Verse. 4618 (AR)

٤٩ - ٱلْحُجُرَات

49 - Al-Hujurat (AR)

يٰۗاَيُّہَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْۗا اِنْ جَاۗءَكُمْ فَاسِقٌۢ بِنَبَاٍ فَتَبَيَّنُوْۗا اَنْ تُصِيْبُوْا قَوْمًۢا بِجَــہَالَۃٍ فَتُصْبِحُوْا عَلٰي مَا فَعَلْتُمْ نٰدِمِيْنَ۝۶
Ya ayyuha allatheena amanoo in jaakum fasiqun binabain fatabayyanoo an tuseeboo qawman bijahalatin fatusbihoo AAala ma faAAaltum nadimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ» خبر «فتبينوا» صدقه من كذبه، وفي قراءة فتثبتوا من الثبات «أن تصيبوا قوما» مفعول له، أي خشية ذلك «بجهالة» حال من الفاعل، أي جاهلين «فتصبحوا» تصيروا «على ما فعلتم» من الخطأ بالقوم «نادمين» وأرسل صلى الله عليه وسلم إليهم بعد عودهم إلى بلادهم خالدا فلم يرَ فيهم إلا الطاعة والخير فأخبر النبي بذلك.

6

Tafseer

الرازي

تفسير : هذه السورة فيها إرشاد المؤمنين إلى مكارم الأخلاق، وهي إما مع الله تعالى أو مع الرسول صلى الله عليه وسلم أو مع غيرهم من أبناء الجنس، وهم على صنفين، لأنهم إما أن يكونوا على طريقة المؤمنين وداخلين في رتبة الطاعة أو خارجاً عنها وهو الفاسق والداخل في طائفتهم السالك لطريقتهم إما أن يكون حاضراً عندهم أو غائباً عنهم فهذه خمسة أقسام أحدها: يتعلق بجانب الله وثانيها: بجانب الرسول وثالثها: بجانب الفساق ورابعها: بالمؤمن الحاضر وخامسها: بالمؤمن الغائب فذكرهم الله تعالى في هذه السورة خمس مرات {يا أيها الذين آمنوا } وأرشدهم في كل مرة إلى مكرمة مع قسم من الأقسام الخمسة فقال أولاً: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } تفسير : [الحجرات: 1] وذكر الرسول كان لبيان طاعة الله لأنها لا تعلم إلا بقول رسول الله، وقال ثانياً: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوٰتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيّ } تفسير : [الحجرات: 2] لبيان وجوب احترم النبي صلى الله عليه وسلم وقال ثالثاً: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ } لبيان وجوب الاحتراز عن الاعتماد على أقوالهم، فإنهم يريدون إلقاء الفتنة بينكم وبين ذلك عند تفسير قوله {أية : وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ } تفسير : [الحجرات: 9] وقال رابعاً: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ } تفسير : [الحجرات: 11] وقال: {أية : وَلاَ تَنَابَزُواْ } تفسير : [الحجرات: 11] لبيان وجوب ترك إيذاء المؤمنين في حضورهم والازدراء بحالهم ومنصبهم، وقال خامساً: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مّنَ ٱلظَّنّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنّ إِثْمٌ } تفسير : [الحجرات: 12] وقال: {أية : وَلاَ تَجَسَّسُواْ } تفسير : [الحجرات: 12] وقال: {أية : وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً }تفسير : [الحجرات: 12] لبيان وجوب الاحتراز عن إهانة جانب المؤمن حال غيبته، وذكر ما لو كان حاضراً لتأذى، وهو في غاية الحسن من الترتيب، فإن قيل: لم لم يذكر المؤمن قبل الفاسق لتكون المراتب متدرجة الابتداء بالله ورسوله، ثم بالمؤمن الحاضر، ثم بالمؤمن الغائب، ثم بالفاسق؟ نقول: قدم الله ما هو الأهم على ما دونه، فذكر جانب الله، ثم ذكر جانب الرسول، ثم ذكر ما يفضي إلى الاقتال بين طوائف المسلمين بسبب الإصغاء إلى كلام الفاسق والاعتماد عليه، فإنه يذكر كل ما كان أشد نفاراً للصدور، وأما المؤمن الحاضر أو الغائب فلا يؤذي المؤمن إلى حد يفضي إلى القتل، ألا ترى أن الله تعالى ذكر عقيب نبأ الفاسق آية الاقتتال، فقال: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ } وفي التفسير مسائل: المسألة الأولى: في سبب نزول هذه الآية، هو أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة، وهو أخو عثمان لأمه إلى بني المصطلق ولياً ومصدقاً فالتقوه، فظنهم مقاتلين، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إنهم امتنعوا ومنعوا، فهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالإيقاع بهم، فنزلت هذه الآية، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم لم يفعلوا من ذلك شيئاً، وهذا جيد إن قالوا بأن الآية نزلت في ذلك الوقت، وأما إن قالوا بأنها نزلت لذلك مقتصراً عليه ومتعدياً إلى غيره فلا، بل نقول هو نزل عاماً لبيان التثبت، وترك الاعتماد على قول الفاسق، ويدل على ضعف قول من يقول: إنها نزلت لكذا، أن الله تعالى لم يقل إني أنزلتها لكذا، والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه أنه بين أن الآية وردت لبيان ذلك فحسب، غاية ما في الباب أنها نزلت في ذلك الوقت، وهو مثل التاريخ لنزول الآية، ونحن نصدق ذلك، ويتأكد ما ذكرنا أن إطلاق لفظ الفاسق على الوليد سيء بعيد، لأنه توهم وظن فأخطأ، والمخطىء لا يسمى فاسقاً، وكيف والفاسق في أكثر المواضع المراد به من خرج عن ربقة الإيمان لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } تفسير : [المنافقون: 6] وقوله تعالى: {أية : فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ } تفسير : [الكهف: 50] وقوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا } تفسير : [السجدة: 20] إلى غير ذلك. المسألة الثانية: قوله تعالى: {إِن جَاءكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ } إشارة إلى لطيفة، وهي أن المؤمن كان موصوفاً بأنه شديد على الكافر غليظ عليه، فلا يتمكن الفاسق من أن يخبره بنبأ، فإن تمكن منه يكون نادراً، فقال: {إِن جَاءَكُمْ } بحرف الشرط الذي لا يذكر إلا مع التوقع، إذ لا يحسن أن يقال: إن احمر البسر، وإن طلعت الشمس. المسألة الثالثة: النكرة في معرض الشرط تعم إذا كانت في جانب الثبوت، كما أنها تعم في الإخبار إذا كانت في جانب النفي، وتخص في معرض الشرط إذ كانت في جانب النفي، كما تخص في الإخبار إذا كانت في جانب الثبوت، فلنذكر بيانه بالمثال ودليله، أما بيانه بالمثال فنقول: إذا قال قائل لعبده: إن كلمت رجلاً فأنت حر، فيكون كأنه قال: لا أكلم رجلاً حتى يعتق بتكلم كل رجل، وإذا قال: إن لم أكلم اليوم رجلاً فأنت حر، يكون كأنه قال: لا أكلم اليوم رجلاً حتى لا يعتق العبد بترك كلام كل رجل، كما لا يظهر الحلف في كلامه بكلام كل رجل إذا ترك الكلام مع رجل واحد، وأما الدليل فلأن النظر أولاً إلى جانب الإثبات، ألا ترى أنه من غير حرف لما أن الوضع للاثبات والنفي بحرف، فقول القائل: زيد قائم، وضع أولاً ولم يحتج إلى أن يقال مع ذلك حرف يدل على ثبوت القيام لزيد، وفي جانب النفي احتجنا إلى أن نقول: زيد ليس بقائم، ولو كان الوضع والتركيب أولاً للنفي، لما احتجنا إلى الحرف الزائد اقتصاراً أو اختصاراً، وإذا كان كذلك فقول القائل: رأيت رجلاً، يكفي فيه ما يصحح القول وهو رؤية واحد، فإذا قلت: ما رأيت رجلاً، وهو وضع لمقابلة قوله: رأيت رجلاً، وركب لتلك المقابلة، والمتقابلان ينبغي أن لا يصدقا، فقول القائل: ما رأيت رجلاً، لو كفى فيه انتفاء الرؤية عن غير واحد لصح قولنا: رأيت رجلاً، وما رأيت رجلاً، فلا يكونان متقابلين، فيلزمنا من الاصطلاح الأول الاصطلاح الثاني، ولزم منه العموم في جانب النفي، إذا علم هذا فنقول: الشرطية وضعت أولاً، ثم ركبت بعد الجزمية بدليل زيادة الحرف وهو في مقابلة الجزمية، وكان قول القائل: إذا لم تكن أنت حراً ما كلمت رجلاً يرجع إلى معنى النفي، وكما علم عموم القول في الفاسق علم عمومه في النبأ فمعناه: أي فاسق جاءكم بأي نبأ، فالتثبت فيه واجب. المسألة الرابعة: متمسك أصحابنا في أن خبر الواحد حجة، وشهادة الفاسق لا تقبل، أما في المسألة الأولى فقالوا علل الأمر بالتوقف بكونه فاسقاً، ولو كان خبر الواحد العدل لا يقبل، لما كان للترتيب على الفاسق فائدة، وهو من باب التمسك بالمفهوم. وأما في الثانية فلوجهين: أحدهما: أمر بالتبين، فلو قبل قوله لما كان الحاكم مأموراً بالتبين، فلم يكن قول الفاسق مقبولاً، ثم إن الله تعالى أمر بالتبين في الخبر والنبأ، وباب الشهادة أضيف من باب الخبر والثاني: هو أنه تعالى قال: {أن تُصِيببُواْ قَوْمَاً بِجَهَالَةٍ } والجهل فوق الخطأ، لأن المجتهد إذ أخطأ لا يسمى جاهلاً، والذي يبني الحكم على قول الفاسق إن لم يصب جهل فلا يكون البناء على قوله جائزاً. المسألة الخامسة: {أن } ذكرنا فيها وجهين أحدهما: مذهب الكوفيين، وهو أن المراد لئلا تصيبوا، وثانيها: مذهب البصريين، وهو أن المراد كراهة أن تصيبوا، ويحتمل أن يقال: المراد فتبينوا واتقوا، وقوله تعالى: {أن تصيبوا قَوْماً } يبين ما ذكرنا أن يقول الفاسق: تظهر الفتن بين أقوام، ولا كذلك بالألفاظ المؤذية في الوجه، والغيبة الصادرة من المؤمنين، لأن المؤمن يمنعه دينه من الإفحاش والمبالغة في الإيحاش، وقوله {بِجَهَالَةٍ } في تقدير حال، أي أن تصيبوهم جاهلين وفيه لطيفة، وهي أن الإصابة تستعمل في السيئة والحسنة، كما في قوله تعالى: {أية : مَّا أَصَـٰبَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ } تفسير : [النساء: 79] لكن الأكثر أنها تستعمل فيما يسوء، لكن الظن السوء يذكر معه، كما في قوله تعالى: {أية : وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ } تفسير : [النساء: 78] ثم حقق ذلك بقوله {فَتُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَـٰدِمِينَ } بياناً لأن الجاهل لا بد من أن يكون على فعله نادماً، وقوله {فَتُصْبِحُواْ } معناه تصيروا، قال النحاة: أصبح يستعمل على ثلاثة أوجه أحدها: بمعنى دخول الرجل في الصباح، كما يقول القائل: أصبحنا نقضي عليه وثانيها: بمعنى كان الأمر وقت الصباح كذا وكذا، كما يقول: أصبح اليوم مريضنا خيراً مما كان، غير أنه تغير ضحوة النهار، ويريد كونه في الصبح على حاله، كأنه يقول: كان المريض وقت الصبح خيراً وتغير ضحوة النهار وثالثها: بمعنى صار يقول القائل أصبح زيد غنياً ويريد به صار من غير إرادة وقت دون وقت، والمراد ههنا هو المعنى الثالث وكذلك أمسى وأضحى، ولكن لهذا تحقيق وهو أن نقول لا بد في اختلاف الألفاظ من اختلاف المعاني واختلاف الفوائد، فنقول الصيرورة قد تكون من ابتداء أمر وتدوم، وقد تكون في آخر بمعنى آل الأمر إليه، وقد تكون متوسطة. مثال الأول: قول القائل صار الطفل فاهماً أي أخذ فيه وهو في الزيادة. مثال الثاني: قول القائل صار الحق بيناً واجباً أي انتهى حده وأخذ حقه. مثال الثالث: قول القائل صار زيد عالماً وقوياً إذا لم يرد أخذه فيه، ولا بلوغه نهايته بل كونه متلبساً به متصفاً به، إذا علمت هذا فأصل استعمال أصبح فيما يصير الشيء آخذاً في وصف ومبتدئاً في أمر، وأصل أمسى فيما يصير الشيء بالغاً في الوصف نهايته، وأصل أضحى التوسط لا يقال أهل الاستعمال لا يفرقون بين الأمور ويستعملون الألفاظ الثلاثة بمعنى واحد، نقول إذا تقاربت المعاني جاز الاستعمال، وجواز الاستعمال لا ينافي الأصل، وكثير من الألفاظ أصله مضى واستعمل استعمالاً شائعاً فيما لا يشاركه، إذا علم هذا فنقول قوله تعالى: {فَتُصْبِحُواْ } أي فتصيروا آخذين في الندم متلبسين به ثم تستديمونه وكذلك في قوله تعالى: {فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً } أي أخذتم في الأخوة وأنتم فيها زائدون ومستمرون، وفي الجملة اختار في القرآن هذه اللفظة لأن الأمر المقرون به هذه اللفظة، إما في الثواب أو في العقاب وكلاهما في الزيادة، ولا نهاية للأمور الإلٰهية وقوله تعالى: {نَـٰدِمِينَ } الندم هم دائم والنون والدال والميم في تقاليبها لا تنفك عن معنى الدوام، كما في قول القائل: أدمن في الشرب ومدمن أي أقام، ومنه المدينة. وقوله تعالى: {فَتُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَـٰدِمِينَ } فيه فائدتان: إحداهما: تقرير التحذير وتأكيده، ووجهه هو أنه تعالى لما قال: {أن تُصِيبُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ } قال بعده وليس ذلك مما لا يلتفت إليه، ولا يجوز للعاقل أن يقول: هب أني أصبت قوماً فماذا علي؟ بل عليكم منه الهم الدائم والحزن المقيم، ومثل هذا الشيء واجب الاحتراز منه. والثانية: مدح المؤمنين، أي لستم ممن إذا فعلوا سيئة لا يلتفتون إليها بل تصبحون نادمين عليها.

القرطبي

تفسير : فيه سبع مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ} قيل: إن هذه الآية نزلت في الوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيْط. وسبب ذلك ما رواه سعيد عن قتادة: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عُقبة مُصَدِّقاً إلى بني المُصْطَلِق؛ فلما أبصروه أقبلوا نحوه فهابهم ـ في رواية: لإحْنَة كانت بينه وبينهم ـ؛ فرجع إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره أنهم قد ارتدّوا عن الإسلام. فبعث نبي الله صلى الله عليه وسلم خالدَ بن الوليد وأمره أن يتثبّت ولا يَعْجَل؛ فانطلق خالد حتى أتاهم ليلاً؛ فبعث عُيُونَه فلما جاءوا أخبروا خالداً أنهم متمسكون بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم؛ فلما أصبحوا أتاهم خالد ورأى صحة ما ذكروه؛ فعاد إلى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فنزلت هذه الآية؛ فكان يقول نبي الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : التأنِّي من الله والعجلة من الشيطان»تفسير : . وفي رواية: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى بني المُصْطَلِق بعد إسلامهم؛ فلما سمعوا به ركبوا إليه، فلما سمع بهم خافهم؛ فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أن القوم قد همّوا بقتله، ومنعوا صدقاتهم. فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بغزوِهم، فبينما هم كذلك إذ قدم وفدهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، سمعنا برسولك فخرجنا إليه لنكرمه، ونؤدي إليه ما قِبَلَنَا من الصدقة، فاستمر راجعاً، وبلغنا أنه يزعم لرسول الله أنا خرجنا لنقاتله، واللّهِ ما خرجنا لذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية؛ وسُمِّيَ الوليدُ فاسقاً أي كاذباً. قال ابن زيد ومقاتل وسهل بن عبد الله: الفاسق الكذاب. وقال أبو الحسن الوراق: هو المعلن بالذنب. وقال ابن طاهر: الذي لا يستحي من الله. وقرأ حمزة والكسائي «فتثبتوا» من التثبت. الباقون «فَتَبَيَّنُوا» من التبيين {أَن تُصِيببُواْ} أي لئلا تصيبوا، فـ «ـأن» في محل نصب بإسقاط الخافض. {قَوْمَا بِجَهَالَةٍ} أي بخطأ. {فَتُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } على العجلة وترك التأنّي. الثانية ـ في هذه الآية دليلٌ على قبول خبر الواحد إذا كان عَدْلاً، لأنه إنما أمر فيها بالتثبت عند نقل خبر الفاسق. ومن ثبت فسقه بطل قوله في الأخبار إجماعاً؛ لأن الخبر أمانة والفسق قرينة يبطلها. وقد استثنى الإجماع من جملة ذلك ما يتعلق بالدعوى والجحود، وإثبات حق مقصود على الغير؛ مثل أن يقول: هذا عبدي؛ فإنه يقبل قوله. وإذا قال: قد أنفذ فلان هذا لك هدية؛ فإنه يقبل ذلك. وكذلك يقبل في مثله خبر الكافر. وكذلك إذا أقرّ لغيره بحق على نفسه فلا يبطل إجماعاً. وأما في الإنشاء على غيره فقال الشافعي وغيره: لا يكون ولِيًّا في النكاح. وقال أبو حنيفة ومالك: يكون ولِيًّا؛ لأنه يَلِي ما لها فيلي بُضْعَها. كالعدل، وهو وإن كان فاسقاً في دينه إلا أن غيرَتْه موفّرة وبها يحمي الحريم، وقد يبذل المال ويصون الحرمة؛ وإذا وَلِيَ المال فالنكاح أوْلَى. الثالثة ـ قال ابن العربي: ومن العَجَب أن يجوّز الشافعي ونظراؤه إمامة الفاسق. ومن لا يؤتمن على حبة مالٍ (كيف) يصحّ أن يؤتمن على قنطار دَيْن. وهذا إنما كان أصله أن الولاة الذين كانوا يصلّون بالناس لما فسدت أديانهم ولم يمكن ترك الصلاة وراءهم، ولا اسْتُطِيعت إزالتهم صُلِّيَ معهم ووراءهم؛ كما قال عثمان: الصلاة أحسن ما يفعل الناس؛ فإذا أحسنوا فأحسن، وإذا أساءوا فٱجتنب إساءتهم. ثم كان من الناس من إذا صلّى معهم تَقِيّةً أعادوا الصلاة للّه، ومنهم من كان يجعلها صلاته. وبوجوب الإعادة أقول؛ فلا ينبغي لأحد أن يترك الصلاة مع من لا يرضى من الأئمة، ولكن يعيد سِرًّا في نفسه، ولا يؤثر ذلك عند غيره. الرابعة ـ وأما أحكامه إن كان والياً فينفذ منها ما وافق الحق ويردّ ما خالفه، ولا ينقض حكمه الذي أمضاه بحال؛ ولا تلتفتوا إلى غير هذا القول من رواية تؤثر أو قول يحكى؛ فإن الكلام كثير والحق ظاهر. الخامسة ـ لا خلاف في أنه يصح أن يكون رسولاً عن غيره في قول يبلغه أو شيء يوصله، أو إذن يعلمه؛ إذا لم يخرج عن حق المرسِل والمبلِّغ؛ فإن تعلّق به حق لغيرهما لم يقبل قوله. وهذا جائز للضرورة الداعية إليه؛ فإنه لو لم يتصرف بين الخلق في هذه المعاني إلا العدول لم يحصل منها شيء لعدمهم في ذلك. والله أعلم. السادسة ـ وفي الآية دليل على فساد قول من قال: إن المسلمين كلهم عدول حتى تثبت الجُرحة؛ لأن الله تعالى أمر بالتثبت قبل القبول، ولا معنى للتثبت بعد إنفاذ الحكم؛ فإن حكم الحاكم قبل التثبت فقد أصاب المحكوم عليه بجهالة. السابعة ـ فإن قضى بما يغلب على الظن لم يكن ذلك عملاً بجهالة؛ كالقضاء بالشاهدين العدلين، وقبول قول العالم المجتهد. وإنما العمل بالجهالة قبول قول من لا يحصل غلبة الظن بقبوله. ذكر هذه المسألة القُشَيْرِي، والذي قبلها المَهْدَوِي.

ابن كثير

تفسير : يأمر تعالى بالتثبت في خبر الفاسق؛ ليحتاط له لئلا يحكم بقوله، فيكون في نفس الأمر كاذباً أو مخطئاً، فيكون الحاكم بقوله قد اقتفى وراءه، وقد نهى الله عز وجل عن اتباع سبيل المفسدين، ومن هاهنا امتنع طوائف من العلماء من قبول رواية مجهول الحال؛ لاحتمال فسقه في نفس الأمر، وقبلها آخرون لأنا إنما أمرنا بالتثبت عند خبر الفاسق، وهذا ليس بمحقق الفسق لأنه مجهول الحال، وقد قررنا هذه المسألة في كتاب العلم من شرح البخاري، ولله تعالى الحمد والمنة، وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدقات بني المصطلق، وقد روي ذلك من طرق، ومن أحسنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده من رواية ملك بني المصطلق، وهو الحارث بن ضرار والد جويرية بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله عنها. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن سابق، حدثنا عيسى بن دينار، حدثني أبي: أنه سمع الحارث بن ضرار الخزاعي رضي الله عنه يقول: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه وأقررت به. ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها، وقلت: يا رسول الله أرجع إليهم فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة، فمن استجاب لي جمعت زكاته، وترسل إلي يا رسول الله رسولاً إبان كذا وكذا ليأتيك بما جمعت من الزكاة. فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له، وبلغ الإبان الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه، احتبس عليه الرسول ولم يأته، وظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من الله تعالى ورسوله، فدعا بسروات قومه، فقال لهم: إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان وقت لي وقتاً يرسل إلي رسوله؛ ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلف، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطة، فانطلقوا بنا نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق، أي خاف، فرجع حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن الحارث قد منعني الزكاة وأراد قتلي، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث البعث إلى الحارث رضي الله عنه، وأتى الحارث بأصحابه، حتى إذا استقبل البعث، وفصل عن المدينة، لقيهم الحارث فقالوا: هذا الحارث، فلما غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم؟ قالوا: إليك. قال: ولم؟ قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليك الوليد بن عقبة، فزعم أنك منعته الزكاة، وأردت قتله، قال رضي الله عنه: لا والذي بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق ما رأيته بتة، ولا أتاني. فلما دخل الحارث على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : منعت الزكاة وأردت قتل رسولي؟» تفسير : قال: لا، والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا أتاني وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، خشيت أن يكون كانت سخطة الله تعالى ورسوله. قال: فنزلت الحجرات: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ} إلى قوله: {حَكِيمٌ} رواه ابن أبي حاتم عن المنذر بن شاذان التمار عن محمد بن سابق به، ورواه الطبراني من حديث محمد بن سابق به، غير أنه سماه: الحارث بن سرار، والصواب أنه الحارث بن ضرار كما تقدم. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا جعفر بن عون عن موسى بن عبيدة عن ثابت مولى أم سلمة، عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً في صدقات بني المصطلق بعد الوقيعة، فسمع بذلك القوم، فتلقوه يعظمون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله، قالت: فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن بني المصطلق قد منعوني صدقاتهم. فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، قالت: فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فصفوا له حين صلى الظهر، فقالوا: نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله، بعثت إلينا رجلاً مصدقاً، فسررنا بذلك، وقرت به أعيننا، ثم إنه رجع من بعض الطريق فخشينا أن يكون ذلك غضباً من الله تعالى ومن رسوله صلى الله عليه وسلم فلم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال رضي الله عنه، فأذن بصلاة العصر. قالت: ونزلت: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ أَن تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}. وروى ابن جرير أيضاً من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق؛ ليأخذ منهم الصدقات، وإنهم لما أتاهم الخبر فرحوا وخرجوا يتلقون رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه لما حدث الوليد أنهم خرجوا يتلقونه، رجع الوليد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك غضباً شديداً، فبينا هو يحدث نفسه أن يغزوهم، إذ أتاه الوفد فقالوا: يا رسول الله إنا حدثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق، وإنا خشينا أن ما رده كتاب جاء منك لغضب غضبته علينا، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، وإن النبي صلى الله عليه وسلم استغشهم وهم بهم، فأنزل الله تبارك وتعالى عذرهم في الكتاب فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ} إلى آخر الآية. وقال مجاهد وقتادة: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق؛ ليصدقهم، فتلقوه بالصدقة، فرجع فقال: إن بني المصطلق قد جمعت لك لتقاتلك، زاد قتادة: وإنهم قد ارتدوا عن الإسلام. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد رضي الله عنه إليهم، وأمره أن يتثبت ولا يعجل، فانطلق حتى أتاهم ليلاً، فبعث عيونه، فلما جاؤوا، أخبروا خالداً رضي الله عنه أنهم مستمسكون بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالد رضي الله عنه، فرأى الذي يعجبه، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فأنزل الله تعالى هذه الآية. قال قتادة: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : التثبث من الله، والعجلة من الشيطان» تفسير : وكذا ذكر غير واحد من السلف منهم ابن أبي ليلى ويزيد بن رومان والضحاك، ومقاتل بن حيان، وغيرهم في هذه الآية: أنها أنزلت في الوليد بن عقبة، والله أعلم. وقوله تعالى: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ} أي اعلموا أن بين أظهركم رسول الله، فعظموه ووقروه، وتأدبوا معه وانقادوا لأمره، فإنه أعلم بمصالحكم، وأشفق عليكم منكم، ورأيه فيكم أتم من رأيكم لأنفسكم كما قال تبارك وتعالى: {أية : ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} تفسير : [الأحزاب: 6] ثم بين أن رأيهم سخيف بالنسبة إلى مراعاة مصالحهم، فقال: {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} أي لو أطاعكم في جميع ما تختارونه، لأدى ذلك إلى عنتكم وحرجكم، كما قال سبحانه وتعالى: {أية : وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَـٰهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ} تفسير : [المؤمنون: 71] وقوله عز وجل: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} أي حببه إلى نفوسكم، وحسنه في قلوبكم. قال الإمام أحمد: حدثنا بهز حدثنا علي بن مسعدة، حدثنا قتادة عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : الإسلام علانية، والإيمان في القلب ــــ قال: ثم يشير بيده إلى صدره ثلاث مرات ثم يقول: ــــ التقوى ههنا، التقوى ههنا» تفسير : {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ} أي وبغض إليكم الكفر والفسوق وهي الذنوب الكبار والعصيان، وهي جميع المعاصي، وهذا تدريج لكمال النعمة، وقوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَٰشِدُونَ} أي المتصفون بهذه الصفة هم الراشدون الذين قد آتاهم الله رشدهم. قال الإمام أحمد: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، حدثنا عبد الواحد بن أيمن المكي عن أبي رفاعة الزرقي عن أبيه قال: لما كان يوم أحد، وانكفأ المشركون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : استووا حتى أثني على ربي عز وجل» تفسير : فصاروا خلفه صفوفاً، فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت. اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول. اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة، والأمن يوم الخوف. اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا، ومن شر ما منعتنا. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب، إله الحق» تفسير : ورواه النسائي في اليوم والليلة عن زياد بن أيوب عن مروان بن معاوية عن عبد الواحد بن أيمن عن عبيد بن رفاعة عن أبيه به. وفي الحديث المرفوع: «حديث : من سرته حسنته وساءته سيئته، فهو مؤمن» تفسير : ثم قال: {فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً} أي هذا العطاء الذي منحكموه هو فضل منه عليكم ونعمة من لدنه، {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية، حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدرته.

