٤٩ - ٱلْحُجُرَات
49 - Al-Hujurat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
12
Tafseer
الرازي
تفسير : لأن الظن هو السبب فيما تقدم وعليه تبنى القبائح، ومنه يظهر العدو المكاشح والقائل إذا أوقف أموره على اليقين فقلما يتيقن في أحد عيباً فيلمزه به، فإن الفعل في الصورة قد يكون قبيحاً وفي نفس الأمر لا يكون كذلك، لجواز أن يكون فاعله ساهياً أو يكون الرائي مخطئاً، وقوله {كَثِيراً } إخراج للظنون التي عليها تبنى الخيرات قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ظنوا بالمؤمن خيراً» تفسير : وبالجملة كل أمر لا يكون بناؤه على اليقين، فالظن فيه غير مجتنب مثاله حكم الحاكم على قول الشهود وبراءة الذمة عند عدم الشهود إلى غير ذلك فقوله {ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً } وقوله تعالى: {إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنّ إِثْمٌ } إشارة إلى الأخذ بالأحوط كما أن الطريق المخوفة لا يتفق كل مرة فيه قاطع طريق، لكنك لا تسلك لاتفاق ذلك فيه مرة ومرتين، إلا إذا تعين فتسلكه مع رفقة كذلك الظن ينبغي بعد اجتهاد تام ووثوق بالغ. ثم قال تعالى: {وَلاَ تَجَسَّسُواْ } إتماماً لما سبق لأنه تعالى لما قال: {ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مّنَ ٱلظَّنّ } فهم منه أن المعتبر اليقين فيقول القائل أنا أكشف فلاناً يعني أعلمه يقيناً وأطلع على عيبه مشاهدة فأعيب فأكون قد اجتنبت الظن فقال تعالى: ولا تتبعوا الظن، ولا تجتهدوا في طلب اليقين في معايب الناس. ثم قال تعالى: {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً } إشارة إلى وجوب حفظ عرض المؤمن في غيبته وفيه معان أحدها: في قوله تعالى: {بَّعْضُكُم بَعْضاً } فإنه للعموم في الحقيقة كقوله {أية : لا تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [الحجرات: 11] وأما من اغتاب فالمغتاب أولاً يعلم عيبه فلا يحمل فعله على أن يغتابه فلم يقل ولا تغتابوا أنفسكم لما أن الغيبة ليست حاملة للعائب على عيبه من اغتابه، والعيب حامل على العيب ثانيها: لو قال قائل هذا المعنى كان حاصلاً بقوله تعالى: لا تغتابوا، مع الاقتصار عليه نقول لا، وذلك لأن الممنوع اغتياب المؤمن فقال: {بَّعْضُكُم بَعْضاً } وأما الكافر فيعلن ويذكر بما فيه وكيف لا والفاسق يجوز أن يذكر بما فيه عند الحاجة ثالثها: قوله تعالى: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً } دليل على أن الاغتياب الممنوع اغتياب المؤمن لا ذكر الكافر، وذلك لأنه شبهه بأكل لحم الأخ، وقال من قبل {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } تفسير : [الحجرات: 10] فلا أخوة إلا بين المؤمنين، ولا منع إلا من شيء يشبه أكل لحم الأخ ففي هذه الآية نهى عن اغتياب المؤمن دون الكافر رابعها: ما الحكمة في هذا التشبيه؟ نقول هو إشارة إلى أن عرض الإنسان كدمه ولحمه، وهذا من باب القياس الظاهر، وذلك لأن عرض المرء أشرف من لحمه، فإذا لم يحسن من العاقل أكل لحوم الناس لم يحسن منه قرض عرضهم بالطريق الأولى لأن ذلك آلم، وقوله {لَحْمَ أَخِيهِ } آكد في المنع لأن العدو يحمله الغضب على مضغ لحم العدو، فقال أصدق الأصدقاء من ولدته أمك، فأكل لحمه أقبح ما يكون، وقوله تعالى: {مَيْتًا } إشارة إلى دفع وهم، وهو أن يقال القول في الوجه يؤلم فيحرم، وأما الاغتياب فلا اطلاع عليه للمغتاب فلا يؤلم، فقال أكل لحم الأخ وهو ميت أيضاً لا يؤلم، ومع هذا هو في غاية القبح لما أنه لو اطلع عليه لتألم، كما أن الميت لو أحس بأكل لحمه لآلمه، وفيه معنى: وهو أن الاغتياب كأكل لحم الآدمي ميتاً، ولا يحل أكله إلا للمضطر بقدر الحاجة، والمضطر إذا وجد لحم الشاة الميتة ولحم الآدمي الميت فلا يأكل لحم الآدمي، فكذلك المغتاب أن وجد لحاجته مدفعاً غير الغيبة فلا يباح له الاغتياب، وقوله تعالى: {مَيْتًا } حال عن اللحم أو عن الأخ، فإن قيل اللحم لا يكون ميتاً، قلنا بلى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما أبين من حي فهو ميت» تفسير : فسمى الغلفة ميتاً، فإن قيل إذا جعلناه حال عن الأخ، لا يكون هو الفاعل ولا المفعول فلا يجوز جعله حال، كما يقول القائل: مررت بأخي زيد قائماً، ويريد كون زيداً قائماً، قلنا يجوز أن يقال من أكل لحمة فقد أكل، فصار الأخ مأكولاً مفعولاً، بخلاف المرور بأخي زيد، فيجوز أن تقول ضربت وجهه آثماً أي وهو آثم، أي صاحب الوجه، كما أنك إذا ضربت وجهه فقد ضربته، ولا يجوز أن تقول مزقت ثوبه آثماً، فتجعل الآثم حالاً من غيرك، وقوله تعالى: {فَكَرِهْتُمُوهُ } فيه مسألتان: المسألة الأولى: العائد إليه الضمير يحتمل وجوهاً الأول: وهو الظاهر أن يكون هو الأكل، لأن قوله تعالى: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ } معناه أيحب أحدكم الأكل، لأن أن مع الفعل تكون للمصدر، يعني فكرهتم الأكل الثاني: أن يكون هو اللحم، أي فكرهتم اللحم الثالث: أن يكون هو الميت في قوله {مَيْتًا } وتقديره: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً متغيراً فكرهتموه، فكأنه صفة لقوله {مَيْتًا } ويكون فيه زيادة مبالغة في التحذير، يعني الميتة إن أكلت في الندرة لسبب كان نادراً، ولكن إذا أنتن وأروح وتغير لا يؤكل أصلاً، فكذلك ينبغي أن تكون الغيبة. المسألة الثانية: الفاء في قوله تعالى: {فَكَرِهْتُمُوهُ } تقتضي وجود تعلق، فما ذلك؟ نقول فيه وجوه أحدها: أن يكون ذلك تقدير جواب كلام، كأنه تعالى لما قال: {أَيُحِبُّ } قيل في جوابه ذلك وثانيها: أن يكون الاستفهام في قوله {أَيُحِبُّ } للانكار كأنه قال: لا يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه إذاً ولا يحتاج إلى إضمار وثالثها: أن يكون ذلك التعلق هو تعلق المسبب بالسبب، وترتبه عليه كما تقول: جاء فلان ماشياً فتعب، لأن المشي يورث التعب، فكذا قوله {مَيْتًا } لأن الموت يورث النفرة إلى حد لا يشتهي الإنسان أن يبيت في بيت فيه ميت، فكيف يقربه بحيث يأكل منه، ففيه إذاً كراهة شديدة، فكذلك ينبغي أن يكون حال الغيبة. ثم قال تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ } عطف على ما تقدم من الأوامر والنواهي، أي اجتنبوا واتقوا، وفي الآية لطائف: منها أن الله تعالى ذكر في هذه الآية أمور ثلاثة مرتبة بيانها، هو أنه تعالى قال: {ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً } أي لا تقولوا في حق المؤمنين ما لم تعلموه فيهم بناء على الظن، ثم إذا سئلتم على المظنونات، فلا تقولوا نحن نكشف أمورهم لنستيقنها قبل ذكرها، ثم إن علمتم منها شيئاً من غير تجسس، فلا تقولوه ولا تفشوه عنهم ولا تعيبوا، ففي الأول نهى عما لم أن يعلم، ثم نهى عن طلب ذلك العلم، ثم نهى عن ذكر ما علم، ومنها أن الله تعالى لم يقل اجتنبوا تقولوا أمراً على خلاف ما تعلمونه، ولا قال اجتنبوا الشك، بل أول ما نهى عنه هو القول بالظن، وذلك لأن القول على خلاف العلم كذب وافتراء، والقول بالشك، والرجم بالغيب سفه وهزء، وهما في غاية القبح، فلم ينه عنه اكتفاء بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا } لأن وصفهم بالإيمان يمنعهم من الافتراء والارتياب الذي هو دأب الكافر. وإنما منعهم عما يكثر وجوده في المسلمين، لذلك قال في الآية {لاَ يَسْخَرْ } ومنها أنه ختم الآيتين بذكر التوبة، فقال في الأولى: {أية : وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } تفسير : [الحجرات: 11] وقال في الأخرى {أية : إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ } تفسير : [الحجرات: 12] لكن في الآية الأولى لما كان الابتداء بالنهي في قوله {لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ } ذكر النفي الذي هو قريب من النهي، وفي الآية الثانية لما كان الابتداء بالأمر في قوله {ٱجْتَنَبُواْ } ذكر الارتياب الذي هو قريب من الأمر.
القرطبي
تفسير : فيه عشر مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ} قيل: إنها: نزلت في رجلين من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم اغتابا رفيقهما. وذلك حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر ضمّ الرجلَ المحتاج إلى الرجلين الموسِرَيْن فيخدمهما. فضمّ سلمان إلى رجلين، فتقدم سلمان إلى المنزل فغلبته عيناه فنام ولم يهيىء لهما شيئاً، فجاءا فلم يجدا طعاماً وإداماً، فقالا له: انطلق فاطلب لنا من النبيّ صلى الله عليه وسلم طعاماً وإداماً؛ فذهب فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «اذهب إلى أسامة بن زيد فقل له إن كان عندك فضل من طعام فليعطك» وكان أسامة خازن النبيّ صلى الله عليه وسلم، فذهب إليه، فقال أسامة: ما عندي شيء؛ فرجع إليهما فأخبرهما؛ فقالا: قد كان عنده ولكنه بخل. ثم بعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة فلم يجد عندهم شيئاً؛ فقالا: لو بعثنا سلمان إلى بئر سُمَيحة لغار ماؤها. ثم انطلقا يتجسسان هل عند أسامة شيء؛ فرآهما النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال:«ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما» فقالا: يا نبي الله، والله ما أكلنا في يومنا هذا لحماً ولا غيره. فقال: «ولكنكما ظلتما تأكلان لحم سلمان وأسامة» تفسير : فنزلت: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ} ذكره الثعلبيّ. أي لا تظنوا بأهل الخير سواء إن كنتم تعلمون من ظاهر أمرهم الخير. الثانية ـ ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تَناجشوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً»تفسير : لفظ البخاري. قال علماؤنا: فالظن هنا وفي الآية هو التُّهمَة. ومحل التحذير والنهي إنما هو تُهْمَة لا سبب لها يوجبها؛ كمن يُتّهم بالفاحشة أو بشرب الخمر مثلاً ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك. ودليل كون الظن هنا بمعنى التهمة قوله تعالى: «وَلاَ تَجَسَّسُوا» وذلك أنه قد يقع له خاطر التهمة ابتداء ويريد أن يتجسس خبر ذلك ويبحث عنه، ويتبّصر ويستمع لتحقيق ما وقع له من تلك التهمة. فنهى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وإن شئت قلت: والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها، أن كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر كان حراماً واجب الاجتناب. وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح، وأُونِسَت منه الأمانة في الظاهر، فظنُّ الفساد به والخيانة محرم؛ بخلاف من ٱشتهره الناس بتعاطي الريب والمجاهرة بالخبائث. وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله حَرّم من المسلم دَمَه وعِرْضَه وأن يُظَن به ظنّ السوء»تفسير : . وعن الحسن: كنا في زمنٍ الظنُّ بالناس فيه حرام، وأنت اليوم في زمن اعمل وٱسكُتْ وظُنّ في الناس ما شئت. الثالثة ـ للظن حالتان: حالة تعرف وتَقْوَى بوجه من وجوه الأدلة فيجوز الحكم بها، وأكثر أحكام الشريعة مبنية على غلبة الظن؛ كالقياس وخبر الواحد وغير ذلك من قِيَم المتلفات وأروش الجنايات. والحالة الثانية ـ أن يقع في النفس شيء من غير دلالة فلا يكون ذلك أولى من ضده، فهذا هو الشك، فلا يجوز الحكم به، وهو المنهي عنه على ما قررناه آنفاً. وقد أنكرت جماعة من المبتدِعة تعبد الله بالظن وجواز العمل به؛ تحكُّماً في الدِّين ودعوى في المعقول. وليس في ذلك أصل يعوّل عليه؛ فإن البارىء تعالى لم يذمّ جميعه، وإنما أورد الذمّ في بعضه. وربما تعلقوا بحديث أبي هريرة «إياكم والظن» فإن هذا لا حجة فيه؛ لأن الظن في الشريعة قسمان: محمود ومذموم؛ فالمحمود منه ما سلم معه دين الظان والمظنون به عند بلوغه. والمذموم ضدّه؛ بدلالة قوله تعالى: {إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ}، وقوله: {أية : لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً}تفسير : [النور:12 ]، وقولِه: {أية : وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً} تفسير : [الفتح: 12] وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا كان أحدكم مادحا أخاه فليقل أحسب كذا ولا أزكِّي على الله أحداً»تفسير : . وقال: «حديث : إذا ظننت فلا تَحَقَّق وإذا حسدت فلا تَبْغ وإذا تطيّرت فٱمض»تفسير : خرّجه أبو داود. وأكثر العلماء على أن الظن القبيح بمن ظاهره الخير لا يجوز، وأنه لا حرج في الظن القبيح بمن ظاهره القبح؛ قاله المهدوِيّ. الرابعة ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَجَسَّسُواْ} وقرأ أبو رجاء والحسن بٱختلاف وغيرهما «وَلاَ تَحَسَّسُوا» بالحاء. واختلِف هل هما بمعنًى واحد أو بمعنيين؛ فقال الأخفش: ليس تبعد إحداهما من الأخرى؛ لأن التجسس البحث عما يُكتم عنك. والتحسس (بالحاء) طلب الأخبار والبحث عنها. وقيل: إن التجسس (بالجيم) هو البحث؛ ومنه قيل: رجل جاسوس إذا كان يبحث عن الأمور. وبالحاء: هو ما أدركه الإنسان ببعض حواسه. وقولٌ ثانٍ في الفرق: أنه بالحاء تطلّبه لنفسه، وبالجيم أن يكون رسولاً لغيره؛ قاله ثعلب. والأوّل أعرف. جَسَست الأخبار وتجسّستها أي تفحّصت عنها؛ ومنه الجاسوس. ومعنى الآية: خذوا ما ظهر ولا تتبعوا عورات المسلمين؛ أي لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه حتى يطّلع عليه بعد أن ستره الله. وفي كتاب أبي داود عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إنك إن ٱتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم»تفسير : فقال أبو الدرداء: كلمةٌ سمعها معاوية من رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعه الله تعالى بها. وعن المِقدام بن مَعْدِي كَرِب عن أبي أُمامة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الأمير إذا ٱبتغى الريبة في الناس أفسدهم»تفسير : . وعن زيد بن وهب قال: أتِيَ ابن مسعود فقيل: هذا فلان تقطر لحيته خمراً. فقال عبد الله: إنا قد نُهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به. وعن أبي بَرْزة الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته»تفسير : . وقال عبد الرحمٰن ابن عوف: حَرَست ليلةً مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالمدينة إذ تبيّن لنا سراج في بيت بابُه مُجافٍ على قوم لهم أصوات مرتفعة ولَغَط؛ فقال عمر: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف، وهم الآن شُرّب فما ترىٰ؟ قلت: أرى أنا قد أتينا ما نهى الله عنه، قال الله تعالى: {وَلاَ تَجَسَّسُواْ} وقد تجسسنا؛ فانصرف عمر وتركهم. وقال أبو قِلابة: حُدِّث عمر بن الخطاب أن أبا مِحْجَن الثَّقَفِي يشرب الخمر مع أصحاب له في بيته؛ فانطلق عمر حتى دخل عليه، فإذا ليس عنده إلا رجل؛ فقال أبو مِحْجن: إن هذا لا يحلّ لك! قد نهاك الله عن التجسس؛ فخرج عمر وتركه. وقال زيد بن أسلم: خرج عمر وعبد الرحمٰن يَعُسّان، إذ تبيَّنت لهما نار فاستأذنا ففُتح الباب؛ فإذا رجل وامرأة تغنّي وعلى يد الرجل قدح؛ فقال عمر: وأنت بهذا يا فلان؟ فقال: وأنت بهذا يا أمير المؤمنين! قال عمر: فمن هذه منك؟ قال امرأتي؛ قال فما في هذا القدح؟ قال ماء زلال؛ فقال للمرأة: وما الذي تغنين؟ فقالت:شعر : تطاول هذا الليل وٱسْودّ جانِبُه وأرّقني أن لا خليلَ ألاَعِبُهْ فوالله لولا اللّهُ أني أراقبه لزُعْزِع من هذا السرير جوانبه ولكنّ عقلي والحياء يَكُفُّنِي وأُكْرِم بَعْلِي أن تُنال مَرَاكِبُهْ تفسير : ثم قال الرجل: ما بهذا أمِرْنا يا أمير المؤمنين! قال الله تعالى: «وَلاَ تَجَسَّسُوا». قال صدقت. قلت: لا يفهم من هذا الخبر أن المرأة كانت غير زوجة الرجل؛ لأن عمر لا يقرّ على الزنى، وإنما غنّت بتلك الأبيات تذكاراً لزوجها، وأنها قالتها في مَغِيبه عنها. والله أعلم. وقال عمرو بن دينار: كان رجل من أهل المدينة له أخت فاشتكت، فكان يعودها فماتت فدفنها. فكان هو الذي نزل في قبرها، فسقط من كمه كيس فيه دنانير، فاستعان ببعض أهله فنبشوا قبرها فأخذ الكيس ثم قال: لأكشفنّ حتى أنظر ما آل حال أختي إليه؛ فكشف عنها فإذا القبر مشتعل ناراً، فجاء إلى أمه فقال: أخبريني ما كان عمل أختي؟ فقالت: قد ماتت أختك فما سؤالك عن عملهاٰ فلم يزل بها حتى قالت له: كان من عملها أنها كانت تؤخر الصلاة عن مواقيتها، وكانت إذا نام الجيران قامت إلى بيوتهم فألقمت أذنها أبوابهم، فتتجسس عليهم وتُخرج أسرارهم؛ فقال: بهذا هلكت! الخامسة ـ قوله تعالى: {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً} نهى عز وجل عن الغِيبة، وهي أن تذكر الرجل بما فيه، فإن ذكرته بما ليس فيه فهو البهتان. ثبت معناه في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : «أتدرون ما الغِيبة»؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذكرك أخاك بما يكره» قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد ٱغتبته وإن لم يكن فيه فقد بَهَتّه»تفسير : . يقال: ٱغتابه ٱغتياباً إذا وقع فيه؛ والاسم الغِيبة، وهي ذكر العَيْب بظهر الغَيْب. قال الحسن: الغِيبة ثلاثة أوجه كلها في كتاب الله تعالى: الغِيبة والإفك والبهتان. فأما الغِيبة فهو أن تقول في أخيك ما هو فيه. وأما الإفك فأن تقول فيه ما بلغك عنه. وأما البهتان فأن تقول فيه ما ليس فيه. وعن شعبة قال: قال لي معاوية ـ يعني ابن قُرّة ـ: لو مَرّ بك رجل أقطع؛ فقلت هذا أقطع كان غِيبة. قال شعبة: فذكرته لأبي إسحاق فقال صدق. وروى أبو هريرة: حديث : أن الأسلمي ماعزاً جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فشهد على نفسه بالزنى فرجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فسمع نبيّ الله صلى الله عليه وسلم رجلين من أصحابه يقول أحدهما للآخر: ٱنظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رُجِم رَجْمَ الكلب؛ فسكت عنهما. ثم سار ساعة حتى مرّ بجِيفة حمار شائل برجله فقال: «أين فلان وفلان»؟ فقالا: نحن ذا يا رسول الله؛ قال: «ٱنزلا فَكُلا من جِيفة هذا الحمار» فقالا: يا نبيّ ٱلله ومن يأكل من هذاٰ قال:«فما نلتما من عرض أخيكما أشدّ من الأكل منه والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها».تفسير : السادسة ـ قوله تعالى: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً} مَثّل الله الغِيبة بأكل الميتة؛ لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه كما أن الحي لا يعلم بغِيبة من ٱغتابه. وقال ابن عباس: إنما ضرب الله هذا المثل للغِيبة لأن أكل لحم الميت حرام مستقذر، وكذا الغِيبة حرام في الدّين وقبيح في النفوس. وقال قتادة: كما يمتنع أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً كذلك يجب أن يمتنع من غِيبته حيًّا. واستعمِل أكل اللحم مكان الغِيبة لأن عادة العرب بذلك جارية. قال الشاعر:شعر : فإن أكلوا لحمي وفَرت لحومهم وإن هَدَمُوا مَجْدِي بَنَيْتُ لهم مَجْدا تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما صام من ظل يأكل لحوم الناس»تفسير : . فشبّه الوقيعة في الناس بأكل لحومهم. فمن تنقّص مسلماً أو ثَلَم عرضه فهو كالآكل لحمه حيًّا، ومن ٱغتابه فهو كالآكل لحمه ميتاً. وفي كتاب أبي داود عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لما عُرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يَخْمِشُون وجوههم وصدورهم قلت من هؤلاءِ يا جبريل؟ قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم»تفسير : . وعن المستورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يطعمه مثلها من جهنم ومن كُسي ثوباً برجل مسلم فإن الله يكسوه مثله من جهنم ومن أقام برجل مقام سمعة ورياء فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة»تفسير : . وقد تقدّم قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين»تفسير : . وقوله للرجلين: «ما لي أرى خُضرة اللحم في أفواهكما». وقال أبو قِلابة الرقاشي: سمعت أبا عاصم يقول: ما اغتبت أحداً مذ عرفت ما في الغِيبة. وكان ميمون بن سِياه لا يغتاب أحداً، ولا يدع أحداً يغتاب أحداً عنده؛ ينهاه فإن انتهى وإلا قام. وذكر الثعلبي من حديث أبي هريرة قال: حديث : قام رجل من عند النبيّ صلى الله عليه وسلم فرأوا في قيامه عجزاً فقالوا: يا رسول الله ما أعجز فلانا فقال:«أكلتم لحم أخيكم وٱغتبتموه»تفسير : . وعن سفيان الثورِي قال: أدنى الغِيبة أن تقول إن فلاناً جَعْدٌ قَطَطٌ؛ إلا أنه يكره ذلك. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إياكم وذكر الناس فإنه داء، وعليكم بذكر الله فإنه شفاء. وسمع علي بن الحسين رضي الله عنهما رجلاً يغتاب آخر؛ فقال: إياك والغِيبة فإنها إدام كلاب الناس. وقيل لعمرو بن عبيد: لقد وقع فيك فلان حتى رحمناك؛ قال: إياه فارحموا. وقال رجل للحسن: بلغني أنك تغتابني! فقال: لم يبلغ قدرك عندي أن أحكمك في حسناتي. السابعة ـ ذهب قوم إلى أن الغِيبة لا تكون إلا في الدِّين ولا تكون في الخِلقة والحسب. وقالوا: ذلك فعل الله به. وذهب آخرون إلى عكس هذا فقالوا: لا تكون الغِيبة إلا في الخَلْق والخُلُق والحسب. والغِيبة في الخَلْق أشدّ؛ لأن مَن عَيّب صنعة فإنما عيّب صانعها. وهذا كله مردود. أما الأوّل فيردّه حديث : حديث عائشة حين قالت في صفية: إنها ٱمرأة قصيرة؛ فقال لها النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لقد قلت كلمة لو مُزِج بها البحر لمزجته»تفسير : . خرجه أبو داود. وقال فيه الترمذي: حديث حسن صحيح؛ وما كان في معناه حسب ما تقدّم. وإجماع العلماء قديماً على أن ذلك غِيبة إذا أريد به العيب. وأما الثاني فمردود أيضاً عند جميع العلماء؛ لأن العلماء من أوّل الدهر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين بعدهم لم تكن الغيبة عندهم في شيء أعظم من الغيبة في الدِّين؛ لأن عيب الدين أعظم العيب؛ فكل مؤمن يكره أن يذكر في دينه أشد مما يكره في بدنه. وكفى ردًّا لمن قال هذا القول قولُه عليه السلام: «حديث : إذا قلت في أخيك ما يكره فقد ٱغتبته...»تفسير : الحديث. فمن زعم أن ذلك ليس بغيبة فقد ردّ ما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم نصًّا. وكفى بعموم قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : دماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام»تفسير : وذلك عام للدِّين والدنيا. وقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : من كانت عنده لأخيه مَظْلِمَة في عِرضه أو ماله فليتحلله منه»تفسير : . فعمّ كل عرض؛ فمن خص من ذلك شيئاً دون شيء فقد عارض ما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم. الثامنة ـ لا خلاف أن الغيبة من الكبائر، وأن من ٱغتاب أحداً عليه أن يتوب إلى الله عز وجل. وهل يستحلّ المغتاب؟ ٱختلف فيه؛ فقالت فرقة: ليس عليه ٱستحلاله، وإنما هي خطيئة بينه وبين ربه. وٱحتجت بأنه لم يأخذ من ماله ولا أصاب من بدنه ما ينقصه، فليس ذلك بمظْلِمَة يستحلها منه، وإنما المظلمة ما يكون منه البدل والعِوض في المال والبدن. وقالت فرقة: هي مظلمة، وكفارتها الاْستغفار لصاحبها الذي ٱغتابه. وٱحتجت بحديث يروى عن الحسن قال: كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته. وقالت فرقة: هي مظلمة وعليه الاْستحلال منها. وٱحتجت بقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : من كانت لأخيه عنده مَظْلِمَة في عِرض أو مال فليتحلله منه من قبل أن يأتي يوم ليس هناك دينار ولا درهم يؤخذ من حسناته فإن لم يكن له حسنات أُخِذ من سيئات صاحبه فزيد على سيئاته»تفسير : . خرّجه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل ألاّ يكون له دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمِل عليه»تفسير : . وقد تقدّم هذا المعنى في سورة «آل عمران» عند قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ}تفسير : [آل عمران: 169]. وقد روي من حديث عائشة أن امرأة دخلت عليها فلما قامت قالت ٱمرأة: ما أطول ذيلهاٰ فقالت لها عائشة: لقد ٱغتبتيها فاستحلّيها. فدلّت الآثار عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنها مظلِمة يجب على المغتاب استحلالها. وأما قول من قال: إنما الغيبة في المال والبدن؛ فقد أجمعت العلماء على أن على القاذف للمقذوف مظلمة يأخذه بالحدّ حتى يقيمه عليه؛ وذلك ليس في البدن ولا في المال، ففي ذلك دليل على أن الظلم في العِرض والبدن والمال، وقد قال الله تعالى في القاذف: {أية : فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ} تفسير : [النور:3 1]. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من بَهَتَ مؤمناً بما ليس فيه حبسه الله في طِينة الخبال»تفسير : . وذلك كله في غير المال والبدن. وأما من قال: إنها مظلمة؛ وكفارة المظلمة أن يستغفر لصاحبها؛ فقد ناقض إذ سماها مظلمة ثم قال: كفارتها أن يستغفر لصاحبها؛ لأن قوله مظلمة تثبت ظلامة المظلوم؛ فإذا ثبتت الظلامة لم يزلها عن الظالم إلا إحلال المظلوم له. وأما قول الحسن فليس بحجة، وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : من كانت له عند أخيه مظلمة في عِرض أو مال فليتحللها منه»تفسير : . وقد ذهب بعضهم إلى ترك التحليل لمن سأله، ورأى أنه لا يحلّ له ما حرّم الله عليه؛ منهم سعيد بن المسيّب قال: لا أحلل من ظلمني. وقيل لاْبن سيرين: يا أبا بكر، هذا رجل سألك أن تحلله من مظلمة هي لك عنده؛ فقال: إني لم أحرمها عليه فأحلّها، إن الله حرّم الغِيبة عليه، وما كنت لأحلّ ما حرّم الله عليه أبداً. وخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم يدل على التحليل، وهو الحجة والمبيِّن. والتحليل يدل على الرحمة وهو من وجه العفو؛ وقد قال تعالى: {أية : فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ}تفسير : [الشورىٰ:0 4]. التاسعة ـ ليس من هذا الباب غِيبة الفاسق المعلن به المجاهر؛ فإن في الخبر: «من ألقى جِلْباب الحياء فلا غِيبة له». وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : اذكروا الفاجر بما فيه كي يحذره الناس»تفسير : . فالغيبة إذاً في المرء الذي يستر نفسه. وروي عن الحسن أنه قال: ثلاثة ليست لهم حرمة: صاحب الهوى، والفاسق المعلن، والإمام الجائر. وقال الحسن لما مات الحجاج: اللهم أنت أَمَتّه فاقطع عنا سنته ـ وفي رواية شَيْنه ـ فإنه أتانا أخَيْفِش أُعَيْمِش، يمدّ بيد قصيرة البنان، والله ما عَرِق فيها غبار في سبيل الله، يُرَجِّل جُمّته ويَخْطِر في مِشْيته، ويَصْعَد المنبر فَيَهْدِر حتى تفوته الصلاة. لا من الله يَتَّقِي، ولا من الناس يستحي؛ فوقه الله وتحته مائة ألف أو يزيدون، لا يقول له قائل: الصلاة أيها الرجل. ثم يقول الحسن: هيهات! حال دون ذلك السيف والسَّوْط. وروى الربيع بن صبيح عن الحسن قال: ليس لأهل البدع غِيبة. وكذلك قولك للقاضي تستعين به على أخذ حقك ممن ظلمك فتقول فلان ظلمني أو غضبني أو خانني أو ضربني أو قذفني أو أساء إليّ؛ ليس بغيبة. وعلماء الأمة على ذلك مجمعة. وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:«حديث : لصاحب الحق مقال»تفسير : . وقال: «حديث : مَطْلُ الغنِيّ ظلم»تفسير : وقال: «حديث : لَيّ الواجد يُحِلّ عِرْضَه وعقُوبته»تفسير : . ومن ذلك الاستفتاء؛ حديث : كقول هند للنبيّ صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني أنا وولدي، فآخذ من غير علمه؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «نعم فخذي»تفسير : . فذكرته بالشُّحّ والظلم لها ولولدها، ولم يرها مغتابة؛ لأنه لم يغيّر عليها، بل أجابها عليه الصلاة والسلام بالفُتْيا لها. وكذلك إذا كان في ذكره بالسوء فائدة؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أما معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه»تفسير : . فهذا جائز، وكان مقصوده ألا تغتر فاطمة بنت قيس بهما. قال جميعه المحاسبي رحمه الله. العاشرة ـ قوله تعالى: {مَيْتاً} وقرىء «ميّتاً» وهو نصب على الحال من اللحم. ويجوز أن ينصب على الأخ، ولما قررهم عز وجل بأن أحداً منهم لا يجب أكل جيفة أخيه عَقّب ذلك بقوله تعالى: {فَكَرِهْتُمُوهُ}. وفيه وجهان: أحدهما ـ فكرهتم أكل الميتة فكذلك فاكرهوا الغِيبة؛ رُوي معناه عن مجاهد. الثاني ـ فكرهتم أن يغتابكم الناس فاكرهوا غيبة الناس. وقال الفراء: أي فقد كرهتموه فلا تفعلوه. وقيل: لفظه خبر ومعناه أمر؛ أي اكرهوه. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} عطف عليه. وقيل: عطف على قوله: {ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً وَلاَ تَجَسَّسُواْ}. {إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ }.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى ناهياً عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله؛ لأن بعض ذلك يكون إثماً محضاً، فليتجنب كثير منه احتياطاً. وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيراً، وأنت تجد لها في الخير محملاً. وقال أبو عبد الله بن ماجه: حدثنا أبو القاسم بن أبي ضمرة نصربن محمد بن سليمان الحمصي، حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي قيس النضري، حدثنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة، ويقول: «حديث : ما أطيبك وأطيب ريحك ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله تعالى حرمة منك، ماله ودمه، وأن يظن به إلا خيراً» تفسير : تفرد به ابن ماجه من هذا الوجه، وقال مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولاتحسسوا ولا تنافسوا ولاتحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً» تفسير : رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن يحيى بن يحيى، وأبو داود عن العتبي عن مالك به. وقال سفيان بن عيينة عن الزهري عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام» تفسير : . رواه مسلم والترمذي وصححه من حديث سفيان بن عيينة به. وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله القرمطي العدوي، حدثنا بكر بن عبد الوهاب المدني، حدثنا إسماعيل بن قيس الأنصاري، حدثني عبد الرحمن بن محمد بن أبي الرجال عن أبيه، عن جده حارثة بن النعمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاث لازمات لأمتي: الطيرة والحسد وسوء الظن» تفسير : فقال رجل: وما يذهبهن يا رسول الله ممن هن فيه؟ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا حسدت فاستغفر الله، وإذا ظننت فلا تحقق؛ وإذا تطيرت فامض» تفسير : . وقال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن زيد رضي الله عنه قال: أُتِيَ ابن مسعود رضي الله عنه برجل، فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمراً فقال عبد الله رضي الله: قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به. سماه ابن أبي حاتم في روايته الوليد بن عقبة بن أبي معيط. وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا ليث عن إبراهيم بن نشيط الخولاني، عن كعب بن علقمة عن أبي الهيثم عن دخين كاتب عقبة قال: قلت لعقبة: إن لنا جيراناً يشربون الخمر وأنا داع لهم الشرط فيأخذونهم. قال: لا تفعل ولكن عظهم وتهددهم، قال: ففعل فلم ينتهوا. قال: فجاءه دخين فقال: إني قد نهيتهم فلم ينتهوا، وإني داع لهم الشرط فتأخذهم، فقال له عقبة: ويحك لا تفعل؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من ستر عورة مؤمن فكأنما استحيا موءودة من قبرها» تفسير : ورواه أبو داود والنسائي من حديث الليث بن سعد به نحوه، وقال سفيان الثوري عن ثور عن راشد بن سعد عن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم، أو كدت أن تفسدهم» تفسير : فقال أبو الدرداء رضي الله عنه كلمة سمعها معاوية رضي الله عنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعه الله تعالى بها، ورواه أبو داود منفرداً به من حديث الثوري به. وقال أبو داود أيضاً: حدثنا سعيد ابن عمرو الحضرمي، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن جبير بن نفير وكثير بن مرة، وعمرو بن الأسود والمقدام بن معد يكرب وأبي أمامة رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم»تفسير : {وَلاَ تَجَسَّسُواْ} أي على بعضكم بعضاً، والتجسس غالباً يطلق في الشر، ومنه الجاسوس. وأما التحسس، فيكون غالباً في الخير؛ كما قال عز وجل إخباراً عن يعقوب أنه قال: {أية : يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَايْـئَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ} تفسير : [يوسف: 87] وقد يستعمل كل منهما في الشر؛ كما ثبت في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً» تفسير : وقال الأوزاعي: التجسس: البحث عن الشيء. والتحسس: الاستماع إلى حديث القوم وهم له كارهون، أو يتسمع على أبوابهم، والتدابر: الصرم، رواه ابن أبي حاتم عنه. وقوله تعالى: {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً} فيه نهي عن الغيبة، وقد فسرها الشارع كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد العزيز بن محمد عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله ما الغيبة؟ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ذكرك أخاك بما يكره» تفسير : قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته» تفسير : ورواه الترمذي عن قتيبة عن الدراوردي به، وقال: حسن صحيح. ورواه ابن جرير عن بندار عن غندر عن شعبة عن العلاء. وهكذا قال ابن عمر رضي الله عنهما ومسروق وقتادة وأبو إسحاق ومعاوية بن قرة. وقال أبو داود: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى عن سفيان، حدثني علي بن الأقمر عن أبي حذيفة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم حسبك من صفية كذا وكذا. قال غير مسدد: تعني: قصيرة، فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته» تفسير : قالت: وحكيت له إنساناً، فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما أحب أني حكيت إنساناً، وإن لي كذا وكذا» تفسير : ورواه الترمذي من حديث يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي ووكيع، ثلاثتهم عن سفيان الثوري، عن علي بن الأقمر عن أبي حذيفة سلمة بن صهيب الأرحبي عن عائشة رضي الله عنها به، وقال: حسن صحيح. وقال ابن جرير: حدثني ابن أبي الشوارب، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا سليمان الشيباني، حدثنا حسان بن المخارق: أن امرأة دخلت على عائشة رضي الله عنها، فلما قامت لتخرج، أشارت عائشة رضي الله عنها بيدها إلى النبي صلى الله عليه وسلم أي إنها قصيرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : اغتبتها»تفسير : . والغيبة محرمة بالإجماع، ولا يستثنى من ذلك إلا من رجحت مصلحته، كما في الجرح والتعديل والنصيحة كقوله صلى الله عليه وسلم لما استأذن عليه ذلك الرجل الفاجر: «حديث : ائذنوا له بئس أخو العشيرة!» تفسير : وكقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس رضي الله عنها، وقد خطبها معاوية وأبو الجهم: «حديث : أما معاوية فصعلوك، وأما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه» تفسير : وكذا ما جرى مجرى ذلك، ثم بقيتها على التحريم الشديد، وقد ورد فيها الزجر الأكيد، ولهذا شبهها تبارك وتعالى بأكل اللحم من الإنسان الميت؛ كما قال عز وجل: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ} أي كما تكرهون هذا طبعاً، فاكرهوا ذاك شرعاً، فإن عقوبته أشد من هذا، وهذا من التنفير عنها والتحذير منها؛ كما قال صلى الله عليه وسلم في العائد في هبته: «حديث : كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه» تفسير : وقد قال: «حديث : ليس لنا مثل السوء» تفسير : وثبت في الصحاح والحسان والمسانيد من غير وجه أنه صلى الله عليه وسلم قال في خطبة حجة الوداع: «حديث : إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا»تفسير : وقال أبو داود: حدثنا واصل بن عبد الأعلى، حدثنا أسباط بن محمد عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كل المسلم على المسلم حرام، ماله وعرضه ودمه، حسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم» تفسير : ورواه الترمذي عن عبيد بن أسباط بن محمد عن أبيه به، وقال: حسن غريب. وحدثنا عثمان بن أبي شيبة: حدثنا الأسود بن عامر، حدثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن سعيد بن عبد الله بن جريج عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان في قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته» تفسير : تفرد به أبو داود وقد روي من حديث البراء بن عازب، فقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا إبراهيم بن دينار، حدثنا مصعب بن سلام عن حمزة بن حبيب الزيات، عن أبي إسحاق السبيعي عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسمع العواتق في بيوتها ــــ أو قال: ــــ في خدورها، فقال: حديث : يا معشر من آمن بلسانه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من يتبع عورة أخيه يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في جوف بيته»تفسير : [طريق أخرى] عن ابن عمر. قال أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي: حدثنا عبد الله بن ناجية، حدثنا يحيى بن أكثم، حدثنا الفضل بن موسى الشيباني عن الحسين بن واقد عن أوفى بن دلهم عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يا معشر من آمن بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من يتبع عورات المسلمين يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله» تفسير : قال: ونظر ابن عمر يوماً إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك وللمؤمن أعظم حرمة عند الله منك. قال أبو داود: حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا بَقِيَّة عن ابن ثوبان عن أبيه عن مكحول، عن وقاص ابن ربيعة عن المستورد أنه حدثه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أكل برجل مسلم أكلة، فإن الله يطعمه مثلها في جهنم، ومن كسا ثوباً برجل مسلم، فإن الله يكسوه مثله في جهنم، ومن قام برجل مقام سمعة ورياء، فإن الله تعالى يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة» تفسير : تفرد به أبو داود. وحدثنا ابن مصفى حدثنا بقية وأبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثني راشد بن سعد وعبد الرحمن بن جبير عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم»تفسير : . تفرد به أبو داود، وهكذا رواه الإمام أحمد عن أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الشامي به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبدة، أخبرنا أبو عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد العمي، أخبرنا أبو هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا: يا رسول الله حدثنا ما رأيت ليلة أسري بك؟ قال: «حديث : ثم انطلق بي إلى خلق من خلق الله كثير، رجال ونساء موكل بهم رجال يعمدون إلى عرض جنب أحدهم، فيجذون منه الجذة مثل النعل، ثم يضعونها في في أحدهم، فيقال له: كل كما أكلت، وهو يجد من أكله الموت، يا محمد لو يجد الموت وهو يكره عليه، فقلت: يا جبرائيل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الهمازون واللمازون أصحاب النميمة، فيقال: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه، وهو يكره على أكل لحمه» تفسير : ، هكذا أورد هذا الحديث، وقد سقناه بطوله في أول تفسير سورة سبحان، ولله الحمد والمنّة. وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا الربيع عن يزيد عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن يصوموا يوماً ولا يفطرن أحد حتى آذن له، فصام الناس، فلما أمسوا جعل الرجل يجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: ظللت منذ اليوم صائماً، فائذن لي فأفطر فيأذن له، ويجيء الرجل فيقول ذلك، فيأذن له، حتى جاء رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتين من أهلك ظلتا منذ اليوم صائمتين، فائذن لهما فليفطرا، فأعرض عنه ثم أعاد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما صامتا، وكيف صام من ظل يأكل من لحوم الناس؟ اذهب فمرهما إن كانتا صائمتين أن يستقيئا» تفسير : ففعلتا، فقاءت كل واحدة منهما علقة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو ماتتا وهما فيهما، لأكلتهما النار»تفسير : إسناد ضعيف، ومتن غريب. وقد رواه الحافظ البيهقي من حديث يزيد بن هارون. حدثنا سليمان التيمي قال: سمعت رجلاً يحدث في مجلس أبي عثمان النهدي عن عبيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن امرأتين صامتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن ههنا امرأتين صامتا، وإنهما كادتا تموتان من العطش، أراه قال بالهاجرة، فأعرض عنه، أوسكت عنه، فقال: يا نبي الله إنهما والله قد ماتتا، أو كادتا تموتان، فقال: ادعهما. فجاءتا، قال: فجيء بقدح أو عس، فقال لإحداهما: «حديث : قيئي» تفسير : . فقاءت من قيح ودم وصديد حتى قاءت نصف القدح، ثم قال للأخرى: «حديث : قيئي» تفسير : ، فقاءت قيحاً ودماً وصديداً ولحماً ودماً عبيطاً وغيره حتى ملأت القدح، ثم قال: «حديث : إن هاتين صامتا عما أحل الله تعالى لهما، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى، فجعلتا تأكلان لحوم الناس»تفسير : وهكذا رواه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون وابن أبي عدي، كلاهما عن سليمان بن طرخان التيمي به مثله أو نحوه، ثم رواه أيضاً من حديث مسدد عن يحيى القطان عن عثمان بن غياث: حدثني رجل أظنه في حلقة أبي عثمان عن سعد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم أمروا بصيام، فجاء رجل في نصف النهار، فقال: يا رسول الله فلانة وفلانة قد بلغتا الجهد، فأعرض عنه مرتين أو ثلاثاً، ثم قال: «حديث : ادعهما» تفسير : فجاء بعس أو قدح فقال لإحداهما: «حديث : قيئي» تفسير : . فقاءت لحماً ودماً عبيطاً وقيحاً، وقال للأخرى مثل ذلك، ثم قال: «حديث : إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، أتت إحداهما للأخرى فلم تزالا تأكلان لحوم الناس حتى امتلأت أجوافهما قيحاً» تفسير : قال البيهقي: كذا قال: عن سعد، والأول وهو عبيد أصح. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا عمرو بن الضحاك بن مخلد، حدثنا أبي، حدثنا أبو عاصم، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير عن ابن عمّ لأبي هريرة: أنَّ ماعزاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني قد زنيت، فأعرض عنه حتى قالها أربعاً، فلما كان في الخامسة قال: زنيت؟ قال: نعم قال: وتدري ما الزنا؟ قال: نعم، أتيت منها حراماً ما يأتي الرجل من امرأته حلالاً. قال: ما تريد إلى هذا قول؟ قال: أريد أن تطهرني. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أدخلت ذلك منك في ذلك منها كما يغيب الميل في المكحلة والرشا في البئر؟ قال: نعم يا رسول الله قال: فأمر برجمه، فرجم؛ فسمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلين يقول أحدهما لصاحبه: ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه، فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب؟ ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم حتى مر بجيفة حمار، فقال: «حديث : أين فلان وفلان؟ انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار» تفسير : . قالا: غفر الله لك يا رسول الله وهل يؤكل هذا؟ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : فما نلتما من أخيكما آنفاً أشد أكلاً منه، والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها» تفسير : إسناد صحيح. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبدالصمد، حدثني أبي، حدثنا واصل مولى ابن عيينة، حدثني خالد بن عرفطة عن طلحة بن نافع عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فارتفعت ريح جيفة منتنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون الناس»تفسير : [طريق أخرى] قال عبد بن حميد في مسنده: حدثنا إبراهيم بن الأشعث، حدثنا الفضيل بن عياض عن سليمان عن أبي سفيان وهو طلحة بن نافع عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فهاجت ريح منتنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن نفراً من المنافقين اغتابوا ناساً من المسلمين فلذلك بعثت هذه الريح» تفسير : وربما قال: «حديث : فلذلك هاجت هذه الريح» تفسير : وقال السدي في قوله تعالى: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً} زعم أن سلمان الفارسي رضي الله عنه كان مع رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في سفر يخدمهما ويخف لهما وينال من طعامهما، وأن سلمان رضي الله عنه لما سار الناس ذات يوم، وبقي سلمان رضي الله عنه نائماً لم يسر معهم، فجعل صاحباه يكلمانه فلم يجداه، فضربا الخباء فقالا: ما يريد سلمان أو هذا العبد شيئاً غير هذا أن يجيء إلى طعام مقدور وخباء مضروب، فلما جاء سلمان، أرسلاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب لهما إداماً، فانطلق فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه قدح له، فقال: يا رسول الله بعثني أصحابي لتؤدمهم إن كان عندك. قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما يصنع أصحابك بالأدم؟ قد ائتدموا» تفسير : فرجع سلمان رضي الله عنه يخبرهما بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلقا حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالا: والذي بعثك بالحق ما أصبنا طعاماً منذ نزلنا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنكما قد ائتدمتما بسلمان بقولكما» تفسير : قال: ونزلت {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً} أنه كان نائماً. وروى الحافظ الضياء المقدسي في كتابه المختار من طريق حسان بن هلال عن حماد بن سلمة عن ثابت، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كانت العرب تخدم بعضها بعضاً في الأسفار، وكان مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما رجل يخدمهما، فناما فاستيقظا، ولم يهيىء لهما طعاماً فقالا: إن هذا لنؤوم فأيقظاه، فقالا له: ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقل له: إن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما يقرئانك السلام ويستأدمانك، فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنهما قد ائتدما» تفسير : فجاءا فقالا: يا رسول الله بأي شيء ائتدمنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده إني لأرى لحمه بين ثناياكما» تفسير : فقالا رضي الله عنهما: استغفر لنا يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : مُرَاهُ فليستغفر لكما»تفسير : . وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا محمد بن مسلم عن محمد بن إسحاق، عن عمه موسى بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أكل من لحم أخيه في الدنيا، قرب الله إليه لحمه في الآخرة، فيقال له: كله ميتاً؛ كما أكلته حياً ــــ قال: ــــ فيأكله ويكلح ويصيح» تفسير : غريب جداً. وقوله عز وجل: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي فيما أمركم به ونهاكم عنه، فراقبوه في ذلك واخشوا منه {إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} أي تواب على من تاب إليه رحيم لمن رجع إليه، واعتمد عليه. قال الجمهور من العلماء: طريق المغتاب للناس في توبته أن يقلع عن ذلك، ويعزم على أن لا يعود، وهل يشترط الندم على ما فات؟ فيه نزاع، وأن يتحلل من الذي اغتابه. وقال آخرون: لا يشترط أن يتحلله فإنه إذا أعلمه بذلك ربما تأذى أشد مما إذا لم يعلم بما كان منه، فطريقه إذاً أن يثني عليه بما فيه في المجالس التي كان يذمه فيها، وأن يرد عنه الغيبة بحسبه وطاقته؛ لتكون تلك بتلك؛ كما قال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن الحجاج، حدثنا عبد الله، أخبرنا يحيى بن أيوب عن عبد الله بن سليمان: أن إسماعيل بن يحيى المعافري أخبره: أن سهل بن معاذ بن أنس الجهني أخبره عن أبيه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من حمى مؤمناً من منافق يغتابه، بعث الله تعالى إليه ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مؤمناً بشيء يريد سبه، حبسه الله تعالى على جسر جهنم حتى يخرج مما قال» تفسير : وكذا رواه أبو داود من حديث عبد الله وهو ابن المبارك به بنحوه. وقال أبو داود أيضاً: حدثنا إسحاق ابن الصباح، حدثنا ابن أبي مريم، أخبرنا الليث، حدثني يحيى بن سليم: أنه سمع إسماعيل بن بشير يقول: سمعت جابر بن عبد الله وأبا طلحة بن سهل الأنصاري رضي الله عنهما يقولان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من امرىء يخذل امرأً مسلماً في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله تعالى في مواطن يحب فيها نصرته، وما من امرىء ينصر امرأً مسلماً في موضع ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته إلا نصره عز وجل في مواطن يحب فيها نصرته» تفسير : تفرد به أبو داود.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ } أي مأثم وهو كثير كظنّ السوء بأهل الخير من المؤمنين وهم كثير بخلافه بالفساق منهم فلا إثم فيه في نحو ما يظهر منهم {وَلاَ تَجَسَّسُواْ } حذف منه إحدى التاءين: لا تتبعوا عورات المسلمين ومعايبهم بالبحث عنها {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً } لا يذكره بشيء يكرهه وإن كان فيه {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً } بالتخفيف والتشديد أي لا يحسن به {فَكَرِهْتُمُوهُ } أي فاغتيابه في حياته كأكل لحمه بعد مماته وقد عرض عليكم الثاني فكرهتموه فاكرهوا الأوّل {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } أي عقابه في الاغتياب بأن تتوبوا منه {إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ } قابل توبة التائبين {رَّحِيمٌ } بهم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ} يعني ظن السوء. بالمسلم توهماً من غير تعلمه يقيناً. {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} فيه وجهان: أحدهما: يعني ظن السوء. الثاني: أن يتكلم بما ظنه فيكون إثماً، فإن لم يتكلم به لم يكن إثماً، قاله مقاتل بن حيان. {وَلاَ تَجَسَّسُوا} فيه وجهان: أحدهما: هو أن يتبع عثرات المؤمن، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. الثاني: هو البحث عم خفي حتى يظهر، قاله الأوزاعي. وفي التجسس والتحسس وجهان: أحدهما: أن معناهما واحد، قاله ابن عباس وقرأ الحسن بالحاء. وقال الشاعر: شعر : تجنبت سعدى أن تشيد بذكرها إذا زرت سعدى الكاشح المتحسس تفسير : وقال أبو عمرو الشيباني: الجاسوس: صاحب سر الشر، والناموس صاحب سر الخير. والوجه الثاني: أنهما مختلفان. وفي الفرق بينهما وجهان: أحدهما: أن التجسس بالجيم هو البحث، ومنه قيل رجل جاسوس إذا كان يبحث عن الأمور وبالحاء هو ما أدركه الإنسان ببعض حواسه. الثاني: أنه بالحاء أن يطلبه لنفسه وبالجيم أن يكون رسولاً لغيره. والتجسس أن يجس الأخبار لنفسه ولغيره. {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً} والغيبة: ذكر العيب بظهر الغيب، قال الحسن: الغيبة ثلاثة كلها في كتاب الله: الغيبة والإفك والبهتان، فأما الغيبة، فأن تقول في أخيك ما هو فيه. وإما الإفك، فأن تقول فيه ما بلغك عنه. وأما البهتان فأن تقول فيه ما ليس فيه. وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغيبة قال: "حديث : هُوَ أَن تَقُولَ لأَخِيكَ مَا فِيهِ فَإِن كُنتَ صَادِقَاً فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِن كُنتَ كَاذِباً فَقَدْ بَهَّتَّهُ ". تفسير : {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً} فيه وجهان: أحدهما: أي كما يحرم أكل لحمه ميتاً يحرم غيبته حياً. الثاني: كما يمتنع أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً كذلك يجب أن يمتنع عن غيبته حياً، قاله قتادة. واستعمل أكل اللحم مكان الغيبة لأن عادة العرب بذلك جارية قال الشاعر: شعر : فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا تفسير : {فَكَرِهْتُمُوهُ} فيه وجهان: أحدهما: فكرهتم أكل الميتة، كذلك فاكرهوا الغيبة. الثاني: فكرهتم أن يعلم بكم الناس فاكرهوا غيبة الناس.
ابن عبد السلام
تفسير : {كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ} ظن السوء {بَعْضَ الظَّنِّ} أي ظن السوء، أو التكلم بما ظنه فإن لم يتكلم به فلا إثم عليه {تَجَسَّسُواْ} بتتبع عثرات المؤمن أو بالبحث عما خفي حتى يظهر، والتجسس والتحسس واحد "ع"، أو بالجيم البحث ومنه الجاسوس وبالحاء الإدراك ببعض الحواس، أو بالحاء أن يطلبه لنفسه وبالجيم أن يكون رسولاً لغيره {وَلا يَغْتَب} الغيبة: ذكر العيب بظهر الغيب إذا كان صدقاً فإن كان كذباً فهو بهتان وإن كان من سماع فهو إفك {لَحْمَ أَخِيِهِ مَيْتاً} كما تمتنعون من أكل لحوم الموتى فكذلك يجب أن تمتنعوا من غيبة الأحياء، أو كما يحرم الأكل يحرم الاغتياب {فَكَرِهْتُمُوهُ} كرهتم أن يغتابكم الناس فكذلك فاكرهوا غيبتهم، أو كرهتم أكل الميتة فاكرهوا الغيبة.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن} قيل: نزلت في رجلين اغتابا رفيقهما وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا أو سافر ضم الرجل المحتاج إلى رجلين موسرين يخدمهما ويتقدمهما إلى المنزل فيهىء لهما ما يصلحهما من الطعام والشراب فضم سلمان الفارسي إلى رجلين في بعض أسفاره، فتقدم سلمان إلى المنزل فغلبته عيناه فنام ولم يهيىء شيئاً لهما فلما قدما قالا له: ما صنعت شيئاً. قال: لا غلبتني عيناي فنمت قالا له: انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطلب لنا منه طعاماً فجاء سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله طعاماً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق إلى أسامة بن زيد وقل له: إن كان عنده فضل طعام وأدم فليعطك وكان أسامة خازن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رحله فأتاه فقال ما عندي شيء فرجع سلمان إليهما فأخبرهما فقالا كان عند أسامة طعام ولكن بخل فبعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة فلم يجد عندهم شيئاً فلما رجع قالا: لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها ثم انطلقا يتجسسان هل عند أسامة ما أمر لهما به رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما: ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما؟ قالا: والله يا رسول الله ما تناولنا يومنا هذا لحماً. قال: ظللتما تأكلان لحم سلمان وأسامة فأنزل الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن يعني أن يظن بأهل الخير سوءاً فنهى الله المؤمن أن يظن بأخيه المؤمن شراً وقيل هو أن يسمع من أخيه المسلم كلاماً لا يريد به سوءاً أو يدخل مدخلاً لا يريد به سوءاً فيراه أخوه المسلم فيظن شراً لأن بعض الفعل قد يكون في الصورة قبيحاً وفي نفس الأمر لا يكون كذلك لجواز أن يكون فاعله ساهياً أو يكون الرائي مخطئاً فأما أهل السوء والفسق المجاهرون بذلك فلنا أن نظن فيهم مثل الذي يظهر منهم {إن بعض الظن إثم}. قال سفيان الثوري: الظن ظنان: أحدهما: إثم، وهو أن يظن ويتكلم به والآخر ليس بإثم وهو أن يظن ولا يتكلم به. وقيل: الظن أنواع فمنه واجب ومأمور به وهو الظن الحسن بالله عز وجل ومنه مندوب إليه وهو الظن الحسن بالأخ المسلم الظاهر العدالة ومنه حرام محظور وهو سوء الظن بالله عز وجل وسوء الظن بالأخ المسلم {ولا تجسسوا} أي لا تبحثوا عن عيوب الناس نهى الله عن البحث عن المستور من أمور الناس وتتبع عوراتهم حتى يظهر على ما ستره الله منها (ق). عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره التقوى هاهنا التقوى هاهنا ويشير إلى صدره التقوى هاهنا. التقوى هاهنا بحسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم وأعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم"تفسير : التجسس بالجيم التفتيش عن بواطن الأمور وأكثر ما يقال في الشر ومنه الجاسوس وبالحاء هو الاستماع إلى حديث الغير. وقيل: معناهما واحد وهو طلب الأخبار. وقوله: ولا تنافسوا أي لا ترغبوا فيما يرغب فيه الغير من أسباب الدنيا وحظوظها والحسد تمني زوال النعمة عن صاحبها. قوله: ولا تدابروا أي لا يعطي كل واحد منكم أخاه دبره وقفاه فيعرض عنه ويهجره. عن ابن عمر قال: "حديث : صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فنادى بصوت رفيع يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عن عوراتهم فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله"تفسير : . قال نافع: ونظر ابن عمر يوماً إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك. والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك أخرجه الترمذي. وقال: حديث حسن غريب عن زيد بن وهب. قال: أتى ابن مسعود فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمراً. فقال عبد الله: إنا قد نهينا عن التجسس ولكن إن يظهر إلينا شيء نأخذ به أخرجه أبو داود وله عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من رأى عورة فسترها كان كمن أحيا موءودة" تفسير : (م) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يستر عبد عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة ". تفسير : قوله تعالى: {ولا يغتب بعضكم بعضاً} أي لا يتناول بعضكم بظهر الغيب بما يسوءه مما هو فيه. حديث : عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أتدرون ما الغيبة؟ قلت الله ورسوله أعلم قال ذكرك أخاك بما يكره قلت وإن كان في أخي ما أقول قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه قد بهته""تفسير : . أخرجه مسلم "حديث : عن عائشة قالت: "قلت للنبي صلى الله عليه وسلم حسبك من صفية كذا وكذا قال بعض الرواة تعني قصيرة فقال لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته قالت وحكيت له إنساناً فقال ما أحب أني حكيت إنساناً وإن لي كذا وكذا"" تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح، قوله: لمزجته أي خالطته مخالطة يتغير بها طعمه وريحه لشدة نتنها وقبحها وهذا الحديث من أبلغ الزواجر عن الغيبة. قوله تعالى: {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه} قال مجاهد: لما قيل أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً قالوا لا قيل فكرهتموه أي كما كرهتم هذا فاجتنبوا ذكره بسوء غالباً قيل تأويله إن ذكرك من لم يحضرك بسوء بمنزلة أكل لحمه وهو ميت لأنه لا يحس بذلك وفيه إشارة إلى أن عرض الإنسان كلحمه ودمه لأن الإنسان يتألم قلبه إذا ذكر بسوء كما يتألم جسده إذا قطع لحمه والعرض أشرف من اللحم فإذا لم يحسن من العاقل أكل لحم الناس فترك أعراضهم أولى وقوله لحم أخيه آكد في المنع آكد لأن العدو قد يحمله الغضب على أكل لحم عدوه، وقوله ميتاً أبلغ في الزجر. عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم ولحومهم وفي نسخة وصدورهم فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم" تفسير : أخرجه أبو داود وقال ميمون بن سيار بينا أنا نائم إذا بجيفة زنجي وقائل يقول كل يا عبد الله قلت وما آكل؟ قال كل بما اغتبت بعد فلان قلت والله ما ذكرت فيه خيراً ولا شراً قال: ولكنك استمعت ورضيت، فكان ميمون لا يغتاب أحداً ولا يدع أحداً يغتاب أحداً عنده. قوله تعالى: {واتقوا الله} أي في أمر الغيبة واجتناب نواهيه {إن الله تواب رحيم}.
