Verse. 4615 (AR)

٤٩ - ٱلْحُجُرَات

49 - Al-Hujurat (AR)

اِنَّ الَّذِيْنَ يَغُضُّوْنَ اَصْوَاتَہُمْ عِنْدَ رَسُوْلِ اللہِ اُولٰۗىِٕكَ الَّذِيْنَ امْتَحَنَ اللہُ قُلُوْبَہُمْ لِلتَّقْوٰى۝۰ۭ لَہُمْ مَّغْفِرَۃٌ وَّاَجْرٌ عَظِيْمٌ۝۳
Inna allatheena yaghuddoona aswatahum AAinda rasooli Allahi olaika allatheena imtahana Allahu quloobahum lilttaqwa lahum maghfiratun waajrun AAatheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن» اختبر «الله قلوبهم للتقوى» أي لتظهر منهم «لهم مغفرة وأجر عظيم» الجنة، ونزل في قوم جاءُوا وقت الظهيرة والنبي صلى الله عليه وسلم في منزله فنادوه.

3

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه الحث على ما أرشدهم إليه من وجهين أحدهما: ظاهر لكل أحد وذلك في قوله تعالى: {ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ } وبيانه هو أن من يقدم نفسه ويرفع صوته يريد إكرام نفسه واحترام شخصه، فقال تعالى ترك هذا الاحترام يحصل به حقيقة الاحترام، وبالإعراض عن هذا الإكرام يكمل الإكرام، لأن به تتبين تقواكم، و {أية : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَـٰكُمْ } تفسير : [الحجرات: 13] ومن القبيح أن يدخل الإنسان حماماً فيتخير لنفسه فيه منصباً ويفوت بسببه منصبه عند السلطان، ويعظم نفسه في الخلاء والمستراح وبسببه يهون في الجمع العظيم، وقوله تعالى: {ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ } فيه وجوه: أحدها: امتحنها ليعلم منه التقوى فإن من يعظم واحداً من أبناء جنسه لكونه رسول مرسل يكون تعظيمه للمرسل أعظم وخوفه منه أقوى، وهذا كما في قوله تعالى: {أية : وَمَن يُعَظّمْ شَعَـٰئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ } تفسير : [الحج: 32] أي تعظيم أوامر الله من تقوى الله فكذلك تعظيم رسول الله من تقواه الثاني: امتحن أي علم وعرف، لأن الامتحان تعرف الشيء فيجوز استعماله في معناه، وعلى هذا فاللام تتعلق بمحذوف تقديره عرف الله قلوبهم صالحة، أي كائنة للتقوى، كما يقول القائل أنت لكذا أي صالح أو كائن الثالث: امتحن: أي أخلص يقال للذهب ممتحن، أي مخلص في النار وهذه الوجوه كلها مذكورة ويحتمل أن يقال معناه امتحنها للتقوى اللام للتعليل، وهو يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون تعليلاً يجري مجرى بيان السبب المتقدم، كما يقول القائل: جئتك لإكرامك لي أمس، أي صار ذلك الإكرام السابق سبب المجيء وثانيها: أن يكون تعليلاً يجري مجرى بيان غاية المقصود المتوقع الذي يكون لاحقاً لا سابقاً كما يقول القائل جئتك لأداء الواجب، فإن قلنا بالأول فتحقيقه هو أن الله علم ما في قلوبهم من تقواه، وامتحن قلوبهم للتقوى التي كانت فيها، ولولا أن قلوبهم كانت مملوءة من التقوى لما أمرهم بتعظيم رسوله وتقديم نبيه على أنفسهم، بل كان يقول لهم آمنوا برسولي ولا تؤذوه ولا تكذبوه، فإن الكافر أول ما يؤمن يؤمن بالاعتراف بكون النبي صلى الله عليه وسلم صادقاً، وبين من قيل له لا تستهزىء برسول الله ولا تكذبه ولا تؤذه، وبين من قيل له لا ترفع صوتك عنده ولا تجعل لنفسك وزناً بين يديه ولا تجهر بكلامك الصادق بين يديه، بون عظيم. واعلم أن بقدر تقديمك للنبي عليه الصلاة والسلام على نفسك في الدنيا يكون تقديم النبي عليه الصلاة والسلام إياك في العقبى، فإنه لن يدخل أحد الجنة ما لم يدخل الله أمته المتقين الجنة، فإن قلنا بالثاني فتحقيقه هو أن الله تعالى امتحن قلوبهم بمعرفته ومعرفة رسوله بالتقوى، أي ليرزقهم الله التقوى التي هي حق التقاة، وهي التي لا تخشى مع خشية الله أحداً فتراه آمناً من كل مخيف لا يخاف في الدنيا بخساً، ولا يخاف في الآخرة نحساً، والناظر العاقل إذا علم أن بالخوف من السلطان يأمن جور الغلمان، وبتجنب الأراذل ينجو من بأس السلطان فيجعل خوف السلطان جنة فكذلك العالم لو أمعن النظر لعلم أن بخشية الله النجاة في الدارين وبالخوف من غيره الهلاك فيهما فيجعل خشية الله جنته التي يحس بها نفسه في الدنيا والآخرة. ثم قال تعالى: {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ }. وقد ذكرنا أن المغفرة إزالة السيئات التي هي في الدنيا لازمة للنفس والأجر العظيم إشارة إلى الحياة التي هي بعد مفارقة الدنيا عن النفس، فيزيل الله عنه القبائح البهيمية ويلبسه المحاسن الملكية.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ} أي يخفِضون أصواتهم عنده إذا تكلموا إجلالاً له، أو كلموا غيره بين يديه إجلالاً له. قال أبو هريرة: لما نزلت {لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ} قال أبو بكر رضي الله عنه: والله لا أرفع صوتي إلا كأخي السِّرَار. وذكر سنيد قال: حدثنا عباد بن العوام عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة قال: لما نزلت: {لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} قال أبو بكر: والذي بعثك بالحق لا أكلمك بعد هذا إلا كأخي السِّرار. وقال عبد الله بن الزبير: لما نزلت: {لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ} ما حدث عمر عند النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فسمع كلامه حتى يستفهمه مما يخفض؛ فنزلت: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ}. قال الفراء: أي أخلصها للتقوى. وقال الأخفش: أي اختصها للتَّقْوَى. وقال ابن عباس: «ٱمْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى» طهّرهم من كل قبيح، وجعل في قلوبهم الخوف من الله والتقوى. وقال عمر رضي الله عنه: أذهب عن قلوبهم الشهوات. والامتحان افتعال من مَحَنْتُ الأدِيمَ مَحْناً حتى أوسعته. فمعنى ٱمتحن الله قلوبهم للتقوى وسّعها وشرحها للتقوى. وعلى الأقوال المتقدمة: امتحن قلوبهم فأخلصها؛ كقولك: امتحنت الفضة أي اختبرتها حتى خلصت. ففي الكلام حذف يدل عليه الكلام، وهو الإخلاص. وقال أبو عمرو: كل شيء جَهَدته فقد محنته. وأنشد:شعر : أتت رذايَا بادِياً كَلالها قد محنت واضطربت آطالها تفسير : {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل فيمن كان يخفض صوته عند النبي صلى الله عليه وسلم كأبي بكر وعمر وغيرهما رضي الله عنهم.{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَٰتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ } اختبر {ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ } أي لتظهر منهم {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } الجنة.

