٥٠ - ق
50 - Qaf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
المنزل السابع
Tafseer
الرازي
تفسير : {ق وَٱلْقُرْءانِ ٱلْمَجِيدِ } وقبل التفسير نقول ما يتعلق بالسورة وهي أمور: الأول: أن هذه السورة تقرأ في صلاة العيد، لقوله تعالى فيها {أية : ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ } تفسير : [ق: 42] وقوله تعالى: {أية : كَذٰلِكَ ٱلْخُرُوجُ } تفسير : [ق: 11] وقوله تعالى: {أية : ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ } تفسير : [ق: 44] فإن العيد يوم الزينة، فينبغي أن لا ينسى الإنسان خروجه إلى عرصات الحساب، ولا يكون في ذلك اليوم فرحاً فخوراً، ولا يرتكب فسقاً ولا فجوراً، ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتذكير بقوله في آخر السورة {أية : فَذَكّرْ بِٱلْقُرْءانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ } تفسير : [ق: 45] ذكرهم بما يناسب حالهم في يومهم بقوله {ق وَٱلْقُرْءانِ }. الثاني: هذه السورة، وسورة {ص } تشتركان في افتتاح أولهما بالحروف المعجم والقسم بالقرآن وقوله {بَلِ } والتعجب، ويشتركان في شيء آخر، وهو أن أول السورتين وآخرهما متناسبان، وذلك لأن في {ص } قال في أولها {أية : ص وَٱلْقُرْءانِ ذِى الذِكْر } تفسير : [ص: 1] وقال في آخرها {أية : إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [ص: 87] وفي {ق } قال في أولها {ق وَٱلْقُرْءانِ } وقال في آخرها {أية : فَذَكّرْ بِٱلْقُرْءانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ } تفسير : [ق: 45] فافتتح بما اختتم به. والثالث: وهو أن في تلك السورة صرف العناية إلى تقرير الأصل الأول وهو التوحيد، بقوله تعالى: {أية : أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وٰحِداً } تفسير : [ص: 5] وقوله تعالى: {أية : أَنِ امشوا واصبروا على آلهتكم} تفسير : [ص: 6] وفي هذه السورة إلى تقرير الأصل الآخر وهو الحشر، بقوله تعالى: {أية : أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ } تفسير : [ق: 3] ولما كان افتتاح السورة في {ص } في تقرير المبدأ، قال في آخرها {أية : إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ إِنّى خَـٰلِقٌ بَشَراً مّن طِينٍ } تفسير : [ص: 71] وختمه بحكاية بدء (خلق) آدم، لأنه دليل الوحدانية. ولما كان افتتاح هذه لبيان الحشر، قال في آخرها {أية : يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ } تفسير : [ق: 44] وأما التفسير، ففيه مسائل: المسألة الأولى: قيل {ق } اسم جبل محيط بالعالم، وقيل معناه حكمة، هي قولنا: قضى الأمر. وفي ص: صدق الله، وقد ذكرنا أن الحروف تنبيهات قدمت على القرآن، ليبقى السامع مقبلاً على استماع ما يرد عليه، فلا يفوته شيء من الكلام الرائق والمعنى الفائق. وذكرنا أيضاً أن العبادة منها قلبية، ومنها لسانية، ومنها جارحية ظاهرة، ووجد في الجارحية ما عقل معناه، ووجد منها ما لم يعقل معناه، كأعمال الحج من الرمي والسعي وغيرهما، ووجد في القلبية ما عقل بدليل، كعلم التوحيد، وإمكان الحشر، وصفات الله تعالى، وصدق الرسل، ووجد فيها ما يبعدها عن كونها معقولة المعنى أمور لا يمكن التصديق، والجزم بما لولا السمع كالصراط الممدود الأحد من السيف الأرق من الشعر، والميزان الذي يوزن به الأعمال، فكذلك كان ينبغي أن تكون الأذكار التي هي العبادة اللسانية منها ما يعقل معناه كجميع القرآن إلا قليلاً منه، ومنها ما لا يعقل ولا يفهم كحرف التهجي لكون التلفظ به محض الانقياد للأمر، لا لما يكون في الكلام من طيب الحكاية والقصد إلى غرض، كقولنا ربنا اغفر لنا وارحمنا بل يكون النطق به تعبداً محضاً، ويؤيد هذا وجه آخر، وهو أن هذه الحروف مقسم بها، وذلك لأن الله تعالى لما أقسم بالتين والزيتون كان تشريفاً لهما، فإذا أقسم بالحروف التي هي أصل الكلام الشريف الذي هو دليل المعرفة، وآلة التعريف كان أولى، وإذا عرفت هذا فنقول على هذا فيه مباحث: الأول: القسم من الله وقع بأمر واحد، كما في قوله تعالى: {وَٱلْعَصْرِ } وقوله تعالى: {وَٱلنَّجْمِ } وبحرف واحد، كما في قوله تعالى: {ص } و {ن } ووقع بأمرين، كما في قوله تعالى: {وَٱلضُّحَىٰ وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ } وفي قوله تعالى: {وَٱلسَّمَاء وَٱلطَّارِقِ } وبحرفين، كما في قوله تعالى: {طه } و {طس } و {يس } و {حـم } وبثلاثة أمور، كما في قوله تعالى: {وَٱلصَّـٰفَّـٰتِ... فَٱلزجِرٰتِ... فَٱلتَّـٰلِيَـٰتِ } وبثلاثة أحرف، كما في {الم } وفي {طسم والر } وبأربعة أمور، كما في {وَٱلذرِيَـٰتِ } وفي {وَٱلسَّمَاء ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ } وفي {وَٱلتّينِ } وبأربعة أحرف، كما في {المص المر } وبخمسة أمور، كما في {وَٱلطُّورِ } وفي {وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ } وفي {وَٱلنَّـٰزِعَـٰتِ } وفي {وَٱلْفَجْرِ } وبخمسة أحرف، كما في {كهيعص وحمعسق } ولم يقسم بأكثر من خمسة أشياء إلا في سورة واحدة وهي {وَٱلشَّمْسِ وَضُحَـٰهَا } ولم يقسم بأكثر من خمسة أصول، لأنه يجمع كلمة الاستثقال، ولما استثقل حين ركب لمعنى، كان استثقالها حين ركب من غير إحاطة العلم بالمعنى أو لا لمعنى كان أشد. البحث الثاني: عند القسم بالأشياء المعهودة، ذكر حرف القسم وهي الواو، فقال: {وَٱلطُّورِ } {وَٱلنَّجْمِ } {وَٱلشَّمْسُ } وعند القسم بالحروف لم يذكر حرف القسم، فلم يقل و {ق وحم } لأن القسم لما كان بنفس الحروف كان الحرف مقسماً به، فلم يورده في موضع كونه آلة القسم تسوية بين الحروف. البحث الثالث: أقسم الله بالأشياء: كالتين والطور، ولم يقسم بأصولها، وهي الجواهر الفردة والماء والتراب. وأقسم بالحروف من غير تركيب، لأن الأشياء عنده يركبها على أحسن حالها، وأما الحروف إن ركبت بمعنى، يقع الحلف بمعناه لا باللفظ، كقولنا (والسماء والأرض) وإن ركبت لا بمعنى، كان المفرد أشرف، فأقسم بمفردات الحروف. البحث الرابع: أقسم بالحروف في أول ثمانية وعشرين سورة، وبالأشياء التي عددها عدد الحروف، وهي غير {وَٱلشَّمْسُ } في أربع عشرة سورة، لأن القسم بالأمور غير الحروف وقع في أوائل السور وفي أثنائها، كقوله تعالى: {أية : كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ * وَٱلَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ } تفسير : [المدثر: 32، 33] وقوله تعالى: {أية : وَٱلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ } تفسير : [الانشقاق: 17] وقوله {أية : وَٱلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ } تفسير : [التكوير: 17] والقسم بالحروف لم يوجد ولم يحسن إلا في أوائل السور، لأن ذكر ما لا يفهم معناه في أثناء الكلام المنظوم المفهوم يخل بالفهم، ولما كان القسم بالأشياء له موضعان والقسم بالحروف له موضع واحد جعل القسم بالأشياء في أوائل السور على نصف القسم بالحروف في أوائلها. البحث الخامس: القسم بالحروف وقع في النصفين جميعاً بل في كل سبع وبالأشياء المعدودة لم يوجد إلا في النصف الأخير بل لم يوجد إلا في السبع الأخير غير والصافات، وذلك لأنا بينا أن القسم بالحروف لم ينفك عن ذكر القرآن أو الكتاب أو التنزيل بعده إلا نادراً فقال تعالى: {أية : يس * وَٱلْقُرْءانِ ٱلْحَكِيمِ} تفسير : [يس: 1، 2] {أية : حـم * تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [غافر: 1، 2] {أية : الم * ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ } تفسير : [البقرة: 1، 2] ولما كان جميع القرآن معجزة مؤداة بالحروف وجد ذلك عاماً في جميع المواضع ولا كذلك القسم بالأشياء المعدودة، وقد ذكرنا شيئاً من ذلك في سورة العنكبوت، ولنذكر ما يختص بقاف قيل إنه اسم جبل محيط بالأرض عليه أطراف السماء وهو ضعيف لوجوه: أحدها: أن القراءة الكثيرة الوقف، ولو كان اسم جبل لما جاز الوقف في الإدراج، لأن من قال ذلك قال بأن الله تعالى أقسم به وثانيها: أنه لو كان كذلك لذكر بحرف القسم كما في قوله تعالى: {وَٱلطُّورِ } وذلك لأن حرف القسم يحذف حيث يكون المقسم به مستحقاً لأن يقسم به، كقولنا الله لأفعلن كذا، واستحقاقه لهذا غني عن الدلالة عليه باللفظ ولا يحسن أن يقال زيد لأفعلن ثالثها: هو أنه لو كان كما ذكر لكان يكتب قاف مع الألف والفاء كما يكتب {أية : عَيْنٌ جَارِيَةٌ } تفسير : [الغاشية: 12] ويكتب {أية : أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } تفسير : [الزمر: 36] وفي جميع المصاحف يكتب حرف {ق }، رابعها: هو أن الظاهر أن الأمر فيه كالأمر في {ص، ن، حـم } وهي حروف لا كلمات وكذلك في {ق } فإن قيل هو منقول عن ابن عباس، نقول المنقول عنه أن قاف اسم جبل، وأما أن المراد في هذا الموضع به ذلك فلا، وقيل إن معناه قضى الأمر، وفي {ص } صدق الله، وقيل هو اسم الفاعل من قفا يقفو و ص من صاد من المصاداة، وهي المعارضة، معناه هذا قاف جميع الأشياء بالكشف، ومعناه حينئذ هو قوله تعالى: {أية : وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ } تفسير : [الأنعام: 59] إذا قلنا إن الكتاب هناك القرآن. هذا ما قيل في {ق } وأما القراءة فيه فكثيرة وحصرها بيان معناها، فنقول إن قلنا هي مبنية على ما بينا فحقها الوقف إذ لا عامل فيها فيشبه بناء الأصوات ويجوز الكسر حذراً من التقاء الساكنين، ويجوز الفتح اختياراً للأخف، فإن قيل كيف جاز اختيار الفتح ههنا، ولم يجز عند التقاء الساكنين إذا كان أحدهما آخر كلمة والآخر أول أخرى كما في قوله تعالى: {أية : لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [البينة: 1] {أية : وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ } تفسير : [الأنعام: 52]؟ نقول لأن هناك إنما وجب التحريك وعين الكسر في الفعل للشبهة تحرك الإعراب، لأن الفعل محل يرد عليه الرفع والنصب ولا يوجد فيه الجر فاختيرت الكسرة التي لا يخفى على أحد أنها ليست بجر، لأن الفعل لا يجوز فيه الجر ولو فتح لاشتبه بالنصب، وأما في أواخر الأسماء فلا اشتباه، لأن الأسماء محل ترد عليه الحركات الثلاث فلم يكن يمكن الاحتراز فاختاروا الأخف، وأما إن قلنا إنها حرف مقسم به فحقها الجر ويجوز النصب بجعله مفعولاً باقسم على وجه الاتصال، وتقدير الباء كأن لم يوجد، وإن قلنا هي اسم السورة، فإن قلنا مقسم بها مع ذلك فحقها الفتح لأنها لا تنصرف حينئذ ففتح في موضع الجر كما تقول وإبراهيم وأحمد في القسم بهما، وإن قلنا إنه ليس مقسماً بها وقلنا اسم السورة، فحقها الرفع إن جعلناها خبراً تقديره: هذه (ق)، وإن قلنا هو من قفا يقفو فحقه التنوين كقولنا هذا داع وراع، وإن قلنا اسم جبل فالجر والتنوين وإن كان قسماً، ولنعد إلى التفسير فنقول الوصف قد يكون للتمييز وهو الأكثر كقولنا الكلام القديم ليتميز عن الحادث والرجل الكريم ليمتاز عن اللئيم، وقد يكون لمجرد المدح كقولنا الله الكريم إذ ليس في الوجود إلٰه آخر حتى نميزه عنه بالكريم، وفي هذا الموضع يحتمل الوجهين، والظاهر أنه لمجرد المدح، وأما التمييز فبأن نجعل القرآن اسماً للمقروء، ويدل عليه قوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّ قُرْانًا سُيّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ } تفسير : [الرعد: 31] والمجيد العظيم، وقيل المجيد هو كثير الكرم وعلى الوجهين القرآن مجيد، أما على قولنا المجيد هو العظيم، فلأن القرآن عظيم الفائدة، ولأنه ذكر الله العظيم، وذكر العظيم عظيم، ولأنه لم يقدر عليه أحد من الخلق، وهو آية العظمة يقال ملك عظيم إذا لم يكن يغلب ويدل عليه قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ ءاتَيْنَـٰكَ سَبْعًا مّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْءانَ ٱلْعَظِيمَ } تفسير : [الحجر: 87] أي الذي لا يقدر على مثله أحد ليكون معجزة دالة على نبوتك وقوله تعالى: {أية : بَلْ هُوَ قُرْءانٌ مَّجِيدٌ * فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } تفسير : [البروج: 21، 22] أي محفوظ من أن يطلع عليه أحد إلا باطلاعه تعالى فلا يبدل ولا يغير و {أية : لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ } تفسير : [فصلت: 42] فهو غير مقدور عليه فهو عظيم، وأما على قولنا المجيد هو كثير الكرم فالقرآن كريم كل من طلب منه مقصوده وجده، وإنه مغن كل من لاذ به، وإغناء المحتاج غاية الكرم ويدل عليه هو أن المجيد مقرون بالحميد في قولنا إنك حميد مجيد، فالحميد هو المشكور والشكر على الإنعام والمنعم كريم فالمجيد هو الكريم البالغ في الكرم، وفيه مباحث: الأول: القرآن مقسم به فالمقسم عليه ماذا؟ نقول فيه وجوه وضبطها بأن نقول، ذلك إما أن يفهم بقرينة حالية أو قرينة مقالية، والمقالية إما أن تكون متقدمة على المقسم به أو متأخرة، فإن قلنا بأنه مفهوم من قرينة مقالية متقدمة فلا متقدم هناك لفظاً إلا {ق } فيكون التقدير: هذا {ق وَٱلْقُرْءانِ ٱلْمَجِيدِ } أو {ق } أنزلها الله تعالى: {وَٱلْقُرْءانِ } كما يقول هذا حاتم والله أي هو المشهور /بالسخاء ويقول الهلال رأيته والله، وإن قلنا بأنه مفهوم من قرينة مقالية متأخرة، فنقول ذلك أمران: أحدهما: المنذر والثاني: الرجع، فيكون التقدير: والقرآن المجيد إنك المنذر، أو: والقرآن المجيد إن الرجع لكائن، لأن الأمرين ورد القسم عليهما ظاهراً، أما الأول: فيدل عليه قوله تعالى: {أية : يس * وَٱلْقُرْءانِ ٱلْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } تفسير : إلى أن قال: {أية : لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ ءابَاؤُهُمْ } تفسير : [يۤس: 1 ـ 6]. وأما الثاني: فدل عليه قوله تعالى: {أية : وَٱلطُّورِ * وَكِتَـٰبٍ مُّسْطُورٍ } تفسير : إلى أن قال: {أية : إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ لَوَاقِعٌ } تفسير : [الطور: 1 ـ 7] وهذا الوجه يظهر عليه غاية الظهور على قول من قال {ق } اسم جبل فإن القسم يكون بالجبل والقرآن، وهناك القسم بالطور والكتاب المسطور وهو الجبل والقرآن، فإن قيل أي الوجهين منهما أظهر عندك؟ قلت الأول: لأن المنذر أقرب من الرجع، ولأن الحروف رأيناها مع القرآن والمقسم كونه مرسلاً ومنذراً، وما رأينا الحروف ذكرت وبعدها الحشر، واعتبر ذلك في سور منها قوله تعالى: {أية : الم * تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِ ٱلْعَـٰلَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ لِتُنذِرَ } تفسير : [السجدة: 1 ـ 3] ولأن القرآن معجزة دالة على كون محمد رسول الله، فالقسم به عليه يكون إشارة إلى الدليل على طريقة القسم، وليس هو بنفسه دليلاً على الحشر، بل فيه أمارات مفيدة للجزم بالحشر بعد معرفة صدق الرسول، وأما إن قلنا هو مفهوم بقرينة حالية، فهو كون محمد صلى الله عليه وسلم على الحق ولكلامه صفة الصدق، فإن الكفار كانوا ينكرون ذلك والمختار ما ذكرناه والثاني: {أية : بَلْ عَجِبُواْ } تفسير : [قۤ: 2] يقتضي أن يكون هناك أمر مضرب عنه فما ذلك؟ نقول قال الواحدي ووافقه الزمخشري إنه تقدير قوله ما الأمر كما يقولون ونزيده وضوحاً، فنقول على ما اخترناه: فإن التقدير، والله أعلم ق والقرآن المجيد إنك لتنذر، فكأنه قال بعده وإنهم شكوا فيه فأضرب عنه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ } قرأ العامة «قاف» بالجزم. وقرأ الحسن وٱبن أبي إسحاق ونصر ابن عاصم «قافِ» بكسر الفاء؛ لأن الكسر أخو الجزم، فلما سكن آخره حرّكوه بحركة الخفض. وقرأ عيسى الثقفيّ بفتح الفاء حرّكه إلى أخف الحركات. وقرأ هارون ومحمد بن السَّمَيْقَع «قافُ» بالضم؛ لأنه في غالب الأمر حركة البناء نحو منذُ وقطُّ وقبلُ وبعدُ. وٱختلف في معنى «قۤ» ما هو؟ فقال ابن زيد وعكرمة والضحاك: هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء ٱخضرت السماء منه، وعليه طَرَفَا السماءِ والسماء عليه مَقْبِيَّةٌ، وما أصاب الناسُ من زمرد كان مما تساقط من ذلك الجبل. ورواه أبو الجوزاء عن عبد الله بن عباس. قال الفرّاء: كان يجب على هذا أن يظهر الإعراب في «قۤ»؛ لأنه ٱسم وليس بهجاء. قال: ولعل القاف وحدها ذكرت من ٱسمه؛ كقول القائل:شعر : قلـتُ لها قِفِـي فقالتْ قـافْ تفسير : أي أنا واقفة. وهذا وجه حسن وقد تقدّم أوّل «البقرة». وقال وهب: أشرف ذو القرنين على جبل قاف فرأى تحته جبالاً صغاراً، فقال له: ما أنت؟ قال: أنا قاف؛ قال: فما هذه الجبال حولك؟ قال: هي عروقي وما من مدينة إلا وفيها عرق من عروقي، فإذا أراد الله أن يزلزل مدينة أمرني فحركت عرقي ذلك فتزلزت تلك الأرض؛ فقال لَه: يا قاف أخبرني بشيء من عظمة الله؛ قال: إن شأن ربِّنا لعظيمٌ، وإن ورائي أرضاً مسيرة خمسمائة عام في خمسمائة عام من جبال ثلج يحطم بعضها بعضا، لولا هي لاحترقت من حرّ جهنم. فهذا يدل على أن جهنم على وجه الأرض والله أعلم بموضعها؛ وأين هي من الأرض. قال: زدني، قال: إن جبريل عليه السلام واقف بين يدي الله تُرْعَد فرائصُه، يخلق الله من كل رِعدة مائة ألف ملك، فأولئك الملائكة وقوف بين يدي الله تعالى منكسو رؤوسهم، فإذا أذن الله لهم في الكلام قالوا: لا إلٰه إلا الله؛ وهو قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً }تفسير : [النبأ: 38] يعني قول: لا إلٰه إلا الله. وقال الزجاج: قوله «قۤ» أي قُضِيَ الأمر، كما قيل في «حمۤ» أي حُمَّ الأمرُ. وقال ٱبن عباس: «قۤ» ٱسم من أسماء الله تعالى أقسم به. وعنه أيضاً: أنه ٱسم من أسماء القرآن. وهو قول قتادة. وقال القُرظيّ: ٱفتتاح أسماء الله تعالى قدير وقاهر وقريب وقاضٍ وقابض. وقال الشَّعبيّ: فاتحة السورة. وقال أبو بكر الورّاق: معناه قِف عند أمرنا ونهينا ولا تَعْدُهما. وقال محمد بن عاصم الأنطاكيّ: هو قرب الله من عباده، بيانه {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ} وقال ٱبن عطاء: أقسم الله بقوّة قلب حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، حيث حمل الخطاب ولم يؤثر ذلك فيه لعلو حاله. {وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} أي الرفيع القدر. وقيل: الكريم؛ قاله الحسن. وقيل: الكثير؛ مأخوذ من كثرة القدر والمنزلة لا من كثرة العدد، من قولهم: كثير فلان في النفوس؛ ومنه قول العرب في المثل السائر: (في كل شجرٍ نارْ، وٱسْتَمجدَ المَرْخُ والعَفَارْ). أي ٱستكثر هذان النوعان من النار فزادا على سائر الشجر؛ قاله ابن بحر. وجواب القسم قيل هو: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضَ مِنْهُمْ} على إرادة اللام؛ أي لقد علمنا. وقيل: هو {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ} وهو ٱختيار الترمذيّ محمد بن عليّ قال: «قۤ» قسم باسم هو أعظم الأسماء التي خرجت إلى العباد وهو القدرة، وأقسم أيضاً بالقرآن المجيد، ثم ٱقتص ما خرج من القدرة من خلق السموات والأرضين وأرزاق العباد، وخلق الآدميين، وصفة يوم القيامة والجنة والنار، ثم قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} فوقع القسم على هذه الكلمة كأنه قال: «قۤ» أي بالقدرة والقرآن المجيد أقسمت أن فيما ٱقتصصت في هذه السورة {لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} وقال ابن كيسان: جوابه {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ}. وقال أهل الكوفة: جواب هذا القسم {بَلْ عَجِبُوۤاْ} وقال الأخفش: جوابه محذوف كأنه قال: {قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ } لتبعثن؛ يدل عليه {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً}. قوله تعالى: {بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ} «أَنْ» في موضع نصب على تقدير لأن جاءهم منذر منهم، يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، والضمير للكفّار. وقيل: للمؤمنين والكفار جميعاً. ثم ميّز بينهم بقوله تعالى: {فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ} ولم يقل فقالوا، بل قبح حالهم وفعلهم ووصفهم بالكفر، كما تقول: جاءني فلان فأسمعني المكروه، وقال لي الفاسق أنت كذا وكذا. {هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} العجيب الأمر الذي يتعجب منه، وكذلك العُجَاب بالضم، والعُجَّاب بالتشديد أكثر منه، وكذلك الأعجوبة. وقال قتادة: عجبهم أن دُعوا إلى إلٰه واحد. وقيل: من إنذارهم بالبعث والنشور. والذي نص عليه القرآن أولى. قوله تعالى: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً} نبعث؛ ففيه إضمار. {ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ} الرجع الردّ أي هو ردّ بعيد أي محال. يقال: رَجَعْته أَرْجِعه رَجْعاً، ورَجَع هو يَرجِعُ رُجوعاً، وفيه إضمار آخر؛ أي وقالوا أنبعث إذا متنا. وذكر البعث وإن لم يجر هاهنا فقد جرى في مواضع، والقرآن كالسورة الواحدة. وأيضاً ذكر البعث منطوٍ تحت قوله: {بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ} لأنه إنما ينذر بالعقاب والحساب في الآخرة. قوله تعالى: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضَ مِنْهُمْ} أي ما تأكل من أجسادهم فلا يضل عنا شيء حتى تتعذر علينا الإعادة. وفي التنزيل: {أية : قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} تفسير : [طه: 51 - 52] وفي الصحيح: «حديث : كل ٱبنِ آدم يأكله التراب إلا عَجْبَ الذَّنَبِ منه خُلِقَ وفيه يُرَكَّبُ» تفسير : وقد تقدّم. وثبت أن الأنبياء والأولياء والشهداء لا تأكل الأرضُ أجسادهم؛ حرم الله على الأرض أن تأكل أجسادهم. وقد بينا هذا في كتاب «التذكرة» وتقدّم أيضاً في هذا الكتاب. وقال السدي: النقص هنا الموت يقول قد علمنا منهم من يموت ومن يبقى؛ لأن من مات دُفِن فكأنّ الأرض تَنقصُ من الناس. وعن ابن عباس: هو من يدخل في الإسلام من المشركين. {وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} أي بعدّتهم وأسمائهم فهو فعيل بمعنى فاعل. وقيل: اللوح المحفوظ أي محفوظ من الشياطين أو محفوظ فيه كل شيء. وقيل: الكتاب عبارة عن العلم والإحصاء؛ كما تقول: كتبت عليك هذا أي حفظته؛ وهذا ترك الظاهر من غير ضرورة. وقيل: أي وعندنا كتاب حفيظ لأعمال بني آدم لنحاسبهم عليها. قوله تعالى: {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ} أي القرآن في قول الجميع؛ حكاه الماورديّ. وقال الثعلبي: بالحق القرآن. وقيل: الإسلام. وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم. {فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ} أي مختلط. يقولون مرة ساحر ومرة شاعر ومرة كاهن؛ قاله الضحاك وابن زيد. وقال قتادة: مختلِف. الحسن: ملتبِس؛ والمعنى متقارب. وقال أبو هريرة: فاسد، ومنه مَرِجت أمانات الناس أي فسدت؛ ومَرِجَ الدينُ والأمرُ ٱختلط؛ قال أبو دؤاد:شعر : مَرِجَ الدِّينُ فَأَعْدَدْتُ لَهُ مُشْرِفَ الْحَارِكِ مَحْبُوكَ الْكَتَدْ تفسير : وقال ابن عباس: المريج الأمر المنكر. وقال عنه عمران بن أبي عطاء: «مريج» مختلط. وأنشد:شعر : فجَالتْ فٱلتمستُ به حَشَاهَا فخَرَّ كأنه خُوطٌ مَرِيجُ تفسير : الخُوطُ الغصن. وقال عنه العوفيّ: في أمر ضلالة وهو قولهم ساحر شاعر مجنون كاهن. وقيل: متغير. وأصل المَرَج الاضطراب والقلق؛ يقال: مَرِجَ أمرُ الناس ومَرِج أمرُ الدِّين ومرِج الخاتم في إصبعي إذا قَلِق من الهزال. وفي الحديث: «حديث : كيف بك يا عبد الله إذا كنت في قوم قد مَرِجت عهودهم وأمانَاتهُم وٱختلفوا فكانوا هكذا وهكذا» تفسير : وشبك بين أصابعه. أخرجه أبو داود وقد ذكرناه في كتاب «التذكرة».