البقاعي
تفسير : ولما كان الإنسان ربما دعا صاحبه بلقب له شيء غير قاصد به عيبه، أو فعل فعلاً يتنزل على الهزء غير قاصد به الهزء، نهى تعالى عن المبادرة إلى الظن من غير تثبت لأن ذلك من وضع الأشياء في غير مواضعها، الذي هو معنى الظلم فقال خاتماً بالقسم الخامس منبهاً على ما فيه من المعالي والنفائس: {يا أيها الذين آمنوا} أي اعترفوا بالإيمان وإن كانوا في أول مراتبه {اجتنبوا} أي كلفوا أنفسكم أن تتركوا وتبعدوا وتجعلوا في جانب بعيد عنكم {كثيراً من الظن} أي في الناس وغيرهم فاحتاطوا في كل ظن ولا تمادوا معه حتى تجزموا به فتقدموا بسببه على ما يقتضيه من الشر إلا بعد التبين لحقه من باطله بأن يظهر عليه أمارة صحيحة وسبب ظاهر، والبحث عن ذلك الذي أوجب الظن ليس بمنهيّ عنه كما فتش النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الإفك وتثبت حتى جاءه الخبر اليقين من الله، وأفهم هذا أن كثيراً منه مجتنب كما في الاجتهاد حيث لا قاطع، وكما في ظن الخير بالله تعالى، بل قد يجب كما قال تعالى:{أية : ولولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً}تفسير : [النور: 12] وقد أفاد التنكير شياع النهي في كل ظن، فكان بمعنى "بعض" مع الكفالة بأن كثيراً منه منهيّ عن الإقدام عليه إلا بعد تبين أمره، ولو عرف لأفهم أنه لا يجتنب إلا إذا اتصف بالكثرة، قال القشيري: والنفس لا تصدق، والقلب لا يكذب، والتمييز بين النفس والقلب مشكل، ومن بقيت عليه من حظوظة بقية وإن قلت فليس له أن يدعى بيان القلب، بل هو بنفسه ما دام عليه شيء من بقيته، ويجب عليه أن يتهم نفسه في كل ما يقع له من نقصان غيره، ثم علل ذلك مثيراً إلى أن العاقل من يكف نفسه عن أدنى احتمال من الضرر احتمالاً مؤكداً لأن أفعال الناس عند الظنون أفعال من هو جازم بأنه بريء من الإثم: {إن بعض الظن إثم} أي ذنب يوصل صاحبه لاستحقاق العقوبة كالظن في أصول الدين، وحيث يخالفه قاطع، قال الزمخشري رحمه الله تعالى: الهمزة في الإثم عن الواو وكأنه يثم الأعمال أي يكسرها بإحباطه. ولما نهى عن اتباع الظن، أتبعه ما يتفرع عنه فقال: {ولا تجسسوا} أي تمعنوا في البحث عن العورات ولا يكون ذلك إلا في المستورين. ولما كانت الغيبة أعم من التجسس، قال: {ولا يغتب} أي يتعمد أن يذكر {بعضكم بعضاً} في غيبته بما يكره، قال القشيري: وليس تحصل الغيبة من الخلق إلا بالغيبة عن الحق، وقال أبو حيان: قال ابن عباس رضي الله عنهما: الغيبة إدام كلاب الناس. ولما كان تمزيق عرض الناس كتمزيق أديمهم ولا يكون ذلك ساتر عظمة الذي به قوامه كما أن عرضه ساتر عليه، وكونه لا يرد عن نفسه بسبب غيبته كموته وأعمال الفم والجوف في ذلك كله، وكان هذا لو تأمله العاقل كان منه على غاية النفرة، ولكنه لخفائه لا يخطر بباله، جلاه له في قوله تقريراً وتعبيراً بالحب عما هو في غاية الكراهة لما للمغتاب من الشهوة في الغيبة ليكون التصوير بذلك رادّاً له عنها ومكرهاً فيها: {أيحب} وعم بقوله: {أحدكم} وعبر بأن والفعل تصويراً للفعل فقال: {أن يأكل} وزاد في التنفير بجعله في إنسان هو أخ فقال: {لحم أخيه} وأنهى الأمر بقوله: {ميتاً}. ولما كان الجواب قطعاً: لا يحب أحد ذلك، أشار إليه بما سبب من قوله: {فكرهتموه} أي بسب ما ذكر طبعاً فأولى أن تكرهوا الغيبة المحرمة عقلاً، لأن داعي العقل بصير عالم، وداعي الطبع أعمى جاهل، وقد رتب سبحانه هذه الحكم أبدع ترتيب، فأمر سبحانه بالتثبت. وكان ربما أحدث ضغينة، نهى عن العمل بموجبه من السخرية واللمز والنبز والتمادي مع ما ينشره ذلك من الظنون، فإن أبت النفس إلا تمادياً مع الظن فلا يصل إلى التجسس والبحث عن المعايب، فإن حصل الاطلاع عليها كف عن ذكرها، وسعى في سترها، وفعل ذلك كله لخوف الله، لا شيء غيره، فإن وقع في شيء من ذلك بادر المتاب رجاء الثواب. ولما كان التقدير: فاتركوه بسبب كراهتهم لما صورته، عطف عليه ما دل على العلة العظمى وهي خوف الله تعالى فقال: {واتقوا الله} أي اجعلوا بينكم وبين الملك الأعظم وقاية بترك ذلك وإصلاح ذات البين. ولما كان التقدير: فإن الله يتوب عليكم إن تركتموه، علله بما دل على أن ذلك صفة له متكررة التعلق فقال: {إن الله} أي الملك الأعظم {تواب} أي مكرر للتوبة، وهي الرجوع عن المعصية إلى ما كان قبلها من معاملة التائب وإن كرر الذنب، فلا ييأس أحد وإن كثرت ذنوبه وعظمت {رحيم *} يزيده على ذلك أن يكرمه غاية الإكرام. ولما ذكر سبحانه الأخوة الدينية تذكيراً بالعاطف الموجب للإكرام، المانع من الانتقام، ونهى عن أمور يجر إليها الإعجاب بالنفس من جهة التعظيم بالآباء والعراقة في النسب العالي، أسقط ذلك مبيناً أن لا نسب إلا ما يثمره الإيمان الي بدأ به من التقوى، وعبر بما يدل على الذبذبة والاضطراب إشارة إلى سفول رتبة من افتخر بالنسب، وإلى أن من لم يتعظ بما مضى فيعلو عن رتبة الذين آمنوا فقد سفل سفولاً عظيماً: {يا أيها الناس} أي كافة المؤمن وغيره {إنا} على عظمتنا وقدرتنا {خلقناكم} أي أوجدناكم عن العدم على ما أنتم عليه من المقادير في صوركم وما أنتم عليه من التشعب الذي يفوت الحصر، وأخرجنا كل واحد منكم {من ذكر} هو المقصود بالعزم والقوة {وأنثى} هي موضع الضعف والراحة، لا مزية لأحد منكم في ذلك على آخر، ولا فخر في نسب. ولما كان تفضيلهم إلى فرق لكل منهما تعرف به أمراً باهراً، عبر فيه بنون العظمة فقال: {وجعلناكم} أي بعظمتنا {شعوباً} تتشعب من أصل واحد، جمع شعب بالفتح وهو الطبقة الأولى من الطبقات الست من طبقات النسب التي عليها العرب {وقبائل} تحت الشعوب، وعمائر تحت القبائل، وبطوناً تحت العمائر، وأفخاذاً تحت البطون، وفصائل تحت الأفخاذ، والعشائر تحت الفصائل، خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصيّ بطن، وعبد مناف فخذ، وهاشم فصيلة، والعباس عشيرة، قال البغوي: وليس بعد العشيرة حي يوصف به - انتهى. واقتصر على الأولين لأنهما أقصى ما يسهل على الآدمي معرفته فما دونه أولى، ثم ذكر علة التشعب ليوقف عندها فقال: {لتعارفوا} أي ليعرف الإنسان من يقاربه في النسب ليصل من رحمه ما يحق له، لا لتواصفوا وتفاخروا. ولما كانت فائدة التفاخر بالتواصف عندهم الإكرام لمن كان أفخر، فكانت الآية السالفة التي ترتبت عليها هذه آمرة بالتقوى كان التقدير: فتتقوا الله في أقاربكم وذوي أرحامكم، فقال مبطلاً للتفاخر بالأنساب معللاً لما أرشد إلى تقديره السياق مؤكداً لأجل ما عندهم من أن الكرم إنما هو بالنسب: {إن أكرمكم} أيها المتفاخرون {عند الله} أي الملك الذي لا أمر لأحد معه ولا كريم إلا من أكرمكم بكرمه ولا كمال لأحد سواه {أتقاكم} فذلك هو الذكر الذي يصح أصله باقتدائه بأبيه آدم عليه السلام فلم يمل إلى الأنوثة وإن كان أدناكم نسباً ولذلك أكده، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا"تفسير : أي علموا بأن كانت لهم ملكة الفقه فعملوا بما عملوا كما قال الحسن رحمه الله: إنما الفقيه العامل بعلمه. وقد تقدم أن هذا هو المراد بقوله تعال:{أية : هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}تفسير : [الزمر: 9] لما دل عليه سياقها وسباقها، والأتقى لا يفتخر على غيره لأنه لا يعتقد أنه أتقى، قال الرازي في اللوامع: أكرم الكرم التقوى، وهو مجمع الفضائل الإنسانية، وألأم اللؤم الفجور، وذلك أن الكرم اسم للأفعال المحمودة، وهذه الأفعال إنما تكون محمودة إذا كانت عن علم، وقصد بها الله، وهذا هو التقوى، فليس التقوى إلا العلم وتحري الأفعال المحمودة - انتهى. وذلك لأن التقوى تثبت الكمالات وتنفي النقائص فيصير صاحبها بشرياً ملكياً. ولما كان هذا مركوزاً في طبائعهم مغروزاً في جبلاتهم متوارثاً عندهم أن الفخر إنما هو بالأنساب، وأن الكريم إنما هو من طاب أصله، وكان قلع ذلك من نفوسهم فيما أجرى به سبحانه العادة في دار الأسباب يتوقف على تأكيد، أكد سبحانه معللاً قوله لإخباره بالأكرم: {إن الله} أي المحيط علماً وقدرة {عليم} أي بالغ العلم بالظواهر {خبير *} محيط العلم بالبواطن والسرائر أيضاً، روى البغوي بسند من طريق عبد الله بن حميد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف يوم الفتح على راحلته ليستلم الأركان بمحجنه، فملا خرج لم يجد مناخاً فنزل على أيدي الرجال، ثم قام فخطبهم ثم حمد الله وأثنى عليه وقال:"حديث : الحمد لله الذي أذهب عنكم عبية الجاهلية وتكبرها بآبائها، إنما الناس رجلان: برّ تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله - ثم تلا "يا أيها الناس" الآية، ثم قال: أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم"تفسير : وأخرجه أبو داود والترمذي وحسنة والبيهقي - قال المنذري، بإسناد حسن، واللفظ له - عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال:"حديث : إن الله عز وجل أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، الناس بنو آدم وآدم من تراب، مؤمن تقي وفاجر شقي، لينتهين أقوام يفتخرون برجال إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها ". تفسير : ولما أمر سبحانه بإجلال رسوله صلى الله عليه وسلم وإعظامه، ونهى عن أذاه في نفسه أو في أمته، ونهى عن التفاخر الذي ه وسبب التقاطع والتداحر، وختم بصفتة الخبر، دل عليها بقوله مشيراً إلى أنه لا يعتد بشيء مما أمر به أو نهى عنه إلا مع الإخلاص فقال: {قالت الأعراب} أي أهل البادية من بني أسد وغيرهم الذين هم معدن الغلظة والجفاء الذين تقدم تأديبهم في سورة محمد، وألحق التاء في فعلهم إشارة إلى ضعفهم في العزائم، قال ابن برجان: هم قوم شهدوا شهادة الحق وهم لا يعلمون ما شهدوا به غير أن أنفسهم ليست تنازعهم إلى التكذيب: {آمنا} أي بجميع ما جئت به فامتثلنا ما أمرنا به في هذه السورة ولنا النسب الخالص، فنحن أشرف من غيرنا من أهل المدر. ولما كان الإيمان التصديق بالقلب فلا اطلاع عليه لآدمي إلا بإطلاعه سبحانه فكانوا كاذبين في دعواه، قال: {قل} أي تكذيباً لهم مع مراعاة الأدب في عدم التصريح بالتكذيب: {لم تؤمنوا} أي لم تصدق قلوبكم لأنكم لو أمنتم لم تمنوا بإيمانكم لأن الإيمان التصديق بجميع ما لله من الكمال الذي منه أنه لولا منه بالهداية لم يحصل الإيمان، فله ولرسوله - الذي كان ذلك على يديه - المن والفضل. ولما كان التقدير ما كان الأصل في أن يكون الرد به وهو: فلا تقولوا: آمنا، فإنه كذب، وعدل عنه للاحتراز عن النهي عن القول بالإيمان، عطف عليه قوله: {ولكن قولوا} لأنكم أسلمتم للدنيا لا للدين، وعدل عنه لئلا تكون شهادة لهم بالإسلام في الجملة: {أسلمنا} أي أظهرنا الانقياد في الظاهر للأحكام الظاهرة فأمنا من أن نكون حزباً للمؤمنين وعوناً للمشركين، يقول: أسلم الرجل - إذا دخل في السلم، كما يقال: أشتى - إذا دخل في الشتاء، ولم يقل: ولكن أسلمتم، لما فيه من الشهادة لهم بالإسلام الملازم للإيمان المنفي عنه، فكان يكون تناقضاً، والآية من الاحتباك: نفي الإيمان الشرعي أولاً يدل على إثبات الإسلام اللغوي ثانياً، والأمر بالقول بالإسلام ثانياً يدل على النهي عن القول بالإيمان أولاً. ولما كانت "لم" غير مستغرقة، عطف عليها ما يستغرق ما مضى من الزمان كله ليكون الحكم بعدم إيمانهم مكتنفاً بأمرهم بالاقتصاد على الإخبار بإسلامهم، فقال معلماً بأن ما يجتهدون في إخفائه منكشف لديه "ألا يعلم من خلق". {ولما يدخل} أي إلى هذا الوقت {الإيمان} أي المعرفة التامة {في قلوبكم} فلا يعد إقرار اللسان إيماناً إلا بمواطأة القلب، فعصيتم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأحبطتم أعمالكم، والتعبير بـ"لما" يفهم أنهم آمنوا بعد ذلك، ويجوز أن يكون المراد بهذا النفي نفي التمكن في القلب، لا نفي مطلق الدخول بدليل {إنما المؤمنون} دون "إنما الذين آمنوا". ولما كان التقدير: فإن تؤمنوا يعلم الله ذلك من قلوبكم غنياً عن قولكم، عطف عليه قوله ترغيباً لهم في التوبة: {وإن تطيعوا الله} أي الملك الذي من خالفه لم يأمن عقوبته {ورسوله} الذي طاعته من طاعته على ما أنتم عليه من الأمر الظاهري فتؤمن قلوبكم {لا يلتكم} أي ينقصكم ويبخسكم من لاته يليته، وهي لغة أهل الحجاز، وقرأ البصريان: يألتكم من الألت وهو النقص أيضاً، وهي لغة أسد وغطفان، وهما المخاطبون بهذه الآية المعاتبون بها، قال أبو حيان: قال مجاهد: نزلت في بني أسد بن خزيمة - انتهى. فلذلك اختار أبو عمرو القراءة بها، وعدل عن لغة الحجاز {من أعمالكم شيئاً} فلا حاجة إلى إخباركم عن إيمانكم بغير ما يدل عليه من الأقوال والأفعال، قال ابن برجان: فعموم الناس وأكثر أهل الغفلة مسلمون غير مؤمنين، فإن يعلموا علم ما شهدوا وعقدوا عليه عقداً علماً ويقيناً لهم المؤمنون. وفي الآية احتباك من وجه آخر: ذكر عدم الإيمان أولاً دليلاً على إثباته ثانياً، وذكر توفير الأعمال ثانياً دليلاً على بخسها أو إحباطها أولاً، وسره أنه نفى أساس الخير أولاً ورغب في الطاعة بحفظ ما تعبوا عليه من الأعما ثانياً. ولما كان الإنسان مبنياً على النقصان، فلو وكل إلى عمله هلك، ولذهب عمله فيما يعتريه من النقص، قال مستعطفاً لهم إلى التوبة، مؤكداً تنبيهاً على أنه مما يحق تأكيده لأن الخلائق لا يفعلون مثله: {إن الله} أي الذي له صفات الكمال {غفور} أي ستور للهفوات والزلات لمن تاب وصحت نيته، ولغيره إذا أراد، فلا عتاب ولا عقاب {رحيم *} أي يزيد على الستر عظيم الإكرام.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن} قال: نهى الله المؤمن أن يظن بالمؤمن سوءاً. وأخرج مالك وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أساء بأخيه الظن فقد أساء بربه إن الله يقول {اجتنبوا كثيراً من الظن} ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن طلحة بن عبد الله: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الظن يخطىء ويصيب ". تفسير : وأخرج ابن ماجة عن ابن عمر قال: حديث : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول: "ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك، ماله ودمه وأن يظن به إلا خيراً ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً. وأخرج البيهقي في الشعب عن سعيد بن المسيب قال: كتب إليَّ بعض إخواني من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من امرىء مسلم شراً وأنت تجد لها في الخير محملاً، ومن عرض نفسه للتهم فلا يلومن إلا نفسه ومن كتم سره كانت الخيرة في يده وما كافأت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، وعليك بإخوان الصدق فكن في اكتسابهم فإنهم زينة في الرخاء وعدة عند عظيم البلاء، ولا تهاون بالحق فيهينك الله، ولا تسألن عما لم يكن حتى يكون، ولا تضع حديثك إلا عند من يشتهيه، وعليك بالصدق وإن قتلك الصدق، واعتزل عدوك، واحذر صديقك إلا الأمين، ولا أمين إلا من يخشى الله وشاور في أمرك الذين يخشون ربهم بالغيب. وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن عمر بن الخطاب قال: من تعرض للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن، ومن كتم سره كان الخيار إليه ومن أفشاه كان الخيار عليه، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً، وكن في اكتساب الاخوان فإنهم جنة عند الرخاء وعدة عند البلاء، وآخِ الإِخوان على قدر التقوى، وشاور في أمرك الذين يخافون الله. وأخرج ابن سعد وأحمد في الزهد والبخاري في الأدب عن سلمان قال: إني لأعد العراق على خادمي مخافة الظن. وأخرج البخاري في الأدب عن أبي العالية قال: كنا نؤمر أن نختم على الخادم ونكيل ونعدها كراهية أن يتعودوا خلق سوء، ويظن أحدنا ظن سوء. وأخرج الطبراني عن حارثة بن النعمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "ثلاث لازمات لأمتي: الطيرة والحسد وسوء الظن" فقال رجل ما يذهبهن يا رسول الله ممن هن فيه؟ قال: "إذا حسدت فاستغفر الله، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فامضِ" . تفسير : وأخرج ابن النجار في تاريخه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أساء بأخيه الظن فقد أساء بربه عز وجل، إن الله تعالى يقول: {اجتنبوا كثيراً من الظن} ". تفسير : أما قوله تعالى: {ولا تجسسوا} . أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله: {ولا تجسسوا} قال: نهى الله المؤمن أن يتبع عورات أخيه المؤمن. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد {ولا تجسسوا} قال: خذوا ما ظهر لكم ودعوا ما ستر الله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: هل تدرون ما التجسس؟ هو أن تتبع عيب أخيك فتطلع على سره. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والخرائطي في مكارم الأخلاق عن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف، عن المسور بن مخرمة، عن عبد الرحمن بن عوف، أنه حرس مع عمر بن الخطاب ليلة المدينة، فبينما هم يمشون شبّ لهم سراج في بيت فانطلقوا يؤمونه فلما دنوا منه إذا باب مجافٍ على قوم لهم فيه أصوات مرتفعة ولغط، فقال عمر وأخذ بيد عبد الرحمن بن عوف: أتدري بيت من هذا؟ قال: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف وهم الآن شرب، فما ترى؟ قال: أرى أن قد أتينا ما نهى الله عنه، قال الله: {ولا تجسسوا} فقد تجسسنا، فانصرف عنهم وتركهم. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الشعبي أن عمر بن الخطاب فقد رجلاً من أصحابه فقال لابن عوف: انطلق بنا إلى منزل فلان فننظر، فأتيا منزله فوجدا بابه مفتوحاً وهو جالس وامرأته تصب له في إناء فتناوله إياه، فقال عمر لابن عوف: هذا الذي شغله عنا، فقال ابن عوف لعمر وما يدريك ما في الإِناء؟ فقال عمر: إنا نخاف أن يكون هذا التجسس، قال: بل هو التجسس، قال: وما التوبة من هذا؟ قال: لا تعلمه بما أطلعت عليه من أمره، ولا يكونن في نفسك إلا خير، ثم انصرفا. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه قال: أتى عمر بن الخطاب رجل فقال: إن فلاناً لا يصحو، فدخل عليه عمر رضي الله عنه، فقال: إني لأجد ريح شراب يا فلان، أنت بهذا؟ فقال الرجل: يا ابن الخطاب وأنت بهذا، ألم ينهك الله أن تتجسس؟ فعرفها عمر فانطلق وتركه. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن زيد بن وهب قال: أتي ابن مسعود رضي الله عنه فقيل: هذا فلان تقطر لحيته خمراً، فقال عبدالله: إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به. وأخرج أبو داود وابن المنذر وابن مردويه حديث : عن أبي برزة الأسلمي قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإِيمان في قلبه لا تتبعوا عورات المسلمين، فإنه من اتبع عورات المسلمين فضحه الله في قعر بيته" . تفسير : وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن ثور الكندي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يعس بالمدينة من الليل، فسمع صوت رجل في بيت يتغنى، فتسوّر عليه، فوجد عنده امرأة وعنده خمر، فقال: يا عدو الله أظننت أن الله يسترك وأنت على معصيته، فقال: وأنت يا أمير المؤمنين لا تعجل على أن أكون عصيت الله واحدة فقد عصيت الله في ثلاث. قال الله: {ولا تجسسوا} وقد تجسست، وقال {أية : وأتوا البيوت من أبوابها}تفسير : [البقرة: 189] وقد تسوّرت عليَّ ودخلت عليَّ بغير إذن، وقال الله {أية : لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها} تفسير : [النور: 27] قال عمر رضي الله عنه: فهل عندك من خير إن عفوت عنك؟ قال: نعم، فعفا عنه وخرج وتركه. وأخرج ابن مردويه والبيهقي حديث : عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسمع العواتق في الخدر ينادي بأعلى صوته "يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الإِيمان إلى قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه في جوف بيته" . تفسير : وأخرج ابن مردويه حديث : عن بريدة رضي الله عنه قال: صلينا الظهر خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انفتل أقبل علينا غضبان متنفراً ينادي بصوت يسمع العواتق في جوف الخدور "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإِيمان قلبه لا تذموا المسلمين، ولا تطلبوا عوراتهم، فإنه من يطلب عورة أخيه المسلم هتك الله ستره وأبدى عورته ولو كان في جوف بيته" . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الإِيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته حتى يخرقها عليه في بطن بيته ". تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أشاد على مسلم عورته يشينه بها بغير حق شانه الله بها في الخلق يوم القيامة ". تفسير : وأخرج الحاكم والترمذي عن جبير بن نفير قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بالناس صلاة الصبح فلما فرغ أقبل بوجهه على الناس رافعاً صوته حتى كاد يسمع من في الخدور وهو يقول: "حديث : يا معشر الذين أسلموا بألسنتهم، ولم يدخل الإِيمان في قلوبهم لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عثراتهم، فإنه من يتبع عثرة أخيه المسلم يتبع الله عثرته، ومن يتبع الله عثرته يفضحه وهو في قعر بيته، فقال قائل يا رسول الله: وهل على المسلمين من ستر؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "ستور الله على المؤمن أكثر من أن تحصى، إن المؤمن ليعمل الذنوب فتهتك عنه ستوره ستراً ستراً حتى لا يبقى عليه منها شيء، فيقول الله للملائكة استروا على عبدي من الناس فإن الناس يعيرون ولا يغيرون، فتحف به الملائكة بأجنحتها يسترونه من الناس، فإن تاب قبل الله منه ورد عليه ستوره ومع كل ستر تسعة أستار، فإن تتابع في الذنوب قالت الملائكة: ربنا إنه قد غلبنا واعذرنا فيقول الله استروا عبدي من الناس، فإن الناس يعيرون ولا يغيرون فتحف به الملائكة بأجنحتها يسترونه من الناس فإن تاب قبل الله منه ورد عليه ستوره ومع كل ستر تسعة أستار، فإن تتابع في الذنوب قالت الملائكة يا ربنا: إنه قد غلبنا وأعذرنا، فيقول الله استروا عبدي من الناس فإن الناس يعيّرون ولا يغيّرون، فتحف به الملائكة بأجنحتها يسترونه من الناس، فإن تاب قبل الله منه، وإن عاد قالت الملائكة: ربنا إنه قد غلبنا وأعذرنا، فيقول الله للملائكة: تخلو عنه فلو عمل ذنباً في بيت مظلم في ليلة مظلمة في حجر أبدى الله عنه وعن عورته ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: المؤمن في سبعين حجاباً من نور، فإذا عمل خطيئة ثم تناساها حتى يعمل أخرى هتك عنه حجاب من تلك الحجب، فلا يزال كلما عمل خطيئة ثم تناساها حتى يعمل أخرى هتك عنه حجاب من تلك الحجب، فإذا عمل كبيرة من الكبائر هتك عنه تلك الحجب كلها إلا حجاب الحياء، وهو أعظمها حجاباً، فإن تاب تاب الله عليه ورد تلك الحجب كلّها، فإن عمل خطيئة بعد الكبائر ثم تناساها حتى يعمل الأخرى قبل أن يتوب هتك حجاب الحياء فلم تلقه إلا مقيتاً ممقتاً، فإذا كان مقيتاً ممقتاً نزعت منه الأمانة، فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلا خائناً مخوناً، فإذا كان خائناً مخوناً نزعت منه الرحمة، فإذا نزعت منه الرحمة لم تلقه إلا فظاً غليظاً، فإذا كان فظاً غليظاً نزعت منه ربقة الإِسلام، فإذا نزعت منه ربقة الإِسلام لم تلقه إلا لعيناً ملعناً شيطاناً رجيماً. قوله تعالى: {ولا يغتب بعضكم بعضاً} الآية. أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله: {ولا يغتب بعضكم بعضاً} الآية قال: حرم الله أن يغتاب المؤمن بشيء كما حرم الميتة. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {ولا يغتب بعضكم بعضاً} الآية قال: زعموا أنها نزلت في سلمان الفارسي أكل ثم رقد فنفخ فذكر رجلان أكله ورقاده فنزلت. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي أن سلمان الفارسي كان مع رجلين في سفر يخدمهما وينال من طعامهما، وأن سلمان نام يوماً فطلبه صاحباه فلم يجداه فضربا الخباء وقالا: ما يريد سلمان شيئاً غير هذا أن يجيء إلى طعام معدود وخباء مضروب، فلما جاء سلمان أرسلاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب لهما إداماً، فانطلق، فأتاه فقال: يا رسول الله بعثني أصحابي لتؤدمهم إن كان عندك، قال: ما يصنع أصحابك بالأدم قد ائتدموا؟ فرجع سلمان فخبرهما فانطلقا فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: والذي بعثك بالحق ما أصبنا طعاماً منذ نزلنا. قال: إنكما قد ائتدمتما سلمان بقولكما فنزلت {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً}. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله {ولا يغتب بعضكم بعضاً} الآية قال: نزلت هذه الآية في رجل كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، أرسل بعض الصحابة إليه يطلب منه إداماً فمنع، فقالوا له: إنه لبخيل وخيم، فنزلت في ذلك. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله {ولا يغتب بعضكم بعضاً} قال: أن يقول للرجل من خلفه هو كذا يسيء الثناء عليه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {ولا يغتب بعضكم بعضاً} قال: ذكر لنا أن الغيبة أن تذكر أخاك بما يشينه وتعيبه بما فيه، فإن أنت كذبت عليه فذاك البهتان يقول كما أنت كاره لو وجدت جيفة مدودة أن تأكل منها فكذلك فأكره لحمها وهو حي. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة قال: حديث : قيل يا رسول الله: ما الغيبة؟ قال "ذكرك أخاك بما يكره" قال يا رسول الله: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته" . تفسير : وأخرج عبد بن حميد والخرائطي في مساوىء الأخلاق عن المطلب بن حنطب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الغيبة أن تذكر المرء بما فيه فقال إنما كنا نرى أن نذكره بما ليس فيه ذاك البهتان ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عكرمةحديث : أن امرأة دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم خرجت، فقالت عائشة يا رسول الله: ما أجملها وأحسنها لولا أن بها قصراً، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: اغتبتيها يا عائشة، فقالت يا رسول الله: إنما قلت شيئاً هو بها. فقال يا عائشة إذا قلت شيئاً بها فهي غيبة، وإذا قلت ما ليس بها فقد بهتها ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عون بن عبدالله قال: إذا قلت للرجل بما فيه فقد اغتبته، وإذا قلت ما ليس فيه فقد بهته. وأخرج عبد بن حميد عن معاوية بن قرة قال: لو مر بك أقطع فقلت هذا الأقطع كانت غيبة. وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين أنه ذكر عنده رجل فقال: ذاك الأسود، قال: أستغفر الله أراني قد اغتبته. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً} قالوا: نكره ذلك. قال: فاتقوا الله. وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة والخرائطي في مساوىء الأخلاق وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان حديث : عن عائشة قالت: لا يغتب بعضكم بعضاً فإني كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرت امرأة طويلة الذيل، فقلت يا رسول الله: إنها طويلة الذيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الفظي فلفظت بضعة لحم . تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم حديث : أنه لحق قوماً فقال لهم: تخللوا، فقال القوم والله يا نبي الله ما طعمنا اليوم طعاماً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم والله: إني لأرى لحم فلان بين ثناياكم، وكانوا قد اغتابوه . تفسير : وأخرج الضياء المقدسي في المختارة عن أنس قال: حديث : كانت العرب يخدم بعضها بعضاً في الأسفار وكان مع أبي بكر وعمر رجل يخدمها فناما فاستيقظا ولم يهيء لهما طعاماً فقالا إن هذا لنؤوم فأيقظاه، فقالا: إئتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقل له: إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام ويستأذناك، فقال: إنهما إئتدما فجاءاه، فقالا يا رسول الله: بأي شيء إئتدمنا؟ قال: بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده إني لأرى لحمه بين ثناياكما، فقالا: إستغفر لنا يا رسول الله. قال: مراه فليستغفر لكما . تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول حديث : عن يحيى بن أبي كثير أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان في سفر ومعه أبو بكر وعمر، فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه لحماً، فقال: أو ليس قد ظللتم من اللحم شباعاً؟ قالوا: من أين فوالله ما لنا باللحم عهد منذ أيام، فقال: من لحم صاحبكم الذي ذكرتم. قالوا يا نبي الله: إنما قلنا إنه لضعيف ما يعيننا على شيء. قال: ذلك فلا تقولوا فرجع إليهم الرجل فأخبرهم بالذي قال، فجاء أبو بكر، فقال يا نبي الله طاعلى صماخي واستغفر لي ففعل، وجاء عمر فقال: يا نبي الله طاعلى صماخي واستغفر لي ففعل . تفسير : وأخرج أبو يعلى وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أكل لحم أخيه في الدنيا قرب له لحمه في الآخرة فيقال له كله ميتاً كما أكلته حياً فإنه ليأكله ويكلح ويصيح ". تفسير : وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا وابن مردويه حديث : عن عبيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن امرأتين صامتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا يأكلان لحوم الناس، فجاء منهما رسول النبي صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله: إن ههنا امرأتين صامتا وقد كادتا أن تموتا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائتوني بهما فجاءتا فدعا بعس أو قدح، فقال لإحداهما قيئي فقاءت من قيح ودم وصديد حتى قاءت نصف القدح، وقال للأخرى قيئي، فقاءت من قيح ودم وصديد حتى ملأت القدح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما وأفطرتا على ما حرم الله عليهما جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا يأكلان لحوم الناس" . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أم سلمة أنها سألت عن الغيبة فأخبرت أنها أصبحت يوم الجمعة وغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة، وأتتها جارة لها من نساء الأنصار فاغتابتا وضحكتا برجال ونساء فلم يبرحا على حديثهما من الغيبة حتى أقبل النبي صلى الله عليه وسلم منصرفاً من الصلاة، فلما سمعتا صوته سكتتا، فلما قام بباب البيت ألقى طرف ردائه على أنفه، ثم قال: أفّ أخرجا فاستقيئا ثم طهرا بالماء، فخرجت أم سلمة فقاءت لحماً كثيراً قد أحيل، فلما رأت كثرة اللحم تذكرت أحدث لحم أكلته فوجدته في أول جمعتين مضتا، فسألها عما قاءت فأخبرته، فقال: ذاك لحم ظللت تأكلينه فلا تعودي أنت ولا صاحبتك فيما ظللتما فيه من الغيبة، وأخبرتها صاحبتها أنها قاءت مثل الذي قاءت من اللحم. وأخرج ابن مردويه عن أبي مالك الأشعري عن كعب بن عاصم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : المؤمن حرام على المؤمن لحمه عليه حرام أن يأكله ويغتابه بالغيب، وعرضه عليه حرام أن يخرقه، ووجهه عليه حرام أن يلطمه ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق والبخاري في الأدب وأبو يعلى وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان بسند صحيح حديث : عن أبي هريرة أن ماعزاً لما رجم سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلين يقول أحدهما لصاحبه: ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب، فسار النبي صلى الله عليه وسلم ثم مر بجيفة حمار فقال: أين فلان وفلان إنزلا فكلا من جيفة هذا الحمار فقالا: وهل يؤكل هذا؟ قال: فإنا أكلتكما من أخيكما آنفاً أشد أكلاً منه، والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والبخاري في الأدب والخرائطي عن عمرو بن العاص أنه مر على بغل ميت وهو في نفر من أصحابه فقال: والله لأن يأكل أحدكم من هذا حتى يملأ بطنه خير له من أن يأكل من لحم رجل مسلم. وأخرج البخاري في الأدب وابن أبي الدنيا حديث : عن جابر بن عبد الله قال:كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى على قبرين يعذب صاحباهما فقال: إنهما لا يعذبان في كبير، وبكى، أما أحدهما فكان يغتاب الناس، وأما الآخر فكان لا يتأذى من البول فدعا بجريدة رطبة فكسرها، ثم أمر بكل كسرة فغرست على قبر فقال: أما إنه سيهون من عذابهما ما كانا رطبتين . تفسير : وأخرج البخاري في الأدب عن ابن مسعود قال: من اغتيب عنده مؤمن فنصره جزاه الله بها خيراً في الدنيا والآخرة، ومن اغتيب عنده فلم ينصره جزاه الله بها في الدنيا والآخرة شراً، وما التقم أحد لقمة شراً من اغتياب مؤمن، إن قال فيه ما يعلم فقد إغتابه، ومن قال فيه ما لا يعلم فقد بهته. وأخرج أحمد حديث : عن جابر بن عبد الله قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فارتفعت ريح جيفة منتنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتدرون ما هذه الريح هذه ريح الذين يغتابون الناس" . تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا وقع في الرجل وأنت في ملأ فكن للرجل ناصراً وللقوم زاجراً وقم عنهم، ثم تلا هذه الآية {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه} ". تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الربا نيف وسبعون باباً أهونهن باباً مثل من نكح أمه في الإِسلام، ودرهم الربا أشد من خمس وثلاثين زنية، وأشر الربا وأربى وأخبث الربا انتهاك عرض المسلم وانتهاك حرمته ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود والبيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود والبيهقي وأبو يعلى والطبراني والحاكم عن المستورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أكل برجل مسلم أكله فإن الله يطعمه مثلها من جهنم، ومن كسي برجل مسلم ثوباً فإن الله يكسوه مثله من جهنم، ومن قام برجل مقام سمعة أو رياء فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة ". تفسير : وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن أنس "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يصوموا يوماً ولا يفطرن أحد حتى آذن له، فصام الناس، فلما أمسوا جعل الرجل يجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول: ظللت منذ اليوم صائماً فأذن لي فلأفطرن فيأذن له، حتى جاء رجل فقال يا رسول الله إن فتاتين من أهلك ظلتا منذ اليوم صائمتين فأذن لهما فليفطرا فأعرض عنه، ثم أعاد عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما صامتا، وكيف صام من ظل يأكل لحوم الناس، اذهب فمرهما إن كانتا صائمتين أن يستقيئا ففعلتا فقاءت كل واحدة منهما علقمة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو صامتا وبقي فيهما لأكلتهما النار ". تفسير : وأخرج البيهقي عن عائشة رضي الله عنها قالت: لا يتوضأ أحدكم من الكلمة الخبيثة يقولها لأخيه ويتوضأ من الطعام الحلال. وأخرج البيهقي عن ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما قالا: الحدث حدثان حدث من فيك وحدث من نومك، وحدث الفم أشد الكذب والغيبة. وأخرج البيهقي عن إبراهيم قال: الوضوء من الحدث وأذى المسلم. وأخرج الخرائطي في مساوىء الأخلاق والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما "حديث : أن رجلين صليا صلاة الظهر أو العصر وكانا صائمين فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة قال: أعيدا وضوءكما وصلاتكما وأمضيا في صومكما، واقضيا يوماً آخر مكانه، قالا: لم يا رسول الله؟ قال: قد اغتبتما فلاناً ". تفسير : وأخرج الخرائطي وابن مردويه والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها قالت: "حديث : أقبلت امرأة قصيرة والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، قالت: فأشرت بإبهامي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد اغتبتها ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه "حديث : أن رجلاً قام من عند النبي صلى الله عليه وسلم فرؤي في مقامه عجز، فقال بعضهم: ما أعجز فلاناً: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أكلتم الرجل واغتبتموه ". تفسير : وأخرج البيهقي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: "حديث : ذكر رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ما أعجز! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إغتبتم الرجل، قالوا يا رسول الله: قلنا ما فيه، قال: لو قلتم ما ليس فيه فقد بهتموه ". تفسير : وأخرج ابن جرير "حديث : عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر القوم رجلاً فقالوا: ما يأكل إلا ما أطعم، ولا يرحل إلا ما رحل له، وما أضعفه! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إغتبتم أخاكم. قالوا يا رسول الله: وغيبة بما يحدث فيه؟ فقال: بحسبكم أن تحدثوا عن أخيكم بما فيه ". تفسير : وأخرج أبو داود والدارقطني في الأفراد والخرائطي والطبراني والحاكم وأبو نعيم والبيهقي عن ابن عمر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره، ومن مات وعليه دين فليس بالدينار والدرهم، ولكنها الحسنات، ومن خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال وليس بخارج ". تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اذكروا الله فإن العبد إذا قال سبحان الله وبحمده كتب الله له بها عشراً، ومن عشر إلى مائة، ومن مائة إلى ألف، ومن زاد زاده الله، ومن استغفر غفر الله له، ومن حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره، ومن أعان على خصومة بغير علم فقد باء بسخط من الله، ومن قذف مؤمناً أو مؤمنة حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج، ومن مات وعليه دين اقتص من حسناته ليس ثم دينار ولا درهم ". تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من رجل يرمي رجلاً بكلمة تشينه إلا حبسه الله يوم القيامة في طينة الخبال حتى يأتي منها بالمخرج ". تفسير : وأخرج البيهقي عن الأوزاعي قال: بلغني أنه يقال للعبد يوم القيامة: قم فخذ حقك من فلان، فيقول: ما لي قبله حق، فيقال: بلى ذكرك يوم كذا وكذا بكذا وكذا. وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد وجابر بن عبد الله رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الغيبة أشد من الزنا، قالوا يا رسول الله: وكيف الغيبة أشد من الزنا؟ قال: إن الرجل ليزني فيتوب فيتوب الله عليه، وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفرها له صاحبه ". تفسير : وأخرج البيهقي عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الغيبة أشد من الزنا، فإن صاحب الزنا يتوب وصاحب الغيبة ليس له توبة ". تفسير : وأخرج البيهقي من طريق غياث بن كلوب الكوفي عن مطرف عن سمرة بن جندب عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله يبغض البيت اللحم"تفسير : فسألت مطرفاً ما يعني باللحم؟ قال: الذي يغتاب فيه الناس. وبإسناده عن أبيه قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل بين يدي حجام، وذلك في رمضان، وهما يغتابان رجلاً، فقال: أفطر الحاجم والمحجوم. قال البيهقي: غياث هذا مجهول. وأخرج البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أربى الربا إستطالة المرء في عرض أخيه ". تفسير : وأخرج البيهقي عن عبد الله بن المبارك قال: إذا اغتاب رجل رجلاً فلا يخبره به ولكن يستغفر الله. وأخرج البيهقي بسند ضعيف عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته ". تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن شعبة قال: الشكاية والتحذير ليسا من الغيبة. وأخرج البيهقي عن سفيان بن عيينة رضي الله عنه قال: ثلاثة ليست لهم غيبة الإِمام الجائر، والفاسق المعلن بفسقه، والمبتدع الذي يدعو الناس إلى بدعته. وأخرج البيهقي عن الحسن رضي الله عنه قال: ليس لأهل البدع غيبة. وأخرج البيهقي عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال: إنما الغيبة لمن لم يعلن بالمعاصي. وأخرج البيهقي وضعفه عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له ". تفسير : وأخرج البيهقي وضعفه من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أترعون عن ذكر الفاجر؟ أذكروه بما فيه كي يعرفه الناس ويحذره الناس ". تفسير : وأخرج البيهقي عن الحسن البصري قال: ثلاثة ليس لهم حرمة في الغيبة: فاسق معلن الفسق، والأمير الجائر، وصاحب البدعة المعلن البدعة. وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يجاء بالعبد يوم القيامة فتوضع حسناته في كفة وسيئاته في كفة فترجح السيئات، فتجيء بطاقة فتوضع في كفة الحسنات فترجح بها، فيقول يا رب ما هذه البطاقة؟ فما من عمل عملته في ليلي ونهاري إلا وقد استقبلت به، فقيل: هذا ما قيل فيك وأنت منه بريء فينجو بذلك ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي عن علي بن أبي طالب قال: البهتان على البريء أثقل من السموات.
