٤٩ - ٱلْحُجُرَات
49 - Al-Hujurat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
4
Tafseer
الرازي
تفسير : بياناً لحال من كان في مقابلة من تقدم فإن الأول غض صوته والآخر رفعه، وفيه إشارة إلى أنه ترك لأدب الحضور بين يديه وعرض الحاجة عليه، وأما قول القائل للملك يا فلان من سوء الأدب، فإن قلت كل أحد يقول يا الله مع أن الله أكبر، نقول النداء على قسمين أحدهما: لتنبيه المنادى وثانيهما: لإظهار حاجة المنادي مثال الأول: قول القائل لرفيقه أو غلامه: يا فلان ومثال الثاني: قول القائل في الندبة: يا أمير المؤميناه أو يا زيداه، ولقائل أن يقول: إن كان زيد بالمشرق لا تنبيه فإنه محال، فكيف يناديه وهو ميت؟ فنقول قولنا يا الله لإظهار حاجة الأنفس لا لتنبيه المنادى، وإنما كان في النداء الأمران جميعاً لأن المنادي لا ينادي إلا لحاجة في نفسه يعرضها ولا ينادي في الأكثر إلا معرضاً أو غافلاً، فحصل في النداء الأمران ونداؤهم كان للتنبيه وهو سوء أدب وأما قول أحدنا للكبير يا سيدي ويا مولاي فهو جار مجرى الوصف والإخبار الثاني: النداء من وراء الحجرات فإن من ينادي غيره ولا حائل بينهما لا يكلفه المشي والمجيء بل يجيبه من مكانه ويكلمه ولا يطلب المنادي إلا لالتفات المنادى إليه ومن ينادي غيره من وراء الحائل فكأنه يريد منه حضوره كمن ينادي صاحب البستان من خارج البستان الثالث: قوله {ٱلْحُجُرٰتِ } إشارة إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم في خلوته التي لا يحسن في الأدب إتيان المحتاج إليه في حاجته في ذلك الوقت، بل الأحسن التأخير وإن كان في ورطة الحاجة، وقوله تعالى: {أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } فيه بيان المعايب بقدر ما في سوء أدبهم من القبائح، وذلك لأن الكلام من خواص الإنسان، وهو أعلى مرتبة من غيره، وليس لمن دونه كلام، لكن النداء في المعنى كالتنبيه، وقد يحصل بصوت، يضرب شيء على شي وفي الحيوانات العجم ما يظهر لكل أحد كالنداء، فإن الشاة تصيح وتطلب ولدها وكذلك غيرها من الحيوانات، والسخلة كذلك فكأن النداء حصل في المعنى لغير الآدمي، فقال الله تعالى في حقهم {أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } يعني النداء الصادر منهم لما لم يكن مقروناً بحسن الأدب كانوا فيه خارجين عن درجة من يعقل وكان نداؤهم كصياح صدر من بعض الحيوان، وقوله تعالى: {أَكْثَرُهُمْ } فيه وجهان أحدهما: أن العرب تذكر الأكثر وتريد الكل، وإنما تأتي بالأكثر احترازاً عن الكذب واحتياطاً في الكلام، لأن الكذب مما يحبط به عمل الإنسان في بعض الأشياء فيقول الأكثر وفي اعتقاده الكل، ثم إن الله تعالى مع إحاطة علمه بالأمور أتى بما يناسب كلامهم، وفيه إشارة إلى لطيفة وهي أن الله تعالى يقول: أنا مع إحاطة علمي بكل شيء جريت على عادتكم استحساناً لتلك العادة وهي الاحتراز عن الكذب فلا تتركوها، واجعلوا اختياري ذلك في كلامي دليلاً قاطعاً على رضائي بذلك وثانيهما: أن يكون المراد أنهم في أكثر أحوالهم لا يعقلون، وتحقيق هذا هو أن الإنسان إذا اعتبر مع وصف ثم اعتبر مع وصف آخر يكون المجموع الأول غير المجموع الثاني، مثاله الإنسان يكون جاهلاً وفقيراً فيصير عالماً وغنياً فيقال في العرف زيد ليس هو الذي رأيته من قبل بل الآن على أحسن حال، فيجعله كأنه ليس ذلك إشارة إلى ما ذكرنا. إذا علم هذا فهم، في بعض الأحوال إذا اعتبرتهم مع تلك الحالة، مغايرون لأنفسهم إذا اعتبرتهم مع غيرها فقال تعالى: {أَكْثَرُهُمْ } إشارة إلى ما ذكرناه، وفيه وجه ثالث وهو أن يقال لعل منهم من رجع عن تلك الأهواء، ومنهم من استمر على تلك العادة الرديئة فقال أكثرهم إخراجاً لمن ندم منهم عنهم.
القرطبي
تفسير : قال مجاهد وغيره: نزلت في أعراب بني تميم؛ قدم الوفد منهم على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فدخلوا المسجد ونادَوُا النبيّ صلى الله عليه وسلم من وراء حجرته أن ٱخرج إلينا، فإن مَدْحَنَا زَيْنٌ وَذَمّنَا شَيْنٌ. وكانوا سبعين رجلاً قدّموا الفداءَ ذَرارِيَ لهم؛ وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم نام للقائلة. حديث : وروي أن الذي نادى الأقرع بن حابس، وأنه القائل: إن مَدْحِيَ زَيْنٌ وإنّ ذَمِّيَ شَيْن؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ذاك الله»تفسير : . ذكره الترمذي عن البَرَاء بن عازب أيضاً. وروى زيد بن أرقم فقال: أتى أناس النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يكن نبيّاً فنحن أسعد الناس بٱتباعه، وإن يكن مَلِكاً نَعِشْ في جنابه. فأتُوا النبي صلى الله عليه وسلم فجعلوا ينادونه وهو في حجرته: يا محمد، يا محمد؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية. قيل: إنهم كانوا من بني تميم. قال مقاتل كانوا تسعة عشر: قيس بن عاصم، والزِّبْرِقَان بن بَدْر، والأَقْرَع بن حابس، وسُويد بن هاشم، وخالد بن مالك، وعطاء بن حابس، والقَعْقاع بن مَعْبَد، ووَكِيع بن وكيع، وعُيَيْنَة بن حِصْن وهو الأحمق المطاع، وكان من الجرّارين يجر عشرة آلاف قناة، أي يتبعه، وكان اسمه حذيفة وسمي عُيْيَنة لِشَترٍ كان في عينيه ذكر عبد الرزاق في عُيينة هذا: أنه الذي نزل فيه {أية : وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا}تفسير : [الكهف:8 2]. وقد مضى في آخر «الأعراف» من قوله لعمر رضي الله عنه ما فيه كفاية؛ ذكره البخاري. وروي أنهم وَفَدوا وقت الظَّهِيرة ورسول الله صلى الله عليه وسلم راقد؛ فجعلوا ينادونه: يا محمد يا محمد، ٱخرج إلينا؛ فٱستيقظ وخرج، ونزلت. حديث : وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هم جُفاة بني تميم لولا أنهم من أشدّ الناس قتالاً للأعور الدجال لدعوت الله عليهم أن يهلكهم»تفسير : . والحُجُرات جمع حُجْرة؛ كالغُرُفات جمع غُرْفة، والظّلمات جمع ظُلْمة. وقيل: الحجرات جمع الحُجَر، والحُجَر جمع حُجْرة، فهو جمع الجمع. وفيه لغتان: ضّم الجيم وفتحها. قال:شعر : ولما رأونا بادياً رُكَباتنا على موطن لا نخلط الجِدَّ بالهَزْلِ تفسير : والحجرة: الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوط عليها. وحَظيرة الإبل تسمى الحجرة، وهي فُعْلة بمعنى مفعولة. وقرأ أبو جعفر بن القَعْقَاع «الحُجَرات» بفتح الجيم استثقالاً للضمتين. وقرىء «الحُجْرات» بسكون الجيم تخفيفاً. وأصل الكلمة المنع. وكل ما منعت أن يوصل إليه فقد حَجَرت عليه. ثم يحتمل أن يكون المنادى بعضاً من الجملة فلهذا قال: {أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} أي إن الذين ينادونك من جملة قوم الغالب عليهم الجهل.
ابن كثير
تفسير : ثم إنه تبارك وتعالى ذم الذين ينادونه من وراء الحجرات، وهي بيوت نسائه كما يصنع أجلاف الأعراب، فقال: {أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} ثم أرشد تعالى إلى الأدب في ذلك، فقال عز وجل: {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} أي لكان لهم في ذلك الخيرة والمصلحة في الدنيا والآخرة. ثم قال جل ثناؤه داعياً لهم إلى التوبة والإنابة: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وقد ذكر أنها نزلت في الأقرع بن حابس التميمي رضي الله عنه، فيما أورده غير واحد. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان حدثنا وهيب حدثنا موسى بن عقبة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن الأقرع بن حابس رضي الله عنه: أنه نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات فقال: يا محمد يا محمد وفي رواية: يا رسول الله فلم يجبه، فقال: يا رسول الله إن حمدي لزين، وإن ذمي لشين، فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ذاك الله عز وجل» تفسير : وقال ابن جرير: حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث المروزي، حدثنا الفضل بن موسى عن الحسين بن واقد، عن أبي إسحاق عن البراء في قوله تبارك وتعالى: {إَنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَٰتِ} قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، إن حمدي زين وذمي شين، فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ذاك الله عز وجل» تفسير : وهكذا ذكره الحسن البصري وقتادة مرسلاً. وقال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة قال: كان بشر بن غالب ولبيد بن عطارد أو بشر بن عطارد ولبيد بن غالب، وهما عند الحجاج جالسان، فقال بشر بن غالب للبيد بن عطارد: نزلت في قومك بني تميم: {إَنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَٰتِ} قال: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، فقال: أما إنه لو علم بآخر الآية، أجابه {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ} قالوا: أسلمنا، ولم يقاتلك بنو أسد، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن علي الباهلي. حدثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت داود الطائي يحدث عن أبي مسلم البجلي عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: اجتمع أناس من العرب، فقالوا: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل فإن يك نبياً فنحن أسعد الناس به، وإن يك ملكاً نعش بجناحه. قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما قالوا، فجاؤوا إلى حجرة النبي صلى الله عليه وسلم فجعلوا ينادونه وهو في حجرته: يا محمد يا محمد، فأنزل الله تعالى: { إَنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَٰتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} قال: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني، فمدها فجعل يقول: «حديث : لقد صدق الله تعالى قولك يا زيد، لقد صدق الله قولك يا زيد» تفسير : ورواه ابن جرير عن الحسن بن عرفة، عن المعتمر بن سليمان به.
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل في قوم جاؤوا وقت الظهيرة والنبي صلى الله عليه وسلم في منزله فنادوه{إَنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرآءِ ٱلْحُجُرٰتِ } حجرات نسائه صلى الله عليه وسلم جمع حجرة وهي ما يحجر عليه من الأرض بحائط ونحوه وكان كل واحد منهم نادى خلف حجرة لأنهم لم يعلموه في أي حجرة، مناداة الأعراب بغلظة وجفاء {أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } فيما فعلوه محلَّك الرفيع وما يناسبه من التعظيم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْحُجُرَاتِ} الآية. اختلف في سبب نزولها، فروى معمر عن قتادة أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فناداه من وراء الحجرة: يا محمد، إن مدحي زين وشتمي شين، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : وَيْلُكَ ذَاكَ اللَّهُ، ذَاكَ اللَّهُ" تفسير : فأنزل الله هذه الآية، فهذا قول. وروى زيد بن أرقم قال: أتى ناس النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يكن نبياً فنحن أسعد الناس باتباعه وإن يكن ملكاً نعش في جنابه، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فجعلوا ينادونه، وهو في حجرته يا محمد، فأنزل الله هذه الآية. قيل: إنهم كانوا من بني تميم. قال مقاتل: كانوا تسعة نفر: قيس بن عاصم، والزبرقان بن بدر، والأقرع بن حابس، وسويد بن هشام، وخالد بن مالك، وعطاء بن حابس، والقعقاع بن معبد، ووكيع بن وكيع، وعيينة بن حصن. وفي قوله: {أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} وجهان: أحدهما: لا يعلمون، فعبر عن العلم بالعقل لأنه من نتائجه، قاله ابن بحر. الثاني: لا يعقلون أفعال العقلاء لتهورهم وقلة أناتهم، وهو محتمل. والحجرات جمع حجر؛ والحجر جمع حجرة. {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} فيه وجهان: أحدهما: لكان أحسن لأدبهم في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. الثاني: لأطلقت أسراهم بغير فداء، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان سبى قوماً من بني العنبر، فجاءوا في فداء سبيهم وأسراهم.
ابن عطية
تفسير : قوله تعالى: {إن الذين ينادونك} إلى قوله {رحيم}حديث : نزلت في وفد بني تميم حيث كان الأقرع بن حابس والزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم وغيرهم، وذلك أنهم وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلوا المسجد ودنوا من حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهي تسعة، فجعلوا ولم ينتظروا، فنادوا بجملتهم: يا محمد اخرج إلينا يا محمد اخرج إلينا فكان في فعلهم ذلك جفاء وبداوة وقلة توقير، فتربص رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج إليهم، فقال له الأقرع بن حابس: يا محمد، إن مدحي زين وذمي شين، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ويلك، ذلك الله تعالى" واجتمع الناس في المسجد، فقام خطيبهم وفخر، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس بن شماس فخطب وذكر الله والإسلام، فأربى على خطيبهم، ثم قام شاعرهم فأنشد مفتخراً، فقام حسان بن ثابت ففخر بالله وبالرسول وبالبسالة، فكان أشعر من شاعرهم، فقال بعضهم لبعض: والله إن هذا الرجل لمؤتى له، لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ثم نزلت فيهم هذه الآيةتفسير : . هذا تلخيص ما تظاهرت به الروايات في هذه الآية، وقد رواه موسى بن عقبة عن أبي سلمة عن الأقرع بن حابس، وفي مصحف ابن مسعود: "أكثرهم بنو تميم لا يعقلون"، و: {الحجرات}: جمع حجرة. وقرأ جمهور القراء: "الحُجُرات" بضم الحاء والجيم، وقرأ أبو جعفر القاري وحده: "الحُجَرات" بضم الحاء وفتح الجيم. وقوله تعالى: {لكان خيراً لهم} يعني في الثواب عند الله وفي انبساط نفس النبي صلى الله عليه وسلم وقضائه لحوائجهم ووده لهم، وذلك كله خير، لا محالة أن بعضه انزوى بسبب جفائهم. وقوله تعالى: {والله غفور رحيم} ترجية لهم وإعلام بقبوله توبة التائب وغفرانه ورحمته لمن أناب ورجع. وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ} سببها أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق مصدقاً، فروي أنه كان معادياً لهم فأراد إذايتهم، فرجع من بعض طريقه وكذب عليهم، قاله الضحاك، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنهم منعوني الصدقة وطردوني وارتدوا، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بغزوهم، ونظر في ذلك، وبعث خالد بن الوليد إليهم، فورده وفدهم منكرين لذلك، وروي عن أم سلمة وابن عباس أن الوليد بن عقبة لما قرب منهم خرجوا إليه متلقين له، فرآهم على بعد، ففزع منهم، وظن بهم الشر وانصرف، فقال ما ذكرناه، وروي أنه لما قرب منهم بلغه عنهم أنهم قالوا: لا نعطيه الصدقة ولا نعطيه، فعمل على صحة هذا الخبر وانصرف، فقال ما ذكرناه فنزلت الآية بهذا السبب، والوليد على ما ذكر مجاهد هو المشار إليه بالفاسق وحكى الزهراوي قالت أم سلمة: هو الوليد بن عقبة. قال القاضي أبو محمد: ثم هي باقية فيمن اتصف بهذه الصفة غابر الدهر. والفسق: الخروج عن نهج الحق، وهو مراتب متباينة، كلها مظنة للكذب وموضع تثبت وتبين، وتأنس القائلون بقبول خبر الواحد بما يقتضيه دليل خطاب هذه الآية، لأنه يقتضي أن غير الفاسق إذا جاء بنبإ أن يعمل بحسبه، وهذا ليس باستدلال قوي وليس هذا موضع الكلام على مسألة خبر الواحد. وقرأ الجمهور من القراء: "فتبينوا" من التبين. وقرأ الحسن وابن وثاب وطلحة والأعمش وعيسى: "فتثبتوا". و {أن} في قوله: {أن تصيبوا} مفعول من أجله، كأنه قال: مخافة {أن تصيبوا} . قال قتادة: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما نزلت هذه الآية: "حديث : التثبت من الله والعجلة من الشيطان"تفسير : . قال منذر بن سعيد هذه الآية ترد على من قال: إن المسلمين كلهم عدول حتى تثبت الجرحة، لأن الله تعالى أمر بالتبين قبل القبول. قال القاضي أبو محمد: فالمجهول الحال يخشى أن يكون فاسقاً والاحتياط لازم. قال النقاش "تبينوا" أبلغ، لأنه قد يتثبت من لا يتبين. وقوله تعالى: {واعلموا أن فيكم رسول الله} توبيخ للكذبة ووعيد للفضيحة، أي فليفكر الكاذب في أن الله عز وجل يفضحه على لسان رسوله؛ ثم قال: {لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم} أي لشقيتم وهلكتم، والعنت: المشقة، أي لو يطيعكم أيها المؤمنون في كثير مما ترونه باجتهادكم وتقدمكم بين يديه. وقوله تعالى: {ولكن الله حبب إليكم} الآية كأنه قال: ولكن الله أنعم بكذا وكذا، وفي ذلك كفاية وأمر لا تقومون بشكره فلا تتقدموا في الأمور، واقنعوا بإنعام الله عليكم، وحبب الله تعالى الإيمان وزينه بأن خلق في قلوب المؤمنين حبه وحسنه، وكذلك تكريه الكفر والفسق والعصيان، وحكى الرماني عن الحسن أنه قال: حبب الإيمان بما وصف من الثواب عليه وكره الثلاثة المقابلة للإيمان بما وصف من العقاب عليها. وقوله تعالى: {أولئك هم الراشدون} رجوع من الخطاب إلى ذكر الغيب، كأنه قال: ومن فعل هذا وقبله وشكر عليه فأولئك هم الراشدون. وقوله تعالى: {فضلاً من الله ونعمة} مصدر مؤكد لنفسه، لأن ما قبله هو بمعناه، إن التحبيب والتزيين هو نفس الفضل، وقد يجيء المصدر مؤكداً لما قبله إذا لم يكن هو نفس ما قبله، كقولك جاءني زيد حقاً ونحوه وكان قتادة رحمه الله يقول: قد قال الله تعالى لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: {واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم}، وأنتم والله أسخف الناس رأياً، وأطيش أحلاماً، فليتهم رجل نفسه، ولينتصح كتاب الله تعالى.
