٤٩ - ٱلْحُجُرَات
49 - Al-Hujurat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
11
Tafseer
الرازي
تفسير : وقد بينا أن السورة للإرشاد بعد إرشاد فبعد الإرشاد إلى ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن مع الله تعالى ومع النبي صلى الله عليه وسلم ومع من يخالفهما ويعصيهما وهو الفاسق، بين ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن مع المؤمن، وقد ذكرنا أن المؤمن إما أن يكون حاضراً وإما أن يكون غائباً، فإن كان حاضراً فلا ينبغي أن يسخر منه ولا يلتفت إليه بما ينافي التعظيم، وفي الآية إشارة إلى أمور ثلاثة مرتبة بعضها دون بعض وهي السخرية واللمز والنبز، فالسخرية هي أن لا ينظر الإنسان إلى أخيه بعين الإجلال ولا يلتفت إليه ويسقطه عن درجته، وحينئذ لا يذكر ما فيه من المعايب، وهذا كما قال بعض الناس تراهم إذا ذكر عندهم عدوهم يقولون هو دون أن يذكر، وأقل من أن يلتفت إليه، فقال لا تحقروا إخوانكم ولا تستصغروهم الثاني: هو اللمز وهو ذكر ما في الرجل من العيب في غيبته وهذا دون الأول، لأن في الأول لم يلتفت إليه ولم يرض بأن يذكره أحد وإنما جعله مثل المسخرة الذي لا يغضب له ولا عليه الثالث: هو النبز وهو دون الثاني، لأن في هذه المرتبة يضيف إليه وصفاً ثابتاً فيه يوجب بغضه وحط منزلته، وأما النبز فهو مجرد التسمية وإن لم يكن فيه وذلك لأن اللقب الحسن والاسم المستحسن إذا وضع لواحد وعلق عليه لا يكون معناه موجوداً فإن من يسمى سعداً وسعيداً قد لا يكون كذلك، وكذا من لقب إمام الدين وحسام الدين لا يفهم منه أنه كذلك وإنما هو علامة وزينة، وكذلك النبز بالمروان ومروان الحمار لم يكن كذلك وإنما كان ذلك سمة ونسبة، ولا يكون اللفظ مراداً إذا لم يرد به الوصف كما أن الأعلام كذلك، فإنك إذا قلت لمن سمي بعبد الله أنت عبد الله فلا تعبد غيره، وتريد به وصفه لا تكون قد أتيت باسم علمه إشارة، فقال لا تتكبروا فتستحقروا إخوانكم وتستصغروهم بحيث لا تلتفتوا إليهم أصلاً وإذا نزلتم عن هذا من النعم إليهم فلا تعيبو (هم) طالبين حط درجتهم والغض عن منزلتهم، وإذا تركتم النظر في معايبهم ووصفهم بما يعيبهم فلا تسموهم بما يكرهونه ولا تهولوا هذا ليس بعيب يذكر فيه إنما هو اسم يتلفظ به من غير قصد إلى بيان صفة وذكر في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله {لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ } القوم اسم يقع على جمع من الرجال ولا يقع على النساء ولا على الأطفال لأنه جمع قائم كصوم جمع صائم، والقائم بالأمور هم الرجال فعلى هذا الأقوام الرجال لا النساء فائدة: وهي أن عدم الالتفات والاستحقار إنما يصدر في أكثر الأمر من الرجال بالنسة إلى الرجال، لأن المرأة في نفسها ضعيفة، فإذا لم يلتفت الرجال إليها لا يكون لها أمر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : النساء لحم على وضم إلا ما رددت عنه» تفسير : وأما المرأة فلا يوجد منها استحقار الرجل وعدم التفاتها إليه لاضطرارها في دفع حوائجها (إليه)، وأما الرجال بالنسبة إلى الرجال والنساء بالنسبة إلى النساء فيوجد فيهم هذا النوع من القبح وهذا أشهر. المسألة الثانية: قال في الدرجة العالية التي هي نهاية المنكر {عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مّنْهُمْ } كسراً له وبغضاً لنكره، وقال في المرتبة الثانية {لا تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } جعلهم كأنفسهم لما نزلوا درجة رفعهم الله درجة وفي الأول جعل المسخور منه خيراً، وفي الثاني جعل المسخور منه مثلاً، وفي قوله {عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مّنْهُمْ } حكمة وهي أنه وجد منهم النكر الذي هو مفض إلى الإهمال وجعل نفسه خيراً منهم كما فعل إبليس حيث لم يلتفت إلى آدم وقال: {أية : أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ } تفسير : [الأعراف: 12] فصار هو خيراً، ويمكن أن يقال المراد من قوله {أَن يَكُونُواْ } يصيروا فإن من استحقر إنساناً لفقره أو وحدته أو ضعفه لا يأمن أن يفتقر هو ويستغني الفقير، ويضعف هو ويقوى الضعيف. المسألة الثالثة: قال تعالى: {قَوْمٌ مّن قَوْمٍ } ولم يقل نفس من نفس، وذلك لأن هذا فيه إشارة إلى منع التكبر والمتكبر في أكثر الأمر يرى جبروته على رؤوس الأشهاد، وإذا اجتمع في الخلوات مع من لا يلتفت إليه في الجامع يجعل نفسه متواضعاً، فذكرهم بلفظ القوم منعاً لهم عما يفعلونه. المسألة الرابعة: قوله تعالى: {وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } فيه وجهان أحدهما: أن عيب الأخ عائد إلى الأخ فإذا عاب عائب نفساً فكأنما عاب نفسه وثانيهما: هو أنه إذا عابه وهو لا يخلو من عيب يحاربه المعيب فيعيبه فيكون هو بعيبه حاملاً للغير على عيبه وكأنه هو العائب نفسه وعلى هذا يحمل قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [النساء: 29] أي إنكم إذا قتلتم نفساً قتلتم فتكونوا كأنكم قتلتم أنفسكم ويحتمل وجهاً آخر ثالثاً وهو أن تقول لا تعيبوا أنفسكم أي كل واحد منكم فإنكم إن فعلتم فقد عبتم أنفسكم، أي كل واحد عاب كل واحد فصرتم عائبين من وجه معيبين من وجه، وهذا الوجه ههنا ظاهر ولا كذلك في قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ }. المسألة الخامسة: إن قيل قد ذكرتم أن هذا إرشاد للمؤمنين إلى ما يجب أن يفعله المؤمن عند حضوره بعد الإشارة إلى ما يفعله في غيبته، لكن قوله تعالى: {وَلاَ تَلْمِزُواْ } قيل فيه بأنه العيب خلف الإنسان والهمز هو العيب في وجه الإنسان، نقول ليس كذلك بل العكس أولى، وذلك لأنا إذا نظرنا إلى قلب الحروف دللن على العكس، لأن لمز قلبه لزم وهمز قلبه هزم، والأول: يدل على القرب، والثاني: على البعد، فإن قيل اللمز هو الطعن والعيب في الوجه كان أولى مع أن كل واحد قيل بمعنى واحد. المسألة السادسة: قال تعالى: {وَلاَ تَنَابَزُواْ } ولم يقل لا تنبزوا، وذلك لأن اللماز إذا لمز فالملموز قد لا يجد فيه في الحال عيباً يلمزه به، وإنما يبحث ويتبعه ليطلع منه على عيب فيوجد اللمز من جانب، وأما النبز فلا يعجز كل واحد عن الإتيان به، فإن من نبز غيره بالحمار وهو ينبزه بالثور وغيره، فالظاهر أن النبز يفضي في الحال إلى التنابز ولا كذلك اللمز. وقوله تعالى: {بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإِيمَانِ }. قيل فيه إن المراد {بِئْسَ } أن يقول للمسلم يا يهودي بعد الإيمان أي بعد ما آمن فبئس تسميته بالكافر، ويحتمل وجهاً أحسن من هذا: وهو أن يقال هذا تمام للزجر، كأنه تعالى قال: يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم ولا تلمزوا ولا تنابزوا فإنه إن فعل يفسق بعد ما آمن، والمؤمن يقبح منه أن يأتي بعد إيمانه بفسوق فيكون قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ } تفسير : [الأنعام: 82] ويصير التقدير بئس الفسوق بعد الإيمان، وبئس أن تسموا بالفاسق بسبب هذه الأفعال بعد ما سميتموهم مؤمنين. قال تعالى: {وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } وهذا يحتمل وجهين أحدهما: أن يقال هذه الأشياء من الصغائر فمن يصر عليه يصير ظالماً فاسقاً وبالمرة الواحدة لا يتصف بالظلم والفسق فقال ومن لم يترك ذلك ويجعله عادة فهو ظالم وثانيهما: أن يقال قوله تعالى: {لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ } {وَلاَ تَلْمِزُواْ } {وَلاَ تَنَابَزُواْ } منع لهم عن ذلك في المستقبل، وقوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَتُبْ } أمرهم بالتوبة عما مضى وإظهار الندم عليها مبالغة في التحذير وتشديداً في الزجر، والأصل في قوله تعالى: {وَلاَ تَنَابَزُواْ } لا تتنابزوا أسقطت إحدى التاءين، كما أسقط في الاستفهام إحدى الهمزتين فقال: {أية : سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُم } تفسير : [البقرة: 6] والحذف ههنا أولى لأن تاء الخطاب وتاء الفاعل حرفان من جنس واحد في كلمة وهمزة الاستفهام كلمة برأسها وهمزة أنذرتهم أخرى واحتمال حرفين في كلمتين أسهل من احتماله في كلمة، ولهذا وجب الإدغام في قولنا: مد، ولم يجب في قولنا امدد، و (في) قولنا: مر، (دون) قوله: أمر ربنا.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ} فيه أربع مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ} قيل عند الله. وقيل «خَيْراً مِنْهُمْ» أي معتقَداً وأسلم باطناً. والسُّخْرِية الاْستهزاء. سَخِرت منه أسْخَر سَخَراً بالتحريك ومَسْخَراً وسُخْراً بالضم. وحكى أبو زيد سَخِرت به؛ وهو أردأ اللغتين. وقال الأخفش: سَخِرْت منه وسَخِرت به، وضَحِكت منه وضَحكت به، وهَزِئت منه وهزِئت به؛ كلٌّ يقال. والاْسم السُّخْرِية والسُّخْرِي؛ وقرىء بهما قوله تعالى: {أية : لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً}تفسير : [الزخرف:2 3] وقد تقدّم. وفلان سُخْرَة؛ يُتَسَخَّر في العمل. يقال: خادم سُخْرة. ورجل سُخْرة أيضاً يُسخر منه. وسُخَرة (بفتح الخاء) يسخر من الناس. الثانية ـ وٱختلف في سبب نزولها؛ فقال ابن عباس: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس كان في أذنه وَقْر؛ فإذا سبقوه إلى مجلس النبيّ صلى الله عليه وسلم أوسعوا له إذا أتى حتى يجلس إلى جنبه ليسمع ما يقول؛ فأقبل ذات يوم وقد فاتته من صلاة الفجر ركعة مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلما ٱنصرف النبيّ صلى الله عليه وسلم أخذ أصحابه مجالسهم منه؛ فَرَبَض كل رجل منهم بمجلسه، وعَضُّوا فيه فلا يكاد يوسع أحد لأحد حتى يَظَل الرجل لا يجد مجلساً فيظل قائماً؛ فلما انصرف ثابت من الصلاة تخطى رقاب الناس ويقول: تفسّحوا تفسّحوا؛ ففسحوا له حتى انتهى إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وبينه وبينه رجل فقال له: تفسح. فقال له الرجل: قد وجدتَ مجلساً فٱجلسٰ فجلس ثابت من خلفه مُغْضَباً، ثم قال: من هذا؟ قالوا فلان؛ فقال ثابت: ابن فلانةٰ يعيّره بها؛ يعني أُمًّا له في الجاهلية؛ فاستحيا الرجل؛ فنزلت. وقال الضحاك: نزلت في وفد بني تميم الذي تقدم ذكرهم في أوّل «السورة» ٱستهزءوا بفقراء الصحابة؛ مثل عَمّار وخبّاب وابن فُهيرة وبِلال وصُهيب وسلمان وسالم مَوْلى أبي حُذيفة وغيرِهم؛ لما رأوا من رثاثة حالهم؛ فنزلت في الذين آمنوا منهم. وقال مجاهد: هو سخرية الغني من الفقير. وقال ابن زيد: لا يسخر من ستر الله عليه ذنوبه ممن كشفه الله؛ فلعل إظهار ذنوبه في الدنيا خير له في الآخرة. وقيل: نزلت في عِكرمة بن أبي جهل حين قدم المدينة مسلماً؛ وكان المسلمون إذا رأوه قالوا ابن فرعون هذه الأمة. فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. وبالجملة فينبغي ألا يجترىء أحد على الاْستهزاء بمن يقتحمه بعينه إذا رآه رَثّ الحال أو ذا عاهة في بدنه أو غير لَبِيق في محادثته؛ فلعله أخلص ضميراً وأنقى قلباً ممن هو على ضدّ صفته؛ فيظلم نفسه بتحقير من وقَّره الله، والاستهزاء بمن عظّمه الله. ولقد بلغ بالسّلف إفراط توقّيهم وتصوّنهم من ذلك أن قال عمرو بن شَرَحْبِيل: لو رأيتُ رجلاً يرضع عنزاً فضحكت منه لخشيت أن أصنع مثل الذي صنع. وعن عبد الله بن مسعود: البلاء مُوَكّل بالقول؛ لو سخرت من كلب لخشيت أن أحوَّل كلباً. و «قوم» في اللغة للمذكّرين خاصة. قال زهير:شعر : وما أدري وسوف إخال أدري أقوم آلِ حصن أم نساء تفسير : وسُمُّوا قوماً لأنهم يقومون مع داعيهم في الشدائد. وقيل: إنه جمع قائم، ثم استعمل في كل جماعة وإن لم يكونوا قائمِين. وقد يدخل في القوم النساء مجازاً، وقد مضى في «البقرة» بيانه. الثالثة ـ قوله تعالى: {وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ} أفرد النساء بالذكر لأن السّخرية منهن أكثر. وقد قال الله تعالى: {أية : إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ}تفسير : [نوح: 1] فشمل الجميع. قال المفسرون: نزلت في ٱمرأتين من أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم سَخِرتا من أمّ سلمة، وذلك أنها ربطت خَصْرَيْها بسَبِيبة ـ وهو ثوب أبيض، ومثلها السِّبّ ـ وسدلت طرفيها خلفها فكانت تجرها؛ فقالت عائشة لحفصة رضي الله عنهما: ٱنظري! ما تجرُّ خلفها كأنه لسان كلب؛ فهذه كانت سخريتهما. وقال أنس وابن زيد: نزلت في نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم، عَيَّرن أمّ سلمة بالقِصر. وقيل: نزلت في عائشة، أشارت بيدها إلى أم سَلمة، يا نبيّ الله إنها لقصيرة. وقال عكرمة عن ابن عباس: حديث : إن صفية بنت حُيَيّ بن أخْطب أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن النساء يُعَيِّرْنَنِي، ويقلن لي يا يهودية بنت يهودّيين! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هَلاّ قلت إن أبي هارون وإن عمي موسى وإن زوجي محمد»تفسير : . فأنزل الله هذه الآية. الرابعة ـ في صحيح الترمذي حديث : عن عائشة قالت: حَكَيت للنبيّ صلى الله عليه وسلم رجلاً؛ فقال: «ما يسرني أني حَكَيت رجلاً وأن لي كذا وكذا». قالت فقلت: يا رسول الله، إن صفية امرأة ـ وقالت بيدها ـ هكذا؛ يعني أنها قصيرة. فقال: «لقد مزجت بكلمةٍ لو مُزج بها البحر لمزج»تفسير : . وفي البخارِيّ عن عبد الله بن زَمْعة قال: حديث : نهى النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يضحك الرجل مما يخرج من الأنْفس. وقال: «لِم يضربُ أحدكم ٱمرأته ضَرْبَ الفَحْل ثم لعله يعانقها»تفسير : . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»تفسير : . وهذا حديث عظيم يترتب عليه ألا يقطع بعيب أحد لما يرى عليه من صور أعمال الطاعة أو المخالفة؛ فلعل من يحافظ على الأعمال الظاهرة يعلم الله من قلبه وَصْفاً مذموماً لا تصح معه تلك الأعمال. ولعل من رأينا عليه تفريطاً أو معصية يعلم الله من قلبه وَصفاً محموداً يغفر له بسببه. فالأعمال أمارات ظنية لا أدلة قطعية. ويترتب عليها عدم الغلوّ في تعظيم من رأينا عليه أفعالاً صالحة، وعدم الاحتقار لمسلم رأينا عليه أفعالاً سيئة. بل تُحتقر وتُذم تلك الحالة السيئة، لا تلك الذات المسيئة. فتدبر هذا، فإنه نظر دقيق، وبالله التوفيق. قوله تعالى: {وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} فيه ثلاث مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} اللَّمْزُ: العَيْب؛ وقد مضى في «براءة» عند قوله تعالى: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ}تفسير : [التوبة:58 ]. وقال الطبري: اللَّمْزُ باليد والعين واللسان والإشارة. والْهَمْزُ لا يكون إلا باللسان. وهذه الآية مثلُ قولِه تعالى: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ}تفسير : [النساء:9 2] أي لا يقتل بعضكم بعضاً؛ لأن المؤمنين كنفس واحدة، فكأنه بقتل أخيه قاتل نفسه. وكقوله تعالى: {أية : فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ}تفسير : [النور:1 6] يعني يسلّم بعضكم على بعض. والمعنى: لا يَعِبْ بعضكم بعضاً. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جُبير: لا يطعن بعضكم على بعض. وقال الضحاك: لا يَلْعَن بعضكم بعضاً. وقرىء: «ولا تَلْمُزُوا» بالضم. وفي قوله: «أَنْفسَكُم» تنبيه على أن العاقل لا يعيب نفسه، فلا ينبغي أن يعيب غيره لأنه كنفسه؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : المؤمنون كجسد واحد إن ٱشتكى عضو منه تداعَى له سائر الجسد بالسَّهَر والحُمَّى»تفسير : . وقال بكر بن عبد الله المزني: إذا أردت أن تنظر العيوب جَمَّةً فتأمل عَيَّاباً؛ فإنه إنما يعيب الناس بفضل ما فيه من العيب. وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : يبصر أحدكم القَذاة في عين أخيه ويدع الجِذْع في عينه»تفسير : . وقيل: من سعادة المرء أن يشتغل بعيوب نفسه عن عيوب غيره. قال الشاعر:شعر : المرء إن كان عاقلاً ورِعاً أشغله عن عيوبه وَرَعُهُ كما السقِيم المريض يشغله عن وجع الناس كلهم وَجَعُه تفسير : وقال آخر:شعر : لا تكشفن مساوي الناسِ ما ستروا فيهتك الله ستراً عن مَساوِيكَا وٱذكر محاسن ما فيهم إذا ذُكروا ولا تعب أحداً منهم بما فيكا تفسير : الثانية ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ} النَّبَزُ بالتحريك اللقب؛ والجمع الأنباز. والنَّبْزُ بالتسكين المصدر؛ تقول: نَبَزَه يَنْبِزُه نَبْزاً؛ أي لَقّبه. وفلان يُنَبِّز بالصبيان أي يلقبهم؛ شُدد للكثرة. ويقال النَّبَزُ والنَّزَب لَقَبُ السوء. وتنابزوا بالألقاب: أي لَقّب بعضُهم بعضاً. وفي الترمذيّ عن أبي جُبيرة بن الضحاك قال: كان الرجل منا يكون له الاْسمين والثلاثة فيُدعَى ببعضها فعسى أن يكره؛ فنزلت هذه الآية: «وَلاَ تَنَابَزُوا بِاْلأَلْقَابِ». قال: هذا حديث حسن. وأبو جُبيرة هذا هو أخو ثابت بن الضحاك بن خليفة الأنصاري. وأبو زيد سعيد بن الربيع صاحب الهَرَوِي ثِقة. وفي مصنّف أبي داود عنه قال: فينا نزلت هذه الآية، في بني سلمة {وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ} قال: قدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس منا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة؛ فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يا فلان فيقولون مَهْ يا رسول الله، إنه يغضب من هذا الاسم؛ فنزلت هذه الآية: {وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ}. فهذا قول. وقولٌ ثانٍ ـ قال الحسن ومجاهد: كان الرجل يُعَيَّر بعد إسلامه بكفره يا يهوديّ يا نصراني؛ فنزلت. وروي عن قَتادة وأبي العالية وعِكْرمة. وقال قتادة: هو قول الرجل للرجل يا فاسق يا منافق؛ وقاله مجاهد والحسن أيضاً. {بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ} أي بئس أن يُسَمَّى الرجلُ كافراً أو زانياً بعد إسلامه وتوبته؛ قاله ابن زيد. وقيل: المعنى أن مَن لَقّب أخاه أو سخِر منه فهو فاسق. وفي الصحيح: «حديث : من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه»تفسير : . فمن فعل ما نهى الله عنه من السُّخرية والهَمْز والنّبز فذلك فسوق وذلك لا يجوز. حديث : وقد روي: أن أبا ذرّ رضي الله عنه كان عند النبيّ صلى الله عليه وسلم فنازعه رجل فقال له أبو ذَرٍّ: يا بن اليهودية! فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ما ترى هاهنا أحمر وأسود ما أنت بأفضل منه»تفسير : يعني بالتقوى، ونزلت: {وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ}. وقال ابن عباس: التنابز بالألقاب أن يكون الرجل قد عمل السيئات ثم تاب؛ فنهى الله أن يُعَيَّر بما سلف. يدلّ عليه ما روي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من عَيّر مؤمناً بذنب تاب منه كان حقّاً على الله أن يَبْتَلِيه به ويَفْضَحُه فيه في الدنيا والآخرة».تفسير : الثالثة ـ وقع من ذلك مستثنًى مَن غلب عليه الاستعمال كالأعرج والأحدب ولم يكن له فيه كسب يَجِد في نفسه منه عليه، فجوّزته الأمة وٱتفق على قوله أهل المِلّة. قال ابن العربيّ: وقد ورد لَعَمْرُ الله من ذلك في كتبهم ما لا أرضاه في صالح جَزَرة؛ لأنه صَحّف «خرزة» فلُقّب بها. وكذلك قولهم في محمد بن سليمان الحضرمي: مُطَيَّن؛ لأنه وقع في طين ونحو ذلك مما غلب على المتأخرين، ولا أراه سائغاً في الدِّين. وقد كان موسى بن عُلَيّ بن رَباح المصريّ يقول: لا أجعل أحداً صغّر ٱسم أبي في حلّ، وكان الغالب على اسمه التصغير بضم العين. والذي يضبط هذا كله: أن كل ما يكرهه الإنسان إذا نودي به فلا يجوز لأجل الإذاية. والله أعلم. قلت ـ وعلى هذا المعنى ترجم البخاريّ رحمه الله في كتاب الأدب من الجامع الصحيح. في «باب ما يجوز من ذكر الناس نحو قولهم الطويل والقصير لا يراد به شَيْن الرجل» قال: وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما يقول ذو اليَدَيْن»تفسير : قال أبو عبد الله بن خُوَيْزِ مَنْدَاد: تضمنت الآية المنع من تلقيب الإنسان بما يكره، ويجوز تلقيبه بما يحب؛ ألا ترى أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لَقّب عمر بالفاروق، وأبا بكر بالصدّيق، وعثمان بذي النُّورين، وخُزيمة بذي الشهادتين، وأبا هريرة بذي الشّمالين وبذي اليدين؛ في أشباه ذلك. الزَّمَخْشرِيّ: «روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : من حق المؤمن على المؤمن أن يُسَمِّيَه بأحبّ أسمائه إليه»تفسير : . ولهذا كانت التَّكْنِيَةُ من السنة والأدب الحسن؛ قال عمر رضي الله عنه: أشيعوا الكُنَى فإنها منبّهة. ولقد لُقّب أبو بكر بالعتيق والصدّيق، وعمر بالفاروق، وحمزة بأسد الله، وخالد بسيف الله. وقلّ من المشاهير في الجاهلية والإسلام من ليس له لَقَب. ولم تزل هذه الألقاب الحسنة في الأمم كلها ـ من العرب والعجم ـ تجري في مخاطباتهم ومكاتباتهم من غير نكير». قال الماورديّ: فأما مستحب الألقاب ومستحسنها فلا يكره. وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم عدداً من أصحابه بأوصاف صارت لهم من أجل الألقاب. قلت ـ فأما ما يكون ظاهرها الكراهة إذا أريد بها الصفة لا العيب فذلك كثير. وقد سئل عبد الله بن المبارك عن الرجل يقول: حُميد الطويل، وسليمان الأعمش، وحُميد الأعرج، ومروان الأصغر، فقال: إذا أردت صفته ولم ترد عيبه فلا بأس به. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن سَرْجِس قال: رأيت الأصلع ـ يعني عمر ـ يقبّل الحجر. في رواية الأُصَيْلِع. قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَتُبْ} أي عن هذه الألقاب الذي يتأذى بها السامعون. {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} لأنفسهم بارتكاب هذه المناهي.
