Verse. 4625 (AR)

٤٩ - ٱلْحُجُرَات

49 - Al-Hujurat (AR)

يٰۗاَيُّہَا النَّاسُ اِنَّا خَلَقْنٰكُمْ مِّنْ ذَكَرٍ وَّاُنْثٰى وَجَعَلْنٰكُمْ شُعُوْبًا وَّقَبَاۗىِٕلَ لِتَعَارَفُوْا۝۰ۭ اِنَّ اَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللہِ اَتْقٰىكُمْ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ عَلِيْمٌ خَبِيْرٌ۝۱۳
Ya ayyuha alnnasu inna khalaqnakum min thakarin waontha wajaAAalnakum shuAAooban waqabaila litaAAarafoo inna akramakum AAinda Allahi atqakum inna Allaha AAaleemun khabeerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى» آدم وحواء «وجعلناكم شعوبا» جمع شعب بفتح الشين هو أعلى طبقات النسب «وقبائل» هي دون الشعوب وبعدها العمائر ثم البطون ثم الأفخاذ ثم الفصائل آخرها، مثاله خزيمة: شعب، كنانة: قبيلة، قريش: عمارة بكسر العين، قُصي: بطن، هاشم: فخذ، العباس: فصيلة «لتعارفوا» حذف منه إحدى التاءين ليعرف بعضكم بعضا لا لتفاخروا بعلو النسب وإنما الفخر بالتقوى «إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم» بكم «خبير» ببواطنكم.

13

Tafseer

الرازي

تفسير : تبييناً لما تقدم وتقريراً له، وذلك لأن السخرية من الغير والعيب إن كان بسبب التفاوت في الدين والإيمان، فهو جائز لما بينا أن قوله {أية : لا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً } تفسير : [الحجرات: 12] وقوله {أية : وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [الحجرات: 11] منع من عيب المؤمن وغيبته، وإن لم يكن لذلك السبب فلا يجوز، لأن الناس بعمومهم كفاراً كانوا أو مؤمنين يشتركون فيما يفتخر به المفتخر غير الإيمان والكفر، والافتخار إن كان بسبب الغنى، فالكافر قد يكون غنياً، والمؤمن فقيراً وبالعكس، وإن كان بسبب النسب، فالكافر قد يكون نسيباً، والمؤمن قد يكون عبداً أسود وبالعكس، فالناس فيما ليس من الدين والتقوى متساوون متقاربون، وشيء من ذلك لا يؤثر مع عدم التقوى، فإن كل من يتدين بدين يعرف أن من يوافقه في دينه أشرف ممن يخالفه فيه، وإن كان أرفع نسباً أو أكثر نشباً، فكيف من له الدين الحق وهو فيه راسخ، وكيف يرجح عليه من دونه فيه بسبب غيره، وقوله تعالى: {يأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ } فيه وجهان أحدهما: من آدم وحواء ثانيهما: كل واحد منكم أيها الموجودون وقت النداء خلقناه من أب وأم، فإن قلنا إن المراد هو الأول، فذلك إشارة إلى أن لا يتفاخر البعض على البعض لكونهم أبناء رجل واحد، وامرأة واحدة، وإن قلنا إن المراد هو الثاني، فذلك إشارة إلى أن الجنس واحد، فإن كل واحد خلق كما خلق الآخر من أب وأم، والتفاوت في الجنس دون التفاوت في الجنسين، فإن من سنن التفاوت أن لا يكون تقدير التفاوت بين الذباب والذئاب، لكن التفاوت الذي بين الناس بالكفر والإيمان كالتفاوت الذي بين الجنسين، لأن الكافر جماد إذ هو كالأنعام، بل أضل، والمؤمن إنسان في المعنى الذي ينبغي أن يكون فيه، والتفاوت في الإنسان تفاوت في الحس لا في الجنس إذ كلهم من ذكر وأنثى، فلا يبقى لذلك عند هذ اعتبار، وفيه مباحث: البحث الأول: فإن قيل هذا مبني على عدم اعتبار النسب، وليس كذلك فإن للنسب اعتباراً عرفاً وشرعاً، حتى لا يجوز تزويج الشريفة بالنبطي، فنقول إذا جاء الأمر العظيم لا يبقى الأمر الحقير معتبراً، وذلك في الحس والشرع والعرف، أما الحس فلأن الكواكب لا ترى عند طلوع الشمس، ولجناح الذباب دوي ولا يسمع عندما يكون رعد قوي، وأما في العرف، فلأن من جاء مع الملك لا يبقى له اعتبار ولا إليه التفات، إذا علمت هذا فيهما ففي الشرع كذلك، إذا جاء الشرف الديني الإلٰهي، لا يبقى الأمر هناك اعتبار، لا لنسب ولا لنشب، ألا ترى أن الكافر وإن كان من أعلى الناس نسباً، والمؤمن وإن كان من أدونهم نسباً، لا يقاس أحدهما بالآخر، وكذلك ما هو من الدين مع غيره، ولهذا يصلح للمناصب الدينية كالقضاء والشهادة كل شريف ووضيع إذا كان ديناً عالماً صالحاً، ولا يصلح لشيء منها فاسق، وإن كان قرشي النسب، وقاروني النشب، ولكن إذا اجتمع في اثنين الدين المتين، وأحدهما نسيب ترجح بالنسب عند الناس لا عند الله لأن الله تعالى يقول {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَـٰنِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ } تفسير : [النجم: 39] وشرف النسب ليس مكتسباً ولا يحصل بسعي. البحث الثاني: ما الحكمة في اختيار النسب من جملة أسباب التفاخر، ولم يذكر المال؟ نقول الأمور التي يفتخر بها في الدنيا وإن كانت كثيرة لكن النسب أعلاها، لأن المال قد يحصل للفقير فيبطل افتخار المفتخر به، والحسن والسن، وغير ذلك غير ثابت دائم، والنسب ثابت مستمر غير مقدور التحصيل لمن ليس له فاختاره الله للذكر وأبطل اعتباره بالنسبة إلى التقوى ليعلم منه بطلان غيره بالطريق الأولى. البحث الثالث: إذا كان ورود الآية لبيان عدم جواز الافتخار بغير التقوى فهل لقوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم } فائدة؟ نقول نعم، وذلك لأن كل شيء يترجح على غيره، فإما أن يترجح بأمر فيه يلحقه، ويترتب عليه بعد وجوده، وإما أن يترجح عليه بأمر هو قبله، والذي بعده كالحسن والقوة وغيرهما من الأوصاف المطلوبة من ذلك الشيء، والذي قبله فإما راجع إلى الأصل الذي منه وجد، أو إلى الفاعل الذي هو له أوجد، كم يقال في إناءين هذا من النحاس وهذا من الفضة، ويقال هذا عمل فلان، وهذا عمل فلان، فقال تعالى لا ترجيح فيما خلقتم منه لأنكم كلكم من ذكر وأنثى، ولا بالنظر إلى جاعلين لأنكم كلكم خلقكم الله، فإن كان بينكم تفاوت يكون بأمور تلحقكم وتحصل بعد وجودكم وأشرفها التقوى والقرب من الله تعالى. ثم قال تعالى: {وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ } وفيه وجهان: أحدهما: {جَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوباً } متفرقة لا يدري من يجمعكم كالعجم، وقبائل يجمعكم واحد معلوم كالعرب وبني إسرائيل وثانيهما: {جَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوباً } داخلين في قبائل، فإن القبيلة تحتها الشعوب، وتحت الشعوب البطون وتحت البطون الأفخاذ، وتحت الأفخاذ الفصائل، وتحت الفصائل الأقارب، وذكر الأعم لأنه أذهب للافتخار، لأن لأمر الأعم منها يدخله فقراء وأغنياء كثيرة غير محصورة، وضعفاء وأقوياء كثيرة غير معدودة، ثم بيّن فائدة ذلك وهي التعارف وفيه وجهان: أحدهما: أن فائدة ذلك التناصر لا التفاخر وثانيهما: أن فائدته التعارف لا التناكر، واللمز والسخرية والغيبة تفضي إلى التناكر لا إلى التعارف وفيه معان لطيفة الأولى: قال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم } وقال: {وَجَعَلْنَـٰكُمْ } لأن الخلق أصل تفرع عليه الجعل {شُعُوباً } فإن الأول هو الخلق والإيجاد، ثم الاتصاف بما اتصفوا به، لكن الجعل شعوباً للتعارف والخلق للعبادة كما قال تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } تفسير : [الذاريات: 56] واعتبار الأصل متقدم على اعتبار الفرع، فاعلم أن النسب يعتبر بعد اعتبار العبادة كما أن الجعل شعوباً يتحقق بعد ما يتحقق الخلق، فإن كان فيكم عبادة تعتبر فيكم أنسابكم وإلا فلا الثانية: قوله تعالى: {خَلَقْنَـٰكُمْ وَجَعَلْنَـٰكُمْ } إشارة إلى عدم جواز الافتخار لأن ذلك ليس لسعيكم ولا قدرة لكم على شيء من ذلك، فكيف تفتخرون بما لا مدخل لكم فيه؟ فإن قيل الهداية والضلال كذلك لقوله تعالى: {أية : إِنَّا هَدَيْنَـٰهُ ٱلسَّبِيلَ } تفسير : [الإنسان: 3] {أية : نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاء } تفسير : [الشورى: 52] فنقول أثبت الله لنا فيه كسباً مبنياً على فعل، كم قال الله تعالى: {أية : فَمَن شَاء ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبّهِ سَبِيلاً } تفسير : [المزمل:19]. ثم قال تعالى: {وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } وأما في النسب فلا الثالثة: قوله تعالى: {لِتَعَـٰرَفُواْ } إشارة إلى قياس خفي، وبيانه هو أنه تعالى قال: إنكم جعلتم قبائل لتعارفوا وأنتم إذا كنتم أقرب إلى شريف تفتخرون به فخلقكم لتعرفوا ربكم، فإذا كنتم أقرب منه وهو أشرف الموجودات كان الأحق بالافتخار هناك من الكل الافتخار بذلك الرابعة: فيه إرشاد إلى برهان يدل على أن الافتخار ليس بالأنساب، وذلك لأن القبائل للتعارف بسبب الانتساب إلى شخص فإن كان ذلك الشخص شريفاً صح الافتخار في ظنكم، وإن لم يكن شريفاً لم يصح، فشرف ذلك الرجل الذي تفتخرون به هو بانتسابه إلى فصيلة أو باكتساب فضيلة، فإن كان بالانتساب لزم الانتهاء، وإن كان بالاكتساب فالدين الفقيه الكريم المحسن صار مثل من يفتخر به المفتخر، فكيف يفتخر بالأب وأب الأب على من حصل له من الحظ والخير ما فضل به نفسه عن ذلك الأب والجد؟ اللّهم إلا أن يجوز شرف الانتساب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أحداً لا يقرب من الرسول في الفضيلة حتى يقول أنا مثل أبيك، ولكن في هذا النسب أثبت النبي صلى الله عليه وسلم الشرف لمن انتسب إليه بالاكتساب، ونفاه لمن أراد الشرف بالانتساب، فقال: «حديث : نحن معاشر الأنبياء لا نورث»تفسير : . وقال: «حديث : العلماء ورثة الأنبياء» تفسير : أي لا نورث بالانتساب، وإنما نورث بالاكتساب، سمعت أن بعض الشرفاء في بلاد خراسان كان في النسب أقرب الناس إلى علي عليه السلام غير أنه كان فاسقاً، وكان هناك مولى أسود تقدم بالعلم والعمل، ومال الناس إلى التبرك به فاتفق أنه خرج يوماً من بيته يقصد المسجد، فأتبعه خلق فلقيه الشريف سكران، وكان الناس يطردون الشريف ويبعدونه عن طريقه، فغلبهم وتعلق بأطراف الشيخ وقال له: يا أسود الحوافر والشوافر، يا كافر ابن كافر، أنا ابن رسول الله، أذل وتجل! وأذم وتكرم! وأهان وتعان! فهم الناس بضربه فقال الشيخ: لا هذا محتمل منه لجده، وضربه معدود لحده، ولكن يا أيها الشريف بيضت باطني وسودت باطنك، فيرى الناس بياض قلبي فوق سواد وجهي فحسنت، وأخذت سيرة أبيك وأخذت سيرة أبي، فرآني الخلق في سيرة أبيك ورأوك في سيرة أبي فظنوني ابن أبيك وظنوك ابن أبي، فعملوا معك ما يعمل مع أبي، وعملوا معي ما يعمل مع أبيك! ثم قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَـٰكُمْ } وفيه وجهان: أحدهما: أن المراد من يكون أتقى يكون عند الله أكرم أي التقوى تفيد الإكرام ثانيهما: أن المراد أن من يكون أكرم عند الله يكون أتقى أي الإكرام يورث التقوى كما يقال: المخلصون على خطر عظيم، والأول أشهر والثاني أظهر لأن المذكور ثانياً ينبغي أن يكون محمولاً على المذكور أولاً في الظاهر فيقال الإكرام للتقي، لكن ذوا العموم في المشهور هو الأول، يقال ألذ الأطعمة أحلاها أي اللذة بقدر الحلاوة لا أن الحلاوة بقدر اللذة، وهي إثبات لكون التقوى متقدمة على كل فضيلة، فإن قيل التقوى من الأعمال والعلم أشرف، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد» تفسير : نقول التقوى ثمرة العلم قال الله تعالى: {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء } تفسير : [فاطر: 28] فلا تقوى إلا للعالم فالمتقي العالم أتم علمه، والعالم الذي لا يتقي كشجرة لا ثمرة لها، لكن الشجرة المثمرة أشرف من الشجرة التي لا تثمر بل هو حطب، وكذلك العالم الذي لا يتقي حصب جهنم، وأما العابد الذي يفضل الله عليه الفقيه فهو الذي لا علم له، وحينئذ لا يكون عنده من خشية الله نصاب كامل، ولعله يعبده مخافة الإلقاء في النار، فهو كالمكره، أو لدخول الجنة، فهو يعمل كالفاعل له أجرة ويرجع إلى بيته، والمتقي هو العالم بالله، المواظب لبابه، أي المقرب إلى جنابه عنده يبيت. وفيه مباحث: البحث الأول: الخطاب مع الناس والأكرم يقتضي اشتراك الكل في الكرامة ولا كرامة للكافر، فإنه أضل من الأنعام وأذل من الهوام. نقول ذلك غير لازم مع أنه حاصل بدليل قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءادَمَ } تفسير : [الإسراء: 70] لأن كل من خلق فقد اعترف بربه، كأنه تعالى قال من استمر عليه لو زاد زيد في كرامته، ومن رجع عنه أزيل عنه أثر الكرامة الثاني: ما حد التقوى ومن الأتقى؟ تقول أدنى مراتب التقوى أن يجتنب العبد المناهي ويأتي بالأوامر ولا يقر ولا يأمن إلا عندهما فإن اتفق أن ارتكب منهياً لا يأمن ولا يتكل له بل يتبعه بحسنة ويظهر عليه ندامة وتوبة، ومتى ارتكب منهياً وما تاب في الحال واتكل على المهلة في الأجل ومنعه عن التذاكر طول الأمل فليس بمتق، أما الأتقى فهو الذي يأتي بما أمر به ويترك ما نهى عنه، وهو مع ذلك خاش ربه لا يشتغل بغير الله، فينور الله قلبه، فإن التفت لحظة إلى نفسه أو ولده جعل ذلك ذنبه، وللأولين النجاة لقوله تعالى: {أية : ثُمَّ نُنَجّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ } تفسير : [مريم: 72] وللآخرين السوق إلى الجنة لقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَـٰكُمْ } فبين من أعطاه السلطان بستاناً وأسكنه فيه، وبين من استخلصه لنفسه يستفيد كل يوم بسبب القرب من بساتين وضياعاً بون عظيم. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ } أي عليم بظواهركم، يعلم أنسابكم خبير ببواطنكم لا تخفى عليه أسراركم، فاجعلوا التقوى عملكم وزيدوا في التقوى كما زادكم.

القرطبي

تفسير : فيه سبع مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ} يعني آدم وحواء. ونزلت الآية في أَبي هند؛ ذكره أبو داود في (المراسيل)؛ حدثنا عمرو بن عثمان وكثير بن عبيد قالا حدّثنا بقيّة بن الوليد قال حدثني الزهري قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بني بَياضة أن يزوّجوا أبا هند ٱمرأة منهم؛ فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: نزوّج بناتنا موالينا؟ٰ فأنزل الله عز وجل: «إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً» الآية. قال الزهري: نزلت في أبي هند خاصة. وقيل: إنها نزلت في ثابت بن قيس بن شَمّاس. وقوله في الرجل الذي لم يتفسح له: ٱبن فلانة؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : «مَن الذاكر فلانة»؟ قال ثابت: أنا يا رسول الله؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«انظر في وجوه القوم فنظر؛ فقال: «ما رأيت»؟ قال رأيت أبيض وأسود وأحمر؛ فقال:«فإنك لا تفضلهم إلا بالتقوى» تفسير : فنزلت في ثابت هذه الآية. ونزلت في الرجل الذي لم يتفسح له: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ} تفسير : [المجادلة: 11] الآية. قال ٱبن عباس: لما كان يوم فتح مكة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً حتى علا على ظهر الكعبة فأذّن؛ فقال عتَّاب بن أسِيد بن أبي العِيص: الحمد لله الذي قبض أبي حتى لا يرى هذا اليوم. قال الحارث بن هشام: ما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذِّناً. وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئاً يغيّره. وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئاً أخاف أن يخبر به رب السماء؛ فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بما قالوا؛ فدعاهم وسألهم عما قالوا فأقروا؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية. زجرهم عن التفاخر بالأنساب، والتكاثر بالأموال، والازدراء بالفقراء؛ فإن المدار على التقوى. أي الجميع من آدم وحواء، إنما الفضل بالتقوى. وفي الترمذي عن ٱبن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب بمكة فقال: «حديث : يأيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عَيْبَة الجاهلية وتعاظمها بآبائها. فالناس رجلان: رجل بَرّ تَقِيّ كريم على الله، وفاجر شقيّ هيّن على الله. والناس بنو آدم وخلق الله آدم من تراب قال الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }»تفسير : . خرّجه من حديث عبد الله بن جعفر والد علي بن المديني وهو ضعيف، ضعّفه يحيى بن مَعِين وغيره. وقد خرّج الطبري في كتاب (آداب النفوس) وحدّثني يعقوب بن إبراهيم قال حدّثنا إسماعيل قال حدّثنا سعيد الجُرَيري عن أبي نضرة قال: حدّثني أو حدّثنا من شهدحديث : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنًى في وسط أيام التشريق وهو على بعير فقال: «يأيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألاَ لا فضل لعربيّ على عجميّ ولا عجمي على عربي ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى ألا هل بَلّغت؟ ـ قالوا نعم قال ـ ليبلّغ الشاهدُ الغائب»تفسير : . وفيه عن (أبي) مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله لا ينظر إلى أحسابكم ولا إلى أنسابكم ولا إلى أجسامكم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم فمن كان له قلب صالح تحنن الله عليه وإنما أنتم بنو آدم وأحبكم إليه أتقاكم»تفسير : . ولعليّ رضي الله عنه في هذا المعنى وهو مشهور من شعره:شعر : الناس من جهة التمثيل أكفاء أبوهمُ آدمُ والأمّ حواء نفسٌ كنفس وأرواحٌ مشاكلةٌ وأعظمٌ خُلقت فيهم وأعضاء فإن يكن لهمُ من أصلهم حسبٌ يفاخرون به فالطين والماء ما الفضل إلا لأهل العلم إنهمُ على الهُدَى لمن استَهْدَى أدِلاّء وقَدْرُ كلّ امرىء ما كان يحسنه وللرجال على الأفعال سيماء وضدُّ كل امرىء ما كان يجهله والجاهلون لأهل العلم أعداء تفسير : الثانية ـ بيّن الله تعالى في هذه الآية أنه خلق الخلق من الذكر والأنثى، وكذلك في أوّل سورة «النساء». ولو شاء لخلقه دونهما كخلقه لآدم، أو دون ذَكَر كخلقه لعيسى عليه السلام، أو دون أنثى كخلقه حواء من إحدى الجهتين. وهذا الجائز في القدرة لم يرد به الوجود. وقد جاء أن آدم خلق الله منه حوّاء من ضلع انتزعها من أضلاعه؛ فلعله هذا القسم؛ قاله ٱبن العربي. الثالثة ـ خلق الله الخلق بين الذكر والأنثى أنساباً وأصهاراً وقبائلَ وشعوباً، وخلق لهم منها التعارف، وجعل لهم بها التواصل للحكمة التي قدّرها وهو أعلم بها؛ فصار كل أحد يحوز نسبه؛ فإذا نفاه رجل عنه ٱستوجب الحدّ بقذفه؛ مثل أن ينفيه عن رهطه وحسبه، بقوله للعربي: يا عجمي، وللعجمي: يا عربي؛ ونحو ذلك مما يقع به النفي حقيقة. انتهى. الرابعة ـ ذهب قوم من الأوائل إلى أن الجنين إنما يكون من ماء الرجل وحده، ويتربّى في رحم الأم، ويستمد من الدم الذي يكون فيه. واحتجوا بقوله تعالى: {أية : أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ }تفسير : [المرسلات:0 2 ـ1 2]. وقوله تعالى: {أية : ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ }تفسير : [السجدة: 8]. وقوله: {أية : أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ }تفسير : [القيامة:7 3]. فدلّ على أن الخلق من ماء واحد. والصحيح أن الخلق إنما يكون من ماء الرجل والمرأة لهذه الآية؛ فإنها نص لا يحتمل التأويل. وقوله تعالى: {أية : خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ }تفسير : [الطارق: 6 ـ 7] والمراد منه أصلاب الرجال وترائب النساء؛ على ما يأتي بيانه. وأما ما احتجوا به فليس فيه أكثر من أن الله تعالى ذكر خلق الإنسان من الماء والسُّلالةِ والنطفةِ ولم يضفها إلى أحد الأبوين دون الآخر. فدلّ على أن الماء والسلالة لهما والنطفةَ منهما بدلالة ما ذكرنا. وبأن المرأة تُمْني كما يُمْنِي الرجل، وعن ذلك يكون الشبه؛ حسب ما تقدّم بيانه في آخر الشورى». وقد قال في قصة نوح: {أية : فَالْتَقَى ٱلمَآءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ}تفسير : [القمر:2 1] وإنما أراد ماء السماء وماء الأرض؛ لأن الالتقاء لا يكون إلا من ٱثنين، فلا ينكر أن يكون «ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ». وقوله تعالى: {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ } ويريد ماءين. والله أعلم. الخامسة ـ قوله تعالى: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ} الشعوب رؤوس القبائل؛ مثل ربيعة ومُضَر والأوْس والخَزْرَج؛ واحدها «شَعْب» بفتح الشين؛ سُمُّوا به لتشعّبهم واجتماعهم كشعب أغصان الشجرة. والشَّعْب من الأضداد؛ يقال شعبته إذا جمعته؛ ومنه المِشْعَب (بكسر الميم) وهو الإشْفَى؛ لأنه يجمع به ويشعب. قال:شعر : فَكَابٍ على حُرّ الجبين ومُتّقٍ بمَدْرِيَةٍ كأنه ذَلْقُ مِشْعَبِ تفسير : وشَعَبته إذا فرّقته، ومنه سُميت المنية شُعوباً لأنها مفرّقة. فأما الشِّعب (بالكسر) فهو الطريق في الجبل؛ والجمع الشعاب. قال الجوهري: الشِّعب: ما تشعب من قبائل العرب والعجم؛ والجمع الشعوب. والشُّعُوبية: فرقة لا تفضّل العرب على العجم. وأما الذي في الحديث: أن رجلاً من الشعوب أسلم؛ فإنه يعني من العجم. والشَّعْب: القبيلة العظيمة، وهو أبو القبائل الذي ينسبون إليه، أي يجمعهم ويضمهم. قال ابن عباس: الشعوب الجمهور؛ مثل مضر. والقبائل الأفخاذ. وقال مجاهد: الشعوب البعيد من النسب؛ والقبائل دون ذلك. وعنه أيضاً أن الشعوب النسب الأقرب. وقاله قتادة. ذكر الأوّل عنه المهدوِيّ، والثاني الماوردي. قال الشاعر:شعر : رأيت سعوداً من شعوب كثيرة فلم أرَ سعداً مثل سعدِ بن مالك تفسير : وقال آخر:شعر : قبائل من شعوب ليس فيهم كريم قد يُعدّ ولا نجيب تفسير : وقيل: إن الشعوب عَرَب اليمن من قحطان، والقبائل من ربيعة ومضر وسائر عدنان. وقيل: إن الشعوب بطون العجم؛ والقبائل بطون العرب. وقال ابن عباس في رواية: إن الشعوب الموالي، والقبائل العرب. قال القُشَيْرِي: وعلى هذا فالشعوب من لا يُعرف لهم أصل نسب كالهند والجبل والترك؛ والقبائل من العرب. الماوردي: ويحتمل أن الشعوب هم المضافون إلى النواحي والشعاب؛ والقبائل هم المشتركون في الأنساب. قال الشاعر:شعر : وتفرّقوا شُعَباً فكل جزيرة فيها أمير المؤمنين ومنبر تفسير : وحكى أبو عبيد عن ٱبن الكلبي عن أبيه: الشعب أكبر من القبيلة ثم الفصيلة ثم العِمارة ثم البطن ثم الفَخِذ. وقيل: الشعب ثم القبِيلة ثم العِمارة ثم البطن ثم الفَخِذ ثم الفصِيلة ثم العَشيرة؛ وقد نظمها بعض الأدباء فقال:شعر : اِقصد الشَّعب فهو أكثر حَيٍّ عدداً في الحواء ثم القبِيله ثم تتلوها العمارة ثم الـ ـبطن والفخذ بعدها والفصيله ثم من بعدها العشِيرة لكن هي في جنب ما ذكرناه قليله تفسير : وقال آخر:شعر : قبِيلة قبلها شَعْب وبعدهما عِمارة ثم بَطْنٌ تِلْوُهُ فَخِذُ وليس يؤوي الفتى إلا فصيلته ولا سداد لِسَهْم ما له قُذَذُ تفسير : السادسة ـ قوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ} وقد تقدّم في سورة «الزخرف» عند قوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ}تفسير : [الزخرف: 44]. وفي هذه الآية ما يدلك على أن التقوى هي المراعي عند الله تعالى وعند رسوله دون الحسب والنسب. وقرىء «أنّ» بالفتح. كأنه قيل: لم يتفاخر بالأنساب؟ قيل: لأن أكرمكم عند الله أتقاكم لا أنسبكم. وفي الترمذي عن سَمُرَة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الحسب المال والكرم التقوى»تفسير : . قال: هذا حديث حسن غريب صحيح. وذلك يرجع إلى قوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ}، وقد جاء منصوصاً عنه عليه السلام: «حديث : من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله»تفسير : . والتقوى معناه مراعاة حدود الله تعالى أمراً ونهياً، والاْتصاف بما أمرك أن تتصف به، والتنزه عما نهاك عنه. وقد مضى هذا في غير موضع. وفي الخبر من رواية أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله تعالى يقول يوم القيامة إني جعلت نَسَباً وجعلتم نَسَباً فجعلتُ أكرمكم أتقاكم وأبيتم إلا أن تقولوا فلان بن فلان وأنا اليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم أين المتقون أين المتقون»تفسير : . وروى الطبريّ من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أوليائي المتقون يوم القيامة وإن كان نسب أقرب من نسب. يأتي الناس بالأعمال وتأتون بالدنيا تحملونها على رقابكم تقولون يا محمد فأقول هكذا وهكذا»تفسير : . وأعرَض في كُلٍّ عِطْفَيْه. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم جهاراً غير سرٍّ يقول: «حديث : إن آل أبي ليسوا لي بأولياء إنما وَلِيِّيَ الله وصالح المؤمنين»تفسير : . وعن أبي هريرة: حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: من أكرم الناس؟ فقال:«يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: «فأكرمهم عند الله أتقاهم» فقالوا: ليس عن هذا نسألك، فقال: «عن معادن العرب؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا»تفسير : وأنشدوا في ذلك:شعر : ما يصنع العبد بعزّ الغنى والعزُّ كلّ العِزّ للمُتّقي من عرف الله فلم تغنه معرفة الله فذاك الشّقي تفسير : السابعة ـ ذكر الطبري حدّثني عمر بن محمد قال حدّثنا عبيد بن إسحاق العطار قال حدّثنا مندل بن علي عن ثور بن يزيد عن سالم بن أبي الجعد قال: حديث : تزوّج رجل من الأنصار ٱمرأة فطُعِن عليها في حسبها؛ فقال الرجل: إني لم أتزوّجها لحسبها إنما تزوّجتها لدينها وخُلُقها؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ما يضرّك ألا تكون من آل حاجب بن زُرارة» تفسير : .ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله تبارك وتعالى جاء بالإسلام فرفع به الخسيسة وأتم به الناقصة وأذهب به اللوم فلا لوم على مسلم إنما اللّوْم لَوْمُ الجاهلية»تفسير : .وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:«حديث : إني لأرجو أن أكون أخشاكم للّه وأعلمكم بما أتقي»تفسير : ولذلك كان أكرمَ البشر على الله تعالى. قال ٱبن العربي: وهذا الذي لحظ مالك في الكفاءة في النكاح. روى عبد الله عن مالك: يتزوّج المَوْلى العربية، واحتج بهذه الآية. وقال أبو حنيفة والشافعي: يراعي الحسب والمال. وفي الصحيح عن عائشة أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة ـ وكان ممن شهد بدراً مع النبي صلى الله عليه وسلم ـ تبنّى سالماً وأنكحه هنداً بنت أخيه الوليد بن عتبة بن ربيعة؛ وهو مولًى لاْمرأة من الأنصار. وضُباعة بنت الزبير كانت تحت المقداد بن الأسود. قلت: وأخت عبد الرحمٰن بن عوف كانت تحت بلال. وزينب بنت جحش كانت تحت زيد بن حارثة. فدلّ على جواز نكاح الموالي العربية، وإنما تراعى الكفاءة في الدِّين. والدليل عليه أيضاً ما روى سهل بن سعد في صحيح البخاري: حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم مَرّ عليه رجل فقال: «ما تقولون في هذا»؟ فقالوا: حَرِيٌّ إن خطب أن يُنْكَح، وإن شَفَع أن يُشَفَّع وإن قال أن يُسْمَع. قال: ثم سكت؛ فمر رجل من فقراء المسلمين فقال: «ما تقولون في هذا» قالوا: حَرِيٌّ إن خطب ألا يُنْكَح، وإن شَفَع ألا يُشَفَّع، وإن قال ألا يُسْمع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا خير من مِلء الأرض مثل هذا»تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : تُنكح المرأة لمالها وجمالها ودينها ـ وفي رواية ـ ولحسبها فعليك بذات الدِّين تَرِبَتْ يداك»تفسير : . وقد خطب سلمان إلى أبي بكر ٱبنته فأجابه، وخطب إلى عمر ٱبنته فالتَوى عليه، ثم سأله أن ينكحها فلم يفعل سلمان. وخطب بلال بنت البكير فأبى إخوتها، فقال بلال: يا رسول الله، ماذا لقيت من بني البكير! خطبت إليهم أختهم فمنعوني وآذوني؛ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل بلال، فبلغهم الخبر فأتوا أختهم فقالوا: ماذا لقينا من سببك؟ فقالت أختهم: أمري بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فزوّجوها. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في أبي هند حين حجمه: «حديث : أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه»تفسير : . وهو مولى بني بياضة. وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حديث الزُّهْريّ عن عُرْوةَ عن عائشة أن أبا هند مولى بني بياضة كان حجاماً فحجم النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : من سرّه أن ينظر إلى من صوّر الله الإيمان في قلبه فلينظر إلى أبي هند»تفسير : . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنكحوه وأنكحوا إليه»تفسير : . قال القشيري أبو نصر: وقد يعتبر النسب في الكفاءة في النكاح وهو الاتصال بشجرة النبوّة أو بالعلماء الذين هم ورثة الأنبياء، أو بالمرموقين في الزهد والصلاح. والتقيّ المؤمن أفضل من الفاجر النسيب، فإن كانا تَقِيَّيْن فحينئذ يقدّم النسيب منهما، كما يقدّم الشاب على الشيخ في الصلاة إذا استويا في التقوى.