البيضاوي
تفسير : مكية وهي خمس وأربعون آية بسم الله الرحمن الرحيم {ق وَٱلْقُرْءانِ ٱلْمَجِيدِ } الكلام فيه كما مر في {أية : ص وَٱلْقُرْءانِ ذِى ٱلذّكْرِ }تفسير : [ص: 1] و{ٱلْمَجِيدِ } ذو المجد والشرف على سائر الكتب، أو لأنه كلام المجيد، أو لأن من علم معانيه وامتثل أحكامه مجد. {بَلْ عَجِبُواْ أَن جَاءهُمْ مُّنذِرٌ مّنْهُمْ } إنكار لتعجبهم مما ليس بعجب، وهو أن ينذرهم أحد من جنسهم أو من أبناء جلدتهم. {فَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا شَىْء عَجِيبٌ } حكاية لتعجبهم، وهذا إشارة إلى اختيار الله محمداً صلى الله عليه وسلم للرسالة، وإضمار ذكرهم ثم إظهاره للاشعار بتعنتهم بهذا المقال، ثم التسجيل على كفرهم بذلك أو عطف لتعجبهم من البعث على تعجبهم من البعثة، والمبالغة فيه بوضع الظاهر موضع ضميرهم وحكاية تعجبهم مبهماً إن كانت الإِشارة إلى منهم يفسره ما بعده، أو مجملاً إن أهون مما يشاهدون من صنعه. {أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً } أي أنرجع إذا متنا وصرنا تراباً، ويدل على المحذوف قوله: {ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ } أي بعيد عن الوهم أو العادة أو الإِمكان. وقيل الرجع بمعنى المرجوع. {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضَ مِنْهُمْ } ما تأكل من أجساد موتاهم، وهو رد لاستبعادهم بإزاحة ما هو الأصل فيه، وقيل إنه جواب القسم واللام محذوف لطول الكلام. {وَعِندَنَا كِتَـٰبٌ حَفِيظٌ } حافظ لتفاصيل الأشياء كلها، أو محفوظ عن التغيير، والمراد إما تمثيل علمه بتفاصيل الأشياء بعلم من عنده كتاب محفوظ يطالعه، أو تأكيد لعلمه بها بثبوتها في اللوح المحفوظ عنده. {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقّ } يعني النبوة الثابتة بالمعجزات، أو النبي صلى الله عليه وسلم، أو القرآن. {لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ } وقرىء «لَّمّاً» بالكسر. {فِى أَمْرٍ مَّرِيجٍ } مضطرب من مرج الخاتم في أصبعه إذا خرج، وذلك قولهم تارة أنه {شَاعِرٌ } وتارة أنه {سَـٰحِرٌ } وتارة أنه كاهن. {أَفَلَمْ يَنظُرُواْ } حين كفروا بالبعث. {إِلَى ٱلسَّمَاء فَوْقَهُمْ } إلى آثار قدرة الله تعالى في خلق العالم. {كَيْفَ بَنَيْنَـٰهَا } رفعناها بلا عمد. {وَزَيَّنَّـٰهَا } بالكواكب. {وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ } فتوق بأن خلقها ملساء متلاصقة الطباق. {وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَـٰهَا } بسطناها. {وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِىَ } جبالاً ثوابت. {وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ } أي من كل صنف. {بَهِيجٍ } حسن. {تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ } راجع إلى ربه متفكر في بدائع صنعه، وهما علتان للأفعال المذكورة معنى وإن انتصبنا عن الفعل الأخير. {وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء مُّبَـٰرَكاً } كثير المنافع {فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّـٰتٍ } أشجاراً وأثماراً. {وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ } وحب الزرع الذي من شأنه أن يحصد كالبر والشعير. {وَٱلنَّخْلَ بَـٰسِقَـٰتٍ } طوالاً أو حوامل من أبسقت الشاة إذا حملت فيكون من أفعل فهو فاعل، وإفرادها بالذكر لفرط ارتفاعها وكثرة منافعها. وقرىء لأجل القاف. {لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ } منضود بعضه فوق بعض، والمراد تراكم الطلع أو كثرة ما فيه من الثمر. {رّزْقاً لّلْعِبَادِ } علة لـ {أَنبَتْنَا } أو مصدر، فإن الإِنبات رزق. {وَأَحْيَيْنَا بِهِ } بذلك الماء. {بَلْدَةً مَّيْتاً } أرضاً جدبة لا نماء فيها. {كَذٰلِكَ ٱلْخُرُوجُ } كما حييت هذه البلدة يكون خروجكم أحياء بعد موتكم. {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَـٰبُ ٱلرَّسّ وَثَمُودُ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ } أراد بفرعون إياه وقومه ليلائم ما قبله وما بعده. {وَإِخْوٰنُ لُوطٍ } أخدانه لأنهم كانوا أصهاره.
ابن كثير
تفسير : {قۤ}: حرف من حروف الهجاء المذكورة في أوائل السور كقوله تعالى: {صۤ} و {نۤ} و {الۤمۤ} و {حمۤ} و {طسۤ} ونحو ذلك، قاله مجاهد وغيره، وقد أسلفنا الكلام عليها في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته، وقد روي عن بعض السلف أنهم قالوا: قۤ جبل محيط بجميع الأرض، يقال له: جبل قاف، وكأن هذا، والله أعلم، من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس لما رأى من جواز الرواية عنهم مما لا يصدق ولا يكذب، وعندي أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يلبسون به على الناس أمر دينهم، كما افْتُرِيَ في هذه الأمة مع جلالة قدر علمائها وحفاظها وأئمتها أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وما بالعهد من قدم، فكيف بأمة بني إسرائيل، مع طول المدى وقلة الحفاظ النقاد فيهم، وشربهم الخمور، وتحريف علمائهم الكلم عن مواضعه، وتبديل كتب الله وآياته، وإنما أباح الشارع الرواية عنهم في قوله: «حديث : وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» تفسير : فيما قد يجوزه العقل، فأما فيما تحيله العقول، ويحكم فيه بالبطلان، ويغلب على الظنون كذبه، فليس من هذا القبيل، والله أعلم. وقد أكثر كثير من السلف من المفسرين، وكذا طائفة كثيرة من الخلف من الحكاية عن كتب أهل الكتاب في تفسير القرآن المجيد، وليس بهم احتياج إلى أخبارهم،ولله الحمد والمنة، حتى أن الإمام أبا محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، رحمة الله عليه، أورد ههنا أثراً غريباً لا يصح سنده عن ابن عباس رضي الله عنهما، فقال: حدثنا أبي قال: حدثت عن محمد بن إسماعيل المخزومي، حدثنا ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خلق الله تبارك وتعالى من وراء هذه الأرض بحراً محيطاً بها، ثم خلق من وراء ذلك البحر جبلاً يقال له: قاف، سماء الدنيا مرفوعة عليه، ثم خلق الله تعالى من وراء ذلك الجبل أرضاً مثل تلك الأرض سبع مرات، ثم خلق من وراء ذلك بحراً محيطاً بها، ثم خلق من وراء ذلك جبلاً يقال له: قاف، السماء الثانية مرفوعة عليه، حتى عد سبع أرضين وسبعة أبحر وسبعة أجبل وسبع سموات، قال: وذلك في قوله تعالى: {أية : وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ} تفسير : [لقمان: 27] فإسناده هذا الأثر فيه انقطاع، والذي رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل: {قۤ} هو اسم من أسماء الله عز وجل. والذي ثبت عن مجاهد أنه حرف من حروف الهجاء؛ كقوله تعالى: {صۤ} {نۤ} {حمۤ} {طسۤ} {الۤمۤ} ونحو ذلك، فهذه تبعد ما تقدم عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقيل: المراد: قضي الأمر والله، وأن قوله جل ثناؤه: قۤ دلت على المحذوف من بقية الكلمة كقول الشاعر:شعر : قُلْتُ لَها قِفي فقالَتْ ق تفسير : وفي هذا التفسير نظر؛ لأن الحذف في الكلام إنما يكون إذا دل دليل عليه، ومن أين يفهم هذا من ذكر هذا الحرف؟ وقوله تعالى: {وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْمَجِيدِ} أي الكريم العظيم الذي {أية : لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} تفسير : [فصلت: 42] واختلفوا في جواب القسم ما هو؟ فحكى ابن جرير عن بعض النحاة أنه قوله تعالى: { قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَـٰبٌ حَفِيظٌ} وفي هذا نظر، بل الجواب هو مضمون الكلام بعد القسم، وهو إثبات النبوة وإثبات المعاد وتقريره وتحقيقه، وإن لم يكن القسم يتلقى لفظاً، وهذا كثير في أقسام القرآن؛ كما تقدم في قوله: {أية : صۤ وَٱلْقُرْءَانِ ذِى ٱلذِّكْرِ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ } تفسير : [ص: 1 ــــ 2] وهكذا قال ههنا: {قۤ وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ } أي تعجبوا من إرسال رسول إليهم من البشر؛ كقوله جل جلاله: {أية : أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ} تفسير : [يونس: 2] أي وليس هذا بعجيب؛ فإن الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس. ثم قال عز وجل مخبراً عنهم في تعجبهم أيضاً من المعاد، واستبعادهم لوقوعه: { أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ} أي يقولون: أئذا متنا وبلينا، وتقطعت الأوصال منا وصرنا تراباً، كيف يمكن الرجوع بعد ذلك إلى هذه البنية والتركيب؟ {ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ} أي بعيد الوقوع. والمعنى أنهم يعتقدون استحالته، وعدم إمكانه. قال الله تعالى رداً عليهم: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضَ مِنْهُمْ} أي ما تأكل من أجسادهم في البلى، نعلم ذلك، ولا يخفى علينا أين تفرقت الأبدان وأين ذهبت وإلى أين صارت {وَعِندَنَا كِتَـٰبٌ حَفِيظٌ} أي حافظ لذلك، فالعلم شامل، والكتاب أيضاً فيه كل الأشياء مضبوطة. قال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ} أي ما تأكل من لحومهم وأبشارهم، وعظامهم وأشعارهم، وكذا قال مجاهد وقتادة والضحاك وغيرهم، ثم بين تبارك وتعالى سبب كفرهم وعنادهم واستبعادهم ما ليس ببعيد فقال: { بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ} أي وهذا حال كل من خرج عن الحق، مهما قال بعد ذلك، فهو باطل، والمريج: المختلف المضطرب الملتبس المنكر خلاله؛ كقوله تعالى: {أية : إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ }تفسير : [الذاريات:8-9].
المحلي و السيوطي
تفسير : {ق } الله أعلم بمراده به {ق وَٱلْقُرْءَانِ } الكريم ما آمن كفار مكة بمحمد صلى الله عليه وسلم.
الشوكاني
تفسير : قوله: {ق وَٱلْقُرْءانِ ٱلْمَجِيدِ } الكلام في إعراب هذا كالكلام الذي قدّمنا في قوله: {أية : ص وَٱلْقُرْءانِ ذِى ٱلذّكْرِ }تفسير : [صۤ: 1] وفي قوله: {أية : حـم * وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ }تفسير : [الدخان: 1، 2] واختلف في معنى {قۤ}، فقال الواحدي: قال المفسرون: هو اسم جبل يحيط بالدنيا من زبرجد، والسماء مقببة عليه، وهو وراء الحجاب الذي تغيب الشمس من ورائه بمسيرة سنة. قال الفراء: كان يجب على هذا أن يظهر الإعراب في {قۤ} لأنه اسم، وليس بهجاء. قال: ولعل القاف وحدها ذكرت من اسمه كقول القائل: شعر : قلت لها قفي، فقالت: قاف تفسير : أي: أنا واقفة. وحكى الفراء، والزجاج: أن قوماً قالوا: معنى: {قۤ}: قضي الأمر، وقضي ما هو كائن، كما قيل في {حمۤ}: حمّ الأمر. وقيل: هو اسم من أسماء الله أقسم به. وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن. وقال الشعبي: فاتحة السورة. وقال أبو بكر الورّاق معناه: قف عند أمرنا ونهينا ولا تعدهما، وقيل غير ذلك مما هو أضعف منه، والحق أنه من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، كما حققنا ذلك في فاتحة سورة البقرة، ومعنى {المجيد}: أنه ذو مجد وشرف على سائر الكتب المنزلة. وقال الحسن: الكريم، وقيل: الرفيع القدر، وقيل: الكبير القدر، وجواب القسم قال الكوفيون: هو قوله: {بَلْ عَجِبُواْ } وقال الأخفش: جوابه محذوف كأنه قال: قۤ والقرآن المجيد لتبعثن، يدل عليه {أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً } وقال ابن كيسان جوابه: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ} وقيل: هو {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأرْضَ مِنْهُمْ } بتقدير اللام أي: لقد علمنا، وقيل: هو محذوف وتقديره أنزلناه إليك لتنذر، كأنه قيل: قۤ والقرآن المجيد، أنزلناه إليك لتنذر به الناس. قرأ الجمهور قاف بالسكون. وقرأ الحسن، وابن أبي إسحاق، ونصر بن عاصم بكسر الفاء. وقرأ عيسى الثقفي بفتح الفاء. وقرأ هارون، ومحمد بن السميفع بالضم. {بَلْ عَجِبُواْ أَن جَاءهُمْ مُّنذِرٌ مّنْهُمْ } "بل" للإضراب عن الجواب على اختلاف الأقوال، و"أن" في موضع نصب على تقدير: لأن جاءهم. والمعنى: بل عجب الكفار؛ لأن جاءهم منذر منهم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يكتفوا بمجرّد الشك والردّ، بل جعلوا ذلك من الأمور العجيبة، وقيل: هو إضراب عن وصف القرآن بكونه مجيداً، وقد تقدم تفسير هذا في سورة {صۤ}. ثم فسّر ما حكاه عنهم من كونهم عجبوا بقوله: {فَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا شَىْء عَجِيبٌ } وفيه زيادة تصريح وإيضاح. قال قتادة: عجبهم أن دعوا إلى إلٰه واحد، وقيل: تعجبهم من البعث، فيكون لفظ {هذا} إشارة إلى مبهم يفسره ما بعده من قوله: {أَءذَا مِتْنَا } إلخ، والأوّل أولى. قال الرازي: الظاهر أن قولهم هذا إشارة إلى مجيء المنذر. ثم قالوا: {أَءذَا مِتْنَا } وأيضاً قد وجُد ها هنا بعد الاستبعاد بالاستفهام أمر يؤدي معنى التعجب، وهو قولهم: {ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ } فإنه استبعاد وهو كالتعجب، فلو كان التعجب بقولهم: {هَـٰذَا شَىْء عَجِيبٌ } عائداً إلى قولهم: {أئذا} لكان كالتكرار، فإن قيل: التكرار الصريح يلزم من قولك هذا شيء عجيب أنه يعود إلى مجيء المنذر، فإن تعجبهم منه علم من قولهم: وعجبوا أن جاءهم، فقوله: {هَـٰذَا شَىْء عَجِيبٌ } يكون تكراراً، فنقول ذلك ليس بتكرار بل هو تقرير؛ لأنه لما قال: {بل عجبوا} بصيغة الفعل وجاز أن يتعجب الإنسان مما لا يكون عجباً كقوله: {أية : أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ } تفسير : [هود: 73] ويقال في العرف: لا وجه لتعجبك مما ليس بعجب، فكأنهم لما عجبوا قيل لهم: لا معنى لتعجبكم، فقالوا: {هَـٰذَا شَىْء عَجِيبٌ } فكيف لا نعجب منه، ويدلّ على ذلك قوله ها هنا: {فَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ } بالفاء، فإنها تدلّ على أنه مترتب على ما تقدّم، قرأ الجمهور {أئذا متنا} بالاستفهام. وقرأ ابن عامر في رواية عنه، وأبو جعفر، والأعمش، والأعرج بهمزة واحدة، فيحتمل الاستفهام كقراءة الجمهور، وهمزة الاستفهام مقدّرة، ويحتمل أن معناه الإخبار، والعامل في الظرف مقدّر، أي: أيبعثنا، أو أنرجع إذا متنا لدلالة ما بعده عليه، هذا على قراءة الجمهور، وأما على القراءة الثانية، فجواب "إذا" محذوف أي: رجعنا، وقيل: ذلك رجع، والمعنى: استنكارهم للبعث بعد موتهم ومصيرهم تراباً. ثم جزموا باستبعادهم للبعث، فقالوا: {ذٰلِكَ } أي: البعث {رَجْع بَعِيدٌ} أي: بعيد عن العقول، أو الأفهام، أو العادة، أو الإمكان، يقال: رجعته أرجعه رجعاً، ورجع هو يرجع رجوعاً. ثم ردّ سبحانه ما قالوه، فقال: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأرْضَ مِنْهُمْ } أي: ما تأكل من أجسادهم، فلا يضلّ عنا شيء من ذلك، ومن أحاط علمه بكل شيء حتى انتهى إلى علم ما يذهب من أجساد الموتى في القبور لا يصعب عليه البعث، ولا يستبعد منه، وقال السديّ: النقص هنا الموت، يقول: قد علمنا من يموت منهم، ومن يبقى؛ لأن من مات دفن، فكأن الأرض تنقص من الأموات، وقيل المعنى: من يدخل في الإسلام من المشركين، والأوّل أولى {وَعِندَنَا كِتَـٰبٌ حَفِيظٌ } أي: حافظ لعدتّهم وأسمائهم ولكلّ شيء من الأشياء، وهو اللوح المحفوظ، وقيل: المراد بالكتاب هنا: العلم والإحصاء، والأوّل أولى. وقيل: حفيظ بمعنى محفوظ، أي: محفوظ من الشياطين، أو محفوظ فيه كل شيء، ثم أضرب سبحانه عن كلامهم الأول وانتقل إلى ما هو أشنع منه فقال: {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقّ } فإنه تصريح منهم بالتكذيب بعد ما تقدّم عنهم من الاستبعاد، والمراد بالحق هنا: القرآن. قال الماوردي في قول الجميع، وقيل: هو الإسلام، وقيل: محمد، وقيل: النبوّة الثابتة بالمعجزات {لَمَّا جَاءهُمْ } أي: وقت مجيئه إليهم من غير تدبر ولا تفكر ولا إمعان نظر، قرأ الجمهور بفتح اللام وتشديد الميم. وقرأ الجحدري بكسر اللام وتخفيف الميم {فَهُمْ فِى أَمْرٍ مَّرِيجٍ } أي: مختلط مضطرب، يقولون مرة ساحر، ومرة شاعر، ومرة كاهن، قاله الزجاج، وغيره. وقال قتادة: مختلف. وقال الحسن: ملتبس، والمعنى متقارب، وقيل: فاسد، والمعاني متقاربة، ومنه قولهم: مرجت أمانات الناس أي: فسدت، ومرج الدين، والأمر: اختلط {أَفَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى ٱلسَّمَاء فَوْقَهُمْ } الاستفهام للتقريع والتوبيخ، أي: كيف غفلوا عن النظر إلى السماء فوقهم {كَيْفَ بَنَيْنَـٰهَا }، وجعلناها على هذه الصفة مرفوعة بغير عماد تعتمد عليه {وَزَيَّنَّـٰهَا } بما جعلنا فيها من المصابيح {وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ } أي: فتوق وشقوق وصدوع، وهو جمع فرج، ومنه قول امرىء القيس:شعر : ويسدّ به فرجاً من دبر تفسير : قال الكسائي: ليس فيها تفاوت، ولا اختلاف، ولا فتوق {وَٱلأرْضَ مَدَدْنَـٰهَا } أي: بسطناها {وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوٰسِيَ } أي: جبالاً ثوابت، وقد تقدّم تفسير هذا في سورة الرعد. {وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } أي: من كل صنف حسن، وقد تقدّم تفسير هذا في سورة الحج. {تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ } هما علتان لما تقدّم منتصبان بالفعل الأخير منها، أو بمقدّر، أي: فعلنا ما فعلنا للتبصير والتذكير، قاله الزجاج. وقال أبو حاتم: انتصبا على المصدرية، أي: جعلنا ذلك تبصرة وذكرى. والمنيب: الراجع إلى الله بالتوبة المتدبر في بديع صنعه، وعجائب مخلوقاته. وفي سياق هذه الآيات تذكير لمنكري البعث، وإيقاظ لهم عن سنة الغفلة، وبيان لإمكان ذلك وعدم امتناعه، فإن القادر على مثل هذه الأمور يقدر عليه، وهكذا قوله: {وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء مُّبَـٰرَكاً } أي: نزّلنا من السحاب ماءً كثير البركة؛ لانتفاع الناس به في غالب أمورهم {فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّـٰتٍ } أي: أنبتنا بذلك الماء بساتين كثيرة {وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ } أي: ما يقتات ويحصد من الحبوب، والمعنى: وحبّ الزرع الحصيد، وخصّ الحبّ لأنه المقصود، كذا قال البصريون. وقال الكوفيون: هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، كمسجد الجامع، حكاه الفرّاء. قال الضحاك: حبّ الحصيد: البرّ والشعير، وقيل: كل حبّ يحصد ويدخر ويقتات {وَٱلنَّخْلَ بَـٰسِقَـٰتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ } هو معطوف على {جنات} أي: وأنبتنا به النخل، وتخصيصها بالذكر مع دخولها في الجنات للدلالة على فضلها على سائر الأشجار، وانتصاب {باسقات} على الحال، وهي حال مقدّرة؛ لأنها وقت الإنبات لم تكن باسقة. قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة: الباسقات: الطوال، وقال سعيد بن جبير: مستويات. وقال الحسن، وعكرمة، والفراء: مواقير حوامل، يقال للشاة إذا بسقت: ولدت، والأشهر في لغة العرب الأوّل، يقال: بسقت النخلة بسوقاً: إذا طالت، ومنه قول الشاعر:شعر : لنا خمر وليست خمر كرم ولكن من نتاج الباسقات كرام في السماء ذهبن طولا وفات ثمارها أيدي الجناة تفسير : وجملة: {لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ } في محل نصب على الحال من {النخل}، الطلع: هو أوّل ما يخرج من ثمر النخل، يقال: طلع الطلع طلوعاً، والنضيد: المتراكب الذي نضد بعضه على بعض، وذلك قبل أن ينفتح فهو نضيد في أكمامه فإذا خرج من أكمامه، فليس بنضيد {رّزْقاً لّلْعِبَادِ } انتصابه على المصدرية، أي: رزقناهم رزقاً، أو على العلة، أي: أنبتنا هذه الأشياء للرزق {وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً } أي: أحيينا بذلك الماء بلدة مجدبة لا ثمار فيها ولا زرع، وجملة {كَذٰلِكَ ٱلْخُرُوجُ } مستأنفة لبيان أن الخروج من القبور عند البعث كمثل هذا الإحياء الذي أحيا الله به الأرض الميتة، قرأ الجمهور: {ميتاً} على التخفيف، وقرأ أبو جعفر، وخالد بالتثقيل. ثم ذكر سبحانه الأمم المكذبة، فقال: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَـٰبُ ٱلرَّسّ } هم قوم شعيب كما تقدّم بيانه، وقيل: هم الذين جاءهم من أقصى المدينة رجل يسعى، وهم من قوم عيسى، وقيل: هم أصحاب الأخدود. والرسّ: إما موضع نسبوا إليه، أو فعل، وهو حفر البئر، يقال رسّ: إذا حفر بئراً {وَثَمُودُ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ} أي: فرعون وقومه {وَإِخْوٰنُ لُوطٍ } جعلهم إخوانه لأنهم كانوا أصهاره، وقيل: هم من قوم إبراهيم، وكانوا من معارف لوط {وأصحاب الأيكة} تقدّم الكلام على الأيكة، واختلاف القراء فيها في سورة الشعراء مستوفى، ونبيهم الذي بعثه الله إليهم شعيب {وَقَوْمُ تُّبَّعٍ } هو تبع الحميري الذي تقدّم ذكره في قوله: {أية : أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ }تفسير : [الدخان: 37] واسمه سعد أبو كرب، وقيل: أسعد. قال قتادة: ذمّ الله قوم تبع، ولم يذمه {كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ } التنوين عوض عن المضاف إليه، أي: كل واحد من هؤلاء كذب رسوله الذي أرسله الله إليه، وكذب ما جاء به من الشرع، واللام في {الرسل} تكون للعهد، ويجوز أن تكون للجنس، أي: كل طائفة من هذه الطوائف كذبت جميع الرسل، وإفراد الضمير في {كذب} باعتبار لفظ {كل}، وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كأنه قيل له: لا تحزن، ولا تكثر غمك لتكذيب هؤلاء لك، فهذا شأن من تقدّمك من الأنبياء، فإن قومهم كذبوهم، ولم يصدّقهم إلاّ القليل منهم {فَحَقَّ وَعِيدِ } أي: وجب عليهم وعيدي، وحقّت عليهم كلمة العذاب، وحل بهم ما قدّره الله عليهم من الخسف، والمسخ، والإهلاك بالأنواع التي أنزلها الله بهم من عذابه. {أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأوَّلِ} الاستفهام للتقريع والتوبيخ، والجملة مستأنفة لتقرير أمر البعث الذي أنكرته الأمم، أي: أفعجزنا بالخلق حين خلقناهم أوّلاً ولم يكونوا شيئًا، فكيف نعجز عن بعثهم، يقال: عييت بالأمر: إذا عجزت عنه، ولم أعرف وجهه. قرأ الجمهور بكسر الياء الأولى بعدها ياء ساكنة. وقرأ ابن أبي عبلة بتشديد الياء من غير إشباع. ثم ذكر أنهم في شكّ من البعث، فقال: {بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍ مّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ } أي: في شك وحيرة واختلاط من خلق مستأنف، وهو بعث الأموات، ومعنى الإضراب: أنهم غير منكرين لقدرة الله على الخلق الأوّل {بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍ مّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ }. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {ق } قال: هو اسم من أسماء الله. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: خلق الله من وراء هذه الأرض بحراً محيطاً، ثم خلق وراء ذلك جبلاً يقال له: قاف السماء الدنيا مرفرفة عليه، ثم خلق من وراء ذلك الجبل أرضاً مثل تلك الأرض سبع مرات، ثم خلق من وراء ذلك بحراً محيطاً بها، ثم خلق وراء ذلك جبلاً يقال له: قاف السماء الثانية مرفوعة عليه، حتى عدّ سبع أرضين، وسبعة أبحر، وسبعة أجبل، وسبع سمٰوات، قال: وذلك قوله: {أية : وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ } تفسير : [لقمان: 27] قال ابن كثير: لا يصح سنده عن ابن عباس. وقال أيضاً: وفيه انقطاع. وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عنه أيضاً قال: هو جبل وعروقه إلى الصخرة التي عليها الأرض، فإذا أراد الله أن يزلزل قرية أمر ذلك الجبل، فحرّك ذلك العرق الذي يلي تلك القرية فيزلزلها ويحركها، فمن ثم يحرك القرية دون القرية. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عنه أيضاً {وَٱلْقُرْءانِ المجيد} قال: الكريم، وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: القرآن المجيد ليس شيء أحسن منه ولا أفضل. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأرْض مِنْهُمْ} قال: أجسادهم وما يذهب منها. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً في الآية قال: ما تأكل من لحومهم وعظامهم وأشعارهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً قال: المريج: الشيء المتغير. وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه عن قطبة قال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصبح: {قۤ}، فلما أتى على هذه الآية: {وَٱلنَّخْلَ بَـٰسِقَـٰتٍ } فجعلت أقول: ما بسوقها؟ قال: «حديث : طولها»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله: {وَٱلنَّخْلَ بَـٰسِقَـٰتٍ } قال: الطول. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ } قال: متراكم بعضه على بعض. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأوَّلِ} يقول: لم يعيينا الخلق الأوّل، وفي قوله: {بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍ مّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ } في شكّ من البعث.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {ق} فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه اسم من أسماء الله تعالى أقسم بها، قاله ابن عباس. الثاني: أنه اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة. الثالث: أن معناه قضى والله، كما قيل في حم: حم والله، وهذا معنى قول مجاهد. الرابع: أنه اسم الجبل المحيط بالدنيا، قاله الضحاك. قال مقاتل: وعروق الجبال كلها منه. ويحتمل خامساً: أن يكون معناه قف؛ كما قال الشاعر: شعر : قلت لها قفي فقالت قاف ... ... ... ... تفسير : أي وقفت. ويحتمل ما أريد بوقفه عليه وجهين: أحدهما: قف على إبلاغ الرسالة لئلا تضجر بالتكذيب. الثاني: قف على العمل بما يوحى إليك لئلا تعجل على ما لم تؤمر به. {وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الكريم، قاله الحسن. الثاني: أنه مأخوذ من كثرة القدرة والمنزلة، لا من كثرة العدد من قولهم فلان كثير في النفوس، ومنه قول العرب في المثل السائر: لها في كل الشجر نار، واستجمد المرخ والعفار، أي استكثر هذان النوعان من النار وزاد على سائر الشجر، قاله ابن بحر. الثالث: أنه العظيم، مأخوذ من قولهم قد مجدت الإبل إذا أعظمت بطونها من كلأ الربيع. {والْقُرْءَانِ المَجِيدِ} قسم أقسم الله به تشريفاً له وتعظيماً لخطره لأن عادة جارية في القسم ألا يكون إلا بالمعظم. وجواب القسم محذوف ويحتمل وجهين: أحدهما: هو أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم بدليل قوله تعالى: {بَلْ عَجِبُواْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنهُمْ}. الثاني: أنكم مبعوثون بدليل قوله: {إِئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً}. قوله عز وجل: {بَلْ عَجِبُواْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنهُمْ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم. {فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيءٌ عَجِيبٌ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم عجبوا أن دعوا إلى إله واحد، قاله قتادة. الثاني: عجبوا أن جاءهم منذر منهم، من قبل الله تعالى. الثالث: أنهم عجبوا من إنذارهم بالبعث والنشور. قوله عز وجل: {قَدْ عَلمْنَا مَا تَنقُصُ الأَرْضُ مِنْهُم} فيه وجهان: أحدهما: من يموت منهم، قاله قتادة. الثاني: يعني ما تأكله الأرض من لحومهم وتبليه من عظامهم، قاله الضحاك. {وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} يعني اللوح المحفوظ. وفي حفيظ وجهان: أحدهما: حفيظ لأعمالهم. الثاني: لما يأكله التراب من لحومهم وأبدانهم وهو الذي تنقصه الأرض منهم. قوله عز وجل: {بَلْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ...} الآية. الحق يعني القرآن في قول الجميع. {مَرِيجٍ} فيه أربعة أوجه: أحدها: أن المريج المختلط. قاله الضحاك. الثاني: المختلف، قاله قتادة. الثالث: الملتبس، قاله الحسن. الرابع: الفاسد، قاله أبو هريرة. ومنه قول أبي دؤاد: شعر : مرج الدين فأعددت له مشرف الحارك محبوك الكتد
ابن عطية
تفسير : قال ابن عباس: {ق} اسم من أسماء القرآن. وقال أيضاً اسم من أسماء الله تعالى. وقال قتادة والشعبي: هو اسم السورة، وقال يزيد وعكرمة ومجاهد والضحاك: هم اسم الجبل المحيط بالدنيا، وهو فيما يزعمون من زمردة خضراء، منها خضرة السماء وخضرة البحر. و {المجيد} الكريم في أوصافه الذي جمع كل معلوة. و: {ق} على هذه الأقوال: مقسم به وبـ {القرآن المجيد}، وجواب القسم منتظر. واختلف الناس فيه، فقال ابن كيسان جوابه: {أية : ما يلفظ من قول} تفسير : [ق: 18]، وقيل الجواب: {أية : إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب} تفسير : [ق: 37] وقال الزهراوي عن سعيد الأخفش الجواب: {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} وضعفه النحاس، وقال الكوفيون من النحاة الجواب: {بل عجبوا}، والمعنى: لقد عجبوا. قال منذر بن سعيد: إن جواب القسم في قوله: {أية : ما يبدل القول لدي} تفسير : [ق: 29]، وفي هذه الأقوال تكلف وتحكم على اللسان. وقال الزجاج والمبرد والأخفش: الجواب مقدر تقديره: {ق}، {والقرآن المجيد} لتبعثن، وهذا قول حسن وأحسن منه: أن يكون الجواب الذي يقع عنه الإضراب بـ {بل}، كأنه قال. {ق والقرآن المجيد} ما ردوا أمرك بحجة، أو ما كذبوك ببرهان، ونحو هذا مما لا بد لك من تقديره بعد الذي قدر الزجاج، لأنك إذا قلت الجواب: لتبعثن فلا بد بعد ذلك أن يقدر خبر عنه يقع الإضراب، وهذا الذي جعلناه جواباً وجاء المقدر أخصر. وقال جماعة من المفسرين في قوله: {ق} إنه حرف دال على الكلمة، على نحو قول الشاعر [الوليد بن المغيرة]: [الرجز] شعر : قلت لها قفي فقالت قاف تفسير : واختلفوا بعد، فقال القرطبي: هو دال على أسماء الله تعالى هي: قادر، وقاهر، وقريب، وقاض، وقابض، وقيل المعنى: قضي الأمر من رسالتك ونحوه، {والقرآن المجيد}، فجواب القسم في الكلام الذي يدل عليه قاف. وقال قوم المعنى: قف عند أمرنا. وقيل المعنى: قهر هؤلاء الكفرة، وهذا أيضاً وقع عليه القسم ويحتمل أن يكون المعنى: قيامهم من القبور حق، {والقرآن المجيد}، فيكون أول السورة من المعنى الذي اطرد بعد، وعلى هذه الأقوال فثم كلام مضمر عنه وقع الإضراب، كأنه قال: ما كذبوك ببرهان، ونحو هذا مما يليق مظهراً. وقرأ جمهور من القراء {ق} بسكون الفاء. قال أبو حاتم: ولا يجوز غيرها إلا جواز سوء. قال القاضي أبو محمد: وهذه القراءة تحسن مع أن يكون {ق} حرفاً دالاً على كلمة. وقرأ الثقفي وعيسى: قاف بفتح الفاء، وهذه تحسن مع القول بأنها اسم للقرآن أو لله تعالى، وكذلك قرأ الحسن وابن أبي إسحاق بكسر الفاء، وهي التي في رتبة التي قبلها في أن الحركة للالتقاء وفي أنها اسم للقرآن. و {المجيد} الكريم الأوصاف الكثير الخير. واختلف الناس في الضمير في: {عجبوا} لمن هو فقال جمهور المتأولين: هو لجميع الناس مؤمنهم وكافرهم لأن كل مفطور عجب من بعثة بشر رسول الله، لكن المؤمنون نظروا واهتدوا، والكافرون بقوا في عمايتهم وصموا وحاجوا بذلك العجب، ولذلك قال تعالى: {فقال الكافرون هذا شيء عجيب}. وقال آخرون بل الضمير في {عجبوا} للكافرين، وكرر الكلام تأكيداً ومبالغة. والإشارة بهذا يحتمل أن تكون إلى نفس مجيء البشر. ويحتمل أن تكون إلى القول الذي يتضمنه الإنذار، وهو الخبر بالبعث، ويؤيد هذا القول ما يأتي بعد. وقرأ الأعرج وشيبة وأبو جعفر "إذا" على الخبر دون استفهام، والعامل {رجع بعيد}، قال ابن جني ويحتمل أن يكون المعنى "أإذا متنا بعد رجعنا"، فيدل: ذلك {رجع بعيد} على هذا الفعل الذي هو بعد ويحل محل الجواب لقولهم: "إذا". والرجع: مصدر رجعته. وقوله {بعيد} في الأوهام والفكر كونه فأخبر الله تعالى رداً على قولهم بأنه يعلم ما تأكل الأرض من ابن آدم وما تبقى منه، وإن ذلك في الكتاب، وكذلك يعود في الحشر معلوماً ذلك كله. و "الحفيظ": الجامع الذي لم يفته شيء. وقال الرماني: {حفيظ} متبع أن يذهب ببلى ودروس، وروي في الخبر الثابت:حديث : أن الأرض تأكل ابن آدم إلا عجب الذنبتفسير : ، وهو عظم كالخردلة، فمنه يركب ابن آدم، وحفظ ما تنقص الأرض إنما هو ليعود بعينه يوم القيامة، وهذا هو "الحق". وذهب بعض الأصوليين إلى أن الأجساد المبعثرة المبعوثة يجوز أن تكون غير هذه، وهذا عندي خلاف لظاهر كتاب الله ولو كانت غيرها فكيف كانت تشهد الأيدي والأرجل على الكفرة إلى غير ذلك مما يقتضي أن أجساد الدنيا هي التي تعود. وقال ابن عباس ومجاهد والجمهور، المعنى: ما تنقص من لحومهم وأبشارهم وعظامهم. وقال السدي معنى قوله: {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} أي ما يحصل في بطنها من موتاهم، وهذا قول حسن مضمنه الوعيد. وقال ابن عباس أيضاً في ما حكى الثعلبي، معناه: قد علمنا ما تنقص أرض الإيمان من الكفرة الذين يدخلون في الإيمان، وهذا قول أجنبي من المعنى الذي قبل وبعد، وقيل قوله: {بل كذبوا} مضمر، عنه وقع الإضراب تقديره: ما أجادوا النظر أو نحو هذا، والذي يقع عنه الإضراب بـ {بل}، الأغلب فيه أنه منفي تقضي {بل} بفساده، وقد يكون أمراً موجباً تقضي {بل} بترك القول فيه لا بفساده، وقرأ الجمهور: "لَمّا" بفتح اللام وشد الميم. وقرأ الجحدري: "لِمَا" بكسر اللام وتخفيف الميم، قال أبو الفتح: هي كقولهم: أعطيته لما سأل، وكما في التاريخ: لخمس خلون، ونحو هذا، ومنه قوله تعالى: {أية : لا يجليها لوقتها} تفسير : [الأعراف: 187] ومنه قول الشاعر: [الوافر] شعر : إذا هبت لقاربها الرياح تفسير : و: "المريج": معناه: المختلط، قاله ابن زيد، أي بعضهم يقول ساحر، وبعضهم كاهن، وبعضهم شاعر إلى غير ذلك من تخليطهم، وكذلك عادت فكرة كل واحد منهم مختلطة في نفسها، قال ابن عباس: المريج: المنكر. وقال مجاهد: الملتبس، والمريج المضطرب أيضاً، وهو قريب من الأول، ومنه الحديث: مرجت عهود الناس ومنه {أية : مرج البحرين} تفسير : [الفرقان: 53، الرحمن: 19] وقال الشاعر [أبو دؤاد]: شعر : مرج الدين فأعددت له مشرف الحارك محبوك الكتد تفسير : ثم دل تعالى على العبرة بقوله: {أفلم ينظروا إلى السماء} الآية، {وزيناها} معناه: بالنجوم. و "الفروج" الفطور والشقوق خلالها وأثناءها، قاله مجاهد وغيره، وحكى النقاش أن هذه الآية تعطي أن السماء مستديرة، وليس الأمر كما حكي، إذا تدبر اللفظ وما يقتضي. و "الرواسي": الجبال. و "الزوج": النوع. و "البهيج" قال ابن عباس وقتادة وابن زيد هو: الحسن المنظر، وقوله عز وجل: {تبصرة وذكرى} منصوب على المصدر بفعل مضمر. و: "المنيب" الراجع إلى الحق عن فكرة ونظر. قال قتادة: هو المقبل بقلبه إلى الله وخص هذه الصنيفة بالذكر تشريفاً من حيث هي المنتفعة بالتبصرة والذكرى، وإلا فهذه المخلوقات هي تبصرة وذكرى لكل بشر. وقال بعض النحويين: {تبصرة وذكرى} مفعولان من أجله، وهذا يحتمل والأول أرجح.
ابن عبد السلام
تفسير : {قۤ} اسم لله ـ تعالى ـ أقسم به، أو اسم القرآن، أو قضى والله كما حم: حُم والله، أو الجبل المحيط بالدنيا {الْمَجِيدِ} الكريم أو الكثير القدر والمنزلة، في كل الشجر نار واستمجد المرخ والعفار استكثر، أو العظيم من مجدت الإبل عظمت بطونها من كلأ الربيع أقسم به تعظيماً لقدره وتشريفاً لخطره لأن القسم لا يكون في العرف إلا بمعظم.
النسفي
تفسير : الكلام في {ق وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوآ} كالكلام في {أية : ص وَٱلْقُرْءانِ ذِى ٱلذّكْرِ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }تفسير : سواء بسواء لالتقائهما في أسلوب واحد. والمجيد ذو المجد والشرف على غيره من الكتب ومن أحاط علماً بمعانيه وعمل بما فيه مجد عند الله وعند الناس. وقوله {بَلْ عَجِبُواْ } أي كفار مكة {أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ } أي محمد صلى الله عليه وسلم إنكار لتعجبهم مما ليس بعجب وهو أن ينذرهم بالمخوف رجل منهم قد عرفوا عدالته وأمانته، ومن كان كذلك لم يكن إلا ناصحاً لقومه خائفاً أن ينالهم مكروه، وإذا علم أن مخوفاً أظلهم لزمه أن ينذرهم فكيف بما هو غاية المخاوف وإنكار لتعجبهم مما أنذرهم به من البعث مع علمهم بقدرة الله تعالى على خلق السماوات والأرض وما بينهما، وعلى اختراع كل شيء وإقرارهم بالنشأة الأولى مع شهادة العقل بأنه لا بد من الجزاء؟ ثم عول على أحد الإنكارين بقوله {فَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا شَىْءٌ عَجِيبٌ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً } دلالة على أن تعجبهم من البعث أدخل في الاستبعاد وأحق بالإنكار. وضع الكافرون موضع الضمير للشهادة على أنهم في قولهم هذا مقدمون على الكفر العظيم، وهذا إشارة إلى الرجع. و«إذا» منصوب بمضمر معناه أحين نموت ونبلى نرجع. {مِتْنَا } نافع وعلي وحمزة وحفص {ذَٰلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ } مستبعد مستنكر كقولك «هذا قول بعيد» أي بعيد من الوهم والعادة. ويجوز أن يكون الرجع بمعنى المرجوع وهو الجواب، ويكون من كلام الله تعالى استبعاداً لإنكارهم ما أنذروا به من البعث، والوقف على {تُرٰباً } على هذا حسن، وناصب الظرف إذا كان الرجع بمعنى المرجوع ما دل عليه المنذر من المنذر به وهو البعث {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضَ مِنْهُمْ } رد لاستبعادهم الرجع لأن من لطف علمه حتى علم ما تنقص الأرض من أجساد الموتى وتأكله من لحومهم وعظامهم كان قادراً على رجعهم أحياء كما كانوا {وَعِندَنَا كِتَـٰبٌ حَفِيظٌ } محفوظ من الشياطين ومن التغير وهو اللوح المحفوظ، أو حافظ لما أودعه وكتب فيه {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ } إضراب أتبع الإضراب الأول للدلالة على أنهم جاءوا بما هو أفظع من تعجبهم وهو التكذيب بالحق الذي هو النبوة الثابتة بالمعجزات في أول وهلة من غير تفكر ولا تدبر {فَهُمْ فِى أَمْرٍ مَّرِيجٍ } مضطرب. يقال: مرج الخاتم في الإصبع إذا اضطرب من سعته فيقولون تارة شاعر وطوراً ساحر ومرة كاهن لا يثبتون على شيء واحد. وقيل: الحق القرآن. وقيل: الإخبار بالبعث. ثم دلهم على قدرته على البعث فقال {أَفَلَمْ يَنظُرُوآ } حين كفروا بالبعث {إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ } إلى آثار قدرة الله تعالى في خلق العالم {كَيْفَ بَنَيْنَـٰهَا } رفعناها بغير عمد {وَزَيَّنَّـٰهَا } بالنيرات {وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ } من فتوق وشقوق أي أنها سليمة من العيوب لا فتق فيها ولا صدع ولا خلل {وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَـٰهَا } دحوناها {وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوٰسِيَ } جبالاً ثوابت لولا هي لمالت {وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ } صنف {بَهِيجٍ } يبتهج به لحسنه {تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ } لنبصر به ونذكر {لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ } راجع إلى ربه مفكر في بدائع خلقه. {وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَـٰرَكاً } كثير المنافع {فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّـٰتٍ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ } أي وحب الزرع الذي من شأنه أن يحصد كالحنطة والشعير وغيرهما {وَٱلنَّخْلَ بَـٰسِقَـٰتٍ } طوالاً في السماء {لَّهَا طَلْعٌ } هو كل ما يطلع من ثمر النخيل {نَّضِيدٌ } منضود بعضه فوق بعض لكثرة الطلع وتراكمه أو لكثرة ما فيه من الثمر {رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ } أي أنبتناها رزقاً للعباد لأن الإنبات في معنى الرزق فيكون {رِزْقاً } مصدراً من غير لفظه، أو هو مفعول له أي أنبتناها لرزقهم {وَأَحْيَيْنَا بِهِ } بذلك الماء {بَلْدَةً مَّيْتاً } قد جف نباتها {كَذٰلِكَ ٱلْخُرُوجُ } أي كما حييت هذه البلدة الميتة كذلك تخرجون أحياء بعد موتكم لأن إحياء الموات كإحياء الأموات، والكاف في محل الرفع على الابتداء. {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ } قبل قريش {قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَـٰبُ ٱلرَّسِّ} هو بئر لم تطو وهم قوم باليمامة وقيل أصحاب الأخدود {وَثَمُودُ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ } أراد بفرعون قومه كقوله {أية : مّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ }تفسير : [يونس: 83] لأن المعطوف عليه قوم نوح والمعطوفات جماعات {وَإِخْوٰنُ لُوطٍ وَأَصْحَٰبُ ٱلأَيْكَةِ} سماهم إخوانه لأن بينهم وبينه نسباً قريباً {وَقَوْمُ تُّبَّعٍ } هو ملك باليمن أسلم ودعا قومه إلى الإسلام فكذبوه وسمي به لكثرة تبعه {كُلٌّ } أي كل واحد منهم {كَذَّبَ ٱلرٌّسُلَ } لأن من كذب رسولاً واحداً فقد كذب جميعهم {فَحَقَّ وَعِيدِ } فوجب وحل وعيدي وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتهديد لهم {أَفَعَيِينَا } عيي بالأمر إذا لم يهتد لوجه عمله والهمزة للإنكار {بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ } أي أنا لم نعجز عن الخلق الأول فكيف نعجز عن الثاني والاعتراف بذلك اعتراف بالإعادة {بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍ } في خلط وشبهة قد لبس عليهم الشيطان وحيرهم وذلك تسويله إليهم أن إحياء الموتى أمر خارج عن العادة فتركوا لذلك الاستدلال الصحيح وهو أن من قدر على الإنشاء كان على الإعادة أقدر {مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ } بعد الموت. وإنما نكر الخلق الجديد ليدل على عظمة شأنه وأن حق من سمع به أن يخاف ويهتم به. {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ } الوسوسة الصوت الخفي ووسوسة النفس ما يخطر ببال الإنسان ويهجس في ضميره من حديث النفس، والباء مثلها في قوله «صوت بكذا» {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ } المراد قرب علمه منه {مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ } هو مثل في فرط القرب، والوريد عرق في باطن العنق، والحبل العرق، والإضافة للبيان كقولهم «بعير سانية» {إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ} يعني الملكين الحافظين { عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ } التلقي التلقن بالحفظ والكتابة والقعيد والمقاعد بمعنى المجالس وتقديره عن اليمين قعيد وعن الشمال من المتلقيين فترك أحدهما لدلالة الثاني عليه كقوله شعر : : رماني بأمر كنت منه ووالدي بريئاً ومن أجل الطوى رماني تفسير : أي رماني بأمر كنت منه بريئاً وكان والدي منه بريئاً. و«إذ» منصوب بأقرب لما فيه من معنى يقرب، والمعنى إنه لطيف يتوصل علمه إلى خطرات النفس ولا شيء أخفى منه وهو أقرب من الإنسان من كل قريب حين يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به إيذاناً بأن استحفاظ الملكين أمر هو غني عنه، وكيف لا يستغني عنه وهو مطلع على أخفى الخفيات؟ وإنما ذلك لحكمة وهو ما في كتبة الملكين وحفظهما وعرض صحائف العمل يوم القيامة من زيادة لطف له في الانتهاء عن السيئات والرغبة في الحسنات. {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ } ما يتكلم به وما يرمي به من فيه {إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ } حافظ {عَتِيدٌ } حاضر. ثم قيل: يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه. وقيل: لا يكتبان إلا ما فيه أجر أو وزر. وقيل: إن الملكين لا يجتنبانه إلا عند الغائط والجماع. لما ذكر إنكارهم البعث واحتج عليهم بقدرته وعلمه أعلمهم أن ما أنكروه هم لاقوه عن قريب عند موتهم وعند قيام الساعة، ونبه على اقتراب ذلك بأن عبر عنه بلفظ الماضي وهو قوله {وَجَآءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ } أي شدته الذاهبة بالعقل ملتبسة {بِٱلْحَقِّ} أي بحقيقة الأمر أو بالحكمة {ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ } الإشارة إلى الموت والخطاب للإنسان في قوله {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ } على طريق الالتفات {تَحِيدُ } تنفر وتهرب {وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ } يعني نفخة البعث {ذَلِكَ يَوْمَ ٱلْوَعِيدِ } أي وقت ذلك يوم الوعيد على حذف المضاف والإشارة إلى مصدر نفخ {وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ } أي ملكان أحدهما يسوقه إلى المحشر والآخر يشهد عليه بعمله، ومحل {مَّعَهَا سَائِقٌ } النصب على الحال من {كُلٌّ } لتعرفه بالإضافة إلى ما هو في حكم المعرفة {لَّقَدْ كُنتَ } أي يقال لها لقد كنت {فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا } النازل بك اليوم {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ } أي فأزلنا غفلتك بما تشاهده {فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ } جعلت الغفلة كأنها غطاء غطي به جسده كله أو غشاوة غطي بها عينيه فهو لا يبصر شيئاً، فإذا كان يوم القيامة تيقظ وزالت عنه الغفلة وغطاؤها فيبصر ما لم يبصره من الحق، ورجع بصره الكليل عن الإبصار لغفلته حديداً لتيقظه.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ق} قال ابن عباس: هو قسم وقيل: هو اسم للسورة وقيل اسم من أسماء الله وقيل اسم من أسماء القرآن وقيل هو مفتاح اسمه القدير والقادر والقاهر والقريب والقابض والقدوس والقيوم. وقيل: معناه قضى الأمر أو قضى ما هو كائن. وقيل: هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء متصلة عروقه بالصخرة التي عليها الأرض والسماء كهيئة القبة وعليه كتفاها وخضرة السماء منه والعالم داخله ولا يعلم ما وراءه إلا الله تعالى ويقال هو من وراء الحجاب الذي تغيب الشمس من ورائه بمسيرة سنة {والقرآن المجيد} أي الشريف الكريم على الله الكثير الخير والبركة واختلفوا في وجواب القسم قيل جوابه محذوف تقديره لتبعثن وقيل جوابه بل عجبوا وقيل ما يلفظ من قول وقيل قد علمنا ومعنى {بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم} إنكار لتعجبهم مما ليس بعجب وهو أن يخوفهم رجل منهم قد عرفوا وساطته فيهم وعدالته وأمانته وصدقه {فقال الكافرون هذا شيء عجيب} أي معجب غريب {أئذا متنا وكنا تراباً} أي حين نموت ونبلى نبعث وترك ذكر البعث لدلالة الكلام عليه {ذلك رجع بعيد} أي يبعد أن نبعث بعد الموت قال الله تعالى: {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} أي ما تأكل الأرض من لحومهم ودمائهم وعظامهم لا يعزب عن علمنا شيء {وعندنا} أي مع علمنا بذلك {كتاب حفيظ} بمعنى محفوظ أي من التبديل والتغيير وقيل حفيظ بمعنى حافظ أي حافظ لعددهم وأسمائهم ولما تنقص الأرض منهم وهو اللوح المحفوظ وقد أثبت فيه ما يكون.