ابن كثير
تفسير : ينهى تعالى عن السخرية بالناس، وهو احتقارهم والاستهزاء بهم، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : الكبر بطر الحق وغمص الناس» تفسير : ويروى: «حديث : وغمط الناس» تفسير : والمراد من ذلك احتقارهم واستصغارهم، وهذا حرام؛ فإنه قد يكون المحتقر أعظم قدراً عند الله تعالى، وأحب إليه من الساخر منه المحتقر له، ولهذا قال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ} فنص على نهي الرجال، وعطف بنهي النساء. وقوله تبارك وتعالى: {وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} أي لا تلمزوا الناس. والهماز اللماز من الرجال مذموم ملعون؛ كما قال تعالى: {أية : وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ } تفسير : [الهمزة: 1] والهمز بالفعل واللمز بالقول؛ كما قال عز وجل: { هَمَّازٍ مَّشَّآءِ بِنَمِيمٍ} أي يحتقر الناس ويهمزهم طاغياً عليهم ويمشي بينهم بالنميمة وهي اللمز بالمقال، ولهذا قال ههنا: {وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} كما قال: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} تفسير : [النساء: 29] أي لا يقتل بعضكم بعضاً. قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة ومقاتل بن حيان: {وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} أي لا يطعن بعضكم على بعض، وقوله تعالى: {وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَـٰبِ} أي لا تداعوا بالألقاب، وهي التي يسوء الشخص سماعها. قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا داود بن أبي هند عن الشعبي قال: حدثني أبو جبيرة بن الضحاك، قال: فينا نزلت في بني سلمة: {وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَـٰبِ} قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعا واحداً منهم باسم من تلك الأسماء، قالوا: يا رسول الله إنه يغضب من هذا، فنزلت: {وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَـٰبِ} ورواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل عن وهيب عن داود به. وقوله جل وعلا: {بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإِيمَانِ} أي بئس الصفة والاسم الفسوق، وهو التنابز بالألقاب؛ كما كان أهل الجاهلية يتناعتون، بعد ما دخلتم في الإسلام وعقلتموه {وَمَن لَّمْ يَتُبْ} أي من هذا، {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ يَسْخَرْ } الآية نزلت في وفد تميم حين سخروا من فقراء المسلمين كعمار وصهيب، والسخرية: الازدراء والاحتقار {قَوْمٌ } أي رجال منكم {مّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ } عند الله {وَلاَ نِسآءٌ } منكم {مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } لا تعيبوا فتعابوا، أي لا يعب بعضكم بعضاً {وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلاْلْقَٰبِ } لا يدعو بعضكم بعضا بلقب يكرهه، ومنه يا فاسق يا كافر {بِئْسَ ٱلاِسْمُ } أي المذكور من السخرية واللمز والتنابز {ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإيمَانِ } بدل من الاسم لإِفادة أنه فسق لتكرره عادة {وَمَن لَّمْ يَتُبْ } من ذلك {فَأُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مَِّن قَوْمٍ} الآية. أما القوم فهم الرجال خاصة، لذلك ذكر بعدهم النساء. ويسمى الرجال قوماً لقيام بعضهم مع بعض في الأمور، ولأنهم يقومون بالأمور دون النساء، ومنه قول الشاعر: شعر : وما أدري وسوف إخال أدري أقوم آل حصن أم نساء تفسير : وفي هذه السخرية المنهي عنها قولان: أحدهما: أنه استهزاء الغني بالفقير إذا سأله، قاله مجاهد. الثاني: أنه استهزاء المسلم بمن أعلن فسقه، قاله ابن زيد. ويحتمل ثالثاً: أنه استهزاء الدهاة بأهل السلامة. {عَسَى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ} عند الله تعالى. ويحتمل: خيراً منهم معتقداً وأسلم باطناً. {وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسآءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرُا مِّنْهُنَّ}. {وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ} فيه وجهان: أحدهما: ولا تلمزوا أهل دينكم. الثاني: لا تلمزوا بعضكم بعضاً: واللمز: العيب. وفي المراد به هنا ثلاثة أوجه: أحدها: لا يطعن بعضكم على بعض، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد ابن جبير. الثاني: لا تختالوا فيخون بعضكم بعضاً، قاله الحسن. الثالث: لا يلعن بعضكم بعضاً، قاله الضحاك. {وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ} في النبز وجهان: أحدهما: أنه اللقب الثابت، قاله المبرد. الثاني: أن النبز القول القبيح، وفيه هنا أربعة أوجه: أحدها: أنه وضع اللقب المكروه على الرجل ودعاؤه به. قال الشعبي: روي أن وفد بني سليم قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وللرجل منهم اسمان وثلاثة فكان يدعوا الرجل بالاسم فيقال إنه يكره هذا، فنزلت هذه الآية. الثاني: أنه تسمية الرجل بالأعمال السيئة بعد الإسلام... يا فاسق... يا سارق، يا زاني، قاله ابن زيد. الثالث: أنه يعيره بعد الإسلام بما سلف من شركه، قاله عكرمة. الرابع: أن يسميه بعد الإسلام باسم دينه قبل الإسلام، لمن أسلم من اليهود... يا يهودي، ومن النصارى... يا نصراني، قاله ابن عباس، والحسن. فأما مستحب الألقاب ومستحسنها فلا يكره، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم عدداً من أصحابه بأوصاف فصارت لهم من أجمل الألقاب. واختلف في من نزلت فيه هذه الآية على أربعة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في ثابت بن قيس بن شمسان وكان في أذنه ثقل فكان يدنو من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يسمع حديثه، فجاء ذات يوم وقد أخذ الناس مجالسهم فقال: "حديث : تَفَسَّحُواْ" تفسير : ففعلوا إلا رجلاً كان بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لم يفسح وقال: "حديث : قَدْ أَصَبْتَ مَوْضِعاً" تفسير : فنبذه ثابت، بلقب كان لأمه مكروهاً، فنزلت، قاله الكلبي والفراء. الثاني: أنا نزلت في كعب بن مالك الأنصاري، وكان على المغنم فقال لعبد الله بن أبي حدرد: يا أعرابي، فقال له عبد الله: يا يهودي، فتشاكيا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت فيهما، حكاه مقاتل. الثالث: أنها نزلت في الذين نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات عند استهزائهم بمن مع رسول الله من الفقراء والموالي فنزل ذلك فيهم. الرابع: أنا نزلت في عائشة وقد عابت أم سلمة. واختلفوا في الذي عابتها به فقال مقاتل: عابتها بالقصر، وقال غيره: عابتها بلباس تشهرت به.
ابن عطية
تفسير : هذه الآيات والتي بعدها نزلت في خلق أهل الجاهلية. وذلك لأنهم كانوا يجرون مع الشهوات نفوسهم لم يقومهم أمر من الله ولا نهي. فكان الرجل يسطو ويهمز ويلمز وينبز بالألقاب ويظن الظنون. فيتكلم بها. ويغتاب ويفتخر بنسبه إلى غير ذلك من أخلاق النفوس البطالة. فنزلت هذه الآية تأديباً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم. وذكر بعض الناس لهذه الآيات أسباباً. فمما قيل: إن هذه الآية: {لا يسخر قوم} نزلت بسبب عكرمة بن أبي جهل وذلك أنه كان يمشي بالمدينة مسلماً، فقال له قوم: هذا ابن فرعون هذه الأمة، فعز ذلك عليه وشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال القاضي أبو محمد: والقوي عندي أن هذه الآية نزلت تقويماً كسائر أمر الشرع ولو تتبعت الأسباب لكانت أكثر من أن تحصى. و: {يسخر} معناه: يستهزئ. والهزء إنما يترتب متى ضعف امرؤ إما لصغر وإما لعلة حادثة، أو لرزية أو لنقيصة يأتيها، فنهي المؤمنون عن الاستهزاء في هذه الأمور وغيرها نهياً عاماً، فقد يكون ذلك المستهزأ به خيراً من الساخر، والقوم في كلام العرب: واقع على الذكران، وهو من أسماء الجمع: كالرهط والنفر. وقول من قال: إنه من القيام أو جمع قائم ضعيف، ومنه قول الشاعر وهو زهير: [الوافر] شعر : وما أدري وسوف إخال أدري أقوم آل حصن أم نساء تفسير : وهذه الآية أيضاً تقتضي اختصاص القوم بالذكران، وقد يكون مع الذكران نساء فيقال لهم قوم على تغليب حال الذكور، ثم نهى تعالى النساء عمّا نهى عنه الرجال من ذلك. وقرأ أبيّ بن كعب وابن مسعود: "عسوا أن يكونوا"، "وعسين أن يكن". و: {تلمزوا}، معناه: يطعن بعضكم على بعض بذكر النقائص ونحوه، وقد يكون اللمز بالقول وبالإشارة ونحوه مما يفهمه آخر، والهمز لا يكون إلا باللسان، وهو مشبه بالهمز بالعود ونحوه مما يقتضي المماسة، قال الشاعر [رؤبة]: شعر : ومن همزنا عزه تبركعا تفسير : وقيل لأعرابي: أتهمز الفأرة؟ فقال الهر يهمزها. وحكى الثعلبي أن اللمز ما كان في المشهد والهمز ما كان في المغيب. وحكى الزهراوي عن علي بن سليمان عَكَّهُ من ذلك فقال: الهمز أن يعيب حضرة واللمز في الغيبة. ومنه قوله تعالى: {أية : ويل لكل همزة لمزة} تفسير : [الهمزة: 1] ومنه قوله تعالى: {أية : ومنهم من يلمزك في الصدقات} تفسير : [التوبة: 58]. وقرأ الجمهور: "تلمِزوا" بكسر الميم. وقرأ الأعرج والحسن: "تلمُزوا" بضم الميم. قال أبو عمرو بن العلاء: هي عربية. قراءتنا بالضم وأحياناً بالكسر. وقوله تعالى: {أنفسكم} معناه: بعضكم بعضاً كما قال: {أية : ولا تقتلوا أنفسكم} تفسير : [النساء: 29] كأن المؤمنين كنفس واحدة إذ هم إخوة. فهم كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كالجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى سائره بالسهر والحمى" تفسير : وهم كما قال أيضاً: "حديث : كالبنيان يشد بعضه بعضاً". تفسير : والتنابز: التلقب والنبز واللقب واحد. أو اللقب: هو ما يعرف به الإنسان من الأسماء التي يكره سماعها. وروي أن بني سلمة كانوا قد كثرت فيهم الألقاب، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً منهم فقال له: يا فلان، فقيل له: إنه يغضب من هذا الاسم، ثم دعا آخر كذلك. فنزلت الآية في هذا. وليس من هذا قول المحدثين سليمان الأعمش. وواصل الأحدب. ونحوه مما تدعو الضرورة إليه وليس فيه قصد استخفاف وأذى. وقد قال عبد الله بن مسعود لعلقمة: وتقول أنت ذلك يا أعور. وأسند النقاش إلى عطاء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كنوا أولادكم؟"تفسير : قال عطاء: مخافة الألقاب. وقال ابن زيد. معنى: {ولا تنابزوا بالألقاب} أي لا يقول أحد لأحد: يا يهودي بعد إسلامه. ولا يا فاسق بعد توبته. ونحو هذا. وحكى النقاش أن كعب بن مالك وابن أبي حدرد تلاحيا، فقال له كعب: يا أعرابي. يريد أن يبعده من الهجرة. فقال له الآخر: يا يهودي. يريد لمخالطة الأنصار اليهود في يثرب. فنزلت الآية. وقوله تعالى: {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان} يحتمل معنيين: أحدهما: بئس اسم تكتسبونه بعصيانكم ونبزكم بالألقاب فتكونون فساقاً بالمعصية بعد إيمانكم. والثاني: بئس ما يقول الرجل لأخيه: يا فاسق بعد إيمانه. وقال الرماني: هذه الآية تدل على أنه لا يجتمع الفسق والإيمان. قال القاضي أبو محمد: وهذه نزعة اعتزالية. ثم شدد تعالى عليهم النهي. بأن حكم بظلم من لم يتب ويقلع عن هذه الأشياء التي نهى عنها. ثم أمر تعالى المؤمنين باجتناب كثير من الظن. وأن لا يعملوا ولا يتكلموا بحسبه، لما في ذلك وفي التجسس من التقاطع والتدابر. وحكم على بعضه بأنه {إثم} إذ بعضه ليس بإثم. ولا يلزم اجتنابه وهو ظن الخير بالناس وحسنه بالله تعالى. والمظنون من شهادات الشهود والمظنون به من أهل الشر. فإن ذلك سقوط عدالته وغير ذلك هي من حكم الظن به. وظن الخير بالمؤمن محمود والظن المنهي عنه: هو أن تظن سوءاً برجل ظاهره الصلاح. بل الواجب تنزيل الظن وحكمه وتتأول الخير. وقال بعض الناس: {إثم} معناه: كذب. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث. تفسير : وقال بعض الناس. معنى: {إن بعض الظن إثم} أي إذا تكلم الظان أثم. وما لم يتكلم فهو في فسحة. لأنه لا يقدر على دفع الخواطر التي يبيحها قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحزم سوء الظن ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: وما زال أولو العلم يحترسون من سوء الظن ويسدون ذرائعه. قال سلمان الفارسي: إني لأعد غراف قِدْري مخافة الظن. وذكر النقاش عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : احترسوا من الناس بسوء الظن. تفسير : وكان أبو العالية يختم على بقية طعامه مخافة سوء الظن بخادمه. وقال ابن مسعود: الأمانة خير من الخاتم. والخاتم خير من ظن السوء. وقوله: {ولا تجسسوا} أي لا تبحثوا على مخبآت أمور الناس وادفعوا بالتي هي أحسن. واجتزوا بالظواهر الحسنة. وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن سيرين والهذليون: "لا تحسسوا" بالحاء غير منقوطة. وقال بعض الناس: التجسس بالجيم في الشر. والتحسس بالحاء في الخير. وهكذا ورد القرآن، ولكن قد يتداخلان في الاستعمال. وقال أبو عمرو بن العلاء: التجسس: ما كان من وراء وراء. والتحسس بالحاء: الدخول والاستعلام. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً". تفسير : وذكر الثعلبي حديث حراسة عمرو بن عوف ووجودهما الشرب في بيت ربيعة بن أمية بن خلف. وذكر أيضاً حديثه في ذلك مع أبي محجن الثقفي. وقال زيد بن وهب. قيل لابن مسعود: هل لك في الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمراً؟ فقال: إنا نهينا عن التحسس. فإن يظهر لنا شيء أخذنا به. {ولا يغتب} معناه: ولا يذكر أحدكم من أخيه شيئاً هو فيه يكره سماعه. ورويحديث : أن عائشة قالت عن امرأة: ما رأيت أجمل منها إلا أنها قصيرة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "اغتبتها، نظرت إلى أسوأ ما فيها فذكرته"" تفسير : وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا ذكرت ما في أخيك فقد اغتبته. وإذا ذكرت ما ليس فيه فقد بهته". تفسير : وفي حديث آخر: "حديث : الغيبة أن تذكر المؤمن بما يكره. قيل: وإن كان حقاً. قال: "إذا قلت باطلاً فذلك هو البهتان"". تفسير : وقال معاوية بن قرة وأبو إسحاق السبيعي: إذا مر بك رجل اقطع. فقلت: ذلك الأقطع، كان ذلك غيب. وحكى الزهراوي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : الغيبة أشد من الزنا، لأن الزاني يتوب فيتوب الله عليه. والذي يغتاب يتوب فلا يتاب عليه حتى يستحل ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: وقد يموت من اغتيب، أو يأبى. وروي أن رجلاً قال لابن سيرين: إني قد اغتبتك فحللني. فقال له ابن سيرين إني لا أحل ما حرم الله. والغيبة مشتقة من غاب يغيب. وهي القول في الغائب واستعملت في المكروه. ولم يبح في هذا المعنى إلا ما تدعو الضرورة إليه من تجريح في الشهود وفي التعريف لمن استنصح في الخطاب ونحوهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أما معاوية فصعلوك لا مال له". تفسير : وما يقال في الفسقة أيضاً وفي ولاة الجور ويقصد به التحذير منه. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعن الفاجر ترعون؟ اذكروا الفاجر بما فيه حتى يعرفه الناس إذا لم تذكروه" تفسير : ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بئس ابن العشيرة". تفسير : ثم مثل تعالى الغيبة بأكل لحم ابن آدم الميت، والعرب تشبه الغيبة بأكل اللحم. فمنه قول الشاعر [سويد بن أبي كاهل اليشكري]: [الرمل] شعر : فإذا لاقيته عظّمني وإذا يخلو له لحمي رتع تفسير : ويروى فيحييني إذا لاقيته. ومنه قول الآخر: [المقنع الكندي]. شعر : وإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا تفسير : فوقفهم الله تعالى على جهة التوبيخ بقوله: {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً} فالجواب عن هذا: لا. وهم في حكم من يقولها. فخوطبوا على أنهم قالوا لا. فقيل لهم: {فكرهتموه} وبعد هذا مقدر تقديره: فكذلك فاكرهوا الغيبة التي هي نظير ذلك. وعلى هذا المقدر يعطف قوله: {واتقوا الله} قاله أبو علي الفارسي. وقال الرماني: كراهية هذا اللحم يدعو إليها الطبع. وكراهية الغيبة يدعو إليها العقل. وهو أحق أن يجاب. لأنه بصير عالم. والطبع أعمى جاهل. وقرأ الجمهور: "ميْتاً" بسكون الياء. وقرأ نافع وابن القعقاع وشيبة ومجاهد: "ميِّتاً" بكسرها والشد. وقرأ أبو حيوة: "فكُرّهتموه" بضم الكاف وشد الراء. ورواها أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم. ثم أعلم بأنه {تواب رحيم} إبقاء منه تعالى وإمهالاً وتمكيناً من التوبة.
ابن عبد السلام
تفسير : {لا يَسْخَرْ} غني بفقير أو مسلم بمن أعلن بفسقه والقوم: الرجال خاصة لقيام بعضهم مع بعض، أو لقيامهم بالأمور دون النساء {أَنفُسَكُمْ} أهل دينكم أو بعضكم بعضاً واللمز: العيب لا يطعن بعضكم على بعض، أو لا يلعنه، أو لا يخونه {تَنَابَزُواْ} وضع اللقب المكروه على الرجل ودعاؤه به قدم وفد بني سلمة على الرسول صلى الله عليه وسلم ولأحدهم اسمان وثلاثة فكان يدعوه بالاسم فيقال إنه يكره هذا فنزلت أو التسمية بالأعمال السيئة بعد الإسلام يا سارق يا زاني، أو يا فاسق، أو التعيير بعد الإسلام بما سلف من الشرك أو تسميته بعد الإسلام باسم دينه السابق كاليهودي والنصراني لمن كان يهودياً أو نصرانياً ولا يأتي بالألقاب الحسنة والنبز اللقب الثابت، أو القول بالقبيح نزلت في ثابت بن قيس نبز رجلاً بلقب كان لأمه، أو في كعب بن مالك كان على المقسم فقال لعبد الله بن أبي حدرد يا أعرابي فقال له عبد الله يا يهودي فتشاكيا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، أو في الذين نادوا الرسول صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات لما عابوا أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم من الفقراء والموالي، أو في عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ عابت أم سلمة بالقِصَر أو بلباس تشهرت به.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم} الآية نزلت في ثلاثة أسباب: السبب الأول: من أولها إلى قوله خيراً منهم. قال ابن عباس: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وذلك أنه كان في أذنه وقر، فكان إذا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سبقوه بالمجلس أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه فيسمع ما يقول، فأقبل ذات يوم وقد فاتته ركعة من صلاة الفجر فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة، أخذ أصحابه مجالسهم فظل كل رجل بمجلسه فلا يكاد يوسع أحد لأحد وكان الرجل إذا جاء فلم يجد مجلساً قام قائماً كما هو فلما فرغ ثابت من الصلاة أقبل نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخطى رقاب الناس ثم يقول: تفسحوا تفسحوا. فجعلوا يتفسحون له حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينه وبينه رجل فقال: تفسح. فقال له الرجل: أصبت مجلساً فاجلس. فجلس ثابت خلفه مغضباً، فلما اأنجلت الظلمة غمز ثابت الرجل فقال: من هذا؟ قال أنا فلان. قال له ثابت: ابن فلانة وذكر أماً له كان يعيَّر بها في الجاهلية. فنكس الرجل رأسه واستحيا فأنزل الله هذه الآية. وقال الضحاك: نزلت في وفد بني تميم الذين ذكرناهم وكانوا يستهزئون بفقراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل عمار وخباب وبلال وصهيب وسلمان وسالم مولى أبي حذيفة لما رأوه من رثاثة حالهم فأنزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم. أي: لا يستهزىء غني بفقير ولا مستور عليه ذنبه بمن لم يستر ولا ذو حسب بلئيم وأشباه ذلك مما ينتقصه به ولعله عند الله خير منه وهو قوله تعالى: {عسى أن يكونوا خيراً منهم} السبب الثاني قوله: {ولا نساء من نساء} أي لا يستهزىء نساء من نساء {عسى أن يكنَّ خيراً منهن} روي عن أنس أنها نزلت في نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم عيرن أم سلمة بالقصر. وعن ابن عباس: أنها نزلت في صفية بنت حيي قال لها بعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم: يهودية بنت يهوديين. عن أنس: حديث : بلغ صفية أن حفصة قالت بنت يهودي فبكت فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي فقال: ما يبكيك؟ قالت: قالت لي حفصة إني بنت يهودي فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنك لابنة نبي وعمك لنبي وإنك لتحت نبي ففيم تفتخر عليك ثم قال: اتقي الله يا حفصة" تفسير : أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب. والسبب الثالث قوله تعالى: {ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب} حديث : عن أبي جبيرة بن الضحاك وهو أخو ثابت بن الضحاك الأنصاري قال: فينا نزلت هذه الآية في بني سلمة "قدم علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس منا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يا فلان فيقولون مه يا رسول الله إنه يغضب من هذا الاسم فأنزل الله هذه الآية {ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان}"" تفسير : أخرجه أبو داود وفي الترمذي قال "كان الرجل منا يكون له اسمان وثلاثة فيدعى ببعضها فعسى أن يكره قال فنزلت هذه الآية {ولا تنابزوا بالألقاب}." قال الترمذي: حديث حسن. قوله تعالى: ولا تلمزوا أنفسكم أي لا يعيب بعضكم بعضاً ولا يطعن بعضكم في بعض. والمراد بالأنفس، الإخوان هنا. والمعنى: لا تعيبوا إخوانكم من المسلمين لأنهم كأنفسكم، فإذا عاب عائب أحداً بعيب، فكأنه عاب نفسه. وقيل: لا يخلو أحد من عيب فإذا عاب غيره فيكون حاملاً لذلك على عيبه فكأنه هو العائب لنفسه ولا تنابزوا بالألقاب أي لا تدعوا الإنسان بغير ما سمي به. وقال ابن عباس: التنابز بالألقاب أن يكون الرجل عمل السيئات ثم تاب عنها فنهي أن يعير بما سلف من عمله. وقيل: هو قول الرجل للرجل يا فاسق يا منافق يا كافر. قيل: كان الرجل اليهودي والنصراني يسلم فيقال له بعد إسلامه: يا يهودي يا نصراني فنهوا عن ذلك. وقيل: هو أن تقول لأخيك يا كلب يا حمار يا خنزير. وقال بعض العلماء: المراد بهذه الألقاب ما يكرهه المنادى به أو يفيد ذماً له، فأما الألقاب التي صارت كالأعلام لأصحابها كالأعمش والأعرج وما أشبه ذلك فلا بأس بها إذا لم يكرهها المدعو بها، وأما الألقاب التي تكسب حمداً ومدحاً تكون حقاً وصدقاً فلا يكره كما قيل لأبي بكر: عتيق، ولعمر: الفاروق، ولعثمان: ذو النورين ولعلي: أبو تراب ولخالد سيف الله ونحو ذلك {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان} أي بئس الاسم أن تقولوا له يا يهودي أو يا نصراني بعد ما أسلم أو يا فاسق بعد ما تاب وقيل معناه أن من فعل ما نهي عنه من السخرية واللمز والنبز فهو فاسق وبئس الاسم الفسوق بعد الإيمان فلا تفعلوا ذلك فتستحقوا اسم الفسوق {ومن لم يتب} أي من ذلك كله {فأولئك هم الظالمون} أي: الضارون لأنفسهم بمعصيتهم ومخالفتهم. وقيل ظلموا الذين قالوا لهم ذلك.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٌ} الآية: هذه الآية والتي بعدها نزلت في خُلُقِ أهل الجاهلية؛ وذلك أَنَّهم كانوا يجرون مع شهواتِ نفوسهم، لم يقومهم أمر من اللَّه ولا نهي، فكان الرجل يسخر، ويلمز، وينبز بالألقاب، ويَظُنُّ الظنونَ، ويتكلم بها، ويغتاب، ويفتخر بنسبه، إلى غير ذلك من أخلاق النفوس البطَّالة، فنزلت هذه الآية؛ تأديباً لهذه الأُمَّةِ، وروى البخاريُّ ومسلم والترمذيُّ واللفظ له عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لاَ يَخُونُهُ وَلاَ يَكْذِبُهُ، وَلاَ يَخْذُلُهُ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: عِرْضُهُ، وَمَالُهُ، وَدَمُهُ، التَّقْوَى ههنا، بِحَسْبِ ٱمْرِىءٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْتَقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ»تفسير : انتهى، ويسخر معناه: يستهزىء، وقد يكون ذلك المُسْتَهْزَأُ به خيراً من الساخر، والقوم في كلام العرب واقع على الذُّكْرَان، وهو من أسماء الجَمْع؛ ومن هذا قول زُهَيْر: [من الوافر] شعر : وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إخَالُ أَدْرِي أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ تفسير : وهذه الآية أيضاً تقتضي اختصاص القوم بالذكران، وقد يكون مع الذكران نساء، فيقال لهم قوم؛ على تغليب حال الذكر، و{تَلْمِزُواْ} معناه: يطعن بعضُكم على بعض بذكر النقائص ونحوه، وقد يكون اللَّمْزُ بالقول وبالإشارة ونحوه مِمَّا يفهمه آخر، والهَمْزُ لا يكون إلاَّ باللسان، وحكى الثعلبيُّ أَنَّ اللمز ما كان في المشهد، والهَمْزَ ما كان في المغيب، وحكى الزهراويُّ عكس ذلك. وقوله تعالى: {أَنفُسَكُـمْ} معناه: بعضكم بعضاً؛ كما قال تعالى: {أية : أَنِ ٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [النساء:66] كأنَّ المؤمنين كنفس واحدة، إذ هم إخوة؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ إذَا اشْتَكَىٰ مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَىٰ سَائِرُهُ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّىٰ»تفسير : ، وهم كما قال أيضاً: «حديث : كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً»تفسير : ، والتنابز: التَّلَقُّبُ، والتَّنَبزُ واللقب واحدٌ، واللقب ـــ يعني المذكور في الآية ـــ هو: ما يُعْرَفُ به الإنسان من الأسماء التي يَكْرَهُ سماعَهَا، وليس من هذا قول المُحَدِّثِينَ: سليمان الأعمش، وواصل الأحدب ونحوه مِمَّا تدعو الضرورة إليه، وليس فيه قصد استخفاف وأذى، وقال ابن زيد: معنى: {وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَـٰبِ} أي: لا يَقُلْ أحد لأحد: يا يهوديُّ، بعد إسلامه، ولا: يا فاسقُ، بعد توبته، ونحو هذا. وقوله سبحانه: {بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإِيمَانِ} يحتمل معنيين: أحدهما: بئس اسم تكتسبونه بعصيانكم ونبزكم بالألقاب فتكونون فُسَّاقاً بالمعصية بعد إيمانكم. والثاني: بئس قول الرجل لأخيه: يا فاسق بعد إيمانه؛ وعن حذيفةَ ـــ رضي اللَّه عنه ـــ قال: حديث : شَكَوْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَرَبَ لِسَانِي، فَقَالَ: «أَيْنَ أَنْتَ مِنَ الاِسْتِغْفَارِ؟! إنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ»تفسير : رواه النسائي واللفظ له، وابن ماجه، والحاكم في «المُسْتَدْرَكِ»، وقال: صحيحٌ على شرط مسلم، وفي رواية للنسائي: «حديث : إنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ في الْيَوْمِ وَأَتُوبُ إلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ»تفسير : ، والذَّرَبُ ـــ بفتح الذال والراء ـــ هو الفُحْشُ، انتهى من «السلاح»، ومنه عن ابن عمر: «إنْ كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في المَجْلِسِ الوَاحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ: رَبِّ ٱغْفِرْ لِي، وَتُبْ عَلَيَّ، إنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمِ» رَوَاه أبو داود، وهذا لفظه، والترمذي والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان في «صحيحه»، وقال الترمذيُّ: حسن صحيح غريب، انتهى. ثم أمر تعالى المؤمنين باجتناب كثير من الظن، وأَلاَّ يعملوا ولا يتكلموا بحسبه؛ لما في ذلك وفي التجسس من التقاطُع والتَّدَابُرِ، وحكم على بعضه أَنَّه إثم، إذ بعضُه ليس بإثم، والظَّنُّ المنهيُّ عنه هو أَنْ تَظُنَّ شرًّا برجل ظاهره الصلاح، بلِ الواجب أنْ تزيل الظن وحكمه، وتتأوَّلَ الخيرَ؛ قال * ع *: وما زال أولو العزم يحترسون من سُوءِ الظنِ، ويجتنبون ذرائعه، قال النوويُّ: واعلم أَنَّ سوء الظن حرام، مثل القول، فكما يَحْرُمُ أَنْ تحدِّثَ غيرَك بمساوىء إنسان ـــ يَحْرُمُ أَنْ تحدث نفسَك بذلك، وتسيءَ الظَّنَّ به؛ وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: «حديث : إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فَإنَّهُ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ»تفسير : والأحاديث بمعنى ما ذكرناه كثيرة، والمراد بذلك عَقْدُ القلب وحكمه على غيره بالسوء، فأَمَّا الخواطر وحديث النفس، إذا لم يستقر، ويستمر عليه صاحبه ـــ فَمَعْفُوٌّ عنه باتفاق العلماء؛ لأَنَّهُ لا اختيارَ له في وقوعه، ولا طريقَ له إلى الانفِكاك عنه، انتهى. قال أبو عمر في «التمهيد»: وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: «حديث : حَرَّمَ اللَّهُ مِنَ المُؤْمِنِ دَمَهُ، وَمَالَهُ، وعِرْضَهُ، وأَلاَّ يُظَنَّ بِهِ إلاَّ الْخَيْرَ» تفسير : انتهى، ونقل في موضع آخر بسنده: أَنَّ عمر بن عبد العزيز كان إذا ذُكِرَ عنده رجل بفضل أو صلاح قال: كيف هو إذا ذُكِرَ عنده إخوانه؟ فإنْ قالوا: إنَّه يتنقَّصهم، وينالُ منهم، قال عمر: ليس هو كما تقولون، وإنْ قالوا: إنَّه يذكر منهم جميلاً وخيراً، ويُحْسِنُ الثَّنَاءَ عليهم، قال: هو كما تقولون إن شاء اللَّه، انتهى من «التمهيد»، وروى أبو داودَ في «سننه» عن أبي هريرةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : حُسْنُ الظَّنِّ مِنْ حُسْنِ الْعِبَادَةِ»تفسير : انتهى. وقوله تعالى: {وَلاَ تَجَسَّسُواْ} أي: لا تبحثوا عن مخبَّآت أمور الناس، وادفعوا بالتي هي أحسن، واجتزئوا بالظواهر الحسنة، وقرأ الحسن وغيره: «وَلاَ تَحَسَّسُوا» بالحاء المهملة؛ قال بعض الناس: التَجَسُّسُ بالجيم في الشَّرِّ، وبالحاء في الخير، قال * ع *: وهكذا ورد القرآن، ولكن قد يتداخلان في الاستعمال. * ت *: وقد وردت أحاديث صحيحة في هذا الباب، لولا الإطالة لجلبناها. {وَلاَ يَغْتَب} معناه: لا يذكرْ أحدُكم من أخيه شيئاً هو فيه، ويكره سماعَه، وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذَا ذَكَرْتَ مَا في أَخِيكَ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإذَا ذَكَرْتَ مَا لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّه» تفسير : ، وفي حديث آخر: «حديث : الغِيبَةُ أَنْ تَذْكُرَ الْمُؤْمِنَ بِمَا يَكْرَهُ، قِيلَ: وَإنْ كَان حَقًّا؟ قَالَ: إذَا قُلْتَ بَاطِلاً فَذَلِكَ هُوَ الْبُهْتَانُ»تفسير : وحكى الزهراوي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: «حديث : الغِيبَةُ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا، قِيلَ: وَكَيْفَ؟! قال: لأَنَّ الزَّانِيَ يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَالَّذِي يَغْتَابُ لاَ يُتَابُ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَسْتَحِلَّ»تفسير : ، قال * ع *: وقد يموت من اغْتِيبَ، أو يأبى، وروى أبو داودَ في «سننه» عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : لَمَّا عُرِجَ بي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ، يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هٰؤُلاَءِ يَا جِبْرِيلُ؟! قَالَ: هٰؤُلاَءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ في أَعْرَاضِهِمْ»تفسير : انتهى. والغِيبَةُ مشتقة من «غَابَ يَغِيبُ» وهي القول في الغائب، واسْتُعْمِلَتْ في المكروه، ولم يُبَحْ في هذا المعنى إلاَّ ما تدعو الضرورةُ إليه، من تجريح الشهود، وفي التعريف بمن استنصح في الخطاب ونحوهم: لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لاَ مَالَ لَهُ»تفسير : وما يقال في الفَسَقَةِ أيضاً، وفي وُلاَةِ الجَوْرِ، ويُقْصَدُ به: التحذيرُ منهم؛ ومنه قوله ـــ عليه السلام ـــ: «حديث : أَعَنِ الْفَاجِرِ تَرْعَوُنَ؟! اذْكُرُوا الْفَاجِرَ بِمَا فِيهِ، مَتَى يَعْرِفُهُ النَّاسُ إذَا لَمْ تَذْكُرُوهُ؟!». تفسير : * ت *: وهذا الحديث خَرَّجه أيضاً أبو بكر ابن الخطيب بسنده عن بَهْزٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، عنِ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أَتَرْعَوُنَ عَنْ ذِكْرِ الْفَاجِرِ، اذْكُرُوهُ بِمَا فِيهِ؛ يَحْذَرْهُ النَّاسُ»تفسير : ولم يذكر في سنده مَطْعَناً، انتهى، ومنه قوله ـــ عليه السلام ـــ: «حديث : بِئْسَ ابنُ الْعَشِيرَةِ» .تفسير : ثُمَّ مَثَّلَ تعالى الغيبة بأكل لحم ابن آدم الميت، ووقف تعالى على جهة التوبيخ بقوله: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ} أي: فكذلك فاكرهوا الغِيبَةَ، قال أبو حيان: {فَكَرِهْتُمُوهُ} قيل: خبر بمعنى الأَمر، أي: فاكرهوه، وقيل على بابه، فقال الفَرَّاءُ: فقد كرهتموه، فلا تفعلوه، انتهى. وقد روى البخاريُّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «حديث : لاَ يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلاً بِالْفُسُوقِ، وَلاَ يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ إلاَّ ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ»تفسير : وفي رواية مسلم: «حديث : مَنْ دَعَا رَجُلاً بِالْكُفْرِ، أوْ قَالَ: عَدُوُّ اللَّهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ـــ إلاَّ حَارَ عَلَيْهِ»تفسير : وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم: «حديث : أَيُّ رَجُلٍ قَالَ لأَخِيهِ: كَافِرٌ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» تفسير : انتهى، وباقي الآية بَيِّنٌ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ...} الآية تقدم الخلاف في "قَوْم" وجعله الزمخشري ههنا جمعاً لقائم قال: كصَوْم وزَور جمع صَائِمٍ وزائرٍ. (و) فَعْل ليس من أبنية التكسير إلا عند الأخفش نحو: رَكْب، وصَحْب. والسخرية هو أن لا ينظر الإنسان إلى أخيه بعين الإجلال، ولا يلتفت إليه ويُسْقطه عن درجته، وحينئذ لا يذكر ما فيه من المعايب. ومعنى الآية لا تحقروا إخواتكم ولا تَسْتَصْغِرُوهُمْ. فصل قال ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ نزلت في ثابتِ بنِ قيسِ بنِ شِماس كان في أُذُنهِ وَقْرٌ، فكان إذا أتى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد سبقوه بالمجلس أوسعوا له حتى يجلس إلى جَنْبه فَيستَمِعُ ما يقول، فأقبل ذاتَ يوم وقد فاتَتْه رَكْعَةٌ من صَلاة الفَجْرِ، فلما انصرف النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الصلاة أخذ أصحابهُ مجالسَهم فَضنَّ كل رجل بمجلسه، فلا يكاد يوسعِ أحدٌ لأحدٍ وكان الرجل إذا جاء ولم يجدْ مجلساً قَام قائماً فلما فرغ ثابتٌ من الصلاة أقبلَ نحوَ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتخطى رقابَ الناس (ويقول): تفسَّحُوا تَفَسَّحُوا فَجَعلُوا يتفسَّحون حتى انتهى إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبينه وبينه رَجُل فقال له: تفسَّح فقال له الرجل: قد أصبتَ مجلساً فاجْلس فجلس ثابتٌ خَلْفَهُ مُغْضَباً فلما انجلتِ الظّلمة غَمَزَّ ثابتٌ الرجلَ فقال: من هذا فقال: أنا فلانٌ فقال له ثابت: ابن فلانة؟ ذكر أمُاً له كان يعيَّر بها في الجاهلية، فنكس الرجل رأسه، فاستحيا. فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال الضَّحَّاكُ: نزلت فِي وَفْدِ تميم كانوا يستهزِئون بفُقَرَاء أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مثل عمَّار، وخَبَّاب وبلالٍ، وصُهَيْبٍ، وسَلَّمَانَ، وسالمٍ مولى حذيفة، لما رأو من رَثَاثة حَالِهِم. قوله: {عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ} قرأ أُبَي وعبدُ الله بنُ مسعود عَسَوْا وعَسَيْنَ (جَعَلاَها نَاقصةً). وهي لغة تميم وقِرَاءَةُ العامة لغة الحجاز. قوله: {وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ} روي أنها نزلتْ في نساء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عيرت أم سلمة بالقِصَر، وروى عكرمة عن ابن عباس أيضاً: نزلت في صَفيَّة بنتِ حُيَيّ بنِ أخْطَبَ قَالَ لها النساء: يهودية بنتُ يَهُودِيَّيْنِ. قوله: {وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} أي لا يعبْ بعضكُم على بعض. قرأ الحَسَنُ والأَعْرجُ: ولا تَلْمُزُوا بالضّمِّ واللَّمْز بالقول وغيره والغَمْزُ باللسان فقط. قوله: {وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ} التنابز تفاعل من النَّبْز وهو التداعِي بالنَّبْز والنَّزَبِ، وهو مقلوب منه لقلة هذا، وكثرةِ ذاك. ويقال؟: تَنَابَزُوا وتَنَازبوا إذا دعا بعضُهم بعضاً بلقبِ سوءٍ. وأصله من الرفْع كأَنَّ النَّبزَ يَرْفَع صاحبه فيُشَاهَدُ. واللَّقَب: ما أشعر بضَعَةِ المُسَمَّى كقُفَّة وبَطَّة أو رِفْعَتِهِ كالصِّدِّيق وعتيقٍ والفَارُوق، وأَسَد الله، وأَسَدِ رَسُولِهِ وله مع الكنية والاسم إذا اجتمعن أحكام كثيرة مذكورة في كتب النحو. وأصل: تَنَابَزُوا تَتَنَابَزُوا أسقِطَتْ إحدى التاءين كما أسقط من الاستفهام إحدى الهَمزَتَيْنِ فقال: {أية : سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ}تفسير : [البقرة:8] والحذفُ هَهُنَا أولى؛ لأن تاء الخطاب وتاء التفاعل حرفانِ من جنْسٍ واحدٍ في كلمة وهمزة الاستفهام كلمة برأسها و "أنذرتهم" أُخْرَى، واحتمال حَرْفَيْن في كلمتين أسهل من احتماله في كلمة واحدة. فصل ذكر في الآية أموراً ثلاثةً مرتبة بعضها دون بعض، وهي السُّخْريَةُ واللَّمْزُ والنَّبْزُ. والسُّخْرية الاحتقار والاستصغار، واللمز ذكر في غيبته بعيب. وهذا دون الأول، لأنه لم يلتفت إليه وإنما جعله مثل المَسْخَرة الذي لا يغضب له ولا عَلَيْه، وهذا جعل فيه شيئاً ما فعابه به. والنَّبْزُ دون الثاني لأنه يَصِفهُ بوصفٍ ثابت فيه نقصه به، ويحط منزلته والنّبْزُ مجرد التسمية وإن لم يكن فيه لأن اللقب الحسن والاسم المستحسن إذا وضع لواحدٍ وعَلاَ عليه لا يكون معناه موجوداً فإن من سمي سَعْداً وسَعيداً قد لا يكون كذلك وكذلك من لُقّب إمام الدين أو حُسَام الدّين لا يفهم منه أنه كذلك وإنما هو علامة، وكذلك النَّبز، فإن من سمي مروان الحمار لم يكن كذلك فكأنه تعالى قال: لا تَتَكَبَّرُوا فَتَسْتَحْقِروا إخوانكم بحيث لا تلتفوا إليهم أصلاً، وإذا نزلتم عن هذا فلا تَعيبُوهم طالبين حَطَّ درجتهم وإذا لم تَعِيبُوهم ولم تصفوهم بما يسوؤهم فلا تُسَمُّوهم بما يكرهُونه. فصل قال ابن الخطيب: القَوْمُ اسم يقع على جمع من الرجال ولا يقع على النساء ولا على الأطفال لأنه جمع قائم والقائم بالأمور هو الرجال وعلى هذا ففي إفراد الرجال والنساء فائدة وهي أن عدم الالتفات والاستحقار إنما يصدر في أكثر الأمر من الرجال بالنسبة إلى الرجال؛ لأن المرأة في نفسها ضعيفة؛ قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : النِّسَاءُ لَحْمٌ على وَضَم"تفسير : فالمرأة لا يوجد منها استحقار الرجل لأنَّها مضطرة إليه في رفع حوائِجِها وأما الرجال بالنسبة إلى الرجال والنساء بالنسبة إلى النساء فإنه يوجد فيهم ذلك. فصل في قوله: {عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ} حكمة وهي أنهم أذا وجد منهم التَّكَبُّر المُفْضي إلى إحباط الأعمال وجعل نفسه خيراً منهم، كما فعل إبليس حيث لم يلتفت إلى آدم وقال: "أَنَا خَيْرٌ منه" فصار هو خيراً منه، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "يكونوا" أي يصيروا، فإن من استحقر إنساناً لفقره أو ضَعْفِهِ لا يأمن أن يفتقر هو ويستغني الفقير ويضعف هو ويَقْوَى الضعيفُ. فصل في قوله: {وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} وجهان: أحدهما: أن عيب الأخ عائد إلى الأخ فإذا أعابه فكأنه أعاب نَفْسَه. والثاني: أنه إذا عابه وهو لا يخلو من عيب فيعيبه به المعاب فيكون هو بمعيبه حاملاً للغير على عيبه فكأنه هو العائب نفسه ونظيره قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ}تفسير : [النساء:29]. ويحتمل أن يقال: لا تعيبوا أنفسكم أي كل واحد منكم مُعَيَّب فإنكم إن فعلتم فقد عبتم أنفسكم أي كل واحد عاب واحد فصِرْتُمْ عائِبِينَ من وجه مُعيََّبين من وجه. وهذا الوجه ههنا ظاهر ولا كذلك في قوله: "وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ". فصل قال: "وَلاَ تَنَابَزُوا" وَلَمْ يقُل: ولا تَنْبزُوا لأن اللامِزَ إذا لَمَزَ فالمَلْمُوز قد لا يجد فيه في الحال عيباً يَلْمِزُهُ به وإنما يبحث ويتتبّع ليطلع منه على عيب فيوجد اللمز في جانب. وأما النَّبْزُ فلا يعجز كل أحد عن الإتيَانِ بِنَبْزٍ، فالظاهر أن النَّبْزَ يُفْضِي في الحال إلى التَّنَابز، ولا كذلك اللمزُ. فصل قال المفسرون: اللقب هو أن يدعى الإنسان بغير ما يُسَمَّى به، وقال عكرمة: هو قول الرجل للرجل يا فاسقُ، يا منافقُ، يا كَافرُ. وقال الحسن: كان اليهودي والنصرانيّ يسلم، فيقال له بعد إسلامه، يا يهوديّ يا نصرانيّ فنهوا عن ذلك، وقال عطاء: هو أن يقول الرجل لأخيه: يا حمارُ يا خنزيرُ., وعن ابن عباس (رضي الله عنهما): التنابز بالألقاب أن يكون الرجلُ عمل السيئات ثم تاب عنها فنهي أن يعيَّر بما سلف من عمل. قوله: {بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ} أي بئسَ الاسمُ أن يقول له: يا يَهُودِيُّ يا فاسِقُ بعدما آمَن. وقيل: معناه من فعل ما نهي عنه من السخرية واللمز والنبز فهو فاسق وبئس الاسم الفسوق بعد الإيمان فلا تفعلوا ذلك فتستحقوا اسم الفسوق. ثم قال: {وَمَن لَّمْ يَتُبْ} أي من ذلك {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}. قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ...} الآية. قيل: نَزَلَتْ في رَجُلَيْن اعتابا رفيقهما، "حديث : وذلك أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان غزا أو سافر ضم الرجل المحتاج إلى رَجُلَيْن مُوسِرَيْن يخدمهما ويتقدم لهما إلى المنزل فيهيّيء لهما طعامَهُمَا وشرابهما فضم سلمان الفارسي إلى رجلين في بعض أسفاره فتقدم سلمانُ الفارسي إلى المنزل فغلبته عيناه فَلَمْ يُهيّىءْ لهما فلما قدما قالا له ما صَنَعْتَ شيئاً؟ قال: لا غلبتني عَيْنَاي، قالا له: انطلق إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ واطلب لنا منه طعاماً، فجاء سلمان إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسأله طعاماً، فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: انطلق إلى أسامة بن زيد وقل له: إن كان عند فضلٌ من طعام فَلْيُعْطِكَ؛ وكان أسامة خازن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى رَحْلِه فأتاه فقال ما عندي شيء فرجع سَلْمَانُ إليهما فأخبرهما فقالا: كان عند أسامة ولكن بَخِلَ فبعثَا سَلْمَانَ إلى طائفةٍ مِنَ الصَّحَابة فلم يجد عندهم شيئاً فلما رَجَعَ قالوا: بعثناه إلى بئر سُمَيْحَة فغار ماؤها ثم انطلقا يتجسّسان هل عند أسامة ما أمر لهما به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلما جاءا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لهما: مَا لِي أَرَى حَضْرَة اللَّحم فِي أَفْواهِكُمَا؟ قالا: والله يا رسول الله ما تَنَاوَلْنَا يَوْمنَا هذا لحماً قال: (بل) ظَلَلْتُمْ تأكلونَ لَحم أسامَة وسلمان"تفسير : . فأنزل الله ـ عزَّ وجلَّ ـ: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ}. فصل قال سفيان الثوري: الظّنُّ ظنان: أحدهما: إثم وهو أن يُظَنَّ ويتكلم به. والأخر: ليس بإثم وهو أن يظن، ولا يتكلم به، قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإنَّ الظَّنَّ أَكذَبُ الْحَدِيثِ ". تفسير : قوله:: "إثْمٌ" جعل الزمخشري همزهُ بدلاً من واو قال: لأنه يَثِمُ الأَعْمَال أي يكسرها وهذا غير مُسَلَّمٍ بلْ تلك مادةٌ أخرى. قوله: "وَلاَ تَجَسَّسُوا" التجسس التَّتبعُ، ومنه الجَاسُوسُ، والجَسَّاسَةُ، وجواسّ الإنسان وحَوَاسُّهُ ومشاعره، وقد قرأ هنا بالحاء الحَسَنُ وأبو رجاء وابنُ سِيرِينَ. فصل التجسس هو البحث عن عيوب الناس فنهى الله تعالى عن البحث عن المستورين من الناس وتتبع عوراتهم قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : لا تَجَسَّسُوا وَلاَ تَبَاغََضُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْواناً"تفسير : وقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : يا مَعْشَرَ مَنْ آمنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَفِضِ الإيمَانُ إلى قَلْبِهِ لاَ تَغْتَابُوا المُسْلِمِينَ وَلا تَتَبَّعُوا عَوْرَاتِهم فإنه من تتبَّع عوراتِ المسلمين تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحُهُ وَلَو فِي جَوْفِ رَحْلِهِ"تفسير : . ونظر عمر يوماً إلى الكعبة فقال: ما أعظَمِكَ وأعْظَمَ حُرْمَتِكَ والمُؤْمنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْكِ عِنْدَ الله. وقيل لابن مسعود: هل لك في الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمراً؟ فقال: إنَّا قَدْ نُهينا عَنِ التَّجَسُّسِ فإن يظهر لنا شيئاً نأخذه به. فصل واعلم أن الظن تُبْنَى عليه القبائح فالعاقل إذا وَقَفَ أموره على اليقين قلَّ ما يتيقّن في أحد عيباً يلمزه به لأن الوعظ في الصورة قد يكون قبيحاً وفي نفس الأمر لا يكون كذلك؛ لأن الفعل قد يكون فاعله ساهياً أو يكون الرأي مخطئاً، وقوله تعالى: {كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ} إخراج للظنون التي تبنى عليها الخيرات. قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ "حديث : ظُنّوا بالْمُؤْمِن خَيْراً"تفسير : وقوله: {إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ} إشارة إلى الأخذ بالأحوط. وقوله: "وَلاَ تَجَسَّسُوا" إتمامٌ لذلك لأنه تعالى لما قال: {اجتنبوا كثيراً من الظن} فهم منه أن المعتبر اليقين. وقوله: {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً} أي لا يتناول بعضكُم بَعْضاً في غَيْبَتِهِ بما يَسوؤه مما هو فيه. "حديث : قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "أَتَدْرُونَ مَا الْغَيبةُ؟" قالوا: الله ورسوله أَعلَم قال: ذكرُك أَخَاكَ بما يَكْرَهُ. قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد أغْتَبْتَهُ وإن لم يكن فيه ما تَقُولُ فقد بَهَتَّهُ"تفسير : . وفي هذا إشارة إلى وجوب حفظ عرض المؤمن. قوله: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً} نصب "ميتاً" على الحال من "لَحْم" أو "أَخِيهِ"، وتقدم الخلاف في مَيْتاً. فإن قيل: اللحم ألا يكون ميتاً؟. فالجواب: بلى. قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ"تفسير : فسمى القطعة ميتاً. فإن قيل: إذا جعلناه حالاً من الأخ لا يكون هيئة الفاعل ولا المفعول فلا يجوز جعله حالاً فهو كقول القائل: مَرَرْتُ بِأَخِي زَيْدٍ (قَائِماً) ويريد كون زيدٍ قائما. وذلك لا يجوز. قلنا: من أكل لحمه فقد أكل فصار الأخ مأكولاً مفعولاً بخلاف المرور بأخِي زيدٍ. فصل في هذا التشبيه إشارة إلى أن عِرْضَ الإنسان كَدمِهِ ولَحْمِهِ لأنَّ الإنسان يتألمُ قلبه من قرض العرض كما يتألم جسمه من قطع اللحم. وهذا من باب القياس الظاهر؟ لأن عرض الإنسان أشرف من لحمه ودمه فلما لم يحسن من العاقل أكل لحوم الناس لم يحسن منه قرض عرضهم بالطريق الأولى، لأن ذلك آلمُ. وقوله: "لَحْمَ أَخِيهِ" آكد في المنع؛ لأن العدو يحمله الغَضَبُ على مَضْغ لحم العدوِّ، وفي قوله: "مَيْتاً" إشارةٌ إلى دفع وَهَمٍ وهو أن يقال: الشَّتم في الوجه يؤلم فيحرم وأما الاغتياب فلا اطلاع عليه للمغتاب فلا يؤلم فقال: آكل لحم الأخ وهو ميت أيضاً يؤلمه ومع هذا فهو في غاية القبح لِمَا أنَّه لو اطلع عليه لتألم فإن الميت لو أحس بأكل لحمه لآلمه، وفيه معنى لطيفٌ وهو أن الاغتياب بأكل لحم الآدمِيِّ ميتاً ولا يحل أكله إلا للمضطر بقدر الحاجة، والمضطر إذا وجد لحم الشاة الميتة ولحم الآدمي فلا يأكل لحم الآدميّ فكذلك المغتاب إن وجد لحاجته مدفعاً غير الغيبة فلا يباح له الاغتياب. قوله: "فَكَرِهْتُمُوهُ" قال الفراء: تقديره: فقَدْ كَرِهْتُمُوهُ فلا تفعلوه. وقال ابن الخطيب: الفاء في تقدير جواب كلام كأنه تعالى لما قال: أَيُحِبُّ للإنكار فكأنه قال: لا يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه فكرهتموه إذَنْ. وقال أبو البقاء: المعطوف عليه محذوف تقديره عُرِضَ عَلَيْكُمْ ذَلِكَ فَكَرهتُمُوهُ. والمعنى يعرض عليكم فَتكرهُونَهُ. وقيل: إن صح ذلك عندكم فأنتم (أي) تكرهونه قال ابن الخطيب: هو كمتعلق المسبّب بالسبب وتَرَقُّبِهِ عَلَيْه كقولك: جَاءَ فُلاَنٌ ماشياً فتَعِبَ، فقيل: هو خبر بمعنى الأمر كقولهم: "اتَّقَى اللهَ امْرُؤٌ فَعَلَ خَيْراً يُثَبْ عَلَيْهِ". وقرأ أبو حيوة والجَحْدرِيّ: فكُرِّهْتُمُوهُ ـ بضم الكاف وتشديد الراء ـ عدي بالتضعيف إلى ثانٍ بخلاف قوله أولاً: "كَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ" فإنه وإن كان مضعّفاً لم يتعدّ لواحد لتضمنه معنى بَغَّضَ. فصل قال ابن الخطيب: الضمير في قوله: "فَكَرِهْتُمُوهُ" فيه وجوه: أظهرها: أن يعود إلى الآكل لأن قوله تعالى: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ} معناه أيحب أحدكم الأكل لأن "أَنْ" مع الفعل للمصدر أي فَكِرهْتُمُ الأَكْلَ. وثانيها: أن يعود إلى اللحم أي فَكرِهْتُمُ اللَّحْمَ. وثالثها: أن يعود إلى الميّت في قوله: "ميتاً" تقديره: أيُحِبُّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً متغيراً فكرهتموه فكأنه صفة لقوله: "ميتاً" ويكون فيه زيادَةُ مبالغة في التحذير يعني الميتة أن أكلت في النُّدرة لسبب كان نادراً ولكن إذا أَنْتَنَ وأروح وتغير لا يؤكل أصلاً فكذلك ينبغي أنْ يكون الغيبة، وذلك يحقّق الكراهة ويوجب النُّفْرة إلى حد لا يشتهي الإنسان أن يبيت في بيت فيه ميت فكيف يقربه بحيث يأكله ففيه إذَنْ كراهة شديدة فكذلك حال الغيبة. فصل قال مجاهد: لما قيل لهم: أَيُحِبُّ أحَدُكُمْ أَنْ يَأكُلَ لَحْم أَخِيهِ مَيْتاً؟ قالوا: لا، قيل: "فكرهْتُمُوهُ" أي كما كرهتم هذا فاجتنبوا ذكره بالسوء غائباً. قال الزجاج: تأويله إن ذِكْرَكَ مَنْ لم يَحْضُرك بسُوءٍ بمنزلةِ أكلِ لحمه وهو ميت لا يحسُّ بذلك. قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ"حديث : لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقوم لَهُمْ أَظَْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَلُحُومَهُمْ فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلاَءَ يا جِبْرِيلُ؟ قال: هَؤُلاء الذين يأكلون لحُوم النَّاسِ ويَقَعُونَ في أَعْرَاضِهِمْ ". تفسير : قوله: "وأتَّقُوا اللهَ" عطف على ما تقدم من الأوَامِر والنواهي أي اجتنبوا واتقوا الله {إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} واعلم أنه تعالى ختم الآيتين بذكر التوبة فقال في الأولَى: {وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} وقال ههنا: {إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} لكن لما كان الابتداء في الآية الأولى بالنهي في قوله: {لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ} ذكر النفي الذي هو قريب من النهي وفي الثانية كان الابتداء بالأمر في قوله: "اجْتَنِبُوا كَثِيراً" فذكر الإثبات الذي هو قريبٌ من الأمْر.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم} قال: نزلت في قوم من بني تميم استهزأوا من بلال وسلمان وعمار وخباب وصهيب وابن فهيرة وسالم مولى أبي حذيفة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {لا يسخر قوم من قوم} قال: لا يستهزىء قوم بقوم إن يكن رجلاً غنياً أو فقيراً [7] أو يعقل رجل عليه فلا يستهزىء به. أما قوله تعالى: {ولا تلمزوا أنفسكم} . أخرج عبد بن حميد والبخاري في الأدب وابن أبي الدنيا في ذم الغيبة وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ولا تلمزوا أنفسكم} قال: لا يطعن بعضكم على بعض. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد {ولا تلمزوا أنفسكم} قال: لا يطعن بعضكم على بعض. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه {ولا تلمزوا أنفسكم} قال: لا تطعنوا. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ {ولا تلمزوا أنفسكم} بنصب التاء وكسر الميم. وأخرج ابن أبي الدنيا عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {ولا تلمزوا أنفسكم} قال: اللمز الغيبة. أما قوله تعالى: {ولا تنابزوا بالألقاب} . أخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري في الأدب وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر والبغوي في معجمه وابن حبان والشيرازي في الألقاب والطبراني وابن السني في عمل اليوم والليلة والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي جبيرة بن الضحاك رضي الله عنه قال: فينا نزلت في بني سلمة {ولا تنابزوا بالألقاب} قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وليس فينا رجل إلا وله إسمان أو ثلاثة فكان إذا دعا أحدهم باسم من تلك الأسماء قالوا يا رسول الله إنه يكره هذا الإِسم، فأنزل الله {ولا تنابزوا بالألقاب} . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ولا تنابزوا بالألقاب} قال: كان هذا الحي من الأنصار قل رجل منهم إلا وله إسمان أو ثلاثة فربما دعا النبي صلى الله عليه وسلم الرجل منهم ببعض تلك الأسماء، فيقال يا رسول الله إنه يكره هذا الاسم، فأنزل الله {ولا تنابزوا بالألقاب} . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء {ولا تنابزوا بالألقاب} قال: إن يسميه بغير اسم الإِسلام يا خنزير يا كلب يا حمار. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {ولا تنابزوا بالألقاب} قال: التنابز بالألقاب أن يكون الرجل عمل السيئات ثم تاب منها وراجع الحق فنهى الله أن يعير بما سلف من عمله. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن مسعود {ولا تنابزوا بالألقاب} قال: أن يقول إذا كان الرجل يهودياً فأسلم يا يهودي يا نصراني يا مجوسي، ويقول للرجل المسلم يا فاسق. وأخرج عبد الرزاق عن الحسن في الآية قال: كان اليهودي يسلم فيقال له يا يهودي، فنهوا عن ذلك. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة {ولا تنابزوا بالألقاب} قال: لا تقل لأخيك المسلم يا فاسق يا منافق. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة {ولا تنابزوا بالألقاب} قال: هو قول الرجل للرجل يا فاسق يا منافق. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي العالية في الآية، قال: هو قول الرجل لصاحبه يا فاسق يا منافق. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد {ولا تنابزوا بالألقاب} قال: يدعى الرجل بالكفر وهو مسلم. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن {بئس الإِسم الفسوق بعد الإِيمان} قال: أن يقول الرجل لأخيه يا فاسق. وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي {بئس الإِسم الفسوق بعد الإِيمان} قال: الرجل يكون على دين من هذه الأديان فيسلم فيدعوه بدينه الأول يا يهودي يا نصراني. وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من قال لأخيه كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه ".