البيضاوي

تفسير : { يأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ } من آدم وحواء عليهما السلام، أو خلقنا كل واحد منكم من أب وأم فالكل سواء في ذلك فلا وجه للتفاخر بالنسب. ويجوز أن يكون تقريراً للأخوة المانعة عن الاغتياب. {وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ } الشعب الجمع العظيم المنتسبون إلى أصل واحد وهو يجمع القبائل. والقبيلة تجمع العمائر. والعمارة تجمع البطون. والبطن تجمع الأفخاذ. والفخذ يجمع الفضائل، فخزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، وعباس فصيلة. وقبل الشعوب بطون العجم والقبائل بطون العرب. {لِتَعَـٰرَفُواْ } ليعرف بعضكم بعضاً لا للتفاخر بالآباء والقبائل. وقرىء {لِتَعَـٰرَفُواْ } بالإِدغام و «لتتعارفوا» و «لتعرفوا». {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَـٰكُمْ } فإن التقوى بها تكمل النفوس وتتفاضل بها الأشخاص، فمن أراد شرفاً فليلتمسه منها كما قال عليه الصلاة والسلام «حديث : من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله» تفسير : وقال عليه الصلاة والسلام «حديث : يا أيها الناس إنما الناس رجلان مؤمن تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله»تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ } بكم {خَبِيرٌ } ببواطنكم. {قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ ءامَنَّا } نزلت في نفر من بني أسد قدموا المدينة في سنة جدبة وأظهروا الشهادتين، وكانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم أتيناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان يريدون الصدقة ويمنون. {قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ } إذ الإِيمان تصديق مع ثقة وطمأنينة قلب، ولم يحصل لكم إلا لما مننتم على الرسول عليه الصلاة والسلام بالإِسلام وترك المقاتلة كما دل عليه آخر السورة. {وَلَـٰكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا } فإن الإِسلام انقياد ودخول في السلم وإظهار الشهادتين وترك المحاربة، يشعر به وكان نظم الكلام أن يقول لا تقولوا آمنا {وَلَـٰكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا }، أو لم تؤمنوا ولكن أسلمتم فعدل منه إلى هذا النظم احترازاً من النهي عن القول بالإِيمان والجزم بإسلامهم، وقد فقد شرط اعتباره شرعاً. {وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ } توقيت لـ {قُولُواْ } فإنه حال من ضميره أي: {وَلَـٰكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا } ولم تواطىء قلوبكم ألسنتكم بعد. {وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } بالإِخلاص وترك النفاق. {لاَ يَلِتْكُمْ مّنْ أَعْمَـٰلِكُمْ } لا ينقصكم من أجورها. {شَيْئاً } من لات يليت ليتا إذا نقص، وقرأ البصريان «لا يألتكم» من الألت وهو لغة غطفان. {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } لما فرط من المطيعين. {رَّحِيمٌ } بالتفضل عليهم. {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ } لم يشكوا من ارتاب مطاوع رابه إذا أوقعه في الشك مع التهمة، وفيه إشارة إلى ما أوجب نفي الإِيمان عنهم، و {ثُمَّ } للإشعار بأن اشتراط عدم الارتياب في اعتبار الإِيمان ليس حال الإِيمان فقط بل فيه وفيما يستقبل فهي كما في قوله: {أية : ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ }تفسير : [فصلت: 30] {وَجَـٰهَدُواْ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } في طاعته والمجاهدة بالأموال والأنفس تصلح للعبادات المالية والبدنية بأسرها. {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ } الذين صدقوا في إدعاء الإِيمان. {قُلْ أَتُعَلّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ } أتخبرونه به بقولكم {آمنا}. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } لا يخفى عليه خافية، وهو تجهيل لهم وتوبيخ. روي أنه لما نزلت الآية المتقدمة جاؤوا وخلفوا أنهم مؤمنون معتقدون فنزلت هذه الآية. {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ } يعدون إسلامهم عليك منة وهي النعمة التي لا يستثيب موليها ممن بذلها إليه، من المن بمعنى القطع لأن المقصود بها قطع حاجته. وقيل النعمة الثقيلة من المن. {قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَىَّ إِسْلَـٰمَكُمْ } أي بإسلامكم، فنصب بنزع الخافض أو تضمين الفعل معنى الاعتدال. {بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَـٰنِ } على ما زعمتم مع أن الهداية لا تستلزم الاهتداء، وقرىء «إن هَداكُمْ» بالكسر و {إِذْ هَداكُمْ }. {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } في ادعاء الإِيمان، وجوابه محذوف يدل عليه ما قبله أي فلله المنة عليكم، وفي سياق الآية لطف وهو أنهم لما سموا ما صدر عنهم إيماناً ومنوا به فنفى أنه إيماٌن وسماه إسلاماً بأن قال يمنون عليكم بما هو في الحقيقة إسلام وليس بجدير أن يمن به عليك، بل لو صح ادعاؤهم للإِيمان فلله المنة عليهم بالهداية له لا لهم. {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَ&#1649لأَرْضِ } ما غاب فيهما. {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } في سركم وعلانيتكم فكيف يخفى عليه ما في ضمائركم، وقرأ ابن كثير بالياء لما في الآية من الغيبة. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة الحجرات أعطي من الأجر بعدد من أطاع الله وعصاه».

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً للناس أنه خلقهم من نفس واحدة، وجعل منها زوجها، وهما آدم وحواء، وجعلهم شعوباً، وهي أعم من القبائل، وبعد القبائل مراتب أخر؛ كالفصائل والعشائر والعمائر والأفخاذ وغير ذلك، وقيل: المراد بالشعوب بطون العجم، وبالقبائل بطون العرب، كما أن الأسباط بطون بني إسرائيل، وقد لخصت هذه في مقدمة مفردة جمعتها من كتاب الإنباه لأبي عمر بن عبد البر، ومن كتاب (القصد والأمم في معرفة أنساب العرب والعجم) فجميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء عليهما السلام سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية، وهي طاعة الله تعالى، ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم ولهذا قال تعالى بعد النهي عن الغيبة واحتقار بعض الناس بعضاً، منبهاً على تساويهم في البشرية: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَـٰرَفُوۤاْ} أي ليحصل التعارف بينهم، كل يرجع إلى قبيلته، وقال مجاهد في قوله عز وجل: {لِتَعَـٰرَفُوۤاْ} كما يقال: فلان بن فلان من كذا وكذا، أي قبيلة كذا وكذا، وقال سفيان الثوري: كانت حمير ينتسبون إلى مخاليفها، وكانت عرب الحجاز ينتسبون إلى قبائلها، وقد قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا أحمد بن محمد، حدثنا عبد الله ابن المبارك عن عبد الملك بن عيسى الثقفي، عن يزيد مولى المنبعث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في الأثر» تفسير : ثم قال: غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَـٰكُمْ} أي إنما تتفاضلون عند الله تعالى بالتقوى لا بالأحساب، وقد وردت الأحاديث بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال البخاري: حدثنا محمد بن سلام، حدثنا عبدة عن عبيد الله عن سعيد بن أبي سعيد رضي الله عنه عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أكرم؟ قال: «حديث : أكرمهم عند الله أتقاهم» تفسير : قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: «حديث : فأكرم الناس يوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله» تفسير : قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: «حديث : فعن معادن العرب تسألوني»تفسير : ؟ قالوا: نعم. قال: «حديث : فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا» تفسير : وقد رواه البخاري في غير موضع من طرق عن عبدة بن سليمان، ورواه النسائي في التفسير من حديث عبيد الله، وهو ابن عمر العمري به. [حديث آخر] قال مسلم رحمه الله: حدثنا عمرو الناقد، حدثنا كثير بن هشام، حدثنا جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» تفسير : ورواه ابن ماجه عن أحمد بن سنان عن كثير بن هشام به. [حديث آخر] وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن أبي هلال عن بكر عن أبي ذر رضي الله عنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «حديث : انظر، فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود، إلا أن تفضله بتقوى الله» تفسير : تفرد به أحمد رحمه الله. [حديث آخر] وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو عبيدة عبد الوارث بن إبراهيم العسكري، حدثنا عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة، حدثنا عبيد بن حنين الطائي، سمعت محمد بن حبيب بن خراش العصري يحدث عن أبيه رضي الله عنه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : المسلمون إخوة، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى»تفسير : [حديث آخر] قال أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا أحمد بن يحيى الكوفي، حدثنا الحسن بن الحسين، حدثنا قيس، يعني: ابن الربيع، عن شبيب بن غرقدة، عن المستظل بن حصين عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كلكم بنو آدم، وآدم خلق من تراب، ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله تعالى من الجعلان»تفسير : . ثم قال: لا نعرفه عن حذيفة إلا من هذا الوجه. [حديث آخر] قال ابن أبي حاتم: حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا يحيى بن زكريا القطان، حدثنا موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة على ناقته القصواء يستلم الأركان بمحجن في يده، فما وجد لها مناخاً في المسجد حتى نزل صلى الله عليه وسلم على أيدي الرجال، فخرج بها إلى بطن المسيل فأنيخت، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبهم على راحلته فحمد الله تعالى وأثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال: «حديث : يا أيها الناس إن الله تعالى قد أذهب عنكم عبِّيَّةَ الجاهلية وتعظمها بآبائها، فالناس رجلان: رجل برّ تقي كريم على الله تعالى، ورجل فاجر شقي هين على الله تعالى، إن الله عز وجل يقول: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَـٰرَفُوۤاْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَـٰكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} - ثم قال صلى الله عليه وسلم -: أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم» تفسير : هكذا رواه عبد بن حميد عن أبي عاصم الضحاك عن مخلد عن موسى بن عبيدة به. [حديث آخر] قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن علي بن رباح، عن عقبة بن عامر رضي الله عنهما قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أنسابكم هذه ليست بمسبة على أحد، كلكم بنو آدم، طف الصاع لم يملؤوه، ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين وتقوى، وكفى بالرجل أن يكون بذياً بخيلاً فاحشاً»تفسير : . وقد رواه ابن جرير عن يونس عن ابن وهب عن ابن لهيعة به ولفظه: «حديث : الناس لآدم وحواء، طف الصاع لم يملؤوه، إن الله لا يسألكم عن أحسابكم ولا عن أنسابكم يوم القيامة، إن أكرمكم عند الله أتقاكم»تفسير : . وليس هو في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه. [حديث آخر] قال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا شريك عن سماك عن عبد الله بن عميرة زوج درة بنت أبي لهب، عن درة بنت أبي لهب رضي الله عنها قالت: قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر فقال: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : خير الناس أقرؤهم وأتقاهم لله عز وجل، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم»تفسير : [حديث آخر] قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو الأسود عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما أعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء من الدنيا ولا أعجبه أحد قط إلا ذو تقى، تفرد به أحمد. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ} أي عليم بكم، خبير بأموركم، فيهدي من يشاء ويضل من يشاء، ويرحم من يشاء ويعذب من يشاء، ويفضل من يشاء على من يشاء، وهو الحكيم العليم الخبير في ذلك كله، وقد استدل بهذه الآية الكريمة وهذه الأحاديث الشريفة من ذهب من العلماء إلى أن الكفاءة في النكاح لا تشترط، ولا يشترط سوى الدين؛ لقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَـٰكُمْ} وذهب الآخرون إلى أدلة مذكورة في كتب الفقه، وقد ذكرنا طرفاً من ذلك في (كتاب الأحكام) ولله الحمد والمنة. وقد روى الطبراني عن عبد الرحمن أنه سمع رجلاً من بني هاشم يقول: أنا أولى الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال غيره: أنا أولى به منك ولي منه نسبة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يَٱأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَٰكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ } آدم وحوّاء {وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوباً } جمع شعب بفتح الشين هو أعلى طبقات النسب {وَقَبَآئِلَ } هي دون الشعوب وبعدها العمائر ثم البطون ثم الأفخاذ ثم الفصائل آخرها مثاله خزيمة: شعب، كنانة قبيلة. قريش عِمارة بكسر العين قصيّ:بطن، هاشم فخذ. العباس فصيلة {لِتَعَارَفُواْ } حذف منه إحدى التاءين ليعرف بعضكم بعضا لا لتفاخروا بعلوّ النسب، وإنما الفخر بالتقوى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَٰكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ } بكم {خَبِيرٌ } ببواطنكم.

الشوكاني

تفسير : قوله: {يأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ } هما آدم وحوّاء، والمقصود أنهم متساوون؛ لاتصالهم بنسب واحد، وكونه يجمعهم أب واحد وأمّ واحدة، وأنه لا موضع للتفاخر بينهم بالأنساب، وقيل المعنى: أن كل واحد منكم من أب وأمّ، فالكل سواء {وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ } الشعوب: جمع شعب بفتح الشين، وهو الحيّ العظيم، مثل: مضر، وربيعة، والقبائل دونها كبني بكر من ربيعة، وبني تميم من مضر. قال الواحدي: هذا قول جماعة من المفسرين، سموا شعباً، لتشعبهم واجتماعهم كشعب أغصان الشجرة، والشعب من أسماء الأضداد، يقال شعبته: إذا جمعته، وشعبته: إذا فرّقته، ومنه سميت المنية شعوباً لأنها مفرّقة، فأما الشعب بالكسر: فهو الطريق في الجبل. قال الجوهري: الشعب ما تشعب من قبائل العرب والعجم، والجمع الشعوب. وقال مجاهد: الشعوب البعيد من النسب، والقبائل دون ذلك. وقال قتادة: الشعوب: النسب الأقرب. وقيل: إن الشعوب: عرب اليمن من قحطان، والقبائل من ربيعة، ومضر، وسائر عدنان. وقيل: الشعوب: بطون العجم، والقبائل: بطون العرب. وحكى أبو عبيد أن الشعب أكثر من القبيلة، ثم القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة، ثم العشيرة. ومما يؤيد ما قاله الجمهور من أن الشعب أكثر من القبيلة قول الشاعر:شعر : قبائل من شعوب ليس فيهم كريم قد يعدّ ولا نجيب تفسير : قرأ الجمهور {لتعارفوا} بتخفيف التاء، وأصله: لتتعارفوا، فحذفت إحدى التاءين. وقرأ البزّي بتشديدها على الإدغام. وقرأ الأعمش بتاءين واللام متعلقة بخلقناكم، أي: خلقناكم كذلك ليعرف بعضكم بعضاً. وقرأ ابن عباس (لتعرفوا) مضارع عرف. والفائدة في التعارف أن ينتسب كل واحد منهم إلى نسبه، ولا يعتري إلى غيره. والمقصود من هذا أن الله سبحانه خلقهم كذلك؛ لهذه الفائدة لا للتفاخر بأنسابهم، ودعوى أن هذا الشعب أفضل من هذا الشعب، وهذه القبيلة أكرم من هذه القبيلة، وهذا البطن أشرف من هذا البطن. ثم علل سبحانه ما يدل عليه الكلام من النهي عن التفاخر، فقال: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَـٰكُمْ } أي: إن التفاضل بينكم إنما هو بالتقوى، فمن تلبس بها فهو المستحق؛ لأن يكون أكرم ممن لم يتلبس بها، وأشرف وأفضل، فدعوا ما أنتم فيه من التفاخر بالأنساب، فإن ذلك لا يوجب كرماً، ولا يثبت شرفاً، ولا يقتضي فضلاً. قرأ الجمهور {إن أكرمكم} بكسر إن. وقرأ ابن عباس بفتحها، أي: لأن أكرمكم {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ } بكل معلوم، ومن ذلك أعمالكم {خَبِيرٌ } بما تسرّون وما تعلنون لا تخفى عليه من ذلك خافية. ولما ذكر سبحانه أن أكرم الناس عند الله أتقاهم له، وكان أصل التقوى الإيمان ذكر ما كانت تقوله العرب من دعوى الإيمان؛ ليثبت لهم الشرف والفضل، فقال: {قَالَتِ ٱلاْعْرَابُ ءامَنَّا } وهم بنو أسد أظهروا الإسلام في سنة مجدبة يريدون الصدقة، فأمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يردّ عليهم، فقال: {قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ } أي: لم تصدقوا تصديقاً صحيحاً عن اعتقاد قلب، وخلوص نية، وطمأنينة {وَلَـٰكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا } أي: استسلمنا خوف القتل والسبي، أو للطمع في الصدقة، وهذه صفة المنافقين؛ لأنهم أسلموا في ظاهر الأمر، ولم تؤمن قلوبهم، ولهذا قال سبحانه: {وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ } أي: لم يكن ما أظهرتموه بألسنتكم عن مواطأة قلوبكم، بل مجرد قول باللسان من دون اعتقاد صحيح، ولا نية خالصة، والجملة إما مستأنفة لتقرير ما قبلها، أو في محل نصب على الحال، وفي «لمّا» معنى التوقع. قال الزجاج: الإسلام: إظهار الخضوع، وقبول ما أتى به النبيّ، وبذلك يحقن الدم، فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقاد وتصديق بالقلب، فذلك الإيمان وصاحبه المؤمن. وقد أخرج هؤلاء من الإيمان بقوله: {وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ } أي: لم تصدّقوا، وإنما أسلمتم تعوّذاً من القتل {وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } طاعة صحيحة صادرة عن نيات خالصة، وقلوب مصدقة غير منافقة {لاَ يَلِتْكُمْ مّنْ أَعْمَـٰلِكُمْ شَيْئاً } يقال لات يلت: إذا نقص، ولاته يليته ويلوته: إذا نقصه، والمعنى: لا ينقصكم من أعمالكم شيئًا. قرأ الجمهور: {يلتكم} من لاته يليته كباع يبيعه. وقرأ أبو عمرو (لا يألتكم) بالهمز من ألته يألته بالفتح في الماضي، والكسر في المضارع، واختار قراءة أبي عمرو، أبو حاتم لقوله: {أية : وَمَا أَلَتْنَـٰهُمْ مّنْ عَمَلِهِم مّن شَىْء } تفسير : [الطور: 21] وعليها قول الشاعر:شعر : أبلغ بني أسد عني مغلغلة جهر الرسالة لا ألتا ولا كذبا تفسير : واختار أبو عبيدة قراءة الجمهور، وعليها قول رؤبة بن العجاج: شعر : وليلة ذات ندى سريت ولم يلتني عن سراها ليت تفسير : وهما لغتان فصيحتان {إنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } أي: بليغ المغفرة؛ لمن فرط منه ذنب {رَّحِيمٌ } بليغ الرحمة لهم. ثم لما ذكر سبحانه أن أولئك الذين قالوا آمنا لم يؤمنوا، ولا دخل الإيمان في قلوبهم، بيّن المؤمنين المستحقين لإطلاق اسم الإيمان عليهم، فقال: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } يعني: إيماناً صحيحاً خالصاً عن مواطأة القلب واللسان {ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ } أي: لم يدخل قلوبهم شيء من الريب، ولا خالطهم شكّ من الشكوك {وَجَـٰهَدُواْ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي: في طاعته وابتغاء مرضاته، ويدخل في الجهاد الأعمال الصالحة التي أمر الله بها، فإنها من جملة ما يجاهد المرء به نفسه حتى يقوم به ويؤدّيه، كما أمر الله سبحانه، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى الجامعين بين الأمور المذكورة، وهو مبتدأ، وخبره قوله: {هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ } أي: الصادقون في الاتصاف بصفة الإيمان، والدخول في عداد أهله، لا من عداهم ممن أظهر الإسلام بلسانه، وادّعى أنه مؤمن، ولم يطمئن بالإيمان قلبه، ولا وصل إليه معناه، ولا عمل بأعمال أهله، وهم الأعراب الذين تقدّم ذكرهم، وسائر أهل النفاق. ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يقول لأولئك الأعراب وأمثالهم قولاً آخر لما ادّعوا أنهم مؤمنون، فقال: {قُلْ أَتُعَلّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ } التعليم ها هنا بمعنى الإعلام، ولهذا دخلت الباء في بدينكم، أي: أتخبرونه بذلك حيث قلتم آمنا {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأرْضِ } فكيف يخفى عليه بطلان ما تدّعونه من الإيمان، والجملة في محل النصب على الحال من مفعول تعلمون {وَٱللَّهُ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } لا تخفى عليه من ذلك خافية، وقد علم ما تبطنونه من الكفر، وتظهرونه من الإسلام؛ لخوف الضرّاء ورجاء النفع. ثم أخبر الله سبحانه رسوله بما يقوله لهم عند المنّ عليه منهم بما يدّعونه من الإسلام فقال: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ } أي: يعدّون إسلامهم منّة عليك حيث قالوا: جئناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان {قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَىَّ إِسْلَـٰمَكُمْ } أي: لا تعدّوه منّة عليّ، فإن الإسلام هو المنّة التي لا يطلب موليها ثواباً لمن أنعم بها عليه، ولهذا قال: {بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإيمَـٰنِ } أي: أرشدكم إليه، وأراكم طريقه سواءً وصلتم إلى المطلوب أم لم تصلوا إليه، وانتصاب {إسلامكم} إما على أنه مفعول به على تضمين يمنّون معنى يعدّون، أو بنزع الخافض، أي: لأن أسلموا، وهكذا قوله: {أَنْ هَداكُمْ لِلإيمَـٰنِ } فإنه يحتمل الوجهين {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } فيما تدّعونه، والجواب محذوف يدلّ عليه ما قبله، أي: إن كنتم صادقين، فللّه المنّة عليكم. قرأ الجمهور {أن هداكم} بفتح "أن"، وقرأ عاصم بكسرها. {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضِ} أي: ما غاب فيهما {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } لا يخفى عليه من ذلك شيء، فهو مجازيكم بالخير خيراً، وبالشرّ شرًّا. قرأ الجمهور: {تعملون} على الخطاب، وقرأ ابن كثير على الغيبة. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل عن ابن أبي مليكة قال: لما كان يوم الفتح رقى بلال فأذن على الكعبة، فقال بعض الناس: أهذا العبد الأسود يؤذن على ظهر الكعبة. وقال بعضهم: إن يسخط الله هذا يغيره، فنزلت: {يأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ }. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج نحوه. وأخرج أبو داود في مراسيله، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن الزهري قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بني بياضة أن يزوّجوا أبا هند امرأة منهم، فقالوا: يا رسول الله، أنزوّج بناتنا موالينا؟ فنزلت هذه الآية. وأخرج ابن مردويه عن عمر بن الخطاب أن هذه الآية: {يأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ } هي مكية، وهي للعرب خاصة الموالي، أي: قبيلة لهم، وأي شعاب، وقوله: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَـٰكُمْ } فقال: أتقاكم للشرك. وأخرج البخاري، وابن جرير عن ابن عباس قال: الشعوب: القبائل العظام، والقبائل: البطون. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن أبي حاتم عنه قال: القبائل: الأفخاذ، والشعوب: الجمهور مثل مضر. وأخرج البخاري، وغيره عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيّ الناس أكرم؟ قال:«حديث : أكرمهم عند الله أتقاهم»تفسير : . قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال:«حديث : فأكرم الناس يوسف نبيّ الله ابن نبيّ الله ابن نبيّ الله ابن خليل الله»تفسير : . قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال:«حديث : فعن معادن العرب تسألوني»تفسير : ؟ قالوا: نعم، قال: «حديث : خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا»تفسير : . وقد وردت أحاديث في الصحيح، وغيره أن التقوى هي التي يتفاضل بها العباد. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {قَالَتِ ٱلأعْرَابُ ءامَنَّا} قال: أعراب بني أسد، وخزيمة، وفي قوله: {وَلَـٰكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا } مخافة القتل والسبي. وأخرج ابن جرير عن قتادة أنها نزلت في بني أسد. وأخرج ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه قال السيوطي: بسند حسن عن عبد الله بن أبي أوفى: أن ناساً من العرب قالوا: يا رسول الله، أسلمنا ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، فأنزل الله: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ }. وأخرج النسائي، والبزار، وابن مردويه عن ابن عباس نحوه، وذكر أنهم بنو أسد.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى} قصد بهذه الآية. النهي عن التفاخر بالأنساب، وبين التساوي فيها بأن خلقهم من ذكر وأنثى يعني آدم وحواء. ثم قال: {وَجَعَلْنَاكُم شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَرَفُواْ} فبين أن الشعوب والقبائل للتعارف لا للافتخار، وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: أن الشعوب النسب الأبعد والقبائل النسب الأقرب، قاله مجاهد، وقتادة. وقال الشاعر: شعر : قبائل من شعوب ليس فيهم كريم قد يعد ولا نجيب تفسير : وسموا شعوباً لأن القبائل تشعبت منها. الثاني: أن الشعوب عرب اليمن من قحطان، والقبيلة ربيعة ومضر وسائر عدنان. الثالث: أن الشعوب بطون العجم، والقبائل بطون العرب. ويحتمل رابعاً: أن الشعوب هم المضافون إلى النواحي والشعاب، والقبائل هم المشتركون في الأنساب، قال الشاعر: شعر : وتفرقوا شعباً فكل جزيرة فيها أمير المؤمنين ومنبر تفسير : والشعوب جمع شَعب بفتح الشين، والشِّعب بكسر الشين هو الطريق وجمعه شعاب، فكان اختلاف الجمعين مع اتفاق اللفظين تنبيهاً على اختلاف المعنيين. {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُم} إن أفضلكم، والكرم بالعمل والتقوى لا بالنسب.

ابن عطية

تفسير : قوله تعالى: {من ذكر وأنثى} يحتمل أن يريد آدم وحواء. فكأنه قال: إنا خلقنا جميعكم من آدم وحواء. ويحتمل أن يريد الذكر والأنثى اسم الجنس. فكأنه قال: إنا خلقنا كل واحد منكم من ماء ذكر وما أنثى. وقصد هذه الآية التسوية بين الناس. ثم قال تعالى: {وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا} أي لئلا تفاخروا ويريد بعضكم أن يكون أكرم من بعض. فإن الطريق إلى الكرم غير هذا: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} وروى بو بكرة:حديث : قيل يا رسول الله: من خير الناس؟ قال: "من طال عمره وحسن عمله".تفسير : وفي حديث آخرحديث : من خير الناس؟ قال: آمرهم بالمعروف. وأنهاهم عن المنكر." وأوصلهم للرحم وأتقاهم"تفسير : . وحكى الزهراوي أن سبب هذه الآية غضب الحارث بن هشام وعتاب بن أسيد حين أذن بلال يوم فتح مكة على الكعبة، وحكى الثعلبي عن ابن عباس أن سببها قول ثابت بن قيس لرجل لم يفسح عند النبي صلى الله عليه وسلم: يا ابن فلانة، فوبخه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له: "حديث : إنك لا تفضل أحداً إلا في الدين والتقوى"، تفسير : فنزلت هذه الآية ونزل الأمر بالتفسح في ذلك أيضاً، والشعوب: جمع شعب وهو أعظم ما يوجد من جماعات الناس مرتبطاً بنسب واحد، ويتلوه القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الأسرة والفصيلة: وهما قرابة الرجل الأدنون فمضر وربيعة وحمير شعوب، وقيس وتميم ومذحج ومراد، قبائل مشبهة بقبائل الرأس، "لأنها قطع تقابلت" وقريش ومحارب وسليم عمارات، وبنو قصي وبنو مخزوم بطون، وبنو هاشم وبنو أمية أفخاذ، وبنو عبد المطلب أسرة وفصيلة، وقال ابن جبير: الشعوب: الأفخاذ. وروي عن ابن عباس الشعوب: البطون، وهذا غير ما تمالأ عليه اللغويون. قال الثعلبي، وقيل: الشعوب في العجم والقبائل في العرب، والأسباط في بني إسرائيل. وأما الشعب الذي هو في همدان الذي ينسب إليه الشعبي فهو بطن يقال له الشعب. قال القاضي أبو محمد: وقيل للأمم التي ليست بعرب: شعوبية، نسبة إلى الشعوب، وذلك أن تفصيل أنسابها خفي فلم يعرف أحد منهم إلا بأن يقال: فارسي تركي رومي زناتي. فعرفوا بشعوبهم وهي أعم ما يعبر به عن جماعتهم، ويقال لهم الشعوبية بفتح الشين، وهذا من تغيير النسب، وقد قيل فيهم غير ما ذكرت، وهذا أولى عندي. وقرأ الأعمش: "لتتعارفوا" وقرأ عبد الله بن عباس: "لتعرفوا أن"، على وزن تفعِلوا بكسر العين وفتح الألف من "أن"، وبإعمال "لتعرفوا" فيها، ويحتمل على هذه القراءة أن تكون اللام في قوله: "لتعرفوا" لام كي، ويضطرب معنى الآية مع ذلك، ويحتمل أن تكون لام الأمر، وهو أجود في المعنى، ويحتمل أن يكون المفعول محذوفاً تقديره: الحق، وإذا كانت لام كي فكأنه قال: يا أيها الناس أنتم سواء من حيث أنتم مخلوقون لأن تتعارفوا ولأن تعرفوا الحقائق، وأما الشرف والكرم فهو بتقوى الله تعالى وسلامة القلوب. وقرأ ابن مسعود: "لتعارفوا بينكم وخيركم عند الله أتقاكم". وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من سره أن يكون أكرم الناس، فليتق الله". تفسير : ثم نبه تعالى على الحذر بقوله: {إن الله عليم خبير} أي بالمتقي الذي يستحق رتبة الكرم في الإيمان، أي لم تصدقوا بقلوبكم {ولكن قولوا أسلمنا}. والإسلام يقال بمعنيين، أحدهما: الدين يعم الإيمان والأعمال، وهو الذي في قوله: {أية : إن الدين عند الله الإسلام} تفسير : [آل عمران: 19] والذي في قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بني الإسلام على خمس" تفسير : والذي في تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل حين قال له: ما الإسلام؟ قال: بأن تعبد الله وحده ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان، والذي في قوله لسعد بن أبي وقاص: "حديث : أو مسلماً، إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليَّ منه" تفسير : الحديث، فهذا الإسلام ليس هو في قوله: {ولكن قولوا أسلمنا} والمعنى الثاني للفظ الإسلام: هو الاستسلام والإظهار الذي يستعصم به ويحقن الدم، وهذا هو الإسلام في قوله: {ولكن قولوا أسلمنا}، و {الإيمان} الذي هو التصديق أخص من الأول وأعم بوجه، ثم صرح لهم بأن {الإيمان} لم يدخل قلوبهم ثم فتح لهم باب التوبة بقوله: {وإن تطيعوا الله} الآية، وطاعة الله ورسوله في ضمنها الإيمان والأعمال. وقرأ جمهور القراء: "لا يلتكم" من لات يليت إذا نقص، يقال: لاته حقه إذا نقصه منه، ولت السلطان إذا لم يصدقه فيما سأل عنه. وقرأ أبو عمرو والأعرج والحسن وعمرو: "لا يألتكم" من ألت يألت وهو بمعنى: لات، وكذلك يقال: ألتِ بكسر اللام يألت، ويقال أيضاً في معنى لات، ألت يولت ولم يقرأ بهذه اللغة وباقي الآية ترجية.