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {ميتاً} بالتشديد: يزيد {وعيدي} وما بعده مثل التي في "إبراهيم" {يوم يقول} بالياء: نافع وأبو بكر وحماد {امتلات} بإبدال الهمزة ألفاً: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف {يوعدون} على الغيبة: ابن كثير {وإدبار} بكسر الهمزة: أبو جعفر ونافع وابن كثير وحمزة وخلف وجبلة {المنادي} بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وفي الوصل. الوقوف: {ق} ط كوفي ولو جعل قسماً فلا يوقف للعطف {المجيد} ه ج لأن "بل" قد يجعل جواب القسم تشبيهاً بأن في التحقيق وفي توكيد مابعده، وقد يجعل جوابه محذوفاً أي لتبعثن {تراباً} ج لأن ذلك مبتدأ إلا أن المقوم واحد {بعيد} ه {منهم} ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف {حفيظ} ه {مريح} ه {فروج} ه {بهيج} ه لا لأن {تبصرة} مفعول لأجله {منيب} ه {الحصيد} ه لا لأن النخل معطوف على الجنات والحب {نضيد} ه لا لأن المراد أنبتناها لأجل الرزق {للعباد} ط للعطف {ميتاً} ط {لخروج} ه {وثمود} ه {لوط} ه لا {تبع} ط {وعيد} ه {الأول} ط {جديد} ه {نفسه} ج وجعل ما بعدها حالاً أولى من الاستئناف فيوقف على الوريد و "إذا" يتعلق بمحذوف وهو "أذكر" أبو بقوله {ما يلفظ} فلا يوقف على {قعيد}. {عتيد} ه {بالحق} ط {تحيد} ه {الصور} ط {الوعيد} ه {وشهيد} ه {حديد} ه {عتيد} ه لتقدير القول {عنيد} ه لا {مريب} ه لا بناء على أن ما بعده صفة أخرى ولو جعل مبتدأ لتضمنها معنى الشرط أو نصباً على المدح فالوقف {الشديد} ه {بعيد} ه {بالوعيد} ه {للعبيد} ه {مزيد} ه {بعيد} ه {حفيظ} ه ج لاحتمال أن تكون "من" شرطية جوابها القول المقدر قبل أدخلوها أو موصولة بدلاً من لكل {منيب} ه {بسلام} ط {الخلود} ه ط {مزيد} ه {البلاد} ط للاستفهام. قال السجاوندي: وعندي أن عدم الوقف أولى لأن النقب وهو البحث والتفتيش وأقع على جملة الاستفهام. {محيص} ه {شهيد} ه {لغوب} ه {الغروب} ج لاحتمال تعلق الجار بما قبله وبما بعده {السجود} ه {قريب} ه لا لأن ما بعده بدل {بالحق} ط {الخروج} ه {المصير} ه لا لتعلق الظرف {سراعاً} ط {يسير} ه {وعيد} ه. التفسير: قيل: إن قاف اسم جبل من زبرجد أخضر محيط بالأرض وخضرة السماء منه. وقيل: قادر أو قاهر ونحو ذلك من أسماء الله مما أوله قاف. وقيل: قضي الأمر. وقيل: قف يا محمد على أداء الرسالة. والأقوال المشتركة بين الفواتح مذكورة، وإعراب فاتحة هذه السورة كإعراب أول "ص"، وبينهما مناسبة أخرى من قبل وقوع الإضراب بعد القسم ووجهه ما مر. ومن قبل أن أكثر مباحث تلك السورة في المبدأ والتوحيد. وفي أوّل خلق البشر، وأكثر أبحاث هذه السورة في الحشر والخروج ولهذا سنت قراءتها في صلاة العيد لأنه يوم الاجتماع وخروج الناس إلى الفضاء. والمجيد ذو المجد حقيقة في القرآن لأنه أشرف من سائر الكتب أو مجاز باعتبار قارئه وعالمه والعامل به. ومعنى {منذر منهم} أي من جنسهم أو من بينهم فتوجه العجب إلى الإنذار بالبعث أوّلاً ثم إلى كون المنذر منهم، ولعل الأول أدخل عندهم في استحقاق التعجب منه فلهذا أشاروا إليه بقولهم {هذا} الرجع أو البعث {شيء عجيب} أبهم الضمير أوّلاً في {عجبوا} ثم فسره ثانياً في قوله {فقال الكافرون} أو اقتصر على الضمير أوّلاً للتعليم بهم ثم وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالكفر. ثم زادوا في التعجب والتعجيب بقولهم {أئذا متنا} والتقدير انبعث وقت الموت والصيرورة تراباً {ذلك} الرجع أي البعث {رجع بعيد} أي يستبعد في العقول. وقيل: إنه من كلام الله عز وجل. والرجع بمعنى الجواب أي جواب هؤلاء الكفار في دعوى المنذر جواب بعيد عن حيز العقل لدلالة البراهين الساطعة على وجود الحشر والنشر منها شمول علم الله تعالى بأجزاء الميت على التفصيل، وإلى هذا أشير بقوله {قد علمنا ما تنقص الأرض} من أجساد الموتى وتأكل من لحومهم وعظامهم. عن النبي صلى الله عليه وسلم " حديث : كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب"تفسير : وعن السدي: ما تنقص الأرض منهم بالموت ويدفن في الأرض منهم {وعندنا كتاب} هو اللوح المحفوظ من التغيير ومن الشياطين. ثم أتبع الإضراب الأول إضراباً آخر فقال {بل كذبوا} والمقصود أن تكذيبهم {بالحق} الذي هو محمد أو القرآن أو الأخبار بالبعث في أوّل وهلة من غير تدبر أفظع من تعجبهم. والمريج أمر دينهم المضطرب المخلوط بالشبهات والشكوك ولهذا نسبوا القرآن تارة إلى السحر وأخرى إلى الشعر أو الكهانة وقالوا في حق محمد صلى الله عليه وسلم مثل ذلك. ثم استدل على حقية المبدأ والمعاد بوجوه أخر: منها بناء السماء ورفعها بلا عمد ولا فروج أي شقوق وفتوق ولكنها صحيحة الاستدارة من جميع الجوانب. وليس في الآية دلالة على امتناع الخرق على السماء لأن الإخبار عن عدم الوقوع لا ينافي إمكانه. نعم إنه مناف لوجود نحو الأبواب فيها ظاهراً اللهم إلا أن تدعي المغايرة بين الفروج والأبواب. وفي قوله {فوقهم} مزيد توبيخ لهم ونداء عليهم بغاية الغباوة. ومنه مدّ الأرض أي دحوها. ومنها خلق الجبال الرواسخ. ومنها خلق أصناف النبات مما يبتهج به ويروق الناظر لخضرته ونضرته كل ذلك ليتبصر به ويتذكر من يرجع إلى ربه ويفكر في بدائع المخلوقات ويرتقي إلى الصانع من المصنوعات. ومنها إنزال ماء المطر الكثير المنافع المنبت للجنات والحبات. والحصيد صفة موصوفة محذوفة أي وحب الزرع الذي من شأنه أن يحصد كالحنطة وغيرها من الأقوات ونحوها. والباسقات التي طالت في السماء، والطلع أوّل ما يبدو من ثمر النخيل، والنضيد الذي نضد بعضه فوق بعض، والمراد كثرة الطلع وتراكمه المستتبع لكثرة الثمر. ثم شبه بإحياء الأرض خروج الموتى كما قال في الروم {أية : وكذلك تخرجون}تفسير : [الآية: 19] ثم هدّدهم بأحوال الأمم السالفة وقد مر قصصهم مراراً. وأما حديث أصحاب الرس فلم يذكر إلا في "الفرقان" وحديث تبع في "الدخان". وأراد بفرعون قومه لأن المعطوف عليه أقوام {فحق وعيد} مثل {أية : فحق عقاب} تفسير : [ص: 14] وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. ثم دل على الحشر بضرب آخر من البيان وهو أن الذي لم يعي أي لم يعجز عن الخلق الأول بالنسبة إلى أيّ مخلوق فرض كيف يعجز عن الإعادة؟ واللبس الخلط والشبهة، وتنكير اللبس والخلق الجديد للتعظيم أي لبس عظيم، وخلق له شأن وحق عليه أن يهتم به ولا يغفل عنه. ثم شرع في تقرير خلق الإنسان الدال على شمول علم الله سبحانه وعظيم قدرته على بدئه وإعادته. والوسوسة الصوت الخفي. والباء في {به} للتعدية و "ما" مصدرية أي نعلم جعل نفسه إياه موسوساً. والقرب مجاز عن العلم التام كقولهم "هو منى مقعد القابلة ومعقد الإزار" وما في الآية دل على الإفراط في القرب لأن الوريد جزء من بدن الإنسان يريد أن علمه ينفذ في بواطن الأشياء نفود الدم في العروق. والوريد العرق الحامل للدم سوى الشرايين، سمي وريداً لأن الروح أو الدم يرده. والوريدان عرقان يكتنفان لصفحتي العنق في مقدمها يتشعبان من الرأس يتصلان بالوتين. والحبل العرق أيضاً شبه بواحد الحبال والإضافة للبيان كإضافة العام إلى الخاص. قال جار الله: "إذ" منصوب بـ {أقرب} والمراد أنه أقرب نم الإنسان من كل قريب حين يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به. وفيه أن كتابة الملكين لا حاجة إليها لعلام الغيوب وإنما هي لأغراض أخر كإلزام العبد واستحيائه منهما. عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إن مقعد ملكيك على - ثنييك أي عطفيك - ولسانك قلمهما وريقك مدادهما وأنت تجري فيما لا يعنيك لا تستحي من الله ولا منهما" تفسير : ويجوز أن يكون تلقى الملكين بياناً للقرب فكأنه قيل: لا يخفى عليه شيء لأنه حفظته موكلون به. والتلقي التلقن بالحفظ والكتبة، والقعيد المقاعد كالجليس بمعنى المجالس، والتقدير عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد فاختصر المفاعلة. وإما بالنسبة إلى الملك الآخر وإما بالإضافة إلى الإنسان، والعتيد الحاضر. قال أكثر المفسرين: إنهما يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه. وقيل: لا يكتبان إلا الحسنات والسيئات. وقيل: إن الملائكة يجتنبون الإنسان عند غائطه وعند جماعه. وحين حكى إنكارهم البعث واحتج عليهم بالدلائل الباهرة أخبر عن قرب القيامتين الصغرة والكبرى بأن عبر عنهما بلفظ الماضي وهو قوله {وجاءت سكرة الموت} ونفخ في الصور وسكرات الموت حالاته الذاهبه بالعقل. والباء في {بالحق} للتعدية أي أحضرت السكرة حقيقة الأمر وجلبة الحال من تحقق وقوع الموت أو من سعادة الميت أو ضدّها كما نطق بها الكتاب والسنة، أو المراد وجاءت ملتبسة بالغرض الصحيح الذي هو ترتب الجزاء على الأعمال {ذلك} المجيء {ما كنت منه تحيد} أي تميل وتهرب أيها الإنسان. ولا ريب أن هذا الهرب للفاجر يكون بالحقيقة وللبر يكون بسبب نفرة الطبع إلا أنه إذا فكر في أمر نفسه وما خلق هو لأجله علم أن الموت راحة وخلاص عن عالم الآفات والبليات. قوله {ذلك يوم الوعيد} إشارة إلى النفخ والمضاف محذوف أي وقت النفخ الثاني آن زمان الوعيد. والسائق والشاهد ملكان، أحدهما يسوقه إلى المحشر أو إلى الجنة أو النار كما قال {وسيق} والآخر يشهد عله بأعماله ويجوز أن يكون ملكاً واحداً جامعاً بين الأمرين. ويجوز أن يكون الرقيب المذكور والجملة حال من كل لأنه لعمومه كالمعرفة. ثم يقال للإنسان. {لقد كنت} في الدنيا {في غفلة من هذا} الأمر {فكشفنا عنك} بقطع العلائق الحسية ومفارقة النفس الناطقة {غطاءك} وهو الاشتغال بعالم المحسوسات {فبصرك اليوم حديد} غير كليل متيقظ غير نائم. وقال ابن زيد: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم كقوله {أية : ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان}تفسير : [الشورى: 52] أي كنت قبل الوحي في غفلة من هذا العلم. ثم بين أن الشيطان الذي هو قرين كل فاجر لقوله {أية : ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطان} تفسير : [الزخرف: 36] يقول لأهل المحشر أو لسائر القرناء قد أعتدت قريني لجهنم وهيأته لها. إن جعلت "ما" موصوفة فـ{عتيد} صفة لها وإن جعلتها موصولة فـ {عتيد} بدل أو خبر ثان أو خبر مبتدأ محذوف. ويحتمل أن يقول الشيطان لقرينه هذا البلاء النازل بك مما أعددته لك {ألقيا} خطاب من الله للملكين السائق والشهيد أو للواحد على عادة قول العرب "خليلي" و "قفا". وذلك أن أكثر الرفقاء يكون ثلاثة. وقال المبرد: التثنية للتأكيد كأنه قيل: ألق ألق. نزلت تثنية الفاعل منزلة تثنية الفعل لاتحادهما. وجوز أن يكون الألف بدلاً من نون التأكيد الخفيفة إجراء للوصل مجرى الوقف يؤيده قراءة الحسن {ألقين}. {عنيد} ذي عناد أو معاند {مناع للخير} كثير المنع للمال عن حقوقه أو مناع لجنس الخير أن يصل إلى أهله. وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة كان يمنع بني أخيه من الإسلام وكان يقول: من دخل منكم في الإسلام لم أنفعه بخير ما عشت. {معتد} ظالم {مريب} مشكك أو شاك في دين الله. قوله {قال قرينه} جاء على طريقة الاستئناف بخلاف ما تقدّم فإنه جاء على طريق العطف كأن قرينه - وهو الفاجر - قال: يا رب إنه أطغاني فأجاب القرين وهو الشيطان {ربنا ما أطغيته} ما أوقعته في الطغيان {ولكن كان} في الأزل {في ضلال بعيد} وقالت المعتزلة: ولكنه اختار الضلالة على الهدى. ثم ذكر كلاماً آخر مستأنفاً كأن سائلاً سأل فماذا قال الله؟ فقيل: {قال لا تختصموا} وهذا هو الذي دل على أن ثمة مقاولة من الكافر لكنها طويت لدلالة الاختصام عليها والمعنى لا تختصموا في موقف الحساب {و} الحال أني {قد قدمت إليكم} وفيه أن اختصامهم كان يجب أن يكون قبل ذلك في الدنيا كما قال {أية : إن الشيطان لكم عدوّ فاتخذوه عدوّاً} تفسير : [فاطر: 6] والباء في {بالوعيد} إما مزيدة أو للتعدية على أن قدّم بمعنى تقدّم أو هو حال والمفعول جملة. قوله {ما يبدّل} إلى آخره. أي قدّمت إليكم هذا الكلام مقروناً بالوعيد. قال في الكشاف: فإن قلت: إن قوله {وقد قدّمت} حال من ضمير {لا تختصموا} فاجتماعهما في زمان واحد واجب وليس كذلك لأن التقديم في الدنيا والاختصام في الآخرة. قلت: معناه لا تختصموا وقد صح عندكم أني قدّمت إليكم بالوعيد وصحة ذلك عندهم في الآخرة. وأقول: لا حاجة إلى هذا التكلف والسؤال ساقط بدونه لأن مضيّ الماضي ثابت في أيّ حال فرض بعده. وقوله {لدي} إما أن يتعلق بالقول أي ما يبدّل القول الذي هو لديّ يعني ألقيا في جهنم، أو لأملأن جهنم، أو الحكم الأزلي بالسعادة والشقاوة. وإما أن يتعلق بقوله {ما يبدّل} أي لا يقع التبديل عندي. والمعاني كما مرت. ويجوز أن يراد لا يكذب لديّ ولا يفتري بين يديّ فإني عالم بمن طغى وبمن أطغى. ويحتمل أن يراد لا تبديل للكفر بالإيمان فإن إيمان اليأس غير مقبول. فقولكم "ربنا وإلهنا" لا يفيدكم {يوم نقول} منصوب بـ {ظلام} أو بـ "أذكر" قال أهل المعاني: سؤال جهنم وجوابها من باب التخييل الذي يقصد به تقرير المعنى في النفس. وقوله {هل من مزيد} أي من زيادة، أو هو اسم مفعول كالمبيع لبيان استكثار الداخلين كما أن من يضرب غيره ضرباً مبرحاً أو شتمه شتماً فاحشاً يقول له المضروب: هل بقي شيء آخر يدل عليه قوله سبحانه {لأملأن جهنم} فلا بدّ أن يحصل الامتلاء فكيف يبقى في جهنم موضع خال حتى تطلب المزيد؟ ويحتمل أنها تطلب الزيادة بعد امتلائها غيظاً على العصاة وتضيقاً للمكان عليهم، أو لعل هذا الكلام يقع قبل إدخال الكل. وفيه لطيفة وهي أن جهنم تغيظ على الكفار فتطلبهم، ثم يبقى فيها موضع لعصاة المسلمين فتطلب الامتلاء من الكفار كيلا ينقص إيمان العاصي حرها، فإذا أدخل العصاة النار سكن غيظها وسكن غضبها وعند هذا يصح ما ورد في الأخبار، وإن جهنم تطلب الزيادة حتى يضع الجبار فيها قدمه والمؤمن جبار يتكبر على ما سوى الله تعالى ذليل متواضع لله. وروي أنه لا يلقى فيها فوج إلا ذهب ولا يملؤها شيء فتقول: قد أقسمت لتملأني فيضع تعالى فيها قدمه أي ما قدّمه في قوله "حديث : سبقت رحمتي غضبي" تفسير : أي يضع رحمته فتقول: قط قط ويزوي بعضها إلى بعض ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشىء الله خلقاً فيسكنون فضول الجنة. قلت: لا ريب أن جهنم الحرص والشهوة والغضب لا تقر ولا تسكن ولا تنتهي إلى حدّ معلوم، بل تقول دائماً بلسان الحال هل من مزيد إلا أن يفيض الله سبحانه عليها من سجال هدايته ورحمته فيتنبه صاحبها وينتهي عن طلب الفضول ويقف في حدّ معين ويقنع بما تيسر، وكذا الترقي في مدارج الكمالات ليس ينتهي إلى حدّ معلوم إلا إذا استغرق في بحر العرفان وكان هنالك ما كان كما قال {وأزلفت الجنة للمتقين} أي قربت للمتقين يحتمل أن تكون الواو للاستئناف وأن تكون للعطف على {نقول} والمضي لتحقيق الوقوع المستدعي لمزيد البشارة ولم يكن المنذرون مذكورين في الآية المتقدّمة فلم يحتج إلى تحقيق الإنذار. وقوله {غير بعيد} نصب على الظرف أي مكاناً غير بعيد عنهم، أو على الحال. ووجه تذكيره مع تأنيث ذي الحال كما تقرر في قوله {أية : إن رحمة الله قريب} تفسير : [الأعراف: 56] أنه على زنة المصدر كالزفير والصهيل، أو هو على حذف الموصوف أي شيئاً غير بعيد. قال جار الله: معناه التوكيد كما تقول هو قريب غير بعيد وعزيز غير ذليل، وذلك أنه يجوز أن يتناول العزيز ذلّ ما من بعض الوجوه إلا أن الغالب عليه العز فإذا قيل عزيز غير ذليل أزيل ذلك الوهم، وهكذا في كل تأكيد. فمعنى الآية أن الجنة قريب منهم بكل الوجوه وجميع المقايسات. وقال آخرون: إنه صفة مصدر محذوف أي إزلافاً غير بعيد عن قدرتنا، وذلك إن المكان لا يقرب وإنما يقرب منه فذكر الله سبحانه إن إزلاف المكان ليس ببعيد عن قدرتنا بطيّ المسافة وغير ذلك. ويحتمل أن يقال: الإزلاف بمعنى قرب الحصول كمن يطلب من الملك أمراً خطيراً فيقول الملك بعيد عن ذلك أو قريب منه، ولا ريب أن الجنة بعيدة الحصول للمكلف لولا فضل الله ورحمته ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من عبد يدخل الجنة إلا بفضل الله. فقيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته"تفسير : وقوله {غير بعيد} يراد به القرب المكاني كأنه تعالى ينقل الجنة من السماء إلى الأرض فيحصل فيها المؤمن. ومما سنح لهذا الضعيف وقت كتبه تفسير هذه الآية أن الشيء ربما يقرب من شخص ولكن لا يوهب منه، وقد يملكه ولكن لا يكون قريباً منه فذكر الله سبحانه في الآية إن الجنة تقرب لأجل المتقين غير بعيد الحصول لهم بل كما قربت دخلوها وحصلوا فيها لا كما قيل: شعر : على أن قرب الدار ليس بنافع إذا كان من تهواه ليس بذي ود تفسير : وفي المثل البعيد القريب خير من القريب البعيد وذلك لأنهم حصلوا استعداد دخول الجنة وهو التقوى بخلاف الفاجر فإنه لا ينفعه القرب من الجنة لأن ملكاته الذميمة تحول بينه وبينها. ولك أن تشبه حالهما بحال الكبريت الجيد والحطب الرطب إذا قربا من الجمر، وذلك أن تعتبر هذه الحالة في الدنيا فإن أهل الصلاح وأرباب النفوس المطمئنة يقبلون بل يستقبلون كل خير يعرض عليهم، وأهل الشقاوة وأصحاب النفوس الأمارة يكون حالهم بالعكس يفرون من الخيرات والكمالات ويألفون الشرور واللذات الزائلات. ووجه آخر وهو أن الجنة قربت لهم حال كون كل واحد منهم غير بعيد عن لقاء الله ورضاه، وفيه أن المتقين هم أهل الله وخاصته ليسوا بمن شغلوا بالجنة عن الاستغراق في لجة العرفان بل لهم مع النعيم المقيم لقاء الرب الكريم.قوله عز من قائل {هذا ما توعدون} قال جار الله: إنه جملة معترضة. وقوله {لكل أوّاب حفيظ} بدل من قوله {للمتقين} قلت: ولو جعل خبراً ثانياً لهذا لم يبعد. والمشار إليه الثواب أو الإزلاف. والأوّاب الرجاع إلى الله بالإعراض عما سواه، والحفيظ الحافظ لحدود الله أو لأوقات عمره أو لما يجده من المقامات والأحوال فلا ينكص على عقبيه فيصير حينئذ مريداً لطريقه. قوله {من خشي} قد مر وجوه إعرابه في الوقوف. وجوز أن يكون منادي كقولهم "من لا يزال محسناً أحسن إليّ" وحذف حرف النداء للتقريب والترحيب، وقرن بالخشية اسمه الدال على وفور الرحمة للثناء على الخاشي من جهة الخشية أوّلاً ومن جهة خشيته مع علمه بسعة جوده ورحمته ومن جهة الخشية مع الغيب وقد مر مراراً، وقد يقال: إنها الخشية في الخلوة حيث لا يراه أحد. قال أهل الاشتقاق: إن تركيب خ ش ى يلزمها الهيبة ومنه للسيد ولكبير السن وتركيب الخوف يدل على الضعف ومنه الخفاء، وكل موضع ذكر فيه الخشية أريد بها معنى عظمة المخشي عنه، وكل موضع ذكر فيه الخوف فإنه أريد ضعف الخائف كقوله {أية : يخافون ربهم من فوقهم}تفسير : [النحل: 50] أو ضعف المخوف منه كقوله {أية : لا تخف ولا تحزن}تفسير : [العنكبوت: 33] يريد أنه لا عظمة لهم وقال {أية : إنا نخاف من ربنا يوماً}تفسير : [الإنسان: 10] لأن عظمة اليوم بالنسبة إلى عظمة الله هينة. ووصف القلب بالمنيب باعتبار صاحبه أو لأن الإنابة المعتبرة هي الرجوع إلى الله بالقلب لا اللسان والجوارح {ادخلوها بسلام} أي سالمين من الآفات أو مع سلام من الله وملائكته {ذلك} إشارة إلى قوله {يوم نقول} أي ذلك اليوم {يوم} تقدير {الخلود} في النار أو في الجنة ويجوز أن يكون إشارة إلى وقت القول أي حين يقال لهم ادخلوها هو وقت تقدير الخلود في الجنة يؤيده قوله بعده {لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد} مما لم يخطر بالقلوب. ويجوز أن يراد به الذي ذكر في قوله {أية : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}تفسير : [يونس: 26] ويروى أن السحاب تمر بأهل الجنة فتمطر عليهم الحور فتقول الحور: نحن المزيد الذي قال الله تعالى {ولدينا مزيد}. ثم عاد إلى التهديد بوجه أجمل وأشمل قائلاً {وكم أهلكنا} الآية. ومعنى الفاء في قوله {فنقبوا} للتسبيب عما قبله من الموت كقوله "هو أقوى من زيد فغلبه" أي شدّة بطشم أقدرتهم على التنقيب وأورثتهم ذلك وساروا في أقطار الأرض وسألوا {هل من محيص} أي مهرب من عذاب الله فعلموا أن لا مفر {إن في ذلك} الذي ذكر من أوّل السورة إلى ههنا أو من حديث النار والجنة أو من إهلاك الأمم الخالية {لذكرى لمن كان له قلب} واع فإن الغافل في حكم عديم القلب وإلقاء السمع الإصغاء إلى الكلام وفي قوله {وهو شهيد} إشارة إلى أن مجرد الإصغاء لا يفيد ما لم يكن المصغي حاضراً بفطنته وذهنه. وفي الآية ترتيب حسن لأنه إن كان ذا قلب ذكيّ يستخرج المعاني بتدبره وفكره فذاك وإلا فلا بد أن يكون مستمعاً مصغياً إلى كلام المنذر ليحصل له التذكير. قال المفسرون: زعمت اليهود إن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام، أوّلها الأحد وآخرها الجمعة واستراح يوم السبت واستلقى على العرش فردّ الله عيلهم بقوله {ولقد خلقنا} إلى قوله {وما مسنا من لغوب} أي إعياء. ثم سلى رسوله فأمره بالصبر على أذى الكفار. وفيه لطيفة وهي أن الله تعالى مع كمال قدرته واستغنائه صبر على أذى الجهلة الذين نسبوه إلى اللغوب والاحتياج إلى الاستراحة، فكيف لا يصبر رسوله على إيذاء أمته؟ بل كيف لا يصبر أحدنا على أذى أمثالنا وخاصة إن كانوا مسلطين علينا؟ اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا ولا تسلط علينا من لا يرحمنا وادفع عنا بقدرتك شر كل ذي شر واغوثاه واغوثاه واغوثاه. وقد سبق نظير الآية في آخر "طه" ودلالتها على الصلوات الخمس ظاهرة {وأدبار السجود} أعقاب الصلوات فإن السجود والركوع يعبر بهما عن الصلاة، والأظهر أنه الأدعية والأذكار المشتملة على تنزيه الله تعالى وتقديسه. قيل: النوافل بعد المكتوبات. وعن ابن عباس: هو الوتر بعد العشاء. ومن قرأ بكسر الهمزة أراد انقضاء الصلاة وإتمامها وهو مصدر وقع موقع الظرف أي وقت انقضاء السجود كقولك "آتيك خفوق النجم". قال أهل النظم: إن النبي صلى الله عليه وسلم له شغلان: أحدهما عبادة الله، والثاني هداية الخلق. فإذا هداهم ولم يهتدوا قيل له: اصبر واقبل على شغلك الآخر وهو العبادة. ثم بين غاية التسبيح بقوله {واستمع} يعني اشتغل بتنزيه الله وانتظر المنادي كقوله {أية : واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}تفسير : [الحجر: 99] ومفعول {استمع} متروك أي كن مستمعاً لما أخبرك به من أهوال القيامة ولا تكن مثل هؤلاء المعرضين. قال جار الله: وفي ترك المفعول وتقديم الأمر بالاستماع تعظيم لشأن المخبر به والمحدّث عنه كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال سبعة أيام لمعاذ بن جبل: يا معاذ اسمع ما أقول لك ثم حدثه بعد ذلك.وانتصب {يوم ينادي} بما دل عليه ذلك يوم الخروج أي يوم ينادي المنادي يخرجون من القبور. والمنادي قيل الله كقوله {أية : ويوم يناديهم فيقول أين شركائي}تفسير : [القصص: 32] {أية : أحشروا الذين ظلموا وأزواجهم}تفسير : [الصافات: 22] والأظهر أنه إسرافيل صاحب الصيحة ينفخ في الصور فينادي أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. وقيل: إسرافيل ينفخ وجبرائيل ينادي بالحشر. والمكان القريب صخرة بيت المقدس. يقال إنها أقرب إلى السماء باثني عشر ميلاً. وقيل: من تحت أقدامهم. وقيل: من منابت شعورهم يسمع من كل شعرة أيتها العظام البالية وهذا يؤيد القول بأن المنادي هو الله لقوله {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} والصيحة النفخة الثانية كما قال {أية : إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع}تفسير : [يس: 53] وقوله {بالحق} متعلق بالصيحة والمراد به البعث للجزاء أي بسبب الحق الذي هو البعث. ويجوز أن يتعلق بالسماع أي يسمعونها باليقين. وقيل: الباء للقسم أي بالله الحق. قوله {سراعاً} حال من المجرور أي ينكشف عنهم مسرعين {ذلك} الشق أو الحشر {حشر علينا يسير} لا على غيرنا وهو ردّ على قولهم {ذلك رجع بعيد}. {نحن أعلم بما يقولون} أي من المطاعن والإنكار وفيه تهديد لهم وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم {وما أنت عليهم بجبار} أي بمسلط حتى تقسرهم على الإيمان وإنما أنت داع. ولعل في تقديم الظرف إشارة إلى أنه كالمسلط على المؤمنين ولهذا وقع إيمانهم وهذا مما يقوّي طرف المجبرة. وقيل: أراد إنك رؤوف رحيم بهم لست فظاً غليظاً. والأول أولى بدليل قوله {فذكر} إلى آخر أي اترك هؤلاء وأقبل على دعوة من ينتفع بتذكيرك والله أعلم.
