها أإله مع الله؟ والجواب لا. فالاعتراف من خصائص ربوبيته جل وعلا هو الحق، وهو من طاعة الله ورسوله، ومن تعظيم الله وتعظيم رسوله بالاقتداء به صلى الله عليه وسلم في تعظيم الله. ثم قال تعالى وهو محل الشاهد {أية : أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ}تفسير : [النمل: 62]. فهذه المذكورات التي هي إجابة المضطر إذا دعا، وكشف السوء وجعل الناس خلفاء في الأرض من خصائص ربوبيته جل وعلا، ولذا قال بعدها أإله مع الله قليلاً ما تذكرون. فتأمل قوله تعالى:{أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله} مع قوله:{أية : أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ}تفسير : [النمل: 62] تعلم أن إجابة المضطرين إذا التجؤوا ودعوا وكشف السوء عن المكروبين، لا فرق في كونه من خصائص الربوبية، بينه وبين خلق السماوات والأرض، وإنزال الماء وإنبات النبات، ونصب الجبال وإجراء الأنهار، لأنه جل وعلا ذكر الجميع بنسق واحد في سياق واحد، وأتبع جميعه بقوله:{أية : أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله}تفسير : [النمل: 60-64]. فمن صرف شيئاً من ذلك لغير الله توجه إليه الإنكار السماوي الذي هو في ضمن قوله: {أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله} فلا فرق ألبتة بين تلك المذكورات في كونها كلها من خصائص الربوبية. ثم قال تعالى:{أية : أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرًى بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ تَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}تفسير : [النمل: 63]. فهذه المذكورات التي هي هدي الناس في ظلمات البر والبحر، وإرسال الرياح بشراً، أي مبشرات، بين يدي رحمته التي هي المطر، من خصائص ربوبيته جل وعلا. ولذا قال تعالى: {أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله}، ثم نزه جل وعلا نفسه عن أن يكون معه إله يستحق شيئاً مما ذكر فقال جل وعلا:{تَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}. ثم قال تعالى:{أية : أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وٱلأَرْضِ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}تفسير : [النمل: 64]. فهذه المذكورات التي هي بدء خلق الناس وإعادته يوم البعث، ورزقه للناس من السماء بإنزال المطر، ومن الأرض بإنبات النبات، من خصائص ربوبيته جل وعلا ولذا قال بعدها {أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله}. ثم عجَّز جل وعلا كل من يدعي شيئاً من ذلك كله لغير الله، فقال آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يخاطبهم بصيغة التعجيز:{أية : قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}تفسير : [النمل: 64]. وقد اتضح من هذه الآيات القرآنية، أن إجابة المضطرين الداعين، وكشف السوء عن المكروبين، من خصائص الربوبية كخلق السماوات والأرض وإنزال الماء، وإنبات النبات، والحجز بين البحرين إلى آخر ما ذكر. وكون إجابة المضطرين وكشف السوء عن المكروبين من خصائص الربوبية، كما أوضحه تعالى في هذه الآيات من سورة النمل جاء موضحاً في آيات أخر، كقوله تعالى مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم:{أية : وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ}تفسير : [يونس: 107]. وقوله تعالى:{أية : وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ}تفسير : [الأنعام: 17]. وقوله تعالى:{أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ}تفسير : [فاطر: 2] الآية. فعلينا معاشر المسلمين أن نتأمل هذه الآيات القرآنية ونعتقد ما تضمنته ونعمل به لنكون بذلك مطيعين لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم معظمين لله ولرسوله، لأن أعظم أنواع تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو اتباعه والاقتداء به، في إخلاص العبادة لله جل وعلا وحده. فإخلاص العبادة له جل وعلا وحده، هو الذي كان يفعله صلى الله عليه وسلم ويأمر به وقد قال تعالى:{أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}تفسير : [البينة: 5] وقال تعالى:{أية : قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ}تفسير : [الزمر: 11]إلى قوله: {أية : قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ}تفسير : [الزمر: 11-15]. واعلم أن الكفار في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يعلمون علماً يقيناً أن ما ذكر من إجابة المضطر وكشف السوء عن المكروب، من خصائص الربوبية وكانوا