Verse. 4617 (AR)

٤٩ - ٱلْحُجُرَات

49 - Al-Hujurat (AR)

وَلَوْ اَنَّہُمْ صَبَرُوْا حَتّٰى تَخْرُجَ اِلَيْہِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّہُمْ۝۰ۭ وَاللہُ غَفُوْرٌ رَّحِيْمٌ۝۵
Walaw annahum sabaroo hatta takhruja ilayhim lakana khayran lahum waAllahu ghafoorun raheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولو أنهم صبروا» أنهم في محل رفع بالابتداء، وقيل فاعل لفعل مقدر، أي ثبت «حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم» لمن تاب منهم، ونزل في الوليد بن عقبة وقد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق مصدقا فخافهم لترة كانت بينه وبينهم في الجاهلية فرجع وقال إنهم منعوا الصدقة وهموا بقتله، فهمَّ النبي صلى الله عليه وسلم بغزوهم فجاءوا منكرين ما قاله عنهم.

5

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } إشارة إلى حسن الأدب الذي على خلاف ما أتوا به من سوء الأدب فإنهم لو صبروا لما احتاجوا إلى النداء، وإذا كنت تخرج إليهم فلا يصح إتيانهم في وقت اختلائك بنفسك أو بأهلك أو بربك، فإن للنفس حقاً وللأهل حقاً، وقوله تعالى: {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون المراد أن ذلك هو الحسن والخير كقوله تعالى: {أية : خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً } تفسير : [الفرقان: 24]، وثانيهما: أن يكون المراد هو أن بالنداء وعدم الصبر يستفيدون تنجيز الشغل ودفع الحاجة في الحال وهو مطلوب، ولكن المحافظة على النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه خير من ذلك، لأنها تدفع الحاجة الأصلية التي في الآخرة وحاجات الدنيا فضلية، والمرفوع الذي يقتضيه كلمة كان إما الصبر وتقديره لو أنهم صبروا لكان الصبر خيراً، أو الخروج من غير نداء وتقديره لو صبروا حتى تخرج إليهم لكان خروجك من غير نداء خيراً لهم، وذلك مناسب للحكاية، لأنهم طلبوا خروجه عليه الصلاة والسلام ليأخذوا ذراريهم، فخرج وأعتق نصفهم وأخذوا نصفهم، ولو صبروا لكان يعتق كلهم والأول أصح. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تحقيقاً لأمرين أحدهما: لسوء صنيعهم في التعجل، فإن الإنسان إذا أتى بقبيح ولا يعاقبه الملك أو السيد يقال ما أحلم سيده لا لبيان حلمه، بل لبيان عظيم جناية العبد وثانيهما: لحسن الصبر يعني بسبب إتيانهم بما هو خير، يغفر الله لهم سيئاتهم ويجعل هذه الحسنة كفارة لكثير من السيئات، كما يقال للآبق إذا رجع إلى باب سيده أحسنت في رجوعك وسيدك رحيم، أي لا يعاقبك على ما تقدم من ذنبك بسبب ما أتيت به من الحسنة ويمكن أن يقال بأن ذلك حث للنبي صلى الله عليه وسلم على الصفح، وقوله تعالى: {أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } كالعذر لهم، وقد ذكرنا أن الله تعالى ذكر في بعض المواضع الغفران قبل الرحمة، كما في هذه السورة وذكر الرحمة قبل المغفرة في سورة سبأ في قوله {أية : وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ } تفسير : [سبأ: 2] فحيث قال: غفور رحيم أي يغفر سيئاته ثم ينظر إليه فيراه عارياً محتاجاً فيرحمه ويلبسه لباس الكرامة وقد يراه مغموراً في السيئات فيغفر سيئاته، ثم يرحمه بعد المغفرة، فتارة تقع الإشارة إلى الرحمة التي بعد المغفرة فيقدم المغفرة، وتارة تقع الرحمة قبل المغفرة فيؤخرها، ولما كانت الرحمة واسعة توجد قبل المغفرة وبعدها ذكرها قبلها وبعدها.

القرطبي

تفسير : أي لو انتظروا خروجك لكان أصلح لهم في دينهم ودنياهم. وكان صلى الله عليه وسلم لا يحتجب عن الناس إلا في أوقات يشتغل فيها بمهمات نفسه؛ فكان إزعاجه في تلك الحالة من سوء الأدب وقيل: كانوا جاءوا شفعاء في أسارى بني عنبر فأعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم نصفهم، وفادى على النصف. ولو صبروا لأعتق جميعهم بغير فداء. {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ } أنهم في محل رفع بالابتداء، وقيل فاعل لفعل مقدر، أي ثبت {حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لمن تاب منهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} أحسن أدباً وطاعة لله ورسوله، أو لأطلقت أسرارهم بغير فداء لأنه كان سبى قوماً من بني العنبر فجاءوا في فداء سبيهم.

الخازن

تفسير : {ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم} فيه بيان لحسن الأدب وهو خلاف ما جاؤوا به من سوء الأدب وطلب العجلة في الخروج {لكان خيراً لهم} أي الصبر لأنك كنت تعتقهم جميعاً وتطلقهم بلا فداء. وقيل: لكان حسن الأدب في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم خيراً لهم: وقيل: نزلت الآية في ناس من أعراب تميم وكأن فيهم الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن والزبرقان بن بدر فنادوا على الباب. ويروى ذلك عن جابر قال: جاءت بنو تميم فنادوا على الباب فقالوا: يا محمد اخرج علينا فإن مدحنا زين وذمنا شين فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: "حديث : إنما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمه شين" تفسير : قالوا نحن ناس من تميم جئنا بشاعرنا وخطيبنا جئنا نشاعرك ونفاخرك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما بالشعر بعثت ولا بالفخر أمرت، ولكن هاتوا"تفسير : . فقام منهم شاب فذكر فضله وفضل قومه فقال النبي صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس، وكان خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قم فأجبه"تفسير : . فقام فأجابه وقام شاعرهم فذكر أبياتاً فقال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: "حديث : أجبه"تفسير : . فأجابه فقام الأقرع بن حابس فقال: إن محمد المؤتى له تكلم خطيبنا فكان خطيبهم أحسن قولاً وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أحسن شعراً وقولاً ثم دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما يضرك ما كان قبل هذا"تفسير : . ثم أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكساهم وقد كان تخلف في ركابهم عمرو بن الأهتم لحداثة سنه فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطاهم فأزرى به بعضهم وارتفعت الأصوات وكثر اللغط عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل فيهم: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي}تفسير : الآيات إلى قوله {والله غفور رحيم} أي لمن تاب منهم. وقال زيد بن أرقم: جاء ناس من العرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: وقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل فإن يكن نبياً فنحن أسعد الناس به، وإن يكن ملكاً نعش في جنابه فجاؤوا فجعلوا ينادونه: يا محمد يا محمد.

