Verse. 4626 (AR)

٤٩ - ٱلْحُجُرَات

49 - Al-Hujurat (AR)

قَالَتِ الْاَعْرَابُ اٰمَنَّا۝۰ۭ قُلْ لَّمْ تُؤْمِنُوْا وَلٰكِنْ قُوْلُوْۗا اَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْاِيْمَانُ فِيْ قُلُوْبِكُمْ۝۰ۭ وَاِنْ تُطِيْعُوا اللہَ وَرَسُوْلَہٗ لَا يَـلِتْكُمْ مِّنْ اَعْمَالِكُمْ شَـيْـــــًٔا۝۰ۭ اِنَّ اللہَ غَفُوْرٌ رَّحِيْمٌ۝۱۴
Qalati alaAArabu amanna qul lam tuminoo walakin qooloo aslamna walamma yadkhuli aleemanu fee quloobikum wain tuteeAAoo Allaha warasoolahu la yalitkum min aAAmalikum shayan inna Allaha ghafoorun raheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قالت الأعراب» نفر من بني أسد «آمنا» صدقنا بقلوبنا «قل» لهم «لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا» انقدنا ظاهرا «ولما» أي: لم «يدخل الإيمان في قلوبكم» إلى الآن لكنه يتوقع منكم «وإن تطيعوا الله ورسوله» بالإيمان وغيره «لا يَأْلِتْكُمْ» بالهمز وتركه وبإبداله ألفا: لا ينقصكم «من أعمالكم» أي من ثوابها «شيئا إن الله غفور» للمؤمنين «رحيم» بهم.

14

Tafseer

الرازي

تفسير : لما قال تعالى: {أية : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَـٰكُمْ } تفسير : [الحجرات: 13] والأتقى لا يكون إلا بعد حصول التقوى، وأصل الإيمان هو الاتقاء من الشرك، قالت الأعراب لنا النسب الشريف، وإنما يكون لنا الشرف، قال الله تعالى: ليس الإيمان بالقول، إنما هو بالقلب فما آمنتم لأنه خبير يعلم ما في الصدور، {وَلَـٰكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا } أي انقدنا واستسلمنا، قيل إن الآية نزلت في بني أسد، أظهروا الإسلام في سنة مجدبة طالبين الصدقة ولم يكن قلبهم مطمئناً بالإيمان، وقد بينا أن ذلك كالتاريخ للنزول لا للاختصاص بهم، لأن كل من أظهر فعل المتقين وأراد أن يصير له ما للأتقياء من الإكرام لا يحصل له ذلك، لأن التقوى من عمل القلب، وقوله تعالى: {قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ } في تفسيره مسائل: المسألة الأولى: قال تعالى: {أية : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ لَسْتَ مُؤْمِناً } تفسير : [النساء: 94] وقال ههنا {قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ } مع أنهم ألقوا إليهم السلام، نقول إشارة إلى أن عمل القلب غير معلوم واجتناب الظن واجب، وإنما يحكم بالظاهر فلا يقال لمن يفعل فعلاً هو مرائي، ولا لمن أسلم هو منافق، ولكن الله خبير بما في الصدور، إذا قال فلان ليس بمؤمن حصل الجزم، وقوله تعالى: {قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ } فهو الذي جوز لنا ذلك القول، وكان معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم حيث أطلعه الله على الغيب وضمير قلوبهم، فقال لنا: أنتم لا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً لعدم علمكم بما في قلبه. المسألة الثانية: لم ولما حرفا نفي، وما وإن ولا كذلك من حروف النفي، ولم ولما يجزمان وغيرهما من حروف النفي لا يجزم، فما الفرق بينهما؟ نقول لم ولما يفعلان بالفعل ما لا يفعل به غيرهما، فإنهما يغيران معناه من الاستقبال إلى المضي، تقول لم يؤمن أمس وآمن اليوم، ولا تقول لا يؤمن أمس، فلما فعلا بالفعل ما لم يفعل به غيرهما جزم بهما، فإن قيل مع هذا لم جزم بهما غاية ما في الباب أن الفرق حصل، ولكن ما الدليل على وجوب الجزم بهما؟ نقول لأن الجزم والقطع يحصل في الأفعال الماضية، فإن من قال قام حصل القطع بقيامه، ولا يجوز أن يكون ما قام والأفعال المستقبلة إما متوقعة الحصول وإما ممكنة غير متوقعة، ولا يحصل القطع والجزم فيه، فإذا كان لم ولما يقلبان اللفظ من الاستقبال إلى المضي كانا يفيدان الجزم والقطع في المعنى فجعل لهما تناسباً بالمعنى وهو الجزم لفظاً، وعلى هذا نقول السبب في الجزم ما ذكرنا، وهذا في الأمر يجزم كأنه جزم على المأمور أنه يفعله ولا يتركه، فأي فائدة في أن اللفظ يجزم مع أن الفعل فيه لا بد من وقوعه وأن في الشرط تغير، وذلك لأن إن تغير معنى الفعل من المضي إلى الاستقبال إن لم تغيره من الاستقبال إلى المضي، تقول: إن جئتني جئتك، وإن أكرمتني أكرمتك، فلما كان إن مثل لم في كونه حرفاً، وفي لزوم الدخول على الأفعال وتغييره معنى الفعل صار جازماً لشبه لفظي، أما الجزاء فجزم لما ذكرنا من المعنى، فإن الجزاء يجزم بوقوعه عند وجود الشرط، فالجزم إذاً إما لمعنى أو لشبه لفظي، كما أن الجزاء كذلك في الإضافة وفي الجر بحرف. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {وَلَـٰكِن قُولُواْ } يقتضي قولاً سابقاً مخالفاً لما بعده، كقولنا لا تقدموا آمنا ولكن قولوا أسلمنا وفي ترك التصريح به إرشاد وتأديب كأنه تعالى لم يجز النهي عن قولهم {آمنا } فلم يقل لا تقولوا آمنا وأرشدهم إلى الامتناع عن الكذب فقال: {لَّمْ تُؤْمِنُواْ } فإن كنتم تقولون شيئاً فقولوا أمراً عاماً، لا يلزم منه كذبكم وهو كقولهم {أَسْلَمْنَا } فإن الإسلام بمعنى الانقياد حصل. المسألة الرابعة: المؤمن والمسلم واحد عند أهل السنة، فكيف يفهم ذلك مع هذا؟ نقول بين العام والخاص فرق، فالإيمان لا يحصل إلا بالقلب وقد يحصل باللسان، والإسلام أعم لكن العام في صورة الخاص متحد مع الخاص ولا يكون أمراً آخر غيره، مثاله الحيوان أعم من الإنسان لكن الحيوان في صورة الإنسان ليس أمراً ينفك عن الإنسان ولا يجوز أن يكون ذلك الحيوان حيواناً ولا يكون إنساناً، فالعام والخاص مختلفان في العموم متحدان في الوجود، فكذلك المؤمن والمسلم، وسنبين ذلك في تفسير قوله تعالى: {أية : فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } تفسير : [الذاريات: 35-36] إن شاء الله تعالى. المسألة الخامسة: قوله تعالى: {وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَـٰنُ فِي قُلُوبِكُمْ } هل فيه معنى قوله تعالى: {قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ }؟ نقول نعم وبيانه من وجوه الأول: هو أنهم لما قالوا آمنا وقيل لهم {لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا } قالوا إذا أسلمنا فقد آمنا، قيل لا فإن الإيمان من عمل القلب لا غير والإسلام قد يكون عمل اللسان، وإذا كان ذلك عمل القلب ولم يدخل في قلوبكم الإيمان لم تؤمنوا الثاني: لما قالوا آمنا وقيل لهم لم تؤمنوا قالوا جدلاً قد آمنا عن صدق نية مؤكدين لما أخبروا فقال: {وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَـٰنُ فِي قُلُوبِكُمْ } لأن لما يفعل يقال في مقابلة قد فعل، ويحتمل أن يقال بأن الآية فيها إشارة إلى حال المؤلفة إذا أسلموا ويكون إيمانهم بعده ضعيفاً قال لهم {لَّمْ تُؤْمِنُواْ } لأن الإيمان إيقان وذلك بعد لم يدخل في قلوبكم وسيدخل باطلاعكم على محاسن الإسلام {وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } يكمل لكم الأجر، والذي يدل على هذا هو أن لما فيها معنى التوقع والانتظار، والإيمان إما أن يكون بفعل المؤمن واكتسابه ونظره في الدلائل، وإما أن يكون إلهاماً يقع في قلب المؤمن فقوله {قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ } أي ما فعلتم ذلك، وقوله تعالى: {وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَـٰنُ فِي قُلُوبِكُمْ } أي ولا دخل الإيمان في قلبكم إلهاماً من غير فعلكم فلا إيمان لكم حينئذ. ثم إنه تعالى عند فعلهم قال: {لَّمْ تُؤْمِنُواْ } بحرف ليس فيه معنى الانتظار لقصور نظرهم وفتور فكرهم، وعند فعل الإيمان قال لما يدخل بحرف فيه معنى التوقع لظهور قوة الإيمان، كأنه يكاد يغشي القلوب بأسرها. ثم إنه تعالى قال: {وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ } أي لا ينقصكم والمراد أنكم إذا أتيتم بما يليق بضعفكم من الحسنة فهو يؤتيكم ما يليق به من الجزاء، وهذا لأن من حمل إلى ملك فاكهة طيبة يكون ثمنها في السوق درهماً، وأعطاه الملك درهماً أو ديناراً ينسب الملك إلى قلة العطاء بل البخل، فليس معناه أنه يعطي مثل ذلك من غير نقص، بل المعنى يعطي ما تتوقعون بأعمالكم من غير نقص. وفيه تحريض على الإيمان الصادق، لأن من أتى بفعل من غير صدق نية يضيع عمله ولا يعطي عليه أجراً فقال: وإن تطيعوا وتصدقوا لا ينقص عليكم، فلا تضيعوا أعمالكم بعدم الإخلاص، وفيه أيضاً تسلية لقلوب من تأخر إيمانه، كأنه يقول غيري سبقني وآمن حين كان النبي وحيداً وآواه حين كان ضعيفاً، ونحن آمنا عندما عجزنا عن مقاومته وغلبنا بقوته، فلا يكون لإيماننا وقع ولا لنا عليه أجر، فقال تعالى إن أجركم لا ينقص وما تتوقعون تعطون، غاية ما في الباب أن التقدم يزيد في أجورهم، وماذا عليكم إذا أرضاكم الله أن يعطي غيركم من خزائن رحمته رحمة واسعة، وما حالكم في ذلك إلا حال ملك أعطى واحداً شيئاً وقال لغيره ماذا تتمنى؟ فتمنى عليه بلدة واسعة وأموالاً فأعطاه ووفاه، ثم زاد ذلك الأول أشياء أخرى من خزائنه فإن تأذى من ذلك يكون بخلاً وحسداً، وذلك في الآخرة لا يكون، وفي الدنيا هو من صفة الأرازل، وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي يغفر لكم ما قد سلف ويرحمكم بما أتيتم به.