ابن عبد السلام

تفسير : {مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى} نهى عن التفاخر بالأحساب {شُعُوباً} النسب الأبعد والقبائل النسب الأقرب لأنها تشعبت من الشعوب، أو الشعوب عرب اليمن من قحطان والقبائل ربيعة ومضر وسائر عدنان، أو الشعوب بطون العجم والقبائل بطون العرب {لِتَعَارَفُواْ} لا لتفتخروا، وواحد الشعوب شَعب بالفتح والشِعب الطريق جمعه شِعاب.

النسفي

تفسير : {يأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ } من آدم وحواء أو كل واحد منكم من أب وأم فما منكم من أحد إلا وهو يدلي بمثل ما يدلي به الآخر سواء بسواء فلا معنى للتفاخر والتفاضل في النسب {وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ } الشعب الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب وهي: الشعب والقبيلة والعمارة والبطن والفخذ والفصيلة. فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، والفخذ تجمع الفصائل، خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة، وسميت الشعوب لأن القبائل تشعبت منها {لِتَعَـٰرَفُواْ } أي إنما رتبكم على شعوب وقبائل ليعرف بعضكم نسب بعض فلا يعتزى إلى غير آبائه، لا أن تتفاخروا بالآباء والأجداد وتدعوا التفاضل في الأنساب. ثم بين الخصلة التي يفضل بها الإنسان غيره ويكتسب الشرف والكرم عند الله فقال {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَـٰكُمْ } في الحديث: «حديث : من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله»تفسير : وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كرم الدنيا الغنى وكرم الآخرة التقوى. ورُوي أنه صلى الله عليه وسلم طاف يوم فتح مكة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:«حديث : الحمد لله الذي أذهب عنكم عِبُية الجاهلية وتكبرها. يا أيها الناس إنما الناس رجلان: مؤمن تقي كريم على الله وفاجر وشقي هين على الله»تفسير : ثم قرأ الآية. وعن يزيد بن شجرة مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في سوق المدينة فرأى غلاما أسود يقول: من اشتراني فعلى شرط أن لا يمنعني من الصلوات الخمس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاشتراه بعضهم فمرض فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم توفي فحضر دفنه فقالوا في ذلك شيئاً فنزلت {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ } كرم القلوب وتقواها {خَبِيرٌ } بهمّ النفوس في هواها. {قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ } أي بعض الأعراب لأن من الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر وهم أعراب بني أسد قدموا المدينة في سنة جدبة فاظهروا الشهادة يريدون الصدقة ويمنون عليه {ءَامَنَّا } أي ظاهراً وباطناً {قُلْ } لهم يا محمد {لَّمْ تُؤْمِنُواْ } لم تصدقوا بقلوبكم {وَلَـٰكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا } فالإيمان هو التصديق، والإسلام الدخول في السلم والخروج من أن يكون حرباً للمؤمنين بإظهار الشهادتين، ألا ترى إلى قوله {وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ } فاعلم أن ما يكون من الإقرار باللسان من غير مواطأة القلب فهو إسلام، وما واطأ فيه القلب اللسان فهو إيمان، وهذا من حيث اللغة. وأما في الشرع فالإيمان والإسلام واحد لما عرف، وفي {لَّمّاً } معنى التوقع وهو دال على أن بعض هؤلاء قد آمنوا فيما بعد. والآية تنقض على الكرامية مذهبهم أن الإيمان لا يكون بالقلب ولكنَّ باللسان، فإن قلت: مقتضى نظم الكلام أن يقال: قل لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا، أو قل لم تؤمنوا ولكن أسلمتم. قلت: أفاد هذا النظم تكذيب دعواهم أولاً فقيل {قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ } مع أدب حسن فلم يقل كذبتم تصريحاً ووضع {لَّمْ تُؤْمِنُواْ } الذي هو نفي ما ادعوا إثباته موضعه واستغنى بقوله {لَّمْ تُؤْمِنُواْ } عن أن يقال لا تقولوا آمنا لاستهجان أن يخاطبوا بلفظ مؤداه النهي عن القول بالإيمان، ولم يقل ولكن أسلمتم ليكون خارجاً مخرج الزعم والدعوى كما كان قولهم آمنا كذلك. ولو قيل ولكن أسلمتم لكان كالتسليم والاعتداد بقولهم وهو غير معتد به. وليس قوله {وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ } تكريراً لمعنى قوله {لَّمْ تُؤْمِنُواْ } فإن فائدة قوله {لَّمْ تُؤْمِنُواْ } تكذيب لدعواهم وقوله {وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ } توقيب لما أمروا به أن يقولوه كأن قيل لهم: ولكن قولوا أسلمنا حين لم تثبت مواطأة قلوبكم لألسنتكم لأنه كلام واقع موقع الحال من الضمير في {قُولُواْ }. {وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } في السر بترك النفاق {لاَ يَلِتْكُمْ } {لا يألتكم}: بصري {مِّنْ أَعْمَـٰلِكُمْ شَيْئاً } أي لا ينقصكم من ثواب حسناتكم شيئاً. ألت يألت وألات يليت ولات يليت بمعنى وهو النقص {أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } بستر الذنوب {رَّحِيمٌ } بهدايتهم للتوبة عن العيوب. ثم وصف المؤمنين المخلصين فقال {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ } ارتاب مطاوع رابه إذا أوقعه في الشك مع التهمة، والمعنى أنهم آمنوا ثم لم يقع في نفوسهم شك فيما آمنوا به ولا اتهام لما صدقوه. ولما كان الإيقان وزوال الريب ملاك الإيمان أفرد بالذكر بعد تقدم الإيمان تنبيهاً على مكانه، وعطف على الإيمان بكلمة التراخي إشعاراً باستقراره في الأزمنة المتراخية المتطاولة غضاً جديداً {وَجَـٰهَدُواْ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } يجوز أن يكون المجاهد منوياً وهو العدو المحارب أو الشيطان أو الهوى، وأن يكون جاهد مبالغة في جهد، ويجوز أن يراد بالمجاهدة بالنفس الغزو وأن يتناول العبادات بأجمعها وبالمجاهدة بالمال نحو صنيع عثمان في جيش العسرة، وأن يتناول الزكاة وكل ما يتعلق بالمال من أعمال البر. وخبر المبتدأ الذي هو {ٱلْمُؤْمِنُونَ } {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ } أي الذين صدقوا في قولهم آمنا ولم يكذبوا كما كذب أعراب بني أسد أو هم الذين إيمانهم إيمان صدق وحق. وقوله {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} صفة لهم. ولما نزلت هذه الآية جاءوا وحلفوا أنهم مخلصون فنزل {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ } أي أتخبرونه بتصديق قلوبكم {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ } من النفاق والإخلاص وغير ذلك {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ } أي بأن {أَسْلَمُواْ } يعني بإسلامهم. والمن ذكر الأيادي تعريضاً للشكر {قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَىَّ إِسْلَـٰمَكُمْ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ } أي المنة لله عليكم {أَنْ هَداكُمْ } بأن هداكم أو لأن {لِلإِيمَـٰنِ إِنُ كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } إن صح زعمكم وصدقت دعواكم إلا أنكم تزعمون وتدعون ما الله عليم بخلافه، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه تقديره إن كنتم صادقين في ادعائكم الإيمان بالله فلله المنة عليكم وقرىء {إِنْ هَداكُمْ } {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } وبالياء: مكي. وهذا بيان لكونهم غير صادقين في دعواهم يعني أنه تعالى يعلم كل مستتر في العالم ويبصر كل عمل تعملونه في سركم وعلانيتكم لا يخفي عليه منه شيء فكيف يخفي عليه ما في ضمائركم وهو علام الغيوب؟

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} قال ابن عباس: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس. وقوله في الرجل الذي لم يفسح له ابن فلانة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من الذاكر فلانة؟ قال ثابت: أنا رسول الله قال انظر في وجوه القوم فنظر فقال ما رأيت يا ثابت؟ قال رأيت أبيض وأحمر وأسود قال فإنك لا تفضلهم إلا بالدين والتقوى فنزلت في ثابت هذه الآية ونزل في الذي لم يفسح له {أية : يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا}تفسير : [المجادلة: 11] الآية. وقيل: لما كان يوم فتح مكة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً حتى علا على ظهر الكعبة وأذن فقال عتاب بن أسيد الحمد لله الذي قبض أبي ولم ير هذا اليوم وقال الحارث بن هشام أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذناً وقال سهيل بن عمرو إن يكره الله شيئاً يغيره. وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئاً أخاف أن يخبره رب السماء فنزل جبريل فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قالوا وسألهم عما قالوا فأقروا فأنزل الله هذه الآية وزجرهم عن التفاخر بالأنساب والتكاثر بالأموال والإزراء بالفقراء فقال {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} يعني آدم وحواء. والمعنى: إنكم متساوون في النسب فلا تفاخر لبعض على بعض لكونكم أبناء رجل واحد وامرأة واحدة. وقيل: يحتمل أن يكون المعنى إنا خلقنا كل واحد منكم أيها الموجودون من أب وأم فإن كل واحد منكم خلق كما خلق الآخر سواء فلا وجه للتفاخر والتفاضل في النسب {وجعلناكم شعوباً} جمع شعب بفتح الشين وهي رؤوس القبائل مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج سموا شعوباً لتشعب القبائل منهم وقيل لتجمعهم {وقبائل} جمع قبيلة وهي دون الشعوب كبكر من ربيعة وتميم من مضر ودون القبائل العمائر واحدتها عمارة بفتح العين وهم كشيبان من بكر ودارم من تميم ودون العمائر البطون واحدتها بطن وهم كبني غالب ولؤي من قريش ودون البطون الأفخاذ واحدتها فخذ وهم كبني هاشم وبني أمية من لؤي ودون الأفخاذ الفصائل واحدتها فصيلة بالصاد المهملة كبني العباس من بني هاشم ثم بعد ذلك العشائر واحدتها عشيرة وليس بعد العشيرة شيء يوصف. وقيل: الشعوب للعجم، والقبائل: للعرب، والأسباط: من بني إسرائيل. وقيل: الشعوب الذين لا ينسبون إلى أحد بل ينسبون إلى المدائن والقرى والقبائل الذين ينتسبون إلى آبائهم. {لتعارفوا} أي ليعرف بعضكم بعضاً في قرب النسب وبعده لا للتفاخر بالأنساب ثم بين الخصلة التي بها يفضل الإنسان على غيره ويكتسب بها الشرف عند الله تعالى فقال: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} قيل: أكرم الكرم التقوى، وألأم اللؤم الفجور. وقال ابن عباس: كرم الدنيا الغنى وكرم الآخرة التقوى. عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الحسب المال والكرم التقوى"تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب (ق). عن أبي هريرة قال: "حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أكرم؟ قال أكرمهم عند الله أتقاهم قالوا ليس عن هذا نسألك قال فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله قالوا ليس عن هذا نسألك قال فعن معادن العرب تسألون؟ قالوا نعم قال فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا"تفسير : فقهوا بضم القاف على المشهور وحكي كسرها ومعناه إذا تعلموا أحكام الشرع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف يوم الفتح على راحلته يستلم الأركان بمحجنه فلما خرج لم يجد مناخاً فنزل على أيدي الرجال ثم قام فخطبهم فحمد الله وأثنى عليه وقال: حديث : الحمد لله الذي أذهب عنكم غيبة الجاهلية وتكبرها يا أيها الناس إن الناس رجلان بر تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله ثم تلا يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ثم قال أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم" تفسير : والمحجن عصا محنية الرأس كصولجان وقوله غبية الجاهلية يعني كبرها وفخرها {إن الله عليم} أي بظواهركم ويعلم أنسابكم {خبير} أي ببواطنكم لا تخفى عليه أسراركم فاجعلوا التقوى زادكم إلى معادكم قيل: التقي هو العالم بالله المواظب على الوقوف ببابه المتقرب إلى جنابه. وقيل: حد التقوى أن يجتنب العبد المناهي ويأتي بالأوامر والفضائل ولا يغتر ولا يأمن فإن اتفق أن يرتكب منهياً لا يأمن ولا يتكل بل يتبعه بحسنة ويظهر عليه توبة وندامة ومن ارتكب منهياً ولم يتب في الحال واتكل على المهلة وغره طول الأمل فليس بمتق لأن المتقي لم يترك ما أمر به ويترك ما نهي عنه وهو مع ذلك خاش لله خائف منه لا يشتغل بغير الله تعالى فإن التفت لحظة إلى نفسه وأهله وولده جعل ذلك ذنباً واستغفر منه وجدد له توبة جعلنا الله وإياكم من المتقين.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {يأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ...} الآية: المعنى: يأيها الناس، أَنتم سواء من حيثُ أنتم مخلوقون، وإنَّما جعلتم قبائل؛ لأَنْ تتعارفوا، أوْ لأَنْ تعرفوا الحَقَائِقَ، وَأَمَّا الشرفُ والكرمُ فهو بتقوى اللَّه تعالى وسلامة القلوب، وقرأ ابن مسعود: «لِتَعَارَفُوا بَيْنَكُمْ وَخَيْرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» وقرأ ابن عباس: «لِتَعْرِفُوا أَنَّ» عَلَى وزن «تَفْعَلُوا» ـــ بكسر العين وبفتح الهمزة ـــ من «أَنَّ»، وَرُوِيَ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَكْرَمَ النَّاسِ، فَلْيَتَّقِ اللَّه»تفسير : وأَمَّا الشعوب فهو جمع شَعْبٍ، وهو أعظم ما يوجد من جماعات الناس مرتبطاً بنسب واحد؛ كمُضَرٍ ورَبِيعَةَ وحِمْيَرَ، ويتلوه القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة، والأسرة وهما قرابة الرجل الأَدْنَوْنَ، ثم نَبَّهَ سبحانه على الحذر بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ} أي: بالمتقي الذي يستحق رُتْبَةَ الكرم، وَخرَّج مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: «حديث : إنَّ اللَّهَ أَوْحَىٰ إلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا؛ حَتَّى لاَ يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَىٰ أَحَدٍ وَلاَ يَبْغِي أَحَدٌ عَلَىٰ أَحَدٍ»تفسير : وروى أبو داودَ والتِّرْمِذِيُّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: «حديث : لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمْ، إنَّما هُمْ فَحْمٌ مِنْ جَهَنَّمَ ـــ أوْ لَيَكُونُنَّ عَلَى اللَّهِ أَهْوَنَ مِنَ الجُعَلِ الَّذِي يُدَهْدِهُ الخُرَاءَ بِأَنْفِهِ، إنَّ اللَّهَ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا؛ إنَّما هُوَ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، أوْ فَاجِرٌ شَقِيٌّ، كُلُّكُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ»تفسير : انتهى، ونقله البغويُّ في «مصابيحه». وقوله تعالى: {قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ ءَامَنَّا} قال مجاهد: نزلت في بني أسد، وهي قبيلة كانت تجاور المدينة، أظهروا الإسلام، وفي الباطن إنَّما يريدون المغانمَ وَعَرَضَ الدنيا، ثم أمر اللَّه تعالى نَبِيَّهُ أَنْ يقول لهؤلاء المُدَّعِينَ للإيمان: {لَّمْ تُؤْمِنُواْ} أي: لم تصدقوا بقلوبكم، {وَلَـٰكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا} أي: استسلمنا، والإسلام يقال بمعنيين: أحدهما: الذي يَعُمُّ الإيمانَ والأعمالَ، وهو الذي في قوله تعالى: {أية : إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ }تفسير : [آل عمران:19] والذي في قوله ـــ عليه السلام ـــ: «حديث : بُنِيَ الإسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ». تفسير : والمعنى الثاني للفظ الإسلام: هو الاستسلام، والإظهار الذي يُسْتَعْصَمُ به ويحقن الدم، وهذا هو الذي في الآية، ثم صَرَّحَ بأَنَّ الإيمان لم يدخل في قلوبهم، ثم فتح باب التوبة بقوله: {وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ...} الآية، وقرأ الجمهور: «لاَ يَلِتْكُمْ» من «لاَتَ يَلِيتُ» إذا نقص؛ يقال: لاَتَ حَقَّهُ إذا نَقَصَهُ منه، وقرأ أبو عمرو: «لاَ يَأْلِتْكُمْ» من «أَلَتَ يَأْلِتُ» وهي بمعنى لاَتَ.

ابن عادل

تفسير : قوله (تعالى): {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ...} الآية هذه الآية مبينة ومقررة لما تقدم لأن السخرية من الغير والعيب إن كان بسبب التفاوت في الدين والإيمان فهو جائز، وكذلك لَمْزُهُ وغَيْبَتُهُ وإن لم يكن بسبب الدين والإيمان فلا يجوز، لأنَّ الناسَ بعُمُومِهِمْ كافِرِهم ومؤمِنِهمْ يشتركون فيما يفتخر به المفتخِر، لأن التكبر والافتخار إن كان بسبب الغنى فالكافر قد يكون غنياً المؤمن فقيراً وبالعكس، وإنْ كان بسبب النَّسب فالكافشر قد يكون نسيباً والمؤمن مولى لِعَبْدٍ أسْود وبالعكس فالناس فيما ليس من الدين والتقوى متساوون أو متقاربون ولا يؤثر شيء من ذلك مع عدم التقوى كما قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ} فقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ} يعنى كآدمَ أي أنكم متساوون في النسب فلا تفاخر لبعض على بعض لكونهم أبناء رجل واحد وامرأة واحدةٍ. فصل قال ابن عباس (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) نزلت في ثابتِ بن قيس وقوله للرجل الذي لم يتفسح له: ابنَ فلانة فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الذاكر فلانة؟ قال ثابت: أنا يا رسول الله فقال: انْظُر في وجوه القوم فَنَظَر، فقال: ما رأيت يا ثابتُ؟ قال: رأيت أبيضَ وأحْمَرَ وأسود، قال: فإنك لا تَفْضُلُهُم إلا في الدِّين والتقوى، فنزلت هذه الآية ونزل في الذي لم يَتَفَسَّح: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ فَٱفْسَحُواْ}تفسير : [المجادلة:11]. وقال مقاتل: لما كان فتح مكة أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بلالاً حتى علا ظَهْرَ الكَعْبَةِ فأذَّن فقال عَتَّاب بن أُسَيد بن أبي العيِص: الحمدُ لِلَّه الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم. وقال الحارث بن هشام: أما وَجَدَ مُحَمَّدٌ غَيْرَ هذا الغراب الأسود مؤذناً؟ وقال سُهَيْل بن عَمْرو: إن يرد اللهُ شيئاً يُغَيِّرْهُ. وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئاً أخاف أن يخبر به ربُّ السموات فأتى جبريل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخبره بما قالوا: فدعاهم عما قالوا فأقروا فأنزل الله ـ عزَّ وجلَّ ـ هذه الآية وزَجَرَهم عن التفاخر بالأنساب و التكاثر بالأموال، والإزْرَاءِ بالفقراء. فإن قيل: هذه الآية تدل على عدم اعتبار النسب وليس كذلك فإن للنسبِ اعتباراً عُرْفاً وشرعاً حق لا يجوز تزويج الشريفة بالنَّبَطِيّ!. فالجواب: إذا جاء الأمر العظيم لا يبقى الأمر الحقير معتبراً، وذلك في الجنس والشرع والعرف أما الجنس فلأن الكواكب لا ترى عند طلوع الشمس، ولجناح الذباب دَويّ ولا يسمع عندما يكون رَعدٌ قويّ. وأما العرف فلأن من جاءه غلام ملك أقبل عليه وأكرمه فإذا جاءه مع الملك لا يبقى له اعتبار ولا يلتفت إليه. وإذا علم هذه ففي الشرع كذلك إذا جاء الشرف الديني الإلهيّ لا يبقى هناك اعتبار لا لنسب ولا لسبب، ألا ترى أن الكافر وإنْ كان من أعلى الناس نسباً، والمؤمن وإنْ كان من أدْوَنِهِمْ نسباً لا يقاس أحدهما بالآخر وكذلك ما هو من الدين مع غيره، ولهذا تصلح المناصبُ الدينية كالقضاءِ والشهادة لكل شريف ووضيعٍ إذا كان ديناً عالماً، ولا يصلح لشيء منها فاسق وإن كان قُرَشِيَّ النَّسَبِ وقَارُونِيَّ النَّشَبِ ولكن إذا اجتمع في اثنين الدينُ المتينُ وأحدهما نسيب يرجح بالنسب عند الناس لا عند الله، لقوله تعالى {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ}تفسير : [النجم:39] وشرف النسب ليس مكتسباً و لايحصل بسعيٍ. فصل الحكمة في اختيار النسب من جملة أسباب التفاخر، ولم يذكر المال، لأن الأمور التي يفتخر بها في الدنيا وإن كانت كثيرة، لكن النسب أعلاها، لأن المال قد يحصل للفقير فيبطلُ افتخار المفتخر به عليه والسنّ والحسن وغير ذلك لا يدوم، والنسب ثابت مستمر غير مقدور التحصيل لمن ليس له ذلك فاختاره الله للذكر وأبطل اعتباره بالنسبة إلى التقوى ليعلم منه بطلان غيره بطريق الأولى. فإن قيل: إذا كان ورود الآية لبيان عدم جواز الافتخار بغير التقوى فما فائدة قوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَاكُم}؟. فالجواب: بأن كل شيء يترجح علىغيره، فإما أن يرجح بأمر فيه يلحقه ويرتب عليه بعد وجوده وإما أن يرجح عليه بأمر قبله، فالذي بعده كالحُسْنِ والقوة وغيرهما من الأوصاف المطلوبة من ذلك الشيء وأما الذي قبله فإنما راجع إلى أصله الذي وجد منه أو إلى الفاعل الذي أوجده فالأول كقولك: هَذَا مِنَ النُّحَاس، وهَذَا مِنْ فضَّةِ والثاني: كقولك: هَذَا عَمَلُ فُلاَنٍ، وهذا عمل فُلاَن، فقال تعالى: لا ترجيح بما خلقتم منه، لأنكم كلكم من ذكر وأنثى، ولا تَحْصُل لكم بعد وجودكم وأشرفُها التَّقْوى. قوله: {جَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ} الشعوب جمع شَعْبٍ فتح الشين، وهو أعلى طبقات الأنْساب مثل رَبِيعة، ومُضَر، والأوْس، والخَزْرَج، وذلك أن طبقات النسب التي عليها العرب ستّ: الشَّعب، والقَبِيلة، والعِمَارة، والبَطْن، والفَخِذ، والفصيلة، وكل واحد يدخلُ فيما قبله فالفصيلة تدخل في الفخذ والفخذ في البطن وزاد بعض الناس بعد الفخذ العشيرة فجعلها داخلة فيها، فتكون الفصائل داخلة في العَشِيرة وتدخل العشيرة في الأفخاذ وتدخل الأفخاذ في البُطُون والبطون في العَمَائر والعمائر في القبيلة والقبيلة في الشعب، وذكر الأعم لأنه أذْهَبُ بالافْتِخَارِ وسُمّي الشعب شعباً لتشَعب القبائل منه، واجتماعهم فيه كشُعَب أغصان الشجرة. والشَّعْبُ من الأضداد، يقال: شَعْبٌ أي جمع، ومنه تشعيب القَدَح وشَعَّب أي فِرق، والقبائل هي دون الشعوب واحدتها قَبيلَةٌ وهي كَبكْر مِن ربيعة، وتَميم من مُضَرَ سميت بذلك لتقابلها، شبهت بقبائل الرأس، وهي قطع متقابلة، وقيل: الشعب النسب الأبعد والقبيلة الأقرب وأنشد: شعر : 4503ـ قَبَائِلُ مِنْ شُعُوب لَيْس فِيهم كَريمٌ قَدْ يُعَدُّ ولاَ نَجِيبُ تفسير : والنسبة إلى الشّعب شَعُوبِيَّة ـ بفتح الشين ـ وهم جيل يبغضون العرب ودون القبائل العمائر واحدتها ـ عَمَارة ـ فتح العين وهم كشَيْبَان مِنْ بكر ودَارِم من تميم، وَدُونَ العَمَائر البُطُون واحدتها بَطْن وهم كبَنِي هاشم وأمية من بني لُؤَيّ. ثم الفصائل والعشائر واحدتها فَصِيلة وعَشيرة. وقال أبو رَوْق: الشعوب الذين لا يعتزون إلى أحد بل يَنْتَسبون إلى المَدَائن والقُرَى والقَبَائل العرب الذين ينتسبون إلى آبائهم. قوله: "لِتَعَارفُوا" العامة على تخفيف التاء، والأصل: لتتعارفُوا فحذف إحدى التاءين. والبَزِّي بتشديدها وقد تقدم ذلك في البَقَرة، واللام مُتَعلِّقة "بجَعَلْنَاكُم". وقرأ الأعْمش بتاءين وهو الأصل الذي أدغمه البزّي، وحذفه الجمهور، وابن عباس لتَعْرِفُوا مضارع عَرَفَ. فصل المعنى ليعرفَ بعضُكم بعضاً في قُرْب النسب وبعده لا لِتَفَاخَرُوا. وقال في أول الآية: خَلَقْنَاكُم وقال ههنا: وجَعَلْنَاكم شُعُوبا، لأن الخلق أصل تفرع عليه الجعل والإيجاد لأجل العبادة، كما قال تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}تفسير : [الذاريات:56]، والجَعْلَ شعوباً للتعارف، والأصل متقدم على الفرع فتعتبر العبادة قبل اعتبار النسب، لأن اعتبار الجعل شعوباً إنما يتحقق بعد تَحَقُّقِ الخلق، وفي هذا إشارة إِلى أَنَّه إن كان فيكم عبادة فتُعْتَبَرُ، وإلا فلا اعتبار لأنْسَابِكُمْ. فإن قيل: الهداية والضلال كذلك كقوله تعالى: {أية : إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ}تفسير : [الإنسان:3] {أية : يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ}تفسير : [النحل:93]. فالجواب: أن الله تعالى أثبت لنا فيه كسباً مَبْنيًّا على فعل لقوله تعالى: {أية : فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً}تفسير : [الإنسان:29] ثم قال: {أية : وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}تفسير : [الإنسان:30] وأما في النسب فلا. قوله: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ} أخبر تعالى أن أرفعهم منزلةً عند الله أتقاهم. وقال قتادة في هذه الآية: أكْرَمُ الكَرَمِ التقوى وألأَمُ اللُّؤم الفجور. وقال عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : الحَسَبُ المَالُ والكَرَمُ التَّقْوَى"تفسير : . وقال ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ: كرم الدنيا الغِنَى وكرم الآخرة التقوى. وعن أبي هريرة ـ (رضي الله عنه) ـ قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ: "حديث : أيُّ الناس أكرمُ؟ قال: أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللهِ أَتقَاهُمْ، قالوا: ليس عن هذا نسألك قال: فأكرمُ الناسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللهِ ابْنُ نَبِيِّ الله ابْنِ خَلِيلِ الله قالوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ قال: فَعَنْ مَعَادِن العَرَبِ تَسْأَلُونِي؟ قالوا: نَعَم قال: خِيارُكُم في الجَاهِليَة خيارُكُم في الإسْلاَم إذا فَقِهُواتفسير : . وقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: حديث : إنَّ اللهَ لاَ يَنْظُرُ إلَى صُورَكُمْ وَلكِنْ يَنْظُرُ إِلى قُلُوبِكُمْ ". تفسير : فصل قرأ العامة: إنَّ أَكْرَمَكُمْ بكسر "إنّ" وابن عباس بفتحها، فإن جعلت اللام لام الأمر ـ وفيه بُعْدٌ ـ صَحَّ أن يكون قوله: "أنَّ أَكْرَمَكُمْ" بالفتح مفعول العِرْفَان فإن أمرهم أن يعرفوا وإن جعلتها للعلّة لم يظهر أن يكون مفعولاً، لأنه لم يجعلهم شعوباً وقبائل ليعرفوا ذلك، فينبغي أن يكون المفعول محذوفاً واللام للعلة أي لِتَعْرِفُوا الحقَّ لأنَّ أَكْرَمَكُمْ. فصل قال ابن الخطيب: في المراد بالآية وجهان: الأول: أن التقوى تفيد الإكرام. والثاني: أن الإكرام يورث التقوى، كما يقال: المخلصون على خَطَر. والأول أشهر، والثاني أظهر. فإن قيل: التقوى من الأعمال والعلم أشرف لقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : لَفَقِيهُ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابدٍ ". تفسير : فالجواب: أن التقوى ثمرة العلم لقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ}تفسير : [فاطر:28] فلا تقوى إلا العالم فالمتقي العالم أتم علمه والعالم الذي لا يتقي كشجرةٍ لا ثَمَر لها لكن الشجرة المثمرة أشرفُ من الشَّجَرةِ التي لا تُثْمر بل هي حطب وكذلك العالم الذي لا يتّقي حَصَبُ جهنم، وأما العابد الذي يفضل عليه الفقيه فهو الذي لا علم له وحينئذ لا يكون عنده من خشية الله نِصَابٌ كامل، ولعلمه يعبده مخافة الإلقاء في النار فهو كالمكره، أو لدخول الجنة، فهو يعمل كالفاعل له أجره ويرجع إلى نيته، والمتقي هو العالم بالله المواظب لِبَابِهِ. فإن قيل: خطاب الناس بقوله: "أَكْرَمَكُمْ" يقتضي اشتراك الكل في الإكرام ولا كرامة للكافر فإنه أضل من الأنعام. فالجواب: ذلك غير لازم أنه بدليل قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}تفسير : [الإسراء:70] لأن كل من خلق فقد اعترف بربه، ثم من استمر عليه وزَاد زِيدَ في كرامته، ومن رجع عنه أُزِيلَ عن الكرامة. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} أي عليم بظواهركم يعلم أنسابكم خبير ببواطنكم لا يخفى عليه أسراركم فاجعلوا التقوى زادكم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن أبي مليكة قال‏:‏ لما كان يوم الفتح رقي بلال فأذن على الكعبة، فقال بعض الناس‏:‏ هذا العبد الأسود يؤذن على ظهر الكعبة، وقال بعضهم‏:‏ إن يسخط الله هذا يغيره، فنزلت {‏يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج وابن مردويه والبيهقي في سننه عن الزهري قال‏:‏ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بني بياضة أن يزوّجوا أبا هند امرأة منهم، فقالوا‏:‏ يا رسول الله أتزوّج بناتنا موالينا‏؟‏ فأنزل الله ‏ {‏يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى‏} ‏ الآية قال الزهري‏:‏ نزلت في أبي هند خاصة‏.‏ قال‏:‏ وكان أبو هند حجام النبي صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج ابن مردويه من طريق الزهري عن عروة عن عائشة قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏أنكحوا أبا هند وانكحوا إليه‏"‏تفسير : قالت‏:‏ ونزلت ‏{‏يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى‏} ‏ الآية‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال‏:‏ ما خلق الله الولد إلا من نطفة الرجل والمرأة جميعاً، وذلك أن الله يقول‏:‏ ‏ {‏إنا خلقناكم من ذكر وأنثى‏}‏ ‏. وأخرج ابن مردويه عن عمر بن الخطاب أن هذه الآية في الحجرات ‏{‏إنا خلقناكم من ذكر وأنثى‏} هي مكية وهي للعرب خاصة الموالي أي قبيلة لهم وأي شعاب، وقوله ‏{‏إن أكرمكم عند الله أتقاكم‏} ‏ قال‏:‏ أتقاكم للشرك‏. وأخرج البخاري وابن جرير عن ابن عباس ‏{‏وجعلناكم شعوباً وقبائل‏} ‏ قال‏:‏ الشعوب القبائل العظام، والقبائل البطون‏. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ الشعوب الجماع، والقبائل الأفخاذ التي يتعارفون بها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عباس ‏ {‏وجعلناكم شعوباً وقبائل‏} ‏ قال‏:‏ القبائل الأفخاذ، والشعوب الجمهور مثل مضر‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ‏{‏وجعلناكم شعوباً وقبائل‏}‏ قال‏:‏ الشعب هو النسب البعيد، والقبائل كما سمعته يقول فلان من بني فلان‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ‏ {‏وجعلناكم شعوباً‏} ‏ قال‏:‏ النسب البعيد، ‏{‏وقبائل‏}‏ قال‏:‏ دون ذلك جعلنا هذا لتعرفوا فلان ابن فلان من كذا وكذا‏. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال‏:‏ القبائل رؤوس القبائل، والشعوب الفصائل والأفخاذ‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر ‏"‏حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف يوم الفتح على راحلته يستلم الأركان بمحجنه، فلما خرج لم يجد مناخاً فنزل على أيدي الرجال فخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه وقال‏: الحمد لله الذي أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتكبرها بآبائها، الناس رجلان برٌّ تقيّ كريمٌ على الله وفاجرٌ شقيّ هّينٌ على الله، والناس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب‏.‏ قال الله ‏{‏يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى‏} إلى قوله ‏ {‏خبير‏} ‏ ثم قال‏:‏ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال‏:‏ ‏ "‏حديث : يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، ألا إن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ألا هل بلغت‏؟ قالوا‏:‏ بلى يا رسول الله‏.‏ قال‏:‏ فليبلغ الشاهد الغائب‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي أمامة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الله أذهب نخوة الجاهلية وتكبرها بآبائها، كلكم لآدم وحواء كطف الصاع بالصاع، وإن أكرمكم عند الله أتقاكم، فمن أتاكم ترضون دينه وأمانته فزوجوه ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وابن جرير وابن مردويه والبيهقي عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ حديث : إن أنسابكم هذه ليست بمسيئة على أحد، كلكم بنو آدم طف الصاع لم تملأوه، ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين وتقوى إن الله لا يسألكم عن أحسابكم ولا عن أنسابكم يوم القيامة، أكرمكم عند الله أتقاكم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الله يقول يوم القيامة أمرتكم فضيعتم ما عهدت إليكم ورفعتم أنسابكم فاليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم، أين المتقون‏؟‏ أين المتقون‏؟‏ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏يقول الله يوم القيامة‏:‏ أيها الناس إني جعلت نسباً وجعلتم نسباً فجعلت أكرمكم عند الله أتقاكم فأبيتم إلا أن تقولوا فلان أكرم من فلان وفلان أكرم من فلان، وإني اليوم أرفع نسبي وأضع نسبكم، ألا أن أوليائي المتقون ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الخطيب عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إذا كان يوم القيامة أوقف العباد بين يدي الله تعالى غرلاً بهماً فيقول الله‏:‏ عبادي أمرتكم فضيعتم أمري، ورفعتم أنسابكم فتفاخرتم بها اليوم أضع أنسابكم، أنا الملك الديّان أين المتقون‏؟‏ أين المتقون‏؟‏ إن أكرمكم عند الله أتقاكم "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن سعيد رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏الناس كلهم بنو آدم، وآدم خلق من التراب، ولا فضل لعربي على عجمي ولا عجمي على عربي ولا أحمر على أبيض ولا أبيض على أحمر إلا بالتقوى‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني عن حبيب بن خراش القصري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : المسلمون إخوة لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد عن رجل من بني سليط قال‏:‏ أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، التقوى ههنا، وقال بيده إلى صدره، وما توادَّ رجلان في الله فيفرق بينهما إلا حدث يحدث أحدهما والمحدث شر والمحدث شر "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البخاري والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏‏ ‏حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أي الناس أكرم‏؟‏ قال‏: "‏أكرمهم عند الله أتقاهم، قالوا‏:‏ ليس عن هذا نسألك، قال‏: فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله، قالوا‏:‏ ليس عن هذا نسألك‏.‏ قال‏:‏ فعن معادن العرب تسألوني‏؟ قالوا‏:‏ نعم‏.‏ قال‏: خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإِسلام إذا فقهوا‏"‏‏ .‏ تفسير : وأخرج أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له‏:‏ ‏"حديث : ‏أنظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البخاري في الأدب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ لا أرى أحداً يعمل بهذه الآية {‏يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى‏} ‏ حتى بلغ ‏ {‏إن أكرمكم عند الله أتقاكم‏}‏ فيقول الرجل للرجل أنا أكرم منك فليس أحد أكرم من أحد إلا بتقوى الله‏.‏ وأخرج البخاري في الأدب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ ما تعدون الكرم وقد بين الله الكرم وأكرمكم عند الله أتقاكم، وما تعدون الحسب أفضلكم حسباً أحسنكم خلقا‏ً.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن درة بنت أبي لهب قالت‏:‏ قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر، فقال‏:‏ يا رسول الله أي الناس خير‏؟‏ فقال‏:‏ ‏"حديث : ‏خير الناس أقرؤهم وأتقاهم لله عز وجل وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه والطبراني والدارقطني والحاكم وصححه عن سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏الحسب المال والكرم التقوى‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ ما أعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء من الدنيا ولا أعجبه أحد قط إلا ذو تقوى‏. وأخرج الحكيم الترمذي عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏من اتقى الله أهاب الله منه كل شيء، ومن لم يتق الله أهابه الله من كل شيء ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏الحياء زينة، والتقى كرم، وخير المركب الصبر، وانتظار الفرج من الله عبادة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إذا أراد الله بعبده خيراً جعل غناه في نفسه وتقاه في قلبه، وإذا أراد الله بعبده شراً جعل فقره بين عينيه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن الضريس في فضائل القرآن عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال‏:‏ ‏ ‏‏حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ أوصني، فقال‏: "عليك بتقوى الله فإنها جماع كل خير، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية المسلمين، وعليك بذكر الله وتلاوة كتاب الله فإنه نور لك في الأرض وذكر لك في السماء، وأخزن لسانك إلا من خير فإنك بذلك تغلب الشيطان‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي نضرة رضي الله عنه أن رجلاً رأى أنه دخل الجنة فرأى مملوكه فوقه مثل الكوكب، فقال والله يا رب إن هذا لمملوكي في الدنيا فما أنزله هذه المنزلة‏؟‏ قال‏:‏ هذا كان أحسن عملاً منك‏. وأخرج الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في الأثر‏.‏ وأخرج البزار عن حذيفة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏كلكم بنو آدم، وآدم خلق من تراب، ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد عن أبي ريحانة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزاً وكبراً فهو عاشرهم في النار‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏أربع من الجاهلية لا تتركهن أمتي‏:‏ الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إثنتان في الناس هما بهما كفر‏:‏ النياحة والطعن في الأنساب ‏"‏‏.‏

