٤٩ - ٱلْحُجُرَات
49 - Al-Hujurat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
9
Tafseer
الرازي
تفسير : لما حذر الله المؤمنين من النبأ الصادر من الفاسق، أشار إلى ما يلزم منه استدراكاً لما يفوت، فقال فإن اتفق أنكم تبنون على قول من يوقع بينكم، وآل الأمر إلى اقتتال طائفتين من المؤمنين، فأزيلوا ما أثبته ذلك الفاسق وأصلحوا بينهما {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأخْرَىٰ فَقَـٰتِلُواْ ٱلَّتِى تَبْغِى } أي الظالم يجب عليكم دفعه عنه، ثم إن الظالم إن كان هو الرعية، فالواجب على الأمير دفعهم، وإن كان هو الأمير، فالواجب على المسلمين منعه بالنصيحة فما فوقها، وشرطه أن لا يثير فتنة مثل التي في اقتتال الطائفتين أو أشد منهما، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: {وإِنْ } إشارة إلى ندرة وقوع القتال بين طوائف المسلمين، فإن قيل فنحن نرى أكثر الاقتتال بين طوائفهم؟ نقول قوله تعالى: {وإِنْ } إشارة إلى أنه ينبغي أن لا يقع إلا نادراً، غاية ما في الباب أن الأمر على خلاف ما ينبغي، وكذلك {أية : إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ } تفسير : [الحجرات: 6] إشارة إلى أن مجيء الفاسق بالنبأ ينبغي أن يقع قليلاً، مع أن مجيء الفاسق بالنبأ كثير، وقول الفاسق صار عند أولي الأمر أشد قبولاً من قول الصادق الصالح. المسألة الثانية: قال تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ } ولم يقل وإن فرقتان تحقيقاً للمعنى الذي ذكرناه وهو التقليل، لأن الطائفة دون الفرقة، ولهذا قال تعالى: {أية : فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَائِفَةٌ } تفسير : [التوبة: 122]. المسألة الثالثة: قال تعالى: {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } ولم يقل منكم، مع أن الخطاب مع المؤمنين لسبق قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ } تفسير : [الحجرات: 6] تنبيهاً على قبح ذلك وتبعيداً لهم عنهم، كما يقول السيد لعبده: إن رأيت أحداً من غلماني يفعل كذا فامنعه، فيصير بذلك مانعاً للمخاطب عن ذلك الفعل بالطريق الحسن، كأنه يقول: أنت حاشاك أن تفعل ذلك، فإن فعل غيرك فامنعه، كذلك ههنا قال: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } ولم يقل منكم لما ذكرنا من التنبيه مع أن المعنى واحد. المسألة الرابعة: قال تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ } ولم يقل: وإن اقتتل طائفتان من المؤمنين، مع أن كلمة {إن } اتصالها بالفعل أولى، وذلك ليكون الابتداء بما يمنع من القتال، فيتأكد معنى النكرة المدلول عليها بكلمة {إن } وذلك لأن كونهما طائفتين مؤمنتين يقتضي أن لا يقع القتال منهما، فإن قيل فلم لم يقل: يا أيها الذين آمنوا إن فاسق جاءكم، أو إن أحد من الفساق جاءكم، ليكون الابتداء بما يمنعهم من الإصغاء إلى كلامه، وهو كونه فاسقاً؟ نقول المجيء بالنبأ الكاذب يورث كون الإنسان فاسقاً، أو يزداد بسببه فسقه، فالمجيء به سبب الفسق فقدمه. وأما الاقتتال فلا يقع سبباً للإيمان أو الزيادة، فقال: {إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ } أي سواء كان فاسقاً أو لا أو جاءكم بالنبأ فصار فاسقاً به، ولو قال: وإن أحد من الفساق جاءكم، كان لا يتناول إلا مشهور الفسق قبل المجيء إذا جاءهم بالنبأ. المسألة الخامسة: قال تعالى: {ٱقْتَتَلُواْ } ولم يقل: يقتتلوا، لأن صيغة الاستقبال تنبىء عن الدوام والاستمرار، فيفهم منه أن طائفتين من المؤمنين إن تمادى الاقتتال بينهما فأصلحوا، وهذا لأن صيغة المستقبل تنبىء عن ذلك، يقال فلان يتهجد ويصوم. المسألة السادسة: قال: {ٱقْتَتَلُواْ } ولم يقل اقتتلا، وقال: {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا } ولم يقل بينهم، ذلك لأن عند الاقتتال تكون الفتنة قائمة، وكل أحد برأسه يكون فاعلاً فعلاً، فقال: {ٱقْتَتَلُواْ } وعند العود إلى الصلح تتفق كلمة كل طائفة، وإلا لم يكن يتحقق الصلح فقال: {بَيْنَهُمَا } لكون الطائفتين حينئذ كنفسين. ثم قال تعالى: {فَإِن بَغَتْ إِحَدَاهُمَا } إشارة إلى نادرة أخرى وهي البغي، لأنه غير متوقع، فإن قيل كيف يصح في هذا الموضع كلمة {إن } مع أنها تستعمل في الشرط الذي لا يتوقع وقوعه، وبغي أحدهما عند الاقتتال لا بد منه، إذ كل واحد منهما لا يكون محسناً، فقوله {إن } تكون من قبيل قول القائل: إن طلعت الشمس، نقول فيه معنى لطيف، وهو أن الله تعالى يقول: الاقتتال بين طائفتين لا يكون إلا نادر الوقوع، وهو كما تظن كل طائفة أن الأخرى فيها الكفر والفساد، فالقتال واجب كما سبق في الليالي المظلمة، أو يقع لكل واحد أن القتال جائز بالاجتهاد، وهو خطأ، فقال تعالى: الاقتتال لا يقع إلا كذا، فإن بان لهما أو لأحدهما الخطأ واستمر عليه فهو نادر، وعند ذلك يكون قد بغى فقال: {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأخْرَىٰ } يعني بعد استبانة الأمر، وحينئذ فقوله {فَإِن بَغَتْ } في غاية الحسن لأنه يفيد الندرة وقلة الوقوع، وفيه أيضاً مباحث الأول: قال: {فَإِن بَغَتْ } ولم يقل فإن تبغ لما ذكرنا في قوله تعالى: {ٱقْتَتَلُواْ } ولم يقل يقتتلوا الثاني: قال: {حَتَّىٰ تَفِيء } إشارة إلى أن القتال ليس جزاء للباغي كحد الشرب الذي يقام وإن ترك الشرب، بل القتال إلى حد الفيئة، فإن فاءت الفئة الباغية حرم قتالهم الثالث: هذا القتال لدفع الصائل، فيندرج فيه وذلك لأنه لما كانت الفيئة من إحداهما، فإن حصلت من الأخرى لا يوجد البغي الذي لأجله حلَّ القتال الرابع: هذا دليل على أن المؤمن بالكبيرة لا يخرج عن كونه مؤمناً لأن الباغي جعله من إحدى الطائفتين وسماهما مؤمنين الخامس: قوله تعالى: {إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ } يحتمل وجوهاً أحدها: إلى طاعة الرسول وأولي الأمر لقوله تعالى: {أية : أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ } تفسير : [النساء: 59]. وثانيها: إلى أمر الله، أي إلى الصلح فإنه مأمور به يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ } تفسير : [الأنفال: 1]، ثالثها: إلى أمر الله بالتقوى، فإن من خاف الله حق الخوف لا يبقى له عداوة إلا مع الشيطان كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً } تفسير : [فاطر: 6]، السادس: لو قال قائل قد ذكرتم ما يدل على كون الشرط غير متوقع الوقوع وقلتم بأن القتال والبغي من المؤمن نادر، فإذن تكون الفئة متوقعة فكيف قال: {فَإِن فَاءتْ }؟ نقول قول القائل لعبده: إن مت فأنت حر، مع أن الموت لا بد من وقوعه، لكن لما كان وقوعه بحيث يكون العبد محلاً للعتق بأن يكون باقياً في ملكه حياً يعيش بعد وفاته غير معلوم فكذلك ههنا لما كان الواقع فيئتهم من تلقاء أنفسهم فلما لم يقع دل على تأكيد الأخذ بينهم فقال تعالى: {فَإِن فَاءَتْ } بقتالكم إياهم بعد اشتداد الأمر والتحام الحرب فأصلحوا، وفيه معنى لطيف وهو أنه تعالى أشار إلى أن من لم يخف الله وبغى لا يكون رجوعه بقتالكم إلا جبراً السابع: قال ههنا: {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ } ولم يذكر العدل في قوله {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ } نقول لأن الإصلاح هناك بإزالة الاقتتال نفسه، وذلك يكون بالنصيحة أو التهديد والزجر والتعذيب، والإصلاح ههنا بإزالة آثار القتل بعد اندفاعه من ضمان المتلفات وهو حكم فقال: {بِٱلْعَدْلِ } فكأنه قال: واحكموا بينهما بعد تركهما القتال بالحق وأصلحوا بالعدل مما يكون بينهما، لئلا يؤدي إلى ثوران الفتنة بينهما مرة أخرى الثامن: إذا قال: {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ } فأية فائدة في قوله {وَأَقْسِطُواْ } نقول قوله فأصلحوا بينهما بالعدل كان فيه تخصيص بحال دون حال فعمم الأمر بقوله {وَأَقْسِطُواْ } أي في كل أمر مفض إلى أشرف درجة وأرفع منزلة وهي محبة الله، والإقساط إزالة القسط وهو الجور والقاسط هو الجائر، والتركيب دال على كون الأمر غير مرضي من القسط والقاسط في القلب وهو أيضاً غير مرضي ولا معتد به فكذلك القسط.
القرطبي
تفسير : فيه عشر مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} روَى الْمُعْتَمِر بن سليمان عن أنس بن مالك قال: قلت: يا نبيّ الله، لو أتيت عبد لله ابن أُبَيّ؟ فانطلق إليه النبيّ صلى الله عليه وسلم، فركب حماراً وٱنطلق المسلمون يمشون، وهي أرض سَبِخة؛ فلما أتاه النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: إليك عني! فوالله لقد أذاني نَتْن حمارك. فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحاً منك. فغضب لعبد الله رجل من قومه، وغضب لكل واحد منهما أصحابه؛ فكان بينهم حرب بالجريد والأيدي والنعال؛ فبلغنا أنه أنزل فيهم هذه الآية. وقال مجاهد: نزلت في الأوس والخزرج. قال مجاهد: تقاتل حيّان من الأنصار بالعصي والنعال فنزلت الآية. ومثله عن سعيد بن جبير: أن الأوس والخزرج كان بينهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قتال بالسَّعف والنعال ونحوه؛ فأنزل الله هذه الآية فيهم. وقال قتادة: نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مدارأة في حق بينهما؛ فقال أحدهما: لآخذن حقي عَنوة؛ لكثرة عشيرته. ودعاه الآخر إلى أن يحاكمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن يتبعه؛ فلم يزل الأمر بينهما حتى تواقعا وتناول بعضهم بعضاً بالأيدي والنعال والسيوف، فنزلت هذه الآية. وقال الكلبي: نزلت في حرب سُمير وحاطب، وكان سُمير قتل حاطباً، فاقتتل الأوس والخزرج حتى أتاهم النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فنزلت. وأمر الله نبيّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن يصلحوا بينهما. وقال السُّدّي: كانت امرأة من الأنصار يقال لها: «أم زيد» تحت رجل من غير الأنصار، فتخاصمت مع زوجها، أرادت أن تزور قومها فحبسها زوجها وجعلها في عُلِّيّة لا يدخل عليها أحد من أهلها، وأن المرأة بعثت إلى قومها، فجاء قومها فأنزلوها لينطلقوا بها، فخرج الرجل فاستغاث أهله فخرج بنو عمه ليحولوا بين المرأة وأهلها، فتدافعوا وتجالدوا بالنعال؛ فنزلت الآية. والطائفة تتناول الرجل الواحد والجمع والاْثنين، فهو مما حمل على المعنى دون اللفظ، لأن الطائفتين في معنى القوم والناس. وفي قراءة عبد الله «حَتَّى يَفِيئُوا إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإنْ فَاءُوا فخذوا بينهم بِالقِسطِ». وقرأ ابن أبي عَبْلَة «اقتتلتا» على لفظ الطائفتين. وقد مضى في آخر «براءة» القول فيه. وقال ابن عباس في قوله عز وجل: {أية : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [النور: 2] قال: الواحد فما فوقه، والطائفة من الشيء القطعة منه. {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} بالدعاء إلى كتاب الله لهما أو عليهما {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ} تعدّت ولم تجب إلى حكم الله وكتابه. والبغي: التطاول والفساد. {فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ} أي ترجع إلى كتابه {فَإِن فَآءَتْ} رجعت {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ} أي احملوهما على الإنصاف. {وَأَقْسِطُوۤاْ} أيها الناس فلا تقتتلوا. وقيل: أقسطوا أي ٱعدلوا. {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} أي العادلين المحقين. الثانية ـ قال العلماء: لا تخلو الفئتان من المسلمين في اقتتالهما، إما أن يقتتلا على سبيل البغي منهما جميعاً أو لا. فإن كان الأوّل فالواجب في ذلك أن يُمْشَى بينهما بما يصلح ذات البين ويُثمر المكافّة والموادعة. فإن لم يتحاجزا ولم يصطلحا وأقامتا على البغي صِير إلى مقاتلتهما. وأما إن كان الثاني وهو أن تكون إحداهما باغيةً على الأخرى، فالواجب أن تقاتل فئة البغي إلى أن تكف وتتوب، فإن فعلت أصلح بينها وبين المبغيّ عليها بالقسط والعدل. فإن التحم القتال بينهما لشبهة دخلت عليهما وكلتاهما عند أنفسهما محقة، فالواجب إزالة الشبهة بالحجة النيّرة والبراهين القاطعة على مراشد الحق. فإن ركبتا متن اللّجاج ولم تعملا على شاكلة ما هُدِيَتَا إليه ونُصحتا به من اتباع الحق بعد وضوحه لهما فقد لحقتا بالفئتين الباغيتين. والله أعلم. الثالثة ـ في هذه الآية دليل على وجوب قتال الفئة الباغية المعلوم بغيها على الإمام أو على أحد من المسلمين. وعلى فساد قول من منع من قتال المؤمنين، واحتج بقوله عليه السلام: «حديث : قتال المؤمن كفر»تفسير : . ولو كان قتال المؤمن الباغي كفراً لكان الله تعالى قد أمر بالكفر، تعالى الله عن ذلك! وقد قاتل الصدّيق رضي الله عنه: من تمسك بالإسلام وامتنع من الزكاة؛ وأمر ألا يُتبع مُوَلٍّ، ولا يُجهز على جريح، ولم تحل أموالهم، بخلاف الواجب في الكفار. وقال الطبري: لو كان الواجب في كل اختلاف يكون بين الفريقين الهربَ منه ولزومَ المنازل لما أقيم حدّ ولا أبطل باطل، ولَوَجد أهل النفاق والفجور سبيلاً إلى استحلال كلّ ما حرم الله عليهم من أموال المسلمين وسَبْي نسائهم وسفك دمائهم، بأن يتحزّبوا عليهم، ويكفّ المسلمون أيديهم عنهم، وذلك مخالف لقوله عليه السلام: «حديث : خذوا على أيدي سفهائكم».تفسير : الرابعة ـ قال القاضي أبو بكر بن العربي: هذه الآية أصل في قتال المسلمين، والعمدة في حرب المتأولين، وعليها عوّل الصحابة، وإليها لجأ الأعيان من أهل الملة، وإياها عنى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «حديث : تَقْتل عَمَّاراً الفئةُ الباغية»تفسير : . حديث : وقوله عليه السلام في شأن الخوارج: «يخرجون على خير فرقة أو على حين فرقة»تفسير : ، والرواية الأولى أصح، لقوله عليه السلام: «حديث : تقتلهم أوْلَى الطائفتين إلى الحق»تفسير : . وكان الذي قتلهم عليّ بن أبي طالب ومن كان معه. فتقرر عند علماء المسلمين وثبت بدليل الدِّين أن علياً رضي الله عنه كان إماماً، وأن كل من خرج عليه باغٍ وأن قتاله واجب حتى يفيء إلى الحق وينقاد إلى الصلح؛ لأن عثمان رضي الله عنه قُتل والصحابة بُرَآء من دمه، لأنه مَنع من قتال من ثار عليه وقال: لا أكون أوّل مَن خَلَفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته بالقتل، فصبر على البلاء، واستسلم للمحنة وفدى بنفسه الأمة. ثم لم يمكن ترك الناس سُدى، فعرضت على باقي الصحابة الذين ذكرهم (عمر) في الشورى، وتدافعوها، وكان عليّ كرّم الله وجهه أحق بها وأهلها، فقبلها حَوْطة على الأمة أن تسفك دماؤها بالتهارج والباطل، أو يتخرق أمرها إلى ما لا يتحصل. فربما تغيّر الدِّين وانقض عمود الإسلام. فلما بويع له طلب أهل الشام في شرط البيعة التمكن من قَتَلة عثمان وأخذ القَوَد منهم، فقال لهم عليّ رضي الله عنه: ٱدخلوا في البيعة وٱطلبوا الحق تصلوا إليه. فقالوا: لا تستحق بيعةً وقَتَلَة عثمان معك تراهم صباحاً ومَساء. فكان عليّ في ذلك أسدَّ رأياً وأصوبَ قيلاً؛ لأن عليًّا لو تعاطى القَوَد منهم لتعصبت لهم قبائل وصارت حرباً ثالثة؛ فٱنتظر بهم أن يستوثق الأمر وتنعقد البيعة، ويقع الطلب من الأولياء في مجلس الحكم؛ فيجري القضاء بالحق. ولا خلاف بين الأمة أنه يجوز للإمام تأخير القصاص إذا أدّى ذلك إلى إثارة الفتنة أو تشتيت الكلمة. وكذلك جرى لطلحة والزبير؛ فإنهما ما خلعا عليًّا من ولاية ولا اعترضا عليه في ديانة؛ وإنما رأَيَا أن البُداءة بقتل أصحاب عثمان أولى. قلت: فهذا قول في سبب الحرب الواقع بينهم. وقال جلّة من أهل العلم: إن الوقعة بالبصرة بينهم كانت على غير عزيمة منهم على الحرب بل فجأة، وعلى سبيل دفع كل واحد من الفريقين عن أنفسهم لظنه أن الفريق الآخر قد غدر به، لأن الأمر كان قد انتظم بينهم، وتم الصلح والتفرّق على الرضا. فخاف قَتَلة عثمان رضي الله عنه من التمكين منهم والإحاطة بهم، فاجتمعوا وتشاوروا وٱختلفوا؛ ثم ٱتفقت آراؤهم على أن يفترقوا فريقين، ويبدءوا بالحرب سحرة في العسكرين، وتختلف السهام بينهم، ويصيح الفريق الذي في عسكر عليّ: غَدَر طلحة والزبير. والفريق الذي في عسكر طلحة والزبير: غدر عليّ. فتم لهم ذلك على ما دبروه، ونَشِبَت الحرب، فكان كل فريق دافعاً لمَكْرته عند نفسه، ومانعاً من الإشاطة بدمه. وهذا صواب من الفريقين وطاعة للّه تعالى، إذ وقع القتال والاْمتناع منهما على هذه السبيل. وهذا هو الصحيح المشهور. والله أعلم. الخامسة ـ قوله تعالى: {فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ} أمرٌ بالقتال. وهو فرضٌ على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ولذلك تخلّف قوم من الصحابة رضي الله عنهم عن هذه المقامات، كسعد بن أبي وَقّاص وعبد الله بن عمرو ومحمد بن مسلمة وغيرِهم. وصوّب ذلك عليُّ بن أبي طالب لهم، واعتذر إليه كل واحد منهم بعذر قَبِله منه. ويروى أن معاوية رضي الله عنه لما أفضى إليه الأمر، عاتب سعداً على ما فعل، وقال له: لم تكن ممن أصلح بين الفئتين حين ٱقتتلا، ولا ممن قاتل الفئة الباغية. فقال له سعد: ندمتُ على تركي قتالَ الفئةِ الباغية. فتبيّن أنه ليس على الكل دَرَك فيما فعل، وإنما كان تصرفاً بحكم الاْجتهاد وإعمالاً بمقتضى الشرع. والله أعلم. السادسة ـ قوله تعالى: {فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ} ومن العدل في صلحهم ألا يطالَبوا بما جرى بينهم من دمٍ ولا مال؛ فإنه تَلَف على تأويل. وفي طلبهم تنفير لهم عن الصلح واستشراءٌ في البغي. وهذا أصل في المصلحة. وقد قال لسان الأمة: إن حكمة الله تعالى في حرب الصحابة التعريفُ منهم لأحكام قتال أهل التأويل، إذ كان أحكام قتال أهل الشرك قد عُرفت على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله. السابعة ـ إذا خرجت على الإمام العدل خارجةٌ باغيةٌ ولا حجة لها، قاتلهم الإمام بالمسلمين كافّة أو بمن فيه كفاية، ويدعوهم قبل ذلك إلى الطاعة والدخول في الجماعة، فإن أبَوْا من الرجوع والصلح قوتلوا. ولا يُقتل أسيرهم ولا يتبع مُدْبِرهم ولا يُذَفَّف على جريحهم، ولا تُسْبَى ذراريهم ولا أموالهم. وإذا قتل العادلُ الباغي، أو الباغي العادلَ وهو وليّه لم يتوارثا. ولا يرث قاتلٌ عمداً على حال. وقيل: إن العادل يرث الباغي، قياساً على القصاص. الثامنة ـ وما استهلكه البغاة والخوارج من دم أو مال ثم تابوا لم يؤاخَذوا به. وقال أبو حنيفة: يضمنون. وللشافعي قولان. وجْهُ قول أبي حنيفة أنه إتلاف بُعْدوان فيلزم الضمان. والمعوّل في ذلك عندنا أن الصحابة رضي الله عنهم في حروبهم لم يتبعوا مُدْبِراً ولا ذَفّفُوا على جريح ولا قتلوا أسيراً ولا ضمنوا نفساً ولا مالاً؛ وهم القُدْوة. وقال ابن عمر: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا عبد الله أتدري كيف حكم الله فيمن بَغَى من هذه الأمة»تفسير : ؟ حديث : قال: الله ورسوله أعلم. فقال: «لا يُجهز على جريحها ولا يُقتل أسيرها ولا يُطلب هاربها ولا يُقسم فَيْؤها»تفسير : . فأما ما كان قائماً ردّ بعينه. هذا كله فيمن خرج بتأويل يسوغ له. وذكر الزَّمَخْشري في تفسيره: إن كانت الباغية من قلة العدد بحيث لا مَنَعة لها ضَمِنَت بعد الفيئة ما جَنَت، وإن كانت كثيرة ذات مَنَعة وشوكة لم تضمن؛ إلا عند محمد بن الحسن رحمه الله فإنه كان يُفتي بأن الضمان يلزمها إذا فاءت. وأما قبل التَّجَمُّع والتّجنُّد أو حين تتفرّق عند وضع الحرب أوزارها، فما جنته ضمنته عند الجميع. فَحَمْلُ الإصلاح بالعدل في قوله: {أية : فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ} تفسير : [الحجرات: 9] على مذهب محمد واضحٌ منطبق على لفظ التنزيل. وعلى قول غيره وجْهُه أن يحمل على كون الفئة الباغية قليلة العدد. والذي ذكروا أن الغرض إماتة الضغائن وسلّ الأحقاد دون ضمان الجنايات، ليس بحُسن الطباق المأمور به من أعمال العدل ومراعاة القسط. قال الزمخشري: فإن قلت: لمَ قُرن بالإصلاح الثاني العدلُ دون الأوّل؟ قلت: لأن المراد بالاقتتال في أوّل الآية أن يقتتلا باغيتين أو راكبتي شبهة، وأيتهما كانت فالذي يجب على المسلمين أن يأخذوا به في شأنهما إصلاحُ ذات البَيْن وتسكينُ الدهْماء بإراءة الحق والمواعظ الشافية ونفي الشبهة؛ إلا إذا أصرّتا فحينئذ تجب المقاتلة؛ وأما الضمان فلا يتّجه. وليس كذلك إذا بغت إحداهما؛ فإن الضمان متّجه على الوجهين المذكورين. التاسعة ـ ولو تغلّبوا على بلد فأخذوا الصدقات وأقاموا الحدود وحكموا فيهم بالأحكام، لم تُثَنّ عليهم الصدقات ولا الحدود، ولا يُنقض من أحكامهم إلا ما كان خلافاً للكتاب أو السنّة أو الإجماع؛ كما تنقض أحكام أهل العدل والسنّة؛ قاله مُطَرّف وابن الماجِشون. وقال ابن القاسم: لا تجوز بحال. وروي عن أصْبَغ أنه جائز. وروي عنه أيضاً أنه لا يجوز كقول ابن القاسم. وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه عمل بغير حق ممن لا تجوز تَوْليته. فلم يجز كما لو لم يكونوا بغاة. والعمدة لنا ما قدمناه من أن الصحابة رضي الله عنهم، لما ٱنجلت الفتنة وٱرتفع الخلاف بالهدنة والصلح، لم يعرضوا لأحد منهم في حكم. قال ابن العربيّ: الذي عندي أن ذلك لا يصلح؛ لأن الفتنة لما ٱنجلت كان الإمام هو الباغي، ولم يكن هناك من يعترضه والله أعلم. العاشرة ـ لا يجوز أن يُنسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأرادوا الله عز وجل، وهم كلهم لنا أئمة، وقد تعبّدنا بالكف عما شجر بينهم، وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر؛ لحرمة الصحبة ولنهي النبيّ صلى الله عليه وسلم عن سَبّهم، وأن الله غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم. هذا مع ما قد ورد من الأخبار من طرق مختلفة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: أن طلحة شهيد يمشي على وجه الأرض؛ فلو كان ما خرج إليه من الحرب عصياناً لم يكن بالقتل فيه شهيداً. وكذلك لو كان ما خرج إليه خطأ في التأويل وتقصيراً في الواجب عليه؛ لأن الشهادة لا تكون إلا بقتل في طاعة، فوجب حمل أمرهم على ما بيّناه. ومما يدلّ على ذلك ما قد صح وٱنتشر من أخبار عليّ بأن قاتل الزبير في النار. وقولِه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : بشِّر قاتل ٱبن صفية بالنار»تفسير : . وإذا كان كذلك فقد ثبت أن طلحة والزبير غير عاصيين ولا آثمين بالقتال؛ لأن ذلك لو كان كذلك لم يقل النبيّ صلى الله عليه وسلم في طلحة: «شهيد». ولم يخبر أن قاتل الزبير في النار. وكذلك من قعد غير مخطىء في التأويل. بل صواب أراهم الله الاجتهاد. وإذا كان كذلك لم يوجب ذلك لعنهم والبراءة منهم وتفسيقَهم، وإبطالَ فضائلهم وجهادهم، وعظيمَ غنائهم في الدِّين، رضي الله عنهم. وقد سئل بعضهم عن الدماء التي أريقت فيما بينهم فقال: {أية : تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } تفسير : [البقرة: 134]. وسئل بعضهم عنها أيضاً فقال: تلك دماء قد طَهّر الله منها يدي؛ فلا أخْضِب بها لساني. يعني في التحرز من الوقوع في خطأ، والحكم على بعضهم بما لا يكون مصيباً فيه. قال ابن فُورَك: ومن أصحابنا من قال: إن سبيل ما جرت بين الصحابة من المنازعات كسبيل ما جرى بين إخوة يوسف مع يوسف؛ ثم إنهم لم يخرجوا بذلك عن حدّ الولاية والنبوّة؛ فكذلك الأمر فيما جرى بين الصحابة. وقال المحاسبي: فأما الدماء فقد أشكل علينا القول فيها باختلافهم. وقد سئل الحسن البصري عن قتالهم فقال: قتال شهده أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وغِبْنا، وعلموا وجهلنا، وٱجتمعوا فٱتبعنا، وٱختلفوا فوقفنا. قال المحاسبي: فنحن نقول كما قال الحسن، ونعلم أن القوم كانوا أعلم بما دخلوا فيه منا، ونتبع ما ٱجتمعوا عليه، ونقف عند ما ٱختلفوا فيه ولا نبتدع رأياً منا، ونعلم أنهم ٱجتهدوا وأرادوا الله عز وجل؛ إذ كانوا غير متّهَمين في الدِّين، ونسأل الله التوفيق.