الثعالبي
تفسير : قوله عز وجل: {قۤ وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْمَجِيدِ} قال مجاهد، والضَّحَّاك، وابن زيد، وعِكْرَمَةُ: قۤ اسم الجبل المحيط بالدنيا، وهو فيما يزعمون أَنَّهُ من زمردة خضراء، منها خُضْرَةُ السماء وخضرة البحر، وقيل في تفسيره غير هذا، و{ٱلْمَجِيدِ}: الكريم في أوصافه الذي جمع كُلَّ مَعْلاَةٍ، و{قۤ} مُقْسَمٌ به وبالقرآن؛ قال الزَّجَّاجُ: وجواب القسم محذوف تقديره: قۤ والقرآن المجيد لتبعثن، قال * ع *: وهذا قول حسن، وأحسن منه أَنْ يكون الجواب هو الذي يقع عنه الإضراب ببل، كأَنَّه قال: والقرآنِ المجيد ما رَدُّوا أمرك بحجة، ونحو هذا، مِمَّا لا بُدَّ لك من تقديره بعد الذي قَدَّره الزَّجَّاجُ، وباقي الآية بَيِّنٌ مِمَّا تقدم في «صۤ» و«يونس» وغيرهما، ثم أخبر تعالى؛ رَدًّا على قولهم بأَنَّهُ سبحانه يعلم ما تأكل الأرضُ من ابن آدم، وما تُبْقِي منه، وأَنَّ ذلك في كتاب، والحفيظ: الجامع الذي لم يَفُتْهُ شيء؛ وفي الحديث الصحيح: «حديث : إنَّ الأَرْضَ تَأَكُلُ ابْنَ آدَمَ إلاَّ عَجْبَ الذَّنَبِ»تفسير : وهو عَظْمٌ كالخَرْدَلَةِ، فمِنْهُ يُرَكَّبُ ابن آدم، قال * ع *: وحِفْظُ ما تنقص الأرض إنَّما هو ليعودَ بعينه يومَ القيامة، وهذا هو الحَقُّ؛ قال ابن عباس والجمهور: المعنى: ما تنقص من لحومهم وأبشارهم وعظامهم، وقال السُّدِّيُّ: {مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ} أي: ما يحصل في بطنها من موتاهم، وهذا قول حسن مضمنه الوعيد، والمريج: معناه المخلط؛ قاله ابن زيد، أي: بعضُهم يقول: ساحر، وبعضهم يقول: كاهن، وبعضهم يقول: شاعر، إلى غير ذلك من تخليطهم، قال * ع *: والمريج: المضطرب أيضاً، وهو قريب من الأَول؛ ومنه مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ، ومن الأَوَّلِ {أية : مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ} تفسير : [الفرقان:53]. ثم دَلَّ تعالى على العبرة بقوله: {أَفَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى ٱلسَّمَاءِ...} الآية، {وَزَيَّنَّـٰهَا} أي: بالنجوم، والفروج: الفطور والشقوقُ خلالها وأثناءها؛ قاله مجاهد وغيره. * ت *: وقال الثعلبي بأثر كلام للكسائي: يقول: كيف بنيناها بلا عَمَدٍ، وَزَيَّنَّاها بالنجوم، وما فيها فتوق؟ {وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَـٰهَا} أي: بسطناها على وجه الماء، انتهى، والرواسي: الجبال، والزوج: النوع، والبهيج: الحَسَنُ المنظر؛ قاله ابن عباس وغيره، والمنيب: الراجع إلى الحَقِّ عن فكرة ونظر؛ قال قتادة: هو المُقْبِلُ إلى اللَّه تعالى، وخَصَّ هذا الصنف بالذكر؛ تشريفاً لهم من حيثُ انتفاعُهُم بالتبصرة والذكرى، {وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ}: البُرُّ، والشعير، ونحوُهُ مِمَّا هو نبات مُحَبَّبٌ يُحْصَدُ؛ قال أبو حيان: {وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ} من إضافة الموصوف إلى صفته على قول الكوفيين، أو على حذف الموصوف وإقامة الصفة مُقَامه، أي: حب الزرع الحصيد على قول البصريين، و{بَـٰسِقَـٰتٍ} حال مُقَدَّرَةٌ؛ لأَنَّهَا حالةَ الإنبات ليست طوالاً، انتهى، و{بَـٰسِقَـٰتٍ}: معناه طويلات ذاهبات في السماء، والطَّلْعُ أول ظهور التمر في الكُفَّرَى، قال البخاريُّ: و{نَّضِيدٌ} معناه: مَنْضُودٌ بعضُه على بعض، انتهى، ووصف البلدة بالميت على تقدير القطر والبلد. ثم بَيَّنَ سبحانه موضع الشَّبَهِ فقال: {كَذٰلِكَ ٱلْخُرُوجُ} يعني: من القبور، وهذه الآيات كلها إنَّما هي أَمْثِلَة وأَدِلَّة على البعث، {وَأَصْحَـٰبُ ٱلرَّسِّ}: قوم كانت لهم بئر عظيمة، وهي الرَّسُّ، وكُلُّ ما لم يُطْوَ من بئر، أو مَعْدِنٍ، أو نحوه فهو رَسٌّ، وجاءهم نبيٌّ يُسَمَّى حَنْظَلَةَ بن سفيان ـــ فيما رُوِيَ ـــ فجعلوه في الرَّسِّ وردموا عليه، فأهلكهم اللَّهُ، وقال الضَّحَّاك: الرَّسُّ بئر قُتِلَ فيها صاحب «يسۤ»، وقيل: إنَّهم قوم عاد، واللَّه أعلم. وقوله: {كُلٌّ} قال سيبويه: التقدير: كُلُّهم، والوعيد الذي حَقَّ: هو ما سبق به القضاءُ من تعذيبهم.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {قۤ} قال ابن عباس - (رضي الله عنهما) - هو قَسَمٌ. وقيل: اسم السورة. وقيل اسم من أسماء القرآن. وقال القرطبي: هو مفتاح اسمه قدير، وقادر، وقاهر وقريب وقابض. وقال عكرمة والضحاك: هو جبل محيط بالأرض من زُمُرَّدَةٍ خَضْراءَ ومنه: خُضْرَةُ السماء. والسماء مَقْبِيَّةٌ عليه، وعليه كتفاها ويقال: هو وراء الحجاب الذي تغيب الشمس من ورائه بمسيرة سنةٍ. وقيل: معناه قضِي الأمر وقضي ما هو كائن، كما قالوا في حم (حم الأمر)، وفي ص: صدق الله، وقيل هو اسم فاعل من قَفَا يَقْفُوهُ. فصل قال ابن الخطيب، لما حكى القول بأن "ق" اسم جبل محيط بالأرض عليه أطواق السماء قال: وهذا ضعيف لوجوه: أحدها: أن أكثر القراء يقف عليها، ولو كان اسم جبل لما جاز الوقف في الإدراج لأنَّ من قال ذلك قال بأن الله تعالى أقسم به. وثانيها: لو كان كذلك لذكر بحرف القسم كقوله تعالى: {أية : وَٱلطُّورِ} تفسير : [الطور: 1]، ونحوه؛ لأن حرف القسم يحذف حيث يكون المقسم به مستحقاً لأنْ يُقْسَمَ بِهِ، كقولنا: "اللَّه لأَفْعَلَنَّ كَذَا" فاستحقاقه له يغني عن الدلالة عليه باللفظ ولا يحسن أن يقال: زَيْد لأَفْعَلَنَّ كَذَا. ثالثها: أنه لو كان كما ذكر لكان يكتب قاف مع الألف والفاء كما يكتب: {أية : عَيْنٌ جَارِيَةٌ} تفسير : [الغاشية: 12]، ويكتب {أية : أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} تفسير : [الزمر: 36] وفي جميع المصاحف يكتب حرف "ق". رابعها: أن الظاهر كون الأمر فيه كالأمر في "ص" و "ن" و "حم" وهي حروف لا كلمات فكذلك في "ق". فإن قيل: هو منقول عن ابن عباس - (رضي الله عنهما) -. نقول: المنقول عنه: أن قاف اسم جبل، وأما أن المراد ههنا ذلك فَلاَ. فصل قال ابن الخطيب: هذه السورة وسورة ص يشتركان في افتتاح أولهما بالحرف المعجم والقسم بالقرآن بعده وقوله بعد القسم: بل والتعجب. ويشتركان أيضاً في أن أول السورتين وآخرهما متناسبات لأنّه تعالى قال في أول السورة: {أية : صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ} تفسير : [ص: 1] وفي آخرها: {أية : إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [ص: 87] وقال في أولِ ق: "وَالقُرْآنِ المَجِيدِ"، وقال في آخرها: {أية : فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} تفسير : [ق: 45]، فافتتح بما اختتم به. وأيضاً في أول ص صرف العناية إلى تقرير الأصل الأول وهو التوحيد لقوله تعالى: {أية : أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً} تفسير : [ص: 5] وفي هذه السورة صرف العناية إلى تقرير الأصل الآخر وهو الحشر فقال تعالى: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ}، فلما كان افتتاح سورة "ص" في تقرير المبدأ قال في آخرها: {أية : إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ} تفسير : [ص: 71]. وختمه بحكاية بَدْء آدمَ، لأنَّه دليل الوحدانية، ولما كان افتتاح "ق" لبيان الحشر قال في آخرها: {أية : ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} تفسير : [ق: 44]. فصل قال ابن الخطيب: قد ذكرنا أن الحروف تنبيهات قدمت على القرآن ليكون السامع بسببها يقبل على استماع ما يرد على الأسماع، فلا يفوته شيء من الكلام الرائق والمعنى الفائق، وذكر أيضاً أن العبادة منها قلبية ومنها لسانية، ومنها خارجية ظاهرة ووجد في الخارجية ما عقل معناه ووجد فيها ما لم يعْقَلْ معناه كأعمال الحج من الرمي والسعي وغيرهما، ووجد في القلبية ما عقل بالدليل وعلم كالتوحيد وإمكان الحشر، وصفات الله تعالى، وصدق الرسل، ووجد فيها مَا لَمْ يُعْقَلْ ولا يمكن التصديق به لولا السمعُ كالصِّراط الممدود الأَحَدّ حَدًّا من السيف، الأرقّ من الشعر، والميزان الذي توزن به الأعمال، فكذلك ينبغي أن يكون الأذْكار التي هي العبادة اللسانية فيها ما يعْقَلُ معناه، كجميع القرآن إلاّ قليلاً منه، وفيها ما لا يعقل ولا يفهم كحروف التهجي ليكون التلفظ به لمحض الانقياد والأمر، لا لما يكون في الكلام من طيب الحكاية والقصد إلى غرض كقولنا: "رَبَّنا اغفرْ لنا وارحمنا" بل يكون النطق به تعبداً محضاً. ويؤيد هذا وجه آخر، وهو أن هذه الحروف مقسم بها لأن الله تعالى لما أقسم بالتِّين والزَّيْتُون تشريفاً لهما، فإذا أقسم بالحروف التي هي أصل الكلام الشريف الذي هو دليل المعرفة وآلة التعريف كان أولى. وإذا عرف هذا نقول: القسم من الله تعالى وقع بأمر واحد كما في قوله تعالى: {أية : وَٱلْعَصْرِ} تفسير : [العصر: 1] وقوله: {أية : وَٱلنَّجْمِ} تفسير : [النجم: 1] وبحرف واحد كما في {أية : صۤ} تفسير : [ص: 1] و{قۤ} [ق: 1] ووقع بأمرين كما في قوله تعالى: {أية : وَٱلضُّحَىٰ وَٱللَّيْلِ} تفسير : [الضحى: 1 و 2] وفي قوله: {أية : وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ} تفسير : [الطارق: 1] وبحرفين كما في قوله: {أية : طه} تفسير : [طه: 1] و{أية : طسۤ} تفسير : [النمل: 1] و{أية : حـمۤ} تفسير : [غافر: 1]، ووقع بثلاثة أمور كما في قوله تعالى: {أية : وَٱلصَّافَّاتِ صَفًّا فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً فَٱلتَّالِيَاتِ ذِكْراً} تفسير : [الصافات: 1 - 3]. وقوله: {أية : وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} تفسير : [البروج: 1 - 3] وبثلاثة أحرف كما في قوله: {أية : الۤمۤ} تفسير : [البقرة: 1]، و {أية : طسۤمۤ} تفسير : [الشعراء والقصص: 1] و{أية : الۤر} تفسير : [هود: 11] ووقع بأربعة أمور، كما في قوله تعالى: {أية : وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً فَٱلْحَامِلاَتِ وِقْراً فَٱلْجَارِيَاتِ يُسْراً فَٱلْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً} تفسير : [الذاريات: 1 - 4] وفي قوله: {أية : وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ} تفسير : [التين: 1 - 3]، وبأربعة أحرف كما في قوله: {أية : الۤمۤصۤ} تفسير : [الأعراف: 1] و{أية : الۤمۤر} تفسير : [الرعد: 1] ووقع بخمسة أمور كما في قوله تعالى: {أية : وَٱلطُّورِ وَكِتَابٍ مُّسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ} تفسير : [الطور: 1 - 6] وفي قوله: {أية : وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً فَٱلْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً} تفسير : [المرسلات: 1 - 5] وفي النَّازِعاتِ وفي الفَجْر، وبخمسة أحرف كما في: {أية : كۤهيعۤصۤ} تفسير : [مريم: 1] و{أية : حـمۤ عۤسۤقۤ} تفسير : [الشورى: 1 و 2]، ولم يقسم بأكثر من خمسة أشياء إلا في سورة واحدة وهي الشَّمس: {أية : وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا} تفسير : [الشمس: 1 - 6]. ولما أقسم بالأشياء المعهودة ذكر حرف القسم وهو الواو فقال: "والطُّورِ" "والنَّجْمِ" "والشَّمْسِ" وعند القسم بالحروف لم يذكر حرف القسم فلم يقل: وق وحم؛ لأن القسم لما كان بنفس الحروف كان الحرف مقسماً فلم يورده في موضع كونه آلة القسم تسوية بين الحروف ولم يدخل القسم بالحروف في أثناء السورة لأنه يخلُّ بالنظم. فصل أقسم الله بالأشياء المركبة العناصر كالتِّينِ والطُّورِ، ولم يقسم بأصولها وهي الجواهر المفردة كالماء والتراب، وأقسم بالحروف من غير تركيب، لأن الأشياء عند تركيبها تكون على أحسن حالها، وأما الحروف إن ركبت لمعنى يقع الحَلِفُ بمعناه لا باللفظ، كقولنا والسماء والأرض وإن ركبت لا لمعنى فكأن المفرد أشرف فأقسم بمفردات الحرف. فصل هذه السورة تقرأ في صلاة العيد، لقوله تعالى فيها: {أية : ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ} تفسير : [ق: 42] وقوله: {أية : كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ} تفسير : [ق: 11] وقوله: {أية : ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} تفسير : [ق: 44]، فإن العيد يوم الزينة فينبغي أن لا ينسى الإنسان خروجَه إلى عَرْصَاتِ الحِسَابِ. ولا يكون في ذلك اليوم فرحاً فخوراً ولا يرتكب فسقاً ولا فجوراً. والعامة على سكون الفاء من قاف. وقد تقدم. وفتحها عيسى، وكسرها الحسن، وابن أبي إسحاق، وضمها هارون وابن السميقع وقد مضى توجيه ذلك، وهو أن الفتح يحتمل البناء على الفتح للتخفيف، أو يكون منصوباً بفعل مقدر ومنع الصرف أو مجروراً بحرف قسم مقدر وإنَّما مُنعَ الصرف أيضاً. والضم على أنه مبتدأ وخبره منع الصرف أيضاً. قال ابن الخطيب: فأما القراءة فيها فإن قلنا: هي مبنية على ما بينا فحقّها الوقف؛ إذ لا عامل فيها ويجوز الكسر حذراً من التقاء الساكنين، ويجوز الفتح اختياراً للأخَفِّ. فإن قيل: كيف جاز اختيار الفتح هَهُنَا ولم يَجُزْ عند التقاء الساكنين إذا كان أحدهما آخر كلمة والآخر أول كلمة أخرى، كقوله: {أية : لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [البينة: 1] {أية : وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ} تفسير : [الأنعام: 52]؟!. نقول: لأن هناك إنما وجب التحريك لأن الكسرة في الفعل تشبه حركة الإعراب، لأن الفعل إنما كان محلاً للرفع والنصب ولا يوجد فيه الجر اختير الكسرة التي لا يخفى على أحد أنها ليست بجر؛ لأن الفعل لا يجوز فيه الجر، ولو فتح لاشتبه بالنصب، وأما في أواخر الأسماء فالاشتباه لازم، لأن الاسم محِلّ يرد عليه الحركات الثلاث فلم يمكن الاحتراز فاختاروا الأخَفَّ. وإن قلنا: إنها حرف مقسم به فحقها الجر، ويجوز النصب على أنه مفعول به بـ "أُقْسِمُ" على وجه الاتصال وتقدير الباء كأن لم يوجد. وإن قلنا: هي اسم السورة، فإن قلنا: مقسم بها مع ذلك فحقها الفتح لأنها لا تنصرف حينئذ فتفتح في موضع الجر كما تقول: "وإِبْرَاهِيمَ وأَحْمَدَ"، إذا أقسمت بهما وإن قلنا: (إنه) ليس مقسماً بها فإن قلنا: هي اسم السورة فحقها الرفع إذا جعلناها خبراً تقديره: "هَذِهِ ق" وإن قلنا: هو من قَفَا يَقْفُو فحقه التنوين كقولنا: هَذَا دَاعٍ ورَاعٍ. وإن قلنا: اسم جبل فالجر والتنوين وإِن كان قسماً. قوله: "وَالقُرْآنِ المَجِيدِ" قسم، وفي جوابه أوجه: أحدها: أنه قوله: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُُ}. الثاني: {أية : مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ} تفسير : [ق: 29]. الثالث: {أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ} تفسير : [ق: 18]. الرابع: {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ} تفسير : [ق: 37]. الخامس: "بَلْ عَجِبُوا". وهو قول كوفي، قالوا: لأنه بمعنى قَدْ عجبُوا. السادس: أنه محذوف، فقدّره الزجاج والأخفش والمبرد: لَتُبْعَثُنَّ، وغيرهم: لَقَدْ جِئْتَهُمْ مُنْذِراً. واعلم أن جوابات القسم سبعة، إنَّ المشددة كقوله: {أية : وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ} تفسير : [العصر: 1 و 2]، و"مَا" النافية كقوله: {أية : وَٱلضُّحَىٰ وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ} تفسير : [الضحى: 1 - 3] واللام المفتوحة كقوله: {أية : فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ} تفسير : [الحجر: 92] وإنْ الخفيفة كقوله: {أية : تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الشعراء: 97] ولا النافية كقوله: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ} تفسير : [النحل: 38]، و"قَدْ" كقوله: {أية : وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} تفسير : [الشمس: 1 - 9]، وبَلْ كقوله: {وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوۤاْ}. والمجيدُ: العظيم. وقيل: المجيدُ: الكثير الكرم. فإن قلنا: المجيد العظيم، فلأن القرآن عظيم الفائدة ولأنه ذكر الله العظيم، وذكر العظيم عظيم ولأنه لم يقدر عليه أحدٌ من الخلق، وقال تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ} تفسير : [الحجر: 87]. ولا يبدل ولا يغير ولا يأتيهِ الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإن قلنا: المجيد هو الكثير الكرم فالقرآن كريم كل من طلب منه مقصوداً وَجَدَهُ، ويغني كل من لاَذَ به وإِغناء المحتاج غاية الكرم. فإن قيل: القرآن مقسم به فما المقسم عليه؟. فالجواب: أن المقسم عليه إما أن يفهم بقرينة حالية أو قرينة مَقَالِيَّة، والمقالية إما أن تكون متقدمة على المقسم به أو متأخرة، فإن فهم من قرينة مقالية متقدمة، فلا يتقدم هنا لفظاً إلا "ق" فيكون التقدير: هذَا ق والقرآنِ، أو ق أنزلها الله تعالى والقرآنِ، كقولك: هذَا حَاتِمٌ واللَّهِ؛ أي هو المشهور بالسخاء، وتقول: الهلالُ واللَّهِ أيْ رأيته واللَّهِ. وإن فهم من قرينة مقالية متأخرة فذلك أمران: أحدهما: أن التقدير: والقرآن المجيد إنك المنذر، أو والقرآن المجيد إن الرجع لكائن، لأن كلام الأمرين ورد طاهراً، أما الأوّل فقوله تعالى: {أية : يسۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ} تفسير : [يس: 1 - 2] إلى أن قال: {أية : لِتُنذِرَ قَوْماً} تفسير : [يس: 6]. وأما الثاني: فقوله تعالى: {أية : وَٱلطُّورِ وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} تفسير : [الطور: 1 - 7]. قال ابن الخطيب: وهذا الوجه يظهر غاية الظهور على قال من قال: "ق" اسم جبل فإن القسم يكون بالجبل والقرآن، وهناك أقسم بالطور والكتاب المسطور وهو الجبل والقرآن وإن فهم بقرينة حالية فهو كون محمد - صلى الله عليه وسلم - على الحق فإِن الكفار كانوا ينكرون ذلك. قوله: "بَلْ عَجِبُوا" يقتضي أن يكون هناك أمرٌ مضروبٌ عنه فما ذلك؟ أجاب الواحدي ووافقه الزمخشريّ أنه تقرير كأنه قال: ما الأمر كما تقولون. قال ابن الخطيب: والتقدير والقرآن المجيد إنك لمنذر، وكأنه قال بعده: إنهم شكوا فيه. ثم أضرب عنه وقال: بَلْ عَجِبُوا أي فلم يكتفوا بالشك ولا بالردِّ حتى عَجِبُوا بل جَزَمُوا بالخلاف حتى جعلوا ذلك من الأمُور العجيبَة. فإن قيل: فما الحكمة في هذا الاختصار العظيم في موضع واحد حذف المقسم عليه والمُضْرَب عنه، وأتى بأمر لا يفهم إلا بعد الفكر العظيم ولا يفهم مع الفكر إلا بالتوثيق العزيز؟!. قال ابن الخطيب: أما حذف المقسم عليه فلأن الترك في بعض المواضع يفهم منه ظهور لا يفهم من الذكر، لأن من ذكر المَلِكَ العظيم في مجلس، وأثنى عليه يكون قد عَظَّمَهُ، فإذا قال له غيره: هو لا يذكر في هذا المجلس يكون بالإرشاد إلى ترك الذكر دالاًّ على عظمة فوق ما استفيد بذكره فالله (تعالى) ذكر المقسم عليه لبيان هو أظهر من أن يذكر. وأما حذف المُضْرب عنه، فلأن المُضْرَب عنه إذا ذكر وأضرب عنه بأمرٍ آخر، وكان بين المذكورين تفاوتٌ ما، فإذا عظم التفاوت لا يحسن ذكرهما مع الإضراب، مثاله يحسن أن يقال: الوَزيرُ يعظم، فلا يماثل الملك بعظمه، ولا يحسن أن يقال: البوابُ يُعَظَّم فلا يماثل الملك بعظمه لكون البوْن بينهما بعيداً، إذ الإِضراب للتدريج، فإِذا ترك المتكلم المُضْرَبَ عنه صريحاً وأتى بحرف الإضراب اسْتُفِيدَ منه أمران: أحدهما: الإشارة إلى أمر آخر قبله مضربٌ عنه. والثاني: عِظَم التفاوت بينهما: وههنا كذلك لأن الشك بعد قيام البُرهان بعيد لكن القطع بخلافه في غاية ما يكون من البعد فالعجب منه أبعد. قوله: "أَنْ جَاءَهُمْ" فيه سؤال، وهو: أنْ مع الفعل بتقدير المصدر... تقول: "أُمِرْتُ بأَنْ أَقُومَ وأمرت بالقيام"، وإذا كان كذلك فلم ترك الإتيان بما هو في معنى المصدر ما يجب ذكره عند الإتيان بالمصدر حيث جاز (أن تقول): أمرت أَنْ أقومَ من غير باء، ولا يجوز أن تقول: أُمِرْتُ القِيَامَ بل لا بد من الباء ولذلك قال: عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ، ولا يجوز أن يقال: عَجبُوا مَجيئَهُ بل لا بد من قولك: عَجِبُوا مِنْ مَجِيئه!. والجواب: أن قوله: أَنْ جَاءَهُمْ وإن كان في المعنى قائماً مَقَام المَصْدَر، لكنه في الصورة تقدير، وحروف التقدير كلها حروف جارَّة، والجارُّ لا يَدْخُل على الفعل فكان الواجب أن لا يدخل فلا أقلّ من أن يجوز الدخول فجاز أن يقال: عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ، ولا يجوز: عجبوا مَجِيئَهُمْ؛ لعدم جواز إِدْخَال الحَرْف عَلَيْهِ. قوله: "مِنْهُمْ" أي يعرفون نَسَبَهُ وصدقه وأَمَانَتَهُ، وهذا يصلح أن يكون مذكوراً لتقرير تَعَجُّبهمْ ويصلح أن يكون مذكوراً لإبطال تَعَجبهم، أما وجه تقرير تعجبهم فلأنهم كانوا يقولون: {أية : أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ} تفسير : [القمر: 24] و{أية : قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} تفسير : [يس: 15] وذلك إشارة إلى أنه كيف يجوز اختصاصه بهذه المنزلة الرفيعة مع اشتراكنا في الحقيقة واللوازم؟ وأما تقدير الإبطال فلأنه إذا كان واحداً منهم ويرى بين أظهرهم وظهر منه ما عجزوا عنه كلهم ومن بعدهم فكان يجب عليهم أن يقولوا: هذا ليس من عنده ولا من عند أحد من جِنْسنَا فهو من عند الله بخلاف ما لو جاءهم واحدٌ من خلاف جنْسهم، وأتى بما يعجزون عنه فإنهم كانوا يقولون: نحن لا نقدر على ذلك، لأن لكل نوع خاصيةً كما أن النّعامة تبلع النَّار، وابن آدم لا يقدر على ذلك. قوله: {فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} قال الزمخشري: هذا تعجّبٌ آخرُ من أمر آخرَ، وهو الحشر الذي أشار إليه بقوله: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} فتعجبوا من كونه منذراً ومن وقوع الحَشْر، ويدل عليه قوله في أول "ص": {أية : وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ} تفسير : [ص: 4] وقال: {أية : أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} تفسير : [ص: 5] فذكر تعجبهم من أمرين. قال ابن الخطيب: والظاهر أن قولَهم هذا إشارة إلى مجيء المنذر لا إلى الحشر، لأن هناك ذكر: إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ بعد الاستفهام الإنكاري فقال: {أية : أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} تفسير : [ص: 5] وقال ههنا: إنَّ {هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ}، ولم يكن هناك ما تقع الإشارة إليه إلا مجيء المنذر، ثم قالوا: "أَئِذَا متْنَا"، وأيضاً أن ههنا وُجد بعد الاستبعاد بالاستفهام أَمرٌ يؤدي معنى التعجب، وهو قولهم: {ذَٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ}؛ فإنه استبعاد وهو كالتعجب فلو كان التعجب أيضاً عائداً إليه لكان كالتكرار. فإن قيل: التكرار الصريح يلزم من قولك: {هذا شيء عجيب} يعود إلى مجيء المنذر فإن تعجبهم منه علم من قوله: {وعجبوا أن جاءهم} فقوله: {هذا شيء عجيب} ليس تكراراً!. نقول: ذلك ليس بتكرار، بل هو تقرير؛ لأنه لما قال: بل عجبوا بصيغة الفعل وجاز أن يتعجب الإنسان مما لا يكون عجباً كقوله (تعالى): {أية : أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [هود: 73] ويقال في العرف: لا وجه لِتَعَجُّبِكَ مما ليس بعجب، فكأنهم لما عجبوا قيل لهم: لا معنى لتَعَجُّبِكُمْ، فقالوا: هذا شيء عجيب فكيف لا نعجب منه؟! ويدل على ذلك قوله تعالى هههنا: {فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} بحرف الفاء وقال في "ص": {وقال الكافرون هذا ساحر} بحرف الواو فكان نعتاً غير مرتب على ما تقدم، وهذا شيء عجيب أمر مرتب على ما تقدم، أي لما عجبوا أنكروا عليهم ذلك فقالوا: هذا شيء عجيب كيف لا نعجب منه؟ ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: {ذلك رجع بعيد} بلفظ الإشارة إلى البعيد. قوله: "هذا ساحر" إشارة إلى الحاضر القريب فيَنْبَغي أن يكون المشار إليه بذلك غير المشار إليه بهَذَا، وهذا لا يصحُّ إلا على قولنا. قوله: "أَئِذَا مِتْنَا" قرأ العامَّة بالاستفهام؛ وابن عامر - في رواية - وأبو جعفر والأعْمش والأعْرج بهمزة واحدة فيحتمل الاستفهام كالجمهور. وإنما حذف الأداة للدلالة، ويحتمل الإخبار بذلك، والناصب للظرف في قراءة الجمهور مقدر أي أنُبْعَثُ أو أنَرْجِعُ إِذا مِتْنَا. وجواب "إذا" على قراءة الخبر محذوف أي رَجَعْنَا. وقيل قوله: "ذَلِكَ رَجْعٌ" على حذف الفاء، وهذا رأي بعضهم. والجمهور لا يجوز ذلك إلاَّ في شعر (وقال الزمخشري): ويجوز أن يكون الرَّجْعُ بمعنى المرجوع وهو الجواب، ويكون من كلام الله تعالى استبعاداً لإنكارهم ما أنذروا به من البعث والوقف على "ما" على هذا التفسير حَسَنٌ. فإن قيل: فما ناصب الظرف إذا كان الرَّجْعُ بمعنى المرجوع؟. فالجواب: ما دلّ عليه المُنْذِر من المُنْذَرِ به وهو البَعْثُ. فصل قال ابن الخطيب: "ذلك" إشارة إلى ما قاله وهو الإنذار، وقوله: هذا شيء عجيب إشارة إلى المجيء فلما اختلفت الصفتان نقول: المجيء والجائي كل واحد حاضراً وأما الإنذار وإن كان حاضراً لكن المنذر به كان جازماً على الحاضر، فقالوا فيه ذلك. والرجوع مصدر رَجَعَ إذا كان متعدياً والرجوعُ مصدر إذا كان لازماً وكذلك الرُّجعى مصدر عند لُزُومه. والرجوع أيضاً يصحّ مصدراً للاَّزم فيحتمل أن يكون المراد بقوله: {ذَٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} أي رجوعٌ بعيد، ويحتمل أن يكون المراد: الرّجْعَى المتعدِّي، ويدل على الأول قوله تعالى: {أية : إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ} تفسير : [العلق: 8] وعلى الثاني قوله تعالى: {أية : أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي ٱلْحَافِرَةِ} تفسير : [النازعات: 10] أي مرجوعون؛ فإنه من الرجوع المتعدي. فإن قلنا: هو من المتعدي فقد أنكروا كونه مقدوراً في نفسه. فصل قال المفسرون: تقديره: أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً نُبْعَثُ، ترك ذكر البعث لدلالة الكلام عليه: "ذَلِكَ رَجْعٌ" أي رد إلى الحياة "بَعِيدٌ" غير كائن أي يَبْعُدُ أنْ نُبْعَثَ بعد الموت. قوله تعالى: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ} أي تأكل من لحومِهِم ودمائِهِم وعِظَامهم، لا يعزب عن علمه شيء. وقال السدي: هو الموت يَقُول: قد علمنا من يموتُ منهم، ومن يبقى. وهذه الآية تدل على جواز البعث وقدرته تعالى عليه، لأن الله سبحانه وتعالى عالم بأجزاء كل واحد من الموتى لا يشتبه عليه جزء واحد بجزء الآخر، وقادر على الجمع والتأليف فليس الرجعُ منه ببعيدٍ، وهذا كقوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ} تفسير : [يس: 81]. حيث جعل العلم مدخلاً في الإعادة وهذا جواب لِمَا كانوا يقولون: {أية : أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [السجدة: 10] أي أنه تعالى كما يعلم أجزاءهم يعلم أعمالهم فيرجعهم ويعذبهم بما كانوا يقولون وبما كانوا يعملون. قوله تعالى: {وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} أي محفوظ من الشياطين ومن أن يَدْرِس أو يتغيَّر. وهو اللوح المحفوظ. وقيل: معناه حافظ لعدتهم وأسمائهم وأعمالهم: قال ابن الخطيب: وهذا هو الأصحّ؛ لأن الحفيظ بمعنى الحافظ وارد في القرآن قال تعالى: {أية : وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} تفسير : [هود 86] وقال: {أية : ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ} تفسير : [الشورى: 6] ولأن الكتاب للتمثيل ومعناه: العلم عندي كما يكون في الكتاب، فهو يحفظ الأشياء وهو مستغن عن أن يحفظ. قوله تعالى: {بَلْ كَذَّبُواْ} هذا إضراب ثانٍ، قال الزمخشري: إضراب أتبع للإضراب الأول للدلالة على أنهم جاؤوا بما هو أفظع من تعجبهم وهو التكذيب بالحق. وقال أبو حيان: وكان هذا الإضراب الثاني بدلاً من الأوّل. قال شهاب الدين: وإطلاق مثل هذا في كتاب الله لا يجوز ألبتة. وقيل: قبل هذه الآية جملة مضرب عنها تقديرها: ما أجازُوا النظر بَلْ كَذَّبوا. وما قاله الزمخشري أحسَنُ. فصل في المضروب عنه وجهان: أحدهما: أنه الشكّ تقديره: والقرآن المجيد إنَّك لَمُنْذرٌ، وإنهم شكوا فيك بل عجبوا بل كذبوا. والثاني: تقديره: لم يكذب المنذر بل كذبوا هم. وفي المراد بالحق وجوه: الأول: البرهان القائم على صدق الرسول - (عليه الصلاة والسلام -). الثاني: الفرقان المنزلُ وهو قريب من الأول؛ لأنه برهانٌ. الثالث: السورة الثابتة بالمعجوة القاهرة فإِنَّها حَقٌّ. الرابع: الحشر الذي لا بد من وقوعه فهو حق. فإن قيل: ما معنى الباء في قوله تعالى: (بالحَقِّ)؟ وأيةُ حاجة إليها؟ يعني أن التكذيبَ متعدٍّ بنفسه فهلْ هي التعدية إلى مفعول ثانٍ أو هي زائدة كما هي قوله تعالى: {أية : فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ} تفسير : [القلم: 5 و 6]. فالجواب: أنها في هذا الموضع لإظهار التعدية؛ لأن التكذيب (هو النسبة إلى الكذب) لكن النسبة توجد تارة في القائلِ وأخرى في القول، تقول: كَذَّبَنِي فلانٌ وكنت صادقاً ويقول: كَذَّبَ فلانٌ قَوْلِي، ويقال: كَذَّبَه أي جعله كاذباً وتقول: قلتُ لفلان: زيدٌ يجيء غداً، فتأخر عمداً حتى كَذَّبَني أو كذب قولي. والتكذيب في القائل يستعمل بالباء وبدونها قال تعالى: {أية : كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [الشعراء: 141] وقال {أية : كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ} تفسير : [القمر: 23] وفي القول كذلك غيرَ أن الاستعمال في القائل بدون الباء أكثر قال تعالى: {أية : فَكَذَّبُوهُ} تفسير : [الأعراف: 64] وقال: {أية : وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ} تفسير : [فاطر: 4]. وفي القول الاستعمال بالباء أكثر قال تعالى: {أية : كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا} تفسير : [القمر: 42] وقال: {أية : كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ} تفسير : [ق: 5]. وقال: {أية : وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ} تفسير : [الزمر: 32]. والتحقيق فيه أن الفعل المطلق هو المصدر، لأنه هو الذي يصدر من الفاعل، فإن من ضَرَبَ لم يصدر منه غير الضَّرب، غير أن له محلاً يقع فيه يسمى مضروباً. ثم إن كان ظاهراً لكونه محلاً للفعل يستغني بظهوره عن الحرف فيعدى من غير حرف يقال: ضَرَبْتُ عمراً وشَرِبْتُ مَاءً للعلم بأن الضرب لا بدَّ له من محِل يقوم به وكذلك الشرب لا يستغني عن مشروب يتحقق فيه؛ فإذا قلت: مَرَرْتُ يحتاج إلى الحرف ليظهر معنى التعدية، لعدم ظهوره في نفسه؛ لأن قولك: مَرَّ السَّحَاب يفهم منه مُرُور، (و) لا يفهم مَنْ مَرَّ به. ثم إن الفعل قد يكون في الظهور دون الضَّرْبِ والشُّرب وفي الخفاء فوق المرور، فيجوز الإتيان فيه بدون الحرف للظهور الذي فوق ظهور المرور، ومع الحرف لكون الظهور دون ظهور الضرب، ولهذا لا يجوز أن تقول: ضَرَبْتُ بعَمْرٍو إلا إذا جعلته آلة الضرب، أما إذا ضربته بسوطٍ أو غيره فَلاَ يجوز فيه زيادة الباء، ولا يجوز: مَرَرْتُهُ إلا مع الاشتراك وتقول: مَسَحْتُهُ ومسحتُ به، وشَكَرْتُهُ وَشَكَرْتُ لَهُ لأن المسحَ إمرار اليد بالشيء فصار كالمُرور والشكر فعل جميل غير أنه يقع لمحسن فالأصل في الشكر الفعل الجميل وكونه واقعاً لغيره كالتَّبَع بخلاف الضرب فإنه إمساسُ جسمٍ بجسم بعنف، فالمضروب داخل في مفهوم الضَّرْب أولاً، والمشكور داخل في مفهوم الشكر ثانياً، وإذا عرف هذا فالتكذيب في القائل طاهر، لأنه هو الذي يصدق أو يكذب وفي القول غير ظاهر، فكان الاستعمال فيه بالباء أكثر والباء فيه لظهور معنى التعدية، وقوله: "لما جاءهم" هو المكذب تقديره: وكَذَّبوا بالحق لما جاءهم الحَقُّ أي لم يؤخروه إلى التفَكر والتدبر. قوله: لَمَّا جَاءَهُمْ العامة على تشديد "لما"، وهي إما حرف وجوب لوجوب أو ظرف بمعنى حين كما تقدم. وقرأ الجَحْدريّ لِمَا - بكسر اللام وتخفيف الميم - على أنها لام الجر دخلت على ما المصدرية وهي نظير قولهم: كَتَبْتُهُ لخمسٍ خَلَوْنَ أي عندها. قوله: فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ، أي مختلط، قال أبو واقد: شعر : 4506- ومَرِجَ الدِّينُ فَأعْدَدْتُ لَهُ مُشْرِفَ الأَقْطَارِ مَحْبُوكَ الكَتَدْ تفسير : وقال آخر: شعر : 4507- فَجَالَتْ والتَمَسْتُ به حَشَاهَا فَخَرَّ كَأَنَّهُ خُوطٌ مَرِيجُ تفسير : وأصله من الحركة والاضطراب، ومنه: مرج الخاتم في إصبعه وقال سعيد بن جبير ومجاهد: ملتبس. فصل قال قتادة: معناه من ترك الحق مرج إليه أمره وألبس عليه دينه. وقال الحسن: ما ترك قومٌ الحقّ إلا مَرج أمرُهُمْ. وقال الزجاج: معنى اختلاط أمرهم أنهم يقولون للنبي - صلى الله عليه وسلم - مرة شاعرٌ، ومرة ساحرٌ، ومرة معلّمٌ، ومرة كاهنٌ، ومرة معترّ ومرة ينسبونه إلى الجنون فكان أمرهم مُخْتَلِطاً ملتبساً عليهم.