ابو السعود

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ} من آدمَ وحواءَ أوْ خلقنَا كُلَّ واحدٍ منكُم من أبٍ وأمٍ الكُلُّ سواءٌ في ذلكَ فلا وَجْهَ للتفاخرِ بالنسبِ وقَدْ جُوِّزَ أنْ يكونَ تأكيداً للنَّهي السابقِ بتقريرِ الأخوةِ المانعةِ منَ الاغتيابِ {وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ} الشَّعبُ الجمعُ العظيمُ المنتسبونَ إلى أصلٍ واحدٍ وهو يجمعُ القبائلَ، والقبـيلةُ تجمعُ العمائرَ، والعَمارةُ تجمعُ البطونَ والبطنُ يجمعُ الأفخاذَ والفَخِذُ يجمعُ الفصائلَ فخُزَيمةُ شعبٌ وكنانةُ قبـيلةٌ وقريشٌ عمارةٌ وقُصَي بطنٌ وهاشمٌ فخذٌ والعباسُ فصيلةٌ وقيلَ الشعوبُ بطونُ العجمِ والقبائلُ بطونُ العربِ {لِتَعَـٰرَفُواْ} ليعرفُ بعضُكم بعضاً بحسب الأنسابِ فلاً يعتزَى أحدٌ إلى غيرِ آبائِه، لا لتتفاخرُوا بالآباءِ والقبائلِ وتَدَّعُوا التفاوتَ والتفاضلَ في الأنسابِ وقُرِىءَ تتعارفُوا عَلى الأصلِ ولَتّعارفُوا بالإدغامِ ولتعرِفُوا {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَـٰكُمْ} تعليلٌ للنَّهِي عنِ التفاخر بالأنسابِ المستفادِ من الكلامِ بطريقِ الاستئنافِ التحقيقيِّ كأنَّه قيلَ إنَّ الأكرمَ عندَهُ تعالَى هُو الأتقَى فإنْ فاخرتُم ففاخِروا بالتَّقوى وقُرِىءَ بأَنَّ المفتوحةِ عَلى حذفِ لامِ التعليلِ كأنَّه قيلَ لَم لا نتفاخرُ بالأنسابِ فقيلَ لأَنَّ أكرمَكُم عندَ الله أتقاكُم لا أنسبُكم فإنَّ مدارَ كمالِ النفوسِ وتفاوتِ الأشخاص هُو التَّقوى فمَنْ رامَ نيلَ الدرجاتِ العُلاَ فعليهِ التَّقوى قالَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ « حديث : مَنْ سَرَّهُ أنْ يكونَ أكرمَ النَّاسِ فليتقِ الله » تفسير : وقالَ عليه الصلاةُ والسلامُ « حديث : يَا أيُّها الناسُ إنمَّا الناسُ رجلانِ مؤمنٌ تقيٌ كريمٌ عَلى الله تعَالَى وفاجرٌ شقيٌّ هينٌ على الله تعَالَى » تفسير : وعنِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما كرمُ الدُّنيا الغِنى وكرمُ الآخرةِ التَّقوى {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ} بكُم وبأعمالِكم {خَبِيرٌ} ببواطنِ أحوالِكم. {قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ ءامَنَّا} نزلتْ في نفرٍ من بَني أَسَدٍ قَدمُوا المدينةَ في سنةِ جَدْبٍ فأظهرُوا الشهادتينَ وكانُوا يقولونَ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم أتيناكَ بالأثقالِ والعيالِ ولمْ نقاتِلْكَ كما قاتلكَ بنُو فلانٍ يريدونَ الصدقةَ ويمنونَ عليهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ ما فعلُوا {قُلْ} رَدَّاً لهُمْ {لَّمْ تُؤْمِنُواْ} إذِ الإيمانُ هُوَ التصديقُ المقارنُ للثقةِ وطمأنينةِ القلبِ ولم يحصُلْ لكُم ذلكَ وإلا لِمَا مننتُمْ عليَّ ما ذكرتُم كَما ينبىءُ عَنْه آخرُ السورةِ {وَلَـٰكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا} فإنَّ الإسلامَ انقيادٌ ودخولٌ في السلمِ وإظهارُ الشهادةِ وتركُ المحاربةِ مشعرٌ بهِ، وإيثارُ مَا عليهِ النظمُ الكريمُ عَلى أنْ يقالَ لاَ تقولُوا آمنَّا ولكنْ قولُوا أسلمنَا أو لم تُؤمنِوا ولكن أسلمتُم للاحترازِ منِ النَّهي عنِ التلفظِ بالإيمانِ وللتفادِي عنْ إخراجِ قولِهم مُخرجَ التسليمِ والاعتدادِ بهِ معَ كونِه تقولاً محضاً {وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ} حالٌ من ضميرِ قولُوا أيْ ولكِنْ قولُوا أسلمنَا حالَ عدمِ مواطأةِ قلوبِكم لألسنتِكم، ومَا في لمَّا مِنْ مَعنْى التوقعِ مشعرٌ بأنَّ هؤلاءِ قَد آمنُوا فيمَا بعدُ {وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} بالإخلاصِ وتركِ النفاقِ {لاَ يَلِتْكُمْ مّنْ أَعْمَـٰلِكُمْ} لا ينُقصْكُم {شَيْئاً} من أجورِها مِنْ لاتَ يليتُ لَيْتاً إذَا نقصَ وقُرِىءَ لا يأْلتِكُم من الأَلْتِ وهيَ لغةُ غَطَفانَ أو شيئاً منَ النقصِ {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} لِمَا فرطَ منَ المطيعينَ {رَّحِيمٌ} بالتفضيلِ عليهمْ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ} [الآية: 13]. قال بعضهم فى هذه الآية: قال الله تعالى جعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا لا لتتفاخروا فمن افتخر بغير الدين والإيمان والإسلام أو ممن وفقه الله لهذه المراتب قد افتخر بلا شىء. سمعت عبد الله بن محمد يقول: دخل أبو يعلى العلوى على عبد الله فنظر إليه عبد الله وإلى ثيابه وزيه فقال: يا سيدى إن الذى به افتخارك لم يكن يفتخر بنفسه، ألا تراه كيف يرى نفسه من الفخر لما أخبر بما أمر به من السيادة قال: "حديث : أنا سيد ولد آدم ولا فخر ". تفسير : وقال عبد الله المعلم: لا فخر فى سيادتى ولد آدم وإنما فخرى بمن سوَّدنى. قوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الآية: 13]. قال جعفر: هو التقى على الحقيقة والمتقى المنقطع عن الأكوان إلى الله. وقال أبو عثمان فى قوله: {أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ} قال الكريم من يتقى الشرك واتقى من بعد الشرك المعاصى وفضيلة التقوى العلم بالله ولا انتهاء للعلم بالله فى طريق الفضل فمن ازداد علماً بالله وأمره ازداد خوفاً ومن ازداد خوفاً ازداد كرماً عند الله عز وجل.

القشيري

تفسير : إنَّا خلقناكم أجمعكم من آدمَ وحواء، ثم جعلناكم شعوباً وقبائلَ لتعارفوا لا لتُكَاثروا ولا لتنافسوا. فإذا كانت الأصولُ تربةً ونطفةً وعَلَقَةً.. فالتفاخر بماذا؟ أبا لحمأ المسنون؟ أم بالنطفة في قرار مكين؟ أم بما ينطوي عليه ظاهرك مما تعرفه؟! وقد قيل: شعر : إِنَّ آثارَنا تَدُل علينا فانْظُروا بَعْدَنا إلى الآثارِ تفسير : أم بأفعالك التي هي بالرياء مَشُوبة؟ أم بأحوالك التي هي بالإعجاب مصحوبة؟ أم بمعاملاتك التي هي ملأى بالخيانة؟ {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ}؟ أتقاكم أي أَبْعَدكم عن نَفْسِه، فالتقوى هي التحرُّر من النفس وأطماعها وحظوظها. فأكرمُ العبادِ عند اللَّهِ مَنْ كان أَبْعد عن نَفْسِه وأَقرَبَ إلى الله تعالى.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ} اى ليس الكريم من يكون ذا نسب ان الكريم من عرف الله وهابه وخضع له وعرف نفسه انه خلق من التراب وما للتراب وربّ الارباب ولا يفتخر بنفسه على احد بل الفخر باله الا ترى الى قوله عليه الصلاة والسّلام انا سيد ولد أدم ولا فخر قال جعفر الكريم هو المتقى على الحقيقة والمتقى المنقطع عن الاكوان الى الله.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى} اى من آدم وحوآء عليهما السلام او خلقنا كل واحد منكم من اب وام فالكل سوآء فى الانتساب الى ذكر وانثى ايا كانا فلا وجه للتفاخر بالنسب شعر : الناس من جهة التمثال اكفاه ابو همو آدم والام حوآء فان يكن لهمو من اصلهم نسب يفاخرون به فالطين والماء از نسب آدميانى كه تفاخر ورزند ازره دانش وانصاف جه دور افتادند نرسد فخر كسى رابنسب برد كرى جونكه دراصل زيك آدم وحوازادند تفسير : نزلت حين أمر النبى عليه السلام بلالا رضى الله عنه ليؤذن بعد فتح مكة فعلا ظهر الكعبة فأذن فقال عتاب بن اسيد وكان من الطلقاء الحمد لله الذى قبض ابى حتى لم ير هذا اليوم وقال الحارث بن هشام اما وجد رسول الله سوى هذا الغراب يعنى بلالا وخرج ابو بكر بن ابى داود فى تفسير القرءآن ان الآية نزلت فى ابى هند حين أمر رسول الله بنى بياضة أن يزوجوه امرأة منهم فقالوا يا رسول الله تتزوج بناتنا مواليها فنزلت وفيه اشارة الى ان الكفاءة فى الحقيقة انما هى بالديانة اى الصلاح والحسب والتقوى والعدالة ولو كان مبتدعا والمرأة سنية لم يكن كفؤا لها كما فى النتف وسئل الرستغفنى عن المناكحة بين اهل السنة وبين اهل الاعتزال فقال لا يجوز كما فى مجمع الفتاوى {وجعلناكم شعوبا وقبائل} وشمارا شاخ شاخ كرديم وخاندان خاندان. والشعب بفتح الشين الجمع العظيم المنتسبون الى اصل واحد وهو يجمع القبائل والقبيلة تجمع العمائر والعمارة بكسر العين تجمع البطون والبطون تجمع الافخاذ والفخذ تجمع الفضائل والفضيلة تجمع العشائر وليس بعد العشيرة حى يوصف به كما فى كشف الاسرار فخزيمة شعب وكنانة وقبيلة وقريش عمارة وقصى بطن وهاشم فخذ والعباس فضيلة وسميت الشعوب لان القبائل تتشعب منها كتشعب اغصان الشجرة وسميت القبائل لانها يقبل بعضها على بعض من حيث كونها من اب واحد وقيل الشعوب بطون العجم والقبائل بطون العرب والاسباط من بنى اسرآئيل والشعوب من قحطان والقبائل من عدنان {لتعارفوا} اصله لتتعارفوا حذفت احدى التاءين اى ليعرف بعضكم بعضا بحسب الانساب فلا يعتزى احد الى غير آبائه لا لتتفاخروا بالآباء والقبائل وتدعوا التفاوت والتفاضل فى الانساب (وقال الكاشفى) يعنى دوكس كه بنام متحد باشند بقبيلة متميز ميشوند جنانجه زيد تميمى از زيد قرشى {ان اكرمكم عند الله أتقاكم} تعليل للنهى عن التفاخر بالانساب المستفاد من الكلام بطريق الاستئناف التحقيقى كأن قيل ان الاكرم عنده تعالى هو الأتقى وان كان عبدا حبشيا اسود مثل بلال فان فاخرتم ففاخروا بالتقوى وبفضل الله ورحمته بل بالله تعالى ألا ترى الى قوله عليه السلام "حديث : انا سيد ولد آدم ولا فخر"تفسير : اى ليس الفخر لى بالسيادة والرسالة بل العبودية فانها شرف اى شرف وكفى شرفا تقديم العبد على الرسول فى قوله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله (وروى) ان رسول الله عليه السلام مر فى سوق المدينة فرآى غلاما اسود يقول من اشترانى فعلى شرط ان لا يمنعنى عن الصلوات الخمس خلف رسول الله فاشتراه رجل فكان رسول الله يراه عند كل صلاة ففقده فسأل عنه صاحبه فقال محموم فعاده ثم سأل عنه بعد ايام فقيل هو كابه اى متهيئ للموت الذى هو لاحق به فجاءه وهو فى بقية حركته وروحه فتولى غسله ودفنه فدخل على المهاجرين والانصار امر عظيم فنزلت الآية {ان الله عليم} بكم وبأعمالكم {خبير} ببواطن احوالكم قال ابن الشيخ فى حواشيه والنسب وان كان معتبرا عرفا وشرعا حتى لا تتزوج الشريفة بالنبطى قال فى القاموس النبط محركة جيل ينزلون بالبطائح بين العراقين وهو نبطى محركة انتهى الا انه لا عبرة به عند ظهور ما هو اعظم قدراً منه وأعز وهو الايمان والتقوا كما لا تظهر الكواكب عند طلوع الشمس فالفاسق وان كان قرشى النسب وقارون النشب لا قدر له عند المؤمن التقى وان كان عبداً حبشيا والامور التى يفتخر بها فى الدنيا وان كانت كثيرة لكن النسب اعلاها من حيث انه ثابت مستمر غير مقدور التحصيل لمن ليس له ذلك بخلاف غيره كالمال مثلا فانه قد يحصل للفقير مال فيبطل افتخار المفتخر به عليه وكذا الاولاد والبساتين ونحوها فلذلك خص الله النسب بالذكر وابطال اعتباره بالنسبة الى التقوى ليعلم منه بطلان اعتبار غيره بطريق الاولى انتهى وفى الحديث "حديث : ان ربكم واحد وأبوكم واحد لا فضل لعربى على عجمى ولا لعجمى على عربى ولا لأحمر على اسود ولا لأسود على احمر الا بالتقوى"تفسير : وعلى هذا اجماع العلماء كما فى بحر العلوم هركرا تقوى بيشتر قدم اودر مرتبة فضل بيشتر، الشرف بالفضل والادب لا بالاصل والنسب شعر : يا ادب باش تا بزرك شوى كه بزركى نتيجة ادبست تفسير : قال بعض الكبار المفاضلة بين الخلق عند الله لنسبهم لا لنسبتهم فهم من حيث النسبة واحد ومن حيث النسب متفاضلون ان أكرمكم عند الله أتقاكم ولا يصح التفاضل بالاعمال فقد يسبق التابع المتبوع ولو كان الشرف للاشياء من حيث شأنها او مواطنها لكان الشرف لابليس على آدم فى قوله {أية : خلقتنى من نار وخلقته من طين}تفسير : ولكن لما كان الشرف اختصاصا الهيا لا يعرف الا من جانب الحق تعالى جهل ابليس فى مقالته تلك وصح الشرف لادم عليه السلام عليه والخيرية وسئل عيسى عليه السلام اى الناس اشرف فقبض قبضتين من تراب ثم قال اى هذين اشرف ثم جمعهما وطرحهما وقال الناس كلهم من تراب وأكرمهم عند الله أتقاهم قال سلمان الفارسى رضى الله عنه شعر : ابى الاسلام لا اب لى سواه اذا افتخروا بقيس او تميم تفسير : وفى الحديث حديث : ان الله لا ينظر الى صوركم واعمالكم ولكن ينظر الى قلوبكم ونياتكم شعر : رءراست با يدنه الاى راست كه كافر هم از روى صورت جوماست تفسير : وقال عليه السلام حديث : يا أيها الناس انما الناس رجل مؤمن تقى كريم على الله وفاجر شقى هين على الله تفسير : وعن ابن عباس رضى الله عنهما كرم الدنيا الغنى وكرم الآخرة التقوى (وروى) عن ابى هريرة رضى الله عنه حديث : ان الناس يحشرون يوم القيامة ثم يوقفون ثم يقول الله لهم "طالما كنتم تكلمون وانا ساكت فاسكتوا اليوم حتى أتكلم انى رفعت نسبى وابيتم الا انسابكم قلت ان أكرمكم عندى أتقاكم وابيتم انتم فقلتم لا بل فلان ابن فلان وفلان ابن فلان فرفعتم انسابكم ووضعتم نسبى فاليوم أرفع نسبى واضع انسابكم سيعاهل الجمع اليوم من اصحاب الكرم اين المتقون"تفسير : كما فى كشف الاسرار قال الشافعى اربعة لا يعبأ الله بهم يوم القيامة زهد خصى ونقوى جندى وامانة امرأة وعبادة صبى وهو محمول على الغالب كما فى المقاصد الحسنة قال فى التأويلات النجمية يشير بقوله تعالى {يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى} الى خلق القلوب انها خلقت من ذكر وهو الروح وانثى وهى النفس وجعلناكم شعوبا وقبائل اى جعلناها صنفين صنف منها شعوب وهى التى تميل الى امها وهى النفس والغالب عليها صفات النفس وصنف منها قبائل وهى التى تميل الى ابيها وهو الروح والغالب عليها صفات الروح لتعارفوا اى لتتعارفوا اصحاب القلوب وارباب النفوس لا لتتكاثروا وتتنافسوا وتباهوا بالعقول والاخلاق الروحانية الطبيعية فانها ظلانية لا يصلح شئ منها للتفاخر به ما لم يقرن به الايمان والتقوى فان تنورت الافعال والاخلاق والاحوال بنور الايمان والتقوى فلم تكن الافعال مشوبة بالرياء ولا الاخلاق مصحوبة بالاهوآء ولا الاحوال منسوبة الى الاعجاب فعند ذلك تصلح للتفاخر والمباهاة بها كما قال تعالى {ان أكرمكم عند الله أتقاكم} وقال عليه السلام "حديث : الكرم التقوى فأتقاهم من يكون ابعدهم من الاخلاق الانسانية واقربهم الى الاخلاق الربانية تفسير : والتقوى هو التحرز والمتقى من يتحرز عن نفسه بربه وهو أكرم على الله من غيره انتهى