ابن عبد السلام

تفسير : {امْتَحَنَ} أخلصها، أو اختصها.

الخازن

تفسير : {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله} الآية. قال أنس: فكنا ننظر إلى رجل من أهل الجنة يمشي بين أيدينا فلما كان يوم اليمامة في حرب مسيلمة رأى ثابت من المسلمين بعض انكسار وانهزمت طائفة منهم فقال: أف لهؤلاء. ثم قال ثابت لسالم مولى أبي حذيفة: ما كنا نقاتل أعداء الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل هذا ثم ثبتا وقاتلا حتى قتلا واستشهد ثابت وعليه درع فرآه رجل من الصحابة بعد موته في المنام وأنه قال له: اعلم أن فلاناً رجلاً من المسلمين نزع درعي فذهب به وهو في ناحية من المعسكر عند فرس يستن في طيله وقد وضع على درعي برمته فأت خالد بن الوليد فأخبره حتى يسترد درعي وأتِ أبا بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقل له: إن علي ديناً حتى يقضيه عني وفلان من رقيقي عتيق فأخبر الرجل خالداً فوجد الدرع والفرس على ما وصفه فاسترد الدرع وأخبر خالد أبا بكر بتلك الرؤيا فأجاز أبو بكر وصيته قال مالك بن أنس: لا أعلم وصية أجيزت بعد موت صاحبها إلا هذه. قال أبو هريرة وابن عباس: لما نزلت هذه الآية كان أبو بكر لا يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا كأخي السرار. وقال ابن الزبير: لما نزلت هذه الآية ما حدث عمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فسمع النبي صلى الله عليه وسلم كلامه حتى يستفهمه مما يخفض صوته فأنزل الله تعالى: {إن الذين يغضون} أي يخفضون أصواتهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أي إجلالاً له وتعظيماً {أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى} أي اختبرها وأخلصها كما يمتحن الذهب بالنار ليخرج خالصه {لهم مغفرة وأجر عظيم} قوله عز وجل: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات}. قال ابن عباس: حديث : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى بني العنبر وأمر عليهم عيينة بن حصن الفزاري فلما علموا أنه توجه نحوهم، هربوا وتركوا عيالهم، فسباهم عيينة وقدم بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاءه بعد ذلك رجالهم يفدون الذراري فقدموا وقت الظهيرة ووافقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً في أهله، فلما رأتهم الذراري أجهشوا إلى آبائهم يبكون وكان لكل امرأة من نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم حجرة فعجلوا قبل أن يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلوا ينادون: يا محمد اخرج إلينا. حتى أيقظوه من نومه فخرج إليهم، فقالوا: يا محمد فادنا عيالنا فنزل جبريل عليه السلام فقال: إن الله تعالى يأمرك أن تجعل بينك وبينهم رجلاً. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أترضوا أن يكون بيني وبينكم سبرة بن عمرو وهو على دينكم؟ قالوا: نعم. قال سبرة: أنا لا أحكم إلا وعمي شاهد وهو الأعور بن بشامة، فرضوا به، فقال الأعور: أرى أن تفادي نصفهم وتعتق نصفهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد رضيتتفسير : . ففادى نصفهم، وأعتق نصفهم فأنزل الله عز وجل: إن الذين ينادونك من وراء الحجرات {أكثرهم لا يعقلون} وصفهم بالجهل وقلة العقل. وقيل في معنى الآية: أكثرهم إشارة إلى من يرجع منهم عن ذلك الأمر ومن لا يرجع فيستمر على حاله وهم الأكثر.