ابو السعود

تفسير : {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ} أيْ وَلَوْ تحققَ صبرُهُم وانتظارُهُم حتَّى تخرجَ إليهمْ فإنَّ «أَنَّ» وَإِنْ دلت بَما في حيزهَا عَلى المصدرِ لكِنَّها تفيدُ بنفسِها التحققَ والثبوتَ للفرقِ البـينِ بـينَ قولِك بَلَغني قيامُك وبلغني أنَّك قائمٌ وحَتَّى تفيدُ أنَّ الصبرَ ينبغِي أنْ يكونَ مُغياً بخروجِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فإنَّها مختصةٌ بمَا هُوَ غايةٌ للشيءِ في نفسِه ولذلكَ تقولُ أكلتُ السمكةَ حتَّى رَأْسَهَا وَلا تقولُ حتَّى نصفَها أو ثلثَها بخلافِ إِلى فإنَّها عامَّةٌ وفي إليهمْ إشعارٌ بأنَّه لوْ خرجَ لاَ لأجلِهم ينبغِي أَنْ يصبرُوا حَتَّى يفاتحهَم بالكلامِ أوْ يتوجَّهَ إليهِم {لَكَانَ} أي الصبرُ المذكورُ {خَيْراً لَّهُمْ} منِ الاستعجالِ لِما فيهِ منْ رعايةِ حُسنِ الأدبِ وتعظيمِ الرسولِ الموجبَـينِ للثناءِ والثوابِ والإسعافِ بالمسؤولِ إذْ رُوي أنَّهم وفدُوا شافعينَ في أُسارَى بنِي العَنْبرِ فأطلقَ النصفَ وفادَى النصفَ {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} بليغُ المغفرةِ والرحمةِ واسعُهما فلنْ يضيقَ ساحتُهما عنْ هؤلاءِ إنْ تابُوا وَأصلحُوا. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن جَاءكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ} أيْ فتعرفُوا وتفحصُوا (رُويَ أنَّه عليهِ الصلاةُ والسلامُ بعثَ الوليدَ بنَ عُقبةَ أخَا عُثْمانَ رضيَ الله عنْهُ لأُمهِ مُصدِّقاً إلى بَني المُصطلِق وكانَ بـيَنهُ وبـينَهمْ إِحْنَةٌ فلمَّا سمعُوا بهِ استقبلُوه فحسبَ أنَّهم مقاتلُوه فرجعَ وقالَ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم قدِ ارتدُوا ومنعُوا الزكاةَ فَهمَّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ بقتالِهم فنزلتْ) وقيلَ: (بعثَ إليهم خالدَ بنَ الوليدَ فوجدهُم منادينَ بالصلاةِ متهجدينَ فسلمُوا إليهِ الصدقاتِ فرجعَ). وفي ترتيبِ الأمرِ بالتبـينِ عَلى فسقِ المُخبرِ إشارةٌ إلى قبولِ خبرِ الواحدِ العدلِ في بعضِ الموادِّ وَقُرىءَ فتثبتُوا أيْ توقفُوا إلى أنْ يتبـينَ لكُم الحالُ {أَن تُصِيببُواْ} حِذارَ أنْ تصيبُوا {قَوْمَا بِجَهَالَةٍ} ملتبسينَ بجهالةِ حالِهم {فَتُصْبِحُواْ} بعدَ ظهورِ براءتِهم عَمَّا أُسندَ إليهمْ {عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ} في حَقِّهم {نَـٰدِمِينَ} مغتمينَ غماً لازماً متمنينَ أنَّه لم يقعْ فإنَّ تركيبَ هذهِ الأَحْرُفِ الثلاثةِ يدورُ معَ الدوامِ. {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ} أنَّ بِما في حيزِهَا سادُّ مسدَّ مفعولَي اعلمُوا باعتبارِ ما بعدَهُ منْ قولِه تعالى: {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} فإنَّهُ حالٌ منْ أحدِ الضميرينِ في فيكُم والمَعنْى أنَّ فيكُم رسولَ الله كائناً عَلى حالةٍ يجبُ عليكُم تغيـيرُهَا أوْ كائنينَ على حالةٍ الخ وهي أنكُم تريدونَ أنْ يتبعَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ رأيَكُم في كثيرٍ منَ الحوادثِ ولَوْ فعلَ ذلكَ لوقعتُم في الجهدِ والهلاكِ، وفيه إيذانٌ بأنَّ بعضَهُم زينُوا لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم الإيقاعَ ببني المصطلقِ تصديقاً لقولِ الوليدِ وأنَّه عليهِ الصلاةُ والسلامُ لَمْ يُطعْ أمرَهُم، وأما صيغةُ المضارعِ فقدْ قيلَ إنَّها للدلالةِ عَلى أنَّ امتناعَ عَنَتِهم لامتناعِ استمرارِ طاعتِه عليهِ الصلاةُ والسلامُ لهُم لأنَّ عنتهَمُ إنما يلزمُ منَ استمرارِ الطاعةِ فيما يعِنُّ لهَمُ منَ الأمورِ إذْ فيهِ اختلالُ أمرِ الإبالةِ وانقلابُ الرئيسِ مَرْءوساً لا منْ إطاعتِه في بعضِ ما يرونَهُ نادراً بلْ فيها استمالتُهم بلا معرةٍ، وقيل: إنَّها للدلالةِ عَلى أنَّ امتناعَ عنتهِم لاستمرارِ امتناعِ طاعتِه عليهِ الصلاةُ والسلامُ لهُم في ذلكَ فإنَّ المضارعَ المنفيَّ قَدْ يدلُّ على استمرارِ النَّفي بحسبِ المقامِ كما في نظائرِ قولِه تعالَى ولا هُم يحزنونَ، والتحقيقُ أنَّ الاستمرارَ الذي تفيدُه صيغةُ المضارعِ يعتبرُ تارةً بالنسبةِ إلى ما يتعلقُ بالفعلِ منَ الأمورِ الزمانيةِ المتجددةِ وذلكَ بأنْ يعتبرَ الاستمرارُ في نفسِ الفعلِ على الإبهامِ ثم يعتبرُ تعلقُ ما يتعلقُ به بـياناً لما فيهِ الاستمرارُ، وأُخرى بالنسبةِ إلى ما يتعلقُ به من نفسِ الزمانِ المتجددِ وذلكَ إذا اعتبر تعلقُه بما يتعلقُ به أولاً ثم اعتبرَ استمرارُه، فيتعينُ أن يكونَ ذلك بحسبِ الزمانِ فإنْ أُريدَ باستمرارِ الطَّاعةِ استمرارُها وتجددُها بحسبِ تجددِ مواقعِها الكثيرةِ التي يفصحُ عنه قولُه تعالَى في كثيرٍ من الأمرِ فالحقُّ هو الأولُ ضرورةَ أنَّ مدارَ امتناعِ العنَتِ هو امتناعُ ذلك الاستمرارِ سواءٌ كان ذلكَ الامتناعُ بعدمِ وقوعِ الطاعةِ في أمرٍ ما من تلكَ الأمورِ الكثيرةِ أصلاً أو بعدمِ وقوعِها في كلِّها مع وقوعِها في بعضٍ يسيرٍ منها، حتَّى لو لم يمتنعْ ذلكَ الاستمرارُ بأحدِ الوجهينِ المذكورينِ بل وقعتْ الطاعةُ فيما ذُكِرَ من كثيرٍ من الأمرِ في وقتٍ من الأوقاتِ وقعَ العنتُ قطعاً وإنْ أُريدَ به استمرارُ الطَّاعةِ الواقعةِ في الكلِّ وتجدّدُها بحسبِ تجددِ الزمانِ واستمرارِه فالحقُّ هو الثانِي، فإنَّ مناطَ امتناعِ العنتِ حينئذٍ ليسَ امتناعَ استمرارِ الطاعةِ المذكورةِ ضرورةَ أنَّه موجبٌ لوقوعِ العنتِ بل هُو الاستمرارُ الزمانيُّ لامتناع تلك الطاعةِ الواقعةِ في تلكَ الأمورِ الكثيرةِ بأحدِ الوجهينِ المذكورينِ حتَّى لو لم يستمرَّ امتناعُها بأنْ وقعتْ تلك الطاعةُ في وقتٍ من الأوقاتِ وقعَ العنتُ حتماً واعلمْ أنَّ الأحقَّ بالاختيارِ والأَولى بالاعتبارِ هو الوجهُ الأولُ لأنَّه أوفقُ بالقياسِ المُقتضِي لاعتبارِ الامتناعِ وارداً على الاستمرارِ حسبَ ورودِ كلمةِ لو المفيدةِ للأولِ على صيغةِ المضارعِ المفيدةِ للثانِي، على أنَّ اعتبارَ الاستمرار وارداً على النَّفي على خلافِ القياسِ بمعونةِ المقامِ، إنَّما يصارُ إليهِ إذا تعذرَ الجريانُ على موجبِ القياسِ أو لم يكنْ فيه مزيدُ مزيةٍ كما في قولِه تعالى: {أية : وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } تفسير : [سورة البقرة، الآية 38] حيثُ حملَ على استمرارِ نفي الحزنِ عنُهم إذْ ليسَ في استمرارِ الحزنِ مزيدُ فائدةِ. وأمًّا إذَا انتظمَ الكلامُ مع مراعاةِ موجبِ القياسِ حقَّ الانتظامِ فالعدولُ عنه تمحلٌ لا يخَفْى وقولُه تعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَـٰنَ} الخ تجريدٌ للخطابِ وتوجيهُ لهُ إِلى بعضِهم بطريقِ الاستدراكِ بـياناً لبراءتِهم عنْ أوصافِ الأولينَ وإحماداً لأفعالِهم أيْ ولكنَّهُ تعالَى جعلَ الإيمانَ محبوباً لديكم. {وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ} حَتَّى رسخَ حبُّه فيَها ولذلكَ أتيتُم بَما يليقُ بهِ منَ الأقوالِ والأفعالِ {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ} ولذلكَ اجتنبتُم عَمَّا يليقُ بَها ممَّا لا خيرَ فيهِ منْ آثارها وأحكامِها، ولَمَّا كانَ في التحبـيبِ والتكريِه مَعْنى إنهاءِ المحبةِ والكراهةِ وإيصالِهما إليهم استُعمِلا بكلمةِ إلى وقيلَ هو استدراكٌ ببـيانِ عُذرِ الأولينَ كأنَّه قيلَ لمْ يكُنْ ما صدرَ عنكُم في حَقِّ بَني المصطلقِ منْ خللٍ في عقيدتِكم بلْ من فرطِ حبِّكم للإيمانِ وكراهتِكم للكفرِ والفسوقِ والعصيانِ والأولُ هو الأظهرُ لقولِه تعالَى: {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلرشِدُونَ} أي السالكون إلى الطريق السويّ الموصل إلى الحق، والالتفات إلى الغيبة كالذي في قولِه تعالَى: {أية : وَمَا ءاتَيْتُمْ مّن زكَـاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون } تفسير : [سورة الروم، الآية 39].