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها الناس إِنَّا خلقناكم من ذَكَرٍ وأُنثى} آدم وحوّاء، أو: كل واحد منكم من أبٍ وأم، فما منكم من أحد إلا وهو يُدلي بما يُدلي به الآخر، سواء بسواء، فلا معنى للتفاخر والتفاضل بالنسب. وفي الحديث:"حديث : لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقى"تفسير : . وقال أيضاً:"حديث : ثلاثة من أمر الجاهلية: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والدعاء بدعاء الجاهلية"تفسير : أو كما قال صلى الله عليه وسلم. {وجعلناكم شعوباً وقبائلَ} الشعوب: رؤوس القبائل، مثل ربيعة ومضر، والأوس والخزرج،واحدها: شَعب - بفتح الشين - سُمُّوا بذلك لتشعُّبهم كتشعُّب أغصان الشجرة، والقبائل: دون الشعوب، واحدها: قبيلة، كبَكر من ربيعة، وتميم من مضر. ودون القبائل: العمائر، جمع عَمارة بفتح العين، وهم كشيبان من بكر، ودارم من تميم، ودون العمائر: البطون، واحدها: بطن، وهي كبني غالب ولؤي من قريش، ودون البطون: الأفخاذ، واحدها: فَخْذ، كهاشم وأمية من بني لؤي، ثم الفصائل والعشائر، واحدها: فصيلة وعشيرة، فالشعب تجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعَمارة تجمع البطون، والبطن يجمع الأفخاذ، والفخذ يجمع الفصائل. وقيل: الشعوب من العجم، والقبائل من العرب، والأسباط من بني إسرائيل. {لِتَعارفوا} أي: إنما جعلناكم كذلك ليعرف بعضُكم نسبَ بعض، فلا يتعدّى إلى غير آبائه، لا لتتفاخروا بالأجداد والأنساب. ثم ذكر الخصلة التي يفضل بها الإنسان، ويكتسب الشرفَ والكرمَ عند الله، فقال: {إِنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم} أي: لا أنسبكم، فإنَّ مدار كمال النفوس وتفاوت الأشخاص هو التقوى، فمَن رام نيل الدرجات العلا فعليه بالتقوى، قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : مَن سَرّه أن يكون أكرم الناس فليتقِ الله"تفسير : ورُوي أنه صلى الله عليه وسلم طاف يوم فتح مكة، ثم حمد الله، وأثنى عليه، وقال:"حديث : الحمد لله الذي أذهب عُبِّيَّةَ الجاهلية وتكبُّرها؛ يا أيها الناس؛ إنما الناس رجلان: رجل مؤمن تَقيّ كريمٌ على الله، ورجل فاجر شقي هَيِّن على الله"تفسير : ثم قرأ الآية. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كرم الدنيا الغنى، وكرم الآخرة التقى. وقال قتادة: أكرم الكرم التقى، والأمُ اللؤم الفجور، وسُئل عليه السلام عن خير الناس؟ فقال:"حديث : آمرُكم بالمعروف، وأنهاكم عن المنكر، وأوصلكم للرحم"تفسير : وقال عمر رضي الله عنه: "كرم الرجل: دينه وتقواه، وأصله: عقله، ومروءته: خُلقه، وحَسَبُه: ماله". وعن يزيد بن شَجَرَةَ: مرّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في سوق المدينة، فرأى غلاماً أسود، قائماً يُنادَى عليه؛ مَن يزيد في ثمنه، وكان الغلام يقول: مَن اشتراني فعلى شرط ألاَّ يمنعني من الصلوات الخمس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاشتراه بعضهم، فعادَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ثم تُوفي، فتولى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم غُسله وتكفينَه ودفنَه، فقالت المهاجرون: هاجرنا ديارنا وأموالنا وأهلينا، فما نرى أحداً منا لقي في حياته ولا موته ما لقي هذا الغلام، وقالت الأنصار: آويناه ونصرناه وواسيناه بأموالنا، فآثر علينا عبداً حبشيّاً، فنزلت. وقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : إنَّ الله لا ينظر إلى صُوركم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، وإنما أنتم بنو آدم، أكرمكم عند الله أتقاكم، وأنتم تقولون: فلان ابن فلان، وأنا اليوم أرفَع نسبي وأضع أنسابكم، أين المتقون"تفسير : . وقيل: يا رسول الله، مَن أكرمُ الناس؟ قال: "حديث : أتقاهم"تفسير : . هـ. وأنشدوا: شعر : مَا يَصْنع الْعَبدُ بعِزّ الْغِنَى وَالْعِزُّ كُلُّ العزِّ للمُتَّقِي مَنْ عرف الله فلم تُغنِه مَعرفةُ الله فذاك الشَّقِي تفسير : {إِنّ الله عليمٌ خبير} عليم بكرم القلوب وتقواها، خيبر بهمم النفوس في هواها. الإشارة: كان سيدنا عليّ رضي الله عنه يقول:"حديث : ما لابن آدم والفخر، أوله نُطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وفيما بينهما يحمل العذرة"تفسير : وكان يُنشد: شعر : الناسُ من جِهة التمثيل أَكْفاءُ أَبوهم آدمٌ والأم حوّاءٌ ومَن يَرْمِ منهُم فَخْراً بذي نَسب فإن أصْلَهُم الطِّينُ والماءُ مَا الفخرُ إلا لأهل العِلم إِنَّهمُ علَى الهدى لَمن اهتدى أدلاَّءُ وقَدْرُ كل امرِىءٍ ما كان يُتقنُه وَالجاهلون لأهل العلم أعداءُ تفسير : وقوله: ما لفخر إلا لأهل العلم... الخ، يعني: لو كان الفخر مباحاً ما أُبيح إلاّ لهم، وإلا فهم أولى بالتواضع، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال:"حديث : مَن تواضع دون قدرِه رفعه الله فوق قدره"تفسير : فما رفع اللّهُ قدر العلماء إلا بتواضعهم حتى ينالهم الشريفُ والوضيع، الصغيرُ والكبير، والقوي والضعيف، فمَن لم يكن هكذا فليس بعالِم؛ لنّ الخشية تحمل على التواضع، ومَن لم يخشَ فليس لعالم حقيقة. قال تعالى:{أية : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}تفسير : [فاطر: 28]. وقوله تعالى: {إِنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم} اعلم أنَّ نصيب كل عبد من الله تعالى على قدر تقواه، وتقواه على قدر توجهه إلى الله، وتوجهه على قدر تفرُّغه من الشواغل، وتفرُّغه على قدر زهده، وزهده، على قدر محبته، ومحبته على قدر علمه بالله، وعلمه على قدر يقينه، ويقينه على قدر كشف الحجاب عنه، وكشف الحجاب على قدر جذب العناية، وجذب العناية على قدر السابقة، وهي سر القدر الذي لم يُكشف في هذه الدار. وسقوط العبد من عين الله على قدر قلة تقواه، وقلة تقواه على قدر ضعف توجهه، وضعف توجهه على قدر تشعُّب همومه، وتشعُّب همومه على قدر حرصه ورغبته في الدنيا، ورغبته في الدنيا على قدر ضعف محبته في الله، وضعف محبته على قدر جهله به، وجهله على قدر ضعف يقينه، وضعف اليقين من كثافة الحجاب، وكثافة الحجاب من عدم جذب العناية، وعدم جذب العناية من علامة الخذلان السابق، الذي هو سر القدر. والله تعالى أعلم. ثم إنَّ أساس التقوى: الإيمان الصادق دون الكاذب، الذي أشار إليه بقوله: {قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ}.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} هذا الّذى يأتى تأكيدٌ للنّواهى السّابقة وتعليلٌ لها {إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ} يعنى من هذين الجنسين او من آدم وحوّاء (ع) {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ} الشّعوب للعجم كالقبائل للعرب، وقيل: الشّعب بفتح الشّين الجمع العظيم المنتسبون الى اصلٍ واحدٍ وهو يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن يجمع الافخاذ، والفخذ يجمع الفصائل، والاقل من الكلّ الفصيلة، فخزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصىّ بطن، وهاشم فخذ، وعبّاس فصيلة {لِتَعَارَفُوۤاْ} لا ان تفاخروا وتنابزوا وتلمزوا وتسخروا وتغتابوا {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ} فليست الكرامة والشّرف بالنّسب والحسب والمال والجمال وكثرة الاولاد والخلوّ من العيوب {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ} بالمتّقى منكم والاتقى وبالشّقىّ والاشقى {خَبِيرٌ} بما لا يتعلّق علمكم به من بواطن اموركم وقدر استعدادكم واستحقاقكم.

فرات الكوفي

تفسير : {يا أَيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبَاً وَقَبائلَ لِتَعارَفُوا إنّ أكْرمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أتْقاكُمْ 13} قال: حدثني محمد بن عيسى بن زكريا الدهقان قال: حدثنا يونس - يعني ابن علي القطان- قال: حدثني إبراهيم- يعني ابن الحكم- عن أبيه عن عبد العزيز بن عبد الصمد قال: حدثني أبو هارون العبدي عن ربيعة السعدي عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إن الله تعالى خلق الخلق قسمين ثم قسم القسمين قبائل فجعلني في خيرها قبيلة فذلك [أ: وذلك] قوله [تعالى. ر]: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا} [إلى آخر الآية. ب] فأنا أتقى ولد آدم وقبيلتي خير القبائل وأكرمها على الله ولا فخر . تفسير : قال: حدثنا أبو القاسم العلوي قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي قال: حدثنا عبيد بن كثير قال: حدثنا محمد بن الجنيد ومحمد بن مروان قالا: حدثنا الحسين بن الحسن الأشقر قال: حدثني قيس بن الربيع عن الأعمش عن عباية عن ابن عباس رضي الله عنه: حديث : عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا} [إلى آخر الآية. ب] وأنا أفضل ولد آدم وأكرمهم على الله. تفسير : فرات قال: حدثنا أحمد بن جعفر قال: حدثنا جعفر بن علي بن ناصح الحداد [أ: الحذاء] قال: حدثنا نصر بن مزاحم قال: حدثني عمار بن أبي اليقظان! البكري عن أبي هارون العبدي [عن ربيعة السعدي] عن حذيفة رضي الله عنه: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [قوله. ب]: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الآية قال:حديث : ب]: {فأنا أتقى أولاد آدم [عليه السلام. أ] ولا فخر وقبيلتي خير القبائل وأكرمها على الله .

الأعقم

تفسير : {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} آدم وحواء، وقيل: خلقنا كل منكم من أب وأم {وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا} لا للتفاخر وذلك أنه لولا الأنساب لما عرف الناس وإنما يعرف زيد بن زيد بالنسب، واختلفوا في الشعوب والقبائل، فقيل: الشعوب النسب الأبعد كمضر وربيعة والأوس والخزرج، والقبائل الأقرب كبني هاشم، وبني أمية وتميم، وقيل: الشعوب أعمّ والقبائل أخص، وقيل: الشعوب دون القبائل سموا بذلك لتشعبها وتعرمها، وقيل: الشعوب من العجم والقبائل من العرب {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله" تفسير : {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإِيمان في قلوبكم} الآية نزلت في نفر من بني اسرائيل وبني خزيمة قدموا المدينة في سنة جدب وأظهروا الإِسلام ولم يكونوا مؤمنين في السر، وقيل: نزلت في قوم من المنافقين استسلموا خوف السيف والقتل {ولما يدخل الإِيمان في قلوبكم} يعني يظهر دون ما ليس في قلوبكم فبيّن أنهم منافقون {وإن تطيعوا الله ورسوله} ظاهراً وباطناً {لا يلتكم} لا ينقصكم {من أعمالكم شيئاً إن الله غفور} يغفر الذنوب {رحيم} لا ينقص من ثوابكم شيئاً {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا} أي لم يشكوا في شيء من أمور الدين {وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله} أي في دينه {أولئك هم الصادقون} في قولهم: انا مؤمنون {قل أتعلّمون الله} الذي تعتقدون، هو استفهام والمراد الإِنكار والتقريع، أي كيف تعلمون الله {بدينكم} وتحلفون في ضمائركم خلاف ذلك وهو يعلم ما في الضمائر من النفاق {والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم} {يمنّون عليك أن أسلموا} أي يعدون إسلامهم نعمة على الرسول ويتوهمون أنهم نفعوك به حيث قالوا آمنا وأسلمنا وهاجرنا وفعلنا {قل} يا محمد {لا تمنّوا عليّ إسلامكم} فإن نفعه يعود عليكم {بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للإِيمان} يعني أنعم عليكم أكثر حيث هداكم وأمركم فأراح عليكم ووفقكم {إن كنتم صادقين} في أنكم مؤمنين به {إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون} أي عالم بأعمالكم وبالمحق والمبطل فيجازي كل أحد بما يستحقه ولا ينقصه ما يجب له.

الهواري

تفسير : قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}. تفسير الحسن: الشعوب بنو الأب، والقبائل فوق ذلك. وربما اتفق الاسمان واختلفت القبيلتان فعرف الرجل. وتفسير مجاهد: الشعوب: النسب البعيد، والقبائل دون ذلك. (لِتَعَارَفُوا) أي: إن فلاناً ابن فلان من كذا وكذا. وتفسير الكلبي: القبائل المرتفعة الناس: تميم، وبكر، وأسد، وقيس؛ والقبائل دون ذلك، نحو نهشل وبني عبد الله بن حازم، ونحو ذلك. (لِتَعَارَفُوا): أي: بالشعوب والقبائل. وبعضهم يقول: الشعوب: الأجناس، والقبائل قبائل العرب. قال تعالى: (لِتَعَارَفُوا). ثم انقطع الكلام، ثم قال: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}. ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : الكرم التقوى والحسب المال . تفسير : ذكرو الحسن أن أبا ذر كان بينه وبين رجل كلام، قال: وكانت له أمٌّ إذا ذكرت لم يشاتم، فذكرها أبو ذر، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : يا أبا ذر، أعبت فلاناً بأمه، انظر إلى من حولك من أبيض وأحمر وأسود، فما لك على أحد منهم فضل إلا أن تفضله بتقوى الله . تفسير : قوله عز وجل: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا} يعني المنافقين من الأعراب. قال مجاهد: أعراب بني أسد بن خزيمة. قال الله عز وجل: {قُل} يا محمد {لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا} أي: أقررنا. قال تعالى: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} أي: الإيمان بما أقررتم به من الأعمال التي لا يكون الإيمان إلا بها. أي: إن الإيمان قول وعمل. فلا يكونون مؤمنين حتى يستكملوها. قال: {وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي في كل ما تعبدكم به، أي من قول وعمل فتستكملوا فرائضه في القول والعمل {لاَ يَلِتْكُم} أي لا ينقصكم {مِّنْ أَعْمَالِكُمْ} التي هي إيمان وإسلام {شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

اطفيش

تفسير : {يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى} آدم وحواء فاضلكم واحد فكيف تتفاخرون وتتناقصون وتسخرون وقيل كل منكم ولد من ذكر وأنثى واب وام وكلكم خلق الله قيل مر صلى الله عليه وسلم ذات يوم ببعض الأسواق في المدينة واذا غلام اسود قائم ينادى عليه بالبيع وهو يقول من اشتراني فعلى شرط ان لا يمنعني من الصلوات الخمس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتراه رجل على هذا الشرط فكان صلى الله عليه وسلم يراه عند كل صلاة مكتوبة ففقده يوما وقال لصاحبه اين الغلام فقال محموم يا رسول الله فقال لاصحابه قوموا بنا نعوده فقاموا معه وعادوه ولما كان بعد ايام قال لصاحبه ما حال الغلام قال يا رسول الله ان الغلام لما به فقام ودخل عليه وهو في برحائه فقبض ودفنه فدخل على الصحابة من ذلك أمر عظيم فقال المهاجرون هاجرنا ديارنا واموالنا وأهلونا ولم ير منا احد في حياته ومرضه وموته وما القى منه هذا الغلام وقالت الانصار آويناه ونصرناه وواسيناه باموالنا فآثر علينا عبدا حبشيا فنزلت الآية وقيل امر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بلالا يؤذن فعلا ظهر الكعبة فاذن فقال عتاب بن اسيد بن العيص الحمد لله الذي قبض ابي ولم يشهد هذا اليوم وقال الحارث بن هشام اما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا وقال سهل بن عمرو ان يكره الله شيئا يغيره وقال ابو سفيان اني لا أقول شيئا اخاف ان يخبره رب السماء فاخبره جبريل بقولهم فدعاهم فسألهم فاقروا فنزلت حديث : وقال ابن عباس نزل في ثابت بن قيس بن شماس وقوله وفي الرجل الذي لم يفسح له ابن فلانة فقال صلى الله عليه وسلم "من الذاكر فلانة فقال ثابت أَنا يا رسول الله فقال أنظر في وجوه القوم فنظر فقال ما رأيت يا ثابت قال رأيت أبيض وأسود وأحمر قال فانك لا تفضلهم الا بالدين والتقوى تفسير : وعن الحسن حديث : كان بين ابي ذر ورجل كلام وكان الام يكرهون ذكرها فذكره ابن ذر بها فبلغ ذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "أَعيرت فلانا بأُمه يا أَبا ذر أُنظر إِلى من حولك من أَبيض وأَحمر وأَسود فمالك على احد منهم فضل إِلا أَن تفضله بتقوى الله تفسير : {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ} وقرئ (شعبا) باسقاط الواو وهو جمع شعب بفتح الشين واسكان العين والشعب الجمع العظيم المنتسب الى أصل واحد وهو يجمع القبائل والقبيلة تجمع العمائر والعميرة تجمع البطون والبطن يجمع الافخاذ والفخذ يجمع الفصائل والاسرة وهما بمعنى واحد وهو قرابة الرجل الادنون فخزيمة شعب وكنانة قبيلة منهم وقريش وعمارة وقصي بطن وهاشم فخذ والعباس فصيلة وأسرة وسميت الشعب لتشعب القبائل منها وقيل بتجمعهم وعن بعض ان الشعب رؤوس القبائل من ربيعة ومضر والاوس والخزرج وان القبيلة كبكر من ربيعة وتميم من مضر وان العمارة بفتح العين كنزار من بكر ودارم من تميم وان البطن كبني غالب ولؤي من قريش وان الفخذ كبني هاشم وبني امية من بني لوي وان الفصيلة كبني العباس وبني هاشم وبعد ذلك العشيرة وانه ليس بعدها شيء يوصف وعن الحسن الشعوب وبنو الاب والقبائل فوق ذلك وعن مجاهد الشعوب النسب البعيد والقبائل ودون ذلك وعن الكلبي الشعوب القبائل المرتفعة الناس تميم وبكر واسيد وقيس والقبائل دون ذلك نحو نهشل وبني عبدالله بن حازم وقيل الشعب بطون العجم والقبائل بطون العرب والاسباط من بني اسرائيل وقيل الشعب الذين لا ينتسبون الى احد بل ينتسبون الى المدائن والقرى والقبائل الذين ينتسبون الى آبائهم* {لِتَعَارَفُواْ} ليعرف بعضكم بعضها في قرب النسب وبعده لا للتفاخر والاصل (لتتعارفوا) بتائين حذفت احداهما كما قرئ بهما وكما قرئ بالادغام وقرئ (لتتعرفوا) بتائين وعدم الالف وبتشديد الراء وقرأ ابن عباس (لتعرفوا) بفتح التاء وكسر الراء الخفيفة وفتح همزة ان تعليلا لمحذوف كما يأتي ومعنى قراءته لتعلموا كيف تتناسبون* {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} استئناف لبيان الخصلة التي يفضل بها الانسان غيره ويكتسب الشرف والكرم عند الله وقرئ بالفتح كما مر اي نهيناكم عن التفاخر بالانتساب لأن أكرمك عند الله أتقاكم قال صلى الله عليه وسلم "حديث : من سره ان يكون أكرم الناس فليتق الله" تفسير : وفي الحديث "حديث : أوحى الله اليّ أن تواضعوا حتى لا يفتخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد" تفسير : وقال "حديث : لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم انما هم فحم جهنم أو ليكونن على الله أهون من الجعل ان الله أَذهب عنكم غيبة الجاهلية وفخرها انما هو مؤمن تقي او فاجر شقي كلكم بنوا آدم وآدم من تراب" تفسير : والغيبة بالمهملة وعاء الثياب استعير للكفر وعبادة الاصنام وقيل المراد به الفخر وعن ابن عمر وابي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم طاف يوم فتح مكة على راحلته يستلم الاركان بحجته وهي عصى محنية الرأس كالصولجان ولما خرج لم يجد مناخا فنزل على أيدي الرجال ثم قام فخطبهم فحمد الله واثنى عليه وقال "حديث : الحمد لله الذي اذهب عنكم غيبة الجاهلية وتكبرها يا أَيها الناس إِنما الناس رجلان مؤمن تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله ثم قرأ الآية ثم قال أقول قولي هذا واستغفر الله" تفسير : وعن الحسن الكرم التقي والحسب المال وعن ابن عباس كرم الدنيا وكرم الآخرة التقي وسئل صلى الله عليه وسلم اي الناس أكرم قال "حديث : أكرمكم عند الله أَتقاكم قالوا ليس عن هذا نسألك قال أكرم الناس يوسف نبي الله بن نبي الله بن خليل الله قالوا ليس عن هذا نسألك قال فعن معادن العرب قالوا نعم قال فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإِسلام إِذا فقهوا" تفسير : بضم القاف على المشهور وروي كسرها ومعناه اتعظوا* {إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ} بظاهركم يعلم انسابكم وغيرها* {خَبِيرٌ} بباطنكم قيل المتقي هو العالم بالله المواظب لبابه المتقرب الى جنابه وقيل التقوي أن يجتنب العبد المناهي ويأتي بالاوامر والفضائل ولا يغتر ولا يأمن فان اتفق أن يرتكب منهياً تاب في الحال وان أخر التوبة فليس بمتق لان المتقي لا يرتكب نهياً وهو مع ذلك خائف لا يشتغل بغير الله وان التفت لحظة الى نفسه وأهله وولده جعل ذلك ذنبه واستغفر

اطفيش

تفسير : {يا أيُّها النَّاسُ إنَّا خلقْناكم مِن ذكرٍ وأنْثَى} آدم وحواء، فأنتم سواء، فكيف يغتاب بعضكم بعضا؟ والمغتاب يريد باغتيابه الترفع على المغتاب، وكيف يترفع عليه وهما أخوان فى الدين؟ وكيف يظن السوء فيه ولا يأخذ حذره عن الظن؟ وكيف يلمزه؟ وكيف يسخر منه: شعر : الناس من قبل التمثيل أكفاء أبوهم آدم والأم حوَّاء تفسير : ومعظم تعلق الآية هو قوله: "أية : يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم" تفسير : [الحجرات: 11] فما مر أولى من قول بعض: الذكر والأنثى أبو كل انسان وأمه، ووجه هذا القول أنكم كلكم قد ولدتكم رجال ونساء، فما وجه الفخر، وقد استويتم، وانما يعتبر التقوى. {وجَعَلْناكم شعُوباً} العب بفتح فاسكان الجمع العظيم، المنتسبون الى أصل واحد جامع للقبائل، سميت كأن القبائل تشعبت منها، فهم رءوس القبائل كربيعة ومضر، والأوس والخزرج أسماء لآباء القبائل، وقيل: سموا لتجمعهم، وهو من الأضداد. {وقبائل} القبيلة تجمع العمائر، والعمارة بفتح وكسر البطون، والبطن الأفخاذ، والفخذ الفصائل فخزيمة شعب، وكنانة قبيلة وقريش عمارة، وقصى بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة، وذلك قول الجمهور، وعبارة بعضهم: القبائل دون الشعوب، كبكر من ربيعة، وتميم من مضر، ودون القبائل العمائر، كشيبان من بكر، ودارم من تميم، ودون العمائر البطون، كبنى غالب ولؤى من قريش، ودون البطون الأفخاذ، كبنى هاشم وبنى أمية من لؤى، ودون الأفخاذ الفصائل، كبنى العباس من بنى هاشم، وبعد ذلك العمائر، وليس بعد العشيرة شىء بوصف. وعن الكلبى: الشعب، فالقبيلة، فالفصيلة، فالعمارة، فالفخذ، وقيل: الشعوب فى العجم، والقبائل فى العرب، والأسباط فى بنى اسرئيل، قال مسروق: أسلم رجل من الشعب، فكانت تؤخذ منه الجزية، وقيل: الشعوب عرب اليمن من قحطان، والقبائل ربيعة ومضر وسائر عدنان، وقال قتادة ومجاهد والضحاك: الشعب النسب الأبعد، والقبيلة الأقرب، وقيل: الشعوب الموالى، والقبائل العرب، وقيل: الشعوب المنتسبون الى المدائن والقرى، والقبائل العرب الذى ينتسبون الى آبائهم. {لِتَعَارفُوا} ليعرف بعضكم بعضا، فتصلوا الأرحام والتوارث والنفقة، لا لتتفاخروا بالآباء والقبائل، والأصل لتتعارفوا فحذفت احدى التاءين، كما قرأ الأعمش بالتاءين، وكما قرأ ابن كثر بشد التاء لادغام احداهما فى الأخرى {إنَّ أكْرمكُم عنْد الله أتقاكم} تعليل جملى، كما قرأ ابن عباس: لتعرفوا أن أكرمكم بتاء واحدة، واسقاط الألف، وكسر الراء وفتح همزة ان، وصح تعليل جعلناكم بالتعارف، لأن المراد جعلناكم شعوبا وقبائل ليعرف بعضكم بعضا لا للتفاخر، لان أكرمكم عند الله أتقاكم، لا افضلكم نسبا، وكأنه قيل: لم لا نتفاخر بالأنساب؟ فقيل: لأن أكرمكم ولو جاز التفاخر لجاز التفاخر بالتقوى، وقد يجوز ترفعا على المشركين وعلى طريق الشكر لغرض صحيح شرعياً وتبيينا لكون المعتبر التقوى، ويقال: المتقى العالم بالله تعالى المواظب على الوقوف ببابه، المتقرب الى جنابه، وقيلك المتقى مجتنب المناهى الآتى بالأوامر والفضائل، السريع التوبة عما صدر منه اذا صدر، وعلى قراءة ابن عباس لتعرفوا ان بكسر الهمزة يكون المعنى لتعرفوا ما تحتاجون من الصلة والارث وغير ذلك، أو لتعرفوا الحق وهو شرف التقوى، {إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم} وعلى قراءة لتعرفوا أن بالفتح يكون المعنى على التعليل، أو الأمر أن يعرفوا أن الأكرم عند الله الأتقى، فتكون اللام للأمر والمفعول هو المصدر مما بعد. تقدمت قصة ثابت بن قيس بن شماس، وقوله لمن لمن يتزحزح له: انك ابن بنت فلانة، ولما قال له ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : "من القائل فلانة؟" فقال: أنا يا رسول الله، قال: "انظر في وجوه القوم" فنظر فقال: ما رأيت يا خافت قال: رأيت أبيض وأحمر وأسود قال: "فإنك لا تفضلهم إلاَّ بالتقوى"" تفسير : ونزل فيه: {إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم} ونزل فى الذى لم يفسح: "أية : إذا قيل لكم تفسحوا" تفسير : [المجادلة: 11] الآية. وعن ابن عمر: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح على راحلته يستلم الأركان بمحجنه، أى بعصا معوجة الرأس، ولما فرغ لما يجد مناخا فنزل على أيدى الرجال، ثم قالم فخطبهم فحمد الله واثنى عليه وقال: "حديث : الحمد لله الذي أذهب عنكم عيبة الجاهلية - يعنى فخرها - وأذهب تكبرها، يا أيها الناس إنَّ الناس رجلان بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله عز وجل، ثم تلا: "يا أيها الناس إنَّا خلقناكم من ذكر وأنثى" ثم قال أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم" تفسير : وعن يزيد بن شجرة: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سوق المدينة فرأى غلاما أسود يقول: من اشترانى فعلى شرط أن لا يمنعنى من الصلوات الخمس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتراه بعض فمرض فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات وحضر دفنه، فقيل فى ذلك فنزلت، قلت: لعلها نزلت فى جيمع ما ذكروا، أو نزلت فى بعضها، ثم يقال: نزلت فى كذا بمعنى أنها شاملة له بالمعنى. {إنَّ الله عَليمٌ} بكم وبأعمالكم {خبيرٌ} ببواطن أحوالكم وباعتقادكم، أذن بلال رحمه الله عز وجل على الكعبة فأغضب الحارث ابن هشام، وعتاب بن أسيد وقالا: أهذا العبد يؤذن على الكعبة فنزلت: {يا أيها النَّاس إنَّا خلقناكم} الآية، ولما أذن بلال على الكعبة قال عتاب بن أسيد بن العيص: الحمد لله الذى قبض أبى ولم ير هذا اليوم، وقال الحارث بن هشام: أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا؟ وقال سهل بن عمرو: ان كره الله نبيا يغيره، قال أبو سفيان: انى لا أقول شيئا أخاف أن يخبره رب السماء، فنزل جبريل فأخبره رسول صلى الله عليه وسلم بما قالوا، فسألهم فاقروا، ونزلت الآية. ويروى انه صلى الله عليه وسلم أمر بنى بياضة أن يزوجوا أبا هند، وكان مولى حجاما، وكان يحجم النبى صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله أتزوج بناتنا موالينا، فنزلت الآية، وقال: "حديث : "أنحكوه وأنكحوا إليه" وقال في خطبته في حجة الوداع وغيرها: "الحمد لله الذي أذهب تكبر الجاهلية وافتخارها بآبائها، الناس بر وفاجر، أبوهم آدم وآدم من تراب، لا فضل لأحد على آخر إلاَّ بالتقوى، قال الله تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم} إلى قوله تعالى: {خبير} وربكم واحد، إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه، ولينتهين أقوام يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان" وقال في آخر الخطبة: "ألا هل بلغت؟" قالوا: نعم يا رسول الله، قال: "فليبلغ الشاهد الغائب"" تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول الله تعالى يوم القيامة: يا أيها الناس إني جعلت نسباً وجعلتم نسباً فجعلت أكرمكم عند الله أتقاكم فأبيتم إلاَّ أنْ تقولا فلان ابن فلان، وفلان أكرم من فلان، وإني اليوم أرفع نسبي وأضع نسبكم ألا إن أوليائي المتقون ". تفسير : ولا يخفى أن النسب الحسن حسن ومعتبر ان قارنته التقوى، قال صلى الله عليه وسلم إذ سئل عن اشرف العرب: "حديث : خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا" تفسير : وأكرم الكرم التقوى، وألأم اللؤم الفخور، عن ابن عباس: كرم الدنيا الغنى، وكرم الآخرة التقوى، وفى الترمذى، عن سمرة بن جندب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحسب المال والكرم التقوى" تفسير : وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اكرم الناس قال: "حديث : "أكرمكم أتقاكم" فقالوا: لم نسألك عن هذا؟ قال: "فأكرم الناس يوسف نبي الله بن بني الله ابن نبي الله بن خليل الله" قالوا: لم نسألك عن هذا؟ قال: "فعن معادن العرب تسألون؟" قالوا: نعم قال: "فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا"" تفسير : أى عملوا بالشرع، رواه البخارى ومسلم، والتخيير فى الجاهلية انما هو بالنسب مع خصال الخير، كالجود والسمع والشجاعة والصبر، ولا عبرة بشرف نسب بلا تقوى، ولو كان قد يعتبر فى شأن كخصلة، كما ذكروا ان الفرس أشرف من النبط، أى فى خصال ونسب، وبنى اسرائيل أشرف من القبط أى فى النسب والدين. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ الله اصطفى كنانة من أولاد اسماعيل، وقريشاً من كنانة، وبني هاشم من قريش، وأبي من بني هاشم، وإياي من أبي" تفسير : وليس العرب مطلقا أفضل من العجم، بل المراد المجموع، وأشرف العرب نسبا أولاد فاطمة رضى الله عنها، للنبى صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل الأنساب يوم القيامة تنقطع إلاَّ نسبي وصهري" تفسير : وقال: "حديث : لا ينفع نسبي من لم يعمل بما جئت به" تفسير : ومن يفتخر بالنسب اليه صلى الله عليه وسلم وفسق فقد دنس انتسابه بفسقه، وافتخار الفاسق بنسبه، كافتخار الكوسج بلحية أخيه، ويجب على ذى الانتساب إليه صلى الله عليه وسلم التحرج عن المعاصى أكثر مما يجب على غيره، فيكون كمن زاد على الزبد شهدا، والحسنة فى نفسها حسنة، وهى من بيت النبوة أحسن، والسيئة فى نفسها سيئة، وهى من أهل بيت النبوة أسوأ، ولا يجب أن يكون الامام من كنانة أو أقرب، نعم هم أولى ان وجدت الكفاية.

