Verse. 4619 (AR)

٤٩ - ٱلْحُجُرَات

49 - Al-Hujurat (AR)

وَاعْلَمُوْۗا اَنَّ فِيْكُمْ رَسُوْلَ اؘ۝۰ۭ لَوْ يُطِيْعُكُمْ فِيْ كَثِيْرٍ مِّنَ الْاَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَ لٰكِنَّ اللہَ حَبَّبَ اِلَيْكُمُ الْاِيْمَانَ وَزَيَّنَہٗ فِيْ قُلُوْبِكُمْ وَكَرَّہَ اِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوْقَ وَالْعِصْيَانَ۝۰ۭ اُولٰۗىِٕكَ ہُمُ الرّٰشِدُوْنَ۝۷ۙ
WaiAAlamoo anna feekum rasoola Allahi law yuteeAAukum fee katheerin mina alamri laAAanittum walakinna Allaha habbaba ilaykumu aleemana wazayyanahu fee quloobikum wakarraha ilaykumu alkufra waalfusooqa waalAAisyana olaika humu alrrashidoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«واعلموا أن فيكم رسول الله» فلا تقولوا الباطل فإن الله يخبره بالحال «لو يطيعكم في كثير من الأمر» الذي تخبرون به على خلاف الواقع فيرتب على ذلك مقتضاه «لعنتُّم» لأثمتم دونه إثم التسبب إلى المرتب «ولكن الله حبَّب إليكم الإيمان وزينه» حسنه «في قلوبكم وكرَّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان» استدراك من حيث المعنى دون اللفظ لأن من حبب إليه الإيمان إلخ غايرت صفته صفة من تقدم ذكره «أولئك هم» فيه التفات عن الخطاب «الراشدون» الثابتون على دينهم.