ابن عبد السلام
تفسير : {الَّذِينَ يُنَادُونَكَ} "حديث : جاءه رجل فناداه من وراء الحجرة يا محمد إن مدحي زين وإن شتمي شين فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: "ويلك ذاك الله، ذاك الله" " تفسير : فنزلت. أو قال قوم انطلقوا بنا إلى هذا الرجل فإن كان نبياً فنحن أسعد الناس به وإن يكن ملكاً نعش في جنابه فأتوه ينادونه وهو في حجرته يا محمد يا محمد فنزلت قيل: كانوا تسعة من بني تميم.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {إَنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ ٱلْحُجُرٰتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} نزلت في وفد بني تميم وقولِهِمْ: يا محمدُ، اخرج إلينا، يا محمد، اخرج إلينا، وفي مصحف ابن مسعود: «أَكْثَرُهُمْ بَنُو تَمِيمٍ لاَ يَعْقِلُونَ» وباقي الآية بَيِّنٌ. وقوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ} وقُرِىءَ «فَتَثَبَّتُوا» رُوِيَ في سبب الآية: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنَ أبي مُعَيْطٍ إلَى بَنِي المُصْطَلِقِ مُصَدِّقاً، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُمْ خَرَجُوا إلَيْهِ، فَفَزِعَ مِنْهُمْ، وظَنَّ بِهِمْ شَرًّا، فَرَجَعَ، وقال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: قَدْ مَنَعُونِي الصَّدَقَةَ، وَطَرَدُونِي، وَٱرْتَدُّوا، فَغَضِبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهَمَّ بِغَزْوِهِمْ، فَوَرَدَ وَفْدُهُمْ مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ»، ورُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا قَرُبَ مِنْهُمْ بَلَغَهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: لاَ نُعْطِيهِ الصَّدَقَةَ وَلا نُطِيعُهُ، فقال ما ذكرناه فنزلَتِ الآية، و{أَن تُصِيبُواْ} معناه: مخافة أنْ تصيبوا، قال قتادة: وقال النبي صلى الله عليه وسلم عندما نزلت هذه الآية: «حديث : التَّثَبُّتُ مِنَ اللَّهِ وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ».تفسير : وقوله سبحانه: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} توبيخ للكذبة، والعَنَتُ: المشقة. وقوله تعالى: {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلرشِدُونَ} رجوع من الخطاب إلى الغيبة، كأنه قال: ومنِ اتصف بما تقدم من المحاسن أولئك هم الراشدون. وقوله سبحانه: {فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً} أي: كان هذا فضلاً من اللَّه ونعمةً، وكان قتادة ـــ رحمه اللَّه ـــ يقول: قد قال اللَّه تعالى لأصحاب محمد ـــ عليه السلام ـــ: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} وأنتم واللَّه أسخف رأياً، وأطيش أحلاماً، فَلْيَتَّهِمَ رَجُلٌ نفسَه، ولينتصح كتاب اللَّه تعالى.
ابن عادل
تفسير : قوله (تعالى): {إَنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ} هذا بيان لحال من كان في (مقابلة من تقدم، فإن الأول غَضَّ صوته، والآخر رفعه، وفيه إشارة إلى ترك الأدب من وجوه:) أحدها: النداء، فإن نداء الرجل الكبير قبيح بل الأدب الحضور بين يديه وعرض الحاجة إليهِ. الثاني: النداء من وراء الحجرات، فإن من ينادي غيره ولا حائل بينهما لا يكلفه المَشْيَ والمجيءَ بل يجيئه من مكانه ويكلمه ومن ينادي غيره مع الحائل يريد منه حضوره. الثالث: قوله "الحجرات" يدل على كون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في خَلْوَتِهِ التي لا يمكن إتيان المحتاج إليه في حاجته (في) ذلك الوقت بل الأحسن التأخير وإن كان في وَرْطَةِ الحاجة. قوله:"مِنْ وَرَاء" "مِنْ" لابتداء الغاية. وفي كلام الزمخشري ما يمنع أن "مِنْ" يكون لابتداء الغاية وانتهائها قال: لأن الشيء الواحد لا يكون مبدأ للفعل ومنتهًى له. وهذا الذي أثبته بعض الناس وزعم أنها تدل على ابتداء الفعل وانتهائه في جهة واحدة نحو: أَخْذْتُ الدِّرْهَمَ مِنَ الكِيسِ. والعامة على الحُجُرَات ـ بضمتين ـ وأبو جعفر وشَيْبَةُ بفَتْحها. وابن أبي عبلَة بإسكانها. وهي ثلاث لغات وتقدم تحقيقها في البقرة في قوله: "في ظُلُمَاتٍ". والحُجْرَةُ فُعْلَةٌ بمعنى مفعولة كغُرْفَة بمعنى مَغْروفَة. قال البغوي: والحُجُرَاتُ جمع الحُجْرَةِ فهي جَمْعُ الجَمْعِ. فصل ذكروا في سبب النزول وجوهاً: الأول: قال ابن عباس: بعث رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سريّةً إلى بني العَنْبر، وأمر عليهم عُيَيْنَة بن حِصْنٍ الفَزَاريّ، فلما علما هربوا وتركوا عيالهم، فَسَبَاهُمْ عيينة، وقدم (بهم) على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فجاء بعد ذلك رجالهم يفدونَ الذَّرَارِي فقدموا وقت الظهيرة ووافقوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قائلاً في أهله فلما رأتهم الذَّرَارِي أجْهَشُوا إلى آبائهم يبكون وكان لكل امرأة من نساء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حُجْرةٌ فعجلوا أن يخرج إليهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فجعلوا ينادون: يا محمد اخْرُجُ إلينا حتى أيقظُوه من نومه فخرج إليهم، فقالوا يا محمد: فادنا عيالنا، فنزل جبريل (عليه الصلاة والسلام) فقال: إن الله يأمرك أن تجعل بينك وبينهم رجلاً فقال لهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أتَرْضُون أن يكون بيني وبينكم سبرة بن عمرو وهو على دينكم؟ فقالوا: نعم؛ قال سبرة: أنا لا أحكم وعمي شاهد وهو الأعور بن بشامة؛ فرضوا به فقال الأعور: أرى (أن) تفادي نصفهم وأعتق نصفهم. فأنزل الله: إنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الحُجُرَاتِ أكْثَرُهُم لاَ يَعْقِلُونَ وصفهم بالجهل وقلة العقل. {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} لأنك كنت تعتقهم جميعاً وتطلقهم بلا فداء {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وقال قتادة: نزلت في ناسٍ من أعراب بني تميم جاءوا إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فنادوا على الباب: اخرج إلينا يا محمد فإن مَدْحَنا زَيْنٌ وذمّنا شينٌ فخرج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يقول: إنما ذلكم اللهُ الذي مَدْحُهَ زَيْنٌ وذَمُّهُ شَيْنٌ، فقالوا: نحن ناس من بني تميم جئنا بشاعرنا وخطيبنا نشاعرُك ونفاخرك، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما بالشعر بُعِثْتُ، ولا بالفخر أُمِرْتُ، ولكن هاتوا فقام شاب منهم فذكر فضلَه وفضل قومه فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لثابت بن قيس بن شِمَاس، وكان خطيب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: قُمْ فَأَجِبْهُ فأجَابَهُ. وقام شاعرهم فذكر أبياتاً فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لحسَّان بن ثابت: أجبهُ فأجابهُ، فقام الأقرع بن حابس فقال: إن محمداً المؤتَى له، تكلم خطيبنا، فكان خطيبهم أحسنَ قولاً، وتكلم شاعرُنا فكان شاعرُهم أشعرَ وأحسنَ قولاً، ثم دنا من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ما يضرك ما كان من قبل هذا ثم أعطاهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما أعطاهم فأزرى به بعضهم وارتفعت الأصوات وكثر اللّغَظُ عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فنزل فيهم: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ...}تفسير : [الحجرات:2] الآيات الأربع إلى قوله: {غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وقال زيد بن أرقم: جاء ناس من العرب إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يكن نبياً فنحن أسعد الناس به، وإن يكُنْ ملكاً نعيش في جَنَاحِهِ فجاءوا فجعلوا ينادون من وراء الحجرات: يا محمدُ يا محمد، فأنزل الله: {إَنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ...} الآية. فصل في قوله: "أكثرهم" وجوه: أحدها: أن العرب تذكر الأكثر وتريد الكل، احترازاً عن الكذب واحتياطاً في الكلام، لأن الكل مما لا يحيط به علم الإنسان في بعض الأشياء فيقول الأكثر وفي اعتقاده الكل، ثم إن الله تعالى مَعَ إحاطة علمه بالأمور أتى بما يناسب كلامهم، وفيه إشارة لطِيفةٍ وهي أن الله تعالى يقول: أنَا مع إحاطة علمي بكل شيء جربت على عادتكم استحساناً لتلك العادة، وهي الاحتراز عن الكذب، فلا تتركوها واجعلوا اختياري ذلك في كلامي دليلا ً قاطعاً على رضائي بذلك منكم. الثاني: أن يكون المراد أنهم في أكثر أحوالهم لا يعقلون، وذلك أن الإنسان إذا اعتبر مع وصف ثم اعتبر مع وصف آخر يكون المجموع الأول غير المجموع الثاني، مثاله: إذا كان الإنسان جاهلاً أو فقيراً فيصير عالماً أو غنياً فيقال في العُرْف: زَيْدٌ لَيْسَ هُوَ الذي رَأَيْتُ مِنْ قَبْلُ بل الآن على أحسن حال فيجعله كأنه ليس ذلك إشارة إلى ما ذكرنا. إذا علم هذا فهم في بعض الأحوال إذا اعتبرتهم مع تلك الحالة مغايرون لأنفسهم إذا اعتبرتهم مع غيرها. فقوله تعالى: {أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} إشارة إلى ما ذكرنا. الثالث: لعل فيهم من رجع عن ذلك الأمر، ومنهم من استمر على تلك العادة الرّديئة فقال: أكثرهم إخراجاً لمن ندم منهم عنهم. قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ} تقدم مثله. وجعله الزمخشري فاعلاً بفعل مقدر أي ولو ثبت صَبْرُهُم. وجعل اسم أن ضميراً عائداً على هذا الفاعل. وقد تقدم أن مذهب سِيبَويْهِ أنها في محل رفع بالابتداء وحينئذ يكون اسم "أَنَّ" ضميراً عائداً على صَبْرهم المفهوم من الفعل. قوله: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يحتمل أمرين: أحدهما: غفور لسوء صنعهم في التعجيل. وثانيهما: لحسن الصبر يعني بسبب إتيانهم بما هو خير يغفر الله لهم سيئاتهم. ويحتمل أن يكون ذلك حثّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الصلح. وقوله: {أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} كالصبر لهم.