البيضاوي
تفسير : {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ } تقاتلوا والجمع باعتبار المعنى فإن كل طائفة جمع. {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا } بالنصح والدعاء إلى حكم الله تعالى. {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ } تعدت عليها. {فَقَـٰتِلُواْ ٱلَّتِى تَبْغِى حَتَّىٰ تَفِىء إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ } ترجع إلى حكمه أو ما أمر به، وإنما أطلق الفيء على الظل لرجوعه بعد نسخ الشمس، والغنيمة لرجوعها من الكفار إلى المسلمين. {فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ } بفصل ما بينهما على ما حكم الله، وتقييد الإِصلاح بالعدل ها هنا لأنه مظنة الحيف من حيث إنه بعد المقاتلة. {وَأَقْسِطُواْ } واعدلوا في كل الأمور. {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ } يحمد فعلهم بحسن الجزاء. والآية نزلت في قتال حدث بين الأوس والخزرج في عهده عليه الصلاة والسلام بالسعف والنعال، وهي تدل على أن الباغي مؤمن وأنه إذا قبض عن الحرب ترك كما جاء في الحديث لأنه فيء إلى أمر الله تعالى، وأنه يجب معاونة من بغى عليه بعد تقديم النصح والسعي في المصالحة. {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } من حيث إنهم منتسبون إلى أصل واحد وهو الإِيمان الموجب للحياة الأبدية، وهو تعليل وتقرير للأمر بالإِصلاح ولذلك كرره مرتباً عليه بالفاء فقال: {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ } ووضع الظاهر موضع الضمير مضافاً إلى المأمورين للمبالغة في التقرير والتخصيص، وخص الإثنين بالذكر لأنهما أقل من يقع بينهم الشقاق. وقيل المراد بالأخوين الأوس والخزرج. وقرىء «بين إخوتكم» و «إخوانكم». {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في مخالفة حكمه والإِهمال فيه. {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } على تقواكم. { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مّنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مّن نّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنّ } أي لا يسخر بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض إذ قد يكون المسخور منه خيراً عند الله من الساخر، والقوم مختص بالرجال لأنه إما مصدر نعت به فشاع في الجمع أو جمع لقائم كزائر وزور، والقيام بالأمور وظيفة الرجال كما قال تعالى: {أية : ٱلرّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنّسَاء } تفسير : [النساء: 34] وحيث فسر بالقبيلين كقوم عاد وفرعون، فإما على التغليب أو الاكتفاء بذكر الرجال على ذكرهن لأنهن توابع، واختيار الجمع لأن السخرية تغلب في المجامع و {عَسَى } باسمها استئناف بالعلة الموجبة للنهي ولا خبر لها لإِغناء الاسم عنه. وقرىء «عسوا أن يكونا» و «عسين أن يكن» فهي على هذا ذات خبر. {وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } أي ولا يغتب بعضكم بعضاً فإن المؤمنين كنفس واحدة، أو لا تفعلوا ما تلمزون به فإن من فعل ما يستحق به اللمز فقد لمز نفسه. واللمز الطعن باللسان. وقرأ يعقوب بالضم. {وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَـٰبِ } ولا يدع بعضكم بعضاً بلقب السوء، فإن النبز مختص بلقب السوء عرفاً. {بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإِيمَانِ } أي بئس الذكر المرتفع للمؤمنين أن يذكروا بالفسوق بعد دخولهم الإِيمان واشتهارهم به، والمراد به إما تهجين نسبة الكفر والفسق وإلى المؤمنين خصوصاً إذ روي أن الآية نزلت في صفية بنت حيي رضي الله عنها، أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن النساء يقلن لي يا يهودية بنت يهوديين، فقال لها «حديث : هلا قلت إن أبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد عليهم السلام»تفسير : أو للدلالة على أن التنابز فسق والجمع بينه وبين الإِيمان مستقبح. {وَمَن لَّمْ يَتُبْ } عما نهى عنه. {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } بوضع العصيان موضع الطاعة وتعريض النفس للعذاب. {ٱ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مّنَ ٱلظَّنّ } كونوا منه على جانب، وإبهام الكثير ليحتاط في كل ظن ويتأمل حتى يعلم أنه من أي القبيل، فإن من الظن ما يجب اتباعه كالظن حيث لا قاطع فيه من العمليات وحسن الظن بالله سبحانه وتعالى، وما يحرم كالظن في الإِلهيات والنبوات وحيث يحالفه قاطع وظن السوء بالمؤمنين، وما يباح كالظن في الأمور المعاشية. {إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنّ إِثْمٌ } مستأنف للأمر، والإِثم الذنب الذي يستحق العقوبة عليه. والهمزة فيه بدل من الواو كأنه يثم الأعمال أي يكسرها. {وَلاَ تَجَسَّسُواْ } ولا تبحثوا عن عورات المسلمين، تفعل من الجس باعتبار ما فيه من معنى الطلب كالتلمس، وقرىء بالحاء من الحس الذي هو أثر الجس وغايته ولذلك قيل للحواس الخمس الجواس. وفي الحديث «حديث : لا تتبعوا عورات المسلمين، فإن من تتبع عوراتهم تتبع الله عورته حتى يفضحه ولو في جوف بيته»تفسير : {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً } ولا يذكر بعضكم بعضاً بالسوء في غيبته. وسئل عليه الصلاة والسلام عن الغيبة فقال: «حديث : أن تذكر أخاك بما يكرهه، فإن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته»تفسير : {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً } تمثيل لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفحش وجه مع مبالغات الاستفهام المقرر، وإسناد الفعل إلى أحد للتعميم وتعليق المحبة بما هو في غاية الكراهة، وتمثيل الاغتياب بأكل لحم الإِنسان وجعل المأكول أخاً وميتاً وتعقيب ذلك بقوله: {فَكَرِهْتُمُوهُ } تقريراً وتحقيقاً لذلك. والمعنى إن صح ذلك أو عرض عليكم هذا فقد كرهتموه ولا يمكنكم إنكار كراهته، وانتصاب {مَيْتًا } على الحال من اللحم أو الأخ وشدده نافع. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ } لمن اتقى ما نهى عنه وتاب مما فرط منه، والمبالغة في الـ {تَوَّابٌ } لأنه بليغ في قبول التوبة إذ يجعل صاحبها كمن لم يذنب، أو لكثرة المتوب عليهم أو لكثرة ذنوبهم، روي: أن رجلين من الصحابة بعثا سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبغي لهما إداماً، وكان أسامة على طعامه فقال: ما عندي شيء فأخبرهما سلمان فقالا: لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها، فلما راحا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما: «حديث : ما لي أرى حضرة اللحم في أفواهكما»تفسير : ، فقالا: ما تناولنا لحماً، فقال: «حديث : إنكما قد اغتبتما» تفسير : فنزلت.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى آمراً بالإصلاح بين الفئتين الباغيتين بعضهم على بعض: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} فسماهم مؤمنين مع الاقتتال، وبهذا استدل البخاري وغيره على أنه لا يخرج عن الإيمان بالمعصية وإن عظمت، لا كما يقوله الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة ونحوهم، وهكذا ثبت في صحيح البخاري من حديث الحسن عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوماً، ومعه على المنبر الحسن بن علي رضي الله عنهما، فجعل ينظر إليه مرة، وإلى الناس أخرى، ويقول: «حديث : إن ابني هذا سيد، ولعل الله تعالى أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»تفسير : . فكان كما قال صلى الله عليه وسلم، أصلح الله تعالى به بين أهل الشام وأهل العراق بعد الحروب الطويلة، والواقعات المهولة. وقوله تعالى: {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَـٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ} أي حتى ترجع إلى أمر الله ورسوله، وتسمع للحق وتطيعه، كما ثبت في الصحيح عن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «حديث : انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً» تفسير : قلت: يا رسول الله، هذا نصرته مظلوماً، فكيف أنصره ظالماً؟ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : تمنعه من الظلم فذاك نصرك إياه»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا عارم، حدثنا معتمر فال: سمعت أبي يحدث: أن أنساً رضي الله عنه قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم لو أتيت عبد الله بن أبي، فانطلق إليه النبي صلى الله عليه وسلم وركب حماراً، وانطلق المسلمون يمشون، وهي أرض سبخة، فلما انطلق النبي صلى الله عليه وسلم إليه، قال: "إليك عني فوالله لقد آذاني ريح حمارك" فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحاً منك. قال: فغضب لعبد الله رجال من قومه، فغضب لكل واحد منهما أصحابه، قال: فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنه أنزلت فيهم: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} ورواه البخاري في الصلح عن مسدد، ومسلم في المغازي عن محمد بن عبد الأعلى، كلاهما عن المعتمر بن سليمان عن أبيه به نحوه. وذكر سعيد بن جبير: أن الأوس والخزرج كان بينهما قتال بالسعف والنعال، فأنزل الله تعالى هذه الآية فأمر بالصلح بينهما. وقال السدي: كان رجل من الأنصار يقال له: عمران، كانت له امرأة تدعى: أم زيد، وإن المرأة أرادت أن تزور أهلها، فحبسها زوجها، وجعلها في علية له لا يدخل عليها أحد من أهلها. وإن المرأة بعثت إلى أهلها، فجاء قومها وأنزلوها لينطلقوا بها، وإن الرجل كان قد خرج، فاستعان أهل الرجل، فجاء بنو عمه ليحولوا بين المرأة وبين أهلها، فتدافعوا واجتلدوا بالنعال فنزلت فيهم الآية، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصلح بينهم، وفاؤوا إلى أمر الله تعالى. وقوله عز وجل: {فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ وَأَقْسِطُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} أي اعدلوا بينهما فيما كان أصاب بعضهم لبعض بالقسط، وهو العدل {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ}. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن المقسطين في الدنيا على منابر من لؤلؤ بين يدي الرحمن عز وجل بما أقسطوا في الدنيا» تفسير : ورواه النسائي عن محمد بن المثنى عن عبد الأعلى به. وهذا إسناده جيد قوي، رجاله على شرط الصحيح، وحدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد، حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : المقسطون عند الله تعالى يوم القيامة على منابر من نور على يمين العرش، الذين يعدلون في حكمهم وأهاليهم وما ولوا» تفسير : ورواه مسلم والنسائي من حديث سفيان بن عيينة به. وقوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} أي الجميع إخوة في الدين، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه»تفسير : وفي الصحيح: «حديث : والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» تفسير : وفي الصحيح أيضاً: «حديث : إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب، قال الملك: آمين، ولك مثله» تفسير : والأحاديث في هذا كثيرة، وفي الصحيح: «حديث : مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» تفسير : وفي الصحيح أيضاً: «حديث : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» تفسير : وشبك بين أصابعه صلى الله عليه وسلم. وقال أحمد: حدثنا أحمد بن الحجاج، حدثنا عبد الله، أخبرنا مصعب بن ثابت، حدثني أبو حازم قال: سمعت سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد في الرأس» تفسير : تفرد به أحمد ولا بأس بإسناده، وقوله تعالى: {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} يعني: الفئتين المقتتلتين {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي في جميع أموركم {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} وهذا تحقيق منه تعالى للرحمة لمن اتقاه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } الآية، نزلت في قضية هي أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب حماراً ومرّ على ابن أبيّ فبال الحمار فسدّ ابن أبيّ أنفه فقال ابن رواحة: والله لبول حماره أطيب ريحاً من مسكك، فكان بين قوميهما ضرب بالأيدي والنعال والسعف {ٱقْتَتَلُواْ } جُمِعَ نظراً إلى المعنى لأن كل طائفة جماعة. وقرىء «اقتتلتا» {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا } ثني نظراً إلى اللفظ {فَإِن بَغَتْ } تعدّت {إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِى تَبْغِى حَتَّىٰ تَفِىءَ } ترجع {إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ } الحق {فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ } بالإِنصاف {وَأَقْسِطُواْ } أعدلوا {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ }.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ } قرأ الجمهور {اقتتلوا} باعتبار كل فرد من أفراد الطائفتين كقوله: {أية : هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ }تفسير : [الحج: 19] والضمير في قوله: {بَيْنَهُمَا } عائد إلى الطائفتين باعتبار اللفظ. وقرأ ابن أبي عبلة: (اقتتلتا) اعتباراً بلفظ طائفتان، وقرأ زيد بن عليّ، وعبيد بن عمير: (اقتتلا) وتذكير الفعل في هذه القراءة باعتبار الفريقين، أو الرهطين. والبغي: التعدّي بغير حق، والامتناع من الصلح الموافق للصواب، والفيء: الرجوع. والمعنى: أنه إذا تقاتل فريقان من المسلمين، فعلى المسلمين أن يسعوا بالصلح بينهم، ويدعوهم إلى حكم الله، فإن حصل بعد ذلك التعدّي من إحدى الطائفتين على الأخرى، ولم تقبل الصلح، ولا دخلت فيه كان على المسلمين أن يقاتلوا هذه الطائفة الباغية حتى ترجع إلى أمر الله وحكمه، فإن رجعت تلك الطائفة الباغية عن بغيها، وأجابت الدعوة إلى كتاب الله وحكمه، فعلى المسلمين أن يعدلوا بين الطائفتين في الحكم، ويتحرّوا الصواب المطابق لحكم الله، ويأخذوا على يد الطائفة الظالمة حتى تخرج من الظلم، وتؤدّي ما يجب عليها للأخرى. ثم أمر الله سبحانه المسلمين أن يعدلوا في كل أمورهم بعد أمرهم بهذا العدل الخاص بالطائفتين المقتتلتين فقال: {وَأَقْسِطُواْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ } أي: واعدلوا إن الله يحب العادلين، ومحبته لهم تستلزم مجازاتهم بأحسن الجزاء. قال الحسن، وقتادة، والسديّ: {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا } بالدعاء إلى حكم كتاب الله، والرضى بما فيه لهما وعليهما {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا } وطلبت ما ليس لها، ولم ترجع إلى الصلح {فَقَـٰتِلُواْ ٱلَّتِى تَبْغِى } حتى ترجع إلى طاعة الله، والصلح الذي أمر الله به، وجملة: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } مستأنفة مقرّرة لما قبلها من الأمر بالإصلاح، والمعنى: أنهم راجعون إلى أصل واحد، وهو الإيمان. قال الزجاج: الدين يجمعهم، فهم إخوة إذا كانوا متفقين في دينهم، فرجعوا بالاتفاق في الدين إلى أصل النسب؛ لأنهم لآدم وحواء {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ } يعني: كل مسلمين تخاصما وتقاتلا، وتخصيص الاثنين بالذكر لإثبات وجوب الإصلاح فيما فوقهما بطريق الأولى. قرأ الجمهور: {بين أخويكم} على التثنية، وقرأ زيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، والحسن، وحماد بن سلمة، وابن سيرين: {إخوانكم} بالجمع، وروي عن أبي عمرو، ونصر بن عاصم، وأبي العالية، والجحدري، ويعقوب أنهم قرءوا (بين إخوتكم) بالفوقية على الجمع أيضاً. قال أبو عليّ الفارسي في توجيه قراءة الجمهور: أراد بالأخوين: الطائفتين؛ لأن لفظ التثنية قد يرد، ويراد به الكثرة. وقال أبو عبيدة: أي: أصلحوا بين كل أخوين {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في كل أموركم {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } بسبب التقوى، والترجي باعتبار المخاطبين، أي: راجين أن ترحموا، وفي هذه الآية دليل على قتال الفئة الباغية إذا تقرّر بغيها على الإمام، أو على أحد من المسلمين، وعلى فساد قول من قال بعدم الجواز مستدلاً بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قتال المسلم كفر»تفسير : ، فإن المراد بهذا الحديث، وما ورد في معناه قتال المسلم الذي لم يبغ. قال ابن جرير: لو كان الواجب في كلّ اختلاف يكون بين فريقين من المسلمين الهرب منه، ولزوم المنازل لما أقيم حقّ، ولا أبطل باطل، ولوجد أهل النفاق والفجور سبباً إلى استحلال كل ما حرّم الله عليهم من أموال المسلمين، وسبي نسائهم، وسفك دمائهم بأن يتحزّبوا عليهم، ولكفّ المسلمين أيديهم عنهم، وذلك مخالف لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خذوا على أيدي سفهائكم»تفسير : . قال ابن العربي: هذه الآية أصل في قتال المسلمين، وعمدة في حرب المتأوّلين، وعليها عوّل الصحابة، وإليها لجأ الأعيان من أهل الملة، وإياها عنى النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله: «حديث : تقتل عماراً الفئة الباغية»تفسير : ، وقوله صلى الله عليه وسلم في شأن الخوارج: «حديث : يخرجون على حين فرقة من الناس تقتلهم أولى الطائفتين بالحقّ»تفسير : . {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مّنْهُمْ } السخرية: الاستهزاء. وحكى أبو زيد: سخرت به، وضحكت به، وهزأت به. وقال الأخفش: سخرت منه وسخرت به، وضحكت منه وضحكت به، وهزأت منه وهزأت به، كل ذلك يقال، والاسم السخرية والسخرى، وقرىء بهما في: {أية : لّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً }تفسير : [الزخرف: 32]، ومعنى الآية: النهي للمؤمنين عن أن يستهزىء بعضهم ببعض، وعلل هذا النهي بقوله: {عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مّنْهُمْ } أي: أن يكون المسخور بهم عند الله خيراً من الساخرين بهم، ولما كان لفظ قوم مختصاً بالرجال؛ لأنهم القوّم على النساء أفرد النساء بالذكر فقال: {وَلاَ نِسَاء مّن نّسَاء } أي: ولا يسخر نساء من نساء {عَسَىٰ أَن يَكُنَّ } المسخور بهن {خَيْراً مّنْهُنَّ } يعني: خيراً من الساخرات منهنّ، وقيل: أفرد النساء بالذكر؛ لأن السخرية منهنّ أكثر {وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } اللمز العيب، وقد مضى تحقيقه في سورة براءة عند قوله: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَـٰتِ } تفسير : [التوبة: 58] قال ابن جرير: اللمز باليد والعين واللسان والإشارة، والهمز لا يكون إلاّ باللسان، ومعنى: {لا تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ }: لا يلمز بعضكم بعضاً، كما في قوله: {أية : وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ }تفسير : [النساء: 29] وقوله: {أية : فَسَلّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ }تفسير : [النور: 61]. قال مجاهد، وقتادة، وسعيد بن جبير: لا يطعن بعضكم على بعض. وقال الضحاك: لا يلعن بعضكم بعضاً {وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلألْقَـٰبِ } التنابز: التفاعل من النبز بالتسكين، وهو المصدر، والنبز بالتحريك اللقب، والجمع أنباز، والألقاب جمع لقب، وهو اسم غير الذي سمي به الإنسان، والمراد هنا لقب السوء، والتنابز بالألقاب أن يلقب بعضهم بعضاً. قال الواحدي: قال المفسرون: هو أن يقول لأخيه المسلم: يا فاسق يا منافق، أو يقول لمن أسلم: يا يهودي يا نصراني، قال عطاء: هو كلّ شيء أخرجت به أخاك من الإسلام، كقولك: يا كلب يا حمار يا خنزير. قال الحسن، ومجاهد: كان الرجل يعير بكفره، فيقال له: يا يهودي يا نصراني فنزلت، وبه قال قتادة، وأبو العالية، وعكرمة {بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلاْيمَانِ } أي: بئس الاسم الذي يذكروا بالفسق بعد دخولهم في الإيمان، والاسم هنا بمعنى الذكر. قال ابن زيد: أي: بئس أن يسمى الرجل كافراً أو زانياً بعد إسلامه وتوبته. وقيل المعنى: أن من فعل ما نهي عنه من السخرية واللمز والنبذ، فهو فاسق. قال القرطبي: إنه يستثنى من هذا من غلب عليه الاستعمال كالأعرج والأحدب، ولم يكن له سبب يجد في نفسه منه عليه، فجوّزته الأئمة، واتفق على قوله أهل اللغة. ا.هـ. {وَمَن لَّمْ يَتُبْ } عما نهى الله عنه {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } لارتكابهم ما نهى الله عنه، وامتناعهم من التوبة، فظلموا من لقبوه، وظلمهم أنفسهم بما لزمها من الإثم. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مّنَ ٱلظَّنّ } الظنّ هنا: هو مجرد التهمة التي لا سبب لها كمن يتهم غيره بشيء من الفواحش، ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك، وأمر سبحانه باجتناب الكثير؛ ليفحص المؤمن عن كل ظنّ يظنه حتى يعلم وجهه؛ لأن من الظنّ ما يجب اتباعه، فإن أكثر الأحكام الشرعية مبنية على الظنّ، كالقياس وخبر الواحد ودلالة العموم؛ ولكن هذا الظنّ الذي يجب العمل به قد قوي بوجه من الوجوه الموجبة للعمل به، فارتفع عن الشكّ والتهمة. قال الزجاج: هو أن يظنّ بأهل الخير سوءًا، فأما أهل السوء والفسوق، فلنا أن نظنّ بهم مثل الذي ظهر منهم. قال مقاتل بن سليمان، ومقاتل بن حيان: هو أن يظنّ بأخيه المسلم سوءًا، ولا بأس به ما لم يتكلم به، فإن تكلم بذلك الظنّ وأبداه أثم. وحكى القرطبي عن أكثر العلماء: أن الظنّ القبيح بمن ظاهره الخير لا يجوز، وأنه لا حرج في الظنّ القبيح بمن ظاهره القبيح، وجملة: {إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنّ إِثْمٌ }: تعليل لما قبلها من الأمر باجتناب كثير من الظنّ، وهذا البعض هو ظنّ السوء بأهل الخير، والإثم هو: ما يستحقه الظانّ من العقوبة. ومما يدل على تقييد هذا الظنّ المأمور باجتنابه بظنّ السوء قوله تعالى: {أية : وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْء وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً }تفسير : [الفتح: 12] فلا يدخل في الظنّ المأمور باجتنابه شيء من الظنّ المأمور باتباعه في مسائل الدين، فإن الله قد تعبد عباده باتباعه، وأوجب العمل به جمهور أهل العلم، ولم ينكر ذلك إلاّ بعض طوائف المبتدعة كياداً للدّين، وشذوذاً عن جمهور المسلمين، وقد جاء التعبد بالظنّ في كثير من الشريعة المطهرة بل في أكثرها. ثم لما أمرهم الله سبحانه باجتناب كثير من الظنّ نهاهم عن التجسس فقال: {وَلاَ تَجَسَّسُواْ } التجسس: البحث عما ينكتم عنك من عيوب المسلمين وعوراتهم، نهاهم الله سبحانه عن البحث عن معايب الناس ومثالبهم. قرأ الجمهور {تجسسوا} بالجيم، ومعناه ما ذكرنا. وقرأ الحسن، وأبو رجاء، وابن سيرين بالحاء. قال الأخفش: ليس يبعد أحدهما من الآخر؛ لأن التجسس بالجيم: البحث عما يكتم عنك، والتحسس بالحاء: طلب الأخبار، والبحث عنها. وقيل: إن التجسس بالجيم هو البحث، ومنه قيل: رجل جاسوس: إذا كان يبحث عن الأمور، وبالحاء: ما أدركه الإنسان ببعض حواسه. وقيل: إنه بالحاء فيما يطلبه الإنسان لنفسه، وبالجيم أن يكون رسولاً لغيره، قاله ثعلب {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً } أي: لا يتناول بعضكم بعضاً بظهر الغيب بما يسوءه، والغيبة: أن تذكر الرجل بما يكرهه، كما في حديث أبي هريرة الثابت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، فقيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ فقال: إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه، فقد بهته»تفسير : . {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً } مثل سبحانه الغيبة بأكل الميتة؛ لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه، كما أن الحيّ لا يعلم بغيبة من اغتابه، ذكر معناه الزجاج. وفيه إشارة إلى أن عرض الإنسان كلحمه، وأنه كما يحرم أكل لحمه يحرم الاستطالة في عرضه، وفي هذا من التنفير عن الغيبة، والتوبيخ لها، والتوبيخ لفاعلها، والتشنيع عليه ما لا يخفى، فإن لحم الإنسان مما تنفر عن أكله الطباع الإنسانية، وتستكرهه الجبلة البشرية، فضلاً عن كونه محرّماً شرعاً {فَكَرِهْتُمُوهُ } قال الفراء: تقديره: فقد كرهتموه فلا تفعلوا، والمعنى: فكما كرهتم هذا، فاجتنبوا ذكره بالسوء غائباً. قال الرّازي: الفاء في تقدير جواب كلام؛ كأنه قال: لا يحبّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه، فكرهتموه إذن. وقال أبو البقاء: هو معطوف على محذوف تقديره: عرض عليكم ذلك، فكرهتموه {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } بترك ما أمركم باجتنابه {إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ } لمن اتقاه، وتاب عما فرط منه من الذنب ومخالفة الأمر. وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أنس قال: قيل للنبيّ صلى الله عليه وسلم: لو أتيت عبد الله بن أبيّ، فانطلق إليه وركب حماراً، وانطلق المسلمون يمشون، وهي أرض سبخة، فلما انطلق إليه قال: إليك عني، فوالله لقد آذاني ريح حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحاً منك، فغضب لعبد الله رجال من قومه، فغضب لكل منهما أصحابه، فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فنزلت فيهم: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ } الآية. وقد روي نحو هذا من وجوه أخر. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي عن ابن عمر قال: ما وجدت في نفسي من شيء ما وجدت في نفسي من هذه الآية، إني لم أقاتل هذه الفئة الباغية، كما أمرني الله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: إن الله أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين إذا اقتتلت طائفة من المؤمنين أن يدعوهم إلى حكم الله، وينصف بعضهم من بعض، فإذا أجابوا حكم فيهم بحكم كتاب الله حتى ينصف المظلوم، فمن أبى منهم أن يجيب فهو باغ، وحقّ على إمام المؤمنين والمؤمنين أن يقاتلوهم حتى يفيئوا إلى أمر الله، ويقرّوا بحكم الله. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ } الآية قال: كان قتال بالنعال والعصيّ، فأمرهم أن يصلحوا بينهما. وأخرج ابن مردويه، والبيهقي عن عائشة قالت: ما رأيت مثل ما رغبت عنه هذه الأمة في هذه الآية: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا }. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ } قال: نزلت في قوم من بني تميم استهزءوا من بلال، وسلمان، وعمار، وخباب، وصهيب، وابن فهيرة، وسالم مولى أبي حذيفة. وأخرج عبد بن حميد، والبخاريّ في الأدب، وابن أبي الدنيا في ذم الغيبة، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } قال: لا يطعن بعضكم على بعض. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والبخاريّ في الأدب وأهل السنن الأربع، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن حبان، والشيرازي في الألقاب، والطبراني، وابن السني في عمل يوم وليلة، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أبي جبيرة بن الضحاك قال: فينا نزلت في بني سلمة: {وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلألْقَـٰبِ } قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وليس فينا رجل إلاّ وله اسمان، أو ثلاثة، فكان إذا دعا واحداً منهم باسم من تلك الأسماء قالوا: يا رسول الله إنه يكرهه، فنزلت: {وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلألْقَـٰبِ }. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: التنابز بالألقاب: أن يكون الرجل عمل السيئات، ثم تاب منها وراجع الحقّ، فنهى الله أن يعير بما سلف من عمله. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في الآية قال: إذا كان الرجل يهودياً، فأسلم، فيقول: يا يهوديّ، يا نصرانيّ، يا مجوسيّ، ويقول للرجل المسلم: يا فاسق. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مّنَ ٱلظَّنّ } قال: نهى الله المؤمن أن يظنّ بالمؤمن سوءًا. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إياكم والظنّ، فإن الظنّ أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحسسوا، ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح، أو يترك»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ تَجَسَّسُواْ } قال: نهى الله المؤمن أن يتتبع عورات المؤمن. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبو داود، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن زيد بن وهب قال: أتى ابن مسعود، فقيل: هذا فلان تقطر لحيته خمراً، فقال ابن مسعود: إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذه. وقد وردت أحاديث في النهي عن تتبع عورات المسلمين، والتجسس عن عيوبهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً} الآية. قال: حرم الله أن يغتاب المؤمن بشيء، كما حرّم الميتة. والأحاديث في تحريم الغيبة كثيرة جداً معروفة في كتب الحديث.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} اختلف في سبب نزولها على أربعة أقاويل: أحدها: ما رواه عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير أن الأوس والخزرج كان بينهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قتال بالسعف والنعال ونحوه فنزلت هذه الآية فيهم. الثاني: ما رواه سعيد عن قتادة أنها نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مدارأة في حق بينهما، فقال أحدهما للآخر: لآخذنه عنوة لكثرة عشيرته، وأن الآخر دعاه ليحاكمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن يتبعه، فلم يزل بهما الأمر حتى تواقعوا وتناول بعضهم بعضاً بالأيدي والنعال، فنزلت فيهم. الثالث: ما رواه أسباط عن السدي أن رجلاً من الأنصار كانت له امرأة تدعى أم زيد وأن المرأة أرادت أن تزور أهلها فحبسها زوجها وجعلها في علية له لا يدخل عليها أحد من أهلها، وأن المرأة بعثت إلى أهلها، فجاء قومها وأنزلوها لينطلقوا بها، فخرج الرجل فاستعان أهله، فجاء بنو عمه ليحولوا بين المرأة وأهلها فتدافعوا واجتلدوا بالنعال، فنزلت هذه الآية فيهم. الرابع: ما حكاه الكلبي ومقاتل والفراء أنها نزلت في رهط عبد الله بن أبي بن سلول من الخزرج ورهط عبد الله بن رواحة من الأوس، وسببه أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على حمار له على عبد الله بن أبي، وهو في مجلس قومه، فراث حمار النبي صلى الله عليه وسلم، فأمسك عبد الله أنفه وقال: إليك حمارك، فغضب عبد الله بن رواحة، وقال: أتقول هذا لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوالله هو أطيب ريحاً منك ومن أبيك، فغضب قومه، وأعان ابن رواحة قومه حتى اقتتلوا بالأيدي والنعال فنزلت هذه الآية فيهم، فأصلح رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم. {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى} البغي التعدي بالقوة إلى طلب ما ليس بمستحق. {فَقَاتِلُواْ الَّتِي تَبْغِي} فيه وجهان: أحدهما: تبغي في التعدي في القتال. الثاني: في العدول عن الصلح، قاله الفراء. {حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} فيه وجهان: أحدهما: ترجع إلى الصلح الذي أمر الله به، قاله سعيد بن جبير. الثاني: ترجع إلى كتاب الله وسنة رسوله فيما لهم وعليهم، قاله قتادة. {فَإِن فَآءَتْ} أي رجعت. {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ} فيه وجهان: أحدهما: يعني بالحق. الثاني: بكتاب الله، قاله سعيد بن جبير. {وَأَقْسِطُواْ} معناه واعدلوا. ويحتمل وجهين: أحدهما: اعدلوا في ترك الهوى والممايلة. الثاني: في ترك العقوبة والمؤاخذة. {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} أي العادلين قال أبو مالك: في القول والفعل.