القرطبي

تفسير : نزلت في أعراب من بني أسد بن خُزيمة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة جَدْبة وأظهروا الشهادتين ولم يكونوا مؤمنين في السرّ. وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات وأغلوا أسعارها، وكانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتيناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان فأعطنا من الصدقة؛ وجعلوا يمنُّون عليه فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية. وقال ابن عباس: نزلت في أعراب أرادوا أن يَتَسمَّوْا باسم الهجرة قبل أن يهاجروا؛ فأعلم الله أن لهم أسماء الأعراب لا أسماء المهاجرين. وقال السدّي: نزلت في الأعراب المذكورين في سورة الفتح: أعراب مُزَيْنَة وجُهَيْنة وأسْلَم وغِفارَ والدِّيل وأشجع؛ قالوا آمنّا ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم؛ فلما استنفروا إلى المدينة تخلّفوا؛ فنزلت. وبالجملة فالآية خاصة لبعض الأعراب؛ لأن منهم من يؤمن بالله واليوم الآخر كما وصف الله تعالى. ومعنى «وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا» أي استسلمنا خوف القتل والسّبْي، وهذه صفة المنافقين؛ لأنهم أسلموا في ظاهر إيمانهم ولم تؤمن قلوبهم؛ وحقيقة الإيمان التصديق بالقلب. وأما الإسلام فقبول ما أتى به النبيّ صلى الله عليه وسلم في الظاهر، وذلك يَحْقِن الدّم. {وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} يعني إن تخلصوا الإيمان {لاَ يَلِتْكُمْ} أي لا ينقصكم. {مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً} لأنه يَلِيته ويلوته: نقصه. وقرأ أبو عمرو «لا يألِتكم» بالهمزة، من أَلَت يَأْلت أَلْتاً؛ وهو اختيار أبي حاتم؛ اعتباراً بقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ}تفسير : [الطور:1 2] قال الشاعر:شعر : أبلِغْ بني ثُعَلٍ عني مُغَلْغَلَةً جَهْد الرِّسَالة لا أَلْتاً ولا كَذِبَا تفسير : واختار الأولى أبو عبيد. قال رؤبة:شعر : وليلةٍ ذاتِ نَدًى سَرَيْتُ ولم يَلِتْنِي عن سُرَاها لَيْتُ تفسير : أي لم يمنعني عن سُراها مانع؛ وكذلك ألاته عن وجهه؛ فعل وأفْعَل بمعنًى. ويقال أيضاً: ما ألاته من عمله شيئاً؛ أي ما نقصه؛ مثل ألته؛ قاله الفرّاء. وأنشد:شعر : ويأكلن ما أعْنَى الوَلِيُّ فلم يَلِتْ كأن بحافات النِّهاء المَزَارعا تفسير : قوله: فلم «يَلِتْ» أي لم ينقص منه شيئاً. و «أَعْنَى» بمعنى أنبت؛ يقال: ما أَعْنَت الأرض شَيئاً؛ أي ما أنبتت. و «الولِيّ» المطر بعد الوَسْمِيّ؛ سُمِّي ولِيًّا لأنه يلِي الوسمِيّ. ولم يقل: لا يألتاكم؛ لأن طاعة الله تعالى طاعة الرسول.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى منكراً على الأعراب الذين أول ما دخلوا في الإسلام ادعوا لأنفسهم مقام الإيمان ولم يتمكن الإيمان في قلوبهم بعد: {قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَـٰنُ فِي قُلُوبِكُمْ} وقد استفيد من هذه الآية الكريمة: أن الإيمان أخص من الإسلام؛ كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ويدل عليه حديث جبريل عليه الصلاة والسلام حين سأل عن الإسلام ثم عن الإيمان ثم عن الإحسان، فترقى من الأعم إلى الأخص، ثم للأخص منه. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه رضي الله عنهما قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالاً، ولم يعط رجلاً منهم شيئاً، فقال سعد رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله أعطيت فلاناً وفلاناً ولم تعط فلاناً شيئاً، وهو مؤمن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أو مسلم؟"تفسير : حتى أعادها سعد رضي الله عنه ثلاثاً، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: أو مسلم؟ ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني لأعطي رجالاً، وأدع من هو أحب إلي منهم، فلم أعطه شيئاً؛ مخافة أن يكبوا في النار على وجوههم» تفسير : أخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري به. فقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمن والمسلم، فدل على أن الإيمان أخص من الإسلام، وقد قررنا ذلك بأدلته في أول شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري ولله الحمد والمنة. ودل ذلك على أن ذاك الرجل كان مسلماً ليس منافقاً؛ لأنه تركه من العطاء، ووكله إلى ما هو فيه من الإسلام، فدل هذا على أن هؤلاء الأعراب المذكورين في هذه الآية ليسوا بمنافقين، وإنما هم مسلمون لم يستحكم الإيمان في قلوبهم، فادعوا لأنفسهم مقاماً أعلى مما وصلوا إليه، فأدبوا في ذلك، وهذا معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما وإبراهيم النخعي وقتادة واختاره ابن جرير. وإنما قلنا هذا لأن البخاري رحمه الله ذهب إلى أن هؤلاء كانوا منافقين يظهرون الإيمان وليسوا كذلك. وقد روي عن سعيد بن جبير ومجاهد وابن زيد: أنهم قالوا في قوله تبارك وتعالى: {وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا} أي استسلمنا خوف القتل والسبي. قال مجاهد: نزلت في بني أسد بن خزيمة. وقال قتادة: نزلت في قوم امتنوا بإيمانهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحيح الأول أنهم قوم ادعوا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يحصل لهم بعد، فأدبوا وأعلموا أن ذلك لم يصلوا إليه بعد، ولو كانوا منافقين لعنفوا وفضحوا كما ذكر المنافقون في سورة براءة، وإنما قيل لهؤلاء تأديباً: {قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَـٰنُ فِي قُلُوبِكُمْ} أي لم تصلوا إلى حقيقة الإيمان بعد. ثم قال تعالى: {وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِّنْ أَعْمَـٰلِكُمْ شَيْئاً} أي لا ينقصكم من أجوركم شيئاً كقوله عز وجل: {وَمَآ أَلَتْنَـٰهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ} وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي لمن تاب إليه وأناب. وقوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ} أي إنما المؤمنون الكمل {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ} أي لم يشكوا، ولا تزلزلوا، بل ثبتوا على حال واحدة وهي التصديق المحض {وَجَـٰهَدُواْ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي وبذلوا مهجهم ونفائس أموالهم في طاعة الله ورضوانه {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ} أي في قولهم إذا قالوا: إنهم مؤمنون، لا كبعض الأعراب الذين ليس لهم من الإيمان إلا الكلمة الظاهرة. وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين، حدثنا عمرو بن الحارث عن أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : المؤمنون في الدنيا على ثلاثة أجزاء: الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، والذي يأمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والذي إذا أشرف على طمع تركه لله عز وجل» تفسير : وقوله سبحانه وتعالى: {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ} أي أتخبرونه بما في ضمائركم {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ} أي لا يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} ثم قال تعالى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلَـٰمَكُمْ} يعني: الأعراب الذين يمنون بإسلامهم ومتابعتهم ونصرتهم على الرسول صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى رداً عليهم: {قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلَـٰمَكُمْ} فإن نفع ذلك إنما يعود عليكم، ولله المنة عليكم فيه {بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَـٰنِ إِنُ كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أي في دعواكم ذلك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار يوم حنين: «حديث : يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وكنتم عالة فأغناكم الله بي؟» تفسير : كلما قال شيئاً قالوا: الله ورسوله أمنّ. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي عن محمد بن قيس عن أبي عون، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاءت بنو أسد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله أسلمنا وقاتلتك العرب ولم نقاتلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن فقههم قليل، وإن الشيطان ينطق على ألسنتهم»تفسير : . ونزلت هذه الآية: { يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلَـٰمَكُمْ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَـٰنِ إِنُ كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} ثم قال: لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه، ولا نعلم روى أبو عون محمد ابن عبيد الله عن سعيد بن جبير غير هذا الحديث. ثم كرر الإخبار بعلمه بجميع الكائنات، وبصره بأعمال المخلوقات فقال: {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} آخر تفسير سورة الحجرات، ولله الحمد والمنّة، وبه التوفيق والعصمة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ } نفر من بني أسد {ءَامَنَّا } صدّقنا بقلوبنا {قُلْ } لهم {لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا } أي انقدنا ظاهراً {وَلَمَّا } أي لم {يَدْخُلِ ٱلإيمَٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ } إلى الآن لكنه يتوقع منكم {وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } بالإِيمان وغيره {لاَ يَلِتْكُمْ } بالهمز وتركه وبإبداله ألفاً: لا ينقصكم {مِّنْ أَعْمَٰلِكُمْ } من ثوابها {شَيْئاً إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } للمؤمنين {رَّحِيمٌ } بهم.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {قَالَتِ الأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا...} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم أقروا ولم يعملوا، فالإسلام قول والإيمان عمل، قاله الزهري. الثاني: أنهم أرادوا أن يتسموا باسم الهجرة قبل أن يهاجروا فأعلمهم أن اسمهم أعراب، قاله ابن عباس. الثالث: أنهم مَنُّوا على رسول الله صلى الله بإسلامهم فقالوا أسلمنا، لم نقاتلك، فقال الله تعالى لنبيه: قل لهم: لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا خوف السيف، قاله قتادة. لأناهم آمنوا بألسنتهم دون قلوبهم، فلم يكونوا مؤمنين، وتركوا القتال فصاروا مستسلمين لا مسلمين، فيكون مأخوذاً من الاستسلام لا من الإسلام كما قال الشاعر: شعر : طال النهار على من لا لقاح له إلا الهدية أو ترك بإسلام تفسير : ويكون الإسلام والإيمان في حكم الدين على هذا التأويل واحداً وهو مذهب الفقهاء، لأن كل واحد منهما تصديق وعمل. وإنما يختلفان من وجهين: أحدهما: من أصل الاسمين لأن الإيمان مشتق من الأمن، والإسلام مشتق من السلم. الثاني: أن الإسلام علم لدين محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان لجميع الأديان، ولذلك امتنع اليهود والنصارى أن يتسموا بالمسلمين، ولم يمتنعوا أن يتسموا بالمؤمنين. قال الفراء: ونزلت هذه الآية في أعراب بني أسد. قوله عز وجل: {... لاَ يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيئاً} فيه وجهان: أحدهما: لا يمنعكم من ثواب عملكم شيئاً، قال رؤبة: شعر : وليلة ذات سرى سريت ولم يلتني عن سراها ليت تفسير : أي لم يمنعني عن سراها. الثاني: ولا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئاً، قال الحطيئة: شعر : أبلغ سراة بني سعد مغلغلة جهد الرسالة لا ألتاً ولا كذباً تفسير : أي لا نقصاً ولا كذباً. وفيه قراءتان: {يَلِتْكم} و {يألتكم} وفيها وجهان: أحدها: [أنهما] لغتان معناهما واحد. الثاني: يألتكم أكثر وأبلغ من يلتكم. قوله عز وجل: {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُم} الآية. هؤلاء أعراب حول المدينة أظهروا الإسلام خوفاً، وأبطنوا الشرك اعتقاداً فأظهر الله ما أبطنوه وكشف ما كتموه، ودلهم بعلمه بما في السموات والأرض علم علمه بما اعتقدوه، وكانوا قد منوا بإسلامهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا فضلنا على غيرنا بإسلامنا طوعاً. فقال تعالى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُونُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ} وهذا صحيح لأنه إن كان إسلامهم حقاً فهو لخلاص أنفسهم فلا مِنَّةَ فيه لهم، وإن كان نفاقاً فهو للدفع عنهم، فالمنة فيه عليهم. ثم قال: {بِلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أن هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ} يحتمل وجهين: أحدهما: أن الله أحق أن يمن عليكم أن هداكم للإيمان حتى آمنتم. وتكون المنة هي التحمد بالنعمة. الثاني: أن الله تعالى ينعم عليكم بهدايته لكم، وتكون المنة هي النعمة. وقد يعبر بالمنة عن النعمة تارة وعن التحمد بها أخرى. {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} يعني فيما قلتم من الإيمان.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {قالت الأعراب آمنا} الآية نزلت في نفر من بني أسد بن خزيمة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة مجدبة فأظهروا الإسلام، ولم يكونوا مؤمنين في السر، فأفسدوا طرق المدينة بالقذرات وأغلوا أسعارها وكانوا يغدون ويروحون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقولون: أتتك العرب أنفسهم على ظهور رواحلها وجئناك بالأثقال والعيال والذراري ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان، يمنون على رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ويريدون الصدقة، ويقولون: أعطنا فأنزل الله فيهم هذه الآية. وقيل: نزلت في الأعراب الذين ذكرهم الله في سورة الفتح وهم جهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار كانوا يقولون آمنا ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم فلما استنفروا للحديبية تخلفوا عنها فأنزل الله عز وجل قالت الأعراب آمنا أي صدقنا {قل لم تؤمنوا} أي لم تصدقوا بقلوبكم {ولكن قولوا أسلمنا} أي استسلمنا وانقدنا مخافة القتل والسبي {ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} أخبر أن حقيقة الإيمان هو التصديق بالقلب وأن الإقرار باللسان وإظهار شرائعه بالأبدان لا يكون إيماناً دون التصديق بالقلب والإخلاص. (ق) حديث : عن سعد بن أبي وقاص قال: "أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطاً وأنا جالس فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً منهم هو أعجبهم إليّ فقلت ما لك عن فلان والله إني لأراه مؤمناً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مسلماً ذكر ذلك سعد ثلاثاً وأجابه بمثل ذلك ثم قال إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكب في النار على وجهه""تفسير : . زاد في رواية قال الزهري: "فترى أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل الصالح" لفظ الحميدي اعلم أن الإسلام هو الدخول في السلم وهو الانقياد والطاعة فمن الإسلام ما هو طاعة على الحقيقة باللسان والأبدان والجنان لقوله لإبراهيم عليه السلام: {أية : أسلم قال أسلمت لرب العالمين} تفسير : [البقرة: 131] ومنه ما هو انقياد باللسان والقلب وذلك قوله: ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم." وقيل: الإيمان هو التصديق بالقلب مع الثقة وطمأنينة النفس عليه والإسلام هو الدخول في السلم والخروج من أن يكون حرباً للمسلمين مع إظهار الشهادتين. فإن قلت: المؤمن والمسلم واحد عند أهل السنة فكيف يفهم ذلك مع هذا القول. قلت بين العام والخاص فرق فالإيمان لا يحصل إلا بالقلب والانقياد قد يحصل بالقلب وقد يحصل باللسان فالإسلام أعم والإيمان أخص لكن العام في صورة الخاص متحد مع الخاص ولا يكون أمراً غيره فالعام والخاص مختلفان في العموم والخصوص متحدان في الوجود فذلك المؤمن والمسلم. وقوله تعالى: {وإن تطيعوا الله ورسوله} أي ظاهراً وباطناً سراً وعلانية وقال ابن عباس تخلصوا له الإيمان {لا يلتكم} أي لا ينقصكم {من أعمالكم شيئاً} أي من ثواب أعمالكم {إن الله غفور رحيم} ثم بين حقيقة الإيمان