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} [الآية: 5]. قال أبو عثمان: الأدب عند الأكابر فى مجالس السادات من الأولياء يبلغ بصاحبه إلى الدرجات العلى، والخير فى الأولى، والعقبى، ألا ترى الله يقول: {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ}.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} شكى الله عن ترك أداب بعضهم فى صحبة رسوله وبين ان الصبر فى حفظ حرمته سبب نيل درجاتهم فى الدنيا والأخرة قال ابو عثمان الادب عند الاكابر وفى مجالس السادات من الاولياء يبلغ لصاحبه الى الدرجات الاعلى والخير فى الاول والعقبى الا ترى الله بقوله ولو انهم صبروا الخ.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولو انهم صبروا} الصبر حبس النفس عن ان تنازع الى هواها {حتى تخرج اليهم} لو مختص بالفعل على ما ذهب اليه المبرد والزجاج والكوفيون فما بعد لو مرفوع على فاعلية لا على الابتدآء على ما قاله سيبويه والمعنى ولو تحقق صبرهم وانتظارهم حتى تخرج اليهم وحتى تفيد أن الصبر ينبغى أن يكون مغيا بخروجه عليه السلام فانها مختصة بما هو غاية للشئ فى نفسه ولذلك تقول اكلت السمكة حتى رأسها ولا تقول حتى نصفها وثلثها بخلاف الى فانها عامة وفى اليهم اشعار بأنه لو خرج لا لاجلهم ينبغى ان يصبروا حتى يفاتحهم بالكلام او يتوجه اليهم {لكان} اى الصبر المذكور {خيرا لهم} من الاستعجال لما فيه من رعاية حسن الادب وتعظيم الرسول الموجبين للثواب والثناء والاسعاف بالمسئول اذ روى انهم وفدوا شافعين فى اسارى بنى العنبر قال فى القاموس العنبر ابو حى من تميم قال ابن عباس رضى الله عنهما بعث رسول الله عليه السلام سرية الى حى بنى العنبر وأمر عليهم عينية بن حصين فلما علموا انه توجه نحوهم هربوا وتركوا عيالهم فسباهم عيينة وقدم بهم على رسول الله فجاء بعد ذلك رجالهم يفدون الذرارى فقدموا وقت الظهيرة ووافقوا رسول الله فتلاقى اهله فلما رأتهم الذرارى اجهشوا الى آبائهم يبكون ولاجهاش كريستن راساختن. يقال اجهش اليه اذا فزع اليه وهو يريد البكاء كالصبى يفزع الى امه وكان لكل امرأة من نساء رسول الله بيت وحجرة فجعلوا ينادون يا محمد اخرج الينا حتى ايقظوه من نومه فخرج اليهم فقالوا يا محمد فادنا عيالنا فنزل جبرآئيل فقال ان الله يأمرك ان تجعل بينك وبينهم رجلا فقال عليه السلام لهم "حديث : أترضون ان يكون بينى وبينكم سبرة بن عمرو وهو على دينكم"تفسير : قالوا نعم قال سبرة انا لا احكم بينهم وعمى شاهد وهو أعور بن بشامة بن ضرار فرضوا به فقال الاعور فأنا أرى ان تفادى نصفهم وتعتق نصفهم فقال عليه السلام "حديث : قد رضيت"تفسير : ففادى نصفهم وأعتق نصفهم وقال مقاتل لكان خيرا لهم لانك كنت تعتقهم جميعا وتطلقهم بلا فدآء {والله غفور رحيم} بليغ المغفرة والرحمة واسعهما فلن تضيق ساحتهم عن هؤلاء المسيئين للادب ان تابوا واصلحوا {قال الكاشفى} والله غفور وخداى تعالى آمر زنده است كسى راكه توبه كند ازبى ادبى رحيم مهربانست باهل ادب كه تعظيم سيد اولوا الالباب ميكنند جه ادب جاذب رحمتست وحرمت جالب نعمت شعر : سرمايه ادب بكف آوركه ابن متاع آلراكه هست سوء ادب نايدش بكف تفسير : وفى هذا المقام امور، الأول ان فى هذه الآية تنبيها على قدر قدره عليه السلام والتأدب معه بكل حال فهم انما نادوه لعدم عقل يعرفون به قدره ولوعرفوا قدره لكانوا كما فى الخبر يقرعون بابه بالاظافير وفى المناداة اشارة الى انهم رأوه من ورآء الحجاب ولو كانوا من اهل الحضور والشهود لما نادوه كما قال بعضهم شعر : كارنادان كوته انديش است يادكردن كسى كه دربيش است تفسير : قال ابو عثمان المغربى قدس سرة الادب عند الاكابر وفى مجلس السادات من الاولياء يبلغ بصاحبه الى الدرجات العلى والخير فى الاول والعقبى فكما لا بد من التأدب معه عليه السلام فكذا مع من استن بسنته كالعلما العالمين وكان جماعة من العلماء يجلسون على باب غيرهم ولا يدقون عليه بابه حتى يخرج لقضاء حاجته احتراما قال ابو عبيدة القاسم بن سلام ما دققت الباب على عالم قط كنت اصبر حتى يخرج الى لقوله تعالى ولو انهم الخ وفى الحديث حديث : ادبنى ربى فأحسن تأديبى تفسير : اى ادبنى احسن تاديب فالفاء تفسير لما قبله قال بعض الكبار من الحكمة توقير الكبير ورحمة الصغير ومخاطبة الناس باللين وقال ان كان خليلك فوقك فاصحبه بالحرمة وان كان كفؤك ونظيرك فاصحبه بالوفاء وان كان دونك فاصحبه بالزهد وان كان فقيرا فاصحبه بالجود وان صحبت صوفيا فاصحبه بالتسليم قال بعض الحكماء عاشروا الناس معاشرة ان متم بكوا عليكم وان غبتم حنوا اليكم. والثانى ذم الجهل ومدح العقل والعلم فان شرف العقل مدرك بضرورة العقل والعلم والحسن حتى ان اكبر الحيوانات شخصا واقواها ابدا اذا رأى الانسان احتشمه وخاف منه لاحساسه بأنه مستول عليه بحيلته واقرب الناس لى باارجة بهائم أجلاف العرب والترك تراهم بالطبع يبالغون فى توقير شيوخهم لان التجربة ميزتهم عنهم بمزيد علم ولذلك روى فى الاثر "الشيخ فى قومه كالنبى فى امته" نظرا الى قوة علمه وعقله لا بقوة شخصه وجماله وشوكته وثروته (وفى المثنوى) شعر : كشتى بى لنكر آمد مردشر كه زباد كزنيابد او حذر لنكر عقلست عاقل را امان لنكرى دريوزه كن از عاقلان تفسير : قال بعض الكبار العاقل كلامه ورآء قلبه فاذا اراد ان يتكلم به امره على قلبه فينظر فيه فان كان له اى لنفعه امضاه وان كان عليه اى لضره امسكه والاحمق كلامه على طرف لسانه وعقله فى حجره اذا قام سقط قال امير المؤمنين على رضى الله عنه لسان العاقل فى قلبه وقلب الاحمق فى فمه والادب صورة العقل ولا شرف مع سوء الادب ولا دآء اعيى من الجهل واذا تم العقل نقص الكلام شعر : هر كرا اندكست مايهُ عقل بيهده كفتنش بودبسيار مردرا عقل جون بيفزايد درمجامع بكا هدش كفتار تفسير : وفى الحديث حديث : كل كلام ابن آدم عليه لا له الا امرا بمعروف او نهيا عن منكر تفسير : وفى حديث آخر حديث : وهل يكب الناس على مناخرهم فى النار الا حصائد ألسنتهمتفسير : . والثالث ما قال بعض الكبار تدبر قوله تعالى {ولو أنهم صبروا} الآية ولا تنظر الى سبب النزول وانتظر خروجه مرة ثانية لقيام الساعة وفتح باب الشفاعة فى هذه الدار نوما او يقظة فى الآخرة وهو الشافع فيهما وفى الحافرة وقد ثبت ان الناس يلتجئون يوم القيامة الى الانبياء ثم وثم الى ان يصلوا اليه فلا يصلون الى المراد الا عنده وفى الحديث "حديث : انا اول ولد آدم خروجا اذا بعثوا وانا قائدهم اذا وفدوا وخطيبهم اذا أنصتوا وانا مبشرهم اذا ابلسوا وانا شفيعهم اذا حشروا ولواء الكرم بيدى وانا اكرم ولد آدم على ربى ولا فخر يطوف على ألف خادم كأنهم لؤلؤ مكنون" شعر : سرخيل انبياء وسبهدار اتقيا سلطان باركاه دنى قائد الامم تفسير : وإنما كان خدامه ألفا لتحققه بألف اسم من اسماء الله سبحانه وتعالى