ابن عطية
تفسير : {طائفتان} مرفوع بإضمار فعل. والطائفة: الجماعة. وقد تقع على الواحد، واحتج لذلك بقوله تعالى: {أية : فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} تفسير : [التوبة: 122]. ورأى بعض الناس أن يشهد حداً لزناة رجل واحد. فهذه الآية الحكم فيها في الأفراد وفي الجماعات واحد. واختلف الناس في سبب هذه الآية. فقال أنس بن مالك والجمهور سببها: ما وقع بين المسلمين والمتحزبين منهم مع عبد الله بن أبي ابن سلول حين مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوجه إلى زيارة سعد بن عبادة في مرضه. فقال عبد الله بن أبيّ لما غشيه حمار رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تغبروا علينا ولقد آذانا نتن حمارك. فرد عليه عبد الله بن رواحة الحديث بطوله. فتلاحى الناس حتى وقع بينهم ضرب بالجريد، ويروى بالحديد. وقال أبو مالك والحسن سببها: أن فرقتين من الأنصار وقع بينهما قتال. فأصلحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد جهد ونزلت الآية في ذلك وقال السدي: كانت بالمدينة امرأة من الأنصار يقال لها أم بدر ولها زوج من غيرهم. فوقع بينهما شيء أوجب أن يأنف لها قومها وله قومه. فوقع قتال نزلت الآية بسببه. و: {بغت} معناه: طلبت العلو بغير الحق، ومدافعة الفئة الباغية متوجه في كل حال وأما التهيؤ لقتالها فمع الولاة. وقيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: أمشركون أهل صفين والجمل؟ قال: لا. من الشرك فروا. قيل أفمنافقون؟ قال: لا. لأن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً. قيل فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : حكم الله في الفئة الباغية أن لا يجهز على جريح. ولا يطلب هارب. ولا يقتل أسير"تفسير : . و: {تفيء} معناه: ترجع. والإقساط: الحكم بالعدل. وقوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} يريد إخوة الدين. وقرأ الجمهور من القراء: "بين أخويكم" وذلك رعاية لحال أقل عدد يقع فيه القتال والتشاجر والجماعة متى فصل الإصلاح فإنما هو بين رجلين رجلين. وقرأ ابن عامر والحسن بخلاف عنه: "بين إخوتكم". وقرأ ابن سيرين وزيد بن ثابت وابن مسعود والحسن وعاصم الجحدري وحماد بن سلمة: "بين إخوانكم". وهي حسنة. لأن الأكثر من جمع الأخ في الدين ونحوه من النسب إخوان. والأكثر في جمعه من النسب إخوة وإخاء. قال الشاعر: [الطويل] شعر : وجدتم أخاكم دوننا إذ نسيتم وأي بني الإخاء تنبو مناسبه تفسير : وقد تتداخل هذه الجموع في كتاب الله. فمنه: {إنما المؤمنون إخوة} أو بيوت إخوانكم فهذا جاء على الأقل من الاستعمال.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَإِن طَآئِفَتَانِ} كان بين الأوس والخزرج قتال بالنعال والسعف ونحوه على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فنزلت، أو اختصم اثنان منهم في حق فقال أحدهما لآخذنه عنوة لكثرة عشيرته فدعاه الآخر إلى المحاكمة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فأبى لم يزل الأمر حتى نال بعضهم بعضاً بالأيدي والنعال فنزلت، أو كان لرجل منهم امرأة فأرادت زيارة أهلها فمنعها زوجها وجعلها في علية لا يدخل عليها أحد من أهلها فأرسلت إلى أهلها وجاءوا فأنزلوها لينطلقوا بها فاستعان زوجها بعصبته فجاءوا ليحولوا بينها وبين عصبتها فتدافعوا واجتلدوا بالنعال فنزلت، أو مر الرسول صلى الله عليه وسلم بابن أُبي فوقف عليه فراث حماره فأمسك ابن أُبي أنفه وقال إليك حمارك فغضب ابن رواحة وقال أتقول هذا لحمار رسول الله صلى عليه وسلم فوالله لهو أطيب ريحاً منك ومن أبيك فغضب لكل واحد منهما قومه حتى اقتتلوا بالأيدي والنعال فنزلت فأصلح الرسول صلى الله عليه وسلم ما {الَّتِى تَبْغِى} بالتعدي في القتال، أو ترك الصلح، البغي التعدي بالقوة إلى طلب ما لا يستحق {إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو الصلح الذي أمر به {بِالْعَدْلِ} بالحق أو كتاب الله {الْمُقْسِطِينَ} ذوو العدل في أقوالهم وأفعالهم.
النسفي
تفسير : {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا } وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على مجلس بعض الأنصار وهو على حمار فبال الحمار فأمسك ابن أبي بأنفه وقال: خل سبيل حمارك فقد آذانا نتنه. فقال عبد الله بن رواحة: والله إن بول حماره لأطيب من مسكك. ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وطال الخوض بينهما حتى استبا وتجالدا وجاء قوماهما ـ وهما الأوس والخزرج ـ فتجالدوا بالعصي. وقيل: بالأيدي والنعال والسعف، فرجع إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصلح بينهم ونزلت. وجمع {ٱقْتَتَلُواْ } حملاً على المعنى لأن الطائفتين في معنى القوم والناس، وثنى في {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا } نظراً إلى اللفظ {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ } البغي الاستطالة والظلم وإباء الصلح {فَقَـٰتِلُواْ ٱلَّتِى تَبْغِى حَتَّىٰ تَفِىءَ} أي ترجع والفيء الرجوع وقد سمى به الظل والغنيمة لأن الظل يرجع بعد نسخ الشمس، والغنيمة ما يرجع من أموال الكفار إلى المسلمين، وحكم الفئة الباغية وجوب قتالها ما قاتلت فإذا كفت وقبضت عن الحرب أيديها تركت {إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ } المذكور في كتابه من الصلح وزوال الشحناء {فَإِن فَآءَتْ } عن البغي إلى أمر الله {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ } بالإنصاف {وَأَقْسِطُواْ } واعدلوا وهو أمر باستعمال القسط على طريق العموم بعدما أمر به في إصلاح ذات البين {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ } العادلين والقسط: الجور، والقسط: العدل، والفعل منه أقسط وهمزته للسلب أي أزال القسط وهو الجور. {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ } هذا تقرير لما ألزمه من تولي الإصلاح بين من وقعت بينهم المشاقة من المؤمنين، وبيان أن الإيمان قد عقد بين أهله من السبب القريب والنسب اللاصق ما إن لم يفضل الإخوة لم ينقص عنها. ثم قد جرت العادة على أنه إذا نشب مثل ذلك بين الأخوين ولاداً لزم السائر أن يتناهضوا في رفعه وإزاحته بالصلح بينهما فالإخوة في الدين أحق بذلك، {أخوتكم} يعقوب {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } أي واتقوا الله، فالتقوى تحملكم على التواصل والائتلاف وكان عند فعلكم ذلك وصول رحمة الله إليكم مرجواً، والآية تدل على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان لأنه سماهم مؤمنين مع وجود البغي. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنّ خَيْراً مِّنْهُنَّ} القوم: الرجال خاصة لأنهم القوام بأمور النساء قال الله تعالى: {أية : ٱلرّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنّسَاء }تفسير : [النساء: 34] وهو في الأصل جمع قائم كصوم وزور في جمع صائم وزائر. واختصاص القوم بالرجال صريح في الآية إذ لو كانت النساء داخلة في قوم لم يقل ولا نساء وحقق ذلك زهير في قوله: شعر : وما أدري ولست إخال أدري أقوم آل حصن أم نساء؟ تفسير : وأما قولهم في قوم فرعون وقوم عاد هم الذكور والإناث فليس لفظ القوم بمتعاط للفريقين، ولكن قصد ذكر الذكور وترك ذكر الإناث لأنهن توابع لرجالهن. وتنكير القوم والنساء يحتمل معنيين: أن يراد لا يسخر بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض، وأن يقصد إفادة الشياع وأن يصير كل جماعة منهم منهية عن السخرية. وإنما لم يقل رجل من رجل ولا امرأة من امرأة على التوحيد إعلاماً بإقدام غير واحد من رجالهم وغير واحدة من نسائهم على السخرية واستفظاعاً للشأن الذي كانوا عليه، وقوله: {عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مّنْهُمْ }. كلام مستأنف ورد مورد جواب المستخبر عن علة النهي وإلا فقد كان حقه أن يوصل بما قبله بالفاء، والمعنى وجوب أن يعتقد كل واحد أن المسخور منه ربما كان عند الله خيراً من الساخر إذ لا اطلاع للناس إلا على الظواهر ولا علم لهم بالسرائر، والذي يزن عند الله خلوص الضمائر فينبغي أن لا يجتريء أحد على الاستهزاء بمن تقتحمه عينه إذا رآه رث الحال أو ذا عاهة في بدنه أو غير لبيق في محادثته، فلعله أخلص ضميراً وأتقى قلباً ممن هو على ضد صفته فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله تعالى، وعن ابن مسعود رضي الله عنه: البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلباً. {وَلاَ تَلْمِزُوآ أَنفُسَكُمْ } ولا تطعنوا أهل دينكم. واللمز: الطعن والضرب باللسان {وَلاَ تَلْمُزُواْ } يعقوب وسهل. والمؤمنون كنفس واحدة فإذا عاب المؤمن المؤمن فكأنما عاب نفسه. وقيل: معناه لا تفعلوا ما تلمزون به لأن من فعل ما استحق به اللمز فقد لمز نفسه حقيقة {وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَـٰبِ } التنابز بالألقاب التداعي بها، والنبز لقب السوء والتلقيب المنهي عنه هو ما يتداخل المدعو به كراهة لكونه تقصيراً به وذماً له، فأما ما يحبه فلا بأس به. ورُوي أن قوماً من بني تميم استهزءوا ببلال وخباب وعمار وصهيب فنزلت. وعن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تسخر من زينب بنت خزيمة وكانت قصيرة، وعن أنس رضي الله عنه: عيرت نساء النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة بالقصر. ورُوي أنها نزلت في ثابت بن قيس وكان به وقر فكانوا يوسعون له في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسمع، فأتى يوماً وهو يقول تفسحوا حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل: تنح فلم يفعل. فقال: من هذا؟ فقال الرجل: أنا فلان. فقال: بل أنت ابن فلانة يريد أماً كان يعير بها في الجاهلية فخجل الرجل فنزلت فقال ثابت: لا أفخر على أحد في الحسب بعدها أبداً. {بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإِيمَانِ } الاسم ههنا بمعنى الذكر من قولهم «طار اسمه في الناس بالكرم أو باللؤم» وحقيقته ما سما من ذكره وارتفع بين الناس كأنه قيل: بئس الذكر المرتفع للمؤمنين بسبب ارتكاب هذه الجرائم أن يذكروا بالفسق. وقوله {بَعْدَ ٱلإِيمَانِ } استقباح للجمع بين الإيمان وبين الفسق الذي يحظره الإيمان كما تقول «بئس الشأن بعد الكبرة الصبوة». وقيل: كان في شتائمهم لمن أسلم من اليهود يا يهودي يا فاسق فنهوا عنه، وقيل لهم: بئس الذكر أن تذكروا الرجل بالفسق واليهودية بعد إيمانه {وَمَن لَّمْ يَتُبْ} عما نهي عنه {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } وحد وجمع للفظ من ومعناه. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنّ } يقال: جنبه الشر إذا أبعده عنه. وحقيقته جعله في جانب فيعدى إلى مفعولين قال الله تعالى: {أية : وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأصْنَامَ }تفسير : [إبراهيم: 35] ومطاوعه اجتنب الشر فنقص مفعولاً والمأمور باجتنابه بعض الظن وذلك البعض موصوف بالكثرة ألا ترى إلى قوله {إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ } قال الزجاج: هو ظنك بأهل الخير سوأ، فأما أهل الفسق فلنا أن نظن فيهم مثل الذي ظهر منهم. أو معناه اجتناباً كثيراً أو احترزوا من الكثير ليقع التحرز عن البعض، والإثم: الذنب الذي يستحق صاحبه العقاب ومنه قيل لعقوبته الأثام فعلا منه كالنكال والعذاب {وَلاَ تَجَسَّسُواْ } أي لا تتبعوا عورات المسلمين ومعايبهم. يقال: تجسس الأمر إذا تطلبه وبحث عنه تفعل من الجس. وعن مجاهد: خذوا ما ظهر ودعوا ما ستر الله. وقال سهل: لا تبحثوا عن طلب معايب ما ستره الله على عباده {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً } الغيبة الذكر بالعيب في ظهر الغيب وهي من الاغتياب كالغيلة من الاغتيال، وفي الحديث «حديث : هو أن تذكر أخاك بما يكره»تفسير : فإن كان فيه فهو غيبة وإلا فهو بهتان. وعن ابن عباس: الغيبة إدام كلاب الناس. {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً } {مَيِّتًا } مدني. وهذا تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفحش وجه، وفي مبالغات منها: الاستفهام الذي معناه التقرير، ومنها جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولاً بالمحبة، ومنها إسناد الفعل إلى أحدكم والإشعار بأن أحداً من الأحدين لا يحب ذلك، ومنها أن لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان حتى جعل الإنسان أخاً، ومنها أن لم يقتصر على لحم الأخ حتى جعل ميتاً. وعن قتادة: كما تكره إن وجدت جيفة مدودة أن تأكل منها كذلك فاكره لحم أخيك وهو حي، وانتصب {مَيْتًا } على الحال من اللحم أو من أخيه، ولما قررهم بأن أحداً منهم لا يحب أكل جيفة أخيه عقب ذلك بقوله {فَكَرِهْتُمُوهُ } أي فتحققت كراهتكم له باستقامة العقل فليتحقق أن تكرهوا ما هو نظيره من الغيبة باستقامة الدين {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ } التواب: البليغ في قبول التوبة، والمعنى واتقوا الله بترك ما أمرتم باجتنابه والندم على ما وجد منكم منه فإنكم إن اتقيتم تقبل الله توبتكم وأنعم عليكم بثواب المتقين التائبين. ورُوي أن سلمان كان يخدم رجلين من الصحابة ويسوي لهما طعامهما فنام عن شأنه يوماً فبعثاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبغي لهما إداماً وكان أسامة على طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما عندي شيء فأخبرهما سلمان فقالا: لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها. فلما جاءا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما: مالي أرى خضرة اللحم في أفواهكما فقالا: ما تناولنا لحماً، قال: إنكما قد اغتبتما ومن اغتاب مسلماً فقد أكل لحمه. ثم قرأ الآية، وقيل: غيبة الخلق إنما تكون من الغيبة عن الحق.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} سبب الآية ـــ في قول الجمهور ـــ هو ما وقع بين المسلمين المتحزبين في قضية عَبْد اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ٱبْنِ سَلُولَ حين مَرَّ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم راكباً على حماره مُتَوَجِّهاً إلى زيارة سعد بن عبادَةَ في مرضه، حسبما هو معلوم في الحديث الطويل، ومدافعة الفئة الباغية مُتَوَجِّهَةٌ في كل حال، [وأَمَّا التَهَيُّؤُ] لقتالهم فمع الولاة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : حَكَمَ اللَّهُ في الْفِئَةِ البَاغِيَةِ أَلاَّ يُجْهَزَ عَلَىٰ جَرِيحِهَا، وَلا يُطْلَبَ هَارِبُهَا، وَلاَ يُقْتَلَ أَسِيرُهَا، وَلاَ يُقْسَمَ فَيْئُهَا»تفسير : و{تَفِىء} معناه: ترجع، وقرأ الجمهور: «بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ» وذلك؛ رعايةً لحال أَقَلِّ عدد يقع فيه القتال والتشاجر، وقرأ ابن عامر: «بَيْنَ إخْوَتِكُمْ» وقرأ عاصم الجَحْدَرِيُّ: «بَيْنَ إخْوَانِكُمْ» وهي قراءة حسنة؛ لأَنَّ الأكثر في جمع الأخ في الدِّينِ ونحوه من غير النسب: «إخْوَان»، والأكثر في جمعه من النسب: «إِخْوَة» و«آخَاء»، وقد تتداخل هذه الجموعُ، وكُلُّها في كتاب اللَّه.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ...} الآية. لما حذر المؤمنين من النبأ الصادر من الفاسق أشار إلى ما يلزم استدراكاً لما يفوت فقال: فإن اتفق أنكم تبنون على قول من يوقع بينكم من الأمر المُفْضِي إلى اقتتال طائفتين من المؤمنين {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي} أي الظالم يجب عليكم دفعه ثم إن الظالم إن كان هو الرعية فالواجب على الأمير دفعهم وإن كان هو الأمير فالواجب على المسلمين دفعه بالنصيحة فما فوقها وشرطه أن لا يُثيرَ فتنة مثل التي في اقتتال الطائفتين أو أشد منهما. فصل الضمير في قوله: "اقْتَتَلُوا" عائد أفراد الطائفتين كقوله (تعالى): {أية : هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ}تفسير : [الحج:19] والضمير في قوله: "بينهما" عائد على اللفظ. وقرأ ابن أبي عبلة: اقْتَتَلَتَا مراعياً للَّفْظِ. وزيد بن علي وعُبَيْدُ بْنُ عَمْرو اقتَتَلا أيضاً إلا أنه ذكر الفعل باعتبار الفريقين، أو لأنه تأنيث مجازي. فصل روى أنس ـ (رضي الله عنه) ـ قال: قيل للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: لَوْ أتَيْتَ عَبْدَ اللهِ بْنَ أبيّ (ابْنِ سَلُول) فانطلق إليه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم وركب حماراً (وانطلق المسلمون يمشون معه) وهو بأرض سَبِخَةٍ، فلما أتاه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: إِلَيْكَ عَنِّي وَالله لَقَدْ آذَانِي نَتَنُ حِمَارِكَ فقال رجل من الأنصار منهم: واللهِ لَحِمَارُ رسولِ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أطيب ريحاً منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه فَتَشَاتَمَا فغضب لكل واحد منهم أصحابهُ، فكان بينهما ضربٌ بالجريد والأيدي والنِّعال فنزلت: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} فقرأها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاصطلحوا وكف بعضهم عن بعض. وقال قتادة: نزل في رجلين من الأنصار كان بينهما مداراة في حق بينهما فقال أحدهما للآخر: لآخُذَنَّ حقِّي منك عَنْوةً لكثرة عشيرته وإن الآخر دعاء ليُحَاكِمَهُ إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأبى أن يتبعه فلم يزل الأمر بينهما حتى تدافعوا وتناول بعضم بعضاً بالأيدي والنعال و(وإنْ) لم يكن قتال بالسيوف. وقال سفيان عن السدي: كانت امرأة من الأنصار يقال لها: أم زيد تحت رجل وكان بينها وبين زوجها شيء فرقي بها إلى عُلِّيّة وحبسها فبلغ ذلك قومها فجاءوا وجاء قومه فاقْتَتَلُوا بالأيْدي والنِّعال فأنزل الله ـ عزّ وجلّ ـ: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} أي بالدعاء إلى حكم كتاب الله والرِّضا بما فيه لهُمَا وَعَليهِمَا. فصل قوله: "وَإنْ طَائِفَتَانِ (من المؤمنين)" إشارة إلى نُدْرَةُ وقُوع الاقتتال بين طوائف المسلمين. فإن قيل: نحن نرى أكثر الاقتتال في طوائفهم؟. فالجواب: أن قوله تعالى: {إنْ} إشارة إلى أنه لا ينبغي أن لا يقع إلا نادراً، غاية ما في الباب أن الأمر على خلاف ما ينبغي كذلك: {إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بنَبأٍ} إشارة إلى أنَّ مجيء الفاسق بالنبأ ينبغي أن لا يقع إلا قليلاً مع أن مجيء الفاسق كثيرٌ، وذلك لأن قول الفاسق صار عند أول الأمر أشدَّ قبولاً من قول الصادق الصالح، وقال: "وَإنْ طَائِفَتَانِ" ولم يقل: "فِرْقَتَان" تحقيقاً للمعنى الذي ذكرناه وهو التقليل، لأن الطائفة دون الفرقة، قال تعالى: {أية : فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ}تفسير : [التوبة:122]. فصل قال: من المؤمنين ولم يقل: منكم مع أن الخطاب مع المؤمنين سبق في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ}تفسير : [الحجرات:6] تنبيهاً على قبح ذلك وتبعيداً لهم عنه، كقول السيد لعبده: إنْ رأيتَ أحداً مِنْ غِلمَاني يفعل كذا فامنعه، فيصير بذلك مانعاً للمخاطب عن ذلك الفعل بالطريق الحسن كأنه يقول: أنت حاشاك أنْ تفعل ذلك وإن فعل غيرك فامْنَعْهُ، كذلك ههنا. فصل قال: وإن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ولم يقل: فإن اقْتَتَلَ طائفتان من المؤمنين مع أن كلمة "إن" اتصالها بالفعل أولى، وذلك ليكون الابتداء بما يمنع من القتال فيتأكد معنى النكرة، والمدلول عليها بكلمة إنْ، وذلك لأن كونهما طائفتين (مؤمنتين) يقتضي أن لا يقع القتال بينهما. فإن قيل: فِلَم لَمْ يقل: يا أيها الذين آمنوا إن فاسقٌ "جَاءَكُمْ" أو إن أحدٌ من الفسّاق جاءكم ليكون الابتداء بما يمنعهم من الإصغاء إلى كلامه وهو كونه فاسقاً؟ أو يزداد بسببه فسقه بالمجيء به بسبب الفسق؟. فالجواب: أن الاقتتال لا يقع سبباً للإيمان ولا للزيادة فقال: إنْ جَاءَكُمْ فاسقٌ أي سواء كان فاسقاً أولاً أو جاءكم بالنبأ فصار فاسقاً به. ولو قال: إنْ أَحَدٌ من الفُسَّاقِ جاءكم لا يتناول إلا مشهور الفِسْقِ قبل المجيء إذا جاءهم بالنَّبَأِ. فصل قوله تعالى: {أقْتَتَلُوا} ولم يقل يَقْتَتِلُوا (بصيغة الاستقبال}؛ لأن صيغة الاستقبال تنبىء عن الدوام والاستمرار فيفهم منه أن طائفتين من المؤمنين إنْ تمادى الاقتتال بينهما فأصلحوا، وهذا لأن صيغة المستقبل تنبىء عن ذلك، يقال: فُلاَنٌ يَتَهَجَّدُ وَيَصُومُ. فصل قال: "اقْتَتَلُوا" ولم يقل: اقْتَتَلاَ وقال: "فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا" ولم يقل: بَيْنَهُمْ لأن الفتنة قائمة عند الاقتتال، وكل أحد برأسِهِ يكون فاعلا فعلاً فقال: اقْتَتَلُوا وعند الصلح تتفق كلمةُ كُلِّ طائفة وإلا لم يتحقق (الصلح) فقال: "بَيْنَهُمَا" لكون الطائفتين حينئذ كَنَفْسَيْنِ. قوله: {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ} وأَبت الإجابة إلى حكم كتاب الله. وقيل: إلى طاعة الرسول وأولي الأمر. وقيل: إلى الصُّلْحِ. كقوله تعالى: {أية : وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ}تفسير : [الأنفال:1] وقيل: إلى التقوى، لأن من خاف الله لا يبقى له عدو إلا الشيطان، لقوله: {أية : إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً}تفسير : [فاطر:6]. فإن قيل: كيف يصح في هذا الموضع كلمة "إنْ" مع أنها تستعمل في الشرط الذي لا يتوقع وقوعه وبغي أحدهما عند الاقتتال متحقق الوقوع فيكون مثل قول القائل: إنْ طَلَعْتْ الشَّمْسُ؟. فالجواب: أن فيه معنى لطيفاً وهو أن الله تعالى يقول: الاقتتال بين طائفتين لا يكون إلا نادر الوقوع لأن كل طائفة تظن أن الأخرى فئة الكفر والفساد كما يتحقق في الليالي المظلمة، أو يقع لكل طائفة أن القتال جائز باجتهاد خطأ، فقال تعالى: الاقتتال لا يقع إلى كذا فإن بَانَ لَهُمَا أو لأحدهما الخطأ واستمرّ عليه فهو نادر وعند ذلك يكون قد بغى فقال: "فَإنْ بَغَتْ" يعني بعد انكشاف الأمْر، وهذا يفيد النُّدْرة وقِلَّةَ الوقوع. فإنْ قيل: لم قال: فإنْ بَغَتْ ولم يقل: فَإن تَبْغِ؟. فالجواب: ما تقدم في قَوْلِهِ تَعَالَى: {اقْتَتَلُوا} ولم يقل: يَقْتَتلُوا. قوله: "حَتَّى تَفِيء" العَامة على همزة من فَاء يَفِيءُ أي رَجَعَ كجَاء يَجِيءُ. والزهري: بياء مفتوحة كمضارع وَفَا وهذا على لغة من يقصر فيقال: "جاَ، يَجِي" دون همز؛ وحينئذ فتح الياء لأنها صارت حرف الإعراب. فصل المعنى حتى تفيء إلى أمر الله في كتابه وهذا إشارة إلى أن القتال جزاء الباغي كحدِّ الشرب الذي يُقَامُ وإن ترك الشرب بل القتال إلى حدّ الفيئة، فإن فاءت الفئةُ الباغيةُ حَرُم قتالهُم. وهذا يدل على جواز قتال الصَّائِل، لأن القتال لما كان للفيئة فإذا حصلت لم يوجد المعنى الذي لأجله القتال. وفيه دليل أيضاً على أن المؤمن لا يخرج عن الإيمان بفعل الكبيرة؛ لأن الباغي من أحدى الطَّائِفَتَيْنِ وسماهما مؤمنين. قوله: "فَإِنْ فَاءَتْ" أي رَجَعَتْ إلى الحَقِّ. فإن قيل: قد تقدم أن "إنْ" تدل على كون الشرط غير متوقع الوقوع وقلتم بأن البغي من المؤمن نادرٌ فإذن تكون الفئةُ متوقعةً فكيف قال: "فَإنْ فَاءَتْ"؟. فالجواب: هذا كقول القائل لعبده: إن مُتّ فَأَنْتَ حُرٌّ، مع أن الموت لا بدّ من وقوعه لكن لما كان وقوعه بحيث لا يكون العبد مَحَلاًّ للعِتْق بأن يكون باقياً في ملكه حياً يعيش بعد وفاته غير معلوم. فكذلك ههنا لما كان المتوقَّع فيئتهم من تلقاء أنفسهم لما لم يقع دل على تأكيد الأمْر بينهم فقال تعالى: {فَإنْ فَاءتْ} أي بعد اشتداد الأمر والتحام القتال فَأَصْلِحُوا، وفيه إشارة إلى أنَّ من لم يَخفِ الله وبغى يكون رجوعه بعيداً. قوله: {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ} بحملهما على الإنصاف والرضا بحكم الله "وَأَقْسِطُوا" اعِدْلُوا {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ}. فإن قيل: لم قال ههنا: {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ} ولم يذكر العدل في قوله: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا}؟. فالجواب: أن الإصلاح هناك بإزالة الاقتتال نفسه وذلك يكون بالنصيحة وبالتهديد والزجر والتعذيب والإصلاح ههنا بإزالة آثار الاقتتال بعد ارتفاعه من ضمان المتلفات وهو حكم فقال: "بالْعَدْلِ" فكأنه قال: فاحكموا بينهما بعد تركهما القتال بالحق وأَصْلِحُوا بالْعَدْلِ فيما يكون بينهما لئلا يؤدي إلى ثَوَرَان الفتنة بينهما مرة أخرى. فإن قيل: لما قال: فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بالعدل فأيةُ فائدة في قوله: وَأَقْسِطُوا؟. فالجواب: أنّ قوله: "فَأَصْلحُوا بَيْنَهُمَا" كأن فيه تخصيصاً بحال الاقتتال فعمَّ الأمر بالعدل وقال: وأقسطوا أي في (كل) أمر فإنه مفض إلى أشرف درجة وأرفع منزلة وهي محبة الله, والإقساط أزالة القسْطِ وهو الجَوْر والقَاسِطِّ هو الجَائِرُ. قوله: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} أي في الدين، والولاية. وقال بعض أهل اللغة: الإخوة جمع الأَخ، من النَّسب والإخْوَانُ جمع الأخ من الصَّداقة، والله تعالى قال: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} تأكيداً للأمْر وإشارة إلى أن ما بين الإخوة من الإسلام والنسب لهم كالأب. قال قائلهم ـ (رحمةُ الله عليه) ـ: شعر : 4502ـ أَبـي الإسْــلاَمُ لاَ أَبَ لِــي سِــوَاهُ إذَا افْتَخَـــرُوا بِقَيْــسٍ أَو تَمِيـــمِ تفسير : قوله: "بَيْنَ أَخَويكُمْ" العامة على التثنية. وزيد بن ثابت وعبدُ الله وحمَّادُ بنُ سلمة وابنُ سيرين: إخْوَانِكُمْ جمعاً على فِعْلاَن. وقد تقدم أن الإخْوان تغلب في الصداقة والإخوة في النسب، وقد تعكس كهذه الآية. وروي عن أبي عمرو وجماعة: إخْوَتِكُمْ بالتاء من فَوْقِ. وقد رُوِيَ عن ابن عمرو أيضاً القراءات الثَلاَثُ. فصل المعنى: فاتقوا الله ولا تَعْصُوا ولا تُخَالفوا أمره "لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ "حديث : المُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِم لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَشْتُمُه مَنْ كَانَ فِي حَاجَة أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بَها كُرْبَةً مِنْ كُرَب يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ". تفسير : فإن قيل: عند إصلاح الفريقين والطائفتين لم يقل: اتَّقُوا وقال هَهُننَا اتَّقوا مع أنَّ ذلك أهم؟. فالجواب: أنّ الاقتتال بين طائفتين يُفضي إلى أنْ تَعُمَّ المفسدة ويلحق كل من مؤمن منها شيء وكل يسعى في الإصلاح لأمر نفسه فلم يؤكد بالأمر بالتقوى وأما عند تخاصم رَجُلَيْن لا يخاف الناس ذلك وربما يريد بعضهم تأكد الخِصَام بين الخصوم لغرض فاسد، فقال: {فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله} أو يقال: قوله: وأصْلِحُوا إشارة الإصلاح، وقوله: "وَاتَّقُوا اللهَ" إشارة ما يصيبهم عن المُشَاجَرَة، وإيذاء قلب الأخ؛ لأن من اتقى الله شغله تقواه عن الاشتغال بغيره، قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهٍ"تفسير : فالمسلم يكون مقبلاً على عبادة الله مشتغلاً بعَيْبِه عن عيوب الناس. فصل في هاتين الآيتين دليل على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان، لأن الله تعالى سماهم إخوةً مؤمنين مع كونهم باغين، ويدل عليه ما روى الحارثُ الأعور أن عليَّ بْنَ أبي طالب سُئِلَ وهو القدوةُ في قتال أهل البغي عن أهل الجمل وصِفِّين أمشركون هُمْ؟ فقال: لا؛ من الشرك فروا فقيل: أمُنَافِقُونَ؟ فقال: (لا) إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً. قيل: فما حالهم؟ قال: إخواننا بَغَوْا علينا والباغِي في الشرع هو الخارج على إمام العدل، فإذا اجتمعت طائفةٌ لهم قوة وَمَنَعَةٌ فامتنعوا عن طاعة إمام العدل بتأويل محتمل ونصِّبُوا إماماً بالحكم فيهم أن يبعث الإمام إليهم ويدعوهم إلى طاعته فإن أظهروا مظلمةً أزالها عنهم وإن لم يذكروا مظلمةً وأصروا على بغيهم قاتلهم الإمام حتى يَفِيئُوا إلى طاعته. وحكم قتالهم مذكور في كتب الفقه. فصل "إنَّمَا" للحصر أي الأخوة الآتين من المؤمنين. فلا أُخُوَّةَ بين المؤمن والكافر ولهذا إذَا مات المسلم وله أخ كافر يكون مالُه للمسلمين، ولا يكون لأخيه الكافر، وكذلك الكافر، لأن في النسب المعتبر الأب الشرعي حتى إنَّ وَلَدَي الزّنا من ولدِ رجلٍ واحد لا يتوارثان، فكذلك الكفر لأن الجَامع الفاسد لا يفيد الأخُوّة ولهذا من مات من الكفار وله أخٌ مسلم ولا وارثَ له من النسب لا يجعل ماله للكفار، ولو كان الدّين يجمعهم يرثه الكفار ومال المسلم للمسلمين عند عدم الوارث. فإن قيل: إذا ثبت أن أُخوَة الإسْلاَم أقوى منْ أُخُوّة النسب بدليل أنَّ المسلم يَرِثُه المسلمون إذا لم يكن له أخوة نسبيّة ولا يرث الأَخُ الكافر من النسب فلِمَ لا يقدمون الأخوة الإسلامية على الأخوة النَّسَبِيَّة مطلقاً حتى يكون مال المسلم للمسلمين لا لأخوة النسب؟. فالجواب: أن الأخ المسلم إذا كان أخاً من النسب فقد اجتمع فيه أُخُوَّتان فصار أَقْوَى. فصل قال النحاة ههنا: إنَّ "مَا" كافَّة تكف إنَّ عن العمل، ولولا ذلك لقيل: إنَّمَا الْمُؤْمِنِينَ إخوَةٌ وفي قوله تعالى: {أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ}تفسير : [آل عمران:159] وقوله: {أية : عَمَّا قَلِيلٍ}تفسير : [المؤمنون:40] ليست كافة. قال ابن الخطيب والسؤال الأقوى: هو أن رُبَّ من حروف الجر و "الباء" و "عن" كذلك. و "ما" في "رُبَّ" كافّة، في "عما" و "بما" ليست كافة. والتحقيق فيه هو أن الكلام بعد "رُبَّمَا" و "إِنَّما" يكون تاماً ويمكن جعله مستقلاً، ولو حذفت "ربّما وإنَّما" لم يضرَّ تقول: ربَّمَا قَامَ الأَمِيرُ، ورُبَّمَا زَيْدٌ في الدَّارِ. ولو حذفت "رُبَّمَا" وقلت: زَيْدٌ فِي الدَّار وقام الأمير لصحَّ، وكذلك في "إنَّما" و "لَكِنَّما" وأما "عَمَّا" و "بما" فليس كذلك، لأن قوله تعالى: {أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ}تفسير : [آل عمران:159] لو حذفت "بما" وقلت: رَحْمةٌ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ، لما كان كلاماً، فالباء تُعَدّ متعلقة بما يحتاج إليها فهي باقية حقيقه وكذلك "عَمَّا"، وأما "رٌبَّمَا" لما استغنى عنها، فكأنها لم تبق حكماً، ولا عَمَلَ للمعدوم. فإن قيل: إنَّ "إذَا" لم تُكَفَّ بِمَا فما بعده كلام تام فوجب أن لا يكون له عمل. تقول: إنَّ زَيْداً قَائِمٌ ولو قلت: زيدٌ قائمٌ لَكَفَى وَتمَّ!. نقول: ليس كذلك لأن ما بعد إنَّ يجوز أَنْ يكون نكرة تقول: إنَّ رَجُلاً جَاءَنِي وأَخْبَرَنِي بكذا. وتقول جَاءَنِي رَجٌلٌ وأَخْبَرَنِي. ولا يحسن: إنَّما رَجٌلٌ جَاءني كما لو لم يكن هناك إنما. وكذلك القول في لَيْتَمَا لو حذفتهما واقتصرْت على ما بعدهما لا يكون تاماً فلم يكف. وتقدم الكلام في "لعلّ" مِرَاراً.
السيوطي
تفسير : أخرج أحمد والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أنس قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أتيت عبد الله بن أُبي، فانطلق وركب حماراً، وانطلق المسلمون يمشون وهي أرض سبخة، فلما انطلق إليهم قال: إليك عني فوالله لقد آذاني ريح حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحاً منك، فغضب لعبد الله رجال من قومه، فغضب لكل منهما أصحابه فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فأنزل فيهم {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} . وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن أبي مالك قال: تلاحى رجلان من المسلمين، فغضب قوم هذا لهذا وهذا لهذا فاقتتلوا بالأيدي والنعال فأنزل الله: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: إن الأوس والخزرج كان بينهما قتال بالسيف والنعال، فأنزل الله {وإن طائفتان} الآية. وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: كانت تكون الخصومة بين الحيين فيدعوهم إلى الحكم فيأبون أن يجيؤا، فأنزل الله {وإن طائفتان} الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مماراة في حق بينهما، فقال أحدهما للآخر: لآخذن عنوة - لكثرة عشيرته - وإن الآخر دعاه ليحاكمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأبى، فلم يزل الأمر حتى تدافعوا، وحتى تناول بعضهم بعضاً بالأيدي والنعال، ولم يكن قتال بالسيوف. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: كان رجل من الأنصار يقال له عمران تحته امرأة يقال لها أم زيد، وأنها أرادت أن تزور أهلها فحبسها زوجها وجعلها في علية له لا يدخل عليها أحد من أهلها، وإن المرأة بعثت إلى أهلها فجاء قومها فأنزلوها لينطلقوا بها، وكان الرجل قد خرج فاستعان أهل الرجل، فجاء بنو عمه ليحولوا بين المرأة وبين أهلها، فتدافعوا واجتلدوا بالنعال، فنزلت فيهم هذه الآية {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصلح بينهم، وفاؤوا إلى أمر الله. وأخرج الحاكم والبيهقي وصححه عن ابن عمر قال: ما وجدت في نفسي من شيء ما وجدت من هذه الآية، إني لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن حبان السلمي قال: سألت ابن عمر عن قوله {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} وذلك حين دخل الحجاج الحرم فقال لي: عرفت الباغية من المبغي عليها فوالذي نفسي بيده لو عرفت المبغية ما سبقتني أنت ولا غيرك إلى نصرها، أفرأيت إن كانت كلتاهما باغيتين فدع القوم يقتتلون على دنياهم، وارجع إلى أهلك، فإذا استمرت الجماعة فادخل فيها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: إن الله أمر النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إذا اقتتلت طائفة من المؤمنين أن يدعوهم إلى حكم الله، وينصف بعضهم من بعض، فإن أجابوا حكم فيهم بكتاب الله حتى ينصف المظلوم من الظالم، فمن أبى منهم أن يجيب فهو باغ، وحق على إمام المؤمنين والمؤمنين أن يقاتلوهم حتى يفيئوا إلى أمر الله ويقروا بحكم الله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} قال: الأوس والخزرج اقتتلوا بينهم بالعصي. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} قال: الطائفة من الواحد إلى الألف، وقال: إنما كانا رجلين اقتتلا. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} قال: كان قتالهم بالنعال والعصي فأمرهم أن يصلحوا بينهما. أما قوله تعالى: {إن الله يحب المقسطين} . أخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عمر وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور على يمين العرش الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن المقسطين في الدنيا على منابر من لؤلؤ يوم القيامة بين يدي الرحمن بما أقسطوا في الدنيا ". تفسير : قوله تعالى: {إنما المؤمنون أخوة} الآية. أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن سيرين رضي الله عنه أنه كان يقرأ {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} بالياء. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ {فأصلحوا بين أخويكم} بالياء. وأخرج ابن مردويه والبيهقي في سننه عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت مثل ما رغبت عنه في هذه الآية {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} الآية. وأخرج أحمد عن فهيد بن مطرف الغفاري رضي الله عنه حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله سائل إن عدا علي عادٍ فأمره أن ينهاه ثلاث مرات، قال: فإن لم ينته فأمره بقتاله، قال: فكيف بنا؟ قال: إن قتلك فأنت في الجنة، وإن قتلته فهو في النار . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} إلى قوله {فقاتلوا التي تبغي} قال: بالسيف، قيل: فما قتلاهم؟ قال: شهداء مرزوقين، قيل: فما حال الأخرى أهل البغي؟ قال: من قتل منهم إلى النار. وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : سيكون بعدي أمراء يقتتلون على الملك يقتل بعضهم بعضاً ".
التستري
تفسير : قوله: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا}[9] قال: ظاهرها ما عليه أهل التفسير، وباطنها هو الروح والعقل والقلب والطبع والهوى والشهوة، فإن بغى الطبع والهوى والشهوة على القلب والعقل والروح فليقاتله العبد بسيوف المراقبة وسهام المطالعة وأنوار الموافقة، ليكون الروح والعقل غالباً والهوى والشهوة مغلوباً.
القشيري
تفسير : تدل الآية على أن المؤمن بفسقه - والفسق دون الكفر - لا يخرج عن الإيمان لأن إحدى الطائفتين - لا محالة - فاسقة إذا اقتتلا. وتدل الآية على وجوب نصرة المظلوم؛ حيث قال: {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ}. والإشارة فيه: أن النفس إذا ظَلَمتْ القلب بدعائه إلى شهواتها، واشتغالها في فسادها فيجب أن يقاتلها حتى تثخن بالجراحة بسيوف المجاهدة، فإن استجابت إلى الطاعة يُعْفَى عنها لأنها هي المطيَّةُ إلى باب الله.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} اشارة الحقيقة فى الأية ان وقائع الغيب عند كشوفها فى صدور الاولياء على خلاف وذاتى الروح والقلب والعقل والسر لوجود اتيانها من الغيب بالبديهة فبعضها للروح وبعضها للسر وبعضها للعقل وبعضها للقلب فما وقع فى السر فهو اعظم مما وقع على الروح وما وقع على الروح اعظ مما وقع على القلب وما وقع على القلب اعظم مما وقع على العقل لان واقعة السر كشف الاولية والأخرية من الازل والابد ونوادره الشطح والعلم المجهول وما وقع على الروح من كشف الجمال والجلال وعجايبه الشوق والمحبة والسكر والابساط وما وقع على القلب من كشف العظمة ولطائفه الهيبة والاجلال وعلوم الصفات وحكم الربوبية وما وقع على العقل من كشف نورا لافعال ونتائجها الاذكار والافكار والمعاملة والعبودية وهذه الاحاكم عند اربابها مختلفة باختلاف كواشفها ولبعضها على بعض معارضة من جهة غرائبها فاصلاح بينهم لا يكون الا بالكتاب والسنة وموازينها لان يعلمها بفرق بيان موارد الاسرار وعجايب الانوار قال الله تعالى تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة وقال ولا رطب ولا يابس الا فى كتاب مبين ان اصلحوا شانكم فى سر المقامات والاحوال بكلام الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لتستقيم فى شرايع المعارف قال سهل فى هذه الأية هو الروح والقلب والعقل والطبع والهوى الشهوة فان بغى الطبع والهوى والشهوة على العقل والروح والقلب فليقاتله العبد بسيوف المراقبة وسهام المطالعة وانوار الموافقة ليكون الروح والعقل غاليا والهوى الشهوة مغلوبا.