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل في الوليد بن عقبة وقد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق مصدقا فخافهم لترة كانت بينه وبينهم في الجاهلية فرجع وقال إنهم منعوا الصدقة وهموا بقتله فهمّ النبي صلى الله عليه وسلم بغزوهم فجاؤوا منكرين ما قاله عنهم. { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ } خبر {فَتَبَيَّنُواْ } صدقه من كذبه، وفي قراءة «فتثبتوا» من الثبات {أن تُصِيبُواْ قَوْماً } مفعول له أي خشية ذلك {بِجَهَالَةٍ } حال من الفاعل أي جاهلين {فَتُصْبِحُواْ } تصيروا {عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ } من الخطأ بالقوم {نَٰدِمِينَ } وأرسل صلى الله عليه وسلم إليهم بعد عودهم إلى بلادهم خالداً فلم ير فيهم إلا الطاعة والخير فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِق بِنَبَإِ فَتَبَيَّنُواْ} الآية. نزلت هذه الآية في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وسبب نزولها ما رواه سعيد عن قتادة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم بعث الوليد ابن عقبة مصدقاً لبني المصطلق، فلما أبصروه أقبلوا نحوه، فهابهم فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإسلام، فبعث نبي الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد وأمره أن يثبت ولا يعجل، فانطلق خالد حتى أتاهم ليلاً فبعث عيونه، فلما جاءوا أخبروا خالداً أنهم متمسكون بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا، أتاهم خالد ورأى صحة ما ذكروه، فعادوا إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه، فنزلت هذه الآية. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : التأني من الله والعجلة من الشيطانتفسير : . وفي هذه الآية دليل على أن خبر الواحد مقبول إذا كان عدلاً. قوله عز وجل: {وَاعْلَمُواْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأمْرِ لَعَنِتَّمُ} فيه خمسة تأويلات: أحدها: لأثمتم، قاله مقاتل. الثاني: لاتهمتم، قاله الكلبي. الثالث: لغويتم. الرابع: لهلكتم. الخامس: لنالتكم شدة ومشقة. قال قتادة: هؤلاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لو أطاعهم في كثير من الأمر لعنتوا، فأنتم والله أسخف رأياً وأطيش عقولا. {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ} فيه وجهان: أحدهما: حسنه عندكم، قاله ابن زيد. الثاني: قاله الحسن. بما وصف من الثواب عليه. {وَزَيَّنَةُ فِي قُلُوبِكُمْ} فيه وجهان: أحدهما: بما وعد عليه في الدنيا من النصر وفي الآخرة من الثواب، قاله ابن بحر. الثاني: بالدلالات على صحته. {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} فيه وجهان: أحدهما: أنه الكذب خاصة، قاله ابن زيد. الثاني: كل ما خرج عن الطاعة.

ابن عبد السلام

تفسير : {جَآءَكُمْ فَاسِقٌ} الوليد بن عقبة بن أبي معيط بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق مصدقاً وأقبلوا نحوه فهابهم فرجع وأخبر الرسول صلى الله عليه سلم أنهم ارتدوا عن الإسلام فأرسل خالداً وأمره بالتثبت فأرسل خالد عيونه فرأوا أذانهم وصلاتهم فأخبروا خالداً فلما علم ذلك منهم أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم فنزلت.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق بعد الوقعة مصدقاً وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، فلما سمع به القوم تلقوه تعظيماً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله، فهابهم فرجع من الطريق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أن يغزوهم فبلغ القوم رجوع الوليد فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نتلقاه ونكرمه ونؤدي له ما قبلناه من حق الله فبدا له الرجوع فخشينا أنه إنما رده من الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا وإنا نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله فاتهمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث خالد بن الوليد خفية في عسكر وأمره أن يخفي عليهم قدومه، وقال: انظر فإن رأيت منهم ما يدل على إيمانهم فخذ منهم زكاة أموالهم وإن لم تر ذلك، فاستعمل فيهم ما تستعمل في الكفار ففعل ذلك خالد. فوافاهم فسمع منهم أذان المغرب والعشاء فأخذ منهم صدقاتهم ولم ير منهم إلا الطاعة والخير فانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره الخبر فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق} يعني الوليد بن عقبة. وقيل: هو عام نزلت لبيان التثبت وترك الاعتماد على قول الفاسق وهو أولى من حكم الآية على رجل بعينه، لأن الفسوق خروج عن الحق ولا يظن بالوليد ذلك إلا أنه ظن وتوهم فأخطأ، فعلى هذا يكون معنى الآية: إن جاءكم فاسق بنبأ، أي بخبر، فتبينوا. وقرىء: فتثبتوا، أي: فتوقفوا واطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة ولا تعتمدوا على قول الفاسق {أن تصيبوا} أي كيلا تصيبوا بالقتل والسبي {قوماً بجهالة} أي جاهلين حاله وحقيقة أمرهم {فتصبحوا على ما فعلتم} أي من إصابتكم بالخطأ {نادمين واعلموا أن فيكم رسول الله} أي: قاتقوا الله أن تقولوا باطلاً أو تكذبوه فإن الله يخبره ويعرفه حالكم فتفتضحوا {لو يطيعكم} أي الرسول {في كثير من الأمر} أي مما تخبرونه به فيحكم برأيكم {لعنتم} أي لأثمتم وهلكتم عن أبي سعيد الخدري "حديث : أنه قرأ {واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم} قال:هذا نبيكم يوحى إليه وخيار أئمتكم لو أطاعهم في كثير من الأمر لعنتوا فكيف بكم اليوم" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح غريب {ولكن الله حبب إليكم الإيمان} أي جعله أحب الأديان إليكم {وزينه} أي حسنة وقربه منكم وأدخله {في قلوبكم} حتى اخترتموه لأن من أحب شيئاً إذا طال عليه قد يسأم منه والإيمان في كل يوم يزداد في القلب حسناً وثباتاً وبذلك تطيعون رسول الله صلى الله عليه وسلم {وكره إليكم الكفر والفسوق} قال ابن عباس: يريد الكذب {والعصيان} جميع معاصي الله تعالى وفي هذه لطيفة، وهو أن الله تعالى ذكر هذه الثلاثة الأشياء في مقابلة الإيمان الكامل المزين في القلب المحبب إليه. والإيمان الكامل: ما اجتمع فيه ثلاثة أمور: تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان. فقوله: وكره إليكم الكفر في مقابله. قوله: حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وهو التصديق بالجنان والفسوق وهو الكذب في مقابلة الإقرار باللسان فكره إلى عبده المؤمن الكذب وهو الجحود وحبب إليه الإقرار بشهادة الحق والصدق وهو: لا إله إلا الله. والعصيان في مقابلة العمل بالأركان فكره إليه العصيان وحبب إليه العمل الصالح بالأركان ثم قال تعالى: {أولئك هم الراشدون} إشارة إلى المؤمنين المحبب إليهم الإيمان المزين في قلوبهم أي: أولئك هم المهتدون إلى محاسن الأعمال ومكارم الأخلاق {فضلاً من الله} أي فعل ذلك بكم فضلاً منه {ونعمة} عليكم {والله عليم} أي بكم وبما في قلوبكم {حكيم} في أمره بما تقتضيه الحكمة وقيل عليم بما في خزائنه من الخير والرحمة والفضل والنعمة حكيم بما ينزل من الخير بقدر الحاجة إليه على وفق الحكم. قوله عز وجل: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا}. (ق) عن أنس قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم لو أتيت عبد الله بن أبيّ. فانطلق إليه النبي صلى الله عليه وسلم فركب حماراً وانطلق المسلمون يمشون معه وهي أرض سبخة، فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم قال: إليك عني والله لقد آذاني نتن حمارك. فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحاً منك. فغضب لعبد الله رجل من قومه، فتشاتما، فغضب لكل واحد منهما أصحابه فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال فبلغنا أنها نزلت فيهم: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما. ويروى أنها لما نزلت قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم فأصلحوا وكف بعضهم عن بعض. (ق) عن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار عليه إكاف تحته قطيفة فدكية وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر قال: فسار حتى مر على مجلس فيه عبد الله بن أبي ابن سلول وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبيّ. وإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأصنام واليهود وفي المسلمين عبد الله بن رواحة فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبيّ أنفه بردائه ثم قال: لا تغيروا علينا. فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله تعالى وقرأ عليهم القرآن فقال عبد الله بن أبي ابن سلول: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقاً فلا تؤذونا به في مجالسنا وارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله فاغشنا في مجالسنا فإنا نحب ذلك. واستبَّ المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا ثم ركب النبي صلى الله عليه وسلم دابته. وقال قتادة: نزلت في رجلين من الأنصار كان بينهما مماراة في حق بينهما فقال أحدهما للآخر: لآخذن حقي منك عنوة لكثرة عشيرته، وإن الآخر دعاه ليحاكمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأبى أن يتبعه فلم يزل الأمر بينهما حتى تدافعوا وتناول بعضهم بعضاً بالأيدي والنعال ولم يكن قتال بالسيوف. وقيل: كانت امرأة من الأنصار يقال لها أم زيد تحت رجل وكان بينهما وبين زوجها شيء فرقي بها إلى علية فحبسها فيها، فبلغ ذلك قومها فجاؤوا وجاء معه قومه، فاقتتلوا بالأيدي والنعال، فأنزل الله عز وجل: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا. وقيل: المراد من الطائفتين الأوس والخزرج. {فأصلحوا بينهماْ} أي بالدعاء إلى حكم كتاب الله والرضا بما فيه لهما وعليهما {فإن بغت} أي تعدت {إحداهما على الأخرى} وأبت الإجابة إلى حكم كتاب الله {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء} أي ترجع {إلى أمر الله} أي إلى كتابه الذي جعله حكماً بين خلقه. وقيل: ترجع إلى طاعته في الصلح الذي أمر به {فإن فاءت} أي رجعت إلى الحق {فأصلحوا بينهما بالعدل} اي الذي يحملهما على الإنصاف والرضا بحكم الله {وأقسطوا} أي اعدلوا {إن الله يحب المقسطين} أي العادلين.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ} قال المفسرون: نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط وهو أخو عثمان لأمه بعثه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى بني المصطلق بعد الموقعة والياً ومصدقاً، وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية فلما سمع به القوم تَلقَّوْه تعظيماً لأمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فحثه الشيطان أنهم يريدون قتله فهابهم فرجع من الطريق إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال: إنهم منعوا صدقاتهم وأراد قتلي، فغضب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهمَّ أن يَغْزُوَهُمْ فبلغ القومَ رجوعُه فأتوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالوا: يا رسول الله: سَمِعْنَا برسُولك فخرجنا نتلقاه ونكرمه ونؤدي إليه ما قبلنا من حق الله تعالى فأبطأ في الرجوع فخشينا أنه إنما ردّه من الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله. فاتَّهمُهمْ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبعث خالدَ بنَ الوليد خفْيةً في عسكره وقال: انظر فإن رأيت منهم ما يدل على إيمانهم فخذ منهم زكاة أموالهم وإن لم تَرَ ذلك فاستعمل فيهم ما يستعمل في الكفار، ففعل ذلك خالد ووافاهم فسمع منهم أذان صلاتي المغرب والعشاء فأخذ منهم صدقاتهم ولم يَرَ منهم إلا الطاعة والخَيْرَ وانصرف إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأخبره فنزل {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ} يعني الوليد بن عقبة "بِنَبأ" بخبر، {فَتَبَيَّنُوۤاْ أَن تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ} كيلا تصيبوا بالقتل والقتال قوماً بجهالة {فَتُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ} من إصابتكم بالخَطَأ، "نَادِمينَ". قال ابن الخطيب: وهذا ضعيف، لأن الله تعالى لم يقل: إني أنزلتها لكذا والنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ لم ينقل عنه أنه قال: وردت الآية لبيان ذلك حسب، غاية ما في الباب أنها نزلت في ذلك الوقت وهو مثل تاريخ نزول الآية، ومما يصدِّق ذلك ويؤكده أن إطلاق لفظ الفاسق على الوليد، بعيد لأنه توهم وظن فأخطأ، والمخطىء لا يسمَّى فاسقاً، وكيف والفاسق في أكثر المواضع المراد به من خرج عن رتبة الإيمان، كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ}تفسير : [المنافقون:6] وقوله تعالى: {أية : فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}تفسير : [الكهف:50] وقوله: {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا}تفسير : [السجدة:20] إلى غير ذلك؟!. فصل دلت الآية على أن خبر الواحد حجة وشهادة الفاسق لا تقبل أما في المسألة الأولى فلأنه علل الأمر بالتوقف بكونه فاسقاً ولو كان خبر الواحد العدل لا يقبل لما كان للترتيب على النسق فائدة وأما في المسألة الثانية فلوجهين: أحدهما: أنه أمر بالتبين وقيل قوله كان الحاكم مأموراً بالتبين، فلم يفد قوله الفاسق شيئاً، ثم إنَّ الله تعالى أمر بالتبين في الخبر والنبأ وباب الشهادة أضيق من باب الخبر. الثاني: أنه تعالى قال: {أَن تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ}، والجهل فوق الخطأ؛ لأن المجتهد إذا أخطأ لا يسمى جاهلاً فالذي يبني الحكم على قول الفاسق إن لم يصب جاهلاً فلا يجوز البناءُ على قَوْلِهِ. قوله: "أَنْ تُصِيبُوا" مفعول له كقوله: "أَنْ تَحْبَطَ". قال ابن الخطيب: معناه على مذهب الكوفيين لئَلاّ تُصِيبُوا، وعلى مذهب البصريين كَرَاهَةَ أَنْ تُصِيبُوا. قال: ويحتمل أن يكون المراد فتبينوا واتقوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين، فقوله "بِجَهَالةٍ" في تقدير حال أي تُصيبوهُمْ جَاهلينَ، ثم حقق ذلك بقوله: {فتصبحوا على ما فعلتم نادمين}. وهذا بيان، لأن الجاهل لا بد وأن يندم على فِعْلِهِ. وقوله: "تصبحوا" معناه تصيبوا. قال النحاة: أصبح يستعمل على ثلاثة أوجه: أحدها: بمعنى دخول الإنسان في الصباح. والثاني: بمعنى كان الأمر وقت الصباح كما يقال: أصبحَ المريضُ اليومَ خَيْراً مما كان يريد كونه في وقت الصبح على حالةِ خير. الثالث: بمعنى صار كقوله: "أصْبحَ زَيدٌ غَنيّاً" أي صار من غير إرادة وقتٍ دونَ وقتٍ. وهذا هو المراد من الآية. وكذلك "أمسى وأَضْحَى". قال ابن الخطيب: والصيرورة قد تكون من ابتداء أمرٍ وَتدُومُ وقد تكون في آخر الأمر بمعنى آل الأمر إليه، وقد تكون متوسطة؛ فمثال الأول قولك: صَارَ الطِّفْل فاهِماً حَدُّهُ. ومثال الثالث قولك: صَار زيدٌ عالماً إذا لم ترد أخذه فيهِ ولا بلوغه ونهايته بل كونه ملتبساً به. وإذا علم هذا فنقول: أصلُ استعمال أصبح فيما يصير الشيء بالغاً في الوصف نهايته وأصل أضحى التوسط، لا يقال: أهل الاستعمال لا يفرقون بين الأمور ويستعملون الألفاظ الثلاثة بمعنى واحداً، لأنَّا نقول: إذا تقارَبتِ المعاني جاز الاستعمال، وجواز الاستعمال لا ينافي الأصل، وكثير من الألفاظ أصله معنى واستعمل استعمالاً شائعاً فيما يشاركه. وإذا علم هذا فقوله تعالى "فَتُصْبِحُوا" أي فتَصِيروا آخذين في الندم ثم تَسْتَدِيمُونَهُ، وكذلك في قوله: {أية : فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً}تفسير : [آل عمران:103] أي أخذتم في الأخوَّة وأنتم فيها زائدونَ مستمرُّون. قوله: "نَادِمينَ" الندم هَمٌّ دائم، والنون والدال والميم في تقلبها لا تَنْفَكُّ عن معنى الدوام كقول القائل: أدْمَنَ في الشُّرْب ومُدْمِنٌ أي أقام ومنه: المَدِينَةُ. قوله: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ} فاتقوا الله أن تقولوا باطلاً أو تكذِّبوه فإن الله يخبرُه ويعرفُه أحوالكم فتفْتَضِحُوا. قوله: {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ} يجوز أن يكون حالاً إما من الضمير المجرور في قوله: "فِيكُمْ" وإمَّا من المرفوع المستتر في "فِيكُمْ" لوقوعه خبراً. ويجوز أن يكون مستأنفاً، إلا أنّ الزمخشري منع هذا، لأدائه إلى تنافر النظم. ولا يظهر ما قاله بل الاستئناف واضحٌ أيضاً. وأتى بالمضارع بعد "لو" دلالة على أنه كان في إرادتهم استمرارُ عمله على ما يَسْتَصوبُونَ. فصل نقل ابن الخطيب أن الزمخشريَّ قال: وجه التعليق هو أن قوله: "لو يطيعكم" في تقدير حال الضمير المرفوع في قوله: فيكم، والتقدير: كائن فيكم أو موجود فيكم على حالٍ تريدون أن يُطِيعَكُمْ أو يفعل باستصوابكم فلا ينبغي أن يكون على تلك الحال لو فعل ذلك لَعِنتُّمْ أي وقعتم في شدة أو أَثِمْتُمْ وهَلَكْتُمْ والعَنَتُ الإثْمُ والهَلاَكُ. ثم قال: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلأِيمَانَ}. وهذا خطاب مع بعض المؤمنين غير المخاطبين بقوله: "لَوْ يُطِيعُكُمْ". قال الزمخشري: اكتفى بالتغاير في الصفة واختصر، ولم يقل: حبَّب إلى بعضكم الإيمان وقال أيضاً بأن قوله تعالى: "لَوْ يطيعكم" بدل "أطاعكم" إشارة إلى أنهم كانوا يريدون استمرار تلك الحالة ودوام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على العمل باستصوابهم لكن يكون ما بعدها على خلاف ما قبلها. وههنا كذلك ,وإن لم يحصل المخالفة بصريح اللفظ؛ لأن اختلاف المخاطبين في الوصف يدلنا على ذلك، لأن المخاطبين أولاً بقوله: "لَوْ يُطِيعُكُمْ" هم الذي أرادوا أن يكون عملهم لمراد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا ما قاله الزمخشري، واختاره وهو حسن قال: والذي يَجُوز أنْ يقال وكأنه هو الأقوى أن الله تعالى قال: إِن جَآءَكُمْ فاسق بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا واكشفوا. (ثم) قال بعده: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ} أي الكشف سهل عليكم بالرجوع إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإنه فيكم مبيِّن مُرْشد، وهذا كما يقول القائل عند اختلاف تلاميذ الشيخ في مسألة: هذا الشَّيْخُ قاَعِدُ، لا يريد به بيان قعوده وإنما يريد أمرهم بمراجعته؛ لأن المراد لا يطيعكم في كثير من الأمر، وذلك لأن الشيخ إذا كان يعتمد على قول التلاميذ لا يطمئن قلوبهم بالرجوع إليه وإن كان لا يذكر إلا للنقل الصحيح وتقريره بالدليل القوي يراجعه كل أحد فكذلك ههنا فاسترشدوه فإنه يعلم ولا يطيع أحداً فلا يوجد فيه حيف ولا يروج عليه زيف. والذي يدل عليه أن المراد من قوله: لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّم لبيان امتناع الشرط لامتناع الجزاء، كما في قوله تعالى: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا}تفسير : [الأنبياء:22] وقوله: {أية : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً}تفسير : [النساء:82] وذلك يدل على أنه ليس فيهما آلهة وأنه ليس من عند غير الله. قوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلأِيمَانَ} هذا استدراك من حيث المعنى لا من حيث اللفظ لأن من حبب إليه الإيمان غايرت صفتُهُ صفة من تقدَّم ذِكْرُهُ. فصل {حبب إليكم الإيمان} فجعله أحبّ الأديان إليكم "وزَّيَّنَهُ" حسنه "فِي قُلُوبِكُمْ" حتى اخترتموه {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ} قال ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ يريد الكذب "والعِصْيَانَ" جميع مَعَاصِي الله. ثم عاد من الخطاب إلى الخبر فقال: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ}. فصل قال ابن الخطيب: بعد ذكره الكلام المتقدم: وهذا معنى الآية جملةً فلنذكْره تفصيلاً في مسائل: المسألة الأولى: لو قال قائل: إذا كان المراد بقوله: {واعلموا أن فيكم رسول الله} الرجوع إليه فلم لم يصرح بقوله: "فَتَبَيَّنُوا" وراجعوا النبِيَّ ـ عليه الصلاة والسلام ـ؟ وما الفائِدة في العدول إلى هذا المجاز؟ نقول: فائدته زيادته التأكيد لأنَّ قول القائل في المثال المتقدم: هذا الشيخ قائد آكد في وجوب المراجعة من قوله: رَاجعُوا شَيْخَكُم؛ لأن القائل يجعل وجوب مراجعته متفقاً عليه ويجعل سبب عدم الرجوع عدم علمهم بقعوده فكأنه يقول: إنكم لا تشكون في أن الكاشف هو الشيخ وأن الواجب مراجعته، لكنكم لا تعلمون قعوده، فهو قاعد فيجعل المراجعة أظهر من القعود، لأنه يقول خفي عنكم قعوده فتركتم مراجته ولا يخفى عليكم حسنُ مراجعته فيجعل حسن المراجعة أظهر من الأمر الخفي بخلاف ما لو قال: راجعوه، لأنه حينئذ يكون قائلاً بأنكم ما علمتم أن مراجعته هو الطريق. وبين الكلامين يَوْنٌ بعيد فكذلك قوله تعالى: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ} فجعل حُسْنَ مراجعته أظهر من كونه فيهم حيث ترك بيانه وأخذ في بيان كونه فيهم. وهذا من المعاني العزيزة التي توجد في المجازات ولا توجد في الصَّرَائِحِ. فإن قيل: إذا كان المراد من قوله: "لَوْ يُطِيعُكُمْ" بيان كونه غير مطيع لأحد بل هو ممتنع للوحي فلِمَ لَمْ يصرِّحْ به؟. نقول: بيان نفي الشيء مع بيان ذلك النفي أتمُّ من بيانه من غير دلِيل، والجملة الشرطية بيان للنفي مع بيان دليله وأن قوله: "ليس فيهما آلهة" لو قال قائل: لم قلت إنه ليس فيهما آلهة بحيث أن يذكر الدليل فيقال: لو كان فيهما آلهة إلا الله لَفَسَدَتَا فكذلك ههنا لو قال: لا يطيعكم لقائل قائل: لِمَا لاَ يُطِيعُ؟ فوجب أن يقال: لو أطاعكم لأطاعكم لأجل قلتكم ومصلحة أبصاركم لكن لا مصلحة لكم فيه لأنكم تَعْنَتُون وتَأْثَمُونَ وهو يشقُّ عليه عَنَتُكم كما قال: {أية : عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ}تفسير : [التوبة:128] فإذا أطاعكم لا يفيده شيئاً فلا يطيعكم فهذا نفي الطاعة بالدليل. وبين نفي الشيء بدليل ونفيه من غير دليل فَرقٌ عظيم. واعلم أن في قوله: {فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ} ليعلم أنه قد يوافقهم ويفعل بمقتضى مصلحتهم تحقيقاً لقوله: {أية : وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ}تفسير : [آل عمران:159]. فإن قيل: إذا كان المراد بقوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ} فلا تتوقفوا فلمَ لم يصرح به؟. قلنا: لما بيناه من الإشارة إلى ظهور الأمر يعني أنتم تعلمون أن اليقين لا يتوقف فيه، إذا ليس بعده مرتبة حتى يتوقف إلى بلوغ الأَمْر إلى تلك المرتبة، بخلاف الشك، فإنه يتوقف إلى بلوغ الأمر إلى درجة الظنّ، ثم الظن يتوقف إلى اليقين فلما كان عدم التوقف في النفس معلوماً متفقاً عليه لم يقل: فلا تتوقفوا بل قال: حَبَّب إليكم الإيمان أَي بَيَّنَهُ وزَيَّنهُ بالبُرْهَانِ النَّقيّ. فصل قال ابن الخطيب: معنى حبب إليكم أن قرَّبَهُ إليكم وأدخله في قلوبكم، ثم زينه فِيهَا بحيث لا تفارقونه ولا يخرج من قلوبكم وذلك لأن من يُحِبّ شيئاً فقد يسأم منه لطول ملازمته والإيمان كل يوم يزداد حُسْناً لكل من كانت عبادته أكثر وتحمّله مشاق التكليف أتم تكون العبادة والتكاليف عنده ألذ وأكمل ولهذا قال أولاً: حبب إليكم الإيمان، وقال ثانياً: وزينه في قلوبكم كأنه قرب إليهم ثم أقامه في قلوبهم. قوله: {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ} قال ابن الخطيب: هذه الأمُور الثلاث في مقابلة الإيمان الكامل؛ لأن الإيمان المزين هو التصديق بالجِنَان. وأما الفسوق فقيل: هو الكذب كما تقدم عن ابن عباس وقال تعالى: {إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ} فسمى الكاذب فاسقاً وقال تعالى: {أية : بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ}تفسير : [الحجرات:11], وقيل الفسوق الخروج عن الطاعة لقولهم: فسقت الرُّطَبَةُ إِذَا خَرَجَتْ. وأما العصيان فهو ترك المأمور به. وقال بعضهم: الكفر ظاهر، والفسوق هو الكبيرة والعِصْيَانُ هو الصغيرة. قوله: "فَضْلاً" يجوز أن ينتصب على المفعول من أجله. وفيما ينصبه وجهان: أحدهما: قوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ} وعلى هذا فما بينهما اعتراض من قوله: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ}. والثاني: أنه الفعل الذي فوي قوله "الرّاشدون". وعلى هذا يقال: فكيف جاز أن يكون فضل الله الذي هو فعل الله مفعولاً له بالنسبة إلى الرشد الذي هو فعل العبد فاختلف الفاعل، لأن فاعَل الرُّشْدِ غير فاعل الفَضْل؟. وأجاب الزمخشري: بأن الرشد لما كان توفيقاً من الله تعالى كان فعل الله وكأنه تعالى أرشدهم فضلاً أي يكون متفضِّلاً عليه، منعماً في حقهم، لأن الرشد عبارة عن التحبب والتَّزْيين والتكريه. وجوز أيضاً أن ينتصب بفعل مقدر، أي جرى ذلك وكان ذلك فضلاً من الله. قال أبو حيان: وليس من مواضع إضمار كان، وجعل كلامه الأول اعتزالاً. وليس كذلك لأنه أراد الفعل المسند إلى فاعله لفظاً وإلا فالتحقيق أن الأفعالَ كلها مخلوقة لله تعالى وإنْ كان الزمخشري غَيْرَ موافقٍ عَلَيْه. ويجوز أن ينتصب على المصدر المؤكد لمضمون الجملة السابقة، لأنها فضل إيضاً، إلا أنَّ ابن عطية جعله من المصدر المؤكد لنفسه. وجوز الحَوْفِيُّ أن ينتصب على الحال وليس بظاهر ويكون التقدير متفضلاً منعماً أو ذا فضل ونعمة قال ابن الخطيب: ويجوز أن يكون فضلاً مفعولاً به والفعل مضمراً دل عليه قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ} وهم يبتغون فضلاً من الله ونعمة، قال: لأن قوله: فضلاً من الله إشارة إلى ما هو من جانب الله المغني. والنعمة إشارة إلى ما هو من جانب العبد من اندفاع الحاجة. وهذا يؤكد قولنا: أن ينتصب "فضلاً" بفعل مضمر وهو الابتغاء والطَّلَبُ. ثم قال: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} وفيه مناسبات: منها: أنه تعالى لما ذكر نبأ الفاسق قال: فلا يعتمد على تَرْوِيجِهِ عليكم الزُّورَ فإن الله عليم، ولا يقل كقوله المنافق: {لَوْلاَ يَعَذِّبُنَا اللهُ بِمَا نَقُولُ} فإن الله حكيم لا يفعل إلا على وَفْق حكمته. وثانيها: لما قال تعالى: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ} بمعنى لا يطيعكم بل يتبع الوحي "فإن الله عليم" يعلم من يكذبه "حكيمٌ" بأمره بما تقتضيه الحكمة.