ابو السعود

تفسير : وقولُه تعَالَى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوٰتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ} الخ ترغيبٌ في الانتهاءِ عمَّا نُهوا عنْهُ بعدَ الترهيبِ عنِ الإخلالِ بهِ أيْ يخفِضونَها مراعاةً للأدبِ أوْ خشيةً منْ مخالفةِ النَّهي {أُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إِلى الموصولِ باعتبارِ اتصافِه بمَا فِي حيزِ الصلةِ، وما فيهِ منْ مَعنى البعدِ مَعَ قُربِ العهدِ بالمشارِ إليهِ لمَا مرَّ مِراراً منْ تفخيمِ شأنِه وهُوَ مُبتدأٌ خبرُهُ {ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ} أيْ جرّبَها للتَّقوى ومرَّنَها عليهَا أو عَرفَها كائنةً للتَّقوى خالصةً لهَا فإِنَّ الامتحانَ سببُ المعرفةِ، واللامُ صلةٌ لمحذوفٍ أَوْ للفعلِ باعبتارِ الأصلِ أوْ ضربَ قلوبَهُم بضروبِ المحنِ والتكاليفِ الشاقَّةِ لأجلِ التَّقوى فإنَّها لا تظهرُ إلا بالاصطبارِ عليَها أو أخلصَها للتَّقوى من امتحنَ الذهبَ إذَا أذابَهُ وميزَ إبريزَهُ منْ خبثِهِ. وعنْ عمرَ رضيَ الله عنْهُ أذهبَ عَنْها الشهواتِ {لَهُمْ} في الآخرةِ {مَغْفِرَةٍ} عظيمةٌ لذنوبِهم {وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} لا يقادرُ قدرُهُ، والجملةُ إمَّا خبرٌ آخرُ لإنَّ كالجملةِ المصدرةِ باسمِ الإشارةِ أو استئنافٌ لبـيانِ جزائِهم إحماداً لحالِهم وتعريضاً بسوءِ حالِ منْ ليسَ مثلَهُم {إَنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء ٱلْحُجُرٰتِ} أيْ منْ خارجِها منْ خلفِها أوْ قُدَّامِها، وَمِنِ ابتدائيةٌ دالةٌ عَلى أنَّ المناداةَ نشأتْ منْ جهةِ الوراءِ وأنَّ المُنَادَى داخلُ الحُجرةِ لوجوبِ اختلافِ المبدأِ والمُنتهى بحسبِ الجهة بخلافِ ما لَوْ قيلَ ينادونَكَ وراءَ الحجراتِ وَقُرىءَ الحُجَرْاتِ بفتحِ الجيمِ وبسكونِها وثلاثتُها جمعُ حُجْرةٍ وهَي القطعةٌ منَ الأرضِ المحجورةِ بالحائطِ ولذلكَ يقالُ لحظيرةِ الإبلِ حُجْرةً وهيَ فُعْلةٌ منَ الحَجْر بمَعْنى مفعول كالغُرفةِ والقُبضةِ والمرادُ بَها حجراتُ أمهاتِ المؤمنينَ ومناداتُهم منْ ورائِها إمَّا بأنَّهم أتوهَا حجرةً حجرةً فنادَوهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ منْ ورائِها أَوْ بأنَّهم تفرقُوا عَلى الحجراتِ متطلبـينَ لهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ فناداهُ بعضٌ منْ وراءِ هذهِ وبعضٌ منْ وراءِ تلكَ فأسندَ فعلَ الأبعاضِ إِلى الكُلَّ وقدْ جُوِّز أنْ يكُونوا قدْ نادَوُه منْ وراءِ الحجرةِ التِّي كانَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ فيَها وَلكنَّها جُمعتْ إجلالاً لهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ وقيلَ إنَّ الذَّي ناداهُ عُيـيَنةُ بنُ حِصْنٍ الفزارِيُّ والأقرعُ بْنُ حابسٍ وَفَدا عَلَى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في سبعينَ رجُلاً منْ بنِي تميمٍ وقتَ الظهيرةِ وهُوَ راقدٌ فقالاَ يا محمدُ اخرجْ إلينَا وإنَّما أسندَ النداءَ إلى الكُلِّ لأنَّهم رضُوا بذلكَ أوْ أُمروا بهِ أوْ لأَنَّه وجدَ فيَما بـينَهمْ {أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} إذْ لَوْ كانَ لهُم عقلٌ لمَا تجاسرُوا عَلى هذهِ المرتبةِ منْ سُوءِ الأدبِ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ} [الآية: 3]. قال الحسين: من امتحن الله قلبه بالتقوى كان شعاره القرآن ودثاره الإيمان، وسراجة التفكر، وطيبه التقوى، وطهارته التوبة، ونظافته الحلال، وزينته الورع، وعلمه الآخرة، وثقته بالله ومقامه عند الله، وصومه إلى الممات، وإفطاره من الجنة، وجمعه للحسنات وكنزه أخلاقه، وحصته المراقبة، ونظره المشاهدة. قال القاسم: هو الخروج من البشرية ومفارقة ما هو موجب فى الطبيعة وهو حقيقة التوحيد. لذلك دعا إليه نبيه إبراهيم صلى الله عليه وسلم حيث نقله من دعاء البشرية إلى غيره وهو أنه لما امتحنه بذبح ولده أراد أن يزيل عن سره كل سبب فلما اطمأن إلى ذلك وسمحت نفسه به قيل له {أية : قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ}تفسير : [الصافات: 105] وهو امتحان القلب للتقوى. وقال بعضهم: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ} أخلص الله قلوبهم حتى كسبوا التقوى.