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا} الآية. لما قال تعالى: {أية : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ}تفسير : [الحجرات:13] والاتّقاء لا يكون إلا بعد حصُول التقوى وأصله الإيمان والاتِّقاء من الشِّرك قالت الأعراب يكون لنا النسب الشريف يكون لنا الشرف قال الله تعالى: ليس الإيمان بالقول إنما بالقلب، فما آمنتم فإن الله خبير بعلم ما في "الصدور" ولكن قولوا أسلمنا أي أنْقَدْنَا وأَسْلَمْنَا. قيل: نزلت في نَفَرٍ من بني أسد بن خزيمة، قدموا على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في سَنةٍ مُجَدِبَةٍ، فأظهروا الإِسلام ولم يكونوا مؤمنين في السر طالبين الصدقة فأفسدوا طرق المدينة بالقاذورات وكانوا يغتدون وَيُرحُون إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويقولون: أَتَتْكَ العرب بأنفسها على ظهور رَوَاحِلهَا، وجئناك بالأثقال والعِيَال والذَّرارِي ولم نُقاتِلكَ كما قاتَلَكَ بنُو فلان يَمُنُّون على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويريدون الصدقة، ويقولون أَعْطِنَا، فانزل الله تعالى فيهم هذه الآية. وقال السدي: نزلت في الأعراب الذين ذكرهم الله تعالى في سورة الفتح وهم جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وأَسْلَمُ، وأشْجَعُ وغِفَار وكانوا يقولون: آمنًّا ليأمَنُوا على أنفسهم وأموالهم فلما استنفروا إلى الحديبية تخلفوا فأنزل الله تعالى: {قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا } صدقنا {قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا} أنقَذْنا واسْتَسْلَمْنَا مخالفَة القتل والسَّبْي. قال ابن الخطيب: وقد بينا أن ذلك كالتاريخ للنزول لا للاختصاص بهم، فكل من أظهر فعل التقوى أراد أن يصير له ما للمتقي من الإكرام ولا يحصل له ذلك لأن التقوى من عمل القلب. قوله: "وَلَمَّا يَدْخُلْ" هذه الجملة مستأنفة، أخبر تعالى بذلك. وجعلها الزمخشري حالاً مستقرّة في: "قَولُوا" وقد تقدم الكلام في "لما" وما تدل عليه، والفرق بينها وبين "لم" في البقرة عند قوله تعالى: {أية : وَلَمَّا يَأْتِكُم}تفسير : [البقرة:214]. وقال الزمخشري: فإن قلت: هو بعد قوله: "لَمْ تُؤمِنُوا" يشبه التكرير من غير استقلال بفائدة متجدِّدة!. قلت: ليس كذلك، فإن فائدة قوله: لم تُؤْمِنُوا هو تكذيب دعواهم. وقوله: "وَلَمَّا يَدْخُل" توقيت لِمَا أمروا به أن يقولوه. ثم قال: "ولما في "لمّا" من معنى التوقيع دليل على أن هؤلاء قد آمنوا فيما بعده"، قال أبو حيان: فلا أدري من أي وجه يكون النفي بِلَمَّا يقع بعد؟!. قال شهاب الدين: لأنَّها لنفي قَدْ فَعل، وقَدْ للتَّوَقع. فصل قال ابن الخطيب: لَمْ ولَمَّا حَرْفَا نفي، ومَا، وإنْ ولاَ كذلك من حروف النفي ولَمْ ولَمَّا يجزمان وغيرهما من حروف النفي لا يجزم فما الفرق بينهما؟. فالجواب: أن لم ولما يفعلان بالفعل ما لا يفعل به غيرهما، فإنهما يَصْرِفَان معناه من الاستقبال إِلى النفي تقول: لَمْ يُؤْمِنْ أَمْسِ، وآمَنَ اليَوْمَ، ولا تقول: لاَ يُؤْمِنُ أَمْسِ، فلما فعلا بالفعل ما لم يفعل به غيرهما جزم بهما. فإن قيل مع هذا: لم جزم بهما؟ غاية ما في الباب أن الفرق حصل ولكن ما الدليل على وجوب الجزم بهما؟ نقول: لأن الجزمَ والقَطْع يَحْصل في الأفعال الماضية؛ لأنَّ من قال فقد حصل القطع بقيامه ولا يجوز أن يكون ما قام، والأفعال المستقبلة إما متوقعة الحصول وإما ممكنة من غير تَوَقُّع، فلا يمكن الجزم والقطع فيه، فإذا كان "لَمَّا ولَمْ" يَقْلِبَان اللَّفظَ من الاستقبالِ إلى المُضِيِّ أفاد الجزم والقطع في المعنى فجعل له مناسباً والقطع في المعنى فجعل له مناسباً لمعناه وهو الجزم لفظاً، وعلى هذا نقول: إذا كان السببُ في الجزم ما ذكرنا فلهذا قيل: الأمر يجزم، لأن الآمرّ كأنه جزم على المأمور أن يفعله ولا يتركه، فأتى بلفظ مجزوم تنبيهاً على أنّ الفعل لا بد من إيقاعه و "إنْ" في الشرط كـ "لَمْ" لأن "إنْ" تغير معنى الفعل من المُضِيِّ إلى الاستقبال كما أن "لَمْ" تغيِّره من الاستقبال إلى المُضِي تقول: إِنْ أكْرَمْتَنِي أُكْرِمْكَ، فلما كان "إنْ" مثلُ "لَمْ" في كونه حرفاً، وفي لزوم الدخول على الأفعال وتغييرها صار جازماً للشبه اللَّفْظيِّ وأما الجزاء فجزم لِمَا ذَكَرْنا مِن المعنى، فإن الجزاء يجزم لوقوعه عند وجود الشرط فجَزْمُهُ إِذَنْ إمَّا للْمعْنَى، أو للشبه اللفظي. فصل أخبر الله تعالى أنَّ حقيقة الإيمان هو التصديق بالقلب، وأن الإقرار باللِّسان وإظهار شرائعه بالإيمان لا يكون إيماناً دون التصديق بالقلب والإخلاص والإسلامُ هو الدخول في السِّلم، وهو الانقياد والطاعة يقال: أسْلَمَ الرَّجُلُ إذا دخل في الإسلام والسِّلْم، كما يقال أَشْتَى إذَا دَخَلَ في الشِّتَاء، وأَصَافَ إذَا دخَلَ في الصَّيْفِ، وأرْبَعَ إذا دخل في الرَّبِيع، فمن الإسلام ما هو طاعة على الحقيقة باللسان والأبدان والجنان كقوله ـ عز وجلّ ـ لإبراهيم: {أية : أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [البقرة:131] ومنها: ما هو انقياد باللِّسان دون القلب وذلك قوله: {وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}. قال ابن الخطيب: المؤمن والمسلم واحد عند أهل السنة فيكون الفرق بين العام والخاص أن الإيمان لا يحصل إلا بالقلب والانقياد قد يحصل بالقلب وقد يحصل باللسان والإسلام أعم لكن العام في صورة الخاص متَّحد مع الخاص ولا يكون أمراً آخر غيره. مثاله: الحَيَوَان أَعَمُّ من الإنسان، لكن الحيوان في صورة الإنسان (ليس) أمراً ينفكُّ عن الإنسان ويجوز أن يكون ذلك الحيوانُ حيواناً ولا يكون إنساناً، فالعام والخاص مختلفان في العموم متحدان في الوجود وكذلك المؤمن والمسلم. وسيأتي بقية الكلام عن ذلك في الذَّاريات عند قوله: {أية : فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ}تفسير : [الذاريات:35و36] إن شاء الله تعالى. قال ابن الخطيب: وفي الآية إشارة إلى بيان حال المؤلَّفة إذا أسلموا ويكون إيمانهم ((بعد) ضعيفاً) قال لهم: لَمْ تؤمنوا لأن الإيمان أيقانٌ وذلك بعد لم يدخل في قلوبكم وسيدخل باطّلاعكم على محاسن الإسلام. قوله: {وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي ظاهراً وباطناً سراً وعلانية. قال ابن عباس: تُخْلِصُوا الإيمان. قوله: "لاَ يَلتكُمْ" قرأ أبو عمرو: "لا يألتكم" بالهمز من أَلَتَهُ يَأْلِتُهُ بالفتح في الماض والكسر والضم في المضارع لقوله: {أية : وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ}تفسير : [الطور:21] والسُّوسِيّ يبدل الهمزة ألفاً على أصله. والباقون: "يُلِتْكُمْ" من لاَتَهُ يليتُه كَباعَهُ يَبِيعُهُ. وهما لغتان معناهما لا يَنْقُصُكُمْ، فالأولى لغة غَطَفَان وأسدٍ والثانية لغة الحِجَاز، يقال: أَلتَ يأْلُتُ أَلْتاً، ولاَتَ يِليتُ لَيْتاً، وقيل: هي من وَلَتَهُ يَلِتُهُ كوَعَدَهُ يَعِدُهُ، فالمحذوف على القول الأولى عينٌ الكلمة ووزنها: يَفِلْكُمْ وعلى الثاني فاؤها، ووزنها يَعِلْكُمْ ويقال أيضاً ألاَتَهُ ليتُه كأَبَاعَهُ يُبِيعُهُ وآلَتَهُ يُؤْلِتُهُ كآمن يُؤْمِنُ. وكلّها لغات في معنى نَقَصَهُ حَقَّهُ، قال الحطيئة: شعر : 4504ـ أَبْلِغْ سَرَاة بَنِي سَعْدٍ مُغَلْغَلَةً جَهْدَ الرِّسَالَةِ لاَ أَلْتاً ولاَ كَذِبَا تفسير : وقال رؤبة: شعر : 4505ـ ولَيْلَةٍ ذَاتِ نَدًى سَرَيْتُ وَلَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُرَاهَا لَيْتُ تفسير : أي لم يمنعني ويَحْبِسْنِي. فصل قال ابن الخطيب: معنى قوله: ("لاَ يَلِتْكُمْ") لا يَنْقُصُكُم، المراد منه أنكم إذا أتيتم بما يليق يضعِّفكُم من الحسنة فهو يؤتيكم به من الجزاء؛ لأن من حمل إلى ملك فاكهة طيبةً يكون ثمنها في السوق درهماً فأعطاه الملك درهماً انتسب الملك إلى البخل، وإنما معناه ألاّ يُعْطِي مثل ذلك من غير نقص أي يعطي ما تتوقعون بأعمالكم من غير نقص. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي يغفر لكم ما قد سلف ويرحمكم بما أتيتم به.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏قالت الأعراب آمنا‏} قال‏:‏ أعراب بني أسد بن خزيمة وفي قوله ‏{‏ولكن قولوا أسلمنا‏}‏ قال‏:‏ استسلمنا مخافة القتل والسبي‏. وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏قالت الأعراب آمنا‏}‏ قال‏:‏ نزلت في بني أسد‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏قالت الأعراب آمنا‏} ‏ الآية، قال‏:‏ لم تعم هذه الآية الأعراب، ولكنها الطوائف من الأعراب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ‏ {‏قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا‏}‏ قال‏:‏ لعمري ما عمت هذه الآية الأعراب، إن من الأعراب لمن يؤمن بالله واليوم الآخر، ولكن إنما أنزلت في حيّ من أحياء العرب منوا بالإِسلام على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقالوا أسلمنا ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، فقال الله ‏ {‏لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإِيمان في قلوبكم‏}‏ ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن داود بن أبي هند أنه سئل عن الإِيمان فتلا هذه الآية ‏ {‏قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا‏} ‏ قال‏:‏ الإِسلام الإِقرار، والإِيمان التصديق‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الزهري في الآية قال‏:‏ ترى أن الإِسلام الكلمة والإِيمان العمل‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن مردويه حديث : عن سعد بن أبي وقاص أن نفراً أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم إلا رجلاً منهم، فقلت‏:‏ يا رسول الله‏:‏ أعطيتهم وتركت فلاناً، والله إني لأراه مؤمناً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أو مسلم قال ذلك ثلاثا‏ً‏ . تفسير : وأخرج ابن قانع وابن مردويه من طريق الزهري حديث : عن عامر بن سعد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم قسماً فأعطى أناساً ومنع آخرين، فقلت يا رسول الله‏:‏ أعطيت فلاناً وفلاناً ومنعت فلاناً وهو مؤمن، فقال‏:‏ لا تقل مؤمن ولكن قل مسلم‏تفسير : ‏. وقال الزهري ‏{‏قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا‏}‏‏ . وأخرج ابن ماجة وابن مردويه والطبراني والبيهقي في شعب الإِيمان عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏الايمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وابن مردويه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏"‏حديث : الإِسلام علانية والإِيمان في القلب، ثم يشير بيده إلى صدره ثلاث مرات، ويقول‏:‏ التقوى ههنا التقوى ههنا ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس ‏ {‏قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا‏} ‏ الآية قال‏:‏ وذلك أنهم أرادوا أن يتسموا باسم الهجرة ولا يتسموا بأسمائهم التي سماهم الله، وكان هذا أول الهجرة قبل أن تترك المواريث لهم‏. قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏وإن تطيعوا الله ورسوله‏} ‏ الآية‏.‏ أخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ‏ {‏لا يلتكم‏} ‏ بغير ألف ولا همزة مكسورة اللام‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن شهر رمضان فرض عليكم صيامه والصلاة بالليل بعد الفريضة نافلة لكم والله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله ‏{‏لا يلتكم‏}‏ قال‏:‏ لا يظلمكم‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ‏ {‏لا يلتكم‏}‏ لا ينقصكم‏.‏ وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله ‏{‏لا يلتكم‏‏‏}‏ قال‏:‏ لا ينقصكم بلغة بني عبس‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم أما سمعت قول الحطيئة العبسي‏؟‏ شعر : أبلغ سراة بني سعد مغلغلة جهد الرسالة لا ألتاً ولا كذباً تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ‏ {‏لا يلتكم‏‏} ‏ لا يظلمكم من أعمالكم شيئاً {‏إن الله غفور رحيم‏} ‏ قال‏:‏ غفور للذنب الكبير رحيم بعباده‏.‏

التستري

تفسير : قوله: {قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا} [14] قال: يعني أقررنا مخافة السبي والقتل لأن الإيمان إقرار باللسان صدقاً، وإيقان في القلب عقداً، وتحقيقها بالجوارح إخلاصاً، وليس في الإيمان أنساب، وإنما الأنساب في الإسلام، والمسلم محبوب إلى الخلق، والمؤمن غني عن الخلق.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا} [الآية: 14]. قال ليس فى الإيمان أسباب إنما الأسباب فى الإسلام والمسلم محبوب إلى الخلق والمؤمن غنى عن الخلق. قال بعضهم: الإيمان هو الذى يوجب الأمان وليس للنفس فيه دعوى وقد أكثرت الشرح للإيمان فى مسألة الإيمان وتثبيت معانيه.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا}. الإيمانُ هو حياة القلب، والقلب لا يحيا إلا بعد ذَبْح النَّفس، والنفوسُ لا تموت ولكنها تغيب، ومع حضورها لا يَتمُّ خيرٌ، والاستسلامُ في الظاهر إسلام. وليس كلُّ مَنْ استسلَمَ ظاهراً مخلصٌ في سِرِّه. {وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}. في هذا دليلٌ على أن محلَّ الإيمانِ القلبُ. كما أنه في وصف المنافقين قال تعالى: {أية : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ}تفسير : [البقرة: 10] ومَرَضُ القلبِ والإيمانُ ضدان.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا} الاسلام ظاهر العبودية والايمان مشاهدة الربوبية ومحله القلب بقوله {وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} والاسلام الحقيقى بنعت الخضوع واستعمال الامر لا ينفك من الايمان فان اصله الايمان وهو متولد منه امّا ما يكون بالتقليد والاعراض فهو اوصاف اهل النفاق قال سهل ليس فى الايمان اسباب انما الاسباب فى الاسلام والمسلم محبوب الى الخلق والمومن غنى عن الخلق.