السيوطي

تفسير : أخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن منده وابن مردويه بسند جيد حديث : عن الحارث بن ضرار الخزاعي قال‏:‏ قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني إلى الإِسلام، فدخلت فيه وأقررت به، ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها، قلت يا رسول الله‏:‏ ارجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإِسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعت زكاته وترسل إليَّ يا رسول الله رسولاً يبان كذا وكذا ليأتيك ما جمعت من الزكاة، فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له وبلغ الابان الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه إحتبس الرسول فلم يأتِ فظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من الله ورسوله فدعا بسروات قومه فقال لهم‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وقت لي وقتاً يرسل إليَّ رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلف، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطه فانطلقوا فنأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق فرجع، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم البعث إلى الحارث فأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث وفصل عن المدينة لقيهم الحارث فقالوا‏:‏ هذا الحارث فلما غشيهم قال لهم‏:‏ إلى من بعثتم‏؟‏ قالوا‏:‏ إليك، قال‏:‏ ولم‏؟‏ قالوا‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله‏.‏ قال‏:‏ لا والذي بعث محمداً بالحق ما رأيته ولا أتاني، فما دخل الحارث على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ منعت الزكاة وأردت قتل رسولي‏؟‏ قال‏:‏ لا والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا رآني وما أقبلت إلا حين احتبس عليَّ رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم خشيت أن تكون كانت سخطة من الله ورسوله، فنزل ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبإ فتبينوا‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏حكيم‏}‏ ‏‏ . تفسير : وأخرج الطبراني وابن منده وابن مردويه عن علقمة بن ناجية قال‏:‏ بعث إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط يصدق أموالنا فسار حتى إذا كان قريباً منا وذلك بعد وقعة المريسيع رجع فركبت في أثره فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ يا رسول الله أتيت قوماً في جاهليتهم أخذوا اللباس ومنعوا الصدقة فلم يغير ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنزلت الآية ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبإ}‏ فأتى المصطلقون إلى النبي صلى الله عليه وسلم أثر الوليد بطائفة من صدقاتهم‏. وأخرج الطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ حديث : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى بني وكيعة وكانت بينهم شحناء في الجاهلية، فلما بلغ بني وكيعة استقبلوه لينظروا ما في نفسه فخشي القوم فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ إن بني وكيعة أرادوا قتلي ومنعوني الصدقة، فلما بلغ بني وكيعة الذي قال الوليد أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ يا رسول الله لقد كذب الوليد‏.‏ قال‏: وأنزل الله في الوليد ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ‏}‏ تفسير : الآية‏. وأخرج ابن راهويه وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت‏:‏ بعث النبي صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق يصدق أموالهم فسمع بذلك القوم فتلقوه يعظمون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ إن بني المصطلق منعوا صدقاتهم، فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا‏:‏ نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله بعثت إلينا رجلاً مصدقاً فسررنا لذلك وقرت أعيننا ثم إنه رجع من بعض الطريق فخشينا أن يكون ذلك غضباً من الله ورسوله ونزلت ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبإ} ‏ الآية‏. وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في سننه وابن عساكر عن ابن عباس قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق ليأخذ منهم الصدقات وأنه لما أتاهم الخبر فرحوا وخرجوا ليتلقوا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لما حدث الوليد أنهم خرجوا يتلقونه رجع فقال‏:‏ يا رسول الله إن بني المصطلق قد منعوني الصدقة‏.‏ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك غضباً شديداً، فبينما هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد فقالوا‏:‏ يا رسول الله إنا حدثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق، وأنا خشينا أن يكون إنما رده كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا فأنزل الله ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبإ}‏ الآية‏. وأخرج آدم وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد قال‏:‏ أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق ليصدقهم فتلقوه بالهدنة، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ إن بني المصطلق جمعوا لك ليقاتلوك، فأنزل الله ‏{‏إن جاءكم فاسقٌ بنبإ فتبينوا‏}‏ .‏ أخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ الوليد بن عقبة إلى بني وكيعة وكانت بينهم شحناء في الجاهلية فلما بلغ بني وكيعة استقبلوه لينظروا ما في نفسه فخشي القوم فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ إن بني وكيعة أرادوا قتلي ومنعوني الصدقة‏.‏ فلما بلغ بني وكيعة الذي قال لهم الوليد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوا رسول الله قالوا‏:‏ يا رسول الله لقد كذب الوليد، ولكن كانت بينه وبيننا شحناء فخشينا أن يكافئنا بالذي كان بيننا فأنزل الله في الوليد ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا‏}‏ الآية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا نبي الله إن بني فلان - حياً من أحياء العرب - وكان في نفسه عليهم شيء، وكانوا حديثي عهد بالإِسلام قد تركوا الصلاة وارتدوا وكفروا بالله‏.‏ قال‏:‏ فلم يعجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعا خالد بن الوليد، فبعثه إليهم ثم قال‏:‏ ارمقهم عند الصلاة فإن كان القوم قد تركوا الصلاة فشأنك بهم وإلا فلا تعجل عليهم‏.‏ قال‏:‏ فدنا منهم عند غروب الشمس، فكمن حيث يسمع الصلاة، فرمقهم فإذا هو بالمؤذن قد قام حين غربت الشمس فأذن ثم أقام الصلاة فصلوا المغرب، فقال خالد بن الوليد‏:‏ ما أراهم إلا يصلون فلعلهم تركوا غير هذه الصلاة ثم كمن حتى إذا الليل وغاب الشفق أذن مؤذنهم فصلوا‏.‏ قال‏:‏ فلعلهم تركوا صلاة أخرى، فكمن حتى إذا كان في جوف الليل فتقدم حتى أظل الخيل بدورهم فإذا القوم تعلموا شيئاً من القرآن فهم يتهجدون به من الليل ويقرأونه، ثم أتاهم عند الصبح فإذا المؤذن حين طلع الفجر قد أذن ثم أقام فقاموا فصلوا، فلما انصرفوا وأضاء لهم النهار إذا هم بنواصي الخيل في ديارهم فقالوا‏:‏ ما هذا‏؟‏ قالوا‏:‏ هنا خالد بن الوليد، وكان رجلاً مشنعاً، فقالوا يا خالد‏:‏ ما شأنك‏؟‏ قال‏:‏ أنتم والله شأني أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له إنكم كفرتم بالله وتركتم الصلاة، فجعلوا يبكون، فقالوا‏:‏ نعوذ بالله أن نكفر بالله أبدا‏ً.‏ قال‏:‏ فصرف الخيل وردها عنهم حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما‏ً} ‏ قال الحسن‏:‏ فوالله لئن كانت نزلت في هؤلاء القوم خاصة إنها المرسلة إلى يوم القيامة ما نسخها شيء‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق يصدقهم فلم يبلغهم، ورجع فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنهم عصوا، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجهز إليهم إذ جاء رجل من بني المصطلق، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ سمعنا أنك أرسلت إلينا ففرحنا به واستبشرنا به وإنه لم يبلغنا رسولك، وكذب‏.‏ فأنزل الله فيه وسماه فاسقاً ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ}‏ الآية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ} ‏ قال‏:‏ هو ابن أبي معيط الوليد بن عقبة بعثه نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق مصدقاً، فلما أبصروه أقبلوا نحوه فهابهم، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإِسلام فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد وأمره بأن تثبت ولا تعجل، فانطلق حتى أتاهم ليلاً فبعث عيونه، فلما جاءهم أخبروه أنهم متمسكون بالإِسلام وسمع أذانهم وصلاتهم فلما أصبحوا أتاهم خالد فرأى ما يعجبه فرجع إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم، وأخبره الخبر، فأنزل الله في ذلك القرآن، فكان نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏حديث : التأني من الله والعجلة من الشيطان‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله ‏ {‏إن جاءكم فاسق بنبإ} ‏ الآية قال‏:‏ إذا جاءك فحدثك أن فلاناً إن فلانة يعملون كذا وكذا من مساوىء الأعمال فلا تصدقه‏.‏ أما قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم‏}‏‏ .‏ أخرج عبد بن حميد والترمذي وصححه وابن مردويه عن أبي نضرة قال‏:‏ قرأ أبو سعيد الخدري ‏{‏واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم‏}‏ قال‏:‏ هذا نبيكم يوحى إليه وخيار أمتكم لو أطاعهم في كثير من الأمر لعنتوا فكيف بكم اليوم‏؟‏ وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد قال‏:‏ لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكرنا أنفسنا وكيف لا ننكر أنفسنا والله يقول ‏ {‏واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم‏}‏‏ .‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ‏ {‏واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم‏} ‏ قال‏:‏ هؤلاء أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم لو أطاعهم نبي الله في كثير من الأمر لعنتوا فأنتم والله أسخف قلباً وأطيش عقولاً‏.‏ فاتّهم رجل رأيه، وانتصح كتاب الله فإن كتاب الله ثقة لمن أخذ به وانتهى إليه وإن ما سوى كتاب الله تغرير‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله ‏ {‏لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم‏} ‏ يقول‏:‏ لأعنت بعضكم بعضا‏ً.‏ أما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكن الله حبب إليكم الإِيمان‏}‏‏ .‏ أخرج أحمد والبخاري في الأدب والنسائي والحاكم وصححه عن رفاعة بن رافع الزرقي قال‏: ‏‏حديث : ‏ لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ "استووا حتى أثني على ربي، فصاروا خلفه صفوفاً فقال‏: اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل لما هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما بعدت، ولا مباعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا، اللهم حبب إلينا الإِيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب يا إله الحق" ‏‏‏.‏

التستري

تفسير : قوله: {إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ}[6] قال: الفاسق الكذاب. وباطنها تأديب من بلغه ذمّه من أحد بأن لا يعجل بعقوبته ما لم يتعرف ذلك من نفسه.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ} [الآية: 6]. قال أبو بكر بن طاهر: الفاسق الذى لا يستحى من الله مما يستحى من المخلوقين. قال سهل: الفاسق الكذاب. وقال الوراق: الفاسق المعلن بالذنب.

القشيري

تفسير : دلَّت الآية على تـَرْكِ السكون إلى خَبَرِ الفاسق إلى أن يظهر صِدْقُه. وفي الآية إشارة إلى تَركِ الاستماعِ إلى كلام الساعي والنَّمامِ والمغتابِ للناس. والآيةُ تَدُلُّ على قبول خبرِ والواحدِ إذا كان عَدْلاً. والفاسقُ هو الخارجُ عن الطاعة. ويقال هو الخارج عن حدِّ المروءة. ويقال: هو الذي ألقى جِلبابَ الحياء.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا أيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق} اى فاسق كان {بنبأ} اى نبأ كان والنبأ الخبر. يعنى خبرى بياردكه موحش بود وموجب تألم خاطر. فالتنكير للتعميم وفيه ايذان بالاحتراز عن كل فاسق وانما قال ان جاءكم بحرف الشك دون اذا ليدل على ان المؤمنين ينبغى ان يكونوا على هذه الصفة لئلا يطمع فاسق فى مكالمتهم بكذب ما وقال ابن الشيخ اخراج الكلام بلفظ الشرط المحتمل الوقوع لندرة مثله فيما بين اصحابه عليه السلام {فتبينوا} اى ان جاءكم فاسق بخبر يعظم وقعه فى القلوب فتعرفوا وتفحصوا حتى يتبين لكم ما جاء به أصدق هو ام كذب ولا تعتمدوا على قوله المجرد لان من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذى هو نوع منه روى ان الوليد بن عقبة بن ابى معيط اخا عثمان لامه وهو الذى ولاه عثمان الكوفة بعد سعد بن ابى وقاص فصلى بالناس وهو سكران صلاة الفجر أربعا ثم قال هل اريدكم فعزله عثمان عنهم بعثه عليه السلام مصدقا الى بنى المصطلق اى آخذا وقابضا لصدقاتهم وزكاتهم وكان بينه وبينهم احنة اى حقد وبغض كامن فى الجاهلية بسبب دم فلما سمعوا بقدومه استقبلوه ركبانا فحسب انهم مقاتلوه فرجع هاربا وقال لرسول الله عليه السلام قد ارتدوا ومنعوا الزكاة وهموا بقتلى فهم عليه السلام بقتالهم فنزلت وقيل بعث اليهم خالد بن الوليد بعد رجوع الوليد بن عقبة عنهم فى عسكر وقال له "حديث : اخف عنهم قدومك اليهم بالعسكر وادخل عليهم ليلا متجسساً هل ترى شعائر الاسلام وآدابه فلو رأيت منهم ذلك فخذ منهم زكاة اموالهم وان لم تر ذلك فاستعمل فيهم ما يفعل بالكفار"تفسير : ففعل ذلك خالد وجاءهم وقت المغرب فسمع منهم اذان صلاتى المغرب والعشاء ووجدهم مجتهدين باذلين وسعهم ومجهودهم فى امتثال امر الله فأخذ منهم صدقاتهم وانصرف الى رسول الله واخبره الخبر فنزلت {أن تصيبوا} حذار أن تصيبوا {قوما بجهالة} حل من ضمير تصيبوا اى متلبسين بجهالة بحملهم وكنه قصتهم {فتصبحوا} اى فتصيروا بعد ظهور برآءتهم مما اسند اليهم {على ما فعلتم} فى حقهم {نادمين} مغتمين غما لازما متمنين انه لم يقع فان تركيب هذه الاحرف الثلاثة يدور مع الدوام مثل ادمن الامر اذا ادامه ومدن المكان اذا اقام به ومنه المدينة يعنى ان الندم غم يصحب الانسان صحبة لها دوام على ما وقع مع يمنى انه لم يقع ولزومه قد يكون لقوته من اول الامر وقد يكون لعدم غيبة موجبه وسببه عن الخاطر وقد يكون لكثرة تذكره ولغير ذلك من الاسباب وفى الآية دلالة على ان الجاهل لا بد ان يصير نادما على ما فعله بعد زمان وفى ترتيب الامر بالتبين على فسق المخبر اشارة الى قبول خبر الواحد العدل فى بعض المواد ورد عليه السلام شهادة رجل فى كذبة واحدة وقال "حديث : ان شاهد الزور مع العشار فى النار"تفسير : وقال عليه السلام "حديث : من شهد شهادة زور فعليه لعنة الله ومن حكم بين اثنين فلم يعدل ببينهما فعليه لعنة الله وما شهد رجل على رجل بالكفر الا باء به احدهما ان كافرا فهو كما قال وان لم يكن كافرا فقد كفر بتكفيره اياه"تفسير : كما فى كشف الاسرار وفى الآية ايضا اشارة الى ترك الاستماع الى كلام الساعى والنمام والمغتاب للناس شعر : كسى بيش من درجهان عاقلست كه مشغول خود وز جهان غافلت كسى راكه نام آمد ابدر ميان به نيكوترين نام ونعتش بخوان ازان همنشين تاتوانى كربز كه مرفتنه خفته راكفت خين ميان دوكس جنك جون آتش است سخن جين بدبخت هيزم كش است ميان دوتن آتش آفروختن نه عقلست خود درميان سوختن تفسير : فلا بد من التبين والتفحص ليظهر حقيقة الحال ويسلم المرء من الوبال ويفتضح الكذاب الدجال وفى الحديث حديث : التبين من الله والعجلة من الشيطان تفسير : وفيها ايضا اشارة الى تسويلات النفس الفاسقة الامارة بالسوء ومجيئها كل ساعة بنبأ شهوة من شهوات الدنيا فتبينوا ربحها وخسرانها من قبل ان تصيبوا قوما من القلوب وصفاتها بجهالة ما فيها من شفاء النفوس وحياتها ومرض القلوب ومماتها فتصبحوا صباح القيامة وانتم على ما فعلتم نادمون