اسماعيل حقي
تفسير : {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} اى تقاتلوا والجمع حيث لم يقل اقتتلتا على التثنية والتأنيث باعتبار المعنى فان كل طائفة جمع والطائفة من الناس جماعة منهم لكنها دون الفرقة كما دل عليه قوله تعالى {أية : فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة}تفسير : طائفتان فاعل فعل محذوف وجوبا لا مبتدأ لأن حرف الشرط لا يدخل الا على الفعل لفظا او تقديرا والتقدير وان اقتتل طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فحذف الاول لئلا يلزم اجتماع المفسرو المفسر واصل القتل ازالة الروح عن الجسد {فاصلحوا بينهما} ثنى الضمير باعتبار اللفظ والصلاح الحصول على الحالة المستقيمة النافعة والاصلاح جعل الشئ على تلك الحالة وبالفارسية باصلاح آوردن. اى فاصلحوا بين تينك الطائفتين بالنصح والدعاء الى حكم الله قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله من وصل اخاه بنصيحة فى دينه ونظر له فى صلاح دنياه فقد احسن صلته وقال مطرف وجدنا انصح العباد لله الملائكة ووجدنا أغش العباد لله الشياطين يقال من كتم السلطان نصحه والاطباء مرضه والاخوان بثه فقد خان نفسه والاصلاح بين الناس اذا تفاسدوا من اعظم الطاعات واتم القربات وكذا نصرة المظلوم وفى الحديث "حديث : الااخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة" قالوا بلى يا رسول الله قال "اصلاح ذات البين"تفسير : وقال لقمان يا بنى كذب من يقول ان الشر يطفى الشر فان كان صادقا فليوقد نارين ثم لينظر هل تطفئ احداهما الاخرى وانما يطفئ الماء النار وفى الحديث "حديث : المسلم اخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يعيبه ولا يتطاول عليه فى البنيان فيستر عنه الريح الا بأذنه ولا يؤذيه بقتار قدره الا ان يغرف له منها ولا يشترى لبنيه الفاكهة فيخرجون بها الى صبيان جاره ولا يطعمونهم منها"تفسير : وقال بعض العارفين سعى الانسان فى مصالح غيره من اعظم القربات الى الله تعالى وتأمل فى موسى عليه السلام لما خرج يمشى فى الظلمة فى حق اهله ليطلب لهم نارا يصطلون بها ويقضون بها الا امر الذى لا يقضى الا بها فى العادة كيف انتج له ذلك الطلب سماع كلام ربه من غير واسطة ملك فكلمه الله فى عين حاجته وهى النار ولم يكن يخطر له هذا المقام بخاطر فلم يحصل له الا فى وقت السعى فى مصالح العيال وذلك ليعلمه الله بما فى قضاء حوائج العائلة من الفضل فيزيد حرصا فى سعيه فى حقهم لانهم عبيده على كل حال وكذلك لما وقع لموسى الفرار من الاعدآء الذين طلبوا قتله انتج له ذلك القرار الحكم والرسالة كما قال {أية : ففررت منكم لما خفتكم فوهب لى ربى حكما وجعلنى من المرسلين}تفسير : وذلك لان فراره كان سعيا فى حق الغير الذى هو النفس الناطقة المالكة تدبير هذا البدن فان فرار الاكابر دآئما انما يكون فى حق الغير لا فى حق انفسهم فكان الفار من موسى النفس الحيوانية وكذلك لما خرج الخضر عليه السلام يرتاد الماء للجيش الذى كان معه حين فقدوا الماء فوقع بعين الحياة فشرب منها عاش الى زمننا هذا والحال انه كان لا يعرف ما خص الله به شارب ذلك الماء من الحياة فلما عاد وأخبر أصحابه بالماء سارعوا الى ذلك الموضع ليستقوا منه فأخذ الله بأبصارهم عنه فلم يهتدوا الى موضعه (كما قال الحافظ) شعر : سكندررانمى بخشند آبى بزور وزر ميسر نيست اين كار تفسير : فانظر ما انتج له سعيه فى حق الغير واعمل عليه والآية نزلت فى قتال احدث بين الاوس والخزرج فى عهده عليه السلام بالسعف وهى اغصان النخل اذا يبست والنعال فقال ابن عباس رضى الله عنهما ان النبى عليه السلام مريوما على ملأ من الانصار فيهم عبد الله بن ابى المنافق ورسول الله عليه السلام على حماره فوقف عليهم بعضهم فبال حماره أوراث فأمسك عبد الله بن ابى انفه وقال نح عنا نتن حمارك فقد آذيتنا بنتنه فمن جاءك منا فعظه فسمع ذلك عبد الله بن رواحة رضى الله عنه فقال ألحمار رسول الله تقول هذا والله ان بول حمار رسول الله اطيب رآئحة منك فمر عليه السلام وطال الكلام بين عبد الله بن ابى المنافق الخزرجى وعبد الله بن رواحة الاوسى حتى استبا وتجالدا وجاء قوم كل واحد منهما من الاوس والخزرج وتجالدوا بالعصى او بالنعال والايدى او بالسيف ايضا فنزلت الآية فرجع اليهم رسول الله قلنا احدى الطائفتين هى عبد الله بن ابى وعشيرته ولم يكن كلهم منافقين فالآية تتناول المؤمنين منهم او المراد بالمؤمنين من اظهر الايمان سوآء كان مؤمنا حقيقة او ادعاء وقيل فى سبب النزول غير هذا ويحتمل ان تكون الروايات كلها صحيحة ويكون نزول الآية عقيب جميعها وقال ابن بحر القتال لا يكون بالنعال والايدى وانما هذا فى المنتظر من الزمان انتهى. يقول الفقير فسروا بالقتل بفعل يحصل به زهوق الروح كالضرب بآلة الحرب والمحدد ولو من خشب ونحو ذلك مما يفرق الا جزآء ولا شك ان السعف من قبل الخشب المحدد واما النعال فان بعضها يعمل عمل الخشب المحدد كما شاهدنا فى نعال بعض الاعراب على ان القتال قد يستعمل مجازا فى المحاربة والمضاربة فقد وقع القتال مطلقا فى زمن النبى عليه السلام واما حرف الشرط فاشارة الى انه لا ينبغى ان يصدر القتال من المؤمنين الا فرضا مع ان خصوص السبب لا ينافى عموم الحكم فالآية عامة فى جميع المسلمين الى يوم القيامة على تقدير القتال فاعرف {فان بغت} اى تعدت يقال بغى عليه بغيا علا وظلم وعدل عن الحق واستطال كما فى القاموس واصل البغى طلب ما ليس بمستحق فان البغى الطلب {احداهما} وكانت مبطلة {على الاخرى} وكانت محقة ولم تتأثر اى الباغية بالنصيحة {فقاتلوا التى تبغى} اى قاتلوا الطائفة الباغية {حتى تفيئ} اى ترجع فان الفيء الرجوع الى حالة محمودة {الى امر الله} اى الى حكمه الذى حكم به فى كتابه العزيز وهو المصالحة ورفع العداوة او الى ما امر به وهو الاطاعة المدلول عليها بقوله {أية : اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولى الامر منكم}تفسير : فأمر الله على الاول واحد الامور وعلى الثانى واحد الاوامر وانما اطلق الفيئ على الظل لرجوعه بعد نسخ الشمس اى ازالتها اياه فان الشمس كلما ازدادت ارتفاعا ازداد الظل انتساخا وزوالا وذلك الى ان توازى الشمس خط نصف النهار فاذا زالت عنه وأخذت فى الانحطاط اخذ الظل فى الرجوع والظهور فلما كان الزوال سببا لرجوع ما انتسخ من الظل اضيف الظل الى الزوال فقيل فيئ الزوال واطلق ايضا على الغنيمة لرجوعها من الكفار الى المسلمين وتلك الاموال وان لم تكن اولا للمسلمين لكنها لما كانت حقهم ليتوسلونها الى طاعته تعالى كانت كأنها لهم اولا ثم رجعت. ومر الاصمعى بحى من احياء العرب فوجد صبيا يلعب مع الصبيان فى الصحرآء ويتكلم بالفصاحة فقال الاصمعى اين اباك يا صبى فنظر اليه الصبى ولم يجب ثم قال اين ابيك فنظر اليه ولم يجب كالاول ثم قال اين ابوك فقال فاء الى الفيفاء لطلب الفيئ فاذا فاء الفيئ فاء اى رجع {فان فاءت} اليه واقلعت عن القتال حذارا من قتالكم {فاصلحوا بينهما بالعدل} والانصاف بفصل ما بينهما على حكم الله ولا تكتفوا بمجرد متاركتهما عسى ان يكون بينهما قتال فى وقت آخر (قال الحافظ) جويبار ملك راآب سرشمشيرتست خوش درخت عدل نشان بيخ بدخواهان بكن قل كيخسرو اعظم الخطايا محاربة من يطلب الصلح وتقييد الاصلاح بالعدل ههنا دون الاول لانه مظنة الحيف لوقوعه بعد المقاتلة وهى تورث الاحن فى الغالب وقد أكد ذلك حيث قيل {واقسطوا} اى واعدلوا فى كل ما تأتون وما تذرون من اقسط اذا ازال القسط بالفتح اى الجور يقال اذا جاء القسط بالكسر اى العدل زال القسط بالفتح اى الجور وقال بعضهم الاقساط ان يعطى قسط غيره اى نصيبه وذلك انصاف {ان الله يحب المقسطين} اى العادلين الذين يؤدون لكل ذى حق حقه فيجازيهم باحسن الجزاء (قال الكاشفى) شعر : عدل راشكر هست جان افزاى عدل مشاطه ايست ملك اراى عدل كن زانكه در ولايت دل در بيغمبرى زند عادل تفسير : (وقال الحافظ) شعر : شاه رابه بود از طاعت صد ساله وزهد قدر يكساعته عمرى كه درو داد كند تفسير : قال بعض الكبار كل من كان فيه صفة العدل فهو ملك وان كان الحق ما ستخلفه بالخطاب الالهى فان من الخلفاء من اخذ المرتبة بنفسه من غير عهد الهى اليه بها وقام بالعدل فى الرعايا استنادا الى الحق كما قال عليه السلام "حديث : ولدت فى زمان الملك العادل"تفسير : يعنى كسرى فسماه ملكا ووصفه بالعدل ومعلوم ان كسرى فى ذلك العدل على غير شرع منزل لكنه نائب للحق من ورآء الحجاب وخرج بقولنا وقام بالعدل فى الرعايا من لم يقم بالعدل كفرعون وامثاله من المنازعين لحدود الله والمغالبين لجنابه بمغالبة رسله فان هؤلاء ليسوا بخلفاء الله تعالى كالرسل ولا نواباً له كالملوك العادلة بلهم اخوان الشياطين قال بعضهم شعر : شه كسرى از ظلم ازان ساده است كه در عهد او مصطفى زاده است تفسير : اى كان عدله من انعكاس نورانيته صلى الله عليه وسلم فاعرف جدا وفى الآية دلالة على ان الباغى لا يخرج بالبغى عن الايمان لان احدى الطائفتين فاسقة لا محالة اذ اقتتلتا وقد سماهما مؤمنين وبه يظهر بطلان ما ذهب اليه المعتزلة والخوارج من خروج مرتكب الكبيرة عن الايمان ويدل عليه ما روى عن على رضى الله عنه انه سئل وهو القدوة فى قتال اهل البغى أعلمنا اهل الجمل وصفين أمشركون هم فقال لا من الشرك فروا فقيل أمنافقون هم فقال لا ان المنافقين لا يذكرون الله الا قليلا قيل فما حالهم قال اخواننا بغوا علينا وايضا فيها دلالة على ان الباغى اذا امسك عن الحرب ترك لانه قام الى امر الله وانه يجب معاونة من بغى عليهم بعد تقديم النصح والسعى فى المصالحة بدلالة قوله فأصلحوا بينهما فان النصح والدعاء الى حكم الله اذا وجب عند وجود البغى من الطائفتين فلأن يجب عند وجوده من احداهما اولى لان ظهور اثره فيها اوحى. واعلم ان الباغى فى الشرع هو الخارج على الامام العادل وبيانه فى الفقه فى باب البغاة قال سهل رحمه الله فى هذه الآية الطائفتان هما الروح والقلب والعقل والطبع والهوى والشهوة فان بغى الطبع والهوى والشهوة على العقل والقلب والروح فيقاتل العبد بسيوف المراقبة وسهام المطالعة وانوار الموافقة ليكون الروح والعقل غالبا والهوى والشهوة مغلوبا وقال بعضهم النفس اذا ظلمت على القلب باستيلاء شهواتها واستعلائها فى فسادها يجب ان تقاتل حتى تثخن بالجراحة بسيوف المجاهدة فان استجابت بالطاعة فيعفى عنها لانها هى المطية الى باب الله ولا بد من العدل بين القلب والنفس لئلا يظلم القلب على النفس كما لا يظلم النفس على القلب لان لنفسك عليك حقا نسأل الله اصلاح البال واعتدال الحال
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وإِن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} أي: تقاتلوا. والجمعُ باعتبار المعنى؛ لأن كلّ طائفة جمعٌ؛ كقوله:{أية : هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ}تفسير : [الحج: 19]، {فأصْلِحوا بينهما} بالنصح والدعاء إلى حُكم الله تعالى، {فإِن بَغَتْ إِحداهما على الأخرى} ولم تتأثر بالنصحية {فقاتِلوا التي تبغي حتى تفيءَ} ترجع {إِلى أمر الله} إلى حُكمه، أو: إلى ما أمر به من الصُلح وزوال الشحناء، والفيء: الرجوع، وقد يُسمى به الظل والغنيمة، لأن الظل يرجعُ بعد نسخ الشمس، والغنيمة ترجع من أيدي الكفار إلى المسلمين. وحكم الفئة الباغية: وجوب قتالها، فإذا كفَّت عن القتال أيديَها تُركت. قال ابن جزي: وأَمَرَ اللّهُ في هذه الآية بقتال الفئة الباغية؛ وذلك إذا تبيَّن أنها باغية، فأما الفتنُ التي تقع بين المسلمين؛ فاختلف العلماءُ فيها على قولين: أحدهما: أنه لا يجوز النهوض، في شيء منها ولا القتال، وهذا مذهب سعد بن أبي وقاص، وأبي ذر، وجماعة من الصحابة، وحجتُهم حديث:"حديث : قتال المسلم كفر"تفسير : ، وحديث: الأمر بكسر السيوف في الفتن، والقولُ الثاني: النهوضُ فيها واجبٌ، لتُكفَ الفئةُ الباغية، وهذا مذهب عليّ، وعائشة، وطلحة، وأكثر الصحابة، وهو مذهب مالك وغيره من الفقهاء، وحجتُهُم هذه الآية. فإذا فرّعنا على القول الأول، فإن دخل داخلٌ على مَن اعتزل الفرقتين منزلَه يريد نفسَه أو مالَه فعليه دفعُه، وإن أدّى ذلك إلى قتله؛ لحديث:"حديث : مَن قُتل دون نفسه وماله فهو شهيد"تفسير : ، وإذا فرّعنا على الثاني، فاختُلف؛ مع مَن يكون النهوضُ من الفئتين؟ فقيل: مع السواد الأعظم، وقيل: مع العلماء، وقيل: مع مَن يُرى أنّ الحق معه. هـ. قلت: إذا وقعت الحرب بين القبائل فمَن تعدَّت تُربتَها إلى تربة غيرها فهي باغيةٌ، يجب كفُّها، وإذا وقعت بين الحدود؛ فالمشهور: النهوض، ثم يقع السؤال عن السبب؛ فمَن ظهر ظُلمه وَجَب كفّه، فإن أشكل الأمر، فالأمساك عن القتال أسلم. والله تعالى أعلم. {فإِن فاءتْ} عن البغي، وأقلعت عن القتال؛ {فأَصْلِحوا بينهما بالعدل} بفصل ما بينهما على حُكمِ الله تعالى، ولا تكتفوا بمجرد متاركتِهما؛ لئلا يكون بينهما قتال في وقتٍ آخر، وتقييدُ الإصلاح بالعدل لأنه مظنة الحيف لوقوعه بعد المقاتلة، وقد أكد ذلك بقوله: {وأَقْسِطوا} أي: واعدلوا في كل ما تأتون وما تَذرون، {إِنَّ الله يحب المُقْسِطِين} العادلين، فيُجازيهم أحسنَ الجزاء، والقَسط بالفتح: الجَور، وبالكسر: العدلُ، والفعل من الأول: قَسط فهو قاسط: جارَ، ومن الثاني: أقسط فهو مقسط: عَدل، وهمزتُه للسلب، أي: أزل القسط، أي: الجور. والآية نزلت في قتالٍ حدث بين الأوس والخزرج، وذلك أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب يعود سعدَ بنَ عُبادة، فمرّ بمجلسٍ من الأنصار، فيه أخلاط من المسلمين والمنافقين، فوقف صلى الله عليه وسلم على المجلس، ووعظ وذكَّر، فقال عبد الله بن أُبي: يا هذا، لا تؤذنا في مجالسنا، واجلس في موضعك، فمَن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بنُ رواحة: بل أغثنا يا رسول الله وذكِّرنا، فارتفعت أصواتهما، وتضاربوا بالنعال، فنزلت الآية، وقيل غير ذلك. وفي الآية دليل على أنَّ لا يخرج ببغيه عن الإيمان، وأنه يجب نُصرة المظلوم، وعلى فضيلة الإصلاح بين الناس. {إِنما المؤمنون إِخوةٌ} أي: منتسبون إلى أصل واحدٍ، وهو الإيمان المُوجب للحياة الأبدية، فيجب الاجتهاد في التآلف بينهما لتحقُّق الأخوة. والفاء في قوله: {فأصْلِحوا بين أخوَيكم} للإيذان بأنّ الأخوة الدينية موجبة للإصلاح. ووضع المظهر مقامَ المضمر مضافاً إلى المأمورين للمبالغة في تأكيد وجوب الإصلاح والتحضيض عليه، وتخصيص الاثنين بالذكر؛ لإثبات وجوب الإصلاح فيما فوق ذلك بطريق الأَولى؛ لتضاعف الفتنة والفساد فيه. وقيل: المراد بالأخَويْن: الأوس والخزرج. وقرأ يعقوب: "إخوتكم" بالجمع. {واتقوا الله} فيما تأتون وتذرون، التي من جملتها: الإصلاحُ بين الناس {لعلكم تُرحمون} راجين أن تُرحموا على تقواكم، لأن التقوى تحملكم على التواصل والائتلاف، وهو سبب نزول الرحمة. الإشارة: النفسُ الطبيعية والروح متقابلان، والحرب بينهما سِجال، فالنفس تريد السقوط إلى أرض الحظوظ والبقاء مع عوائدها، والروح تريد العروج إلى سماء المعارف وحضرة الأسرار، وبينما اتصال والتصاقٌ، فإن غلَبت النفسُ هبطت بالروح إلى الحضيض الأسفل، ومنعتها من العلوم اللدنية والأسرار الربانية، وإن غلبت الروح، عرجت بالنفس إلى أعلى عليين، بعد تزكيتها وتصفيتها، فتكسوها حُلةَ الروحانية، وينكشِف لها من العلوم والأسرار ما كان للروح، ولكلٍّ جندٌ تقابل به، فيقال من طريق الإشارة: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصْلِحوا بينهما، بأن تؤخَذَ النفسُ بالسياسة شيئاً فشيئاً، يُنقص من حظوظها شيئاً فشيئاً، حتى تتزكى وتعالَجَ الروحُ لدخول الحضرة، وعكوف الهم في الذكر شيئاً فشيئاً، حتى تدخل الحضرة وهي لا تشعر، ثم تشعُر ويقع الاستغراق. وأما إن قُطِعت النفسً عن جميع مألوفاتها مرةً واحدة، أو كُلفت الروحَ الحضورَ في الذكر على الدوام مرةً واحدة، أفسدتهما، لقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ادخلوا في هذا الدين برفق، فما شاد أحدكم الدين إلا غَلَبه" تفسير : وقال أيضاً:"حديث : لا يكن أحدكم كالمُنْبتِّ، لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى"تفسير : ؛ فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتِلوا التي تبغي، بأن تُردع النفس إن طغت، وتأخذ لجام الروح إن هاجت، حتى تفيء إلى أمر الله، وهو الاعتدال، فيعطي كلّ ذي حق حقه، ويُوفي كل ذي قسط قسطه. وقوله تعالى: {إِنما المؤمنون إخوة} قال الورتجبي: افهَم أيها العاقل أن الله سبحانه خلق الأرواحَ المقدسةَ من عالَم الملكوت، وألبسها أنوارَ الجبروت؛ فمواردُها من قُربه مختلفة، لكن عينها واحدة، وخلق هياكلَها وأشباحَها من تربة الأرض التي أخلصها من جملتها، وزيّنها بنور قدرته، ونفخ فيها تلك الأرواح، وجعل من الأرواح والأجسام النفوس الأمّارة التي ليست من قبيل الأرواح، ولا من قبيل الأجسام، وجعلها مخالفة للأرواح ومساكِنها، فأرسل الله عليها جندَ العقول، يدفع شَرَّها، فإذا امتحن الله عبادَه المؤمنين هيَّج نفوسهم الأمّارة؛ ليُظهر حقائق درجاتهم من الإيمان، فأَمَرهم أن يُعينوا العقلَ والروحَ والقلبَ على النفس حتى تنهزم؛ لأن المؤمنين كالبنيان يشُد بعضُهم بعضاً. ثم بيَّن أنّ في الإصلاح بين الإخوان الفلاح والنجاة، إذا كان مقروناً بالتقوى التي تقدسُ البواطن من البغي والحسد بقوله: {واتقوا الله لعلكم تُرحمون} فإذا فهِمت ما ذكرتُ علمتَ أنْ حقيقة الأخوة مصدر الاتحاد، فإنهم كنفسٍ واحدة؛ لأن مصادرهم مصدر واحد، وهو آدم، ومصدر روح آدم نورُ الملكوت، ومصدرُ جسمه تربة الجنة في بعض الأقوال. لذلك يصعد الروحُ إلى الملكوت، والجسم إلى الجنة، كما قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : كل شيء يرجع إلى أصل"تفسير : هـ. قلت: صعود الروح إلى الملكوت هو شهود معاني الأسرار في دار الجنة، ونزول الجسم إلى الجنة هو تمتُّعه بنعيم حسها في عالم الأشباح، وكل ذلك بعد الموت، وأحسنُ العبارة أن يُقال: لأن مصادرَهم مصدر واحد، وهو بحر الجبروت، المتدفق بأنوار الملكوت، والوجود بأَسْره موجةٌ من بحر الجبروت. ثم قال الورتجبي: قال أبو بكر النقاش: سألتُ الجنيد عن الأخ الحقيقي؟ فقال: هو أنت في الحقيقة، غير أنه غيرك في الهيكل. قلت: يعني أن الناس في الحقيقة ذاتٌ واحدة، وما افترقوا إلا في الهياكل، فكلهم أخوة. وقال أبو عثمان الحيري: أُخُوة الدين أثبت من أخوة النسب، فإن أخوة النسب تُقطع بمخالفة الدين، وأخوة الدين لا تقطع بمخالفة النسب. هـ. وتقدم لنا شروط الأخوة في قوله تعالى:{أية : الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذ...}تفسير : [الزخرف: 67] الآية. وقال القشيري هنا: ومن حق الأخوة ألا تُلجأه إلى الاعتذار، بل تُبسط عذرَه أي: تذكر عذره قبل أن يعتذر، فإن أُشكل عليك وجهه عُدت بالملامة على نفسك في خفاء عذره عليك، وتتوب عليه إذا أذنب، وتعوده إذا مرض، وإذا أشار عليك بشيء فلا تطالبه بالدليل وإيراد الحجة، كما أنشدوا: شعر : إِذا اسْتُنْجِدُوا لَمْ يَسأَلُوا مَنْ دَعَاهُم لأيَّةِ حَرْبٍ أم لأيِّ مكَان تفسير : ومن أَوْكد شروطها: التعظيم، كما أبان ذلك بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ}.
الجنابذي
تفسير : {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} اى المسلمين {ٱقْتَتَلُواْ} بيانٌ لادب المعاشرة {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ} بالرّجوع الى الرّسول وما حكم به {فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ} لمّا كان الاصلاح بعد الامر بالمقاتلة مع الباغين مظنّة للحيف قيّده بالعدل، او المراد انّ الاصلاح كما يكون باستيفاء جميع الحقوق من الطّرفين يكون باسقاط بعض الحقوق والاغماض عن بعضٍ فقيّده بالعدل للاشعار بانّ الاصلاح ينبغى ان يكون باستيفاء الحقوق {وَأَقْسِطُوۤاْ} فى جميع الامور حتّى فى العبادات فلا تضيّقوا على انفسكم {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} قيل: نزلت فى قتالٍ وقع بين الاوس والخزرج فى عهد الرّسول (ص) بالسّعف والنّعال، وعن الصّادق (ع) لمّا نزلت هذه الآية قال رسول الله (ص): "حديث : انّ منكم من يقاتل بعدى على التّأويل كما قاتلت على التّنزيل، فسئل من هو؟ - قال: خاصف النّعل"تفسير : يعنى امير المؤمنين (ع) فقال عمّار بن ياسر: قاتلت بهذه الآية مع رسول الله (ص) ثلاثاً وهذه الرّابعة والله لو ضربونا حتّى يبلغوا بنا السّعفات من هجرٍ لعلمنا انّا على الحقّ وانّهم على الباطل، وكانت السّيرة فيهم من امير المؤمنين (ع) ما كان من رسول الله (ص) فى اهل مكّة يوم فتح مكّة فانّه لم يَسْب لهم ذرّيّة وقال: من اغلق بابه فهو آمنٌ، ومن القى سلاحه فهو آمنٌ، ومن دخل دار ابى سفيان فهو آمنٌ، وكذلك قال امير المؤمنين (ع) يوم البصرة نادى فيهم لا تَسْبوا لهم ذرّيّةً، ولا تجهزوا على جريحٍ، ولا تتبعوا مدبراً، ومن اغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن.
الحبري
تفسير : مستدركات المؤلف على تفسيره ـ فُراتٌ، قالَ: حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بنُ الحَكَم، قالَ: حَدَّثَني جَنْدل، قالَ: حَدَّثَنَا مَيْثَم بن بشير، عن جُوَيْبر، عن الضحاك فى قوله الله: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ}. قالَ: بِالسَّيْفِ. قالَ جُويبر: فقُلْتُ: ما حَالَ قَتْلَى هؤلاء؟ قالَ: فى الجنَّة يُرْزَقُونَ. قالَ: فما بَالَ قَتْلَى أَهْلِ البَغْي؟ قالَ: في النَّارِ.
فرات الكوفي
تفسير : {وَإنْ طائفَتانِ مِنَ المؤمِنينَ اقْتَتَلوا فَأصْلِحوا بَيْنَهُما فَإنْ بَغَت إحْداهُما عَلى الأخرى فَقاتِلوا التي تَبْغِي حَتّى تفيءَ إلى أمْرِ اللّهِ 9} قال: حدثني الحسين بن الحكم قال: حدثنا جندل قال: حدثنا هشيم بن بشير عن جويبر: عن الضحاك في قول الله: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} قال: بالسيف. قال جويبر: فقلت: ما حال قتلى هؤلاء؟ [قال. ب]: في الجنة يرزقون. قال: فما بال [ب: حال] قتلى أهل البغي؟ قال: في النار [يسجرون. خ]. قال: حدثني إبراهيم بن بنان الخثعمي قال: حدثنا جعفر بن أحمد بن يحيى بن منمس! قال: حدثنا علي بن أحمد بن القاسم الباهلي: عن ضرار بن الأزور أن رجلاً من الخوارج سأل ابن عباس رضي الله عنه عن [أمير المؤمنين. ر] علي بن أبي طالب عليه السلام فأعرض عنه ثم سأله فقال: لكان والله عليه أمير المؤمنين يشبه القمر الزاهر والأسد الخادر والفرات الزاخر والربيع الباكر، فأشبه من القمر ضوؤه وبهاؤه، ومن الأسد شجاعته ومضاؤه، ومن الفرات جوده وسخاؤه، ومن الربيع خصبه وحباؤه، عقم النساء أن يأتين بمثل علي [أمير المؤمنين. أ، ب] بعد النبي [ب، أ: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم]، تالله ماسمعت ولا رأيت إنساناً [محارباً. ر، ب] مثله، وقد رأيته يوم صفين وعليه عمامة بيضاء وكأنّ عينيه سراجان وهو يتوقف على شرذمة [شرذمة. ب، ر] يحضّهم ويحثهم إلى أن انتهى إلي و أنا في كنف من المسلمين فقال: معاشر المسلمين استشعروا الخشية، وعنوا الأصوات، وتجلببوا بالسكينة، واكملوا اللامة، وأقلقوا السيوف في الغمد قبل السلة، والحظوا الشزر، واطعنوا [الخزر. ب]، ونافحوا بالظبا وصلوا السيوف بالخطا والرماح بالنبال، فإنكم بعين الله [و. أ، ب] مع ابن عم نبيكم، عاودوا الكر واستحيوا من الفر، فإنه عار باقٍ في الأعقاب، ونار يوم الحساب، فطيبوا عن أنفسكم نفساً [ر: أنفساً]، واطووا عن الحياة كشحاً، وامشوا إلى الموت مشياً [سجحاً]. وعليكم بهذا السواد الأعظم والرواق المطنب فاضربوا ثبجه، فإن الشيطان عليه لعنة الله راكدٌ في كسره، نافجٌ حضنيه [ب، أ: حضنه] ومفترش ذراعيه، قد قدم للوثبة يداً، وأخر للنكوص رجلاً، فصمداً [أ: فصبراً] حتى يتجلى لكم عمود [خ ل: عمد] الحق وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم. قال: وأقبل معاوية في الكتيبة الشهباء وهي زهاء عشرة آلاف بجيش [أ، ب: جيش] شاكين في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق تحت المغافر [فاقشعر لها الناس] [فقال عليه السلام: ما لكم. ب] تنظرون بما [أ: مما] تعجبون؟! إنما هي جثث ماثلة فيها قلوب طائرة مزخرفة بتمويه [ظ] الخاسرين ورجل جراد زفت به ريح صبا ولفيف سداه الشيطان ولحمته الضلالة وصرخ بهم ناعق البدعة، وفيهم خور الباطل وضحضحة المكاثر فلو قد مستها سيوف أهل الحق لتهافتت تهافة الفراش في النار ألا فسووا بين الركب وعضوا على النواجذ واضربوا القوانص [ب: القوابض] بالصوارم واشرعوا الرماح في الجوانح وشدوا فإني شاد. حم لا ينصرون. فحلوا حملة ذي يد (لبد) فأزالوهم [عن أماكنهم (مصافهم)، ودفعوهم. ب، ر] عن أماكنهم ورفعوهم عن مراكزهم [ر: مراكبهم]، وارتفع الرهج وخمدت الأصوات فلا يسمع [أ: تسمع] إلا صلصلة الحديد وغمغمة الأبطال ولا يرى إلا رأس نادر أو يد طائحة، وإنا كذلك إذ أقبل أمير المؤمنين عليه السلام من موضع يريد يتحال [ب: يتحاك] الغبار وينقص [ب: ينفذ] العلق عن ذراعيه سيفه يقطر الدماء وقد انحنى كقوس نازع! وهو يتلو هذه الآية: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله}. قال: فما رأيت قتالاً أشد من ذلك اليوم. يا بني إني أرى الموت لا يقلع ومن مضى لا يرجع ومن بقى فإليه ينزع إني أوصيك بوصية فاحفظها [ر، أ: فاحفظني] واتق الله وليكن أولى الأمور بك الشكر لله في السر والعلانية فإن الشكر خير زاد.