البقاعي
تفسير : ولما نهى سبحانه عن الإخلال بالأدب، وأمر بالمحافظة على التعظيم، وذكر وصف المطيع، أتبع ذلك على سبيل النتيجة وصف من أخل به، فقال مؤكداً لأجل أن حالهم كان حال من يدع عقلاً تاماً: {إن الذين ينادونك} أي يجددون نداءك من غير توبة والحال أن نداءهم إياك كائن {من وراء} إثبات هذا الجار يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان داخلها، ولو سقط لم يفد ذلك، بل كان يفيد أن نسبة الأماكن التي وراءها الحجرات كلها بالنسبة إليه وإليهم على حد سواء، وذلك بأن يكون الكل خارجها، والوراء: الجهة التي تواريك وتواريها من خلف أو قدام. ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم من العظمة في نفسه وفي تبليغ رسالات الله في هيئتها بمكان من العظمة بحيث لا يخفى على أحد. فليس لأحد أن يفتات فيها عليه ولا أن يعجله عن شيء، وكان نداؤه لذلك من وراء حجرته واحدة كندائه من وراء كل حجرة جمع فقال: {الحجرات} ولم يضفها إليه إجلالاً له، وليشمل كوني في غيرها أيضاً، والمعنى: مبتدئين النداء من جهة تكون الحجرات فيها بينك وبينهم فتكون موازية لك منهم ولهم منك، وهي جمع حجرة، وهي ما حوط من قطع الأرض بحائط يمنع ممن يكون خارجه من أذى من يكون داخله بقول أو فعل، فإنه يكون فيما يختص به من الاجتماع بنسائه أو إصلاح شيء من حاله، لا يتهيأ له بحضور الناس فيما يتقاضاه المروءة، وأسند الفعل إلى الجمع وإن كان المنادي بعضهم للرضى به أو السكوت عن النهي. ولما كان الساكت قد لا يكون راضياً قال: {أكثرهم} أي المنادي والراضي دون الساكت لعذر {لا يعلقون *} لأنهم لم يصبروا، بل فعلوا معه صلى الله عليه وسلم كما يفعل بعضهم مع من يماثله، والعقل يمنع من مثل ذلك لمن اتصف بالرئاسة فكيف إذا كانت رئاسة النبوة والرسالة عن الملك الجبار الواحد القهار. ولما ذمهم بسوء عملهم، أرشدهم إلى ما يمدحون به من حسنه فقال: {ولو أنهم} أي المنادي والراضي {صبروا} أي حبسوا أنفسهم ومنعوها عن مناداتهم، والصبر حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها وهو حبس فيه شدة، وصبر عن كذا - محذوف الفعل لكثرة دوره، أي نفسه {حتى تخرج} من تلقاء نفسك عند فراغ ما أنت فيه مما يهمك من واردات الحق ومصالح الخلق. ولما كان الخروج قد يكون إلى غيرهم من المصالح، فلا يسوغ في الأدب أن يقطع ذاك عليه قال: {إليهم} أي ليس لهم أن يكلموك حتى تفرغ لهم فتقصدهم فإنك لا تفعل شيئاً في غير حينه بمقتضى أمر الرسالة {لكان} أي الصبر. ولما كان العرب أهل معال فهم بحيث لا يرضون إلا الأحسن فقال: {خيراً لهم} أي من استعجالهم في إيقاظك وقت الهاجرة وما لو قرعوا الباب بالأظافير كما كان يفعل غيرهم من الصحابة رضي الله عنهم، وهذا على تقدير أن يكون ما ظنوا من أن فيه خيراً فكانوا يعقلون، ففي التعبير بذلك مع الإنصاف بل الإغضاء والإحسان هز لهم إلى المعالي وإرشاد إلى ما يتفاخرون به من المحاسن، قال الرازي: قال أبو عثمان: الأدب عند الأكابر يبلغ بصاحبه إلى الدرجات العلى والخير في الأولى والعقبى - انتهى. وأخيرية صبر في الدين معروفة، وأما في الدنيا فإنهم لو تأدبوا لربهم زادهم النبي صلى الله عليه وسلم في الفضل فأعتق جميع سبيهم وزادهم، والآية في الاحتباك: حذف التعليل بعدم الصبر أولاً لما دل عليه ثانياً، والعقل ثانياً لما دل عليه من ذكره أولاً. ولما ذكر التقدير تأديباً لنا وتدريباً على الصفح عن الجاهل وعذره وتعليمه: ولكنهم لم يصبروا وأساؤوا الأدب فكان ذلك شراً لهم والله عليم بما فعلوا حليم حيث لم يعاجلهم بالعقوبة لإساءتهم الأدب على رسوله صلى الله عليه وسلم، عطف عليه استعطافاً لهم مع إفهامه الترهيب: {والله} أي المحيط بصفات الكمال {غفور} أي ستور لذنب من تاب من جهله {رحيم *} يعامله معاملة الراحم فيسبغ عليه نعمه. ولما تابوا، أعتبهم الله في غلظتهم على خير خلقه أن جعلهم أغلظ الناس على شر الناس: الدجال، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال:حديث : إنهم أشد الناس عليه . تفسير : ولما أنهى سبحانه ما أراد من النهي عن أذى الرسول صلى الله عليه وسلم في نفسه، وكان من ذلك أذاه في أمته، فإنه عزيز عليه ما عنتوا وكان من آذاه فيهم فاسقاً، وكان أعظم الأذى فيهم ما أورث كرباً فأثار حرباً، وكان ربما اتخذ أهل الأغراض هذه الآداب ذريعة إلى أذى بعض المسلمين فقذفوهم بالإخلال بشيء منها فوقعوا هم فيها فيما قذفوا به غيرهم من الإخلال بحقه والتقيد بولائه ورقه، وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الأخلاق الطاهرة والمعالي الظاهرة ما يؤمن معه أن يوقع شيئاً في غير محله، أن يأمر بأمر من غير حله - هذا مع ما له من العصمة، قال منبهاً على ما في القسم الثالث من مكارم الأخلاق من ترك العجز بالاعتماد على أخبار الفسقة، تخاطباً لكل من أقر بالإيمان على طريق الاستنتاج مما مضى، نادباً إلى الاسترشاد بالعقل الذي نفاه عن أهل الآية السالفة، والعفو عن المذنب والرحمة لعباد الله، منادياً بأداة البعد إشارة إلى أن من احتاج إلى التصريح بمثل هذا التنبيه غير مكتف بما أفاده من قواعد الشرع وضع نفسه في محل بعيد، وتنبيهاً على أن ما في حيزها كلام له خطب عظيم ووقع جسيم: {يا أيها الذين آمنوا} وعبر بالفعل الماضي الذي هو لأدنى أسنان القلوب، وعبر بأداة الشك إيذاناً بقلة الفاسق فيهم وقلة مجيئه إليهم بخبر له وقع، فقال: {إن جاءكم} أي في وقت من الأوقات {فاسق} أي خارج من ربقة الديانة أيّ فاسق كان {بنبأ} أي خبر يعظم خطبه فيؤثر شراً، أيّ خير كان مما يكون كذلك؟ {فتبينوا} أي عالجوا البيان وهو فصل الخطأ من الصواب، استعمالاً لغريزة العقل المنفي عن المنادين واتصافاً بالغفران والرحمة ليرحمكم الله ويغفر لكم، وهذه القراءة غاية لقراءة حمزة والكسائي بالمثلثة ثم المثناة الفوقية، والسياق مرشد إلى أن خبر الفاسق كالنمام والساعي بالفساد كما أنه لا يقبل فلذلك لا يرد حتى يمتحن، وإلى أن خبر العدل لا وقفة فيه، وإلا لاستوى مع الفاسق، فالتثبت معلل بالفسق، فإذا انتفى ولم توجد علة أخرى توجب التثبت وجب القبول، والمعلق على شيء بكلمة "إن" عدم عند عدمه، والتبين بأحد شيئين: بمراجعة النبي صلى الله عليه وسلم إن كان حاضراً، وبمراجعة آثاره من كتاب الله وسنته إلى أن تبين الأمر منهما إن كان غائباً، فإنه لا تكون أبداً كائنة إلا وفي الكتاب والسنة المخرج منها. ولما أمر بالتبين، ذكر علته فقال: {أن} أي لأجل كراهة أن {تصيبوا} أي بأذى {قوماً} أي هم مع قوتهم النافعة لأهل الإسلام براء مما نسب إليهم {بجهالة} أي مع الجهل بحال استحاقهم ذلك. ولما كان الإنسان إذا وضع شيئاً في غير موضعه جديراً بالندم، سبب عن ذلك قوله: {فتصبحوا} أي فتصيروا، ولكنه عبر بذلك لأن أشنع الندم ما استقبل الإنسان صباحاً وقت انتباهه وفراغه وإقباله على لذاته {على ما فعلتم} أي من إصابتهم {نادمين *} أي عريقين في الأسف على ما فات مما يوقع الله في نفوسكم من أمور ترجف القلوب وتخور الطباع، وتلك سنته في كل باطل، فإنه لكونه مزلزلاً في نفسه لا ينشأ عنه إلا الزلزال والندم على ما وقع من تمني أنه لم يقع، وهو غم يصحب الإنسان صحبة لها دوام بما تدور مادته عليه مما يرشد إليه مدن ودمن، وهو ينشأ من تضييع أثقال الأسباب التي أمر الإنسان بالسعي فيها كما أشار إليه حديث"حديث : احرص على ما ينفعك ولا تعجز فإن غلبك أمر فقل: قدر الله وما شاء فعل، ولا تقل: لو أني فعلت كذا، فإن "لو" تفتح عمل الشيطان"تفسير : والفاسق المذكور في الآية المراد به الجنس، والذي نزل ذلك بسببه هو الوليد بن عقبة، ولم يزل كذلك حتى أن عثمان رضي الله عنه ولاه الكوفة فصلى بالناس وهو سكران صلاة الفجر أربعاً ثم قال: هل أزيدكم فعزله عثمان رضي الله عنه. ولما كان إقدامهم على كثير من الأمور من غير مشاورة لمن أرسله الله رحمة لعباده ليعلمهم ما يأتون وما يذرون عمل من لا يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قريب منه، وكان الإعراض عنه حياً وعن بذل الجهد في استخراج الأمور من شريعته بعد موته أمراً مفسداً للبين إن لم يعتبر ويتنبه له غاية التنبه، أخبرهم به منزلاً لهم منزلة من لا يعلم أنه موجود معه مشيراً بكلمة التنبيه إلى أن من أخل بمراعاة ذلك في عداد الغافلين فقال: {واعلموا} أي أيها الأمة، وقدم الخبر إيذاناً بأن بعضهم باعتراضه أو بإقدامه على ما لا علم له به يعمل علم من لا يعلم مقدار ما خصه الله به من إنعامه عليه به صلى الله عليه وسلم، فهو يفيد توبيخ من فعل ذلك: {أن فيكم} أي على وجه الاختصاص لكم ويا له من شرف {رسول الله} أي الملك الأعظم المتصف بالجلال والإكرام على حال هي أنكم تريدونه أن يتبع أذاكم، وذلك أمر شنيع جداً، فإنه لا يليق أن يتحرك إلا بأمر من أرسله، فيجب عليكم الرجوع عن تلك الحالة، فإنك تجهلون أكثر مما تعلمون، ولإرادتهم إن لا يطيعهم في جميع الأمور عبر بالمضارع فقال: {لو يطيعكم} وهو لا يحب عنتكم ولا شيئاً يشق عليكم {في كثير من الأمر} أي الذي تريدونه على فعله من أنه يعمل في الحوادث على مقتضى ما يعن لكم وتستصوبونه ليكون فعله معكم فعل المطواع لغيره التابع له، فينقلب حينئذ الحال، ويصير المبتوع تابعاً والمطاع طائعاً {لعنتم} أي لاءمتم وهلكتم، ومن أراد دائماً أن يكون أمر الرسول الله صلى الله عليه وسلم تابعاً لأمره فقد زين له الشيطان الكفران، فأولئك هم الغاوون، وسياق "لو" معلم قطعاً أن التقدير: ولكنه صلى الله عليه وسلم لا يطيعكم لكراهة لما يشق عليكم لما هو متخلق به من طاعة الله والوقوف عند حدوده والتقيد في جميع الحركات والسكنات بأمره، مع ما له من البصرة في التمييز بين الملبسات والخبرة التامة بالأمور المشتبهات، التي هي سبب هلاك الأغلب لكونها لا يعلمها كثير من الناس، والتقييد بالكثير معلم بأنهم يصيبون وجه الرشاد في كثير من الأمور. ولما كان التقدير حتماً بما هدى إليه السياق: ولو خالفتموه في الأمور التي لا يطيعكم فيها لعنتم، استدرك عنه قوله: {ولكن الله} أي الملك الأعظم الذي يفعل ما يريد {حبب إليكم الإيمان} فلزمتم طاعته وعشقتم متابعته. ولما كان الإنسان قد يحب شيئاً وهو يعلم فيه عيباً، فيكون جديراً بأن يتزلزل فيه، نفى ذلك بقوله: {وزينه في قلوبكم} أي فلا شيء عندكم أحسن منه ولا يعادله ولا يقاربه بوجه {وكرَّه إليكم الكفر} وهو تغطية ما أدت إليه الفطرة الأولى والعقول المجردة عن الهوى من الحق بالجحود {والفسوق} وهو المروق من ربقة الدين، ولو من غير تغطية بل بغير تأمل {والعصيان} وهو الامتناع من الانقياد عامة فلم تخالفوه، ورأيتم خلافه هلاكاً، فصرتم والمنة لله أطوع شيء للرسول صلى الله عليه وسلم، فعلم من هذا أن الله تعالى هو الفاعل وحده لجميع الأفعال من الطاعات والمعاصي والعادات والعبادات، لأنه خالق لكل، ومدحوا لفعل الله بهم لأنهم الفاعلون في الظاهرة فهو واقع موقع: أطعتم الرسول صلى الله عليه وسلم ولم تخالفوه، وإنما وضع فعل الله وهولا يمدحون عليه موضع فعلهم الذي يمدحون عليه للحث على الشكر والإنسلاخ من العجب. ولما أرشد السياق إلى متابعتهم على هذا الوجه، أنتج قوله مادحاً لهم ثانياً الكلام عن خطابهم إلى خطابه صلى الله عليه وسلم ليدل على عظم هذه الأوصاف وبينه بأداة البعد على علو مقام المتصف: {أولٰئك} أي الذين أعلى الله القادر على كل شيء مقاديرهم {هم} أي خاصة {الراشدون *} أي الكاملون في الرشد وهو الهدى على أحسن سمت وتقدير، وفي تفسير الأصبهاني: الرشد الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه - انتهى. والذي أنتج الرشاد متابعة الحق، فإن الله تكفل لمن تعمد الخير وجاهد نفسه على البر بإصابة الصواب وإحكام المساعي المنافي للندم، {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين} وقد دل السياق على أنهم كانوا في خبر الوليد صنفين: صنف صدقه وأراد غزوة بني المصطلق وأشار به، وصنف توقف، وأن الصنفين سلموا آخر الأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهدوا، فالآية من الاحتباك وهي شبيهة به: دلت الشرطية في {لو يطيعكم} على الاستدراكية، والاستدراكية في {ولكن الله} على تقدير الشرطية دلالة ظاهرة.
السيوطي
تفسير : أخرج أحمد وابن جرير وأبو القاسم البغوي وابن مردويه والطبراني بسند صحيح من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن حديث : عن الأقرع بن حابس أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد أخرج إلينا، فلم يجبه، فقال: يا محمد إن حمدي زين، وإن ذمي شين. فقال: ذاك الله، فأنزل الله {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات} تفسير : قال ابن منيع: لا أعلم روي للأقرع سند غير هذا. وأخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم حديث : عن البراء بن عازب في قوله {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} قال: جاء رجل فقال: يا محمد إن حمدي زين وإن ذمي شين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ذاك الله" . تفسير : وأخرج ابن راهويه ومسدد وأبو يعلى والطبراني وابن جرير وابن أبي حاتم بسند حسن عن زيد بن أرقم قال: حديث : اجتمع ناس من العرب فقالوا: انطلقوا إلى هذا الرجل فإن يك نبياً فنحن أسعد الناس به، وإن يك ملكاً نعش بجناحه، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما قالوا فجاؤوا إلى حجرته، فجعلوا ينادونه: يا محمد فأنزل الله {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني، وجعل يقول: لقد صدق الله قولك يا زيد، لقد صدق الله قولك ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه حديث : أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إن مدحي زين وإن شتمي شين، فقال صلى الله عليه وسلم: "ذاك هو الله" فنزلت {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} . تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: أخبرت عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أن تميماً ورجلاً من بني أسد بن خزيمة إستبّا فقال الأسدي: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات} أعراب بني تميم فقال سعيد رضي الله عنه: لو كان التميمي فقيهاً إن أولها في بني تميم وآخرها في بني أسد. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن حبيب بن أبي عمرة قال: كان بيني وبين رجل من بني أسد كلام، فقال الأسدي {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات} بني تميم {أكثرهم لا يعقلون} فذكرت ذلك لسعيد بن جبير قال: أفلا تقول لبني أسد قال الله {يمنون عليك أن أسلموا} فإن العرب لم تسلم حتى قوتلت، ونحن أسلمنا بغير قتال فأنزل الله هذا فيهم. وأخرج عبد بن حميد من طريق قتادة عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: قال رجل من بني أسد لرجل من بني تميم وتلا هذه الآية {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم} بني تميم {لا يعقلون} فلما قام التميمي وذهب قال سعيد بن جبير: أما إن التميمي لو يعلم ما أنزل في بني أسد لتكلم، قلنا: ما أنزل فيهم؟ قال: جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا قد أسلمنا طائعين، وإن لنا حقاً فأنزل الله {يمنون عليك أن أسلموا} الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات} قال: أعراب من بني تميم. وأخرج ابن منده وابن مردويه من طريق يعلى بن الأشدق عن سعد بن عبد الله حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} قال: "هم الجفاة من بني تميم لولا أنهم من أشد الناس قتالاً للأعور الدجال لدعوت الله عليهم أن يهلكهم" . تفسير : وأخرج ابن إسحق وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حديث : قدم وفد بني تميم وهم سبعون رجلاً أو ثمانون رجلاً منهم الزبرقان بن بدر وعطارد بن معبد وقيس بن عاصم وقيس بن الحارث وعمرو بن أهتم المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق معهم عيينة بن حصن بن بدر الفزاري وكان يكون في كل سدة حتى أتوا منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادوه من وراء الحجرات بصوت جافٍ يا محمد أخرج إلينا يا محمد أخرج إلينا يا محمد أخرج إلينا، فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد إن مدحنا زين وإن شتمنا شين، نحن أكرم العرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كذبتم بل مدحة الله الزين وشتمه الشين وأكرم منكم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم" فقالوا: إنا أتيناك لنفاخرك، فذكره بطوله وقال في آخره: فقام التميميون، فقالوا: والله إن هذا الرجل لمصنوع له، لقد قام خطيبه فكان أخطب من خطيبنا، وقال شاعره فكان أشعر من شاعرنا قال: ففيهم أنزل الله {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات} من بني تميم {أكثرهم لا يعقلون} قال: هذا كان في القراءة الأولى {ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم} . تفسير : وأخرج ابن سعد والبخاري في الأدب وابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن رضي الله عنه قال: كنت أدخل بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه فأتناول سقفها بيدي. وأخرج البخاري في الأدب وابن أبي الدنيا والبيهقي عن داود بن قيس قال: رأيت الحجرات من جريد النخل مغشى من خارج بمسوح الشعر، وأظن عرض البيت من باب الحجرة إلى باب البيت نحواً من ستة أو سبعة أذرع واحزر البيت الداخل عشرة أذرع، وأظن سمكه بين الثمان والسبع. وأخرج ابن سعد عن عطاء الخراساني قال: أدركت حجر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من جريد النخل على أبوابها المسوح من شعر أسود فحضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يقرأ يأمر بإدخال حجر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيت يوماً أكثر باكياً من ذلك اليوم، فسمعت سعيد بن المسيب رضي الله عنه يقول يومئذ: والله لوددت أنهم تركوها على حالها ينشأ ناس من أهل المدينة ويقدم القادم من أهل الأفق فيرى ما اكتفى به رسول الله في حياته، فيكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر والتفاخر فيها، وقال يومئذ أبو أمامة بن سهل بن حنيف: ليتها تركت فلم تهدم حتى يقصر الناس عن البناء ويرون ما رضي الله لنبيه ومفاتيح خزائن الدنيا بيده.