اسماعيل حقي

تفسير : {قالت الأعراب آمنا} الاعراب اهل البادية وقد سبق تفصيله فى سورة الفتح والحاق التام بالفعل المسند اليهم مع خلوه عنها فى قوله {أية : وقال نسوة فى المدينة}تفسير : للدلالة على نفصان عقلهم بخلافهن حيث لمن امرأة العزيز فى مراودتها فتاها وذلك يليق بالعقلاء نزلت فى نفر من بنى اسد قدموا المدينة فى سنة جدب فأظهروا الشهادتين فكانوا يقولون لرسول الله عليه السلام اتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها واتيناك بالاثقال والعيال والذرارى ولم نقاتلك كما قتلك بنوا فلان يرون الصدق ويمنون عليه عليه السلام ما فعلوا {قل} ردا لهم {لم تؤمنوا} اذ الايمان هو التصديق بالله وبرسوله المقارن للثقة بحقيقة المصدق وطمأنينة القلب ولم يحصل لكم ذلك والا لما مننتم على ما ذكرتم من الاسلام وترك المقاتلة كما ينبئ عنه آخر السورة يعنى ان التصديق الموصوف مسبوق بالعلم بقبح الكفر وشناعة المقاتلة وذلك يأبى المن وترك المقاتلة فان العاقل لا يمن بترك ما يعلم قبحه {ولكن قولوا أسلمنا} اسلم بمعنى دخل فى السلم كأصبح وامسى وأشتى اى قولوا دخلنا فى السلم والصلح والانقياد مخافة أنفسنا فان الاسلام انقياد ودخول فى السلم واظهار الشهادة وترك المحاربة مشعر به اى بالانقياد والدخول المذكور وايثار ما عليه النظم الكريم على أن يقال لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا او لم تؤمنوا ولكن اسلمتم ليتقابل جملتا الاستدراك للاحتراز عن النهى عن التلفظ بالايمان فأن ظاهره مستقبح سيما ممن بعث للدعوة الى القول به وللتفادى عن اخراج قولهم مخرج التسليم والاعتداد به مع كونه تقولا محضا قال سعدى المفتى والظاهر ان النظم من الاحتباك حذف من الاول ما يقابل الثانى ومن الثانى ما يقابل الاول والاصل قل لم تؤمنوا فلا تقولوا آمنا ولكن أسلمتم فقولوا أسلمنا وهذا من اختصارات القرءآن {ولما يدخل الايمان فى قلوبكم} حال من ضمير قولوا اى ولكن قولوا أسلمنا حل عدم مواطأة قلوبكم لألسنتكم وما فى لما من معنى التوقع مشعر بأن هؤلاء قد آمنوا فيما بعد {ولما يدخل الايمان فى قلوبكم} حال من ضمير قولوا اى ولكن قولوا أسلمنا حال عدم مواطأة قلوبكم لألسنتكم وما فى لما من معنى التوقع مشعر بأن هؤلاء قد آمنوا فيما بعد {وأن تطيعوا الله ورسوله} بالاخلاص وترك النفاق {لا يلتكم من اعمالكم شيئا} اى لا ينقصكم شيأ من اجورها من لات يليت ليتا اذا نقص قال الامام معنى قوله لا يلتكم انكم ان اتيتم بما يليق بضعفكم من الحسنة المقرونة بالاخلاص وترك النفاق فهو تعالى يأتكم بما يليق بفضله من الجزآء لا ينقص منه نظرا الى ما فى حسناتكم من النقصان والتقصير وهذا لان من حمل الى ملك فاكهة طيبة يكون ثمنها فى السوق درهما مثلا وأعطاه الملك درهما او دينارا انتسب الملك الى قلة العطاء بل الى البخل فليس معنى الآية أن يعطى من الجزآء مثل عملكم من غير نقص بل المعنى يعطى ما تتوقعون بأعمالكم من غير نقص ويؤيد ما قاله قوله تعالى {ان الله غفور} لما فرط من المطيعين {رحيم} بالتفضل عليهم قال فى بحر العلوم فى الآية ايذان بأن حقيقة الايمان التصديق بالقلب وان الاقرار باللسان واظهار شرآئعه بالايذان ليس بأيمان وفى التأويلات النجمية يشير الى ان حقيقة الايمان ليست مما يتناول باللسان بل هو نور يدخل القلوب اذا شرح الله صدر العبد للاسلام كما قال تعالى {أية : فهو على نور من ربه}تفسير : وقال عليه السلام فى صفة ذلك النور "حديث : اذا وقع فى القلب انفسح له واتسع" قيل يا رسول الله هل لذلك النور علامة يعرف بها قال "بلى التجا فى عن دار الغرور والا نابة الى دار الخلود واستعداد الموت قبل نزوله ولهذا قال تعالى {ولما يدخل الايمان فى قلوبكم} فهذا دليل على ان محل الايمان القلب"تفسير : انتهى وفى علم الكلام ذهب جمهور المحققين الى ان الايمان التصديق القلب وانما الاقرار شرط لا جزؤه لاجرآء الاحكام فى الدنيا كالصلاة عليه فى وقت موته لما ان تصديق القلب امر باطن لا يطلع عليه احد لا بد له من علامة فمن صدق بقلبه ولم يقر بلسانه فهو مؤمن عند الله لوجود التصديق القلبى وان لم يكن مؤمنا فى احكام الدنيا لانتفاء شرطه واما من جعل الاقرار ركنا من الايمان فعنده لا يكون تارك الاقرار مؤمنا عند الله ولا يستحق النجاة من خلود النار ومن اقر بلسانه ولم يصدق بقلبه كالمنافق هو مؤمن فى احكام الدنيا وان لم يكن مؤمنا عند الله وهذا المذكور من ان الايمان هو التصديق القلبى والاقرار باللسان لاجرآء الاحكام هو اختيار الشيخ ابى منصور رحمه الله والنصوص معاضدة لذلك قال الله تعالى {أية : اولئك كتب فى قلوبهم الايمان}تفسير : وقال الله تعالى {أية : وقلبه مطمئن بالايمان}تفسير : وقال الله تعالى {ولما يدخل الايمان فى قلوبكم} حديث : وقال عليه السلام اللهم ثبت قلبى على دينك"تفسير : اى على تصديقك حديث : وقال عليه السلام لعلى رضى الله عنه حين قتل من قال لا اله الا الله هل شققت قلبه تفسير : وفى فتح الرحمن حقيقة الايمان لغة التصديق بما غاب وشرعا عند ابى حنيفة رحمه الله تصديق بالقلب وعمل باللسان وعند الثلاثة عقد بالجنان ونطق باللسان وعمل بالاركان فدخل كل الطاعات انتهى قال ابن الملك فى شرح المشارق ثم الاقرار باللسان ليس جزأ من الايمان ولا شرطاله عند بعض علمائنا بل هو شرط لاجرآء احكام المسلمين على المصدق لان الايمان عمل القلب وهو لا يحتاج الى الاقرار وقال بعضهم انه جزء منه لدلالة ظواهر النصوص عليه الا ان الاقرار لما كان جزأ له شائبة العرضية والتبعية اعتبروا فى حالة الاختيار جهة الجزئية حتى لا يكون تاركه مع تمكنه منه مؤمنا عند الله وان فرض انه مصدق وفى حالة الاختيار جهة الجزئية حتى لا يكون تاركه مع تمكنه منه مؤمنا عند الله وان فرض انه مصدق وفى حالة الاضطرار جهة العرضية فيسقط وهذا معنى قولهم الاقرار ركن زآئد اذ لا معنى لزيادته الا ان يحتملى السقوط عند الاكراه على كلمة الكفر فان قيل ما الحكمة فى جعل عمل جارحة جزأ من الايمان ولم عين به عمل اللسان دون اعمال سائر الاركان قلنا لما اتصف الانسان بالايمان وكان التصديق عملا لباطنه جعل عمل ظاهره داخلا فيه تحقيقا لكمال اتصافه به وتعين له فعل اللسان لانه مجبول للبيان او لكونه اخف وابين من عمل سائر الجسد نعم يحكم باسلام كافر لصلاته بجماعة وان لم يشاهد قراره لان الصلاة المسنونة لا تخلو عنه وقال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام المقدسى النطق بكلمتى الشهادة واجب فمن علم وجوبهما وتمكن من النطق بهما فلم ينطق فيحتمل ان يجعل امتناعه من النطق بهما كامتناعه من الصلاة فيكون مؤمنا غير مخلد فى النار لان الايمان هو التصديق المحض بالقلب واللسان ترجمانه وهذا هو الاظهر اذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : يخرج من النا رمن كان فى قلبه مثقال ذرة من الايمان تفسير : ولا يعدم الايمان من القلب بالسكوت عن النطق الواجب كما لا يعدم بترك الفعل الواجب انتهى. وقال سهل رضى الله عنه ليس فى الايمان اسباب انما الاسباب فى الاسلام والمسلم محبوب للخلق والمؤمن غنى عن الخلق وقال بعض الكبار المسلم فى عموم الشريعة من سلم الناس من لسانه ويده وفى خصوصها من سلم كل شئ من لسانه بما يعبر عنه ويده فيما له فيه نفوذ الاقتدار والمؤمن منور الباطن وان عصى والكافر مظلم الباطن وان أتى بمكارم الاخلاق ومن قال انا مؤمن ان شاء الله فما عرف الله كما ينبغى وقال بعض الكبار كل من آمن عن دليل فلا وثوق بايمانه لانه نظرى لا ضرورى فهو معرض للشبه الفادحة فيه بخلاف الايمان الضرورى الذى يجده المؤمن فى قلبه ولا يقدر على دفعه وكذا القول فى كل علم حصل عن نظر وفكر فانه مدخول لا يسلم من دخول الشبه عليه ولا من الحيرة فيه ولا من القدح فى الامر الموصل اليه ولا بد لكل محجوب من التقليد فمن اراد العلم الحق الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فليكثر من الطاعات والنوافل حتى يحبه الحق فيعرف الله بالله ويعرف جميع احكام الشريعة بالله لا بعقله ومن لم يكثر مما ذكر فليقلد ربه فيما اخبر ولا يؤول فانه اولى من تقليد العقل

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {قالت الأعرابُ} أي: بعض الأعراب {آمنّا} نزلت في نفر من بني أسد، قدِموا المدينةَ في سنة جدبة، فأَظْهَروا الإسلام، ولم يُؤمنوا في السر، وأفْسَدوا طُرق المدينة بالعذَرَات، وأغْلَوا أسعارها، وكانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتيناك بالأثقال والعيال، ولم نُقاتلك كما قتلك بنو فلان، وهم يريدون الصدقة، ويقولون: أعطنا، ويمنّون بإسلامهم. {قل} لهم: {لم تؤمنوا} لم تُصدّقوا بقلوبكم {ولكن قولوا أسْلَمنا} فالإيمان هو التصديق بالقلب مع الإذعان به، والإسلام هو الدخول في السِّلْم، والخروج من أن يكون حرباً للمؤمنين بإظهار الشهادتين؛ ألا ترى إلى قوله: {ولمَّا يَدْخُلِ الإِيمانُ في قلوبكم} فهو يدل على أنَّ مجرد النطق بالشهادتين ليس بإيمان، فتحصَّل أن ما يكون من الإقرار باللسان من غير مواطأة للقلب فهو إسلام، وما واطأ فيه القلبُ اللسانَ فهو إيمان، وهذا من حيث اللغة، وأما في الشرع فهما متلازمان، فلا إسلام إلا بعد إيمان، ولا إيمان إلا بعد النطق بالشهادة إلا لعذر. والتعبير بـ"لمّا" يدل على أن الإيمان متوقَّع من بعضهم وقد وقع. فإن قلت: مقتضى نظم الكلام أن يقول: قل لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا، أو: قل لم تؤمنوا ولكن أسلمتم؟ قلت: أفاد هذا النظم تكذيب دعواهم أولاً، فقيل: قل لم تؤمنوا، مع حسن أدب، فلم يقل: كذبتم صريحاً، ووضع "لم تؤمنوا" الذي هو نفس ما ادَّعوا إثباته موضعه، واستغنى بقوله: {لم تؤمنوا} عن أن يقال: لا تقولوا آمنا؛ لاستهجان أن يخاطبوا بلفظ مؤداه النهي عن القول بالإيمان، ولم يقل: ولكن أسلمتم؛ ليكون قولهم خارجاً مخرج الزعم والدعوى، كما كان قولهم: "آمنا" كذلك، ولو قيل: ولكن أسلمتم؛ لكان كالتسليم، والاعتداد بقولهم، وهو غير معتدّ به. وليس قوله: {ولمّا يدخل الإيمانُ في قلوبكم} تكريراً لمعنى قوله: {لم تؤمنوا} فإنّ فائدة قوله: {لم تؤمنوا} تكذيب دعواهم، وقوله: {ولمَّا يدخل الإيمان في قلوبكم} توقيت لما أُمروا به أن يقولوه، كأنه قيل لهم: ولكن قولوا أسلمنا حين لم يثبت مواطأة قلوبكم لألسنتكم؛ لأنه كلام واقع موقع الحال من الضمير في "قولوا". قاله النسفي. {وإِن تُطيعوا اللّهَ ورسولَه} بالإخلاص وترك النفاق {لا يَلِتْكُم من أعمالكم شيئاً} من أجورها. يقال: ألَت يألِتُ، وألات يُليت، ولات يلِيت، بمعنى، وهو النقص، {إِنَّ اللّهَ غفور} لما فرط من الذنوب، {رحيمٌ} يستر العيوب. {إِنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسولِه ثم لم يرتابوا} لم يَشُكُّوا، من: ارتاب، مضارع رابه: إذا أوقعه في الشك والتُهمة، والمعنى: أنهم آمنوا ثم لم يقع في إيمانهم شك فيما آمنوا، ولا اتهام لمَن صدّقوه، ولمَا كان الإيقان وزوال الريب ملاك الإيمان أُفرد بالذكر بعد تقدُّم الإيمان، تنبيهاً على عُلو مكانه، وعُطف على الإيمان بثمّ؛ إشعاراً باستقراره في الأزمنة المتراخية المتطاولة غضّاً جديداً. {وجاهدوا بأموالهم وأنفسِهم في سبيل الله} أي: جاهَدوا ما ينبغي جهاده في الكفار والأنفس والهوى، بالإعانة بأموالهم، والمباشرة بأنفسهم في طلب رضى الله: {أولئك هم الصادقون} أي: الذي صدقوا في قلوبهم: آمنا، لم يُكذِّبوا كما كذَّب أعرابُ بني أسد؛ بل إيمانهم إيمان صِدق وحق. والله تعالى أعلم. الإشارة: مذهب الصوفية: أن العمل إذا كان حدّه الجوارح الظاهرة يُسمى مقام الإسلام، وإذا انتقل لتصفية البواطن بالرياضة والمجاهدة يُسمى مقام الإيمان، وإذا فتح على العبد بأسرار الحقيقة يُسمى مقام الإحسان، وقد جعل الساحلي مقامَ الإسلام مُركّباً من ثلاثة: التوبة والتقوى والاستقامة، والإيمانَ مُركباً من الإخلاص والصدق والطمأنينة، والإحسانَ مُركّباً من المراقبة والمشاهدة والمعرفة، ولكلٍّ زمان ورجال تربية واصطلاح في السير، والمقصد واحد، وهو المعرفة العيانية. قال القشيري: الإيمان هو حياة القلوب، والقلوب لا تحيا إلا بعد ذَبْح النفوس، ولنفوس لا تموت ولكنها تغيب. هـ. أي: المقصود بقتل النفوس: هو الغيبة عنها في نور التجلِّي، فإذا وقع الفناء في شهود الحق عن شهود الخلق فلا مجاهدة. وقال القشيري في مختصره: {قالت الأعراب آمنّا...} الخ، يُشير إلى أنّ حقيقة الإيمان ليست مما يتناول باللسان، بل هو نور يدخل القلوب، إذا شرح الله صدر العبد للإسلام؛ كما قال تعالى:{أية : فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ}تفسير : [الزمر: 22]، وقال عليه السلام في صفة ذلك النور:"حديث : إنّ النور إذا وقع في القلب انفسح له واتسع"تفسير : ، قالوا: يا رسول الله؛ هل لذلك النور من علامة؟ قال:"حديث : بلى؛ التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت. قبل نزوله"تفسير : . لهذا قال تعالى {ولمّا يدخل الإيمانُ في قلوبكم} أي: نور الإيمان.هـ. {وإن تطيعوا الله ورسوله} في الأوامر والنواهي بعد ذبح النفوس بسيف الصدق {لا يَلِتكم من أعمالكم شيئاً} بل كل ما تتقربون به إلى الله من مجاهدة النفوس ترون جزاءه عاجلاً، من كشف غطاء وحلاوة شهود، إن الله غفور لمَن وقع له فتور، رحيم بمَن وقع منه نهوض، {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله} وشاهَدوا أنواره وأسراره، {ورسولِهِ} حيث عرفوا حقيقته النورانية الأولية، {ثم لم يرتابوا} لم يخطر على بالهم خواطر سوء، ولا شكوك فيما وعد الله من الرزق وغيره؛ لأنَّ حجاب نفوسهم قد زال عنهم، فصار الغيب شهادة، والخبر عياناً، والتعبير بـ"ثم" يقتضي تأخُّر تربية اليقين شيئاً فشيئاً حتى يحصل التمكين في مقامات اليقين، مع التمكين في مقام الشهود والعيان. ثم ذكر سبب إزاحة الشكوك عنهم بقوله: {وجاهَدوا بأموالهم} حيث بذلوها لله {وأنفسِهم} حيث جاهدوها في طلب الله {أولئك هم الصادقون} في طلب الحق، فظفروا بما أمّلوا، وربحوا فيما به تجروا. جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه. ثم ردّ عليهم مَنْ مَنَّ على الله بدينه، فقال: {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ}.