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا إِن جاءكم فاسق بنبأٍ} نزلت في الوليد بن عُبة بن أبي مُعَيْط، وكان من فضلاء الصحابة رضي الله عنهم بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني المُصْطلِق، بعد الوقعة مصدِّقاً، وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، فخرجوا يتلقّونه، تعظيماً النبي صلى الله عليه وسلم، فظنّ أنهم مقاتلوه؛ فرجع، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: قد ارتدُّوا ومنعوا الزكاة، فَهمَّ صلى الله عليه وسلم أن يغزوهم، ثم أتوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأخبروه أنهم إنما خرجوا يتلقّونه تكرمةً؛ فاتهمهم النبي صلى الله عليه وسلم وبعث إليهم "خالد بن الوليد" خفيةً مع عسكر، وأمره أن يُخفي عليهم قدومَه، ويتطلعَ عليهم، فإن رأى ما يدلّ على إيمانهم؛ أخذ زكاتهم ورجع، وإن رأى غير ذلك؛ استَعمل فيهم ما يُستعمل في الكفار، فسمع خالدُ فيهم آذان صلاتي المغرب والعشاء، فأخذ صدقاتهم، ولم يرَ منهم إلا الطاعة، فنزلت الآية. وسُمِّي الوليد فاسقاً لعدم تَثَبُّته؛ فخرج بذلك عن كمال الطاعة، وفي تسميته بذلك زجرٌ لغيره، وترغيبٌ له في التوبة، والله تعالى أعلم بغيبه، حتى قال بعضهم: إنها من المتشابه، لِمَا ثبت من تحقُّق إيمان الوليد. وقال أبو عمر في الاستيعاب: لا يصح أن الآية نزلت في قضية الوليد؛ لأنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من ثمانية أعوام، أو من عشرة، فكيف يبعثه رسولاً؟! هـ. قلت: لا غرابةَ فيه، وقد كان صلى الله عليه وسلم يُؤَمِّر أسامةَ بن زيد على جيش، فيه أبو بكر وعمر، مع حداثة سِنِّه، كما في البخاري وغيره. وفي تنكير (فاسق) و (نبأ) شِياعٌ في الفُسَّاق والأنباء، أي: إذا جاءكم فاسقٌ أيّ فاسقٍ كان، بأيِّ خبر {فتبَيَّنوا} أي: فتوقفوا فيه، وتطلَّبوا بيان الأمر وانكشافَ الحقيقة، ولا تعتمدوا قولَ مَن لا يتحرّى الصدق، ولا يتحامى الكذب، الذي هو نوع من الفسوق. وفي الآية دليل على قبول خبر الواحد العَدل؛ لأنا لو توقفنا في خبره؛ لسوّينا بينه وبين الفاسق، ولخلا التخصيص به عن الفائدة. وقرأ الأخوان: "فثبتوا" والتثبُّت والتبيُّن متقاربان، وهما: طلبُ الثبات والبيان والتعرُّف. {أن تُصيبوا} أي: لئلا تصيبوا {قوماً بجهالةٍ} حال، أي: جاهلين بحقيقة الأمر وكُنه القصة. {فتُصْبِحوا} فتصيروا {على ما فعلتم نادمين} مغتمِّين على ما فعلتم، متمنين أنه لم يقع، والندم: ضرب من الغلم؛ وهو أن يَغتم على ما وقع، يتمنى أنه لم يقع، وهو غم يصحبُ الإنسان صحبةً لها دوامٌ في الجملة. {واعلموا انَّ فيكم رسولَ الله} فلا تكْذبوا، فإن الله يُخبره، فيهتك سر الكاذب، أو: فارجعوا إليه واطلبوا رأيه، ثم استأنف بقوله: {لو يُطيعُكم في كثير من الأمر لعَنتُّم} لوقعتم في العنت؛ وهو الجهد والهلاك. والتعبيرُ بالمضارع للدلالة على أنّ عَنَتَهم إنما يلزم في استمرار طاعته لهم في كل ما يعرض من الأمور، وأما طاعته في بعض الأمور استئلافاً لهم، فلا. انظر أبا السعود. وهذا يدل على أنَّ بعض المؤمنين زيّن لرسول الله صلى الله عليه وسلم الإيقاع ببني المصطلق تصديقاً لقول الوليد، وأنَّ بعضهم كانوا يتصوّنون ويتحرّجون الوقوعَ بهم تأنياً وتثُبتاً في الأمر، وهم الذين استثناهم الله بقوله: {ولكنَّ الله حَبَّبَ إِليكم الإِيمانَ} وأسنده إلى الكل تنبيهاً على أن أكثرهم تحرّجوا الوقوعَ بهم وتأنّوا، وقيل: هم الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، وهو تجديدٌ للخطاب وتوجيه إلى بعضهم بطريق الاستدراك، بياناً لِبراءَتهم عن أوصاف الأولين وإحماداً لأفعالهم، أي: ولكنه - تعالى - جعل الإيمان محبوباً لديكم {وزيَّنه في قلوبكم} حتى رسخ فيها، ولذلك صدر منكم ما يليق به من التثبُّت والتحرُّج، وحاصل الآية على هذا: واعلموا أنَّ فيكم رسول الله، فلا تُقِرُّون معه على خطأ، لو يطيعكم في كثير من الأمر لَعَنِتُّم، ولكنَّ الله حبّب إلى بعضكم الإيمان، فلا يأمر إلا بما هو صواب من التأنِّي وعدم العجلة. قلت: والأحسن في معنى الاستدراك: أنَّ التقدير: لو يُطيعكم في كثير من الأمر لَعَنِتُّم، ولكن الله لا يُقره على طاعتكم بل ينزل عليه الوحي بما فيه صلاحُكم وراحتكُم؛ لأنَّ الله حبَّبَ إليكم الإيمان وزيَّنيه في قلوبكم، فلا يسلك بكم إلا ما يليق بشأنكم من الحِفظ والعصمة. ثم قال: {وكَرَّهِ إِليكم الكفرَ والفُسوق والعصيان} ولذلك تحرّجتم عمّا لا يليق مما لا خير فيه مما يؤدي إلى عَنَتِكم، قال ابن عرفة: العطف في هذه الآية تَدَلِّي؛ فالكفر أشدُّها، والفسوق دونه، والعصيان أخفّ؛ لصدقه على ترك المندوبات، حسبنا نقل ذلك البغداديون وحمَلوا عليه، ومَن لم يُجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم. هـ. {أولئك هم الراشدون} أي: أولئك المستَثون، أو: المتَّصِفون بالإيمان، المزيّن في قلوبهم، هم السالكون على طريق السّوى، الموصل إلى الحق، أي: أصابوا طريقَ الحق، ولم يَميلوا عن الاستقامة. والرشدُ: الاستقامةُ على طريق الحق مع تصلُّبٍ فيه، من: الرشادة، وهي الصخرة الصماء. {فضلاً من الله ونِعمةً} أي: إفضالاً من الله وإنعاماً عليهم؛ مفعولٌ من أجله، أي: حبَّب وكرّه للفضل والنعمة عليهم {والله عليمٌ} مبالغ في العلم، فيعلم أحوالَ المؤمنين وما بينهم من التفاضل، {حكيمٌ} يفعل ما يفعل الحكمةٍ بالغة. الإشارة: إن جاءكم خاطرُ سوء بنبأ سوءٍ فتبيّنوا وتثبّتوا، ولا تُبادروا بإظهاره، خشية أن تُصيبوا قوماً بجهالة، فتظنُّوا بهم السوء، وتقعوا في الغيبة، فتُصبحوا على ما فعلتم نادمين، فالمنافق قلبه على طرَف لسانه، إذا خطر فيه شيء نطق به، فهذا هالك، والمؤمن لسانه من رواء قلبه، إذا خطر شيءٌ نظر فيه، ووَزَنه بميزان الشرع، فإن كان فيه مصلحة نطق به، وإلا ردَّه وكتمه، فالواجبُ: وزن الخواطر بالقسطاس المستقيم، فلا يُظهر منها إلا ما يعود عليه منفعته. {واعملوا أن فيكم رسولَ الله} قد بَيَّن لكم ما تفعلون وما تذرون، ظاهراً وباطناً، ومَن اتصل بخليفة الرسول، وهو الشيخ حكّمه على نفسه، فإن خطر في قلبه شيءٌ يهِمُّ أمرُه عَرَضه عليه، والشيخ ينظر بعين البصيرة، لو يُطيعكم في كثيرٍ من أمركم التي تعزمون عليها لَعَنِتُّم، ولكنَّ الله حبب إليكم الإيمانَ، وزيَّنه في قلوبكم، فتَستمعُون لما يأمركم به، وتمتثلون أمره، وكرَّه إليكم الكفر والفسوق؛ الخروجَ عن أمره ونهيه، والعصيان لما يأمرُكم به، فلا تَرون إلا ما يسرّكم، ويُفضي بكم إلى السهولة والراحة، فضلاً من الله ونعمة، فإنَّ السقوط على الشيخ إنما هو محض فضل وكرم، فللّه الحمد وله الشكر دائماً سرمداً. وللقشيري إشارة أخرى، قال: {إن جاءكم فاسق بنبأ} يشير إلى تسويلات النفوس الأمّارة بالسوء، ومجيئها كل ساعة بنبأِ شهوةٍ من شهوات الدنيا، فتبيّنوا ربحَها من خسرانها، من قبل أن تُصيبوا قوماً من القلوب وصفائها بجهالة، فإنَّ ما فيه شفاءُ النفوس وحياتها فيه مرضُ القلوب ومماتُها؛ فتُصبحوا صباحَ القيامة على ما فعلتم نادمين، واعملوا أن فيكم رسولَ الله، يُشير إلى رسول الإلهام في أنفسكم، يُلهمكم فجور نفوسكم وتقواها، لو يُطيعكم في كثيرٍ من أمرِ النفس الأمّارة، لَعَنِتُّم؛ لوقعتم في الهلاك، ولكنّ الله حبَّب إليكم الإيمان بالإلهامات الربانية، وزيَّنه في قلوبكم بقلم الكَرَم، وكرَّه بنور نظر العناية إليكم الكفر، والفسوق: هو ستر الحق والخروج إلى الباطل، والعصيان، وهو الأعراض عن طلب الحق، أولئك هم الراشدون إلى الحق بإرشاد الحق، فضلاً من الله ونعمةً منه، يُنعم به على مَن شاء مِن عباده، {والله عليم حكيم}. هـ. ثم أمر الراشدين المتقدمين بالإصلاح بين الناس، إذ لا ينجح في الغالب إلا على أيديهم، فقال: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا}.

الطوسي

تفسير : قوله {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ} خطاب من الله - عز وجل - للمؤمنين بأنه {إذا جاءكم فاسق} وهو الخارج من طاعة الله إلى معصيته {بنبأ} أي بخبر عظيم الشأن {فتبينوا} صدقه من كذبه ولا تبادروا إلى العمل بمتضمنه {أن تصيبوا قوماً بجهالة} لانه ربما كان كاذباً وخبره كذباً، فيعمل به فلا يؤمن بذلك وقال ابن عباس ومجاهد ويزيد بن رومان وقتادة وابن أبي ليلا: نزلت الآية في الوليد ابن عقبة بن أبي معيط، لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله في صدقات بني المصطلق خرجوا يتلقونه فرحاً به وإكراماً له، فظن أنهم هموا بقتله، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: انهم منعوا صدقاتهم، وكان الأمر بخلافه. وفي الآية دلالة على أن خبر الواحد لا يوجب العلم ولا العمل، لأن المعنى إن جاءكم فاسق بالخبر الذي لا تأمنون أن يكون كذباً فتوقفوا فيه، وهذا التعليل موجود فى خبر العدل، لان العدل على الظاهر يجوز أن يكون كاذباً فى خبره، فالأمان غير حاصل في العمل بخبره. وفى الناس من استدل به على وجوب العمل بخبر الواحد إذا كان راويه عدلا، من حيث انه اوجب تعالى التوقف فى خبر الفاسق، فدل على أن خبر العدل لا يجب التوقف فيه. وهذا الذي ذكروه غير صحيح، لانه استدلال بدليل الخطاب ودليل الخطاب ليس بدليل عند جمهور العلماء. ولو كان صحيحاً فليست الآية بأن يستدل بدليلها على وجوب العمل بخبر الواحد إذا كان عدلا بأولى من ان يستدل بتعليلها فى دفع الأمان من أن يصاب بجهالة إذا عمل بها على ان خبر العدل مثله، على أنه لا يجب العمل بخبر الواحد، وإن كان راويه عدلا. فان قيل: هذا يؤدي إلى أن لا فائدة في إيجاب التوقف فى خبر الفاسق إذا كان خبر العدل مثله فى الفائدة. قلنا: والقول بوجوب العمل بخبر الواحد يوجب أنه لا فائدة فى تعليل الآية فى خبر الفاسق الذي يشاركه العدل فيه، فاذا تقابلا سقط الاستدلال بها على كل حال وبقي الأصل فى انه لا يجوز العمل بخبر الواحد إلا بدليل. ومن قرأ {تبينوا} أراد تعرفوا صحة متضمن الخبر الذي يحتاج إلى العمل عليه، ولا تقدموا عليه من غير دليل، يقال: تبين الأمر إذا ظهر، وتبين هو نفسه بمعنى واحد، ويقال ايضاً: تبينته إذا عرفته. ومن قرأ {فتثبتوا} - بالتاء والثاء - أراد توقفوا فيه حتى يتبين لكم صحته. وقوله {فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} معناه متى عملتم بخبر الواحد وبان لكم كذب راويه أصبحتم نادمين على ما فعلتموه. ثم خاطبهم يعني المؤمنين فقال {واعلموا} معاشر المؤمنين {أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم} ومعناه لو فعل ما تريدونه في كثير من الأمور {لعنتم} أي اصابكم عنت ومكروه، يقال: أعنت الرجل إذا حملت عليه عامداً لما يكره، يقال: اعنته فعنت، وسمي موافقته لما يريدونه طاعة لهم مجازاً لأن الطاعة يراعى فيها الرتبة، فلا يكون المطيع مطيعاً لمن دونه، وإنما يكون مطيعاً لمن فوقه إذا فعل ما أمره به، ألا ترى انه لا يقال فى الله تعالى: إنه مطيع لنا إذا فعل ما أردناه. ويقال فينا إذا فعلنا ما أراده الله: انه مطيع. والنبي صلى الله عليه وآله فوقنا فلا يكون مطيعاً لنا، فاطلاق ذلك مجاز. وقوله {ولكن الله حبب إليكم الإيمان} بما وعد من استحقاق الثواب عليه {وزينه في قلوبكم} بنصب الأدلة على صحته {وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} بما وصفه من العقاب عليه - وهو قول الحسن - وفي الآية دلالة على أن اضداد الايمان ثلاثة كفر وفسوق وعصيان. ثم قال {أولئك} يعني الذين وصفهم الله بالايمان، وزين الايمان فى قلوبهم وانه كره اليهم الفسوق وغيره {هم الراشدون} أي المهتدون إلى طريق الحق الذين أصابوا الرشد. ثم قال {فضلا من الله ونعمة} أي فعل الله ذلك بهم فضلا منه على خلقه ونعمة مجددة، وهو نصب على المفعول له - فى قول الزجاج - {والله عليهم} بالاشياء كلها {حكيم} فى جميع أفعاله. ثم قال {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} يقتل بعضهم بعضاً {فأصلحوا بينهما} حتى يصطلحا، وقرأ يعقوب {بين أخوتكم} حمله على أنه جمع (أخ) أخوة لأن الطائفة جمع. ومن قرأ على التثنية رده إلى لفظ الطائفتين، وقرأ زيد ابن ثابت وابن سيرين وعاصم الجحدري {بين أخويكم} والمعاني متقاربة. وقوله {وإن طائفتان من المؤمنين} لا يدل على أنهما إذا اقتتلا بقيا على الايمان، ويطلق عليهما هذا الاسم، بل لا يمتنع ان يفسق احد الطائفتين او يفسقا جميعاً، وجرى ذلك مجرى ان تقول: وإن طائفة من المؤمنين ارتدت عن الاسلام فاقتلوها. ثم قال {فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء} أي فان بغت إحدى الطائفتين على الأخرى بأن تطلب ما لا يجوز لها وتقابل الأخرى ظالمة لها متعدية عليها {فقاتلوا التي تبغي} لأنها هي الظالمة المتعدية دون الاخرى {حتى تفيء إلى أمر الله} أي حتى ترجع إلى أمر الله وتترك قتال الطائفة المؤمنة. ثم قال {فإن فاءت} أي رجعت وتابت وأقلعت وأنابت إلى طاعة الله {فأصلحوا بينهما} يعني بينها وبين الطائفة التى كانت على الايمان ولم تخرج عنه بالقول، فلا تميلوا على واحدة منهما {وأقسطوا} أي اعدلوا {إن الله يحب المقسطين} يعني العادلين، يقال: أقسط إذا عدل، وقسط إذا جار. قال الله تعالى {أية : وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً}. تفسير : وقيل: إن الآية نزلت فى قبيلتين من الانصار وقع بينهما حرب وقتال - ذكره الطبري -. ثم اخبر تعالى {إنما المؤمنون} الذين يوحدون الله تعالى ويعملون بطاعاته ويقرون بنبوة نبيه ويعملون بما جاء به {أخوة} يلزمهم نصرة بعضهم بعضاً {فأصلحوا بين أخويكم} يعني إذا رجعا جميعاً إلى الحق وما أمر الله به {وأتقوا الله} أي اجتنبوا معاصيه وافعلوا طاعته واتقوه فى مخالفتكم {لعلكم ترحمون} معناه لكي ترحمون لان (لعل) بمعنى الشك والشك لا يجوز على الله تعالى، قال الزجاج: سموا المؤمنين إذا كانوا متفقين فى دينهم بأنهم أخوة، لاتفاقهم فى الدين ورجوعهم إلى اصل النسب لانهم لآدم وحواء.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ} نزلت الآية فى الوليد بن عقبة بعثه رسول الله (ص) فى صدقات بنى المصطلق فخرجوا يتلقّونه فرحاً به وكانت بينهم عداوة فى الجاهليّة فظنّ انّهم همّوا بقتله فرجع الى رسول الله (ص) وقال: انّهم منعوا صدقاتهم فغضب النّبىّ (ص) فنزلت الآية، وقيل: نزلت فى عائشة حين رمت مارية القبطيّة بجريح القبطىّ، فدعا رسول الله (ص) عليّاً (ع) وقال: "حديث : يا اخى خذ هذا السّيف فان وجدته عندها فاقتله"تفسير : ، فقال: يا رسول الله (ص) اكون فى امرك اذا ارسلتنى كالسّكّة المحماة امضى لما امرتنى ام الشّاهد يرى ما لا يرى الغائب، فقال: "حديث : بل الشّاهد يرى ما لا يرى الغائب"تفسير : ، قال علىّ (ع) فأقبلت متوشّحاً بالسّيف فوجدته عندها فاخترطت السّيف فلمّا عرف انّى اريده أتى نخلة فرقى اليها ثمّ رمى بنفسه على قفاه وشغر برجليه فاذا انّه اجبّ امسح، ماله ما للرّجال، فرجعت فأخبرت النّبىّ (ص) فقال: "حديث : الحمد لله الّذى يصرف عنّا السّوء اهل البيت"تفسير : ، والمعنى ان جاءكم جنس الفاسق الخارج عن طاعة الله ورسوله او جاءكم فاسق واحد فتبيّنوا الخبر وتجسّسوا صدقه وكذبه، وقد مضى مكرّراً انّ مفهوم المخالفة غير معتبرٍ فى المخاطبات خصوصاً فى الاحكام فليس المقصود ان جاءكم عادل فاعملوا ولا تبيّنوا، ولا ان جاءكم فاسقان فلا تبيّنوا واعملوا، فمن اعتبر المفهوم وقال: خبر العدل الواحد حجّة باعتبار مفهوم مخالفة هذه الآية لا يُصغى اليه {أَن تُصِيبُواْ} كراهة ان تصيبوا {قَوْماً بِجَهَالَةٍ} بحالهم {فَتُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ} فتبيّنوا الاخبار بالعرض عليه واستأذنوه فى العمل بها حتّى لا تصيروا نادمين على فعلكم، او هو تمهيد لما بعده كأنّه قال: انّ هذا الّذى هو فيكم هو رسول الله (ص) اعتباراً للوصف العنوانىّ {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ} ويطرح امر الله وحكمه {لَعَنِتُّمْ} لتعبتم او هلكتم وهو ردّ لما اشار اليه بعضهم من الايقاع ببنى المصطلق {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ} استدراكٌ لما توهّم من انّهم ارادوا ان يحملوا رسول الله (ص) على طاعتهم كأنّه قال لكنّ الله حبّب {إِلَيْكُمُ ٱلأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ} فلا تريدون حمل الرّسول (ص) على اتّباعكم والمراد بالايمان علىّ (ع)، او قبول ولايته، او محمّد (ص)، او قبول رسالته الّذى هو الاسلام {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ وصرفٌ للخطاب عن المؤمنين والجملة معترضة او غير معترضة.

فرات الكوفي

تفسير : قال: حدثنا محمد [ب: أحمد] بن أحمد [بن علي. أ، ب] قال: حدثنا محمد بن عماد البربري أبو أحمد قال: حدثنا محمد بن يحيى - ولقب ابنه [ب: أبيه] داهر - الرازي، قال: حدثنا عبد الله بن عبد القدوس عن الأعمش عن موسى بن المسيب عن سالم بن [أبي] الجعد: حديث : عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني وليعة قال: وكانت بينه وبينهم شحناء في الجاهلية قال: فلما بلغ إلى بني وليعة استقبلوه لينظروا ما في نفسه قال: فخشي القوم فرجع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: [يا رسول الله. ر] إن بني وليعة أرادوا قتلي ومنعوا لي [ب: إلي] الصدقة فلما بلغ بني وليعة الذي قال لهم الوليد بن عقبة عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا رسول الله لقد كذب الوليد ولكن [كان. ر] بيننا وبينه شحناء في الجاهلية فخشينا أن يعاقبنا بالذي بيننا وبينه. قال: فقال النبي [أ، ب: رسول الله]: لتنتهن يا بني وليعة أو لأبعثن إليكم [ر: لكم] رجلاً عندي كنفسى يقتل مقاتليكم ويسبي ذراريكم هو هذا حيث ترون - ثم ضرب بيده على كتف [أمير المؤمنين. ر] علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] تفسير : وأنزل الله في الوليد آية {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين}.

الأعقم

تفسير : {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ} الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في صدقات بني المصطلق فخرجوا يلقونه فرحاً به إكراماً وتعظيماً لأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم} فظن أنهم همّوا بقتله فرجع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: منعوني صدقاتهم، وقيل: كان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية فلذلك قال ما قال، فغضب رسول الله وهمَّ أن يغزوهم فبلغهم ذلك فجاؤوا وذكروا ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فبعث خالد بن الوليد فلم ير منهم إلا الطاعة في الوليد نزل قوله: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا} حتى تعلموا حقيقته وقرئ بالثاء يعني حتى يثبت عندكم {أن تصيبوا} بقتل أو قتال وأنتم لا تعلمون حقيقة الأمر {فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} {واعلموا أن فيكم رسول الله} فاتقوا الله أن تقولوا باطلاً فإن الله يخبر به {لو يطيعكم} أي يتبع مرادكم {في كثير من الأمر} قيل: يقبل قول بعضكم، وقيل: يقضي برأيكم {لعنتم} يعني أثمتم، وقيل: أفعنتم في عنت وهو الهلاك {ولكن الله حبب إليكم الإِيمان وزيّنه في قلوبكم} وأنتم تطيعون الله ورسوله فيذهب عنكم العنت، وقيل: حبب بالأدلة على صحته واستقامته، وقيل: بالطاعة {وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان} قيل: بألطافه، وقيل: بما وصف من العقاب عليه {أولئك هم الراشدون} أي من تمسك بهذه الطريقة كان على رشد وصواب {فضلاً من الله ونعمة} يعني رشادهم بدعاء الرسول أو تمكين الله ولطفه {والله عليم حكيم} لا يفعل إلا بحكمة وعالم بالمصالح.