7

Tafseer

الرازي

تفسير : ولنذكر في تفسير هذه الآية ما قيل وما يجوز أن يقال، أما ما قيل فلنختر أحسنه وهو ما اختاره الزمخشري فإنه بحث في تفسير هذه الآية بحثاً طويلاً، فقال قوله تعالى: {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ } ليس كلاماً مستأنفاً لأدائه إلى تنافر النظم، إذ لا تبقى مناسبة بين قوله {وَٱعْلَمُواْ } وبين قوله {لَوْ يُطِيعُكُمْ } ثم وجه التعلق هو أن قوله {لَوْ يُطِيعُكُمْ } في تقدير حال من الضمير المرفوع في قوله {فيكُمْ } كان التقدير كائن فيكم، أو موجود فيكم، على حال تريدون أن يطيعكم أو يفعل باستصوابكم، ولا ينبغي أن يكون في تلك الحال، لأنه لو فعل ذلك {لَعَنِتُّمْ } أو لوقعتم في شدة أو أولمتم به. ثم قال تعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَـٰنَ } خطاباً مع بعض من المؤمنين غير المخاطبين بقوله {لَوْ يُطِيعُكُمْ } قال الزمخشري اكتفى بالتغاير في الصفة واختصر ولم يقل حبب إلى بعضكم الإيمان، وقال أيضاً بأن قوله تعالى: {لَوْ يُطِيعُكُمْ } دون أطاعكم يدل على أنهم كانوا يريدون استمرار تلك الحالة، ودوام النبي صلى الله عليه وسلم على العمل باستصوابهم، ولكن يكون ما بعدها على خلاف ما قبلها، وههنا كذلك وإن لم يكن تحصل المخالفة بتصريح اللفظ لأن اختلاف المخاطبين في الوصف يدلنا على ذلك لأن المخاطبين أولاً بقوله {لَوْ يُطِيعُكُمْ } هم الذين أرادوا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يعمل بمرادهم، والمخاطبين بقوله {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَـٰنَ } هم الذين أرادوا عملهم بمراد النبي صلى الله عليه وسلم، هذا ما قاله الزمخشري واختاره وهو حسن، والذي يجوز أن يقال وكأنه هو الأقوى أن الله تعالى لما قال: {أية : إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ } تفسير : [الحجرات: 6] أي فتثبتوا واكشفوا قال بعده: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ } أي الكشف سهل عليكم بالرجوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإنه فيكم مبين مرشد، وهذا كما يقول القائل عند اختلاف تلاميذ شيخ في مسألة: هذا الشيخ قاعد لا يريد بيان قعوده، وإنما يريد أمرهم بالمراجعة إليه، وذلك لأن المراد منه أنه لا يطيعكم في كثير من الأمر، وذلك لأن الشيخ فيما ذكرنا من المثال لو كان يعتمد على قول التلاميذ لا تطمئن قلوبهم بالرجوع إليه، أما إذا كان لا يذكر إلا من النقل الصحيح، ويقرره بالدليل القوي يراجعه كل أحد، فكذلك ههنا قال استرشدوه فإنه يعلم ولا يطيع أحداً فلا يوجد فيه حيف ولا يروج عليه زيف، والذي يدل على أن المراد من قوله {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ } بيان أنه لا يطيعكم هو أن الجملة الشرطية في كثير من المواضع ترد لبيان امتناع لشرط لامتناع الجزاء كما في قوله تعالى: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : [الأنبياء: 22] وقوله تعالى: {أية : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراً } تفسير : [النساء: 82] فإنه لبيان أنه ليس فيهما آلهة وأنه ليس من عند غير الله. ثم قال تعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ } إشارة إلى جواب سؤال يرد على قوله {فَتَبَيَّنُواْ } وهو أن يقع لواحد أن يقول إنه لا حاجة إلى المراجعة وعقولنا كافية بها أدركنا الإيمان وتركنا العصيان فكذلك نجتهد في أمورنا، فقال ليس إدراك الإيمان بالاجتهاد، بل الله بين البرهان وزين الإيمان حتى حصل اليقين، وبعد حصول اليقين لا يجوز التوقف والله إنما أمركم بالتوقف عند تقليد قول الفاسق، وما أمركم بالعناد بعد ظهور البرهان، فكأنه تعالى قال: توقفوا فيما يكون مشكوكاً فيه لكن الإيمان حببه إليكم بالبرهان فلا تتوقفوا في قبوله، وعلى قولنا المخاطب بقوله {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ } هو المخاطب بقوله {لَوْ يُطِيعُكُمْ } إذا علمت معنى الآية جملة، فاسمعه مفصلاً ولنفصله في مسائل: المسألة الأولى: لو قال قائل إذا كان المراد بقوله {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ } الرجوع إليه والاعتماد على قوله، فلم لم يقل بصريح اللفظ فتبينوا وراجعوا النبي صلى الله عليه وسلم؟ وما الفائدة في العدول إلى هذا المجاز؟ نقول الفائدة زيادة التأكيد وذلك لأن قول القائل فيما ذكرنا من المثال هذا الشيخ قاعد آكد في وجوب المراجعة إليه من قوله راجعوا شيخكم، وذلك لأن القائل يجعل وجوب المراجعة إليه متفقاً عليه، ويجعل سبب عدم الرجوع عدم علمهم بقعوده، فكأنه يقول: إنكم لا تشكون في أن الكاشف هو الشيخ، وأن الواجب مراجعته فإن كنتم لا تعلمون قعدوه فهو قاعد فيجعل حسن المراجعة أظهر من أمر القعود كأنه يقول خفي عليكم قعوده فتركتم مراجعته، ولا يخفى عليكم حسن مراجعته، فيجعل حسن مراجعته أظهر من الأمر الحسي، بخلاف ما لو قال راجعوه، لأنه حينئذ يكون قائلاً بأنكم ما علمتم أن مراجعته هو الطريق، وبين الكلامين بون بعيد، فكذلك قوله تعالى: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ } يعني لا يخفى عليكم وجوب مراجعته، فإن كان خفي عليكم كونه فيكم، فاعلموا أنه فيكم فيجعل حسن المراجعة أظهر من كونه فيهم حيث ترك بيانه وأخذ في بيان كونه فيهم، وهذا من المعاني العزيزة التي توجد في المجازات ولا توجد في الصريح. المسألة الثانية: إذا كان المراد من قوله {لَوْ يُطِيعُكُمْ } بيان كونه غير مطيع لأحد بل هو متبع للوحي فلم لم يصرح به؟ نقول بيان نفي الشيء مع بيان دليل النفي أتم من بيانه من غير دليل، والجملة الشرطية بيان النفي مع بيان دليله فإن قوله (ليس فيهما آلهة) لو قال قائل: لم قلت إنه ليس فيهما آلهة يجب أن يذكر الدليل فقال: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : [الأنبياء: 22] فكذلك ههنا لو قال لا يطيعكم، وقال قائل لم لا يطيع لوجب أن يقال لو أطاعكم لأطاعكم لأجل مصلحتكم، لكن لا مصلحة لكم فيه لأنكم تعنتون وتأثمون وهو يشق عليه عنتكم، كما قال تعالى: {أية : عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ } تفسير : [التوبة: 128] فإن طاعتكم لا تفيده شيئاً فلا يطيعكم، فهذا نفي الطاعة بالدليل وبين نفي الشيء بدليل ونفيه بغير دليل فرق عظيم. المسألة الثالثة: قال {فِى كَثِيرٍ مّنَ ٱلأَمْرِ } ليعلم أنه قد يوافقهم ويفعل بمقتضى مصلحتهم تحقيقاً لفائدة قوله تعالى: {أية : وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلأَمْرِ } تفسير : [آل عمران: 159]. المسألة الرابعة: إذا كان المراد بقوله تعالى {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَـٰنَ }، فلا تتوقفوا فلم لم يصرح به؟ قلنا لما بيناه من الإشارة إلى ظهور الأمر يعني أنتم تعلمون أن اليقين لا يتوقف فيه، إذ ليس بعده مرتبة حتى يتوقف إلى بلوغ تلك المرتبة لأن من بلغ إلى درجة الظن فإنه يتوقف إلى أن يبلغ درجة اليقين، فلما كان عدم التوقف في اليقين معلوماً متفقاً عليه لم يقل فلا تتوقفوا بل قال حبب إليكم الإيمان، أي بينه وزينه بالبرهان اليقيني. المسألة الخامسة: ما المعنى في قوله {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ } نقول قوله تعالى: {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ } أي قربه وأدخله في قلوبكم ثم زينه فيها بحيث لا تفارقونه ولا يخرج من قلوبكم، وهذا لأن من يحب أشياء فقد يمل شيئاً منها إذا حصل عنده وطال لبثه والإيمان كل يوم يزداد حسناً، ولكن من كانت عبادته أكثر وتحمله لمشاق التكليف أتم، تكون العبادة والتكاليف عنده ألذ وأكمل، ولهذا قال في الأول: {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ } وقال ثانياً: {وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ } كأنه قربه إليهم ثم أقامه في قلوبهم. المسألة السادسة: ما الفرق بين الأمور الثلاثة وهي الكفر والفسوق والعصيان؟ فنقول هذه أمور ثلاثة في مقابلة الإيمان الكامل لأن الإيمان الكامل المزين، هو أن يجمع التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان أحدها: قوله تعالى: {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ } وهو التكذيب في مقابلة التصديق بالجنان والفسوق هو الكذب وثانيها: هو ما قبل هذه الآية وهو قوله تعالى: {أية : إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ } تفسير : [الحجرات: 6] سمي من كذب فاسقاً فيكون الكذب فسوقاً ثالثها: ما ذكره بعد هذه الآية، وهو قوله تعالى: {أية : بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإِيمَانِ } تفسير : [الحجرات: 11] فإنه يدل على أن الفسوق أمر قولي لاقترانه بالاسم، وسنبين تفسيره إن شاء الله تعالى ورابعها: وجه معقول وهو أن الفسوق هو الخروج عن الطاعة على ما علم في قول القائل: فسقت الرطبة إذا خرجت، وغير ذلك لأن الفسوق هو الخروج زيد في الاستعمال كونه الخروج عن الطاعة، لكن الخروج لا يكون له ظهور بالأمر القلبي، إذ لا اطلاع على ما في القلوب لأحد إلا لله تعالى، ولا يظهر بالأفعال لأن الأمر قد يترك إما لنسيان أو سهو، فلا يعلم حال التارك والمرتكب أنه مخطىء أو متعمد، وأما الكلام فإنه حصول العلم بما عليه حال المتكلم، فالدخول في الإيمان والخروج منه يظهر بالكلام فتخصيص الفسوق بالأمر القولي أقرب، وأما العصيان فترك الأمر وهو بالفعل أليق، فإذا علم هذا ففيه ترتيب في غاية الحسن، وهو أنه تعالى كره إليكم الكفر وهو الأمر الأعظم كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تفسير : [لقمان: 13]. ثم قال تعالى: {وَٱلْفُسُوقَ } يعني ما يظهر لسانكم أيضاً، ثم قال: {وَٱلْعِصْيَانَ } وهو دون الكل ولم يترك عليكم الأمر الأدنى وهو العصيان، وقال بعض الناس الكفر ظاهر والفسوق هو الكبيرة، والعصيان هو الصغيرة، وما ذكرناه أقوى. ثم قال تعالى: {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلرشِدُونَ }. خطاباً مع النبي صلى الله عليه وسلم وفيه معنى لطيف: وهو أن الله تعالى في أول الأمر قال: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ } أي هو مرشد لكم فخطاب المؤمنين للتنبيه على شفقته بالمؤمنين، فقال في الأول كفى النبي مرشداً لكم ما تسترشدونه فأشفق عليهم وأرشدهم، وعلى هذا قوله {ٱلرشِدُونَ } أي الموافقون للرشد يأخذون ما يأتيهم وينتهون عما ينهاهم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{وَآعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ} فلا تكذبوا؛ فإن الله يُعلمه أنباءكم فتفتضحون. {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} أي لو تسارع إلى ما أردتم قبل وضوح الأمر لنا لكم مشقة وإثم؛ فإنه لو قتل القومَ الذين سعى بهم الوليد بن عُقبة إليه لكان خطأ، ولَعَنَتَ مَن أراد إيقاع الهلاك بأولئك القوم لعداوة كانت بينه وبينهم. ومعنى طاعة الرسول لهم: الاْئتمارُ بما يأمر به فيما يبلّغونه عن الناس والسماع منهم. والعَنت الإثم؛ يقال: عنِت الرجل. والعنت أيضاً الفجور والزنى؛ كما في سورة «النساء». والعنت أيضاً الوقوع في أمر شاق؛ وقد مضى في آخر «براءة» القول في «عَنِتُّمْ» بأكثر من هذا. {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلأِيمَانَ} هذا خطاب للمؤمنين المخلصين الذين لا يكذبون النبيّ صلى الله عليه وسلم ولا يخبرون بالباطل؛ أي جعل الإيمان أحبّ الأديان إليكم. {وَزَيَّنَهُ} بتوفيقه. {فِي قُلُوبِكُمْ} أي حسّنه إليكم حتى اخترتموه. وفي هذا ردّ على القدرية والإمامية وغيرهم، حسب ما تقدّم في غير موضع. فهو سبحانه المنفرد بخلق ذوات الخلق وخلق أفعالهم وصفاتهم واختلاف ألسنتهم وألوانهم، لا شريك له. {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ} قال ابن عباس: يريد به الكذب خاصة. وقاله ابن زيد. وقيل: كل ما خرج عن الطاعة؛ مشتقٌ من فَسَقتِ الرُّطَبَةُ خرجت من قشرها. والفأرة من جُحرها. وقد مضى في «البقرة» القول فيه مستوفى. والعصيان جمع المعاصي. ثم انتقل من الخطاب إلى الخبر فقال: {أُوْلَـٰئِكَ} يعني هم الذين وفقهم الله فحبّب إليهم الإيمان وكرّه إليهم الكفر أي قبحه عندهم {هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ} كقوله تعالى: {أية : وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ} تفسير : [الروم:39 ]. قال النابعة:شعر : يا دارَ مَيَّةَ بالعَلْياء فالسَّندِ أقْوَتْ وطال عليها سالِفُ الأمَدِ تفسير : والرَّشَد الاْستقامة على طريق الحق مع تَصَلُّب فيه؛ من الرَّشاد وهي الصخرة. قال أبو الوازع: كل صخرة رشادة وأنشد:شعر : وغير مُقَلَّد ومُوَشّمات صَلِينَ الضّوءَ من صُمِّ الرشاد تفسير : {فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً} أي فعل الله ذلك بكم فضلاً؛ أي الفضل والنعمة، فهو مفعول له. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} «عَلِيمٌ» بما يصلحكم «حَكِيمٌ» في تدبيركم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ } فلا تقولوا الباطل فإن الله يخبره بالحال {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ } الذي تخبرون به على خلاف الواقع فيرتب على ذلك مقتضاه {لَعَنِتُّمْ } لأثمتم دونه إثم التسبب إلى المرتب {وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُ } حسَّنه {فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ } استدراك من حيث المعنى دون اللفظ لأن من حبب إليه الإِيمان الخ غايرت صفته صفة من تقدم ذكره {أُوْلَٰئِكَ هُمُ } فيه التفات عن الخطاب {ٱلرَّاشِدُونَ } الثابتون على دينهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {لَعَنِتُّمْ} لأثمتم، أو لاتهمتم، أو هلكتم، أو نالتكم شدة ومشقة {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ} حسَّنه عندكم، أو بما وصف من الثواب عليه {وَزَيَّنَهُ} بما وعد عليه من نصر الدنيا وثواب الآخرة، أو بدلالات صحته {وَكَرَّهَ} قبح، أو بما وصف عليه من العقاب، الفاسقون: الكاذبون أو كل ما خرج من الطاعة.