الجنابذي

تفسير : {قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا}. اعلم، انّ الاسلام وهو الدّخول تحت احكام القالب يحصل بمحض الاقرار اللّسانىّ والبيعة العامّة النّبويّة، ولذلك كانوا يدخلون النّاس فى الاسلام بالبيعة العامّة باتلّخويف والسّيف والقتل والاجلاء والاسر والنّهب وهو فى الحقيقة انقياد للسّلطنة الخلقيّة لا للحكومة الالهيّة، فان كان مع ذلك اعتقاد بالحكومة الالهيّة وانقياد فى القلب كان الاسلام حقيقة وسمّوا مسلمين حقيقة والاّ كانوا مسلمين ظاهراً لا حقيقةً، والايمان وهو الدّخول تحت احكام القلب يحصل بالبيعة الخاصّة الولويّة وليس الاّ انقياد القلب لمن آمن على يده، وبعبارةٍ اخرى الاسلام الحقيقىّ قبول الرّسالة كما انّ الاسلام الظّاهرىّ قبول احكام الرّسالة، والايمان قبول احكام النّبوّة والولاية، وبعبارةٍ اخرى؛ الاسلام قبول الدّعوة الظّاهرة، والايمان قبول الدّعوة الباطنة، وبعبارةٍ اخرى الاسلام تحلّى الظّاهر بحلية الشّريعة، والايمان تكيّف الباطن بكيفيّة الامام الّتى هى صورة نازلة منه ملكوتيّة تدخل قلب المؤمن وبها يكون فعليّته الاخيرة، وبها تحصل الابوّة والبنوّة بين الامام والمؤمن، وبها تحصل الاخوّة بين المؤمنين وهى الّتى اذا ظهرت على صدر المؤمن صارت سكينةً وفكراً وحضوراً وهى ظهور القائم (ع) فى العالم الصّغير، وبها تحصل المعرفة بالنّورانيّة وبها تشرق الارض بنور ربّها، ولمّا كانت الاعراب بمحض البيعة العامّة والدّخول تحت احكام القالب قالوا: آمنّا، ولم يكونوا يؤمنون بالبيعة الخاصّة ولم يتكيّف قلوبهم بكيفيّة الامام ولم يتنزّل صورة الامام فى قلوبهم فانّها لا تتنزّل الاّ بالبيعة الخاصّة والاتّصال المعنوىّ بالامام (ع) قال الله تعالى لنبيّه: قل لهم الايمان غير الاسلام والاسلام الظّاهرىّ الّذى هو الدّخول تحت السّلطنة بمحض البيعة العامّة غير الاسلام الحقيقىّ الّذى هو الانقياد تحت الحكومة الالهيّة بالبيعة العامّة فانْفُ الايمان عنهم رأساً و {قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن} اقتصروا فى القول على ما هو المتيقّن من الدّخول تحت السّلطنة بالبيعة العامّة و {قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا} ولم يقل اسلمتم لايهام اثبات الاسلام الحقيقىّ والحال انّه ليس بمتيقّنٍ {وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ} الّذى هو كيفيّة نازلة من الامام فى قلب المؤمن بالبيعة {فِي قُلُوبِكُمْ} لعدم وقوع تلك البيعة منكم وقد مرّ فى اوّل البقرة بيان معنى الاسلام والايمان {وَ} لكن {إِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} حتّى يتحقّق بالطّاعة فيكم حقيقة الاسلام {لاَ يَلِتْكُمْ} لا ينقصكم {مِّنْ أَعْمَالِكُمْ} بانفسها على تجسّم الاعمال ومن اجورها {شَيْئاً إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} يغفر منكم زلاّتكم ولا ينظر الى عدم ايمانكم والى انّ الاسلام الظّاهر لا ينفع سوى المنافع الدّنيويّة {رَّحِيمٌ} يتفضّل عليكم بأنواع فضله ولا ينظر الى عدم استحقاقكم.

اطفيش

تفسير : {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا} قال مجاهد نزلت في بني أسد وهي قبيلة كانت تجاور المدينة أظهروا الاسلام وفي الباطن انما يريدون المغانم وهم منافقون وقيل مشركون أسروا الشرك قبل قدوم نفر منهم في سنة مجدبة فأظهروا الاسلام ولم يكونوا مؤمنين في السر فسدوا طريق المدينة بالقذورات وأغلوا أسعارها وكانوا يغدون ويروحون ويقولون أتتك العرب بأنفسها على رواحلهم جئناك بالاثقال والعيال والذرارى ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان ويقولون اعطنا الصدقة فنزلت الآية وقيل نزلت في الاعراب مذكورين في سورة الفتح وهم جهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار يقولون آمنا ليؤمنوا على أنفسهم وأموالهم فلما استنفروا للحديبية تخلفوا عنها فنزل {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا} أي صدقنا بقلوبنا وهو الايمان الكامل وهو الذي وافق اللسان العمل* {قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ} أي لم تصدقوا بقلوبكم* {وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا} أي أقررنا بألسنتنا واستسلمنا مخافة القتل والسبي* {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} ايمان القلب الوفاء بالقول والعمل وهو حقيقة الايمان الكامل وهو متوقع منهم بدليل {لَمَّا} والله عالم بما يكون وما كان وذلك هو الاسلام في قوله تعالى {أية : إن الدين عند الله الإسلام} تفسير : وقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : بني الإِسلام على خمس" تفسير : والاسلام الناقص مجرد الاقرار وهو الذي في الآية ولكن دل لفظاً {لَمَّا} على صدور الاسلام الكامل منهم "حديث : وعن سعد بن أبى وقاص أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطاً وأنا جالس ولم يعط رجل منهم هو أعجبهم اليّ فقلت مالك عن فلان والله اني لأراه مؤمناً فقال اني لاأعطي الرجل وغيره أحب اليّ منه خشية أن يكب في النار على وجهه" تفسير : وقيل الايمان هو التصديق مع الثقة وطمأنينة النفس والاسلام الدخول في السلم والخروج من أن يكون حرباً للمؤمنين باظهار الشهادتين فما واطأ فيه القلب اللسان ايمان وما لم يواطئه فيه اسلام وعندنا الاسلام والايمان سواء والمسلم والمؤمن سواء وبسط ذلك في الفقه وقد قيل الاسلام العمل الصالح والايمان التصديق والاقرار ونظم الكلام أن يقول قل لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا وأن يقول (قل لم تؤمنوا) ولكن أسلمتم وعدل عن ذلك الى هذا النظم ليفيد تكذيب دعواهم أولا دفع ما انتحلوه ويحترز من النهي عن القول بالايمان ومن الجزم باسلامهم وقد فقط شرط اعتباره شرعاً ولو قال ولكن أسلمتم لكان تسليماً لهم واعتداداً بقولهم وهو غير معتد به ولم يصرح بتكذيبهم مراعاة لحسن الادب ورفقاً وتعليماً اذ لم يقل كذبتم بل قال لم تؤمنوا وقوله {أية : أولئك هم الصادقون} تفسير : تعريض بأن هؤلاء كاذبون وكثيراً ما يكون التعريض أبلغ من التصريح فقوله (لم تؤمنوا) تكذيب وقوله {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ} توقية لما أضمروه أن يقولوه* {وَإِن تُطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ} قولاً وعملاً ظاهراً وباطناً سراً وعلانية أي أخلصتم له الايمان وتركتم النفاق وهذا فتح لباب التوبة* {لاَ يَلِتْكُم} لا ينقصكم ولا يظلمكم كأنه السلطان حقه (ليته أخذه) ونقصه وعن أم هشام السلولية انها قالت: الحمد لله الذي لا يفات ولا يلات ولا تصمه الأصوات وذلك لغة الحجاز. وقرأ أبو عمرو (لا يألتكم) بألف أو همزة بعد الياء وكسر اللام من (آلته) حقه (بالته) وهو لغة غطفان والمعنى واحد* {مِّنْ أَعْمَالِكُمْ} من أجور أعمالكم {شَيْئاً إِنَّ اللهَ غَفُورٌ} لما فرط من المطيعين* {رَّحِيمٌ} بالتفضل عليهم

اطفيش

تفسير : {قالَتِ الأعْرابُ} الجنس المعهود له صلى الله عليه وسلم ذهنا لا كلهم، وهم عرب البدو، والمراد بنو أسد بن خزيمة قرب المدينة، أظهروا الايمان وأفسدوا طرقها بالعذرات، وأغلوا أسعارها، وغرضهم المغانم، قدموا فى سنة جدبة وقالوا: جئناك بالأثقال والعيال والذرارى، ولم نقاتلك كالناس، كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان، يمنُّون عليك أن أسلموا، ويقولون أعطنا يا رسول الله، أو مزينة وأشجع وغفار وأسلم وجهينة قالوا: آمنا واستحققنا الكرامة، يقولون آمنا ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم، وتخلفوا عن الحديبية، وهم المذكورون فى سورة الفتح. {آمنَّا} أى صدقنا بألسنتنا وقلوبنا {قُلْ} يا محمد لهم {لَم تُؤمنُوا} لم توحدوا الله تعالى توحيدا محققا فى قلوبكم، ولم تؤمنوا كذلك برسالتى {ولكن قُولُوا أسْلَمنا} ادعنا لأحكامك أن تنفذ فينا، ومقتضى الظاهر أن يقال: ولكن أسلمتم، أو لا تقولوا آمنَّا ولكن قوله أسلمنا، ليتجاوب الكلام، ولم يقل ذلك، والله أعلم، لأن الكلام لتوبيخهم على منهم بالايمان، مع خلوهم عنه، فجمعوا الكذب والمنَّة بما هو كذب، والأصل فى الارشاد الى جوابهم كذبتم، ولكن ما أراد مواجهتهم بالكذب ليستن من بعده بعدمها، فذلك تعليم له صلى الله عليه وسلم ولأمته الأدب، وتعرض لكذبهم فى قوله تعالى: "أية : أولئك هم الصادقون" تفسير : [الحجرات: 15، الحشر: 8] وأيضا لم تؤمنوا أظهر فى التكذيب من أن يقال لا تقولوا آمنا، ولو قيل: ولكن أسلمتم لم يفد قوله: {قولوا أسلمنا} من أنه كأنه قيل: قل لم تؤمنوا فلا تكذبوا، ولكن قولوا أسلمنا ليحصل لكم الصدق ولو فاتكم التصديق، ولو قيل: ولكن أسلمتم لأوهم أن قولهم معتد به، وهذا فى البلاغة أدخل من دعوى الاحتباك، هكذا لم تؤمنوا، فلا تقولوا آمنا، ولكن أسلمتم فقولوا أسلمنا. {ولمَّا يدخُل الإيمان في قلوبكُم} حال من واو قولوا، أو عطف على لم تؤمنوا لم يدخل الايمان فى قلوبكم الى الآن، وسيدخل ان شاء الله {وإنْ تُطيعُوا الله ورسُوله} بالاخلاص {لا يَلِتْكُم} لا ينقصكم {مِن أعمالكم شَيْئاً} مفعول مطلق أى ليتاً، أو مفعول به، أى أجرا من أجوركم، قالت أم هشام السلولية: الحمد لله الذى لا يفات ولا يلات، ولا تصمه الأصوات {إنَّ الله غفُورٌ} لمن تاب بما صدر منه {رحيمٌ} له بالجنة.