القشيري

تفسير : هم الذين تقع السكينةُ عليهم من هيبة حضرته، أولئك هم الذين امتحن اللَّهُ قلوبَهم للتقوى بانتزاع حُبِّ الشهوات منها، فاتقوا سوءَ الأخلاقِ، وراعوا الأدبَ. ويقال: هم الذين انسلخوا من عادات البشرية.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الذين يغضون اصواتهم عند رسول الله} الخ ترغيب فى الانتهاء عما نهوا عنه بعد الترهيب من الاخلال به والغض النقصان من الطرف والصوت وما فى الاناء يقال غض طرفه خفضه وغض السقاء نقص مما فيه والمعنى ان الذين يخفضون اصواتهم عند رسول الله مراعاة للادب وخشية من مخالفة النهى {اولئك} مبتدأ خبره قوله {الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى} اخلصها للتقوى من امتحن الذهب اذا اذابه وميزابريزه من خبثه فهو من اطلاق المقيد وهو اخلاص الذهب وارادة المطلق شعر : دربوتهُ امتحان كرم بكدازى منت دارم كه بى غشم ميسازى تفسير : وقال فى الاساس محن الاديم مدده حتى وسعه وبه فسر قوله تعالى امتحن الله قلوبهم اى شرحها ووسعها وعن عمر رضى الله عنه اذهب عنها الشهوات اى نزع عنها محبة الشهوات وصفاها عن دنس سوء الاخلاق وحلاها بمكارمها حتى انسلخوا عن عادات البشرية {لهم} فى الآخرة {مغفرة} عظيمة لذنوبهم {واجر عظيم} التنكير للتعظيم اى ثابت لهم غفران واجر عظيم لا يقادر قدره لغضهم وسائر طاعاتهم فهو استئناف لبيان جزآء الغاضين مدحا لحالهم وتعريضا بسوء حال من ليس مثلهم وفى الآية اشارة الى غض الصوت عند الشيخ المرشد ايضا لانه الوارث وله الخلافة ولا يقع الغض الا من اهل السكينة والوقار وقال الحسين قدس سره من امتحن الله قلبه بالتقوى كان شعاره القرءآن ودثاره الايمان وسراجه التفكر وطيبة التقوى و طهارته التوبة ونظافته الحلال وزينته الورع وعلمه الآخرة وشغله بالله ومقامه مع الله وصومه الى الممات وافطاره من الجنة وجمعه الحسنات وكنزه الاخلاص وصمته المراقبات ونظره المشاهدات قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر التقوى كل عمل يقيك من النار واذا وقاك من النار وقاك من الحجاب واذا وقاك من الحجاب شاهدت العزيز الوهاب روى ابو هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : لن يزال قلب ابن آدم ممتلئا حرصاً الا الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى تفسير : قال الراوى فلقد رأيت رجلا من اصحاب رسول الله لا يركب الى زراعة له وانها منه على فراسخ وقد اتى عليه سبعون سنة وروى انه عليه السلام قال "حديث : لا يزال قلب ابن آدم جديدا فى حب الشئ وان التفت ترقوتاه من الكبر الا الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى"تفسير : وهم قليل، يعنى هميشه دل آدم نومى باشد درحب جيزى واكرجه نكرسته باشد هردو جنبر كردنش ازيبرى وبزركى مكر آبانكه امتحان كرداست خدا قلوب ايثان ازبراى تقوى واند كند ايشان شعر : وجودتو شهريست برنيك وبد تو سلطان ودستور دانا خرد هما ناكه دونان كردن فراز درين شهر كبرست وسودا وآز جو سلطان عنايت كند بابدان كجا ماند آسايش بخردان