ابو السعود
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ} أيْ منكُم {مِن قَوْمٍ} آخرينَ أيضاً منكُم وقولُه تعالى: {عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مّنْهُمْ} تعليلٌ للنَّهِي أو لموجبِه أيْ عَسى أنْ يكونَ المسخورُ منْهم خيراً عندَ الله تَعَالى منَ الساخرينَ، والقومُ مختصٌّ بالرجالِ لأنُهم القُوّامُ على النساءِ وهُو في الأصلِ إمَّا جمعُ قائمٍ كصَوْمٍ وزَوْرٍ في جمعِ صائمٍ وزائرٍ أو مصدرٌ نعتَ بهِ فشاعَ في الجمعِ، وأما تعميمُه للفريقينِ في مثلِ قومِ عادٍ وقومِ فرعونَ فإمَّا للتغليبِ أو لأنهنَّ توابعُ، واختيارُ الجمع لغلبةِ وقوعِ السخريةِ في المجامعِ، والتنكيرُ إمَّا للتعميمِ أو للقصدِ إلى نَهْي بعضِهم عنْ سُخريةِ بعضٍ لما أنَّها مما يجرِي بـينَ بعضٍ وبعضٍ {وَلاَ نِسَاء} أيْ ولا تسخرْ نساءٌ من المؤمناتِ {مّن نّسَاء} منهنَّ {عَسَىٰ أَن يَكُنَّ} أيْ المسخورُ منهُنَّ {خَيْراً مّنْهُنَّ} أيْ منَ الساخراتِ فإنَّ مناطَ الخيريةِ في الفريقينِ ليسَ ما يظهرُ للناسِ من الصورِ والأشكالِ ولا الأوضاعِ والأطوارِ التي عليَها يدورُ أمرُ السخريةِ غالباً بلْ إنما هُوَ الأمورُ الكامنةُ في القلوبِ فلا يجترىء أحدٌ على استحقارِ أحدٍ فلعلَّهُ أجمعُ منْهُ لما نيطَ بهِ الخيريةُ عندَ الله تعالَى فيظلَم نفسَهُ بتحقيرِ منْ وقَّره الله تعالَى والاستهانةِ بَمنْ عظَّمُه الله تعالَى وقُرىءَ عَسَوا أنْ يكونُوا وعَسَينَ أنْ يكنَّ فعسَى حينئذٍ هي ذاتُ الخبرِ كما في قولِه تعالَى: {أية : فَهَلْ عَسَيْتُمْ}تفسير : [سورة محمد، الآية 22] وَأمَّا على الأولِ فهيَ التي لا خيرَ لها {وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ} أيْ ولا يعبْ بعضُكم بعضاً فإنَّ المؤمنينَ كنفسٍ واحدةٍ أو لا تفعلُوا ما تُلمَزونَ بهِ فإنَّ منْ فعلَ ما يستحقُّ بهِ اللمزَ فقدْ لمزَ نفسَهُ واللمزُ الطعنُ باللسانِ وقُرىءَ بضمِّ الميمِ {وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَـٰبِ} أيْ ولا يدْعُ بعضُكم بعضاً بلقبِ السوءِ فإنَّ النبزَ مختصٌ بهِ عُرْفاً {بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإِيمَانِ} أي بئسَ الذكرُ المرتفعُ للمؤمنينَ أنْ يُذكرُوا بالفسقِ بعد دخولِهم الإيمانَ أو اشتهارِهم بهِ فإنَّ الاسمَ هَهُنا بمَعنى الذكرِ منْ قولِهم طارَ اسمُه في الناسِ بالكرم أو باللؤمِ، والمرادُ بهِ إمَّا تهجينُ نسبةِ الكفرِ والفسوقِ إلى المؤمنينَ خصوصاً إذْ رُوي أنَّ الآيةَ نزلتْ في حديث : صفيةَ بنتِ حُيَـيِّ أتتْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالتْ إنَّ النساءَ يقُلنَ لي يَا يهوديةُ بنت يهوديـينِ فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: "هَلاَّ قلتِ إنَّ أبـي هارونَ وعَمِّي مُوسى وزَوْجي محمدٌ"تفسير : عليهمْ السلامُ أوِ الدلالةُ عَلى أنَّ التنابزَ فسقٌ والجمعُ بـينَهُ وبـينَ الإيمانِ قبـيحٌ {وَمَن لَّمْ يَتُبْ} عَمَّا نُهي عَنْهُ {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} بوضعِ العصيانِ موضعَ الطاعةِ وتعريضِ النفسِ للعذابِ.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ} [الآية: 11]. قال يحيى بن معاذ نهى الله عز وجل عن احتقار المؤمنين والازدراء بهم وتثاقل النظر إليهم وترك حرماتهم بقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ...} الآية.
القشيري
تفسير : نهى اللَّهُ - سبحانه وتعالى - عن ازدارءِ الناس، وعن الغَيْبَةِ، وعن الاستهانةِ بالحقوق، وعن تَرْكِ الاحترام. {وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}: أي لا يَعِيبَنَّ بعضُكم بعضاً، كقوله: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ}تفسير : [النساء: 29]. ويقال: ما استصغر أحدٌ أحداً إلا سُلِّطَ عليه. ولا ينبغي أن يُعْتَبَر بظاهر أحوال الناس فإنَّ في الزوايا خبايا. والحقُّ يستر أولياءَه في حجابِ الضّعَة؛ وقد جاء في الخبر: "حديث : رُبَّ أشعث أغبر ذي طمرين لا يُؤْبَهُ له لو أقسم على الله لأَبَرَّه ".
اسماعيل حقي
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر} السخرية ان يحقر الانسان اخاه ويستخفه ويسقطه عن درجته ويعده ممن لا يلتفت اليه اى لا يستهزئ {قوم} اى منكم وهو اسم جمع لرجل {من قوم} آخرين ايضا منكم والتنكير اما للتعميم او للتبعيض والقصد الى نهى بعضهم عن سخرية بعض لما انها مما يجرى بين بعض وبعض فان قلت المنهى عنه هو ان يسخر جماعة من جماعة فيلزم ان لا يحرم سخرية واحد من واحد قلت اختيار الجمع ليس للاحتراز عن سخرية الواحد من الواحد بل هو لبيان الواقع لان السخرية وان كانت بين اثنين الا ان الغالب أن تقع بمحضر جماعة يرضون بها ويضحكون بسببها بدل ما وجب عليهم من النهى شركاء الساخر فى تحمل الوزر ويكونون والانكار ويكونون بمنزلة الساخرين حكما فنهوا عن ذلك يعنى انه من نسبة فعل البعض الى الجميع لرضاهم به فى الاغلب او لوجوده فيما بينهم والقوم مختص بالرجال لانهم قوامون على النساء ولهذا عبر عن الاناث بما هو مشتق من النسوة تفتح النون وهو ترك العمل ويؤيده قول زهير شعر : وما ادرى ولست اخال ادرى أقوم آل حصن ام نساء تفسير : {عسى} شايد {ان يكونوا} باشند {خيرا منهم} تعليل للنهى اى عسى ان يكون المسخور منهم خيرا عند الله من الساخرين ولا خبر لعسى لاغناء الاسم عنه {ولا نساء} اى ولا تسخر نساء من المؤمنات وهو اسم جمع لامرأة {من نساء} منهن وانما لم يقل امرأة من رجل ولا بالعكس للاشعار بان مجالسة الرجل المرأة مستقبح شرعا حتى منعوها عن حضور الجماعة ومجلس الذكر لان الانسان انما يسخر ممن يلابسه غالبا {عسى ان يكن} اى المسخور منهن {خيرا منهن} اى من الساخرات فان مناط الخميرية فى الفريقين ليس ما يظهر للناس من الصور والاشكال ولا الاوضاع والاطوار التى عليها يدور امر السخرية غالبا بل انما هو الامور الكامنة فى القلوب فلا يجترئ احد على استحقار أحد فعله اجمع منه لما نيط به من الخيرية عند الله فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله واستهانة من عظمه الله وفى التأويلات النجمية يشير الى انه لا عبرة بظاهر الخلق فلا تنظر الى احد بنظر الا زرآء والاستهانة والاستخفاف والاستحقار لان فى استحقار اخيك عجب نفسك مودع كما نظر ابليس بنظر الحقارة الى آدم عليه السلام فأعجبه نفسه فقال انا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين فلعن الى الابد لهذا المعنى فمن حقر أخاه المسلم وظن انه خير منه يكون ابليس وقته واخوه آدم وقته ولهذا قال تعالى {عسى ان يكونوا خيرا منهم} فبالقوم يشير الى اهل المحبة وارباب السلوك فانهم مخصوصون بهذا الاسم كما قال تعالى {أية : فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه}تفسير : يعنى لا ينظر المنتهى من ارباب الطلب بنظر الحقارة الى المبتدئ والمتوسط عسى ان يكونوا خيرا منهم فان الامور بخواتيمها ولهذا قال اوليائى تحت قبابى لا يعرفهم غيرى وقال عليه السلام "حديث : رب اشعث اغبر ذى طمرين لا يؤبه به لو أقسم على الله لأبره"تفسير : قال معروف الكرخى يوما لتلميذه السرى السقطى قدس الله سرهما اذا كانت لك الى الله حاجة فأقسم عليه بى ومن هنا اخذوا قولهم على ظهر المكاتيب بحرمة معروف الكرخى والله اعلم يقول البغداديون قبر معروف ترياق مجرب وبالنساء يشير الى عوام المسلمين لانه تعالى عبر عن الخواص بالرجال فى قوله {أية : رجال لا تلهيهم تجارة}تفسير : وقوله {أية : رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه}تفسير : يعنى لا ينبغى لمسلم ما أن ينظر الى مسلم ما بنظر الحقارة عسى ان يكن خيرا منهن الى هذا المعنى يشير. ثم نقول ان للملائكة شركة مع ابليس فى قولهم لآدم {أية : اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك}تفسير : كان فى نظرهم اليه بالحقارة اعجاب انفسهم مودعا ولكن الملائكة لم يصروا على ذلك الاعجاب وتابوا الى الله ورجعوا مما قالوا فعالجهم الله تعالى باسجادهم لآدم لان فى السجود غاية الهوان والذلة للساجد وغاية العظمة والعزة للمسجود فلما كان فى تحقير آدم هو انه وذلته وعزة الملائكة وعظمتهم امرهم بالسجود لان علاج العلل باضدادها فزال عنهم علة العجب وقد أصر ابليس على قوله وفعله ولم يتب فأهلكه الله بالطرد واللعن فكذلك حال من ينظر الى اخيه المسلم بنظر الحقارة (قال الحافظ) شعر : مكن بجشم حقارت نكاه برمن مست كه نيست معصيت وزهدبى مشيت او تفسير : قال ابن عباس رضى الله عنه نزلت الآية فى ثابت بن قيس بن شماس رضى الله عنه كان فى اذنه وقر فكان اذا اتى مجلس رسول الله عليه السلام وقد سبقوه بالمجلس وسعوا له حتى يجلس الى جنبه عليه السلام يسمع ما يقول فاقبل ذات يوم وقد فاتته ركعة من صلاة الفجر فلما انصرف النبى عليه السلام من الصلاة اخذ اصحابه مجالسهم فضن كل رجل بمجلسه فلا يكاد يوسع احد لاحد فكان الرجل اذا جاء لا يجد مجلسا فيقوم على رجليه فلما فرغ ثابت من الصلاة اقبل نحو رسول الله يتخطى رقاب الناس وهو يقول تفسحوا تفسحوا فجعلوا يتفسحون حتى انتهى الى رسول الله بينه وبينه رجل فقال له تفسخ فلم يفعل فقال من هذا فقال له الرجل انا فلان فقال بل انت ابن فلانة يريد اماله كان يعير بها فى الجاهلية فخجل الرجل ونكس رأسه فأنزل الله هذه الآية (وروى) ان قوله تعالى {ولا نساء من نساء} نزل فى نساء النبى عليه السلام عيرن ام سلمة بالقصر او أن عائشة رضى الله عنها قالت ان ام سلمة جميلة لولا انها قصيرة وقيل ان الآية نزلت فى عكرمة بن ابى جهل حين قدم المدينة مسلما بعد فتح مكة فكان المسلمون اذا رأوه قالوا هذا ابن فرعون هذه الامة فشكا ذلك للنبى عليه السلام فقال عليه السلام حديث : لا تؤذوا الاحياء بسبب الاموات تفسير : ونزلت الآية شعر : هميشه درصدد عيب جويئ خويشم نبودءايم بى عيب ديكران هركز تفسير : قال ابو الليث ثم صارت الآية عامة فى الرجال والنساء فلا يجوز لاحد ان يسخر من صاحبه او من احد من خلق الله وعن ابن مسعود البلاء موكل بالقول وانى لأخشى لو سخرت من كلب ان احول كلباً وذلك لان المؤمن ينبغى أن ينظر الى الخالق فانه صنعه لا إلى المخلوق فانه ليس بيده شئ فى الحسن والقبح ونحوهما قيل للقمان ما اقبح وجهك فقال تعيب بهذا على النقش أو على النقاش نسأل الله الوقوف عند امره ونعوذ به من قهره (قال الحافظ) شعر : نظر كردن بدرويشان منافئ بزركى نيست سليمان باجنان حشمت نظرها كرد بامورش تفسير : يشير الى التواضع والنظر الى الأدانى بنظر الحكمة {ولا تلمزوا انفسكم} اللمز الطعن باللسان وفى تاج المصادر عيب كردن، والاشارة بالعين ونحوه والغابر يفعل ويفعل ولم يخص السخرية بما يكون باللسان فالنهى الثانى من عطف الخاص على العام يجعل الخاص كأنه جنس آخر للمبالغة ولهذا قيل شعر : جراحات السنان لها التئام ولا يلتام ما جرح اللسان تفسير : والمعنى اولا يعب بعضكم بعضا فان المؤمنين كنفس واحدة والافراد المنتشرة بمنزلة اعضاء تلك النفس فيكون ما يصيب واحدا منهم كأنه يصيب الجميع اذا اشتكى عضو واحد من شخص تداعى سائر الأعضاء الى الحمى والسهر فمتى عاب مؤمنا فكأنما عاب نفسه كقوله تعالى {أية : ولا تقتلوا انفسكم} تفسير : (ع) عيب هركس كه كنى هم بتومى كردد باز، وفى التأويلات النجمية انما قال انفسكم لان المؤمنين كنفس واحدة ان عملوا شرا الى احد فقد عملوا الى انفسهم وان عملوا خيرا الى احد فقد عملوا الى انفسهم كما قال تعالى {أية : ان احسنتم احسنتم لانفسكم وان اسأتم فلها}تفسير : (قال الحافظ) شعر : عيب رندان مكن اى زاهد باكيزه سرشت كه كناه دكران برتو نخوا هند نوشت تفسير : ويجوز ان يكون معنى الآية ولا تفعلوا ما تلمزون به فان من فعل ما يستحق به اللمز فقد لمز نفسه اى تسبب للمز نفسه والا فلا طعن باللسان لنفسه منه فهو من اطلاق المسبب وارادة السبب وقال سعدى المفتى ولا يبعد ان يكون المعنى لا تلمزوا غيركم فان ذلك يكون سببا لان يبحث الملموز عن عيوبكم فيلمزكم فتكونوا لامزين انفسكم فالنظم حينئذ نظير ما ثبت فى الصحيحين من قوله عليه السلام "حديث : من الكبائر شتم الرجل والديه" قالوا يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه قال "نعم يسب ابا الرجل فيسب اباه ويسب امه فيسب امه"تفسير : انتهى. يقول الفقير هو مسبوق فى هذا المعنى فان الامام الراغب قال فى المفردات اللمز الاغتياب وتتبع المعايب اى لا تلمزوا الناس فيلمزوكم فتكونوا فى حكم من لمز نفسه انتهى ولا يدخل فى الآية ذكر الفاسق لقوله عليه السلام "حديث : اذكروا الفاجر بما فيه كى يحذره الناس"تفسير : . يقول الفقير اشار التعليل فى الحديث الى أن ذكر الفاجر بما فيه من العيوب انما يصح بهذا الغرض الصحيح وهو ان يحذر الناس منه ومن عمله والا فالامساك مع ان فى ذكره تلويث اللسان الطاهر ولذا نقل عن بعض المشايخ انه لم يلعن الشيطان اذ ليس فيه فائدة سوى اشتغال اللسان بما لا ينبغى فان العداوة له انما هى بمخالفته لا بلعنته فقط وفى الحديث حديث : طوبى لمن يشغله عيبه عن عيوب الناس تفسير : وفى الآية اشارة الى ان الانسان لا يخلو عن العيب قيل لسقراط هل من انسان لا عيب فيه قال لو كان انسان لا عيب فيه لكان لا يموت ولذا قال الشاعر شعر : ولست بمستبق اخا لا تلمه على شعث اى الرجال المهذب تفسير : اى لا مهذب فى الرجال يخلو من التفرق والعيوب فمن اراد اخا مهذبا وطلب صديقا منقحا لا يجده فلا بد من الستر (قال الصائب) شعر : زديدن كرده ام معزول جشم عي بينى را اكر بر خارمى بجم كل بيخارمى بينم تفسير : (وقال) شعر : بعيب خويش اكرراه بردمى صائب بعيب جويئ مردم جه كارداشتمى تفسير : {ولا تنابزوا بالالقاب} النبز بسكون الباء مصدر نبزه بمعنى لقبه وبالفارسية لقب نهادن. وتنابزوا بالالقاب لقب بعضهم بعضا فان التنابز بالفارسية يكديكررا بقلب خواندن. وبفتحها اللقب مطلقا اى حسنا كان او قبيحا ومنه قيل فى الحديث قوم نبزهم الرافضة اى لقبهم ثم خص فى العرف باللقب القبيح وهو ما يكره المدعو أن يدعى به واللقب ما سمى به الانسان بعد اسمه العلم من لفظ يدل على المدح او الذم لمعنى فيه والمعنى ولا يدع بعضكم بعضا بلقب السوء قالوا وليس من هذا قول المحدثين لسليمان الاعمش وواصل الاحدب ونحوه مما تدعو الضرورة اليه وليس فيه قصد استخفاف ولا اذى وفيه اشارة الى ان اللقب الحسن لا ينهى عنه مثل محيى الدين وشمس الدين وبهاء الدين وفى الحديث "حديث : من حق المؤمن على اخيه ان يسميه بأحب اسمائه اليه"تفسير : {بئس الاسم الفسوق بعد الايمان} الاسم هنا ليس ما يقابل اللقب والكنية ولا يقابل الفعل والحرف بل بمعنى الذكر المرتفع لانه من السمو يقال طار اسمه فى الناس بالكرم او باللؤم اى ذكره والفسوق هو المخصوص بالذم وفى الكلام مضاف مقدر وهو اسم الفسوق اى ذكره والمعنى بئس الذكر المرتفع للمؤمنين ان يذكروا بالفسوق بعد دخولهم الايمان واشتهارهم به وفى التأويلات النجمية بئس الاسم اسم يخرجهم من الايمان والمراد به اما تهجين نسبة الكفر والفسوق الى المؤمنين خصوصا اذروى ان الآية نزلت فى صفية بنت حيى رضى الله عنها اتت رسول الله باكية فقالت ان النساء يقلن لى وفى عين المعانى قالت لى عائشة رضى الله عنها يا يهودية بنت يهوديين فقال عليه السلام حديث : هلا قلت ان أبى هرون وعمى موسى وزوجى محمد عليهم السلام تفسير : او الدلالة على ان التنابز مطلقا لا بالكفر والفسوق خصوصا فسق الجمع بينه وبين الايمان قبيح فدخل فيه زيد اليهودى وعمرو النصرانى وبكر الكافر وخالد الفاسق ونحو ذلك والعجب من العرب يقولون للمؤمنين من اهل الروم نصارى فهم داخلون فى الذم ولا ينفعهم الافتخار بالانساب فان التفاضل بالتقوى كما سيجيئ ونعم ما قيل شعر : وما ينفع الاصل من هاشم اذا كانت النفس من باهله تفسير : وما قيل شعر : جه غم زمنقصت صورت اهل معنى را جوجان زروم بودكوتن ازحبش مى باش تفسير : وفى الحديث حديث : من عير مؤمنا بذنب تاب منه كان حقا على الله أن يبتليه به ويفضحه فيه فى الدنيا والآخرة تفسير : وفى الفقه لو قال رجل لصالح يا فاسق ويا ابن الفاسق ويا فاجر ويا خبيث ويا مخنث ويا مجرم ويا مباحى ويا حيفة ويا بليد ويا ابن الخبيثة ويا ابن الفاجرة ويا سارق ويا لص ويا كافر ويا زنديق ويا ابن القحبة ويا ابن قرطبان ويالوطى ويا ملاعب الصبيان ويا آكل الربا ويا شارب الخمر وهو بريئ منه ويا ديوث ويابى نماز ويا منافق ويا خائن ويا مأوى الزوانى ويا مأوى اللصوص ويا حرام زاده يعزر فى هذا كله فى الفتاوى الزينية سئل عن رجل قال لآخر يا فاسق واراد أن يثبت فسقه بالبينة ليدفع التعزير عن نفسه هل تسمع بينته بذلك انتهى وهو ينافى ظاهر ما قالوا من ان المقول له لو لم يكن رجلا صالحا وكان فيه ما قيل فيه من الاوصاف لا يلزم التعزير {ومن لم يتب} عما نهى عنه {فاولئك هم الظالمون} بوضع العصيان موضع الطاعة وتعريض النفس للعذاب والظالم اعم من الفاسق والفاسق اعم من الكافر وفى التأويلات النجمية ومن لم يتب يعنى من مقالة ابليس وفعاله بأن ينظر الى نفسه بالعجب والى غيره بالحقارة فأولئك هم الظالمون فيكونون منخرجين فى سلك اللعنة والطرد مع ابليس كما قال تعالى {أية : الا لعنة الله على الظالمين}تفسير : انتهى وفيه دلالة بينة على ان الرجل بترك التوبة يدخل مدخل الظلمة فلا بد من توبة نصوح من جميع القبائح والمعاصى لا سيما ما ذكر فى هذا المقام (قال الصائب) شعر : سرمايه نجات بود توبة درست با كشتى شكسته بدرياجه ميروى تفسير : ومن اصر اخذ سريعا لان اقرب الاشياء صرعة الظلوم وانفذ السهام دعوة المظلوم وتختلف التوبة على حسب اختلاف الذنب فبعض الذنوب يحتاج الى الاستغفار وهو ما دون الكفر وبعضها يحتاج معه الى تجديد الاسلام والنكاح ان كانت له امرأة وكان بعض الزهاد يجدد عند كل ذنب ايمانا بالله وتبرئا من الكفر احتياطا كما فى زهرة الرياض. يقول الفقير يشير اليه القول المروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اللهم انى اعوذ بك من أن اشرك بك شيأ وانا اعلم واستغفرك لما لا أعلم"تفسير : ولا شك ان الانبياء معصومون من الكفر قبل الوحى وبعده باجماع العلماء ومن سائر الكبائر عمدا بعد الوحى فاستغفارهم لا يكون الا عما لا يليق بشأنهم من ترك الاولى ونحوه على ما فصل فى اول سورة الفتح فدل قوله واستغفرك لما لا أعلم على انه قد يصدر من الانسان الذنب وهو لا يشعر وذلك بالنسبة الى الامة قد يكون كفرا وقد يكون غيره فكما لا بد من الاستغفار بالنسبة الى عامة الذنوب فكذا لا بد من تجديد الاسلام بالنسبة الى الكفر وان كان ذلك احتياطا اذ باب الاحتياط مفتوح فى كل شأن الا نادرا وقد صح ان اتيان كلمة الشهادة على وجه العادة لا يرفع الكفر فلا بد من الرجوع قصدا عن قول وفعل ليس فيهما رضى الله وهو باستحضار الذنب ان علم صدوره منه او بالاستغفار مطلقا ان صدر عنه ولو كان ذلك كفرا على انا نقول ان امكان صدور الكفر عام للعوام والخواص ما داموا يصلوا الى غاية الغايات وهى مرتبة الذات الاحدية واليه يشير قول سهل التسترى قدس سره ولو صلوا ما رجعوا الا ترى ان ابليس كفر بالله مع تمكن يده فى الطاعات خصوصا فى العرفان فانه افحم كثيرا من اهل المعرفة لكنه كان من شأنه الكفر والرجوع الى المعصية لانه لم يدخل عالم الذات ولو دخل لم يتصور ذلك منه اذ لا كفر بعد الايمان العيانى ولهذا قال عليه السلام حديث : اللهم انى اسألك ايمانا يباشر قلبى ويقينا ليس بعده كفر تفسير : فاعرف
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخرْ قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيراً منهم} أي: عسى أن يكون المسخُورُ منهم خيراً عند الله تعالى من الساخرين؛ لأن الناس لا يَطَّلِعون إلا على الظواهر، وهو تعليل للنهي، والقوم خاص بالرجال؛ لأنهم القوّامون على النساء، وهو في الأصل: جمع قائم، كصوْم وزَوْر، في جميع صائم وزائر، واختصاص القوم بالرجال صريح في الآية؛ إذ لو كانت النساء داخلة في الرجال لم يقل: {ولا نساء من نساء} وحقق ذلك زهير في قوله: شعر : وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إِخَالُ أَدْرِي أَقومٌ آلُ حِصْنِ أَمْ نِساءُ؟ تفسير : وأَمَّا قولهم في قوم فرعون، وقوم عاد: هم الذكور والإناث، فليس لفظ القوم شاملاً لهم، ولكن قصد ذكر الذكور، والإناث تبع لهم. {ولا} يسخر {نساءٌ} مؤمنات {من نساءٍ} منهن {عسى أن يَكُنَّ} أي: المسخور منهن {خيراً منهن} أي: الساخرات، فإنّ مناط الخيرية في الفريقين ليس ما يَظهرَ من الصور والأشكال، والأوضاع والأطوار، التي عليها يدور أمر السخرية، وإنما هي الأمور الكامنة في القلوب، من تحقيق الإيمان، وكمال الإيقان، وموارد العرفان، وهي خَفيّة، فقد يُصغّر العبدُ مَن عظَّم اللّهُ، ويتحقرُ مَن وقّره الله، فيسقطُ من عين الله، فينبغي ألا يجترئ أحدٌ على الاستهزاء بأحدٍ إذا رآه رَثّ الحال، أو ذا عاهة في بدنه، ولو في دنيه، فلعله يتوب ويُبتلى بما ابْتُلي به. وفي الحديث:"حديث : لا تُظْهِر الشماتَة لأخيك فيُعافِيه الله ويبتليكَ"تفسير : . وعن ابن مسعود رضي الله عنه: البلاء موكّل بالقول، لو سخِرتُ من كلب لخشيتُ أن أُحَوَّل كلباً. هـ. وتنكير القوم والنساء؛ إما لإرادة البعض، أي: لا يسخر بعضُ المؤمنين والمؤمنات من بعض، وإما لإرادة الشيوع، وأن يصير كل جماعة منهم مَنهية عن السخرية، وإنما لم يقل: رجلٌ من رجلٍ، ولا امرأةٌ من امرأة؛ إعلاماً بإقدام غير واحد من رجالهم وغير واحدٍ من نسائهم على السخرية، واستفظاعاً للشأن الذي كانوا عليه. {ولا تَلْمِزُوا أنفسَكُم} ولا يعيب بعضكم بعضاً بالطعن في نسبه أو دينه، واللمز: الطعن والضرب باللسان، والمؤمنون كنفس واحدة، فإذا عاب المؤمنُ فقد عاب نفسه. وقيل: معناه: لا تفعلوا ما تلمزون به أنفسكم بالتعرُّض للكلام؛ لأن مَن فعل ما استحق به اللمز فقد لمزَ نفسَه حقيقة. {ولا تَنابزوا بالألقاب} أي: لا يَدْعُ بعضكم بعضاً بلقب السوء، فالتنابزُ بالألقاب: التداعي بها. والتلقيبُ المنهي عنه ما يُدخِل على المدعُوِّ به كراهيةً، لكونه تقصيراً به وذمّاً له، فأمَا ما يُحبه فلا بأس به، وكذا ما يقع به التمييز، كقول المحدِّثين: حدثنا الأعمش والأحدب والأعور. رُوي أن قوماً من بني تميم استهزأوا ببلال وخَبَّاب وعَمَّار وصُهيب، فنزلت. وعن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تسخر من زينب بنت خزيمة، وكانت قصيرة، وعن أنس: عَيّرت نساءُ النبي صلى الله عليه وسلم أمَّ سلمة بالقِصَر، فنزلت. ورُوي: أنها نزلت في ثابت بن قيس، وكان به وَقْر - أي: صمم - فكانوا يوسِّعون له في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى قوماً وهو يقول: تفسَّحوا، حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل: تنحّ؛ فلم يفعل، فقال: مَن هذا؟ فقال: أنا فلان ابن فلانة - يريد أُمّاً كان يُعَير بها في الجاهلية، فخجل الرجُل، فنزلت، فقال ثابت: والله لا أفخر على أحد بعد هذا أبداً. وقال ابن زيد: معنى {ولا تَنابزوا بالألقاب} لا يقل أحد: يا يهودي، بعد إسلامه، ولا يا فاسق، بعد توبته. {بئس الاسمُ الفسوقُ بعد الإيمان} يعني: أن اللقب بئس الاسمُ هو، وهو ارتكابُ الفسق بعد الإيمان، وهو استهجان للتنابز بالألقاب، وارتكاب هذه الجريمة بعد الدخول في الإسلام، أو: بئس قولُ الرجل لأخيه: يا فاسق، بعد تبوته، أو: يا يهودي، بعد إيمانه، أي: بئس الرمي بالفسوق بعد بالإيمان. رُوي: أنَّ الآية نزلت في صفية بنت حُيي، أتت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن النساء يقُلن لي: يا يهودية بنتُ يهوديَّيْن، فقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : هلاّ قلت: إن أبي هارون، وعمي موسى، وزوجي محمد صلى الله عليه وسلم"تفسير : ، أو يُراد بالاسم هنا: الذكر، من قولهم: طار اسمه في الناس بالكرام أو اللؤم، كأنه قيل: بئس الذكر المرتفع للمؤمنين بسبب ارتكاب هذه الجرائم أن يُذكروا بالفسق. وقوله: {بعد الإِيمان} استقباح للجميع بين الإيمان والفسق الذي يحظره الإيمان، كما تقول: بئس الشأن بعد الكبرة الصَّبْوة. {ومن لم يتبْ} عما نُهي عنه {فأولئك هم الظالمون} بوضع المخالفة موضع الطاعة، فإن تاب واستغفر؛ خرج من الظلم. وعن حذيفة رضي الله عنه: شَكَوتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذَرَب لساني، فقال:"حديث : أين أنت من الاستغفار؟ إني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة"تفسير : ، والذَرَب - بفتح الذال والراء: الفحش، وفي حديث ابن عمر: كنا نَعُدّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة. "رب اغفر لي، وتب عليّ، إنك أنت التوّاب الرحيم". الإشارة: مذهب الصوفية التعظيم والإجلال لكل ما خلق الله، كائناً مَن كان؛ لنفوذ بصيرتهم إلى شهودِ الصانع والمتجلِّي، دون الوقوف مع حسن الصنعة الظاهرة، وقالوا: "شروط التصوُّف أربعة: كف الأذى، وحمل الجفا، وشهود الصفا، ورميُ الدنيا بالقفا". فشهود الصفا يجري في الأشياء كلها، فإياك يا أخي أن تَحقِر أحداً من خلق الله؛ فتُطرد عن بابه، وأنت لا تشعر، ولله در القائل: شعر : للّهِ في الخلقِ أسرار وأنوارُ ويَصطفي اللّهُ مَن يَرضَى ويَخْتارُ لاَ تَحْقِرنَّ فقيراً إن مررْت به فقد يكونُ له حظٌّ ومقْدارُ والمرءُ بالنَّفْسِ لا بِاللَّبْس تَعْرِفُه قَد يَخْلقُ الْغِمْدُ والْهنْديُّ بتَّارُ والتِّبْرُ في التَّربِ قد تَخْفى مَكانتُه حَتَّى يُخَلِّصُه بالسَّبْكِ مِسْبَارُ ورُبَّ أشعثَ ذِي طِمرَيْنِ مجتهدٌ لَه على الله في الإقْسَامِ إبْرارُ تفسير : وعن أبي سعيد الخراز، قال: دخلت المسجد الجامع، فرأيت فقيراً عليه خرقتان، فقلت في نفسي: هذا وأشباهه كَلٌّ على الناس، فناداني، وتلا:{أية : وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ}تفسير : [البقرة: 235] فاستغفرتُ الله في سري، فناداني وقال:{أية : وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ}تفسير : [الشورى: 25] ثم غاب عني فلم أره. هـ. وقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن المستهزئين بالناس يُفتح لأحدهم باب من الجنة، فيُقال لأحدهم: هلم، فيجيء بغمه وكربه، فإذا جاء أُغلق دونه، ثم يُفعل به هكذا مراراً، من بابٍ إلى باب، حتى يأتيه الإياس"تفسير : . بالمعنى من البدور السافرة. ثم نهى عن الظن، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ}.