الأعقم
تفسير : {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} اختلفوا في سبب نزولها فعن ابن عباس (رضي الله عنه): وقف رسول الله على مجلس بعض الأنصار وهو على حمار فبال الحمار، فأمسك عبد الله بن أبي بأنفه وقال: خل سبيل حمارك فقد أذانا نتنه، فقال عبد الله بن رواحة: والله ان بول حماره لأطيب من مسكك، وروي: حماره أفضل منك وبول حماره أطيب من مسكك، وطال الخوض بينهما حتى استبَّا فتجالدوا وجاء قوماهما وهم الأوس والخزرج فتجالدوا بالعصي، وقيل: بالأيدي والنِعَال، فرجع اليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأصلح بينهم ونزلت، وعن مقاتل: قرأها عليهم فاصطلحوا {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء} البغي الاستطالة والظلم، وأتى الصلح، والفيء الرجوع وقد سمي به الظل والغنيمة لأن الظل يرجع بعد نسخ الشمس والغنيمة ما ترجع من أموال الكفار إلى المسلمين، وقيل: نزلت في رجلين من الأنصار جرت بينهما منازعة، وقيل: نزلت في حرب الأوس والخزرج في الجاهلية فلما جاء الاسلام أنزل الله هذه الآية وأمر نبيه فأصلح بينهم {فإن فاءت} رجعت {فأصلحوا بينهما بالعدل} بالقسط حتى يكونوا سواء {واقسطوا ان الله يحب المقسّطين} العادلين {إنما المؤمنون إخوة} قيل: سماهم مؤمنين وإخوة قبل القتال، وقيل: بذلك بعد الصلح والرجوع {فأصلحوا بين أخويكم} قيل: يحملوهم على حكم الشرع {واتقوا الله} في الفرقة {لعلكم ترحمون} {يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم} الآية، قيل: نزلت في قوم من بني تميم استهزؤا ببلال وخباب وعمار وصهيب وأبي ذر، وروي أنها نزلت في ثابت بن قيس وكان به وقرٌ، وكانوا يوسعون له في مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليسمع فأتى يوماً وهو يقول: تفسحوا حتى أتى إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال لرجل: تنح، فلم يفعل فقال: من هذا؟ فقال: أنا فلان، فقال: أنت ابن فلانة يريد أمّاً كان يعير بها في الجاهلية فخجل الرجل فنزلت فقال ثابت: لا أفخر في الحسب على أحد بعدها، وعن عبد الله بن مسعود: البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلباً، يعني لا يسخر أحد من أحد، ورجال من رجال، والسخرية أن يستخف به ويضحك عليه حتى يغمّه، عسى أن يكونوا خيراً منهم عند الله، وإن كان الساخر ذا مال وجاه {ولا نساء من نساء عسى أن يكنَّ خيراً منهنَّ} نزلت في صفية بنت حيي، عن ابن عباس: حديث : أن صفيَّة أتت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: إن النساء يعيرنني ويقلن يا يهوديَّة بنت يهوديين، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "هلاَّ قلت إن أبي هارون وعمي موسى وان زوجي محمد"تفسير : ، وقيل: نزلت في حفصة وعائشة سخرا بأم سلمة وذلك أنها ربطت شعرها بشيء فأسدلته خلفها فقالت عائشة: انظري ما تجر خلفها كأنه لسان كلب، وقيل: أن عائشة كانت تسخر من زينب بنت خزيمة الهلاليَّة وكانت قصيرة {ولا تنابزوا بالألقاب} نزلت في الأنصار كانوا يتنابزون بالألقاب فنزلت الآية، وقيل: نزلت في قوم كان لهم اسماً في الجاهلية فلما أسلموا نهوا أن يدعوا بها بعضهم بعضاً، واللَّمز الطعن والضرب باللسان، وقرئ تلمزوا بالضم، والمعنى وخصّوا أيها المؤمنون أنفسكم بالانتهاء عن غيبتها والطعن فيها ولا عليكم أن تعيبوا غيركم ممن لا يدين بدينكم ولا يسير بسيرتكم، وفي الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : اذكروا الفاجر بما فيه كي يحذره الناس" تفسير : يعني لا يغتب بعضكم بعضاً ولا يطعن عليه بالألقاب قيل: هو كل اسم أو صفة يكره الرجل أن يدعا به، وقيل: هو قول الرجل للرجل: يا فاسق، يا منافق، وقيل: كان اليهود والنصارى تسلم فيقال له بعد ذلك: يا يهودي، يا نصراني، فنهوا عن ذلك وقيل لهم: بئس الذكر أن يذكر الرجل الرجل بالفسق واليهوديَّة بعد إيمانه، وقيل: أن يعمل إنسان شيئاً قبل التوبة فيعير بما سلف {بئس الإِسم الفسوق بعد الإِيمان} بئس الاسم فلا تفعلوا ذلك فتستحقوا اسم الفسوق، وقيل: بئس الاسم الذي سميته بقولك: يا فاسق بعد أن علمت أنه مؤمن {ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} لأنفسهم، وقيل: ظالم لأخيه بما قال فيه والله أعلم {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن} وهو الظن القبيح ممن ظاهره الستر، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن الله حرم من المؤمن المسلم دمّه وعرضه أن يظن به ظن السوء {ولا تجسسوا} قيل: لا تتبعوا عورات المسلمين عن ابن عباس، يعني خذوا ما ظهر ودعوا ما ستر ولا تتبعوا عوراتهم لتقعوا على ما تكرهوا {ولا يغتب بعضكم بعضاً} قيل: أن تذكر أخاك بما يكره فإن كان فيه فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهّته، ثم أكد التحريم فقال: {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه} شبَّه الغيبة به فلا شيء أعظم منه، قال قتادة: يقول: كما أنت تكره لحم الجيفة كذلك فاكره لحم أخيك وكذلك لم يقتصر على لحم الأخ حتى جعل ميتاً {واتقوا الله إن الله توَّاب رحيم} يعني اتقوه في جميع ما نهاكم عنه.
اطفيش
تفسير : {وَإِن طَآئِفَتَانِ} فاعل (اقتتل) محذوفا لا مبتدأ على الصحيح* {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ} جمع نظرا للمعنى واعتبار اللفظ ان يقال اقتتلتا كما قرا به ابن أبي عبلة وقرأ عبيد بن عمير (اقتتلا) بتأويل الرهطين وكما قال* {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} ولم يقل (بينهم) وكذا قال احداهما (وبينهما) والاصلاح بالنصح والدعاء الى حكم الله مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على حماره لعيادة سعد بن أبي عبادة في بني الحارث بن الخزرج قيل وقعة بدر واردف اسامة بن زيد خلفه وعلى الحمار قطيفة فمر على مجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول قبل ان يسلم ومعه مسلمون وذوو أوثان ويهود ولما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبدالله على فيه بردائه وقال لا تغبروا علينا فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقف فنزل ودعاهم الى الله وقرأ القرآن فقال عبدالله أيها المرء انه لأحسن مما تقول ان كان حقا فلا تغشنا به في مجالسنا وارجع الى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه فقال عبدالله بن رواحة يا رسول الله فاغشنا في مجالسنا فانا نحن ذلك فاستاب المشركون واليهود والمسلمون حتى كادوا يتبارزون فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يحفظهم حتى مكثوا ثم ركب دابته فنزلت الآية. وعن ابن عباس وقف صلى الله عليه وسلم على مجلس بعض الأنصار وهو على حمار فبال الحمار فامسك عبدالله بن أبي أنفه وقال خل سبيل حمارك فقد آذانا نتنه فقال عبدالله بن رواحة: والله أن بول حماره أطيب من مسكك وروي حماره أطيب منك وبول حماره أطيب من مسكك ومضى صلى الله عليه وسلم وطال الخوض بينهما حتى استابا وتجالدا اي تضاربا وجاء فوقاهما وهما الأوس والخزرج وتجالدوا بالعصى وقيل بالأيدي والنعال والسعف فرجع اليهم فأصلح بينهم فنزلت وقيل نزلت فقرأها عليهم فاصطلحوا وفي رواية قيل له صلى الله عليه وسلم لو أتيت عبدالله بن أبي فانطلق اليه على حمار عليه اكاف وقطيفة ومعه المسلمون والأرض سبخة الى ان بلغه فكان ما ذكر وقال قتادة نزلت في رجلين من الانصار كانت بينهما ممارأة في حق بينهم فقال أحدهما لآخذن حقي عنوة لكثرة عشيرتي ودعاه الآخر ليحاكمه الى النبي صلى الله عليه وسلم فابى أن يتبعه وتدافعا بالأيدي والنعال وعن الحسن أحدهما منافق تعزز بقومه والمشركين والآخر مؤمن تعزز بالمسلمين وتدافعا فنزلت وقيل كانت أمرأة من الأنصار أسمها ام زيد تحت رجل ورقي بها الى علبة فحبسها فيه لشيء بينهما فجاء قومه وقومها فاقتتلوا بالأيدي والنعال فنزلت وعن بعض أن باطن الآية الروح والقلب والعقل والطبع والهوى والشهوة فان بغت هذه الثلاثة فقاتلها بسيوف المراهنة وسهام المطالعة وأنوار الموافقة حتى تغلبها الثلاثة الأولى {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا} اي تعدت بالاستطالة والظلم واباء الصلح* {عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُواْ الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ} ترجع* {إِلَى أَمْرِ اللهِ} أي حكمة وانما أطلق الفئ علىالظل لرجوعه بعد نسخ الشمس وعلى الغيمة لرجوعها من الكفار الى المسلمين وعن أبي عمرو (وحتى تفي) بغير همز وقيل ان ابا عمرو يخفف الأولى من الهمزتين الملتقيتين ولطفت تلك الخلسة على الراوي فظنه قد طرحها* {فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ} وعن ابن عباس (حتى يفيئوا الى امر الله) فان فاءوا فخذوا بينهم بالقسط* {وَأَقْسِطُواْ} أي أعدلوا في كل الأمور* {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} يحمدهم بحسن الجزاء قيد الاصلاح هنا بالعدل لأنه مظنة الحيف من حيث انه بعد القتال واما الاقتتال في أول الآية فهو ان تقتتلا باغيتين معا أو راكبتين شبهة وأَيتهما كان فالواجب اصلاح ذات البين بالحق والوعظ الشافي ونفي الشبهة وان اصرتا وجب القتال واما الضمان فلا يتجه وليس كذلك اذا بغت احداهما فان الضمان يتجه على الوجهين المذكورين و (القسط) بالكسر (العدل) والفعل منه (أقسط) كما تدل عليه الآية وهمزته للسلب أي ازال (القسط) بالفتح وهو الجور واصله اعوجاج في الرجلين ويقال في الفعل ايضا (قسط) بالفتح (يقسط) بالكسر والضم (والقُسط) بالضم رائحة وحكم الفئة الباغية وجوب قتالها ما قاتلت واذا كفت عن الحرب تركت واذا تولت عمل بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال "حديث : يا ابن ام عبد هل تدري كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة؟ قال: الله ورسوله اعلم قال لا يجهز على جريحها ولا يقتل أسيرها ولا يطلب هاربها ولا يقسم فيؤها" تفسير : قال أصحابنا: الا ان كان لهم ماوى يلجأون اليه فانه يقتل ويجهز على الجريح ويتبع الهارب قال الزمخشري اما ان تقتتل الفئتان بغيا منهما جميعا فالواجب اصلاحهما وان اقامتا على البغي قوتلتا واما ان تقتتلا لشبهة وكلتاهما تدعي انها محقة فالواجب ازالة الشبهة بالبرهان وان لم تقبلا قوتلتا واما ان تبغي واحدة فقط والواجب ان تقاتل فان ثابت أصلح بينهما بالعدل فان كانت قليلة تلك الباغية لا منعة لها ضمنت ما جنت وان كثرت ولها منعة لم تضمن الا عند محمد بن الحسن واما قبل التجمع او حين تتفرق عند وضع الحرب اوزارها فما جنته ضمنته عند الجميع فحمل الاصلاح بالعدل في قوله {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدل} على مذهب محمد واضح منطبق على لفظ التنزيل وعلى قول غيره وجهه ان يحمل على كون الفئة قليلة العدد والذين ذكروا ان الغرض اماتة الضغائن وسل الاحقاد دون ضمان الجنايات ليس ذلك منهم بحس الطباق المأمور به من أعمال العدل والقتال واقامة الحجة على يدي امام او من قدر والباغي في مثل هذا المقام الخارج عن الامام العدل بتأويل محتمل ونصبوا لهم اماما واما ان قلوا ولا منعة او لم يكن لهم تأويل او لم ينصبوا اماما فلا يتعرض ان لم ينصبوا قتالا ولم يتعرضوا للمسلمين وان فعلوا فحكمهم حكم قطاع الطرق كذا قيل ونادى مناد يوم الجمل لا يتبع مدبر ولا يقتل اسير ولا يجهز على جريح وما غرم أحد مالا ولا اقتص احد من احد وكذا يوم صفين وسمع عليّ رجلا يقول في ناحية المسجد لا حكم الا لله فقال: كلمة حق أريد بها باطل لكم علينا ثلاث لا نمنعكم مساجد الله ان تذكروا فيها اسم الله ولا نمنعكم الفيء ما دامت ايديكم مع ايدينا ولا نبدؤكم بقتال قلت الحق انه اذا حكم الله بحكم في مسألة فلا حكم لاحد فيها سواه فالحق مع الرجل ولو كان عليّ أعلم عالم قيل وفي الآية دليل على ان البغي لا يزيل اسم مؤمن لأن الله سماهم مؤمنين مع كونهم باغين وسماهم اخوة مؤمنين قلت لا دليل اما وان طائفتان من المؤمنين فتسميتهم فيه مؤمنين باعتبار ما يظهر لنا قبل ظهور البغي واما {أية : إِنما المؤمنون إِخوة} تفسير : فتسميتهم فيه مؤمنين اخوة اما باعتبار ما ظهر لنا قبل البغي فقوله {وأصلحوا بين أخويكم} في معنى اهدوهم الى الحال التي كانوا عليها قبل او المراد بالمؤمن الموحد لا الموفي بدليل لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن واما لفظ آمن وايمان فلا يختصان بالموفي وسئل عليّ عن اهل الجمل وصفين أمشركون فقال لا فقيل أمنافقون فقال لا ان المنافقين لا يذكرون الله الا قليلا فقيل فما هم قال اخواننا بغوا عليّ قلت أراد بالمنافقين من اسر الشرك او شك في الايمان بعض شك ونفي عنهم هذه الصفة والمراد بقوله اخواننا بغوا علينا انهم موحدون غير مؤمنين في زعمه
اطفيش
تفسير : {وإنْ طائفتان} أى وان اقتتلت طائفتان {من المؤمنين} نص فى جواز تسمية الموحد الفاسق مؤمنا، ولا يختص بالموفى {اقْتَتَلوا} تقاتلوا، فهو من الافتعال الذى بمعنى التفاعل، ولم يقل اقتتلتا كما قرأ به ابن أبى عبلة مراعاة للفظ طائفتين، ولا اقتتلاكما قرأ به زيد بن على مراعاة لمعنى الفريقين، وكما قال بينهما، بل قال اقتتلوا مراعاة لما فى كل طائفة من تعدد الأفراد {فأصلْحُوا} بالوعظ والنصح، وازالة شبهة ان كانت {بينهما} خطاب للباقين الذين لم يقتتلوا، وضمير التثنية مراعاة للفظ طائفتان، مراعاة للفظ بعد مراعاة المعنى، والكثير العكس، ونكتة ذلك هنا أنهم حين الاقتتال يختلط بعض الطائفة، بالأخرى، وفى حال الصلح تمتاز كل طائفة على حدة. {فإنْ بَغَت إحداهما عَلى الأخْرى} بعد المطالبة بالصلح، والفاء لمجرد الترتيب إذ لم يتقدم ما يتفرغ وتسبب به {فقاتلوا التي تَبْغي حتَّى تَفيء} ترجع {إلى أمْر الله} واحد الأمور، والمراد حكم الله، أو هو ضد النهى، أى الى ما أمر الله به، ويجوز أن يكون المراد بالفاء الأولى الترتيب الذكرى، فيرجع الكلام الى غير الصلح. أى ان رأيتم بغيا فأعينوا المبغى عليه، إلا أنه ينبغى المطالبة أولا بالكف عن البغى {فإن فاءت} رجعت الباغية الى أمر الله. {فأصْلحُوا بيْنَهما} بالأمر برد ما أخذ من الأموال، وبديات القتلى والجرحى والفساد فى البدن، وعبر بالاصلاح لأنه ربما لا يتوصل الى ايصال كل ذى حق الى كل حقه إلا به، أو الاصلاح هنا ازالة الفساد، ويجوز الصلح، ولو تميز كل حق وصاحبه اذا خيف دوام الفتنة بالاستقصاء، ولا تتركوهم بلا اصلاح لئلا يرجعوا الى القتال {بالعَدْل} قيد للاصلاح، لأن المقام مظنة الحيف {وأقْسطُوا} اعدلوا فهو تأكيد للعدل، أى أقسطوا فى كل شىء، فيدخل هذا الإصلاح، وهذا تاكيد، وأكد مطلق الاقساط بقوله تعالى: {إنَّ الله يحُبُّ المقْسِطينَ} يجازيهم على اقساطهم أحسن الجزاء، وكيفية الإصلاح أن يقول لاحدهما: أعطوا الأخرى كذا، واتركوا لها ما عليها، أو اتركوا لها كذا باختياركم، أو اذنوا لى أن أقدر ما تعطون أو يعطون، ومن ذلك أن تترك كل واحد مالها على الأخرى، وعليه جمهور قومنا، فان أبوا لم يجبرهم. وقال قومنا: يجبرهم على أن تعطى الفئة الباغية قليلة العدد، بحيث لا منعة لها ما أفسدت، وان كانت كثيرة العددات شوكة ضمنت عند محمد بن الحسين، لا عند غيره، وذلك اذا فاءت، وأما قبل التجمع والتجند، وعند التفرق، ووضع الحرب أوزارها فما جنته ضمنته، وقيل: ان مراد الآية اماتة الضغن الحقد دون ضمان الجنايات وهو ضعيف، لأنه لا يطابقه ذكر العدل والاقساط، وانما يناسب ذكرهما تدارك الفرطات، وأما بدونه فكأنه لا عمل للمصلح، والخطاب فى الاصلاح العموم، والمراد بالذات أولو الأمر أو أعظمهم، وفى ذكر المجموع تلويح بأنه لم يصلح بينهم أولو الأمر أو كبيرهم، فليصلح العامة أو أحدهم، وقد قيل: الخطاب لأولى الأمر الذين يتأتى لهم الاصلاح، ومقاتلة الباغى، مثل أن تمتنعا من الصلح واستمرتا على القتال، فأتاهما معا أولو الأمر وكبيرهم لعدم الاذعان الى الصلح المأمور به، والمذهب حمل ذلك على أن تقاتل الباغية فقط، وبه قال جماعة من قومنا، حتى ان اعانة المبغى عليها كجهاد المشركين. وصرح بعض الحنابلة بأنه أفضل من جهاد المشركين، لأن على بن أبى طالب ترك جهاد المشركين، واشتغل بقتال معاوية، وليس كذلك بل اشتغل بقتاله لما ظهر بغية وبغى من معه من بنى أمية، فلو تركه لأدى الأمر الى فساد أقوى مما وقع، ولولا أنه يؤدى الى ذلك لم يكن أفضل من جهاد المشركين، وقد قدم على اشتغاله بقتال الخوارج عنه، وقال: ليتنى لم أقاتلهم، لأنهم أسد النهار، ورهبان الليل، شفيت نفسى، وقطعت يدى، وعاتبه ابنه الحسن، وروى أنه تاب ولم يعتن الناس بتوبته، لأنه لم يشهرها، ولم تتيقن عنه، ولما قالت الصفرية، والنجدية والأزارقة بتحليل الدماء والأموال بالذنب، خرج عنهم الأباضية الوهبية، ومن أول الأمر امتنع عن قتال الخوارج عنه، وما زال به الأشعث بن قيس عامله الله عز وجل بما أجرم حتى قاتلهم. قال ابن عمر: ندمت جدّاً إذ لم أقاتل مع على معاوية ومن معه، لأنهم فئة باغية، كما أمرنى الله تعالى بقوله: {وإنْ طائفتان} الخ رواه البيهقى، والحاكم، وذلك أن الامام هو على، ولا يجوز لمعاوية منازعته فى الامامة، ولا لعلى تركها، قال صلى الله عليه وسلم لابن مسعود: "حديث : "يا ابن أم عبد هل تدري كيف حكم الله فيمن بغي من هذه الأمة؟" قال: الله ورسوله أعلم، قال: "لا يجهز على جريحهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا يطلب هاربهم، ولا يقسم فيؤهم"" تفسير : ولم يذكر انتفاء المأوى، واستخرج بعض أصحابنا اشتراطه قطعا لرجوعهم. ويروى أنه سئل علىّ عن أهل الجمل وصفين، أمشركون؟ قال: لا، عن الشرك فروا، فقيل: أمنافقون؟ قال: لا، ان المنافقين لا يذكرون الله الا قليلا، فقيل: وما هم؟ قال: اخواننا بغوا علينا، ونادى منادى على يوم الجمل: ألا لا يتبع مدبر، ولا يقتل أسير، ولا يجهز على جريح، فيؤخذ من ذلك أنه لا يقتل الأسير الموحد، وأتى على بأسير يوم صفين فقال: لا أقتلك صبرا انى أخاف الله رب العالمين، ولا يحكم على ما فى بعض الكتب على احدى الطائفتين بما أتلفت من مال أو نفس، وعبارة بعض قومنا من كانوا قليلين أو لم يكن لهم تأويل أو لم ينصبوا إماماً فلا يتعرض لهم ان لم ينصبوا قتالا، ولم يتعرضوا للمسلمين، وان فعلوا فهم كقطاع الطريق. وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توجه الى سعد بن عبادة ليزوره، والذى فى الصحيحين ليعوده، أى من مرض قبل بدر، فمر على عبد الله بن أبى بن سلول فقال لعنه الله: اليك عنى، والله لقد آذانى ريح حمارك، فقال له رجل من الخزرج ممن جاء معه، هو عبد الله بن رواحة، والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحا منك، فغضب لعبد الله رجال من قومه من الأوس، وغضب للخزرجى رحمه الله رجال من قومه من الخزرج، وتقاتلوا بالجرائد والنعال والأيدى، فنزلت الآية، وقيل: ان القصة وقعت لذهابه الى عبد الله بن أبى، إذ قيل له: لو أتيته لتصلح بين الأوس، والخزرج لقتال متقدم بينهم، فالطائفتان الأوس والخزرج، وقيل: أتاه إذ قيل له أتيته لتدعوه الى الاسلام، وفى الصحيحين رواية عن أسامة: أنه انطلق الى سعد ليعوده، فمر على أبى فى مجلس فيه المسلمون والمشركون عبدة الأصنام، واليهود والمنافقون، وأنه قرأ عليهم القرآن، فقال أبى: لا أحسن مما قلت، لكن لا تؤذونا فى مجلسنا، ارجع الى رحلك وقص على من جاءك. وفى الصحيحين أيضا رواية عن أنس قيل له صلى الله عليه وسلم: انطلق الى أبى إذ قيل له، أى ائته، أى لتدعوه الى الاسلام، وذكر ابن جرير، عن السدى أن الآية فى عمران الأنصارى وزوجه أم زيد، إذ منعها أن تزور أهلها، وقفل عليها فى علية، فبعثت اليهم، فجاءوا وهو غائب فأخرها ليمضوا بها، فقاتلهم بنو عمه بالجرائد، وبما ذكر، وقال قتادة الآية نزلت فى رجلين قال أحدهما لكثرة قومه: والله لآخذن حقى عنوة، ودعام الآخر اليه صلى الله عليه وسلم، وتضاربا هما وقوماهما، وأكد الاصلاح العام أيضام بقوله: {إنَّما المؤمنُون إخوةٌ} عظام أشقاء، استعارة تصريحية لجامع لتعاون، كما يتعاون الاخوة يتعاون أهل الاسلام فى الاسلام، ولجامع الانتساب الى أصل واحد، وهو الايمان الموجب للحياة الأبدية، ولجامع المشاركة، فانهم اشتركوا فى الايمان الذى هو منشأ البقاء الأبدى، والتوليد الذى هو منشأ الحياة، وذلك على مختار السعد فى: زيد أسد، أو المشهور أنه تشبيه بليغ إذ ذكر المشبه والمشبه به معاً، فلفظ اخوان فى الصداقة، ولفظ الاخوة فى النسب، والعكس قليل، ومن الكثير الآية على التشبيه باخوة النسب، لأنها أقوى وأشد اتصالاً وتعاضدا، وأكثر فى الوجود، فالاخوة النسبية أكثر من اخوة الصداقة، ولأن اخوان الصداقة مجاز عن اخوة النسب، وزاد تأكيدا بقوله تعالى: {فأصْلحُوا بَيْن أخَويكُم} إذ وضع الظاهر موضع المضمر تحضيضا لهم على الاصلاح بذكر الاخوة، والأصل فأصلحوا بينهم، والاضافة لجنس فعمت الطائفتين، كما قرأ ابن سيرين، بين اخوتكم بالتاء، وكما قرأ زيد بن ثابت، وابن مسعود: بين اخوانكم بالنون، وحكمة صورة التثنية الاشارة الى وجوب الصلح بين شخصين، فكيف جماعتان، والى أن الطائفتين ولو كثر أفراد كل واحدة فى الاتصال، وقد قيل: المراد بالأخوين الأوس والخزرج، لاجتماعهما فى الجد الأعلى، وكان كل واحدة أخ، وفى البخارى ومسلم، عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يشتمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله بها عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة ". تفسير : {واتَّقُوا الله} فى اعتقادكم وأقوالكم وأفعالكم، ومنها الاصلاح فلا تتهاونوا به {لعَلَّكم تُرحَمون} لترحموا، أو قائلين لعلنا نرحم.