اطفيش

تفسير : {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ} خارج عن الحق وكل خارج عن شيء فهو فاسق عنه يقال (فسقت الرطبة عن قشرها) ومقلوبة (ففسقت البيضة) كسرتها واخرجت ما فيها وفقست الشيء اخرجته من يد مالكه مغتصبا* {بِنَبَإٍ} اي بخبر وتنكير (نبأ) وفاسق للتعميم اي فاسق بأي نبأ {فَتَبَيَّنُواْ} توقفوا وأطلبوا البيان والثبوت كما قرأ حمزة والكسائي وابن مسعود (فتثبتوا) ولا تعتمدوا قول الفاسق لأن من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه والفاء فيها معنى السببية اي تبينوا لأجل فسقه ولا تأخذوا كلامه واما غيره فيؤخذ به وينظر شاهد آخر روي انه صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط أخا عثمان لأمه الى بني المصطلق بعد الواقعة يأخذ منهم الصدقة وكانت بينه وبينهم عداوة في الجاهلية وحقدا وهو الذي ولاه عثمان الكوفة بعد سعد بن ابي وقاص فصلى بالناس سكران الفجر أربعا وقال ازيدكم فعزله عثمان ولما شارف ديار بني المصطلق ركبوا مستقبلين له فحسبهم مقاتليه وسوسه الشيطان فرجع وقال للرسول صلى الله عليه وسلم منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي فغضب صلى الله عليه وسلم وهم بغزوهم ولما بلغهم رجوعه جاءوا فقالوا يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا اليه راكبين فرحين معظمين أمرك فرجع وخفنا انه ورد منك كتاب اليه بالرجوع لغضب علينا نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله فاتهمهم وقال لتنتهن أو لأبعثن اليكم رجلا هو عندي كنفسي يقاتل مقاتلكم ويسبي ذراريكم قيل فضرب بيده على كتف عليّ يشير انه الرجل المذكور وقيل بعث اليهم خالد بن الوليد بعد رجوعهم خفية في عسكر وقال ان رأيت ما يدل على ايمانهم فخذ منهم زكاة والا فافعل فيهم ما نفعل بالكفار فوافاهم مؤذنين لصلاة المغرب ثم سمع آذان العشاء متهجدين فأعطوه الصدقات ولم ير الا الطاعة فرجع واخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية وقبل ولما شارفهم الوليد قيل له انهم مانعوك مقاتلوك فرجع وقيل ان خالدا لما وافاهم كذلك قص لهم ان فاسقا سعى بهم وان رسول الله بعثني خفية مختبرا فرحمكم الله وأصلحكم وقيل انه رأى تهجدا وصلاة بالليل وسمع أذان الصبح وبنو المصطلق حي من خزاعة وفسق الوليد هذا فسق نفاق ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمنزلة لا يجسر احدهم فيها ان يكون الا نادرا كالوليد قال ان جاءكم بأن الشكية وفي الآية اشارة ما ان على المؤمنين ان يكونوا بهذه المنزلة لئلا يطمع فاسق ان يخاطبهم بكلمة زور عن بضع ان الآية عامة قلنا نعم وقال ان الوليد أخطأ وظن وليست الآية حاكمة بفسقه او حاكمة بفسق تاب منه قلنا لو كان يتوب ما سماه الله فاسقا الا ان يراد ان فعله فعل فسق لا انه فاسق فافهم* {أَن تُصِيبُواْ} مفعول لأجله اي (كراهة اصابتكم) وقيل على تقدير لام الجر ولا النافية أي (لئلا تصيبوا)* {قَوْماً بِجَهَالَةٍ} متعلق بتصيبوا وبمحذوف حال من الواو اي (ثابتين بجهالة لأمرهم)* {فَتُصْبِحُواْ} أي (تصيروا) {عَلَى مَا فَعَلْتُمْ} من الخطايا* {نَادِمِينَ} مغتمين غما لازما لأنه كلما تذكروا يندمون ويتمنون انه لم يقع ولذلك ترى العرب تسمي الهم صاحبا ونجيا وسميرا وضجيعا ومن مقلوبة بزيادة الهمزة أدمن الأمر بمعنى أدامه ومدن بالمكان اقام به ومنه المدينة

اطفيش

تفسير : {يا أيُّها الَّذين آمنُوا} شامل للنبى صلى الله عليه وسلم وكاملى الايمان، والنداء لتأكيد التبيين {إن جاءكم فاسقٌ بنبأ} بخبر {فتبيَّنُوا} اطلبُوا البيان بالشهادة العادلة ولو بثقة واحد عدل، وذلك نهى عن العجلة، كما قرأ ابن مسعود فتثبتوا بتاء مثناة بعدها ثاء، ولا تقلدوا من هو فاسق تحقيقا، أو يخاف فسقه، فاذا لم يكن عدلا ثقة خيف أن يكون فاسقا، فيجتنب حتى يعلم أنه عدل ثقة، فاذا نهينا عن اتباع الفاسق وجب علينا أن ننظر العدالة. قال الحارث بن أبى ضرار الخزاعى: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: فدعانى الى الاسلام فأسلمت، والى الزكاة فأقررت بها، وقلت: أدعو اليهما قومى، فمن استجاب جمعت زكاته، فأرسل الىَّ لوقت كذا من يأتيك بها ففعلت وانتظرت رسوله، ولم يأت فقلت لرؤساء قومى: لم يأتنى الرسول، ونبى الله صلى الله عليه وسلم لا يخلف الوعد، وأخاف أن الله تعالى سخط علينا فسرنا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاتنا، وقد بعث صلى الله عيه وسلم الوليد بن عقبة ابن أبى معيط، أخا عثمان لأمه ليقبضها عنا، ولما بلغ بعض الطريق خاف فرجع، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ان الحارث منعنى الزكاة وأراد قتلى، فأرسل إلينا من يقاتلنا، فالتقينا معهم خارج المدينة، فقلنا: الى من؟ قالوا: اليك إذ منعت الزكاة، وأردت قتل الرسول اليك، فقلنا: لا والله، فدخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : منعتم الزكاة، وأردتم قتل رسولي" تفسير : قلنا، لا والله ما رأيناه، وقد خفت سخط الله تعالى اذ لم يأتنى رسولك فنزل: "يا أيها الذين آمنوا" الآية رواه الطبرانى، وأحمد قبله. وقيل: أرسل اليهم خالدا بعد قول الوليد، وأعطوه الزكاة، ولم يجيئوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما نزلت الآية قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : التثبت من الله تعالى والعجلة من الشيطان"تفسير : روى عبد بن حميد، عن الحسن: أن الوليد بن عقبة، أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ان بنى فلان، وكان بينه وبينهم شىء، ارتدوا، فبعث اليهم خالدا ينظر هل يصلون، فان تركوها فاقتلهم وإلاَّ فلا تعجل، فوافاهم عند الغروب، وكمن وراءهم فرآهم أذنوا وصلوا المغرب، ثم أذنوا للعشاء عند غيوب الشفق، وصلوها، ورجع اليهم فى جوف الليل فرآهم يتهجدون بشىء من القرآن تعلموه، وطلع الفجر فأذنوا وصلوا، فاذا بطوالع الخيل فقيل: هذا خالد فى خيله، قالوا: يا خالد ما شأنك؟ قال أنتم شأنى بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكم ارتددتم فجثوا يبكون ويقولون: لا والله، فرد الخيل حتى أتى اليه صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} الآية. إن قلنا: الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكاملى الايمان فلأن القضاء وانفاذ الأحكام والافتاء يكون بهم، فذلك تجزئة وقد يراد الكل لوجود الكاملين فيهم، فذلك كل مثل المجموع، وما هنا أمر لا حكم، وان أريد المؤمنون مطلقا فكلية ووجهه أن عامتهم قد يشهدون، وقد يسعون فى أن يفتى أو يقضى أو يحكم بشىء ويتولون ويبرءون، فلزمهم التثبت والنكرة كفاسق ونبأ فى سياق الشرط، تظهر العموم ولا تنصبه، والمراد هنا العموم البدلى لا خصوص الوليد بن عقبة بن أبى معيط بناء على أنه لا يظن بالوليد الجزم بأنهم منعوا الزكاة، وأرادوا قتله، كما قيل بهذا الجزم منه، وانما ظن وتوهم فأخطأ. وقيل: المراد الوليد وأنه جىء بأن والتنكير سترا عليه، والفسق لغة: الخروج، وشرعا: الخروج عن أمر الدين بكبيرة، ويطلق على المشرك أيضا كما ورد فى القرآن، والنبأ الخبر مطلقا، أو إن كانت فيه فائدة عظيم، وقال: {إن جاءكم} ولم يقال: اذا جاءكم لقلة الفسق والاخبار به فى حيزه صلى الله عليه وسلم، حتى انه يشك هل يتصور أن يكون والنداء بالايمان بخرج عنهم الفاسق، إذ ليس منهم، اذ المراد الايمان الكامل أو العموم الا أن ايمانه كلا ايمان، كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" تفسير : أى موحد، والمراد أنه شبيه بالمشرك، أو المراد لا يزنى وهو موف، وليس ذلك نصّاً لجواز أن يراد ان جاءكم فاسق منكم، والذين جىء اليهم هم الباقون بعد هذا المجىء، والآية دليل على أنه لا تقبل شهادة الفاسق لا على أنه يجوز أن يجعل شاهدا، كيف نجعله شاهدا، ولا نكتفى بشهادته، بل بغيرها كشهادة غيره وكالاقرار، وكذا اذا أشهدناه ثم علمنا بفسقه، والمطلوب انتفاء الفسق، فنبحث عن العدالة، والأصل الفسق، أو العدالة قولان: وجه الأول: أن العدالة طارئة، ووجه الثانى أنه بتوحيده يتأصل فيها، والطارىء الفسق، ثالثهما، الوقف عن الحكم فى ذلك حتى يرى ما يقوى أحدهما، كادعا الاسلام فى قوله وفعله، مع عدم العلم العلم بكبيرة منه. والصحابة عدول لا يبحث عن عدالتهم فى شهادة ولا رواية، لما ورد فيهم من المدح، ولا يخلون من كبائر الا أنهم يموتون تائبين ولا بد، وعليه جمهور قومنا أو كغيرهم، فيبحث عنها فيهم إلا من يقطع له بها، كأبى بكر وعمر، ومن ترجح له، أو عدول الى أن وقعت فتنة عثمان، أو الى أن وقعت فتنة على، فمن قاتله منهم فسق، أقوال. خامسها: أن من خاض منه فى الفتن ولم يظهر معه الحق، أو علم الحق، وتمسك بمجرد ما ورد فيهم من المدح، ومن أمسك لقصوره عن إدراك الحق، فهو على عدالته، وأما الفاسق متأول كالمجبرة والقدرية والمعتزلة، فهل تقبل شهادته وروايته، ان تورع فى الفروع؟ قولان، وغير متأول فلا نقبل عنه، ولا تقبل عمن أحل وضع الأحاديث ترغيبا أو ترهيبا كالكرامية لا تقبل عنه، وقيل تقبل فى غير الحديث إن تورع فى غير ذلك، وعليه الحنفية {أنْ تُصيبُوا} كراهة أن تصيبوا أو لئلا تصيبوا {قوماً} برآء مما نسب اليهم {بجهالةٍ} منكم لحالهم متعلق بتصيبوا، والباء لوصل الفعل، أو متعلق بمحذوف حال من الواو، وقالوا للملابسة {فتُصبْحُوا} تصيروا {عَلى ما فَعلتُم} على ما فعلتموه، أو على فعلكم، وعلى التعليل، أو السببية متعلق بقوله: {نادمين} مغتمين غماً لازما، متمنين أنه لم يقع ما فعلتم، لكثرة تذكره وغير ذلك، ولا يلزم تجديد التوبة والندم كلما ذكر الذنب على الصحيح.

الالوسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ} أخرج أحمد وابن أبـي الدنيا والطبراني وابن منده وابن مردويه بسند جيد عن الحرث بن أبـي ضرار الخزاعي قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه وأقررت به ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها وقلت: يا رسول الله أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعت زكاته وترسل إليَّ يا رسول الله رسولاً لإبان كذا وكذا ليأتيك بما جمعت من الزكاة فلما جمع الحرث الزكاة ممن استجاب له وبلغ الإبان الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه احتبس الرسول فلم يأت فظن الحرث أن قد حدث فيه سخطة من الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام فدعا سروات قومه فقال لهم: رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وقت لي وقتاً يرسل إليَّ رسوله ليقبض ما كان عندنا من الزكاة وليس من رسول الله عليه الصلاة والسلام الخلف ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطة فانطلقوا بنا نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة بن أبـي معيط وهو أخو عثمان رضي الله تعالى عنه لأمه إلى الحرث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة فلما أن سار الوليد إلى أن بلغ بعض الطريق فرق فرجع فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الحرث منعني الزكاة وأراد قتلي فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم البعث إلى الحرث فأقبل الحرث بأصحابه حتى إذا استقبله الحرث وقد فصل عن المدينة قالوا: هذا الحرث فلما غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم؟ قالوا: إليك قال: ولم؟ قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله قال: لا والذي بعث محمداً بالحق ما رأيته بتة ولا أتاني فلما دخل الحرث على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: منعت الزكاة وأردت قتل رسولي؟ قال: لا والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا رآني ولا أقبلت إلا حين احتبس عليَّ رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية أن يكون سخطة من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فنزل: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن جَاءكُمْ } تفسير : [الحجرات: 6] إلى قوله سبحانه: {أية : حَكِيمٌ } تفسير : [الحجرات: 8]. وأخرج عبد بن حميد حديث : عن الحسن قال: أتى / النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبـي الله إن بني فلان حياً من أحياء العرب وكان في نفسه عليهم شيء وكان حديث عهد بالإسلام قد تركوا الصلاة وارتدوا وكفروا بالله تعالى فلم يعجل رسول الله عليه الصلاة والسلام ودعا خالد بن الوليد فبعثه إليهم ثم قال: ارمقهم عند الصلوات فإن كان القوم قد تركوا الصلاة فشأنك بهم وإلا فلا تعجل عليهم فدنا منهم عند غروب الشمس فكمن حتى يسمع الصلاة فرمقهم فإذا هو بالمؤذن قد قام عند غروب الشمس فأذن ثم أقام الصلاة فصلوا صلاة المغرب فقال خالد: ما أراهم إلا يصلون فلعلهم تركوا صلاة غير هذه ثم كمن حتى إذا جنح الليل وغاب الشفق أذن مؤذنهم فصلوا فقال: لعلهم تركوا صلاة أخرى فكمن حتى إذا كان في جوف الليل تقدم حتى أطل الخيل بدورهم فإذا القوم تعلموا شيئاً من القرآن فهم يتهجدون به من الليل ويقرؤنه ثم أتاهم عند الصبح فإذا المؤذن حين طلع الفجر قد أذن وأقام فقاموا وصلوا فلما انصرفوا وأضاء لهم النهار إذا هم بنواصي الخيل في ديارهم فقالوا: ما هذا؟ قالوا: خالد بن الوليد قالوا: يا خالد ما شأنك؟ قال: أنتم والله شأني أتى النبـي صلى الله عليه وسلم فقيل له: إنكم تركتم الصلاة وكفرتم بالله تعالى فجثوا يبكون فقالوا: نعوذ بالله تعالى أن نكفر أبداً فصرف الخيل وردها عنهم حتى أتى النبـي صلى الله عليه وسلم وأنزل الله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} الآية تفسير : قال الحسن: فوالله لئن كانت نزلت في هؤلاء القوم خاصة إنها لمرسلة إلى يوم القيامة ما نسخها شيء، والرواية السابقة أصح وأشهر، وكلام صاحب «الكشف» مصرح بأن بعث خالد بن الوليد كان في قضية الوليد بن عقبة، وأن النبـي عليه الصلاة والسلام بعثه إلى أولئك الحي من خزاعة بعد رجوع الوليد وقوله ما قال، والقائل بذلك قال: إنهم سلموا إليه الصدقات فرجع. والخطاب بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} شامل للنبـي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من أمته الكاملين منهم محاسن آداب وغيرهم، وتخصيص الخطاب بحسب ما يقع من الأمر بعد إذ يليق بحال بعضهم لا يخرجه عن العموم لوجوده فيما بينهم فلا تغفل. والفاسق الخارج عن حجر الشرع من قولهم: فسق الرطب إذا خرج عن قشره، قال الراغب: ((والفسق أعم من الكفر ويقع بالقليل من الذنوب وبالكثير لكن تعورف فيما كانت كثيرة، وأكثر ما يقال الفاسق لمن التزم حكم الشرع وأقر به ثم أخل بجميع أحكامه أو ببعضها، وإذا قيل للكافر الأصلي فاسق فلأنه أخل بحكم ما ألزمه العقل واقتضته الفطرة)). ووصف الإنسان به ـ على ما قال ابن الأعرابـي ـ لم يسمع في كلام العرب. والظاهر أن المراد به هنا المسلم المخل بشيء من أحكام الشرع أو المروءة بناءً على مقابلته بالعدل وقد اعتبر في العدالة عدم الإخلال بالمروءة، والمشهور الاقتصار في تعريفه على الإخلال بشيء من أحكام الشرع فلا تغفل. والتبين طلب البيان والتعرف؛ وقريب منه التثبت كما في قراءة ابن مسعود وحمزة والكسائي {فتثبتوا} وهو طلب الثبات والتأني حتى يتضح الحال. وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة: «حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال يوم نزلت الآية: التثبت من الله تعالى والعجلة من الشيطان»تفسير : . وتنكير {فَاسِقُ} للتعميم لأنه نكرة في سياق الشرط وهي كالنكرة في سياق النفي تفيد العموم كما قرر في الأصول وكذا نبأ، وهو ـ كما في «القاموس» ـ الخبر، وقال الراغب: ((لا يقال للخبر في الأصل نبأ حتى يكون ذا فائدة عظيمة يحصل به علم أو غلبة ظن، وقوله تعالى: {إِن جَاءكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ } تنبيه على أنه إذا كان الخبر شيئاً عظيماً وماله قدر فحقه أن يتوقف فيه وإن علم أو غلب صحته على الظن حتى يعاد النظر فيه ويتبين فضل تبين))، ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين معه بالمنزلة التي لا يجسر أحد أن يخبرهم بكذب وما كان يقع مثل / ما فرط من الوليد إلا في الندرة قيل: {إِن جَاءكُمْ } بحرف الشك. وفي النداء بيا أيها الذين آمنوا دلالة على أن الإيمان إذا اقتضى التثبت في نبأ الفاسق فأولى أن يقتضي عدم الفسق. وفي إخراج الفاسق عن الخطاب ما يدل على تشديد الأمر عليه من باب «حديث : لا يزني الزاني وهو مؤمن» تفسير : والمؤمن لا يكذب. واستدل بالآية على أن الفاسق أهل للشهادة وإلا لم يكن للأمر بالتبين فائدة، ألا ترى أن العبد إذا شهد ترد شهادته ولا يتثبت فيها خلافاً للشافعي، وعلى جواز قبول خبر العدل الواحد، وقرره الأصوليون بوجهين. أحدهما: أنه لو لم يقبل خبره لما كان عدم قبوله معللاً بالفسق، وذلك لأن خبر الواحد على هذا التقدير يقتضي عدم القبول لذاته وهو كونه خبر واحد فيمتنع تعليل عدم قبوله بغيره لأن الحكم المعلل بالذات لا يكون معللاً بالغير إذ لو كان معللاً به اقتضى حصوله به مع أنه حاصل قبله لكونه معللاً بالذات وهو باطل لأنه تحصيل للحاصل أو يلزم توارد علتين على معلول واحد في خبر الفاسق، وامتناع تعليله بالفسق باطل للآية فإن ترتب الحكم على الوصف المناسب يغلب على الظن أنه علة له والظن كاف هنا لأن المقصود هو العمل فثبت أن خبر الواحد ليس مردوداً وإذا ثبت ذلك ثبت أنه مقبول يعمل به. ثانيهما: أن الأمر بالتبين مشروط بمجىء الفاسق ومفهوم الشرط معتبر على الصحيح فيجب العمل به إذا لم يكن فاسقاً لأن الظن يعمل به هنا، والقول بالواسطة منتف؛ والقول بأنه يجوز اشتراك أمور في لازم واحد فيعلق بكل منهما بكلمة (إنْ) مع أنه لا يلزم من انتفاء ذلك الملزوم انتفاء اللازم غير متوجه لأن الشرط مجموع تلك الأمور وكل واحد منها لا يعد شرطاً على ما قرر في الأصول. نعم قال ابن الحاجب وعضد الدين: قد استدل من قبلنا على وجوب العمل بخبر الواحد بظواهر لا تفيد إلا الظن ولا يكفي في المسائل العلمية وذكرا من ذلك الآية المذكورة. ثم إن للقائلين بوجوب العمل به اختلافاً كثيراً مذكوراً في محله. واستدل الحنفية بها على قبول خبر المجهول الذي لا تعلم عدالته وعدم وجوب التثبت لأنها دلت على أن الفسق شرط وجوب التثبت فإذا انتفى الفسق انتفى وجوبه وهٰهنا قد انتفى الفسق ظاهراً ونحن نحكم به فلا يجب التثبت. وتعقب بأنا لا نسلم أنه هٰهنا انتفى الفسق بل انتفى العلم به ولا يلزم من عدم العلم بالشيء عدمه والمطلوب العلم بانتفائه ولا يحصل إلا بالخبرة به أو بتزكية خبير به له، قال العضد: إن هذا مبني على أن الأصل الفسق أو العدالة والظاهر أنه الفسق لأن العدالة طارئة ولأنه أكثر. واستدل بها على أن من الصحابة رضي الله تعالى عنهم من ليس بعدل لأن الله تعالى أطلق الفاسق على الوليد بن عقبة فيها، فإن سبب النزول قطعي الدخول وهو صحابـي بالاتفاق فيرد بها على من قال: إنهم كلهم عدول ولا يبحث عن عدالتهم في رواية ولا شهادة، وهذا أحد أقوال في المسألة وقد ذهب إليه الأكثر من العلماء السلف والخلف. وثانيهما: أنهم كغيرهم فيبحث عن العدالة فيهم في الرواية والشهادة إلا من يكون ظاهرها أو مقطوعها كالشيخين. وثالثها: أنهم عدول إلى قتل عثمان رضي الله تعالى عنه ويبحث عن عدالتهم من حين قتله لوقوع الفتن من حينئذٍ وفيهم الممسك عن خوضعها. ورابعها: أنهم عدول إلا من قاتل علياً كرم الله تعالى وجهه لفسقه بالخروج على الإمام الحق وإلى هذا ذهبت المعتزلة. والحق ما ذهب إليه الأكثرون وهم يقولون: إن من طرأ له منهم قادح ككذب أو سرقة أو زنا عمل بمقتضاه في حقه إلا أنه لا يصر على ما يخل بالعدالة بناءً على ما جاء في مدحهم من الآيات والأخبار وتواتر من محاسن الآثار، فلا يسوغ لنا الحكم على من ارتكب منهم مفسقاً بأنه مات على الفسق، ولا ننكر أن منهم من ارتكب في حياته مفسقاً لعدم القول بعصمتهم وأنه كان يقال له قبل توبته فاسق لكن لا يقال باستمرار هذا الوصف / فيه ثقة ببركة صحبة النبـي صلى الله عليه وسلم ومزيد ثناء الله عز وجل عليهم كقوله سبحانه: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } تفسير : [البقرة: 143] أي عدولاً وقوله سبحانه: {أية : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } تفسير : [آل عمران: 110] إلى غير ذلك، وحينئذٍ إن أريد بقوله: إن من الصحابة من ليس بعدل ان منهم من ارتكب في وقت ما ما ينافي العدالة فدلالة الآية عليه مسلمة لكن ذلك ليس محل النزاع، وإن أريد به أن منهم من استمر على ما ينافي العدالة فدلالة الآية عليه غير مسلمة كما لا يخفى فتدبر فالمسألة بعد تتحمل الكلام وربما تقبل زيادة قول خامس فيها. هذا ثم اعلم أن الفاسق قسمان فاسق غير متأول وهو ظاهر ولا خلاف في أنه لا يقبل خبره وفاسق متأول كالجبري والقدري ويقال له المبتدع بدعة واضحة، فمن الأصوليين من رد شهادته وروايته للآية ومنهم الشافعي والقاضي، ومنهم من قبلهما، أما الشهادة فلأن ردها لتهمة الكذب والفسق من حيث الاعتقاد لا يدل عليه بل هو أمارة الصدق لأن موقعه فيه تعمقه في الدين، والكذب حرام في كل الأديان لا سيما عند من يقول بكفر الكاذب أو خروجه من الإيمان وذلك يصده عنه إلا من يدين بتصديق المدعي المتحلي بحليته كالخطابية، وكذا من اعتقد بحجية الإلهام، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : نحن نحكم بالظاهر»تفسير : وأما الرواية فلأن من احترز عن الكذب على غير الرسول صلى الله عليه وسلم فاحترازه من الكذب عليه صلى الله عليه وسلم أولى إلا من يعتقد حل وضع الأحاديث ترغيباً أو ترهيباً كالكرامية أو ترويجاً لمذهبه كابن الراوندي، وأصحابنا الحنفية قبلوا شهادتهم لما مر دون روايتهم إذا دعوا الناس إلى هواهم، وعلى هذا جمهور أئمة الفقه والحديث لأن الدعوة إلى ذلك داعية إلى النقول فلا يؤتمنون على الرواية ولا كذلك الشهادة. ورجح ما ذهب إليه الشافعي والقاضي بأن الآية تقتضيه والعمل بها أولى من العمل بالحديث لتواترها وخصوصها، والعام يحتمل التخصيص ولأنها لم تخصص إذ كل فاسق مردود، والحديث خص منه خبر الكافر. وأجيب بأن مفهومها أن الفسق هو المقتضي للتثبت فيراد به ما هو إمارة الكذب لا ما هو أمارة الصدق فافهم. وليس من الفسق نحو اللعب بالشطرنج من مجتهد يحله أو مقلد له، صوبنا أو خطأنا، لوجوب العمل بموجب الظن ولا تفسيق بالواجب. وحد الشافعي عليه الرحمة شارب النبيذ ليس لأنه فاسق بل لزجره لظهور التحريم عنده، ولذا قال: أحده وأقبل شهادته، وكذا الحد في شهادة الزنا لعدم تمام النصاب لا يدل على الفسق بخلافه في مقام القذف فليحفظ. {أَنْ تُصيبُواْ} تعليل للأمر بالتبين أي فتبينوا كراهة أن تصيبوا أو لئلا تصيبوا {قَوْماً } أي قوم كانوا {بِجَهَـٰلَةٍ } ملتبسين بجهالة لحالهم، ومآله جاهلين حالهم، {فَتُصْبِحُواْ } فتصيروا بعد ظهور براءتهم عما رموا به {عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ } في حقهم {نَـٰدِمِينَ } مغتمين غماً لازماً متمنين أنه لم يقع، فإن الندم الغم على وقوع شيء مع تمني عدم وقوعه، ويشعر باللزوم وكذا سائر تصاريف حروفه وتقاليبها كمدن بمعنى لزم الإقامة ومنه المدينة وأدمن الشيء أدام فعله. وزعم بعضهم أن في الآية إشارة إلى أنه يجب على الإنسان تجديد الندم كلما ذكر الذنب ونسب إلى الزمخشري وليس بشيء، وفي «الكشف» التحقيق أن الندم غم خاص ولزومه قد يقع لقوته في أول الأمر وقد يكون لعدم غيبة موجبه عن الخاطر، وقد يكون لكثرة تذكره ولغير ذلك من الأسباب، وأن تجديد الندم لا يجب في التوبة لكن التائب الصادق لا بد له من ذلك.