ابو السعود
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مّنَ ٱلظَّنّ} أيْ كُونوا على جانبٍ منْهُ، وإبهامُ الكثيرِ لإيجابِ الاحتياطِ والتأملِ في كُلِّ ظَنٍ ظُنَّ حَتَّى يعلَم أنَّه من أيِّ قبـيلٍ، فإنَّ منَ الظنِّ ما يجبُ اتباعُه كالظنِّ فيَما لا قاطعَ فيهِ من العملياتِ وحسنِ الظنِّ بالله تعَالَى، ومنْهُ ما يحرمُ كالظنِّ في الإلهياتِ والنبواتِ وحيثُ يخالفُه قاطعٌ وظنِّ السوءِ بالمؤمنينَ، ومنْهُ ما يباحُ كالظنِّ في الأمورِ المعاشيةِ {إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إثْمٌ} تعليلٌ للأمرِ بالاجتنابِ أوْ لموجبهِ بطريقِ الاستئنافِ التحقيقيِّ والإثمُ الذنبُ الذي يستحقُّ العقوبةَ عليهِ وهمزتُه منقلبةُ منَ الواوِ كأنَّه يثمُ الأعمالَ أي يكسرها. {وَلاَ تَجَسَّسُواْ} أي ولا تبحثوا عن عورات المسلمين، تفعّل من الجسِّ لما فيهِ منْ مَعْنى الطلبِ كما أن التلمسَ بمَعنى التطلبِ لما في اللمسِ من الطلبِ وقد جاءَ بمعنى الطلبِ في قولِه تعالَى: {أية : وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَاء } تفسير : [سورة الجن، الآية 8] وقُرِىءَ بالحاءِ من الحَسِّ الذي هُوَ أثرُ الجَسِّ وغايتُه ولتقاربهمِا يقالُ للمشاعرِ الحواسُّ بالحاء والجيم وفي الحديث: "حديث : لا تتبعُوا عوراتِ المسلمينَ فإنَّ منْ تتبعَ عوراتِ المسلمينَ تتبعَ الله عورتَهُ حَتَّى يفضَحهُ ولو في جوفِ بـيتِه" تفسير : {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً} أي لا يذكرْ بعضُكم بعضاً بالسوءِ في غِيبتِه "حديث : وسُئلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الغِيْبَةِ فقالَ أنْ تذكَر أخاكَ بما يكَرهُ فإنْ كانَ فيهِ فقدِ اغتبتَهُ وإنْ لمْ يكُنْ فيهِ فقدْ بهّتهُ" تفسير : وعنِ ابنِ عباسٍ رضي الله عَنْهما الغِيبةُ إدامُ كلابِ الناسِ {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً} تمثيلٌ وتصويرٌ لما يصدرُ عنِ المغتابِ منْ حيثُ صدورُهُ عنْهُ ومنْ حيثُ تعلقُه بصاحبِه عَلى أفحشِ وجهٍ وأشنعِه طبعاً وعقلاً وشرعاً معَ مبالغاتٍ من فُنونٍ شَتَّى الاستفهامُ التقريري وإسنادُ الفعلِ إلى أحدٍ إيذاناً بأنَّ أحداً من الأحدينَ لا يفعلُ ذلكَ وتعليقُ المحبةِ بَما هُوَ في غايةِ الكراهةِ وتمثيلُ الاغتيابِ بأكلِ لحمِ الإنسانِ وجعلُ المأكولِ أخاً للآكلِ وميتاً وإخراجُ تماثِلها مُخرجَ أمرٍ بـينٍ غنيَ عنِ الإخبارِ بهِ وقُرىءَ ميتاً بالتشديدِ وانتصابُه عَلى الحاليةِ من اللحمِ وقيلَ من الأخِ والفاءُ في قولِه تعالَى: {فَكَرِهْتُمُوهُ} لترتيبِ ما بعدَهَا عَلى ما قبلَها من التمثيلِ كأنَّه قيلَ وحيثُ كانَ الأمرُ كما ذكرَ فقد كرهتمُوه وقُرىءَ كُرِّهتمُوه أي جُبلتُمْ عَلى كراهتِهِ {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} بتركِ ما أمرتمْ باجتنابهِ والندمِ عَلى مَا صَدرَ عنكُم من قبلُ {إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} مبالغٌ في قبولِ التوبةِ وإفاضةِ الرحمةِ حيثُ يجعلُ التائبَ كمنْ لَمْ يذنبْ ولا يخصُّ ذلكَ بتائبٍ دونَ تائبٍ بَلْ يعمُّ الجميعَ وإنْ كثرتْ ذنوبُهم. (حديث : رُوي أنَّ رجلينِ منَ الصحابةِ رضيَ الله عنُهم بعثَا سلمانَ إِلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يبغِي لهما إدَاماً وكانَ أسامةُ على طعامِه عليهِ الصلاةُ والسلامُ فقالَ ما عندِي شيءٌ فاخبرهما سلمانُ فقالاَ: لو بعثنا سلمانَ إلى بئرٍ سميحةٍ لغارَ ماؤُها فلمَّا رَاحا إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قالَ لهُما "مَا لي أَرَى خُضرةَ اللحمِ في أفواهِكُمَا" فقالاَ ما تناولنَا لحماً فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ "إنكُما قدِ اغتبتُمَا فنزلت".
التستري
تفسير : قوله: {ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ}[12] قال: أي لا تطعنوا على أحد بسوء الظن من غير حقيقة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أكذب الحديث الظن"تفسير : . ثم قال سهل: الظن السيئ من الجهل من نفس الطبع، وأجهل الناس من قطع على قلبه من غير علم، فقد قال الله تعالى: {أية : وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ ٱلُخَاسِرِينَ}تفسير : [فصلت:23] وإن العبد ليحرم الرزق الهني وصلاته بالليل بسوء الظن. وقد كان رجل من العباد نام ليلة عن ورده، فجزع عليه، فقيل: أتجزع على ما تدركه؟ قال: لست أجزع عليه، وإنما أجزع على الذنب الذي به صرت محروماً عن ذلك الخير. فقيل لسهل: ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : احترسوا من الناس بسوء الظن"تفسير : ، فقال: معنى هذا بسوء الظن بنفسك لا بالناس، أي اتهم نفسك بأنك لا تنصفهم من نفسك في معاملاتهم. قوله تعالى: {وَلاَ تَجَسَّسُواْ}[12] قال: أي لا تبحث عن المعائب التي سترها الله على عباده، فإنك ربما تبتلى بذلك. وقد حكي عن عيسى عليه السلام أنه كان يقول: لا تكثروا الكلام في غير ذكر الله عزَّ وجلَّ، فتقسوا قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد من الله ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا إلى أعمالكم كالعبيد، واعلموا أن الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء وسلوا الله العافية. قوله: {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً}[12] قال: من أراد أن يسلم من الغيبة فليسد على نفسه باب الظنون، فإن من سلم من الظن سلم من الغيبة، ومن سلم من الغيبة سلم من الزور، ومن سلم من الزور سلم من البهتان. قال: وقال ابن عباس رضي الله عنهما: للمنافق غيبة، وليس للفاسق غيبة، لأن المنافق كتم نفاقه، والفاسق افتخر بفسقه. قال: وهذا إنَّما أراد به فيما أظهره من المعاصي، فأما ما كتمه من المعاصي ففيه غيبة.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ} [الآية: 12]. قال ابن سمعون: الظن ما يتردد فى النفس من حيث أملها باستدلالها على حظها بوصفها فيتردد ولا يقف فيمكن من الإيواء إليه فما كان هذا وصفه فهو ظن. وقال أبو عثمان: من وجد فى قلبه عيباً لأخيه ولا يعمل فى صرف ذلك عن قلبه بالدعاء له خاصة والتضرع إلى الله حتى يخلصه منه أخاف أن يبتليه الله فى نفسه بتلك المعايب. قال سهل: من سلم من الظن سلم من الغيبة ومن سلم من الغيبة سلم من الزور ومن سلم من الزور سلم من البهتان. وسئل بعضهم عن قول الحكيم: احترزوا من الناس بسوء الظن؟ فقال: بسوء الظن بأنفسكم لا بهم. قوله تعالى: {وَلاَ تَجَسَّسُواْ} [الآية: 12]. قال سهل: لا تبحثوا عن طلب معايب ما ستره الله على عباده.
القشيري
تفسير : النَّفْسُ لا تَصْدُقُ، والقلبُ لا يَكْذِبُ. والتمييز بين النفس والقلب مُشْكِلٌ ومَنْ بَقِيَتْ عليه من حظوظه بقيَّةٌ - وإنْ قَلَّتْ - فليس له أن يَدَّعى بيانَ القلب بل هو بنفسه ما دام عليه شيءٌ من نَفْسِه، ويجب أن يَتَّهِمَ نَفْسَهُ في كل ما يقع له من نقصان غيره.. هذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال وهو يخطب. "كلُّ الناس أفقهُ من عمر.. أمرأةٌ أفقهُ من عمر". {وَلاَ تَجَسَّسُواْ} والعارف لا يتفرغ من شهود الحقِّ إلى شهود الخَلْق.. فكيف يتفرغ إلى تجَسُّسِ أحوالهم؟ وهو لا يتفرغ إلى نَفْسِه فكيف إلى غيره؟ {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً}: لا تحصل الغيبة للخَلق إلاَّ من الغيبةِ عن الحقِّ. {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً} جاء في التفسير أن المقصود بذلك الغيبة، وعلى ذلك يدل ظاهر الآية. وأَخَسُّ الكفّار وأَقَلُّهم قَدْراً مَنْ يأَكل الميتةَ.. وعزيزٌ رؤيةُ مَنْ لا يغتاب أحداً بين يديك.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ} بين الله سبحانه ان اكثر الظنون يؤول الى الفساد وانها عينها ماثمة لانها من قبل النفس الامارة التى ليس لها النظر الى العيوب فتيم فى المخائيل الشيطانية وذلك ان الشيطان يلقى فيها عيب المؤمنين ويهجها بظنون مختلفة وبين سبحانه ان بعض الظن حقيقة اذا كان ليس من قبل النفس بل يكون ذلك من رؤية القلب ما جرى فى الغيب فيتفرس بنور اليقين ولذلك وصف المؤمنين بذلك بقوله الذين يظنون انهم ملاقوا ربهم قال ابن شمعون الظن ما يتردد فى النفس من حيث املها باستدلالها على خطها بوصفها فيتردد ولا يقف فيمكن من ابواء اليه فما كان هذا وصفه فهو ظن.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن} اى كونوا على جانب منه وابعدوا عنه فان الاجتناب بالفارسية بايك سوشدن. والظن اسم لما يحصل من امارة ومتى قويت ادت الى العلم ومتى ضعفت جدا لم تتجاوز حد التوهم وابهام الكثير لايجاب الاحتياط والتأمل فى كل ظن ظن حتى يعلم انه من اى قبيل وتوضيح المقام ان كثيرا لما بين بقوله من الظن كان عبارة عن الظن فكان المأمور باجتنابه بعض الظن الا انه علق الاجتناب بقوله كثيرا لبيان انه كثير فى نفسه ولا بد لنا من الفرق بين تعريف الظن الكثير وتنكيره فلو عرف وقيل اجتنبوا الظن الكثير يكون التعريف للاشارة الى ما يعرفه المخاطب بأنه ظن كثير غير قليل ولو نكر يكون تنكيره للافراد والبعضية ويكون المأمور باجتنابه بعض افراد الظن الموصوف بالكثرة من غير تعيينه اى بعض هو وفى التكليف على هذا الوجه فائدة جليلة وهى ان يحتاط المكلف ولا يجترئ على ظن ما حتى يتبين عنده انه مما يصح اتباعه ولا يجب الاجتناب عنه ولو عرف لكان المعنى اجتنبوا حقيقة الظن الموصوف بالكثرة او جميع افراده لا ما قل منه وتحريم الظن المعرف تعريف الجنس والاستغراق لا يؤدى الى احتياط المكلف لكون المحرم معينا فيجتنب عنه ولا يجتنب عن غيره وهو الظن القليل سوآء كان ظن سوء وظن صدق ومن المعلوم ان هذا المعنى غير مراد بخلاف ما لو نكر الظن الموصوف بالكثرة فان المحرم حينئذ اتباع الفرد المبهم من افراد تلك الحقيقة وتحريمه يؤدى الى احتياط المكلف الى ان يتبين عنده ان ما يخطر بباله من الظن من اى نوع من انواع الظن فان من الظن ما يجب اتباعه كحسن الظن بالله تعالى وفى الحديث حديث : ان حسن الظن من الايمان تفسير : والظن فيما لا قاطع فيه من العمليات كالوتر فانه لما ثبت بخبر الواحد لم يكن مقطوعا به فقلنا بالوجوب فلا يكفر جاحده بل يكون ضالا ومبتدعا لرده خبر الواحد ويقتص لكونه فرضا عمليا وفى الاشباه ويكفر بانكار اصل الوتر والاضحية انتهى. ومن الظن ما يحرم كالظن فى الالهيات اى بوجود الاله وذاته وصفاته وما يليق به من الكمال وفى النبوات فمن قال آمنت بجميع الانبياء ولا اعلم ءآدم نبى ام لا يكفر وكذا من آمن بأن نبينا عليه السلام رسول ولم يؤمن بأنه خاتم الرسل لا نسخ لدينه الى يوم القيامة لا يكون مؤمنا وكالظن حيث يخالفه قاطع مثل الظن بنبوة الحسنين او غيرهما من خلفاء هذه الامة واوليائها مع وجود قوله تعالى {أية : وخاتم النبيين}تفسير : وقوله عليه السلام "حديث : لا نبى بعدى"تفسير : اى لا مشرعا ولا متابعا فان مثل هذا الظن حرام ولو قطع كان كفرا وكظن السوء بالمؤمنين خصوصا بالرسول عليه السلام وبورثته الكمل وهم العلماء بالله تعالى قال تعالى {أية : وظننتم ظن السوء وكنتم قوماً بورا}تفسير : وقال عليه السلام "حديث : ان الله حرم من المسلم عرضه ودمه وان يظن به ظن السوء"تفسير : والمراد بعرضه جانبه الذى يصونه من نفسه وحسبه ويتحامى ان ينتقص (قال الصائب) شعر : بدكمانى لازم بد باطنان افتاده است كوشه از خلق جا كردم كمين بند اشتند تفسير : ومن الظن ما يباح كالظن فى الامور المعاشية يعنى ظن درامور دنيا ومهمات معاش ودرين صورت بدكمانى موجب سلامت وانتظام مهام است واز قبيل حزم شمرده اند كما قيل شعر : بد نفس مباش وبد كمان باش وزفتنه ومكردر امان باش تفسير : وفى كشف الاسرار المباح كالظن فى الصلاة والصوم والقبلة امر صاحبه بالتحرى فيها والبناء على غلبة الظن وفى تفسير الكاشفى تحردرى امر قبله وبنا نهادن برغلبة ظن در امور اجتهاديه مندو بست. ومعنى التحرى لغة الطلب وشرعا طلب شئ من العبادات بغالب الرأى عند تعذر الوقوف على حقيقته {ان بعض الظن اثم} يستحق العقاب عليه وذلك البعض كثير وهو تعليل للامر بالاجتناب بطريق الاستئناف التحقيقى والاثم الذنب يستحق العقوبة عليه وهمزته منقلبة من الواو كأنه يثم الاعمال اى يكثرها فان قلت أليس هذا ميلا الى مذهب الاعتزال قلت بلى لولا التشبيه اى فى كأنه قاله سعدى المفتى وقال ايضا تبع المصنف فى ذلك الزمخشرى واعترض عليه بأن تصريف هذه الكلمة لا تنفك عنه الهمزة بخلاف الواوى وانها من باب علم والواوى من باب ضرب قلت والزمخشرى نفسه ذكرها فى الاساس فى باب الهمزة انتهى ودلت الآية على ان اكثر الظنون من قبيل الاثم لان الشيطان يلقى الظنون فى النفس فتظن النفس الظن الفاسد وعلى ان بعض الظن ليس بأثم بل هو حقيقته وهو ما لم يكن من قبيل النفس بل كان بالفراسة الصحيحة بان يرى القلب بنور اليقين ما جرى فى الغيب وفى الحديث "حديث : ان فى كل امة محدثين او مروعين على الشك من الراوى فان يكن فى هذه الامة فان عمر منهم"تفسير : والمحدث المصيب فى رأيه كأنما حدث بالامر والمروع الذى يلقى الامر فى روعه اى قلبه وفى فتح الرحمن ولا يقدم على الظن الا بعد النظر فى حال الشخص فان كان موسوما بالصلاح فلا يظن به السوء بأدنى توهم بل يحتاط فى ذلك ولا تظنن السوء الا بعد أن لا تجد الى الخير سبيلا (قال الصائب) شعر : سيلاب صاف شدزهم آغوشئ محيط باسينه كشاده كدورت جه ميكند تفسير : واما الفساق فلنا ان نظن بهم مثل الذى ظهر منهم وفى منهاج العابدين للامام الغزالى قدس سره اذا كان ظاهر الانسان الصلاح والستر فلا حرج عليك فى قبول صلاته وصدقته ولا يلزمك البحث بأن تقول قد فسد الزمان فان هذا سوء ظن بذلك الرجل المسلم بل حسن الظن بالمؤمنين مأمور به انتهى وفى الحديث "حديث : من أتاه رزق من غير مسألة فرده فانما يرده على الله"تفسير : قال الحسن لا يرد جوآئز الامرآء الامرآئى او أحمق وكان بعض السلف يستقرض لجميع حوآئجه ويأخذ الجوائز ويقضى بها دينه والحيلة فيه أن يشترى بمال مطلق ثم ينقد ثمنه من اى مال شاء وعن الامام الاعظم ان المبتلى بطعام السلطان والظلمة يتحرى ان وقع فى قلبه حله قبل واكل والا لا لقوله عليه السلام استفت قلبك قال الشيخ ابو العباس قدس سره من كان من فقرآء هذا الزمان اكالا لاموال الظلمة مؤثرا للسماع ففيه نزغة يهودية قال تعالى {أية : سماعون للكذب اكالون للسحت} تفسير : قال سفيان الثورى رضى الله عنه الظن ظنان احدهما اثم وهو أن تظن وتتكلم به والآخر ليس بأثم وهو ان تظن ولا تتكلم به والمراد بأن بعض الظن اثم ما اعلنته وتكلمت به من الظن وعن الحسن كنا فى زمان الظن بالناس حرام فيه وأنت اليوم فى زمان اعمل واسكت وظن بالناس ما شئت اى لانهم اهل لذلك والمظنون موجود فيهم وعنه ايضا ان صحبة الاشرار تورث حسن الظن بالاخيار وطلب المتوكل اجارية الدقاق بالمدينة وكان من اقران الجنيد ومن اكابر مصر فكاد يزول عقله لفرط حبها فقالت لمولاها احسن الظن بالله وبى فانى كفيلة لك بما تحب فحملت اليه فقال لها المتوكل اقرئى فقرأت ان هذا اخى له تسع وتسعون نعجة ولى نعجة واحدة ففهم المتوكل ما ارادت فردها (وروى) عن انس رضى الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلم احدى نسائه فمر به رجل فدعاه رسول الله فقال حديث : يا فلان هذه زوجتى صفية تفسير : وكانت قد زارته فى العشر الاول من رمضان فقال يا رسول الله ان كنت اظن بغيرك فانى لم اكن أظن بك فقال عليه السلام حديث : ان الشيطان ليجرى من ابن آدم مجرى الدم تفسير : كما فى الاحياء وفيه اشارة الى الحذر من مواضع التهم صيانة لقلوب الناس عن سوء الظن ولألسنتهم من الغيبة والى الاتقاء عن تزكية النفس فان النفس والشيطان لهما شأن عجيب فى باب المكر والاغوآء والقاء الفتنة والفساد نسأل الله المنان أن يجعلنا فى أمان {ولا تجسسوا} اصله لا تتجسسوا حذف منه احدى التاءين اى ولا تبحثوا عن عورات المسلمين وعيوبهم تفعل من الجس لما فيه من معنى الطلب فان جس الخبر طلبه والتفحص عنه فاذا نقل الى باب التفعل يحدث معنى التكلف منضما الى ما فيه من معنى الطلب يقال جسست الاخبار اى تفحصت عنها واذا قيل تجسستها يراد معنى التكليف كالتلمس فانه تفعل من اللمس وهو المس باليد لتعرف حال الشئ فاذا قيل تلمس يحدث معنى التكلف والطلب مرة بعد اخرى وقد جاء بمعنى الطلب فى قوله {أية : وانا لمسنا السماء}تفسير : وقرئ بالحاء من الحس الذى هو أثر الجس وغايته ولتقاربهما يقال للمشاعر الحواس بالحاء والجيم وفى المفردات اصل الجس مس العرق وتعرف نبضه للحكم به على الصحة والسقم ومن لفظ الجس اشتق الجاسوس وهو اخص من الحس لانه تعرف ما يدرك الحس والجس تعرف حال ما من ذلك وفى الاحياء التجسس بالجيم فى تطلع الاخبار وبالحاء المهملة فى المراقبة بالعين وفى انسان العيون التحسس للاخبار بالحاء المهملة ان يفحص الشخص عن الاخبار بنفسه وبالجيم أن يفحص عنها بغيره وجاء تحسسوا ولا تجسسوا انتهى وفى تاج المصادر التجسس والتحسس خبر جستن. وفى القاموس الجس تفحص الاخبار كالتجسس ومنه الجاسوس والجسيس لصاحب سر الشر ولا تجسسوا اى خذوا ما ظاهر ودعوا ما ستر الله تعالى اولا تفحصوا عن بواطن الامور او لا تبحثوا عن العورات والحاسوس الجاسوس او هو فى الخير وبالجيم فى الشر انتهى وفى الحديث "حديث : لا تتبعوا عورات المسلمين فان من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته حتى يفضحه ولو فى جوف بيته"تفسير : (قال الصائب) شعر : خيانتهاى بنهان ميكشد آأخر برسوايى كه دزد خانكى راشحنه در يازار ميكيرد تفسير : وعن جبرآئيل قال يا محمد لو كانت عبادتنا على وجه الارض لعملنا ثلاث خصال سقى الماء للمسلمين واعانة اصحاب العيال وستر الذنوب على المسلمين وعن زيد بن وهب قلنا لابن مسعود رضى الله عنه هل لك فى الوليد بن عقبة بن ابى معيط يعنى جه ميكوبى درحق او. تقطر لحيته خمرا فقال ابن مسعود رضى الله عنه انا قد نهينا عن التجسس فان يظهر لنا شئ نأخذه به وفى الحديث حديث : اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا تفسير : والعورات بالتسكين جمع عورة وهى عورة الانسان وما يستحى منه من العثرات والعيوب وفى الحديث حديث : اللهم لا تؤمنا مكرك ولا تنسنا ذكرك ولا تهتك عنا سترك ولا تجعلنا من الغافلينتفسير : وعنه عليه السلام حديث : من قال عند منامه هذا الدعاء بعث الله اليه ملكا فى احب الساعات اليه فيوقظه تفسير : كما فى المقاصد الحسنة قال فى نصاب الاحتساب ويجوز للمحتسب أن يتفحص عن احوال السوقية من غير أن يخبره احد بخيانتهم فان قيل ينبغى ان لا يجوز لانه تجسس منهى فنقول التجسس طلب الخير للشر والاذى وطلب الخير للامر بالمعروف والنهى عن المنكر ليس كذلك فلا يدخل تحت النهى. يقول الفقير وهو مخالف لما سبق عن ابن مسعود رضى الله عنه فان قلت ذلك لكونه غير آمر ومأمور قلت دل قوله تأخذوه به على ولايته من اى وجه كان اذ لا يأخذه الا الوالى او وكيله ويجوز أن يقال لو طلب ابن مسعود خبر الوليد بنفسه للنهى عن المنكر لكان له وجه فلما جاء خبره فى صورة السعاية والهتك اعرض عنه او رأى الستر فى حق الوليد اولى فلم يستمع الى القائل وكان عمر رضى الله عنه يعس ذات ليلة فنظر الى مصباح من خلل باب فاطلع فاذا قوم على شراب لهم فلم يدر كيف يصنع فدخل المسجد فأخرج عبد الرحمن ابن عوف رضى الله عنه فجاء به الى الباب فنظر وقال له كيف ترى أن نعمل فقال ارى والله انا قد أتينا ما نهانا الله عنه لانا تجسسنا واطلعنا على عورة قوم ستروا دوننا وما كان لنا أن نكشف ستر الله فقال ما أراك الا قد صدقت فانصرفا فالمحتسب لا يتجسس ولا يتسور ولا يدخل بيتا بلا اذن فان قيل ذكر فى باب من يظهر البدع فى البيوت انه يجوز للمحتسب الدخول بلا اذن فنقول ذلك فيما ظهر واما اذا خفى فلا يدخل فان ما ستره الله لا بد وأن يستره العبد هذا فى عيوب الغير واما عيوب النفس فالفحص عنها لازم للاصلاح والتزكية وقد عدوا انكشاف عيوب النفس اولى من الكرامات وخوارق العادات فانه ما دام لم تحصل التزكية للنفس لا تفيد الكرامة شيئا بل ربما يوقعها فى الكبر والعجب والتطاول فنعوذ بالله تعالى من شرورها وفجورها وغرورها {ولا يغتب بعضكم بعضا} الاغتياب غيبت كردن. والغيبة بالكسر اسم من الاغتياب وفتح الغين غلط اذ هو بفتحها مصدر بمعنى الغيبوبة والمعنى ولا يذكر بعضكم بعضا بالسوء فى غيبته وخلفه وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال حديث : أن تذكر أخاك بما يكره فان كان فيه فقد اغتبته وان لم يكن فيه فقد بهته تفسير : اى قلت عليه ما لم يفعله والحاصل ان الغيبة والاغتياب هو أن يتكلم انسان خلف انسان مستور مما فيه من عيب اى بكلام صادق من غير ضرورة قوية الى ذكره ولو سمعه لغمه وان كان ذلك الكلام كذبا يسما بهتانا وهو الذى يتر الديار بلاقع اى خرابا {ايحب احدكم ان يأكل لحم اخيه ميتا} انتصاب ميتا على الحالية من اللحم واللحم المنفصل عن الحى يوصف بانه ميت لقوله عليه السلام حديث : ما ابين من حى فهو ميت تفسير : وقيل من الاخ على مذهب من يجوز الحال من المضاف اليه مطلقا وشدده نافع اى قرأ ميتا بالتشديد والكلام تمثيل وتصوير لما يصدر عن المغتاب من حيث صدوره عنه ومن حيث تعلقه بصاحبه على افحش وجه واشنعه طبعا وعقلا وشرعا يعنى شبه الاغتياب من حيث اشتماله على تناول عرض المغتاب باكل لحم الانسان ميتا تشبيها تمثيليا وعبر بالهيئة المشبه بها عن الهيئة المشبهة ولا شك ان الهيئة المشبه بها افحش جنس التناول واقبحه فيكون التمثيل المذكور تصويرا للاغتياب بأقبح الصور وذلك ان الانسان يتألم قلبه من قرض عرضه كما يتألم جسمه من قطع لحمه بل عرضه اشرف من لحمه ودمه فاذا لم يحسن للعاقل اكل لحوم الناس لم يحسن له قرض عرضهم بالطريق الاولى خصوصا ان اكل الميتة هو المتناهى فى كراهة النفوس ونفور الطباع ففيه اشارة الى ان الغيبة عظيمة عند الله وفى قوله ميتا اشارة الى دفع وهم وهو أن يقال الشتم فى الوجه يؤلم فيحرم واما الاغتياب فلا اطلاع عليه للمغتاب فلا يؤلمه فكيف يحرم فدفعه بأن اكل لحم الاخ وهو ميت ايضا لا يؤلمه ومع هذا هو فى غاية القبح لكونه بمراحل عن رعاية حق الاخوة كذا فى حواشى ابن الشيخ. يقول الفقير يمكن أن يقال ان الاغتياب وان لم يكن مؤلما للمغتاب من حيث عدم اطلاعه عليه لكنه فى حكم الايلام اذا لو سمعه لغمه على انا نقول ان الميت متألم وان لم يكن فيه روح كما ان السن وهو الضرس متألم اذا كان وجعا وان لم يكن فيه حياة فاعرف {فكرهتموه} الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من التمثيل كأنه قيل وحيث كان الامر كما ذكر فقد كرهتموه فأضمر كلمة قد لتصحيح دخول الفاء فى الجزآء فالمقصود من تحقيق استكراههم وتقذرهم من المشبه به الترغيب والحث على استكراه ما شبه به وهو الغيبة كأنه قيل اذا تحققت كراهتكم له فليتحقق عندكم كراهة نظيره الذى هو الاغتياب {واتقوا الله} بترك ما امرتم باجتنابه والندم على ما صدر عنكم من قبل وهو عطف على ما تقدم من الاوامر والنواهى {ان الله تواب رحيم} مبالغ فى قبول التوبة وافاضة الرحمة حيث يجعل التائب كمن لم يذنب ولا يخص ذلك بتائب دون تائب بل يعم الجميع وان كثرت ذنوبهم فصيغة المبالغة باعتبار المتعلقات (روى) ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اذا غزا اوسا فرضم الرجل المحتاج الى رجلين موسرين يخدمهما ويتقدم لهما الى المنزل فيهيئ لهما طعامهما وشرابهما فضم سلمان الفارسى الى رجلين فى بعض اسفاره فتقدم سلمان الى المنزل فغلبته عيناه فلم يهيئ لهما شيأ فلما قدما قالا له ما صنعت شيأ فقال لا غلبتنى عيناى قالا له انطلق الى رسول الله فاطلب لنا منه طعاما فجاء سلمان الى رسول الله وسأله طعاما فقال عليه السلام حديث : انطلق الى اسامة بن زيد وقل له ان كان عنده فضل من طعام فليعطك تفسير : وكان اسامة خازن رسول الله على رحله وطعامه فأتاه فقال ما عندى شئ فرجع سلمان اليهما فاخبرهما فقالا كان عند اسامة شئ ولكن بخل به فبعثا سلمان الى طائفة من الصحابة فلم يجد عندهم شيئا فلما رجع قالوا لو بعثناه الى بئر سميحة لغار ماؤها وسميحة كجهينة بالحاء المهملة بئر بالمدينة غزيرة الماء على ما فى القاموس ثم انطلقا يتجسسان هل عند اسامة ما أمر لهما به رسول الله من الطعام فلما جاآ الى رسول الله قال لهما "حديث : مالى أرى خضرة اللحم فى افواهكما" تفسير : والعرب تسمى الاسود أخضر والاخضر أسود وخضرة اللحم من قبيل الاول كأنه عليه السلام أراد باللحم لحم الميت وقد اسود بطول المكث تصويرا لاغتيابهما باقبح الصور ويحتمل انه عليه السلام أراد بالخضرة النضارة اى نضارة اللحم او نضارة تناوله وفى الحديث "حديث : الدنيا حلوة خضرة نضرة"تفسير : اى غضة طرية ناعمة قالا والله يا رسول ما تناولنا يومنا هذا لحما قال عليه السلام حديث : ظللتما تأكلان لحم اسامة وسلمان"تفسير : اى انكما قد اغتبتماهما فانزل الله الآية شعر : آنكس كه لواء غيبت افراخته است از كوشت مردكان غدا ساخته است وانكس كه بعيب خلق برداخته است زانست كه عيب خويش نشناخته است تفسير : وفى الحديث حديث : الغيبة اشد من الزنى"تفسير : قالوا وكيف قال "حديث : ان الرجل يزنى ثم يتوب فيتوب الله عليه وان صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه تفسير : كما فى كشف الاسرار وعن ابن عباس رضى الله عنهما الغيبة ادام كلاب الناس وكان ابو الطيب الطاهرى يهجو بنى سامان فقال له نضر بن احمد الى متى تأكل خبزك بلحوم الناس فخجل ولم يعد (قال الصائب) شعر : كسى كه باك نسازد دهن زغيبت خلق همان كليد در دوزخست مسواكش تفسير : (قال الشيخ سعدى) فى كتاب الكلستان ياد دارم كه وعهد طفوليت متعبد بودم وشب خيز ومولع زهد وبرهيز تاشبى درخدمت بدر نشسته بودم وهمه شب ديده بهم نيسته ومصحف عزيز دركنار كرفته وطائفة كردما خفته بدر را كفتم كه ازاينان بكى سر برنمى آردكه دوركعت نماز بكزارد ودر خواب غفلت جنان رفته اندكه كويى نخفته اند بلكه مرده كفت اى جان بدر اكر تونيز بحفتى به كه دربوستين خلق افتى شعر : نبيند مدعى جز خويشتن را كه دارد بردهُ بندار دربيش اكر جشم دلت را بركشايى نه ببنى هيج كس عاجز تراز خويش تفسير : وعن انس رضى الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لما عرج بى مررت بقوم لهم اظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت من هؤلاء يا جبرائيل" فقال هم الذين ياكلون لحوم الناس ويقعون فى اعراضهم تفسير : وفى الحديث حديث : خمس يفطرن الصائم الكذب والغيبة والنميمة واليمين الكاذبة والنظر بشهوة تفسير : رواه انس واول من اغتاب ابليس اغتاب آدم وكان ابن سيرين رحمه الله قد جعل على نفسه اذا اغتاب أن يتصدق بدينار ومما يجب التنبيه له ان مستمع الغيبة كقائلها فوجب على من سمعها أن يردها كيف وقد قال النبى عليه السلام حديث : من رد عن عرض اخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة تفسير : وقال عليه السلام حديث : المغتاب والمستمع شريكان فى الاثم تفسير : وعن ميمون انه أتى بجيفة زنجى فى النوم فقيل له كل منها فقال لم قيل لانك اغتبت عبد فلان فقال ما قلت فيه شيئا قيل لكنك استمعت ورضيت فكان ميمون لا يغتاب احدا ولا يدع احدا أن يغتاب عنده احدا وعن بعض المتكلمين ذكره بما يستخف به انما يكون غيبة اذا قصد الاضرار والشماتة به اما اذا ذكره تأسفا لا يكون غيبة وقال بعضهم رجل ذكر مساوى اخيه المسلم على وجه الاهتمام ومثله فى الواقعات وعلل بأنه انما يكون غيبة أن لو أراد به السب والنقص قال السمرقندى فى تفسيره قلت فيما قالوه خطر عظيم لانه مظنة أن يجر الى ما هو محض غيبة فلا يؤمن فتركها رأسا اقرب الى التقوى واحوط انتهى. وفى هدية المهديين رجل لو اغتاب فريقا لا يأثم حتى يغتاب قوما معروفين ورجل يصلى ويؤذى الناس باليد او اللسان لا غيبة له ان ذكر بما فيه وان أعلم به السلطان حتى يزجره لا يأثم انتهى وفى المقاصد الحسنة ثلاثة ليست لهم غيبة الامام الجائر والفاسق المعلن بفسقه والمبتدع الذى يدعو الناس الى بدعته انتهى. وعن الحسن لا حرمة لفاجر (وروى) من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له واذكر الفاجر بما فيه ليحذره الناس كما فى الكواشى واذا جاز نقص عرض الفاسق بغيبته فأولى أن يجوز نقص عرض الكافر كما فى شرح المشارق لابن الملك وسلك بعضهم طريق الاحتياط فطرح عن لسانه ذكر الخلق بالمساوى مطلقا كما حكى انه قيل لابن سيرين مالك لا تقول فى الحجاج شيأ فقال اقول فيه حتى ينجيه الله بتوحيده ويعذبنى باغتيابه ومن هنا أمسك بعضهم عن لعن يزيد وكان فضيل يقول ما لعنت ابليس قط اى وان كان ملعونا فى نفس الامر كما نطق به القرءآن فكيف يلعن من اشتبه حاله وحال خاتمته وعاقبته