إذا دهمتهم الكروب، كإحاطة الأمواج بهم في البحر، في وقت العواصف يخلصون الدعاء لله وحده، لعلمهم أن كشف ذلك من خصائصه فإذا أنجاهم من الكرب رجعوا إلى الإشراك. وقد بين الله جل وعلا هذا في آيات من كتابه كقوله تعالى:{أية : هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ}تفسير : [يونس: 22-23]. وقوله تعالى:{أية : قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ}تفسير : [الأنعام: 63-65] الآية. وقوله تعالى:{أية : قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ}تفسير : [الأنعام: 40-41]. وقوله تعالى:{أية : وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ كَفُوراً أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً أَمْ أَمِنْتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَىٰ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً}تفسير : [الإسراء: 67-68-69]. وقوله تعالى:{أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}تفسير : [العنكبوت: 65]. وقوله تعالى:{أية : وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ}تفسير : [لقمان: 32]. وقد قدمنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى:{أية : وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ}تفسير : [الإسراء: 67] أن سبب إسلام عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه أنه لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة ذهب فاراً منه إلى بلاد الحبشة فركب في البحر متوجهاً إلى الحبشة فجاءتهم ريح عاصف. فقال القوم بعضهم لبعض إنه لا يغني عنكم إلا أن تدعوا الله وحده. فقال عكرمة في نفسه: والله إن كان لا ينفع في البحر غيره، فإنه لا ينفع في البر غيره. اللهم لك علي عهد لئن أخرجتني منه لأذهبن فألضعن يدي في يد محمد صلى الله عليه وسلم فلأجدنه رؤوفاً رحيماً، فخرجوا من البحر فخرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وحسن إسلامه رضي الله عنه. انتهى. وقد قدمنا هناك أن بعض المتسمين باسم الإسلام أسوأ حالاً من هؤلاء الكفار المذكورين لأنهم في وقت الشدائد يلجؤون لغير الله طالبين منه ما يطلب المؤمنون من الله، وبما ذكر تعلم أن ما انتشر في أقطار الدنيا من الالتجاء في أقوات الكروب والشدائد إلى غير الله جل وعلا كما يفعلون ذلك قرب قبر النبي صلى الله عليه وسلم وعند قبور من يعتقدون فيهم الصلاح زاعمين أن ذلك من دين الله ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم وتعظيمه ومحبة الصالحين كله من أعظم الباطل، وهو انتهاك لحرمات الله وحرمات رسوله. لأن صرف الحقوق الخاصة بالخالق التي هي من خصائص ربوبيته إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو غير من يعتقد فيهم الصلاح مستوجب سخط الله وسخط النبي صلى الله عليه وسلم وسخط كل متبع له بالحق. ومعلوم أنه صلوات الله وسلامه عليه لم يأمر بذلك هو ولا أحد من أصحابه، وهو ممنوع في شريعة كل نبي من الأنبياء، والله جل وعلا يقول: {أية : مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ}تفسير : [آل عمران: 79-80]. بل الذي كان يأمر به صلى الله عليه وسلم هو ما يأمره الله بالأمر به في قوله تعالى {أية : قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلَمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}تفسير : [آل عمران: 64]. واعلم أن كل عاقل إذا رأى رجلاً متديناً في زعمه مدعياً حب النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وهو يعظم النبي صلى الله عليه وسلم ويمدحه بأنه هو الذي خلق السماوات والأرض وأنزل الماء من السماء وأنبت به الحدائق ذات البهجة، وأنه صلى الله عليه وسلم هو الذي جعل الأرض قراراً وجعل خلالها أنهاراً وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزاً إلى آخر ما تضمنته الآيات المتقدمة، فإن ذلك العاقل لا يشك في أن ذلك المادح المعظم في زعمه من أعداء الله ورسوله المتعدين لحدود الله. وقد علمت من الآيات المحكمات أنه لا فرق بين ذلك وبين إجابة المضطرين وكشف السوء عن المكروبين. فعلينا معاشر المسلمين أن ننتبه من نومة الجهل وأن نعظم ربنا بامتثال أمره واجتناب نهيه، وإخلاص العبادة له، وتعظيم نبينا صلى الله عليه وسلم باتباعه والاقتداء به في تعظيم الله والإخلاص له والاقتداء به في كل ما جاء به. وألا نخالفه صلى الله عليه وسلم ولا نعصيه، وألا نفعل شيئاً يشعر بعدم التعظيم والاحترام، كرفع الأصواب قرب قبره صلى الله عليه وسلم، وقصدنا