الالوسي

تفسير : { يأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ } من آدم وحواء عليهما السلام فالكل سواء في ذلك فلا وجه للتفاخر بالنسب ومن هذا قوله:شعر : / الناس في عالم التمثيل أكفاء أبوهم آدم والأم حواء تفسير : وجوز أن يكون المراد هنا: إنا خلقنا كل واحد منكم من أب وأم، ويبعده عدم ظهور ترتب ذم التفاخر بالنسب عليه والكلام مساق له كما ينبـىء عنه ما بعد، وقيل: هو تقرير للأخوة المانعة عن الاغتياب وعدم ظهور الترتب عليه على حاله مع أن ملاءمة ما بعد له دون ملاءمته للوجه السابق لكن وجه تقريره للأخوة ظاهر. {وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ } الشعوب جمع شعب بفتح الشين وسكون العين وهم الجمع العظيم المنتسبون إلى أصل واحد، وهو يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة - بفتح العين وقد تكسر - تجمع البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، والفخذ تجمع الفصائل، فخزيمة شعب وكنانة قبيلة وقريش عمارة وقصى بطن وهاشم فخذ والعباس فصيلة؛ وسميت الشعوب لأن القبائل تشعبت منها، وهذا هو الذي عليه أكثر أهل النسب واللغة، ونظم ذلك بعض الأدباء فقال:شعر : قبيلة فوقها شعب وبعدهما عمارة ثم بطن تلوه فخذ وليس يؤوي الفتى إلا فصيلته ولا سداد لسهم ماله قذذ تفسير : وذكر بعضهم العشيرة بعد الفصيلة فقال:شعر : اقصد الشعب فهو أكثر حي عدداً في الحساب ثم القبيلة ثم يتلوهما العمارة ثم البطن ثم الفخذ وبعد الفصيله ثم من بعدها العشيرة لكن هي في جنب ما ذكرنا قليله تفسير : وحكى أبو عبيد عن ابن الكلبـي عن أبيه تقديم الشعب ثم القبيلة ثم الفصيلة ثم العمارة ثم الفخذ فأقام الفصيلة مقام العمارة والعمارة مقام الفصيلة في ذكرها قبل الفخذ ولم يذكر ما يخالفه، وقيل: الشعوب في العجم والقبائل في العرب والأسباط في بني إسرائيل، وأيد كون الشعوب في العجم ما في حديث مسروق أن رجلاً من الشعوب أسلم فكانت تؤخذ منه الجزية؛ فإن الشعوب فيه فسرت بالعجم لكن قيل: وجهه على ما تقدم أن الشعب ما تشعب منه قبائل العرب والعجم فخص بأحدهما، ويجوز أن يكون جمع الشعوبي وهو الذي يصغر شأن العرب ولا يرى لهم فضلاً على غيرهم كيهود ومجوس في جمع المجوسي واليهودي، ومنهم أبو عبيدة وكان خارجياً وقد ألف كتاباً في «مثالب العرب»، وابن غرسية وله «رسالة فصيحة في تفضيل العجم على العرب»، وقد رد عليه علماء الأندلس برسائل عديدة. وقيل: الشعوب عرب اليمن من قحطان والقبائل ربيعة ومضر وسائر عدنان، وقال قتادة ومجاهد والضحاك: الشعب النسب الأبعد والقبيلة الأقرب، وقيل: الشعوب الموالي والقبائل العرب، وقال أبو روق: الشعوب الذين ينتسبون إلى المدائن والقرى والقبائل العرب الذين ينتسبون إلى آبائهم. {لِتَعَـٰرَفُواْ } علة للجعل أي جعلناكم كذلك ليعرف بعضكم بعضاً فتصلوا الأرحام وتبينوا الأنساب والتوارث لا لتفاخروا بالآباء والقبائل، والحصر مأخوذ من التخصيص بالذكر والسكوت في معرض البيان. وقرأ الأعمش {لتتعارفوا} بتاءين على الأصل، ومجاهد وابن كثير في رواية وابن محيصن بإدغام التاء في التاء، وابن عباس وأبان عن عاصم {لتعرفوا} بكسر الراء مضارع عرف، قال ابن جني: والمفعول محذوف أي لتعرفوا ما أنتم محتاجون إليه كقوله:شعر : وما علم الإنسان إلا ليعلما تفسير : أي ليعلم ما علمه وما أعذب هذا الحذف وما أغربه لمن يعرف مذهبه. / واختير في المفعول المقدر قرابة بعضكم من بعض. وقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عنْدَ ٱللَّهِ أَتْقَـٰكُمْ } تعليل للنهي عن التفاخر بالأنساب المستفاد من الكلام بطريق الاستئناف الحقيقي كأنه قيل: إن الأكرم عند الله تعالى والأرفع منزلة لديه عز وجل في الآخرة والدنيا هو الأتقى فإن فاخرتم ففاخروا بالتقوى. وقرأ ابن عباس {أَن} بفتح الهمزة على حذف لام التعليل كأنه قيل: لم لا تتفاخروا بالأنساب؟ فقيل: لأن أكرمكم عند الله تعالى أتقاكم لا أنسبكم فإن مدار كمال النفوس وتفاوت الأشخاص هو التقوى فمن رام نيل الدرجات العلا فعليه بها. وفي «البحر» أن ابن عباس قرأ {لتعرفوا أن أكرمكم} بفتح الهمزة فاحتمل أن يكون {أَنَّ أَكْرَمَكُمْ } الخ معمولاً {لتعرفوا } وتكون اللام في {لتعرفوا } لام الأمر وهو أجود من حيث المعنى، وأما إن كانت لام كي فلا يظهر المعنى إذ ليس جعلهم شعوباً وقبائل لأن يعرفوا أن أكرمهم عند الله تعالى أتقاهم فإن جعلت مفعولاً {لِتَعَـٰرَفُواْ } محذوفاً أي لتعرفوا الحق لأن أكرمكم عند الله أتقاكم ساغ في اللام أن تكون لام كي اهـ وهو كما ترى. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ } بكم وبأعمالكم {خَبِيرٌ } بباطن أحوالكم. روي أنه لما كان يوم فتح مكة أذن بلال على الكعبة فغضب الحرث بن هشام وعتاب بن أسيد وقالا: أهذا العبد الأسود يؤذن على ظهر الكعبة فنزلت.حديث : وعن ابن عباس سبب نزولها قول ثابت بن قيس لرجل لم يفسح له عند النبـي صلى الله تعالى عليه وسلم يا ابن فلانة فوبخه النبـي عليه الصلاة والسلام وقال: إنك لا تفضل أحداً إلا في الدين والتقوى ونزلت. تفسير : وأخرج أبو داود في «مراسيله» وابن مردويه والبيهقي في «سننه» حديث : عن الزهري قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بني بياضة أن يزوجوا أبا هند امرأة منهم فقالوا: يا رسول الله أنزوج بناتنا موالينا؟ فأنزل الله تعالى: {يأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ } الآية تفسير : قال الزهري: نزلت في أبـي هند خاصة وكان حجام النبـي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية ابن مردويه من طريق الزهري عن عروة حديث : عن عائشة أنه عليه الصلاة والسلام قال: أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه ونزلت: {يا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ } الآية في ذلك، حديث : وعن يزيد بن شجرة مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في سوق المدينة فرأى غلاماً أسود يقول: من اشتراني فعلى شرط لا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف رسول الله عليه الصلاة والسلام فاشتراه رجل فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراه عند كل صلاة ففقده فسأل عنه صاحبه فقال: محموم فعاده ثم سأل عنه بعد أيام فقال: هو لما به فجاءه وهو في ذمائه فتولى غسله ودفنه فدخل على المهاجرين والأنصار أمر عظيم فنزلت، تفسير : وفي القلب من صحة هذا شيء والله تعالى أعلم. وقد دلت على أنه لا ينبغي التفاخر بالأنساب وبذلك نطقت الأخبار. أخرج ابن مردويه والبيهقي في «شعب الإيمان» وعبد بن حميد والترمذي وغيرهم حديث : عن ابن عمر أن النبـي صلى الله عليه وسلم طاف يوم الفتح على راحلته يستلم الأركان بمحجنه فلما خرج لم يجد مناخاً فنزل على أيدي الرجال فخطبهم فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وقال: الحمد لله الذي أذهب عنكم عبية الجاهلية وتكبرها يا أيها الناس الناس رجلان بر تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله الناس كلهم بنو آدم وخلق الله آدم من تراب قال الله تعالى: {يأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ } إلى قوله تعالى: {خَبِيرٌ } ثم قال: أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكمتفسير : . وأخرج البيهقي وابن مردويه حديث : عن جابر بن عبد الله قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال: يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد لا فضل لعربـي على عجمي ولا لعجمي على عربـي ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَـٰكُمْ } ألا هل بلغت؟ قالوا: / بلى يا رسول الله قال: فليبلغ الشاهد الغائب. تفسير : وأخرج البيهقي عن أبـي أمامة قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أذهب نخوة الجاهلية وتكبرها بآبائها كلكم لآدم وحواء كطف الصاع بالصاع وإن أكرمكم عند الله أتقاكم فمن أتاكم ترضون دينه وأمانته فزوجوه»تفسير : وأخرج أحمد وجماعة نحوه لكن ليس فيه «فمن أتاكم» الخ. وأخرج البزار عن حذيفة قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان»تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبـي هريرة عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يقول الله يوم القيامة أيها الناس إني جعلت نسباً وجعلتم نسباً فجعلت أكرمكم عند الله أتقاكم فأبيتم إلا أن تقولوا: فلان بن فلان وفلان أكرم من فلان وإني اليوم أرفع نسبـي وأضع نسبكم ألا إن أوليائي المتقون»تفسير : وأخرج الخطيب عن علي كرم الله تعالى وجهه نحوه مرفوعاً. وأخرج أحمد والبخاري في «تاريخه» وأبو يعلى والبغوي وابن قانع والطبراني والبيهقي في «شعب الإيمان» عن أبـي ريحانة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزاً وكبراً فهو عاشرهم في النار»تفسير : وأخرج البخاري والنسائي عن أبـي هريرة قال: «حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أكرم؟ قال: أكرمهم عند الله أتقاهم قالوا: ليس عن هذا نسألك قال: فأكرم الناس يوسف نبـي الله ابن نبـي الله ابن خليل الله قالوا: ليس عن هذا نسألك قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم قال: خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا»تفسير : والأحاديث في هذا الباب أكثر من أن تحصى. وفي الآية إشارة إلى وجه رد التفاخر بالنسب حيث أفادت أن شرف النسب غير مكتسب {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَـٰنِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ } تفسير : [النجم: 39] وأنه لا فرق بين النسيب وغيره من جهة المادة لاتحاد ما خلقا منه، ولا من جهة الفاعل لأنه هو الله تعالى الواحد، فليس للنسب شرف يعول عليه ويكون مداراً للثواب عند الله عز وجل، ولا أحد أكرم من أحد عنده سبحانه إلا بالتقوى وبها تكمل النفس وتتفاضل الأشخاص، وهذا لا ينافي كون العرب أشرف من العجم وتفاوت كل من العرب والعجم في الشرف، فقد ذكروا أن الفرس أشرف من النبط، وبنو إسرائيل أفضل من القبط. وأخرج مسلم وغيره عن واثلة بن الأسقع قال: «حديث : قال صلى الله عليه وسلم إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم»تفسير : لأن ذلك ليس إلا باعتبار الخصال الحميدة، فشرف العرب على العجم مثلاً ليس إلا باعتبار أن الله تعالى امتازهم على من سواهم بفضائل جمة وخصال حميدة كما صحت به الأحاديث، وقد جمع الكثير منها العلامة ابن حجر الهيتمي في كتابه «مبلغ الأرب في فضائل العرب»، ولا نعني بذلك أن كل عربـي ممتاز على كل عجمي بالخصال الحميدة بل إن المجموع ممتاز على المجموع، ثم إن أشرف العرب نسباً أولاد فاطمة رضي الله تعالى عنها لأنهم ينسبون إلى النبـي صلى الله عليه وسلم كما صرح به جمع من الفقهاء. وأخرج الطبراني عن فاطمة رضي الله تعالى عنها قالت: «حديث : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كل بني آدم ينتمون إلى عصبة إلا ولد فاطمة فأنا وليهم وأنا عصبتهم»تفسير : وفي رواية له عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه «كل ابن أنثى كان عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فأنا عصبتهم وأنا أبوهم» ونوزع في صحة ذلك، ورمز الجلال السيوطي للأول بأنه حسن، وتعقب وليس الأمر موقوفاً على ما ذكر لظهور دليله. وقد أخرج أحمد والحاكم في «المستدرك» عن المسور بن مخرمة ـ ولا كلام فيه ـ قال: «حديث : قال صلى الله عليه وسلم فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها وإن الأنساب كلها تنقطع يوم القيامة غير نسبـي وسببـي وصهري»تفسير : وحديث بضعية فاطمة رضي الله تعالى عنها / مخرج في «صحيح البخاري» أيضاً، قال الشريف السمهودي: ومعلوم أن أولادها بضعة منها فيكونون بواسطتها بضعة منه صلى الله عليه وسلم، وهذا غاية الشرف لأولادها، وعدم انقطاع نسبه صلى الله عليه وسلم جاء أيضاً في حديث أخرجه ابن عساكر عن عمر رضي الله تعالى عنه مرفوعاً بلفظ «حديث : كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبـي وصهري»تفسير : والذهبـي وإن تعقبه بقوله: فيه ابن وكيع لا يعتمد لكن استدرك ذلك بأنه ورد فيه مرسل حسن، ويعلم مما ذكر ونحوه ـ كما قال المناوي ـ عظيم نفع الانتساب إليه صلى الله عليه وسلم، ولا يعارضه ما في أخبار أخر من حثه عليه الصلاة والسلام لأهل بيته على خشية الله تعالى واتقائه سبحانه وأنه عليه الصلاة والسلام لا يغني عنهم من الله تعالى شيئاً حرصاً على إرشادهم وتحذيراً لهم من أن يتكلوا على النسب فتقصر خطاهم عن اللحوق بالسابقين من المتقين، وليجتمع لهم الشرفان شرف التقوى وشرف النسب، ورعاية لمقام التخويف خاطبهم عليه الصلاة والسلام بقوله: «حديث : لا أغني عنكم من الله شيئاً»تفسير : والمراد لا أغني عنكم شيئاً بمجرد نفسي من غير ما يكرمني الله تعالى به من نحو شفاعة فيكم ومغفرة منه تعالى لكم، وهو عليه الصلاة والسلام لا يملك لأحد نفعاً ولا ضراً إلا بتمليك الله تعالى، والله سبحانه يملكه نفع أمته والأقربون أولى بالمعروف. فعلى هذا لا بأس بقول الرجل: أنا من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه التحدث بالنعمة أو نحو ذلك من المقاصد الشرعية. وقد نقل المناوي عن ابن حجر أنه قال نهيه صلى الله عليه وسلم عن التفاخر بالأنساب موضعه مفاخرة تقتضي تكبراً واحتقار مسلم، وعلى ما ذكرناه أولاً جاء قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل»تفسير : الحديث، وقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنا النبـي لا كذب أنا ابن عبد المطلب»تفسير : إلى غير ذلك، ومع شرف الانتساب إليه عليه الصلاة والسلام لا ينبغي لمن رزقه أن يجعله عاطلاً عن التقوى ويدنسه بمتابعة الهوى، فالحسنة في نفسها حسنة وهي من بيت النبوة أحسن، والسيئة في نفسها سيئة وهي من أهل بيت النبوة أسوأ، وقد يبلغ اتباع الهوى بذلك النسيب الشريف إلى حيث يستحي أن ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وربما ينكر نسبه. وعليه قيل لشريف سيء الأفعال:شعر : قال النبـي مقال صدق لم يزل يحلو لدى الأسماع والأفواه إن فاتكم أصل امرىء ففعاله تنبيكم عن أصله المتناهي وأراك تسفر عن فعال لم تزل بين الأنام عديمة الأشباه وتقول إني من سلالة أحمد أفأنت تصدق أم رسول الله تفسير : ولا يلومن الشريف إلا نفسه إذا عومل حينئذٍ بما يكره وقدم عليه من هو دونه في النسب بمراحل، كما يحكي أن بعض الشرفاء في بلاد خراسان كان أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غير أنه كان فاسقاً ظاهر الفسق وكان هناك مولى أسود تقدم في العلم والعمل فأكب الناس على تعظيمه فاتفق أن خرج يوماً من بيته يقصد المسجد فاتبعه خلق كثير يتبركون به فلقيه الشريف سكران فكان الناس يطردونه عن طريقه فغلبهم وتعلق بأطراف الشيخ وقال: يا أسود الحوافر والمشافر يا كافر ابن كافر أنا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذل وأنت تجل وأهان وأنت تعان فهم الناس بضربه فقال الشيخ: لا تفعلوا هذا محتمل منه لجده ومعفو عنه وإن خرج عن حده، ولكن أيها الشريف بيضت باطني وسودت باطنك فرؤي بياض قلبي فوق سواد وجهي فحسنت وسواد قلبك فوق بياض وجهك فقبحت؛ وأخذت سيرة أبيك وأخذت سيرة أبـي فرآني الخلق في سيرة أبيك ورأوك / في سيرة أبـي فظنوني ابن أبيك وظنوك ابن أبـي فعملوا معك ما يعمل مع أبـي وعملوا معي ما يعمل مع أبيك، ولهذا ونحوه قيل:شعر : ولا ينفع الأصل من هاشم إذا كانت النفس من باهلة تفسير : أي لا ينفع في الامتياز على ذوي الخصال السنية إذا كانت النفس في حد ذاتها باهلية ردية ومن الكمالات عرية، فإن باهلة في الأصل اسم امرأة من همدان كانت تحت معن بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان فنسب ولده إليها، وقيل: بنو باهلة وهم قوم معروفون بالخساسة، قيل: كانوا يأكلون بقية الطعام مرة ثانية وكانوا يأخذون عظام الميتة يطبخونها ويأخذون دسوماتها فاستنقصتهم العرب جداً حتى قيل لعربـي أترضى أن تكون باهلياً وتدخل الجنة فقال: لا إلا بشرط أن لا يعلم أهل الجنة أني باهلي، وقيل:شعر : إذا قيل للكلب يا باهلي عوى الكلب من شؤم هذا النسب تفسير : ولم يجعلهم الفقهاء لذلك أَكْفَاء لغيرهم من العرب لكن لا يخلو ذلك من نظر، فإن النص أعني «حديث : إن العرب بعضهم أكفاء لبعض» تفسير : لم يفصل مع أنه صلى الله عليه وسلم كان أعلم بقبائل العرب وأخلاقهم وقد أطلق؛ وليس كل باهلي كما يقولون بل فيهم الأجواد، وكون فصيلة منهم أو بطن صعاليك فعلوا ما فعلوا لا يسري في حق الكل اللهم إلا أن يقال: مدار الكفاءة وعدمها على العار وعدمه في المعروف بين الناس فمتى عدوا الباهلية عاراً وشاع استنقاصها فيما بينهم وأبتها نفوسهم اعتبر ذلك وإن لم يكن عن أصل أصيل، وهذا نظير ما ذكروا فيما إذا اشترى الشخص داراً فتبين أن الناس يستشئمونها أنه بالخيار مع قول الجل من العلماء بنفي الشؤم المتعارف بين الناس اعتباراً لكون ذلك مما ينقص الثمن بين الناس وإن لم يكن له أصل فتأمله. وبالجملة شرف النسب مما اعتبر جاهلية وإسلاماً، أما جاهلية فأظهر من أن يبرهن عليه، وأما إسلاماً فيدل عليه اعتبار الكفاءة في النسب في باب النكاح على الوجه المفصل في كتب الفقه، ولم يخالف في ذلك فيما نعلم إلا الإمام مالك والثوري والكرخي من الحنفية، وبعض ما تقدم من الأخبار يؤيد كلامهم لكن أجيب عنه في محله، وكذا يدل عليه ما ذكروه في بيان شرائط الإمامة العظمى من أنه يشترط فيها كون الإمام قرشياً، وقد أجمعوا على ذلك كما قال الماوردي، ولا اعتبار بضرار وأبـي بكر الباقلاني حيث شذا فجوزاها في جميع الناس، وقال الشافعية: فإن لم يوجد قرشي أي مستجمع لشروط الإمامة اعتبر كون الإمام كنانياً من ولد كنانة بن خزيمة، فإن تعذر اعتبر كونه من بني إسماعيل عليه السلام، فإن تعذر اعتبر كونه من جرهم لشرفهم بصهارة إسماعيل عليه السلام إلى غير ذلك، ومع هذا كله فالتقوى التقوى فالاتكال على النسب وترك النفس وهواها من ضعف الرأي وقلة العقل، ويكفي في هذا الفصل قوله تعالى لنوح عليه السلام في ابنه كنعان: {أية : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ } تفسير : [هود: 46] وقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : سلمان منا أهل البيت»تفسير : فالحزم اللائق بالنسيب أن يتقي الله تعالى ويكتسب من الخصال الحميدة ما لو كانت في غير نسيب لكفته ليكون قد زاد على الزبد شهداً وعلق على جيد الحسناء عقداً؛ ولا يكتفي بمجرد الانتساب إلى جدود سلفوا ليقال له: نعم الجدود ولكن بئس ما خلفوا، وقد ابتلي كثير من الناس بذلك فترى أحدهم يفتخر بعظم بال وهو عري كالإبرة من كل كمال ويقول: كان أبـي كذا وكذا وذاك وصف أبيه فافتخاره به نحو افتخار الكوسج بلحية أخيه، ومن هنا قيل:شعر : وأعجب شيء إلى عاقل أناس عن الفضل مستأخره / إذا سئلوا ما لهم من علا أشاروا إلى أعظم ناخره تفسير : وقال الفاضل السري عبد الباقي أفندي العمري:شعر : أقول لمن غدا في كل وقت يباهينا بأسلاف عظام أتقنع بالعظام وأنت تدري بأن الكلب يقنع بالعظام تفسير : وما ألطف قوله:شعر : لم يجدك الحسب العالي بغير تقى مولاك شيئاً فحاذر واتق الله وابغ الكرامة في نيل الفخار به فأكرم الناس عند الله أتقاها تفسير : وأكثر ما رأينا ذلك الافتخار البارد عند أولاد مشايخ الزوايا الصوفية فإنهم ارتكبوا كل رذيلة وتعروا عن كل فضيلة ومع ذلك استطالوا بآبائهم على فضلاء البرية واحتقروا أناساً فاقوهم حسباً ونسباً وشرفوهم أماً وأباً وهذا هو الضلال البعيد والحمق الذي ليس عليه مزيد، ولولا خشية السأم لأطلقنا في هذا الميدان عنان كميت القلم على أن فيما ذكرنا كفاية لمن أخذت بيده العناية والله تعالى أعلم.