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا اجتنِبوا كثيراً من الظن} أي: كونوا في جانب منه، يقال: جنَّبه الشرّ إذا أبعده عنه، أي: جعله في جانب منه، و"جنّب" يتعدى إلى مفعولين، قال تعالى:{أية : وَاجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ}تفسير : [إبراهيم: 35]، ومطاوعُه، اجتنب، ينقص مفعولاً، وإبهام "الكثير" لإيجاب التأمُّل في كل ظن، حتى يعلم من أي قبيل هو، فإنَّ مِن الظن ما يجب اتباعُه؛ كالظن فيما لا قاطع فيه من العمليات، وحسن الظن بالله تعالى، ومنه ما يُحرم، وهو ما يُوجب نقصاً بالإلهيات والنبوات، وحيث يخالفه قاطع، وظن السوء بالمؤمنين، ومنه ما يُباح، كأمور المعاش. {إِنَّ بعض الظن إِثمٌ} تعليل للأمر بالاجتناب، قال الزجاج: هو ظنّك بأهل الخير سوءاً، فأما أهل الفسق فلنا أن نظنّ بهم مثل الذي ظهر عليهم، وقيل المعنى: اجتنبوا اجتناباً كثيراً من الظن، وتحرّزوا منه، إن بعض الظن إثم، وأَوْلى كثيرُه، والإثم: الذنب الذي يستحق صاحبه العقاب، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : إياكم والظن، فإن الظنَّ أكذبُ الحديث"تفسير : ، فالواجب ألاَّ يعتمد على مجرد الظن، فيعمل به، أو يتكلم بحسبه. قال ابن عطية: وما زال أولو العزم يحترسون من سوء الظن، ويجتنبون ذرائعه. قال النووي: واعلم أن سوء الظن حرام مثل القول، فكما يحرم أن تحدّث غيرَك بمساوئ إنسان؛ يحرم أن تُحدِّث نفسك بذلك، وتسيء الظن به، والمراد: عقدُ القلب وحكمُه على غيره بالسوء، فأما الخواطرُ، وحديثُ النفس، إذا لم يستقر ويستمر عليه صاحبه، فمعفوٌّ عنه باتفاق؛ لأنه لا اختيارَ له في وقوعه، ولا طريق له إلى الانفكاك عنه. هـ. وقال في التمهيد: وقد ثبتَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"حديث : حرّم الله من المؤمن: دمَه ومالَه وعِرضَه، وألا يُظنَّ به إلا الخير"تفسير : . هـ. ونقل أيضاً أن عُمر بن عبد العزيز كان إذا ذُكر عنده رجل بفضل أو صلاح، قال: كيف هو إذا ذُكر عنده إخوانُه؟ فإن قالوا: ينتقص منهم، وينال منهم، قال عمر: ليس هو كما تقولون، وإن قالوا: إنه يذكُرُ منهم جميلاً، ويُحسن الثناء عيلهم، قال: هو كما تقولون إن شاء الله. هـ. وفي الحديث أيضاً:"حديث : خصلتان ليس فوقهما شيء من الخير، حُسْن الظنِّ بالله، وحُسْن الظن بعباد الله، وخصلتان ليس فوقهما شيء من الشر: سوء الظن بالله، وسوء الظن بعباد الله ". تفسير : {ولا تجسَّسُوا} لا تبحثوا عن عورات المسلمين ومعايبهم، يقال: تجسّس الأمر: إذا تطلّبه وبحث عنه، تَفعلٌ من: الجسّ. وعن مجاهد: خُذوا ما ظهر ودَعوا ما ستر الله. وقال سهل: لا تبحثوا عن طلب ما ستر الله على عباده، وفي الحديث:"حديث : لا تتبعوا عورات المسلمين؛ فإنَّ مَن تتبَّع عورات المسلمين تتبَّع الله عورته حتى يفضحه ولو في جوف بيته ". تفسير : قال ابن عرفة: مَن هو مستور الحال فلا يحلّ التجسُّس عليه، ومَن اشتهر بشرب خمر ونحوه فالتجسُّس عليه مطلوب أو واجب. هـ. قلت: معناه: التجسُّس عليه بالشم ونحوه؛ ليُقام عليه الحد، لا دخول داره لينظر ما فيها من الخمر ونحوه، فإنه منهي عنه، وأمَّا فعل عمر رضي الله عنه فحالٌ غالبة، يقتصر عليها في محلها، وانظر الثعلبي، فقد ذكر عن عمر رضي الله عنه أنه فعل من ذلك أموراً، ومجملها ما ذكرنا. وقرئ بالحاء، من "الحس" الذي هو أثر الجس وغايته، وقيل: التجسُّس – بالجيم – يكون بالسؤال، وبالحاء يكون بالاطلاع والنظر، وفي الإحياء: التجسُّس – أي: بالجيم – في تطلُّع الأخبار، والتحسُّس بالمراقبة بالعين. هـ. وقال بعضهم: التجسُّس – بالجيم – في الشر، وبالحاء في الخير، وقد يتداخلان. والحاصل: أنه يجب ترك البحث عن أخبار الناس، والتماس المعاذر، حتى يُحسن الظن بالجميع، فإنَّ التجسُّس هو السبب في الوقوع في الغيبة، ولذلك قدّمه الحق – تغالى – عن النهي عن الغيبة، حيث قال: {ولا يغتب بعضُكم بعضاً} أي: لا يذكر بعضُكم بعضاً بسوء. فالغيبة: الذكرُ بالعيب في ظهر الغيب، من الاغتياب، كالغِيْلَةِ من الاغتيال. وسئل صلى الله عليه وسلم عن الغيبة، فقال:"حديث : ذِكْرُك أخاك بما يكره، فإن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بَهَتَّه ". تفسير : وعن معاذ: حديث : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فذَكَر القومُ رجلاً: فقالوا: لا يأكل إلا إذا أُطعم، ولا يرحل إلا إذا رُحِّل، فما أضعفه! فقال عليه السلام: "اغتبتم أخاكم"، فقالوا: يا رسول الله، أوَ غيبة أن يُحدَّث بما فيه؟ قال: "فَحَسْبُكم غيبةً أن تُحدِّثوا عن أخيكم بما فيه"تفسير : . قال أبو هريرة: حديث : قام رجل من عند النبي صلى الله عليه وسلم فرأَوْا في قيامه عَجْزاً، فقالوا: يا رسول الله، ما أعجز فلاناً! فقال عليه السلام: "أَكَلْتُم لحْمَ أخيكم واغتبتموه ". تفسير : قال النووي: الغيبة: كلّ ما أفهمت به غيرَك نقصان مسلم عاقل، وهو حرام. هـ. قوله: ما أفهمت... الخ، يتناول اللفظ الصريح والكناية والرمزَ والتعريضَ والإشارة بالعين والرأس، والتحكية بأن يفعل مثلَه، كالتعارج، أو يحكي كلامَه على هيئته ليُضحك غيره، فهذا كله حرام، إن فهَم المخاطَب تعيين الشخص المغتاب، وإلا فلا بأس، والله تعالى أعلم. ولا فرق بين غيبة الحي والميت، لما ورد: "مَن شتمَ ميتاً أو اغتابه فكأنما شتم ألف نبي، ومَن اغتابه فكأنما اغتاب ألفَ ملَك، وأحبط الله له عمل سبعين سنة، ووضع على قدمه سبعين كيةً من نار". والسامع للغيبة كالمغتاب، إلاَّ أن يُغَير أو يقوم، وورد عن الشيخ أبي المواهب التونسي الشاذلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له:"حديث : فإن كان ولا بد من سماعك غيبة الناس – أي: وقع منك – فاقرأ سورة الإخلاص والمعوذتين، واهدِ ثوابها للمغتاب؛ فإن الله يُرضيه عنك بذلك"تفسير : .هـ. وعن ابن عباس رضي الله عنه: الغيبة إدامُ كلابِ الناس. هـ. وتشبيههم بالكلاب في التمزيق والتخريق، فهم يُمزقون أعراض الناس، كالكلاب على الجيفة، لا يطيب لهم مجلسٌ إلا بذكر عيوب الناس. وفي الحديث:"حديث : رأيت ليلة أُسري بي رجالاً لهم أظفار من نحاس، يَخْمشُون وجوههم ولحومَهم، فقلت: مَن هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم ". تفسير : {أيُحب أحدُكم أن يأكلَ لَحْمَ أخيه مَيْتاً} هذا تمثيل وتصوير لما ينالُه المغتاب من عِرضِ المغتابِ على أفحش وجه. وفيه مبالغات، منها: الاستفهام الذي معناه التقرير، ومنها: فعلُ ما هو الغاية في الكراهية موصولاً بالمحبة، ومنها: إسناد الفعل إلى {أحدكم} إشعاراً بأنَّ أحداً مِن الأحدين لا يُحبُّ ذلك، ومنها: أنها لم يَقْتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم مطلق الإنسان، بجعله أخاً للآكل، ومنها: أنه لم يقتصر على أكل لحم الأخر حتى جعله ميتاً. وعن قتادة: كما تكره إن وجدت جيفة مُدَوّدة أن تأكل منها: كذلك فاكْرَه لحم أخيك. هـ. ولمَّا قررهم بأن أحداً منهم لا يُحب أكل جيفة أخيه عقَّب ذلك بقوله: {فكَرِهْتُموه} أي: وحيث كان الأمر كما ذُكر فقد كرهتموه، فكما تحققت كراهتُكم له باستقامة العقل فاكْرَهوا ما هو نظيره باستقامة الدين. {واتقوا الله} في ترك ما أمِرتم باجتنابه، والندم على ما صدَر منكم منه، فإنكم إن اتقتيم وتُبتم تقبَّل الله توبتكم، وأنعم عليكم بثواب المتقين التائبين، {إِنَّ الله توّاب رحيم} مبالغ في قبول التوبة، وإفاضة الرحمة، حيث جعل التائب كمَن لا ذنب له، ولم يخص تائباً دون تائب، بل يعم الجميع، وإن كثرت ذنوبه. رُوي أنَّ سلمان كان يخدم رجلين من الصحابة، ويُصلح طعامَهما، فنام عن شأنه يوماً، فبعثاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"حديث : ما عندي شيء" تفسير : فأخبرهما سلمان، فقالا: لو بعثناه إلى بئر سَميحةٍ لَغار مَاؤُها. فلما جاءا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما:"حديث : مَا لي أَرى حُمرَةَ اللَّحم في أَفْواهِكُما؟"تفسير : فقالا: ما تناولنا لَحْماً، فقال:"حديث : إنكما قد اغْتَبتُما، مَن اغتاب مسلماً فقد أكل لحمه"تفسير : ، ثم قرأ الآية. وقيل: غيبة الخلق إنما تكون بالغيبة عن الحق. هـ. قاله النسفي. قال بعضهم والغيبة صاعقة الدين فمَن أراد أن يُفرّق حسناته يميناً وشمالاً؛ فليغتب الناس. وقيل: مثلُ صاحب الغيبة مثل مَن نصب منجنيقاً فهو يرمي به حسناته يميناً وشمالاً، شرقاً وغرباً. هـ. والأحاديث والحكايات في ذم الغيبة كثيرة، نجانا الله منها بحفظه ورعايته. وهل هي من الكبائر أو من الصغائر؟ خلاف، رجّح بعَضٌ أنها من الصغائر؛ لعموم البلوى بها، قال بعضهم: هي فاكهةُ القراء، ومراتعُ النساء، وبساتينُ الملوك، ومَزبلةُ المتقين، وإدام كلام الناس. هـ. الإشارة: مَن نظر الناسَ بعين الجمع عذَرهم فيما يصدرُ منهم، وحسَّن الظنَّ فيما لم يصدر منهم، وعظَّم الجميع، ومَن نظرهم بعين الفرق طال خصمه معهم فيما فَعلوا، وساء ظنُّه بهم فيما لم يفعلوا، وصغَّرهم حيث لم يرَ منهم ما لا يُعجبه، فالسلامةُ: النظر إليهم بعين الجمع، وإقامةُ الحقوق عليهم في مقام الفرق، قياماً بالحكمة في عين القدرة. وفي الحديث:"حديث : ثلاثة دبّت لهذه الأمة: الظن، والطيرة، والحسد، قيل: فما النجاة؟ قال: "إذا ظننت فلا تحقّق، وإذا تطيرت فامض، وإذا حسدت فلا تبغ"تفسير : أو كما قال عليه السلام. قال القشيري: النفسُ لا تُصدَّق، والقلب لا يُكذَّب، والتمييزُ بينهما مُشْكِلٌ، ومَن بَقِيَتْ عليه من حظوظه بقيةٌ – وإن قلّت – فليس له أن يَدَّعي بيانَ القلب – أي: استفتاءه – بل يتهمَ نفسه ما دام عليه شيء من نفسه، ويجب أن يتهم نَفْسَه في كل ما يقع له من نقصان غيره، هذا أمير المؤمنين عمرُ قال وهو يخطب الناس: "كُلّ الناسِ أفقه من عمر حتى النساء". هـ. قوله تعالى: {ولا تجسسوا...} الخ، التجسُّس عن أخبار الناس من علامة الإفلاس، قال القشيري: العارف لا يتفرّغ من شهود الحقِّ إلى شهود الخلق، فكيف يتفرّغ إلى التجسُّس عن أحوالهم؟! لأن مَن اشتغل بنفسه لا يتفرَغ إلى الخلق، ومَن اشتغل بالحق لا يتفرّغ لنفسه، فكيف إلى غيره؟! هـ. قوله تعالى: {ولا يغتب بعضُكم بعضاً} ليست الغيبة خاصة باللسان في حق الخاصة، بل تكون أيضاً بالقلب، وحديث النفس، فيُعاتبون عليها كما تُعاتَب العامةُ على غيبة اللسان، وتذكّر قضية الجنيد مع الفقير الذي رآه يسأل، وهي مشهورة، وتقدّمت حكاية أبي سعيد الخراز، ونقل الكواشي عن أبي عثمان: أنَّ مَن وجد في قلبه غيبةً لأخيه، ولم يعمل في صرف ذلك عن قلبه بالدعاء له خاصة، والتضرُّع إلى الله بأن يُخلِّصَه منه؛ أخاف أن يبتليه الله في نفسه بتلك المعايب. هـ. قال القشيري: وعزيزٌ رؤيةُ مَن لا يغتاب أحداً بين يديك. هـ. وقد أبيحت الغيبة في أمور معلومة، منها: التحرُّز منه لئلا يقع الاغترار بكلامه أو صحبته، والترك أسلم وأنجى. ثم نهى عن الافتخار بالأنساب، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ}.
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} لمّا كان الحكم الآتى ايضاً ممّا يصعب امتثاله لكون الظّنّ فى جبلّة اكثر النّاس أتى بالنّداء {ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ} ابهام الكثير ليحتاط فى كلّ ظنٍّ ويتبيّن انّه من اىّ القبيل. اقسام الظّنّ وهى خمسة بحسب الاحكام الخمسة {إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ} اجتناب اصل الظّنّ غير مقدورٍ للمكلّفين الاّ ان يكون الامر باجتناب الظّنّ امراً باجتناب مباديه، وامّا اجتناب اتّباعه فانّه مقدور لكلّ احدٍ والظّنون مختلفة فظنّ يجب اتّباعه لو حصل، ويجب تحصيله لو لم يكن حاصلاً وهو الظّنّ حين الشّكّ فى الصّلاة، والظّنّ حين الاحتياط فى العمل، وكالظّنّ الحسن بالله وبالمؤمنين، وظنّ يستحبّ اتّباعه لو حصل ويستحبّ تحصيله لو لم يكن حاصلاً كالظّنّ بحاجة المؤمن، وتحصيل الظّنّ بحاله من حاجةٍ وغيرها، وظنّ يكره اتّباعه وتحصيله كالظّنّ بنجاسة شيءٍ لا يحصل من تطهيره ضررٌ معتدَّ به، وظنّ يحرم اتّباعه وتحصيله كالظّنّ بسؤات المؤمنين وعوراتهم وفحشائهم، وظنٌّ مباح، فبعض الظّنّ اثم يجب اجتنابه وترك اتّباعه، وعن علىّ (ع) قال: ضع امر اخيك على احسنه حتّى يأتيك ما يقلّبك منه، ولا تظنّنّ بكلمةٍ خرجت من اخيك سوءً وانت تجد لها فى الخير محملاً، وعنه (ع): اذا استولى الصّلاح على الزّمان واهله ثمّ اساء رجلٌ الظّنّ برجلٍ لم يظهر منه خزيةٌ فقد ظلم، واذا استولى الفساد على الزّمان واهله ثمّ احسن الرّجل الظّنّ برجل فقد غرر. معنى الغيبة {وَلاَ تَجَسَّسُواْ} عن عورات المؤمنين حتّى يحصل لكم ظنّ سوء، وقرئ لا تحسّسوا بالحاء المهملة وهو بمعناه، عن الصّادق (ع) قال رسول الله (ص): "حديث : لا تطلبوا عثرات المؤمنين فانّه من تتبّع عثرات اخيه تتّبع الله عثرته، ومن تتبّع الله عثرته يفضحه ولو فى جوف بيته"تفسير : {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً} اى لا يذكر بعضكم بعضاً بالسّوء فى غيبته، والغيبته ان تظهر بلسانك او بسائر جوارحك بالتّصريح او بالكناية والتّلويح عيباً للمؤمن قد ستره الله عليه فى غيابه، وحيث لم يكن يعلم باظهارك، وامّا العيوب الّتى لم تكن فى المؤمن فنسبتها اليه فى حضوره وغيابه تكون بهتاناً وتكون اشدّ من الغيبة، ويظهر ممّا ذكرنا فى سورة البقرة فى بيان قوله تعالى: وبالوالدين احساناً وجه حرمة السّخريّة بالمؤمن ولمزه ونبزه باللّقب السّوء والظّنّ به وتجسّس عورته والغيبة له والبهتان له، ويظهر ايضاً سرّ كونها اشدّ من الزّنيّة، وقد ذكر فى الفقه الموارد الّتى يجوز الغيبة فيها، وعن الصّادق (ع) انّه سئل عن الغيبة فقال: هو ان تقول لاخيك فى دينه ما لم يفعل، وتبثّ عليه امراً قد ستره الله عليه لم يقم عليه فيه حدّ، وفى روايةٍ: وامّا الامر الظّاهر فيه مثل الحدّة والعجلة فلا، وعن الكاظم (ع) من ذكر رجلاً من خلفه بما هو فيه ممّا عرفه النّاس لم يغتبه، ومن ذكره من خلفه بما هو فيه ممّا لا يعرفه النّاس اغتابه، ومن ذكره بما ليس فيه فقد بهته، وفى حديثٍ: قولوا فى الفاسق ما فيه كى يحذره النّاس، وفى اخبارٍ عديدةٍ مضمون قول النّبىّ (ص): "حديث : ايّاكم والغيبة فانّ الغيبة اشدّ من الزّنا"تفسير : ، ثمّ قال: "حديث : انّ الرّجل يزنى ويتوب فيتوب الله عليه، وانّ صاحب الغيبة لا يغفر له الاّ ان يغفر له صاحبه"تفسير : ، والغيبة المحرّمة تكون للمؤمن او للمسلم مطلقاً او لمن قبل صورة الاسلام منتحلاً كان او مسلماً او مؤمناً، قال بعض اهل المعرفة: غير المؤمن حكمه حكم الانعام فكما لا غيبة للانعام لا غيبة لغير المؤمن، ولغير المتّصف بالاسلام حقيقةً فانّ منتحل الاسلام كمنتحلى التّهوّد والتّنصّر لا حرمة له انّما الحرمة لمن اتّصل بمظاهر الله بالبيعة العامّة او الخاصّة، والتّحقيق انّ رؤية العيب من العباد بل من مطلق خلق الله ليست الاّ من نظرٍ ردىٍّ خسيسٍ وهو النّظر الى الاشياء مباينة للحقّ المقوّم الصّانع لها مع الغفلة عن الحقّ تعالى وصنعه، ومع النّظر الى النّفس والاعجاب بها، او مع الغفلة عنها وعن عيوبها، واذا أراد الله بعبدٍ شرّاً بصّره عيوب غيره وأعماه عن عيوب نفسه، وذكر الاشياء وتعييبها فى الحقيقة راجعٌ الى تعييب الصّنع، والغفلة عن الصّانع وصنعه حين النّظر الى المصنوع كفر للصّانع، والغفلة من النّفس وعيوبها مذموم، ورؤية النّفس والاعجاب بها اصل جميع الشّرور، فرؤية السّوء من غير الانسان قبيحة، ورؤيته من الانسان اقبح، ومن المنتحل للاسلام اشدّ قبحاً، ومن المسلم اشدّ قبحاً، ومن المؤمن اشدّ قبحاً، وذكره فى غيابه او حضوره بسوءٍ لا قبيح اقبح منه حتّى نسب الى الخبر انّه اشدّ من سبعين زنيةً مع الامّ تحت الكعبة، ولذلك نسب الى عيسى (ع) انّه مرمّع الحواريّين على جيفة كلبٍ منتنةٍ فقال الحواريّون: ما انتنه..! فقال عيسى (ع): ما ابيض اسنانه..! وروى انّ نوحاً مرّ على كلبٍ كريه المنظر فقال نوح: ما اقبح هذاا لكلب فجثا الكلب وقال بلسان طلق ذلق: ان كنت لا ترضى بخلق الله فحوّلنى يا نبىّ الله، فتحيّر نوح واقبل يلوم نفسه بذلك وناح على نفسه اربعين سنة حتّى ناداه الله تعالى الى متى تنوح يا نوح؟ فقد تبت عليك، وعن النّبىّ (ص): "حديث : المؤمن اذا كذب بغير عذرٍ لعنه سبعون الف ملك وخرج من قلبه نتنٌ حتّى يبلغ العرش، ويلعنه حملة العرش وكتب الله عليه بتلك سبعين زنيةً اهونها كمن يزنى مع امّه"تفسير : ، والكذب قبيح من كلّ احدٍ خصوصاً من المؤمن لكن غيبة المؤمن اقبح منه بمراتب، وعنه (ص): "حديث : من آذى مؤمناً فقد آذانى، ومن آذانى فقد آذى الله، ومن آذى الله فهو ملعون فى التّوراة والانجيل والزّبور والفرقان"تفسير : ، وهو ما ذكرنا فى سورة البقرة من انّ غيبة المؤمن وذكره بسوءٍ فى غيابه وحضوره وايذاءه كلّها راجع الى صاحبه، فمن اغتاب مؤمناً وذكره بسوءٍ كان كمن اغتاب صاحبه وذكره بسوءٍ، واغتياب صاحبه الّذى هو اعظم آيات الله وذكره بسوءٍ فوق جميع المعاصى وغايتها كما قال تعالى: {أية : ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَىٰ أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ} تفسير : [الروم:10]، وقال (ص): "حديث : من اغتاب مؤمناً بما فيه لم يجمع الله بينهما فى الجنّة ابداً، ومن اغتاب مؤمناً بما ليس فيه انقطعت العصمة بينهما، وكان المغتاب فى النّار خالداً فيها وبئس المصير"تفسير : ، فالغيبة بما ليس فى المؤمن تجمع خواصّ الغيبة والكذب جميعاً، وقال (ص): "حديث : انّه يؤتى بأحدٍ يوم القيامة يوقف بين يدى الله ويدفع اليه كتابه فلا يرى حسناته فيقول: الهى ليس هذا كتابى! لانّى: لا ارى فيها طاعتى! فيقول له: انّ ربّك لا يضلّ ولا ينسى، ذهب عملك باغتياب النّاس، ثمّ يؤتى بآخر ويدفع اليه كتابه فيرى فيه طاعاتٍ كثيرة فيقول: ما هذا كتابى! فانّى ما عملت هذه الطّاعات! فيقول: لانّ فلاناً اغتابك فدفعت حسناته اليك"تفسير : ، وقال (ص): "حديث : كذب من زعم انّه ولد من حلال وهو يأكل لحوم النّاس بالغيبة"تفسير : واجتنبوا الغيبة فانّها ادام كلاب النّار، ونعم ما قال المولوىّ قدّس سرّه: شعر : عيب بر خود نه بر آيات دين كى رسد بر جرح دين مرغ كَلين بس تو حيران باش بى لا و بلى تا ز رحمت بيشت آيد محملى عيب باشد كونبيند جزكه عيب عيب كى بيند روان باك غيب اى خنك جانى كه عيب خويش ديد هرجه عيبى ديد آن بر خود خر يد تفسير : {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ} ولقد أتى بالاستفهام الانكارىّ وبالاحد للعموم وبأكل لحم الميّت من الاخ وبتأكيد مفهوم نفى الحبّ بعطف كرهتموه للمبالغة البالغة فى النّهى عن الغيبة وتمثيل الغيبة بأكل لحم الميتة لانّ الاسماء قوالب المسمّيات ولا حكم لها على حيالها، ومن ذكر مؤمناً بسوءٍ لا يكون ذلك منه الاّ بتخلية المؤمن عن لطيفة ايمانه فذكره على لسانه وسماعه بسمعه بمنزلة لحمه الخالى عن الرّوح الممضوغ بفمه والدّاخل فى جوفه فانّ دخوله فى جوفه من طريق سمعه كدخوله فى جوفه من طريق حلقه، ولذلك ورد انّ السّامع للغيبة شريك المغتاب {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فلا تغتابوا وتوبوا ان اغتبتم، ولمّا كان فى جبلّة الانسان رؤية العيب من الغير وذكر ما رآه على لسانه وقد بالغ تعالى فى ذمّ الغيبة والنّهى عنه وكان ذلك مورثاً ليأس اغلب النّاس عن رحمته تعالى قال: {إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} بعد ذلك ترجيحاً لجانب الرّجاء.
الهواري
تفسير : قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ} تفسير الحسن: إذا ظننت بأخيك المسلم ظناً حسناً فأنت مأجور، وإذا ظننت به ظنّ سوء فأنت آثم. ذكروا عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إياكم والظن فإنه أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً. قوله: {وَلاَ تَجَسَّسُوا} أي: لا يتبع الرجل عورة أخيه المسلم. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوماً فنادى بصوت أسمع العواتق في الخدور: يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن قلبه، لا تؤذوا المؤمنين، ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من يتبع عورة أخي المسلم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته. ذكروا أن رجلاً قال لعمر بن الخطاب: إن فلاناً يشرب الخمر. قال: إذا رأيته قد قعد عليها فآذني. فأتاه يوماً فأخبره. فانطلق عمر إلى الرجل؛ قال فوافق الرجل قد جمع القلل. فلما رأى عمرَ واراها. فقال له عمر: يا فلان، أنت بهذا؟ فقال له الرجل: وأنت بهذا؟ أمرك الله أن تجسسني؟ فخرج عمر وتركه. ذكروا عن محمد بن سيرين أن سلمان جاء ومعه حذيفة وأبو قرة رجل من أصحاب النبي عليه السلام إلى منزله ليدخلهم. فاستفتح الباب. فجاءت جارية فنظرت ثم ذهبت، ثم رجعت ففتحت الباب فقالت: ادخلوا، فقالا: أعهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أو هو خير من التجسس. ذكروا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلغه أن رجلاً شرب الشراب فكتب إليه: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان: (أية : حم تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ)تفسير : [غافر:1-3]. فلما جاءه الكتاب جعل يقرأ ويتفكر فيه حتى بكى. فبلغ ذلك عمر فقال: هكذا فاصنعوا؛ إذا رأيتم بأخ لكم عثرة فسَدِّدوه. قوله: {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في حديث الإسراء أتى على قوم يقطع من لحومهم فيجوزونها بدمائهم فيمضغونها، ولهم خوار. قال: فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء الهمّازون اللّمازون؛ ثم تلا هذه الآية: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} أي: بعد ما يموت. فقالوا: لا والله يا رسول الله ما نستطيع أكله ولا نحبه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاكرهوا الغيبة قال مجاهد: قالوا نكره ذلك. قال: فاتقوا الله [في الغيبة]. ذكروا عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إذا ذكرت أخاك بما فيه فقد اغتبته، وإذا ذكرته بما ليس فيه فقد بهته . تفسير : ذكروا أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغيبة فقال: حديث : أن تذكره بما فيه. فقال الرجل: إنما أحسب الغيبة أن يذكر بما ليس فيه قال: ذلك البهتان . تفسير : ذكروا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : الغيبة أن تذكر أخاك بسوء شيء تعلمه فيه . تفسير : ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : خياركم الذين إذا رُؤُوا ذُكِر الله، وشراركم المتشاءون بالنميمة . تفسير : ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أتدرون ما العضه. قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: حمل الحديث من بعض إلى بعض ليستفسدوا بينهم . تفسير : ذكروا عن الحسن أن رجلاً قال: يا أبا سعيد، الرجل لا يعرف المال، ثم يرى بعدُ في يده المال، فيقول رجل: من أين لفلان هذا المال؟ قال: إن علم أنه يكره ذلك فلا يقوله. وقال بعضهم: كانوا لا يرون الغيبة إلا أن يسمى صاحبها. قال عز وجل: {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} والتوبة من قبل الله. قال تعالى: (أية : ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) تفسير : [التوبة:118].