الطوسي
تفسير : قرا اهل البصرة {لا يألتكم} بالهمزة. الباقون {لا يلتكم} بلا همزة، وهما لغتان، يقال: ألت يألت إذا أنقص، ولات يليت مثل ذلك. وفى المصحف بلا الف وقال الشاعر: شعر : وليلة ذات ندى سريت ولم يلتني عن سراها ليت تفسير : ومعنى الآية لا ينقصكم من أعمالكم شيئاً، ومنه قوله {أية : وما ألتناهم من عملهم من شيء}تفسير : أي ما نقصناهم. وقرأ يعقوب {ميتاً} بالتشديد. الباقون بالتخفيف. والتشديد الأصل، وهو مثل سيد وسيد. يقول الله مخاطباً للمؤمنين الذين وحدوه وأخلصوا العبادة له وصدقوا نبيه وقبلوا ما دعاهم الله اليه {لا يسخر قوم مْن قوم} ومعناه لا يهزأ به ويتلهى منه، وقال مجاهد: لا يسخر غني من فقير لفقره بمعنى لا يهزأ به، والسخرية بالاستهزاء ولو سخر المؤمن من الكافر احتقاراً له لم يكن بذلك مأثوماً، فأما فى صفات الله، فلا يقال إلا مجازاً كقوله {أية : فإنا نسخر منكم كما تسخرون} تفسير : معناه إنا نجازيكم جزاء السخرية. ثم قال {عسى أن يكونوا خيراً منهم} لانه ربما كان الفقير المهين فى ظاهر الحال خيراً عند الله وأجل منزلة واكثر ثواباً من الغني الحسن الحال. وقال الجبائي: يجوز ان يكونوا خيراً منهم فى منافع الدنيا، وكثرة الانتفاع بهم. وقوله {ولا نساء من نساء} أي ولا يسخر نساء من نساء على هذا المعنى {عسى أن يكن خيراً منهن} ويقال: هذا خير من هذا بمعنى أنفع منه في ما يقتضيه العقل، وكذلك كان نسب رسول الله صلى الله عليه وآله خير من نسب غيره، ثم قال {ولا تلمزوا أنفسكم} فاللمز هو الرمي بالعيب لمن لا يجوز ان يؤذى بذكره، وهو المنهي عنه، فأما ذكر عيبه، فليس بلمز، وروي انه صلى الله عليه وآله قال "حديث : قولوا فى الفاسق ما فيه كي يحذره الناس" تفسير : وقال الحسن: فى صفة الحجاج أخرج الينا نباتاً قصيراً قل ما عرفت فيها إلا عنه فى سبيل الله ثم جعل يطبطب بشعيرات له، ويقول: يابا سعيد. ولو كان مؤمناً لما قال فيه ذلك. وقال ابن عباس وقتادة: معناه لا يطعن بعضكم على بعض كما قال {أية : ولا تقتلوا أنفسكم}تفسير : لان المؤمنين كنفس واحدة، فكأنه بقتله اخاه قاتل نفسه. وقوله {ولا تنابزوا بالألقاب} قال ابو عبيدة: الانباز والالقاب واحد فالنبز القذف باللقب، نهاهم الله أن يلقب بعضهم بعضاً. وقال الضحاك: معناه كل اسم او صفة يكرة الانسان أن يدعى به، فلا يدع به. وإنما يدعى بأحب اسمائه اليه. وقوله {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان} لا يدل على ان المؤمن لا يكون فاسقاً لأن الايمان والفسق لا يجتمعان، لأن ذلك يجري مجرى ان يقال: بئس الحال الفسوق مع الشيب على ان الظاهر يقتضي ان الفسوق الذي يتعقب الايمان بئس الاسم، وذلك لا يكون إلا كفراً، وهو بئس الاسم. ثم قال {ومن لم يتب} يعني من معاصيه ويرجع إلى طاعة الله ومات مصراً {فأولئك هم الظالمون} الذين ظلموا نفوسهم بأن فعلوا ما يستحقون به العقاب. ثم خاطبهم ايضاً فقال {يا أيها الذين آمنوا} أي صدقوا بوحدانيته {اجتنبوا كثيراً من الظن} وإنما قال {كثيراً} لان فى جملته ما يجب العمل عليه، ولا يجوز مخالفته. وقوله {إن بعض الظن أثم} فالظن الذي يكون إثماً إنما هو ما يفعله صاحبه وله طريق إلى العلم بدلا منه مما يعمل عليه، فهذا ظن محرم لا يجوز فعله، فأما ما لا سبيل له إلى دفعه بالعلم بدلا منه، فليس باثم، فلذلك كان بعض الظن أثم، دون جميعه، والظن المحمود قد بينه الله ودل عليه فى قوله {أية : ولولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً } تفسير : وقيل: يلزم المؤمن أن يحسن الظن به ولا يسيء الظن في شيء يجد له تأويله جميلا، وإن كان ظاهره القبيح. ومتى فعل ذلك كان ظنه قبيحاً. وقوله {ولا تجسسوا} أي لا تتبعوا عثرات المؤمن - فى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة - وقال ابو عبيدة التجسس والتجسس واحد وهو التبحث يقال: رجل جاسوس، والجاسوس والناموس واحد. وقيل للمؤمن حق على المؤمن ينافي التجسس عن مساوئه. وقيل: يجب على المؤمن أن يتجنب ذكره المستور عند الناس بقبيح، لان عليهم أن يكذبوه ويردّوا عليه، وإن كان صادقاً عند الله، لان الله ستره عن الناس، وإنما دعى الله تعالى المؤمن إلى حسن الظن فى بعضهم ببعض للألفة والتناصر على الحق، ونهوا عن سوء الظن لما فى ذلك من التقاطع والتدابر. وقوله {ولا يغتب بعضكم بعضاً} فالغيبة ذكر العيب بظهر الغيب على وجه تمنع الحكمة منه. ويروى فى الخبر إذا ذكرت المؤمن بما فيه مما يكرهه الله، فقد اغتبته وإذا ذكرته بما ليس فيه، فقد بهته. وقوله {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه} معناه ان من دعي إلى اكل لحم أخيه فعافته نفسه، فكرهته من جهة طبعه، فانه ينبغي إذا دعي إلى عيب أخيه فعافته نفسه من جهة عقله، فينبغي أن يكرهه، لأن داعي العقل أحق بأن يتبع من داعي الطبع لان داعي الطبع أعمى وداعي العقل بصير، وكلاهما فى صفة الناصح، وهذا من أحسن ما يدل على ما ينبغي ان يجتنب من الكلام. وفي الكلام حذف، وتقديره أيحب احدكم ان يأكل لحم أخيه ميتاً فيقولون: لا، بل عافته نفوسنا، فقيل لكم فكرهتموه، فحذف لدلالة الكلام عليه. وقال الحسن: معناه فكما كرهتم لحمه ميتاً فاكرهوا غيبته حياً، فهذا هو تقدير الكلام. وقوله {واتقوا الله} معطوف على هذا الفعل المقدر، ومثله{أية : ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك} تفسير : والمعنى ألم نشرح، قد شرحنا فحمل الثاني على معنى الأول، لأنه لا يجوز ان يقول ألم وضعنا عنك. ثم قال {واتقوا الله} باجتناب معاصيه وفعل طاعاته {إن الله تواب} أي قابل لتوبة من يتوب اليه {رحيم} بهم. ثم قال {قالت الأعراب آمنا} قال قتادة: نزلت الآية فى اعراب مخصوصين انهم قالوا {آمنا} أي صدقنا بالله وأقررنا بنبوتك يا محمد، وكانوا بخلاف ذلك في بواطنهم، فقال الله تعالى لنبيه {قل} لهم {لن تؤمنوا} على الحقيقة في الباطن {ولكن قولوا أسلمنا} أي استسلمنا خوفاً من السبي والقتل - وهو قول سعيد بن جبير وابن زيد - ثم بين فقال {ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} بل أنتم كفار فى الباطن. ثم قال لهم {وإن تطيعوا الله ورسوله} وترجعوا إلى ما يأمرانكم به من طاعة الله والانتهاء عن معاصيه {لا يلتكم من أعمالكم شيئاً} أي لا ينقصكم من جزاء أعمالكم شيئاً {إن الله غفور رحيم} أي ساتر لذنوبهم إذا تابوا رحيم بهم فى قبول توبتهم. ثم وصف المؤمن على الحقيقة فقال {إنما المؤمنون} على الحقيقة {الذين آمنوا بالله} وصدقوا وأخلصوا بتوحيده {ورسوله} أي واقروا بنبوة نبيه {ثم لم يرتابوا} أي لم يشكوا فى شيء من أقوالهما {وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله} ثم قال {أولئك هم الصادقون} فى أقوالهم دون من يقول بلسانه ما ليس فى قلبه. وقوله {يا أيها الناس} خطاب للخلق كافة من ولد آدم يقول لهم {إنا خلقناكم} باجمعكم {من ذكر وأنثى} يعني آدم وحوا عليهما السلام وقال مجاهد: خلق الله الولد من ماء الرجل وماء المرأة بدلالة الآية {وجعلناكم شعوباً وقبائل} فالشعوب النسب الأبعد، والقبائل الأقرب - في قول مجاهد وقتادة - وقيل الشعوب أعم، والقبائل اخص. وقال قوم: الشعوب الأفخاذ والقبائل اكثر منهم. والشعوب جمع شعب، وهو الحي العظيم، والقبائل مأخوذ من قبائل الرأس، وقبائل الحقبة التي يضم بعضها إلى بعض، فاما الحي العظيم المستقر بنفسه فهو شعب، قال ابن احمر: شعر : من شعب همدان او سعد العشيرة او خولان او مذحج جواله طرباً تفسير : والقبائل جمع قبيلة، وقوله {لتعارفوا} معناه جعلكم كذلك لتعارفوا، فيعرف بعضكم بعضاً. ومن قرأ بالياء مشددة، أدغم أحداهما فى الآخرى، ومن خفف حذف أحداهما. ثم قال {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} لمعاصيه، واعملكم بطاعته قال البلخي: اختلف الناس فى فضيلة النسب، فانكرها قوم، واثبتها آخرون والقول عندنا فى ذلك انه ليس احد أفضل من مؤمن تقي، فان الحسب والنسب والشرف لا يغنيان فى الدين شيئاً، لأن لهما فضلا كفضل الخز على الكرباس والكتان على البهاري وكفضل الشيخ على الشاب. فان الطبائع مبنية والاجماع واقع على أن شيخاً وشاباً لو استويا فى الفضل فى الدين لقدم الشيخ على الشاب وزيد فى تعظيمه وتبجيله، وكذلك الأب والابن لو استويا فى الفضل فى الدين لقدم الأب، وكذلك السيد وعبده. وهذا مما لا خلاف فيه بين العقلاء، وكذلك لو أن رجلين استويا فى الدين ثم كان احدهما له قرابة برسول الله أو بالخيار الصالحين لوجب أن يقدم المتصل برسول الله وبالصالح، ويزاد إكرامه فى تعظيمه وتبجيله، وكذلك إذا استويا وكان في آباء احدهما أنبياء ثلاثة وأربعة، وكان في آباء الآخر نبي واحد كان الأول مستحقاً للتقديم، وكذلك لو كان لاحدهم أب نبي إلا انه من الانبياء المتقدمين، وكان ابو الآخر هو النبي الذي بعث الينا كان الثاني اعظم حقاً وأحق بالتقديم، وكذلك لو كان احدهما له آباء معروفون بالفضل والأخلاق الجميلة والأفعال الشريفة وبالوقار وبالنجدة والادب والعلم كانت الطبايع مبنية على تقديمه على الآخر. فان قيل: الطبائع مبنية على تقديم ذوي المال فيجب ان يكون الغنى وكثرة المال شرفاً. قلنا: كذلك هو لا ننكر هذا ولا ندفعه. فان قيل: إذا كان لأحدهما مال لا يبذل، والآخر قليل المال يبذل قدر ما يملكه من الحقوق ويضعه فى مواضعه؟ قلنا الباذل أفضل من الذي لا يبذل. وإنما تكلمنا فى الرجلين إذا استويا في خصالهما وفضل أحدهما كثرة المال وكان واضعاً له في موضعه باذلاله فى حقوقه وكذلك لو أن رجلا كان ذا حسب وشرف في آبائه إلا انه كان فاسقاً او سخيفاً او وضيعاً في نفسه كان الذي لا حسب له وهو عفيف نبيل افضل منه بالأوصاف التي لا تخفى. وكان حسب ذلك السخيف مما يزيده وبالا، ومعنى الحسب أنه يحسب لنفسه آباء أشرافاً فضلا، وعمومة وأخوة - انتهى كلام البلخي -. وقوله {إن الله عليم خبير} يعني بمن يعمل طاعاته ويتقي معاصيه {خبير} بذلك لا يخفى عليه شيء من ذلك. ثم وصف المؤمنين الذين تقدم ذكرهم فقال {أولئك هم الصادقون} على الحقيقة الذين يستحقون ثواب الله تعالى.
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} ادبٌ آخر ولمّا كانت السّخريّة من الخلق سجّيّةً لاكثر النّاس وتركها كان صعباً صدّره بالنّداء جبراناً لكلفته {لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ} اى القوم المسخور منهم {خَيْراً مِّنْهُمْ} اى من السّاخرين {وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ} قال القمّىّ: نزلت فى صفيّة بنت حىّ بن اخطب وكانت زوجة رسول الله (ص) وكانت عائشة وحفصة توذيانها وتشتمانها وتقولان لها: يا بنت اليهوديّة، "حديث : فشكت الى رسول الله (ص) فقال لها: "الا تجيبينهما؟" - فقالت: بماذا يا رسول الله (ص)؟ - قال: قولى لهما: انّ ابى هارون (ص) نبىّ الله، وعمّى موسى كليم الله، وزوجى محمّد (ص) رسول الله (ص) فما تنكران منّى؟ فقالت لهما: فقالتا هذا علّمك رسول الله (ص)"تفسير : {وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} أتى بهذه الكلمة اشعاراً بعلّة الحكم حيث انّ المؤمنين كلّ منهم بمنزلة نفس الآخر {وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ} السّيّئة بان يلقّب بعضكم بعضاً بلقب سوءٍ {بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ} الخروج عن عهد محمّدٍ (ص) وعقده وشروط عقده بذلك وانّما أتى بالفسوق مقام الضّمير او اسم الاشارة للاشعار بانّ ذلك فسوق وخروج عن عهدة عهد الله {بَعْدَ ٱلإَيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ} عن السّخريّة واللّمز والنّبذ بالالقاب، وأتى بذكر التّوبة اشعاراً بانّه معصية {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} لا ظالم اظلم منهم.
الهواري
تفسير : قوله: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ} أي: لا يستهزىء قوم بقوم، أي: رجال برجال {عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ} أي: إخوانكم، أي لا يلمز بعضكم بعضاً، أي: لا يستقبل الرجل أخاه بوجه، فيعمد له بوجه. وقال مجاهد: أي: لا يطاعنوا، أي: لا يطعن بعضكم بعضاً. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شر الناس ذو الوجهين، الذي يلقى هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه. قال: {وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ}. ذكر الحسن قال: لا يقول الرجل لرجل قد كان يهودياً أو نصرانياً فأسلم: يا يهودي، ولا يا نصراني، يدعوه باسمه الأول، فنهى الله المؤمنين عن ذلك. قال تعالى: {بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ} أي بيس الإسم اليهودية والنصرانية بعد الإيمان. وقال مجاهد: لا يُدْعى الرجل بالكفر وهو مسلم. قال الحسن في تفسيرها: لا تقل لأخيك: يا فاسق. ذكروا أن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لعن المؤمن كقتله، والشهادة عليه بالكفر كقتله . تفسير : ذكروا عن العلاء بن زياد قال: ما يضرك أشهدت على مؤمن بالكفر أم قتلته. ذكروا عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ما من مسلمين إلا وبينهما من الله ستر. فإن قال أحدهما كلمة هُجْر فقد خرق ستر الله، فإن قال أحدهما لصاحبه: يا كافر، فقد وقع الكفر على أحدهما . تفسير : ذكروا عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما . تفسير : ذكروا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الرجل يقول للرجل: يا فاسق، يا فاجر، يا خبيث، قال فواحش تجر عقوبة، ولا تعودوا لمثلهن فتُعَوَّدوهن. قال تعالى: {وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} أي: ظلم نفاق، وليس ظلم شرك؛ وهو ظلم دون ظلم، وظلم فوق ظلم. وقال الكلبي: {لاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ} أي: لا يطعن بعضكم بعضاً.
اطفيش
تفسير : {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ} اي لا يسخر بعض المؤمنين من بعض اذ قد يكون المسخور منه خيراً من الساخر عند الله والناس لا يطلعون الا على ظاهر الاحوال والمعتبر خلوص الضمائر وتقوى القلوب فقد يسخر الرجل بذي عاهة او من رث حاله او بالعي وغير ذلك ولعله يكون اخلص وأتقى من الرجل فيكون مهينا لمن عظم الله والسلف يحذرون ذلك غاية قال عمر بن شرحبيل لو رأيت رجلا يرضع عنزا فضحكت منه خشيت ان اصنع مثل الذي صنع وعن ابن مسعود البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب لخشيت ان احول كلبا والآية نزلت في ثابت بن قيس وذلك انه كان في اذنه وقر فكان اذا اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اخذوا مجالسهم اوسعوا له الى جنبه ليسمع واقبل يوما وقد فاتته ركعة من الفجر وانصرف صلى الله عليه وسلم فاخذوا المجالس وكان الرجل اذا جاء ولم يجد مجلسا أقام قائما فلما فرغ ثابت من الصلاة جعل يتخطاهم ويقول افسحوا ففسحوا الا رجلا بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم فقال له تفسح فقال قد اصبت مجلسا فاجلس فجلس خلفه مغضبا ولما انجلت الظلمة غمز ثابت الرجل فقال من هذا قال انا فلان فقال له ثابت ابن فلانه ذكر حالة يعير بها في الجاهلية فنكس الرجل رأسه واستحى فنزلت فقال ثابت لا افخر بعدها على احد ابدا في الحسب وقال الضحاك نزلت في وفد بني تميم المذكورين وكانوا يستهزئون بفقراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كعمار وخباب وبلال وصهيب وسلمان وسالم مولى أبي حذيفة اي لا يستهزئ غني بفقير ولا مستور عليه بمن لم يستر عليه ولا ذو حسب بلئيم وأشباه ذلك مما ينصه به قيل والمعنى وجوب ان يعتقد كل أحد ان المسخور به لعله بما كان عند الله خيرا من الساخر وجملة {عَسَى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ} مستأنفة جواب للسؤال عن علة النهي والا فالأصل ان توصل بما قوله بالفاء والقوم الرجال خاصة لأنهم القوام بأمور النساء الرجال قوامون على النساء قال صلى الله عليه وسلم "حديث : النساء لحم على وضم إِلا ماذب عنه" تفسير : والذابون هم الرجال وذلك صريح في الآية وفي قول زهير: شعر : أقوم آل حصن أم نساء تفسير : واما قولهم في قوم فرعون وقوم عاد هم الذكور والاناث فليس لفظ القوم بمعتاد للفريقين. ولكن قصد ذكر الذكور وترك ذكر الاناث لأنهن توابع لرجالهن وقيل القوم لجماعة من الرجال او من الرجال والنساء معا وعليه فذكر النساء بعد عطف الخاص على العام لزيادة سخريتهن وهو اسم جمع وجمعه لقوام وجمع أقوام أقاويم وقيل هو في الأصل جمع قائم كصوم وزور جمعي صائم وزائر وعليه فاقاويم جمع جمع الجمع وقيل اصله مصدر قام قال بعض العرب اذا اكلت الطعام احببت قوما اي يتحدثون معي وابغضت (قوما) قياما لانه يستحب القعود بعد الأكل الا في العشاء وعسى اما تامة وما بعدها فاعل او ناقصة وما بعدها اسمها اغنى عن خبرها لاشتماله على المسند والمسند اليه او ناقصة اسمها ضمير الشان وما بعدها خبرها مفسر له ولو كان في تأويل المفرد اعتبارا لوجود الجملة قبل التأويل او لان ان انما دخلت بعد وقوع ما بعدها خبرا وهو جملة وبسطت ذلك في النحو* {وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ} اي ولا تسخر مؤمنات من مؤمنات اذ قد يكون المسخور منهن خيرا من الساخرات نزلت في نسائه صلى الله عليه وسلم عيرن أم سلمة بالقصر قاله أنس حديث : وقال ابن عباس في صفية بنت حيي قال لها بعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم يهودية بنت يهوديين وروي عن أنس أنه بلغ صفيه أن حفصة قالت بنت يهودي فبكت فدخل عليها صلى الله عليه وسلم وهي تبكي فقال ما يبكيك قالت ان حفصة قالت بنت يهودي فقال صلى الله عليه وسلم إنك لابنة نبي وعمك نبي وانك لتحت نبي ففيم تفتخر عليك ثم قال اتقي الله يا حفصةتفسير : والمراد باليهوديين يهودي ويهودية وهما أبوها وأمها فغلبت المذكر والمراد بالنبي موسى وبالعم هارون عليهما السلام كما روي انه قال حديث : هلا قلت إِن أبي هارون وإِن عمي موسى أن زوجي محمد تفسير : وروي أن عائشة كانت تسخر من زينب بنت خزيمة الهلالية وكانت قصيرة وعن ابن عباس ان ام سلمة ربطت حقويها بسبنية وسدلت طرفها خلفها تجره فقالت عائشة لحفصة انظر ما تجر خلفها كانه لسان كلب ونكر القوم والنساء اما للبعضية أي (بعض المؤمنين والمؤمنات) واما لافادة الشباع ان تصير كل جماعة منهم منهية عن السخرية وانما لم يقل رجل من رجل ولا امرأة من امرأة اعلاما باقدام غير واحد من رجالهم أو نسائهم على السخرية وتشنيعا للشأن الذي كانوا عليه ولأن مجلس الساحر لا يكاد يخلوا ممن يلتهي ويستضحك على قوله ولا يأتي ما عليه من النهي والانكار فيكون شريك الساخر في الوزر وكذا كل من يطرق سمعه فيستطيبه ويضحك به فذلك وان اوجده واحد يؤدي الى تكثير السخرية وانقلاب الواحد جماعة وقوما والسخرية لا تجوز وان على منافق او مشرك الا على معصية يذكرها ذما لفاعلها أوجه الله وردعا عنها لا للانتقام او العجب ولا يجوز السخرية بما خلق الله من نحو لون وطول او عرض مطلقا وقرأ ابن مسعود (عسوا ان يكونوا، عسين ان يكن) فهي ذات الخبر وتامة ما بعدها بدل او ناقصة وما بعدها بدل مغن عن الخبر ومتعديه بمعنى قارب وما بعدها مفعول* {وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ} وقرأ يعقوب بضم الميم واللمز الطعن باللسان وقال بعض أو بالاشارة وغيرها مما يفهم وعن بعض أن الهمز لا يكون الا باللسان والصحيح انه يكون باليد وعن الثعالبي اللمز في المشهد والهمز في المغيب وقيل عكس هذا وعنه صلى الله عليه وسلم شر الناس ذو الوجهين الذي يلقى هذا بوجه وذاك بوجه وهو نوع من الغيبة لأنه ذكر المؤمن قصد الضر والغيبة ذكره بما يضره ولو من غير قصد ضر والمراد لا يلمز بعضكم بعضا وقال انفسكم لأن المؤمنين كنفس ومن لمز اخاه كأنه لمز نفسه وقيل لا تفعلوا ما تلمزون به لأن من فعل ما يستحق به اللمز فقد لمز نفسه اي تعرض للمزها مثل ان يفعل قبيحا او يلمز غيره فيلمز لأنه لا يخلو من عيب والصحيح المشهور الأول اي خصوا أنفسكم بالانتهاء عن العيب فيها والطعن فيه ولا عليكم ان تعيبوا غيركم (فمن لا يدين) بدينكم ولا يسير بسيركم ذما للمعصية وزجرا عنها لا لحظ من حظوظ الهوى قال صلى الله عليه وسلم "حديث : اذكروا الفاجر بما فيه كي يحذره الناس" تفسير : أي لا بما ليس فيه فان بهتان الياري حرام ولو مشركا وقد قال الحسن في الحجاج اخرج اليّ بنانا قصيرة فلما عرفت فيها الأعنه في سبيل الله ثم جعل يطبطب شعرات له ويقول يا أبا سعيد يا أبا سعيد ولما مات قال اللهم أنت أمته فأقطع سنته فانه أتانا أخيفش أعيمش يخطر في مشيئته ويصعد بالمنبر حتى تفوته الصلاة لا من الله يتقي ولا من الناس يستحي فوقه الله وتحته مائة ألف أو يزيدون لا يقول له قائل الصلاة أيها الرجل هيهات دون ذلك السيف والسوط* {وَلاَ تَنَابَزُواْ بِالأَلْقَابِ} أي لا يدع بعضكم بعضاً بلقب السوء والنبز مختص بلقب السوء عرفاً والتنابز تفاعل من النبز ويقال (تنازب) تفاعل من النزب والمعنى واحد. وقيل (التنابز) التلاقب وهو ذكر كل لقب آخر والمراد لقب السوء الذي يضر الملقب كما هو نص الآية في القول الأول. وأما ما كان مدحاً كالصديق والعتيق لأبي بكر والفاروق لعمر وأسد الله لحمزة وسيف الله لخالد فحسن في أهله ولقد لقبوا عثمان ذا النورين لتزوجه بنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم. قيل: ولقبوا علياً أبا تراب لقب مدح وقل من المشاهير في الجاهلية والاسلام من ليس له لقب ولم تزل هذه الألقاب الحسنة في الأمم كلها من العرب والعجم تجري في مخاطبتهم ومكاتبتهم ولم ينكرها الشرع ولقد لقب الزمخشري جار الله لانه جاور بيت الله خمس سنين قال صلى الله عليه وسلم "حديث : من حق المؤمن على أخيه أن يسميه بأحب أسمائه اليه" تفسير : فالتلقيب والتكنية بما هو حسن من السنة والأدب الحسن وقد قال عمر: أشيعوا الكنى فانها منبهة وكذا ما لا يكرهه من الألقاب يجوز دعاؤه به وتسميته به ليعرف لا للاستحقار كقولهم (سليمان الأعمش) و (واصل الأحدب) وكقولهم (الأعرج) وهؤلاء ليسوا منا ولكن التنابز بالألقاب لا يجوز ولو على منافق أو مشرك الا بما كان ذماً لهم لوجه الله لا سخرية وعبثاً أو لهواً والمرجع الى الكراهية فلو كره أحد أن تكنيه أبا الخير لم يجز تكنيه به قال أبو جبيرة بن الضحاك وهو أخي ثابت بن الضحاك الأنصاري فينا نزلت هذه الآية بني سلمة قدم علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لنا رجل الا له اسمان او ثلاثة فيقول رسول الله يا فلان فيقال مه يا رسول الله انه يغضب من هذا الاسم وقال ابن عباس (التنابز) أن يدعى بمعصية تاب منها وقيل قول الرجل يا كافر يا فاسق يا منافق وقيل قول الرجل لمن اسلم من اليهودية يا يهودي او من النصرانية يا نصراني وهكذا وقيل ان تقول يا كلب يا حمار يا خنزير لأخيك او لمن هو في الوقوف* {بِئْسَ الاسْمُ} هو حقيقة الاسم الذي يتنابز به وقيل حقيقة ما ذكر من اسم يسخر به واسم يلمز به واسم يتنابز به والمراد ذكر الاسم ولذا ابدل منه قوله* {الْفُسُوقُ} والمخصوص محذوف اي التنابز او جعل الفسوق هو المخصوص فحذف المضاف وهو ذكر وابقى المضاف اليه وهو الاسم وقيل استعمل الاسم بمعنى الذكر كقولهم ظار اسمه بالخير أو بالشر بين الناس اي ذكره بالخير او الشر* {بَعْدَ الإِيمَانِ} استقبح الجمع بين الايمان والفسق الذي يأباه الايمان والفسق ما ذكره من السخرية واللمز والتنابز فدل انها فسق واستقبح ذكر احد باسم كفر بعد ايمانه اي ما اقبح قولهم يا يهودي لمن اسلم من اليهود وامن وقيل المراد كل الفسق* {وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ظلم نفاق بوضع العصيان موضع الطاعة وتعريض النفس للعذاب وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : لعن المؤمن كقتله والشهادة عليه بالكفر كقتله" تفسير : وقال "حديث : ما من مسلمين الا بينهما من الله ستر فان قال احدهما كلمة هجر خرق ستر الله وان قال احدهما لصاحبه يا كافر فقد وقع الكفر على أحدهما "
اطفيش
تفسير : {يا أيها الَّذين آمنُوا لا يسْخَرْ قَومٌ} منكم {مِن قومٍ} منكم آخرين، والسخر الاحتقار لعيب حقيق، أو مدعى وليس بعيب فى حضرة المسخور منه، أو غيبته أريد الاضحاك، أو لم يرد بفعل أو اشارة، أو كناية أو ايماء، أو ضحك، مثل أن تعيب أحدا بقصره أورقته أو نحو ذلك، مما ليس فعلا للمسخور منه، أو ما هو فعل منه، سخر قوم من بنى تميم، من بلال وسلمان، وعمار وخباب، وصهيب مولى أبى حذيفة، وابن نهبرة وسالم، لرثة حالهم رضى الله عنهم، فنزلت والقوم الذكور بدليل مقابلته بالنساء بعد، ومع ذلك فحكم الذكور شامل للاناث، ومع ذلك ذكرت النساء بعد أيضا لتأكيد النهى وتعميمه، قال: شعر : أقوم آل حصن أم نساء تفسير : وأصله مصدر قام، قال بعض العرب، اذا أكلت طعاما أجبت نوما، وأبغضت قوما، اى قياما، وسموا لأنهم يقومون بالأمور العظام دنيا ودينا، ويقومون على النساء، وأما نحو قوم نوح فدخلن فيه بالتبع، وقيل: نزلت الآية فى شأن بنت أبى لهب، أسلمت فكان يقال لها: هذه بنت حمالة الحطب، وفى شأن عكرمة بن أبى جهل أسلم، وكان يمشى فى المدينة فقال له قوم: هذا ابن فرعون هذه الأمة، وشكت وشكا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت: {عَسَى أنْ يكونوا} أى القوم المسخور منهم {خيراً} عند الله عز جل {منْهُم} من القوم الساخرين، روى أحمد ومسلم، عن أبى هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رُبّ أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه به، لو أقسم على الله لأبره" تفسير : أو عسى أن يكون المسخور منهم اعزاء بعد والساخرون أذلاء، فينتقمون منهم أولا ينتقمون قال: شعر : لا تهين الفقير علك أن تركع يوما والدهر قد رفعه تفسير : والأول أولى لتبادره من أن أحكام القرآن مبينة على مثال الآخرة {ولا نساءٌ} منكم {مِنْ نِساءٍ} أخر منكم {عَسَى أنْ يكُنَّ} أى النَّساء المسخور منهن {خيراً مِنْهنَّ} من النساء الساخرات عند الله، أو يصرن فى الدنيا خيرا منكم فى الدنيا على حد ما مر، روى أن عائشة وحفصة رأتا أم سلمة ربطت حقويها بثوب ابيض، وسدلت طرفه خلفها، فقالت عائشة لحفصة، كأن يسدلها لسان كلب، فنزلت الآية وتابت. وروى أن عائشة كانت تسخر من زينب بنت خزيمة الهلالية، وكانت قصيرة، فنزلت الآية، وتابت، عن أنس نزلت فى نساء النبى صلى الله عليه وسلم اذ عيرن أم سليم بالقصر، وفى الترمذى، عن أنس، أن النبى صلى الله عليه وسلم دخل على صفية، وهى تبكى فقال: "حديث : "ما يبكيك؟" قالت إنّ حفصة قالت لي: بنت يهودي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنك لابنة نبي وإنَّ عمك لنبي وإنك تحت نبي ففيم تفتخر عليك، ثم قال: اتقي الله يا حفصة"" تفسير : وعن ابن عباس: نزلت فى صفية إذ قال لها بعض نساء النبى صلى الله عليه وسلم: يهودية بنت يهوديين، وفى أبى داود والترمذى، عن عائشة قلت للنبى صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا، قال بعض الرواه: المراد قصرها، فقال: "حديث : لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته ". تفسير : قالت: وحكيت له انساناً، فقال: "ما أحب أنى حكيت انسانا وان لى كذا وكذا" ولعلها نزلت فى جميع ذلك، إذ وقع قبل نزولها، وذكر جماعات دون أن يقول رجل من رجل، ولا امرأة من امرأة، أو يقول أحد من أحد، لأن الغالب وقوع السخر فى الجماعة يتفكهون به ويتألم به المسخور منه، أو لأن الجماعة واقعة حال فنزلت الآية على حكم الجماعة كقوله تعالى: "أية : لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة" تفسير : [آل عمران: 130] فالربا حرام ولو لم يكن أضعافا مضاعفة، لكن نزلت فى قوم ضاعفوه أضعافا، وجملة ان والفعل وما عمل فيه يستغنى بها عن خبر عسى، لاشتمالها على المسند والمسند اليه، فيقدر المصدر مرفوعا لأن أصل ما بعدها هو المبتدأ والخبر، وهما مرفوعان، ولا تقل مرفوع ومنصوب، لأن التأويل بالمصدر لا يقبل إلا واحداً، وقيل: لا خبر لها، والمصدر فاعل، أو بمعنى قارب، والمصدر مفعول، أو بمعنى قرب، ويقدر الجار أى من أن يكونوا، أو من أن يكن. {ولا تَلمزُوا أنْفُسكُم} عبارة عن قوله: كل واحد منكم لا يلمز الآخر، ليفيد أن المسلمين كنفس واحدة، فمن لمز واحدا كمن لمز نفسه، فى هذا كفاية، وقيل: يقدر مضاف، الواو بمعنى بعض مجازا استعاريّاً، أى لا يلمز بعضكم أنفسكم، أى بعضكم فحذف بعض وناب عنه الواو، والجملة مقررة لمعنى الأولى قبلها لأنفسها، فان اللمز العيب، أى لا تعيبوا أنفسكم، وهو أعم من السخر، وقيل: اللمز التنبيه على المعائب او تتبعها، واشترط بعضهم قصد الاضحاك، وحضور المسخور منه فى السخر، وقيل اللمز ما كان بخفية، وقيل: المعنى لا تلمزوا أنفسكم والمزوا المشركين، ومن ينافق، كما قال صلى الله عليه وسلم: "أترعون أن تذكروا الفاسق بما فيه حتى يعرفه الناس" وهو غير متبادر، بل كأنه كالعمل بمفهوم اللقب وهو ضعيف، وليس انفس وصفا تعلق به الحكم، فيؤذن بالعلية، انما هو كذلك فى نفس الأمر لا فى العبارة، وقيل: المعنى لا تفعلوا ما تلمزون، فعبر بالمسبب واللازم عن السبب والملزوم وفيه بعد. {ولا تنابزوا بالألقاب} لا يخاطب بعضكم بعضا باللقب، كأنه يمضى بأصبعيه وبأسنانه، وأصل اللقب فى الذم، وكان يستعمل فى المدح والنبز مختص بالذم، وان يذكر الرجل بما يكره مما هو فى نفسه أو أبيه أو أمه أو غير ذلك، وسواء اللقب النحوى، والكنية النحوية، والاسم وغير ذلك مما هو ذم كل داخل فى اللقب، كانوا يفسحون لثابت بن قيس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، لثقل فى سمعه، فلم يفسح له رجل، وقال له: اجلس فقد أصبت مجلسا، فجلس مغضبا، ولما سكن بعض غضبه قال: من هذا؟ فقال: أنا فلان بن فلان، قال: لا بل ابن فلانة لامرأة يعير بها فى الجاهلية، فخجل فنزلت، فقال ثابت: والله لا أفخر أبدا على أحد فى النسب. وقيل: نزل فيه قوله تعالى:{أية : يا أيها الناس إنَّا خلقناكم من ذكر وأنثى}تفسير : [الحجرات: 13] الآية، وقال صلى الله عليه وسلم له: "حديث : إنك لا تفضل أحداً إلاَّ بالدين والتقوى"تفسير : وفى البخارى وغيره نزلت فى بنى سلمة حى من الانصار قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وما بينهم رجل إلا له اسمان أو أو ثلاثة، فاذا أحدا دعا باسم قالوا: يا رسول الله انه يكره هذا الاسم، فنزلت، ومن ذلك أن يسلم الرجل وينادى بما فيه من قبل، كيا يهوديى ويا نصرانى ويا مجوسى، وقد كان كذلك قبل، أو يا فاعل كذا من معصية، أسلمت صفية بنت حيى فكانت النساء يقلن لها يهودية بنت يهوديين، فقال لها النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : هلا قلت أنا بنت هارون، وعمي موسى، وزوجي محمد" تفسير : صلى الله عليه وسلم. {بئسَ الاسْم الفُسُوقُ} ساء اسم لهم هو الفسوق، يتصفون به بعد ايمانهم، وهو ذكرهم غيرهم بما يكره، والاسم هنا الذكر يقال: طار اسمه فى الناس أى ذكره بالكرم أو السوء، فان الايمان لا يخلط بالفسق كقوله: بئس الزنى بعد قراءة القرآن، وكقوله لتاجر صار فلاحا: بئست الفلاحة بعد التجر، والآية تدل على أن مرتكب الكبيرة فاسق، ولا تختص المعتزلة بهذا، وهذا العموم فى تفسير الآية أولى من قول بعض: ان معناها النهى عن ذكر أحد بمعصية قد تاب عنها، فهى الفسوق بعد الايمان، اى بعد التوبة، ولا بأس بما دعت اليه الضرورة للبيان كقولك: "رواه الأعمش، ولقب الخير مسنون لمن هو له اسم، كتلقيب حمزة بسيف الله، وخالد بأسد الله، وعمر بالفاروق، لظهور الاسلام به، الصديق والعتيق لأبى بكر أنه عظيم الصدق ومعتق من النار، وصفاء بدنه، وذى النورين لعثمان إذ تزوج بنتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى تراب لعلى إذ وجده صلى الله عليه وسلم نائما على تراب". {ومَن لَم يتُب} من ذنوبه ومنها التنابز بالألقاب واللمز والسخرية {فأولئك هم الظالمون} لأنفسهم بتعريض أنفسهم للنار وللناس بالاخلال بحقهم، ولدين الله تعالى.
الالوسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ } أي منكم {مِن قَوْمٍ } آخرين منكم أيضاً، فالتنكير في الموضعين للتبعيض، والسخر الهزؤ كما في «القاموس»، وفي «الزواجر» النظر إلى المسخور منه بعين النقص، وقال القرطبـي: ((السخرية الاستحقار والاستهانة والتنبيه على العيوب والنقائص بوجه يضحك منه وقد تكون بالمحاكاة بالفعل والقول أو الإشارة أو الإيماء أو الضحك على كلام المسخور منه إذا تخبط فيه أو غلط أو على صنعته أو قبح صورته)). وقال بعض: هو ذكر الشخص بما يكره على وجه مضحك بحضرته، واختير أنه احتقاره قولاً أو فعلاً بحضرته على الوجه المذكور، وعليه ما قيل: المعنى لا يحتقر بعض المؤمنين بعضاً. والآية على ما روي عن مقاتل نزلت في قوم من بني تميم سخروا من بلال وسلمان وعمار وخباب وصهيب وابن نهيرة وسالم مولى أبـي حذيفة رضي الله تعالى عنهم، ولا يضر فيه اشتمالها على نهي النساء عن السخرية كما لا يضر اشتمالها على نهي الرجال عنها فيما روي أن عائشة وحفصة رأتا أم سلمة ربطت حقويها بثوب أبيض وسدلت طرفه خلفها فقالت عائشة لحفصة تشير إلى ما تجر خلفها: كأنه لسان كلب فنزلت، وما روي عن عائشة أنها كانت تسخر من زينب بنت خزيمة الهلالية وكانت قصيرة فنزلت، وقيل: نزلت بسبب عكرمة بن أبـي جهل كان يمشي بالمدينة فقال له قوم: هذا ابن فرعون هذه الأمة فعز ذلك عليه وشكاهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت، وقيل غير ذلك. وقوله عز وجل: {عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مّنْهُمْ } تعليل للنهي أو لموجبه أي عسى أن يكون المسخور منهم خيراً عند الله تعالى من الساخرين، فرب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله تعالى لأبره. وجوز أن يكون المعنى لا يحتقر بعض بعضاً عسى أن يصير المحتقر ـ اسم مفعول ـ عزيز أو يصير المحتقر ذليلاً فينتقم منه، فهو نظير قوله:شعر : لا تهين الفقير علك أن تركع يوماً والدهر قد رفعه تفسير : والقوم جماعة الرجال ولذلك قال سبحانه: {وَلاَ نِسَاء } أي ولا يسخر نساء من المؤمنات {مّن نّسَاء } / منهن {عَسَىٰ أَن يَكُنَّ } أي المسخورات {خَيْراً مّنْهُنَّ } أي من الساخرات، وعلى هذا جاء قول زهير:شعر : وما أدري وسوف إخال أدري أقوم آل حصن أم نساء تفسير : وهو إما مصدر كما في قول بعض العرب: إذا أكلت طعاماً أحببت نوماً وأبغضت قوماً أي قياماً نعت به فشاع في جماعة الرجال، وإما اسم جمع لقائم كصوم لصائم وزور لزائر، وأطلق عليه بعضهم الجمع مريداً به المعنى اللغوي وإلا ففعل ليس من أبنية الجموع لغلبته في المفردات. ووجه الاختصاص بالرجال أن القيام بالأمور وظيفتهم كما قال تعالى: {أية : ٱلرّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنّسَاء } تفسير : [النساء: 34] وقد يراد به الرجال والنساء تغليباً كما قيل في قوم عاد وقوم فرعون إن المراد بهم الذكور والإناث؛ وقيل: المراد بهم الذكور أيضاً ودل عليهن بالالتزام العادي لعدم الانفكاك عادة. والنساء على ما قال الراغب وغيره وكذا النسوان والنسوة جمع المرأة من غير لفظها، وجيء بما يدل على الجمع في الموضعين دون المفرد كأن يقال: لا يسخر رجل من رجل ولا امرأة من امرأة مع أنه الأصل الأشمل الأعم قيل جرياً على الأغلب من وقوع السخرية في مجامع الناس فكم من متلذذ بها وكم من متألم منها فجعل ذلك بمنزلة تعدد الساخر والمسخور منه، وقيل: لأن النهي ورد على الحالة الواقعة بين الجماعة كقوله تعالى: {أية : لا تَأْكُلُوا ٱلرّبَا أَضْعَـٰفاً مُّضَـٰعَفَةً } تفسير : [آل عمران: 130] وعموم الحكم لعموم علته. و {عَسَى } في نحو هذا التركيب من كل ما أسندت فيه إلى أن والفعل قيل تامة لا تحتاج إلى خبر وأن وما بعدها في محل رفع على الفاعلية، وقيل: إنها ناقصة وسد ما بعدها مسد الجزأين وله محلان باعتبارين أو محله الرفع، والتحكم مندفع بأنه الأصل في منصوبها بناء على أنها من نواسخ المبتدأ والخبر. وقرأ عبد الله وأبـي {عسوا أن يكونوا} و{عسين عن أن يكن} فعسى عليها ذات خبر على المشهور من أقوال النحاة، وفيه الإخبار عن الذات بالمصدر أو يقدر مضاف مع الاسم أو الخبر، وقيل: هو في مثل ذلك بمعنى قارب وأن وما معها مفعول أو قرب وهو منصوب على إسقاط الجار. {وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } لا يعب بعضكم بعضاً بقول أو إشارة لأن المؤمنين كنفس واحدة فمتى عاب المؤمن المؤمن فكأنه عاب نفسه، فضمير {تَلْمِزُواْ } للجميع بتقدير مضاف. و {أَنفُسَكُـمْ } عبارة عن بعض آخر من جنس المخاطبين وهم المؤمنين جعل ما هو من جنسهم بمنزلة أنفسهم وأطلق الأنفس على الجنس استعارة كما في قوله تعالى: {أية : لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ } تفسير : [التوبة: 128] وقوله سبحانه: {أية : وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [النساء: 29] وهذا غير النهي السابق وإن كان كل منهما مخصوصاً بالمؤمنين بناء على أن السخرية احتقار الشخص مطلقاً على وجه مضحك بحضرته. واللمز التنبيه على معايبه سواء كان على مضحك أم لا. وسواء كان بحضرته أم لا كما قيل في تفيسره، وجعل عطفه عليه من قبيل عطف العام على الخاص لإفادة الشمول كشارب الخمر وكل فاسق مذموم، ولا يتم إلا إذا كان التنبيه المذكور احتقاراً، ومنهم من يقول: السخرية الاحتقار واللمز التنبيه على المعايب أو تتبعها والعطف من قبيل عطف العلة على المعلول وقيل: اللمز مخصوص بما كان من السخرية على وجه الخفية كالإشارة فهو من قبيل عطف الخاص على العام لجعل الخاص كجنس آخر مبالغة، واختار الزمخشري أن المعنى وخصوا أنفسكم أيها المؤمنون بالانتهاء عن عيبها والطعن فيها ولا عليكم أن تعيبوا غيركم ممن لا يدين بدينكم ولا يسير بسيرتكم، ففي الحديث «حديث : اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس»تفسير : وتعقب بأنه لا دليل على الاختصاص. / وقال الطيبـي: هو من دليل الخطاب لكن إن في هذا الوجه تعسفاً والوجه الآخر ـ يعني ما تقدم ـ أوجه لموافقته {لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ } و {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } تفسير : [الحجرات: 10] و {أية : وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً } تفسير : [الحجرات: 12] وفي «الكشف» أخذ الاختصاص من العدول عن الأصل وهو لا يلمز بعضكم بعضاً كأنه قيل: ولا تلمزوا من هو على صفتكم من الإيمان والطاعة فيكون من باب ترتب الحكم على الوصف، وتعقب قول الطيبـي بأن الكلام عليه يفيد العلية والاختصاص معاً فيوافق ما سبق ويؤذن بالفرق بين السخرية واللمز وهو مطلوب في نفسه وكأنه قيل: لا تلمزوا المؤمنين لأنهم أنفسكم ولا تعسف فيه بوجه إلى آخر ما قال فليتأمل، والإنصاف أن المتبادر ما تقدم. وقيل: المعنى لا تفعلوا ما تلمزون به فإن من فعل ما يستحق به اللمز فقد لمز نفسه فأنفسكم على ظاهره والتجوز في {تَلْمِزُواْ } أطلق فيه المسبب على السبب والمراد لا ترتكبوا أمراً تعابون به، وهو بعيد عن السياق وغير مناسب لقوله تعالى: {وَلاَ تَنَابَزُواْ } وكونه من التجوز في الإسناد إذا أسند فيه ما للمسبب إلى السبب تكلف ظاهر، وكذا كونه كالتعليل للنهي السابق لا يدفع كونه مخالفاً للظاهر، وكذا كون المراد به لا تتسببوا إلى الطعن فيكم بالطعن على غيركم كما في الحديث "حديث : من الكبائر أن يشتم الرجل والديه"تفسير : وفسر بأنه إن شتم والدي غيره شتم الغير والديه أيضاً. وقرأ الحسن والأعرج وعبيد عن أبـي عمرو {لا تلمزوا } بضم الميم. {وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَـٰبِ } أي لا يدع بعضكم بعضاً باللقب، قال في «القاموس»: ((التنابز التعاير والتداعي بالألقاب ويقال نَبَزَهُ يَنْبِزُهُ نبزاً بالفتح والسكون لَقَّبَهُ كَنَبَّزَهُ والنبز بالتحريك وكذا النَّزَب اللقب)) وخص عرفاً بما يكرهه الشخص من الألقاب. وعن الرضي أن لفظ اللقب في القديم كان في الذم أشهر منه في المدح، والنبز في الذم خاصة، وظاهر تفسير التنابز بالتداعي بالألقاب اعتبار التجريد في الآية لئلا يستدرك ذكر الألقاب، ومن الغريب ما قيل: التنابز الترامي أي لا تتراموا بالألقاب ويراد به ما تقدم، والمنهي عنه هو التلقيب بما يتداخل المدعو به كراهة لكونه تقصيراً به وذماً له وشيناً. قال النووي: ((اتفق العلماء على تحريم تلقيب الإنسان بما يكره سواء كان صفة له أو لأبيه أو لأمه أو غيرهما)) فقد روي أن الآية نزلت في ثابت بن قيس وكان به وقر فكانوا يوسعون له في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسمع فأتى يوماً وهو يقول: تفسحوا حتى انتهى إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال لرجل: تنح فلم يفعل فقال: من هذا؟ فقال الرجل: أنا فلان فقال: بل أنت ابن فلانة يريد أماً كان يعير بها في الجاهلية فخجل الرجل فنزلت فقال ثابت: لا أفخر على أحد في الحسب بعدها أبداً. وأخرج البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وجماعة عن ابن جبيرة بن الضحاك قال: فينا نزلت في بني سلمة {وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَـٰبِ } قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة فكان إذا دعا أحداً منهم باسم من تلك الأسماء قالوا: يا رسول الله إنه يكرهه فنزلت {وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَـٰبِ } وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال: التنابز بالألقاب أن يكون الرجل عمل السيآت ثم تاب منها وراجع الحق فنهى الله تعالى أن يعير بما سلف من عمله، وعن ابن مسعود هو أن يقال لليهودي أو النصراني أو المجوسي إذا أسلم يا يهودي أو يا نصراني أو يا مجوسي، وعن الحسن نحوه، ولعل مأخذه ما روي أنها نزلت في صفية بنت حيـي أتت النبـي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن النساء يقلن لي / يا يهودية بنت يهوديين فقال لها: هلا قلت: إن أبـي هارون وعمي موسى وزوجي محمد صلى الله عليه وسلم. وأنت تعلم أن النهي عما ذكر داخل في عموم {لا تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَـٰبِ } على ما سمعت فلا يختص التنابز بقول يا يهودي ويافاسق ونحوهما. ومعنى قوله تعالى: {بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإيمَانِ } بئس الذكر المرتفع للمؤمنين بسبب ارتكاب التنابز أن يذكروا بالفسق بعد اتصافهم بالإيمان، وهو ذم على اجتماع الفسق وهو ارتكاب التنابز والإيمان على معنى لا ينبغي أن يجتمعا فإن الإيمان يأبى الفسق كقولهم: بئس الشأن بعد الكبرة الصبوة يريدون استقباح الجمع بين الصبوة وما يكون في حال الشباب من الميل إلى الجهل وكبر السن. و {ٱلاسْمُ } هنا بمعنى الذكر من قولهم: طار اسمه في الناس بالكرم أو اللؤم فلا تأبى هذه الآية حمل ما تقدم على النهي عن التنابز مطلقاً، وفيها تسميته فسوقاً، وقيل: {بَعْدَ ٱلإِيمَانِ } أي بدله كما في قولك للمتحول عن التجارة إلى الفلاحة: بئست الحرفة الفلاحة بعد التجارة، وفيه تغليظ يجعل التنابز فسقاً مخرجاً عن الإيمان، وهذا خلاف الظاهر. وذِكْرُ الزمخشري له مبني على مذهبه من أن مرتكب الكبيرة فاسق غير مؤمن حقيقة، وقيل: معنى النهي السابق لا ينسبن أحدكم غيره إلى فسق كان فيه بعد اتصافه بضده، ومعنى هذا بئس تشهير الناس وذكرهم بفسق كانوا فيه بعدما اتصفوا بضده، فيكون الكلام نهياً عن أن يقال ليهودي أسلم يا يهودي أو نحو ذلك، والأول أظهر لفظاً وسياقاً ومبالغة، والجملة على كل متعلقة بالنهي عن التنابز على ما هو الظاهر، وقيل: هي على الوجه السابق متعلقة بقوله تعالى: {وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } أو بجميع ما تقدم من النهي، وعلى هذا اقتصر ابن حجر في «الزواجر». ويستثنى من النهي الأخير دعاء الرجل الرجل بلقب قبيح في نفسه لا على قصد الاستخفاف به والإيذاء له كما إذا دعت له الضرورة لتوقف معرفته كقول المحدثين: سليمان الأعمش وواصل الأحدب، وما نقل عن ابن مسعود أنه قال لعلقمة: تقول أنت ذلك يا أعور، ظاهر في أن الاستثناء لا يتوقف على دعاء الضرورة، ضرورةَ أنه لا ضرورة في حال مخاطبته علقمة لقوله يا أعور، ولعل الشهرة مع عدم التأذي وعدم قصد الاستخفاف كافية في الجواز، ويقال ما كان من ابن مسعود من ذلك، والأولى أن يقال في الرواية عمن اشتهر بذلك كسليمان المتقدم روى عن سليمان الذي يقال له الأعمش. هذا وغوير بين صيغتي تلمزوا وتنابزوا لأن الملموز قد لا يقدر في الحال على عيب يلمز به لامزه فحيتاج إلى تتبع أحواله حتى يظفر ببعض عيوبه بخلاف النبز فإن من لقب بما يكره قادر على تلقيب الآخر بنظير ذلك حالاً فوقع التفاعل كذا في «الزواجر»، وقيل: قيل {تَنَابَزُواْ } لأن النهي ورد على الحالة الواقعة بين القوم. ويعلم من الآية أن التلقيب ليس محرماً على الإطلاق بل المحرم ما كان بلقب السوء، وقد صرحوا بأن التلقيب بالألقاب الحسنة مما لا خلاف في جوازه، وقد لقب أبو بكر رضي الله تعالى عنه بالعتيق لقوله عليه الصلاة والسلام له: «حديث : أنت عتيق الله من النار»تفسير : وعمر رضي الله تعالى عنه بالفاروق لظهور الإسلام يوم إسلامه، وحمزة رضي الله تعالى عنه بأسد الله لما أن إسلامه كان حمية فاعتز الإسلام به، وخالد بسيف الله لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نعم عبد الله خالد بن الوليد سيف من سيوف الله»تفسير : إلى غير ذلك من الألقاب الحسنة، وألقاب علي كرم الله تعالى وجهه أشهر من أن تذكر، وما زالت الألقاب الحسنة في الأمم كلها من العرب والعجم تجري في مخاطباتهم ومكاتباتهم من غير نكير. ولا فرق بين اللقب والكنية في أن الدعاء بالقبيح المكروه منها حرام، وربما يشعر به قول الراغب: ((اللقب اسم يسمى به الإنسان سوى اسمه الأول / ويراعى فيه المعنى بخلاف العلم، ولذلك قال الشاعر:شعر : وقلما أبصرت عيناك ذا لقب إلا ومعناه إن فتشت في لقبه)) تفسير : بدخولها في مفهومه لكن الشائع غير ذلك، وفي الحديث "حديث : كنوا أولادكم"تفسير : قال عطاء: مخافة الألقاب وقال عمر رضي الله تعالى عنه: أشيعوا الكنى فإنها سنة، ولنا في الكنى كلام نفيس ذكرناه في «الطراز المذهب» فمن أراده فليرجع إليه. {وَمَن لَّمْ يَتُبْ } عما نهي عنه من التنابز أو من الأمور الثلاثة السابقة أو مطلقاً ويدخل ما ذكر {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } بوضع العصيان موضع الطاعة وتعريض النفس للعذاب. والإفراد أولاً والجمع ثانياً مراعاة للفظ ومراعاة للمعنى.