ابن عاشور

تفسير : انتقال من واجبات المعاملات إلى ما يجب أن يراعيه المرء في نفسه، وأعيد النداء للاهتمام بهذا الغرض، إذ كان إعجابُ كل قبيلة بفضائلها وتفضيل قومها على غيرهم فاشياً في الجاهلية كما ترى بقيته في شعر الفرزدق وجرير، وكانوا يحقرون بعض القبائل مثل بَاهلة، وضُبيعة، وبني عُكل. سئل أعرابي: أتحب أن تدخل الجنة وأنت باهلي فأطرق حينا ثم قال: على شرط أن لا يعلم أهل الجنة أني باهلى. فكان ذلك يجرّ إلى الإحن والتقاتل وتتفرع عليه السخرية واللمز والنبز والظن والتجسس والاغتياب الواردة فيها الآيات السابقة، فجاءت هذه الآية لتأديب المؤمنين على اجتناب ما كان في الجاهلية لاقتلاع جذوره الباقية في النفوس بسبب اختلاط طبقات المؤمنين بعد سنة الوفود إذ كثر الداخلون في الإسلام. فعن أبي داود أنه روىٰ في كتابه «المراسيل» عن الزهري قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بني بياضة (من الأنصار) أن يزوجوا أبا هند (مولَى بني بياضة قيل اسمه يَسار) امرأةً منهم فقالوا: تزوج بناتنا موالينَا، فأنزل الله تعالى: {إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا} الآية. وروي غير ذلك في سبب نزولها. ونُودوا بعنوان {الناس} دون المؤمنين رعيا للمناسبة بين هذا العنوان وبين ما صُدّر به الغرض من التذكير بأن أصلهم واحد، أي أنهم في الخلقة سواء ليتوسل بذلك إلى أن التفاضل والتفاخر إنما يكون بالفضائل وإلى أن التفاضل في الإسلام بزيادة التقوى فقيل: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى}. فمن أقدم على القول بأن هذه الآية نزلت في مكة دون بقية السورة اغترّ بأن غالِب الخطاب بــ {يا أيها الناس} إنما كان في المكي. والمراد بالذَكَر والأنثى: آدم وحواء أبَوَا البشر، بقرينة قوله {وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا}. ويؤيد هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : أنتم بنو آدم وآدم من تراب»تفسير : كما سيأتي قريباً. فيكون تنوين (ذكر وأنثىٰ) لأنهما وصفان لموصوف فقرر، أي من أب ذكر ومن أم أنثىٰ. ويجوز أن يراد بــ {ذكر وأنثى} صنف الذكر والأنثى، أي كل واحد مكون من صنف الذكر والأنثى. وحرف (من) على كلا الاحتمالين للابتداء. والشعوب: جمع شعب بفتح الشين وهو مجمع القبائل التي ترجع إلى جد واحد من أمة مخصوصة وقد يسمى جذماً، فالأمة العربية تنقسم إلى شعوب كثيرة فمُضر شعب، وربيعة شعب، وأنمار شعب، وإياد شعب، وتجمعها الأمة العربية المستعربة، وهي عدنان من ولد إسماعيل عليه السلام، وحمير وسبأ، والأزدُ شعوب من أمة قحطان. وكنانة وقيس وتميم قبائل من شعب مضر. ومَذْحج، وَكِنْدَة قبيلتان من شَعب سَبأ. والأوسُ والخزرج قبيلتان من شَعب الأزد. وتحت القبيلة العمارة مثل قريش من كِنانة، وتحت العمارة البطن مثل قصيّ من قريش، وتحت البطن الفخِذ مثل هاشم وأمية من قَصي، وتحت الفخذ الفصيلة مثل أبي طالب والعباس وأبي سفيان. واقُتصر على ذكر الشعوب والقبائل لأن ما تحتها داخل بطريق لحن الخطاب. وتجاوز القرآن عن ذكر الأمم جرياً على المتداول في كلام العرب في تقسيم طبقات الأنساب إذ لا يدركون إلا أنسابهم. وجعلت علة جَعْل الله إياه شعوباً وقبائل. وحكمتهُ من هذا الجَعل أن يتعارف الناس، أي يعرِف بعضهم بعضاً. والتعارف يحصل طبقة بعد طبقة متدرجاً إلى الأعلى، فالعائلة الواحدة متعارفون، والعشيرة متعارفون من عائلات إذ لا يخلون عن انتساب ومصاهرة، وهكذا تتعارف العشائر مع البطون والبطون مع العمائِر، والعمائِر مع القبائل، والقبائل مع الشعوب لأن كل درجة تأتلف من مجموع الدرجات التي دونها. فكان هذا التقسيم الذي ألهمهم الله إياه نظاماً محكماً لربط أواصرهم دون مشقة ولا تعذر فإن تسهيل حصول العمل بين عدد واسع الانتشار يكون بتجزئة تحصيله بين العدد القليل ثم ببث عمله بين طوائف من ذلك العدد القليل ثم بينه وبين جماعات أكثر. وهكذا حتى يعم أمة أو يعم الناس كلهم وما انتشرت الحضارات المماثلة بين البشر إلا بهذا الناموس الحكيم. والمقصود: أنكم حرَّفتم الفطرة وقلبتم الوضع فجعلتم اختلاف الشعوب والقبائل بِسبب تناكر وتطاحن وعدوان. ألا ترى إلى قول الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب:شعر : مهلاً بني عمنا مهلاً موالِينا لا تَنْبُشوا بيننا ما كان مدفوناً لا تطمَعوا أن تُهِينُونا ونكرمَكُم وأن نَكُف الأذى عنكم وتؤذونا تفسير : وقول العُقيلي وحاربه بنو عمه فقَتل منهم:شعر : ونَبكي حين نقتلكم عليكم ونَقتلكم كأنَّا لا نبالي تفسير : وقول الشَّمَيْذَرِ الحارثي:شعر : وقد ساءنِي ما جرَّت الحربُ بيننا بني عَمّنا لو كان أمراً مُدانيا تفسير : وأقوالهم في هذا لا تحصر عدا ما دون ذلك من التفاخر والتطاول والسخرية واللمز والنبز وسوء الظن والغيبة مما سبق ذكره. وقد جبر الله صدع العرب بالإسلام كما قال تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألَّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا} فردهم إلى الفطرة التي فطرهم عليها وكذلك تصاريف الدين الإسلامي ترجع بالناس إلى الفطرة السليمة. ولما أمر الله تعالى المؤمنين بأن يكونوا إخوة وأن يصلحوا بين الطوائف المتقاتلة ونهاهم عما يثلم الأخوة وما يَغِين على نُورها في نفوسهم من السخرية واللمز والتنابز والظن السوء والتَجسِس والغيبة، ذكَّرهم بأصل الأخوة في الأنساب التي أكدتها أخوة الإسلام ووحدة الاعتقاد ليكون ذلك التذكير عوناً على تبصرهم في حالهم، ولما كانت السخرية واللمز والتنابز مما يحمل عليه التنافس بين الأفراد والقبائل جمع الله ذلك كله في هذه الموعظة الحكيمة التي تدل على النداء عليهم بأنهم عَمدوا إلى هذا التشعيب الذي وضعتْه الحكمة الإلهية فاستعملوه في فاسد لوازمه وأهملوا صالح ما جعل له بقوله: {لتعارفوا} ثم وأتبعه بقوله: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} أي فإن تنافستم فتنافسوا في التقوى كما قال تعالى: {أية : وفي ذلك فليتنافس المتنافسون}تفسير : [المطففين: 26]. والخبر في قوله: {إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} مستعمل كناية عن المساواة في أصل النوع الإنساني ليتوصل من ذلك إلى إرادة اكتساب الفضائل والمزايا التي ترفع بعض الناس على بعض كناية بمرتبتين. والمعنى المقصود من ذلك هو مضمون جملة {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} فتلك الجملة تتنزل من جملة {إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} منزلة المقصد من المقدمة والنتيجةِ من القياس ولذلك فصلت لأنها بمنزلة البيان. وأما جملة {وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا} فهي معترضة بين الجملتين الأخريين. والمقصود من اعتراضها: إدماج تأديب آخر من واجب بث التعارف والتواصل بين القبائل والأمم وأن ذلك مراد الله منهم. ومن معنى الآية ما خطب به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع إذ قال: «حديث : يا أيها الناس ألاَ إن ربكم واحد وأن أباكم واحد لا فضل لعَربي على عجمي ولا لِعجمي على عربي ولا لأسودَ على أحمرَ ولا لأحمرَ على أسود إلا بالتقوى»تفسير : . ومن نمط نظم الآية وتبيينها ما رواه الترمذي في تفسير هذه الآية قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله أذهب عنكم عبيّة الجاهلية وفخرها لا لآباء الناس مؤمن تقي أو فاجر شقي أنتم بنو آدم وآدم من تراب»تفسير : . وفي رواية «أن ذلك مما خطب به يوم فتح مكة (عبية بضم العين المهملة وبكسرها وبتشديد الموحدة المكسورة ثم تشديد المثناة التحتية: الكبر والفخر. ووزنهما على لغة ضم الفاء فُعولة وعلى لغة كسر الفاء فعلية، وهي إما مشتقة من التعبية فتضعيف الباء لمجرد الإلحاق مثل نضّ الثوب بمعنى نضى أو مشتقة من عباب الماء فالتضعيف في الباء أصلي). وفي رواية ابن أبي حاتم بسنده إلى ابن عمر «طاف رسول الله يوم فتح مكة ثم خطبهم في بطن المسيل فذكر الحديث وزاد فيه أن الله يقول: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} إلى {إن الله عليم خبير}. وجملة {إن أكرمكم عند اللَّه أتقاكم} مستأنفة استئنافاً ابتدائياً وإنما أخّرت في النظم عن جملة إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، لتكون تلك الجملة السابقة كالتوطئة لهذه وتتنزل منها منزلة المقدمة لأنهم لما تساوَوا في أصل الخلقة من أب واحد وأم واحدة كان الشأن أن لا يفضُل بعضهم بعضاً إلا بالكمال النفساني وهو الكمال الذي يرضاه الله لهم والذي جعل التقوى وسيلته ولذلك ناط التفاضل في الكرم بــ {عند الله} إذ لا اعتداد بكرم لا يعبأ الله به. والمراد بالأكرم: الأنْفَس والأشَرف، كما تقدم بيانه في قوله: {أية : إني ألقي إلى كتاب كريم} تفسير : في سورة [النمل: 29]. والأتقى: الأفضل في التقوى وهو اسم تفضيل صيغ من اتَّقى على غير قياس. وجملة {إن الله عليم خبير} تعليل لمضمون {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} أي إنما كان أكرمكم أتقاكم لأن الله عليم بالكرامة الحق وأنتم جعلتم المكارم فيما دون ذلك من البطش وإفناء الأموال في غير وجه وغير ذلك الكرامة التي هي التقوى خبير بمقدار حظوظ الناس من التقوى فهي عنده حظوظ الكرامة فلذلك الأكرم هو الأتقى، وهذا كقوله: {أية : فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى}تفسير : [النجم: 32] أي هو أعلم بمراتبكم في التقوى، أي التي هي التزكية الحق. ومن هذا الباب قوله: {أية : الله أعمل حيث يجعل رسالته}تفسير : [الأنعام: 124]. علم أن قوله: {إن أكرمكم عند الله اتقاكم} لا ينافي أن تكون للناس مكارم أخرى في المرتبة الثانية بعد التقوى مما شأنه أن يكون له أثر تزكية في النفوس مثل حسن التربية ونقاء النسب والعرافة في العلم والحضارة وحسن السمعة في الأمم وفي الفصائل، وفي العائلات، وكذلك بحسب ما خلده التاريخ الصادق للأمم والأفراد فما يترك آثاراً لأفرادها وخلالاً في سلائلها قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا»تفسير : . فإن في خلق الأنباء آثاراً من طباع الآباء الأدنَيْن أو الأعَليْن تكون مهيئة نفوسهم للكمال أو ضده وأن للتهذيب والتربية آثاراً جمّة في تكميل النفوس أو تقصيرها وللعوائد والتقاليد آثارها في الرفعة والضعة وكل هذه وسائل لإعداد النفوس إلى الكمال والزكاء الحقيقي الذي تخططه التقوى. وجملة {إن الله عليم خبير} تذييل، وهو كناية عن الأمر بتزكية نواياهم في معاملاتهم وما يريدون من التقوى بأن الله يعلم ما في نفوسهم ويحاسبهم عليه.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه خلق الناس من ذكر وأنثى، ولم يبين هنا كيفية خلقه للذكر والأنثى المذكورين ولكنه بين ذلك في مواضع أخر من كتاب الله. فبين أنه خلق ذلك الذكر الذي هو آدم من تراب، وقد بين الأطوار التي مر بها ذلك التراب، كصيرورته طيناً لازباً وحمأً مسنوناً وصلصالاً كالفخار. وبين أنه خلق تلك الأنثى التي هي حواء من ذلك الذكر الذي هو آدم فقال في سورة النساء:{أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً}تفسير : [النساء: 1] وقال تعالى في الأعراف {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا}تفسير : [الأعراف: 189] وقال تعالى: في الزمر {أية : خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا}تفسير : [الزمر: 6]. وقد قدمنا أنه خلق نوع الإنسان على أربعة أنواع مختلفة: الأول منها: خلقه لا من أنثى ولا من ذكر وهو آدم عليه السلام. والثاني: خلقه من ذكر بدون أنثى وهو حواء. والثالث: خلقه من أنثى بدون ذكر وهو عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. الرابع: خلقه من ذكر وأنثى وهو سائر الآدميين، وهذا يدل على كمال قدرته جل وعلا. مسألة قد دلت هذه الآيات القرآنية المذكورة على أن المرأة الأولى كان وجودها الأول مستنداً إلى وجود الرجل وفرعاً عنه. وهذا أمر كوني قدري من الله، أنشأ المرأة في إيجادها الأول عليه. وقد جاء الشرع الكريم المنزل من الله ليعمل به في أرضه بمراعاة هذا الأمر الكوني القدري في حياة المرأة في جميع النواحي. فجعل الرجل قائماً عليها وجعلها مستندة إليه في جميع شؤونها كما قال تعالى:{أية : ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ}تفسير : [النساء: 34]. فمحاولة استواء المرأة مع الرجل في جميع نواحي الحياة لا يمكن أن تتحقق لأن الفوارق بين النوعين كوناً وقدراً أولاً، وشرعاً منزلاً ثانياًن تمنع من ذلك منعاً باتاً. ولقوة الفوارق الكونية والقدرية والشرعية بين الذكر والأنثى، صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن المتشبه من النوعين بالآخر. ولا شك أن سبب هذا للعن هو محاولة من أراد التشبه منهم بالآخر، لتحطيم هذه الفوارق التي لا يمكن أن تتحطم. وقد ثبت في صحيح البخاري من حيدث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "حديث : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال " تفسير : وقد قدمنا هذا الحديث بسنده في سورة بني إسرائيل، وبينا هناك أن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ملعون في كتاب الله، فلو كانت الفوارق بين الذكر والأنثى يمكن تحطيمها وإزالتها لم يستوجب من أراد ذلك اللعن من الله ورسوله. ولأجل تلك الفوارق العظيمة الكونية القدرية بين الذكر والأنثى فرق الله جل وعلا بينهما في الطلاق، فجعله بيد الرجل دون المرأة، وفي الميراث، وفي نسبة الأولاد إليه. وفي تعدد الزوجات دون الأزواج: صرح بأن شهادة امرأتين بمنزلة شهادة رجل واحد في قوله تعالى:{أية : فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ}تفسير : [البقرة: 282] الآية، فالله الذي خلقهما لا شك أنه أعلم بحقيقتهما، وقد صرح في كتابه بقيام الرجل مقام امرأتين في الشهادة. وقد قال تعالى: {أية : أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ}تفسير : [النجم: 21-22] أي غير عادلة لعدم استواء النصيبين لفضل الذكر على الأنثى. ولذلك: وقعت امرأة عمران في مشكلة لما وردت مريم، كما قال تعالى عنها:{أية : فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ}تفسير : [آل عمران: 36] الآية. فامرأة عمران تقول: {وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ}، وهي صادقة في ذلك بلا شك. والكفرة وأتباعهم يقولون: إن الذكر والأنثى سواء. ولا شك عند كل عاقل في صدق هذه السالبة وكذب هذه الموجبة. وقد أوضحنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى:{أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}تفسير : [الإسراء: 9] وجه الحكمة في جعل الطلاق بيد الرجل وتفضيل الذكر على الأنثى في الميراث وتعدد الزوجات، وكون الولد ينسب إلى الرجل، وذكرنا طرفاً من ذلك في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى:{أية : وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}تفسير : [البقرة: 228] وبينا أن الفوارق الطبيعية بينهما كون الذكورة شرفاً وكمالاً وقوة طبيعية خلقية، وكون الأنوثة بعكس ذلك. وبينا أن العقلاء جميعاً مطبقون على الاعتراف بذلك، وأن من أوضح الأدلة التي بينها القرآن على ذلك اتفاق العقلاء على أن الأنثى من حين نشأتها تجلى بأنواع الزينة من حلي وحلل، وذلك لجبر النقص الجبلي الخلقي الذي هو الأنوثة كما قال الشاعر: شعر : وما الحلي إلا زينة من نقيصة يتمم من حسن إذا الحسن قصرا تفسير : وقد بينا أن الله تعالى أوضح هذا بقوله: {أية : أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ}تفسير : [الزخرف: 18]، فأنكر على الكفار أنهم مع ادعاء الولد له تعالى جعلوا له أنقص الولدين وأضعفهما خلقة وجبلة وهو الأنثى. ولذلك نشأت في الحلية من صغرها، لتغطية النقص الذي هو الأنوثة وجبره بالزينة، فهو في الخصام غير مبين. لأن الأنثى لضعفها الخلقي الطبيعي لا تقدر أن تبين في الخصام إبانة الفحول الذكور، إذا اهتضمت وظلمت لضعفها الطبيعي. وإنكار الله تعالى على الكفار أنهم مع ادعائهم له الولد جعلوا له أنقص الولدين وأضعفهما كثير في القرآن كقوله تعالى:{أية : أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ مَالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}تفسير : [الصافات: 153-154] وقوله:{أية : أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً}تفسير : [الإسراء: 40] وقوله تعالى:{أية : لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ}تفسير : [الزمر: 4] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. وأما الذكر فإنه لا ينشأ في الحلية، لأن كمال ذكورته وشرفها وقوتها الطبيعية التي لا يحتاج معه إلى التزين بالحلية التي تحتاج إليه الأنثى، لكماله بذكورته ونقصها بأنوثتها. ومما لا نزاع فيه بين العقلاء أن الذكر والأنثى إذا تعاشرا المعاشرة البشرية الطبيعية التي لا بقاء للبشر دونها، فإن المرأة تتأثر بذلك تأثراً طبعياً كونياً قدرياً مانعاً لها من مزاولة الأعمال كالحمل والنفاس وما ينشأ عن ذلك من الضعف والمرض والألم. بخلاف الرجل فإنه لا يتأثر بشيء من ذلك، ومع هذه الفوارق لا يتجرأ على القول بمساواتهما في جميع الميادين إلا مكابر في المحسوس، فلا يدعو إلى المساواة بينهما إلا من أعمى الله بصيرته. وقد قدمنا في الموضعين اللذين أشرنا لهما من هذا الكتاب المبارك ما يكفي المنصف، فأغنى عن إعادته هنا. قوله تعالى: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ} لما كان قوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى} يدل على استواء الناس في الأصل، لأن أباهم واحد وأمهم واحدة وكان في ذلك أكبر زاجر عن التفاخر بالأنساب وتطاول بعض الناس على بعض، بين تعالى أنه جعلهم شعوباً وقبائل لأجل أن يتعارفوا أي يعرف بعضهم بعضاً، ويتميز بعضهم عن بعض لا لأجل أن يفتخر بعضهم على بعض ويتطاول عليه. وذلك يدل على أن كون بعضهم أفضل من بعض وأكرم منه إنما يكون بسبب آخر غير الأنساب. وقد بين الله ذلك هنا بقوله: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُم} فاتضح من هذا أن الفضل والكرم إنما هو بتقوى الله لا بغيره من الانتساب إلى القبائل، ولقد صدق من قال: شعر : فقد رفع الإسلام سلمان فارس وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب تفسير : وقد ذكروا أن سلمان رضي الله عنه كان يقول: شعر : أبي الإسلام لا أب ليس سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم تفسير : وهذه الآيات القرآنية، تدل على أن دين الإسلام سماوي صحيح، لا نظر فيه إلى الألوان ولا إلى العناصر، ولا إلى الجهات، وإنما المعتبر فيه تقوى الله جل وعلا وطاعته، فأكرم الناس وأفضلهم أتقاهم لله، ولا كرم ولا فضل لغير المتقي، ولو كان رفيع النسب. والشعوب جمع شعب، وهو الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب وهي: الشعب، والقبيلة، والعمارة، والبطن، والفخذ، والفصيلة. فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن يجمع الأفخاذ والفخذ يجمع الفصائل. خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة: وسميت الشعوب، لأن القبائل تتشعب منها. اهـ. ولم يذكر من هذه الست في القرآن إلا ثلاث الشعوب، والقبائل كما في هذه الآية، والفصيلة في المعارج في قوله:{أية : وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ}تفسير : [المعارج: 13] وقد قدمنا ما دلت عليه هذه الآيات موضحاً في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى:{أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}تفسير : [الإسراء: 9]. واعلم أن العرب قد تطلق بعض هذه الست على بعض كإطلاق البطن على القبيلة في قول الشاعر: شعر : وإن كلابا هذه عشر أبطن وأنت بريء من قبائلها العشر تفسير : كما قدمناه في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى:{أية : ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ}تفسير : [البقرة: 228].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 13- يا أيها الناس: إنا خلقناكم متساوين من أصل واحد هو آدم وحواء، وصيَّرناكم بالتكاثر جموعاً عظيمة وقبائل متعددة، ليتم التعارف والتعاون بينكم، إن أرفعكم منزلة عند الله فى الدنيا والآخرة أتقاكم له. إن الله محيط علمه بكل شئ، خبير لا تخفى عليه دقائق كل شأن. 14- قالت الأعراب بألسنتهم: آمنا، قل لهم - يا محمد -: لم تؤمنوا، لأن قلوبكم لم تصدق ما نطقتم به، ولكن قولوا: انقدنا ظاهراً لرسالتك ولمَّا يدخل الإيمان فى قلوبكم بعد، وإن تطيعوا الله ورسوله صادقين لا ينقصكم من ثواب أعمالكم أى شئ. إن الله عظيم المغفرة للعباد، ذو رحمة واسعة بكل شئ. 15- إنما المؤمنون - حقاً - هم الذين آمنوا بالله ورسوله، ثم لم يقع فى قلوبهم شك فيما آمنوا به، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى طريق طاعة الله، أولئك هم - وحدهم - الذين صدقوا فى إيمانهم. 16- قل لهم - يا محمد - تكذيباً لقولهم آمنا: أتخبرون الله بتصديق قلوبكم، والله - وحده - يعلم كل ما فى السموات، وكل ما فى الأرض، والله محيط علمه بكل شئ. 17- يعدون إسلامهم يداً لهم عليك - يا محمد - تستوجب شكرك لهم، قل: لا تمنُّوا علىَّ إسلامكم فخيره لكم، بل الله - وحده - يَمُنُّ عليكم بهدايته إياكم إلى الإيمان، إن كنتم صادقين فى دعواكم. 18- إن الله يعلم كل ما استتر فى السموات والأرض، والله محيط الرؤية بكل ما تعملون.

القطان

تفسير : الشعوب: جمع شعب وهو الحيّ العظيم المنتسب الى أصل واحد كربيعة ومُضَر، والقبيلة دونه، وسُمي الشَعب شَعباً لتشعب القبائل منه كتشعب الاغصان من الشجرة. الأعراب: سكان البادية. آمنا: صدّقنا بما جئت به من الشرائع، فالايمان هو التصديق بالقلب. اسلمنا: انقدْنا لك ونطقنا بالشهادتين وعملنا بما تأمرنا به. لا يَلِتْكم: لا ينقصكم. يمنّون عليك أن أسلموا: يذكرون ذلك ذِكر من اصطنع لك صنيعة، واسدى اليك معروفا. بعد ان أدّب الله تعالى المؤمنين بالآداب الرفيعة بيّن هنا ان الناسَ جميعاً من أبٍ واحد وأمٍ واحدة، فكيف يسخَر الأخ من اخيه او يغتابه او يظلمه!؟ وبين للناس ان القرآن يدعو الى أمةٍ انسانية واحدة، وعالمٍ واحدٍ يسوده العدل والمحبة، واعلن هنا حقوقَ الانسان بصرف النظرِ عن لونه وجنسه، فالناس إخوة في النسَب، كرامتُهم محفوظة، والانسان مخلوق الله المختار، وهو خليفته في الارض. يا أيها الناس: إنّا خلقناكم متساوين من اصلٍ واحد هو آدم وحواء، وجعلناكم جموعا عظيمة، شعوباً وقبائل متعددة، لتتعارفوا وتتعاونوا على ما فيه خيرُكم وصلاحكم، إن أكرَمَكُم عند الله وأرفعَكم منزلة في الدنيا والآخرة هو اتقاكم له وأنفعكم لخلْقِه، {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} بكم وباعمالكم وبباطن احوالكم، فاجعلوا التقوى زادَكم لمعادِكم. ثم بعد ان بيّن الله لنا أن الناس جميعاً إخوة لأمٍ وأبٍ وحثّنا على التقوى والعمل الصالح، بين هنا ان الإيمان وحده لا يكفي، والايمانُ هو التصديق بالقلب، وان الاسلام هو التصديقُ والطاعة الظاهرة بأداء الواجبات واجتناب النواهي. وكان في زمن الرسول الكريم أناسٌ من الاعراب في إيمانهم ضَعف، وقلوبهم مشغولة تريد المغانم وعرض الدنيا. فقال الله تعالى: {قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا.....} قالت الأعراب بألسنتهم: آمنا، فقل لهم يا محمد: إنكم لم تؤمنوا، لأن قلوبكم لم تصدّق ما نطقتم به، ولكن قولوا أسلمنا وانقدنا ظاهراً لرسالتك، لأن الإيمان لم يدخل في قلوبكم بعد. وإن تطيعوا اللهَ ورسوله صادقين لا يَنقصُكم الله من ثواب اعمالكم شيئا. ثم يؤكد الله رحمته ولطفه بعباده فيقول: {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} سَتّارٌ للهفوات غفارٌ للزلات، فسارِعوا الى التوبة. ثم بين الله تعالى حقيقة الايمان بقوله: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ}. المؤمنون حقاً هم الذين صدّقوا ولا تشوبهم الريبة في عقائدهم، ويبذلون النفسَ والنفيس لإحقاقِ الحق وإزهاق الباطل، أولئك هم الصادقون. قل لهم يا محمد: اتخبرون الله بأن يصدقكم، واللهُ وحده يعلم ما في قلوبكم، ويعلم كلَّ ما في السماوات والأرض، {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ} يعدون إسلامَهم ومتابعتهم لك منةً يطلبون منك أجرَها.. فقد قال بعضهم: جئناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان. {قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ} بل الله تعالى هو الذي يمنّ عليكم إذ هداكم الى الايمان، ان كنتم صادقين في دعواكم. ثم اكد الله تعالى الإخبار بعلمه بجميع الكائنات، وبصَرِه بأعمال المخلوقات، وختم بذلك هذه السورة الكريمة فقال: {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} فهو يعلم الايمان الصادق، والكاذب، ويميز بين الاعمال التي يطلبون بها الدنيا، والأعمال التي يقصدون بها وجه الله. قراءات: قرأ اهل البصرة: لا يألتكم بالهمزة، والباقون: لا يَلتكم بلا همزة، وهما لغتان: ألت يألت، ولات يليت. واللغتان في القرآن الكريم. ففي سورة الطور {أية : وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ}تفسير : [الطور: 21].

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {خَلَقْنَاكُم} {جَعَلْنَاكُمْ} {قَبَآئِلَ} {أَتْقَاكُمْ} (13) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالى في هذِهِ الآيةِ أنَّ النَّاسَ جَمِيعاً إخوةٌ لأمٍّ وأبٍ، وَلِذَلِكَ فَلَيسَ لأحَدٍ مْنهُمْ أنْ يَسْتَعْلِيَ عَلَى أحَدٍ مِنْ إخْوَتِهِ، وَلا أنْ يُسيءَ إليهِ، وَلا أنْ يَنْتَقِصَهُ، وَلا أنْ يَغْتَابَهُ. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى البَشَرَ بالتَّكاثُرِ شُعُوباً وَقَبَائِلَ مُخْتَلِفَةً لِيَتَمَكَّنَ بَعْضُهُم مِنْ مَعْرِفَةِ بَعْضٍ، كأنْ يُقَالَ هذا فُلانُ بنُ فُلاَنٍ مِنْ قَبيلَةِ كَذَا مِنْ بَطْنِ كَذَا. وَلاَ فَضْلَ لأحَدٍ عَلَى أحَدٍ إلا بالتَّقْوى، وَالأتْقَى هُوَ الأكْرمُ عِنْدَ اللهِ، وَالأرْفَعُ مَنْزِلَةً، وَلاَ قِيمَةَ في مِيِزَانِ اللهِ لِلأمْوالِ وَالأحْسَابِ وَالأولادِ، وَإِنَّما القِيمَةُ للتُّقى وَالصَّلاحِ وَطَهَارَةِ القَلْبِ، وَالخَوفِ مِنَ اللهِ، وَالإِخْلاَصِ في مَحَبَّةِ النَّاسِ، وَالنُّصْح لَهُمْ. وَاللهُ عَلِيمٌ بِما تَنْطَوِي عَلَيهِ الصُّدُورُ، خَبيرٌ بِأُمُورِ العِبَادِ. (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: حديث : يَا أيُّها النَّاسُ إنَّ اللهَ أذْهَبَ عَنْكُمْ حَمِيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ، وَتَعظُّمَها بِآبائِها، فَالنَّاسُ رَجُلانِ: رَجُلٌ بَرٌّ نَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللهِ، وَرَجُلٌ فَاجِرٌ شَقيُّ هَيِّنٌ عَلَى الله تَعَالىتفسير : ). ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيةَ.