التستري

تفسير : قوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}[7] قال: أي استخلص قلوبكم عطفاً منه في عبادته بالإخلاص فيها، إذ الاستخلاص من عطفه، والإخلاص من حقه، ولن يقدر العبد على تأدية حقه إلا بعطفه بالمعونة عليه بأسباب الإيمان، وهي الحجج القاطعة والآيات المعجزة. قوله: {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ}[7] خوفاً من عاقبته المذمومة.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ} [الآية: 7]. قال سهل: حبب إليكم العمل بأوامر الإيمان وزين فى قلوبكم تلك الأوامر. قوله تعالى: {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ}. قال الواسطى رحمة الله عليه: المؤمن يكره العصيان ولكن يغيب عن شاهده التغلب على شواهد شهوته فيأتيها ذلك لنفاد نصيبه وتنبيهاً على ضعفه. قال سفيان الثورى: من كرَّه الله إليه هذه الخصال المذمومة فأولئك هم الراشدون الصادقون فى إيمانهم قوله تعالى: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الآية: 9]. قال سهل: هو الروح والعقل والقلب والطبع والهوى والشهوة فإن بغى الطبع والهوى على العقل والروح والقلب، فليقاتله العبد بسيوف المراقبة وسهام المطالعة وأنوار الموافقة ليكون الروح والعقل غالبين والهوى والشهوة مغلوبين.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ}. أي لو وافقكم محمدٌ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في كثير مما تطلبون من لوقعتم في العَنَتِ - وهو الفساد. ولو قَبِلَ قولَ واحدٍ (قَبْلَ وضوحِ الأمر) لأَصابتكم من ذلك شدة. والرسول صلوات الله عليه لا يطيعكم في أكثر الأمور إذا لم يَرَ في ذلك مصلحة لكم وللدين. {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ}: الإسلام والطاعة والتوحد، وزيَّنَها في قلوبكم. {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ}: هذا من تلوين الخطاب. وفي الآية دليلٌ على صحة قول أهل الحقِّ في القَدَر، وتخصيص المؤمنين بألطافٍ لا يشترك فيها الكفارُ. ولولا أنَّه يوفِّر الدواعي للطاعات لَحَصَلَ التفريط والتقصير في العبادات. {فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً}: أي فَعَلَ هذا بكم فضلاَ منه ورحمةً {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ} جعل لقلوبكم مستعدين لقبول معرفته ثم قذف فيها انوار قربه زينها بنقوش محبته زين عروس التوحيد بزينة المشاهدة فى اعين ازواجهم وجذبها الى به بساتين الغيب حتى رأوا الطائف بره وعجايب ملكه وملكوته ثم منّ عليهم بان بغضهم العصيان والقسوة بتكريهه اليهم كما ان حبيبهم اعمال الايمان بتحبيبه اليهم بغير علة ولا سبب بل فضلا ومنّة حيث ارشدهم الى نفسه وحبب اليهم قربه ووصاله بقوله {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ} قال سله حبب اليكم العمل باوامر الايمان ويزن فى قلوبكم تلك الاوامر ثم زاد فى تاكيد ما ذكرنا ان لك الرشد وحب الايمان فضل منه وكرم بقوله {فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً} فضله اصطفائيتهم فى الازل ونعمته قربه ومعرفته قال سهل يفضلا له عليهم فما ابتداهم به وهداهم اليه من انواع القرب والزلفة قال الواسطى المومن من يكره العصيان ولكن يغيب عن شاهده ليغل عليه شواهد شهوته----- وذلك انقاذ قضيته وتنبيه على ضعفه.

اسماعيل حقي

تفسير : {واعلموا ان فيكم رسول} وبدانيدكه درميان شماست رسول الله. وفائدة الامر الدلالة على انهم نزلوا منزلة الجاهلين لمكانه لتفريطهم فيما يجب من تعظيم شأنه فيكون قوله تعالى {لو يطيعكم فى كثير من الامر لعنتم} استئنافا وقال بعضهم ان بما فى حيزها ساد مسد مفعولى اعلموا باعتبار ما بعده من قوله تعالى لو يطيعكم الخ فانه حال من احد الضميرين في فيكم الاول المرفوع المستتر فيه العائد الى رسول الله المنتقل اليه من عامله المحذوف لان التقدير كائن فيكم او مستقر والثانى المجرور البارز والمعنى اى على الحال ان فيكم رسول الله كائنا على حالة يجب عليكم تغييرها او كائنين على حالة الخ وهى انكم تريدون ان يتبع عليه السلام رأيكم فى كثير من الحوادث ولو فعل ذلك لوقعتم فى الجهد والهلاك فعلى هذا يكون قوله لو يطيعكم الخ دليل وجوب تغيير تلك الحال اقيم مقام الحال وفيه ايذان بأن بعضهم زينوا لرسول الله الايقاع ببنى المصطلق تصديقا لقول الوليد وانه عليه السلام لم يطع رأيهم والعنت محركة الفساد والاثم والهلاك ودخول المشقة على الانسان كما فى القاموس يقال عنت فلان اذا وقع فى امر يخاف منه التلف كما فى المفردات فهو من الباب الرابع مثل طرب يطرب طربا وقال الزمخشرى هو الكسر بعد الجبر كما فى تاج المصادر العنت بزه مند شدن ودركارى افتيدن كه ازان بيرون نتواند آمد وشكسته شدن استخوان بس ازجبر وقوله{أية : لمن خشى العنت منكم}تفسير : يعنى الفجور والزنى ومنه الاسير من المسلمين فى دار الحرب اذا خشى العنت على نفسه والفجور لا بأس بأن يتزوج امرأة منهم والتركيب يدل على مشقة وصيغة المضارع فى لو يطيعكم للدلالة على ان امتناع عنتهم لامتناع استمرار طاعته عليه السلام لان عنتهم انما يلزم من استمرار الطاعة فيما يعن لهم من الامور اذ فيه اختلال امر الا يالة وانقلاب الرئيس مرؤوسا لا من اطاعته فى بعض ما يرونه نادرا بل فيها استمالتهم بلا معرة قال فى علم البلاغة لو للشرط فى الماضى اى لتعليق حصول مضمون الجزآء بحصول مضمون الشرط فرضا مع القطع بانتفاء الشرط فيلزم انتفاء الجزآء فيلزم عدم الثبوت والمضى فى جملتها اذا الثبوت ينافى التعليق والاستقبال ينافى الماضى فلا يعدل فى جملتيها عن الفعلية لماضوية الا لنكتة فدخولها على المضارع نحو لو يطيعكم الخ لقصد استمرار الفعل فيما مضى وقتا فوقتا والفعل هو الاطاعة يعنى ان امتناع عنتكم بسبب امتناع استمراره على اطاعتكم فان المضارع يفيد الاستمرار ودخول لو عليه امتناع الاستمرار {ولكن الله حبب اليكم الايمان} الخ تجريد للخطاب وتوجيه له الى بعضهم بطريق الاستدراك بيانا لبرآءتهم من اوصاف الاولين واحمادا لافعالهم وهم الكاملون الذين لا يعتمدون على كل ما سمعوه من الاخبار والتحبيب دوست كردانيدن. اى ولكنه تعالى جعل الايمان محبوبا لديكم {وزينة} وحسنة {فى قلوبكم} حتى رسخ حبه فيها ولذلك اتيتم بما يليق به من الاقوال والافعال وفى عين المعانى فى قلوبكم دون السنتكم مجردة ردا على الكرامية وقيل دون جوارحكم ردا على الشفعوية {وكره اليكم الكفر والفسوق والعصيان} ولذلك اجتنبتم ما لا يليق بها مما لا خير فيه من آثارها واحكامها والتكريه هنا بمعنى التبغيض والبغض ضد الحب فالبغض نفار النفس عن الشئ الذى ترغب عنه والحب انجذاب النفس الى شئ الذى ترغب فيه ولما كان فى التحبيب والتكريه معنى انهاء المحبة والكراهة وايصالهما اليهم استعملا بكلمة الى قال فى فتح الرحمن معنى تحبيب الله وتكريهه اللطف والامداد بالتوفيق والكفر تغطية نعم الله بالجحود والفسوق الخروج عن القصد اى العدل بظلم نفسه والعصيان الامتناع من الانقياد وهو شامل لجميع الذنوب والفسوق مختص بالكبائر {اولئك} المستثنون بقوله ولكن الله الخ {هم الراشدون} اى السالكون الى الطريق السوى الموصل الى الحق وفى الآية عدول وتلوين حيث ذكر اولها على وجه المخاطبة وآخرها على المغايبة حيث قيل اولئك هم الراشدون ليعلم ان جميع من كان حاله هكذا فقد دخل فى هذا المدح كما قال ابو الليث