الالوسي
تفسير : {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ } أي تقاتلوا، وكان الظاهر اقتتلتا بضمير التثنية كما في قوله تعالى: {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا } أي بالنصح وإزالة الشبهة إن كانت والدعاء إلى حكم الله عز وجل. والعدول إلى ضمير الجمع لرعاية المعنى فإن كل طائفة من الطائفتين جماعة فقد روعي في الطائفتين معناهما أولاً ولفظهما ثانياً على / عكس المشهور في الاستعمال، والنكتة في ذلك ما قيل: إنهم أولاً في حال القتال مختلطون فلذا جمع أولاً ضميرهم وفي حال الصلح متميزون متفارقون فلذا ثني الضمير. وقرأ ابن أبي عبلة {اقتتلتا} بضمير التثنية والتأنيث كما هو الظاهر. وقرأ زيد بن علي وعبيد بن عمير {اقتتلا} بالتثنية والتذكير باعتبار أن الطائفتين فريقان. {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا } تعدت وطلبت العلو بغير الحق {عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ } ولم تتأثر بالنصيحة {فَقَـٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيء } أي ترجع {إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ } أي إلى حكمه أو إلى ما أمر سبحانه به وقرأ الزهري {حتى تفي} بغير همز وفتح الياء وهو شاذ كما قالوا في مضارع جاء يجي بغير همز فإذا أدخلوا الناصب فتحوا الياء أجروه مجرى يفي مضارع وفى شذوذاً. وفي تعليق القتال بالموصول للإشارة إلى علية ما في حيز الصلة أي فقاتلوها لبغيها {فَإِن فَاءَتْ } أي رجعت إلى أمره تعالى وأقلعت عن القتال حذراً من قتالكم {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ } بفصل ما بينهما على حكم الله تعالى ولا تكتفوا بمجرد متاركتهما عسى أن يكون بينهما قتال في وقت آخر. وتقييد الإصلاح هنا بالعدل لأنه مظنة الحيف لوقوعه بعد المقاتلة وقد أكد ذلك بقوله تعالى: {وَأَقْسِطُواْ } أي اعدلوا في كل ما تأتون وما تذرون {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ } فيجازيهم أحسن الجزاء. وفي «الكشاف» في الإصلاح بالعدل والقسط تفاصيل، إن كانت الباغية من قلة العدد بحيث لا منعة لها ضمنت بعد الفيئة ما جنت، وإن كانت كثيرة ذات منعة وشوكة لم تضمن إلا عند محمد بن الحسن فإنه كان يفتي بأن الضمان يلزمها إذا فاءت، وأما قبل التجمع والتجند أو حين تتفرق عند وضع الحرب أوزارها فما جنته ضمنته عند الجميع فمحمل الإصلاح بالعدل على مذهب محمد واضح منطبق على لفظ التنزيل، وعلى قول غيره وجهه أن يحمل على كون الفئة قليلة العدد، والذي ذكروا من أن الفرض إماتة الضغائن وسل الأحقاد دون ضمان الجنايات ليس بحسن الطباق للمأمور به من إعمال العدل ومراعاة القسط. قال في «الكشف»، لأن ما ذكروه من إماتة الأضغان داخل في قوله تعالى: {فَإِن فَاءتْ } لأنه من ضرورات التوبة، فإعمال العدل والقسط إنما يكون في تدارك الفرطات ثم قال: والأولى على قول الجمهور أن يقال: الإصلاح بالعدل أنه لا يضمن من الطرفين فإن الباغي معصوم الدم والمال مثل العادل لا سيما وقد تاب فكما لا يضمن العادل المتلف لا يضمنه الباغي الفائي، هذا مقتضى العدل لا تخصيص الضمان بطرف دون آخر. والآية نزلت في قتال وقع بين الأوس والخزرج. أخرج أحمد والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في «سننه» حديث : عن أنس قال: قيل للنبـي صلى الله عليه وسلم لو أتيت عبد الله بن أبـي فانطلق إليه وركب حماراً وانطلق المسلمون يمشون وهي أرض سبخة فلما انطلق إليه قال: إليك عني فوالله لقد آذاني ريح حمارك فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحاً منك فغضب لعبد الله رجال من قومه فغضب لكل منهما أصحابه فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال فأنزل الله تعالى فيهم: {وَإِن طَائِفَتَانِ } الآيةتفسير : ، وفي رواية حديث : أن النبـي عليه الصلاة والسلام كان متوجهاً إلى زيارة سعد بن عبادة في مرضه فمر على عبد الله بن أبـي بن سلول فقال ما قال فرد عليه عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه فتعصب لكل أصحابه فتقاتلوا فنزلت فقرأها صلى الله عليه وسلم عليهم فاصطلحوا وكان ابن روحة خزرجياً وابن أبـي أوسياً تفسير : . / وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن السدي قال: كان رجل من الأنصار يقال له عمران تحته امرأة يقال لها أم زيد وأنها أرادت أن تزور أهلها فحبسها زوجها وجعلها في علية له لا يدخل عليها أحد من أهلها وأن المرأة بعثت إلى أهلها فجاء قومها فأنزلوها لينطلقوا بها وكان الرجل قد خرج فاستعان أهله فجاء بنو عمه ليحولوا بين المرأة وأهلها فتدافعوا واجتلدوا بالنعال فنزلت فيهم هذه الآية: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ } فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصلح بينهم وفاءوا إلى أمر الله عز وجل. والخطاب فيها على ما في «البحر» لمن له الأمر وروي ذلك عن ابن عباس وهو للوجوب فيجب الإصلاح ويجب قتال الباغية ما قاتلت وإذا كفت وقبضت عن الحرب تركت، وجاء في حديث رواه الحاكم وغيره حكمها إذا تولت قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : يا ابن أم عبد هل تدري كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة؟ قال: الله تعالى ورسوله أعلم قال: لا يجهز على جريحها ولا يقتل أسيرها ولا يطلب هاربها ولا يقسم فيؤها»تفسير : وذكروا أن الفئتين من المسلمين إذا اقتتلا على سبيل البغي منهما جميعاً فالواجب أن يمشي بينهما بما يصلح ذات البين ويثمر المكافة والموادعة فإن لم يتحاجزا ولم يصطلحا وأقاما على البغي صيراً إلى مقاتلتهما، وأنهما إذا التحم بينهما القتال لشبهة دخلت عليهما وكلتاهما عند أنفسهما محقة فالواجب إزالة الشبهة بالحجج النيرة والبراهين القاطعة وإطلاعهما على مراشد الحق فإن ركبتا متن اللجاج ولم تعملا على شاكلة ما هديتا إليه ونصحتا به من اتباع الحق بعد وضوحه فقد لحقتا باللتين اقتتلا على سبيل البغي منهما جميعاً، والتصدي لإزالة الشبهة في الفئة الباغية إن كانت لازم قبل المقاتلة. وقيل: الخطاب لمن يتأتى منه الإصلاح ومقاتلة الباغي فمتى تحقق البغي من طائفة كان حكم إعانة المبغي عليه حكم الجهاد، فقد أخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ما وجدت في نفسي من شيء ما وجدت في نفسي من هذه الآية يعني {وَإِن طَائِفَتَانِ } الخ إني لم أقاتل هذه الفئة بالباغية كما أمرني الله تعالى ـ يعني بها معاوية ومن معه الباغين على علي كرم الله تعالى وجهه -. وصرح بعض الحنابلة بأن قتال الباغين أفضل من الجهاد احتجاجاً بأن علياً كرم الله تعالى وجهه اشتغل في زمان خلافته بقتالهم دون الجهاد. والحق أن ذلك ليس على إطلاقه بل إذا خشي من ترك قتالهم مفسدة عظيمة دفعها أعظم من مصلحة الجهاد. وظاهر الآية أن الباغي مؤمن لجعل الطائفتين الباغية والمبغي عليها من المؤمنين. نعم الباغي على الإمام ولو جائراً فاسق مرتكب لكبيرة إن كان بغيه بلا تأويل أو بتأويل قطعي البطلان. والمعتزلة يقولون في مثله: إنه فاسق مخلد في النار إن مات بلا توبة، والخوارج يقولون: إنه كافر، والإمامية أكفروا الباغي على علي كرم الله تعالى وجهه المقاتل له واحتجوا بما روي من قوله صلى الله عليه وسلم له: «حديث : حربك حربـي»تفسير : وفيه بحث. وقرأ ابن مسعود {حتى يفيؤا إلى أمر الله فإن فاؤا فخذوا بينهم بالقسط}.
ابن عاشور
تفسير : لما جرى قوله: {أية : أن تصيبوا قوماً بجهالة}تفسير : [الحجرات: 6] الآية كان مما يصدق عليه إصابة قوم أن تقع الإصابة بين طائفتين من المؤمنين لأن من الأخبار الكاذبة أخبار النميمة بين القبائل وخطرها أكبر مما يجري بين الأفراد والتبين فيها أعسر، وقد لا يحصل التبيّن إلا بعد أن تستعر نار الفتنة ولا تجدي الندامة. وفي «الصحيحين» عن أنس بن مالك: أن الآية نزلت في قصة مرور رسول الله صلى الله عليه وسلم على مجلس فيه عبد الله بنُ أبيّ ابنُ سلول ورسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم وبال الحمار، فقال عبد الله بن أُبَيّ: خلّ سبيل حمارك فقد آذانا نتنه. فقال له عبد الله بن رواحة: والله إن بول حماره لأطيَبُ من مسكك فاستَبَّا وتجالدا وجاء قوماهما الأوس والخزرج، فتجالدوا بالنعال والسعف فرجع إليهم رسول الله فأصلح بينهم... فنزلت هذه الآية. وفي «الصحيحين» عن أسامة بن زيد: وليس فيه أن الآية نزلت في تلك الحادثة. ويناكد هذا أن تلك الوقعة كانت في أول أيام قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة. وهذه السورة نزلت سنة تسع من الهجرة وأن أنس بن مالك لم يجزم بنزولها في ذلك لقوله: فبلغنا أن نزلت فيهم {وإنْ طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما}. اللهم أن تكون هذه الآية ألحقت بهذه السورة بعد نزول الآية بمدة طويلة. وعن قتاده والسدي: أنها نزلت في فتنة بين الأوس والخزرج بسبب خصومة بين رجل وامرأته أحدهما من الأوس والآخر من الخزرج انتصر لكل منهما قومه حتى تدافعوا وتناول بعضهم بعضاً بالأيدي والنعال والعصيّ فنزلت الآية فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فأصلح بينهما وهذا أظهر من الرواية الأولى فكانت حكماً عاماً نزل في سبب خاص. و {إنْ} حرف شرط يُخلّص الماضي للاستقبال فيكون في قوة المضارع وارتفع {طائفتان} بفعل مقدر يفسره قوله: {اقتتلوا} للاهتمام بالفاعل. وإنما عدل عن المضارع بعد كونه الأليق بالشرط لأنه لما أريد تقديم الفاعل على فعله للاهتمام بالمسند إليه جعل الفعل ماضياً على طريقة الكلام الفصيح في مثله مما أولِيَت فيه {إنْ} الشرطية الاسم نحو {أية : وإن أحد من المشركين استجارك}تفسير : [التوبة: 6]، {أية : وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً}تفسير : [النساء: 128]. قال الرضي «وحق الفعل الذي يكون بعد الاسم الذي يلي (إنْ) أن يكون ماضياً وقد يكون مضارعاً على الشذوذ وإنما ضعف مجيء المضارع لحصول الفصل بين الجازم وبين معموله». ويعود ضمير {اقتتلوا} على {طائفتان} باعتبار المعنى لأن طائفة ذات جمع، والطائفة الجماعة. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : فلتقم طائفة منهم معك} تفسير : في سورة النساء (102). والوجه أن يكون فعل اقتتلوا} مستعملاً في إرادة الوقوع مثل {أية : يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة}تفسير : [المائدة: 6] ومثل {أية : والذين يظاهرون من نسائهم ثم يَعُودون لما قالوا}تفسير : [المجادلة: 3]، أي يريدون العود لأن الأمر بالإصلاح بينهما واجب قبل الشروع في الاقتتال وذلك عند ظهور بوادره وهو أولى من انتظار وقوع الاقتتال ليمكن تدارك الخطب قبل وقوعه على معنى قوله تعالى: {أية : وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً}تفسير : [النساء: 128]. وبذلك يظهر وجه تفريع قوله: {فإن بغت إحداهما على الأخرى} على جملة {اقتتلوا}، أي فإن ابتدأتْ إحدى الطائفتين قتال الأخرى ولم تنصع إلى الإصلاح فقاتلوا الباغية. والبغي: الظلم والاعتداء على حق الغير، وهو هنا مستعمل في معناه اللغوي وهو غير معناه الفقهي فــ {التي تبغي} هي الطائفة الظالمة الخارجة عن الحق وإن لم تقاتل لأن بغيها يحمل الطائفة المبغِي عليها أن تدافع عن حقها. وإنما جعل حكم قتال الباغية أن تكون طائفة لأن الجماعة يعسر الأخذ على أيدي ظلمهم بأفراد من الناس وأعوانِ الشرطة فتعين أن يكون كفهم عن البغي بالجيش والسلاح. وهذا في التقاتل بين الجماعات والقبائل، فأما خروج فئة عن جماعة المسلمين فهو أشد وليس هو مورد هذه الآية ولكنها أصل له في التشريع. وقد بغى أهل الردة على جماعة المسلمين بغياً بغير قتال فقاتلهم أبو بكر رضي الله عنه، وبغى بغاة أهل مصر على عثمان رضي الله عنه فكانوا بغاةً على جماعة المؤمنين، فأبى عثمان قتالهم وكره أن يكون سبباً في إراقة دماء المسلمين اجتهاداً منه فوجب على المسلمين طاعته لأنه وليُّ الأمر ولم يَنفُوا عن الثوار حكم البغي. ويتحقق وصف البغي بإخبار أهل العلم أن الفئة بغت على الأخرى أو بحكم الخليفة العالم العدل، وبالخروج عن طاعة الخليفة وعن الجماعة بالسيف إذا أمر بغير ظلم ولا جور ولم تُخش من عصيانه فتنةٌ لأن ضر الفتنة أشد من شدّ الجور في غير إضاعة المصالح العامة من مصالح المسلمين، وذلك لأن الخروج عن طاعة الخليفة بغي على الجماعة الذين مع الخليفة. وقد كان تحقيق معنى البغي وصُورهُ غيرَ مضبوط في صدر الإسلام وإنما ضبطه العلماء بعد وقعة الجمل ولم تطل ثم بعد وقعة صفين، وقد كان القتال فيها بين فئتين ولم يكن الخارجون عن علي رضي الله عنه من الذين بايعوه بالخلافة، بل كانوا شرطوا لمبايعتهم إياه أخذ القَوَد من قتلة عثمان منهم، فكان اقتناع أصحاب معاوية مجالاً للاجتهاد بينهم وقد دارت بينهم كتب فيها حجج الفريقين ولا يعلم الثابت منها والمكذوب إذ كان المؤرخون أصحاب أهواء مختلفة. وقال ابن العربي: كان طلحة والزبير يريان البداءة بقتل قتلة عثمان أولى، إلا أن العلماء حققوا بعد ذلك أن البغي في جانب أصحاب معاوية لأن البيعة بالخلافة لا تقبل التقييد بشرط. وقد اعترف الجميع بأن معاوية وأصحابه كانوا مدافعين عن نظر اجتهادي مخطىء، وكان الواجب يقضى على جماعة من المسلمين الدعاء إلى الصلح بين الفريقين حسب أمر القرآن وجوب الكفاية فقد قيل: إن ذلك وقع التداعي إليه ولم يتم لانتقاض الحَرورية على أمر التحكيم فقالوا: لا حكم إلا لله ولا نحكم الرجال. وقيل: كيدت مكيدة بين الحَكَمين، والأخبار في ذلك مضطربة على اختلاف المتصدين لحكاية القضية من المؤرخين أصحاب الأهواء. والله أعلم بالضمائر. وسئل الحسن البصري عن القتال بين الصحابة فقال: شهد أصحاب محمد وغبنا وعلموا وجهلنا. وقال المُحاسبي: تَعلّم أن القوم كانوا أعلم بما دخلوا فيه مِنّا. والأمر في قوله: {فقاتلوا التي تبغي} للوجوب، لأن هذا حُكم بين الخصمين والقضاء بالحق واجب لأنه لحفظ حق المحق، ولأن ترك قتال الباغية يجرّ إلى استرسالها في البغي وإضاعة حقوق المبغي عليها في الأنفس والأحوال والأغراض والله لا يحب الفساد، ولأن ذلك يجرىء غيرها على أن تأتي مثل صَنيعها فمقاتلها زجر لغيرها. وهو وجوب كفاية ويتعين بتعيين الإمام جيشاً يوجهه لقتالها إذ لا يجوز أن يلي قتال البغاة إلا الأيمة والخلفاء. فإذا اختلّ أمر الإمامة فليتولَّ قتال البغاة السوادُ الأعظم من الأمة وعلماؤها. فهذا الوجوب مطلق في الأحوال تقيده الأدلة الدالة على عدم المصير إليه إذا علم أن قتالها يجرّ إلى فتنة أشد من بغيها. وقد تلتبس الباغية من الطائفتين المتقاتلتين فإن أسباب التقاتل قد تتولد من أمور لا يُؤْبَهُ بها في أول الأمر ثم تثور الثائرة ويتجالد الفريقان فلا يضبط أمر الباغي منهما، فالإصلاح بينهما يزيل اللبس فإن امتنعت إحداهما تعين البغي في جانبها لأن للإمام والقاضي أن يجبر على الصلح إذا خشي الفتنة ورأى بوارقها، وذلك بعد أن تُبيَّن لكلتا الطائفتين شبهتها إن كانت لها شبهة وَتُزال بالحجة الواضحة والبراهين القاطعة ومن يَأْب منهما فهو أعق وأظلم. وجعل الفَيْء إلى أمر الله غاية للمقاتلة، أي يستمر قتال الطائفة الباغية إلى غاية رجوعها إلى أمر الله، وأمر الله هو ما في الشريعة من العدل والكف عن الظلم، أي حتى تقلع عن بغيها، وأُتْبع مفهوم الغاية ببيان ما تُعامَل به الطائفتان بعد أن تفي الباغية بقوله: {فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل}، والباء للملابسة والمجرور حال من ضمير {اصلحوا}. والعدل: هو ما يقع التصالح عليه بالتراضي والإنصاف وأن لا يضر بإحدى الطائفتين فإن المتالف التي تلحق كلتا الطائفتين قد تتفاوت تفاوتا شديداً فتجب مراعاة التعديل. وقُيد الإصلاحُ المأمور به ثانياً بقيد أن تفيء الباغية بقيد {بالعدل} ولم يقيد الإصلاح المأمور به، وهذا القيد يقيد به أيضاً الإصلاح المأمور به أولاً لأن القيد من شأنه أن يعود إليه لاتحاد سبب المطلق والمقيد، أي يجب العدل في صورة الإصلاح فلا يضيعوا بصورة الصلح منافع عن كلا الفريقين إلا بقدر ما تقتضيه حقيقة الصلح من نزول عن بعض الحق بالمعروف. ثم أمر المسلمين بالعدل بقوله: {وأقسطوا} أمراً عاماً تذييلاً للأمر بالعدل الخاص في الصلح بين الفريقين، فشمل ذلك هذا الأمر العام أن يعدلوا في صورة ما إذا قاتلوا التي تبغي، ثم قال: {فإن فاءت فأصلحوا بينهما}. وهذا إصلاح ثان بعد الإصلاح المأمور به ابتداء. ومعناه: أن الفِئة التي خضعت للقوة وألقت السلاح تكون مكسورة الخاطر شاعرة بانتصار الفئة الأخرى عليها فأوجب على المسلمين أن يصلحوا بينهما بترغيبهما في إزالة الإحن والرجوع إلى أخُوَّة الإسلام لئلا يعود التنكر بينهما. قال أبو بكر بن العربي: ومن العدل في صلحهم أن لا يطالبوا بما جرى بينهم مدة القتال من دم ولا مال فإنه تلف على تأويل وفي طلبهم به تنفير لهم عن الصلح واستشراء في البغي وهذا أصل في المصلحة اهــ. ثم قال: لا ضمان عليهم في نفس ولا مال عندنا (المالكية). وقال أبو حنيفة يضمنون. وللشافعي فيه قولان. فأما ما كان قائماً رُدّ بعينه. وانظر هل ينطبق كلام ابن العربي على نوعي الباغية أو هو خاص بالباغية على الخليفة وهو الأظهر. فأما حكم تصرف الجيش المقاتل للبغاة فكأحوال الجهاد إلا أنه لا يقتل أسيرهم ولا يتَّبع مدبرهم ولا يذفّف على جريحهم ولا تسبى ذراريهم ولا تغنم أموالهم ولا تسترق أسراهم. وللفقهاء تفاصيل في أحوال جبر الأضرار اللاحقة بالفئة المعتدَى عليها والأضرار اللاحقة بالجماعة التي تتولى قتال البغاة فينبغي أن يؤخذ من مجموع أقوالهم ما يرى أولو الأمر المصلحة في الحمل عليها جرياً على قوله تعالى: {وأقسطوا إن الله يحب المقسطين}.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 9- وإن طائفتان من المؤمنين تقاتلوا فأصلحوا - أيها المؤمنون - بينهما، فإن تعدت إحداهما على الأخرى ورفضت الصلح معها فقاتلوا التى تتعدى إلى أن ترجع إلى حكم الله، فإن رجعت فأصلحوا بينهما بالإنصاف، واعدلوا بين الناس جميعاً فى كل الشئون، إن الله يحب العادلين. 10- إنما المؤمنون بالله ورسوله إخوة جمع الإيمان بين قلوبهم، فأصلحوا بين أخويكم رعاية لأخُوّة الإيمان، واجعلوا لأنفسكم وقاية من عذاب الله بامتثال أمره واجتناب نهيه راجين أن يرحمكم الله بتقواكم. 11- يا أيها الذّين آمنوا: لا يسخر رجال منكم من رجال آخرين، عسى أنْ يكونوا عند الله خيراً من الساخرين. ولا يسخر نساء مؤمنات من نساء مؤمنات عسى أن يكنَّ عند الله خيراً من الساخرات ولا يعب بعضكم بعضاً، ولا يدْعُ الواحد أخاه بما يستكره من الألقاب. بئس الذكر للمؤمنين أن يُذكروا بالفسوق بعد اتصافهم بالإيمان، ومن لم يرجع عمَّا نهى عنه فأولئك هم - وحدهم - الظالمون أنفسهم وغيرهم. 12- يا أيها الذين آمنوا: ابتعدوا عن كثير من ظن السوء بأهل الخير. إن بعض الظن إثم يستوجب العقوبة، ولا تتبعوا عورات المسلمين، ولا يذكر بعضكم بعضاً بما يكره فى غيبته. أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً، فقد كرهتموه؟! فاكرهوا الغيبة فإنها مماثلة له، وقوا أنفسكم عذاب الله بامتثال ما أمر، واجتناب ما نهى. إن الله عظيم فى قبول توبة التائبين ذو رحمة واسعة بالعالمين.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وإن طائفتان من المؤمنين: أي جماعاتان قلَّ أفرادهما أو كثروا من المسلمين. اقتتلوا فأصحلوا بينهما: أي هموا بالاقتتال أو باشروه فعلا فأصلحوا ما فسد بينهما. فإن بغت إحداهما على الأخرى: أي تعدت بعد المصالحة بأن رفضت ذلك ولم ترض بحكم الله. فقاتلوا التي تبغي حتى تفيىء إلى أمر الله: أي قاتلوا أيها المؤمنون مجتمعين الطائفة التي بغت حتى ترجع إلى الحق. فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل: أي رجعت إلى الحق بعد مقاتلتها فأصلحوا بينهما بالعدل أي بالحق. وأقسطوا إن الله يحب المقسطين: أي وأعدلوا في حكمكم إن الله يحب أهل العدل. إنما المؤمنون إخوة: أي في الدين الإِسلامي. فأصلحوا بين أخويكم: أي إذا تنازعا شيئا وتخاصما فيه. واتقوا الله لعلكم ترحمون: أي خافوا عقابه رجاء أن ترحموا إن أنتم اتقيتموه. لا يسخر قوم من قوم: أي لا يزدر قوم منكم قوما آخرين ويحتقرونهم. عسى أن يكونوا خيرا منهم: أي عند الله تعالى والعبرة بما عند الله لا ما عند الناس. ولا تلمزوا أنفسكم: أي لا تعيبوا بعضكم بعضا فإنكم كفرد واحد. ولا تنابزوا بالألقاب: أي لا يدعو بعضكم بعضا بلقب يكرهه نحو يا فاسق يا جاهل. بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان: أي قبح اسم الفسوق يكون للمرء بعد إيمانه وإسلامه. ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون: أي من لمز ونبز المؤمنين فأولئك البُعداء هم الظالمون. اجتنبوا كثيرا من الظن: أي التهم التي ليس لها ما يوجبها من الأسباب والقرائن. إن بعض الظن إثم: أي كظن السوء بأهل الخير من المؤمنين. ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا: أي لا تتبعوا عورات المسلمين وما بهم بالبحث عنها. أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا: أي لا يحسن به حب أكل لحم أخيه ميتا ولا حيا معا. فكرهتموه: أي وقد عرض عليكم الأول فكرهتموه فاكرهوا أي كما كرهتم أكل لحمه ميتا فاكرهوه حيا وهو الغيبة. وجعلناكم شعوبا وقبائل: أي جمع شعب والقبيلة دون الشعب. لتعارفوا: أي ليعرف بعضكم بعضا فتعارفوا لا للتفاخر بعلو الأنساب. إن أكرمكم عند الله أتقاكم: أي أشدكم تقوى لله بفعل أوامره وترك نواهيه هو أكرم عند الله. إن الله عليم خبير: أي عليم بكم وبأحوالكم خبير بما تكونون عليه من كمال ونقص لا يخفى عليه شيء من أشياء العباد. معنى الآيات: قوله تعالى {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ} الآيات ما زال السياق الكريم في طلب تأديب المسلمين وتربيتهم وإعدادهم للكمال الدنيوي والأخروي ففي الآيتين [9] و [10] من هذا السياق يرشد الله تعالى المسلمين إلى كيفية علاج مشكلة النزاع المسلح بين المسلمين الذي قد يحدث في المجتمع الإِسلامي بحكم الضعف الإِنساني من الوقت إلى الوقت وهو مما يكاد يكون من ضروريات الحياة البشرية وعوامله كثيرة لا حاجة إلى ذكرها فقال تعالى {وَإِن طَآئِفَتَانِ} أي جماعتان {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ} ولو كان ذلك بين اثنين فقط {فَأَصْلِحُواْ} أيها المسلمون {بَيْنَهُمَا} بالقضاء على أسباب الخلاف وترضية الطرفين بما هو حق وخير وليس هذا بصعب مع وجود قلوب مؤمنة وهداية ربانية وقوله {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا} أي اعتدت إحدى الطائفتين بعد الصلح {عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ} بأن رفضت حكم الله الذي قامت المصاحلة بموجبه {فَقَاتِلُواْ} مجتمعين {ٱلَّتِي تَبْغِي} أي تعتدي {حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ} أي إلى الحق {فَإِن فَآءَتْ} أي أذعنت للحق ورضيت به {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ وَأَقْسِطُوۤاْ} في حكمكم دائما وأبدا {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} وقوله تعالى في الآية [10] {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} يقرر تعالى الأخوة الإِسلامية ويقصر المؤمنين عليها قصرا فليس المؤمنون إلا إخوة لبعضهم بعضا ولذا وجب رَأبُ كلّ صدع وإصلاح كل فساد يظهر بين أفرادهم وعدم التساهل في ذلك {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في ذلك فلا تتوانوا أو تتساهلوا حتى تسفك الدماء المؤمنة ويتصدع بنيان الإِيمان والإِسلام في دياره وقوله {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} فلا يتصدع بنيانكم ولا تتشتت أمتكم وتصبح جماعات وطوائف متعادية يقتل بعضها بعضا. ولما لم يتق المؤمنون الله في الإِصلاح الفوري بين الطوائف الإسلامية المتنازعة حصل من الفساد والشر ما الله به عليم في الغرب الإِسلامي والشرق. وقوله في الآية [11] {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ} إذ من عوامل النزاع والتقاتل وأسبابهما سخرية المؤمن بأخيه واحتقاره لضعف حاله ورثاثة ثيابه وقلة ذات يده فحرم تعالى بهذه الآية على المسلم أن يحتقر أخاه المسلم ويزدريه منبهاً إلى أن من احتقر وازدرى به وسخر منه قد يكون غالبا خيرا عند الله من المحتقر له والعبرة بما عند الله لا بما عند الناس والرجال في هذا والنساء سواء فلا يحل لمؤمنة أن تزدري وتحتقر أختها المؤمنة عسى أن تكون عند الله خيرا منها منزلة والعبرة بالمنزلة عند الله لا عند الناس وكما حرم السخرية بالمؤمنين والمؤمنات لإِفضائها إلى العداوة والشحناء ثم التقاتل حرم كذلك اللمز والتنابز بالألقاب فقال تعالى {وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ} ومعنى لا تلمزوا أنفسكم أي لا يعب بعضكم بعضا بأي عيب من العيوب فإِنكم كشخص واحد فمن عاب أخاه المسلم كأنما عاب نفسه كما أن المعاب قد يرد العيب بعيب من عابه وهذا معنى ولا تلمزوا أنفسكم وقوله ولا تنابزوا بالألقاب أي لا يلقب المسلم أخاه بلقب يكرهه فإِن ذلك يفضي إلى العداوة والمقاتلة وقوله {بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ} أي قبح أشدَّ القبح أن يلقب المسلم بلقب الفسق بعد أن أصبح مؤمنا عدلا كاملا في أخلاقه وآدابه فلا يحل لمؤمن أن يقول لأخيه يا فاسق أو يا كافر أو يا عاهر أو يا فاسد، إذ بئس الاسم اسم الفسوق كما أن الملقب للمسلم بألقاب السوء يعد فاسقا وبئس الاسم له أن يكون فاسقاً بعد إيمانه بالله ولقائه والرسول وما جاء به، وقوله تعالى {وَمَن لَّمْ يَتُبْ} أي من احتقار المسلمين وازدرائهم وتلقيبهم بألقاب يكرهونها {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} المتعرضون لغضب الله وعقابه. وقوله في الآية [12] {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً} ينادي الله تعالى المسلمين بعنوان الإِيمان إذ به أصبحوا أحياء يسمعون ويبصرون ويقدرون على الفعل والترك إذ الإِيمان بمثابة الروح إذ احلت الجسم تحرك فأبصرت العين وسمعت الأذن ونطق اللسان وفهم القلب. فيقول {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ} وهو كل ظن ليس له ما يوجبه من القرائن والأحوال والملابسات المقتضية له، ويعلل هذا النهي المقتضى للتحريم فيقول {إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ} وذلك كظن السوء بأهل الخير والصلاح في الأمة فإِن ظن السوء فيهم قد يترتب عليه قول باطل أو فعل سوء أو تعطيل معروف، فيكون إثما كبيراً، وقوله {وَلاَ تَجَسَّسُواْ} أي لا تتبعوا عورات المسلمين ومعايبهم بالبحث عنها والاطلاع عليها لما في ذلك من الضرر الكبير، وقوله {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً} أي لا يذكر أحدكم أخاه في غيبته بما يكره وهنا يروى في الصحيح من الأحاديث ما معناه حديث : أن رجلا سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الغيبة فقال له ذكرك أخاك بما يكره فقال الرجل فإِن كان فيه ما يكره قال فإِن كان فيه ما يكره فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما يكره فقد بهته والبهتان أسوأ الغيبةتفسير : . وقوله أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا؟ والجواب لا قطعاً إذاً فكما عرض عليكم لَحْمُ أخيكم ميتا فكرهتموه فاكرهوا إذاً أكل لحمه حيّاً وهو عرضه والعرض أعز وأغلى من الجسم وقوله {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في غيبة بعضكم بعضا فإِن الغيبة من عوامل الدمار والفساد بين المسلمين، وقوله {إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} جملة تعليلية للأمر بالتوبة فأخبر تعالى أنه يقبل توبة التائبين وأنه رحيم بالمؤمنين ومن مظاهر ذلك أنه حرم الغيبة للمؤمن لما يحصل له بها من ضرر وأذى. وقوله تعالى في الآية [13] {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ} هذا نداء هو آخر نداءات الله تعالى عباده في هذه السورة وهو أعم من النداء بعنوان الإِيمان فقال {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ} من آدم وحواء باعتبار الأصل كما أن كل آدمي مخلوق من أبوين أحدهما ذكر والآخر أنثى {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ} وبطوناً وأفخاذاً وفصائل كل هذا لحكمة التعارف فلم يجعلكم كجنس الحيوان لا يعرف الحيوان الآخر ولكن جعلكم شعوباً وقبائل وعلائلات وأسر لحكمة التعارف المقتضي للتعاون إذ التعاون بين الأفراد ضروري لقيام مجتمع صالح سعيد فتعارفوا وتعاونوا ولا تتفرقوا لأجل التفاخر بالأنساب فإِنه لا قيمة للحسب ولا للنسب إذا كان المرء هابطا في نفسه وخلقه وفاسدا في سلوكه إن أكرمكم عند الله أتقاكم. إن الشرف والكمال فيما عليه الإنسان من زكاة روحه وسلامة خلقه وإصابة رأيه وكثرة معارفه وقوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} جملة تعليلية يبين فيها تعالى أنه عليم بالناس عليم بظواهرهم وبواطنهم وبما يكملهم ويسعدهم خيبر بكل شيء في حياتهم فليسلم له التشريع بالتحليل والتحريم والأمر والنهي فإِنه على علم بالحال والمآل وبما يسعد الإِنسان وبما يشقيه فآمنوا به وأطيعوه تكملوا وتسعدوا. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب مبادرة المسلمين إلى إصلاح ذات البين بينهم كلما حصل فساد أو خلل فيها. 2- وجوب تعاون المسلمين على تأديب أية جماعة تبغي وتعتدي حتى تفيىء إلى الحق. 3- وجوب الحكم بالعدل في قضية من قضايا المسلمين وغيرهم. 4- تقرير الأخوة الإِسلامية ووجوب تحقيقها بالقول والعمل. 5- حرمة السخرية واللمز والتنابز بين المسلمين. 6- وجوب اجتناب كل ظن لا قرينة ولا حال قوية تدعو إلى ذلك. 7- حرمة التجسس أي تتبع عورات المسلمين وكشفها وإطلاع الناس عليها. 8- حرمة الغيبة والنميمة. والنميمة هي نقل الحديث على وجه الإِفساد ولذا يجوز ذكر الشخص وهو غائب في مواطن هي التظلم بأن يذكر المسلم من ظلمه لازالة ظلمه، الاستعانة على تغيير المنكر بذكر صاحب المنكر. الاستفتاء نحو قول المستفتي ظلمني فلان بكذا فهل يجوز له ذلك، تحذير المسلمين من الشر بذكر فاعله قصد أن يحذروه، المجاهر بالفسق لا غيبة له، التعريف بلقب لا يعرف الرجل إلا به. 9- حرمة التفاخر بالأنساب ووجوب التعارف للتعاون. 10- لا شرف ولا كرم إلا بشرف التقوى وكرامتها {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ} وفي الحديث "حديث : لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى"تفسير : رواه الطبراني.