البقاعي
تفسير : لما ختم سبحانه الحجرات بإحاطة العلم قال أول هذه: {ق} إشارة إلى أنه هو سبحانه وحده المحيط علماً وقدرة بما له من العلو والشدة والقوة القيومية والقهر ونافذ القضاء والفتح لما أراد من المغلقات، بما أشارت إليه القاف بصفاتها وأظهرته بمخرجها المحيط بما جمعه مسماها من المخارج الثلاث: الحلق واللسان والشفاه. وقد قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في سر افتتاح المفصل بهذا الحرف فقال في آخر كتابه في هذا الحرف: اعلم أن القرآن منزل مثاني، ضمن ما عدا المفصل منه الذي هو من قاف إلى آخر الكتاب العزيز وفاتحة ما يختص بأولي العلم والفقه من مبسوطات الحكم ومحكمات الأحكام ومطولات الأقاصيص، ومتشابه الآيات، والسورة المفتتحة بالحروف الكلية للإحاطة لغيبية المتهجى المسندة إلى آحاد الأعداد، فلعلو رتبة إيراده وطوله ثنى الحق سبحانه الخطاب وانتظمه في سور كثيرة العدد يسيرة عدد الآي قصيرة مقدارها، ذكر فيها من أطراف القصص والمواعظ والأحكام والثناء وأمر الجزاء ما يليق بسماع العامة ليسهل عليهم سماعه وليأخذوا بحظ مما أخذه الخاصة وليكرر على أسماعهم في قراءة الأئمة له في الصلوات المفروضة التي لا مندوحة لهم عنها ما يكون لهم خلفاً مما يعولهم من مضمون سائر السور المطولات، فكان أحق ما افتتح به مفصلهم حرف ق الذي هو وتر الآحاد، والظاهر منها مضمون ما يحتوي عليه مما افتتح بألف لام ميم، وكذلك كان صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقرأ في خطبة يوم الجمعة إليهم لأنها صلاة جامعة الظاهر بفاتحة المفصل الخاص بهم، وفي مضمونها من معنى القدرة والقهر المحتاج إليه في إقامة أمر العامة ما فيه كفاية، وشفعت بسورة المطهرة فخصوا بما فيه القهر والإنابة، واختصرت سورة نون من مقتضى العلم بما هو محيط بأمر العامة المنتهي إلى غاية الذكر الشامل للعالمين. ولما كان جميع السور المفتتحة بالحروف المتضمنة للمراتب التسع، العاشر الجامع قواماً وإحاطة في جميع القرآن، ولذلك كانت سورة قاف وسورة ن قواماً خاصاً وإحاطة خاصة بما يخص العامة من القرآن الذين يجمعهم الأرض بما أحاط بظاهرها من صورة جبل قاف، وما أحاط بباطنها من صورة حيوان "نون" الذي تمام أمرهم بما بين مددي إقامتها ولهذا السورة المفتتحة بالحرف ظهر اختصاص القرآن وتميزه عن سائر الكتب لتضمنها الإحاطة التي لا تكون إلا بما للخاتم الجامع، واقترن بها من التفضيل في سورها ما يليق بإحاطتها، ولإحاطة معانيها وإتمامها كان كل ما فسرت به من معنى يرجع إلى مقتضاها، فهو صحيح في إحاطتها ومنزلها من أسماء الله وترتبها في جميع العوالم، فلا يخطىء فيها مفسر لذلك لأنه كلما قصد وجهاً من التفسير لم يخرج عن إحاطة ما تقتضيه، ومهما فسرت به من أنها من أسماء الله تعالى أو من أسماء الملائكة أو من أسماء الأنبياء أو من مثل الأشياء، وصور الموجودات أو من أنها أقسام أقسم بها، أو فواتح عرفت بها السور، أو أعداد تدل على حوادث وحظوظ من ظاهر الأمر أو باطنه على اختلاف رتب وأحوال مما أعطيه محمد صلى الله عليه وسلم من مقدار أمد الخلافة والملك والسلطنة وما ينتهي إليه أمره من ظهور الهداية ونحو ذلك مما يحيط بأمد يومه إلى غير ذلك، وكل داخل في إحاطتها، ولذلك أيضاً لا تختص بمحل مخصوص تلزمه علامة إعراب مخصوصة فمهما قدر في مواقعها من هذه السورة جراً أو نصباً أو رفعاً، فتداخل في إحاطة رتبتها ولم يلزمها معنى خاص ولا إعراب خاص لما لم يكن لها انتظام، لأنها مستقلات محيطات، وإنما ينتظم ما يتم معنى - كل واحد من المنتظمين بحصول الانتظام، وذلك يختص من الكلم بما يقصر عن إحاطة مضمون الحروف حتى أنه متى وقع استقلال وإحاطة في كلمة لم يقع فيها انتظام. ولما أشار سبحانه إلى هذه الإحاطة بالقاف، أقسم على ذلك قسماً هو في نفسه دال عليه فقال: {والقرآن} أي الكتاب الجامع الفارق {المجيد *} الذي له العلو والشرف والكرم والعظمة على كل كلام، والجواب أنهم ليعلمون ما أشارت إليه القاف من قوتي وعظمتي وإحاطة علمي وقدرتي، وما اشتمل عليه القرآن من المجد بإعجازه واشتماله على جميع العظمة، ولم ينكروا شيئاً من ذلك بقلوبهم، ومجيد القرآن كما تقدم في أثناء الفاتحة ما جربت أحكامه من بين عاجل ما شهد وآجل ما علم بعلم ما شهد، وكان معلوماً بالتجربة المتيقنة بما تواتر من القصص الماضي، وما شهد من الأثر الحاضر وما يتجدد مع الأوقات من أمثاله وأشباهه، وإذا تأملت السورة وجدت آيها المنزلة على جميع ذلك، فإنه سبحانه ذكرهم فيها ما يعلمون من خلق السماوات والأرض وما فيهما ومن مصارع الأولين وكذا السورة الماضية ولا سيما آخرها المشير إلى أنه أدخل على الناس الإيمان برجل واحد غلبهم بمجده وإعجازه لمجد منزله بقدرته وإحاطة علمه - والله الهادي، ومن أحاط علماً بمعانيه وعمل ما فيه مجد عند الله وعند الناس. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما كانت سورة الفتح قد انطوت على جملة من الألطاف التي خص الله بها عباده المؤمنين كذكره تعالى أخوتهم وأمرهم بالتثبت عند غائلة معتد فاسق {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ} الآية، وأمرهم بغض الأصوات عند نبيهم وأن لا يقدموا بين يديه ولا يعاملوه في الجهر بالقول كمعاملة بعضهم بعضاً، وأمرهم باجتناب كثير من الظن ونهيهم عن التجسس والغيبة، وأمرهم بالتواضع في قوله {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} وأخبرهم تعالى أن استجابتهم وامتثالهم هذه الأوامر ليست بحولهم، ولكن بفضله وإنعامه، فقال: {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} الآيتين، ثم أعقب ذلك بقوله {يمنون عليك أن أسلموا} الآية، ليبين أن ذلك كله بيده ومن عنده، أراهم سبحانه حال من قضى عليه الكفر ولم يحبب إليه الإيمان ولا زينه في قلبه، بل جعله في طرف من حال من أمر ونهى في سورة الفتح مع المساواة في الخلق وتماثل الأدوات فقال تعالى: {والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم} الآيات، ثم ذكر سبحانه وتعالى وضوح الأدلة {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم} الآيات، ثم ذكر حال غيرهم ممن كان على رأيهم {كذبت قبلهم قوم نوح} ليتذكر بمجموع هذا من قدم ذكره بحاله وأمره ونهيه في سورة الفتح، ويتأدب المؤمن بآداب الله ويعلم أن ما أصابه من الخير فإنما هو من فضل ربه وإحسانه، ثم التحمت الآي إلى قوله خاتمة السورة {نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم} الآيات - انتهى. ولما كان هذا ظاهراً على ما هدى إليه السياق، بنى عليه قوله دلالة أخرى على شمول علمه: {بل} أي أن تكذيبهم ليس لإنكار شيء من مجده ولا لإنكار صدقك الذي هو من مجده بل لأنهم {عجبوا} أي الكفار، وأضمرهم قبل الذكر إشارة إلى أنه إذا ذكر شيئاً خارجاً عن سنن الاستقامة انصرف إليهم، والعجب من تغير النفس لأمر خارج عن العادة. ولما كان المقام لتخويف من قدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو منّ عليه بالإسلام أو غيره، أو لتخويف من أنكر البعث، اقتصر على النذارة فقال: {أن جاءهم منذر} أنذرهم حق الإنذار من عذاب الله عند البعث الذي هو محط الحكمة، وعجب منهم هذا العجب بقوله: {منهم} لأن العادة عندهم وعند جميع الناس أنه إذا كان النذير منهم لم يداخلهم في إنذاره شك بوجه من الوجوه، وهؤلاء خالفوا عادة الناس في تعجبهم من كون النذير - وهو أحدهم - خص بالرسالة دونهم، ولم يدركوا وجه الخصوصية لكونه مثلهم، فكذلك أنكروا رسالته وفضل كتابه بألسنتهم نفاسة وحسداً لأنهم كانوا معترفين بخصائصه التي رفعه الله تعالى عليهم بها قبل الرسالة فحطهم عجبهم ذلك إلى الحضيض من دركات السفه وخفة الأحلام، لأنهم عجبوا أن كان الرسول بشراً وأوجبوا أن يكون الإله حجراً، وعبجوا من أن يعادوا من تراب، وتثبت له الحياة، ولم يعجبوا أن يبتدؤوا من تراب ولم يكن له أصل في الحياة، ولذلك سبب عنه قوله: {فقال} أي بسبب إنذاره بالبعث وعقبه {الكافرون} فأظهر في موضع الإنذار إيذاناً بأنهم لم يخف عليهم شيء من أمره، ولكنهم ستروا تعدياً بمرأى عقولهم الدالة على جميع أمره دلالة ظاهرة، وعبر بما دل على النذارة لأنها المقصود الأعظم من هذه السورة، وجميع سياق الحجرات ظاهر فيها: {هذا} أن يكون النذير منا خصص بالرسالة من دوننا، وكون ما أنذر به هو البعث بعد الموت {شيء عجيب *} أي بليغ في الخروج عن عادة أشكاله، وقد كذبوا في ذلك، أما من جهة النذير فإن أكثر الرسل من الطوائف الذين أرسلوا إليهم، وقليل منهم من كان غريباً ممن أرسل إليه، وأما من جهة البعث فإن أكثر ما في الكون مثل ذلك من إعادة كل من الملوين بعد ذهابه وإحياء الأرض من بعد موتها وابتداء الإحياء لجميع موات الحيوان وإخراج النبات والأشجار والثمار وغير ذلك مما هو ظاهر جداً. ولما كان المتعجب منه مجملاً، أوضحه بقوله حكاية عنهم مبالغين في الإنكار، بافتتاح إنكارهم باستفهام إنكاري: {أءذا متنا} ففارقت أرواحنا أشباحنا {وكنا تراباً} لا فرق بينه وبين تراب الأرض. ولما كان العامل في الظرف ما تقديره: نرجع؟ دل عليه بقوله والإشارة بأداة البعد إلى عظيم استبعادهم: {ذلك} أي الأمر الذي هو في تمييز ترابنا من بقية التراب في غاية البعد، وهو مضمون الخبر برجوعنا {رجع} أي رد إلى ما كنا عليه {بعيد *} جداً لأنه لا يمكن تمييز ترابنا من بقية التراب. ولما كان السياق لإحاطة العلم بما نعلم وما لا نعلم، توقع السامع الجواب عن هذا الجهل، فقال مزيلاً لسببه، مفتتحاً بحرف التوقع: {قد} أي بل نحن على ذلك في غاية القدرة لأنا قد {علمنا} بما لنا من العظمة {ما تنقص الأرض منهم} أي من أجزائهم المتخللة من أبدانهم بعد الموت وقبله، فإنه لو زاد الإنسان بكل طعام يأكله ولم ينقص صار كالجبل بل نحن دائماً في إيجاد وإعدام تلك الأجزاء، وذلك فرع العلم بها كل جزء في وقته الذي كان نقصه فيه قل ذلك الجزء أو جل، ولم يكن شيء من ذلك إلا بأعيينا بما لنا من القيومية والخبرة النافذة في البواطن فضلاً عن الظواهر والحفظ، الذي لا يصوب إلى جنابه عي ولا غفلة ولا غير، ولكنه عبر بمن لأن الأرض لا تأكل عجب الذنب، فإنه كالبزر لأجسام بني آدم. ولما كانت العادة جارية عند جميع الناس بأن ما كتب حفظ، أجرى الأمر على ما جرت به عوائدهم فقال مشيراً بنون العظمة إلى غناه عن الكتاب: {وعندنا} أي على ما لنا من الجلال الغني عن كل شيء {كتاب} أي جامع لكل شيء {حفيظ *} أي بالغ في الحفظ لا يشذ عنه شيء من الأشياء دق أو جل، فكيف يستبعدون على عظمتنا أن لا نقدر على تمييز ترابهم من تراب الأرض ولم يختلط في علمنا شيء من جزء منه بشيء من جزء آخر فضلاً عن أن يختلط شيء منه بشيء آخر من تراب الأرض أو غيرها. ولما كان التقدير: وهم لا ينكرون ذلك من عظمتنا لأنهم معترفون بأنا خلقنا السماوات والأرض وخلقناهم من تراب وإنا نحن ننزل الماء فينبت النبات، أضرب عنه بقوله: {بل كذبوا بالحق} أي الأمر الثابت الذي لا أثبت منه {لما} أي حين {جاءهم} لما ثار عندهم من أجل تعجبهم من إرسال رسولهم من حظوظ النفوس وغلبهم من الهوى، حسداً منهم من غير تأمل لما قالوه ولا تدبر، ولا نظر فيه ولا تفكر، فلذلك قالوا ما لا يعقل من أن من قدر على إيجاد شيء من العدم وإبدائه لا يقدر على إعادته بعد إعدامه وإفنائه. ولما تسبب عن انتسابهم في هذا القول الواهي وارتهانهم في عهدته اضطرابهم في الرأي: هل يرجعون فينسبوا إلى الجهل والطيش والسفة والرعونة أم يدومون عليه فيؤدي ذلك مع كفرهم بالذي خلقهم إلى أعظم من ذلك من القتال والقتل، والنسبة إلى الطيش والجهل، قال معبراً عن هذا المعنى: {فهم} أي لأجل مبادرتهم إلى هذا القول السفساف {في أمر مريج *} أي مضطرب جداً مختلط، من المرج وهو اختلاط النبت بالأنواع المختلفة، فهم تارة يقولون: سحر، وتارة كهانة، وتارة شعر، وتارة كذب، وتارة غير ذلك، والاضطراب موجب للاختلاف، وذلك أدل دليل على الإبطال كما أن الثبات والخلوص موجب للاتفاق، وذلك أدل دليل على الحقية، قال الحسن: ما ترك قوم الحق إلا مرج أمرهم - وكذا قال قتادة، وزاد: والتبس عليهم دينهم. ولما أخبرهم أنهم قالوا عن غير تأمل أنكر عليهم ذلك موبخاً لهم دالاًّ على صحة ما أنكروه وفساد إنكارهم بقوله، مسبباً عن عجلتهم إلى الباطل، {أفلم ينظروا} أي بعين البصر والبصيرة {إلى السماء} أي المحيط بهم وبالأرض التي هم عليها. ولما كان هذا اللفظ يطلق على كل ما علا من سقف وسحاب وغيره وإن كان ظاهراً في السقف المكوكب حققه بقوله: {فوقهم} فإن غيرهم إنما هو فوق ناس منهم لا فوق الكل. ولما كان أمرها عجباً، فهو أهل لأن يسأل عن كيفيته دل عليه بأداة الاستفهام فقال: {كيف بنيناها} أي أوجدناها على ما لنا من المجد والعزة مبنية كالخيمة إلا أنها من غير عمد {وزيناها} أي بما فيها من الكواكب الصغار والكبار السيارة والثابتة {وما} أي والحال أنه ما {لها} وأكد النفي بقوله: {من فروج *} أي فتوق وطاقات وشقوق، بل هي ملساء متلاصقة الأجزاء، فإن كانت هذه الزينة من تحتها فالذي أوقع ذلك على هذا الإحكام الذي يشاهدونه بما فيه من المنافع والستر الذي لا يختل على مر الجديدين، فهو من القدرة بحيث لا يعجزه شيء، وإن كانت الزينة من فوقها فكذلك، وإن كان بعضها من فوق وبعضها من تحت فالأمر عظيم، وهذا يدل على أن السماء كرة مجوفة الوسط مقببة كالبيضة، فإن نفي الفروج فيها على هذا الوجه المؤكد يدل على ذلك دلالة ظاهرة، وأفرد السماء ولم يجمع لأن بناءها على ما ذكر وإن كانت واحدة يدل على كمال القدرة، فإن البناء المجوف لا يمكن بانيه إكمال بنائه من غير أن يكون له فروج، وإن اختل ذلك كان موضع الوصل ظاهراً للرائين ما فيه من فتور وشقوق وقصور وما يشبه ذاك، ولم يمكنه مع ذلك الخروج منه، إن كان داخله فلم يقدر على حفظ خارجه، وإن كان خارجه لم يتمكن من حفظ داخله، وهذا الكون محفوظ من ظاهره وباطنه، فعلم أن صانعه منزه عن الاتصاف بما تحيط به العقول بكونه داخل العلم أو خارجه أو متصلاً به أو منفصلاً عنه، أو محتاجاً في الصنعة إلى إله أو في الحفظ إلى ظهير أو معين، وجمع الفرج للدلالة على إرادة الجنس بالسماء بعد ما أفاده إفراد لفظها، فيدل الجمع مع إرادة الجنس على التوزيع، مع الإفهام إلى أن الباني لو احتاج في هذا الخلق الواسع الأطراف المتباعد الأكناف إلى فرج واحد لاحتاج إلى فروج كثيرة. فإن هذا الجرم الكبير لا يكفي فيه فرج واحد لمن يحتاج إلى الحركة، فنزل كلام العليم الخبير على مثل هذه المعاني، ولا يظن أنه غيرت فيه صنعة من الصنع لأجل الفاصلة فقط، فإن ذلك لا يكون إلا من محتاج، والله متعال عن ذلك، ويجوز - وهو أحسن - أن يراد بالفروج قابلية الإنبات لتكون - مثل الأرض - يتخللها المياه فيمتد فيها عروق الأشجار والنبات وتظهر منها، وأن يراد بها الخلل كقوله تعالى{أية : ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور}تفسير : [الملك: 3] أي خلل واختلاف وفساد، وهو لا ينفي الأبواب والمصاعد - والله أعلم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله {ق} قال: هو اسم من أسماء الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: خلق الله تعالى من وراء هذه الأرض بحراً محيطاً بها ثم خلق من وراء ذلك جبلاً يقال له {ق} السماء الدنيا مترفرفة عليه، ثم خلق من وراء ذلك الجبل أرضاً مثل تلك الأرض سبع مرات، ثم خلق من وراء ذلك بحراً محيطاً بها، ثم خلق من وراء ذلك جبلاً يقال له ق السماء الثانية مترفرفة عليه حتى عد سبع أرضين وسبعة أبحر وسبعة أجبل وسبع سموات، قال: وذلك قوله {أية : والبحر يمده من بعده سبعة أبحر} تفسير : [لقمان: 27]. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه وأبو الشيخ والحاكم عن عبد الله بن بريدة في قوله {ق} قال: جبل من زمرد محيط بالدنيا عليه كتفا السماء. وأخرج ابن أبي الدنيا في العقوبات وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال: خلق الله جبلاً يقال له {ق} محيط بالعالم وعروقه إلى الصخرة التي عليها الأرض، فإذا أراد الله أن يزلزل قرية أمر ذلك الجبل فحرك العرق الذي يلي تلك القرية فيزلزلها ويحركها، فمن ثم تحرك القرية دون القرية. وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد قال: {ق} جبل محيط بالأرض. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة {ق} إسم من أسماء القرآن. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس {والقرآن المجيد} قال: الكريم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: {والقرآن المجيد} ليس شيء أحسن منه ولا أفضل منه. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {ذلك رجع بعيد} قال: أنكروا البعث فقالوا: من يستطيع أن يرجعنا ويحيينا؟. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس: {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} قال: من أجسادهم وما يذهب منها. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} قال: ما تأكل الأرض من لحومهم وأشعارهم وعظامهم. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في الآية قال: يعني الموتى تأكلهم الأرض إذا ماتوا. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك {وعندنا كتاب حفيظ} قال: لعدتهم وأسمائهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس {في أمر مريج} يقول: مختلف. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طريق أبي جمرة عن ابن عباس أنه سئل عن قوله {في أمر مريج} يقول: الشيء المريج الشيء المنكر المتغير، أما سمعت قول الشاعر؟ شعر : فجالت والتمست به حشاها فخر كأنه خوط مريج تفسير : وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس {في أمر مريج} يقول: في أمر ضلالة. وأخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف، والخطيب في تالي التلخيص، والطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: {في أمر مريج} قال: مختلط. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم أما سمعت قول الشاعر: شعر : فراغت فانتفذت به حشاها فخر كأنه خوط مريج تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {في أمر مريج} قال: ملتبس وفي قوله {ما لها من فروج} قال: شقوق. وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى {من كل زوج بهيج} قال: الزوج الواحد والبهيج الحسن. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم أما سمعت الأعشى وهو يقول: شعر : وكل زوج من الديباج يلبسه أبو قدامة محبوك يداه معاً تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {كل زوج بهيج} قال: حسن {تبصرة} قال: نعم تبصرة للعباد {وذكرى لكل عبد منيب} قال: المنيب المقبل قلبه إلى الله. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {تبصرة} قال: بصيرة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد وعطاء في قوله {لكل عبد منيب} قال: مخبت. وأخرج في الأدب عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان إذا أمطرت السماء يقول: يا جارية أخرجي سرجي أخرجي ثيابي، ويقول {وأنزلنا من السماء ماءً مباركاً} . وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن الضحاك في قوله {وأنزلنا من السماء ماءً مباركاً} قال: المطر. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وحب الحصيد} قال: الحنطة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {وحب الحصيد} قال: هو البر والشعير. وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن قطبة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصبح فلما أتى على هذه الآية {والنخل باسقات لها طلع نضيد} قال قطبة: فجعلت أقول ما أطولها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {والنخل باسقات} قال: الطول. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عبد الله بن عثمان بن خثيم قال: سألت عكرمة عن {النخل باسقات} فقلت: ما بسوقها؟ قال: بسوقها طلعها، ألم تر أنه يقال للشاة إذا حان ولادها بسقت؟ قال: فرجعت إلى سعيد بن جبير، فقلت له: فقال: كذب، بسوقها طولها في كلام العرب ألم تر أن الله قال: {والنخل باسقات} ثم قال {طلع نضيد} . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عبد الله بن شداد في قوله {والنخل باسقات} قال: استقامتها. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: بسوقها التفافها. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {لها طلع نضيد} قال: متراكم بعضه على بعض.
ابو السعود
تفسير : مكية، وهي خمس وأربعون آية {ق وَٱلْقُرْءانِ ٱلْمَجِيدِ} أيْ ذي المجدِ والشرفِ عَلى سائرِ الكتبِ أوْ لأنَّه كلامُ المجيدِ أوْ لأنَّ منْ علَم معانَيهُ وعمِلَ بما فيهِ مَجُدَ عندَ الله تَعَالَى وعندَ الناسِ والكلامُ فيهِ كالذَّي فُصِّلَ في مطلعِ سورةِ ص وَقولُه تعالَى: {بَلْ عَجِبُواْ أَن جَاءهُمْ مُّنذِرٌ مّنْهُمْ} أيْ لأَنْ جاءَهُم منذرٌ منْ جنسِهم لا من جنسِ المَلَكِ أوْ مِنْ جِلدتِهم، إضرابٌ عَمَّا ينبىءُ عنْهُ جوابُ القسمِ المحذوفِ كأنَّه قيلَ والقرآنِ المجيدِ أنزلناهُ إليكَ لتنذرَ بهِ الناسَ حسَبما وردَ في صدرِ سورةِ الأعرافِ كأنُه قيلَ بعدَ ذلكَ لم يؤمنُوا بهِ بلْ جعلُوا كلاً منَ المنذِر والمنذَرِ بهِ عُرضةً للنكيرِ والتعجيبِ معَ كونِهما أوفقَ شيءٍ لقضيةِ العقولِ وأَقرَبهُ إلى التلقِي بالقبولِ، وقيلَ التقديرُ والقرآنِ المجيدِ إنكَ لمنذرٌ ثمَّ قيلَ بعدَهُ إنَّهم شكُّوا فيهِ ثمَّ أُضربَ عنْهُ وقيلَ بلْ عجبُوا أيْ لم يكتفُوا بالشكِّ والردِّ بلْ جزمُوا بالخلافِ حتَّى جعلُوا ذلكَ منَ الأمورِ العجيبةِ وقيلَ هُوَ إضرابٌ عَمَّا يفهمُ منْ وصفِ القرآنِ بالمجيدِ كأنَّه قيلَ ليسَ سببُ امتناعِهم من الإيمانِ بالقرآنِ أنَّه لا مجدَ لهُ ولكنْ لجهلِهم {فَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا شَىْء عَجِيبٌ} تفسيرٌ لتعجبِهم وبـيانٌ لكونِه مقارناً لغايةِ الإنكارِ مع زيادةِ تفصيلٍ لمحلِّ التعجبِّ، وهذا إشارةٌ إلى كونِه عليهِ الصلاةُ والسلامُ منذِراً بالقرآنِ وإضمارُهم أولاً للإشعارِ بتبعيتِهم بما أسندَ إليهمِ وإظهارِهم ثانياً للتسجيلِ عليهمْ بالكفرِ بموجبِه أوْ عطفٌ لتعجبِهم من البعثِ على تعجبِهم من البعثةِ على أنَّ هذَا إشارةٌ إلى مبهمٍ يفسرُهُ ما بعدَهُ من الجملةِ الإنكاريةِ، ووضعُ المظهرِ موضعَ المضمرِ إما لسبقِ اتصافِهم بَما يوجبُ كفرَهُم وإمَّا للإيذانِ بأنَّ تعجُّبُهم منَ البعثِ لدلالتِه على استقصارِهم لقدرةِ الله سبحانَهُ عنْهُ معَ معاينتِهم لقدرتِه تعالَى على مَا هُو أشقُّ منْهُ في قياسِ العقلِ من مصنوعاتِه البديعةِ أشنعُ من الأولِ وأعرقُ في كونِه كفراً. {أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً} تقريرٌ للتعجب وتأكيدٌ للإنكارِ والعاملُ في إذَا مضمرٌ غنيٌّ عنِ البـيانِ لغايةِ شهرتِه معَ دلالةِ ما بعدَهُ عليهِ أيْ أحينَ نموتُ ونصيرُ تراباً نرجعُ كما ينطقُ به النذيرُ والمنذُر بهِ معَ كمالِ التباينِ بـينَنا وبـينَ الحياةِ حينئذٍ وَقُرىءَ إِذَا متنَا عَلى لفظِ الخبرِ أوْ على حذفِ أداةِ الإنكارِ {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى محلِّ النزاعِ {رَجْعُ بَعِيدٌ} أيْ عنِ الأوهامِ أو العادةِ أو الإمكانِ وقيلَ الرجعُ بمعْنَى المرجوعِ الذي هُوَ الجوابُ فناصبُ الظرفِ حينئذٍ ما ينبىءُ عنه المنذرُ من البعثِ.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {قۤ} [1] أقسم الله تعالى بقوته وقدرته، وظاهرها الجبل المحيط بالدنيا، وهو أول جبل خلقه الله تعالى، ثم بعده جبل أبي قبيس وهو الجبل الذي فوق الصفا، ودونه بمسيرة سنة جبل تغرب الشمس وراءه، كما قال: {أية : حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ}تفسير : [ص:32] وله وجه كوجه الإنسان، وقلب كقلوب الملائكة في المعرفة. قوله: {وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ}[1] قال: يعني المشرف على سائر الكلام.
السلمي
تفسير : قال سهل: أقسم بقدرته وقوته. قال ابن عطاء: أقسم بقوة قلب حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم حيث حمل الخطاب والمشاهدة ولم يؤثر ذلك فيه لعلو حاله. قال سهل فى قوله: {وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} المشرف على سائر الكلام. قال الحسين: القرآن المجيد المطهر لمن اتبعه عن دنس الأكوان وهواجس الأسرار. وقال بعضهم فى قوله: {وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} المهيمن المشرف على جميع الكتب.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ}. ق مقتاح أسمائه: "قوي وقادر وقدير وقريب"... أقسم بهذه الأسماءِ وبالقرآن المجيد. وجوابُ القسَم محذوف ومعناه لَتُبْعَثُنَّ في القيامة. ويقال جوابه: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} أي لقد علينا.. وحذفت اللام لمَّا تطاول الخطاب. ويقال: جوابه قوله: {مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ}. قوله جلّ ذكره: {بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ}. {مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ}: هو محمد صلى الله عليه وسلم. والتعجُّبُ نوعٌ من تعبير النَّفْسِ عن استبعادها لأمرٍ خارج العادة لم يقع به عِلْمٌ من قَبْل. وقد مضى القولُ في إنكارهم للبعث واستبعادهم ذلك: {أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ}. أي يَبْعُدُ عندنا أَنْ نُبْعثَ بعد ما مَتْنا. فقال جل ذكره: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ}. في هذا تسليةٌ للعبد فإنه إذا وُسِّدَ التراب، وانصرف عنه الأصحاب، واضطرب لوفاته الأحباب. فَمَنْ يَتَفَقَّدُه ومَنْ يَتَعَهَّدُه... وهو في شفير قبره، وليس لهم منه شيءُ سوى ذكرِه، ولا أحدَ منهم يدري ما الذي يقاسيه المسكين في حُفْرته؟ فيقول الحقُّ - سبحانه: {قَدْ عَلِمْنَا} ولعلَّه يخبر الملائكة قائلاً: عَبدي الذي أخْرَجته من دنياه - ماذا بقي بينه مَنْ يهواه هذه أجزاؤه قد تَفرَّقَتْ، وهذه عِظامُه بَلِيَتْ، وهذه أعضاؤه قد تَفَتَّتَتْ! {وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ}: وهو اللَّوحُ المحفوظ؛ أَثْبَتنا فيه تفصيل أحوالِ الخَلْقِ من غير نسيانٍ، وبيَّنَّا فيه كلَّ ما يحتاج العبدُ إلى تَذكُّره.