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ} امتحنه اختبره، وامتحن الله قلبه وسّعه وشرحه، وللتّقوى علّة لامتحن حصوليّة او تحصيليّة يعنى لكونهم متّقين وسّع الله قلوبهم وشرحها، او لاجل تحصيل التّقوى شرح الله قلوبهم، او اختبر الله قلوبهم، والمؤمن الممتحن هو الّذى شرح الله صدره بنزول السّكينة فيه وظهور ملكوت الامام عليه ولذلك قال علىّ (ع) فى حديث المعرفة بالنّورانيّة: انّ من عرفنى بالنّورانيّة هو المؤمن الممتحن قلبه للايمان، ومن امتحن الله قلبه للتّقوى يستشعر مداماً بعظمة الله وعظمة رسوله فلا يمكنه رفع الصّوت عند الرّسول (ص) {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} ويجوز ان يكون الوقف على قوله قلوبهم ويكون للتّقوى تعليلاً لما بعده.

فرات الكوفي

تفسير : {أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى 3} قال: حدثني علي بن حمدون قال: حدثنا عيسى - يعني ابن مهران - قال: حدثنا فرج قال: حدثنا مسعدة قال: حدثنا أبان بن أبي عياش: عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [أتى. أ] ذات يوم ويده في يد [أمير المؤمنين. ر] علي بن أبي طالب عليه السلام ولقيه. رجل إذ قال له: يا فلان لا تسبوا علياً فإنه من سبه فقد سبني ومن سبني سبه [ب: فقد سب] الله، والله يا فلان إنه لا يؤمن بما يكون من علي وولد علي في آخر الزمان إلا ملك مقرب أو [نبي مرسل أو. ب] عبد قد امتحن الله قلبه للإيمان، يا فلان إنه سيصيب ولد عبد المطلب بلاء شديد وأثرة وقتل وتشريد فالله الله يا فلان في أصحابي وذريتي وذمتي فإن لله يوم ينتصف فيه للمظلوم من الظالم.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ} يخفضون* {أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللهِ} اجلالا له ومخافة من مخالفة النهي كعمر وابي بكر وثابت المذكور انه من أهل الجنة وانه يموت شهيدا وكان من خبره انه شهد اليمامة في حرب مسيلمة ورأى انكسارا من المسلمين وانهزام طائفة فقال أف لهؤلاء وقال لسالم مولى أبي حذيفة ما كنا نقاتل اعداء الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل هذا وثبتا وقاتلا حتى قتلا فرأى صحابي ثابتا في المنام وقال له ان فلانا الصحابي اخذ درعي وقد شده برمة وهو في ناحية من العسكر على فرس فات خالد بن الوليد يسترد درعي وإئت أبا بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقل له ان عليّ دينا ليقضى عني وفلان من رقيقي عتيق فوجد خالد الدرع على ما وصف وأجاز ابو بكر الوصية قال مالك بن انس لا أعلم وصية اجيزت بعد موت صاحبها الا هذه* {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى} دربها ومرنها للتقوى فهم مستقلون بالتقوى صابرون عليها وعلى مشاقها ووضع الامتحان موضع المعرفة لأنه سببها و (اللام) متعلق (بامتحن) او بمحذوف خال من القلوب او من الهاء ومعناها كمعنى اللام في قولك انت لذلك الشجاع اي كاف أمره مختص به أو ضرب الله قلوبهم بانواع المحن والتكاليف الشاقة لاجل التقوى فانها لا تظهر الا بالاصطبار عليها او اخلصها للتقوى من قولك امتحن الذهب اذابه وميز ابريزه من خبثه وقال عمر أذهب الشهوات عنها وهذا داخل فيما مر ومن غلب شهوته وغضبه فقد امتحن قلبه للتقوى والآية نزلت قيل في ابي بكر وعمر والجملة خبر لأن وجملة {لَهُم مَّغْفِرَةٌ} لذنوبهم* {وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} وهو الجنة لغضهم وسائر طاعتهم خبر ثان او خبر والجملة قبلها معترضة أو هذه استئناف والتي قبلها خبر أو هذه خبر و {أُوْلَئِكَ} بدل او نعت لاسم ان والذين بدل او نعت لأولئك وفي الآية من المدح ما لا يخفي أكد (بان) وأخبر بجملتين اسميتين او باحداهما وجاءت احداهما معرفتين واحدى المعرفتين اسم اشارة البعيد اشارة المعلق والمسند اليه في الاخرى نكرة للابهام والامتحان افتعال من محن للاختبار البليغ او البلاء الجهيد ويجوز كون {لَهُم} خبرا ثانيا أو خبرا وما قبله معترض و {مَّغْفِرَةٌ} فاعله أو {أُوْلَئِكَ} مبتدأ خبره {لَهُم} و {مَّغْفِرَةٌ} فاعل أو خبره جملة {لَهُم مَّغْفِرَةٌ} من مبتدأ وخبر والمجموع خبر لأن ولمرتكب الرفع والجهر ضد ذلك في الشر