القطان
تفسير : الطائفة: الجماعة اقل من الفِرقة. فأصلحوا بينهما: بأية طريقة: بالنصيحة، بالتفاوض، بالتهديد، بكل وسيلة. فإن بغتْ: فان تعدت وجارت. تفيء: ترجع. أمر الله: الصلح فأصلحوا بينهما بالعدل: بازالة آثار القتال والخلاف، وبضمان ما تلف بحيث يكون الحكم عادلا. وأقسطوا: واعدلوا. الاخوة: في النسب، وقد جعلت الاخوة في الدين كالاخوة في النسب. والاخوان: في الصداقة. في هاتين الآيتين تشريعٌ عملي عظيم لصيانة المجتمع الاسلامي، وحمايته من الخصام والتفكك والتمزق. فبعدَ ان حذّر الله تعالى من النبأ الصادر عن الفاسق، وحثّ على التوثق من مصادر الأخبار، وعدم العجَلةِ والاندفاع وراء الحَمِيّة والحماسة الطائشة قال: إن حصل أن اقتتلتْ طائفتان من المؤمنين فإن على المؤمنين ان يقوموا بالاصلاح بينهما. فان تعدت احدى الطائفتين على الاخرى ولم تقبل الصلح، فعليهم ان يقاتلوا تلك التي تتعدى حتى ترجع الى حكم الله. فان قبلت الصلح ورجعت الى حكم الله، فأصلِحوا ايها المؤمنون بينهما بالعدل والانصاف حتى لا يتجدد القتال مرة اخرى. ثم امرنا الله تعالى بالعدل في كل الأمور فقال: {وَأَقْسِطُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} واعدِلوا ايها المؤمنون بين الناس جميعا في كل الأمور، ان الله يحب العادلين في جميع اعمالهم. انما المؤمنون بالله ورسوله إخوةٌ جَمَعَ الايمانُ بين قلوبهم ووحّدهم. وفي الحديث الصحيح: "حديث : المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يُسْلمه، ولا يَعيبُه، ولا يخذُله"تفسير : . فأصلحوا بين اخويكم رعايةً لأخوة الايمان، {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} واجعلوا لأنفسكم وقاية من عذاب الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه حتى يرحمكم، لتكونوا إخوة على الحب والسلام والتعاون والوحدة في مجتمعكم، وبذلك تكونون أقوياء أعزاء تحت راية الاسلام. قراءات: قرأ يعقوب: فاصلحوا بين اخوتكم، بالجمع. والباقون: بين أخَويكم بالتثنية. فان قاتلَ جماعة المؤمنين الفئةَ التي لم تقبل الصلح، فإنه لا يجوز ان يُجهز على جريح، ولا يقتل اسير، ولا يجوز ان يُتعقّب من هرب وترك المعركة، ولا تؤخذ اموال البغاة غنيمة، لأن الغرضَ من قتالهم ردُّهم الى صفّ المؤمنين، وضمُّهم إلى لواء الأخوّة الاسلامية.
د. أسعد حومد
تفسير : {طَآئِفَتَانِ} {إِحْدَاهُمَا} {فَقَاتِلُواْ} (9) - وإذَا اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمنينَ فَأصْلِحُوا - يَا أيُّها المُؤْمِنُونَ - بَينَهما بالعَدْلِ، وذَلِكَ بالدَّعْوةِ إلى حُكْمِ اللهِ، وَالرِّضَا بِمَا فيهِ، فإذا أبَتْ إِحْدَى هَاتَينِ الطَّائِفَتَينِ الإِجَابَةَ إلى حُكْمِ اللهِ، وَتَجَاوَزَتْ حُدُودَ العَدْلِ، وَأجَابتِ الأخْرى، فَقَاتِلُوا التي تَعْتَدِي وَتَأبى الإِجَابَةَ إلى حُكْمُ اللهِ، حَتَّى تَرْجِعَ إليهِ وَتَخْضَعَ لَهُ، فَإِنْ رَجَعَت الطَّائِفَةُ البَاغِيةُ إلى الرِّضَا بِحُكْم اللهِ، فَأصْلِحُوا بَينَهما بالعَدْلِ، وَاعْدِلُوا في حَكْمِكُم فإنَّ اللهَ يُحبُّ العَادِلينَ، وَيَجزِيِهْم أحْسَنَ الجَزَاءِ. بَغَتْ - اعتَدَتْ. تَفيءُ - تَرْجعُ. أقسِطُوا - اعدِلُوا في كُلِّ أمُورِكُمْ. المُقْسِطِينَ - العَادِلينَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كلمة {طَآئِفَتَانِ ..} [الحجرات: 9] مثنى طائفة وهي مفرد في اللفظ، وإنْ دَّلتْ في واقعها على الجمع مثل كلمة قوم، تُجمع طائفة على طوائف. وهذه الآية تقرر حكماً يتعلق بالحرب وضرورة الصلح بين الطائفتين المتحاربتين، حتى لا تستمر الحروب بين المؤمنين بعضهم البعض. ونلاحظ هنا أن لفظ {طَآئِفَتَانِ ..} [الحجرات: 9] مثنى. والقياس أن يقول: اقتتلتا لكن القرآن جمعها فقال: {ٱقْتَتَلُواْ ..} [الحجرات: 9] لماذا؟ قالوا: لأن الطائفة كتنظيم تتمثل في واحد، هو رئيس هذه الطائفة، لكن إذا دار القتال تقابل أفراد الطائفتين، فالقتال بمجموع الأفراد. بدليل أنه لما تحدَّث عن الصلح عاد إلى لفظ المثنى، فقال: {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا ..} [الحجرات: 9] لأن مجلس الصلح ليس بالضرورة أنْ يحضره جميع أفراد الطائفة، بل ينوب عنهم شخص واحد يعقد الصلح. {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ ..} [الحجرات: 9] أي: بعد أنْ تمّ الصلح وبغَتْ إحدى الطائفتين على الأخرى. يعني: تعدَّتْ وتجاوزتْ الحدَّ في العدوان ولم تحترم الصلح {فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي ..} [الحجرات: 9] أي: لردعها {حَتَّىٰ تَفِيۤءَ ..} [الحجرات: 9] ترجع {إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ ..} [الحجرات: 9] أي: إلى الحق. وهكذا أصبح لدينا ثلاث طوائف، طائفتان اقتتلتا، وطائفة تحكم بينهما بالصلح، ذلك لأن المجتمع المؤمن في مجموعة مؤتمنٌ على هذه المهمة، مهمة الحكم بين المتخاصمين، ولديه ما يؤهله للعدل وعدم الميل أو اتباع الأهواء في عملية الصلح، وإذا لم تتوافر هذه الشروط في الحكم لا يتم الصلح، بل تتفاقم الأمور وتزيد تعقيداً. ويكفي أن صاحب الهوى والميل في الحكومة بين الطرفين يسقط من نظر الجميع، حتى الفئة التي حكم لصالحها زوراً تمقته، لذلك قالوا عن شاهد الزور: ترتفع الرؤوس على الخصم بشهادته، وتدوس الأقدام على كرامته. وقوله تعالى: {فَإِن فَآءَتْ ..} [الحجرات: 9] أي: بعد القتال وعادتْ إلى الصواب، فعودوا أنتم إلى الصلح {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ وَأَقْسِطُوۤاْ ..} [الحجرات: 9] والمعنى: لا تتركوا الفئة التي فاءتْ إلى الحق دون أنْ تُصلحوا بينهما، صحيح هي عادتْ إلى الحق لكن ما زال الخلاف قائماً فلا بدَّ من الصلح حتى لا تفرخ حرباً أخرى وتبقى جذور الخلاف تتأجج في الصدور فتشعل المعارك من جديد. إذن: منعنا المعركة أولاً، ورددنا المظالم إلى أهلها، ونزعنا فتيل الحرب. وكلمة {وَأَقْسِطُوۤاْ ..} [الحجرات: 9] من أقسط يُقسط فهو مُقْسط أي: اعدلوا بينهما {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9] العادلين، وهناك قسَط يقسط فهو قاسط أي: جائر. ومنه قوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً}تفسير : [الجن: 15] فالهمزة في أقسط همزة إزالة. أي: أزال الجور والظلم.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَإِن فَآءَتْ} معناه رَجعَتْ. وقوله تعالى: {وَأَقْسِطُوۤاْ} معناه أَعدِلُوا.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن أحوال أهل القتال بقوله: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9]، يشير إلى أن المؤمن لا يخرج بالفسق عن الإيمان؛ لأن إحدى الطائفتين لا محالة فاسق إذا اقتتلتا وسماهما مؤمنين. ويشير أيضاً إلى: أن الإصلاح بين المسلمين إذا تفاسدوا من أعظم الطلبات، وأتم القربات. ويشير أيضاً إلى: وجود نصرة المظلوم؛ حيث قال: {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ} [الحجرات: 9]. ويشير أيضاً إلى: أن النفس إذا أظلمت على القلب باستيفاء شهواتها واستعلائها في فسادها، يجب أن يقاتل حتى تثخن بالجراحة بسيوف المجاهدة، فإن استجابت بالطاعة فيعفي عنها؛ لأنها هي المطية إلى باب الله، {وَأَقْسِطُوۤاْ} [الحجرات: 9] بين القلب والنفس؛ لئلا يظلم القلب على النفس، كما لا تظلم النفس على القلب؛ لأن لنفسك عليك حقاً، {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9]؛ أي: يؤدون إلى كل ذي حق حقه. {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: 10]، اعلم أن أخوة النسب إنما تثبت إذا كان منشأ النطف صلباً واحداً، فكذلك أخوة الدين منشأ نطفها صلب النبوة، وحقيقة نطفها نور الله فإصلاح ذات بينهم يرفع حجب أستار البشرية عن وجود القلوب؛ ليتصل النور بالنور من روزنة القلب؛ ليصيروا كنفس واحدة، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : المؤمنون كنفس واحدة إذا اشتكى عضو واحد تداعى سائر الجسد بالحمى والسهر"تفسير : ، فأما شرط الأخوة فمن الأخوة في الدين أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، وسترك ما ستره، وألاَّ يحوجه إلى الاستعانة بك والاستعانة تعيده، وتنصره ظالماً ومظلوماً، فمنعك إياه عن الظلم فذلك نصرك إياه، وألا تقصر في تفقد أحواله؛ بحيث يشكل عليك موضع حاجته، فيحتاج إلى مسألتك، ومن حقه ألاَّ تلجئه إلى الاعتذار بل تبسط عذره، فإن أشكل عليك وجهه عدت باللائمة على نفسك في خفاء عذره، وتتوب عنه إذا أذنب وتعوده إذا مرض، وإذا أشار إليك بشيء فلا تطالبه بالدليل وإيراد الحجة، كما قالوا: شعر : لا يَسأَلونَ أَخاهُم حينَ يَندُبُهُم في النائِباتِ عَلى ما قالَ بُرهانا إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهمو لأيّة حرب أم لأي مكانا تفسير : {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [الحجرات: 10] في إخوتكم في الدين، بحفظ عهودهم ورعاية حقوقهم في المشهد والمغيب والحياة والممات، {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10]، كما ترحمون. ثم أخبر عن قوم يسخرون بمن يسخرون بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ} [الحجرات: 11]، يشير إلى أنه لا عبرة بظاهر الخلق، فلا ينظرون إلى أحد بنظر الازدراء والاستهانة والاستخفاف والاستحقار؛ ولأن في استحقار أخيك عجب نفسك مودع، كما نظر إبليس بنظر الحقارة إلى آدم عليه السلام، فأعجب بنفسه فقال: {أية : أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} تفسير : [الأعراف: 12]، فلعن إلى الأبد لهذا المعنى فمن حقر أخاه المسلم، فإنهم مخصوصون بهذا الاسم، كما قال تعالى: {أية : فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54]؛ يعني: لا ينظر المنتهى من أرباب الطلب بنظر الحقارة إلى المبتدئ والمتوسط، {عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ}، فإن الأمور بخواتيمها؛ ولهذا قال: "حديث : أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري"تفسير : ، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ربَّ أشعت أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره"تفسير : ، وبالنساء يشير إلى عوام المسلمين؛ لأنه تعالى يعبره عن الخواص بالرجال لقوله تعالى: {أية : رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [النور: 37]. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ} [الحجرات: 12]، {وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ} [الحجرات: 11] إلى هذا المعنى يشير. ثم يقول: كان للملائكة شركة مع إبليس في قولهم لآدم: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ...} تفسير : [البقرة: 30]، كان في نظرهم إليه بالحقارة إعجاب أنفسهم مودعاً، ولكن الملائكة لم يصروا على ذلك الإعجاب، وتابوا إلى الله ورجعوا مما قالوا، فعالجهم الله بإسجادهم آدم عليه السلام؛ لأن في السجود غاية الهوان والذلة للساجد، وغاية العظمة والعزة للمسجود، فلما كان في تحقير آدم هوانه وذله وعزة الملائكة وعظمتهم فأمرهم بالسجود؛ لأن العلاج بأضدادها فزال عنهم علة العجب، وقد أصر إبليس على قوله وفعله، ولم يتب فأهلكه الله بالطرد واللعنة، فكذلك حال من ينظر إلى أخيه المسلم بنظر الحقارة، ولا ينتهي عما نهاه الله تعالى بقوله: {وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} [الحجرات: 11]، وإنما قال: {أَنفُسَكُمْ}؛ لأن المؤمنين أنفسهم واحدة إن عملوا شراً إلى أحد؛ فقد عملوا إلى أنفسهم، كما قال تعالى: {أية : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ...}تفسير : [الإسراء: 7] الآية. {وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ} [الحجرات: 11]؛ أي: بألقاب فيها شين لدينهم، {بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ} [الحجرات: 11]؛ أي: يخرجهم من الإيمان، {وَمَن لَّمْ يَتُبْ} [الحجرات: 11]؛ يعني: من مقالة إبليس وفعاله بأن ينظر إلى نفسه بالعجب وإلى غيره بالحقارة، {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11]، فيكونوا منخرطين في سلك اللعنة والطرد مع إبليس، كما قال: {أية : أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [هود: 18]. ثم أخبر عن الاجتناب عن قومه من الظن بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ} [الحجرات: 12]، وتمامها {إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} [الحجرات: 12]. قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ} [الحجرات: 13]، يشير إلى خلق القلوب إنها خلقت من: ذكر وهو الروح، وأنثى وهي النفس، {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ} [الحجرات: 13]؛ أي: جعلناها صنفين: صنف منها شعوباً وهي التي تميل إلى أمها، وهي النفس والغالب عليها صفات الروح؛ {لِتَعَارَفُوۤاْ} [الحجرات: 13] أصحاب القلوب وأرباب النفوس، لا ليتكاثروا ويتنافسوا ويتشابهوا بالعقول والأخلاق الروحانية الطبيعية، فإنها ظلمانية لا يصلح شيء منها للتفاخر به ما لم يقرن به الإيمان والتقوى، فإن تنورت الأفعال والأخلاق والأحوال بنور الإيمان والتقوى، ولم تكن الأفعال منسوبة بالرياء، ولا الأخلاق مصحوبة بالأهواء، ولا الأحوال منسوبة إلى الإعجاب؛ فعند ذلك تصلح للتفاخر والمباهات بها، كما قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13]، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الكرم التقوى"تفسير : ، وأتقاهم من يكون أبعدهم من الأخلاق الإنسانية وأقربهم إلى الأخلاق الربانية والتقوى التحرز، والمتقي من يتحرز عن نفسه بربه، وهو الذي أكرم على الله من غيره.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا متضمن لنهي المؤمنين، [عن] أن يبغي بعضهم على بعض، ويقاتل بعضهم بعضًا، وأنه إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين، فإن على غيرهم من المؤمنين أن يتلافوا هذا الشر الكبير، بالإصلاح بينهم، والتوسط بذلك على أكمل وجه يقع به الصلح، ويسلكوا الطريق الموصلة إلى ذلك، فإن صلحتا، فبها ونعمت، وإن { بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ } أي: ترجع إلى ما حد الله ورسوله، من فعل الخير وترك الشر، الذي من أعظمه، الاقتتال، [وقوله] { فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ } هذا أمر بالصلح، وبالعدل في الصلح، فإن الصلح، قد يوجد، ولكن لا يكون بالعدل، بل بالظلم والحيف على أحد الخصمين، فهذا ليس هو الصلح المأمور به، فيجب أن لا يراعى أحدهما، لقرابة، أو وطن، أو غير ذلك من المقاصد والأغراض، التي توجب العدول عن العدل، { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } أي: العادلين في حكمهم بين الناس وفي جميع الولايات، التي تولوها، حتى إنه، قد يدخل في ذلك عدل الرجل في أهله، وعياله، في أدائه حقوقهم، وفي الحديث الصحيح: "حديث : المقسطون عند الله، على منابر من نور الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم، وما ولوا ". تفسير : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } هذا عقد، عقده الله بين المؤمنين، أنه إذا وجد من أي شخص كان، في مشرق الأرض ومغربها، الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، فإنه أخ للمؤمنين، أخوة توجب أن يحب له المؤمنون، ما يحبون لأنفسهم، ويكرهون له، ما يكرهون لأنفسهم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم آمرًا بحقوق الأخوة الإيمانية: "حديث : لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا يبع أحدكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا المؤمن أخو المؤمن، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم حديث : "المؤمن للمؤمن، كالبنيان يشد بعضه بعضًا" وشبك صلى الله عليه وسلم بين أصابعه . تفسير : ولقد أمر الله ورسوله، بالقيام بحقوق المؤمنين، بعضهم لبعض، وبما به يحصل التآلف والتوادد، والتواصل بينهم، كل هذا، تأييد لحقوق بعضهم على بعض، فمن ذلك، إذا وقع الاقتتال بينهم، الموجب لتفرق القلوب وتباغضها [وتدابرها]، فليصلح المؤمنون بين إخوانهم، وليسعوا فيما به يزول شنآنهم. ثم أمر بالتقوى عمومًا، ورتب على القيام بحقوق المؤمنين وبتقوى الله، الرحمة [ فقال: { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } وإذا حصلت الرحمة، حصل خير الدنيا والآخرة، ودل ذلك، على أن عدم القيام بحقوق المؤمنين، من أعظم حواجب الرحمة. وفي هاتين الآيتين من الفوائد، غير ما تقدم: أن الاقتتال بين المؤمنين مناف للأخوة الإيمانية، ولهذا، كان من أكبر الكبائر، وأن الإيمان، والأخوة الإيمانية، لا تزول مع وجود القتال كغيره من الذنوب الكبار، التي دون الشرك، وعلى ذلك مذهب أهل السنة والجماعة، وعلى وجوب الإصلاح، بين المؤمنين بالعدل، وعلى وجوب قتال البغاة، حتى يرجعوا إلى أمر الله، وعلى أنهم لو رجعوا، لغير أمر الله، بأن رجعوا على وجه لا يجوز الإقرار عليه والتزامه، أنه لا يجوز ذلك، وأن أموالهم معصومة، لأن الله أباح دماءهم وقت استمرارهم على بغيهم خاصة، دون أموالهم.
همام الصنعاني
تفسير : 2924- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا هشيم، عن أبي بشر، عن مجاهد في قوله: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ}: [الآية: 9]، قالَ: كانا رَجُلَيْنِ. 2931- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الحسن: أن قَوْماً من المسلمين كان بينهم تنازع، حتى اضطربوا بالنِّعَال، والأَيْدِي، فَأُنْزِلَ فيهم: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ}: [الآية: 9]. 2932- قال معمر، وقال قتادة: وكان رجلاً بينهما حقٌ تدارءا فيه، وقال أحدهم: لآخذنّه عنوةً بكثرة عشيريته، وقال الآخر: بيني وبينك رسول الله؛ فتنازعا حتى كَانَ بينهما ضرب بالنِّعال والأيدي.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):