اطفيش
تفسير : {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ} اي اطرحوه جانبا (واجتنب) متعد لواحد لانه مطاوع (جنب) كنصر والمطاوع بكسر الواو ينقص درجة عن المطاوع بالفتح و (جنب) يتعدى لاثنين و (من) للتبعيض فذلك البعض موصوف بالكثرة وبدل لذلك {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} أو قل هذا البعض قليل والبعض في قوله من الظن كثير فامر باجتناب (كثير) حذروا من الوقوع في قليل ونكر (كثيرا) ليحتاط في كل ظن حتى يعلم من أي نوع فان من الظن ما يجب اتباعه كحسن الظن بالله مثل ان تظن قبول عملك كما يجب ان تظن عدم قبوله وما يحرم كالظن في الاشياء الالهية والنبوية والاقتصار على ظن عدم القبول وظن السوء بالمؤمن وما يباح كالظن في الامور المعاشية وما يندب كظن الخير بالمؤمنين اي ايقاع الظن فيه وليس مقابل هذا الظن ظن السوء فانه حرام في حق المؤمن بل مقابله ان لا يحدث لك فيه ظن لا ظن خير ولا ظن سوء وهذا المقابل جائز قال الحسن اذا ظننت بأخيك المسلم خيرا فانت مأجور او شرا فانت آثم وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : إِن الله حرم من المسلم دمه وعرضه وأَن يظن به ظن السوء" تفسير : وعن الحسن كنا في زمان الظن بالناس حرام فانت اليوم اعمل واسكت وظن بالناس ما شئت ومن شوهد منه الصلاح والامانة في الظاهر حرم ظن السوء به ومن اشتهر بالريب جاز ظن السوء ولا حرمة لفاسق واذا اظهر فسقه وهتك ستره هتكه الله واذا ستره لم يظهره الله وروي من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له ويظن به سوء وحرم ظن السوء بالمسلم لأن ما يشاهد منه من الخير ينافي السوء وبعض الافعال قد يكون قبيحا في الصورة وفي نفس الأمر غير قبيح وفي الحديث "حديث : إِن الله حرم من المسلم دمه وعرضه وان يظن به ظن السوء" تفسير : واذا نهى عن الظن فالقول والعمل بمقتضاه احق بالنهي فكما يحرم القول بمساوئ الانسان يحرم ظن المساوئ به وفي الحديث "حديث : إِياكم والظن فانه اكذب الحديث وحسن الظن من حسن العبادة" تفسير : واتفق العلماء انه لا اثم على من يخطر بالبال من سوء الظن لأنه ضروري وانما الاثم على عقد القلب به ولو عرف كثيرا لكان الامر باجتناب الظن منوطا بما يكثر منه دون ما يقل فيكون ما اتصف بالقلة مرخصا فيه وليس كذلك والاثم الذنب وعن بعضهم ان همزته عن واو كانه من (وثمت) الشيء اثمه اي كسرته والظن يكسر الاعمال وسوء الظن الذي تكلم به والذي لم يتكلم به واذا تكلم واعلم الناس انه ظن فليتب بحضرتهم ان كان عندهم مسلما واذا تكلم على القطع فان الناس يحكمون عليه بانه بهته فليتب ويخبر بانه ظن وقد اشتكى حذيفة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم درب لسانه اي حدته وقبل فحشه فقال "حديث : أين أنت من الاستغفار إِني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة" حديث : وعن ابن عمر إنا كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة "رب اغفر لي وتب عليّ انك انت التواب الرحيم" تفسير : قال بعضهم نزلت في رجلين اغتابا خادمهما والحق انها نزلت في ظنهما البخل بأسامة وذلك انه صلى الله عليه وسلم اذا غزا او سافر ضم الرجل المحتاج الى رجلين موسرين يخدمهما الى المنزل يهيىء لهما الطعام والشراب فضم سلمان وهو الخادم المذكور الى رجلين في سفر فتقدم الى المنزل فنام ولم يهيىء لهما شيئا فبعثاه اليه صلى الله عليه وسلم يسأله طعاما فارسله الى أسامة يعطيه فضل طعام وأدام ان كان اي بقيتهما وكان أسامة خازنه صلى الله عليه وسلم فاتاه فقال ما عندي شيء فرجع فاخبرهما فقالا كان عند اسامة لكن بخل فبعثاه ايضا الى طائفة من الصحابة فلم يجد عندهم شيئا فلما رجع قالوا لو بعثاه الى بئر سمحة لغار ماؤها ثم انطلقا يتجسسان هل عند اسامة ما أمر لهما به رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما جاءا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما مالي ارى حمرة اللحم في افواههم قالا لا والله يا رسول الله ما تناولنا يومنا هذا لحما قال ظللتما تأكلان لحم سلمان واسامة وان وما بعدها جملة مستأنفة للتعليل* {وَلاَ تَجَسَّسُواْ} اي لا تبحثوا عن عورات المسلمين والجس بالجيم الطلب والتجسس تفعل منه وقرأ الحسن وغيره (ولا تحسسوا) بالحاء المهملة والمعنى واحد وقيل (التحسس) بالحاء شره التجسس بالجيم وغايته وقيل الجيم في الشر والخاء في الخير وهذا غالب ومن غيره قراءة الحسن ويقال لحوافز الانسان الحواس وفي الحديث "حديث : لا تنافسوا ولا تجسسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله اخوانا" تفسير : وعن مجاهد "حديث : خذوا ما ظهر لكم ودعوا ما ستر الله" حديث : وخطب صلى الله عليه وسلم فرفع صوته حتى اسمع العوائق في خدورهن قوله "يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الايمان الى قلبه لا تتبعوا عورات المسلمين فإِن من يتبع عورات المسلمين يتبع الله عورته حتى يفضحه ولو في جوف بيته" تفسير : وعن زيد بن وهب قلنا لابن مسعود: هل لك في الوليد بن عقبة بن أبي معيط تقطر لحيته خمرا فقال ابن مسعود انا قد نهينا عن التجسس فان ظهر لنا شيء اخذنا به وعن عمر ما يقرب منه في رواية الحسن انه جاء رجل لعمر فقال ان فلانا يشرب الخمر فقال اذا رأيته قد قعد عليها فاذني فاتاه يوما فاخبره فانطلق عمر الى الرجل فوافق جميع القلة فلما رأى الرجل عمر قال يا عمر أمرك الله ان تجسس فخرج عمر وتركه قلت ظاهره ان ما انكشف بالتجسس لا يقام به الحد ولم يحده لأنه رآه وحده وفيه تأمل وفي الحديث "حديث : المسلم أَخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله التقوى ها هنا التقوى ها هنا التقوى ها هنا (يشير الى صدره) بحسب امرئ من الشر ان يحقر أخاه المسلم" تفسير : وقال "حديث : إن الله لا ينظر الى أَجسادكم ولا الى صوركم وأعمالكم ولكن ينظر إِلى قلوبكم" حديث : ونظر ابن عمر الى الكعبة فقال ما اعظمك واعظم حرمتك والمؤمن اعظم حرمة منكتفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : من رأي عورة فسترها كان كمن أحيى موؤدة" تفسير : وقال: "حديث : لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة" تفسير : {وَلاَ يَغْتَبْ بَّعْضُكُم بَعْضاً} الغيبة ذكر المتولي بما يكره وقد كان فيه وان ذكرته بما ليس فيه ولا ضرر عليه فيه فكذب او بما ليس فيه ضرر فبهتان ولا غيبة في المتبرأ منه وأجاز بعضهم ذكر المتولى بما فيه ان لم يرد الذاكر تنقيصه واما الموقوف فيه فلا يقدم عليه بخير الآخرة ولا بشرها ولا بما يكون ولاية او براءة من اجاز ذكر المتولي بما فيه بلا ارادة تنقيص اجاز ذكر الموقوف عنه بما فيه بلا ارادة تنقيص بلا شك وفي الحديث "حديث : الغيبة أشد من الزنا" تفسير : لأن الزاني يتوب الله عليه والمغتاب لا يتاب عليه حتى يستحل المغتاب وقد يموت او يأبى فلا يجد من يستحله فان علم الله منه التوبة النصوح فلعله برضى عنه خصمه من فضله الا الزاني بأحد كرها فلا توبة له حتى يعطيه حقه أو يستحله والزاني برقيق حتى يعطي الحق لمولاه أو يحله مولاه والزاني بطفل حتى يعطي حقه لأبيه او لنائب ابيه او له ان بلغ او يحله ابوه او هو ان بلغ حديث : ومر صلى الله عليه وسلم ليلة الاسراء بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم فقال من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم تفسير : وفي رواية حديث : مر بقوم يقطعون لحومهم ويأكلونها بدمائهم ولهم خوار فسأل جبريل فقال الهازئون اللمازون تفسير : وروي ان عمر بن عبدالعزيز اذا ذكر عنده رجل بفضل او صلاح قال كيف اذا ذكر عنده اخوانه فان قبل بنقصهم قال ليس كما تقولون وسئل الحسن عن رجل لا يعرف له مال ثم يكون له فيقال من أين له هذا المال فقال ان علم انه يكره ذلك فلا يقل وذكروا انه ان قال قائل هو قصير الثوب او طويله فغيبة ولا يجوز ذكره على جهة النقص ولو بما لا يكره وعن ابن عباس الغيبة ادام كلاب الناس وعن عائشة قلت للنبي صلى الله عليه وسلم "حسبك من صفية كذا وكذا" قال بعض الرواة يعني قصيرة فقال لقد قلت كلمة لو مزجت بالبحر لمزجته اي يتغير طعمه وريحه لنتنها وهو ابلغ زاجر قالت وحكيت له انسانا فقال ما أحب اني حكيت انسانا وان لي كذا وكذا وعن بعضهم كانوا لا يرون الغيبة الا ان يسمع صاحبها اي فابطل ذلك نعم ان لم تصله فقيل يتوب ولا يذكرها لئلا يجرح قلبه وقيل يذكرها له ويطلب العفو ولم يبيحوا الا ما تدعو اليه الضرورة كتجريحه اذا شهد ولا يتبرأ من المجرح بالكسر وكتعريفه لمن استنصح لاجل الترويج ونحو ذلك كان يقال هو فقير ولا طفال المتولي غيبة والغيبة بكسر الغين مصدر غابه اي ذكر في الغيبة مطلقا كاغتابه ثم خصصت شرعاً بذكر المتولي بما يكره وهو فيه ويسميها بعض الفقهاء ولو حاضرا على الحقيقة العرفية وبعض لا يسميها عيبه الا ان غاب نغم ذكره بما يكره حاضرا كبيرة ذكره بعض فانظر صحته ثم ظهرت صحته كما يدل له ما سبق آنفا* {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً} فيه تنفيرات عن الغيبة الأول الاستفهام التقريبي الثاني جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة الثالث اسناد الفعل الى احد للتعميم والاشعار بان احدا منكم لا يحب أكل الميت الرابع انه لم يقتصر على تمثيل الغيبة أكل لحم الانسان حتى جعل الانسان اخا الخامس انه لم يقتص على لحم الاخ حتى جعل ميتا السادس تعقيب ذلك بقوله {فَكَرِهْتُمُوهُ} تقريرا وتحقيقا لذلك وعرض الانسان كلحمه بل اشتد تألما قال ميمون بينهما أنا قائم اذ بجيفة زنجي وقائل يقول كل يا عبد الله قلت وما آكل قال بما اغتبت عبد فلان قلت والله ما ذكرته بخير ولا شر قال نعم لكنك استمعت ورضيت وكان ميمون لا يغتاب احدا ولا يدع احدا يغتاب احدا وعن بعضهم الهمزة للتوبيخ وأعلم ان ميتا حال من الاخ المضاف اليه لان المضاف جزء من المضاف اليه كما قال ابن هشام وغيره ويجوز كونه حالا من اللحم لجواز وصفه بالموت وقرئ (ميتا) باسكان الياء والتشديد قراءة نافع وغيره وقرئ بتشديد الراء والبناء للمفعول أي جبلتم على كراهته قال قتادة كما تكره ان وجدت جيفة مدودة ان تأكل منها كذلك فاكره لحم اخيك وهو حي والفاء للاستئناف اي فتحقق بوجوب الاقرار عليكم وبانكم لا تقدرون على دفعه وانكاره ان تجحد وكراهتكم له وتقذركم منه فليتحقق ايضا ان تكرهوا ما هو نظيره من الغيبة والطعن في اعراض المسلمين أو الفاء للعطف عند من اجاز عطف الخبر على الانشاء او رابطة لجواب شرط محذوف على تقدير (قد) اي صح ذلك فقد كرهتموه او ان عرض عليكم هذا فقد كرهتموه او زائدة في الجواب اعلاما بالشرط المحذوف فلا تقدر (قد) او عاطفة على محذوف اي عرض عليكم ذلك فكرهتموه فان حضوره في انفسهم كاعراضه وقيل لفظه خبر ومعناه انشاء اي فاكرهوه في (الفاء) الاعراب المذكور الا ان العطف يكون على {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ} عطف انشاء على آخر ولا يقدر (قد) عند الجعل جوابا بل قرن بالفاء لانه انشاء والانشاء الواقع جوابا يقرن بها وقال ابن هشام (كرهتموه) خبر لمحذوف اي فهذا كرهتموه والغيبة مثله فاكرهوها وقال الفارسي فكما كرهتموه فاكرهوها فقال ابن الشحري انه ردئ لحذف ما المصدرية دون صلتها وقال ابن هشام انه تقدير معنى لا اعراب فلا رداءة و (كره) متعد لواحد ولما شدد تعدى لآخر والاول نائب الفاعل ولو ضمن معنى الايصال لتعدى بالى فيقال (فكره اليكم) والعطف في* {وَاتَّقُواْ اللهَ} على (لا يغتب) او على (اكرهوا) لمحذوف أي (فأكرهوها) اي الغيبة واتقوا الله في أمرها وجميع نواهيه وتوبوا منها تقبل توبتكم وينعم عليكم بثواب المتقين التائبين* {إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ} قابل توبة التائب او يعطيه الثواب والمبالغة في الثواب لأنه يقبل التوبة قبولا عظيما اذ يجعل صاحبها كمن لم يذنب او لكثرة المتوب عليهم او لكثرة ذنوبهم عدا شيئا من أفعال الجاهلية السخرية وقد كانوا يجرون مع شهواتهم لم يقوموا بأمر ولا نهي من الله وانزل الله الآية ردعا وتأديبا لهذه الأمة وختم تلك الأشياء بالأمر بالتقوى وذكر الثواب وبذكر الرحمة كما قال* {رَّحِيمٌ} واحتج بالتسوية بقوله*{يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى}
اطفيش
تفسير : {يا أيُّها الَّذين آمنوا اجْتَنبُوا كَثيراً مِنَ الظنِّ} دعاء الى الاحتياط وتحضيض عليه، واذا اتسع المباح وخيف فيه قليل محرم اجتنب كله لئلا يوقع فى ذلك القليل، ويجوز أن يكون المراد اجتنبوا اجتنابا كثيرا، فتكون من بمعنى عن لتضمن اجتنبوا معنى اعرضوا، قيل: قال: {كثيراً} لأن الظن: واجب، وهو ظن الخير بالله تعالى، ومندوب اليه وهو الظن الحسن بالمسلم، ومحرم، وهو ظن السوء بالله عز وجل، وبالمسلم فى فعله أو قوله أو اعتقاده، والاجتناب الحذر والترك والتباعد، وأصله جعل الشىء جانبا، ولا بأس بملاحظة هذا المعنى، أى لا دخل فيه، بل تتجاوزه ويتجاوزك حتى يتضح لك الأمر، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : حرم من الرجل دمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء" تفسير : قالت عائشة رضى الله عنها، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ أساء بأخيه الظن فقد أساء بربه الظن" تفسير : ان الله تعالى يقول: {اجتنبوا كثيراً من الظن}. ويجوز الظن بأمارة كما اذا رأيت انسانا يدخل دار الفسق أو بيت الخمر، أو يصحب الغوانى، أو يديم النظر الى المرد، وجاء الخبر: الأمر بسوء الظن فى الناس مطلقا، بمعنى أخذ الحذر منهم، روى الطبرانى وابن عدى، عن أنس عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : احترسوا من الناس بسوء الظن" تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن من الحزم سوء الظن ". تفسير : كتب صحابى الى سعيد بن المسيب: ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك، ولا تظن بكلمة أخرجت منه سوءاً ما وجدت لها محملا، ومن عرض نفسه للتهم فلا يلومن إلا نفسه، ومن كتم سره كانت الخيرة فى يده، وما كافيت من عصى الله تعالى فيك بمثل أن تطيع الله تعالى فيه، واكتسب اخوان الصدق فانهم زينة فى الرخاء، عدة فى البلاء، ولا تتهاون بالحلف فيهينك الله تعالى، ولا تسأل عما لم يكن حتى يكون، ولا تضع حديثك إلا عند من تشتهيه، وعليك بالصدق وان قتلك، واعتزل عدوك، واحذر صديقك الا الأمين، ولا أمين الا من خشى الله تعالى، وشاور فى أمرك الذين يخشون ربهم بالغيب. قال حارثة بن النعمان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : "ثلاث لازمات أمتي: الطيرة، والحسد، وسوء الظن" فقال رجل: ما يذهبهن يا رسول الله؟ قال: "إذا حسدت فاستغفر الله"" تفسير : وروى: "حديث : فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فامض" تفسير : رواه الطبرانى، وروى الحسن مرسلا عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاث لم تسلم منهن هذه الأمة: الحسد والظن والطيرة ألا أنبئكم بالمخرج منها؟ إذا ظننت فلا تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا تطيرت فامض" تفسير : والظن والحسد ضروريان فلا يؤاخذ بهما إلا ان بغى أوحقق وليحذر أن يوصلاه الى الاثم. {إنّ بعْضَ الظَّنِّ أثمٌ} ذنب اذا عمل به، بأن تحقق أو بنى عليه أمر سوء، فهو كسم فى بعض طعام لا يدرى فى أيه هو فيجتنب كل ما يمكن أن يكون فيه ما لم يخلص عن ذلك، وهذا البعض قيل: هو الكثير المذكور {ولا تَجسَّسوا} لا تبحثوا عن عورات الناس، وتطلبوا أن تحسوها، بالحاء المهملة، أى تدروها بحاسة كالأذن، كما قرأ الحسن وغيره بها، وهما بمعنى، وقيل بالجيم تتبع الظواهر وبالحاء تتبع البواطن، وقيل: بالجيم أن تبحث بغيرك، وبالمهملة بنفسك، ذلك جائز هنا، والصحيح ما مرَّ ولا يصح هنا ما قيل بالجيم فى الشر، وبالمهلة فى الخير، والظاهر جوازه، وفى مسلم، عن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يستر عبد عبداً في الدنيا إلاَّ ستره الله يوم القيامة" تفسير : وفى أبى داود، عن عقبة بن عامر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من رأى عورة وسترها كمن أحيا موءودة ". تفسير : قال نافع: نظر ابن عمر الى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك، رواه الترمذى، وفى البخارى ومسلم، عن أبى هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ها هنا، التقوى ها هنا، التقوى ها هنا، يشير إلى صدره، بحسب امرىء من الشر أنْ يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله، إنَّ الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم وأعمالكم، لكن ينظر إلى قلوبكم. ". تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى خطبة: "حديث : يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تتبعوا عورات المسلمين، فإنَّ من تتبع عوراتهم فضحه الله تعالى في قعر بيته" تفسير : ورفع صوته حتى أسمع العواتق فى الخدور رواه البيهقى عن البراء بن عازب، ومثله عن ابن عمر قال زيد بن وهب: قلت لابن مسعود: هل لك فى الوليد بن عقبة بن أبى معيط تقطر لحيته خمرا، فقال: نهينا عن التجسس، فان ظهر لنا شىء أخذنا به، قلت: لعل زيد بن وهب أراد أن الوليد فى وقت مضى، أو أراد أنه يعتاد ذلك ولم يرد أن ذلك عليه شهادة، ولا أنه شاهد ومعه آخر. وكان عمر رضى الله عنه يعس، فسمع غناء فتسور البيت فوجد امرأة ورجلا وخمرا فقال: يا عدو الله، أظننت أن الله يستر عصيانك؟ فقال: لا تعجل فقد عصيت الله بتجسسك واتيانك من غير الباب، وبلا استئذان ولا سلام، فقال: هل عندك خير ان عفوت عنك، قال: نعم والخير ترك ما هو عليه، وقال له رجل: فلان لا يصحو، فقال له: اذا تهيأ للشرب فأتنى فأتياه وقد هيأه فاستاذنا فأزال الخمر فأذن لهما، فقال له عمر: أجد رائحة الخمر، فقال له: قد تجسست فخرج فتركه وحرس معه عبد الرحمن بن عوف، فرأيا ضوءا فى بيت ربيعة ابن أمية، فرجع وقال: أرى أنا تجسسنا، واستدل بعض على جواز الستور على المنكر بقصتى عمر قبل هذه، قلنا: لا دليل عليه، لأنه قد أذعن الى أن ذلك تجسيس، وترك ذلك ولا سيما فى القصة الأخيرة، وكذا قيل له، يكفى عمر ما رفع اليه فقبل. {ولا يغْتَب بَعضُكم بعضا} لا يذكره فى غيبته بما يكره فى بدنه، أو كلامه، أو فعله، أو ماله، أو ولده، أو زوجه، أو مملوكه، أو نسبه،أو طبيعته، أو لباسه، أو غير ذلك مما هو دينى أو دنيوى، سواء ذكره باللسان أو بالاشارة، بالتصريح أو بالكناية، وكذا فى محضره، وخص ذكر الغيب لأنه الغالب، وان لم يكن فيه فبهتان، وسواء كان فى الولاية أو فى الوقوف، قلت: وكذا فى البراءة، فانه يبرأ منه وينهاه، ولا يجعله شغلا الا الغرض صحيح، فليشتغل بقدر الحاجة، مثل أن يرى الناس يريدون أن يجعلوه أمينا لقضاء وفتوى، وامامة للصلاة، أو يعلن بفجوره ونحو ذلك، فإنه يذكره بالسوء كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أترعون أن تذكروا الفاسق بما فيه متى يعرفه الناس" تفسير : وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اذكروا الفاسق بما فيه يعرفه الناس" تفسير : ويروى: "حديث : ليحذره الناس"تفسير : وهذان الحديثان، ولو ادعى وضعهما لهما شواهد. {أيحبُّ أحدُكم أنْ يأكل لْحم أخيهِ مَيْتاً} بمعنى فى الاغتياب كمن فى أكل لحم اخيه ميتا لقبحه طبعا وعقلا، وشرعا فكذا الغيبة، ولا عاقل يقبل ذلك الأكل ولذا قال {فَكَرهتمُوه} عطف على محذوف أى لا يليق ذلك، ولا يحسن ذلك أو قبح ذلك فكرهتموه، والهاء للأكل قبل، أو للحم أو للميت، أو للاغتياب، ووجه شبه الاغتياب، بأكل ذلك اللحم، ان تمزيق الأعراض كتمزيق اللحم نفسه، ثم تمزيقه بالأكل، وان المغتاب كالميت لا علم له بالغيبة، لأنه غير حاضر، وذكر الحب لأن النفس مائلة اليها، واللحم ساتر على العظم، والشاتم كأنه يقشره ويكشف عن العظم، والمضى للمبالغة فى مسارعة الكراهة، أو المراد تبين الكراهة أى فتبينت كراهتهم لذلك، قيل: أو المعنى فاكرهوه، أى الاغتياب كما كرهتم ذلك الأكل. {فاتَّقُوا الله} عطف على كرهتموه اذا كان بمعنى اكرهوه، أو على محذوف أى فقد كرهتموه فلا تفعلوا، واتقوا الله أو امتثلوا ذلك النهى فاتقوا الله، ومن الجهالة القبيحة ما تفعله مالكية ورقلى فى الأذان من كلام يوهم لعن الصحابة، يلعنون من يبغض عليا ويقاتله، ويلعنون من يبغض معاوية ويقاتله، ويلعنون من يبغض عثمان ويقاتله، وفى ذلك لعن على ومعاوية، لأن كلا يبغض الآخر ويقاتله، ولعن الصحابة المفاتنين لعثمان، وأى داع لهم الى استمرارهم على ما يوهم لعن الصحابة والجهر به فى الأذان، ولا يوجد ذلك فى بلد من بلاد الشام. ولا فى بلاد الشرك. وفى أبى داود عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما عرج بي مررت بقوم لهم أظافير من نحاس: يخمشون وجوههم ولحومهم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم" تفسير : قال ميمون بن سيار: بينما أنا نائم إذا بجيفة زنجى وقائل يقول: كل يا عبد الله، قلت: وما آكل؟ قال: كل بما اغتبت عبد فلان، قلت: والله ما ذكرت فيه خيرا ولا شرا، قال ولكنك استمعت ورضيت، فكان ميمون لا يغتاب أحدا، ولا يدع أحدا يغتاب أحدا عنده. {إنَّ الله تَوابٌ رحيمٌ} لمن تاب مما اقترف من المناهى، ومما تفيده صيغة المبالغة فى اللفظين، تكرر توبته ورحمته على من عصى بعد التوبة وتاب، وهكذا، ومما تفيده كثرتهما لكثرة الذنوب، وعظم كيفيتهما مثل أن تمحق سيئاته من صحيفته، وينساها الملائكة، ويجعله كمن لم يذنب. روى أن سلمان رضى الله عنه يخدم رجلين فى سفرهما وينال من طعامهما على عادته صلى الله عليه وسلم، فى أنه يضم فى أسفاره معسرا الى موسرين يخدمهما ويطعمانه، ونام يوما فلم يجداه، وضربا الخباء وقالا ما أراد الا أن يجىء الى طعام معدود، وخباء مضروب، فأرسلاه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ادام، فأخبره سلمان، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : "قل لهما قد ائتدمتما" فأتياه فقالا له صلى الله عليه وسلم: والله ما رأينا اداما من حين نزلنا فقال: "ائتدمتما بسلمان"" تفسير : وفى رواية أرسله صلى الله عليه وسلم الى أسامة، وكان أسامة خازن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى رحله، فقال: ما عندى شىء، فجاءهما فأخبرهما فقالا: ان عند أسامة اداما لكن بخل به، فأرسلا سلمان الى ناس من الصحابة، فلم يجد عندهم، فأخبرهما فقالا: لو أرسلناه الى بئر سميحة لغار ماؤها، فذلك ظن سوء بأسامة، واغتياب لسلمان، ولا سيما انهما ذهبا الى أسامة يتجسسان، وذهبا اليه صلى الله عليه وسلم فى طلب الادام، فقال: "حديث : قد ائتدمتما بلحم سلمان، وإني لأرى حرة اللحم على أفواهكما ". تفسير : وأخرج الطبرى أن سلمان أكل ورقد فنفخ فذكر رجلان أكله ورقاده، فنزلت، وفى البخارى ومسلم أنه كان مع أبى بكر وعمر رجل يخدمها فى سفر، واستيقظا ولم يهيىء لهما طعاما فقالا: انه لنؤوم، فأرسلاه فى ادام اليه صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : "قد ائتدمتما" فأتياه فقالا: يا رسول الله بم ائتدمنا؟ فقال: "بلحم أخيكما والله لأرى لحمه بين ثناياكما" فقالا: يا رسول الله استغفر لنا، فقال: "مراه يستغفر لكما" تفسير : وهذا أما قبل نزول الآية فتكون الغيبة محرمة قبل نزولها، وأما بعد نزولها ولم يدركا أن قولهما ذلك غيبة محرمة. وبالحديث يفيد أن توبة الغيبة تكون بعفو المغتاب مما صدر، الغيبة كبيرة وأخطأ الغزالى فى قوله: انها صغيرة، ولا حجة له فى فشوها فى الناس الموجب للحرج، فانه لو فشت فى الناس كلهم لزمتهم التوبة كلهم، ولزمه أن لا تكون كبيرة ولو أصر عليها، فان فشوها يقتضى هذا، وان يصح الاصرار عليها، ودلائل كون الغيبة كبيرة لا تحصى: منها الآية، ومنها أنه مرّ صلى الله عليه وسلم بقبرين يعذب صاحبهما فى الغيبة والبول، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما يعذبان في كبير" تفسير : انهما يظنان أو يظن الناس أن ذلك حقير، أو أن ذلك شىء تسهل مجانبته، ولا تشق، ولا عذاب على صغيرة، وان قيل: لعلهما أصرا فكانت كبيرة، قلنا له: أى حجة لك فى أنه صغيرة حتى بنيت على ذلك أنها كبرت بالاصرار، ومن لم ينه عنها فعليه مثل وزر فاعلها ان قدر، وعلى الفاعل أن يتوب الى الله ويطلب العفو من المغتاب، ويستغفر له ان تولاه، ويوصل توبته الى من سمعه، ويضمن ما ترتب على ذلك من مال او مضرة بدن، وان لم تصل المغتاب فلا يخبره، وان مات اقتصر على الضمان المذكور، والايصال الى من سمع ويستغفر له ان تولاه. وتوبة الطفل والمجنون كتوبة البالغ، ولا عفو لهما حتى يبلغ أو يعقل، وان أبى المغتاب من العفو لم يتوقف قبول التوبة على عفوه، وليفعل ما ذكر من اغتابه، وذكر قومنا أن الغيبة لا تحل فى حق الذمى، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سمع يهودياً أو نصرانياً أي ما لا يجوز أو ما لا يحتاج إلى ذكره فله النار" تفسير : قلت: لا بأس بمن يذم الشرك، وما هو عاقبة الشرك ولو كرها، وانما الممنوع أن تقول له: يا أعور، أو يا فقير، وقال بعض: لا غيبة لمشرك، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الغيبة ذكرك أخاك بما يكره، ولا لمبتدع أخرجته بدعته إلى ما يقرب من الشرك ".
الالوسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مّنَ ٱلظَّنّ } أي تباعدوا منه، وأصل اجتنبه كان على جانب منه ثم شاع في التباعد اللازم له. وتنكير {كَثِيراً } ليحتاط في كل ظن ويتأمل حتى يعلم أنه من أي القبيل، فإن من الظن ما يباح اتباعه كالظن في الأمور المعاشية، ومنه ما يجب كالظن حيث لا قاطع فيه من العمليات كالواجبات الثابتة بغير دليل قطعي وحسن الظن بالله عز وجل، ومنه ما يحرم كالظن في الإلهيات والنبوات وحيث يخالفه قاطع وظن السوء بالمؤمنين، ففي الحديث «حديث : إن الله تعالى حرم من المسلم دمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء» تفسير : وعن عائشة مرفوعاً «حديث : من أساء بأخيه الظن فقد أساء بربه الظن إن الله تعالى يقول: {ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مّنَ ٱلظَّنّ }» تفسير : ويشترط في حرمة هذا أن يكون المظنون به ممن شوهد منه التستر والصلاح وأونست منه الأمانة، وأما من يتعاطى الريب والمجاهرة بالخبائث كالدخول والخروج إلى حانات الخمر وصحبة الغواني الفاجرات وإدمان النظر إلى المرد فلا يحرم ظن السوء فيه وإن كان الظان لم يره يشرب الخمر ولا يزني ولايعبث بالشباب. أخرج البيهقي في «شعب الإيمان» عن سعيد بن المسيب قال: كتب إليَّ بعض إخواني من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من امرىء مسلم شراً وأنت تجد لها في الخير محملاً، ومن عرض نفسه للتهم فلا يلومن إلا نفسه، ومن كتم سره كانت الخيرة في يده، وما كافيت من عصى الله تعالى فيك بمثل أن تطيع الله تعالى فيه، وعليك بإخوان الصدق فكن في اكتسابهم فإنهم زينة في الرخاء وعدة عند عظيم البلاء، ولا تهاون بالحلف فيهينك الله تعالى، ولا تسألن عما لم يكن حتى يكون؛ ولا تضع حديثك إلا عند من تشتهيه، وعليك بالصدق وإن قتلك، واعتزل عدوك واحذر صديقك إلا الأمين ولا أمين إلا من خشي الله تعالى، وشاور في أمرك الذين يخشون ربهم بالغيب. وعن الحسن كنا في زمان الظن بالناس حرام وأنت اليوم في زمان اعمل واسكت وظن بالناس ما شئت. واعلم أن ظن السوء إن كان اختيارياً فالأمر واضح، وإذا لم يكن اختيارياً فالمنهي عنه العمل بموجبه من احتقار المظنون به وتنقيصه وذكره بما ظن فيه، وقد قيل نظير ذلك في الحسد على تقدير كونه غير اختياري، ولا يضر العمل بموجبه بالنسبة إلى الظان نفسه كما إذا ظن بشخص أنه يريد به سوءاً فتحفظ من أن يلحقه منه أذى على وجه لا يلحق ذلك الشخص به نقص، وهو محمل خبر «حديث : إن من الحزم سوء الظن»تفسير : وخبر الطبراني «حديث : احترسوا من الناس بسوء الظن»تفسير : ، وقيل: المنهي عنه الاسترسال معه وترك إزالته بنحو تأويل سببه من خبر ونحوه، وإلا فالأمر الغير الاختياري نفسه لا يكون مورد التكليف، وفي الحديث «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث لازمات أمتي الطيرة والحسد وسوء الظن فقال رجل: ما يذهبهن يا رسول الله ممن هن فيه؟ قال: إذا حسدت فاستغفر الله وإذا ظننت / فلا تحقق وإذا تطيرت فامض»تفسير : أخرجه الطبراني عن حارثة بن النعمان. {إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ } تعليل بالأمر بالاجتناب أو لموجبه بطريق الاستئناف التحقيقي. والإثم الذنب الذي يستحق العقوبة عليه، ومنه قيل لعقوبته الأثام فعال منه كالنكال، قال الشاعر:شعر : لقد فعلت هذي النوى بـي فعلة أصاب النوى قبل الممات أثامها تفسير : والهمزة فيه على ما قال الزمخشري بدل من الواو كأنه يثم الأعمال أي يكسرها لكونه يضربها في الجملة وإن لم يحبطها قطعاً. وتعقب بأن الهمزة ملتزمة في تصاريفه تقول: أثم يأثم فهو آثم وهذا إثم وتلك آثام، وإن أثم من باب علم، ووثم من باب ضرب، وأنه ذكره في باب الهمزة في «الأساس»، والواوي متعد وهذا لازم. {وَلاَ تَجَسَّسُواْ } ولا تبحثوا عن عورات المسلمين ومعايبهم وتستكشفوا عما ستروه، تفعل من الجس باعتبار ما فيه من معنى الطلب كاللمس فإن من يطلب الشيء يجسه ويلمسه فأريد به ما يلزمه، واستعمال التفعل للمبالغة. وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن سيرين {ولا تحسسوا} بالحاء من الحس الذي هو أثر الجس وغايته، ولهذا يقال لمشاعر الإنسان الحواس والجواس بالحاء والجيم، وقيل التجسس والتحسس متحدان ومعناهما معرفة الأخبار، وقيل: التجسس بالجيم تتبع الظواهر وبالحاء تتبع البواطن، وقيل: الأول أن تفحص بغيرك والثاني أن تفحص بنفسك، وقيل: الأول في الشر والثاني في الخير، وهذا بفرض صحته غير مراد هنا والذي عليه الجمهور أن المراد على القراءتين النهي عن تتبع العورات مطلقاً وعدوه من الكبائر. أخرج أبو داود وابن المنذر وابن مردويه عن أبـي برزة الأسلمي قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تتبعوا عورات المسلمين فإن من تتبع عورات المسلمين فضحه الله تعالى في قعر بيته»تفسير : وفي رواية البيهقي حديث : عن البراء بن عازب أنه صلى الله عليه وسلم نادى بذلك حتى أسمع العواتق في الخدرتفسير : . وأخرج أبو داود وجماعة عن زيد بن وهب قلنا لابن مسعود: هل لك في الوليد بن عقبة بن معيط تقطر لحيته خمراً؟ فقال ابن مسعود: قد نهينا عن التجسس فإن ظهر لنا شيء أخذنا به. وقد يحمل مزيد حب النهي عن المنكر على التجسس وينسى النهي فيعذر مرتكبه كما وقع ذلك لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. أخرج الخرائطي في «مكارم الأخلاق» عن ثور الكندي أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يعس بالمدينة فسمع صوت رجل في بيت يتغنى فتسور عليه فوجد عنده امرأة وعنده خمر فقال: يا عدو الله أظننت أن الله تعالى يسترك وأنت على معصية؟ فقال: وأنت يا أمير المؤمنين لا تعجل علي إن كنت عصيت الله تعالى واحدة فقد عصيت الله تعالى في ثلاث قال سبحانه: {وَلاَ تَجَسَّسُواْ } وقد تجسست وقال الله تعالى: {أية : وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوٰبِهَا } تفسير : [البقرة: 189] وقد تسورت وقال جل شأنه: {أية : لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا } تفسير : [النور: 27] ودخلت علي بغير إذن قال عمر رضي الله تعالى عنه: فهل عندك من خير إن عفوت عنك؟ قال: نعم فعفا عنه وخرج وتركه. وفي رواية سعيد بن منصور عن الحسن أنه قال رجل لعمر رضي الله تعالى عنه: إن فلاناً لا يصحوا فقال: انظر الساعة التي يضع فيها شرابه فأتني فأتاه فقال: قد وضع شرابه فانطلقا حتى استأذنا عليه فعزل شرابه ثم دخلا فقال عمر: والله إني لأجد ريح شراب يا فلان أنت بهذا فقال: يا ابن الخطاب وأنت بهذا ألم ينهك الله تعالى أن تتجسس؟ فعرفها عمر فانطلق وتركه. وذكر بعضهم أن انزجار شربة الخمر ونحوهم إذا توقف على التسور عليهم جاز احتجاجاً / بفعل عمر رضي الله تعالى عنه السابق وفيه نظر. وقد جاء في بعض الروايات عنه ما يخالف ذلك. أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والخرائطي أيضاً عن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف عن المسور بن مخرمة عن عبد الرحمن بن عوف أنه حرس مع عمر رضي الله تعالى عنه ليلة المدينة فبينما هم يمشون شب لهم سراج في بيت فانطلقوا يؤمونه فلما دنوا منه إذا باب مجاف على قوم لهم فيه أصوات مرتفعة ولغط فقال عمر: وأخذ بيد عبد الرحمن أتدري بيت من هذا؟ [قال] هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف [وهم] الآن شرب قال: أرى أن قد أتينا ما نهى الله تعالى عنه قال الله تعالى: {وَلاَ تَجَسَّسُواْ } فقد تجسسنا فانصرف عمر رضي الله تعالى عنه عنهم وتركهم، ولعل القصة إن صحت غير واحدة. ومن التجسس على ما قال الأوزاعي الاستماع إلى حديث القوم وهم له كارهون فهو حرام أيضاً. {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً } أي لا يذكر بعضكم بعضاً بما يكره في غيبته فقد قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: ذكرك أخاك بما يكره قيل: أفرأيت لو كان في أخي ما أقول قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته» تفسير : رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم. والمراد بالذكر الذكر صريحاً أو كناية ويدخل في الأخير الرمز والإشارة ونحوهما إذاأدت مؤدى النطق فإن علة النهي عن الغيبة الإيذاء بتفهيم الغير نقصان المغتاب وهو موجود حيث أفهمت الغير ما يكرهه المغتاب بأي وجه كان من طرق الإفهام، وهي بالفعل كأن تمشي مشية أعظم الأنواع كما قاله الغزالي. والمراد بما يكره أعم من أن يكون في دينه أو دنياه أو خلقه أو خلقه أو ماله أو ولده أو زوجته أو مملوكه أو خادمه أو لباسه أو غير ذلك مما يتعلق به، وخصه القفال بالصفات التي لا تذم شرعاً فذكر الشخص بما يكره مما يذم شرعاً ليس بغيبة عنده ولا يحرم، واحتج على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس»تفسير : وما ذكره لا يعول عليه، والحديث ضعيف وقال أحمد منكر، وقال البيهقي: ليس بشيء ولو صح فهو محمول على فاجر معلن بفجوره. والمراد بقولنا: غَيبته غيبته عن ذلك الذكر سواء كان حاضراً في مجلس الذكر أو لا، وفي «الزواجر» لا فرق في الغيبة بين أن تكون في غيبة المغتاب أو بحضرته هو المعتمد. وقد يقال: شمول الغيبة للذكر بالحضور على نحو شمول سجود السهود لما كان عن ترك ما يسجد له عمداً. {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً } تثميل لما يصدر عن المغتاب من حيث صدوره عنه ومن حيث تعلقه بصاحبه على أفحش وجه وأشنعه طبعاً وعقلاً وشرعاً مع مبالغات من فنون شتى: الاستفهام التقريري من حيث أنه لا يقع إلا في كلام هو مسلم عند كل سامع حقيقةً أو ادعاءً، وإسناد الفعل إلى ـ أحد ـ إيذاناً بأن أحداً من الأحدين لا يفعل ذلك وتعليق المحبة بما هو في غاية الكراهة، وتمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان، وجعل المأكول أخاً للآكل وميتاً، وتعقيب ذلك بقوله تعالى: {فَكَرِهْتُمُوهُ } حملاً على الإقرار وتحقيقاً لعدم محبة ذلك أو لمحبته التي لا ينبغي مثلها. وفي «المثل السائر» كنى عن الغيبة بأكل الإنسان للحم مثله لأنها ذكر المثالب وتمزيق الأعراض المماثل لأكل اللحم بعد تمزيقه في استكراه العقل والشرع له، وجعله ميتاً لأن المغتاب لا يشعر بغيبته، ووصله بالمحبة لما جبلت عليه النفوس من الميل إليها مع العلم بقبحها، وقال أبو زيد السهيلي: ضرب المثل لأخذ العرض بأكل اللحم لأن اللحم ستر على العظم والشاتم لأخيه كأنه يقشر ويكشف ما عليه وكأنه أولى مما في «المثل»، والفاء في {فَكَرِهْتُمُوهُ } فصيحة في جواب شرط مقدر ويقدر معه قد أي إن صح ذلك أو عرض عليكم هذا فقد كرهتموه ولا يمكنكم إنكار كراهته، والجزائية باعتبار التبين، والضمير المنصوب للأكل / وقيل: للحم، وقيل: للميت وليس بذاك، وجوز كونه للاغتياب المفهوم مما قبل، والمعنى فاكرهوه كراهيتكم لذلك الأكل، وعبر بالماضي للمبالغة، وإذا أول بما ذكر يكون إنشاء غير محتاج لتقدير قد. وانتصاب (ميتاً) على الحال من اللحم أو الأخ لأن المضاف جزء من المضاف إليه والحال في مثل ذلك جائز خلافاً لأبـي حيان. وقرأ أبو سعيد الخدري والجحدري وأبو حيوة {فَكُرِّهتموه } بضم الكاف وشد الراء، ورواها الخدري عن النبـي صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } قيل عطف على محذوف كأنه قيل: امتثلوا ما قيل لكم واتقوا الله. وقال الفراء: التقدير إن صح ذلك فقد كرهتموه فلا تفعلوه واتقوا الله فهو عطف على النهي المقدر، وقال أبو علي الفارسي: لما قيل لهم {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ } الخ كان الجواب بلا متعيناً فكأنهم قالوا: لا نحب فقيل لهم {فَكَرِهْتُمُوهُ } ويقدر فكذلك فاكرهوا الغيبة التي هي نظيره واتقوا الله فيكون عطفاً على فاكرهوا المقدر، وقيل: هو عطف على فكرهتموه بناء على أنه خبرٌ لفظاً أمرٌ معنى كما أشير إليه سابقاً ولا يخفى الأولى من ذلك. وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ } تعليل للأمر أي لأنه تعالى تواب رحيم لمن اتقى واجتنب ما نهى عنه وتاب مما فرط منه، وتواب أي مبالغ في قبول التوبة والمبالغة إما باعتبار الكيف إذ يجعل سبحانه التائب كمن لم يذنب أو باعتبار الكم لكثرة المتوب عليهم أو لكثرة ذنوبهم. أخرج ابن أبـي حاتم حديث : عن السدي أن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه كان مع رجلين في سفر يخدمهما وينال من طعامهما وأنه نام يوماً فطلبه صاحباه فلم يجداه فضربا الخباء وقالا: ما يريد سلمان شيئاً غير هذا أن يجيء إلى طعام معدود وخباء مضروب فلما جاء سلمان أرسلاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب لهما إداماً فانطلق فأتاه فقال: يا رسول الله بعثني أصحابـي لتؤدمهم إن كان عندك قال: ما يصنع أصحابك بالإدام؟ قد ائتدموا فرجع رضي الله تعالى عنه فخبرهما فانطلقا فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: والذي بعثك بالحق ما أصبنا طعاماً منذ نزلنا قال: إنكما قد ائتدمتما بسلمان فنزلت. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنه قال: زعموا أنها نزلت في سلمان الفارسي أكل ثم رقد فنفخ فذكر رجلان أكله ورقاده فنزلت تفسير : . وأخرج الضياء المقدسي في «المختارة» حديث : عن أنس قال: كانت العرب تخدم بعضها بعضاً في الأسفار وكان مع أبـي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما رجل يخدمهما فناما فاستيقظا ولم يهيـيء لهما طعاماً فقالا: إن هذا لنئوم فأيقظاه فقالا: ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقل له أن أبا بكر وعمر يقرآنك السلام ويستأدمانك فقال: إنهما ائتدما فجاءا فقالا: يا رسول الله بأي شيء ائتدمنا قال بلحم أخيكما والذي نفسي بيده إني لأرى لحمه بين ثناياكما فقالا: استغفر لنا يا رسول الله قال: مراه فليستغفر لكما تفسير : هذا خبر صحيح ولا طعن فيه على الشيخين سواء كان ما وقع منهما قبل النزول أو بعده حيث لم يظنا بناء على حسن الظن فيهما إن تلك الكلمة مما يكرهها ذلك الرجل. هذا والآية دالة على حرمة الغيبة. وقد نقل القرطبـي وغيره الإجماع على أنها من الكبائر، وعن الغزالي وصاحب «العدة» أنهما صرحا بأنها من الصغائر وهو عجيب منهما لكثرة ما يدل على أنها من الكبائر، وقصارى ما قيل في وجه القول بأنها صغيرة أنه لو لم تكن كذلك يلزم فسق الناس كلهم إلا الفذ النادر منهم وهذا حرج عظيم. وتعقب بأن فشوا المعصية وارتكاب جميع الناس لها فضلاً عن الأكثر لا يوجب أن تكون صغيرة، وهذا الذي دل عليه الكلام من ارتكاب أكثر الناس لها لم يكن قبل. على أن الإصرار / عليها قريب منها في كثرة الفشو في الناس وهو كبيرة بالإجماع ويلزم عليه الحرج العظيم وإن لم يكن في عظم الحرج السابق، مع أن هذا الدليل لا يقاوم تلك الدلائل الكثيرة، ولعل الأولى في الاستدلال على ذلك ما رواه أحمد وغيره بسند صحيح عن أبـي بكرة قال: «حديث : بينما أنا أماشي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيدي ورجل عن يساري فإذا نحن بقبرين أمامنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنهما ليعذبان وما يعذبان بكبير وبكى إلى أن قال: وما يعذبان إلا في الغيبة والبول»تفسير : ولا يتم أيضاً، فقد قال ابن الأثير: ((المعنى وما يعذبان في أمر كان يكبر عليهما ويشق فعله لو أراداه لا أنه في نفسه غير كبير، وكيف لا يكون كبيراً وهما يعذبان فيه))، فالحق أنها من الكبائر. نعم لا يبعد أن يكون منها ما هو من الصغائر كالغيبة التي لا يتأذى بها كثيراً نحو عيب الملبوس والدابة، ومنها ما لا ينبغي أن يشك في أنه من أكبر الكبائر كغيبة الأولياء والعلماء بألفاظ الفسق والفجور ونحوها من الألفاظ الشديدة الإيذاء، والأشبه أن يكون حكم السكوت عليها مع القدرة على دفعها حكمها. ويجب على المغتاب أن يبادر إلى التوبة بشروطها فيقلع ويندم خوفاً من الله تعالى ليخرج من حقه ثم يستحل المغتاب خوفاً ليحله فيخرج عن مظلمته، وقال الحسن: يكفيه الاستغفار عن الاستحلال، واحتج بخبر «حديث : كفارة من اغتبته أن تستغفر له»تفسير : ، وأفتى الخياطي بأنها إذا لم تبلغ المغتاب كفاه الندم والاستغفار، وجزم ابن الصباغ بذلك وقال: نعم إذا كان تنقصه عند قوم رجع إليهم وأعلمهم أن ذلك لم يكن حقيقة وتبعهما كثيرون منهم النووي، واختاره ابن الصلاح في «فتاويه» وغيره، وقال الزركشي: هو المختار وحكاه ابن عبد البر عن ابن المبارك وأنه ناظر سفيان فيه، وما يستدل به على لزوم التحليل محمول على أنه أمر بالأفضل أو بما يمحو أثر الذنب بالكلية على الفور. وما ذكر في غير الغائب والميت أما فيهما فينبغي أن يكثر لهما الاستغفار، ولا اعتبار بتحليل الورثة على ما صرح به الخياطي وغيره، وكذا الصبـي والمجنون بناء على الصحيح من القول بحرمة غيبتهما. قال في «الخادم»: الوجه أن يقال يبقى حق مطالبتهما إلى يوم القيامة أي إن تعذر الاستحلال والتحليل في الدنيا بأن مات الصبـي صبياً والمجنون مجنوناً ويسقط حق الله تعالى بالندم، وهل يكفي الاستحلال من الغيبة المجهولة أم لا؟ وجهان، والذي رجحه في «الأذكار» أنه لا بد من معرفتها لأن الإنسان قد يسمح عن غيبة دون غيبة، وكلام الحليمي وغيره يقتضي الجزم بالصحة لأن من سمح بالعفو من غير كشف فقد وطن نفسه عليه مهما كانت الغيبة. ويندب لمن سئل التحليل أن يحلل ولا يلزمه لأن ذلك تبرع منه وفضل، وكان جمع من السلف واقتدى بهم والدي عليه الرحمة والرضوان يمتنعون من التحليل مخافة التهاون بأمر الغيبة، ويؤيد الأول خبر «حديث : أيعجز أحدكم أن يكون كأبـي ضمضم كان إذا خرج من بيته قال: إني تصدقت بعرضي على الناس»تفسير : . ومعناه لا أطلب مظلمة منهم ولا أخاصمهم لا أن الغيبة تصير حلالاً لأن فيها حقاً لله تعالى ولأنه عفو وإباحة للشيء قبل وجوبه. وسئل الغزالي عن غيبة الكافر فقال: هي في حق المسلم محذورة لثلاث علل الإيذاء وتنقيص خلق الله تعالى وتضييع الوقت بما لا يعني، والأولى تقتضي التحريم، والثانية الكراهة، والثالثة خلاف الأولى. وأما الذمي فكالمسلم فيما يرجع إلى المنع عن الإيذاء لأن الشرع عصم عرضه ودمه وماله. وقد روى ابن حبان في «صحيحه» أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من سمع يهودياً أو نصرانياً فله النار» تفسير : ومعنى سمعه أسمعه ما يؤذيه ولا كلام بعد هذا في الحرمة. وأما الحربـي فغيبته ليست بحرام على الأولى / وتكره على الثانية وخلاف الأولى على الثالثة، وأما المبتدع فإن كفر فكالحربـي وإلا فكالمسلم؛ وأما ذكره ببدعته فليس مكروهاً. وقال ابن المنذر في قوله صلى الله عليه وسلم في تفسير الغيبة: «حديث : ذكرك أخاك بما يكره»تفسير : : فيه دليل على أن من ليس أخاً لك من اليهود والنصارى وسائر أهل الملل ومن أخرجته بدعته إلى غير دين الإسلام لا غيبة له ويجري نحوه في الآية، والوجه تحريم غيبة الذمي كما تقرر وهو وإن لم يعلم من الآية ولا من الخبر المذكور معلوم بدليل آخر ولا معارضة بين ما ذكر وذلك الدليل كما لا يخفى. وقد تجب الغيبة لغرض صحيح شرعي لا يتوصل إليه إلا بها وتنحصر في ستة أسباب. الأول: التظلم فلمن ظلم أن يشكو لمن يظن له قدرة على إزالة ظلمه أو تخفيفه. الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر بذكره لمن يظن قدرته على إزالته. الثالث: الاستفتاء فيجوز للمستفتي أن يقول للمفتي: ظلمني فلان بكذا فهل يجوز له أو ما طريق تحصيل حقي أو نحو ذلك؛ والأفضل أن يبهمه. الرابع: تحذير المسلمين من الشر كجرح الشهود والرواة والمصنفين والمتصدين لإفتاء أو إقراء مع عدم أهلية فتجوز إجماعاً بل تجب، وكأن يشير وإن لم يستشر على مريد تزوج أو مخالطة لغيره في أمر ديني أو دنيوي ويقتصر على ما يكفي فإن كفى نحو لا يصلح لك فذاك وإن احتاج إلى ذكر عيب ذكره أو عيبين فكذلك وهكذا ولا يجوز الزيادة على ما يكفي، ومن ذلك أن يعلم من ذي ولاية قادحاً فيها كفسق أو تغفل فيجب ذكر ذلك لمن له قدرة على عزله وتولية غيره الخالي من ذلك أو على نصحه وحثه للاستقامة، والخامس: أن يتجاهر بفسقه كالمكاسين وشربة الخمر ظاهراً فيجوز ذكرهم بما تجاهروا فيه دون غيره إلا أن يكون له سبب آخر مما مر. السادس: للتعريف بنحو لقب كالأعور والأعمش، فيجوز وإن أمكن تعريفه بغيره. نعم الأولى ذلك إن سهل ويقصد التعريف لا التنقيص. وأكثر هذه الستة مجمع عليه ويدل لها من السنة أحاديث صحيحة مذكورة في محلها كالأحاديث الدالة على قبح الغيبة وعظم آثامها وأكثر الناس بها مولعون ويقولون: هي صابون القلوب وإن لها حلاوة كحلاوة التمر وضراوة كضراوة الخمر وهي في الحقيقة كما قال ابن عباس وعلي بن الحسين رضي الله تعالى عنهم: الغيبة إدام كلاب الناس نسأل الله تعالى التوفيق لما يحب ويرضى. وما أحسن ما جاء الترتيب في هذه الآية أعني قوله تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مّنَ ٱلظَّنّ } الخ كما قال أبو حيان وفصله بقوله: ((جاء الأمر أولاً باجتناب الطريق التي لا تؤدي إلى العلم وهو الظن ثم نهى ثانياً عن طلب تحقيق ذلك الظن ليصير علماً بقوله سبحانه: {وَلاَ تَجَسَّسُواْ } ثم نهى ثالثاً عن ذكر ذلك إذا علم فهذه أمور ثلاثة مترتبة: ظن فعلم بالتجسس فاغتياب)). وقال ابن حجر عليه الرحمة: ((إنه تعالى ختم كلاً من الآيتين بذكر التوبة رحمة بعباده وتعطفاً عليهم لكن لما بدئت الأولى بالنهي ختمت بالنفي في {أية : وَمَن لَّمْ يَتُبْ } تفسير : [الحجرات: 11] لتقاربهما ولما بدئت الثانية بالأمر في {ٱجْتَنِبُواْ} ختمت به في {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } الخ وكأن حكمة ذكر التهديد الشديد في الأولى فقط بقوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَتُبْ } الخ أن ما فيها أفحش لأنه إيذاء في الحضرة بالسخرية أو اللمز أو النبز بخلافه في الآية الثانية فإنه أمر خفي إذ كلٌ من الظن والتجسس والغيبة يقتضي الإخفاء وعدم العلم به غالباً)) انتهى فلا تغفل.
ابن عاشور
تفسير : أعيد النداء خامس مرة لاختلاف الغرض والاهتمام به وذلك أن المنهيات المذكورة بعد هذا النداء من جنس المعاملات السيئة الخفية التي لا يتفطن لها من عومل بها فلا يدفعها فما يزيلها من نفس من عامله بها. ففي قوله تعالى: {اجتنبوا كثيراً من الظن} تأديب عظيم يبطل ما كان فاشياً في الجاهلية من الظنون السيئة والتهم الباطلة وأن الظنون السيئة تنشأ عنها الغيرة المفرطة والمكائد والاغتيالات، والطعن في الأنساب، والمبادأة بالقتال حذراً من اعتداء مظنون ظناً باطلاً، كما قالوا: خذ اللص قبْلَ أن يَأخُذَك. وما نجمت العقائد الضالة والمذاهب الباطلة إلا من الظنون الكاذبة قال تعالى: {أية : يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية}تفسير : [آل عمران: 154] وقال: {أية : وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون}تفسير : [الزخرف: 20] وقال: {أية : سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرَّمنا من شيء}تفسير : [الأنعام: 148] ثم قال: {أية : قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون}تفسير : [الأنعام: 148]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث»تفسير : . ولما جاء الأمر في هذه الآية باجتناب كثير من الظن علمنا أن الظنون الآثمة غير قليلة، فوجب التمحيص والفحص لتمييز الظن الباطل من الظن الصادق. والمراد بــ {الظن} هنا: الظن المتعلق بأحوال الناس وحذف المتعلّق لتذهب نفس السامع إلى كل ظن ممكن هو إثم. وجملة {إن بعض الظن إثم} استئناف بياني لأن قوله: {اجتنبوا كثيراً من الظن} يستوقف السامع ليتطلب البيان فأعلموا أن بعض الظن جرم، وهذا كناية عن وجوب التأمل في آثار الظنون ليعرضوا ما تفضي إليه الظنون على ما يعلمونه من أحكام الشريعة، أو ليسألوا أهل العلم على أن هذا البيان الاستئنافي يقتصر على التخويف من الوقوع في الإثم. وليس هذا البيان توضيحاً لأنواع الكثير من الظن المأمور باجتنابه، لأنها أنواع كثيرة فنبه على عاقبتها وتُرك التفصيل لأن في إبهامه بعثاً على مزيد الاحتياط. ومعنى كونه إثماً أنه: إمّا أن ينشأ على ذلك الظن عمل أو مجرد اعتقاد، فإن كان قد ينشأ عليه عمل من قول أو فعل كالاغتياب والتجسس وغير ذلك فليقدِّر الظانّ أن ظنه كاذب ثم لينظر بعدُ في عمله الذي بناه عليه فيجده قد عامل به من لا يستحق تلك المعاملة من اتهامه بالباطل فيأثم مما طوى عليه قلبه لأخيه المسلم، وقد قال العلماء: إن الظن القبيح بمن ظاهره الخير لا يجوز. وإن لم ينشأ عليه إلا مجرد اعتقاد دون عمل فليقدِّر أن ظنه كان مخطئاً يجد نفسه قد اعتقد في أحد ما ليس به، فإن كان اعتقادا في صفات الله فقد افترى على الله وإن كان اعتقاداً في أحوال الناس فقد خسر الانتفاع بمن ظنه ضاراً، أو الاهتداء بمن ظنه ضالاً، أو تحصيل العلم ممن ظنه جاهلاً ونحو ذلك. ووراء ذلك فالظن الباطل إذا تكررت ملاحظته ومعاودة جولانه في النفس قد يصير علماً راسخاً في النفس فتترتب عليه الآثار بسهولة فتصادف من هو حقيق بضدها كما تقدم في قوله تعالى: {أية : أن تُصِيبُوا قوما بجهالة فتُصبحُوا على ما فعلتم نادمين}تفسير : [الحجرات: 6]. والاجتناب: افتعال مِن جنَّبه وأجنبه، إذا أبعده، أي جعله جانباً آخر، وفعله يُعدّى إلى مفعولين، يقال: جَنبه الشرَّ، قال تعالى: {أية : واجْنُبْنِي وبَنِيّ أن نعبد الأصنام}تفسير : [إبراهيم: 35]. ومطاوعه اجتَنب، أي ابتعد، ولم يسمع له فعل أمر إلا بصيغة الافتعال. ومعنى الأمر باجتناب كثير من الظن الأمر بتعاطي وسائل اجتنابه فإن الظن يحصل في خاطر الإنسان اضطراراً عن غير اختيار، فلا يعقل التكليف باجتنابه وإنما يراد الأمر بالتثبت فيه وتمحيصه والتشكك في صدقه إلى أن يتبين موجبه بدون تردد أو برجحان أو يتبين كذبه فتكذب نفسك فيما حدثتك. وهذا التحذير يراد منه مقاومة الظنون السيئة بما هو معيارها من الأمارات الصحيحة. وفي الحديث «حديث : إذا ظننتم فلا تحققوا»تفسير : . على أن الظن الحسن الذي لا مستند له غير محمود لأنه قد يوقع فيما لا يحد ضره من اغترار في محل الحذر ومن اقتداء بمن ليس أهلاً للتأسي. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم عطية حين مات في بيتها عثمان بن مظعون وقال: «حديث : رحمة الله عليك أبا السايب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله "وما يدريككِ أن الله أكرمه". فقالت: يا رسول الله ومن يكرمه الله؟ فقال: أمَّا هو فقد جاءه اليقين وإنّي أرجو له الخير وإنّي والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي. فقالت أم عطية: والله لا أزكّي بعده أحداً»تفسير : . وقد علم من قوله: {كثيراً من الظن} وتبيينِه بأن بعض الظن إثم أن بعضاً من الظن ليس إثماً وأنا لم نؤمر باجتناب الظن الذي ليس بإثم لأن {كثيراً} وصف، فمفهوم المخالفة منه يدلّ على أن كثيراً من الظنّ لم نؤمر باجتنابه وهو الذي يبينه {إن بعض الظن إثم} أي أن بعض الظن ليس إثماً، فعلى المُسلم أن يكون معيارُه في تمييز أحد الظنين من الآخر أن يعرضه على ما بينته الشريعة في تضاعيف أحكامها من الكتاب والسنة وما أجمعت عليه علماء الأمة وما أفاده الاجتهاد الصحيح وتتبع مقاصد الشريعة، فمنه ظن يجب اتباعه كالحَذر من مكائد العدّو في الحرب، وكالظنّ المستند إلى الدليل الحاصل من دلالة الأدلة الشرعية، فإن أكثر التفريعات الشرعية حاصلة من الظن المستند إلى الأدلة. وقد فتح مفهوم هذه الآية باب العمل بالظن غير الإثم إلا أنها لا تقوم حجة إلاّ على الذين يَرون العمل بمفهوم المخالفة وهو أرجح الأقوال فإن معظم دلالات اللغة العربية على المفاهيم كما تقرر في أصول الفقه. وأما الظن الذي هو فهم الإنسان وزكانته فذلك خاطر في نفسه وهو أدْرَى فمعتاده منه من إصابه أو ضدها قال أوس بن حجر:شعر : الألمعيُ الذي يظن بك الظـــ ن كأن قَدْ رأى وقد سمِعا تفسير : {وَلاَ تَجَسسوا}. التجسس من آثار الظن لأن الظن يبعث عليه حين تدعو الظانَّ نفسُه إلى تحقيق ما ظنه سراً فيسلك طريق التجنيس فحذرهم الله من سلوك هذا الطريق للتحقق ليسلكوا غيره إن كان في تحقيق ما ظن فائدة. والتجسّس: البحث بوسيلة خفيّة وهو مشتق من الجس، ومنه سمي الجاسوس. والتجسّس من المعاملة الخفية عن المتجسس عليه. ووجه النهي عنه أنه ضرب من الكيد والتطلع على العورات. وقد يرى المتجسس من المتجسس عليه ما يسوءه فتنشأ عنه العداوة والحقد. ويدخل صدره الحرج والتخوف بعد أن كانت ضمائره خالصة طيبة وذلك من نكد العيش. وذلك ثلم للأخوة الإسلامية لأنه يبعث على إظهار التنكر ثم إن اطلع المتجسس عليه على تجسس الآخر ساءه فنشأ في نفسه كره له وانثلمت الأخوة ثلمة أخرى كما وصفنا في حال المتجسِّس، ثم يبعث ذلك على انتقام كليهما من أخيه. وإذ قد اعتبر النهي عن التجسس من فروع النهي عن الظن فهو مقيد بالتجسس الذي هو إثم أو يفضي إلى الإثم، وإذا علم أنه يترتب عليه مفسدة عامة صار التجسس كبيرة. ومنه التجسس على المسلمين لمن يبتغي الضُرّ بهم. فالمنهي عنه هو التجسس الذي لا ينجرّ منه نفع للمسلمين أو دفع ضر عنهم فلا يشمل التجسس على الأعداء ولا تجسس الشُرَط على الجناة واللصوص. {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فكرهتموه}. الاغتياب: افتعال من غَابه المتعدي، إذا ذَكره في غيبه بما يسوءه. فالاغتياب ذكر أحد غائب بما لا يُحب أن يُذكَر به، والاسم منه الغِيبة بكسر الغين مثل الغِيلة. وإنما يكون ذكره بما يكره غيبه إذا لم يكن ما ذكره به مما يثلم العِرض وإلا صار قذعا. وإنما قال: {ولا يغتب بعضكم بعضاً} دون أن يقول: اجتنبوا الغيبة. لقصد التوطئة للتمثيل الوارد في قوله: {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا} لأنه لما كان ذلك التمثيل مشتملاً على جانب فاعل الاغتياب ومفعولِه مُهّد له بما يدلّ على ذاتين لأن ذلك يزيد التمثيل وضوحاً. والاستفهام في {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا} تقريري لتحقق أن كل أحد يقر بأنه لا يحب ذلك، ولذلك أجيب الاستفهام بقوله: {فكرهتموه}. وإنما لم يرد الاستفهام على نفي محبة ذلك بأن يقال: ألا يحب أحدكم، كما هو غالب الاستفهام التقريري، إشارة إلى تحقق الإقرار المقرَّر عليه بحيث يترك للمقرّر مجالاً لعدم الإقرار ومع ذلك لا يسعه إلا الإقرار. مثُلّت الغيبة بأكل لحم الأخ الميت وهو يستلزم تمثيل المولوع بها بمحبة أكل لحم الأخ الميت، والتمثيل مقصود منه استفظاع الممثَّل وتشويهه لإفادة الإغلاظ على المغتابين لأن الغيبة متفشية في الناس وخاصة في أيام الجاهلية. فشبهت حالة اغتياب المسلم مَن هو أخوه في الإسلام وهو غائب بحالة أكل لحم أخيه وهو ميت لا يدافع عن نفسه، وهذا التمثيل للهيئة قابل للتفريق بأن يشبه الذي اغتاب بآكل لحم، ويشبه الذي اغتيب بأخ، وتشبه غَيْبته بالمَوت. والفاء في قوله: {فكرهتموه} فاء الفصيحة، وضمير الغائب عائد إلى {أحدكم}، أو يعود إلى {لحم}. والكراهة هنا: الاشمئزاز والتقذر. والتقدير: إن وقع هذا أو إن عرض لكم هذا فقد كرهتموه. وفاء الفصيحة تفيد الإلزام بما بعدها كما صرح به الزمخشري في قوله تعالى: {فقد كذبوكم بما تقولون} في سورة الفرقان، أي تدل على أن لا مناص للمواجه بها من التزام مدلول جواب شرطها المحذوف. والمعنى: فتعيّن إقراركم بما سئلتم عنه من الممثَّل به (إذ لا يستطاع جَحْدَهُ) تحققتْ كراهتكم له وتقذركم منه، فليتحقق أن تكرهوا نظيره الممثَّل وهو الغِيبة فكأنه قيل: فاكرهوا الممثل كما كرهتم الممثل به. وفي هذا الكلام مبالغات: منها الاستفهام التقريري الذي لا يقع إلا على أمر مسلّم عند المخاطب فجعلك للشيء في حيّز الاستفهام التقريري يقتضي أنك تدّعي أنه لا ينكره المخاطب. ومنها جعل ما هو شديد الكراهة للنفس مفعولاً لفعل المحبة للإشعار بتفظيع حالة ما شبه به وحالة من ارتضاه لنفسه فلذلك لم يقل: أيَتحمل أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً، بل قال: {أيحب أحدكم}. ومنها إسناد الفعل إلى {احد} للإشعار بأن أحداً من الأحدين لا يحب ذلك. ومنها أنه لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان حتّى جَعل الإنسان أخاً. ومنها أنه لم يقتصر على كون المأكول لحم الأخ حتى جعل الأخَ ميتاً. وفيه من المحسنات الطباق بين {أيحب} وبين {فكرهتموه}. والغِيبة حرام بدلالة هذه الآية وآثار من السنة بعضها صحيح وبعضها دونه. وذلك أنها تشتمل على مفسدة ضُعف في أخوة الإسلام. وقد تبلغ الذي اغتيب فتقدح في نفسه عداوة لمن اغتابه فينثلم بناء الأخوة، ولأن فيها الاشتغال بأحوال الناس وذلك يلهي الإنسان عن الاشتغال بالمهم النافع له وترك ما لا يعنيه. وهي عند المالكية من الكبائر وقلّ من صرح بذلك، لكن الشيخ عليّاً الصعيدي في «حاشية الكفاية» صرح بأنها عندنا من الكبائر مطلقاً. ووجهُه أن الله نهَى عنها وشنّعها. ومُقتضى كلام السجلماسي في كتاب «العمل الفاسي» أنها كبيرة. وجعلها الشافعية من الصغائر لأن الكبيرة في اصطلاحهم فِعل يؤذن بقلة اكتراث فاعله بالدين ورقة الديانة كذا حدّها إمامُ الحرمين. فإذا كان ذلك لوجه مصلحة مثل تجريح الشهود ورواة الحديث وما يقال للمستشير في مخالطة أو مصاهرة فإن ذلك ليس بغِيبة، بشرط أن لا يتجاوز الحد الذي يحصل به وصف الحالة المسؤول عنها. وكذلك لا غيبة في فاسق بذكر فسقه دون مجاهرة له به. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلمحديث : لما استؤذن عنده لعُيينة بن حصن "بئس أخو العشيرة" تفسير : ليحذّره من سمعه إذ كان عيينة يومئذ منحرفاً عن الإسلام. وعن الطبري صاحب «العُدة» في فروع الشافعية أنها صغيرة، قال المحلي وأقره الرافعي ومن تبعه. قلت: وذكر السجلماسي في نظمه في المسائل التي جرى بها عمل القضاة في فاس فقال:شعر : ولا تجرح شاهداً بالغيبه لأنها عمت بها المصيبه تفسير : وذكر في شرحه: أن القضاة عملوا بكلام الغزالي. وأما عموم البلوى فلا يوجب اغتفار ما عمّت به إلاّ عند الضرورة والتعذر كما ذكر ذلك عن أبي محمد بن أبي زيد. وعندي: أن ضابط ذلك أن يكثر في الناس كثرةً بحيث يصير غير دالّ على استخفاف بالوازع الديني فحيئذٍ يفارقها معنى ضعف الديانة الذي جعله الشافعية جزءاً من ماهية الغِيبة. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رحيم}. عطف على جُمل الطلب السابقة ابتداء من قوله: {اجتنبوا كثيراً من الظن} هذا كالتذييل لها إذ أمر بالتقوى وهي جُماع الاجتناب والإمتثال فمن كان سالماً من التلبس بتلك المنهيات فالأمر بالتقوى يجنبه التلبس بشيء منها في المستقبل، ومن كان متلبساً بها أو ببعضها فالأمر بالتقوى يجمع الأمر بالكف عما هو متلبس به منها. وجملة {إن الله تواب رحيم} تذييل للتذييل لأن التقوى تكون بالتوبة بعد التلبس بالإثم فقيل: {إن الله تواب} وتكون التقوى ابتداء فيرحم الله المتقي، فالرحيم شامل للجميع.