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوٰتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ } الخ ترغيب في الانتهاء عما نهوا عنه بعد الترهيب عن الإخلال به أي يحفظونها مراعاة للأدب أو خشية من مخالفة النهي {أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة، وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه لما مر مراراً من تفخيم شأنه؛ وهو مبتدأ خبره {ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ } والجملة خبر (إن)، وأصل معنى الامتحان التجربة والاختبار، والمراد به هنا لاستحالة نسبته إليه تعالى التمرين بعلاقة اللزوم أي إنهم مرن الله تعالى قلوبهم للتقوى. وفي «الكشف» الامتحان كناية تلويحية عن صبرهم على التقوى وثباتهم عليها وعلى احتمال مشاقها لأن الممتحن جرب وعود منه الفعل مرة بعد أخرى فهو دال على التمرن الموجب للاضطلاع، والإسناد إليه تعالى للدلالة على التمكين، ففيه على ما قيل مع الكناية تجوز في الإسناد والأصل امتحنوا قلوبهم للتقوى بتمكين الله تعالى لهم، وكأنه إنما / اعتبر ذلك لأنه لا يجوز إرادة المعنى الموضوع له هنا فلا يصح كونه كناية عند من يشترط فيها إرادة الحقيقة، ومن اكتفى فيها بجواز الإرادة وإن امتنعت في محل الاستعمال لم يحتج إلى ذلك الاعتبار. واختار الشهاب كون الامتحان مجازاً عن الصبر بعلاقة اللزوم، وحاصل المعنى عليه كحاصله على الكناية أي أنهم صبر على التقوى أقوياء على مشاقها أو المراد بالامتحان المعرفة كما حكي عن الجبائي مجازاً من باب إطلاق السبب وإرادة المسبب، والمعنى عرف الله قلوبهم للتقوى، وإسناد المعرفة إليه عز وجل بغير لفظها غير ممتنع وهو في القرآن الكريم شائع، على أن الصحيح جواز الإسناد مطلقاً لما في «نهج البلاغة» من إطلاق العارف عليه تعالى، وقد ورد في الحديث أيضاً على ما ادعاه بعض الأجلة. واللام صلة لمحذوف وقع حالاً من {قُلُوبِهِمْ } أي كائنة للتقوى مختصة بها، فهو نحو اللام في قوله:شعر : وقصيدة رائقة ضوعتها أنت لها أحمد من بين البشر تفسير : وقوله:شعر : أعداء من لليعملات على الوجى وأضياف ليل بيتوا للنزول تفسير : أو هي صلة ـ لامتحن ـ باعتبار معنى الاعتياد أو المراد ضرب الله تعالى قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف الشاقة لأجل التقوى أي لتظهر ويعلم أنهم متقون إذ لا تعلم حقيقة التقوى إلا عند المحن والاصطبار عليها، وعلى هذا فالامتحان هو الضرب بالمحن، واللام للتعليل على معنى أن ظهور التقوى وهو الغرض والعلة وإلا فالصبر على المحنة مستفاد من التقوى لا العكس، أو المراد أخلصها للتقوى أي جعلها خالصة لأجل التقوى أو أخلصها لها فلم يبق لغير التقوى فيها حق كأن القلوب خلصت ملكاً للتقوى، وهذا أبلغ وهو استعارة من امتحان الذهب وإذابته ليخلص إبريزه من خبثه وينقى أو تمثيل. وتفسير {ٱمْتَحَنَ } بأخلص رواه ابن جرير وجماعة عن مجاهد، وروي ذلك أيضاً عن الكعبـي وأبـي مسلم. وقال الواحدي: تقدير الكلام امتحن الله قلوبهم فأخلصها للتقوى فحذف الإخلاص لدلالة الامتحان عليه وليس بذاك. واختار صاحب «الكشف» ما نقل عنه أولاً فقال: الأول أرجح الوجوه لكثرة فائدته من الكناية والإسناد والدلالة على أن مثل هذا الغض لا يتأتى إلا ممن هو مدرب للتقوى صبور عليها فتأمل. {لَهُمْ } في الآخرة {مَغْفِرَةٌ } لذنوبهم {وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } لغضهم أصواتهم عند النبـي عليه الصلاة والسلام ولسائر طاعاتهم، وتنكير {مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ } للتعظيم، ففي وصف أجر بعظيم مبالغة في عظمه فإنه مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وجملة {لَهُمْ } الخ مستأنفة لبيان جزاء الغاضين إحماداً لحالهم كما أخبر عنهم بجملة مؤلفة من معرفتين، والمبتدأ اسم الإشارة المتضمن لما جعل عنواناً لهم، والخبر الموصول بصلة دلت على بلوغهم أقصى الكمال مبالغة في الاعتداد بغضهم والارتضاء له وتعريضاً بشناعة الرفع والجهر وإن حال المرتكب لهما على خلاف ذلك، وقيل الجملة خبر ثان لإن وليس بذاك. والآية قيل: أنزلت في الشيخين رضي الله تعالى عنهما لما كان منهما من غض الصوت والبلوغ به أخا السرار بعد نزول الآية السابقة وفي حديث الحاكم وغيره عن محمد بن ثابت بن قيس أنه قال بعد حكاية قصة أبيه وقوله: لا أرفع صوتي أبداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوٰتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ } الآية. وأنت تعلم أن حكمها عام ويدخل الشيخان في عمومها وكذا ثابت بن قيس. وقد أخرج ابن مردويه حديث : عن أبـي هريرة قال: لما أنزل الله تعالى: {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: / منهم ثابت بن قيس بن شماس.