الالوسي

تفسير : {قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ ءامَنَّا } قال مجاهد: نزلت في بني أسد بن خزيمة قبيلة تجاور المدينة أظهروا الإسلام وقلوبهم دغلة إنما يحبون المغانم وعرض الدنيا، ويروى أنهم قدموا المدينة في سنة جدبة فأظهروا الشهادتين وكانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: جئناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان يريدون بذكر ذلك الصدقة ويمنون به على النبـي عليه الصلاة والسلام، وقيل: هم مزينة وجهينة وأسلم وأشجع وغفار قالوا: آمنا فاستحقينا الكرامة فرد الله تعالى عليهم، وأياً ما كان فليس المراد بالأعراب العموم كما قد صرح به قتادة وغيره، وإلحاق الفعل علامة التأنيث لشيوع اعتبار التأنيث في الجموع حتى قيل:شعر : لا تبالي بجمعهم كل جمع مؤنث تفسير : والنكتة في اعتباره هٰهنا الإشارة على قلة عقولهم على عكس ما روعي في قوله تعالى: {أية : وَقَالَ نِسْوَةٌ } تفسير : [يوسف: 30] {قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ } إكذاب لهم بدعوى الإيمان إذ هو تصديق مع الثقة وطمأنينة القلب ولم يحصل لهم وإلا لما منوا على الرسول صلى الله عليه وسلم بترك المقاتلة كما دل عليه آخر السورة {وَلَـٰكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا } فإن الإسلام انقياد ودخول في السلم وهو ضد الحرب وما كان من هؤلاء مشعر به، وكان الظاهر لم تؤمنوا ولكن أسلمتم أو لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا لتحصل المطابقة لكن عدل عن الظاهر اكتفاء بحصولها من حيث المعنى مع إدماج فوائد زوائد، بيان ذلك أن الغرض المسوق له الكلام توبيخ هؤلاء في مَنِّهِم بإيمانهم بأنهم خلوا عنه أولاً وبأنهم الممتنون إن صدقوا ثانياً، فالأصل في الإرشاد إلى جوابهم قل كذبتم ولكن أخرج إلى ما هو عليه المنزل ليفيد عدم المكافحة بنسبة الكذب، وفيه حمل له عليه الصلاة والسلام على الأدب في شأن الكل ليصير ملكة لأتباعه وأن لا يلبسوا جلد النمر لمن يخاطبهم به وتلخيص ما كذبوا فيه. ومن الدليل على أنه الأصل قوله تعالى في الآية التالية: {أية : أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ } تفسير : [الحجرات: 15] تعريضاً بأن الكذب منحصر فيهم. وأوثر على لا تقولوا آمنا لاستهجان ذلك لا سيما من النبـي صلى الله عليه وسلم المبعوث / للدعوة إلى الإيمان، على أن إفادة {لَّمْ تُؤْمِنُواْ } لمعنى كذبتم أظهر من إفادة لا تقولوا آمنا كما لا يخفى، ثم قوبل بقوله سبحانه: {وَلَـٰكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا } كأنه قيل: قل لم تؤمنوا فلا تكذبوا ولكن قولوا أسلمنا لتفوزوا بالصدق إن فاتكم الإيمان والتصديق ولو قيل: ولكن أسلمتم لم يؤد هذا المعنى، وفيه تلويح بأن إسلامهم وهو خلو عن التصديق غير معتد به ولو قيل ولكن أسلمتم لكان ذلك موهماً أن ذلك معتد به والمطلوب كماله بالإيمان ولا يحتاج هذا إلى أن يقال: القول في المنزل مستعمل في معنى الزعم، وقيل: في الآية احتباك والأصل لم تؤمنوا فلا تقولوا آمنا ولكن أسلمتم فقولوا أسلمنا فحذف من كل من الجملتين ما أثبت في الأخرى والأول أبلغ وألطف. {وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَـٰنُ فِي قُلُوبِكُمْ } حال من ضمير {قُولُواْ } كأنه قيل: قولوا أسلمنا ما دمتم على هذه الصفة، وفيه إشارة إلى توقع دخول الإيمان في قلوبهم بعد فليس هذا النفي مكرراً مع قوله تعالى: {لَّمْ تُؤْمِنُواْ } وقيل: الجملة مستأنفة ولا تكرار أيضاً لأن {لَمَّا} تفيد النفي الماضي المستمر إلى زمن الحال بالإجماع وتفيد أن منفيها متوقع خلافاً لأبـي حيان و ـ لم ـ لا تفيد شيئاً من ذلك بلا خلاف فلا حاجة في دفع التكرار إلى القول بالحالية وجعل الجملة توقيتاً للقول المأمور به. {وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } بالإخلاص وترك النفاق {لاَ يَلِتْكُمْ مّنْ أَعْمَـٰلِكُمْ } لا ينقصكم {شَيْئاً } من أجورها أو شيئاً من النقص يقال لاته يليته ليتاً إذا نقصه، ومنه ما حكى الأصمعي عن أم هشام السلولية الحمد لله الذي لا يفات ولا يلات ولا تصمه الأصوات. وقرأ الحسن والأعرج وأبو عمرو {لا يألتكم} من ألت يألت بضم اللام وكسرها ألتاً وهي لغة أسد وغطفان، قال الحطيئة:شعر : أبلغ سراة بني سعد مغلغلة جهد الرسالة لا ألتاً ولا كذباً تفسير : والأولى لغة الحجاز والفعل عليها أجوف وعلى الثانية مهموز الفاء، وحكى أبو عبيدة ألات يليت. {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } لما فرط من المطيعين {رَّحِيمٌ } بالتفضل عليهم.