ابن عاشور

تفسير : هذا نداء ثالث ابتدىء به غرض آخر وهو آداب جماعات المؤمنين بعضهم مع بعض وقد تضافرت الروايات عند المفسرين عن أم سلمة وابن عباس والحارث بن ضرارة الخزاعي أن هذه الآية نزلت عن سبب قضية حدثت. ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط إلى بني المصطلق من خزاعة ليأتي بصدقاتهم فلمّا بلغهم مجيئه، أو لمّا استبطأُوا مجيئه، فإنهم خرجوا لتلقيه أو خرجوا ليبلغوا صدقاتهم بأنفسهم وعَليهم السلاح، وأن الوليد بلغه أنهم خرجوا إليه بتلك الحالة وهي حالة غير مألوفة في تلقي المصدقين وحدثته نفسه أنهم يريدون قتله، أو لما رآهم مقبلين كذلك (على اختلاف الروايات) خاف أن يكونوا أرادوا قتله إذ كانت بينه وبينهم شحناء من زمن الجاهلية فولّى راجعاً إلى المدينة. (هذا ما جاء في روايات أربع متفقة في صفة خروجهم إليه مع اختلافها في بيان الباعث لهم على ذلك الخروج وفي أن الوليد أُعلم بخروجهم إليه أو رآهم أو استشعرت نفسه خوفاً) وأن الوليد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن بني المصطلق أرادوا قتلي وأنهم منعوا الزكاة فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهمّ أن يبعث إليهم خالدَ بن الوليد لينظر في أمرهم، وفي رواية أنه بعث خالداً وأمره بأن لا يغزوهم حتى يستثبت أمرهم وأن خالداً لما بلغ ديار القوم بعث عيناً له ينظر حالهم فأخبره أنهم يقيمون الأذان والصلاة فأخبرهم بما بلغ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عنهم وقبض زكاتهم وقفل راجعاً. وفي رواية أخرى أنهم ظنوا من رجوع الوليد أن يُظن بهم منع الصدقات فجاؤوا النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يخرج خالد إليهم متبرئين من منع الزكاة ونية الفتك بالوليد بن عقبة. وفي رواية أنهم لما وصلوا إلى المدينة وجدوا الجيش خارجاً إلى غزوهم. فهذا تلخيص هذه الروايات وهي بأسانيد ليس منها شيء في «الصحيح». وقد روي أن سبب نزول هذه الآية قضيتان أخريان، وهذا أشهر. ولنشتغل الآن ببيان وجه المناسبة لموقع هذه الآية عقب التي قبلها فإن الانتقال منها إلى هذه يقتضي مناسبة بينهما، فالقصتان متشابهتان إذ كان وفد بني تميم النازلةُ فيهم الآية السابقة جاؤوا معتذرين عن ردهم ساعي رسول الله صلى الله عليه وسلم لقبض صدقات بني كعب بن العنبر من تميم كما تقدم، وبنو المصطلق تبرُّؤوا من أنهم يمنعون الزكاة إلا أن هذا يُناكِده بُعد ما بين الوقتين إلا أن يكون في تعيين سنة وفد بني تميم وَهَم. وإعادة الخطاب بــ {يا أيها الذين آمنوا} وفصله بدون عاطف لتخصيص هذا الغرض بالاهتمام كما علمت في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي}. فالجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً للمناسبة المتقدم ذكرها. ولا تعلق لهذه الآية بتشريع في قضية بني المصطلق مع الوليد بن عقبة لأنها قضية انقضت وسُويت. والفاسق: المتصف بالفسوق، وهو فعل ما يحرمه الشرع من الكبائر. وفسر هنا بالكاذب قاله ابن زيد ومقاتل وسهل بن عبد الله. وأوثر في الشرط حرف {إن} الذي الأصل فيه أن يكون للشرط المشكوك في وقوعه للتنبيه على أن شأن فعل الشرط أن يكون نادر الوقوع لا يقدم عليه المسلمون. واعلم أن ليس الآية ما يقتضي وصف الوليد بالفاسق تصريحاً ولا تلويحاً. وقد اتفق المفسرون على أن الوليد ظنّ ذلك كما في «الإصابة» عن ابن عبد البر وليس في الروايات ما يقتضي أنه تعمد الكذب. قال الفخر: «إن إطلاق لفظ الفاسق على الوليد شيء بعيد لأنه توهَّم وظن فأخطأ، والمخطىء لا يسمى فاسقاً». قلت: ولو كان الوليد فاسقاً لما ترك النبي صلى الله عليه وسلم تعنيفه واستتابته فإنه روىٰ أنه لم يزد على قوله له «حديث : التبيّن من الله والعجلة من الشيطان»تفسير : ، إذ كان تعجيل الوليد الرجوع عجلة. وقد كان خروج القوم للتعرض إلى الوليد بتلك الهيئة مثار ظنِّه حقاً إذ لم يكن المعروف خروج القبائل لتلقّي السعاة. وأنا أحسب أن عملهم كان حيلة من كبرائهم على انصراف الوليد عن الدخول في حيّهم تعيُّراً منهم في نظر عامتهم من أن يدخل عدوّ لهم إلى ديارهم ويتولى قبض صدقاتهم فتُعيرهم أعداؤهم بذلك يمتعض منهم دهماؤهم ولذلك ذهبوا بصدقاتهم بأنفسهم في رواية أو جاؤوا معتذرين قبل مجيء خالد بن الوليد إليهم في رواية أخرى. ويؤيد هذا ما جاء في بعض روايات هذا الخبر أن الوليد أعلم بخروج القوم إليه، وسَمع بذلك فلعل ذلك الإعلام موعَز به إليه ليخاف فيرجع. وقد اتفق من ترجموا للوليد بن عقبة على أنه كان شجاعاً جواداً وكان ذا خلق ومروءة. واعلم أن جمهور أهل السنة على اعتبار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عدولاً وإن كل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به فهو من أصحابه. وزاد بعضهم شرط أن يروي عنه أو يلازمه ومال إليه المازري. قال في «أماليه» في أصول الفقه «ولسنا نعني بأصْحَاب النبي كل من رآه أو زاره لماماً إنما نريد أصحابه الذين لازموه وعززوه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه وأولئك هم المفلحون شهد الله لهم بالفلاح» اهــ. وإنما تلقف هذه الأخبار الناقمون على عثمان إذ كان من عداد مناقمهم الباطلة أنه أولى الوليد بن عقبة إمارة الكوفة فحملوا الآية على غير وجهها وألصقوا بالوليد وصف الفاسق، وحاشاه منه لتكون ولايته الإمارة باطلاً. وعلى تسليم أن تكون الآية إشارة إلى فاسق معين فلماذا لا يحمل على إرادة الذي أعلم الوليدَ بأن القوم خرجوا له ليصدّوه عن الوصول إلى ديارهم قصداً لإرجاعه. وفي بعض الروايات أن خالداً وصل إلى ديار بني المصطلق. وفي بعضها أن بني المصطلق وردوا المدينة معتذرين، واتفقت الروايات على أن بين بني المصطلق وبين الوليد بن عقبة شَحناء من عهد الجاهلية. وفي الرواية أنهم اعتذروا للتسلح بقصد إكرام ضيفهم. وفي السيرة الحلبية أنهم قالوا: خشِينا أن يبادئنا بالذي كان بيننا من شحناء. وهذه الآية أصل في الشهادة والرواية من وجوب البحث عن دخيلة من جُهل حال تقواه. وقد قال عمر بن الخطاب لا يُؤسر أحد في الإسلام بغير العدول، وهي أيضاً أصل عظيم في تصرفات ولاة الأمور وفي تعامل الناس بعضهم مع بعض من عدم الإصغاء إلى كل ما يروى ويخبر به. والخطاب بــ {يا أيها الذين آمنوا} مراد به النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه ويشمل الوليد بن عقبة إذ صدق من أخبره بأن بني المصطلق يريد له سوءاً ومن يأتي من حكام المؤمنين وأمرائهم لأن المقصود منه تشريع تعديل من لا يعرف بالصدق والعدالة. ومجيء حرف {إن} في هذا الشرط يومىء إلى أنه مما ينبغي أن لا يقع إلا نادراً. والتبين: قوة الإبانة وهو متعد إلى مفعول بمعنى أبان، أي تأملوا وأبينوا. والمفعول محذوف دل عليه قوله بنبإ أي تبينوا ما جاء به وإبانة كل شيء بحسبها. والأمر بالتبيّن أصل عظيم في وجوب التثبت في القضاء وأن لا يتتبع الحاكم القيل والقال ولا ينصاع إلى الجولان في الخواطر من الظنون والأوهام. ومعنى {فتبينوا} تبينوا الحق، أي من غير جهة ذلك الفاسق. فخبر الفاسق يكون داعياً إلى التتبع والتثبت يصلح لأن يكون مستنداً للحكم بحال من الأحوال وقد قال عمر بن الخطاب «لا يؤسر أحد في الإسلام بغير العدول». وإنما كان الفاسق معرَّضاً خبره للريبة والاختلاق لأن الفاسق ضعيف الوازع الديني في نفسه، وضعف الوازع يجرئه على الاستخفاف بالمحظور وبما يخبر به في شهادة أو خَبَر يترتب عليهما إضرار بالغير أو بالصالح العام ويقوي جُرأته على ذلك دوماً إذا لم يتب ويندم على ما صدر منه ويقلع عن مثله. والإشراك أشد في ذلك الاجتراء لقلة مراعاة الوازع في أصول الإشراك. وتنكير {فاسق}، و {نَبإ}، في سياق الشرط يفيد العموم في الفساق بأي فسق اتصفوا، وفي الأنباء كيف كانت، كأنه قيل: أيّ فاسق جاءكم بأيّ نبَإ فتوقفوا فيه وتطلبوا بيان الأمر وانكشافه. وقرأ الجمهور {فتبينوا} بفوقية فموحدة فتحتية فنون من التبيّن، وقرأ حمزة والكسائي وخلَف فتثبتوا بفوقية فمُثلثَة فموحدة ففوقية من التثبت. والتبيّن: تطلب البيان وهو ظهور الأمر، والتثبت التحري وتطلب الثبات وهو الصدق. ومآل القراءتين واحد وإن اختلف معناهما. وعن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : التثبّتُ من الله والعجلة من الشيطان»تفسير : . وموقع {أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا} الخ نصباً على نزع الخافض وهو لام التعليل محذوفة. ويجوز كونه منصوباً على المفعول لأجله. والمعلل باللام المحذوفة أو المقدرة هو التثبت، فمعنى تعليله بإصابة يقع إثرها الندم هو التثبت. فمعنى تعليله بإصابة يقع آخرها الندم أن الإصابة علة تحمل على التثبت للتفادي منها فلذلك كان معنى الكلام على انتفاء حصول هذه الإضافة لأن العلة إذا صلحت لإثبات الكف عن فعل تصلح للإتيان بضده لتلازم الضد. وتقدم نظير هذا التعليل في قوله: {أية : أن تحبط أعمالكم}تفسير : [الحجرات: 2] في هذه السورة. وهذا التحذير من جراء قبول خبر الكاذب يدل على تحذير من يخطر له اختلاق خبر مما يترتب على خبره الكاذب من إصَابة الناس. وهذا بدلالة فحوى الخطاب. والجهالة: تطلق بمعنى ضد العلم، وتطلق بمعنى ضد الحِلم مثل قولهم: جَهْل كجهل السيف، فإن كان الأول، فالباء للملابسة وهو ظرف مستقر في موضع الحال، أي متلبسين أنتم بعدم العلم بالواقع لتصديقكم الكاذب، ومتعلق {تصيبوا} على هذا الوجه مَحذوف دل عليه السياق سابقاً ولاحقاً، أي أن تصيبوهم بضرّ، وأكثر إطلاق الإصابة على إيصال الضرّ وعلى الإطلاق الثاني الباء للتعدية، أي أن تصيبوا قوماً بفعل من أثر الجهالة، أي بفعل من الشدة والإضرار. ومعنى {فتصبحوا} فتصيروا لأن بعض أخوات (كان) تستعمل بمعنى الصيرورة. والندم: الأسف على فعل صدر. والمراد به هنا الندم الديني، أي الندم على التورط في الذنب للتساهل وترك تطلب وجوه الحق. وهذا الخطاب الذي اشتمل عليه قوله: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} موجه ابتداء للمؤمنين المخبَرين (بفتح الباء) كل بحسب أثره بما يبلغ إليه من الأخبار على اختلاف أغراض المخبِرين (بكسر الباء). ولكنّ هذا الخطاب لا يترك المخبِرين (بكسر الباء) بمعزل عن المطالبة بهذا التبيّن فيما يتحملونه من الأخبار وبتوخّي سوء العاقبة فيما يختلقونه من المختلقات ولكن هذا تبيّن وتثبت يخالف تبيُّن الآخر وتثبته، فهذا تثبت من المتلقي بالتمحيص لما يتلقاه من حكاية أو يطرق سمعه من كلام والآخر تمحيص وتمييز لحال المخبر. واعلم أن هذه الآية تتخرج منها أربع مسائل من الفقه وأصوله: المسألة الأولى: وجوب البحث عن عدالة من كان مجهول الحال في قبول الشهادة أو الرواية عند القاضي وعند الرواة. وهذا صريح الآية وقد أشرنا إليه آنفاً. المسألة الثانية: أنها دالة على قبول خبر الواحد الذي انتفت عنه تهمة الكذب في شهادته أو روايته وهو الموسوم بالعدالة، وهذا من مدلول مفهوم الشرط في قوله: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} وهي مسألة أصولية في العمل بخبر الواحد. المسألة الثالثة: قيل إن الآية تدل على أن الأصل في المجهول عدم العدالة، أي عدم ظن عدالته فيجب الكشف عن مجهول الحال فلا يعمل بشهادته ولا بروايته حتى يبحث عنه وتثبت عدالته. وهذا قول جمهور الفقهاء والمحدثين وهو قول مالك. وقال بعضهم: الأصل في الناس العدالة وينسب إلى أبي حنيفة فيقبل عنده مجهول الباطن ويعبر عنه بمستور الحال. أما المجهول باطنُه وظاهره معاً فحكي الاتفاق على عدم قبول خبره، وكأنهم نظروا إلى معنى كلمة الأصل العقلي دون الشرعي، وقد قيل: إن عمر بن الخطاب كان قال: «المسلمون عدول بعضهم عن بعض» وأنه لما بلغه ظهور شهادة الزور رَجع فقال: «لا يؤسر أحد في الإسلام بغير العدول». ويستثنى من هذا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فإن الأصل أنهم عدول حتى يثبت خلاف ذلك بوجه لا خلاف فيه في الدين ولا يختلف فيه اجتهاد المجتهدين. وإنما تفيد الآية هذا الأصل إذا حُمل معنى الفاسق على ما يشمل المتهم بالفسق. المسألة الرابعة: دل قوله: {فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} أنه تحذير من الوقوع فيما يوجب الندم شرعاً، أي ما يوجب التوبة من تلك الإصابة، فكان هذا كناية عن الإثم في تلك الإصابة فحُذر ولاة الأمور من أن يصيبوا أحداً بضر أو عقاب أو حد أو غرم دون تبيّن وتحقق توجه ما يوجب تسليط تلك الإصابة عليه بوجه يوجب اليقين أو غلبة الظن وما دون ذلك فهو تقصير يؤاخذ عليه، وله مراتب بينها العلماء في حكم خطها القاضي وصِفةِ المخطىء وما ينقض من أحكامه. وتقديم المجرور على متعلَّقه في قوله: {على ما فعلتم نادمين} للاهتمام بذلك الفعل، وهو الإصابة بدون تثبت والتنبيه على خطر أمره.

الشنقيطي

تفسير : نزلت هذه الآية الكريمة في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وقد أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق من خزاعة ليأتيهم بصدقات أموالهم فلما سمعوا به تلقوه فرحاً به، فخاف منهم وظن أنهم يريدون قتله، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وزعم له أنهم منعوا الصدقة وأرادوا قتله، فقدم وفد منهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه بكذب الوليد فأنزل الله هذه الآية. وهي تدل على عدم تصديق الفاسق في خبره. وصرح تعالى في موضع آخر بالنهي عن قبول شهادة الفاسق، وذلك في قوله:{أية : وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ}تفسير : [النور: 4] ولا خلاف بين العلماء في رد شهادة الفاسق وعدم قبول خبره. وقد دلت هذه الآية من سورة الحجرات على أمرين: الأول منهما: أن الفاسق إن جاء بنبإ ممكن معرفة حقيقته، وهل ما قاله فيه الفاسق حق أو كذب فإنه يجب فيه التثبت. والثاني: هو ما استدل عليه بها أهل الأصول من قبول خبر العدل لأن قوله تعالى: {إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ} بدل بدليل خطابه، أعني مفهوم مخالفته أن الجائي بنبإ إن كان غير فاسق بل عدلاً لا يلزم التبين في نبئه على قراءة: فتبينوا. ولا التثبت على قراءة: فتثبتوا، وهو كذلك. وأما شهادة الفاسق فهي مردودة كما دلت عليه آية النور المذكورة آنفاً. وقد قدمنا معنى الفسق وأنواعه في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك. وقوله {أَن تُصِيببُواْ قَوْمَا} أي لئلا تصيبوا قوماً، أو كراهة أن تصيبوا قوماً بجهالة، أي لظنكم النبأ الذي جاء به الفاسق حقاً فتصبحوا على ما فعلتم من إصابتكم للقوم المذكورين نادمين لظهور كذب الفاسق فيما أنبأ به عنهم، لأنهم لو لم يتبينوا في نبإ الوليد عن بني المصطلق لعاملوهم معاملة المرتدين؟ ولو فعلوا ذلك لندموا. وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير حمزة والكسائي: فتبينوا بالباء التحتية الموحدة بعدها مثناة تحتية مشددة ثم نون. وقرأه حمزة والكسائي: فتثبتوا بالثاء المثلثة بعدها ياء تحتية موحدة مشددة ثم تاء مثناة فوقية. والأول من التبين، والثاني من التثبت. ومعنى القراءتين واحد، وهو الأمر بالتأني وعدم العجلة حتى تظهر الحقيقة فيما أنبأ به الفاسق.

القطان

تفسير : الفاسق: الخارج عن حدود الدين. بنبأ: بخبر. قال الراغب في مفرداته: لا يقال للخبر نبأ الا اذا كان ذا فائدة عظيمة. فتبينوا: فتثبتوا، وفي قراءة فتثبتوا. بجهالة: بغير علم. تقرر هذه الآية الكريمة مبدأً عظيماً للمؤمنين: كيف يتلقَّون الأنباء وكيف يتصرفون بها، وأن عليهم ان يتثبَّتوا من مصدرها. وقد خُصَّ الفاسقُ لأنه مظنّةُ الكذب، اما اذا كان مصدر الخبر من المأمون في دينه وخلقه فإنه يؤخذ بأخباره، ولا يجوز ان يُشك فيه، والا تعطّلت المصالح، وتزعزعت الثقة بين المؤمنين، وتعطل سير الحياة وتنظيمها في الجماعة. والاسلام يدعُ الحياة تسير في مجراها الطبيعي، ويضع الضماناتِ والحواجز فقط لصيانتها لا لتعطيلها. وقد روي في سبب نزول هذه الآيات روايات قَبِلها كثير من المفسرين وضعّفها بعضهم، ومنهم الرازي. والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: فتثبتوا، من التثبت والتريث في الأمور، وقرأ الباقون: فتبينوا، من التبين والتريث، والفعلان قريبان من بعض.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُوۤاْ} {بِنَبَإٍ} {بِجَهَالَةٍ} {نَادِمِينَ} (6) - هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أبي مُعيطٍ، فَقَدْ أرْسَلَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى بَني المُصْطَلَقِ لِيَجْمَعَ صَدَقَاتِهِمْ وَكَانَ رَئِيسُهُم الحَارِثُ بنُ ضِرارٍ الخِزَاعِي قَدْ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأسْلَمَ، وَسَألَ الرَّسُولَ أنْ يَرْجِعَ إلى قَوْمِهِ فَيَدْعُوهُمْ إلى الإِسْلامِ فَمَنِ اسْتَجَابَ مِنْهُم لَهُ جَمَعَ الزَّكَاةَ مِنْهُ، عَلَى أنْ يُرْسِلَ الرَّسُولُ مَبْعُوثاً مِنْ قِبَلِهِ، في وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، لِيَقْبِضَ مَا جَمَعَهُ الحَارِثُ مِنْ صَدَقاتِ بَني المُصْطَلقِ. فَقَامَ الحَارِثُ بِمَا أمَرَه بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَلما مَضَى المَوْعِدُ المُحَدَّدُ وَلَم يَحْضُرْ إليهِ أحَدٌ مِنْ قِبلِ الرَّسُولِ، خَافَ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ قَدْ غَضبَ عَلَيهِ لأمْرٍ مَا، فَجَمَعَ وُجُوهَ قَوْمِهِ وَسَارَ بِهمْ إِلى الرَّسُولِ في المَدِينَةِ. وَكَانَ الوَليدُ بْنُ عُقْبَة قَدْ تَوجَّهَ إِلى بَني المُصْطَلقِ مَبْعُوثاً من رَسُولِ اللهِ، فَلَمَا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ تَخَوَّفَ مِنْ أنْ يَقْتُلَهُ بَنُوا المُصْطَلَقِ فَعَادَ وأخْبَرَ الرَّسُولَ بأنَّ بَني المُصْطَلقِ مَنَعُوهُ الزَّّكَاةَ، وَكادُوا يَقْتُلُونَهُ. (وَقِيلَ إنَّ بَني المُصْطَلقِ عَلِمُوا بِمَقْدَمِ الولِيدِ فَفَرِحُوا بهِ وَخَرَجُوا للقَائِهِ فَخَافَ مِنْهُم وَعَادَ). فلما سَألَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم الحَارِثَ عَنْ سَبَبِ مَنْعِهِم الزَّكَاةَ، وَمُحَاوَلَتِهِمْ قَتْلَ رَسُولِهِ، قَالُوا لهُ: لاَ والذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا جَاءَنَا أحَدٌ. فأَنْزَلَ اللهُ تَعَالى هَذِهِ الآية. وفي هَذِهِ الآيةِ يَأمُرُ اللهُ تَعَالى المُؤْمِنينَ بأنْ لاَ يَتَعجَّلُوا في حَسْمِ الأمُورِ وَتَصْدِيقِ الأخْبَارِ التي يَأتِيهِمْ بها أناسٌ فَسَقَةٌ، غَيْرُ مأمُونينَ في خُلُقِهِمْ وَدِينِهِمْ وَرِوَايَتِهِمْ، لأنَّ مَنْ لا يُبَالي بالفِسْقِ فَهُوَ أجْدَرُ بأنْ لا يُبَالي بالكَذِبِ، ولا يَتَحَامَاهُ، وَقَدْ يُؤدِّي التَّعْجِيلُ في تَصْدِيقِ الأنباءِ التِي يَنْقُلُها الفُسَّاقُ إلى إصَابةِ أناسٍ أبْرياءَ بأذًى، وَالمُؤْمِنُونَ يَجْهَلُونَ حَالَهم، فَيَكُونُ ذَلِكَ الإِيذاءُ سَبَباً لِنَدامَتِهِمْ عَلَى مَا فَرَطَ مِنْهُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أيضاً نداء خاص بالذين آمنوا، وهو النداء الثالث بعد {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ..}تفسير : [الحجرات: 1] وبعد {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ ..}تفسير : [الحجرات: 2] وهنا {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ ..} [الحجرات: 6]. ونلاحظ أن النسق القرآني لم يجمع بين هذه الأمور الثلاثة في نداء واحد، ولم يستخدم أدوات العطف إنما خصَّ كل أمر منها بنداء خاص لمزيد التأكيد والاهتمام. ففي وصية سيدنا لقمان لابنه قال: {أية : يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}تفسير : [لقمان: 13]. وقال: {أية : يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ * وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ}تفسير : [لقمان: 17-19]. إذن: خصّ مسألة العقيدة بنداء خاص لأهميتها، وجمع عمل الجوارح في نداء واحد لأنها على مستوى واحد من الأهمية في الدين. إذن: نفهم من تكرار النداء بيأيها الذين آمنوا أنه يعطي أهمية خاصة لكل نداء. ومعنى {إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ ..} [الحجرات: 6] الفاسق وصْف مأخوذ من قولنا فسقت الرطبة. يعني: خرجت عن قشرتها، وخروج الرطبة عن قشرتها يُعرِّضها للحشرات وللآفات الضارة. كذلك المؤمن يُغلفه الإيمان ويحميه أنْ تصيبه آفات النفوس، فإذا فسق يعني: خرج عن حدود الإيمان وشذَّ عنه أصابته الأمراض المهلكة، لذلك قالوا عن الفاسق هو مرتكب كبيرة أو مجهول الحال. فإذا جاءك النبأ أي الخبر من مثل هذا من فاسق فلا تُسلم له بما قال، إنما {فَتَبَيَّنُوۤاْ ..} [الحجرات: 6] يعني: تثبَّتوا من صحة هذا الخبر ومن صدَّقه. قف حتى تتبين وجه الحقيقة فيما سمعتَ حتى يكون حكمك على الأمور واقعياً، ولا تأخذك العجلة والحمية فتقع في محظور {فَتَبَيَّنُوۤاْ أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6]. الحق سبحانه يأمرنا بالتثبت هنا لأن الإنسان ابن أغيار كثير التقلب، فربما اتصف بالصدق، لكن كذب هذه المرة أو اتصف بالكذب، لكن صدق هذه المرة، فالتثبت احتياط واجب، حتى يأتي الحكم والتصرف بعد ذلك موضوعياً ولا نقع في دائرة الظلم والتعدي على الآخرين. تبيَّن من خبر الفاسق لعله يكون من الأشياء التي عصى الله فيها، لأن العصيان عنده سهلٌ، فلو صدَّقته ربما تصيب قوماً لا ذنبَ لهم. {بِجَهَالَةٍ ..} [الحجرات: 1] وأنت تجهل حقيقة الأمر، وعندها يصبح المصاب صاحبَ حق وأنت مُعتد فتندم على تعدِّيك وتجاوزك للصواب، تندم لأنك جعلتَ مَنْ أسأته صاحبَ حَقٍّ عليك. وفرْق بين مَنْ يفعل الذنب بجهالة ومَنْ يفعله متعمداً، وبحسب موقف النفس البشرية من المعصية يكون قبول التوبة، وأذكر ونحن في فرنسا أن واحداً من الزملاء رُشِّح لأنْ يكون مبعوثاً إلى فرنسا، هذا ذاهب إلى هناك لقصد العلم فقط وليس في باله أي أغراض أخرى، وهناك سكن على طريقة الغرباء في أحد البيوت مع إحدى الأسر. وفي ليلة دخلت عليه بنت هؤلاء الذين يسكن معهم، ربما قد يكون ارتكب معصية معها في هذا الموقف لكنه وقع فيه عن جهالة ودون أن يخطط له. على خلاف شخص آخر حينما يذهب إلى هذه البلاد يذهب وفي باله هذه المسائل، وربما اتصل بمَنْ يعطيه عناوين أهل المعصية. لذلك يُحدد الحق سبحانه شروط التوبة المقبولة، فيقول: {أية : إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}تفسير : [النساء: 17-18]. والندم على المعصية أول مراحل التوبة، لكن الأمر بالتثبُّت من خبر الفاسق، أهو وعظ ابتداءً أم له سَببٌ نزل القرآنُ من أجله؟ قالوا: بل له سببٌ وهو حادثة الوليد بن عقبة بن أبي معيط لما ولاَّه رسولُ الله جبايةَ أموال الزكاة من بني المصطلق. فلما ذهب إليهم خرجوا جميعاً لمقابلته والاحتفاء به حين علموا أنه رسول رسول الله، لكنه خاف من جمعهم على هذه الصورة، وخشي أنْ ينالوه بشرٍّ خاصة وقد كان له دية قديمة عندهم من أيام الجاهلية. ففرَّ عائداً إلى رسول الله وقال: يا رسول الله منعوني الزكاة، فرسولُ الله تثبَّت من الأمر وسألهم فقالوا: بل خرجنا فرحاً به يا رسول الله، ولو صدَّق رسولُ الله هذا الخبر لاعتبرهم مرتدين، وربما كان حدث ما لا تُحمد عقباه. وروُي أن سيدنا رسول الله بلغه أن السيدة مارية القبطية أم إبراهيم لها ابنُ عم يزورها ويدخل عندها، فأغضبه ذلك وقال لعلي: خُذْ هذا السيف واذهب إليه فإنْ وجدته فاقتله. فقال: يا رسول الله أنا في أمرك أأقتله. أم يرى الشاهد ما لا يرى الغائب؟ انظر هنا إلى احتياط علي رضي الله عنه. فلما ذهب وجده عند مارية فهمَّ بسيفه ليقتله، لكن الرجل أسرع إلى نخلة فصعد عليها بحيث لا يناله سيفُ علي، ثم ألقى بنفسه على الأرض وفتح بين ساقيه حتى بانت لعلي أماكن عورته فرآه علي أمسحاً، يعني: ليس له ما للرجال فكفَّ عنه. وذهب إلى رسول الله وأخبره الخبر فقال: صدقتَ يا علي، يرى الشاهد ما لا يراه الغائب. ونفهم من هذه القصة أن الذي أخبر بها رسولَ الله فاسقٌ أراد الوقيعة والتشهير بأم إبراهيم.