الجنابذي

تفسير : {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تقوية لجهة الرّجاء، فى المجمع: نزل قوله: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} (الى قوله) {غفورٌ رحيمٌ} فى وفد تميمٍ وهم اشراف بنى تميم فى وفدٍ عظيم، فلمّا دخلوا المسجد نادوا رسول الله (ص) من وراء الحجرات، ان اخرج الينا يا محمّد،.. فاذى ذلك رسول الله (ص) فخرج اليهم فقالوا: جئناك لنفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا، فاذن رسول الله (ص) فقام خطيبهم اوّلا وخطب، فقال رسول الله (ص) لثابت بن قيس: "حديث : قم فاجبه"تفسير : ، فقام وخطب احسن من خطيبهم، ثمّ قام شاعرهم واجابه حسّان بن ثابت، فلمّا فرغوا قال الاقرع بن حابس الّذى كان من اشرافهم: هذا الرّجل خطيبه اخطب من خطيبنا وشاعره اشعر من شاعرنا، واصواتهم اعلى من اصواتنا، فلمّا فرغوا اجازهم رسول الله (ص) فأحسن جوائزهم واسلموا.

الهواري

تفسير : قال عز وجل: {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ} أي: تدفع إليهم ذراريهم بغير فداء {لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} وهي تقرأ على وجه آخر: فتثبتوا. والتبيين والتثبيت بمعنى واحد. {أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}. تفسير الحسن أن الوليد بن عقبة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن بني المصطلِق ارتدوا عن الإسلام ومنعوا الصدقة. فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقال: انطلق وكن قريباً من القوم، ثم انظر هل لهم تهجد من الليل وأذان أو صلاة، تحسس من ذلك وانظر. فأتاهم خالد وأصحابه، ونزلوا قريباً من القوم ليلاً، فسمعوا تهجداً وصلاة من الليل، ثم سمعوا أذاناً لصلاة الصبح. فأتاهم فأخبرهم أن فاسقاً سعى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الوليد بن عقبة، فأخبره أنكم ارتددتم عن الإسلام، ومنعتم الصدقة. فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرني أن أكون قريباً وأتحسس وأنظر هل نسمع تهجداً أو صلاة أو أذاناً. فرحمكم الله وأصلحكم. فدعا لهم وودَّعهم. ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره بذلك؛ فأنزل الله هذه الآية. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتبيّنوا ويتثبّتوا ألا يصيبوا أحداً بجهالة. وقال الكلبي: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق، وهي حي من خزاعة، ليأخذ منهم صدقاتهم، ففرحوا بذلك وركبوا يتلقونه. فبلغه أنهم قد ركبوا يتلقّونه. وكان بينهم ضغن في الجاهلية. فخاف الوليد أن يكونوا إنا ركبوا ليقتلوه. فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلقهم. فقال: يا رسول الله، إن بني المصطلِق منعوا زكاتهم وكفروا بعد إسلامهم. فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يهمّ أن يغزوهم إذ أتاه وفد من بني المصطلِق فقالوا: يا رسول الله، بلغنا أنك أرسلت إلينا من يأخذ صدقاتنا ففرحنا بذلك. وركبنا نتلقاه. فبلغناه أنه رجع، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله. فأنزل الله عذرهم في هذه الآية. فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا}، يعني الوليد بن عقبة, وفسقه هذا فسق نفاق لا فسق شرك.

اطفيش

تفسير : {وَلَوْ} ثبت* {أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ} كما هو الادب* {لَكَانَ} صبرهم* {خَيْراً لَّهُمْ} او لكان ثبوت صبرهم او حسن الادب في طاعة الله وطاعة رسوله خيرا لهم (وصبر) في تأويل مقدر فاعل لمحذوف عند الكوفيين والزمخشري وهو واضح وقال{أية : يس} تفسير : مبتدأ لا خبر له لاشتمال ما بعد ان على المسند اليه والمسند وقيل خبره محذوف مقدر قبله قاله ابن هشام وغيره وبسطته في النحو وروي انهم نادوه وقالوا اخرج الينا يا محمد فان مدحنا زين وذمنا شين فخرج قائلا انما ذمكم الله الذي مدحه زين وذمه شين وانه لما أعطاهم اعطى عمرو بن الأهتم تخلف في ركابهم لحداثة سنة مثل ما اعطاهم فازرى به بعضهم وارتفعت الاصوات ونزل {أية : يَآ أيها الذين آمنوا لا ترفعوا} تفسير : الى قوله* {وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لمن تاب {حَتَّى} مختصة بالغاية المضروبة نحو أكلت السمكة حتى رأسها ولا تقول حتى نصفها او صدرها والى عامة في الكل فأفادت حتى ان خروجه صلى الله عليه وسلم اليهم غاية قد ضربت لصبرهم فما كان لهم ان يقطعوا امرا دون الانتهاء اليه وفائدة قوله اليهم انه لو خرج ولم يكن خروجه اليهم للزمهم ان يصبروا الى ان يعلموا ان خروجه اليهم و {خَيْراً} بمعنى النفع او اسم تفضيل اي (خير) اليهم من الاستعجال لأن في الاستعجال عدم الأدب والتعظيم وفادى نصف الأسارى وقد كان قبل ذلك يريد ان يردهم جميعا بدون فداء ولو صبروا لكان بلا فداء ومن الغفران والرحمة اقتصاره على النصح والتقريع لهؤلاء المسيئين الادب