ابن عاشور
تفسير : لما اقتضت الأخوة أن تَحْسُن المعاملة بين الأخوين كان ما تقرر من إيجاب معاملة الإخوة بين المسلمين يقتضي حسن المعاملة بين آحادهم، فجاءت هذه الآيات منبهة على أمور من حسن المعاملة قد تقع الغفلة عن مراعاتها لكثرة تفشّيها في الجاهلية لهذه المناسبة، وهذا نداء رابع أريد بما بَعده أمرُ المسلمين بواجب بعض المجاملة بين أفرادهم. وعن الضحاك: أن المقصود بنو تميم إذ سخروا من بلال وعَمار وصهيب، فيكون لنزول الآية سبب متعلق بالسبب الذي نزلت السورة لأجله وهذا من السخرية المنهي عنها. وروى الواحدي عن ابن عباس أن سبب نزولها: «أن ثابت بن قيس بن شمَّاس كان في سمعه وَقْر وكان إذا أتى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أوسِعوا له ليجلس إلى جنبه فيسمع ما يقول فجاء يوماً يتخطى رقاب الناس فقال رجل: قد أصبتَ مجلساً فاجلِس. فقال ثابت: مَنْ هذا؟ فقال الرجل: أنا فلان. فقال ثابت: ابنُ فلانة وذكر أمًّا له كان يُعيّر بها في الجاهلية، فاستحيا الرجل. فأنزل الله هذه الآية»، فهذا من اللمز. وروي عن عكرمة: «أنها نزلت لما عَيّرت بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمَّ سلمة بالقِصَر»، وهذا من السخرية. وقيل: عير بعضهن صفية بأنها يهودية، وهذا من اللمز في عرفهم. وافتتحت هذه الآيات بإعادة النداء للاهتمام بالغرض فيكون مستقلاً غير تابع حسبما تقدم من كلام الفخر. وقد تعرضت الآيات الواقعة عقب هذا النداء لصنف مُهمّ من معاملة المسلمين بعضهم لبعض مما فشا في الناس من عهد الجاهلية التساهلُ فيها. وهي من إساءة الأقوال ويقتضي النهي عنها الأمر بأضدادها. وتلك المنهيات هي السخرية واللمز والنبز. والسَّخر، ويقال السخرية: الاستهزاء، وتقدم في قوله: {أية : فيسخرون منهم} تفسير : في سورة براءة (79)، وتقدم وجه تعديته ب (من). والقوم: اسم جمع: جماعة الرجال خاصة دون النساء، قال زهير:شعر : وما أدري وسوف أخال أدري أقوم آلُ حصن أم نساء؟ تفسير : وتنكير {قوم} في الموضعين لإفادة الشياع، لئلا يتوهم نهي قوم معينين سخروا من قوم معينين. وإنما أسند {يسخر} إلى {قوم} دون أن يقول: لا يسخر بعضُكم من بعض كما قال: {أية : ولا يغتب بعضكم بعضاً}تفسير : [الحجرات: 12] للنهي عما كان شائعاً بين العرب من سخرية القبائل بعضها من بعض فوجّه النهي إلى الأقوام. ولهذا أيضاً لم يقل: لا يسخر رجل من رجل ولا امرأة من امرأة. ويفهم منه النهي عن أن يسخر أحد من أحد بطريق لحن الخطاب. وهذا النهي صريح في التحريم. وخص النساء بالذكر مع أن القوم يشملهم بطريق التغليب العرفي في الكلام، كما يشمل لفظُ {المؤمنين} المؤمنات في اصطلاح القرآن بقرينة مقام التشريع، فإن أصله التساوي في الأحكام إلا ما اقتضى الدليل تخصيص أحد الصنفين به دفعاً لتوهم تخصيص النهي بسخرية الرجال إذ كان الاستسخار متأصلاً في النساء، فلأجل دفع التوهم الناشىء من هذين السيئين على نحو ما تقدم في قوله من آية القصاص {أية : والأنثى بالأنثى} تفسير : في سورة البقرة (178). وجملة {عسى أن يكونوا خيراً منهم} مستأنفة معترضة بين الجملتين المتعاطفتين تفيد المبالغة في النهي عن السخرية بذكر حالة يكثر وجودها في المسخُورية، فتكون سخرية الساخر أفظع من الساخر، ولأنه يثير انفعال الحياء في نفس الساخرة بينه وبين نفسه. وليست جملة {عسى أن يكونوا خيراً منهم} صفةً لقوم من قوله: {من قوم} وإلا لصار النهي عن السخرية خاصاً بما إذا كان المسخور به مظنة أنه خير من الساخر، وكذلك القول في جملة {عسى أن يكُنَّ خيراً منهنّ} وليست صفة لــ {نسَاء} من قوله: {من نسَاء}. وتشابه الضميرين في قوله: {أن يكونوا خيراً منهم} وفي قوله: {أنْ يَكُنَّ خيراً منهن} لا لبس فيه لظهور مرجع كل ضمير، فهو كالضمائر في قوله تعالى: {أية : وعَمروها أكثَر مما عمَروها}تفسير : في سورة الروم (9)، وقول عباس بن مرداس:شعر : عُدنا ولولا نحن أحْدَق جمعهم بالمسلمين وأحرَزُوا ما جَمَّعوا تفسير : {وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُواْ بالألقاب}. اللمز: ذكر ما يَعُده الذاكر عيباً لأحد مواجهةً فهو المباشرة بالمكروه. فإن كان بحق فهو وقاحة واعتداء، وإن كان باطلاً فهو وقاحة وكذب، وكان شائعاً بين العرب في جاهليتهم قال تعالى: {أية : ويل لكلِّ هُمَزة لُمزة}تفسير : [الهمزة: 1] يعني نفراً من المشركين كان دأبهم لَمز رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكون بحالة بين الإشارة والكلام بتحريك الشفتين بكلام خفيّ يعرِف منه المواجه به أنه يذمّ أو يتوعد، أو يتنقص باحتمالات كثيرة، وهو غير النبز وغير الغِيبة. وللمفسرين وكتب اللغة اضطراب في شرح معنى اللمز وهذا الذي ذكرته هو المنخول من ذلك. ومعنى {لا تلمزوا أنفسكم} لا يلمز بعضكم بعضاً فَنُزِّلَ البعضُ الملموز نَفْساً للامزه لتقرر معنى الأخوة، وقد تقدم نظيره عند قوله: {أية : ولا تخرجونَ أنفسكم من دياركم}تفسير : في سورة البقرة (84). والتنابز: نبز بعضهم بعضاً، والنبْز بسكون الباء: ذكر النَبَز بتحريك الباء وهو اللقب السوء، كقولهم: أنف الناقة، وقُرْقُور، وبطَة. وكان غالب الألقاب في الجاهلية نبزا. قال بعض الفزاريين:شعر : أكنيه حين أناديه لأكرمه ولا ألقبه والسَّؤْأةُ اللقب تفسير : روي برفع (السوأْةُ اللقب) فيكون جرياً على الأغلب عندهم في اللقب وأنه سوأة. ورواه ديوان الحماسة بنصب (السوأةَ) على أن الواو واو المعية. وروي (بالسوأة اللقبا) أي لا ألقبه لقباً ملابساً للسوءة فيكون أراد تجنب بعض اللقب وهو ما يدل على سُوء ورواية الرفع أرجح وهي التي يقتضيها استشهاد سيبويه ببيت بعده في باب ظن. ولعل ما وقع في «ديوان الحماسة» من تغييرات أبي تمام التي نسب إليه بعضها في بعض أبيات الحماسة لأنه رأى النصب أصح معنى. فالمراد بــ {الألقاب} في الآية الألقاب المكروهة بقرينة {ولا تنابزوا}. واللقب ما أشعر بخسّة أو شرف سواء كان ملقباً به صاحبه أم اخترعه له النابز له. وقد خصص النهي في الآية بــ {الألقاب} التي لم يتقادم عهدها حتى صارت كالأسماء لأصحابها وتنوسي منها قصد الذم والسب خُصّ بما وقع في كثير من الأحاديث كقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : أصدق ذو اليدين»تفسير : ، وقوله لأبي هريرة «يا أبا هِرّ»، ولُقب شاول ملك إسرائيل في القرآن طالوت، وقول المحدثين (الأعرج) لعبد الرحمن بن هرمز، (والأعمش) لسليمان بن مَهران. وإنما قال {ولا تلمزوا} بصيغة الفعل الواقع من جانب واحد وقال: {ولا تَنابزوا} بصيغة الفعل الواقع من جانبين، لأن اللمز قليل الحصول فهو كثير في الجاهلية في قبائل كثيرة منهم بنو سلمة بالمدينة قاله ابن عطية. {بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ الظالمون}. تذييل للمنهيات المتقدمة وهو تعريض قوّي بأن ما نُهوا عنه فُسوق وظلم، إذ لا مناسبة بين مدلول هذه الجملة وبين الجمل التي قبلها لولا معنى التعريض بأن ذلك فسوق وذلك مذموم ومعاقب عليه فدلّ قوله: {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان}، على أن ما نهوا عنه مذموم لأنه فسوق يعاقب عليه ولا تزيله إلا التوبة فوقع إيجاز بحذف جملتين في الكلام اكتفاء بما دل عليه التذييل، وهذا دال على أن اللمز والتنابز معصيتان لأنهما فسوق. وفي الحديث «حديث : سباب المسلم فسوق»تفسير : . ولفظ {الاسم} هنا مطلق على الذكر، أي التسمية، كما يقال: طار اسمه في الناس بالجود أو باللؤم. والمعنى: بئس الذِكر أن يذكر أحد بالفسوق بعد أن وُصِف بالإيمان. وإيثار لفظ الاسم هنا من الرشاقة بمكان لأن السياق تحذير من ذكر الناس بالأسماء الذميمة إذ الألقاب أسماء فكان اختيار لفظ الاسم للفسوق مشاكلة معنوية. ومعنى البعديَّة في قوله: {بعد الإيمان}: بعدَ الاتصاف بالإيمان، أي أن الإيمان لا يناسبه الفسوق لأن المعاصي من شأن أهل الشرك الذين لا يزعهم عن الفسوق وازع، وهذا كقول جميلة بنت أُبيّ حين شكت للنبي صلى الله عليه وسلم أنها تكره زوجها ثابت بن قيس وجاءت تطلب فراقه: «لا أعيب على ثابت في دين ولا في خُلق ولكنّي أكره الكفر بعد الإسلام (تريد التعريض بخشية الزنا) وإني لا أطيقه بغضاً». وإذ كان كل من السخرية واللمز والتنابز معاصي فقد وجبت التوبة منها فمن لم يتب فهو ظالم: لأنه ظلم الناس بالاعتداء عليهم، وظلم نفسه بأن رضي لها عقاب الآخرة مع التمكن من الإقلاع عن ذلك فكان ظلمه شديداً جداً. فلذلك جيء له بصيغة قصر الظالمين عليهم كأنه لا ظالم غيرهم لعدم الاعتداد بالظالمين الآخرين في مقابلة هؤلاء على سبيل المبالغة ليزدجروا. والتوبة واجبة من كل ذنب وهذه الذنوب المذكورة مراتب وإدمان الصغائر كبيرة. وتوسيط اسم الإشارة لزيادة تمييزهم تفظيعاً لحالهم وللتنبيه، بل إنهم استحقوا قصر الظلم عليهم لأجل ما ذكر من الأوصاف قبل اسم الإشارة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ} قوله: {لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ} أي لا يستخفوا ولا يستهزؤوا بهم، والعرب تقول: سخر منه بكسر الخاء، يسخر بفتح الخاء على القياس، إذا استهزأ به واستخف. وقد نهى الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن السخرية من الناس، مبيناً أن المسخور منه قد يكون خيراً من الساخر. ومن أقبح القبيح استخاف الدنيء الأرذل بالأكرم الأفضل، واستهزاؤه به. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من النهي عن السخرية جاء ذم فاعله وعقوبته عند الله في غير هذا الموضع كقوله تعالى:{أية : ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}تفسير : [التوبة: 79]. وقد بين تعالى أن الكفار المترفين في الدنيا كانوا يسخرون من ضعاف المؤمنين في دار الدنيا، وأن أولئك يسخرون من الكفار يوم القيامة، كما قال تعالى:{أية : زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}تفسير : [البقرة: 212] وقال تعالى:{أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ}تفسير : [المطففين: 29-30] إلى قوله تعالى:{أية : فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}تفسير : [المطففين: 34-36]. فلا ينبغي لمن رأى مسلماً في حالة رثة تظهر بها عليه آثار الفقر والضعف أن يسخر منه لهذه الآيات التي ذكرنا. قوله تعالى: {وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}. أي لا يلزم أحدكم أخاه كما تقدم إيضاحه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى:{أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}تفسير : [الإسراء: 9]. وقد أوعد الله جل وعلا الذين يلمزون الناس في قوله{أية : ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ}تفسير : [الهمزة: 1]، والهمزة كثير الهمز للناس، واللمزة كثير اللمز. قال بعض العلماء: الهمز يكون بالفعل كالغمز بالعين احتقاراً وازدراء، واللمز باللسان، وتدخل فيه الغيبة. وقد صرح الله تعالى بالنهي عن ذلك في قوله:{أية : وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضا}تفسير : [الحجرات: 12] ونفر عنه غاية التنفير في قوله تعالى{أية : أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ}تفسير : [الحجرات: 12] فيجب على المسلم أن يتباعد كل التباعد من الوقوع في عرض أخيه.
القطان
تفسير : لا يسخر قوم من قوم: لا يحتقر احد منكم أخاه بذكر عيوبه واظهار نقائصه. يقال سخر به ومنه، هزئ به ومنه. القوم: شاع اطلاقه على الرجال دون النساء. ولا تلمزوا انفسكم: لا يعيب احد منكم اخاه، وعبّر بأنفسكم كأنهم جميعا نفسٌ واحدة فاذا عابَ المؤمن أخاه المؤمنَ كأنه عاب نفسَه. يريد الله تعالى ان يكون المجتمع الاسلامي مجتمعاً فاضلا، فأدّبنا بهذا الأدب الرفيع، فلكل انسان كرامتُه، وهي من كرامة الجميع، فإذا حصل ضرر لأي فرد فانه ضرر للناس كلهم. لذلك ينهى الله تعالى ان يسخَرَ رجالٌ من رجال آخرين لعلّهم خير منهم عند الله، او نساء من نساءٍ لعلّهن خير منهن عند الله. {وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} لا يعب بعضُكم بعضا بقول او إشارة على وجه الخفية، فانكم أيها المؤمنون كالجسدِ الواحد ان اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. وهذا حديث صحيح رواه مسلم. {وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ} ولا يدعو بعضكم بعضاً بالألقاب المستكرَهة، ولا تدعوا احدا بما لا يحبّ من الألقاب القبيحة. اما الألقاب اللطيفة التي تدل على معانٍ حسنة فلا مانع من استعمالها كما قيل لأبي بكر عتيق، ولعمر بن الخطاب: الفاروق، ولعثمان: ذو النورين الخ.. {بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ} بئس الاسم ان تُسمَّوا فاسقين بعد ان تكونوا مؤمنين. ومن لم يتبْ ويرجع عما نهى الله عنه فأولئك هم الظالمون الذين ظلموا أنفسَهم وغيرهم بعصيانهم أوامر الله.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {بِٱلأَلْقَابِ} {ٱلإَيمَانِ} {فَأُوْلَـٰئِكَ} {ٱلظَّالِمُونَ} (11) - يَنْهَى اللهُ تَعَالى المُؤْمنينَ عنِ السُّخرِيةِ مِنْ إِخْوانِهِم المُؤْمِنينَ، وَالاستِهزاءِ بهِمْ، وَاستِصْغَارِ شَأنِهِم، فَقَدْ يَكُونُ المُسْتَهزَأ بهِ أكْرَمَ عِنْدَ اللهِ مِنَ السَّاخِرِ مِنهُ، وَالمُحتقِر لهُ، فَيَظْلمُ نَفْسَه بِتَحْقيرِ مَنْ وَقَّرَهُ اللهُ. كَمَا نَهى تَعَالى النِّساءَ المُؤْمِنَاتِ عَنْ أنْ يَسْخَرْنَ مِنْ أخَواتِهِنَّ المُؤْمِنَاتِ، فَقَدْ تَكُونُ المُسْتَهزأ بِها أكرَمَ عِنْدَ اللهِ مِنَ السَّاخِرةِ مِنْها. كَما أمَرَ اللهُ المُؤْمِنينَ بألاَّ يَغْتَابَ بَعْضُهُم بَعْضاً، وَبأنْ لاَ يَعِيبَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، وَبأنْ لا يَطْعَنَ بَعْضهُمْ في بَعْضٍ. وَاعْتَبَرَ تَعَالى لَمْزَ الإِنسَانِ أخَاهُ كَلمْزِهِ نَفْسَهُ، وَطَعنَهُ أخَاه كَطَعْنِهِ في نَفْسِهِ، لأنَّ المُسْلِمينَ جَسَدٌ وَاحِدٌ إِنِ اشتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بالسَّهرِ وَالحمى. كَما قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وأمرُ الله تَعَالى المُؤْمِنينَ بأنْ لاَ يَدْعُو بَعْضُهُمْ بَعْضاً بِلَقَبِ يَسُوؤُهُ أو يَكْرَهُهُ، كَأنْ يَقُولَ مُسْلِمٌ لأخِيهِ المُسْلِمِ: يَا فَاجِرُ، أوْ يَا غَادِرُ أو يَا عَدُوَّ اللهِ أو يَا مُنَافِقُ... (وَقَالَ ابنُ عَبّاس: إنَّ التَّنَابُزَ بالألْقَابِ أنْ يَكُونَ الرَّجُلُ عَمِلَ السيِّئَاتِ ثُمَّ تَابَ، وَرَجَعَ إِلى الحَقِّ، فَنَهى اللهُ تَعَالى أنْ يُعَيَّر بِما سَلَفَ مِنْ عَمَلِهِ). وَبِئْسَتِ الصِّفَةُ، وَبِئْسَ الاسْمُ للْمُؤْمِنينَ أنْ يُذكَرُوا بالفُسُوقِ بَعْدَ دُخُولِهمْ في الإِيمَانِ. وَمَن لم يَتُبْ مِنْ نَبْزهِ أخَاهُ المُؤمِنَ بِلَقَبِ يَكْرَهُهُ، وَمَنْ لَمْ يَتُبْ مِنْ لَمْزهِ إخْوَتَهُ، وَمِنْ سُخْرِيَتِهِ مِنْهُم.. فَأولئِكَ هُمُ الظَّالِمونَ الذِينَ ظَلَمُوا أنفُسَهم فَأكْسَبُوها عِقَابَ اللهِ بِعِصْيَانِهِم إيَّاهُ. لاَ تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ - لاَ يَدْعُو بَعْضُكُمْ بَعْضاً بِلَقَبٍ يَكْرَهُهُ. لاَ يَسْخَرْ - لا يَهْزأ. لاَ تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ - لاَ يَعِبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَلاَ يَطْعَنْ فِيهِ.