الصابوني

تفسير : [1] التثبت من الأخبار التحليل اللفظي {فَاسِقٌ}: الفاسق: الخارج من حدود الشرع، والفسقُ في أصل الاشتقاق موضوع لما يدل على معنى (الخروج) مأخوذ من قولهم: فسقت الرُطبةُ إذا خرجت من قشرها، وسمّي الفاسق فاسقاً لانسلاخه عن الخير. وفي اللسان: الفسق: العصيان والترك لأمر الله عز وجل، والخروج عن طريق الحق، ومنه قوله تعالى: {أية : فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} تفسير : [الكهف: 50] أي خرج من طاعة ربه، والفواسق من النساء: الفواجر قال الشاعر: شعر : فواسقاً من أمره جوائراً تفسير : قال الراغب: والفسق أعم من الكفر، لأنه يقع بالقليل والكثير من الذنوب، ولكن تعورف فيما كان بالكثير، وأكثر ما يقال لمن كان مؤمناً ثم أخلّ بجميع الأحكام أو ببعضها. {بِنَبَإٍ}: النبأ في اللغة: الخبر، والجمع أنباء كذا في "القاموس" و"اللسان"، ويرى بعض اللغويين أنه لا يقال للخبر: نبأ حتى يكون هامّاً، ذا فائدة عظيمة، فكل خبر هام يسمّى (نبأ) قال تعالى: {أية : وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ}تفسير : [النمل: 22] وقال عز وجلّ {أية : قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} تفسير : [صۤ: 67-68] وأمّا إذا لم يكن هاماً فلا يقال له نبأ. قال الراغب: لا يقال للخبر في الأصل (نبأ) حتى يكون ذا فائدة عظيمة يحصل به علم أو غلبة ظن. {فَتَبَيَّنُوۤاْ}: التبيّن: طلب البيان والتعرّف، وقريب منه التثبت، والمراد به هنا التحقق والتثبت من الخبر حتى يكون الإنسان على بصيرة من أمره. ومعنى الآية الكريمة: إن جاءكم فاسق بنبأ عظيم له نتائج خطيرة، فلا تقبلوا قوله حتى تتثبّتوا وتتحققوا من صدقه، لتأمنوا العاقبة. {بِجَهَٰلَةٍ}: أي جاهلين حالهم، أو تصيبوهم بسبب جهالتكم أمرهم. {نَٰدِمِينَ}: الندم: الغم على وقوع شيء مع تمني عدم وقوعه، يقال: ندم على الشيء، وندم على ما فعل ندماً وندامة، وتندّم أسِف، كذا في "اللسان". والمراد بالندم: الهمّ الدائم، والنون والدال والميم في تقاليبها لا تنفك عن معنى الدوام كما في قولهم: أدمن في الشرب، ومَدَنَ أي أقام ومنه المدينة. {لَعَنِتُّمْ}: أي لوقعتم في العَنَت، قال ابن الأثير: العنت: المشقة، والفساد، والهلاك. وقال في "اللسان": العنت: الهلاك، وأعنَتَه: أوقعه في الهلكة، وقوله تعالى: {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} أي لوقعتم في الفساد والهلاك. يقال: فلان يتعنّت فلاناً أي يطلب ما يؤديه إلى الهلاك، ويقال أعنَتَ العظمُ إذا كسر بعد الجبر. {ٱلرَّٰشِدُونَ}: جمع راشد، وهو المهتدي إلى محاسن الأمور ومنه سمي الخلفاء الراشدون، والرَشَد الاستقامة على طريق الحق مع تصلّب فيه، من الرشّاد وهو الصخر. {بَغَتْ}: البغي: التطاول والفساد قال تعالى: {أية : إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ} تفسير : [القصص: 76]. وأصل البغي: مجاوزة الحد في الظلم والطغيان، والفئة الباغية: هي الظالمة الخارجة عن طاعة الإمام العادل وفي الحديث (ويح عمار تقتله الفئة الباغية). قال في اللسان: وكل مجاوزة وإفراط على المقدار الذي هو حدّ الشيء بغيٌ، وفي التنزيل: {أية : بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ} تفسير : [صۤ: 22]. {تَفِيۤءَ}: أي ترجع إلى الطاعة، وفاء إلى الشيء: رجع إليه ومنه قوله تعالى: {أية : فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [البقرة: 226] أي رجعوا. والفيء: ما رجع إلى المسلمين من الكفار بدون حرب. {ٱلْمُقْسِطِينَ}: العادلين المحقين، من الرباعي (أقسط) بمعنى عدل، وأمّا (قَسَطَ) فمعناه ظلم وقد تقدّم. المعنى الإجمالي يقول الله تبارك وتعالى ما معناه: يا أيها المؤمنون، يا من أتصفتم بالإيمان، وصدّقتم بكتاب الله، وآمنتم برسوله، وعلمتم علم اليقين أنّ ما جاءكم به الرسول حق لأنه من عند الله، لا تسمعوا لكل خبر، ولا تصدّقوا كل إنسان، بل تحقّقوا وتثبتوا من الأمر، قبل أن تصيبوا إخوة لكم مؤمنين، بسبب خبر لم تتحققوا من صحته، وكلام لم تتأكدوا من صدقه، فتندموا على ما فرط منكم، ولكن لا ينفعكم حينئذٍ الندم. واعلموا - أيها المؤمنون - أن فيكم السيّد المبجّل، والنبيّ المعظّم (رسول الله صلى الله عليه وسلم) المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، الذي يطلعه الله على الخفايا، فلا تحاولوا أن تستميلوه لرأيكم، ولو أنه استجاب لكم، وأطاعكم في غالب ما تشيرون به عليه، لوقعتم في الجهد والهلاك، ولكنّ الله - بمنّه وفضله - حفظه وحفظكم، ونوّر بصائر أتباعه المؤمنين، وحبّب إليهم الإيمان، وبغّض إليهم الكفّر والفسوق والعصيان، وأرشدهم إلى سبيل الخير والسعادة. ثمّ عقّب تعالى بما يترتب على سماع مثل هذه (الأنباء المكذوبة) من تخاصم، وتباغض، وتقاتل، فقال: إذا رأيتم أيها المؤمنون طائفتين من إخوانكم جنحتا إلى القتال والعدوان، فابذلوا جهدكم للتوفيق بينهما، وادعوهما إلى النزول على حكم الله، فإن اعتدت إحدى الطائفتين على الأخرى وتجاوزت حدّها بالظلم والطغيان، وأرادت أن تبغي في الأرض، فقاتلوا تلك الطائفة الباغية، حتى تثوب إلى رشدها، وترضى بحكم الله عز وجلّ، وتقلع عن البغي والعدوان، فإذا كفّت عن العدوان فأصلحوا بينهما بالعدل، لأنهم إخوتكم في الدين، ومن واجب المسلمين أن يَصْلحوا بين الإخوان، لا أن يتركوا البغضاء تدبّ، والفرقة تعمل عملها، لأنّ المؤمنين جميعاً إخوة، جمعتهم (رابطة الإيمان) وليس ثمة طريق إلى إعادة الصفاء إلاّ بالإصلاح بين المتخاصمين، فهو سبيل الفلاح، وطريق الفوز والنجاح، واتقوا الله لتنالكم رحمته، وتسعدوا بمرضاته ولقائه. سبب النزول أولاً: روى الإمام أحمد عن الحارث بن ضرار الخزاعي أنه قال: "قدمتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني إلى الإسلام، فدخلتُ فيه وأقررت به، ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها وقلت: يا رسول الله أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام، وأداء الزكاة، فمن استجاب لي جمعت زكاته، وترسل إليّ يا رسول الله رسولاً لإبّان كذا، وكذا، ليأتيك بما جمعت من الزكاة.. فلمّا جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له، وبلغ زمان الوعد الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه، احتبس الرسول فلم يأت، فظنّ الحارث أن قد حدث فيه سخطة من الله ورسوله، فدعا سَرَوَات قومه فقال لهم: رسول الله صلى الله عليه وسلم كانَ وقَّت لي وقتاً يرسل إليّ رسوله ليقبض ما كان عندنا من الزكاة، وليس من رسول الله صلى الله عليه وسلم الخُلْف، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطةٍ عليَّ، فانطلقوا بنا نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وبعث رسول الله (الوليد بن عقبة) إلى الحارث ليقبض ما كان عنده ممّا جُمع من الزكاة، فلمّا سار حتى بلغ بعض الطريق، فَرِق فرجع، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم البَعْث إلى الحارث، فأقبل الحارث بأصحابه حتى استقبله البعث وقد فصل عن المدينة، قالوا: هذا الحارث. فلما غشيهم قال إلى أين؟ قالوا: إليك، قال: ولم، قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان بعث إليك (الوليد بن عقبة) فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله، قال: لا والذي بعث محمداً بالحق ما رأيته، ولا أتاني، فلما دخل الحارث على النبي صلى الله عليه وسلم قال: منعتَ الزكاة وأردتَ قتل رسولي؟ قال: لا والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا أتاني، وما أقبلتُ إلاّ حين احتبس عليّ رسولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، خشية من أن تكون سخطة من الله ورسوله عليّ، فنزلت الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ...}. قال الإمام الفخر: ما ذكره المفسّرون من أنها نزلت بسبب (الوليد بن عقبة) حين بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق ليقبض صدقاتهم... الخ إن كان مرادهم أن الآية نزلت عامة لبيان وجوب التثبت في خبر الفاسق، وأنها نزلت في ذلك الحين الذي وقعت فيه حادثة الوليد فهذا جيد، وإن كان غرضهم أنها نزلت لهذه الحادثة بالذات فهذا ضعيف، لأن الوليد لم يتقصّد الإساءة إليهم، ورواية الإمام أحمد تدل على أنّ الوليد خاف وفَرق حين رأى جماعة الحارث - وقد خرجت في انتظاره - فظنّها خرجت لحربه فرجع وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بما أخبره ظناً منه أنهم خرجوا لقتاله. يقول الإمام الفخر: "ويدل على ضعف قول من يقول إنها نزلت لكذا أن الله تعالى لم يقل: إني أنزلتها لكذا والنبي عليه السلام لم ينقل عنه أنه بيّن أن الآية وردت لبيان ذلك فحسب، غاية ما في الباب أنها نزلت في ذلك الوقت وهو مثل التاريخ لنزول الآية، ويتأكد ما ذكرنا أن اطلاق لفظ (الفاسق) على الوليد شيء بعيد، لأنه توهّم وظنّ فأخطأ، والمخطئ لا يسمى فاسقاً، وكيف والفاسق في أكثر المواضع المرادُ به من خرج من ربقة الإيمان لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ} تفسير : [المنافقون: 6] وقوله تعالى: {أية : فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} تفسير : [الكهف: 50] وقوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ} تفسير : [السجدة: 20] إلى غير ذلك. ب- وأمَّا قوله تعالى: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ} فقد ذُكِر في سبب نزولها ما يأتي: أولاً: أخرج البخاري ومسلم وابن جرير وغيرهم عن أنس رضي الله عنه أنه قال: "قيل للنبي صلى الله عليه وسلم لو أتيتَ (عبد الله بن أُبَي) فانطلَقَ إليه وركب حماراً، وانطلق معه المسلمون يمشون، فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم قال: إليك عني، فوالله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار: واللَّهِ لحمارُ رسول الله أطيب ريحاً منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه، وغضب للأنصاري آخرون من قومه، فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنّعال، فأنزل الله فيهم: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ}. ثانياً: وروى الشيخان عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يعود (سعد بن عُبادة) فمرّ بمجلس فيهم عبد الله بن أُبَيّ، وعبد الله بن رواحة، فخمّر ابن أُبيّ وجهه بردائه، وقال: لا تغبّروا علينا، فقال عبد الله بن رواحة: لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحاً منك، فتعصّب لكل أصحابه فتقاتلوا حتى كان بينهم ضرب بالنعال والأيدي والسّعف فنزلت الآية. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: سورة الحجرات تسمّى سورة (الأخلاق والآداب) فقد أرشدت إلى مكارم الأخلاق، وجاء فيها النداء بوصف الإيمان بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} خمس مرات، وفي كل مرة إرشاد إلى مكرمة من المكارم، وفضيلة من الفضائل، وهذه الآداب الرفيعة نستعرضها في فقرات وهي: 1 - وجوب الطاعة والانقياد لأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم وعدم التقدم عليه برأي أو قول: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ...}تفسير : [الحجرات: 1] أي لا تَعْجَلوا بقولٍ أو فعل قبل أن يقول فيه رسول الله أو يفعل. 2 - احترام الرسول وتعظيم شأنه وعدم رفع الصوت في حضرته {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ...}تفسير : [الحجرات: 2] الآية. 3 - وجوب التثبت من صحة الأخبار، وعدم الاعتماد على أقوال الفسقة المفسدين {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ...} الآية. 4 - النهي عن السخرية بالناس وعن التنابز بالألقاب {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ...} تفسير : [الحجرات: 11] الآية. 5 - النهي عن التجسّس، والغيبة، وسوء الظن، وعن سائر الأخلاق الذميمة {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً...} تفسير : [الحجرات: 12] الآية. فهذه السورة الكريمة التي لا تتجاوز ثماني عشرة آية، قد جمعت الفضائل والآداب الإنسانية، فلا عجب أن تسمى (سورة الآداب) أو (سورة الأخلاق) فهي تتناول الأدب مع الله، والأدب مع الرسول، والأدب مع النفس، والأدب مع المؤمنين، والأدب مع الناس عامة، وكلها بهذا الشكل الرتيب. اللطيفة الثانية: تصدير الخطاب بالنداء {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} لتنبيه المخاطبين على أنّ ما بعده أمر خطير، يستدعي مزيد العناية والاهتمام بشأنه، ووصفهم بالإيمان لتنشيطهم والإيذان بأنه داع للمحافظة عليه، ووازع عن الإخلال به. أفاده العلامة أبو السعود. اللطيفة الثالثة: قوله تعالى {إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ} في هذا التعبير إشارة لطيفة إلى أن المؤمن ينبغي أن يكون حذراً يقظاً، لا يقبل كلّ كلام يلقى على عواهنه، دون أن يعرف المصدر، وتنكير (فاسق) للتعميم، لأنه نكرة في سياق الشرط، وهي كالنكرة في سياق النفي تفيد العموم كما قرّره علماء الأصول، والمعنى إن جاءكم أيّ فاسق فتثبتوا من خبره، وجاء بحرف التشكيك (إن) ولم يقل (إذا) التي تفيد التحقيق، ليشير إلى أنّ وقوع مثل هذا إنما هو على سبيل (النّدرة) إذْ الأصل في المؤمن أن يكون صادقاً ولمَّا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالمنزلة التي لا يجسر أحد أن يخبرهم بكذب، وما كان يقع مثل ما فرط من (الوليد بن عقبة) إلاّ في النّدرة قيل: {إِن جَآءَكُمْ} بحرف الشك. فتدبر أسرار الكتاب العزيز. اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ} تقديم خبر أنّ على اسمها ليفيد معنى الحصر، المستتبع لزيادة التوبيخ لهم على ما فرط منهم في حقّ الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي الكلام إشعار بأنّهم زيّنوا بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم الايقاع بالحارث وقومه، وقد أريد أن ينعى عليهم ذلك بتنزيلهم منزلة من لا يعلم أنه عليه السلام بين أظهرهم. قال الإمام الفخر رحمه الله: "والذي اختاره وكأنه هو الأقوى أن الله تعالى لما قال: {إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ} أي فتثبّتوا واكشفوا قال بعده: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ}. أي الكشفُ سهل عليكم بالرجوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه فيكم مبيّن مرشد، وهذا كما قال القائل عند اختلاف تلاميذ شيخٍ في مسألة، هذا الشيخ قاعد.. لا يريد به بيان قعوده، وإنما يريد أمرهم بالرجوع إليه. فكأن الله تعالى يقول: استرشدوا بالرسول صلى الله عليه وسلم فإن يعلم ولا يطيع أحداً، فلا يوجد فيه حيف، ولا يروج عليه زيف، لأنه لا يعتمد على كثير من آرائكم التي تبدونها، وإنما يعتمد على الوحي الذي يأتيه من عند الله". اللطيفة الخامسة: صيغة المضارع تفيد (الاستمرار والتجدّد) بخلاف الماضي، فالعدول عن الماضي إلى المضارع في قوله تعالى: {لَوْ يُطِيعُكُمْ} ليفيد هذا المعنى على أنهم كانوا يريدون إطاعة الرسول لهم إطاعة مستمرة بدليل قوله تعالى: {فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ} وذلك أن صيغة المضارع تفيد التجدد والاستمرار، تقول: فلانَ يقري الضيف، ويحمي الحريم، تريد أن ذلك شأنه وأنه مستمر على ذلك. قال العلامة الألوسي: "وفي هذا التعبير {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} مبالغات من أوجه: أحدها: إيثار (لو) ليدلّ على الفرض والتقدير. والثاني: ما في العدول إلى المضارع من إرادة استمرار ما حقه أن يفرض للتهجين والتوبيخ. والثالث: ما في لفظ (العنت) من الدلالة على أشدّ المحذورة، فإنه الكسر بعد الجبر. والرابع: ما في الخطاب، والجدير به غير (الكُمّل) ليكون أردع لمرتكبه وأزجر. وكأنّ الله تعالى يقول: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا ولا تكونوا أمثال هؤلاء الذين استفزهم النبأ قبل التعرف على صدقه، ثم لم يكتفوا حتى أرادوا أن يحملوا الرسول على رأيهم، ليوقعوا أنفسهم ويوقعوا غيرهم في العنت والإرهاق، واعلموا جلالة قدر الرسول صلى الله عليه وسلم وتفادَوْا عن أمثال هذه الأخطاء. اللطيفة السادسة: قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ} التفات من الخطاب إلى الغيبة كقوله تعالى: {أية : وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ}تفسير : [الروم: 39] وهذا الالتفات من المحسّنات البديعية كما قرّره علماء البلاغة، ويقصد به التعظيم أي هؤلاء الذين حبّب الله إليهم الإيمان، وزيّنه في قلوبهم وكرّه إليهم الكفر والفسوق العصيان، هم الذين بلغوا أرفع الدرجات وأعلى المناصب، ونالوا هذه الرتبة العظيمة (رتبة الرشاد) فضلاً من الله وكرماً. اللطيفة السابعة: قوله تعالى {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ} الطائفة في اللفظ مفرد، وفي المعنى جمع، لأنها تدل على عدد كبير من الناس، ولهذا جاء التعبير بقوله (اقتتلوا) رعايةً للمعنى فإن كلّ طائفةٍ من الطائفتين جماعة، ثم قال تعالى: {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} ولم يقل بينهم رعايةً للفظ، والنكتة في هذا هو ما قيل: إنهم عند الاقتتال تكون الفتنة قائمة وهم مختلطون فلذا جمع الضمير، وفي حال الصلح تتفّق كلمة كل طائفة حتى يكونوا كنفسين فلذا ثُنّي الضمير. اللطيفة الثامنة: قال الإمام الفخر رحمه الله: قال تعالى: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} ولم يقل (منكم) مع أنّ الخطاب مع المؤمنين لسبق قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} تنبيهاً على قبح ذلك، وتبعيداً لهم عنهم. كما يقول السيد لعبده: إن رأيت أحداً من غلماني يفعل كذا فامنعه، فيصير بذلك مانعاً للمخاطَب عن ذلك الفعل بالطريق الحسن، كأنه يقول: أنت حاشاك أن تفعل ذلك، فإن فعل غيرك فامنعه، كذلك هٰهنا قال: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} ولم يقل منكم لما ذكرنا من التنبيه مع أن المعنى واحد. اللطيفة التاسعة: قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} فيه تشبيه لطيف يسمى (التشبيه البليغ) وأصل الكلام: المؤمنون كالإخوة في وجوب التراحم والتناصر فحذف وجه الشبه وأداة الشبه فأصبح بليغاً، قال بعض أهل اللغة: الإخوة جمع الأخ من النسب، والإخوان جمع الأخ من الصداقة، فالله تعالى قال: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} تأكيداً للأمر وإشارة إلى أنّ ما بينهم كما بين الإخوة من النسب، والإسلام لهم كالأب فأخوّة (العقيدة) فوق أخوة (الجسد) ورابطة الإيمان أقوى من رابطة النسب، وقد قال الشاعر العربي: شعر : أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيسٍ أو تميم تفسير : اللطيفة العاشرة: سئل بعض العلماء عمّا وقع بين الصحابة رضوان الله عليهم من قتال فقال: تلك دماء قد طهّر الله منها أيدينا، فلا نلوّث بها ألسنتنا، وسبيلُ ما جرى بينهم كسبيل ما جرى بين يوسف وإخوته. وسئل (الحسن البصري) عن قتالهم فقال: (قتالٌ شَهِدَهُ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وغبنا، وعلموا، وجهلنا، واجتمعوا فاتّبعنا، واختلفوا فوقفنا). وقال المحاسبي: فنحن نقول كما قال الحسن، ولا نبتدع رأياً منا، ونعلم أنهم اجتهدوا وأرادوا وجه الله عز وجلّ. وجوه القراءات 1 - قوله تعالى: {إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ} قرأ الجمهور (فتبيّنوا) من التبيّن، وقرأ حمزة والكسائي (فتثبتوا) من التثبت، والمعنى واحد لأن التبيّن معناه في اللغة التثبت والتحقق. 2 - قوله تعالى: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ} قرأ الجمهور (اقتتلوا) بصيغة الجمع، وقرأ أُبي بن كعب، وابن مسعود (اقتتلا) بالتثنية على فعل اثنين مذكّرين، وقرأ أبو المتوكل، وابن أبي عبلة (اقتتلتا) بتاء وألف بعد اللام على فعل اثنتين مؤنثتين. 3 - قوله تعالى: {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} قرأ الأكثرون (بين أخويكم) بياء التثنية، وقرأ أبي بن كعب، وابن جُبير (بين إخوتكم) بالتاء على الجمع، وقرأ الحسن وابن سيرين (بين إخوانكم) بالنون وألف قبلها ويكون المراد بين الأوس والخزرج. وجوه الإعراب 1 - قوله تعالى: {فَتَبَيَّنُوۤاْ أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَٰلَةٍ} في تقديره وجهان: أحدهما: أن يكون التقدير لئلا تصيبوا وهو مذهب الكوفيّين. والثاني: أن يكون التقدير كراهية أن تصيبوا أو خشيَة أن تصيبوا وهو مذهب البصريين. 