القشيري
تفسير : أي لو عرفوا قَدْرَكَ لَمَا تركوا حُرْمَتَك، والتزموا هَيبَتَك. ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم ولم يستعجلوا، ولم يوقظوك وقت القيلولة بمناداتهم لكان خيراً لهم. أمَّا أصحابه - صلواتُ الله عليه وسلامه - الذين يعرفون قدْره فإنَّ أحدهم - كما في الخبر: "حديث : كانه يَقْرَعُ بابَه بالأظافر ".
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الذين ينادونك} المناداة والندآء خوايدن {من وراء الحجرات} اى من خارجها من خلفها او قدامها لان ورآء الحجرة عبارة عن الجهة التى يواريها شخص الحجرة بجبهتها اى من اى ناحية كانت من نواحيها ولا بد ان تكون تلك الجهة خارج الحجرة لان ما فى داخلها لا يتوارى عمن فيها بحثة الحجرة فاشتراك الورآء فى تينك الجهتين معنوى لا لفظى لكن جعله الجوهرى وغيره من الاضداد فيكون اشتراكه لفظيا ومن ابتدآئية دالة على ان المناداة نشأت من جهة الورآء وان المنادى داخل الحجرة لوجوب اختلاف المبدأ والمنتهى بحسب الجهة واذا جرد الكلام عن حرف الابتدآء جاز أن يكون المنادى ايضا فى الخارج لانتفاء مقتضى اختلافهما بالجهة والمراد حجرات امهات المؤمنين وكانت لكل واحدة منهما حجرة فتكون تسعا عددهن جمع حجرة بمعنى محجورة كقبضة بمعنى مقبوضة وهى الموضع الذى يحجره الانسان لنفسه بحائط ونحوه ويمنع غيره من ان يشاركه فيه من الحجر وهو المنع وقيل للعقل حجر لكون الانسان فى منع منه مما تدعو اليه نفسه ومناداتهم من ورآئها اما بأنهم اتوها حجرة حجرة فنادوه عليه السلام من ورآئها او بأنهم تفرقوا على الحجرات متطلبين له عليه السلام لانهم لم يتحققوا امكانه فناداه بعض من ورآء هذه وبعض من روآء تلك فاسند فعل الابعاض الى الكل وقيل الذى ناداه عينة بن حصين الفزارى وهو الاحمق المطاع وكان من الجرارين يجر عشرة آلاف قناة اى تتبعه والاقرع بن حابس وهو شاعر بنى تميم وفدا على رسول الله فى سبعين رجلا من بنى تميم وقت الظهيرة وهو راقد فقالا يا محمد اخرج الينا فنحن الذين مدحنا زين وذمناشين فاستيقظ فخرج وقال لهم ويحكم ذلكم اى الله الذى مدحه زين وذمه شين وانما اسند الندآء الى الكل لانهم رضوا بذلك او امروا به او لانه وجد فيما بينهم وقال سعدى المفتى انما يحتاج الى التأويل اذا اريد باستغراق الجمع الاستغراق الافرادى واما لو أريد الاستغراق المجوعى فلا ولذلك قالوامقابلة الجمع بالجمع تفيد انقسام الآحاد بالآحاد وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فقال حديث : هم جفاة بنى تميم لولا انهم من اشد الناس قتالا للاعور الدجال لدعوت الله ان يهلكهم تفسير : فنزلت الآية ذما لهم وبقى هذا الذم الى الابد وصدق رسول الله فى قوله ذلكم الله {اكثرهم لا يعقلون} قال فى بحر العلوم فى قوله اكثر دلالة على انه كان فيهم من قصد بالمحاشاة وهو بالفارسية استثناء كردن. وعلى قلة العقلاء فيهم قصدا الى نفى ان يكون فيهم من يعقل اذا القلة تجرى مجرى النفى فى كلامهم ويؤيده الحديث السابق فيكون المعنى كلهم لا يعقلون اذ لو كان لهم عقل لما تجاسروا على هذه المرتبة من سوء الادب بل تأدبوا معه بأن يجلسوا على بابه حتى يخرج اليهم كما قال تعالى الفا
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّ الذين يُنادونك من وراء الحجرات} من خارجها، أو: من خلفها، أو: من أمامها، فالوراء: الجهةُ التي تُواري عنك الشخص تُظلّله من خلف أو من قُدّام، و"مِن" لابتداء الغاية، وأنّ المناداة نشأت من ذلك المكان، والحجرة: الرقعة من الأرض، المحجورة بحائطٍ يحوط عليها، فعْلة، بمعنى مفعولة، كالقُبْضَة، والجمع: حُجُرات، بضمتين، وبفتح الجيم، والمراد: حجرات النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لكل امرأة حُجرة. نزلت في وفد بني تميم، وكانوا سبعين، وفيهم عينيةُ بن حِصنُ الفزاري، والأقرعُ بن حابس، وفَدوا على النبي صلى الله عليه وسلم وقت الظهيرة، وهو راقد، فنادوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من وراء حجراته، وقالوا: اخرجْ إلينا يا محمدُ؛ فإنَّ مَدْحَنَا زَيْنٌ، وذمّنا شيْن، فاستيقظ، وخرج عليه السلام وهو يقول:"حديث : ذلكم الله الذي مدحُه زين، وذمّه شين"تفسير : ، فقالا: نحن قوم من بني تميم، جئنا بشاعرنا وخطيبنا، لنُشاعركَ، ونُفاخرك، فقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : ما بالشعر بُعثت، ولا بالفخار أُمرت"تفسير : ، ثم أمر صلى الله عليه وسلم خطيبهم فتكلّم، ثم قال لثابت بن قيس بن شماس - وكان خطيب النبي صلى الله عليه وسلم: قم، فقام، فخطب، فأقحم خطيبَهم، ثم قام شاب منهم، فأنشأ يقول: شعر : نَحنُ الْكرامُ فَلاَ حَيٌّ يُعَادِلُنَا فينا الرُّؤوس وفينا يُقْسَمُ الرَّبعُ ونُطعِمُ النَّاسَ عِندَ الْقَحطِ كُلَّهمُ إنَّا كَذَلِكِ عِنْدَ الْفخرُ نَرْتَفعُ تفسير : فقال صلى الله عليه وسلم لحسّان: قم فأجبه، فقال: شعر : إنَّ الذوائبَ من فِهْرٍ وإخوتهمْ قَدْ شَرَّعوا سُنَّةً للناس تُتبعُ يرضى بها كلُّ مَن كانت سريرتُه تَقوَى الإله وكلُّ الفخر يُصطنعُ تفسير : ثم قال الأقرع شعراً افتخر به، فقال عليه السلام لحسّان: قم فأجبه، فقال حسّان: شعر : بَنِي دَارِمٍ، لاَ تَفْخُروا، إِنَّ فَخْرَكُمْ يَعُودُ وَبالاً عِنْد ذِكْرِ الْمكَارِمِ هَبلْتُم، عَليْنا تَفْخرُون وأَنْتُم لَنا خَوَلٌ من بَيْن ظِئْرٍ وخادِمِ تفسير : فقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : لقد كنتَ غنياً عن هذا يا أخا بني دارم أن يذكر منك ما قد ظننت أن الناس قد نسوه"تفسير : ، ثم قال الأقرعُ: تكلم خطيبُنا، فكان خطيبهُم أحسن قِيلاً، وتكلم شاعرُنا فكان شاعِرُهم أشعر. هـ. هذا ومناداتُهم من وراء الحجرات؛ إما لأنهم أتَوْها حجرةً حجرة، فنادوه صلى الله عليه وسلم من ورائها، أو: بأنهم تفرقوا على الحجرات متطلبين له صلى الله عليه وسلم، أو: نادوه من وراء الحجرة التي كان فيها، ولكنها جُمعت إجلالاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: الذي ناداه عُيينةُ بن حصن والأقرعُ، وإنما أُسند إلى جميعهم لأنهم راضون بذلك وأَمروا به. {أكثرُهم لا يعقلون} إذ لو كان لهم عقل لَمَا تجاسروا على هذه العظيمة من سوء الأدب. {ولو أنهم صبروا} أي: ولو تحقق صبرُهم وانتظارُهم، فمحل {أنهم صبروا} رفعٌ على الفاعلية؛ لأنَّ "أنْ" تسبك بالمصدر، لكنها تفيد التحقق والثبوت، للفرق بين قولك: بلغني قيامك، وبلغني أنك قائم، و"حتى" تُفيد أن الصبر ينبغي أن يكون مُغَيّاً بخروجه عليه السلام، فإنها مختصة بالغايات. والصبرُ. حبسُ النفس على أن تُنازع إلى هواها وقيل: "الصبر مرٌّ، لا يتجرعه إلا حُرٌّ". أي: لو تأنوا حتى تخرج إليهم بلا مناداة؛ لكان الصبرُ خيراً لهم من الاستعجال، لِما فيه من رعاية حسن الأدب، وتعظيمِ الرسول، الموجبتين للثناء والثواب، والإسعاف بالمسؤول؛ إذ رُوي أنهم وفدوا شافعين في أسارى بني العَنبر، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم بعث سريةً إلى حي بني العنبر، وأمّرَ عليهم عُيينة بن حِصن، فهربوا وتركوا عيالهم، فسباهم عُيينة، ثم قَدِم رجالُهم يَفْدون الذراري، فلما رأتهم الذراريُّ أجهشوا إلى آبائهم يَبْكون، فعَجلوا أن يخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فنادَوْه حتى أيقظوه من نومه، فخرج إليهم، فأطلق النصف وفادى النصف، {والله غفور رحيم} بليغ المغفرة والرحمة واسعهما، فلن يضيق ساحتُهما عن هؤلاء إن تابوا وأصلحوا. الإشارة: من آداب المريد ألاَّ يُوقظ شيخَه من نومه، ولو بقي ألف سنة ينتظره، وألاَّ يطلب خروجَه إليه حتى يخرجَ بنفسه، وألاَّ يقف قُبالة باب حجرته لئلا يرى بعض محارمه. ومن آدابه أيضاً: ألا يبيت معه في مسكن واحد، وألا يأكل معه، إلا أن يعزم عليه، وألا يجلس على فراشِه أو سجّادته إلا بأمره، وإذا تعارض الأمر والأدب، فهل يُقدّم الأمر أو الأدب؟ خلاف، وقد تقدم في صلاح الحديبية: أن سيدنا عليّاً - كرّم الله وجهه - قدَّم الأدب على الأمر، حين قال له صلى الله عليه وسلم:"حديث : امح اسم رسول الله من الصحيفة"تفسير : ، فأبى، وقال:"حديث : والله لا أمحوا أبداً"تفسير : . والله تعالى أعلم. ومن جملة الأدب: التأني في الأمور وعدمُ العَجَلةِ، كما أبان ذلك بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ}.
الجنابذي
تفسير : {إَنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} ولذلك لا يعظّمونك ويجعلونك مثل واحدٍ منهم.
فرات الكوفي
تفسير : قال: حدثني علي بن محمد الزهري قال: حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا علي بن الحسن الطاطري الجرمي عن محمد بن أبي حمزة عن داود بن سرحان: عن أبي عبد الله عليه السلام [في. ر] قوله تعالى: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} عنى بذلك كسر بيوت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبيت علي بن أبي طالب عليه السلام، وذلك أن الناس كانوا يأتون من الأمصار فيقولون: بيت من هذا؟ فيقولون: بيت النبي [صلى الله عليه وآله وسلم. ر، ب] ويقولون [بيت من هذا؟ فيقولون. ر] بيت [أمير المؤمنين. ر] علي بن أبي طالب عليه السلام.