فرات الكوفي

تفسير : {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون* فضلاً من الله ونعمة والله عليم حكيم 7 و 8} قال: حدثنا أبو القاسم الحسني [أ: الحسيني] قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي قال: حدثنا جعفر بن محمد الفزاري قال: حدثنا محمد بن الحسين - يعني الصائغ- قال: حدثنا أيوب عن إبراهيم بن أبي البلاد: عن سدير الصيرفي قال: إني لجالس بين يدي أبي عبد الله عليه السلام أعرض عليه. مسائل أعطانيها أصحابنا إذ عرضت بقلبي مسألة فقلت له: مسألة خطرت بقلبي الساعة، قال: وليس في المسائل؟ قلت: لا، قال: وما هي؟ قلت: قول أمير المؤمنين عليه السلام: إن أمرنا صعب مستصعب لا يقربه إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان؟ فقال: نعم إن من الملائكة مقربين وغير مقربين ومن الأنبياء مرسلين وغير مرسلين ومن المؤمنين ممتحنين وغير ممتحنين، وإن أمرنا [أ، ب: أمركم] هذا عرض على الملائكة فلم يقرّ به إلا المقربون وعرض على الأنبياء فلم يقرّ به إلا المرسلون وعرض على المؤمنين فلم يقرّ به إلا المخلصون. قال: حدثنا الحسين بن سعيد قال: حدثنا أبو سعيد الأشج قال: حدثنا يحيى بن يعلى عن يونس بن خباب: عن أبي جعفر عليه السلام قال: حب [أمير المؤمنين. ر] علي [بن أبي طالب. ر. عليه السلام. أ، ر] إيمان وبغضه نفاق ثم قرأ {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم [وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلاً من الله و نعمة}. ر]. قال: حدثني عبيد بن كثير قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي قال: حدثنا مفضل بن صالح وعبد الرحمان بن أبي حماد عن زياد بن المنذر: عن أبي جعفر عليه السلام قال: حبنا إيمان وبغضنا كفر ثم قرأ هذه الآية: {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم [وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلاً من الله ونعمة}. أ، ب]. قال: حدثني أحمد بن محمد بن علي بن عمر الزهري قال: حدثنا أحمد بن الحسين بن المفلس عن زكريا بن محمد عن عبد الله بن مسكان وأبان بن عثمان عن بريد بن معاوية العجلي وإبراهيم الأحمري قالا: دخلنا على أبي جعفر عليه السلام وعنده زياد الأحلام فقال أبو جعفر: يا زياد مالي أرى رجليك متعلقين؟ قال: جعلت لك الفداء جئت على نضوٍ لي عامة الطريق وما حملني على ذلك إلا حبي لكم وشوقي إليكم. ثم أطرق زياد ملياً ثم قال: جعلت لك الفداء إني ربما خلوت فأتاني الشيطان فيذكرني ما قد سلف من الذنوب والمعاصي فكأني آيس ثم اذكر حبي لكم وانقطاعي [إليكم] وكان متكالكم! قال: يا زياد: وهل الدين إلا الحب والبغض؟ ثم تلا هذه الآيات الثلاث كأنها في كفه؛ {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلاً من الله ونعمة والله عليم حكيم} وقال: {أية : يحبون من هاجر إليهم} تفسير : [9/ الحشر] وقال: {أية : إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم} تفسير : [31/آل عمران]حديث : أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله إني أحب الصوامين ولا أصوم وأحب المصلين ولا أصلي وأحب المتصدقين ولا أتصدق [ر: أصدق]. فقال [رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ر]: أنت مع من أحببت ولك ما اكتسبت، أما ترضون أن لو كانت فزعة من السماء فزع كل قوم إلى مأمنهم وفزعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفزعتم إلينا .

الهواري

تفسير : قوله عز وجل: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ} تفسير الحسن: إنه معكم مقيم، فلا تضلون ما قبلتم عنه. {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} أي: في دينكم. والعنت الحرج والضيق. {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} أي: بما وعدكم عليه من الثواب وكريم المآب. {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} أي: المعاصي، أي بما أوعد عليها من العذاب. قال تعالى: {أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} أي: الذين حبّب إليهم الإيمان فأحبّوه لِتَحْبِيب الله ذلك إليهم... إلى آخر الآية. قال عز من قائل: {فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً} أي: بفضل من الله ونعمته فعل ذلك بهم. {وَاللَّهُ عَلِيمٌ} أي: بخلقه {حَكِيمٌ} أي: في أمره. قوله: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ}. تفسير الحسن قال: كان بين رجل من المسلمين ورجل من المنافقين خصومة فدعاه المسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاه المنافق إلى بني فلان، فتعزز المنافق ببني فلان وبقومه من المشركين، وتعزز المسلم بالمسلمين، فتدافعا بينهما حتى صارا إلى العصا فأنزل الله: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا...} إلى آخر الآية. وقال الحسن: سمى المنافق [مؤمناً] بالإسلام الذي أقرّ به وادعاه، أي من الإيمان. قال: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} أي: ردوهما إلى الحكومة، أي بما في كتابهم الذي ادعوه وأقروا به. {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى} أي: فلم تقبل الحكومة من الكتاب والسنة التي أقروا بهما وادعوهما {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ}، أي إلى حكم الله الذي حكم بينهم والذي يلزمهم إِقْرارهم به وادعاؤهم إياه. {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} الذي بتركه كفروا وضلوا. قال: {فَإِن فَاءتْ} أي: فإن رجعت إلى الذي تركت من حكم الله الذي أقرّت به وادّعته {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ} أي: بالحق {وَأَقْسِطُوا} أي: واعدلوا في حكمكم، أي فيمن تحكمون عليه {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ} أي يثيب {الْمُقْسِطِينَ} أي العادلين.

اطفيش

تفسير : {وَاعْلَمُواْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ} فلا تقولوا الباطل فان الله يخبره وقال الحسن انه معكم مرشد فلا تضلون ما قبلتم عنه وقدم خبر {أَنَّ} توبيخا لبعض المؤمنين على تزيينهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم الايقاع ببني المصطلق تصديقا للوليد ومثل هذا قد يصدر من المؤمن وقيل المعنى ان فيكم رسول الله على حال يجب تغييرها وهي ارادتكم ان يتبع رأيكم في الحوادث ولو فعل لوقعتم في المشقة والهلاك كما قال* {لو يطيعكم في كثير من الأمر لعِنتُّم} لوقعتم في المشقة والهلاك دينا ودنيا فهذه الجملة حال من ضمير الاستقرار في خبر {أَنَّ} او من الكاف و (لو) جعلت استئنافا لم يظهر هذا المعنى وهؤلاء اخيار الأئمة لو يطيعهم لعتوا فكيف بغيرهم وقال (يطيع) ولم يقل (أطاع) للدلالة على المستمر تستمر ويدل له لفظ كثير والمعنى ان امتناع (عنتكم) بسبب امتناع استمراره على طاعتكم فان المضارع يفيد الاستمرار ودخول (لو) يفيد امتناع الاستمرار والمعنى ان امتناع عنتكم بسبب استمرار امتناعه عن اطاعتكم لأنه كما ان المضارع المثبت يفيد استمرار الثبوت يجوز ان يفيد المنفي استمرار النفي والداخل عليه (لو) يفيد استمرار الامتناع كما ان الجملة الاسمية المثبتة تفيد تأكيد الثبوت ودوامه والمنفية تفيدنا تأكيد النفي ودوامه لا نفي التأكيد والدوام وفي الآية توبيخ للكذبة واستثنى الذين يمنعهم جدهم في التقوى عن الجسارة على طلب رسوله ان يتبعهم بقوله {وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ } أي (الى بعضكم) واغنت عن ذكر البعض صفتهم المفارقة لصفة غيرهم وهذا ايجاز دقيق وعن بعض انهم الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ولمغايرة الصفتين جاءت {لَكِنَّ} لأنها تخالف ما قبلها نفيا واثباتا وايضا ما قبلها يفيد انه لا عذر لهم وجاءت {لكِنَّ} وما بعدها تبين ان لهم عذرا وهو تحبيب الله لهم الايمان فبالغوا في حبه وزينه لهم وكره لهم الكفر والفسوق والعصيان كما في باقي الآية وحملهم ذلك على الأمر بالايقاع ببني المصطلق لما سمعوا قول الوليد وقد قال صلى الله عليه وسلم لما انزل {أية : إن جآءكُم فاسقٌ} تفسير : الخ التثبت من الله والعجلة من الشيطان فيجوز ان يكونوا كلهم مريدين الايقاع لشدتهم في الدين* {وَزَيَّنَهُ} حسَّنه* {فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ} تغطية النعم بالجحود* {وَالْفُسُوقَ} الخروج عن قصد الايمان بركوب الكبائر* {وَالْعِصْيَانَ} اي ترك الانقياد لأمر الشرع قال بعضهم (حبب الايمان) بما وعد من الثواب وكره ذلك بما وعد من العقاب ومن أحب الايمان ازاد في قلبه فيطيع بخلاف محبة شيء فان المحب له قد يسأم منه وعن ابن عباس (الفسوق) (الكذب) والايمان الكامل تصديق واقرار وعمل فكرّه اليكم الكفر في مقابلة (حبب اليكم) الخ و(الفسوق) اي الكذب في مقابلة الاقرار والعصيان في مقابلة العمل وتحبيب الله وتكريهه اللطف والتوفيق ومدحهم لفعلهم واعتقادهم على توفيقه فانه تعالى ذم قوما يحبون ان يحمدوا بما لم يفعلوا واما مدح العرب الرجل بالجمال فبالنظر الى ما يشعر به الجمال غالبا من الاخلاق المحمودة من الجميل وجعله كثير من المعاينين خطأ ورأوا انما المدح على الكسب ويؤيد القول بان طالبي طاعة الرسول لأمرهم هم البعض وان المحبب اليهم الايمان غير ذلك البعض قوله* {أُوْلَئِكَ} المستثنون {هُمُ الرَّاشِدُونَ} المستقيمون على طريق الحق مع تصلب فيه من الرشاد والرشادة وهما الصخرة بخلاف البعض الطالبين المطاعة فانهم لم يحبب اليهم ويكره مثل ذلك التحبيب والتكريه ودرجتهم دون ذلك وعدى (حبب وكره) بالى لتضمنها معنى الايصال وأما (بغض) التشديد فهو في نفسه محتاج في تعديته بالى الى ذلك التأويل فليس كره تعدى بالى تضمينا لمعنى (بغض) كما قال القاضي

اطفيش

تفسير : {واعْلمُوا أنَّ فيكُم رَسُول الله} قد علموا أن الخطاب للصحابة عموما، لأنه قد يصدر منهم أنه لو كان كذا فعدَّ عليهم انهم كمن ليس فيهم رسول الله، وقيل: لمن زل لكن أمرهم بالعلم على معنى العمل بمقتضى علمهم بأنه فيهم، وهو أنه لا يرغبوا فى تقديم ولا تأخير، ولا زيادة ولا نقص، بل ينتظرون الوحى، ويعملون بما وجد منه فى الحال، ويرجع الى هذا قول بعض المحققين: انه أمرهم بالعلم مراعاة لتقييده بالحال، وهو قوله: {لَو يُطيعكُم في كثير من الأمْر لَعَنتُّم} وصاحب الحال الكاف، أو المستتر فى فيكم وأولى من ذلك أن "لو يطيعكم" الخ مستأنف لا حال، كأنه قيل: ما فعلوا حتى عد عليهم أنهم كمن ليس فيهم رسول الله؟ فقيل: انهم افرطوا فى حب أن يكون تابعا لهم لا متبوعا لهم، وهذا موقع لهم فى العنت، ضد ما طلبوا مما يظهر لهم أن فيه راحة، وهذا على أن الخطاب لمن زل منهم بالافراط، لا للكمال، ولا مانع أن يكون للكل تثبيتا لهم لوقوع ذلك فى بعضهم، وقدم خبر ان للحصر، وهو أشد عتابا على فعل ما لا يصلح لمن فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أى ليس فيكم، ويطيع للاستمرار ولو لامتناع استمرار طاعته لهم فى كثير من الأمور، فهو لا يطيعهم فى ذلك الكثير، لأن اطاعته فى ذلك موقع فى العنت، وقيل: المراد استمرار الامتناع كما قيل فى "أية : ولا هم يحزنون" تفسير : [البقرة: 112] استمرار فى نفى الحزن، والآية تدل على أنهم طلبوا منه صلى الله عليه وسلم أن ينتقم من الوليد الفاسق الجزىء بنبإ كاذب، والعنت الهلاك أو المشقة، وأصله قيل الكسر بعد الجبر، وهو أشد محذور. {ولكنَّ اللَّهَ حبَّب إليكُم الإيمان وزيَّنَه في قُلوبكم وكره إليكُم الكُفْر والفُسوق والعِصْيان} الخطاب للمجموع باعتبار المؤمنين الكمال فيهم كما فيما قبل من الخطاب، أو يقدر ولكن الله حبب الى بعضكم، وان جعلنا الخطاب قبل هذا الغير الكمال كان المعنى: لكن الله حبب اليكم أيها الكمال الايمان، ولم يجعلكم كهؤلاء الناقصين، بل نجاكم مما هم فيه من الزلل، وعدى حبب وكرَّه بالى مراعاة لمعنى أوصل اليكم حب الايمان، وكراهة الكفر، ولا تقل عدى كرَّه بالى لتضمن معنى التبغيض، لأنا نقول: لو قيل: بغض اليكم الكفر لاحتاج الى التأويل بمعنى أوصل اليكم البغض، والكفر الشرك، والفسوق الكبائر دونه والعصيان من دون الكبائر من الذنوب، أو عام بعد تخصيص. {أولئك} المحبب اليهم الايمان، المزين هو فى قلوبهم المكره اليهم الكفر الخ {هُم الراشِدونَ} هم الكمال النبى صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين، ولو قال أنتم بدل لفظ أولئك لفات ذكرهم بالتحبيب والتكريه المذكورين الموجبين للرشاد.

الالوسي

تفسير : {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ } عطف على ما قبله. و {أَن} بما في حيزها سادّ مسدّ مفعولي {ٱعْلَمُواْ } / باعتبار ما قيد به من الحال وهو قوله عز وجل: {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ } أي لوقعتم في الجهد والهلاك فإنه حال من أحد الضميرين في {فيكُمْ } الضمير المستتر المرفوع وهو ضمير الرسول أو البارز المجرور وهو ضمير المخاطبين. وتقديم خبر (أن) للحصر المستتبع زيادة التوبيخ. وصيغة المضارع للاستمرار ـ فلو ـ لامتناع استمرار طاعته عليه الصلاة والسلام لهم في كثير مما يعن لهم من الأمور، وكون المراد استمرار الامتناع نظير ما قيل في قوله تعالى: {أية : وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } تفسير : [البقرة: 38] من أن المراد استمرار النفي ليس بذاك. وفي الكلام إشعار بأنهم زينوا بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم الإيقاع بالحرث وقومه وقد أريد أن ينعى عليهم ذلك بتنزيلهم منزلة من لا يعلم أنه عليه الصلاة والسلام بين أظهرهم فقيل: واعلموا أنه فيكم لا في غيركم كأنهم حسبوه لعدم تأدبهم وما بدر منهم الفرطة بين أظهر أقوام آخرين كائناً على حال يجب عليكم تغييرها أو وأنتم على كذلك وهو ما تريدون من استتباع رأيه لرأيكم وطاعته لكم مع أن ذلك تعكيس وموجب لوقوعكم في العنت، وفيه مبالغات من أوجه: أحدها: إيثار {لَوْ } ليدل على الفرض والتقدير وأن ما بدر من التزيين كان من حقه أن يفرض كما يفرض الممتنعات، والثاني: ما في العدول إلى المضارع من تصوير ما كانوا عليه وتهجينه مع التوبيخ بإرادة استمرار ما حقه أن يكون مفروضاً فضلاً عن الوقوع، والثالث: ما في العنت من الدلالة على أشد المحذور فإنه الكسر بعد الجبر والرمز الخفي على أنه ليس بأول بادرة. والرابع: ما في تعميم الخطاب والحري به غير الكمل من التعريض ليكون أردع لمرتكبه وأزجر لغيره كأنه قيل: يا أيها الذين آمنوا تبينوا إن جاءكم فاسق ولا تكونوا أمثال هؤلاء ممن استفزه النبأ قبل تعرف صدقه ثم لا يقنعه ذلك حتى يريد أن يستتبع رأي من هو المتبوع على الإطلاق فيقع هو ويقع غيره في العنت والإرهاق واعلموا جلالة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفادوا عن أشباه هذه الهنات. وقوله عز وجل: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ } استدراك على ما يقتضيه الكلام فإن {لَوْ يُطِيعُكُمْ } خطاب كما سمعت للبعض الغير الكمل عمم للفوائد المذكورة والمحبب إليهم الإيمان هم الكمل فكأنه قيل: ولكن الله حبب إلى بعضكم الإيمان وعدل عنه لنداء الصفة به، وعليه قول بعض المفسرين هم الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، والإشارة بقوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ} إليهم، وفيه نوع من الالتفات، والخطاب فيه للرسول صلى الله عليه وسلم كأنه تعالى يبصره عليه الصلاة والسلام ما هم فيه من سبق القدم في الرشاد أي إصابة الطريق السوي، فحاصل المعنى أنتم على الحال التي ينبغي لكم تغييرها وقد بدر منكم ما بدر ولكن، ثم جمعا عما أنتم عليه من تصديق الكاذب وتزيين الإيقاع بالبرىء وإرادة أن يتبع الحق أهواءكم برآء لأن الله تعالى حبب إليهم الإيمان الخ، وهذا أولى من جعل {لَوْ يُطِيعُكُمْ } الخ في معنى ما حبب إليهم الإيمان تغليظاً لأن من تصدى للإيقاع بالبرىء بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم وجسر على ارتكاب تلك العظيمة لم يكن محبوباً إليه الإيمان وإن كان ذلك أيضاً سديداً لشيوع التصرف في الأواخر في مثله، وجعله بعضهم استدراكاً ببيان عذرهم فيما بدر منهم، ومآل المعنى لم يحملكم على ما كان منكم اتباع الهوى ومحبة متابعة النبـي صلى الله عليه وسلم لآرائكم بل محبة الإيمان وكراهة الكفر هي الداعية لذلك، والمناسب لما بعد ما ذكرناه. / وجوز غير واحد من المعربين أن {لَوْ يُطِيعُكُمْ } استئناف على معنى أنه لما قيل {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ } دالاً على أنهم جاهلون بمكانه عليه الصلاة والسلام مفرطون فيما يجب من تعظيم شأنه - أعلى الله تعالى شأنه - اتجه لهم أن يسألوا ماذا فعلوا حتى نسبوا إلى التفريط وماذا ينتج من المضرة؟ فأجيبوا بما يصرح بالنتيجة لخفائها ويومىء إلى ما فيها من المعرة من وقوعهم في العنت بسبب استتباع من هو في علو المنصب اقتداء يتخطى أعلى المجرة، وهو حسن لولا أن {وَٱعْلَمُواْ } كلام من تتمة الأول كما يؤذن به العطف لا وارد تقريعاً على الاستقلال فيأبـى التقدير المذكور لتعين موجب التفريط، وأيضاً يفوت التعريض وأن ذلك بادرة من بعضهم في قصة ابن عقبة ويتنافر الكلام. هذا {وَكَرَّهَ } يتعدى بنفسه إلى واحد وإذا شدد زاد له آخر لكنه ضمن في الآية معنى التبغيض فعومل معاملته وحسنه مقابلته لحبب أو نزل {إِلَيْكُمْ } منزلة مفعول آخر، و {ٱلْكُفْرِ } تغطية نعم الله تعالى بالجحود، و {ٱلْفُسُوقُ } الخروج عن القصد ومأخذه ما تقدم، {وَٱلْعِصْيَانَ } الامتناع عن الانقياد، وأصله من اعتصت النواة صلبت واشتدت، والكلام أعني قوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ } الخ ثناء عليهم بما يردف التحبيب المذكور والتكريه من فعل الأعمال المرضية والطاعات والتجنب عن الأفعال القبيحة والسيآت على سبيل الكناية ليقع التقابل موقعه على ما سلف آنفاً، وقيل: الداعي لذلك ما يلزم على الظاهر من المدح بفعل الغير مع أن الكلام مسوق للثناء عليهم وهو في إيثارهم الإيمان وإعراضهم عن الكفر وأخويه لا في تحبيب الله تعالى الإيمان لهم وتكريهه سبحانه الكفر وما معه إليهم. وأنت تعلم أن الثناء على صفة الكمال اختيارية كانت أو لا شائع في عرف العرب والعجم، والمنكر معاند على أن ذلك واقع على الجماد أيضاً، والمسلم الضروري أنه لا يمدح الرجل بما لم يفعله على أنه فعله، وإليه الإشارة في قوله تعالى: {أية : وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ } تفسير : [آل عمران: 188] أما أنه لا يمدح به على أنه صفة له فليس بمسلم فلا تغفل.

ابن عاشور

تفسير : {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ}. عطف على جملة {أية : إن جاءكم فاسق بنبأ}تفسير : [الحجرات: 6]عطفَ تشريع على تشريع وليس مضمونها تكملة لمضمون جملة {إن جاءكم فاسق} الخ بل هي جملة مستقلة. وابتداء الجملة بــ {اعلموا} للاهتمام، وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه} تفسير : في سورة البقرة (235). وقوله: {أية : واعلموا أنما غنمتم من شيء} تفسير : في الأنفال (41). وقوله: {أن فيكم رسول اللَّه} إن خبر مستعمل في الإيقاظ والتحذير على وجه الكِنَاية. فإن كون رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم أمر معلوم لا يخبر عنه. فالمقصود تعليم المسلمين باتباع ما شرع لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحكام ولو كانت غير موافقة لرغباتهم. وجملة {لو يطيعكم في كثير من الأمر} الخ يجوز أن تكون استئنافاً ابتدائياً. فضميرا الجمع في قوله: {يطيعكم} وقوله: {لعنتم} عائدان إلى الذين آمنوا على توزيع الفعل على الأفراد فالمطاع بَعض الذين آمنوا وهم الذين يبتغون أن يعمَل الرسولُ صلى الله عليه وسلم بما يطلبون منه، والعانِت بعض آخر وهم جمهور المؤمنين الذين يجري عليهم قضاء النبي صلى الله عليه وسلم بحسب رغبة غيرهم. ويجوز أن تكون جملة {لو يطيعكم} الخ في موضع الحال من ضمير {فيكم} لأن مضمون الجملة يتعلق بأحوال المخاطبين، من جهة أن مضمون جواب {لو} عَنَتٌ يحصل للمخاطبين. ومآل الاعتبارين في موقع الجملة واحد وانتظام الكلام على كلا التقديرين غير منثلم. والطاعة: عملُ أحد يُؤمَر به وما يُنهى عنه وما يشار به عليه، أي لو أطاعكم فيما ترغبون. و {الأمر} هنا بمعنى الحادث والقضية النازلة. والتعريف في الأمر تعريف الجنس شامل لجميع الأمور ولذلك جيء معه بلفظ {كثير من} أي في أحداث كثيرة مما لكم رغبة في تحصيل شيء منها فيه مخالفة لما شرعه. وهذا احتراز عن طاعته إياهم في بعض الأمر مما هو غير شؤون التشريع كما أطاعهم في نزول الجيش يوم بدر على جهة يستأثِرون فيها بماء بدر. والعنت: اختلال الأمر في الحاضر أو في العاقبة. وصيغة المضارع في قوله: {لو يطيعكم} مستعملة في الماضي لأن حرف {لو} يفيد تعليق الشرط في الماضي، وإنما عدل إلى صيغة المضارع لأن المضارع صالح للدلالة على الاستمرار، أي لو أطاعكم في قضية معينة ولو أطاعكم كلما رغبتم منه أو أشرتم عليه لعنتُّم لأن بعض ما يطلبونه مضر بالغير أو بالراغب نفسه فإنه قد يحب عاجِل النفع العائدَ عليه بالضر. وتقديم خبر (إنَّ) على اسمها في قوله: {أن فيكم رسولَ الله} للاهتمام بهذا الكون فيهم وتنبيهاً على أن واجبهم الاغتباط به والإخلاص له لأن كونه فيهم شرف عظيم لجماعتهم وصلاح لهم. والعَنت: المشقة، أي لأصاب الساعين في أن يعمل النبي صلى الله عليه وسلم بما يرغبون العنتُ. وهو الإثم إذا استغفلوا النبي صلى الله عليه وسلم ولأصاب غيرهم العنت بمعنى المشقة وهي ما يلحقهم من جريان أمر النبي صلى الله عليه وسلم على ما يلائم الواقع فيضر ببقية الناس وقد يعود بالضر على الكاذب المتشفي برغبته تارة فيلحق عنت من كذب غيره تارة أخرى. {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَٰشِدُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. الاستدراك المستفاد من {لكنَّ} ناشىء عن قوله: {لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم} لأنه اقتضى أن لبعضهم رغبة في أن يطيعهم الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يرغبون أن يفعله مما يبتغون مما يخالونه صالحاً بهم في أشياء كثيرة تعرِض لهم. والمعنى: ولكن الله لا يأمرُ رسوله إلا بما فيه صلاح العاقبة وإن لم يصادف رغباتكم العاجلة وذلك فيما شرعه الله من الأحكام، فالإيمان هنا مراد منه أحكام الإسلام وليس مراداً منه الاعتقاد، فإن اسم الإيمان واسم الإسلام يتواردان، أي حبب إليكم الإيمان الذي هو الدين الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا تحريض على التسليم لما يأمر به الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في معنى قوله تعالى: {أية : حتى يُحَكِّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً}تفسير : [النساء: 65]، ولذا فكونه حبّب إليهم الإيمان إدماج وإيجاز. والتقدير: ولكن الله شرع لكم الإسلام وحببه إليكم أي دعاكم إلى حبه والرضى به فامتثلتم. وفي قوله: {وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} تعريض بأن الذين لا يطيعون الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم بقية من الكفر والفسوق، قال تعالى: {أية : وإذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون} تفسير : [النور: 48] إلى قوله: {أية : هم الظالمون}تفسير : [النور: 50]. والمقصود من هذا أن يتركوا ما ليس من أحكام الإيمان فهو من قبيل قوله {أية : بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان}تفسير : [الحجرات: 11] تحذيراً لهم من الحياد عن مَهْيَعِ الإيمان وتجنيباً لهم ما هو من شأن أهل الكفر. فالخبر في قوله: {حبب إليكم الإيمان} إلى قوله: {والعصيان} مستعمل في الإلهاب وتحريك الهِمم لمراعاة محبة الإيمان وكراهة الكفر والفسوق والعصيان، أي إن كنتم أحببتم الإيمان وكرهتم الكفر والفسوق والعصين فلا ترغبوا في حصول ما ترغبونه إذا كان الدين يصد عنه وكان الفسوق والعصيان يدعو إليه. وفي هذا إشارة إلى أن الاندفاع إلى تحصيل المرغوب من الهوى دون تمييز بين ما يرضي الله وما لا يرضيه أثر من آثار الجاهلية مِن آثار الكفر والفسوق والعصيان. وذكر اسم الله في صدر جملة الاستدراك دون ضمير المتكلم لما يشعر به اسم الجلالة من المهابة والروعة. وما يقتضيه من واجب اقتبال ما حَبّب إليه ونبذِ ما كَرَّه إليه. وعدي فعلا {حبب} و {كَرَّه} بحرف (إلى) لتضمينهما معنى بَلَّغَ، أي بلغ إليكم حب الإيمان وكُره الكفر. ولم يعدّ فعل {وزينه} بحرف (إلى) مثل فعلي {حبّب} و{كرّه}، للإيماء إلى أنه لما رغّبهم في الإيمان وكرههم الكفر امتثلوا فأحبّوا الإيمان وزان في قلوبهم. والتزيين: جعل الشيء زَينا، أي حسناً قال عمر بن أبي ربيعة:شعر : أجمعتْ خُلتي مع الفجر بَينا جَلل الله ذلك الوجه زَيْنا تفسير : وجملة {أولئك هم الراشدون} معترضة للمدح. والإشارة بــ {أولئك} إلى ضمير المخاطبين في قوله: {إليكم} مرتين وفي قوله: {قلوبكم} أي الذين أحبّوا الإيمان وتزينت به قلوبهم، وكَرِهُوا الكفر والفسوقَ والعصيان هم الراشدون، أي هم المستقيمون على طريق الحق. وأفاد ضمير الفصلِ القصرَ وهو قصر إفراد إشارة إلى أن بينهم فريقا ليسوا براشدين وهم الذين تلبسوا بالفسق حين تلبسهم به فإن أقلعوا عنه التحقوا بالراشدين. وانتصب {فضلاً من اللَّه ونعمة} على المفعول المطلق المبين للنوع من أفعال {حَبَّب} {وزيَّن} {وكرَّه} لأن ذلك التحبيب والتزيّين والتّكريه من نوع الفضل والنعمة. وجملة {واللَّه عليم حكيم} تذييل لجملة {واعلموا أن فيكم رسول الله} إلى آخرها إشارة إلى أن ما ذكر فيها من آثار علم الله وحكمته.. والواو اعتراضية.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ}. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أنه هو الذي حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، جاء موضحاً في آيات كثيرة مصرح فيها بأنه تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء، كقوله تعالى:{أية : مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً}تفسير : [الكهف: 17]. وقوله تعالى:{أية : وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ}تفسير : [الإسراء: 97] الآية. وقوله تعالى:{أية : مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ}تفسير : [الأعراف: 178]. وقوله تعالى:{أية : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}تفسير : [الشمس: 7-8] والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، نرجو الله الرحيم الكريم أن يهدينا وألا يضلنا.

القطان

تفسير : لَعَنِتُّم: وقعتم في تعب ومشقة. الفسوق: الخروج عن الحد كالكذب والغيبة وغيرها. العصيان: عدم الانقياد الى الحق. الرشاد: اصابة الحق واتباع الطريق السوي. بعد ان حذّرهم الله تعالى من التعجّل في الأمور، ووضّح كيف يتلقون الأخبار ويتصرفون بها، بيّن لهم هنا أمراً عظيماً جدا، ونعمة كبيرةً ورحمة لهم، تعيش بينهم ليدركوا قيمتها وينعموا بوجودها فقال: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ} فاقدُروه حقَّ قدره، واصدُقوه، فإنه لو يطيعكم في كثير من الامور، لوقعتم في المشقة والهلاك. {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ}. وفي هذا توجيه من الله تعالى إلى نعمة الايمان الذي هداهم اليه، وكشف لهم عن جماله، وجعلهم يكرهون الكفرَ والفسوق والعصيان.. وكلّ هذا من رحمته الواسعة. ثم بين ان من يتصف بهذه الصفات الحسنة ويتجنب الصفاتِ السيئة لهو من أهل الرشاد السالكين الطريقَ السوي. {فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} وكل هذا العطاء الذي منحه لكم ربّكم انما هو لكم تفضُّل منه عليكم وإنعام كبير من لدنه.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلإِيمَانَ} {أُوْلَـٰئِكَ} {ٱلرَّاشِدُونَ} (7) - واعلَمُو يَا أَيُّها المُؤْمِنُون أنَّ رَسُولَ اللهِ بَيْنَ أظْهُركُمْ فَعَظِّمُوهُ وَوَقِّرُوهُ وَاصْدُقُوهُ، وَتَأدَّبوا مَعَهُ، وَهُوَ أَشْفَقُ عَلَيكُمْ مِنْ أنفِسكُم، وَلَوْ أنّهُ تَعَجَّلَ في عَمَلِ مَا أرَدْتُم قَبْلَ وَضُوحِ الأمرِ، وَقَامَ بِمَا أَشَرْتُمْ عَلَيهِ مِنَ الآراءِ لَوَقَعْتُم في الإِثْمِ وَالمَشَقَّةِ والحَرَجِ (لَعَنِتُّمْ)، وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إليكُم الإِيمَانَ وَالأُمُورَ الصَّالِحَةَ، وَجَعَلَكُمْ تَكْرَهُونَ الكُفْرَ وَالفُسُوقَ والعصْيَانَ. وَهَؤُلاءِ المُتَّصِفُونَ بالصِّفاتِ السَّابِقَةِ هُمُ الرَّاشِدُونَ المُهتَدُونَ، الذِينَ آتَاهُمُ اللهُ رُشْدَهُمْ. لَعَنِتُّمْ - لأَثِمْتُمْ وَهَلكْتُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الكلام هنا له علاقة بما حدث من مخالفة المسلمين لرأي رسول الله في الحديبية، فالحق سبحانه يقول لهم {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ ..} [الحجرات: 7] كأنه يقول لهم احترموا وجوده بينكم فهو رسول الله ولا يخفى عليه شيء لأنه مُؤيَّد من الله، والله يخبره بالواقع، فليس علمه بالأمور كعلمكم. وكلمة {فِيكُمْ ..} [الحجرات: 7] تدل على الظرفية كما تقول: الماء في الكوب، أو المال في الخزانة، ومعلوم أن المظروف أغلى وأنفَسُ من المظروف فيه، وأنتم ظرف لرسول الله ومنهج رسول الله؛ لذلك قرأوا: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ..}تفسير : [التوبة: 128] بفتح الفاء. إذن: وجود رسول الله بينكم ميزة لكم وعصمة وحماية لأنه موصول بربه، وهذه المسألة كان يعلمها كفار مكة وصناديدهم، لكنهم غلبهم العناد والمكابرة وحجبتهم عن الإيمان. لذلك اجتمع في يوم من الأيام كلٌّ من أبي سفيان والحارث بن هشام وثابت بن قيس، وكان بلال يؤذن للصلاة، فقال ثابت: لقد رضي الله عن أبي حيث قبضه قبل أن يرى هذا المنظر، يعني: أن بلالاً الحبشي الأسود هو الذي يؤذِّن لرسول الله، وقال الحارث: أما رأى رسول الله غير هذا الغراب الأسود يُؤذِّن، وقال أبو سفيان: والله أحب أنْ أقول يعني مثل قولكما، لكني أخشى أنْ يخبر اللهُ رسوله بما أقول. إذن: كان هؤلاء القوم يعلمون صدق رسول الله، لكن منعهم اللدد والعناد والكبر عن قبول الحق. أيضاً تعلمون أن سيدنا رسول الله قد زوَّج ابنتيه رقية وأم كلثوم لولدين من أولاد أبي لهب، وكان هذا قبل البعثة، فلما اشتدت العداوة بين أبي لهب ورسول الله أجبر أبو لهب ولديه على تطليقهما. وفي يوم قابل أحد هذين الولدين رسول الله في الطريق ونظر إليه ثم تفل وتنبه رسول الله لما فعل، فدعا عليه وقال: يأكلك كلب من كلاب الله وبلغت هذه الدعوة أبا لهب فخاف على ولده، وعندما خرج مع القافلة التجارية إلى الشام جمع رجالها وقال لهم: إذا عرَّسْتم - يعني أويتم للمبيت - فاجعلوا ولدي فلاناً بينكم، فإنني أخشى عليه دعوة محمد. إذن: كان يعلم أن محمداً على الحق، وأن دعوته ُمستجابة. وبالفعل جعلوه بينهم لما ناموا، وسلط الله عليه أسداً حقيقاً اختطفه من بينهم. فصِدْق رسول الله كان معلوماً لهؤلاء، وكانت ألسنتهم تغلبهم وتنطق بهذا التصديق، من ذلك قولهم: {أية : لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ ..}تفسير : [المنافقين: 7] وأخبر الحق عنهم بقوله: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ..}تفسير : [النمل: 14]. وقوله تعالى: {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ..} [الحجرات: 7] ومن ذلك ما حدث منكم في الحديبية، فلو أطاعكم في عدم الصلح {لَعَنِتُّمْ ..} [الحجرات: 7] أصابكم العنت والمشقة والإثم. ومثلها قوله تعالى: {أية : عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ..}تفسير : [التوبة: 128] يعزّ عليه أنْ يراكم في مشقة، لأنه بكم رؤوف رحيم، فإنْ رآكم على المعصية استغفر لكم، وإنْ رآكم على الطاعة حمد الله، هذا حتى بعد أنْ يموت. {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ..} [الحجرات: 7] لكن هنا استدراك لما سبق، يعني أن رسول الله لم يطعكم فيما ذهبتم إليه من التصميم على دخول مكة وأداء العمرة، ولكن الله حبَّب إليكم الإيمان وزيَّنه في قلوبكم، فعُدْتم إلى رأي رسول الله ولم تقضُوا أمراً خلاف أمره ورضيتم به. وهذا نتيجة هداية الله لكم، وتحبيبه الإيمانَ وتزيينه في قلوبكم، فلولا ذلك لخرجتم عن أمره وهلكتُم بعصيانكم له، وفي نفس الوقت {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ..} [الحجرات: 7] وهذا من أعظم نِعَم الله عليكم. {أُوْلَـٰئِكَ ..} [الحجرات: 7] أي: الذين اتصفوا بهذه الصفات فأحّبوا الإيمان وكرهوا الكفر والفسوق والعصيان، أولئك {هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 7] جمع راشد، وهو الذي التزم طريقَ الحق والهداية فلم يَحِدْ عنه، ومن ذلك قولنا: ترشيد النفقات وترشيد الاستهلاك، يعني أنْ نضعه في موضعه المناسب.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لَعَنِتُّمْ} معناهُ أَصابَكُم العَنتُ، وهو الضَّررُ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: ليكن لديكم معلومًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بين أظهركم، وهو الرسول الكريم، البار، الراشد، الذي يريد بكم الخير وينصح لكم، وتريدون لأنفسكم من الشر والمضرة، ما لا يوافقكم الرسول عليه، ولو يطيعكم في كثير من الأمر لشق عليكم وأعنتكم، ولكن الرسول يرشدكم، والله تعالى يحبب إليكم الإيمان، ويزينه في قلوبكم، بما أودع الله في قلوبكم من محبة الحق وإيثاره، وبما ينصب على الحق من الشواهد، والأدلة الدالة على صحته، وقبول القلوب والفطر له، وبما يفعله تعالى بكم، من توفيقه للإنابة إليه، ويكره إليكم الكفر والفسوق، أي: الذنوب الكبار، والعصيان: هي ما دون ذلك من الذنوب بما أودع في قلوبكم من كراهة الشر، وعدم إرادة فعله، وبما نصبه من الأدلة والشواهد على فساده، وعدم قبول الفطر له، وبما يجعله الله من الكراهة في القلوب له. { أُولَئِكَ } أي: الذين زين الله الإيمان في قلوبهم، وحببه إليهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان { هُمُ الرَّاشِدُونَ } أي: الذين صلحت علومهم وأعمالهم، واستقاموا على الدين القويم، والصراط المستقيم. وضدهم الغاوون، الذين حبب إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وكره إليهم الإيمان، والذنب ذنبهم، فإنهم لما فسقوا طبع الله على قلوبهم، ولما {أية : زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } تفسير : ولما لم يؤمنوا بالحق لما جاءهم أول مرة، قلب الله أفئدتهم. وقوله: { فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً } أي: ذلك الخير الذي حصل لهم، هو بفضل الله عليهم وإحسانه، لا بحولهم وقوتهم. { وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } أي: عليم بمن يشكر النعمة، فيوفقه لها، ممن لا يشكرها، ولا تليق به، فيضع فضله، حيث تقتضيه حكمته.

همام الصنعاني

تفسير : 2930- عبد الرزاق، عن معمر، قال: تَلاَ قتادة: {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ}: [الآية: 7]، قال: فأنتم أسخف رأياً، وأطيش أحلاَماً: فاتهم رجل رأيه وانْتَصَحَ كتاب الله.