ابن عاشور

تفسير : كان من بين الوفود التي وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة تسع المسماة سنةَ الوفود، وفْدُ بني أسدٍ بنِ خُزيمة وكانوا ينزلون بقرب المدينة، وكان قدومهم المدينة عقب قدوم وفد بني تميم الذي ذُكر في أول السورة، ووفَدَ بنُو أسد في عدد كثير وفيهم ضِرار بن الأزْوَر، وطُلَيْحَة بن عبد الله (الذي ادعى النبوءة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أيام الردة)، وكانت هذه السنة سنة جدب ببلادهم فأسلموا وكانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها وجئناك بالأثقال والعيال والذراري ولمْ نقاتلك كما قاتلك محارب خَصَفَةَ وهوازنُ وغَطفانَ. يفدون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويروحون بهذه المقالة ويمنُّون عليه ويريدون أن يَصرف إليهم الصدقات، فأنزل الله فيهم هذه الآيات إلى آخر السورة لوقوع القصتين قصة وفد بني تميم وقصة وفد بني أسد في أيام متقاربة، والأغراض المسكوَّة بالجَفاء متناسبة. وقال السدّي: نزلت في الأعراب المذكورين في سورة الفتح (11) في قوله تعالى: {أية : سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا}تفسير : الآية. قالوا آمنا ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم فلما استنفروا إلى الحديبية تخلفوا فنزلت هذه الآية. والأعراب: سكان البادية من العَرب. وأحسب أنه لا يطلق على أهل البادية من غير العرب، وهو اسم جمع لا مفرد له فيكون الواحد منه بياء النسبة أعرابي. وتعريف {الأعراب} تعريف العهد لإعراب معينين وهم بنو أسد فليس هذا الحكم الذي في الآية حاقاً على جميع سكان البوادي ولا قال هذا القول غير بني أسد. وهم قالوا آمنا حين كانوا في شك لم يتمكن الإيمان منهم فأنبأهم الله بما في قلوبهم وأعلمهم أن الإيمان هو التصديق بالقلب لا بمجرد اللسان لقصد أن يخلصوا إيمانهم ويتمكنوا منه كما بينه عقب هذه الآية بقوله: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله} الآية. والاستدراك بحرف (لكن) لرفع ما يتوهم من قوله: {لم تؤمنوا} أنهم جاؤوا مضمرين الغدْر بالنبي صلى الله عليه وسلم وإنما قال: {ولكن قولوا أسلمنا} تعليماً لهم بالفرق بين الإيمان والإسلام فإن الإسلام مَقرُّه اللسان والأعمالُ البدنية، وهي قواعد الإسلام الأربعة: الصلاة والزكاة وصيام رمضان وحج الكعبة الوارد في حديث عمر عن سُؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة حديث : «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحُجّ البيت إن استطعتَ إليه سبيلا» تفسير : فهؤلاء الأعراب لما جاءوا مظهرين الإسلام وكانت قلوبهم غير مطمئنة لعقائد الإيمان لأنهم حديثو عهد به كذبهم الله في قولهم {آمنَّا} ليعلموا أنهم لم يخف باطنهم على الله، وأنه لا يعتدّ بالإسلام إلا إذا قارنه الإيمان، فلا يغني أحدهما بدون الآخر، فالإيمان بدون إسلام عناد، والإسلام بدون إيمان نفاق، ويجمعهما طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وكان مقتضى ظاهر نظم الكلام أن يقال: قل لم تؤمنوا ولكن أسلمتم، أو أن يقال: قل لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا، ليتوافق المستدرك عنه والاستدراك بحسب النظم المتعارف في المجادلات، فعدل عن الظاهر إلى هذا النظم لأن فيه صراحة بنفي الإيمان عنهم فلا يحسبوا أنهم غالطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. واستغني بقوله: {لم تؤمنوا} عن أن يقال: لا تقولوا آمنا، لاستهجان أن يخاطبوا بلفظ مُؤدّاه النهي عن الإعلان بالإيمان لأنهم مطالبون بأن يؤمنوا ويقولوا آمنا قولا صادقاً لا كاذباً فقيل لهم {لم تؤمنو} تكذيباً لهم مع عدم التصريح بلفظ التكذيب ولكن وقع التعريض لهم بذلك بعد في قوله: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا} إلى قوله: {أولئك هم الصادقون} أي لا أنتم ولذلك جيء بالاستدراك محمولاً على المعنى. وعدل عن أن يقال: ولكن أسلمتم إلى {قولوا أسلمنا} تعريضاً بوجوب الصدق في القول ليطابق الواقع، فهم يشعرون بأن كذبهم قد ظهر، وذلك مما يُتعير به، أي الشأن أن تقولوا قولاً صادقاً. وقوله: {ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} واقع موقع الحال من ضمير {لم تؤمنوا} وهو مبيّنٌ لمعنى نفي الإيمان عنهم في قوله: {لم تؤمنوا} بأنه ليس انتفاء وجود تصديق باللسان ولكن انتفاء رسوخه وعقد القلب عليه إذ كان فيهم بقية من ارتياب كما أشعر به مقابلته بقوله: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا}. واستعير الدخول في قوله: {ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} للتمكن وعدم التزلزل لأن الداخل إلى المكان يتمكن ويَسْتقر والخارج عنه يكون سريع المفارقة له مستوفزاً للانصراف عنه. و (لمّا) هذه أخت (لم) وتدل على أن النفي بها متصل بزمان التكلم وذلك الفارق بينها وبين (لم) أختها. وهذه الدلالة على استمرار النفي إلى زمن التكلم تؤذن غالباً، بأن المنفي بها متوقع الوقوع. قال في «الكشاف» «وما في (لمّا) من معنى التوقع دال على أن هؤلاء قد آمنوا فيما بعد». وهي دلالة من مستتبعات التراكيب. وهذا من دقائق العربية. وخالف فيه أبو حيان والزمخشري حجة في الذوق لا يدانيه أبو حيان، ولهذا لم يكن قوله: {ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} تكريراً مع قوله: {لم يؤمنوا}. وقوله: {وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً} إرشاد إلى دواء مرض الحال في قلوبهم من ضعف الإيمان بأنه إن يطيعوا الله ورسوله حَصل إيمانهم فإن مما أمر الله به على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بيان عقائد الإيمان بأن يقبلوا على التعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة إقامتهم بالمدينة عوضاً عن الاشتغال بالمَنّ والتعريض بطلب الصدقات. ومعنى {لا يلتكم} لا يُنقصكم، يقال: لاته مثل باعه. وهذا في لغة أهل الحجاز وبني أسد، ويقال: ألتَه ألَتاً مثل: أمره، وهي لغة غطفان قال تعالى: {أية : وما ألتناهم من عملهم من شيء} تفسير : في سورة الطور (21). وقرأ بالأولى جمهور القراء وبالثانية أبو عمرو ويعقوب. ولأبي عمرو في تحقيق الهمزة فيها وتخفيفها ألفا روايتان فالدُّوري روى عنه تحقيق الهمزة والسوسي روى عنه تخفيفها. وضمير الرفع في {يلتكم} عائد إلى اسم الله ولم يقل: لا يَلِتَاكم بضمير التثنية لأنّ الله هو متولي الجزاء دون الرسول صلى الله عليه وسلم. والمعنى: إن أخلصتم الإيمان كما أمركم الله ورسوله تقبَّل الله أعمالكم التي ذكرتم من أنكم جئتم طائعين للإسلام من غير قتال. وجملة {إن الله غفور رحيم} استئناف تعليم لهم بأن الله يتجاوز عن كذبهم إذا تابوا، وترغيب في إخلاص الإيمان لأن الغفور كثير المغفرة شديدُها، ومن فرط مغفرته أنه يجازي على الأعمال الصالحة الواقعة في حالة الكفر غيرَ معتدّ بها فإذا آمن عاملها جوزي عليها بمجرد إيمانه وذلك من فرط رحمته بعباده. وترتيب {رحيم} بعد {غفور} لأن الرحمة أصل للمغفرة وشأن العلة أن تورد بعد المعلل بها.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُم}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن هؤلاء الأعراب وهم أهل البادية من العرب قالوا آمنا، وأن الله جل وعلا أمر نبيه أن يقول لهم: {لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا}، وهذا يدل على نفي الإيمان عنهم وثبوت الإسلام لهم وذلك يستلزم أن الإيمان أخص من الإسلام لأن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم. وقد قدمنا مراراً أن مسمى الإيمان الشرعي الصحيح، والإسلام الشرعي الصحيح هو استسلام القلب بالاعتقاد واللسان بالإقرار، والجوارح بالعمل، فمؤداهما واحد كما يدل له قوله تعالى:{أية : فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ}تفسير : [الذاريات: 35-36]. وإذا كان ذلك كذلك فإنه يحتاج إلى بيان وجه الفرق بين الإيمان والإسلام في هذه الآية الكريمة، لأن الله نفى عنهم الإيمان دون الإسلام، ولذلك وجهان معروفان عند العلماء أظهرهما عندي أن الإيمان المنفى عنهم في هذه الآية هو مسماه الشرعي الصحيح، والإسلام المثبت لهم فيها هو الإسلام اللغوي الذي هو الاستسلام والانقياد بالجوارح دون القلب. وإنما ساغ إطلاق الحقيقة اللغوية هنا على الإسلام مع أن الحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية على الصحيح، لأن الشرع الكريم جاء باعتبار الظاهر. وأن توكل السرائر إلى الله. فانقياد الجوارح في الظاهر بالعمل واللسان بالإقرار يكتفي به شرعاً، وإن كان القلب منطوياً على الكفر. ولهذا ساغ إرادة الحقيقة اللغوية في قوله: {وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا}، لأن انقياد اللسان والجوارح في الظاهر إسلام لغوي مكتفى به شرعاً عن التنقيب عن القلوب. وكل انقياد واستسلام وإذعان يسمى إسلاماً لغة. ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل العدوي مسلم الجاهلية: شعر : وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخراً ثقالاً دحاها فلما استوت شدها جميعاً وأرسى عليها الجبالا وأسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذباً زلالا إذ هي سقيت إلى بلدة أطاعت فصبت عليها سجالا وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الريح تصرف حالاً فحالا تفسير : فالمراد بالإسلام في هذه الأبيات: الاستسلام والانقياد، وإذا حمل الإسلام في قوله: {وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا} أنقذنا واستسلمنا بالألسنة والجوارح. فلا إشكال في الآية. وعلى هذا القول فالأعراب المذكورون منافقون، لأنهم مسلمون في الظاهر، وهم كفار في الباطن. الوجه الثاني: أن المراد بنفي الإيمان في قوله: {لَّمْ تُؤْمِنُواْ} نفي كمال الإيمان، لا نفيه من أصله. وعليه فلا إشكال أيضاً، لأنهم مسلمون مع أن إيمانهم غير تام، وهذا لا إشكال فيه عند أهل السنة والجماعة القائلين بأن الإيمان يزيد وينقص. وإنما استظهرنا الوجه الأول، وهو أن المراد الإسلام معناه اللغوي دون الشرعي، وأن الأعراب المذكورين كفار في الباطن وإن أسلموا في الظاهر، لأن قوله جل وعلا: {وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُم} يدل على ذلك دلالة كما ترى، لأن قوله: {يَدْخُل} فعل في سياق النفي وهو من صيغ العموم كما أوضحناه مراراً، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود: شعر : ونحو لا شربت أو إن شربا واتفقوا إن مصدر قد جلبا تفسير : فقوله: {وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُم}: في معنى لا دخول للإيمان في قلوبكم. والذين قالوا بالثاني. قالوا: إن المراد بنفي دخوله نفي كماله، والأول أظهر كما ترى. وقوله تعالى: في هذه الآية الكريمة: {قَالَتِ ٱلأَعْرَاب}: المراد به بعض الأعراب، وقد استظهرنا أنهم منافقون لدلالة القرآن على ذلك، وهم من جنس الأعراب الذين قال الله فيهم:{أية : وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ}تفسير : [التوبة: 98]، وإنما قلنا إن المراد بعض الأعراب في هذه الآية، لأن الله بين في موضع آخر أن منهم من ليس كذلك، وذلك في قوله تعالى {أية : وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَاتِ ٱلرَّسُولِ أَلاۤ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [التوبة: 99].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: قالت الأعراب آمنا: هم نفر من بني أسد قدموا على الرسول وقالوا له آمنا وهم غير مؤمنين. قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا: أي قل لهم إنكم ما آمنتم بعد ولكن قولوا أسلمنا أي استسلمنا وانقدنا. ولما يدخل الإِيمان في قلوبكم: أي ولما يدخل الإِيمان بعد في قلوبكم ولكنه يتوقع له الدخول. وإن تطيعوا الله ورسوله: أي في الإِيمان والقيام بالفرائض واجتناب المحارم. لا يلتكم من أعمالكم شيئا: أي لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئا. إن الله غفور رحيم: أي غفور للمؤمنين رحيم بهم إن هم صدقوا في إيمانهم. إنما المؤمنون: أي حقا وصدقا لا ادعاء ونطقا هم. الذين آمنوا بالله ورسوله: أي بالله ربا وإلها وبالرسول محمد نبيا ورسولا. ثم لم يرتابوا: أي لم يشكوا فيما آمنوا به. وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله: أي جاهدوا مع رسول الله أعداء الله وهم الكافرون بأموالهم وأنفسهم. أولئك هم الصادقون: أي في إيمانهم لا الذين قالوا آمنا بألسنتهم واستسلموا ظاهراً ولم يسلموا باطناً. قل أتعلمون الله بدينكم: أي قل لهم يا رسولنا أي لهؤلاء الأعراب أتشعرون الله بدينكم. يمنون عليك أن أسلموا: أي كونهم أسلموا بدون قتال وغيرهم أسلم بعدَ قتالٍ. قل لا تمنوا عليَّ إسلامكم: أي لا حق لكم في ذلك بل الحق لله الذي هداكم للإِيمان إن كنتم صادقين في دعواكم أنكم مؤمنون. إن الله يعلم غيب السماوات والأرض: أي إن الله يعلم ما غاب في السماوات وما غاب في الأرض فلا يخفى عليه أَمرُ مَن صدقَ في إيمانه وأمرُ مَن كذب، ومن أسلم رغبة ومن أسلم رهبة. معنى الآيات: قوله تعالى {قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا} هؤلاء جماعة من أعراب بني أسد وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بأولادهم ونسائهم في سنة مجدبة فأظهروا له الإسلام ولم يكونوا مؤمنين في نفوسهم، فكانوا يفدون على الرسول صلى الله عليه وسلم ويروحون ويقولون: أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها، ونحن قد جئناك بالأطفال والعيال والذراري ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان، يمنون على رسول الله وهم يريدون الصدقة ويقولون أعطنا فأنزل الله تعالى هذه الآية تربية لهم وتعليما إتماما لما اشتملت عليه سورة الحجرات من أنواع الهداية والتربية الإِسلامية فقال تعالى {قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ} أعراب بني أسد آمنا أي صدَّقنا بتوحيد الله وبنبوتك. قل لهم ردا عليهم لم تؤمنوا بعد، ولكن الصواب أن تقولوا أسلمنا أي أذعنا للإسلام وانقدنا لقبوله وهو الإِسلام الظاهري، ولما يدخل الإِيمان في قلوبكم بعد وسيدخل إن شاء الله. وإن تطيعوا الله ورسوله أيها الأعراب في الإِيمان الحق وفي غيره من سائر التكاليف لا يلتكم أي لا ينقصكم الله تعالى من أجور أعمالكم الصالحة التي تعملونها طاعة لله ورسوله شيئا وإن قل. وقوله إن الله غفور رحيم في هذه الجملة ترغيب لهم في الإِيمان الصادق والإِسلام الصحيح فأعلمهم أن الله تعالى غفور للتائبين رحيم بهم وبالمؤمنين فتوبوا إليه واصدقوه يغفر لكم ويرحمكم وقوله تعالى في الآية [15] {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ} الآية يعرفهم تعالى بالإِيمان الصحيح دعوة منه لهم لعلهم يؤمنون فقال {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ} أي حقا وصدقا الذين آمنوا بالله ربّاً وإلها ورسوله نبيا مطاعا، ثم لم يرتابوا، أي لم يشكوا أبدا في صحة ما آمنوا به، وجاهدوا أي أنفسهم فألزموها الاستعداد للنهوض بالتكاليف الشرعية في المنشط والمكره، كما جاهدوا بأموالهم وأنفسهم أعداء الإِسلام من المشركين والكافرين وذلك الجهاد بالنفس والمال لا هدف له إلا طلب رضا الله سبحانه وتعالى أي لم يكن لأي غرض مادي دنيوي وإنما لرضا الله ولإِعلاء كلمة الله هؤلاء هم الصادقون في دعوى الإِيمان وقوله تعالى في الآية [16] {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ} أي قل يا رسولنا لأولئك الأعراب الذين قالوا آمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم أتعلِّمون الله بدينكم أي بإِيمانكم وطاعتكم وتشعرونه بهما والحال أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض، والله بكل شيء عليم إنه لا معنى لتعليمكم الله بدينكم وهو يعلم ما في السماوات وما في الأرض وهو بكل شيء عليم إنه مظهر من مظاهر جهلكم بالله تعالى، إذ لو علمتم إنه يعلم ما في السماوات وما في الأرض من دقيق وجليل لما فهتم بما فهتم به من إشعاركم الله بإِيمانكم وطاعتكم له. وقوله تعالى في الآية [17] {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ} أي يمّن أولئك الأعراب عليك يا رسولنا إيمانهم إذ قالوا آمنا بك ولم نقاتلك كما فعل غيرنا قل لهم لا تمنوا عليَّ إسلامكم واضرب عن هذا وقل لهم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإِيمان إن كنتم صادقين في دعواكم الإِيمان، فالمنة لله عليكم لا أن تمنوا أنتم على رسوله. وقوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي كل ما غاب في السماوات وما غاب في الأرض من سانح في السماء وسابح في الماء وسارح في الغبراء فليس في حاجة أن تعلموه بدينكم وتمنونه على رسوله صلى الله عليه وسلم والله بصير بما تعملون من عمل قلَّ أو كثر خفيَّ أو ظهر فاعلموا هذا وتأدبوا مع الله وأحسنوا الظن فيه تنجو من هلاك لازم لمن أساء الظن بالله وأساء الأدب مع رسوله الله. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان طبيعة أهل البادية وهي الغلظة والجفاء والبعد عن الكياسة والأدب. 2- بيان الفرق بين الإِيمان والإِسلام إذا اجتمعا فالإِيمان أعمال القلوب والإِسلام من أعمال الجوارح. وإذا افترقا فالإِيمان هو الإِسلام، والإِسلام هو الإِيمان والحقيقة هي أنه لا يوجد إيمان صحيح بدون إسلام صحيح، ولا إسلام صحيح بدون إيمان صحيح، ولكن يوجد إسلام صوري بدون إيمان، وتوجد دعوى إيمان كاذبة غير صادقة. 3- بيان المؤمنين حقا وهم الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم. 4- بيان حكم المنّ وأنه مذموم من الإِنسان ومحمود من الرحمن عز وجل وحقيقة المن هي عد النعمة وذكرها للمنعم عليه وتعدادها المرة بعد المرة. 5- بيان إحاطة علم الله بسائر المخلوقات، وأنه لا يخفى عليه من أعمال العباد شيء.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنَّا} {ٱلإِيمَانُ} {أَعْمَالِكُمْ} (14) - قَالَتِ الأعْرابُ: آمَنَّا باللهِ، وَصَدَّقْنَا رَسُولَهُ. فَرَدَّ اللهُ تَعَالى عَلَيهم مُؤْدِّباً وَمُعَلِّماً، وأمرَ رَسُولَهُ الكَرِيمَ بأنْ يَقُولَ لَهُمْ: إنَّ الإِيمانَ هوَ التَّصْدِيقُ مَعَ طُمأنِينَةِ القَلْبِ، وَالوُثُوقُ الكَامِلُ بِاللهِ، وَاتِفَاقُ القَلْبِ واللِّسَانِ والعَمَلِ، وَهذِهِ مَرْتَبَةٌ لم تَصِلوا إليها بعْدُ. وَلَكِنْ قُولُوا: أسْلَمْنَا وَانْقَدْنَا إليكَ طَائِعِينَ مُسْتَسْلِمينَ، فإنْ أطعَمْتُمُ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَأخْلَصْتُمُ العَمَلَ فَإِنَ اللهَ لاَ يَنْقصُكُمْ مِنْ ثَواب أعْمَالِكُمْ شَيئاً، وَاللهُ غَفُورٌ يَغْفِرُ الهَفَواتِ والزَّلاَّتِ، إذَا تَابَ العَبدُ مِنْها، وَاسْتَشْعَرَ قَلبُهُ النَّدمَ، وَهُوَ تَعالى رَحِيمٌ لاَ يُعَذِّبُ العَبْدَ عَلَى ذَنْبٍ سَبَقَ أنْ غَفَرَه اللهُ لهُ بَعد التَّوبةِ. آمنَّا - صَدَّقْنا بِقُلُوبنا وَألْسِنَتِنَا. أسْلَمْنَا - اسْتَسْلَمْنَا خَوْفاً وَطَمَعاً. لا يَلِتْكُمْ - لا يَنْقُصكُمْ وَلا يَظْلِمكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الأعراب: اسم جنس ليس له مفرد، والأعراب هم سكان البادية لم يذهبوا إلى الحضر، لذلك نجدهم على طبيعتهم تغلب عليهم الجفوة. والحق سبحانه يخبر عنهم أنهم قالوا {آمَنَّا ..} [الحجرات: 14] والله سبحانه أعلم أنهم لم يصلوا إلى درجة الإيمان؛ لأن الإيمان ليس كلمة تُقال بل عقيدة راسخة تعمر القلب. أما الإسلام فهو الشكل الظاهري وعمل الجوارح من صوم وصلاة وغيرها من العبادات، لذلك صحّح لهم القول، وقال: {قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا ..} [الحجرات: 14]. يعني: تنفذون فقط أوامر الإسلام بعمل الجوارح، إنما قلوبكم ليس فيها إيمان، وساعة يقول لهم {لَّمْ تُؤْمِنُواْ ..} [الحجرات: 14] فهذا دليل على أنه صادف شيئاً في نفوسهم، وهو سبحانه لا تخفى عليه من عباده خافية، وهم يعلمون هذه الحقيقة. إذن: أخبرهم بواقع في نفوسهم، يقول لهم: كونوا صادقين مع أنفسكم وقولوا أسلمنا والله يعلم غيبَ قلوبكم، فهم في هذا الموقف أشبه بالمنافقين حيث كانوا يحرصون على الصلاة في الصف الأول، يُنصتون لسماع القرآن، وهذه كلها ظواهر والله يعلم سرائرهم، ويعلم أنها خلاف ما يُظهرون. وقوله: {وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ..} [الحجرات: 14] لما أداة نفي مثل (لم)، تنفي وقوع الحدث في الزمن الماضي على التكلم، لكنها تعطي معنى آخر هو احتمال حدوث الفعل بعد ذلك، كما تقول مثلاً حينما تدخل البستان: البستان لمَّا يثمر بعد. أي: أنه سوف يُثمر فيما بعد. لذلك العلماء قالوا في هذه الآية: أنها لم تُغلق في وجوههم باب الإيمان، وبشَّرت بأنهم سيؤمنون فيما بعد، ثم إن كشف القرآن لمستور قلوبهم وإخبار الرسول لهم بذلك هو الذي جعلهم يفكرون في الأمر ويقتنعون ويدخلون ساحةَ الإيمان. وقوله سبحانه: {وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً ..} [الحجرات: 14] الحق سبحانه يُطمئنهم على ثمرة أعمالهم الصالحة، فهي محفوظة لن تضيع بل لن تنقص. ومعنى {لاَ يَلِتْكُمْ ..} [الحجرات: 14] لا ينقصكم من الفعل: ألت يألت. {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الحجرات: 14] وفي موضع آخر يقول: {أية : وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ}تفسير : [سبأ: 2] فمرة يُقدم الرحمة، ومرة يقدم المغفرة، وذلك بحسب الحال. فمثلاً حينما يقف الجاني أمام السلطان مُقراً بذنبه، لكن يلاحظ السلطان أنه رقيق الحال، رثُّ الثياب، مُصفر اللون فيشفق عليه، ثم يأمر له بطعام وكسوة. وبعد ذلك يعفو عنه. هنا قدَّم الرحمة على المغفرة، أو العكس يعفو عنه أولاً، ثم قبل أنْ ينصرف من مجلسه يقول لرجاله: أعطوه كذا وكذا. وهذه المادة (ألت) وردتْ في موضع آخر في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ..}تفسير : [الطور: 21] فالكلام هنا عن جماعة مؤمنين، وذريتهم تابعة لهم، كذلك في الإيمان فهم مشتركون فيه، فما ضرورة الإلحاق هنا؟ قالو: ألحقناهم بهم في الثواب، لأن لكل منهما عملاً، لكن عمل الآباء أكثر ودرجتهم أعلى، فكرامة لهم نلحق بهم الأبناء ونجعلهم جميعاً في منزلة واحدة، فألحق الأدنى بالأعلى. وقوله: {وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ..} [الحجرات: 14] في ماذا؟ تُطيعونه في الإيمان؛ لأنهم كانوا بالفعل مسلمين، فأراد أنْ يحثهم على الإيمان ويُبعدهم عن الكذب والادعاء.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لاَ يَلِتْكُمْ مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً} معناه لا يَنقُصَكُم. وقوله تعالى: {وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا} معناه اسْتَسلَمنا لِخوفِ القَتلِ والسَّبيِ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وبقوله: {قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14]، يشير إلى أن حقيقة الإيمان ليست مما يتناول باللسان بل هو نور يدخل القلب إذا شرح صدر العبد للإسلام، كما قال تعالى: {أية : فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ}تفسير : [الزمر: 22]، وقال صلى الله عليه وسلم في صفة ذلك النور: "حديث : إن النور إذا وقع في القلب انفسح له واتسع" قالوا: يا رسول الله هل لذكرك النور من علامة يعرف بها؟ قال: "بلى التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزول الموت"تفسير : ، ولهذا قال تعالى: {وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14]، فهذا دليل على أن محل الإيمان القلب. واعلم أن الإيمان حياة القلب ولهذا سمى الله تعالى من لا إيمان له بالميت بقوله تعالى: {أية : إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ}تفسير : [النمل: 80]، والقلب لا يحيا إلا بعد ذبح النفوس. {وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الحجرات: 14] في الأوامر والنواهي، فقد ذبحتم النفوس بسيف الصدق، {لاَ يَلِتْكُمْ مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً} [الحجرات: 14] في ذبح النفوس {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} [الحجرات: 14]، لمن يهادن النفس في أثناء السلوك؛ لترعى في بعض مراتعها لئلا تزاحم القلب في طلب مقاصده، {رَّحِيمٌ} [الحجرات: 14] به. ثم أخبر عن المؤمن الحقيقي بقوله: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات: 15]؛ أي: شاهدوا الله بنور الله فأمنوا برسوله، {ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ} [الحجرات: 15]، لم يشكوا فيما شاهدوا بنور الله؛ إذ لم تحجبهم أنفسهم وأموالهم عن نور الله؛ لأنهم خرجوا من حجب النفس والمال، {وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [الحجرات: 15] ببذلها في طلب الله، {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15]، الذين صدقوا فيما عاهدوا الله عليه، فلما جعل الإيمان مشروطاً ببذل المال والنفس، فذكر بلفظ إنما وهي التحقيق يقتضي الطرد والعكس، فمن أفرد الإيمان عن الشرائط التي جعلها له فمردود عليه قوله.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن مقالة الأعراب، الذين دخلوا في الإسلام في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، دخولا من غير بصيرة، ولا قيام بما يجب ويقتضيه الإيمان، أنهم ادعوا مع هذا وقالوا: آمنا أي: إيمانًا كاملا مستوفيًا لجميع أموره هذا موجب هذا الكلام، فأمر الله رسوله، أن يرد عليهم، فقال: { قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا } أي: لا تدعوا لأنفسكم مقام الإيمان، ظاهرًا، وباطنًا، كاملا. { وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا } أي: دخلنا في الإسلام، واقتصروا على ذلك. { و } السبب في ذلك، أنه { لَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ } وإنما آمنتم خوفًا، أو رجاء، أو نحو ذلك، مما هو السبب في إيمانكم، فلذلك لم تدخل بشاشة الإيمان في قلوبكم، وفي قوله: { وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ } أي: وقت هذا الكلام، الذي صدر منكم فكان فيه إشارة إلى أحوالهم بعد ذلك، فإن كثيرًا منهم، من الله عليهم بالإيمان الحقيقي، والجهاد في سبيل الله، { وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ } بفعل خير، أو ترك شر { لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا } أي: لا ينقصكم منها، مثقال ذرة، بل يوفيكم إياها، أكمل ما تكون لا تفقدون منها، صغيرًا، ولا كبيرًا، { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } أي: غفور لمن تاب إليه وأناب، رحيم به، حيث قبل توبته. { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ } أي: على الحقيقة { الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأمْوَالِهِمْ وَأنْفُسِهُم في سبيل الله } أي: من جمعوا بين الإيمان والجهاد في سبيله، فإن من جاهد الكفار، دل ذلك، على الإيمان التام في القلب، لأن من جاهد غيره على الإسلام، والقيام بشرائعه، فجهاده لنفسه على ذلك، من باب أولى وأحرى؛ ولأن من لم يقو على الجهاد، فإن ذلك، دليل على ضعف إيمانه، وشرط تعالى في الإيمان عدم الريب، وهو الشك، لأن الإيمان النافع هو الجزم اليقيني، بما أمر الله بالإيمان به، الذي لا يعتريه شك، بوجه من الوجوه. وقوله: { أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } أي: الذين صدقوا إيمانهم بأعمالهم الجميلة، فإن الصدق، دعوى كبيرة في كل شيء يدعى يحتاج صاحبه إلى حجة وبرهان، وأعظم ذلك، دعوى الإيمان، الذي هو مدار السعادة، والفوز الأبدي، والفلاح السرمدي، فمن ادعاه، وقام بواجباته، ولوازمه، فهو الصادق المؤمن حقًا، ومن لم يكن كذلك، علم أنه ليس بصادق في دعواه، وليس لدعواه فائدة، فإن الإيمان في القلب لا يطلع عليه إلا الله تعالى. فإثباته ونفيه، من باب تعليم الله بما في القلب، وهذا سوء أدب، وظن بالله، ولهذا قال: { قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } وهذا شامل للأشياء كلها، التي من جملتها، ما في القلوب من الإيمان والكفران، والبر والفجور، فإنه تعالى، يعلم ذلك كله، ويجازي عليه، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. هذه حالة من أحوال من ادعى لنفسه الإيمان، وليس به، فإنه إما أن يكون ذلك تعليمًا لله، وقد علم أنه عالم بكل شيء، وإما أن يكون قصدهم بهذا الكلام، المنة على رسوله، وأنهم قد بذلوا له [وتبرعوا] بما ليس من مصالحهم، بل هو من حظوظه الدنيوية، وهذا تجمل بما لا يجمل، وفخر بما لا ينبغي لهم أن يفتخروا على رسوله به فإن المنة لله تعالى عليهم، فكما أنه تعالى يمن عليهم، بالخلق والرزق، والنعم الظاهرة والباطنة، فمنته عليهم بهدايتهم إلى الإسلام، ومنته عليهم بالإيمان، أعظم من كل شيء، ولهذا قال تعالى: { يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } . { إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } أي: الأمور الخفية فيهما، التي تخفى على الخلق، كالذي في لجج البحار، ومهامه القفار، وما جنه الليل أو واراه النهار، يعلم قطرات الأمطار، وحبات الرمال، ومكنونات الصدور، وخبايا الأمور. {أية : وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين }. تفسير : { وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } يحصي عليكم أعمالكم، ويوفيكم إياها، ويجازيكم عليها بما تقتضيه رحمته الواسعة، وحكمته البالغة. تم تفسير سورة الحجرات بعون الله ومنه وجوده وكرمه، فلك اللهم من الحمد أكمله وأتمه، ومن الجود أفضله وأعمه.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 902 : 2 - سفين عن زياد عن قيس بن سعد عن مجاهد في قوله {قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا} قال، استسلموا حين خشوا القتل والسبا. [الآية 14].