الثعلبي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم} الآية.حديث : قال ابن عبّاس: نزلت في ثابت بن قيس وقوله للرجل الذي لم يفسح له: ابن فلانة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من الذاكر فلانة؟". فقام ثابت، فقال: أنا يا رسول الله. فقال: "انظر في وجوه القوم". فنظر إليهم، فقال: "ما رأيت يا ثابت؟". قال: رأيت أبيض وأسود وأحمر. قال: "فإنّك لا تفضلهم إلاّ في الدّين والتقوى"تفسير : ، فأنزل الله سبحانه في ثابت هذه الآية وبالّذي لم يفسح له: {أية : آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ فَٱفْسَحُواْ ...} تفسير : [المجادلة: 11] الآية. وقال مقاتل: لمّا كان يوم فتح مكّة، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً حتّى علا على ظهر الكعبة وأذّن، فقال عتاب بن أسد بن أبي العيص: الحمد لله الذي قبض أبي حتّى لم ير هذا اليوم، وقال الحرث بن هاشم: أما وجد محمّدٌ غير هذا الغراب الأسود مؤذِّناً؟ وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئاً يغيره، وقال أبو سفيان بن حرب: إنّي لا أقول شيئاً أخاف أن يخبر به ربّ السماء. فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بما قالوا، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألهم عمّا قالوا، فأقرّوا، فأنزل الله سبحانه هذه الآية وزجرهم، عن التفاخر بالأنساب، والتكاثر بالأموال، والازدراء للفقراء، وقال يزيد بن سخرة: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم يمرّ ببعض أسواق المدينة، فإذا غلام أسود قائم، ينادى عليه ليباع، فمن يريد. وكان الغلام قال: من اشتراني فعلي شرط، قيل: ما هو، قال: ألا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتراه رجل على هذا الشرط، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراه عند كلّ صلاة مكتوبة، ففقده ذات يوم، فقال لصاحبه: "أين الغلام؟". فقال: محموم يا رسول الله، فقال لأصحابه: "قوموا بنا نعوده". فقاموا معه فعادوه، فلما كان بعد أيّام قال لصاحبه: "ما حال الغلام؟". قال: يا رسول الله، إنّ الغلام لما به، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليه وهو في ذهابه، فقبض على تلك الحال، فتولّى رسول الله صلى الله عليه وسلم غسله، وتكفينه، ودفنه، فدخل على المهاجرين، والأنصار من ذلك أمر عظيم، فقال المهاجرون: هاجرنا ديارنا، وأموالنا، وأهالينا، فلم ير أحد منّا في حياته ومرضه وموته ما لقي منه هذا الغلام، وقال الأنصار: آويناه، ونصرناه، وواسيناه فآثر علينا عبداً حبشيّاً، فعذر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم فيما تعاطاه من أمر الغلام، وأراهم فضل التقوى، فأنزل الله سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً} تفسير : وهي رؤوس القبائل وجمهورها مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج. واحدها شَعب بفتح الشين، سُمّوا بذلك لتشعّبهم واجتماعهم، كتشعّب أغصان الشجر، والشعب من الأضداد يقال: شعبته إذا جمعته، وشعبته إذا فرّقته، ومنه قيل للموت: شعوب. {وَقَبَآئِلَ} وهي دون الشعوب، واحدها قبيلة، وهم كندة من ربيعة، وتميم من مضر، ودون القبائل العمائر، واحدها عمارة بفتح العين كشيبان من بكر، ودارم من تميم، ودون العمائر البطون، واحدها بطن، وهم كبني غالب ولؤي من قريش، ودون البطون الأفخاذ، واحدها فخذ، وهم كبني هاشم، وأمية من بني لؤي، ثمّ الفصائل، والعشائر، واحدتها فصيلة، وعشيرة، وقيل: الشعوب من العجم، والقبائل من العرب، والأسباط من بني إسرائيل، وقال أبو رزين وأبو روق: الشعوب الذين لا يصيرون إلى أحد، بل ينسبون إلى المدائن، والقرى، والأرضين، والقبائل العرب الذين ينسبون إلى آبائهم. {لِتَعَارَفُوۤاْ} يعرف بعضكم بعضاً في قرب النسب، وبعده لا لتفاخروا. وقرأ الأعمش (ليتعارفوا)، وقرأ ابن عبّاس (ليعرفوا) بغير (ألف). {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ} بفتح (الألف)، وقرأه العامة (إنّ) بكسر (الألف) على الاستئناف، والوقوف على قوله لتعارفوا إنّ أكرمكم {عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ} قال قتادة: في هذه الآية أكرم الكرم التقوى. وألأم اللوم الفجور، وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : من سرّه أن يكون أكرم الناس، فليتّق الله ". تفسير : وقال: "حديث : كرم الرجل دينه، وتقواه، وأصله عقله، وحسبه خلقه"تفسير : ، وقال ابن عبّاس: كرم الدنيا الغنى، وكرم الآخرة التقوى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} . أخبرنا الحسن، قال: حدّثنا أبو حذيفة أحمد بن محمّد بن علي، قال: حدّثنا زكريا بن يحيى بن يعقوب المقدسي، قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله المقري، قال: حدّثنا ابن رجاء، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: حديث : طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته القصواء يوم الفتح يستلم الركن بمحجنه، فما وجد لها مناخ في المسجد، حتّى أخرجنا إلى بطن الوادي، فأناخت فيه، ثمّ حمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: "أمّا بعد أيّها الناس، قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية، وفخرها بالآباء وفي بعض الألفاظ: وتعظمها بآبائها إنّما الناس رجلان، برّ تقي كريم على الله، وفاجر شقيّ هيّن على الله". ثمّ تلا هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ} ... الآية، وقال: "أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم" . تفسير : وأخبرني الحسين، قال: حدّثنا محمّد بن علي بن الحسين الصوفي. قال: حدّثنا أبو شعيب الحراني. قال: حدّثنا يحيى بن عبد الله الكابلي. قال: حدّثنا الأوزاعي، قال: حدّثني يحيى بن أبي كثير، إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنّ الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، وأعمالكم، وإنّما أنتم بنو آدم {أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ". تفسير : وأخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن حفصويه، قال: حدّثنا عبد الله بن جامع المقري، قال: حدّثنا أحمد بن خادم. قال: حدّثنا أبو نعيم، قال: حدّثنا طلحة، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: الله سبحانه يقول يوم القيامة: إنّي جعلت نسباً، وجعلتم نسباً، فجعلت {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ} فأنتم تقولون: فلان بن فلان، وأنا اليوم أرفع نسبي، وأضع أنسابكم، أين المتّقون؟ أين المتّقون؟ إن أكرمكم عند الله أتقاكم. وأخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن إبراهيم بن أيّوب. قال: حدّثنا يوسف بن يعقوب. قال: حدّثنا محمّد بن أبي بكر. قال: حدّثني يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن عمر، قال: حدّثني سعيد بن أبي سعيد المقري، عن أبي هريرة، قال: حديث : قيل: يا رسول الله من أكرم الناس؟ قال: "أتقاهم ". تفسير : وأنشدني ابن حبيب، قال: أنشدنا ابن رميح، قال: أنشدنا عمر بن الفرحان: شعر : ما يصنع العبد بعزّ الغنى والعزّ كُلّ العزّ للمتّقي من عرف الله فلم تغنه معرفة الله فذاك الشقي تفسير : {قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا} الآية نزلت في نفر من بني أسد بن خزيمة، ثمّ من بني الحلاف بن الحارث بن سعيد، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في سنة جدبة، وأظهروا شهادة أن لا إله إلاّ الله، ولم يكونوا مؤمنين في السرّ، وأفسدوا طرق المدينة بالعدوان، وأغلوا أسعارها، وكانوا يغدون، ويروحون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون: أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها، وجئناك بالأفعال، والعيال والذراري، يمنون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، وبنو فلان، ويريدون الصدقة، ويقولون: أعطنا، فأنزل الله سبحانه فيهم هذه الآية. وقال السدي: نزلت في الأعراب الذين ذكرهم الله في سورة الفتح، وهم أعراب مزينة، وجهينة، وأسلم، وأشجع، وغفار، كانوا يقولون: آمنّا بالله، ليأمنوا على أنفسهم، وأموالهم، فلمّا استُنفروا إلى الحديبية تخلّفوا، فأنزل الله سبحانه: {قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا} أي انقَدنَا واستسلمنا مخافة القتل والسبي. {وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} فأخبر أنّ حقيقة الإيمان التصديق بالقلب، وأنّ الإقرار به باللسان، وإظهار شرائعه بالأبدان، لا يكون إيماناً دون الإخلاص الذي محلّه القلب، وأنّ الإسلام غير الإيمان. يدلّ عليه ما أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الجوزقي، قرأه عليه محمّد بن زكريا في شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، قال: أخبرنا أبو العبّاس محمد بن الدغولي، قال: حدّثنا محمّد بن الليث المروزي، قال: حدّثنا عبدالله بن عثمان بن عبدان، قال: حدّثنا عبد الله ابن المبارك، قال: أخبرنا يونس، عن الزهري. قال: أخبرني عامر، عن سعد بن أبي وقّاص حديث : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أُعطي رهطاً، وسعد جالس فيهم، فقال سعد: فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً منهم، فلم يعطه، وهو أعجبهم إليّ. فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان؟ فوالله إنّي لأراه مؤمناً، فقال رسول الله: "أو مُسلماً". فسكت قليلاً، ثمّ غلبني ما أعلم منه، فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان، فوالله إنّي لأراه مؤمناً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أو مُسلماً". فسكتُ قليلاً، ثمّ غلبني ما أعلم منه، فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان، فوالله إنّي لأراه مؤمناً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أو مسلماً، فإنّي لأعطي الرجل، وغيره أحبّ إليّ منه خشية أن يكبّ في النار على وجهه" . تفسير : فاعلم أنّ الإسلام الدخول في السلم، وهو الطاعة والانقياد، والمتابعة، يقال: أسلم الرجل إذا دخل في السلم وهو الطاعة والانقياد والمتابعة. يقال: أسلم الرجل إذا دخل في السلم، كما يقال: أشتى الرجل إذا دخل في الشتاء، وأصاف إذا دخل في الصيف، وأربع إذا دخل في الربيع، وأقحط إذا دخل في القحط، فمن الإسلام ما هو طاعة على الحقيقة باللسان والأبدان فالجنان، كقوله عزّ وجلّ لإبراهيم: {أية : أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ} تفسير : [البقرة: 131]، وقوله: {أية : فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [الذاريات: 35-36]. ومنه ما هو انقياد باللسان دون القلب وذلك قوله: {وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا} بيانه قوله سبحانه: {وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}. {وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} ظاهراً وباطناً، سرّاً وعلانيّةً {لاَ يَلِتْكُمْ} (بالألف) أبو عمر، ويعقوب، واختاره أبو حاتم اعتباراً بقوله: {أية : وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ} تفسير : [الطور: 21] يقال ألت يألت ألتاً، قال الشاعر: شعر : أبلغ بني ثعل عني مغلغلة جهد الرسالة لا ألتاً ولا كذبا تفسير : وقرأ الآخرون (يلتكم) من لات يليت ليتاً، كقول رؤبة: شعر : وليلة ذات ندىً سريتُ ولم يلتني عن سراها ليتُ تفسير : ومعناهما جميعاً لا ينقصكم، ولا يظلمكم. {مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ثمّ بيّن حقيقة الإيمان، فقال: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ} لم يشكّوا في وحدانية الله، ولا بنبوّة أنبيائه ولا فيما آمنوا به، بل أيقنوا وأخلصوا. {وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ} في إيمانهم، لا من أسلم خوف السيف ورجاء الكسب، فلمّا نزلت هاتان الآيتان، أتت الأعراب رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلفوا بالله إنّهم مؤمنون في السرّ، والعلانية، وعرف الله غير ذلك منهم، فأنزل الله سبحانه {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ} الذي أنتم عليه. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ} أي بإسلامكم. {بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ} وفي مصحف عبد الله (إذ هداكم للإيمان) {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أنّكم مؤمنون. {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون} قرأ ابن كثير، والأعمش، وطلحة، وعيسى (بالياء)، غيرهم (بالتاء).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : تلاحظ أن النداءات السابقة كانت بيأيها الذين آمنوا، لأنها توجيهات وتشريعات خاصة بالذين آمنوا، لأن الله تعالى لا يُكلِّف إلا مَنْ آمن به. أما النداء هنا فنداء عام للناس جميعاً يلفت أنظارنا إلى آية الخَلْق، وإلى عظمة الخالق سبحانه، وهذا الآية تشمل الجميع، فالخالق سبحانه خلق المؤمن والكافر، والذكر والأنثى، هما أصل هذا الخَلْق، فالذكر وحده لا يتناسل، وكذلك الأثنى وحدها. أما قوله تعالى في سورة السجدة: {أية : ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ}تفسير : [السجدة: 7-8] فهذا خاص بالخلق الأول، وهو آدم عليه السلام، حيث خلقه الله وصوَّره بيديه، وكل شيء في الكون مقدور بقول: كُنْ فيكون. لذلك قال تعالى لإبليس: {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ..}تفسير : [ص: 75] يعني: كيف لا تسجد لشيء أنا خلقته بيدي، إذن: أنت لا تسجد لآدم إنما تسجد طاعة لمن أمرك بالسجود. وبعد أن خلق آدم من طين جعل ذريته من بعده {أية : مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ}تفسير : [السجدة: 8] وهذا يقتضي الزوجية بين الذكر والأنثى. وفي سورة النساء قال سبحانه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ..}تفسير : [النساء: 1] أي آدم عليه السلام {أية : وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ..}تفسير : [النساء: 1] يعني: حواء. إذن: حينما يقول سبحانه: {مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ ..} [الحجرات: 13] لا يعني بداية الخلق، إنما النسل الذي جاء بعد الخلق الأول. لذلك قال في آخر آية النساء: {أية : وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً ..}تفسير : [النساء: 1] وهؤلاء الرجال والنساء تفرقوا في أنحاء الأرض وصاروا {شُعُوباً وَقَبَآئِلَ ..} [الحجرات: 13] فالعرب شعب، والروم شعب، والفرس شعب، ثم انقسمتْ الشعوب إلى قبائل، والقبائل إلى بطون، والبطون إلى أفخاذ وهكذا. وفي داخل الأسرة الواحدة تختلف الأسماء، لأننا لا نترك الأشخاص بدون أسماء ليتم التعارف، فهذا محمد وهذا أحمد وهذه فاطمة .. والحكمة من ذلك هي {لِتَعَارَفُوۤاْ ..} [الحجرات: 13] على مستوى الأفراد وعلى مستوى الشعوب. والتعارف أمر ضروري بين البشر، لأن مصالحهم في أنْ يتعارفوا، وسوف تضطرهم ظروف الحياة لهذا التعارف، حيث سيحتاج بعضهم إلى بعض، لأنه كما قلنا: الحق سبحانه وزَّع أسباب فضله على خَلْقه، فما توفر لك قد لا يتوفر لغيرك. لذلك رأينا مثلاً أوربا التي بلغت من الحضارة والتقدم مبلغاً تحتاج إلى سكان الصحراء رعاة الغنم والإبل حيث البترول وثروات الجبال من المعادن والأحجار الكريمة. وهذا الاختلاف في الفضائل يؤدي إلى أنْ يتعاون الخَلْق ويتساندوا، بحيث يكمل بعضهم نقص بعض. إذن: اختلاف يؤدي إلى التكامل لا إلى التعاند. وهذا التكامل شاهدناه في آية خَلْق الرجل والمرأة، فالرجل والمرأة ليسا ضدين، بل هما عنصران متكاملان، لأن لكل منهما مهمة لا يؤديها الآخر. والحق سبحانه أوضح لنا هذه المسألة بقوله تعالى: {أية : وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ}تفسير : [الليل: 1-2] فهل يقول عاقل أن الليل ضد النهار؟ ومثل الليل والنهار الذكر والأنثى، لذلك أقسم بعدها بخلقهما، فقال: {أية : وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ}تفسير : [الليل: 3] فالرجل لتحمُّل مشاقّ الحياة، للكدح وللعمل، والمرأة حنان وعاطفة، وكل مُيسَّر لما خُلِق له. لذلك نعجب ممن ينادي بالمساواة بين الرجل والمرأة، كيف ولكلٍّ منهما مهمته التي خُلق لها. والبعض يظلم النساء ويقول: ناقصات عقل ودين، لأن العقل مهمته الترتيب والاختيار بين البدائل، وهذه ليست مهمة المرأة بل مهمة الرجل الذي يدير دفة الأسرة في رحلة الحياة. أما المرأة فمهمتها عاطفية، تحنو على الصغير والكبير، وتفتح صدرها لتستوعب، وتريح المتعب والمريض في أسرتها، ومع ذلك نراها إذا ترملت قامتْ بالمهمتين وحلَّتْ محلّ الزوج، وربما كانت أكثر نجاحاً في تربية الأولاد وصيانتهم. الحق سبحانه وتعالى خلق آدم من طين، وسوَّاه ونفخ فيه من روحه، لكن لم يخلق حواء بنفس الطريقة، إنما أخذ من ضلع آدم جزءاً وخلق منه حواء، لماذا إذن لم يخلقها كخَلْق آدم؟ قالوا: خلقها من الرجل لتكون له القوامة عليها. كذلك في مسألة الحمل تأخذ منه البذرة، ثم تكمل هي عملية النسل، قال تعالى: {أية : وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ..}تفسير : [النساء: 1]. وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : خُلقت المراة من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه"تفسير : وكما شرف آدم بأن الله خلقه وسوّاه بيده، كذلك شَرُفَتْ حواء أنها خُلقت من شيء خلقه الله بيده. والعالم الآن مشغول بعملية الاستنساخ، وهو يعني أنْ نأخذ من الأصل نسخة مطابقة له، كما نقول نسخ الكتاب. يعني: أنْ نأتي منه بصورة أخرى مثله، وهذه العملية نراها في الجماد مثلاً، نرى الزلط منه الكبير والصغير والمتوسط، فهل رأينا (زلطة) مثلاً تكبر عن حجمها أبداً، لماذا؟ قالوا: لأن له مطامر تحت الأرض، تتم فيها عملية التكاثر أو الاستنساخ هذه، فإذا خرج إلى الهواء جَمُد على ما هو عليه. كذلك نجده في النبات، فهل رأيتم مثلاً تقاوي القصب أو التين البرشومي؟ أبداً ليس له تقاوي، إنما نأخذ عقلة من عود القصب ونزرعها فتخرج عود القصب، ونأخذ لوحاً من ألواح التين ونزرعه فيعطينا شجرة تين، أليس هذا استنساخاً؟ كذلك بالإمكان أنْ نجده في الحيوان، وبالفعل تحدَّثوا عن استنساخ تم بالفعل في الحيوان، كما حدث في النعجة دوللي. وهي محاولة على أية حال. أما في الإنسان فهي عملية لا يقدر أحدٌ عليها، لأن الإنسانَ مختلف عن باقي أجناس الكون، لأنه خليفة الله في الأرض، وهو المخلوق المكرَّم وباقي الأجناس في خدمته، فلو تصوَّرنا الاستنساخ في الجماد والنبات والحيوان فلا نتصوَّره أبداً في الإنسان، لأن التكاثر فيه له شروط وضوابط لا مجرد استخراج نسخ مكررة منه. لذلك لا يتم التكاثر في الإنسان إلا من خلال اللقاء بين الزوجين الذكر والأنثى، وداخل أسرة تحتضن الطفل وتحبه وتربيه وتعتني به، لا يليق بالإنسان أنْ يخرج من مفرخة مثل مفرخة الكتاكيت مثلاً. لذلك نرى أن طفولة الإنسان هي أطول طفولة في المخلوقات كلها، وعندنا من الأطفال مَنْ تبلغ طفولته حتى سنِّ 14 سنة، أما الطيور والحيوانات فتعتني بصغارها حتى تستطيع الحركة والأكل ثم تتركها وكأنها لا تعرفها، وربما ذُبح الحيوان أمام أمه وهي لا تدرى به. فكيف إذن نتصور الاستنساخ في الإنسان وهو الخليفة المكرّم، إن الأديان كلها ترفض الزنا وتأبى أنْ يأتي الولد بطريق غير شرعي، تأبى أنْ يُرمى المولود في الشارع، أو حتى يُربى في الملاجىء، فكيف الحال إذا تَمَّ استنساخه؟ من هنا نقول: إن عملية الاستنساخ لا تكون أبداً في الإنسان، ولا يقدر عليها إلا الله خالق الإنسان، ويريد له الصلاح، يريد له أنْ يأتي في أحضان أب يرعاه وأم تحنو عليه يأخذ منهما الفضائل، ويتعلم منهما القيم. ثم إن نجاحهم في استنساخ الحيوان لا يعني أبداً الطعن في القدرة الإلهية، بل هو دليل جديد من أدلة الإيمان بالقدرة، فالذي استنسخ النعجة لم يأت بها من العدم، إنما جاء بها من نعجة أخرى هي خَلْق من خَلْق الله، والعقل الذي فكّر خَلْق من خَلْق الله. ثم يضع الحق سبحانه القاعدة التي بها تتفاضل هذه الشعوب وهذه القبائل، فيقول: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ ..} [الحجرات: 13] أي: أن أشخاص الشعوب تتميز بالتقوى. لذلك ورد في الحديث القدسي: "حديث : يقول الرب: جعلتُ لكم نسباً وجعلتم لأنفسكم نسباً، قلت: إن أكرمكم عند الله أتقاكم فأبيتُم، وقلتم: فلان بن فلان. فاليوم - يعني: يوم القيامة - أرفع نسبي وأضع أنسابكم ". تفسير : وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13] عليم بخَلْقه، يعطي كلاً منهم ما يناسب مهمته ودوره في حركة الحياة، كما قال سبحانه: {أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ}تفسير : [الملك: 14]. فالله أعلم بخلْقه وأعلم بقدراتهم ومقدارهم، ويسَّر كلاً منهم للعمل الذي يناسبه، لذلك نراهم طبقات فيهم أستاذ الجامعة، وفيهم الحداد والسباك والنجار وماسح الأحذية فيهم الصانع والزارع، وإلا كيف تستقيم حركة الحياة لو أن الناس جميعاً ذكاترة جامعة؟

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: "الشعوب" النسب البعيد و"القبائل" دون ذلك. يقول: جعلنا هذا لتعرفوا فلان بن فلان من كذا وكذا. [الآية: 13]. أَخبرنا عبد الرحمن، قال نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا} [الآية: 14]. قال: نزلت هذه الآية في الأَعراب أَسد بن خزيمة. أَنبا عبد الرحمن، قال: : نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {لاَ يَلِتْكُمْ مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً} [الآية: 14]. يقول: لا ينقصكم من أَعمالكم شيئا ولا يظلمكم.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لمَّا دعا تعالى إِلى مكارم الأخلاق ونهى عن مساوئها، وحذَّر المؤمنين من بعض الأفعال القبيحة، دعا الناس هنا جميعاً للتعارف والتآلف ونهاهم عن التفاخر بالأنساب، ثم بيَّن صفات المؤمن الكامل. اللغَة: {يَلِتْكُمْ} ينقصكم {قَبَآئِلَ} جمع قبيلة وهي الجماعة التي يربطها حسبٌ أو نسبٌ، وهي أخصُّ من الشعب، لأن الشعب الجمع العظيم المنتسبون إِلى أصل واحد، فالشعب يجمع القبيلة، والقبيلة تجمع البطون والأفخاذ {يَرْتَابُواْ} يشكُّوا والريب: الشكُ {يَمُنُّونَ} المنُّ: الامتنان على الشخص والاعتداد عليه بفعل المعروف، وأصله في اللغة القطع ومنه {أية : فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ}تفسير : [التين: 6]. سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس قال: جاءت بنو أسدٍ إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله: أسلمنا، وقاتلتك العرب ولم نقاتلك، وأخذوا يمنون عليه فنزلت الآية الكريمة {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ..} الآية. التفسِير: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ} الخطاب لجميع البشر أي نحن بقدرتنا خلقناكم من أصلٍ واحد، وأوجدناكم من أب وأم فلا تفاخر بالآباء والأجداد، ولا اعتداد بالحسب والنسب، كلكم لآدم وآدمُ من تراب {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ} أي وجعلناكم شعوباً شتى وقبائل متعددة، ليحصل بينكم التعارف والتآلف، لا التناحر والتخالف قال مجاهد: ليعرف الإِنسان نسبه فيقال فلان بن فلان من قبيلة كذا، وأصل تعارفوا تتعارفوا حذفت إِحدى التاءين تخفيفاً قال شيخ زاده: والمعنى إِن الحكمة التي من أجلها جعلكم على شعوب وقبائل هي أن يعرف بعضكم نسب بعض ولا ينسبه إِلى غير آبائه، لا أن تتفاخر بالآباء والأجداد، والنسبُ وِإِن كان يُعتبر عرفاً وشرعاً، حتى لا تُزوج الشريفة بالنبطيّ، إلا أنه لا عبرة به عند ظهور ما هو أعظم قدراً منه وأعز، وهو الإِيمان والتقوى، كما لا تظهر الكواكب عند طلوع الشمس {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ} أي إِنما يتفاضل الناس بالتقوى لا بالأحساب والأنساب، فمن أراد شرفاً في الدنيا ومنزلةً في الآخرة فليتق الله كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سرَّه أن يكون أكرم الناس فليتَّق الله"تفسير : وفي الحديث "حديث : الناسُ رجلان: رجل برٌّ تقيٍ كريم على الله تعالى، ورجل فاجر شقي هيّن على الله تعالى"تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} أي عليمٌ بالعباد، مطلع على ظواهرهم وبواطنهم، يعلم التقي والشقي، والصالح والطالح {أية : فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ}تفسير : [النجم: 32]. {قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا} أي زعم الأعراب أنهم آمنوا قل لهم يا محمد: إِنكم لم تؤمنوا بعد، لأن الإِيمان تصديقٌ مع ثقة واطمئنان قلب، ولم يحصل لكم، وإِلا لما مننتم على الرسول بالإِسلام وترك المقاتلة، ولكنْ قولوا استسلمنا خوف القتل والسبي قال المفسرون: نزلت في نفرٍ من بني أسد، قدموا المدينة في سنةٍ مجدبة، وأظهروا الشهادتين، وكانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتيناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وفلان، يريدون الصَّدقة ويمنّون على الرسول، وقد دلت الآية على أن الإِيمان مرتبةٌ أعلى من الإِسلام، الذي هو الاستسلام والانقياد بالظاهر ولهذا قال تعالى {وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} أي ولم يدخل الإِيمان إِلى قلوبكم ولم تصلوا إِلى حقيقته بعد، ولفظةُ "لمَّا" تفيد التوقع كأنه يقول: وسيحصل لكم الإِيمان عند اطلاعكم على محاسن الإِسلام، وتذوقكم لحلاوة الإِيمان قال ابن كثير: وهؤلاء الأعراب المذكورون في هذه الآية ليسوا منافقين، وإِنما هم مسلمون لم يستحكم الإِيمان في قلوبهم، فادَّعوا لأنفسهم مقاماً أعلى مما وصلوا إِليه فأدبوا في ذلك، ولو كانوامنافقين - كما ذهب إِليه البخاري - لعُنفوا وفُضِحوا {وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً} أي وإِن أطعتم الله ورسوله بالإِخلاص الصادق، والإِيمان الكامل، وعدم المنِّ على الرسول لا ينقصكم من أجوركم شيئاً {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي عظيم المغفرة، واسع الرحمة، لأن صيغة "فعول" و"فعيل" تفيد المبالغة.. ثم ذكر تعالى صفات المؤمنين الكُمَّل الصادقين في إِيمانهم فقال {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي إِنما المؤمنون الصادقون في دعوى الإِيمان، الذين صدَّقوا الله ورسوله، فأقروا لله بالوحدانية، ولرسوله بالرسالة، عن يقين راسخ وإِيمان كامل {ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ} أي ثم لم يشكوا ويتزلزلوا في إِيمانهم بل ثبتوا على التصديق واليقين {وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي وبذلوا أموالهم ومهجهم في سبيل الله وابتغاء رضوانه {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ} أي أولئك الذين صدقوا في ادعاء الإِيمان.. وصف تعالى المؤمنين الكاملين بثلاثة أوصاف: الأول: التصديق الجازم بالله ورسوله الثاني: عدم الشك والارتياب الثالث: الجهاد بالمال والنفس، فمن جمع هذه الأوصاف فهو المؤمن الصادق {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ} الاستفهام للإِنكار والتوبيخ أي قل يا محمد: أتخبرون الله بما في ضمائركم وقلوبكم؟ {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي وهو جل وعلا العليم بأحوال جميع العباد، لا تخفى عليه خافية لا في السماوات ولا في الأرض {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي واسع العلم رقيب على كل شيء، لا يعزب عنه مثقال ذرة، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ} أي يعدُّون إِسلامهم عليك يا محمد منَّة، يستوجبون عليها الحمد والثناء {قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ} أي قل لهم لا تمتنوا عليَّ بإِسلامكم، فإِن نفع ذلك عائد عليكم {بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أي بل للهِ المنةُ العظمى عليكم، بالهداية للإِيمان والتثبيت عليه، إن كنتم صادقين في دعوى الإِيمان {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي يعلم ما غاب عن الأبصار في السماوات والأرض {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي مطَّلع على أعمال العباد، لا تخفى عليه خافية.. كرَّر تعالى الإِخبار بعلمه بجميع الكائنات، وإِحاطته بجميع المخلوقات، ليدل على سعة علمه، وشموله لكل صغيرة وكبيرة، في السر والعلن، والظاهر والباطن. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الاستعارة التمثيلية {أية : لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}تفسير : [الحجرات: 1] شبَّه حالهم في إِبداء الرأي وقطع الأمر في حضرة الرسول بحال ملكٍ عظيم تقدَّم للسير أمامه بعض الناس وكان الأدب يقضي أن يسيروا خلفه لا أمامه، وهذا بطريق الاستعارة التمثيلية. 2- التشبيه المرسل المجمل {أية : وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ}تفسير : [الحجرات: 2] لوجود أداة التشبيه. 3- الالتفات من الخطاب إِلى الغيبة {أية : أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ}تفسير : بعد قوله {أية : حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ}تفسير : [الحجرات: 7] وهذا من المحسنات البديعية. 4- المقابلة بين {أية : حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}تفسير : [الحجرات: 7] وبين {أية : وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ}تفسير : [الحجرات: 7]. 5- الطباق {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا}تفسير : [الحجرات: 9]. 6- جناس الاشتقاق {أية : وَأَقْسِطُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ}تفسير : [الحجرات: 9]. 7- التشبيه التمثيلي {أية : أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً}تفسير : [الحجرات: 12] مثَّل للغيبة بمن يأكل لحم الميت، وفيه مبالغات عديدة لتصوير الاغتياب بأقبح الصور وأفحشها في الذهن. 8- طباق السلب {آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ}. 9- الاستفهام الإِنكاري للتوبيخ {أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ}. 10- التشبيه البليغ {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}تفسير : [الحجرات: 10] أصل الكلام المؤمنون كالإِخوة في وجوب التراحم والتناصر، فحذف وجه الشبه وأداة التشبيه فأصبح بليغاً مع إفادة الجملة الحصر. تنبيه: سورة الحجرات تسمى سورة "الأخلاق والآداب" فقد أرشدت إِلى مكارم الأخلاق، وفضائل الأعمال، وجاء فيها النداء بوصف الإِيمان خمس مراتٍ، وفي كل مرة إِرشاد إِلى مكرمة من المكارم وفضيلة من الفضائل، وهذه الآداب الرفيعة نستعرضها في فقرات: أولاً: وجوب الطاعة والانقياد لأوامر الله ورسوله وعدم التقدم عليه بقول أو رأي {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}تفسير : [الحجرات: 1]. ثانياً: احترام الرسول وتعظيم شأنه {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ..}تفسير : [الحجرات: 2]. ثالثاً: وجوب التثبت من الأخبار {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ..}تفسير : [الحجرات: 6]. رابعاً: النهي عن السخرية بالناس {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ..}تفسير : [الحجرات: 11]. خامساً: النهي عن التجسس والغيبة وسوء الظن {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ..}تفسير : [الحجرات: 12] الآية. لطيفَة: سئل بعض العلماء عما وقع بين الصحابة من قتال فقال" تلك دماءٌ قد طهَّر الله منها أيدينا فلا نلوّث بها ألسنتنا، وسبيل ما جرى بينهم كسبيل ما جرى بين يوسف وإِخوته".

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ} قال الإِمامُ زيد بن علي عليهما السَّلامُ: فالشُّعوبُ أَكبرُ القَبائِلِ. وقوله تعالى: {لِتَعَارَفُوۤاْ} معناه لِتَعلمُوا.

الأندلسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ} الآية قيل غضب الحٰرث بن هشام وعتاب بن أسيد حين أذن بلال يوم فتح مكة على الكعبة فنزلت ومن ذكر وأنثى أي من آدم وحواء. {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ} قيل الشعوب في العجم والقبائل في العرب والأسباط في بني إسرائيل. {لِتَعَارَفُوۤاْ} أي جعلكم ما ذكر كي يعرف بعضكم بعضاً في النسب فلا ينتمي إلى غير آبائه للتفاخر بالآباء والأجداد ودعوى التفاضل في الأنساب ثم بين تعالى الخلطة التي يحصل بها التفاضل وهي التقوى وفي خطبته صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة إنما الناس رجلان مؤمن تقي كريم على الله تعالى وفاجر شقي هين على الله تعالى ثم قرأ هذه الآية. {قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا} قال مجاهد نزلت في بني أسد بن خزيمة قبيلة تجاور المدينة أظهروا الإِسلام وقلوبهم دخلة إنما يحبون المغانم وعرض الدنيا فرد الله عليهم بقوله: {قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ} كذبهم الله تعالى في دعوى الإِيمان ولم يصرح بأكذابهم بلفظه بل بما دل عليه من انتقاء إيمانهم وهذا في أعراب مخصوصين. {وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا} فهو اللفظ الصادق من أقوالكم وهو الإِنقياد والاستسلام ظاهراً فلذلك قال الله تعالى: {وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} وجاء النفي بلما الدالة على انتفاء الشىء إلى زمان الأخبار به. {وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} بالإِيمان والأعمال وهذا فتح لباب التوبة وقرىء: لأيلتكم من لات يليت وهي لغة الحجاز وقرىء يألتكم من ألت وهي لغة غطفان وأسد. {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ} هي منقولة من علمت به أي شعرت به ولذلك تعدت إلى واحد بنفسها وإلى الآخر بحرف الجر لما ثقلت بالتضعيف وفي ذلك تجهيل لهم حيث ظنوا أن ذلك يخفى على الله تعالى ثم ذكر تعالى إحاطته بما في السماوات والأرض. {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ} أي يعتدون عليك. {أَنْ أَسْلَمُواْ} فإِن أسلموا في موضع المفعول ولذلك تعدى إليه في قوله قل لا تمنوا عليك إسلامكم الآية.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى أنه خلق بني آدم، من أصل واحد، وجنس واحد، وكلهم من ذكر وأنثى، ويرجعون جميعهم إلى آدم وحواء، ولكن الله [تعالى] بث منهما رجالا كثيرا ونساء، وفرقهم، وجعلهم شعوبًا وقبائل أي: قبائل صغارًا وكبارًا، وذلك لأجل أن يتعارفوا، فإنهم لو استقل كل واحد منهم بنفسه، لم يحصل بذلك، التعارف الذي يترتب عليه التناصر والتعاون، والتوارث، والقيام بحقوق الأقارب، ولكن الله جعلهم شعوبًا وقبائل، لأجل أن تحصل هذه الأمور وغيرها، مما يتوقف على التعارف، ولحوق الأنساب، ولكن الكرم بالتقوى، فأكرمهم عند الله، أتقاهم، وهو أكثرهم طاعة وانكفافًا عن المعاصي، لا أكثرهم قرابة وقومًا، ولا أشرفهم نسبًا، ولكن الله تعالى عليم خبير، يعلم من يقوم منهم بتقوى الله، ظاهرًا وباطنًا، ممن يقوم بذلك، ظاهرًا لا باطنًا، فيجازي كلا بما يستحق. وفي هذه الآية دليل على أن معرفة الأنساب، مطلوبة مشروعة، لأن الله جعلهم شعوبًا وقبائل، لأجل ذلك.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 901 : 1 - سفين عن أبي حصين عن سعيد بن جبير في قوله {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ} قال، الشعوب نحو تميم وبكر، والقبايل الأفخاذ. [الآية 13].

همام الصنعاني

تفسير : 2937- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً}: [الآية: 13]، قال: هو النسب البعيد، قال: والقبائل كما سمعته، يقال فلان من بني فلان.