النصيحة والشفقة لإخواننا المسلمين ليعملوا بكتاب الله، ويعظموا نبيه صلى الله عليه وسلم تعظيم الموافق لما جاء به صلى الله عليه وسلم ويتركوا ما يسميه الجهلة محبة وتعظيماً وهو في الحقيقة احتقار وازدراء وانتهاك لحرمات الله، ورسوله صلى الله عليه وسلم {أية : لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً}تفسير : [النساء: 123-124]. واعلم أيضاً رحمك الله: أنه لا فرق بين ما ذكرنا من إجابة المضطر وكشف السوء عن المكروب، وبين تحصيل المطالب التي لا يقدرعليها إلا الله، كالحصول على الأولاد والأموال وسائر أنواع الخير. فإن التجاء العبد إلى ربه في ذلك أيضاً من خصائص ربوبيته جل وعلا كما قال تعالى: {أية : قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [يونس: 31] وقال تعالى:{أية : فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُواْ لَهُ}تفسير : [العنكبوت: 17]. وقال تعالى: {أية : يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ}تفسير : [الشورى: 49] الآية. وقال تعالى:{أية : وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ}تفسير : [النحل: 72] وقال تعالى:{أية : وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ}تفسير : [النساء: 32] إلى غير ذلك من الآيات. وفي الحديث "حديث : إذا سألت فاسأل الله " تفسير : وقد أثنى الله جل وعلا على نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالتجائهم إليه وقت الكرب يوم بدر في قوله:{أية : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ}تفسير : [الأنفال: 9] الآية. فنبينا صلى الله عليه وسلم كان هو وأصحابه إذا أصابهم أمر أو كرب التجؤوا إلى الله وأخلصوا له الدعاء. فعلينا أن نتبع ولا نبتدع. تنبيه اعلم أنه يجب على كل مسلم أن يتأمل في معنى العبادة، وهي تشمل جميع ما أمر الله أن يتقرب إليه به من جميع القربات فيخلص تقربه بذلك إلى الله ولا يصرف شيئاً منه لغير الله كائناً ما كان. والظاهر أن ذلك يشمل هيئات العبادة فلا ينبغي للمسلم عليه صلى الله عليه وسلم أن يضع يده اليمنى على اليسرى كهيأة المصلي، لأن هيأة الصلاة داخلة في جملتها فينبغي أن تكون خالصة لله، كما كان صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه يخلصون العبادات وهيئاتها لله وحده.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {أَصْوَاتَكُمْ} {أَعْمَالُكُمْ} (2) - وَإِذا نَطَقْتُمْ وَأنْتُمْ في حَضْرَةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فَلاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوتِهِ، وَلاَ تْبلُغُوا بها الحَدَّ الذي يَبْلُغُهُ صَوْتُهُ، لأنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ الاحْتِرَامِ. وَإِذا كَلَّمْتُمُوهُ وَهُوَ صَامِتٌ فَلاَ تَبْلُغُوا بهِ الجَهْرَ الذي يَدُورُ بَيَنكُم، وإذا كَلَّمْتُمُوهُ فَلا تَقُولُوا لَهُ: يا محمَّدُ، بَلْ خَاطُبوهُ بالنُّبُوَّةِ (كَيَا نَبِيَّ اللهِ، وَيَا رَسُولَ اللهِ) مَخَافَةَ أَنْ يُؤْدِّيَ، ذلِكَ التَّهَاوُنُ فِي تَوْفِيَةِ الرَّسُولِ حَقَّهُ مِنَ الاحتِرامِ، إِلى الكُفْرِ وَبُطْلانِ الأعْمَالِ، وَأنتُمْ لاَ تَشْعُرونَ بِذلِك. (رُوِي أَنَّ هذهِ الآية نَزَلَتْ في أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَدْ جَاء وَفْدٌ مِنْ تَميمٍ فَأَشَارَ أَبُو بَكْر عَلَى النَّبِيِّ بأنْ يُؤَمِّرَ عَليهِم القَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدٍ، وَأشَارَ عُمَرُ بأنْ يُؤَمِّرَ عَلَيهِم الأقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، فَتَمارَيا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ، وَارْتَفَعَتْ أصْوَاتُهُما فَلَمَّا نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ كَانَ أَبُو بَكرٍ لاَ يُكَلِّمُ الرَّسُولَ إِلا هَمْساً، وَكَانَ عُمَرُ يَتَكَلَّمُ فَلاَ يَسْمَعُهُ الرَّسُولُ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ). أنْ تَحْبَطَ - مَخَافَةَ أوْ كَرَاهِيَةَ أنْ تَبْطُلَ أَعْمَالُكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : النداء هنا أيضاً للذين آمنوا، ألاَّ يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي في حضرته، وكذلك لا يرفعوا رأيهم فوق رأيه، ومن أدب الحديث عموماً ألاَّ ترفع صوتك، لأن رفع الصوت فيه استعلاء، أو على الأقل فيه مساواة، فما بالك إنْ كان مُحدِّثك رسول الله؟. إذن: وجب عليك ألاَّ يعلو صوتك على صوته، بل يكون صوتك أقلَّ وأخفت، وتكلّمه بأدب وخشوع، فكما آمنتَ به نبياً ورسولاً مبلِّغاً وقدمتَ رأيه على رأيك. فكذلك حين تُحدِّثه لا ترفع صوتك فوق صوته، فصوته صلى الله عليه وسلم ينبغي أنْ يكون الأعلى، لأنه الأوْلَى بالاستماع وبالاهتمام، ونحن في حقبة من تاريخنا شاعتْ بيننا مقولة (لا صوتَ يعلو فوق صوت المعركة) لأن المعركة في هذا الوقت كانت هي الحل. والمعنى: لا يعلو صوتٌ على صوته. {وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ..} [الحجرات: 2] لا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضاً، فلا نقول: تعالى يا أحمد تعال يا محمد. بل نقول: يأيها النبي يأيها الرسول، يا رسول الله، لأن ربك الذي خلقك وخلقه وأرسله لك رسولاً خاطبه هكذا. في حين أنه تعالى خاطب كل الرسل بأسمائهم: يا آدم، يا نوح، يا إبراهيم، يا موسى، يا عيسى إلا محمداً صلى الله عليه وسلم لم يخاطبه باسمه إنما بوصفه (يا أيها النبي) (يا أيها الرسول) فإذا كان خالقه لم يدعه باسمه. إذن: وجب عليك أنْ تدعوه بهذه الوصف، إلا إذا كنتَ أنت أعلى مقاماً من الذي خلقك والعياذ بالله. وقوله تعالى: {أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ ..} [الحجرات: 2] أي: خشية أنْ تحبط أعمالكم. يعني: تبطل وتفسد، لماذا؟ لأن الجهر لرسول الله بهذه الصورة أو رفْع الصوت عنده يُعد مخالفة للمنهج الذي جاء به. فرسول الله لم يأت بمنهج من عنده، إنما هو مبلِّغ عن الله، فمَنْ خالف في ذلك فقد خالف منهج الله واستحقَّ أنْ يحبط عمله، ثم في إهانة الرسول إهانة لمن أرسله. وقوله: {وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2] أي: يحبط عملك ويبطل وأنت لا تدري، فهذه المسألة من الأشياء الدقيقة التي ينبغي التنبه لها، فمع كونه صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيمٌ لكن لا تغرّنك هذه الصفات وتجعلك تساويه بغيره في النداء، بل احتفظ له صلى الله عليه وسلم بمنزلته ومهابته وكرامته، ولا تجعله مثلك في الخطاب، مثل رجل يُدلل الخادم فيغتر الخادم بذلك، حتى أن سيده يناديه فلا يجيب. لذلك الرجل العربي دخل على قوم لا يعرفهم ولا يعرفونه. فقال: السلام عليكم قوم حَسُنتْ أخلاقهم، قالوا: وكيف علمت حُسْن أخلاقنا؟ قال: عرفت حُسن أخلاقكم من سوء أخلاق عبيدكم، أي: أنهم يُدلِّلون العبيد ولا يعاقبونهم. وقد ورد عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: حديث : خدمت النبي صلى الله عليه وسلم، فما قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء تركته: لم تركته؟ . تفسير : ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ ...} [الحجرات: 3].
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم سورة الحجرات قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ} [2] 533 - أنا محمد بن عبد الأعلى، نا المعتمرُ - هو ابن سليمان - عن أبيه، عن ثابتٍ عن أنس بن مالكٍ، قال: حديث : لما نزلت {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} قال ثابت بن قيسٍ: أنا والله الذي كنت أرفع صوتي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني أخشى أن يكون قد غضب الله عليَّ، قال: فحزنَ واصفرَّ، ففقدهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فسأل عنه، فقال: يا نبي الله إنه يقول: وإني أخشى أن أكون من أهل النار، لأني كنت أرفع صوتي عند النبي صلى الله عليه وسلم، قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "بل هو من أهل الجنةِ" تفسير : قال: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجلٌ من أهل الجنة.
همام الصنعاني
تفسير : 2925- حدثنا عبد الزراق، عن معمر، عن الزهري، عن ثابت بن قيس بن شَمَّاس، قال لَمَّا نزلت: {لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ}: [الآية: 2] قال: حديث : يا نبي الله، لقد خشيت أن أكون قد هلكت، نَهانا الله أنْ نرفَعَ أصواتنا فوق صوتك، وأنا امرؤ جهير الصوت، ونهى الله المرء أن يُحِبَّ أن يُحْمَدَ بما لم يفعل، وأجدني أُحِبُّ الحمد، ونهى الله عن الخيلاء، وأجدني أحب الجمال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا ثابت، أمَا تَرْضَى أن تعيش حميداً، وتقتل شهيداً، وتدخل الجنَّة" فَعاشَ حميداً وقُتِلَ شهيداً يوم مسليمة . تفسير : 2926- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ}: [الآية: 2]، قال: كانوا يرفعون ويجهرون عند النبي صلى الله عليه وسلم، فوعظوا ونُهُوا عن ذَلِكَ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):