ابن عاشور

تفسير : عن ابن عباس لما نزل قوله تعالى: {أية : لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي}تفسير : [الحجرات: 2] كان أبو بكر لا يكلم رسولَ الله إلا كأخي السِّرار، أي مصاحب السرِّ من الكلام، فأنزل الله تعالى: {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول اللَّه} الآية. فهذه الجملة استئناف بياني لأن التحذير الذي في قوله: {أية : أن تحبط أعمالكم}تفسير : [الحجرات: 2] الخ يثير في النفس أن يسأل سائل عن ضد حال الذي يرفع صوته. وافتتاح الكلام بحرف التأكيد للاهتمام بمضمونه من الثناء عليهم وجزاء عملهم، وتفيد الجملة تعليلَ النهيين بذكر الجزاء عن ضد المنهي عنهُما وأكد هذا الاهتمام باسم الإشارة في قوله: {أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى} مع ما في اسم الإشارة من التنبيه على أن المشار إليهم جديرون بالخبر المذكور بعده لأجلِ ما ذكر من الوصف قبل اسم الإشارة. وإذ قد علمت آنفاً أن محصل معنى قوله: {لا ترفعوا أصواتكم} وقوله: {أية : ولا تجهروا}تفسير : [الحجرات: 2] الأمر بخفض الصوت عند النبي صلى الله عليه وسلم يتضح لك وجهُ العدول عن نوط الثناء هنا بعدم رفع الصوت وعدم الجهر عند الرسول صلى الله عليه وسلم إلى نوطه بغض الصوت عنده. والغض حقيقته: خفض العين، أي أن لا يُحدق بها إلى الشخص وهو هنا مستعار لِخفض الصوت والميلِ به إلى الإسرار. والامتحان: الاختبار والتجربة، وهو افتعال من مَحَنه، إذا اختبره، وصيغة الافتعال فيه للمبالغة كقولهم: اضطره إلى كذا. واللام في قوله: للتقوى لام العلة، والتقدير: امتحن قلوبهم لأجل التقوى، أي لتكون فيها التقوى، أي ليكونوا أتقياء، يقال: امتحَن فلان للشيء الفلاني كما يقال: جرب للشيء ودُرب للنهوض بالأمر، أي فهو مضطلع به ليس بِوانٍ عنه فيجوز أن يجعل الامتحان كناية على تمكّن التقوى من قلوبهم وثباتهم عليها بحيث لا يوجدون في حال مَّا غيرَ متقين وهي كناية تلويحية لكون الانتقال بعدة لوازم، ويجوز أن يجعل فعل {امتحن} مجازاً مرسلاً عن العلم، أي علم الله أنهم متقون، وعليه فتكون اللام من قوله: {للتقوى} متعلّقة بمحذوف هو حال من قلوب، أي كائنة للتقوى، فاللام للاختصاص. وجملة {لهم مغفرة} خبر {إنّ} وهو المقصود من هذه من الجملة المستأنفة وما بينهما اعتراض للتنويه بشأنه. وجعل في «الكشاف» خبر {إنَّ} هو اسم الإشارة مع خبره وجعل جملة {لهم} مستأنفة ولكل وجه فانظره. وقال: «وهذه الآية بنظمها الذي رتبت عليه من إيقاع الغاضين أصواتهم اسماً لــ {إنّ} المؤكّدة وتصيير خبرها جملة من مبتدأ وخبر معرفتين معاً. والمبتدأ اسم الإشارة، واستئناف الجملة المستودَعة ما هو جزاؤهم على عملهم، وإيراد الجزاء نكرة مبهماً أمره ناظرة في الدلالة على غاية الاعتداد والارتضاء لما فعَل الذين وقَّروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الإعلام بمبلغ عزة رسول الله وقدر شرف منزلته» اهــ. وهذا الوعد والثناء يشملان ابتداءً أبا بكر وعمر إذ كان كلاهما يكلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم كأخي السِّرار.