الهواري
تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} تفسير الكلبي أن ناساً من العرب [من بني العنبر] كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد أصابوا من ذراريهم فأقبلوا ليفادوهم. فقدموا المدينة ظهراً، فإذا هم بذراريهم عند باب المسجد. فبكى إليهم ذراريهم، فنهضوا، فدخلوا المسجد وعجلوا أن يخرج إليهم النبي عليه السلام، فجعلوا يقولون: يا محمد، اخرج إلينا. وتفسير عمرو عن الحسن قال: كان الذين ينادونه خلف الحجرات، يا محمد، يا محمد، منافقين. ذكر الحسن قال: جاء شاعر فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليه. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : ويحك، ويلك، مالك؟ فقال: قلت لي ويحك، ويلك، فوالله إن حمدي لَزَيْن، وإن شتمي لَشَيْن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله، ذلك الله، سبحان الله، ذلك الله.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ} بغلظة وجفاء وهم وفد بني تميم وقيل اكثره منهم* {مِن وَرَآءِ الْحُجُرَاتِ} (من) للابتداء و (الوراء) الجهة التي يواريها الشخص بنفسه ولو من قدامه ولذا يطلق الوراء على قدام ايضا ويقال ناداني من وراء الدار اي قطر من اقطارها الظاهرة من غير اعتبار وجه الدار أو دبرها و {الْحُجُرَاتِ} جمع حجرة بالضم فالاسكان وهي القطعة من الارض المجوزة بحائط يحوط عليها (فُعّلة) بمعنى مفعولة كغرفة وقبضة وقرئ بفتح الجيم وباسكانها والمراد حجرات نسائه صلى الله عليه وسلم تفرقوا عليهن تطلبا لكل واحدة حجرة نادوه مناداة الأجلاف من غير قصد الى جهة ناداه بعض من وراء هذه وبعض من وراء هذه واسند النداء الى جميعهم والمنادى بعضهم فقط لرضى الباقين قيل انهم سبعون وقد قيل ان المنادي عيينة والاقرع والزبرقان بن بدر نادوه وقت الظهيرة وهو راقد يا محمد اخرج الينا يا محمد اخرج الينا أو نادوه من وراء الحجرة التي كان فيها وجمعت تعظيما له صلى الله عليه وسلم وفي ذكر الحجرات وانه صلى الله عليه وسلم نودي منهن كناية عن خلوته بالنساء* {أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} لان العقل يقتضي حسن الأدب ولا سيما لمن كان في هذا المنصب ولفظ (الاكثر) اما لان فيهم من يعقل وهو قليل (والاكثر) بمعنى الكثير وهم من لا يرجع عن الشر والقليل يرجع او لان القلة تطلق على النفي ايضا في كلامهم وليس فيهم عاقل وفي الآية بينات عديدة اجلالا له صلى الله عليه وسلم وورد على النظم المسجل به على الصائحين سفها وجهلا والكناية بالحجرات عن الخلوة والمقيل مع بعض نسائه والتعريف بأل لا بالاضافة وتشفيع ذمهم باستجفائهم وضعف عقولهم وضبطهم لموضع التمييز في الخطاب تسلية له صلى الله عليه وسلم وتهوينا لسوء أدبهم وبدأ السورة بالنهي عن التقدمة مطلقا ثم أردفه بالنهي عن الرفع والجهر وهما من جنس التقدمة والنهي عنها وطأ للنهي عنهما ثم أثنى على الغاضين أصواتهم دلالة على عظمته عند ربه وأردف ذلك بذكر ندائهم في حال الخلوة ببعض نسائه نداء الأجلاف بعضهم بعضا لمن يكلمه المهاجرون والأنصار بالسرار للتنبيه على فظاعة فعلهم وعليك بمراعاة الأدب كما حكى عن أبي عبيدة العلامة العمالة ـ رحمه الله ـ انه قال: ما دققت بابا على عالم قط حتى يحرج في وقت خروجه فروي انه لما نادوه مرارا وأيقظوه من النوم خرج ونزلت الآية وقال: "حديث : هم جفاة بني تميم لولا إنهم من أشد الناس قتالا للاعور الدجال لدعوت عليهم أن يهلكوا" تفسير : وكان نداؤهم في المسجد من وراء الحجرات ولما خرج قالوا له: نحن ناس من بني تميم جئنا اليك بشاعرنا وخطيبنا نشاعرك ونفاخرك فقال ما بالشعر بعثت ولا بالفخر أمرت ولكن هاتو فقام شاب فقال الحمد لله الذي جعلنا خير خلقه وآتانا أموالا نفعل بها ما نشاء فنحن من خير أهل الأرض وأكبرهم عدة ومالا وسلاحا ومن أنكر قولنا فليأت بأحسن من قولنا وأفعالنا فقال صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس: قم فاجبه فقام وقال: الحمد لله سبحانه أحمده واستعينه واؤمن به وأتوكل عليه وأشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له وأشهد ان محمدا عبده ورسوله دعا المهاجرين من بني عمه أحسن الناس وجوها واعظمهم احلاما فاجابوه فالحمد لله الذي جعلنا انصاره ووزراء رسوله فنحن نقاتل الناس على أن يشهدوا ان لا اله الا الله فمن قالها منع منا نفسه وماله ومن أبى قاتلناه وكان علينا هنيئا أقول قولي هذا واستغفر الله عز وجل لي وللمؤمنين والمؤمنات فقام ذلك الشاب فقال: شعر : نحن الكرام فلا حي يعادلنا فينا الرؤوس وفينا يقسم الربع ونطعم الناس عند القحط كلهم من السديف اذا لم يؤنس الفزع أنى اتينا فلا يأتي لنا أحد إنا كذلك عند الفخر نرتفع تفسير : فارسل الى حسان فقال مرة ان يسمعني ما قال يا رسولا لله فاسمعه فقال: شعر : نصرنا رسول الله والدين عنوة على رغم باد من معد وحاضر السنا نخوض الموت في حومة الوغى اذا طاب ورد الموت بين العساكر ونضرب هام الدارعين وننثني الى حسب من حذم غسان قاهر فلولا حياء الله قلنا تكرما على الناس بالحيين هل من منافر فاحياؤنا من خير من وطيء الحصى وأمواتنا من خير أهل المقابر تفسير : فقام الأقرع بن حابس فقال: أي والله لقد جببت ما قاله هؤلاء وقد قلت شعرا فأسمعه فقال هات فقال: شعر : أتيناك كيما يعرف الناس فضلنا اذا فاخرونا عند ذكر المكارم وإنا رؤوس الناس من كل معشر وان ليس في أرض الحجاز كدارم وان لنا المرباع في كل غارة تكون بنجد او بارض التهائم تفسير : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قم يا حسان فاجبه فقال: شعر : بني دارم لا تفخروا ان فخركم يعود وبالا عند ذكر المكارم هَبِلتم علينا تفخرون وانتم لنا خول من بين قن وخادم وأفضل ما نلتم من المجد والعلا وداقتنا من بعد ذكر الاكارم فان كنتم جئتم لحقن دمائكم واموالكم من قبل قسم المقاسم فلا تجعلوا لله ندا واسلموا ولا تفخروا عند النبي بدارم والا ورب البيت مالت أكفنا على هامكم بالمرهفات الصوارم تفسير : فقال الأقرع: والله ما أدري ما هذا الأمر تكلم خطيبنا فكان خطيبهم أحسن قولاً وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أحسن شعراً ثم أعطاهم صلى الله عليه وسلم وكساهم وعن الحسن إن المنادين منافقون وعنه جاء شاعر فنادى يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم بعدما خرج: ويحك ويلك مالك فقال قلت لي ويحك ويلك فوالله ان حمدي لزين وان شتمي لشين فقال صلى الله عليه وسلم "سبحان الله ذلك الله سبحان الله ذلك الله" حديث : "وعن ابن عباس بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية الى بني العنبر وأمر عليهم عيينة بن حصن الفزاري فلما علموا انه توجه نحوهم هربوا وتركوا عيالهم فسباهم عيينة وقدم بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه بعد ذلك رجالهم يفدون الذراري فقدموا وقت الظهيرة ووافقوه صلى الله عليه وسلم قائلا في أهله فلما رأتهم الذراري جاءوا الى آبائهم يبكون فعجلوه أخرج الينا يا محمد أخرج الينا يا محمد حتى أيقظوه فقالوا يا محمد هات عيالنا فنزل جبرائيل ان الله يأمرك ان تجعل بينك وبينهم رجلا فقال صلى الله عليه وسلم "اترضون ان يكون بيني وبينكم شبرة بن عمر وهو على دينكم" قالوا نعم قال شبرة انا أحكم وعمي شاهد وهو الأعور بن سامة فرضوا به فقال أرى ان تفادي نصفهم وتعتق نصفهم ففعل صلى الله عليه وسلم
اطفيش
تفسير : {إنَّ الَّذين يُنادونَكَ} المضارع لحكاية الحال الماضية لغرابتها، لأن النداء من وراء الحجرات متقدم على نزول هذه الآية، لكنه حكى بالمضارع الذى هو للحال استحضارا له، كأنه وقع النداء حال النزول، والمنادون وفد تميم سبعون رجلا، أو ثمانون منهم الزبرقان بن بدر، وعطارد بن حاجب بن زرارة، وقيس بن عاصم، وقيس بن الحارث، وعمرو بن الأهتم، ومعهم عيينة بن حصن بن بدر الفزارى، وكان رجل سوء، يحضر فى كل سوء، نادوا بصوت جهير جاف: يا محمد اخرج الينا ثلاثا، ولم يقولوا يا رسول الله، ثم خرج اليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد ان مدحنا زين، وذمنا شين، نحن أكرم العرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كذبتم، بل مدح الله الزين، وشتمه الشين، وأكرم منكم يوسف ابن يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم" تفسير : وذكر ابن اسحاق منهم الأقرع ابن حابس، وذكر أنه وعيينة شهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة وحنينا والطائف، وأن عمرو بن الأهتم خلفه القوم فى ظهرهم، وأن خطيبهم عطارد بن حاجب، وخطيبه صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس بن شماس، وشاعرهم الزبرقان بن بدر، وشاعره صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت. ولما فرغ حسان من الشعر قال الأقرع: ان هذا الرجل المؤتًّى له، لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا، وأنه لما فرغوا سلموا فأحسن صلى الله عليه وسلم جوائزهم، أعطى كل واحد اثنتى عشرة أوقية وكساء، ولعمرو بن الأهتم خمس أواق لحداثة سِنِّه، وكان عاصم بن قيس يبغض عمرا، فقال: يا رسول الله انه كان رجلا منَّا فى رحالنا وهو غلام حدث، ونقصه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أعطاه مثلهم اثنتى عشرة أوقية، فبلغه فقال: شعر : ظللت مفترش الهلباء تشتمنى عند الرسول فلم تصدق ولم تصب سدناكم سؤدداً رهواً وسؤدكم باد نواجذه مقع على الذنب تفسير : وروى ابن مردويه، عن سعد بن عبد الله أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل عن هؤلاء المنادون فقال: "حديث : هم الجفاة من بني تميم، لولا أنهم من أشد الناس قتالاً للأعور الدجال لدعوت الله سبحانه وتعالى عليهم ليهلكهم" تفسير : وجعل ذلك أبو هريرة أحد أسباب حبهم، والمشهور أن سبب وفودهم المفاخرة، وقيل: سببه أنهم جهروا السلاح على خزاعة، فبعث صلى الله عليه وسلم عيينة بن بدر فى خمسين، وليس فيهم أنصارى ولا مهاجرى، فأسر منهم أحد عشر رجلا، واحدى عشرة امرأة، وثلاثين صيبا، فقدم رؤساؤهم لأسراهم فى سبعين أو ثمانين منهم: عطارد، والزبرقان، وقيس بن عاصم، وقيس بن الحارث، ونعيم بن سعد، والأقرع بن حابس، ورباح بن الحارث، وعمرو بن الأهتم، ودخلوا المسجد وقد أذن بلال للظهر، والناس ينتظرون خروجه للصلاة، فنادوه من وراء الحجرات، وأجازهم بما مر آنفا قال الأقرع: شعر : أتيناك كيما يعرف الناس فضلنا إذا خالفونا عند ذكر المكارم وأنا رءوس الناس من كل معشر وأن ليس فى أرض الحجاز كدارم وأن لنا المرباع فى كل غارة تكون بنجد أو بأرض التهائم تفسير : فقال صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس: "حديث : أجبهم"تفسير : فأجاب ثم قال أيضا لحسان: "حديث : أجبه" تفسير : فقال: شعر : بنو دارم لما تفخروا إن فخركم يصير وبالا عند ذكر المكارم هبلتم علينا تفخرون وأنتم لنا خول من بين ظئرٍ وخادم تفسير : فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لقد كنت يا أخا دارم غنيَّا أنْ يذكر منك ما ظننت أن الناس قد نسوه" تفسير : فكان قوله صلى الله عليه وسلم هذا أشد عليهم مما قال حسان، لأنه مصدق مثبت لما قال حسان فقال حسان: شعر : فلا تجعلوا لله ندّاً وأسلموا وأموالكم أن تقسموا فى المقاسم فلا تجعلو لله ندّاً وأسلموا ولا تفخروا عند النبى بدارم وإلا وربُّ البيت قد مالت القنا على هامكم بالمرهفات الصوارم تفسير : فقال الأقرع: والله ما أدرى ما هذا خطيبكم وشاعركم أحسن من خطيبنا وشاعرنا، ودنا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أشهد ان لا الله إلا الله وأنك رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما يضرك ما كان قبل هذا" تفسير : فيومئذ أسلم الأقرع، ومعلوم أن سنة الوفود سنة تسع والطائف وحنين قبلها، قد ذكر أنه شهدهما، وشهر أنه وعيينة من المؤلفة قلوبهم، إذ قسمت أموال حنين. وعن ابن عباس: أصاب النبى صلى الله عليه وسلم بسرية أمَّر عليها عيينة بن حصن نساء وذرارى من بنى العنبر، هربوا وتركوهم، فجاءوا للفداء، ودخلوا المسجد، فعجلوا قول: يا محمد اخرج الينا، فخرج، ويروى أنهم قالوا: فادنا عيالنا، فنزل جبريل عليه السلام فقال: "إن الله يأمرك أن تجعل بينك وبينهم رجلاً" فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أترضون أن يكون بيني وبينكم سبرة بن عمرو، وهو على دينكم" تفسير : قالوا: نعم، قال سبرة: أنا لا أحكم وعمى شاهد، وهو الأعور بن شامة، فرضوا بعمه فقال: أرى أن تفادى نصفهم وتعتق نصفهم، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : رضيت" تفسير : ففعل ذلك، فأطلق النصف، وفادى النصف. وعن زيد بن أرقم: جاء ناس من العرب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعض لبعض: انطلقوا بنا الى هذا الرجل ان كان نبيا كنا أسعد الناس به، وان كان ملكا نعش فى جنابه، فجاءوا ونادوه من وراء الحجرات: يا محمد يا محمد، فأنزل الله عز وجل هؤلاء الآيات، فنقول: هم المذكرون قبل، وبنو العنبر من بنى تميم وعيينة هو عيينة بن حصن بن بدر، تارة ينسب الى جده، وتارة الى أبيه والمنادى واحد وهو الأقرع، واسناده الى الكل حكم على المجموع، وكأنه ناداه كل واحد لرضاهم، أو أمرهم به. {مِنْ وراء الحجرات} خلفها، أو قدامها، لأن وراء من المواراة، فما استتر عنك فهو وراءك خلفا أو قداما، اذا لم تره، واذا رأيته لم يكن وارءك فهو مشترك معنوى، وقيل: هو من الأضداد، فهو مشترك لفظى، والمفرد حجرة بضم فاسكان من الحجر، بمعنى المنع والقطعة من الأرض حجرة اذا أحيط عليها ببناء أو حطب أو حجارة، أو نحو ذلك، مما يمنعها كحظيرة الابل المحاط عليها بحطب، بمعنى ممنوعة، وكانت حجرات نسائه تسعا، صلى الله عليه وسلم، لكل واحدة حجرة من جريد النخل، على أبوابها المسموح من شعر أسود، قال داود بن قيس: رأيتهن، وأظن عرض البيت من باب الحجرة الى باب البيت ست أذرع أو سبع، وأحزر البيت الداخل عشر أذرع، وأظن السمك بين الثمانى والسبع، رواه البخارى، وابن أبى الدنيا، والبيهقى. وعن الحسن: كنت أدخل بيوت أزواج النبى صلى الله عليه وسلم، فى خلافة عثمان، فأتناول سقوفهن بيدى، قال سعيد بن المسيب: والله لوددت أنهم تركوهن على حالهن ليراها من يأتى فيزهد كما زهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونساؤه رضى الله عنهن، ولم يقل من وراء حجرات نسائك، أو من وراء حجراتك توقيرا له عما يوحشه من ذكره بما عد للستر لنحو الوطء، ثم انه قيل: وقع النداء فى كل حجرة، وقيل: النداء من وراء واحدة نداء من وارئهن لنتابعهن: بحيث ينفذها نداء واحد، وأل للاستغراق والعهد، أو عوض عن الاضافة. وقيل: الحجرات الحجرة التى فيها النبى صلى الله عليه وسلم، جمعت تعظيما، ولأنها أم الحجرات وأشرفها، كما جمع المسجد الحرام فى قوله تعالى: "أية : ومن أظلم ممن منع مساجد الله" تفسير : [البقرة: 114] فى أحد الأوجه، لأنه امام المساجد، ومن للابتداء، والمراد وقع النداء اليك من وراء الحجرات، وهو معنى غير معنى ينادونك وراء الحجرات، وهو أولى من الثانى، لأن من تشعر بالانتهاء والغاية من حيث انها للإبتداء، ويحتمل أن تفيد من تلويحا الى الطرف المتصل بالحجرات من الوراء أو الأبعد، واسقاطها يقبل أنه صلى الله عليه وسلم فى الوراء مع أنه ليس فى الوراء. {أكْثَرهم لا يعْقِلونَ} من نادى بلا أدب ولم يصبر، ومنه من أمر بذلك أو رضى، والقليل لم ينادى ولم يرض ولم يأمر، ولولا تفويت النداء لنادى نداء حسنا، أو صبر حتى يخرج صلى الله عليه وسلم.