اطفيش

تفسير : {ولو أنَّهم صَبَروا} عن النداء، لو ثبت تحقق صبرهم، قدرت الفعل لأن أدوات الشرط لا بد من فعل يليها، وقدرت تحقق صبرهم لمكان أن من التأكيد، وهكذا قل فى مثل ذلك ولا تقدر المصدر وحده بلا تقدير لما يدل على معنى التأكيد، وسيبويه يقدر المبتدأ تاليا لأداة الشرط، فقيل: يقدر له خبر، وقيل: لا يقدر، وما ذكرت أولى. {حتَّى تخْرج إليْهم} بلا نداء تأدبا، لأنه صلى الله عليه وسلم عالم بحضورهم من الله، أو بخبر انسان، أو بسماع أصواتهم قبل النداء، لأنهم قد سمعوا نداء بلال رضى الله عنه للصلاة، فهو يخرج لها، أو صبروا عن تكرير النداء، وعن ترك الأدب، واختار حتى عن الى للاختصار، لأن الى قبل المضارع المنصوب لا بد من ذكر ان الناصبة للفعل بعدها، وقيل: لأن الى يجوز أن تكون غاية لمعين عند المتكلم، وغير المعين مثل: لا تكرم زيدا الى أن يجىء، ومدة المجىء لم يعرف المتكلم قدرها وعينها، وحتى لا تكون الا فى المعين، ومدة المكث عن الخروج معلومة عند الله لو يمكث، قلت: لا أسلم هذا الشرط، وانما امتنع: سهرت الليلة حتى ثلثها لعدم ظهور المراد، والمعنى ولو قيل ذلك على تقدير حتى آخر ثلثيها، أو حتى انقضاء ثلثيها لجاز وقوله: شعر : عينت ليلة فمازلت حتى نصفها راجياً فعدت يئوسا تفسير : فمعناه عينت للزيارة ليلة، فمازلت راجيا حتى يتم الوقت المعين للزيارة عندها، أو فى العادة، وهو النصف الأول من الليل، واختار حتى لأنها أظهر دلالة على الغاية المناسبة للحكم، وتخالف ما بعدها وما قبلها. {لكَانَ} ثبوت تحقق صبرهم {خيراً لهم} نفعا زائدا عما حصل لهم بخروجه مع استعجالهم، سوء أدبهم، فخيرا على بابه من التفضيل، لأن خروجه اليهم، وملاقاتهم به، أمر يرغب فيه، ولا سيما أنه قد حصل به لهم الايمان، والمراد خيراً لهم فى الدين، وأدب الدين، وقيل: خيرا لهم بأن يعتقهم كلهم لا نصفا فقط، واذا سلمنا هذا قلنا: خيرا لهم بالدين واعتاق الكل {والله غَفور رَحيمٌ} فلم يهلكهم أو يعذبهم بذلك النداء، أو غفور رحيم لمن أسلم، وذلك لسعة غفرانه ورحمته، كما قال للأقرع لما أسلم: لا يضرك ما مضى أى من اشراك ومعصية ونداء جاف، قال أبو عبيدة، ما دققت بابا على عالم يخرج فى وقت خروجه، وكذا قال قاسم بن سلام الكوفى. وكان ابن عباس يذهب الى أبى لأخذ القرآن والعلم، فيمكث عند بابه حتى يخرج، وقال له يوما: هلا دققت الباب؟ فقال: العالم فى قومه كالنبى فى أمته، وقد قال الله تعالى فى حق نبيه عليه الصلاة والسلام: {ولو أنهَم صبروا حتى تخْرج إليْهم لكان خيراً لهم}.

الالوسي

تفسير : {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } أي ولو ثبت صبرهم وانتظارهم حتى تخرج لكان الصبر خيراً لهم من الاستعجال لما فيه من حفظ الأدب وتعظيم النبـي صلى الله عليه وسلم الموجبين للثناء والثواب أو لذلك والإسعاف بالمسؤول على أوفق وجه وأوقعه عندهم بناءً على حديث الأسارى بأن يطلق عليه الصلاة والسلام الجميع من غير فداء، فأن المفتوحة المؤولة بالمصدر هنا فاعل فعل مقدر وهو ثبت كما اختاره المبرد والقرينة عليه معنى الكلام، فإن (أن) تدل على الثبوت وهو إنما يكون في الماضي حقيقة ولذا يقدر الفعل ماضياً. وضمير {كَانَ } للمصدر الدال عليه {صَبَرُواْ } كما في قولك: من كذب كان شراً له أي الكذب ومذهب سيبويه أن المصدر في موضع المبتدأ فقيل: خبره مقدر أي لو صبرهم ثابت وقيل: لا خبر له؛ وأنت تعلم أن في تقدير الفعل إبقاء {لَوْ } على ظاهرها من دخولها على الفعل فإنها في الأصل شرطية مختصة به، وجوز كون ضمير {كَانَ } لمصدر الفعل المقدر أي لكان ثبوت صبرهم، وصنيع الزمخشري يقتضي أولويته. وأوثرت {حَتَّىٰ } هنا على إلى لأنها موضوعة لما هو غاية في نفس الأمر ويقال له الغاية المضروبة أي المعينة وإلى لما هو غاية في نفس الأمر أو بجعل الجاعل، وإليه يرجع قول المغاربة وغيرهم: إن مجرور حتى دون مجرور إلى لا بد من كونه آخر جزء نحو أكلت السمكة حتى رأسها أو ملاقياً له نحو {أية : سَلَـٰمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ } تفسير : [القدر: 5] ولا يجوز سهرت البارحة حتى ثلثيها أو نصفها فيفيد الكلام معها أن انتظارهم إلى أن يخرج صلى الله عليه وسلم أمر لازم ليس لهم أن يقطعوا أمراً دون الانتهاء إليه، فإن الخروج لما جعله الله تعالى غاية كان كذلك في الواقع، وإلى هذا ذهب الزمخشري، وتوهم ابن مالك أنه لم يقل به أحد غيره، واعترض عليه بقوله:شعر : عينت ليلة فما زلت حتى نصفها راجياً فعدت يؤسا تفسير : وأجيب بأنه على تسليم أنه من كلام من يعتد به - مع أنه نادر شاذ لا يرد مثله نقضاً - مدفوع بأن معنى عينت ليلة عينت وقتاً للزيارة وزيارة الأحباب يتعارف فيها أن تقع في أول الليل فقوله: حتى نصفها بيان لغاية الوقت المتعارف للزيارة الذي هو أول الليل والنصف ملاق له، وهو أولى من قول ابن هشام في «المغني»: إن هذا ليس محل الاشتراط إذ لم يقل: فما زلت في تلك الليلة حتى نصفها وإن كان المعنى عليه، وحاصله أن الاشتراط مخصوص فيما إذا صرح بذي الغاية إذ لا دليل على هذا التخصيص، وخفاء عدم الاكتفاء بتقديم ليلة في صدر البيت. نعم ما ذكر من أصله لا يخلو عن كلام كما يشير إليه كلام صاحب «الكشف»، ولذا قال الأظهر: أنه أوثر حتى تخرج اختصاراً لوجوب حذف أن ووجوب الإظهار في إلى مع أن حتى أظهر دلالة على الغاية المناسبة للحكم وتخالف ما بعدها وما قبلها ولهذا جاءت للتعليل دون إلى. وفي قوله تعالى: {إِلَيْهِمُ } إشعار بأنه عليه الصلاة والسلام لو خرج لا لأجلهم ينبغي أن يصبروا حتى يفاتحهم بالكلام أو يتوجه إليهم فليس زائداً بل قيد لا بد منه. {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } بليغ المغفرة والرحمة فلذا اقتصر سبحانه على / النصح والتقريع لهؤلاء المسيئين الأدب التاركين تعظيم رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد كان مقتضى ذلك أن يعذبهم أو يهلكهم أو فلم تضق ساحة مغفرته ورحمته عز وجل عن هؤلاء إن تابوا وأصلحوا، ويشير إلى هذا قوله صلى الله عليه وسلم للأقرع بعد أن دنا منه عليه الصلاة والسلام وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله: «حديث : ما يضرك ما كان قبل هذا»تفسير : . وفي الآيات من الدلالة على قبح سوء الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى، ومن هذا وأمثاله تقتطف ثمر الألباب وتقتبس محاسن الآداب كما يحكى عن أبـي عبيد وهو في الفضل هو أنه قال: ما دققت باباً على عالم حتى يخرج في وقت خروجه، ونقله بعضهم عن القاسم بن سلام الكوفي، ورأيت في بعض الكتب أن الحبر ابن عباس كان يذهب إلى أُبـيّ في بيته لأخذ القرآن العظيم عنه فيقف عند الباب ولا يدق الباب عليه حتى يخرج فاستعظم ذلك أبـي منه فقال له يوماً: هلا دققت الباب يا ابن عباس؟ فقال: العالم في قومه كالنبـي في أمته وقد قال الله تعالى في حق نبيه عليه الصلاة والسلام: {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } وقد رأيت هذه القصة صغيراً فعملت بموجبها مع مشايخي والحمد لله تعالى على ذلك.