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 3- إن الذين يخفضون أصواتهم فى مجلس رسول الله - إجلالاً له - أولئك - وحدهم - هم الذين أخلص الله قلوبهم للتقوى، فليس لغيرها مكان فيها، لهم مغفرة واسعة لذنوبهم وثواب بالغ غاية العظم. 4- إن الذين ينادونك من وراء حجراتك أكثرهم لا يعقلون ما ينبغى لمقامك من التوقير والإجلال. 5- ولو أنَّ هؤلاء صبروا - تأدباً معك - حتى تقصد الخروج إليهم لكان ذلك خيراً لهم فى دينهم، والله عظيم المغفرة ذو رحمة واسعة. 6- يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم أى خارج عن حدود شريعة الله بأى خبر فتثبتوا من صدقه، كراهة أن تصيبوا أى قوم بأذى - جاهلين حالهم - فتصيروا على ما فعلتم معهم - بعد ظهور براءتهم - مغتمِّين دائماً على وقوعه، متمنين أنه لم يقع منكم. 7، 8- واعلموا - أيها المؤمنون - أن فيكم رسول الله فاقْدروه حق قدْره واصْدقوه، لو يطيع ضعاف الإيمان منكم فى كثير من الأمور، لوقعتم فى المشقة والهلاك، ولكن الله حبَّب فى الكاملين منكم الإيمان، وزيَّنه فى قلوبكم، فتصَونوّا عن تزيين ما لا ينبغى، وبغَّض إليكم جحود نعم الله، والخروج عن حدود شريعته ومخالفة أوامره، أولئك هم - وحدهم - الذين عرفوا طريق الهدى وثبتوا عليه تفضلا كريماً، وإنعاماً عظيماً من الله عليهم، والله محيط علمه بكل شئ، ذو حكمة بالغة فى تدبير كل شأن.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَصْوَاتَهُمْ} {أُوْلَـٰئِكَ} (3) - والذِينَ يَخْفِضُونَ أصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُمْ يَتَكَلَّمُونَ في حَضْرَتِهِ إِجْلالاً واحتِراماً، هُمُ الذِينَ ابتْلَى اللهُ قُلُوبَهم بالمِحَنِ والتَّكَالِيفِ الشَّاقَّةِ، حَتَّى تَطَهَّرَتْ وَصَفَتْ بِما كَابَدَتْهُ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى المَشَاقِّ، وَهَؤُلاءِ لَهُم مَغْفِرةٌ مِنْ رَبِّهمْ لذُنُوبِهمْ، وَلَهُم ثَوَابٌ عَظِيمٌ عَلَى غَضِّهم أصْواتَهم عِنْدَ النَّبِيِّ احتِراماً مِنْهُمْ لَهُ، وَتَعْظِيماً لِقَدْرِهِ. يَغُضُّونَ - يَخْفِضُونَ. امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ - أخْلَصَها وَصَفَّاهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : معنى {يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ ..} الحجرات: 3] يخفضونها ويُخافتون بها في حضرته صلى الله عليه وسلم، احتراماً له وتكريماً. {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ ..} [الحجرات: 3] أي: صفّاها وأخلصها لتكون محلاً للتقوى وللطاعة، ولحمل منهج رسول الله إلى الناس كافة، فهم مُؤهَّلون لحمل هذه الرسالة بعد أنْ نقَّى الله قلوبهم وطهرها وصفَّاها من الخبث، ونفى عنها أمراض الرياء والنفاق وضعف الإيمان. لقد صهرتهم الأحداث في بوتقة الشدائد، بحيث لم يَبْقَ في صفوف الإيمان إلا أقوياء العقيدة القادرون على حمل أمانة هذه الدعوة. لذلك قال تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ..}تفسير : [البقرة: 143] فالرسول يشهد أنه بلّغنا، ونحن نشهد أننا بلغنا الناس.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ} معناه اصطَفاهُم.

همام الصنعاني

تفسير : 2927- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ} [الآية: 3]، قال: أخلص الله قلوبهم فيما (أَحْسب).