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا} [14] 537 - أنا موسى بن سعيدٍ، نا مسدد بن مُسرهدٍ، نا المعتمر بن سليمان، نا عبد الرزاق، عن معمرٍ، عن الزهري، عن عامر بن سعدٍ، عن أبيه، أن سعداً قال: حديث : يا رسول الله، أعطيت فلاناً وفلاناً ومنعت فلاناً - وهو مؤمنٌ - قال "مُسلمٌ"، قال: أعطيت فلاناً، فالها مرتين أو ثلاثة كل ذلك يقول: "مسلمٌ ".

همام الصنعاني

تفسير : 2938- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا}: [الآية: 14]، قال: لمْ تَعُمّ هذه الآية الأعراب، إنَّ من الأعراب من يؤمن بالله ويتخذ ما ينفق قربات عند الله، ولكنها الطوائف من الأعراب. 2939- قال معمر، وقال الزهري: {قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا}: [الآية: 14]، قال: نَرَى أن الإِسْلاَمَ الكلمة، والإِيمان العمل. 2940- حدثنا عبد الرزاق، عن (الثوري)، عن عمرو بن قيس الملائي، عن زيد السُّلَمي، قال: حديث : قال النبي صلى الله عليه وسلم للحارث بن مالك: "كيف أصبحت يا حارث بن مالك؟" قال: مِنَ المؤمنين، قال: "اعلم ما تَقُول" قال: مؤمن حقاً. قال: "فإن لكل حق حقيقة، فما حقيقة ذلكَ؟" قَالَ: أَظْمَأْتُ نهاري،وَأَسْهَرْتُ لَيْلِي، وَعَزَفْتُ عن الدنيا، حتى كأني أنظر إلى العرش حين يُجاء به، وكأني أنظر إلى عُوَاءِ أَهْلِ النَّارِ في النَّارِ، وتزاور أهل الجنة في الجنة، قال: "عرفت يا حارث بن مالك فالْزَم، عبداً نوَّرَ الله الإِيمان في قلبه" قال: يا رسول الله، ادعُ لِي بالشهادة، فدعا له. قال: فأغير على سرح المدينة، فَخَرَج فَقَاتَلَ حتى قُتِلَ . تفسير : 2941- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزّهري، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه: قال: أَعْطَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم رجالاً، ولم يعطِ رجلاً منهم شيئاً، فقال سعدٌ: يا نبيّ الله،ـ أعطيت فلاناً وفلاناً، ولم تعطِ فلاناً شيئاً، وهو مؤمن. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أو مسلم، حتى أعادها ثلاثاً والنبي يقول: أَوَ مُسْلِم، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني أعطيت رجالاً وأدع من هو أحَبَّ إلَيَّ منهم، لا أعطيهم شيئاً مخافة أن يُكَبُّوا في النَّارِ عَلَى وجوههم ". تفسير : 2942- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن صالح بن مسمار، قال: بلغني أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما أنت يا حارث بن مالك؟" قال: مُؤْمِنٌ يا نبيّ الله، قال: "مؤمن حقاً؟" قال: مؤمن حَقاً، قال: "فإنَّ لكل حق حقيقة" فما حقيقة ذلِكَ؟" قال: عَزَفْتُ عن الدنيا، وأَظْمَأَتُ نهاري، وأَسْهَرْتُ ليلي، وكأني أنظر إلى عرش رَبِّي، وكأني أنظر إلى اهل الجنة يتزاورُونَ، فيها، وكأني أسمع عُوَاءَ أَهْلِ النَّارِ في النار، فقال: النبي صلى الله عليه وسلم: "مُؤْمِنٌ نوَّ اللهُ قَلْبَهُ ".