القطان
تفسير : اجتنبوا: ابتعِدوا. الاثم: الذنب. ولا تجسّسوا: اصلها تتجسسوا بتائين: لا تبحثوا عن عورات الناس ومعايبهم. الغيبة: ذِكر الانسان بما يكره في غيابه. في هذه الآية الكريمة أدبٌ رفيع للمؤمنين حتى يعيشوا في مجتمع فاضل، تكون فيه حرياتُهم مكفولة، وحقوقهم محفوظة، فلا يؤخذون بالظن، ولا يحاكَمون بريبة، فالانسان بريء حتى يثبت عليه الجرم. روى الطبراني عن حارثة بن النعمان ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اذا ظننتَ فلا تحقّق"تفسير : . وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه قال: "حديث : لا تظننّ بكلمة خرجتْ من أخيك إلا خيرا، وانتَ تجدُ لها في الخير محملا ". تفسير : يا ايها الذين آمنوا: ابتعِدوا عن كثير من ظنّ السوء بالناس، إن بعض الظن إثمٌ يستوجب العقوبة. وهذا تهذيبٌ رفيع لنا يرفع من مستوى مجتمعنا، ويديم الوئامَ والمودة بيننا، ويزيد توثيقَ رباط المجتمع الاسلامي الفاضل قُوةً ومنعة. {وَلاَ تَجَسَّسُواْ} وهذا أمر ثانٍ من أوامر الله العليا يُبعدنا فيه عن الاعمال الدنيئة، لتطهير قلوبنا ونظافة اخلاقنا، حتى يكفُلَ حرياتِ الناس وحرماتِهم وكرامتهم، التي لا يجوز ان تُنتهَك ولا تمسّ بحال من الاحوال. فما دام الانسان في بيته قد ستر نفسه عن الناس فلا يجوز لنا ان نتتبّع عوراتِه، ولا البحث عن سرائره، لأن الاسلام يريد ان يعيش الناس آمنين على أنفسهم مطمئنين في بيوتهم، ولنا الظواهُر، ولا يجوز لنا أن نتعقب بواطن الناس وما أخفوه. قال عبد الرحمن بن عوف: حرستُ مع عمر بن الخطاب رضي الله عنهما بالمدينة، إذ تبين لنا سراجٌ في بيتٍ بابه مغلقٌ على قوم لهم اصوات مرتفعة ولَغَط، فقال عمر: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف، وهم الآن يشربون، فما ترى؟ قلت: أرى أنّا قد أتينا ما نهى الله عنه، قال تعالى: {وَلاَ تَجَسَّسُواْ} وقد تجسّسنا. فانصرفَ عمر وتركهم. وفي الحديث الصحيح: "حديث : من ستر عورةً فكأنما استحيا موْؤدة من قبرِها"تفسير : رواه ابو داود والنسائي. وفي الحديث ايضا عن سفيان الثوري عن معاوية بن ابي سفيان: قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : انك إن اتبعت عوراتِ الناس أفسدتَهم أو كِدتَ تفسدهم" تفسير : رواه ابو داود. {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ} ولا يذكرْ بعضكم بعضا بما يكره في غيبته ولو بإشارة او نحو ذلك، لما في ذلك من اذى للناس. والمراد بما يكره: ما يكرهه في دينه او دنياه او خلُقه او خلْقه او ماله او ولده او زوجته وفي كل ما يؤذيه. قال الحسن البصري: الغيبة ثلاثة أوجهٍ كلّها في كتاب الله: الغيبة، والافك والبهتان. فأما الغيبة: فهي ان تقول في أخيك ما هو فيه. واما الافك: فان تقول فيه ما بلغك عنه وقد يكون ذلك غير صحيح. واما البهتان: فان تقول فيه ما ليس فيه. والغيبة من الجرائم الكبيرة، والذي يريد التوبة منها عليه ان يستغفر لمن اغتابه، او يذهب اليه ويطلب العفو منه. ولبشاعة الغيبة، وكراهتها يعبّر عنها الله تعالى بهذا التعبير العجيب للتنفير منها والبعد عن إيذاء الناس فيقول: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ} تصوروا هذا التمثيلَ الفظيع الذي تتأذى منه النفوس. وقد وردتْ أحاديثُ كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم تنفر المسلمين من الغيبة، ليرفع الله من نفوسهم ويطهرها، ويبني مجتمعا طاهرا مثاليا. واستثنى العلماء من تحريم الغيبة، الملحدَ في الدين، والحاكمَ الجائر، والفاسقَ المجاهِر بالفسق، وتجريحَ الشاهد عند القاضي، والمتظلّمَ في أمر هام، وراوي حديث الرسول الكريم، {أية : لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ} تفسير : [النساء: 148]. ثم بعد ذلك يأتي تعبير لطيف {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} بابُه دائماً مفتوح للتوبة، وهو مع كل ما يأتيه الناس من مخالفات ومعاصي رحيم يقبل التوبة فلا تقنطوا من رحمة الله. قراءات: قرأ يعقوب: ميتا بتشديد الياء. والباقون: ميتا باسكان الياء.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} (12) - يَنْهى اللهُ تَعَالى عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ عَنِ الظَّنِّ السَّيِّء بِإِخوانِهِمْ المُؤْمِنينَ، لأنَّ ظَنَّ المُؤْمِنِ السَّوْءَ إِثمٌ، لأنَّ اللهَ نَهَى عَنْ فِعْلِهِ، فَإِذا فَعَلَهُ فَهُوَ آثمٌ. (وَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:حديث : إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فإِنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ. لاَ تَجَسَّسُوَا، وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَنَافَسُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْواناًتفسير : ). (البُخَارِيُّ وَمُسْلمٌ). ثُمَّ نَهَى اللهُ تَعَالى المُؤْمِنينَ عَنْ أن يَتَجَسَّسَ بَعُضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، كَمَا نَهَاهُمْ عَنْ أنْ يَتَتَبَّعَ بَعْضُهُم عَوْرَاتِ بَعْضٍ، وَعَنْ أنْ يَبْحَث الوَاحِدُ مِنْهُمْ عَنْ سَرَائِرِ أخِيهِ، وَهُوَ يَبْتَغِي بِذِلَكَ فَضْحَهُ، وَكَشْفَ عُيُوبِهِ. ثُمَّ نَهَاهم عَنْ أنْ يَغْتَابَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، وَعَنْ أنْ يَذْكُرَ أحَدُهُمْ أخَاهُ بما يَكْرَهُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ وَخَلْقِهِ وَخُلُقِهِ وَأهلِهِ وَمَالِهِ وَزَوْجِهِ وَوَلدِهِ.. (كَما عَرَّفَ رَسُولُ اللهِ الاغْتِيَابَ). (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:حديث : يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بلِسَانِهِ وَلَم يَدْخُلِ الإِيمانُ قَلْبَهُ: لاَ تَغْتَابُوا المُسْلِمينَ، وَلاَ تَتَبَّعُوا عَوْراتِهِمْ فإِنَّ مَنِ تَتَبَّعَ عَوْرَاتِهِمْ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَتَبَّعِ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ في عُقْرِ بَيْتِهِتفسير : ). وَشَبَّه تَعَالى اغْتِيَابَ المُؤْمِنِ لأخيِهِ المؤمِنِ بأكْلِهِ لَحمَهُ بَعْدَ مَوتِهِ، وَقَالَ لِلمُؤمِنينَ إنَّهم إذا كَانَ أَحَدُهُمْ يَكْرَهُ أكْلَ لَحْمِ أخِيهِ بَعْدَ مَوتِهِ، وَإذا كَانَتْ نَفْسُهُ تَعَافُ ذَلِكَ فَعَلَيهِمْ أنْ يَكْرَهُوا أنْ يَغْتَابُوهُ في حَيَاتِهِ. وَلِلْغِيبَةِ ثَلاثَةُ وُجُوهٍ: الغِيبَةُ - وَهِيَ أنْ يَقُولَ الإِنسَانُ في أخيهِ مَا هُوَ فيه مِمَّا يَكْرَهُهُ. الإِفْكُ - أنْ يَقُولَ فِيهِ مَا بَلَغَهُ عَنْهُ مِمَّا يَكْرَهُهُ. البُهْتَانُ - أنْ يَقُولُ فيهِ مَا لَيسَ فيهِ ممّا يَكْرَهُهُ. ثُمَ حَثَّ اللهُ تَعَالى المُؤْمِنينَ عَلى تَقْوى اللهِ، وَعَلَى تَرْكِ الغِيبَةِ، وَمُرَاقَبتِهِ تَعَالى في السِّرِّ والعَلنِ، فإذا تَابُوا وانتَهَوا واستَغْفَروا رَبَّهم عَمّا فَرَطَ مِنْهُم، اسْتَجَابَ لَهُم رَبُّهُمْ، فَتَابَ عَلَيِهمْ، لأنَّه تَعَالى كَثيرُ التَّوْبِ عَلَى عِبَادِهِ، كَثِيرُ الرَّحمةِ بِهِمْ. كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِثْمٌ - هُوَ ظَنُّ السُّوْءِ بأهْلِ الخَيْرِ. لاَ تَجَسَّسُوا - لا تَتَتَبَّعُوا عَوْرَاتِ المُسْلِمينَ. فَكَرِهْتُمُوهُ - فَقَدْ كَرِهْتُمُوهُ فَلاَ تَفْعَلُوهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه يأمرنا أنْ نجنتب كثيراً من الظن، والظن هو الخاطر يخطر بالبال. وهو نوعان: ظن حسن، وظن سيء، الظن الحسن لا شيء فيه ولا إثمَ عليه، بل هو من مطلوبات الشرع كما سنرى، والمنهي عنه هنا هو ظن السَّوء الذي يؤدي إلى فساد في العلاقات ويترتب عليه عقوبة. لذلك علّمنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجتنب ظن السَّوْء، حديث : فلما كان صلى الله عليه وسلم معتكفاً وجاءته السيدة صفية تطلب منه شيئاً فخرج إليها وكانت محتجبة، ورآهما أبو بكر وعمر فانصرفا مخافة أنْ يراهما رسول الله وهو في هذه الحالة لكنه ناداهما وقال: على رسلكما يعني: قِفَا إنها صفية، وعلما ما أراد رسولُ الله، فقالا له: لا يكون هذا معك يا رسول الله، فقال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" ". تفسير : إذن: فسيدنا رسول الله يُعلِّمنا أنْ نغلق باب ظن السَّوء، ونقطع أسبابه ونربأ بأنفسنا أنْ نضعها في هذا الموضع. وفي قصة الإفك في سورة النور يُعلِّمنا الحق سبحانه ويحثّنا على أنْ نظن بالمؤمنين خيراً، وأن نبتعد عن ظن السَّوْء فيهم، فيقول سبحانه عن حديثهم في شأن السيدة عائشة: {أية : لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُواْ هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ}تفسير : [النور: 12]. والظن الحسن هو أن تحتاط للأمر، ولا تجعل له أثراً سيئاً في نفسك، فمثلاً إنْ جاءك رجل وقال لك: إن في هذا الطريق جماعة يتربَّصون بك ويريدون بك شراً، كان عليك أنْ تأخذ بالأحوط لك وأنْ تصدقه وتِحذر ما حذَّرك منه، لأن الغالب أنه يريد لك السلامة لا يريد لك الإيذاء. أما إنْ كان الظنُّ يترتب عليه حكم شرعي، فقد وجب عليك أنْ تتحقق من صحته. وتأمل دقة الأداء القرآني واحتياطه في قوله تعالى: {كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ ..} [الحجرات: 12] يعني: أن أكثر الظن ظن سيء يجب اجتنابه، والقليل ظنٌّ حسن لا مانع منه، لذلك قال بعدها: {إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ ..} الحجرات: 12] لا كله، فاحذر أنْ تقع في الإثم حين تظنّ بالمؤمنين السوء دون بينة. وقوله سبحانه: {وَلاَ تَجَسَّسُواْ ..} [الحجرات: 12] لا تتبعوا عورات الناس ولا تبحثوا عن خصوصياتهم، وفي الحديث: "حديث : مَنْ تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته حتى يفضحه في عقر داره ". تفسير : ونذكر هنا لطيفة من لطائف أسماء الله الحسنى تلاحظ أن كثيراً من أسمائه تعالى لها مقابل كما في المحيي المميت، المعز المذل القابض الباسط. لكن الستار ألها مقابل بنقول الفضاح؟ تعالى الله سبحانه عن هذه الصفة لأن ستره مسدولٌ على عباده مهما حدث منهم لا يفضحهم، والستار صيغة مبالغة من ستر ساتر. لذلك ورد في بعض الأحاديث قوله تعالى: أبغض العاصي ولكني أكره مَنْ يتتبعه، لماذا؟ لأن تتبع العورات والسقطات يُشيع الفاحشة في المجتمع. فالحق سبحانه يحمي مجتمع الإيمان من هذا، ويكفي أن المستتر بالمعصية ما يزال عنده حياء الإيمان. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إذا بُليتم - أي بشيء من المعاصي - فاستتروا ". تفسير : وهذا كمن لا يقدر على الصوم مثلاً وعنده عذر ويُباح له الفطر، لكن مع ذلك لا يجوز له أنْ يجاهر بفطره أمام الناس، حتى لا يكون قدوة سيئة للشباب الذين لا يدركون هذه الأعذار. فحين يرونه يفطر تتربَّى عندهم خميرة ذهنية أنه يجوز لهم الفطر في رمضان، إذن: عليه أنْ يستر فطره حتى لا تَحدث هذه الأسوة. ولخطورة التجسس، قال الفقهاء: لو أن رجلاً يعيش في عشة من البوص والعيدان، وجاء آخر فنظر إليه من خلال الثقوب، فجاء صاحب العشة بعود ففقأ عينه لا يكون لعينه مقابل ولا تعويض، لأنه اقتحم على الأول منزله، ونظر إليه دون إذنه. ومثل هذا في سنة رسول الله حيث بلغه أن رجلاً ينظر إليه من ثقب الباب. ويُروى أن سيدنا عمر كان يتفقَّد أحوال رعيته، ويقوم بالعسِّ ليلاً، وقد بلغه أن رجلاً يشرب الخمر مع أصحابه في بيته، فتسوَّر عليه داره فوجده مع رجل من أصحابه جالسين، وليس في المجلس خمر ولا شيء من هذا. فلما رأه الرجل قال: لقد ظننت بي كذا وكذا، لكن فاتك من أمور الدين ما هو أهم من ذلك. أولاً: دخلت البيت من السور، والله يقول: {أية : وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ..}تفسير : [البقرة: 189] ثانياً: دخلت عليَّ بيتي بدون استئذان، فانصرف عمر ولم يقل شيئاً. وفرْق بين التجسس (بالجيم) والتحسس (بالحاء) التحسس تتبُّع وبحث عن الغير، لكن بدون قصد العورات، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ ..}تفسير : [يوسف: 87] أي: ابحثوا عنه حتى تصلوا إليه، كما يفعل رجال المباحث مثلاً. وقوله: {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً ..} [الحجرات: 12] هنا نَهْي عن الغيبة عموماً، لأن القرآن لم يحدد مَنْ يغتاب ومَنْ يغتاب فيه. حديث : ولما سُئلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغيبة قال: ذِكْرك أخاك بما يكره وهو غائب. فقال السائل: فإن كان في أخي ما أقول؟ قال: إنْ كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإنْ لم يكُنْ فيه ما تقول فقد بهته، أي: افتريتَ عليه وكذبتَ . تفسير : ثم يعطينا القرآن صورة حسِّية للغيبة، فيقول: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ ..} [الحجرات: 12] تأمل كم في هذه الصورة من منفرات تبين فظاعة هذا العمل، فالذي يغتاب أخاه في غيبته كالذي يأكل لحمه وهو ميت. أي: غائب عن الحياة ولا يقدر أنْ يدافع عن نفسه. إذن: شبّهه بصورة شنيعة تنفر منها النفس السوية. وقالوا: إن سبب نزول هذه الآية أنها نزلتْ فى الوليد بن عقبة ابن أبي معيط حينما بعثه رسول الله لجمع أموال الزكاة من بني المصطلق، وكان عليه لهم دية في الجاهلية، فلما رأوْه خرجوا لمقابلته، فخاف منهم الثأر وعاد إلى رسول الله، وقال: إنهم امتنعوا عن دفع الزكاة. ورُوي أن أسامة بن زيد كان القائم على مؤنة الطعام في بيت رسول الله، فأراد رجلان أنْ يذهبا لكي يَطْعما في بيت رسول الله، فبعثوا سلمان الفارسي ليسأل أسامة الطعام، فلما سأله قال: ليس عندنا طعام، فعاد إليهما سلمان وقال: يقول أسامة: ليس عندنا طعام، قالا: بل عنده لكنه بخل به، ثم قالا لسلمان: أنت وجهك وجه شؤم، ولو ذهبت إلى بئر سميحاً يعني: فواراً - لغاب ماؤه. وهكذا اغتابوا كلاً من أسامة وسلمان، فلما رآهما رسول الله قال: إني لأشمُّ من أفواهكم ريح لحم نتن، قالوا: يا رسول الله والله ما أكلنا لحماً، قال: لقد اغتبتما أسامة وسلمان، اذهبا فارضوهما لأنك إذا لم تُرض المغتاب فستكون عند الله أقبح من الزاني. لذلك لما اغتاب رجل ابن سيرين فجاءه وقال له: يا إمام أحل نفسي منك، فقال: لم؟ قال: لأنِّي اغتبتك، فقال: أنا لا أُحِل ما حرم الله. والحسن البصري علم أن رجلاً اغتابه، فأرسل إليه خادمه بطبق من الرُّطَب، وقال له: قل له هذا هدية لك من سيدي، لأنه علم أنك أهديتَ إليه حسناتك بالأمس. هذا يدل على أنك تدفع حَقَّ مَن اغتبته من حسناتك، فَإنْ لم تكن لك حسنات أُخِذَ من سيئاته فطُرِح عليك، وقد دلّ على ذلك الحديث النبوي الشريف. وقوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} [الحجرات: 12] اتقوا الله فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، وتجنّبوا أسباب عقابه {إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} [الحجرات: 12] أي: كثير التوبة على مَنْ تاب، كثير الرحمة لمن أناب. وهذا الختام يعطي العاصي الأمل في رحمة الله، ولا ييئس المغتابين من رحمته تعالى، فمَنْ زلَّ لسانه بالغيبة فليبادر بالتوبة، وإذا علم أن ربه تواب رحيم عاد من قريب ولا يستمريء هذه الفعلة ولا يتمادى فيها. وسبق أنْ أوضحنا أن من أعظم نعم الله علينا أنْ شرع لنا التوبة، وفتح لنا بابَ القبول، وإلا تمادى العاصون وفسدَت الحياة. ثم يقول الحق سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ} معناه كُلُّ الظَّنِّ. وقوله تعالى: {وَلاَ تَجَسَّسُواْ} معناه لا تَبحثُوا.
الجيلاني
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مقتضى إيمانكم: متابعة اليقين في عموم الأحوال والمقامات، وترك الظنون والجهالات في جميع الحالات إلا ظن الخير بالله وبخلص عباده من الأنبياء والأولياء، المستبعدين بمراحل عن التهمة والتغرير {ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ} المورث لكم المراء والمجادلة مع الله ورسوله وعموم المؤمنين، وبالجملة: {إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ} هو الملقى إليكم من قبل الشيطان المزور الغوي {إِثْمٌ} خرج وفسوق عن مقتضى الحدود الإلهية {وَلاَ تَجَسَّسُواْ} أي: من جملة أخلاقكم المحمودة ترك التجسس والتفحص عن خلائل بني نوعكم قطعاً عليكم ألا تبحثوا عن عورات المسلمين وغيرهم، سيما بما يوجب هتك حرماتهن من المفتريات الباطلة الشنعية {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً} أي: من جملة أخلاقكم، بل من معظمها أيها المؤمنون القاصدون لسلوك طريق التوحيد: ترك الغيبة، وهي: أن يذكر بعضكم بعضاً منكم في غيبته بشيء لو كان حاضراً عندكم، ليشق عليه ويكرهه. وسئل صلى الله عليه وسلم عن الغيبة، فقال: "حديث : أن تذكر أخاك بما يكرهه، فإن كان فيه، فقد اغتبته، وإن لم يكن فقد بهته"تفسير : وكلاهما خارجان عن اعتدال أهل الإيمان. ثم أكد سبحانه هذا النهي على وجه المبالغة في التوبيخ، فقال: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ} وترضى نسه {أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ} سيما حال كونه {مَيْتاً} لو فرض عرض هذا عليكم {فَكَرِهْتُمُوهُ} ألبتة؛ إذ لا يمكنكم إنكار كراهته، وغيبة الأخ المؤمن أكرهه واقبح من هذا {وَ} بالجملة: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} المنتقم الغيور عن ارتكاب الغيبة المحرمة، وتوبوا إليه عنها وعن أمثالها {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع على ما في ضمائركم من الندم والإخلاص {تَوَّابٌ} يقبل منكم توبتكم {رَّحِيمٌ} [الحجرات: 12] يمحو عنكم زلتكم بعدما تبتم ورجعتم نادمين عما فعلتم. ثم أكد سبحانه أيضاً هذا الحكم على وجه التفصيل، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} الناسون للمنشأ الأصلي والفطرة الجبلية {إِنَّا خَلَقْنَاكُم} أي: أوجدناك وأخرجناكم جميعاً {مِّن ذَكَرٍ} هو: آدم المصور بصورتنا اللاهوتية، المجبول على خلافتنا {وَأُنْثَىٰ} هي: حواء المتشعبة من آدم باعتبار ناسوته {وَ} بعدما صيراناهما زوجين ممتزجين، مزودين من حصة اللاهوت والناسوت {جَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً} متكثرة من أصل واحد هو آدم {وَقَبَآئِلَ} مختلفة متجزئة من تلك الشعوب. الشعب: هي الجمع المتكثر المنشعب عن أصل واحد. والقبيلة: هي الفرق المخلتفة الحاصلة من الشعب. والعمارة: هي الطائفة المتفرعة من القبيلة. والبطم: الجمع المتفرع على العمارة. والفخذ: جمع متفرع على البطن. والفصيل: على الفخذ. فخزيمة مثلاً شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، وعباس فصيل. وإنما جعلناكم كذلك {لِتَعَارَفُوۤاْ} أي: يعرف بعضكم بعضاً، وأدى تعارفكم إلى التلاحق في المنشأ لا للتفاخر والتغالب؛ إذ لا تفاخر بينكم إلا بالكرامة والنجابة المترتبة على حقية اللاهوت، وبالجملة: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ} عن لوازم الناسوت وشواغل الهيولي {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع على استعدادات عباده {عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13] بما في ظواهرهم وبواطنهم، يوفقهم على مقتضى علمه وخبرته. ومن عدم امتثالهم وانقيادهم بأمر التعارف والتلاحق الموصى إليهم من قِبل الحق {قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ} التي هي المثل في اللدد والعناد على سبيل التغالب والتفاخر حين قدموا المدينة في سنة جدبة، وأظهروا الشهادتين لا عن عزيمة خالصةٍ وقصدٍ صادقٍ، بل عكلى سبيل الخداع والنفاق، ولهذا كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل الامتنان: أتيناك بالأحمال والأثقال، ولم نقاتل معك كما قاتل بنو فلان {آمَنَّا} بك بلا سبق خصومةٍ منا معك، بالجملة يمنون عليك يا أكمل الرسل بإيمانهم الواهي وصدقاتهم الغير وافية {قُل} لهم يا أكمل الرسل بعدما أظهورا ما أضمروا في ضمائرهم من المنة والغلول المنافي للإخلاص والإيمان {لَّمْ تُؤْمِنُواْ} أيها الأعراب بمجرد قولكم آمنا؛ إذ الإيمان إنما هو من أفعال القلوب الصافية عن كدر المن والأذى مطلقاً {وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ} بدل قولكم "آمنَّا" {أَسْلَمْنَا} أي: دخلنا في السلم، وصالحنتا على ألاَّ تخاصم بيننا وبينكم ولا نزاع، وكيف تقولون: آمنَّا {وَ} الحال أنه {لَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ} والإذعان {فِي قُلُوبِكُمْ} التي هي وعاؤه وهو من أفعالها {وَ} بالجملة: {إِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي: حق إطاعتهما وانقيادهما مخلصين {لاَ يَلِتْكُمْ} ولا ينقصكم {مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً} أي: من أجورها وجزائها إن أخلصتم فيها، وجئتم بها بلا منّ وأذى {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع بنيات عباده {غَفُورٌ} لمن تاب عن فرطاته {رَّحِيمٌ} [الحجرات: 14] يرحم عليه وبقبل توبته. وبالجملة: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ} المخلصون هم {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} وأخلصوا في إيمانكم وإذعانهم؛ ليصلوا إلى مرتبة التوحيد المسقط لعوم الإضافات {ثُمَّ} بعدما آمنوا وآيقوا {لَمْ يَرْتَابُواْ} ولم يشكوا قط فيما آمنوا {وَ} مع ذلك {جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} مع أعداء الله {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء المقبولون عند الله {هُمُ ٱلصَّادِقُونَ} الحجرات: 15] المقصورون على الصدق والإخلاص، الفائزون عند ربهم بأنواع الفوز والفلاح، المتمكنون في مقعد الصدق عند مليك مقتدر. {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل بعدما أظهروا الإيمان الجعلي بألسنتهم، ولم تواطئ عليه قلوبهم: {أَتُعَلِّمُونَ} وتخبرون أيها الجاهلون {ٱللَّهَ} المطلع لعموم السرائر والخفايا {بِدِينِكُمْ} وإيمانكم هذا {وَ} الحال أنه {ٱللَّهُ يَعْلَمُ} بعلمه الحضوري جميع {مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} من الغيوب والشهادات {وَ} جميع {مَا فِي ٱلأَرْضِ} أيضاً كذلك {وَ} بالجملة: اللهُ المحيط بالكل {بِكُلِّ شَيْءٍ} دخل في حيطة الوجود {عَلِيمٌ} [الحجرات: 16] لا يعزب عن علمه شيء مما لمع عليه برق الوجود. ثم قال سبحانه تعليماً لحبيبه صلى الله عليه وسلم وإرشاداً: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ} يا أكمل الرسل {أَنْ أَسْلَمُواْ} إسلامهم، ودخولهم في السلم مع أنهم ليسوا مؤمنين مذعنين {قُل} في جوابهم يا أكمل الرسل إلزاماً وتبكيتاً: {لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ} أي: بإسلامكم هذا، ولا تعدوا أنفسكم من جملة الموقنين بمجرد ما تفوهتم بالإيمان {بَلِ ٱللَّهُ} العالم لعموم السرائر والخفايا {يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ} أي: يهديكم وأرشدكم {لِلإِيمَانِ} المثمر للعرفان، المستلزم للتوحيد وعلى العيان {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات: 17] في إيمانكم، موافقين قلوبكم بألسنتكم، مطابقين لجامع أنكم لستم كذلك. وبالجملة: {إِنَّ اللَّهَ} المطلع في ضمائر عباده من الثقة والإخلاص {يَعْلَمُ} بحضرة علمه الحضوري {غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَ} بالجملة: {ٱللَّهُ} المراقب بعموم أحوالكم وأطواركم {بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحجرات: 18] من الأعمال خيراً كان أو شراً، يجازيكم بمقتضى بصارته وعلمه. جعلنا الله من زمرة المؤمنين الموقنين المخلصين الذين {أية : لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}تفسير : [البقرة: 62]. خاتمة السورة عليك أيها الموحد المحمدي، المتمكن المتحقق في مقام التوحيد الذاتي - مكنك الله في مقر عزك وتمكينك - أن تترفع بنفسك عن مطلق الزذائل المتعلقة بالأهوية الفاسدة والأماني الكاسدة، سيما عن المنِّ والأذى في الإنفاق، ورعونات السمعة والرياء في مطلق الطاعات، وإياك إياك أن تتفوق على أحد من بني نوعك وإخوانك في عموم حالاتك وأزمانك، فإنه من شيم أصحاب النخوة والكفران المورث لهم أنواع الخيبة والخسران وأصناف الخذلان والحرمان، ولك أن تلازم التواضع والانكسار مع عموم المظاهر والمجالي، والاعتزال عن مطلق أصحاب الجاه والاعتبار، والقناعة مع الكفاف والعزلة. جعلنا الله ممن تنبه على منهج الصدق والصواب، واجتنب عما ينافيه بتوفيق الحق وتيسيره.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : نهى الله تعالى عن كثير من الظن السوء بالمؤمنين، فـ { إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ } وذلك، كالظن الخالي من الحقيقة والقرينة، وكظن السوء، الذي يقترن به كثير من الأقوال، والأفعال المحرمة، فإن بقاء ظن السوء بالقلب، لا يقتصر صاحبه على مجرد ذلك، بل لا يزال به، حتى يقول ما لا ينبغي، ويفعل ما لا ينبغي، وفي ذلك أيضًا، إساءة الظن بالمسلم، وبغضه، وعداوته المأمور بخلاف ذلك منه. { وَلا تَجَسَّسُوا } أي: لا تفتشوا عن عورات المسلمين، ولا تتبعوها، واتركوا المسلم على حاله، واستعملوا التغافل عن أحواله التي إذا فتشت، ظهر منها ما لا ينبغي. { وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا } والغيبة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ذكرك أخاك بما يكره ولو كان فيه ". تفسير : ثم ذكر مثلا منفرًا عن الغيبة، فقال: { أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ } شبه أكل لحمه ميتًا، المكروه للنفوس [غاية الكراهة]، باغتيابه، فكما أنكم تكرهون أكل لحمه، وخصوصًا إذا كان ميتًا، فاقد الروح، فكذلك، [فلتكرهوا] غيبته، وأكل لحمه حيًا. { وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ } والتواب، الذي يأذن بتوبة عبده، فيوفقه لها، ثم يتوب عليه، بقبول توبته، رحيم بعباده، حيث دعاهم إلى ما ينفعهم، وقبل منهم التوبة، وفي هذه الآية، دليل على التحذير الشديد من الغيبة، وأن الغيبة من الكبائر، لأن الله شبهها بأكل لحم الميت، وذلك من الكبائر.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً} [12] 538 - أنا عليُّ بن حجرٍ، نا إسماعيلُ، نا العلاءُ، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أتدرون ما الغيبةُ؟" قالوا: الله ورسوله أعلمُ، قال: "ذكرك أخاك بما يكره"، قيل أرأيت إن كان في أخي ما أقول، قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبتهُ، وإن لم يكن فيه، فقد بهتهُ ".
همام الصنعاني
تفسير : 2935- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن زارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف، عن المسور بن مخرمة، عن عبد الرحمن بن عوف، أنه حرس ليلة مع عمر بن الخطاب المدينة، فبينما هم يَمْشُونَ، شَبَّ لَهُمْ سراج في بيت، فانطلقوا يؤمّونه، فلما دنوا منه إذا باب مُجَافٌ على قوم لهم أصوات مرتفعة ولغط، فقا لعمر وأخذ بيد عبد الرحم: أتدري بَيْتُ مَنْ هَذَا؟ قال: قلت لا، قال: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف، وهم الآن شربٌ عنده، فما ترى؟ فقال عبد الرحمن: أرى أنْ قد أتينا ما نهانا الله عنه قال: {وَلاَ تَجَسَّسُواْ}: [الآية: 12]، فقد تَجَسَّسْنا، فانْصرف عمر عنهم فتركهم. 2936- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة: أن عمر بن الخطاب حُدِّثَ أن أبا محجن الثقفي، شرب الخمر في بيته هو وأصحابه، فانْطَلَقَ عمر حتى دَخَلَ عليه، فإذا ليس عنده إلا رَجُلٌ، فقال له أبو محجن: يا أمير المؤمنين! إنَّ هذا لا يَحِلُّ لك"! قد نَهَاكَ اللهُ عن التجسس، فقال عمر: ما يقول هذا! فقال زيد بن ثابت وعبد الله بن الأرقم: صَدَقَ يا أمير المؤمنين، هذا التجسس، قال: فخرج عمر وتركه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):