د. أسعد حومد

تفسير : (5) - وَلَوْ أنَّ هؤلاءِ الذِينَ جَاؤُوكَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الحُجُراتِ بِأصْواتٍ مُرْتَفِعَةٍ، صَبَرُوا وَلَمْ يُنَادُوكَ حَتَّى تَخْرُجَ أنْتَ إليهِمْ، لَكَانَ ذَلِكَ خَيْراً لَهُمْ عِنْدَ اللهِ، لأَِنَّهُمْ يَكُونُونَ بِذَلِكَ قَدْ بَرْهَنُوا عَلى مَا يُكِنُّونَهُ لَكَ مِنَ الاحتِرامِ وَالتَّوقِيرِ.

الجيلاني

تفسير : {وَ} بالجملة: {لَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ} حين احتياجهم إليك وإرادتهم صحبتك {حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ} لهدايتهم وإرشادهم بمقتضى شفقة النبوة {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} وأولى من مبادرتهم واستعجالهم إلى النداء {وَٱللَّهُ} المطلع بما في ضمائرهم من الإخلاص {غَفُورٌ} يغفر زلتهم إن وقعت منهم أحياناً {رَّحِيمٌ} [الحجرات: 5] يرحمهم إن كانوا من ذوي الإخلاص مع الله ورسوله. ثم نادى سبحانه عمو المؤمنين المخلصين نداء إرشاد وتعليم؛ تهذيباً لأخلاقهم عما لا يليق بشأن الموحدين، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} مقتضى إيمانكم بالله: حسن الظن بإخوانكم المؤمنين، فعليكم {إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ} منحرف عن عدالة الإيمان والتوحيد {بِنَبَإٍ} وخبر على سبيل الافتراء والمراء {فَتَبَيَّنُوۤاْ} أي: تعرَّفوا وتفحَّصوا واستكشفوا عنه، ولا تبادروا إلى تصديقه؛ كراهة {أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا} أذية وسوءاً بمجرد الظن الكاذب، مع أنكم {بِجَهَالَةٍ} أي: جاهلين بحاله {فَتُصْبِحُواْ} وتصيروا بعدما تصيبوا القوم البريء {عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ} من أذياتهم {نَادِمِينَ} [الحجرات: 6] محزونين مغتمين، كلما تذكرتهم تغممتم. {وَٱعْلَمُوۤاْ} أيها المؤمنون {أَنَّ فِيكُمْ} وبين أظهركم {رَسُولَ ٱللَّهِ} وسنته السنية، الموروثة له من ربه بعد مماته، فعليكم الإطاعة والمراجعة إليه حين حياته، وإلى سننه وشرعه في مطلق الأمور والعرض عليه وعليهما والمشاورة معه، فعليكم ألاَّ تكفلوه إلى قبول ما حسَّنت لكم نفوسكم من الأمور، فإنه {لَوْ يُطِيعُكُمْ} ويقبل قولكم {فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} أتممتم وهلكتم في الإثم ألبتة، واستغرقتم فيه؛ إذ من مقتضى إيمانكم وانقيادكم له أن تفوضوا أموركم كلها إليه، وتستصوبوها منه، فإن صوَّب بعضها فيها، وإلا فلا تكلفوه؛ إذ منصب النبوة ومقتضى الحكمة يأبَى عن ذلك {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ} يعني: لا تعتذروا في إصابة البريء بمجرد القول الباطل والظن الفاسد بمحبة الإيمان وكراهة الكفر، فإنه سبحانه وإن حبب إليكم الإيمن {وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ} المؤدي إليه {وَٱلْعِصْيَانَ} المستلزم له، لكنه إنما حبب الإيمان على مقتضى الصدق والعدالة، وكرَّه الكفر الناشئ عن قصدٍ واختيار، لا أن ينسب إلى من ينسب عن بهتان وزور، فإنه سبحانه لا يرضى لعباده أمثاله، وبالجملة: {أُوْلَـٰئِكَ} المؤمنون، المجتنبون عن الزور والتهمة {هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 7] المقصرون على الرشد والهداية إلى صراط مستقيم، هو صراط التوحيد المشتمل المعتدل بين كلا طرفي الإفراط والتفريط. وإنما صار رشادهم هذا {فَضْلاً} ناشئاً {مِّنَ ٱللَّهِ} المطلع لاستعدادات عباده وقابلياتهم {وَنِعْمَةً} موهوبة لهم من عنده {وَٱللَّهُ } المحيط بعموم أحوال عباده {عَلِيمٌ} لحوائجهم المصلحة {حَكِيمٌ} [الحجرات: 8] في إفاضتها حسب المصلحة. {وَ} من جملة أخلاقكم أيها المؤمنون المعتدلون في مقتضى الإيمان: {إِن} كان {طَآئِفَتَانِ} كلتاهما {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ} عند ثوران القوة الغضبية، وهيجان الحمية الجاهلية من كلا الجانبين بسبب الخصومة المستمرة {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} مهما أمكن الصلح على وفق الحكمة والعدالة {فَإِن بَغَتْ} أي: غوت وغلبت {إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ} بحيث أدت بغيها إلى الإفراط والظلم الخارج عن مقتضى العدالة الإلهية {فَقَاتِلُواْ} بأمر الله، مظاهرين مع الطائفة المغلوبة على الطائفة الغالبة {ٱلَّتِي تَبْغِي} وتغوي {حَتَّىٰ تَفِيۤءَ} وترجع {إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ} وحكمه المترتب على القسط والعدالة {فَإِن فَآءَتْ} ورجعت عن بغيها وطغيانها {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} بعدما وقع ما وقع {بِٱلْعَدْلِ} المنبئ عن الحكمة ورعاية الغبطة بين الجانبين {وَ} بالجملة: {أَقْسِطُوۤاْ} واعتدلوا أيها المؤمنون في عموم أحوالكم وأحكامكم {إِنَّ ٱللَّهَ} المستوي على العدل القويم {يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9] من عباده. وكيف لا تصلحون بينهما أيها المؤمنون المصلحون؛ {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ} الموقنون بوحدة الحق، المصدقون لرسوله المبيِّن لطريق توحيده {إِخْوَةٌ} في الدين القويم {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} بالعدل والإنصاف {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في صلاحكم هذا عن الميل والانحراف {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10] لأجل عدالتكم وتقواكم. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مقتضى إيمانكم ترك المراء والاستهزاء بحيث {لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ} منكم أيها الرجال القوامون المقيمون لحدود الله {مِّن قَوْمٍ} أمثالكم في القيام والتقويم؛ أي: أقوياؤكم ورؤساؤكم من أراذلكم وضعفائكم {عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ} أي: المسخورون المرذولون {خَيْراً مِّنْهُمْ} أي: من الرؤساء الساخرين عند الله، كذا {وَلاَ} لا تسخر منكم {نِسَآءٌ} عاليات متعززات {مِّن نِّسَآءٍ} سافلات مستضعفات {عَسَىٰ أَن يَكُنَّ} أي: المستضعفات {خَيْراً مِّنْهُنَّ} أي من العاليات عند الله، وكن أقرب إلى رحمته سبحانه منهن {وَ} كذا {لاَ تَلْمِزُوۤاْ} أيها المؤمنين ولا تعيبوا {أَنفُسَكُمْ} أي: بعضكم بعضاً؛ إذ المؤمنون كنفس واحدة، فما لحق لهم وعليهم إنما لحق بهم وعليهم جميعاً {وَ} عليكم أن {لاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ} أي: لا يدعوا بعضكم بعضاً باللقب السوء الدال على الذم والقبح، فإن النبذ إنما يستعمل في اللقب السوء، وإنما نهيتم عما نهيتهم؛ لأنه من جملة الفسوق والعصيان المستلزم لأنواع الخيبة والحرمان، المسقط للمروءة والعدالة المترتبة على الحكمة الإلهية. وبالجملة: {بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ} المنبئ عن الخروج والانحراف عن صراط الحق سيما {بَعْدَ ٱلإَيمَانِ} أي: بعد الاتصاف بالإيمان المنبئ عن كمال الاعتدال {وَ} بالجملة: {مَن لَّمْ يَتُبْ} ولم يرجع إلى الله بعدما صار عنه أمثال هذه الجرائم المذكورة هفوة {فَأُوْلَـٰئِكَ} البعداء المصرون على الغواية والطغيان {هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11] المقصورون على الخروج عن مقتضى الحدود الإليهة.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الحجرات: 5] من استعجالهم بالمنارات حتى أيقظوك وقت القيلولة من سوء أدبهم، فأما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين عرفوا قدره، فكانوا كما في الخبر "يقرعون بابه بالأظافير". وبقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ} [الحجرات: 6]، يشير إلى تسويلات النفس الفاسقة الأمارة بالسوء، ومجيئها كل ساعة بنبأ شهوات الدنيا؛ {فَتَبَيَّنُوۤاْ} [الحجرات: 6] ربحها وخسرانها من قبل {أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا} [الحجرات: 6]، من القلوب وصفاتها {بِجَهَالَةٍ} [الحجرات: 6]؛ فإن ما فيه شفاء النفوس وحياتها فيه مرض القلوب ومماتها، {فَتُصْبِحُواْ} [الحجرات: 6] صباح القيامة، وأنتم {عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6]، وفيه أيضاً إشارة إلى ترك الاستماع إلى كلام الساعي والتمام والمغتاب للناس، والآية تدل على قبول خبر الواحد إذا كان عدلاً، والفاسق الخارج من طريق الحق وصراط الطلب. وبقوله: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ} [الحجرات: 7]، يشير إلى رسول الإلهام الرباني جل جلاله في أنفسكم يلهمكم فجور نفسكم وتقواها، {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ} [الحجرات: 7]، أمر النفس الأمارة؛ {لَعَنِتُّمْ} [الحجرات: 7] لوقعتم في الهلاك، {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ} [الحجرات: 7] بالإلهامات الربانية، {وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 7] بقلم الكرم، {وَكَرَّهَ} [الحجرات: 7] بنور نظر العناية {إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ} [الحجرات: 7]، وهو ستر الحق والخروج إلى الباطل، {وَٱلْعِصْيَانَ} [الحجرات: 7] هو الإعراض عن طلب الحق، {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 7] إلى الحق بإرشاد الحق. {فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً} [الحجرات: 8]، منه وينعم به على من يشاء من عباده {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} [الحجرات: 8] بأحوال عباده، {حَكِيمٌ} [الحجرات: 8] فيما يفعل بهم.