الالوسي
تفسير : {إَنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء ٱلْحُجُرٰتِ } من خارجها، خلفها أو قدامها على أن {وَرَاء } من المواراة والاستتار فما استتر عنك فهو وراء، خلفاً كان أو قداماً إذا لم تره فإذا رأيته لا يكون وراءك، فالوراء بالنسبة إلى من في الحجرات ما كان خارجها لتواريه عمن فيها، وقال بعض أهل اللغة إن وراء من الأضداد فهو مشترك لفظي عليه ومشترك معنوي على الأول وهو الذي ذهب إليه الآمدي وجماعة. و {ٱلْحُجُرٰتِ } جمع حجرة على وزن فُعْلة بضم الفاء وسكون العين وهي القطعة من الأرض المحجورة أي الممنوعة عن الدخول فيها بحائط، وتسمى حظيرة الإبل وهي ما تجمع فيه وتكون محجورة بحطب ونحوه حجرة أيضاً فهي بمعنى اسم المفعول كالغرفة لما يغرف باليد من الماء، وفي جمعها هنا ثلاثة أوجه، ضم العين اتباعاً للفاء كقراءة الجمهور، وفتحها وبه قرأ أبو جعفر وشيبة، وتسكينها للتخفيف وبه قرأ ابن أبـي عبلة. وهذه الأوجه جائزة في جمع كل اسم جامد جاء على هذا الوزن. والمراد حجرات نسائه عليه الصلاة والسلام وكانت تسعة لكل منهن حجرة، وكانت كما أخرج ابن سعد عن عطاء الخراساني من جريد النخل على أبوابها المسوح من شعر أسود. وأخرج البخاري في «الأدب» وابن أبـي الدنيا والبيهقي عن داود بن قيس قال: رأيت الحجرات من جريد النخل مغشي من خارج بمسوح الشعر، وأظن عرض البيت من باب الحجرة إلى باب البيت ست أو سبع أذرع، وأحرز البيت الداخل عشرة أذرع، وأظن السمك بين الثمان والسبع. وأخرجوا عن الحسن أنه قال: كنت أدخل بيوت أزواج النبـي صلى الله عليه وسلم في خلافة عثمان بن عفان فأتناول سقفها بيدي، وقد أدخلت في عهد الوليد بن عبد الملك بأمره في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام وبكى الناس لذلك، وقال سعيد بن المسيب يومئذٍ: والله لوددت أنهم تركوها على حالها لينشو أناس من أهل المدينة ويقدم القادم من أهل الآفاق فيرى ما اكتفى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته فيكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر والتفاخر فيها، وقال نحو ذلك أبو أمامة بن سهل بن حنيف. وفي ذكر {ٱلْحُجُرٰتِ } كناية عن خلوته عليه الصلاة والسلام بنسائه لأنها معدة لها، ولم يقل: حجرات نسائك ولا حجراتك توقيراً له صلى الله عليه وسلم وتحاشياً عما يوحشه عليه الصلاة والسلام. ومناداتهم من ورائها إما بأنهم أتوها حجرة حجرة فنادوه من ورائها فيكون القصد إلى الاستغراق العرفي أي جميع حجرات نسائه صلى الله عليه وسلم أو بأنهم تفرقوا على الحجرات متطلبين له عليه الصلاة والسلام على أن الاستغراق إفرادي لا شمولي مجموعي ولا أنه من مقابلة الجمع بالجمع المقتضية لانقسام الآحاد على الآحاد لأن من ناداه صلى الله عليه وسلم من وراء حجرة منها فقد ناداه من وراء الجميع على ما قيل، وعلى هذا يكون إسناد النداء من إسناد فعل الأبعاض إلى الكل، وقيل: إن الذي نادى رجل واحد كما هو ظاهر خبر أخرجه الترمذي وحسنه وجماعة عن البراء بن عازب، وما أخرجه أحمد وابن جرير وأبو القاسم البغوي والطبراني وابن مردويه بسند صحيح من طريق أبـي سلمة بن عبد الرحمن حديث : عن الأقرع بن حابس أنه أتى النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد اخرج إلينا فلم يجبه عليه الصلاة والسلام فقال: يا محمد إن حمدي زين وإن ذمي شين فقال: ذاك الله فأنزل الله تعالى {إَنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ } الختفسير : ، وعليه يكون الإسناد إلى الكل لأنهم رضوا بذلك وأمروا به أو لأنه وجد فيما بينهم، وظاهر الآية أن المنادي جمع وكذا جمع من الأخبار، وسنذكر إن شاء الله تعالى بعضاً منها، وحمل / {ٱلْحُجُرٰتِ } على الجمع الحقيقي هو الظاهر الذي عليه غير واحد من المفسرين، وجوز كون الحجرة واحدة وهي التي كان فيها الرسول عليه الصلاة والسلام وجمعت إجلالاً له صلى الله عليه وسلم على أسلوب حرمت النساء سواكم، وأيضاً لأن حجرته عليه الصلاة والسلام لأنها أم الحجرات وأشرفها بمنزلة الكل على نحو أحد الوجهين في قوله تعالى: {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 114]. وفرق الزمخشري بين {مِن وَرَاء ٱلْحُجُرٰتِ } بإثبات {مِنْ } وراء الحجرات بإسقاطها بأنه على الثاني يجوز أن يجمع المنادي والمنادي الوراء، وعلى الأول لا يجوز ذلك، وعلله بأن الوراء يصير بدخول (من) مبتدأ الغاية ولا يجتمع على الجهة الواحدة أن تكون مبتدأ ومنتهى لفعل واحد. واعترضه في «البحر» ((بأنه قد صرح الأصحاب في معاني {مِنْ } أنها تكون لابتداء الغاية وانتهائها في فعل واحد وأن الشيء الواحد يكون محلاً لهما ونسبوا ذلك إلى سيبويه وقالوا: إن منه قولهم: أخذت الدرهم من زيد فزيد محل لابتداء الأخذ منه وانتهائه معاً قالوا: ـ فمن ـ تكون في أكثر المواضع لابتداء الغاية فقط، وفي بعض المواضع لابتداء الغاية وانتهائها معاً)). وصاحب «التقريب» بقوله: فيه نظر لأن المبدأ والمنتهى إما المنادى والمنادى على ما هو التحقيق أو الجهة، فإن كان الأول جاز أن يجمعها الوراء في إثبات {مِنْ } وفي إسقاطها لتغاير المبدأ والمنتهى، وإن كان الثاني فالجهة إما ذات أجزاء أو عديمتها، فإن كان الأول جاز أن يجمعهما في إثبات (من) أيضاً باعتبار أجزاء الجهة، وإن كان الثاني لم يجز أن يجمعهما لا في إثبات (من) ولا في إسقاطها لاتحاد المورد. ورد الأول بأن محل الانتهاء هو المتكلم ليس إلا كما ذكره ابن هشام في «المغني»، وذكر أن ابن مالك قال: إن {مِنْ } في المثال للمجاوزة، والثاني غير قادح في الفرق على ما ذكره صاحب «الكشف» قال: الحاصل أن المبدأ الجهة باعتبار تلبسها بالفاعل لأن حرف الابتداء دخل على الجهة والفعل مما ليست المسافة داخلة في مفهومه فيعتبر الأمران تحقيقاً لمقتضى الفعل والحرف، ولما أوقع جميع الجهة مبدأ لم يجز أن يكون منتهى سواء كان منقسماً أو لا، ثم لما كان الوراء مبهماً لم يكن مثل سرت من البصرة إلى جامعها إذ لا يتعين بعضها مبدأ وبعضها منتهى، على أن ذلك أيضاً إذا أطلق يجب أن يحمل على أن المنتهى غير البصرة، أما إذا عينت فيجوز مع تجوز والأصل عدمه إلا بدليل، ثم هذا الجواز فيما كانت النهاية مكاناً أيضاً أما إذا اعتبرت باعتبار التلبس بالمفعول فلا، وإذا لم يذكر حرف الابتداء لم يؤد هذا المعنى. فهذا فرق محقق ومنه يظهر أن المذكور في «التقريب» من النظر غير قادح، وما ذكر من أن التحقيق أن الفعل يبتدىء من الفاعل وينتهي إلى المفعول ويقع في الظرف وأن {مِن وَرَاء ٱلْحُجُرٰتِ } ووراءها كلاهما ظرف كصليت من خلف الإمام وخلفه ومن قبل اليوم وقبله ومعنى الابتداء غير محقق والفرق تعسف ظاهر في أن (من) زائدة لا فرق بين دخولها وخروجها وهو خلاف الظاهر وإلا لما اختلفوا في زيادتها في الإثبات لشيوع نحو هذا الكلام فيما بينهم، ومتى لم تكن زائدة فلا بد من الفرق بين الكلامين لا سيما إذا كانا من كلامه عز وجل فتدبر. والتعبير عن النداء بصيغة المضارع مع تقدمه على النزول لاستحضار الصورة الماضية لغرابتها. والموصول اسم (إن)، وجملة قوله تعالى: {أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } خبرها وتكرار الإسناد للمبالغة، والمراد أنهم لا يجرون على مقتضى العقل من مراعاة الأدب لا سيما مع أجلِّ خلق الله تعالى وأعظمهم عنده سبحانه صلى الله عليه وسلم وكثيراً ما يُنَزَّل وجود الشيء منزلة عدمه لمقتض، والحكم على الأكثر دون الكل بذلك لأن منهم من لم يقصد ترك الأدب بل نادى لأمر ما على ما قيل، وجوز أن يكون المراد بالقلة التي يدل عليها نفي الكثرة / العدم فإنه يكنى بها عنه، وتعقبه أبو حيان بأن ذلك في صريح القلة لا في المفهوم من نفي الكثرة. وكان هؤلاء من بني تميم كما صرح به أكثر أهل السير. أخرج ابن إسحاق وابن مردويهحديث : عن ابن عباس قال: قدم وفد بني تميم وهم سبعون رجلاً أو ثمانون رجلاً منهم الزبرقان بن بدر وعطارد بن حاجب بن زرارة وقيس بن عاصم وقيس بن الحرث وعمرو بن الأهتم المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق معهم عيينة بن حصن بن بدر الفزاري وكان يكون في كل سوأة حتى أتوا منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادوه من وراء الحجرات بصوت جاف يا محمد أخرج إلينا ثلاثاً فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد إن مدحنا زين وإن شتمنا شين نحن أكرم العرب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبتم بل مدح الله تعالى الزين وشتمه الشين وأكرم منكم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم فقالوا: إنا أتيناك لنفاخرك فذكره بطولهتفسير : وقال في آخره: فقال التميميون والله إن هذا الرجل لمصنوع له لقد قام خطيبه فكان أخطب من خطيبنا وفاه شاعره فكان أشعر من شاعرنا وفيهم أنزل الله تعالى: {إَنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء ٱلْحُجُرٰتِ } من بني تميم {أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } هذا في القراءة الأولى. وذكر ابن هشام في «سيرته» عن ابن إسحاق الخبر بطوله وعد منهم الأقرع بن حابس وذكر أنه وعيينة شهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة وحنيناً والطائف؛ وأن عمرو بن الأهتم خلفه القوم في ظهرهم وأن خطيبهم عطارد بن حاجب وخطيبه صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس بن شماس وشاعرهم الزبرقان بن بدر وشاعره عليه الصلاة والسلام حسان بن ثابت وذكر الخطبتينِ وما قيل من الشعر وأنه لما فرغ حسان قال الأقرع: وأبـي إن هذا الرجل لمؤتى له، لَخطيبه أخطب من خطيبنا ولشاعره أشعر من شاعرنا ولأصواتهم أعلى من أصواتنا، وإنه لما فرغوا أسلموا وجوزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن جوائزهم وأرسل لعمرو جائزته كالقوم، وتعقب ابن هشام الشعر بعض التعقب. وفي «البحر» أيضاً ذكر الخبر بطوله مع مخالفة كلية لما ذكره ابن إسحاق، وفيه أن الأقرع قام بعد أن أنشد الزبرقان ما أنشد وأجابه حسان بما أجاب فقال: إني والله لقد جئت لأمر وقد قلت شعراً فاسمعه فقال:شعر : أتيناك كيما يعرف الناس فضلنا إذا خالفونا عند ذكر المكارم وانا رؤوس الناس من كل معشر وأن ليس في أرض الحجاز كدارم وأن لنا المرباع في كل غارة تكون بنجد أو بأرض التهائم تفسير : فقال النبـي صلى الله عليه وسلم لحسان: قم فأجبه فقال: شعر : بني دارم لا تفخروا إن فخركم يصير وبالاً عند ذكر المكارم هبلتم علينا تفخرون وأنتم لنا خول من بين ظئر وخادم تفسير : فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: لقد كنت يا أخا دارم غنياً أن يذكر منك ما ظننت أن الناس قد نسوه فكان قوله عليه الصلاة والسلام أشد عليهم من جميع ما قال حسان ثم رجع حسان إلى شعره فقال:شعر : فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم وأموالكم أن يقسموا في المقاسم فلا تجعلوا لله نداً وأسلموا ولا تفخروا عند النبـي بدارم وإلا ورب البيت قد مالت القنا على هامكم بالمرهفات الصوارم تفسير : / فقال الأقرع بن حابس: والله ما أدري ما هذا الأمر تكلم خطيبنا فكان خطيبهم أحسن قولاً وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أشعر وأحسن قولاً، ثم دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقال النبـي عليه الصلاة والسلام: ما يضرك ما كان قبل هذا انتهى. وهذا ظاهر في أن إسلام الأقرع يومئذٍ، ومعلوم أن سنة الوفود سنة تسع والطائف وحنين كانتا قبل ذلك، وتقدم عن ابن إسحاق أن الأقرع شهدهما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتوهم منه أنه كان مسلماً إذ ذاك فيتناقض مع هذا بل في أول كلام ابن إسحاق وآخره ما يوهم التناقض، والمذكور في «الصحاح» أنه وكذا عيينة كان إذ ذاك من المؤلفة قلوبهم. وقد روى ابن إسحاق نفسه حديث : عن محمد بن إبراهيم أن قائلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه يوم قسمة ما أفاء الله تعالى عليه يوم حنين: يا رسول الله أعطيت عيينة والأقرع مائة وتركت جعيل بن سراقة الضمري فقال: أما والذي نفس محمد بيده لجعيل خير من طلاع الأرض كلهم مثل عيينة والأقرع ولكن تألفتهما ليسلما ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامهتفسير : ، وجاء ما يدل على أنهم من بني تميم مرفوعاً. أخرج ابن مردويه من طريق يعلى بن الأشدق حديث : عن سعد بن عبد الله أن النبـي صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى: {إَنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ } الخ فقال: هم الجفاة من بني تميم لولا أنهم من أشد الناس قتالاً للأعور الدجال لدعوت الله تعالى عليهم أن يهلكهمتفسير : ، وفي «الصحيحين» ما يشهد بأنهم من أشد الأمة على الدجال وجعله أبو هريرة أحد أسباب حبهم. وظاهر كثير من الأخبار أن سبب وفودهم المفاخرة، وقال الواقدي ـ وهو حاطب ليل ـ: إن سببه هو أنهم كانوا قد جهروا السلاح على خزاعة فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن بدر في خمسين ليس فيهم أنصاري ولا مهاجري فأسر منهم أحد عشر رجلاً وإحدى عشرة امرأة وثلاثين صبياً فقدم رؤساؤهم بسبب أسرائهم ويقال: قدم منهم سبعون أو ثمانون رجلاً في ذلك منهم عطارد والزبرقان وقيس بن عاصم وقيس بن الحرث ونعيم بن سعد والأقرع بن حابس ورياح بن الحرث وعمرو بن الأهتم فدخلوا المسجد وقد أَذَّنَ بلال الظهر والناس ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرج إليهم فعجل هؤلاء فنادوه من وراء الحجرات فنزل فيهم ما نزل، ثم ذكر أنه صلى الله عليه وسلم أجازهم كل رجل اثنتي عشرة أوقية وكساء ولعمرو بن الأهتم خمس أواق لحداثة سنه انتهى، ولعل زيادة جائزته لما نيل منه أيضاً فقد ذكر ابن إسحاق أن عاصم بن قيس كان يبغض عمراً فقال: يا رسول الله إنه قد كان رجل منا في رحالنا وهو غلام حدث وأزرى به فقال لما بلغه ذلك يخاطب قيساً:شعر : ظللت مفترش الهلباء تشتمني عند الرسول فلم تصدق ولم تصب سدناكم سؤدداً رهواً وسؤددكم باد نواجذه مقع على الذنب تفسير : وروي عن عكرمة عن ابن عباس أنهم ناس من بني العنبر أصاب النبـي صلى الله عليه وسلم من ذراريهم فأقبلوا في فدائهم فقدموا المدينة ودخلوا المسجد وعجلوا أن يخرج إليهم النبـي عليه الصلاة والسلام فجعلوا يقولون: يا محمد اخرج إلينا، وذكر الخفاجي أن النبـي صلى الله عليه وسلم بعث إلى قوم من العرب هم بنو العنبر سرية أميرها عيينة بن حصن فهربوا وتركوا النساء والذراري فسباهم وقدم بهم عليه عليه الصلاة والسلام فجاء رجالهم راجين إطلاق الأسارى فنادوا من وراء الحجرات فخرج صلى الله عليه وسلم فأطلق النصف وفادى / الباقي، وظاهر كلامه أنهم ليسوا من بني تميم وإن كانت هذه السرية متحدة مع السرية التي أشار إليها الواقدي فيما تقدم، ويقال: إن عيينة في الكلامين هو عيينة بن حصن بن بدر إلا أنه نسب هناك إلى جده وهنا إلى أبيه كان ذلك الكلام ظاهراً في أن القوم كانوا من بني تميم لا أناساً آخرين، وفي «القاموس» ((العنبر أبو حي من تميم)) فبنو العنبر عليه منهم فلم يخرج الأمر عنهم.