2 - قوله تعالى: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ} عطف على ما قبله و(أنّ) وما بعدها في تأويل مصدر سدّت مسدّ مفعولي (اعلموا). 3 - قوله تعالى: {فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً} في إعرابه وجهان: أحدهما: أن يكون منصوباً على المفعول له. والثاني: أن يكون مصدراً مؤكداً لما قبله أي تفضلاً من الله. 4 - قوله تعالى: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ}. (إنْ) شرطية جازمة، و(طائفتان) فاعل لفعل محذوف يفسّره المذكور تقديره: إن اقتتل طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، وإنما قدّرنا ذلك لأنّ الشرط في (إنْ) أن يليها الفعل، فإن وليها اسم قدّروا لها فعلاً يفسّره ما بعده. قال ابن الأنباري: ولا يجوز أن يحذف الفعل مع شيء من كلمات الشرط العاملة إلاّ مع (إنْ) لأنها الأصل في كلمات الشرط، ويثبت للأصل ما لا يثبتُ للفرع. الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل يُقبل خبر الواحد إذا كان عدلاً؟ استدل العلماء بهذه الآية الكريمة {إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ} على قبول خبر الواحد إذا كان عدلاً ووجه الاستدلال من جهتين: الأولى: أن الله تعالى أمر بالتثبت في خبر الفاسق، ولو كان خبر الواحد العدل لا يقبل لما كان ثمة فائدة من ذكر التثبّت، لأن خبر كلٍ من العدل والفاسق مردود، فلما دلّ الأمر بالتثبت في خبر الفاسق، وجب قبول خبر العدل، وهذا الاستدلال كما يقول علماء الأصول من باب (مفهوم المخالفة). الثانية: أن العلة في ردّ الخبر هي (الفسق) لأن الخبر أمانة، والفسقُ يبطلها، فإذا انتفت العلة انتفى الرد، وثبت أن خبر الواحد ليس مردوداً، وإذا ثبت ذلك وجب حينئذٍ قبوله والعمل به. وأمّا المجهول: الذي لا تُعلم عدالته ولا فسقه فقد استدل فقهاء الحنفية على قبول خبره، وحجتهم في ذلك أن الآية دلت على أنّ الفسق شرط وجوب التثبت، فإذا انتفى الفسق فقد انتفى وجوبه، ويبقى ما وراءه على الأصل وهو قبول خبره، لأن الأصل في المؤمن العدالة. وأنت ترى أنّ هذا الاستدلال مبنيٌ على أنّ الأصل العدالة، ولكنّ بعض الفقهاء يعارض في هذا ويقول: الأصل الفسق لأنه أكثر، والعدالة طارئة فلا يقبل قوله حتى يتثبت من عدالته. الترجيح: والظاهر أن مسألة قبول خبر المجهول مبنيّة على هذا، فإن صحّ أن الأصل العدالة فهو باق على عدالته حتى يتبيّن خلافها، وإن كان الأصل عدمها فهو داخل في حكم الفسق حتى تتبيّن عدالته، والمسألة تطلب بالتفصيل من كتب الأصول. الحكم الثاني: هل يجب البحث عن عدالة الصحابة في الشهادة والرواية؟ استدل بعض العلماء بالآية الكريمة على أنّ من الصحابة من ليس بعدل، لأنّ الله تعالى أطلق لقب الفاسق على (الوليد بن عقبة) فإنها نزلت فيه، وسببُ النزول لا يمكن إخراجه من اللفظ العام، وهو صحابي بالاتفاق، وقد أمر الله بالتثبت من خبره، فلا بدّ من البحث عن عدالة الصحابة في الشهادة والرواية. والمسألة خلافية وفيها أقوال كثيرة نذكرها بإيجاز: الأول: أن الصحابة كلّهم عدول، ولا يبحث عن عدالتهم في رواية ولا شهادة، وهذا رأي جمهور العلماء سلفاً وخلفاً. الثاني: أن الصحابة كغيرهم يُبحث عن العدالة فيهم في الرواية والشهادة إلا من يكون ظاهر العدالة أو مقطوعها كالشيخين (أبي بكر) و(عمر) رضي الله عنهما. الثالث: أنهم عدول إلى زمن عثمان رضي الله عنه، ويبحث عن عدالتهم من مقتله، وهذا رأي طائفة من العلماء. الرابع: أنهم عدول إلاّ من قاتل علياً كرّم الله وجهه لفسقه بالخروج على الإمام الحق وهذا مذهب المعتزلة. الترجيح: والحق ما ذهب إليه جمهور العلماء سلفاً وخلفاً من أن الصحابة كلهم عدول، ببركة صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، ومزيد ثناء الله عزّ وجلّ عليهم في كتابه العزيز كقوله سبحانه: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} تفسير : [البقرة: 143] أي عدولاً، وقوله سبحانه: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}تفسير : [آل عمران: 110] وقوله جلّ ذكره: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} تفسير : [الفتح: 29]. وقوله جلّ وعلا: {أية : يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ}تفسير : [الحشر: 8] وقوله جلّ وعلا: {أية : رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} تفسير : [المائدة: 119] إلى آخر ما هناك من الآيات الكثيرة. وكذلك ما ثبت في السنة المطهرة من مدحهم، والثناء عليهم، وبيان أنهم أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الاطلاق، ونحن نذكر بعض هذه الأحاديث الشريفة التي تشير إلى فضيلتهم باختصار. أ- قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير الناس قرني، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم" تفسير : الحديث. ب- وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تسبُّوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفق مثل أُحد ذهباً ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه ". تفسير : جـ - وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللَّهَ اللَّهَ في أصحابي، لا تتّخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبّهم فبحبي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه ". تفسير : فهذه الأخبار التي وردت في الكتاب والسنة كلها متضافرة على عدالة الصحابة وأفضليتهم على سائر الناس، وما وقع من بعضهم من مخالفات فليس يسوغ لنا أن نحكم عليهم بالفسق، لأنهم لا يصرّون على الذنب، وإذا تاب الإنسان رجعت إليه عدالته ولا يحكم بفسقه على التأبيد، فهذا (ماعز الأسلمي) الذي ارتكب الفاحشة يقول عنه النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أمر برجمه "حديث : لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم ". تفسير : والقولُ: بأنَّ بعض الصحابة قد وقع في الذنب والمخالفة - بناء على الاعتقاد بعدم عصمتهم - لا يعني أنهم غير عدول، لأن الفاسق الذي ترد شهادته وروايته هو الذي يصرّ على الذنب والمعصية، وليس في الصحابة من يصر على ذلك. وقد عرفتَ ما ذكره الإمام الفخر أنها لم تنزل خاصة بسبب (الوليد بن عقبة) وإنما نزلت عامة في بيان حكم كل فاسق، وأنها نزلت في ذلك الوقت الذي حدثت فيه تلك القصة، فهي مِثْل التاريخ لنزول الآية، وكلامُ الإمام الفخر نفيس فارجع إليه. الحكم الثالث: هل تقبل شهادة الفاسق أو المبتدع؟ اتفق العلماء على أن شهادة الفاسق لا تقبل عملاً بالآية الكريمة {إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ}، وكذلك لا تقبل روايته، لأن الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمانة ودين، والفسقُ يبطلها لاحتمال كذبه على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال القرطبي: "ومن ثبتَ فسقه بطل قوله في الأخبار إجماعاً، لأن الخبر أمانة، والفسق قرينة يبطلها". وقال الجصّاص: "وقوله تعالى: {فَتَبَيَّنُوۤاْ} اقتضى ذلك النهي عن قبول شهادة الفاسق مطلقاً، إذ كان كل شهادة خبراً، وكذلك سائر أخباره، فلذلك قلنا: شهادة الفاسق غير مقبولة في شيء من الحقوق، وكذلك أخباره في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم وكلّ ما كان من أمر الدين، يتعلّق به إثبات شرع، أو حكم، أو إثبات حق على إنسان". وقد استثنى العلماء من قبول خبر الفاسق أموراً تتعلّق بالمعاملات وليس فيها شهادة على الغير منها: أ - قبول قوله في الإقرار على نفسه مثل: لفلان عندي مائة درهم فيقبل قوله كما يقبل في ذلك قول الكافر، لأنه إقرار لغيره بحق على نفسه فلا تشترط فيه العدالة. ب - قبول قوله في الهدية والوكالة مثل إذا قال: إنّ فلاناً أهدى إليك هذا، يجوز له قبوله وقبضه، ونحوه قوله: وكّلني فلان ببيع عبده هذا فيجوز شراؤه منه. جـ - وكذلك في الإذن بالدخول ونحوه كما إذا استأذن إنسان فقال له: ادخلْ لا تشترط فيه العدالة. ومثل هذا جميع أخبار المعاملات إذا لم يكن فيها شهادة على الغير. واختلف العلماء في أمر الولاية بالنكاح، "فذهب الشافعي" وغيره إلى أن الفاسق لا يكون وليّاً في النكاح، لأنه يسيء التصرف، وقد يضرّ بمن يلي أمر نكاحها بسبب فسوقه. وقال أبو حنيفة ومالك: تصح ولايته، لأنه يلي مالها فيلي بُضْعها كالعدل، وهو - وإن كان فاسقاً - إلاّ أنّ غيرته موفّرة، وبها يحمي الحريم، وقد يبذل المال ويصون الحُرمة، وإذا ولي المال فالنكاح أولى. أما المبتدع: وهو الفاسق الذي يكون فسقه بسبب الاعتقاد، وهو متأول للنصوص كالجبرية والقدرية ويقال له: المبتدع بدعة واضحة، فمن الأصوليّين من ردّ شهادته وروايته كالإمام الشافعي رحمه الله ومنهم من قبلهما، وفرّق الحنفيّة فقالوا: تقبل منه الشهادة، ولا تقبل منه الرواية، لأنّ من ابتدع بدعة بسبب الدين فلا يبعد أن ينتصر لهواه ويدعو الناس إلى ذلك فنردّ روايته دون شهادته، لأنّ الدعوة إلى مذهبه داعية إلى النقل فلا يؤتمن على الرواية. وهذا مذهب جمهور أئمة الفقه والحديث. الحكم الرابع: هل تصحّ ولاية الفاسق؟ قال ابن العربي رحمه الله: "ومن العجب أن يجوّز الشافعيّ ونظراؤه إمامة الفاسق، ومن لا يؤتمن على حبة مال كيف يصح أن يؤتمن على قنطار دَيْن؟! وهذا إنما كان أصله أن الولاة الذين كانوا يصلّون بالناس، لمّا فسدت أديانهم ولم يمكن ترك الصلاة وراءهم، ولا استطيعت إزالتهم صُلّي معهم ووراءهم، كما قال عثمان: الصلاة أحسن ما يفعل الناس، فإذا أحسنوا فأحسنْ، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم. ثمّ كان من الناس من إذا صلى معهم تقيّة أعادوا الصلاة لله، ومنهم من كان يجعلها صلاته، وبوجوب الإعادة أقول، فلا ينبغي لأحدٍ أن يترك الصلاة مع من لا يرضى من الأئمة، ولكنْ يعيدُ سرّاً في نفسه، ولا يؤثر ذلك عند غيره. وأمّا أحكامه إن كان والياً فينفذ منها ما وافق الحقّ، ويردّ ما خالفه، ولا ينقض حكمه الذي أمضاه بحال، ولا تلتفتوا إلى غير هذا القول من رواية تُؤْثر، أو قول يُحْكى، فإنّ الكلام كثير، والحقّ ظاهر". الحكم الخامس: هل يجب قتال أهل البغي؟ ذهب جمهور العلماء إلى وجوب قتال أهل البغي، الخارجين على الإمام أو أحد المسلمين، ولكنْ بعد دعوتهم إلى الوفاق والصلح، والسير بينهم بما يصلح ذات البين، فإن أقاموا على البغي وجب قتالهم عملاً بقوله تعالى: {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ}. وذهب جماعة ممَّن يدَّعي العلم إلى عدم جواز قتال البغاة من المؤمنين، واحتجوا بقوله عليه السلام: "حديث : سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر ". تفسير : وهذا الحديث لا ينهض حجة لهم، لأنّ من بغى من المؤمنين فقد أمر القرآن بقتاله، فكيف يحتج بمثل هذا الحديث لإبطال حكم الله عز وجلّ؟ قال القرطبي: وهذه الآية دليل على فساد قول من منع من قتال المؤمنين، ولو كان قتال المؤمن الباغي كفراً لكان الله تعالى قد أمر بالكفر، تعالى الله عن ذلك!! وقد قاتل الصدّيق رضي الله عنه من تمسّك بالإسلام وامتنع من الزكاة، وأمر ألاّ يُتبع مولٍّ، ولا يُجهز على جريح، ولم تَحِلّ أموالهم بخلاف الكفار. وقال الطبري: "لو كان الواجب في كل اختلاف يكون بين الفريقين الهربَ منه ولزوم المنازل، لما أُقيم حد، ولا أُبطل باطلٌ، ولوجد أهل النفاق والفجور سبيلاً إلى استحلال كل ما حرّم الله عليهم من أموال المسلمين، وسبي نسائهم، وسفك دمائهم، بأن يتحزّبوا عليهم، ويكفّ المسلمون أيديهم عنهم، وذلك مخالف لقوله عليه السلام: "حديث : خذوا على أيدي سفهائكم ". تفسير : أدلة الجمهور: استدل الجمهور على وجوب قتال البغاة بعدة أدلة نوجزها فيما يلي: أ - قوله تعالى: {فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ} الآية. ب - حديث: "حديث : سيخرج قوم في آخر الزمان، حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرؤون القرآن، لا يجاوز إيمانُهُم حناجِرَهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة ". تفسير : جـ - حديث: "حديث : سيكون في أمتي اختلاف وفرقة، قومٌ يحسنون القول ويسيئون العمل، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة، لا يرجعون حتى يرتدّ على فوقه، هم شرّ الخلق والخليقة طوبى لمن قتلهم أو قتلوه، قالوا يا رسول الله: ما سيماهم؟ قال: التحليق ". تفسير : د - وقال عليه السلام في عمار: "حديث : تقتله الفئة الباغية ". تفسير : فهذه الأحاديث صريحة في وجوب قتال أهل البغي ومن شايعهم على باطلهم من أهل الفجور والضلال. قال الجصّاص: "ولم يختلف أصحاب رسول الله في وجوب قتال (الفئة الباغية) بالسيف إذا لم يردعها غيره، ألا ترى أنهم كلهم رأوا قتال الخوارج ولو لم يروا قتال الخوارج وقعدوا عنهم لقتلوهم وسبوا ذراريهم ونساءهم. فإن قيل قد جلس عن علي جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم: (سعد، وأسامة بن زيد، وابن عمر)!! قيل له: لم يقعدوا عنه لأنهم لم يروا قتال الفئة الباغية، وجائزٌ أن يكون قعودهم عنه لأنهم رأوا الإمام مكتفياً بمن معه، مستغنياً عنهم بأصحابه فاستجازوا القعود عنه لذلك، ألا ترى أنهم قعدوا عن قتال الخوارج، لا على أنهم لم يروا قتالهم واجباً، لكنهم لما وجدوا من كفاهم قتل الخوارج استغنوا عن مباشرة قتالهم". الحكم السادس: هل تكون أموال البغاة غنيمة للمسلمين؟ اختلف العلماء في حكم أموال البغاة هل تكون غنيمة للمسلمين؟ أم تردّ إليهم بعد الصلح وانتهاء الحرب؟ أ - فقال محمد بن الحسن الشيباني: إنّ أموالهم لا تكون غنيمة، وإنما يستعان على حربهم بسلاحهم وخيلهم عند الاستيلاء عليه، فإذا وضعت الحرب أوزارها رُدّ عليهم السلاح والمال. ب - وقال أبو يوسف: إنّ ما وجد في أيدي أهل البغي من سلاح وعتاد فهو (غنيمة) يقسم ويخمّس. جـ - وقال مالك: لا تسبى ذراريهم ولا أموالهم، وهو مذهب الشافعي. حجة أبي يوسف: أنهم باغون معتدون فيقسم مالهم غنيمة بين المسلمين. حجة الجمهور: أنّ بغيهم يُحلّ قتالهم ولا يُحلّ أموالهم وذراريهم لأنهم ليسوا كفاراً، وإنما هم مؤمنون باغون، أو فاسقون خارجون عن الطاعة، والأمر بقتالهم من أجل ردّهم إلى صف المؤمنين. واستدلوا بما روي عن ابن عباس أن الخوارج لمّا نقموا على (علي) كرَّم الله وجهه، قال: أفتسبون أمكم عائشة، ثم تستحلّون منها ما تستحلّون من غيرها؟ فلئن فعلتم لقد كفرتم. واستدلوا بحديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : يا عبد الله أتدري كيف حُكْم الله فيمن بغى من هذه الأمة؟ قال: الله ورسوله أعلم، فقال: لا يُجهز على جريحها، ولا يُقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يُقسم فيئها ". تفسير : قال القرطبي: "والمعوّل في ذلك عندنا أن الصحابة رضي الله عنهم في حروبهم لم يتبعوا مدبراً، ولا ذفَّفوا على جريح، ولا قتلوا أسيراً، ولا ضمّنوا نفساً ولا مالاً، وهم القدوة". الترجيح: والصحيح ما ذهب إليه الجمهور لأنهم ليسوا كفاراً، ولأننا لو أخذنا أموالهم وسبينا ذراريهم تألبوا علينا ولم يمكن ردّهم إلى صف المسلمين والله أعلم. فائدة هامة: حول ما وقع بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. قال العلامة القرطبي رحمه الله: "لا يجوز أن يُنسب إلى أحدٍ من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه، وأرادوا الله عز وجلّ، وهم كلّهم بنا أئمة، وقد تعبّدنا بالكف عمّا شجر بينهم، وألاّ نذكرهم إلاّ بأحسن الذكر، لحرمة الصحبة، ولنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن سبّهم، وأنّ الله غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم". هذا مع ما قد ورد من الأخبار من طرق مختلفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن طلحة شهيد يمشي على وجه الأرض، فلو كان ما خرج إليه من الحرب عصياناً لم يكن بالقتل فيه شهيداً، لأن الشهادة لا تكون إلا بالقتل في الطاعة. وممّا يدل على ذلك ما قد صحّ بأن قاتل الزبير في النار، وقوله عليه السلام: "حديث : بشّر قاتل ابن صفية بالنار"تفسير : ، وإذا كان كذلك فقد ثبت أن (طلحة) و(الزبير) غير عاصيين، ولا آثمين بالقتال، وقد سئل بعضهم عن الدماء التي أريقت فيما بينهم فقال: {أية : تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}تفسير : [البقرة: 134]. ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً: وجوب التثبت من الأخبار وعدم الوثوق بخبر الفاسق الخارج عن طاعة الله. ثانياً: ضرورة التريث قبل الحكم على الأشخاص لمجرد سماع الأنباء خشية الظلم والعدوان عليهم. ثالثاً: الرسول صلى الله عليه وسلم هو المرجع للمؤمنين، فلا يجوز لأحدٍ من أهل الإيمان أن يقطع بأمرٍ دونه. رابعاً: وجوب الإصلاح بين طوائف المؤمنين عند حصول النزاع خشية تصدُّعِ الصف، وتفرُّقِ الكلمة. خامساً: إذا بغت إحدى الطائفتين على الأخرى ولم يمكن الاصلاح وجبَ قبر الفتنة بحدّ السيف. سادساً: المؤمنون إخوة جمعتهم رابطة (العقيدة والإيمان) وهذه الرابطة أقوى من رابطة النسب والدم. سابعاً: يجب على المؤمنين مقاومة أهل البغي إبقاءً لوحدة الأمة الإسلامية ودفعاً للظلم عن المستضعفين. خاتمة البحث: حكمة التشريع يدعو الإسلام إلى التثبت في الخبر، وأخذ الحيطة والحذر، في كل أمرٍ من أمور المؤمنين، ليجتنبوا المزالق التي يدبّرها لهم أعداؤهم، ويكونوا على بيّنةٍ من أمرهم، فكم من فتنة حصلت بسبب خبر كاذب، نقله فاسق فاجر؟ وكم من دماء أريقت بسبب فتنةٍ هوجاء، أشعلَ نارَها أناسٌ ماكرون؟ لا يريدون للأمة الخير، ولا يضمرون للمسلمين إلاّ كل شرّ، وبلاءٍ، وفتنة، ليفسدوا عليهم وحدتهم، ويكدّروا عليهم صفاءهم وسرورهم. لذلك أمر الإسلام بمبدأ كريم فاضل (مبدأ التمحيص) والتثبت من كل خبر، وخاصة خبر الفاسق، الذي لا يقيم حرمةً للدين، ولا يبالي بما يحدث من جراء كذبه وبهتانه، من أضرار فادحة، ونتائج وخيمة، تشلّ حركة المجتمع، وقد تفضي إلى فجيعة عظيمة تودي بحَياة أناسٍ بريئين، كما كان سيحدث في قصة (الوليد بن عقبة) لولا أنّ الله عز وجل أطلع رسوله على جليّة الأمر، بواسطة الوحي المنزل، فكان في ذلك صيانة الدماء البريئة، وحفظ وحدة المسلمين. كما أمر الإسلام بمقاومة الظلم والطغيان، أيّاً كان مصدره، فدعا إلى الإصلاح بين الطوائف المتنازعة، والفئات المتخاصمة، فإن لم ينفع الصلح، ولم تثمر دعوته، كان السيف هو الحكم الفاصل تقاتل به الفئة الباغية، حتى ترجع إلى أمر الله، وتفيء إلى رشدها. وهذه الخطة الحكيمة التي انتهجها الإسلام قاعدة تشريعية وقائية، لصيانة المجتمع المسلم من الخصام، والتفكك، والاندفاع وراء الأهواء الطائشة، التي لا تجني منها الأمة إلاّ كل شر، وبلاء.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذا أيضًا، من الآداب التي على أولي الألباب، التأدب بها واستعمالها، وهو أنه إذا أخبرهم فاسق بخبر أن يتثبتوا في خبره، ولا يأخذوه مجردًا، فإن في ذلك خطرًا كبيرًا، ووقوعًا في الإثم، فإن خبره إذا جعل بمنزلة خبر الصادق العدل، حكم بموجب ذلك ومقتضاه، فحصل من تلف النفوس والأموال، بغير حق، بسبب ذلك الخبر ما يكون سببًا للندامة، بل الواجب عند خبر الفاسق، التثبت والتبين، فإن دلت الدلائل والقرائن على صدقه، عمل به وصدق، وإن دلت على كذبه، كذب، ولم يعمل به، ففيه دليل، على أن خبر الصادق مقبول، وخبر الكاذب، مردود، وخبر الفاسق متوقف فيه كما ذكرنا، ولهذا كان السلف يقبلون روايات كثير [من] الخوارج، المعروفين بالصدق، ولو كانوا فساقًا.

همام الصنعاني

تفسير : 2929- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ}: [الآية: 6]، قال: بَعَثَ النبي صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق، فأتاهم الوليد بن عقبة فخرجوا يتلقونه، ففرقهم فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ارتدوا، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إليهم خالد بن الوليد، فلما دنا منهم، بَعَثَ عُيُوناً لَيْلاً، فإذا هم يُصَلُّونَ وينادون، فأتاهم خالد، فلم يَرَ منهم إلا طاعةً وخيراً، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره.