Verse. 4620 (AR)

٤٩ - ٱلْحُجُرَات

49 - Al-Hujurat (AR)

فَضْلًا مِّنَ اللہِ وَنِعْمَۃً۝۰ۭ وَاللہُ عَلِيْمٌ حَكِيْمٌ۝۸
Fadlan mina Allahi waniAAmatan waAllahu AAaleemun hakeemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فضلا من الله» مصدر منصوب بفعله المقدر، أي أفضل «ونعمة» منه «والله عليم» بهم «حكيم» في إنعامه عليهم.

8

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: نصب فضلاً لأجل أمور، إما لكونه مفعولاً له، وفيه وجهان أحدهما: أن العامل فيه هو الفعل الذي في قوله {ٱلرشِدُونَ } فإن قيل: كيف يجوز أن يكون فضل الله الذي هو فعل الله مفعولاً له بالنسبة إلى الرشد الذي هو فعل العبد؟ نقول لما كان الرشد توفيقاً من الله كان كأنه فعل الله فكأنه تعالى أرشدهم فضلاً، أي يكون متفضلاً عليهم منعماً في حقهم والوجه الثاني: هو أن العامل فيه هو قوله {أية : حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَـٰنَ... وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ } تفسير : [الحجرات: 7] فضلاً وقوله {أية : أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلرشِدُونَ } تفسير : [الحجرات: 7] جملة اعترضت بين الكلامين أو يكون العامل فعلاً مقدراً، فكأنه قال تعالى جرى ذلك فضلاً من الله، وإما لكونه مصدراً، وفيه وجهان أحدهما: أن يكون مصدراً من غير اللفظ ولأن الرشد فضل فكأنه قال أولئك هم الراشدون رشداً وثانيهما: هو أن يكون مصدراً لفعل مضمر، كأنه قال حبب إليكم الإيمان وكره إليكم الكفر فأفضل فضلاً وأنعم نعمة، والقول بكونه منصوباً على أنه مفعول مطلق وهو المصدر، أو مفعول له قول الزمخشري، وإما أن يكون فضلاً مفعولاً به، والفعل مضمراً دل عليه قوله تعالى: {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلرشِدُونَ } أي يبتغون فضلاً من الله ونعمة. المسألة الثانية: ما الفرق بين الفضل والنعمة في الآية؟ نقول فضل الله إشارة إلى ما عنده من الخير وهو مستغن عنه، والنعمة إشارة إلى ما يصل إلى العبد وهو محتاج إليه، لأن الفضل في الأصل ينبىء عن الزيادة، وعنده خزائن من الرحمة لا لحاجة إليها، ويرسل منها على عباده ما لا يبقون معه في ورطة الحاجة بوجه من الوجوه، والنعمة تنبىء عن الرأفة والرحمة وهو من جانب العبد، وفيه معنى لطيف وهو تأكيد الإعطاء، وذلك لأن المحتاج يقول للغني: أعطني ما فضل عنك وعندك، وذلك غير ملتفت إليه وأنابه قيامي وبقائي، فإذن قوله {فَضْلاً مّنَ ٱللَّهِ } إشارة إلى ما هو من جانب الله الغني، والنعمة إشارة إلى ما هو من جانب العبد من اندفاع الحاجة، وهذا مما يؤكد قولنا فضلاً منصوب بفعل مضمر، وهو الابتغاء والطلب. المسألة الثالثة: ختم الآية بقوله {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } فيه مناسبات عدة منها أنه تعالى لما ذكر نبأ الفاسق، قال إن يشتبه على المؤمن كذب الفاسق فلا تعتمدوا على ترويجه عليكم الزور، فإن الله عليم، ولا تقولوا كما كان عادة المنافق لولا يعذبنا الله بما نقول، فإن الله حكيم لا يفعل إلا على وفق حكمته وثانيها: لما قال الله تعالى: {أية : وَٱعْلَمُواْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ } تفسير : [الحجرات: 7] بمعنى لا يطيعكم، بل يتبع الوحي، قال فإن الله من كونه عليماً يعلمه، ومن كونه حكيماً يأمره بما تقتضيه الحكمة فاتبعوه ثالثها: المناسبة التي بين قوله تعالى: {عَلِيمٌ حَكِيمٌ } وبين قوله {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَـٰنَ } أي حبب بعلمه الإيمان لأهل الإيمان، واختار له من يشاء بحكمته رابعها: وهو الأقرب، وهو أنه سبحانه وتعالى قال: {فَضْلاً مّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً } ولما كان الفضل هو ما عند الله من الخير المستغني عنه، قال تعالى هو عليم بما في خزائن رحمته من الخير، وكانت النعمة هو ما يدفع به حاجة العبد، قال هو حكيم ينزل الخير بقدر ما يشاء على وفق الحكمة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ } مصدر منصوب بفعله المقدر، أي أفضل {وَنِعْمَةً } منه {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بهم {حَكِيمٌ } في إنعامه عليهم.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر التحبيب والتزيين والتكريه وما أنتجه من الرشاد، ذكر علته إعلاماً بأنه تعالى لا يحب عليه شيء حثاً على الشكر فقال: {فضلاً} أي زيادة وتطولاً وامتناناً عظيماً جسيماً ودرجة عالية من الله الملك الأعظم الذي بيده كل شيء {ونعمة} أي وعيشاً حسناً ناعماً وخفضاً ودعة وكرامة. ولما كان التقدير: فالله منعم بفضل، بيده كل ضر ونفع، عطف عليه قوله: {والله} أي المحيط بصفات الكمال {عليم} أي محيط العلم، فهو يعلم أحوال المؤمنين وما بينهم من التفاضل {حكيم *} بالغ الحكمة، فهو يضع الأشياء في أوفق محالها وأتقنها، فلذلك وضع نعمته من الرسالة والإيمان على حسب علمه وحكمته. ولما كانت النميمة ونقل الأخبار الباطلة الذميمة ربما جرت فتناً وأوصلت إلى القتال، وكان العليم الحكيم لا ينصب سبباً إلا ذكر مسببه وأشار إلى دوائه، وكان لا ينهى عن الشيء إلا من كان متهيئاً له لما في جبلته من الداعي إليه، فكان قد يواقعه ولو في وقت، قال تعالى معلماً لنا طريق الحكمة في دفع ما جرت إليه الأخبار الباطلة من القتال، معبراً بأداة الشك إشارة إلى أن ما في حيزها لا ينبغي أن يقع بينهم، ولا أن يذكروه إلا على سبيل الفرض: {وإن طائفتان} أي جماعتان بالفعل أو القوة جدير كل جماعة منهما بأن يجتمع على ما دهمها من الأمير بحيث تصير من شدة مراعاته كالطائفة حوله والمتحلقة به، بحيث لا يدرى من شدة اجتماعها على ذلك أولها من آخرها {من المؤمنين} أي ممن هو معدود في عداد العريقين في الإيمان سواء كان هو عريقاً أو فاعلاً ما يطلق عليه به الاسم فقط. ولما كانت الشناعة والفساد في قتال الجماعة أكثر، عبر بضمير الجمع دون التثنية تصويراً لذلك بأقبح صورة فقال: {اقتتلوا} أي فاختلطوا بسبب القتال حتى كانوا كالفرقة الواحدة {فأصلحوا} أي فأوقعوا الإصلاح ليحصل الصلح. ولما كانت العبرة في الصلح إذا وقع بين الطائفتين ما يسكن به الشر وإن تخلف شذان من الجانبين لا يعبأ بهم، عبر بالتثنية دون الجمع فقال: {بينهما} أي بالوعظ والإرشاد الدنيوي والأخروي، ولا تظنوا أن الباغي غير مؤمن فتتجاوزوا فيه أمر الله. ولما كان البغي من أشنع الأمور فكان ينبغي أن لم يلم به أحد، عبر بأداة الشك إرشاداً إلى ذلك فقال: {فإن بغت} أي أوقعت الإرادة السيئة الكائنة من النفوس التي لا تأمر بخير {إحداهما} أي الطائفتين {على الأخرى} فلم ترجع إلى حكم الله الذي خرجت عنه ولم تقبل الحق. ولما كان الإضمار هنا ربما أوهم لبساً فتمسك به متعنت في أمر فساد، أزال بالإظهار كل لبس فقال: {فقاتلوا} أي أوجدوا واطلبوا مقاتلة {التي}. ولما كان القتال لا يجوز إلا بالاستمرار على البغي، عبر بالمضارع إفهاماً لأنه متى زال البغي ولو بالتوبة من غير شوكة حرم القتال فقال: {تبغي} أي توقع الإرادة وتصر عليها، وأديموا القتال لها {حتى تفيء} أي ترجع مما صارت إليه من جر القطيعة الذي كأنه حر الشمس حين نسخه الظل إلى ما كانت فيه من البر والخير الذي هو كالظل الذي ينسخ الشمس، وهو معنى قوله تعالى: {إلى أمر الله} أي التزام ما أمر به الملك الذي لا يهمل الظالم، بل لا بد أن يقاصصه وأمره ما كانت عليه من العدل قبل البغي. ولما كانت مقاتلة الباغي جديرة بترجيعه، أشار إلى ذلك بقوله: {فإن فاءت} أي رجعت إلى ما كانت عليه من التمسك بأمر الله الذي هو العدل {فأصلحوا} أي أوقعوا الإصلاح {بينهما}. ولما كان الخصام يجر في الغالب من القول والفعل ما يورث للمصلحين إحنة على بعض المتخاصمين، فيحمل ذلك على الميل مع بعض على بعض، قال: {بالعدل} ولا يحملكم القتال على الحقد على المتقاتلين فتحيفوا. ولما كان العدل في مثل ذلك شديداً على النفوس لما تحملت من الضغائن قال تعالى: {وأقسطوا} أي وأزيلوا القسط - بالفتح وهو الجور - بأن تفعلوا القسط بالكسر وهو العدل العظيم الذي لا جور فيه، في ذلك وفي جميع أموركم، ثم علله ترغيباً فيه بقوله مؤكداً تنبيهاً على أنه من أعظم ما يتمادح به، وردّاً على من لعله يقول: إنه لا يلزم نفسه الوقوف عنده إلا ضعيف: {إن الله} أي الذي بيده النصر والخذلان {يحب المقسطين *} أي يفعل مع أهل العدل من الإكرام فعل المحب. ولما أمر بما قد يفضي إلى القتال، وكان الباغي ربما كان أقرب إلى الصلح من جهة النسب من المبغيّ عليه فروعي، وكان القتال أمراً شاقاً ربما حمل على الإحجام عن الإصلاح، علل ذلك سبحانه بما قدم فيه قرابة الدين على قرابة النسب، وكشف كشفاً تاماً عن أنه لا يسوغ له تركه لما يؤدي إليه من تفريق الشمل المؤدي إلى وهن الإسلام وأهله المؤدي إلى ظهور الباطل المؤدي إلى الفساد الأعظم الذي لا تدارك له فقال تعالى: {إنما المؤمنون} أي كلهم وإن تباعدت أنسابهم وأغراضهم وبلادهم {إخوة} لانتسابهم إلى أصل واحد وهو الإيمان، لا بعد بينهم، ولا يفضل أحد منهم على أحد بجهة غير جهة الإيمان. ولما كانت الأخوة داعية ولا بد إلى الإصلاح، سبب عنها قوله: {فأصلحوا}. ولما كانت الطائفة قد تطلق على ما هو أصل لأن يطاف حوله كما يطلق على ما فيه أهلية التحليق والطواف، وكان أقل ما يكون ذلك في الأثنين، وأن مخاصمتهما يجر إلى مخاصمة طائفتين بأن يغضب لكل ناس من قبيلته وأصحابه، قال واضعاً الظاهر موضع المضمر مبالغة في تقرير الأمر وتأكيده، وإعلاماً بأن المراد بالطائفة القوة لا الفعل بحيث يكون ذلك شاملاً للاثنين فما فوقهما: {بين أخويكم} أي المختلفين بقتال أو غيره كما تصلحون بين أخويكم من النسب، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير، بل الأمر كما نقل عن أبي عثمان الحيري أن أخوة الدين أثبت من أخوة النسب، وقرأ يعقوب "إخوتكم" بالجمع، وقراءة الجماعة أبلغ لدلالتها على الاثنين فما فوقهما بالمطابقة {واتقوا الله} أي الملك الأعظم الذين هم عباده في الإصلاح بينهما بالقتال وغيره، لا تفعلوا ما صورته إصلاح وباطنه إفساد، وأشار إلى سهولة الأمور عنده ونفوذ أمره وأن النفوس إنما تشوفها إلى الإكرام لا إلى كونه من معين، فبنى للمفعول قوله تعالى: {لعلكم ترحمون *} أي لتكونوا إذا فعلتم ذلك على رجاء عند أنفسكم ومن ينظركم من أن يكرمكم الذي لا قادر في الحقيقة على الإكرام غيره بأنواع الكرامات كما رحمتم إخوتكم بإكرامهم عن إفساد ذات البين التي هي الحالقة، وقد دلت الآية أن الفسق بغير الكفر لا يخرج عن الإيمان، وعلى أن الإصلاح من أعظم الطاعات، وعلى وجوب نصر المظلوم لأن القتال لا يباح بدون الوجوب، قال القشيري: وذلك يدل على عظم وزر الواشي والنمام والمضرب في إفساد ذات البين، وقال: من شرط الأخوة أن لا تحوج أخاك إلى الاستعانة بك والتماس النصرة منك، ولا تقصر في تفقد أحواله بحيث يشكل عليك موضع حاجته فيحتاج إلى مسألتك. ولما نهى عن الإسراع بالإيقاع بمجرد سماع ما يوجب النزاع، وختم بما ترجى به الرحمة، وكان ربما كان الخبر الذي أمر سبحانه بتبينه صريحاً، نهى عن موجبات الشر التي يخبر بها فتكون سبباً للضغائن التي يتسبب عنها الشر الذي هو سبب للنقمة رحمة لعباد الله وتوقعاً للرحمة منه، فقال على سبيل النتيجة من ذلك ذاكراً ما في القسم الرابع من الآداب والمنافع من وجوب ترك أذى المؤمنين في حضورهم والإزراء بحالهم المذهب لسرورهم الجالب لشرورهم: {يا أيها الذين آمنوا} أي أوقعوا الإقرار بالتصديق {لا يسخر} أي يهزأ ويستذل. ولما كانت السخرية تكون بحضرة ناس، قال معبراً بما يفهم أن من شارك أو رضي أو سكت وهو قادر فهو ساخر مشارك للقائل: {قوم} أي ناس فيهم قوة المحاولة، وفي التعبير بذلك هز إلى قيام الإنسان على نفسه وكفها عما تريده من النقائص شكراً لما أعطاه الله من القوة: {من قوم} فإن ذلك يوجب الشر لأن أضعف الناس إذا حرك للانتقاص قوي بما يثور عنده من حظ النفس. ولما كان الذي يقتضيه الرأي الأصيل أنه لا يستذل الإنسان إلا من أمن أن يصير في وقت من الأوقات أقوى منه في الدنيا وفي الآخرة، علل بقوله: {عسى} أي لأنه جدير وخليق لهم {أن يكونوا} أي المستهزأ بهم {خيراً منهم} فينقلب الأمر عليهم ويكون لهم سوء العاقبة، قال ابن مسعود رضي الله عنه: البلاء موكل بالقول ولو سخرت من كلب خشيت أن أحول كلباً؛ وقال القشيري: ما استضعف أحد أحداً إلا سلط عليه، ولا ينبغي أن تعتبر بظاهر أحوال الناس، فإن في الزوايا خبايا، والحق سبحانه يستر أولياءه في حجاب الظنة، كذا في الخبر"حديث : كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره ". تفسير : ولما كان إطلاق القوم لمن كان فيه أهلية المقاومة وهم الرجال، قال معبراً ما هو من النسوة بفتح النون أن ترك العمل: {ولا نساء من نساء} ثم علل النهي بقوله: {عسى} أي ينبغي أن يخفن من {أن يكن} المسخور بهن {خيراً منهن} أي الساخرات. ولما كانت السخرية تتضمن العيب، ولا يصرح فيها، وكان اللمز العيب نفسه، رقي الأمر إليه فقال: {ولا تلمزوا} أي تعيبوا على وجه الخفية {أنفسكم} بأن يعيب بعضكم بعضاً بإشارة أو نحوها، فكيف إذا كان على وجه الظهور، فإنكم في التواصل والتراحم كنفس واحدة، أو يعمل الإنسان ما يعاب به، فيكون قد لمز نفسه أو يلمز غيره فيكون لمزه له سبباً لأن يبحث عن عيوبة فيلمزه فيكون هو الذي لمز نفسه {ولا تنابزوا} أي ينبز بعضكم بعضاً، أي يدعو على وجه التغير والتسفل {بالألقاب} بأن يدعو المرء صاحبه بلقب يسوءه سواء كان هو المخترع له أولاً، وأما ألقاب المدح فنعم هي كالصديق والفاروق. ولما كان الإيمان قيداً لأوابد العصيان، وكان النبز والسخرية قطعاً لذلك القيد، علل بما يؤذن فأنه فسق، معبراً بالكلمة الجامعة لجميع المذامّ تنفيراً من ذلك فقال: {بئس الاسم الفسوق} أي الخروج من ربقة الدين {بعد الإيمان} ترك الجارّ إيذاناً بأن من وقع في ذلك أوشك أن يلازمه فيستغرق زمانه فيه فإن النفس عشاقة للنقائص، ولا سيما ما فيه استعلاء، فمن فعل ذلك فقد رضي لنفسه أو يوسم بالفسق بعد أن كان موصوفاً بالإيمان. ولما كان التقدير: فمن تاب فأولئك هم الراشدون، وكان المقام بالتحذير أليق، عطف عليه قوله: {ومن لم يتب} أي يرجع عما نهى الله عنه، فخفف عن نفسه ما كان شدد عليها {فأولٰئك} أي البعداء من الله {هم} أي خاصة {الظالمون *} أي العريقون في وضع الأشياء في غير مواضعها.

ابو السعود

تفسير : {فَضْلاً مّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً} أيْ وَإنعاماً تعليلٌ لحببَ أو كرَّه، وما بـينَهمَا اعتراضٌ وقيلَ نصبُهمَا بفعلٍ مضمرٍ أيْ جَرى ذلكَ فضلاً وقيلَ يبتغونَ فضلاً {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} مبالغٌ في العلمِ فيعلمُ أحوالَ المؤمنينَ وما بـينَهم من التفاضلِ {حَكِيمٌ} يفعلُ كُلَّ ما يفعلُ بموجبِ الحكمةِ. {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ} أي تقاتلُوا والجمعُ باعتبارِ المَعْنى {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} بالنُّصحِ والدعاءِ إلى حُكمِ الله تعالى {فَإِن بَغَتْ} أي تعدتْ {إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ} وَلَمْ تتأثرْ بالنصيحةِ {فَقَـٰتِلُواْ ٱلَّتِى تَبْغِى حَتَّىٰ تَفِىء} أيْ ترجعَ {إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ} إِلى حُكمهِ أوْ إلى مَا أمرَ بهِ {فَإِن فَاءتْ} إليهِ وأقلعتْ عن القتالِ حذاراً من قتالِكم {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ} بفصلِ ما بـينَهما على حُكمِ الله تَعالى ولا تكتفُوا بمجردِ متاركتهِما عَسى يكونُ بـينَهما قتالٌ في وقتٍ آخرَ، وتقيـيدُ الإصلاحِ بالعدلِ لأنَّه مظِنةُ الحيفِ لوقوعِه بعدَ المقاتلةِ وقدْ أكَّد ذلكَ حيثُ قيلَ: {وَأَقْسِطُواْ} أيْ واعدلُوا في كُلِّ ما تأتونَ وما تذرونَ {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} فيجازيهُم أحسنَ الجزاءِ والآيةُ نزلتْ في قتالٍ حدثَ بـينَ الأوسِ والخزرجِ في عهدِه عليهِ الصلاةُ والسلامُ بالسَعَفِ والنعالِ، وفيهَا دلالةً على أنَّ الباغيَ لا يخرجُ بالبغِي عنِ الإيمانِ وأنَّه إذَا أمسكَ عنِ الحربِ تُركَ لأنَّه فيءٌ إلى أمرِ الله تعَالى وأنه يجبُ معاونةُ منْ بُغيَ عليهِ بعدَ تقديمِ النُّصحِ والسعْيِ في المصالحةِ. {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} استئنافٌ مقررٌ لما قبلَهُ منَ الأمرِ بالإصلاحِ أيْ أنهم منتسبونَ إلى أصلٍ واحدٍ هُوَ الإيمانُ الموجبُ للحياةِ الأبديةِ، والفاءُ في قولهِ تعالَى: {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} للإيذانِ بأَنَّ الأخوةَ الدينيةَ موجبةٌ للإصلاح، ووضعُ المُظهرِ مقامَ المضمرِ مُضافاً إلى المأمورينَ للمبالغةِ في تأكيدِ وجوبِ الإصلاحِ والتحضيضِ عليهِ وتخصيصُ الاثنينِ بالذكرِ لإثباتِ وجوبِ الإصلاحِ فيَما فوقَ ذلكَ بطريقِ الأولويةِ لتضاعفِ الفتنةِ والفسادِ فيهِ وقيلَ المرادُ بالأخوينِ الأوسُ والخزرجُ وقُرىءَ بـينَ إخوتِكم وإخوانِكم {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في كُلَّ ما تأتونَ وما تذرونَ من الأمورِ التي منْ جُملتِها ما أُمرتِم بهِ منَ الإصلاحِ {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} راجينَ أنْ ترحمُوا عَلى تقواكم.

التستري

تفسير : قوله: {فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً}[8] قال: تفضل الله عليهم فيما ابتدأهم به، وهداهم إليه بأنواع القرب والزلف.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً} [الآية: 8]. قال سهل: تفضل الله عليهم فيما ابتدأهم به وهداهم إليه من أنواع القرب والزلف.

اسماعيل حقي

تفسير : {فضلا من الله ونعمة} اى وانعاما تعليل لحبب وكره وما بينهما اعتراض لا للراشدين فان الفضل فعل الله والرشد وان كان مسببا عن فعله وهو التحبيب والتكريه مسند الى ضميرهم يعنى ان المراد بالفاعل من قام به الفعل واسند هو اليه لا من اوجده ومن المعلوم ان الرشد قائم بالقوم والفضل والانعام قائمان به تعالى فلا اتحاد {والله عليم} مبالغ فى العلم فيعلم احوال المؤمنين وما بينهم من التفاضل والتمايز {حكيم} يفعل كل ما يفعل بموجب الحكمة (وقال الكاشفى) والله عليم وخداى تعالى داناست بصدق وكذب حكيم محكم كارست درامور بندكانوازحكمتهاى اوست كه بتحقيق اخبار ميفر ما بدكه ازخبر هاى ناراست انواع فتنهامى زايد شعر : هركز سخنان فتنة انكيزمكو وآن راست كه هست فتنه ان نيزمكو خامش كن وكرجاره ندارى زسخن شوخى مكن وتند مشو تيزمكو تفسير : وفى الآية دليل على ان من كان مؤمنا لا يحب الفسق والمعصية واذا ابتلى بالمعصية فان شهوته وغفلته تحمله على ذلك لا لحبه للمعصية بل ربما يعصى حال الحضور لان فيه نفاذ قضائه تعالى. شيخ اكبر قدس سره الاطهرمى فرمايدكه بعضى ازصالحان مراخبردادكه بفلان عالم در آمدم واو عظيم برنفس خود مسرف بود شيخ فرمودكه من آن عالم مسرف رانيزمى دانم وباوى اجتماع اتفاق افتاده بودآن عزيز صالح ميكويدكه جون بدر خانة اورسيدم ابا كردازان سبب كه برصورتى نامشروع نشسته بود كفتم جاره نيست ازديدن او كفت بكوبيدكه من برجه حالم كفتم لا بداست دستورى داد در آمدم وآن خمر ايشان تمام شده بود بعضى از حاضران كفت بفلانى رقعه بنويس كه قدرى بفرستد آن عالم كفت نكنم ونمى خواهم برمعصيت حق تعالى مصر باشم والله والله كه هيج كاسه نمى خورم الاكه درعقب آن توبه ميكنم ومنتظر كاس ديكر نباشم وبانفس خود در ان باب سخن نمى كويم جوق بارديكر درومى رسد وساقى مى آيد درنفس خودنكاه ميكنم اكرراى من بران قرار ميكيردكه بكيرم مى ستانم وجوق فارغ شدم باز بحق رجوع ميكنم وتوبه مى آرم درمرور اوقات درخاطر من نيست كه عصيان كنم آن عزيز مى كويد كه باوجود عصيان واسراف او تعجب نمودم كه جكونه ازمثل اين حضور غافل نشد بس حذركنى ازاصرار كردن بركناه بلكه درهر حالت توبه كنى وبحق تعالى بازكرد وبراثر هر عصيانى عذرى بخواه شعر : طريقى بدست آروصلحى بجوى شفيعى بر انكيز وعذرى بكوى كه يكلحظه صورت نبندد امان جوبيمانه برشد بدور زمان

الجنابذي

تفسير : {فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً} مفعول له لحبّب وكرّه او تعليل للرّاشدون بتقدير اللاّم لعدم صحّة جعله مفعولاً له للرّاشدون لعدم اتّحاد المرفوع وقد تكرّر تفسير الفضل بمحمّدٍ (ص) ورسالته واحكام رسالته وقبول رسالته، وتفسير النّعمة بعلىٍّ (ع) وولايته وآثار ولايته وقبول ولايته {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} باحوالكم ودقائق ما يصلحكم ولذلك زيّن الايمان فى قلوبكم وكرّه الكفر {حَكِيمٌ} لا يفعل ما يفعل الاّ لغايةٍ محكمةٍ متقنةٍ.

اطفيش

تفسير : {فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَنِعْمَةً} مصدر ناصبه (حبب) أو (كره) فان التحبيب والتكريه افضال من الله وانعام كقعدت جلوسا كما قيل الا ان اعتبر جهة خلق الله الرشاد فكأنه قيل أفضل عليهم افضالا وأنعم إنعاما او خبر لكان محذوفة على قلة أي كان ذلك فضلا ونعمة او حالا أي جري ذلك فضلا ونعمة او مفعولا لأجله لـ (حبب) أو (كره) او مفعولا لأجله لـ (الراشدون) بنا على عدم اشتراط اتحاد الفاعل واعتمادا على جهة مخلوقية الرشاد فان خلقه والافضال والانعام فاعلها واحد واذا جعل العامل (حبب أو كره) فالجملة معترضة* {وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} علم احوالهم وتفاضلهم وتفضيله بعضا على بعض وتوفيق الجميع فضلا حكمة وعن بعضهم عليم بكم وبما في قلوبكم حكيم في امره وقيل عليم بما في خزائنه من الرحمة والخير حكيم فيما ينزله منها بقدر الحاجة وكان قتادة يقول قد قال الله لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم {أية : واعلموا أَن فيكم رسول الله} تفسير : الخ وانتم الله اسخف رأيا وأطيش أحلاما فليتهم الرجل نفسه ولينتصح كتاب الله* قيل ان الحارث بن ضرار قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم ودعاه الى الزكاة فأجاب فقال أرجع الى قومي فأدعوهم الى الاسلام والزكاة فمن استجاب جمعت زكاته وترسل اليّ وقت كذا ونملن لرسولك ما جمعت وجمع ممن استجاب وبلغ الوقت ولم يرسل صلى الله عليه وسلم اليه فظن انه ساخط فجمع شرفاء قومه فقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لي وقتا ليقبض الزكاة ولم يأت فما أراه الا ساخطا وكان صلى الله عليه وسلم بعث اليه الوليد ليأخذ ما جمع من الطريق وقال ان الحارث منعني الزكاة واراد قتلي فبعث صلى الله عليه وسلم الى الحارث وهو مقبل بأصحابه الى المدينة فتلاقوا فقال لهم الى من بعثتم فقالوا اليك قال ولم يقولوا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ارسل اليك الوليد فرجع وزعم انك منعته وأردت قتله فقال والذي بعث محمدا بالحق ما رأيته ولا أتاني ولما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال منعت الزكاة وأردت قتل رسولي فقال لا والذي بعثك بالحق نبيا ما رأيته ولا اتاني ولا أقبلت الا حين احتبس عليّ رسولك خشية سخط الله ورسوله

اطفيش

تفسير : {فضلاً مِن الله ونعْمَة} اسما مصدرين هما التفضل والانعام، والنصب على التعليل لكره أو حبب، ويقدر مثل ذلك للآخر ولزين، أو على التنازع، ويقدر للأول والثانى ضمير مع لام التعليل، أو يقدر حبب لهما، وهاء لهما للفضل والنعمة، أو يقدر ناصب واحد، وهو أولى أى فعل ذلك فضلا ونعمة، ومن للابتداء، ويقدر مثلها لنعمة، أو تعليل لراشدون، ولو لم يتحد الفاعل، وليس كقوله تعالى: {أية : يريكم البرق} تفسير : [الرعد: 12] الخ لأن التقدير يصيركم رائين البرق خوفا وطمعا، فهو فى معنى رأوا خوفا، ولا يوجد مثل هذا التقدير فى الآية، وقيل: مفعول لمحذوف مستأنف، أو خبر ثان أى يبتغون فضلا من الله ونعمة {واللَّهُ عليمٌ} بكل شىء، فهو عالم بأحوال من آمنوا وبتفاضلهم {حَكيمٌ} يوفق من يشاء، ويخذل من يشاء لحكمته.

الالوسي

تفسير : {فَضْلاً مّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً } تعليل للأفعال المستندة إليه عز وجل في قوله سبحانه: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ } تفسير : [الحجرات: 7] الخ وما في البين اعتراض؛ وجوز كونه تعليلاً للراشدين، وصح النصب على القول باشتراط اتحاد الفاعل أي من قام به الفعل وصدر عنه موجداً له أو لا لما أن الرشد وقع عبارة عن التحبيب والتزيين والتكريه مسندة إلى اسمه تبارك اسمه فإنه لو قيل مثلاً حبب إليكم الإيمان فضلاً منه وجعل كناية عن الرشد لصح فيحسن أن يقال: أولئك هم الراشدون فضلاً ويكون في قوة أولئك هم المحببون فضلاً أو لأن الرشد هٰهنا يستلزم كونه تعالى شأنه مرشداً إذ هو مطاوع أرشد، وهذا نظير ما قالوا من أن الإراءة تستلزم رؤية في قوله سبحانه: {أية : يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً } تفسير : [الرعد: 12] فيتحد الفاعل ويصح النصب، وجوز كونه مصدراً لغير فعله فهو منصوب إما بحبب أو بالراشدين فإن التحبيب والرشد من فضل الله تعالى وإنعامه، وقيل: مفعول به لمحذوف أي يبتغون فضلاً. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } مبالغ في العلم فيعلم أحوال المؤمنين وما بينهم من التفاضل {حَكِيمٌ } يفعل كل ما يفعل من إفضال وإنعام وغيرهما بموجب الحكمة.

د. أسعد حومد

تفسير : (8) - وَهذَا العَطَاءُ، الذِي مَنَحَكُمُ اللهُ إيَّاهُ، هُوَ فَضْلٌ منهُ عَليكُمْ، وَإِنعَامٌ عَلَيكُمْ مِنْ لَدُنْهُ، وَاللهُ عَليمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الهِدَايةَ ممَّنْ يَسْتَحِقُّ الغَوَايةَ، وَهُوَ حَكِيمٌ في شرْعِهِ وَتَدْبِيرِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الفضل يعني الزيادة، والمراد هنا أن الله تعالى عاملهم بمزيد من نعمه وكرمه. قالوا لأحد الصالحين: احكم بيننا، فقال: بالعدل أم بما هو أحسن من العدل؟ قالوا: وهل هناك أحسن من العدل؟ قال: أحسن من العدل الفضل، العدل أنْ تأخذ حقك، والفضل أنْ تتنازل عنه تفضلاً. كذلك نِعَم الله علينا من باب الفضل، لأن التكليف الذي كلَّفنا الحق به يعود علينا نحن بالمصلحة ولا ينتفع الله منه بشيء، لأنه سبحانه الغني عن خَلْقه لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، وهو سبحانه بصفات الكمال فيه خلقنا، إذن: النعم ليستْ مقابلاً للطاعة، إنما هي محْضُ فضل من الله. أما في مثله قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}تفسير : [الزمر: 10] فسمَّى لهم أجراً ليعلموا أن عملهم مقبولٌ، وسيُجزون عليه الجزاء الأوفى. وقوله سبحانه: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحجرات: 8] عليم وعلمه محيط لا يخفى عليه شيء من أمرك، والسر عنده علانية {أية : يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ}تفسير : [غافر: 19]. إذن: إياك أنْ يخالط عملك نفاقٌ أو رياء أو عجب أو كبرياء. وقلنا: إن الله تعالى يريد القلوب لا مجرد عمل الجوارح. ثم هو سبحانه {حَكِيمٌ} [الحجرات: 8] يدبر شئون ملكه بمقتضى حكمته تعالى، والحكيم هو الذي يضع الشيء في موضعه المناسب.