ابن عاشور
تفسير : هذه الجملة بيان لجملة {أية : ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض}تفسير : [الحجرات: 2] بياناً بالمثال وهو سبب النزول. فهذا شروع في الغرض والذي نشأ عنه ما أوجب نزول صدر السورة فافتتح به لأن التحذير والوعد اللذين جعلا لأجله صالحان لأن يكونا مقدمة للمقصود فحصل بذلك نسج بديع وإيجاز جليل وإن خالف ترتيب ذكره ترتيبَ حصوله في الخارج، وقد صادف هذا الترتيب المحز أيضاً إذ كان نداؤهم من وراء الحجرات من قبيل الجهر للرسول صلى الله عليه وسلم بالقول كجهر بعضهم لبعض فكان النهي عن الجهر له بالقول تخلصاً لذكر ندائه من وراء الحجرات. والمراد بالذين ينادون النبي صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات جماعة من وفد بني تميم جاؤوا المدينة في سنة تسع وهي سنة الوفود وكانوا سبعين رجلاً أو أكثر. وكان سبب وفود هذا الوفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن بني العنبر منهم كانوا قد شهروا السلاح على خزاعة، وقيل كانوا منعوا إخوانهم بني كعب بن العنبر بن عمرو بن تميم من إعطاء الزكاة، وكان بنو كعب قد أسلموامن قبلُ ولم أقف على وقت إسلامهم، والظاهر أنهم أسلموا في سنة الوفود فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر بن سفيان ساعياً لقبض صدقات بني كعب، فمنعهم بنو العنبر فبعث النبي صلى الله عليه وسلم عُيينة بنَ حصن في خمسين من العرب ليس فيهم أنصاري ولا مهاجري فأسر منهم أحد عشر رجلاً وإحدى عشرة امرأة وثلاثين صبياً. فجاء في أثرهم جماعة من رؤسائهم لفدائهم فجاؤوا المدينة. وكان خطيبهم عطارد بن حاجب بن زراره، وفيهم سادتهم الزبرقان بن بدر، وعمرو بن الأهتم، والأقْرع بن حابس، ومعهم عيينة بن حصن الفزاري الغَطفاني وكان هذان الأخيران أسلما من قبل وشهدا مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح، ثم جاء معهم الوفد فلما دخل الوفد المسجد وكان وقت القائلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم نائم في حجرته، نَادوا جميعاً وراء الحجرات: يا محمد اخرُج إلينا ثلاثاً، فإن مَدحَنا زَين، وإن ذمنا شَيْن، نحن أكرم العرب (سلكوا في عملهم هذا مسلك وفود العرب على الملوك والسادة، كانوا يأتون بيت الملك أو السيد فيطيفون به يُنادون ليؤذن لهم كما ورد في قصة ورود النابغة على النعمان بن الحارث الغسَاني). وقولهم: إن مدحنا زيْن، طريقة كانوا يستدرون بها العظماء للعطاء فإضافة: مدحنا وذمنا إلى الضمير من إضافة المصدر إلى فاعله. فلما خرج إليهم رسول الله قالوا: جئناك نفاخرك فَاذَنْ لشاعرنا وخطِيبنا إلى آخر القصة. وقولهم: نفاخرك، جروا فيه على عادة الوفود من العرب أن يذكروا مفاخرهم وأيامهم، ويذكرَ الموفُودُ عليهم مفاخرَهم، وذلك معنى صيغة المفاعلة في قولهم: نفاخرك، وكان جمهورهم لم يزالوا كفاراً حينئذٍ وإنما أسلموا بعد أن تفاخروا وتناشدوا الأشعار. فالمراد بــ {الذين ينادونك} رجال هذا الوفد. وإسناد فعل النداء إلى ضمير {الذين} لأن جميعهم نادوه، كما قال ابن عطية. ووقع في حديث البراء بن عازب أن الذي نادى النداء هو الأقرع بن حابس، وعليه فإسناد فعل {ينادونك} إلى ضمير الجماعة مجاز عقلي عن نسبة فعل المتبوع إلى أتباعه إذ كان الأقرع بن حابس مقدَّم الوفد، كما يقال: بنو فلان قتلوا فلاناً. وإنما قتله واحد منهم، قال تعالى: {أية : وإذ قتلتم نفساً}تفسير : [البقرة: 72]. ونفي العقل عنهم مراد به عقل التأدب الواجب في معاملة النبي صلى الله عليه وسلم أو عقل التأدب المفعول عنه في عادتهم التي اعتادوها في الجاهلية من الجفاء والغلظة والعنجهية، وليس فيها تحريم ولا ترتب ذنب. وإنما قال الله تعالى: {أكثرهم لا يعقلون} لأن منهم من لم يناد النبي صلى الله عليه وسلم مثلَ ندائهم، ولعل المقصود استثناء اللذيْن كانا أسلما من قبل. فهذه الآية تأديب لهم وإخراج لهم من مذام أهل الجاهلية. والوراء: الخلف، وهو جهة اعتبارية بحسب موقع ما يضاف إليه. والمعنى: أن الحجرات حاجزة بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم فهم لا يرونه فعبر عن جهة من لا يرى بأنها وراء. و {من} للابتداء، أي ينادونك نداء صادراً من وراء الحجرات فالمنادون بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم كانوا وراء حجراته فالذي يقول: ناداني فلان وراء الدار، لا يريد وراء مفتح الدار ولا وراء ظهرها ولكن أيَّ جهة منها وكان القوم المنادون في المسجد فهم تجاه الحجرات النبوية، ولو قال: ناداني فلان وراء الدار، دون حرف {مِن}، لكان محتمِلاً لأن يكون المنادي والمنادَى كلاهما في جهة وراء الدار، وأنَّ المجرور ظرف مستقر في موضع الحال من الفاعل أو المفعول ولهذا أوثر جلب {مِن} ليدل بالصراحة على أن المنادَى كان داخل الحجرات لأن دلالة {مِن} على الابتداء تستلزم اختلافاً بين المبدإ والمنتهَى كذا أشار في «الكشاف»، ولا شك أنه يعني أن اجتلاب حرف {مِن} لدفع اللبس فلا ينافي أنه لم يُثبت هذا الفرق في قوله تعالى: {أية : ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم} تفسير : في سورة الأعراف (17) وقوله: {أية : ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض} تفسير : في سورة الروم (25). وفيما ذكرنا ما يدفع الاعتراضات على صاحب (الكشاف). فلفظ {وراء} هنا مجاز في الجهة المحجوبة عن الرؤية. والحُجُرات، بضمتين ويجوز فتح الجيم: جمع حُجْرة بضم الحاء وسكون الجيم وهي البقعة المحجورة، أي التي منعت من أن يستعملها غير حاجرها فهي فُعلة بمعنى مفعولة كغُرفة، وقُبضة. وفي الحديث: "حديث : أيقظوا صواحب الحجر" تفسير : يعني أزواجه، وكانت الحجرات تفتح إلى المسجد. وقرأ الجمهور {الحجرات} بضمتين. وقرأه أبو جعفر بضم الحاء وفتح الجيم. وكانت الحجرات تِسعاً وهي من جريد النخل، أي الحواجز التي بين كل واحدة والأخرى، وعلى أبوابها مُسوح من شعر أسود وعَرض البيت من باب الحجرة إلى باب البيت نحو سبعة أذرع، ومساحة البيت الداخل، أي الذي في داخل الحجرة عشرة أذرع، أي فتصير مساحة الحجرة مع البيت سبعة عشر ذراعاً. قال الحسن البصري: كنت أدخل بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في خلافة عثمان بن عفان فأتناول سُقْفها بيدي. وإنما ذكر الحجرات دون البيوت لأن البيت كان بيتاً واحداً مقسماً إلى حجرات تسع. وتعريف {الحجرات} باللام تعريف العهد، لأن قوله: {ينادونك} مؤذن بأن الحجرات حجراته فلذلك لم تعرف بالإضافة. وهذا النداء وقع قبل نزول الآية فالتعبير بصيغة المضارع في {ينادونك} لاستحضار حالة ندائهم. ومعنى قوله: {ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم} أنه يكسبهم وقارا بين أهل المدينة ويستدعي لهم الإقبال من الرسول صلى الله عليه وسلم إذ يخرج إليهم غير كاره لندائهم إياه، ورفع أصواتهم في مسجده فكان فيما فعلوه جلافة. فقوله: {خيراً} يجوز أن يكون اسم تفضيل، ويكون في المعنى: لكان صبرهم أفضل من العجلة. ويجوز أن يكون اسما ضدّ الشر، أي لكان صبرهم خيراً لما فيه من محاسن الخُلق بخلاف ما فعلوه فليس فيه خير، وعلى الوجهين فالآية تأديب لهم وتعليمهم محاسن الأخلاق وإزالة لعوائد الجاهلية الذميمة. وإيثار {حتى} في قوله: {حتى تخرج إليهم} دون (إلى) لأجل الإيجاز بحذف حرف (أن) فإنه ملتزم حذفه بعد {حتّى} بخلافه بعد (إلى) فلا يجوز حذفه. وفي تعقيب هذا اللوم بقوله: {واللَّه غفور رحيم} إشارة إلى أنه تعالى لم يُحْص عليهم ذنباً فيما فعلوا ولا عَرّض لهم بتوبة. والمعنى: والله شأنه التجاوز عن مثل ذلك رحمة بالناس لأن القوم كانوا جاهلين.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إن الذين ينادونك من وراء الحجرات: أي حجرات نسائه والذين نادوه وفد من أعراب بني تميم منهم الزَّبرقان بن بدر والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن. أكثرهم لا يعقلون: أي فيما فعلوه بمحلك الرفيع ومقامك السامي الشريف. ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم: أي ولو أنهم انتظروك حتى تخرج بعد قيامك من قيلولتك. لكان خيراً لهم: أي من ذلك النداء بأعلى أصواتهم من كل أبواب الحجرات. والله غفور رحيم: أي غفور لمن تاب منهم رحيم بهم إذ أساءوا مرتين الأولى برفع أصواتهم والثانية كانوا ينادونه ويقولون أن اخرج إلينا فإِن مدحنا زين وذمنا شين. فاسق بنبأ: أي ذو فسق وهو المرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب والنبأ الخير ذو الشأن. فتبيّنوا: أي تثبتوا قبل أن تقولوا أن تفعلوا أو تحكموا. أن تصيبوا قوما بجهالة: أي خشية إصابة قوم بجهالة منكم. فتصبحوا على ما فعلتم نادمين: أي فتصيروا على فعلكم الخاطىء نادمين. واعلموا أن فيكم رسول الله: أي فاحذروا أن تكذبوا أو تقولوا الباطل فإِن الوحي ينزل وتفضحون بكذبكم وباطلكم. لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم: أي لوقعتم في المشقة الشديدة والإِثم أحيانا. وكره إليكم الكفر والفسوق: أي بغَّض إلى قلوبكم الكفر والفسوق كالكذب والعصيان بترك واجب أو فعل محرم. أولئك هم الراشدون: أي الذين فعل بهم ما فعل من تحبيب الإِيمان وتكريه الكفر وما ذكر معه هم الراشدون أي السالكون سبيل الرشاد. فضلا من الله ونعمة: أي أفضل بذلك عليهم فضلا وأنعم إنعاما ونعمة. والله عليم حكيم: أي عليم بخلقه وما يعملون حكيم في تدبيره لعباده هذا بعامة وبخاصة عليم بأولئك الراشدين حكيم في إنعامه عليهم. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تأديب المؤمنين إزاء نبيهم صلى الله عليه وسلم فقد عاب تعالى أقواما معهم جفاء وغلظة قيل أنهم وفد من أعراب بني تميم منهم الزبرقان بن بدر، والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن جاءوا والرسول قائل وقت القيلولة ووقفوا على أبواب الحجرات ينادون بأعلى أصواتهم يا محمد يا محمد صلى الله عليه وسلم أن اخرج إلينا فإِن مدحنا زين وإن ذمنا شين فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية الكريمة تأديبا لهم {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ} حجرات نساء الرسول صلى الله عليه وسلم وكانت أبواب الحجرات إلى المسجد. {أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} أي فيما فعلوه بمقام الرسول الشريف ومكانته الرفيعة. {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ} بعد هبوبك من قيلولتك {لَكَانَ خَيْراً} أي من ذلك النداء بتعالي الأصوات من وراء الحجرات وقوله تعالى {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي غفور لمن تاب منهم رحيم بهم إذ لم يعجل لهم العقوبة وفتح لهم باب التوبة وأدبهم ولم يعنف ولم يغلظ، وقوله تعالى في الآية الثالثة من هذا السياق [6] {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} هذه الآية وإن كان لها سبب في نزولها وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق ليأتي بزكاة أموالهم، وكان بينهم وبين أسرة الوليد عداء في الجاهلية فذكره الوليد وهاب أن يدخل عليهم دارهم وهذا من وسواس الشيطان فرجع وستر على نفسه الخوف الذي أصابه فذكر أنهم منعوه الزكاة وهموا بقتله فهرب منهم فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وَهمَّ بغزوهم. وما زال كذلك حتى أتى وفد منهم يسترضي رسول الله ويستعتب عنده خوفا من أن يكون قد بلغه عنهم سوء فأخبروه بأنهم على العهد وأن الوليد رجع من الطريق ولم يصل إليهم وبعث الرسول خالد بن الوليد من جهة فوصل إليهم قبل المغرب فإِذا بهم يؤذنون ويصلون المغرب والعشاء فعلم أنهم لم يرتدوا وأنهم على خير والحمد لله. وجاء بالزكوات وأنزل الله تعالى هذه الآية قلت إن هذه الآية وإن نزلت في سبب معين فإنها عامة وقاعدة أساسية هامة فعلى الفرد والجماعة والدولة أن لا يقبلوا من الأخبار التي تنقل إليهم ولا يعملوا بمقتضاها إلا بعد التثبت والتبين الصحيح كراهية أن يصيبوا فرداً أو جماعة بسوء بدون موجب لذلك ولا مقتضٍ الاقالة سوء وفرية قد يريد بها صاحبها منفعة لنفسه بجلب مصلحة أو دفع مضرة عنه. فالأخذ بمبدأ التثبت والتبين عند سماع خبر من شخص لم يعرف بالتقوى والاستقامة الكاملة والعدالة التامة واجب صونا لكرامة الأفراد وحماية لأرواحهم وأموالهم. والحمد لله على شرع عادل رحيم كهذا. فقوله {إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ} المراد بالفاسق من يرتكب كبيرة من كبائر الذنوب كالكذب مثلا، والنبأ الخبر ذو الشأن والتبيّن التثبت وقوله {أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} أن تصيبوهم في أبدانهم وأموالهم بعدم علم منكم وهي الجهالة وقوله {فَتُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} أي من جرَّاء ما اتخذتم من إجراء خاطىء، وقوله تعالى في الآية [7] {وَٱعْلَمُوۤاْ} يلفت الربّ تعالى نظر المسلمين إلى حقيقة هم غافلون عنها وهو وجود الرسول صلى الله عليه وسلم حيّاً بينهم ينزل عليه الوحي فإِن هذه حال تتطلب منهم التزام الصدق في القول والعمل وإلاّ يفضحهم الوحي فوراً إن هم كذبوا في قول أو عمل كما فضح الوليد لما أخبر بغير الحق. هذا أولا وثانيا لو كان الرسول صلى الله عليه وسلم يطيعهم في كل ما يرونه ويقترحونه لوقعوا في مشاكل تُعرّضهم لمشاق لا تطاق، بل وفي آثام عظام. هذا معنى قوله تعالى {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} وقوله {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ} فوقاكم كثيرا من أن تكذبوا على رسولكم أو تقترحوا عليه أو تفرضوا آراءكم. وقوله {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ} أي أولئك أصحاب رسول الله هم السالكون سبيل الرشاد فلا يتهوكون ولا يضلون وقوله {فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً} أي هدايتهم كانت فضلا من الله ونعمة، والله عليم بهم وبنياتهم وبواعث نفوسهم حكيم في تدبيره فأهَّل أصحاب رسول الله للخير وأضفاه عليهم فهم أفضل هذه الأمة على الاطلاق ولا مطمع لأحد أتى بعدهم أن يفوقهم في الفضل والكمال في الدنيا ولا في الآخرة فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين وعنا معهم آمين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان سمو المقام المحمدي وشرف منزلته صلى الله عليه وسلم. 2- وجوب التثبت في الأخبار ذات الشأن التي قد يترتب عليها أذى أو ضرر بمن قيلت فيه، وحرمة التسرع المفضي بالأخذ بالظنة فيندم الفاعل بعد ذلك في الدنيا والآخرة. 3- من أكبر النعم على المؤمن تحبيب الله تعالى الإيمان إليه وتزيينه في قلبه، وتكريه الكفر إليه والفسوق والعصيان وبذلك أصبح المؤمن أرشد الخلق بعد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْحُجُرَاتِ} (4) - اجْتَمعَ أناسٌ مِنَ العَرَبِ فَقَالُوا: انْطَلِقُوا بِنا إِلى هَذَا الرَّجلِ، فَإِنْ كَانَ نَبِيّاً فَنَحْنَ أسْعَدُ النَّاسِ بِهِ، وَإِنْ يَكُنْ مَلِكاً نَعِشْ بِجَنَاحِهِ، فَجَاؤُوا إلى حُجْرِةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَجَعَلُوا يُنَادُونَهُ وَهُو في حُجْرتِهِ: يَا مُحَمَّدُ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالى هَذِهِ الآيةَ الكَريمةَ تأدِيباً لهؤُلاءِ وأمْثَالِهِمْ، الذِينَ يَأتُونَ إِلى النَّبيِّ، وَهُوَ في بَيْتِهِ مَعَ نِسَائِهِ، فَيُنَادُونَهُ بأصْواتٍ مُرْتَفِعةٍ لِيَخْرُجَ إليهِمْ. وَيَقُولُ تَعَالى: إِنَّ الذِينَ يَفْعَلُون ذَلِكَ أكْثَرُهُم جُهَّالٌ بِمَا يَجِبُ لِلرَّسُولِ مِنَ التَّعظِيمِ وَالاحتِرامِ. الحُجُراتُ - بَيْتُ الإِنسَانِ وَأماكنُ خَلْوَتِهِ مَعَ أهْلِهِ.