الثعلبي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ} الآية، قال ابن عبّاس: نزلت في ثابت بن قيس، وذلك أنّه كان في إذنه وقر، فكان إذا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سبقوه بالمجلس، أوسعوا له حتّى يجلس إلى جنبه، فيسمع ما يقول، فأقبل ذات يوم، وقد فاته من صلاة الفجر ركعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمّا انصرف النبيّ صلى الله عليه وسلم من الصلاة أخذ أصحابه مجالسهم (منه، فربض) كلّ رجل بمجلسه، فلا يكاد يوسع أحد لأحد، فكان الرجل إذا جاء، فلم يجد مجلساً، قام قائماً، كما هو، فلمّا فرغ ثابت من الصلاة، وقام منها، أقبل نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يتخطّى رقاب الناس، ويقول: تفسحوا تفسحوا، فجعلوا يتفسحون له حتّى انتهى إلى رسول الله إلى الله عليه وسلم وبينه وبينه رجل. فقال له: تفسح. فقال له الرجل: قد أصبت مجلساً، فاجلس، فجلس ثابت من خلفه مغضباً، فلمّا ابينت الظلمة، غمز ثابت الرجل، وقال: مَنْ هذا؟ قال: أنا فلان. فقال له ثابت: ابن فلانة. ذكر أُمّاً له كان يعيَّر بها في الجاهلية. فنكس الرجل رأسه واستحيى، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية. وقال الضحّاك: نزلت في وفد تميم الذين ذكرناهم في صدر السورة، استهزءوا بفقراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل عمّار، وخباب، وبلال، وصهيب، وسلمان، وسالم مولى أبي حذيفة، لما رأوا من رثاثة حالهم، فأنزل الله سبحانه في الذين آمنوا منهم {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ} أي رجالٌ من رجال، والقوم اسم يجمع الرجال والنساء، وقد يختص بجمع الرجال، كقول زهير: شعر : وما أدري وسوف إخال أدري أقوم آل حصن أم نساء تفسير : {عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ} نزلت في امرأتين من أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم سخرتا من أُمّ سلمة، وذلك أنّها ربطت خصريها بسبيبة وهي ثوب أبيض ومثلها السب وسدلت طرفيها خلفها. كانت تجرها. فقالت عائشة لحفصة: انظري ما تجرّ خلفها كأنّه لسان كلب. فهذا كان سخريتهما. وقال أنس: نزلت في نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم عيّرن أُمّ سلمة بالقِصَر. ويقال: نزلت في عائشة، أشارت بيدها في أُمّ سلمة أنّها قصيرة، وروى عكرمة، عن ابن عبّاس حديث : أنّ صفية بنت حيي بن أخطب أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إنّ النساء يعيّرني فيقلن: يا يهودية بنت يهوديين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هلاّ قلت: إنّ أبي هارون، وابن عمّي موسى، وإنّ زوجي محمّد"، فأنزل الله سبحانه هذه الآية. {وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} تفسير : أي لا يعيب بعضكم بعضاً، ولا يطعن بعضكم على بعض. وقيل: اللمز العيب في المشهد، والهمز في المغيب، وقال محمّد بن يزيد: اللمز باللسان، والعين، والإشارة، والهمز لا يكون إلاّ باللسان، قال الشاعر: شعر : إذا لقيتك عن شخط تكاشرني وإن تغيبتُ كنت الهامز اللمزه تفسير : {وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ} قال أبو جبير بن الضحّاك: فينا نزلت هذه الآية في بني سلمة، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وما منّا رجل إلاّ له اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعا الرجل الرجل باسم، قلنا: يا رسول الله، إنّه يغضب من هذا. فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ}. قال قتادة، وعكرمة: هو قول الرجل للرجل: يا فاسق، يا منافق، يا كافر، وقال الحسن: كان اليهودي، والنصراني يُسلم، فيقال له بعد إسلامه: يا يهودي، يا نصراني، فنُهوا عن ذلك، وقال ابن عبّاس: التنابز بالألقاب أن يكون الرجل عمل السيّئات، ثمّ تاب منها، وراجع الحقّ، فنهى الله أن يعيّر بما سلف من عمله. {بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ} يقول: من فعل ما نهيت عنه من السخرية، واللمز والنبز، فهو فاسق، و {بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ} فلا تفعلوا ذلك، فتستحقّوا (اسم الفسوق) وقيل: معناه بئس الاسم الذي تسميه، بقولك فاسق، بعد أن علمت أنّه آمنَ. {وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ * يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ}... الآية نزلت في رجلين من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اغتابا رفيقيهما، وذلك حديث : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا أو سافر، ضمّ الرجل المحتاج إلى رجلين موسورين يخدمهما، ويحقب حوائجهما، ويتقدّم لهما إلى المنزل، فيهيّئ لهما ما يصلحهما من الطعام، والشراب، فضم سلمان الفارسي رضي الله عنه إلى رجلين في بعض أسفاره، فتقدّم سلمان، فغلبته عيناه، فلم يهيّئ لهما شيئاً، فلمّا قدما، قالا له: ما صنعت شيئاً؟ قال: لا. قالا: ولِمَ؟ قال: غلبتني عيناي، فقالا له: انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واطلب لنا منه طعاماً وإداماً، فجاء سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله طعاماً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "انطلق إلى أُسامة بن زيد وقل له: إن كان عنده فضل من طعام، وإدام، فليعطك". كان أُسامة خازن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رحله، فأتاه، فقال: ما عندي شيء، فرجع سلمان إليهما، وأخبرهما بذلك، فقالا: كان عند أُسامة، ولكن بخل، فبعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة، فلم يجد عندهم شيئاً، فلمّا رجع سلمان، قالا: لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها، ثمّ انطلقا يتجسّسان هل عند أُسامة ما أمر لهما به رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمّا جاءا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما: "ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما" قالا: يا رسول الله، والله ما تناولنا يومنا هذا لحماً، فقال: "ظللتم تأكلون لحم سلمان، وأسامة " . تفسير : فأنزل الله سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ}. {إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُواْ} قرأه العامّة (بالجيم) وقرأ ابن عبّاس، وأبو رجاء العطاردي (ولا تحسّسوا) (بالحاء)، قال الأخفش: ليس يبعد أحدهما عن الآخر.إلاّ أنّ التجسّس لما يُكتم، ويُوارى، ومنه الجاسوس، والتحسس (بالحاء) تحبر الأخبار، والبحث عنها، ومعنى الآية خذوا ما ظهر، ودعوا ما ستر الله، ولا تتّبعوا عورات المسلمين. أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن شنبه، قال: حدّثنا الفريابي قال: حدّثنا قتيبة بن سعد، عن مالك، عن أبي الزياد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إيّاكم والظنّ، فإنّ الظنّ أكذب الحديث، ولا تجسّسوا، ولا تحسّسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً ". تفسير : وأخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن حبش، قال: أخبرنا علي بن زنجويه. قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن زرارة بن مصعب بن عبد الرّحمن بن عوف، عن المسوّر بن مخرمة، عن عبد الرّحمن بن عوف، أنّه حرس ليلة عمر بن الخطّاب بالمدينة، فبينا هم يمشون شب لهم سراج في بيت، فانطلقوا يؤمّونه، فلمّا دنوا منه، إذا باب يجاف على قوم لهم أصوات مرتفعة، ولغط، فقال عمر، وأخذ بيد عبد الرّحمن: أتدري بيت من هذا؟ قال: قلت: لا. قال: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف، وهم الآن بيثرب، فما ترى؟ قال عبد الرّحمن: أرى أنّا قد أتينا ما قد نهى الله سبحانه، فقال: {وَلاَ تَجَسَّسُواْ} فقد تجسسنا، فانصرف عمر عنهم، وتركهم. وبه عن معمر، قال: أخبرني أيّوب، عن أبي قلابة أنّ عمر بن الخطّاب، حُدِّث أنّ أبا محجن الثقفي شرب الخمر في بيته هو وأصحابه، فانطلق عمر حتّى دخل عليه، فإذا ليس عنده إلاّ رجل، فقال أبو محجن: يا أمير المؤمنين إنّ هذا لا يحلّ لك، فقد نهاك الله عزّ وجلّ عن التجسّس، فقال عمر: ما يقول هذا؟ فقال زيد بن ثابت، وعبد الله بن الأرقم: صدق يا أمير المؤمنين، هذا التجسّس، قال: فخرج عمر رضي الله عنه، وتركه. وروى زيد بن أسلم أنّ عمر بن الخطّاب خرج ذات ليلة، ومعه عبد الرّحمن بن عوف رضي الله عنهما يعسّان إذ شبَّ لهما نار، فأتيا الباب، فاستأذنا، ففتح الباب، فدخلا، فإذا رجل، وامرأة تغنّي، وعلى يد الرجل قدح، وقال عمر للرجل: وأنت بهذا يا فلان؟ فقال: وأنت بهذا يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: فمن هذه منك؟ قال: امرأتي. قال: وما في القدح؟ قال: ماء زلال. فقال للمرأة: وما الّذي تغنّين؟ فقالت: أقول: شعر : تطاول هذا الليل واسودَّ جانبه وأرّقني ألاّ حبيب ألاعبه فوالله لولا خشية الله والتقى لزُعزع من هذا السرير جوانبه ولكن عقلي والحياء يكفني وأكرم بعلي أن تنال مراكبه تفسير : ثمّ قال الرجل: ما بهذا أُمرنا يا أمير المؤمنين، قال الله: {وَلاَ تَجَسَّسُواْ} فقال عمر: صدقت، وانصرف. وأخبرنا الحسين، قال: حدّثنا موسى بن محمّد بن علي. قال: حدّثنا الحسين بن علوية. قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى، قال: حدّثنا المسيب، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، قال: قيل لابن مسعود: هل لك في الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمراً؟ فقال: إنّا قد نهينا عن التجسّس، فإن يظهر لنا شيئاً نأخذه به. {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً} أخبرنا الحسين، قال: حدّثنا عبيد الله بن أحمد بن يعقوب المقري. قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن زيد أبو بكر السطوي، قال: حدّثنا علي بن اشكاب، قال: حدّثنا عمر بن يونس اليمامي، قال: حدّثنا جهضم بن عبد الله، عن العلاء بن عبد الرّحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغيبة فقال: "حديث : أن يُذكر أخاك بما يكره، فإمّا إن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتّه ". تفسير : وقال معاذ بن جبل: حديث : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر القوم رجلاً، فقالوا: ما يأكل إلاّ ما أطعم، ولا يرحل إلاّ ما رحّل، فما أضعفه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "اغتبتم أخاكم" قالوا: يا رسول الله وغيبة أن نحدّث بما فيه؟ فقال: "بحسبكم أن تحدّثوا عن أخيكم بما فيه ". تفسير : وروى موسى بن وردان عن أبي هريرة حديث : أنّ رجلاً قام من عند رسول الله، فرأوا في قيامه عجزاً، فقالوا: يا رسول الله ما أعجز فلاناً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أكلتم أخاكم واغتبتموه ". تفسير : {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً}، قال قتادة: يقول: كما أنت كاره أن وجدت جيفة مدودة أن تأكل منها، فكذلك فاكره لحم أخيك وهو حيّ، {فَكَرِهْتُمُوهُ} قال الكسائي، والفراء: معناه، فقد كرهتموه. وقرأ أبو سعيد الخدري (فكرهتموه) بالتشديد على غير تسمية الفاعل. أخبرني الحسن، قال: حدّثنا عمر بن نوح البجلي، قال: حدّثنا أبو صالح عبد الوهاب بن أبي عصمة. قال: حدّثنا إسماعيل بن يزيد الأصفهاني. قال: حدّثنا يحيى بن سليم، عن كهمس، عن ميمون بن سباه، وكان يفضل على الحسن، ويقال: قد لقي من لم يلق، قال: بينما أنا نائم إذا أنا بجيفة زنجي وقائل يقول لي: كُلْ، قلت: يا عبد الله، ولِمَ آكل؟ قال: بما اغتبت عبد فلان، قلت: والله ما ذكرت منه خيراً، ولا شرّاً، قال: لكنّك استمعت، ورضيت، فكان ميمون بعد ذلك لا يغتاب أحداً، ولا يدع أن يغتاب عنده أحد، وحُكي عن بعض الصالحين أنّه قال: كنت قاعداً في المقبرة الفلانية، فاجتازني شاب جلد، فقلت: هذا، وأمثاله، وبالٌ على الناس، فلمّا كانت تلك الليلة رأيت في المنام أنّه قُدِّم إليَّ جنازة عليها ميّت، وقيل ليّ كُلْ من لحم هذا، وكشف عن وجهه، فإذا ذلك الشاب، فقلت: أنا لم آكل من لحم الحيوان الحلال منذ سنين، فكيف آكل هذا؟ فقيل: فلِمَ اغتبته إذاً؟ فانتبهت حزيناً، فكنت آوي إلى تلك المقبرة سنة واحدة، فرأيت الرجل، فقمت إليه لأستحلّ منه، فنظر إليَّ من بعيد، فقال: تبت. قلت: نعم، قال: ارجع إلى مكانك. وقد أخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا عمر بن الخطّاب. قال: حدّثنا عبد الله بن الفضل. قال: أخبرنا علي بن محمّد. قال: حدّثنا يحيى بن آدم. قال: حدّثنا ابن المبارك، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن ابن عمر، لأبي هريرة، قال: حديث : جاء ماعر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنّه زنى، فأعرض عنه، حتّى أقرّ أربع مرّات، فأمر برجمه، فمرّ النبيّ صلى الله عليه وسلم على رجلين يذكران ماعراً، فقال أحدهما: هذا الذي ستر عليه، فلم تدعه نفسه حتّى رُجم برجم الكلب. قال: فسكت عنهما حتّى مرّا معه على جيفة حمار شائل رجله، فقال صلى الله عليه وسلم لهما: "انزلا فأصيبا منه". فقالا: يا رسول الله غفر الله لك، وتؤكل هذه الجيفة؟ قال: "ما أصبتما من لحم أخيكما آنفاً أعظم عليكما، أما إنّه الآن في أنهار الجنّة منغمس فيها" . تفسير : وأخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن شيبة قال: حدّثنا الفريابي، قال: حدّثنا محمّد بن المصفى، قال: حدّثنا أبو المغيرة، حدّثنا عبد القدوس بن الحجّاج، قال: حدّثني صفوان بن عمرو، قال: حدّثنا راشد بن سعد، وعبد الرّحمن بن جبير، عن أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لمّا عُرج بي مررتُ بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم، وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم النّاس، ويقعون في أعراضهم ". تفسير : {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} أخبرني الحسين، قال: حدّثنا موسى بن محمّد بن علي، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى الحلواني، قال: حدّثنا يحيى بن أيّوب، قال: حدّثنا أسباط، عن أبي رجاء الخراساني، عن عبّاد بن كثير، عن الحريري، عن أبي نصرة، عن جابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخُدري، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الغيبة أشدّ من الزنا". قيل: وكيف؟ قال: "إنّ الرجل يزني، ثمّ يتوب، فيتوب الله عليه، وإنّ صاحب الغيبة لا يُغفر له حتّى يغفر له صاحبه ". تفسير : وأخبرني الحسين، قال: حدّثنا الفضل. قال: حدّثنا أبو عيسى حمزة بن الحسين بن عمر البزاز البغدادي، قال: حدّثنا محمّد بن علي الورّاق. قال: حدّثنا هارون بن معروق، قال: حدّثنا ضمرة، عن ابن شوذي، قال: قال رجل لابن سيرين: إنّي قد اغتبتك، فاجعلني في حلّ، قال: إنّي أكره أن أحلّ ما حرّم الله. وأخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا أبو الطيب بن حفصويه، قال: حدّثنا عبد الله بن جامع. قال: قرأت على أحمد بن سعيد، حدّثنا سعيد، قال: حدّثنا يزيد بن هارون، عن هشام بن حسّان عن خالد الربعي، قال: قال عيسى ابن مريم لأصحابه: أرأيتم لو أنّ أحدكم رأى أخاه المسلم قد كشف الريح عن ثيابه؟ قالوا: سبحان الله إذاً كنّا نردّه. قال: لا، بل كنتم تكشفون ما بقي، مثلاً ضربه لهم يسمعون للرجل سيئة أو حسنة، فيذكرون أكثر من ذلك.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نلاحظ هنا أن القرآن وجَّه النهي ألى القوم مرة، وإلى النساء مرة، وخَصَّ كُلاًّ منهما بنهي، ذلك لأن كلمة قوم لا تُقال إلا للرجال، لأنهم هم الذين يقومون على شئون الأسرة، أما المرأة فليس لها قيامٌ إلا على بيتها، يقول الشاعر: شعر : وَمَا أدْري وَلْستُ إخَالُ أدْري أقوْمٌ آلُ حِصْن أمْ نِسَاءُ تفسير : إذن: القوم تُقال للنساء وفي آية أخرى قال تعالى: {أية : ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ ..}تفسير : [النساء: 34] البعض يفهم من كلمة {قَوَّٰمُونَ} أنها للقهر وللضرب، أبداً، بل الرجال قوَّامون على النساء. يعني: يقومون على رعايتهن وتدبير أمورهن. لذلك نقول للمرأة (ست بيت) فكأن الرجل هو الخادم الراعي لها، ونحن نقول: فلان قائم بهذا الأمر. يعني: يتولى العمل الشاقَّ فيه. تذكرون في قصة سيدنا آدم لما أسكنه اللهُ الجنةَ هو وزوجه، وحدثتْ من آدم المخالفة لأمر الله، قال تعالى: {أية : فَقُلْنَا يآءَادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ}تفسير : [طه: 117] هذا خطاب لآدم وحواء. والقاعدة أن يقول (فتشقيا) بالتثنية، لكن قال {فَتَشْقَىٰ} أي: آدم وحده، لأن مهمة الكدح والشقاء وتحمُّل مسئولية الأسرة للرجل فقط، اما المرأة فهي للبيت ولها دور فيه ودور هام يملأ كلَّ لحظة في حياتها، لكن ماذا نفعل وهُنَّ يُردْنَ أنْ يشقيْنَ مع الرجال؟ والنهي عن السخرية في هذه الآية له سببٌ في الرجال، وله سببٌ في النساء: حديث : فيُروى أن ثابت بن قيس دخل على مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد الصفَّ الأول قد اكتمل، وأراد أنْ يجلس في الصف الأول لأنه كان ثقيل السمع، فجاء إلى رجل من ضعفاء القوم وقال له: تزحزح فلم يتزحزح، فقال له: منْ أنت؟ قال: فلان، قال: ابن فلانة؟ وكانت لها سيرة سيئة بين الناس، وسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من قال ابن فلانة؟ قال: أنا يا رسول الله، فقال: انظر في مجلسنا فنظر فيه، فقال له: ماذا رأيتَ؟ قال: رأيت الأسود والأبيض والأحمر. قال: أفضلكم عند الله أتقاكم . تفسير : ثم لم ينس الرجل الذي قيل له تفسح فلم يتفسح، ونزل في حقِّه قوله تعالى: {أية : إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ ..}تفسير : [المجادلة: 11]. ويُروَى أن السيدة أم سلمة كانت قصيرة، وفي مرة أصابها وجع في رجلها فربطتها بقطعة من القماش، وكان فيها بقية تتدلَّى على الأرض تجرُّها خلفها، فرأتها على هذا الحال السيدة عائشة والسيدة حفصة. فقالت إحداهن للأخرى: تمشي ولها ذيل كذيل الكلب. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية. لذلك يقول الحق سبحانه في يوم القيامة: "حديث : جعلت نسباً، وجعلتم نسباً، فجعلتُ أكرمكم عند الله أتقاكم فأبْيتم وقُلْتم: أكرمنا فلان ابن فلان، فاليوم - أي يوم القيامة - أرفع نسبي وأضَعُ أنسابكم ". تفسير : ودخل رجل أعرج على أحدهم، فراح ينظر إليه نظرة سخرية لعرجته، ففهم الأعرجُ قصده، فقال له: أتعيب الصَّنعة أم تعيب الصانع؟ فأفحمه حتى ندم على سُوء أدبه معه، وقال: والله لوددتُ عندها أنْ أكون أنا مثله وهو مثلي. والحق سبحانه وتعالى حينما ينهانا عن السخرية، إنما يريد المساواة بين جميع خَلْقه، فالخَلْق جميعاً خَلْقه وصنعته وعبيده، وليس فيهم من هو ابن الله، ولا مَنْ بينه وبين الله قرابة، فلِمَ إذن يسخر بعضنا من بعض؟ إياك والسخرية من الناس مهما كانوا أقلّ منك، عليك إنْ رأيت عيباً في دين أو خُلق أنْ تُقوِّمه وتُصلح من شأنه ما استطعت. وإذا كان العيبُ في الخَلْق، وفيما لا دخْلَ للمخلوق فيه فتأدَّبْ مع الخالق، ووالله لو علمتم ما جعله الله للمؤوف - يعني: مَنْ به آفة - لتمنيتم جميعاً أنْ تكونوا مؤافين، فإن الله تعالى ليس له ولد، بل وزَّع أسبابَ فضله على عباده، فإنْ أخذ من واحد منهم شيئاً فقد عوَّضه خيراً منه. والسخرية والاستهزاء لا يكونان إلا من إنسان عَلا في شيء أمام إنسان نقص في هذا الشيء كأن يسخر الغنيُّ من الفقير، أو القوي من الضعيف، أو سليم التكوين من المعاق .. وهذا السلوك نتيجة الغفلة عن ميزان التفاضل بين الخلق جميعاً، ألا وهو التقوى. وقلنا: إنك لو نظرتَ في الوجود كله لوجدتَ فيه قضية عادلة، هي أن كل إنسان منَّا، مجموع نعم الله عليه تساوي مجموع أيِّ إنسان آخر، لأن الخالق سبحانه وزَّع فضله على عباده لكن هذا أخذ 100% في العقل وهذا أخذ 100% في الصحة لكن المجموع في النهاية متساوٍ. ذلك لأن الله تعالى لا يريد نسخاً مكررة من البشر، إنما يريدنا متفاوتين في المواهب لتستقيم بنا حركة الحياة وتتكامل ويرتبط البشر ببعض ارتباط حاجة، لذلك قلنا إن الباشا قد يحتاج إلى عامل المجاري. فقوله تعالى: {أية : وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ..}تفسير : [الأنعام: 165] يعني كل منا مرفوع في شيء، ومرفوع عليه في شيء آخر. تعلمون أن بتهوفن الموسيقي الشهير كان أصم لا يسمع، وأن تيمور لنك الذي دوَّخ الدنيا بالفتوحات كان أعرج. هذا يعني أنك لا تسخر من أحد، ولا تحتقر أحداً لأنك رأيته أقلَّ منك في شيء ما، فكلنا سواسية في ميزان الحق سبحانه، وكأنه سبحانه يريد أنْ يعطينا درساً في أنه سبحانه ليس له ولد وليس له صاحبة. لذلك كانت الجن أفضل فهماً منا حين قالت: {أية : وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً}تفسير : [الجن: 3] فكلنا عيال الله، بل تبلغ هذه المساواة إلى أن رسول الله يأمرنا بأنْ نسوِّيَ بينَ أولادنا ولو في القُبلة. وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعلِّمنا كيف نتصرف إذا ما حدث بيننا شيء من التهكم أو السخرية، وكيف نقابله ونردّ عليه. فيُروي في سبب نزول هذه الآية حديث : أن السيدة صفية بنت حُيي بن أخطب، وكان زعيم بني المصطلق، ولما غزاهم رسول الله كانت السيدة صفية في الأسرى فأراد صلى الله عليه وسلم أنْ يُكرمها لأنها بنت ملكهم فتزوجها فغارت منها نساء النبي، والغيرة كما يقولون (فقاقيع) الحب. وكانت عائشة أكثر زوجات الرسول غيرةً عليه، فقالت لصفية: يا يهودية بنت يهوديين، فذهبت صفية باكية إلى رسول الله وحكتْ له ما كان من عائشة، فضحك رسول الله لأنه يعلم غيرة عائشة عليه. لذلك لم يُؤنِّب عائشة، إنما أرضى صفية وطيَّب خاطرها وقال لها: إنْ قالت لك هذا فقُولي لها: ولكن أبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد . تفسير : انظر كيف عالج سيدنا رسول الله هذا الموقف. وكيف أعلى من شأن صفية، فهب سليلة الرسل والأنبياء وزوجة نبي، نعم رد يفحم ولا يخطر على بال أحد، ولم لا وقد أُوتي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم. ومثل هذا الموقف أيضاً حدث حديث : من السيدة عائشة للسيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله، حيث كانت تغار من السيدة خديجة، ومن ثناء رسول الله عليها في كل موقف، حتى قالت له: ماذا يعجبك في عجوز شمطاء حمراء الشدقين، قد أبدلك الله خيراً منها؟ كيف ردَّ رسول الله؟ قال لها: لا والله ما أبدلني الله خيراً منها، فقد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذا كذنبي الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء". وبعد ذلك لما قابلت فاطمة قال لها: لا يغرنّك ثناء رسول الله على أمك، فقد تزوجها ثيِّباً وتزوجني بكْراً، فلما اشتكتْ لرسول الله قوْلَ عائشة قال لها: إذا قالت لك هذا فقولي لها: ولكن أمي تزوجت رسول الله بكْراً وأنت تزوجته ثيباً . تفسير : والبعض يقول: كيف يحدث كل هذا في بيت رسول الله؟ نقول: نفهم من هذه الغيرة إلى جانب أنها علامة الحب لسيدنا رسول الله، إلا أنها أيضاً تعني أن عائشة التي تزوجها رسول الله وهي بنت التاسعة، ومع ذلك كانت تغار على كِبره، وهذا يعني أنه صلى الله عليه وسلم غير مزهود فيه. وقوله سبحانه: {وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ ..} [الحجرات: 11] هنا نَهْي عن صفة أخرى مذمومة لا تليق بأهل الإيمان، هي صفة اللمز وهو أنْ تعيب الآخرين، وتأمل دقة الأداء القرآني في قوله: {وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ..} [الحجرات: 11] والإنسان لا يلمز نفسه إنما يلمز غيره، لكنه أنزل الآخرين منزلة الإنسان نفسه، ثم إنك حين تلمز الناس تُجرّئهم على أنْ يلمزوك، على حَدِّ قول الشاعر: شعر : لسَانُكَ لاَ تَذْكُر بِهِ عَوْرَةَ امْرِيء فكُلُّكَ عَوْراتٌ وللنَّاسِ ألْسُنُ وَعَيْنكَ إنْ أبدَتْ إليْكَ مَسَاوِئاً فَصُنْهَا وَقُلْ يَا عَيْنُ لِلنَّاسِ أعيُنُ تفسير : ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: {أية : فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ ..}تفسير : [النور: 61] لأنك حين تُسلِّم على الناس يريدون عليك السلام فكأنك سلَّمتَ على نفسك. وقوله سبحانه: {وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ ..} [الحجرات: 11] نهي آخر عن التنابز بالألقاب. أي: لا يدع أحدكم أخاه بلقب يكرهه، والتنابز من نبز الشيء يعني: أبعده وتركه، كذلك حين تنادي شخصاً بلقب يكرهه، فكأنك تبعده عنك وتُوسع الفجوة بينك وبينه. والأسماء عندنا في اللغة اسم ولقب وكُنية: الاسم هو ما يُطلق على المسمى فيصير عَلَماً مثل محمد. واللقب هو ما يُشعِر بمدح أو ذم مثل الصِّديق، أو أن نسمي أحد الضعفاء مثلاً (سليمان بطة)، أما الكُنْية فهي ما صُدِّرتْ بأب أو أم. مثل أبي بكر، أم المؤمنين. إذن: لا يجوز أنْ ننادي شخصاً مثلاً بلفظ مكروه وهو لا يحبه ولا يحب أن يُنادى به، من ذلك ما ذكرناه من قول عائشة لصفية: يا يهودية. والتنابز بالألقاب يزرع الأحقاد والضغائن، ويهيج الغرائز والغضب عليك، ولم لا تناديه بأحب الأسماء إليه لتعطفه إليك. حتى أن الفقهاء قالوا: إذا أذنب الرجل ذنباً ثم تاب منه إياك أنْ تُذكِّره به أو تُعيِّره به، لأن ذلك يُعدُّ قذفاً له، إلى جانب أنك تعين عليه الشيطان، كمن تاب عن الخمر ونقول له (يا خمورجي)، أو تاب عن القمار ونقول له (يا قمرتي) وهكذا. لذلك قال بعدها: {بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ ..} [الحجرات: 11] يعني: بئس ما تقول لأخيك حينما تُذكِّره بماض يريد أنْ ينساه، وقبيح بك أنْ تُعيِّره بعد أنْ تاب، كما أنه قبيحٌ بك الفسوق بعد الإيمان. {وَمَن لَّمْ يَتُبْ ..} [الحجرات: 11] يعني: عن التنابز بالألقاب {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11] نعم ظالمون لأنفسهم بعدم اتباع المنهج في هذا النهي، وظالمون لغيرهم حين ينادونهم بهذه الألقاب المكروهة، فمن حَقِّ الذي تاب ألاَّ تذكره بعيبه، وألاَّ تُعيّره به.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} معناه لا تَعيبُوا {وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ} معناه لا تَقولُوا يا كافرُ يا فاسقُ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذا أيضًا، من حقوق المؤمنين، بعضهم على بعض، أن { لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ } بكل كلام، وقول، وفعل دال على تحقير الأخ المسلم، فإن ذلك حرام، لا يجوز، وهو دال على إعجاب الساخر بنفسه، وعسى أن يكون المسخور به خيرًا من الساخر، كما هو الغالب والواقع، فإن السخرية، لا تقع إلا من قلب ممتلئ من مساوئ الأخلاق، متحل بكل خلق ذميم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : بحسب امرئ من الشر، أن يحقر أخاه المسلم ". تفسير : ثم قال: { وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ } أي: لا يعب بعضكم على بعض، واللمز: بالقول، والهمز: بالفعل، وكلاهما منهي عنه حرام، متوعد عليه بالنار. كما قال تعالى: {أية : وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ } تفسير : الآية، وسمي الأخ المؤمن نفسًا لأخيه، لأن المؤمنين ينبغي أن يكون هكذا حالهم كالجسد الواحد، ولأنه إذا همز غيره، أوجب للغير أن يهمزه، فيكون هو المتسبب لذلك. { وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ } أي: لا يعير أحدكم أخاه، ويلقبه بلقب ذم يكره أن يطلق عليه وهذا هو التنابز، وأما الألقاب غير المذمومة، فلا تدخل في هذا. { بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ } أي: بئسما تبدلتم عن الإيمان والعمل بشرائعه، وما تقتضيه، بالإعراض عن أوامره ونواهيه، باسم الفسوق والعصيان، الذي هو التنابز بالألقاب. { وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } فهذا [هو] الواجب على العبد، أن يتوب إلى الله تعالى، ويخرج من حق أخيه المسلم، باستحلاله، والاستغفار، والمدح له مقابلة [على] ذمه. { وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } فالناس قسمان: ظالم لنفسه غير تائب، وتائب مفلح، ولا ثم قسم ثالث غيرهما.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ} [11] 536 - أخبرنا حُميدُ بن مسعدة، نا بشرٌ، نا داود، عن عامرٍ، قال أبو [جبيرة] بن الضحاك: فينا نزلت الآيةُ قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وما مِنَّا رجلٌ إلا له اسمان أو ثلاثةٌ، كان إذا دعا الرجلُ بالاسمِ، قلنا يا رسول الله: إنه يغضبُ من هذا، فأُنزلت {وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ} الآيةُ كُلها.
همام الصنعاني
تفسير : 2933- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}: [الآية: 11]، قال: لا يطعن بعضكم على بعض. {وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ}: [الآية: 11]، قال: لا تقل لأخيك المسلم: يا فاسق يا منافق. 2934- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن؛ قال: كان اليهودي والنصراني يُسْلِم، فيُقَالُ له: يَا يَهُودي يا نصراني، فَنُهُوا عن ذَلِكَ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):