الثعلبي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ} يعني أعراب تميم، حيث نادوا: يا محمّد اخرج علينا، فإنّ مدحنا زين وذمّنا شين، قاله قتادة. قال ابن عبّاس: حديث : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى حي من بني العنبر وأمّر عليهم عُيينة بن حصين الفزاري، فلمّا علموا أنّه توجّه نحوهم، هربوا، وتركوا عيالهم، فسباهم عُيينة، وقدم بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء بعد ذلك رجالهم يفدون الذراري، فقدموا وقت الظهيرة، وواقفوا رسول الله في أهله قائلاً، فلمّا رأتهم الذراري جهشوا إلى آبائهم يبكون، وكان لكلّ امرأة من نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت، وحجرة، فعجلوا أن يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعلوا ينادون: يا محمّد اخرج إلينا حتّى أيقظوه من نومه، فخرج إليهم، فقالوا: يا محمّد فادنا عيالنا. فنزل جبريل، فقال: يا محمّد إنّ الله يأمرك أن تجعل بينك، وبينهم رجلاً، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "أترضون أن يكون بيني وبينكم سمرة بن عمرو، وهو على دينكم؟". فقالوا: نعم. قال سمرة: أنا لا أحكم بينهم وعمّي شاهد، وهو الأعور بن شامة فرضوا به. فقال الأعور: أرى أن يفادي نصفهم، ويعتق نصفهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم "قد رضيت". ففادى نصفهم وأعتق نصفهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من كان عليه محرر من ولد إسماعيل، فليعتق منهم". فأنزل الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ} تفسير : ... الآية، وقال زيد بن أرقم: جاء ناس من الغرف إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يكن نبيّاً فنحن أسعد الناس به، وأن يكن ملكاً نعشْ في جناحه. فجاءوا إلى حجرة النبيّ صلى الله عليه وسلم فجعلوا ينادونه: يا محمّد، يا محمّد، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ} وهي جمع الحجر، والحجر جمع حجرة، فهو جمع الجمع، وفيه لغتان: فتح (الجيم) وهي قراءة أبي جعفر، كقول الشاعر: شعر : أما كان عباد كفياً لدارم يلي ولأبيات بها الحجرات تفسير : يعني يلي ولبني هاشم. {أَكْثَرُهُمْ} جهلاء {لاَ يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} لأنّك كنت تعتقهم جميعاً، وتطلقهم بلا فداء. {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدّثنا أحمد بن عيسى بن السكين البلدي، قال: حدّثني هاشم بن القاسم الحراني، قال: حدّثني يعلى بن الأشدق، قال: حدّثني سعد بن عبد الله، حديث : أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم سُئل عن قول الله سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ} قال: "هم الجفاة من بني تميم، لولا أنّهم من أشدّ الناس قتالاً للأعور الدجّال، لدعوت الله عزّ وجلّ أن يهلكهم ". تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ} الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق بعد الوقعة مصدّقاً، وكان بينه، وبينهم عداوة في الجاهلية، فلمّا سمع به القوم تلقوه تعظيماً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدّثه الشيطان أنّهم يريدون قتله، فهابهم، فرجع من الطريق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : إنّ بني المصطلق، قد منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي، فغضب رسول الله، وهمّ أن يغزوهم، فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك، فخرجنا نتلقّاه، ونكرمه، ونؤدّي إليه ما قِبلنا من حقّ الله، فبدا له في الرجوع، فخشينا أن يكون إنّما ردّه من الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا، وإنّا نعوذ بالله من غضبه، وغضب رسوله، فأبهمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث خالد بن الوليد إليهم خفية في عسكر، وأمره أن يخفي عليهم قدومه. وقال له: "انظر، فإن رأيت منهم ما يدلّ على إيمانهم، فخذ منهم زكاة أموالهم، وإن لم ترَ ذلك، فاستعمل فيهم ما يُستعمل في الكفّار" . تفسير : ففعل ذلك خالد ووافاهم، فسمع منهم آذان صلاتي المغرب والعشاء، فأخذ منهم صدقاتهم، ولم ير منهم إلاّ الطاعة، والخير، فانصرف خالد إلى رسول الله، وأخبره الخبر، فأنزل الله سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ} يعني الوليد بن عقبة بن أبي معيط سمّاه الله فاسقاً، نظيره {أية : أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ} تفسير : [السجدة: 18]، قال سهل بن عبد الله وابن زيد: الفاسق الكذّاب. أبو الحسين الورّاق: هو المعلن بالذنب، وقال ابن طاهر وابن زيد: الفاسق الذي لا يستحي من الله سبحانه. بنباً: بخبر {فَتَبَيَّنُوۤاْ أَن تُصِيبُواْ} كي لا تصيبوا بالقتل، والقتال. {قَوْمًا} براء {بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ * وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ} فاتقوا أن تقولوا الباطل، وتفتروا الكذب، فإنّ الله سبحانه يخبره أنباءكم، ويعرّفه أحوالكم، فتفتضحوا. {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ} فيحكم برأيكم، ويقبل قولكم. {لَعَنِتُّمْ} لأثمتم وهلكتم. {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ} فأنتم تطيعون رسول الله وتأتمّون به، فيقيكم الله بذلك العنت. {وَزَيَّنَهُ} وحسّنه {فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ}. ثمّ انتقل من الخطاب إلى الخبر، فقال عزّ من قائل: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ} نظيرها قوله سبحانه: {أية : وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ ٱللَّهِ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ} تفسير : [الروم: 39]، قال النابغة: شعر : يا دارميّة بالعلياء فالسند أقوتْ وطال عليها سالف الأبد تفسير : {فَضْلاً} أي كان هذا فضلاً {مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ} قال أكثر المفسِّرين: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم على مجلس من مجالس الأنصار وهو على حماره، فبال حماره، فأمسك عبدالله بن أُبي بأنفه وقال: إليك عنّا بحمارك، فقد آذانا نتنه. فقال عبد الله بن رواحة: والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحاً منك. فغضب لعبد الله بن أُبي رجل من قومه، وغضب لعبد الله بن رواحة رجل من قومه، فغضب لكلّ واحد منهما أصحابه حتّى استسبّوا، وتجالدوا بالأيدي، والجريد، والنعال، ولم يقدر رسول الله صلى الله عليه وسلم على إمساكهم، فأنزل الله سبحانه هذه الآية، فلمّا نزلت قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاصطلحوا، وكفَّ بعضهم عن بعض، وأقبل بشير بن النعمان الأنصاري مشتملاً على سيفه، فوجدهم قد اصطلحوا، فقال عبدالله بن أُبي: أعليَّ تشتمل بالسيف يا بشير؟ قال: نعم، والّذي أحلف به لو جئت قبل أن تصطلحوا لضربتك حتّى أقتلك، فأنشأ عبد الله بن أُبي يقول: شعر : متى ما يكن مولاك خصمك جاهداً تظلم ويصرعك الذين تصارع تفسير : قال قتادة: نزلت في رجلين من الأنصار، كانت بينهما مذاراة في حقّ بينهما، فقال أحدهما للآخر: لآخذنّ حقّي منك عنوة، لكثرة عشيرته، وإنّ الآخر دعاه ليحاكمه إلى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن يتبعه، فلم يزل الأمر بينهما، حتّى تدافعوا، وقد تناول بعضهم بعضاً بالأيدي، والنعال، ولم يكن قتال بالسيوف. وروى محمّد بن الفضيل، عن الكلبي أنّها نزلت في حرب سمير وحاطب، وكان سمير قتل حاطباً، فجعل الأوس والخزرج يقتتلون إلى أن أتاهم النبيّ صلى الله عليه وسلم فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وأمر نبيّه، والمؤمنين أن يصلحوا بينهم. وروى سفيان عن السدّي، قال: كانت امرأة من الأنصار يقال لها: أُمّ زيد تحت رجل، وكان بينها، وبين زوجها شيء، فرمى بها إلى عُلية، وحبسها فيها، فبلغ ذلك قومها فجاءوا، وجاء قومه، فاقتتلوا بالأيدي، والنعال، فأنزل الله سبحانه تعالى: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ} الآية. {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} بالدعاء إلى حكم كتاب الله سبحانه، والرضا بما فيه لهما، وعليهما. {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ} ترجع {إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ} وأبت الإجابة إلى حكم الله تعالى له، وعليه في كتابه الذي جعله عدلاً بين خلقه. {فَإِن فَآءَتْ} رجعت إلى الحقّ {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ} بحملهما على الإنصاف والرضى بحكم الله، وهو العدل، {وَأَقْسِطُوۤاْ} واعدلوا. {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} في الدين، والولاية {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} إذا اختلفا، واقتتلا، وقرأ ابن سيرين، ويعقوب. بين (اخوتكم) (بالتاء) على الجمع، وقرأ الحسن (إخوانكم) (بالألف) و(النون). {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فلا تعصوه ولا تخالفوا أمره {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}. قال أبو عثمان البصري: أخوة الدّين أثبت من أخوّة النسب، فإنّ اخوّة النسب تنقطع لمخالفة الدين، وأُخوّة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب. وسُئل الجنيد عن الأخ، فقال: هو أنت في الحقيقة إلاّ إنّه غيرك في الشخص. أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا عمر بن الخطّاب. قال: حدّثنا محمّد بن إسحاق المسوحي. قال: حدّثنا عمرو بن علي، قال: حدّثنا أبو عاصم. قال: حدّثنا إسماعيل بن رافع، عن ابن أبي سعيد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يعيبه، ولا يخذله، ولا يتطاول عليه في البنيان، فيستر عليه الريح إلاّ بإذنه، ولا يؤذيه بقتار قدره إلاّ أن يعرف له، ولا يشتري لبنيه الفاكهة، فيخرجون بها إلى صبيان جاره، ولا يطعمونهم منها". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "احفظوا، ولا يحفظه منكم إلاّ قليل ". تفسير : وفي هاتين الآيتين دليل على انّ البغي لا يزيل اسم الإيمان، لأنّ الله سبحانه وتعالى سمّاهم أخوة مؤمنين مع كونهم باغين، عاصين. يدلّ عليه ما روى الأعور أنّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه سُئل وهو القدوة في قتال أهل البغي، عن أهل الجمل، وصفّين، أمشركون هم؟ فقال: لا، من الشرك فرّوا. فقيل: أهم منافقون؟ فقال: إنّ المنافقين لا يذكرون الله إلاّ قليلاً. قيل: فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا. وقد أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن شنبه، قال: حدّثنا أحمد بن الحسين بن عبد الجبّار الصوفي قال: حدّثنا أبو نصر التمّار، قال: حدّثنا كوثر، عن نافع، عن ابن عمر أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يا عبد الله هل تدري كيف حكم الله سبحانه فيمن بغى من هذه الأُمّة؟". قال: الله ورسوله أعلم. قال: "لا يجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يقسم فيئها"تفسير : . وسُئل محمّد بن كعب القرظي عن هاتين الآيتين، فقال: جعل النبيّ صلى الله عليه وسلم أجر المصلح بين الناس، كأجر المجاهد عند الناس، وقال بكر بن عبد الله: امش ميلاً، وعد مريضاً، امش ميلين، وأصلح بين اثنين، امش ثلاثة أميال، وزر أخاك في الله.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نزلت هذه الآية في جماعة كان لهم أسرى، فجاءوا يراجعون رسول الله في أمرهم ليطلق سراحهم، لكنهم أخطأوا من عدة وجوه: أولاً: جاءوا بيت النبي صلى الله عليه وسلم من الوراء ولم يأتوا من الأبواب. ذلك لأنهم لا يعرفون في أيِّ حجرة يقيم رسول الله، أهو عند عائشة؟ أمن عند حفصة؟ أمن عند أم سلمة؟ وهم يعلمون أن لرسول الله مهمات شتى، له مهمة مع الناس، ومهمة مع أهله، ومهمة قبل ذلك مع ربه. فكان عليهم إذا لم يظهر لهم رسول الله في المسجد أنْ ينتظروا خروجه وألاَّ يُزعجوه، فهو ولابدَّ في مهمة من هذه المهمات وربما كان مشغولاً في خلوة مع ربه عز وجل أو مع أهله. ثانياً: نادوا رسول الله كما ينادي بعضهم بعضاً، ولم يراعوا حرمة رسول الله ومنزلته، لذلك وُصف أكثرهم بأنهم لا يعقلون، فالتعقل يقتضي خلاف هذا التصرف. {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ..} [الحجرات: 5] نعم خيراً لهم لأنه صلى الله عليه وسلم بعد أنْ نادوه واضطروه للخروج أطلق نصف الأسرى، وقال: والله لو صبروا حتى أخرج عليهم لأطلقتُ الأسرى كلهم. إنما جعل ذلك تأديباً لهم لخروجهم عن اللياقة والأدب في التعامل معه صلى الله عليه وسلم. {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الحجرات: 5] لم يأخذهم بالعذاب ورسول الله عاقبهم على قدر أعمالهم حتى لا يكون غضبه لنفسه. ثم قول الحق سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ} [الآية: 4]. قال: يعني أَعراب من بني تميم. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: أَرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، الوليد بن عقبة بن أَبي معيط إِلى بني المصطلق ليصدقهم، فتلقوه /73 و/ بالهدية، فرجع إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إِن بني المصطلق جمعوا لك ليقاتلوك. فأَنزل الله، عز وجل: {إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الآية: 6]. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ} [الآية: 9]. قال: يعني الأَوس والخزرج اقتتلوا بينهم بالعصي. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ} [الآية: 11]: لا يستهزيء قوم بقوم يقول: أَن يكون رجلا غنياً أو فقيراً، إِن تفضل عليه رجل بشيء فلا يستهزيء به. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا [ورقاءُ] عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ} [الآية: 11]. يقول: لا يطعن بعضكم على بعض. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ}. يقول: لا يدَّعِي المسلم بالكفر بعد الإِسلام. يقول الله، عز وجل: {بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ} هذا {بَعْدَ ٱلإَيمَانِ} [الآية: 11]. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: هو قول الرجل لأَخيه: يا فاسق [الآية: 11]. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: لما نزلت {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً} [الآية: 12]. قالوا. نكره ذلك. قال: فاتقوا الله في الغيبة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : نزلت هذه الآيات الكريمة، في أناس من الأعراب، الذين وصفهم الله تعالى بالجفاء، وأنهم أجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، قدموا وافدين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجدوه في بيته وحجرات نسائه، فلم يصبروا ويتأدبوا حتى يخرج، بل نادوه: يا محمد يا محمد، [أي: اخرج إلينا]، فذمهم الله بعدم العقل، حيث لم يعقلوا عن الله الأدب مع رسوله واحترامه، كما أن من العقل وعلامته استعمال الأدب. فأدب العبد، عنوان عقله، وأن الله مريد به الخير، ولهذا قال: { وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } أي: غفور لما صدر عن عباده من الذنوب، والإخلال بالآداب، رحيم بهم، حيث لم يعاجلهم بذنوبهم بالعقوبات والمثلات.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [4] 534 - أنا الحسنُ بن محمدٍ، نا حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرني ابن أبي مُليكة، أن عبد الله بن الزُّبير، أخبره أنه قدم الركبُ من بني تميمٍ على النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو بكرٍ رضي الله عنه: أمر القعقاع بن معبدٍ، وقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابسٍ، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت في ذلك {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}تفسير : [الحجرات: 1] حتى انقضت الآيةُ {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ}تفسير : [الحجرات: 5]. 535 - أنا محمدُ بن عليّ بن الحسن بن شقيقٍ، قال أبي، أخبرنا قال: أنا الحُسينُ بن واقدٍ، عن أبي إسحاق، عن البراء {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ} [4]/ فقال: حديث : جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنَّ حمدي زينٌ، و[إنَّ] ذمِّي شينٌ، فقال: "ذاك اللهُ تبارك وتعالى ".
همام الصنعاني
تفسير : 2928- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}: [الآية: 4]، أَنَّ رجُلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرة، فقال: حديث : يا محمد، إنَّ مدحي زين، وإنَّ شتمي شين، فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ويلك، ذَاك الله، ويلك ذاك الله،تفسير : فأنزل الله عزّ وجلّ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}: [الآية:4].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):