البقلي
تفسير : {قۤ} اقسم الله سبحانه بذاته وصفاته قاف قاف كبرياء قدمه الذى هو اصل الاصل واصل كان اصل {وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} الذى هو خبر عن جميع الذات والصفات المشتمل على حكميات الافعال المقدس عن تغائر الازمنة والدهور كشف بيان ما يقع لارواح العارفين واسرار الواصلين وقلوب المحبين وعقول الصديقين وصدور المقربين ظاهره ظاهر البيان من حيث العبودية وباطنه باطن العيان من حيث الربوبية وحرف القاف كناية عن كل اسم فيه القاف مثل القديم والقادر والباقى والقيوم والقسوى والقاهر والمقتدر والغريب اى بقربى من قلوب العارفين وقرب ارواحهم واسرارهم من مشاهدة بقائى وقدمة وبقصد كل ذى قصد بنعت الارادة والشوق الى مشاهدتى وايضا اى بقيامى على كل ذرة من العرش الى الثرى وبقيامهم بقيوميتى الى الابد وايضا اى بالقلم القادر الذى رقم القرأن على اوراق لوح الملكوت وايضا اى بحرقة قلوب العاشقين والشائقين والمشتاقين الى جمالى والقرأن الذى يشوقهم الى قربى وايضا اى بقسمى الاصطفائية لانبيائى واوليائى المقربين فى سوابق علوم قدرى انا اقرب الى قلوب الفرّارين منى من عروق قلوبهم كشف بكشف جمالى قساوة قلوبهم واقربّهم منى حتى يشتاق الىّ ايضا بقربك منى ما محمد باقرة عيون الانبياء والاولياء والمرسلين والعارفين والصديقين وما انزلت اليك من القرأن المجيد قف عند قرام كبريائى ولا تغص فى قاموس فلزم قدمى حتى لا تستغرق فى قعر بحر بقائى فينقطع منك قوافل الحدثان ويبقوا عن محل القربان بل قف فى مقابلة فمر جمال لتشرب فهوات ودارى وعشقى فى مشاهدة يرقان جلالى وتبقى ببقائى وتلقى عجائب قرأنى المجيد على قلوب القائمين فى مقام الاستقامة يا فهم انما يتعلق بحرف القاف ما يكون فيه القاف من جميع كلمات الله وما ان وما يكون فى افعاله فهذا القاف القسم عليه رمز جميعا فانا قال سبحانه ق اعلم بذلك حبيبه صلى الله عليه وسلم جميع معانيهما من خير الذات والصفات والافعال وهو عرف بالله ما قال الله فيه باقل لمحة فانها تنبئ عن جميعا وهذا رمز بين المحب والحبيب الا ترى كيف انشد العاشق لمعشوقه فقلت لها قفى قالت لى قاف فكنت عن الوقوف بعاشقها والمعانى التى فيه بحرف القاف وهم فهم بها عنها ما كان فى خاطرها من الوقوف على مراد عاشقها فاذا قال سبحانه ق والقرأن المجيد فعلم عليه الصلاة والسلام وسر ما بين الخائفين وما يصل اليه فى ليلة المعراج من الحق من الدنو فيما بين قاب قوسين من الغرب وكشف النقاب.
اسماعيل حقي
تفسير : {ق} اى هذه سورة ق اى مسماة بق وقال ابن عباس رضى الله عنهما هو قسم وهو اسم من اسماء الله تعالى وقال محمد بن كعب هو مفتاح اسماء الله تعالى مثل القادر والقدير والقديم والقاهر والقهار والقريب والقابض والقاضى والقدوس والقيوم اى انا القادر الخ وقيل اسم من اسماء القرآن وقيل قسم أقسم الله به اى بحق القائم بالقسط وقيل معناه قل يا محمد والقرءآن المجيد وقيل قف يا محمد على اداء الرسالة وعند امرنا ونهينا ولا تتعدهما والعرب تقتصر من كلمة على حرف قال الشاعر قلت لها قفى فقالت ق اى وقفت وقيل هو أمر من مفاعلة قفا اثره اى تبعه والمعنى اعمل بالقرآن واتبعه وقيل معناه قضى الامر وما هو كائن كما قالوا فى حم وقيل المراد بحق القلم الذى يرقم القرآن فى اللوح المحفوظ وفى الصحائف (وقال الكاشفى) حروف مقطعه جهت فرق است ميان كلام منظوم ومنثور امام علم الهدى فرموده كه سامع بمجرد استماع اين حروف استدلال ميكند برآنكه كلامى كه بعد ازومى آيد منثورست نه منظوم بس درايراداين حروف ردجما عتيست كه قرآنراشعر كفتند، وقال الانطاكى ق عبارة عن قربه لقوله {أية : ونحن أقرب اليه}تفسير : يعنى قسم است بقرب الهى كه سر ونحن اقرب اليه بدين سوره ازان خبر ميدهد. وقال ابن عطاء اقسم بقوة قلب حبيبه حيث تحمل الخطاب والمشاهدة ولم يؤثر ذلك فيه لعلو حاله اى بخلاف موسى عليه السلام فانه خر صعقا فى الطور من سطوة تجلى النور وفى التأويلات النجمية يشير الى ان لكل سالك من السائرين الى الله تعالى مقاما فى القرب اذا بلغ الى مقامه المقدر له يشار اليه بقوله ق اى قف مكانك ولا تجاوز حدك والقسم قوله والقرءآن المجيد اى قف فان هذا مكانك والقرءآن المجيد فلا تجاوز عنه وقال بعض الكبار ق اشارة الى قول هو الله احد اى الى مرتبه الاحدية التى هى التعين الاول وص اشارة الى الصمد اى الى مرتبة الصمدية التى هى التعين الثانى والصافات اشارة الى التعينات الباقية التابعة للتعين الثانى، يقول الفقير اشار بقوله ق الى قيامه عليه السلام بين يدى الله تعالى فى الصف الاول قبل كل شئ مفارقا لكل تركيب منفردا عن كل كون منقطعا عن كل وصف ثم الى قدومه من ذلك العالم الغيبى الروحانى الى هذا المقام الشهادى الجسمانى كما اشار اليه المجيئ الآتى وقد جاء فى حديث جابر رضى الله عنه وحين خلقه اى نور نبيك يا جابر أقامه قدامه فى مقام القرب اثنى عشر ألف سنة وهو تفصيل عدد حروف لا اله الا الله وحروف محمد رسول الله فان عدد حروف كل منهما اثنا عشر وكذا أفادانه أقامه فى مقام الحب اثنى عشر ألف سنة وفى مقام الخوف والرجاء والحياء كذلك ثم خلق الله اثنى عشر الف حجاب فأقام نوره فى كل حجاب ألف سنة وهى مقامات العبودية وهى حجاب الكرامة والسعادة والهيبة والرحمة والرأفة والعلم والحلم والوقار والسكينة والصبر والصدق واليقين فعبد ذلك النور فى كل حجاب ألف سنة فكل هذا العدد من طريق الاجمال اثنان وسبعون واذا انضم اليه المنازل الثمانى والعشرون على ما اشير اليه فى الجلد الاول يصير المجموع مائة واليه الاشارة بالقاف فهو مائة رحمة ومائة درجة فى الجنة اختص بها الحبيب عليه السلام فى الحقيقة اذ كل من عداه فهو تبع له فكما انهم تابعون له عليه السلام فى مقاماته الصورية الدورية المائة لانه أول من خلقه الله ثم خلق المؤمنين من فيض نوره فكذلك هم بالقرءآن لان الكلام النفسى تنزل اليه مرتبة بعد مرتبة الى ان أنزله روح القدس على قلبه فى هذا العالم الشهادى تشريفا له من الوجه العام والخاص والى كل هذه المقامات ورقى بالقرءآن كما يقال لصاحب القرءآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل فى الدنيا وان منزلك عند آخر آية تقرأها ولا شك انه كان خلقه القرءآن فلذا مجد وشرف بمجد القرءآن وشرفه فاعرف هذا فانه من مواهب الله تعالى ويجوز ان يكون معنى ق من طريق الاشارة احذروا قاف العقل والزموا شين العشق كما قال بعضهم شعر : فقل درنشاط وسرورست قاف عقل دندانة كليد بهشت است شين عشق تفسير : وقال جماعة من العلماء قاف جبل محيط بالارض كأحاطة العين بسوادها وهو اعظم جبال الدنيا خلقه الله من زمرد أخضر او زبرجد أخضر منه خضرة السماء والسماء ملتزقة به فليست مدينة من المدآئن وقرية من القرى الا وفيها عرق من عروقه وملك موكل به واضع يديه على تلك العروق فاذا أراد الله بقوم هلاكا اوحى الى ذلك الملك فحرك عرقا فخسف بأهلها والشياطين ينطلقون الى ذلك الزبرد فيأخذون منه فيبثونه فى الناس فمن ثم هو قليل (وفى المثنوى) شعر : رفت ذو القرنين سوى كوه قاف ديداورا كز زمرد بود صاف كرد عالم حلقهُ كشته او محيط ماند حيران اندران خلق بسيط كفت توكوهى دكرها جيستند كه به بيش عظم توبازيستند كفت ركهاى من اندآن كوهها مثل من نبوند در حسن وبها من بهر شهرى ركى درام نهان بر عروقم بسته اطراف جهان حق جو خواهد زلزل شهر مرا كويد او من برجهانم عرق را بس بجنبانم من آن رك را بقهر كه بدان رك متصل كشتست شهر جون بكويد بس شود ساكن ركم سا كنم وزروى قفل اندرتكم همجو مرهم ساكن بس كاركن جون خردساكن وزوجنبان سخن نزد آنكس كه نداند عقاش اين زلزله هست از بخارات زمين تفسير : قال ابى بن كعب الزلزلة لا تخرج الا من ثلاثة اما لنظر الله بالهيبة الى الارض واما لكثرة ذنوب بنى آدم واما لتحريك الحوت الذى عليه الارضون السبع تأديبا للخلق وتنبيها قال ذو القرنين يا قاف اخبرنى بشئ من عظمة الله تعالى فقال ان شان ربنا لعظيم وان من ورآئى مسيرة خمسمائه عام من جبال ثلج يحطم بعضها بعضا لولا ذلك لاحترقت من نار جهنم والعياذ بالله تعالى منها يعنى اسكندر كفت يا قاف از عظمة الله باما جيزى بكوى كفت يا ذا القرنين كار خداوند ما عظيم است واز اندازه وهم وفهم بيرونست بعظمت او خبر كجارسد وكدام عبارت بوصف اورسد كفت آخر آنجه كمتراست ودرتحت وصف آيد جيزى بكوى كتفت وراى من زمينى است آفريده يانصد ساله راه طول آن ويانصد ساله راه عرض آن همه كوهها اندربران برف واكرنه آن برف بودى من از حرارت دوزخ جون ارزيز بكدا ختمى ذو القرنين كفت ردنى يا قاف نكته ديكر بكوى ازعظمت وجلال او كفت جبريل امين كمر بسته درحجب هيبت ايستاده هرساعتى ازعظمت وسياست دركاه جبروت برخودبلرز درعده بروى افتدرب العالمين ازان رعدهوى صد هزار ملك بيافريند صفها بركشيده درحضرت بنعت هيبت سردربيش افكنده وكوش برفرمان بهاده تايكبار از حضرت عزت ندا آيدكه سخن كوبيد همه كويند لا اله الا الله وبيش ازاين نكويند اينست كه رب العالمين كفت يوم يقوم الروح والملائكة صفا الى قوله وقال صوابا يعنى لا اله الا الله وقيل خضرة السماء من الصخرة التى تحت الارض السفلى تحت الثور وهو المشار اليه بقوله تعالى انها ان تك مثقال حبة من خردل فتكن فى صخرة الآية وجعل الله السماء خضرآء لتكون اوفق للابصار لان النظر الى الخضرة يقوى البصر فى الحكمة وكل صنع الله لحكمة فائدة لاهل العالم وفى الحديث "حديث : ثلاث يجلون البصر النظر الى الخضرة والى الماء الجارى والى الوجه الحسن"تفسير : قال ابن عباس رضى الله عنهما والاثمد عند النوم وبالجملة ان الألوان سوى البياض مما يعين البصر على النظر وعن خالد بن عبد الله ان ذا القرنين لما بنى الاسكندرية رخمها بالرخام الابيض جدرها وارضها فكان لباسهم فيها السواد من نصوع بياض الرخام فمن ذلك لبس الرهبان السواد كما فى اوضح المسالك لابن سباهى قال الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر لما خلق الله الارض على الماء تحركت ومالت فخلق الله تعالى من الابخرة الغليظة الكثيفة الصاعدة من الارض بسبب هيجانها الجبال فسكن ميل الارض وذهبت تلك الحركة التى لا يكون معها استقرار فطوق الارض بجبل محيط بها وهو من صخرة خضراء وطوق الجبل بحية عظيمة رأسها بذنبها رأيت من الابدال من صعد جبل قاف فسألته عن طوله علوا فقال صليت الضحى فى أسفله والعصر فى أعلاه يعنى بخطوة الابدال فالخطوة عند الابدال من المشرق الى المغرب. يقول الفقير لعل هذا من قبيل البسط فى السير والا فقد ثبت ان السماء الدنيا متصلة به وما بين السماء والارض كما بين المشرق والمغرب وهى مسيرة خمسمائة عام فكيف تسع هذه المسيرة تلك الخطوات المتضاعفة وفى الخبر ان لقاف فى السماء سبع شعب لكل سماء شعبة منها فالسموات السبع مقببة على شعبه وخلق الله ستة جبال من ورآء قاف وقاف سابعها وهى موتودة بأطراف الارض على الصخرة وقاف ورآءها على الهوآء وقيل خلق الله جبل قاف كالحصن المشرف على الملك ليحفظ اهل الارض من فيح جهنم التى تحت الارض السابعة، يقول الفقير فيه اشارة الى حال قطب الاقطاب رضى الله عنه فأنه مشرف على جميع الرجال من حيث جمعية اسمه وعلو رتبته وبه يحفظ الله العالم من الآفات الصورية والمعنوية كما ان جبل قاف مشرف على سائر الجبال وبه يحفظ الله اهل الارض بالغدو والآصاف ومن خلف ذلك الجبل بحر محيط بجبل قاف وحوله جبل قاف آخر والسماء الثانية مقببة عليه وكذلك من وراء ذلك بحار محدقات بجبل قاف على عدد السموات وان كل سماء منها مقببة عليه وان فى هذه البحار وفى سواحلها ويبسها المحدقة بها ملائكة لا يحصى عددهم الا الله ويعبدون الله حق عبادته ومن جبل قاف ينفجر جميع عيون الارض فيشرب منه كل بر وفاجر فيجده العبد حيث توجه وفى البعض مثل ذلك وما رآه جبل قاف فهو من حكم الآخرة لا من حكم الدنيا وقال بعض المفسرين ان الله سبحانه من ورآء جبل قاف ارضا بيضاء كالفضة المجلاة طولها مسيرة اربعين يوما للشمس وبها ملائكة شاخصون الى العرش لا يعرف الملك منهم من الى جانبه من هيبة الله تعالى ولا يعرفون ما آدم وما ابليس هكذا الى يوم القيامة وقيل ان يوم القامية تبدل ارضنا هذه بتلك الارض (وروى) ان الله تعالى خلق ثمانية آلاف عالم الدنيا منها عالم واحد وان الله تعالى خلق فى الارض ألف امة سوى الجن والانس ستمائة فى البحر واربعمائة فى البر وكل مستفيض منه تعالى شعر : جنان بهن خوان كرم كسترد كه سيمرغ درقاف قسمت خورد تفسير : {والقرءآن المجيد} اى ذى المجد والشرف على سائر الكتب على أن يكون للنسب كلا بن وتامر أو لانه كلام المجيد يعنى ان وصف القرءآن بالمجد وهو حال المتكلم به مجاز فى الاسناد او لان من علم معانيه وعمل بما فيه مجد عند الله وعند الناس وشرف على أن يكون مثل بنى الامير المدينة فى الاسناد الى السبب قال الامام الغزالى رحمه الله المجيد هو الشريف ذاته الجميل أفعاله الجزيل عطاؤه ونواله فكان شرف الذات اذا قارنه حسن الفعال سمى مجيدا وهو الماجد ايضا ولكن احدهما ادل على المبالغة وجواب القسم محذوف اى انك يا محمد لنبى منذر أى مخوف من عذاب الله تعالى
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {قۤ} أيها القريب المقرب من حضرتنا {و} حق {القرآنِ المجيد} إنك لرسول مجيد، أو: {قۤ} أي: وحق القَويّ القريب، والقادر القاهر. وقال مجاهد: هو جبل محيط بالأرض من زمُردة خضراء، وعليه طغى الماء، وخُضرة السماء منه، والسماء مقبّبة عليه، وما أصاب الناس من زمرد فمما تساقط من ذلك الجبل. ورُوي أن ذا القرنين وصل إليه، فخاطبه، وقال: يا قاف أخبرني بشيء من عظمة الله، قال: إن شأن ربنا لَعظيم، وإن ورائي أرضاً ميسرة خمسمائة عام، في عرض خمسمائة عام، من ثلج يحطم بعضه بعضاً، لولا ذلك الثلج لاحترقت من نار جهنم. هـ. {والقرآنِ المجيد} أي: ذي المجد والشرف على سائر الكتب، أو: لأنه كلام مجيد، مَن علم معانيه وعمل بما فيه مَجُد عند الله وعند الناس. وجواب القسم محذوف، أي: إنك لرسول نذير، أوك لتُبعثن، بدليل قوله: {أئذا متنا...} الخ، أو: إنا أنزلناه إليك لِتُنذر به فلم يؤمنوا، {بل عَجِبوا أن جاءهم} أي: لأن جاءهم {مُنذر منهم} من جنسهم، لا من جنس الملائكة، أو: من جلدتهم، وهو إنكار لتعجّبهم مما ليس بعجب، وهو أن يُخوفهم من غضب الله رجلٌ منهم قد عرفوا عدالته وأمانته، ومَن كان كذلك لم يكن إلا ناصحاً لقومه، خائفاً أن ينالهم مكروه وإذا علم أن مخوفاً أظلهم لزمه أن ينذرهم، فكيف بما هو غاية المخاوف؟ أو إنكار لتعجُّبهم مما أنذرَهم به من البعث مع علمهم بقدرة الله تعالى على خلق السموات والأرض وما بينهما، وإقرارهم بالنشأة الأولى، مع شهادة العقل بأنه لا بدّ من الجزاء، وإلا كان إنشاء الخلق عبثاً، ثم بيَّن تعجُّبهم بقوله: {فقال الكافرون هذا شيءٌ عجيبٌ} أي: هذا الذي يقوله محمد من البعث بعد الموت شيءٌ عجيب، أو: كون محمد منذراً بالقرآن شيءٌ يُتعجب منه. ووضع "الكافرون" موضع الضمير للدلالة على أنهم في قولهم هذا مُقدِمون على كفر عظيم. ثم قالوا: {أئِذا متنا وكنا تُراباً} أي: أنُبعث حين نموت ونصير تراباً كما يقوله هذا النذير؟ {ذلك رجع بعيد} أي: ذلك البعث بعد هذه الحالة رجوع مستبعَد، منكَر، بعيد من الوهم والعادة. فالعامل في "إذا" محذوف مفهوم من الكلام كما قدرنا. قال تعالى: {قد عَلِما ما تنقصُ الأرضُ منهم} وهو ردّ لاستبعادهم؛ فإنَّ مَن عمّ علمه ولطفه حتى ينتهي إلى حيث علم ما تنقص الأرضُ من أجساد الموتى، وتأكل من لحومهم وعظمهم، كيف يستبعد رجعه إياهم أحياء كما كانوا؟! عن النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : كلُّ ابن آدم يأكله التراب إلا عَجْبُ الذَّنَب، ومنه خُلق، وفيه يُرَكَّب"تفسير : وهو العُصْعص، وقال في المصباح: العَجْب - كفلْس - من كل دابة: ما انضم عليه الورِك من أصل الذَّنَب. هـ. وهو عَظم صغير قدر الحمصة، لا تأكله الأرض، كما لا تأكل أجساد الأنبياء والأولياء والشهداء. قال ابن عطية: حفظ ما تنقص الأرض إنما هو لِيعود بعينه يوم القيامة، وهذا هو الحق. وذهب بعض الأصوليين إلى أن الأجساد المبعوثة يجوز أن تكون غير هذه، هذا عندي خلاف ظاهر كتاب الله، ولو كانت غيرها كيف كانت تشهد الجلود والأيدي ولأرجل على الكفرة؟ إلى غير ذلك مما يقتضي أن أسجاد الدنيا هي التي تعود. هـ. {وعندنا كتابٌ حفيظ} لتفاصيل الأشياء، أو: محفوظ من التغيير، وهو اللوح المحفوظ، أو: حافظاً لما أودعه وكتب فيه، أو: يريد علمه تعالى، فيكون تمثيلاً لعلمه تعالى بكليات الأشياء وجزيئاتها، بعلم مَنْ عنده كتاب حفيظ يتلقى منه كل شيء. {بل كذّبوا بالحق} إضراب وانتقال من بيان شناعتهم السابقة، وتكذيب البعث، إلى ما أشنع منه وأفظع، وهو تكذيبهم للنبوة الثابتة بالمعجزات الباهرة، {لَمَّا جاءهم} من غير تأمُّل وتفكُّر، وقيل: الحق: القرآن، أو: الإخبار بالبعث، {فهم في أمر مَرِيج} مضطرب، لا قرار له، يقال: مرج الخاتم في أصبعه إذا اضطرب من سعته، فيقولون تارة: مجنون، وطوراً: ساحر، ومرة: كاهن، ولا يثبتون على قول. أو: مختلط، يقال: مرج أمر الناس: اختلط. أو: ملبِس، قال قتادة: مَن ترك الحق مرج عليه أمره، وألبس عليه دينه. {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم} بحيث يشاهدونها كل وقت {كيف بَنيناها} رفعناها بغير عمد {وزيّناها} بما فيها من الكواكب المترتبة على نظام عجيب، {وما لها من فُروج} من فنوق لمَلاستها وسلامتها من كل عيبٍ وخلل، {والأرضَ مددناها} بسطناها {وألقينا فيها رواسيَ} جبالاً ثوابت، من: رسى الشيء: ثبت، والتعبير عنها بهذا الوصف للإيذان بأن إلقاءها إنما هو للإرسال، {وأنبتنا فيها من كل زوج} صنف {بهيج} حسن. {تبصرةً وذِكرَى} علتان للأفعال المذكورة، أي: فعلنا ما فعلنا تبصُّراً وتذكيراً {لكل عبدٍ مُنيبٍ} أي: راجع إلى ربه، متفكر في بدائع صنائعه. {ونزَّلنا من السماء ماءً مباركاً} كثير المنافع {فأنبتنا به جناتٍ} بساتين كثيرة {وحبَّ الحصيد} أي: حب الزرع الذي شأنه أن يحصد من البُرِّ والشعير وأمثالهما، وتخصيص حب الحصيد بالذكر لأنه المقصود بالذات؛ إذ به جل القوام. {والنَّخْلُ باسقاتٍ} طوالاً في السماء، أو: حوامل، من: بسَقت الشاة: إذا حملت. وتخصيصها بالذكر مع اندراجها في "جنات" لبيان فضلها على سائر الأشجار، {لها طَلع نَضِيدٌ} منضود، بعضه فوق بعض، والمراد: تراكم الطلع، أو: كثرة ما فيه من الثمر، {رزقاً للعباد} أي: لرزق أشباحهم، كما أن قوله: {تبصرة وذكرى} لرزق أرواحهم. وفيه تنبيه على أن الواجب على العبد أن يكون انتفاعه بما ذكر من حيث التذكُّر والتبصُّر الذي هو رزق الروح أهم وأقدم من تمتُّعه من حيث الرزق الحسي، {وأحيينا به} بذلك الماء {بلدةً ميتاً} أرضاً جدبة، لا نماء فيها أصلاً، فلما أنزلنا عليه الماء رب واهتزت بالنبات والأزهار، بعدما كانت جامدة. وضمَّن البلدة معنى البلد فذَكَّر الوصف. {كذلك الخروجُ} من القبور، فكما حييت هذه البلدة الميتة كذلك تُخرجون أحياء بعد موتكم، لأن إحياء الموت كإحياء الأموات. وقدّم الخبر للقصد إلى القصر. والإشارة في "كذلك" إلى الحياة المستفادة من الإحياء، وما فيه من معنى البُعد للإشعار ببُعد رتبها، أي: مثل ذلك الحياة البديعة حياتكم بالبعث من القبور، لا شيء مخالف لها. وفي التعبير عن إخراج النبات من الأرض بالإحياء، وعن حياة الأموات بالخروج؛ تفخيم لشأن النبات، وتهوين لأمر البعث، وتحقيق للمماثلة؛ لتوضيح منهاج القياس، وتقريبه إلى أفهام الناس. الإشارة: {قۤ} أيها القريب المقرَّب، وحق القرآن المجيد، إنك لحبيب مجيد، رسول من عند الله الملك المجيد، وإن كنت بشراً فنسبتك من البشر كياقوتة بين الحجر، فالبشرية لا تُنافي الخصوصية، بل تجامعها مِنَّةً منه تعالى وفضلاً، على مَن شاء من عباده، فاستبعاد الكفار مجامعة الخصوصية للبشرية كاستبعاد إبليس تفضيل آدم لكونه بشراً من طين، وذلك قياس فاسد، مضاد للنص، وكما استَبعدت الكفرة وجود خصوصية النبوة في البشر، استبعدت الجهلُ خصوصية التربية بالإصطلاح في البشر، بل عجِبوا أن جاءهم منذر منهم، يدل على الله، ويُبين الطريق إليه، قالوا: هذا شيء عجيب: {أئذا متنا} بأن ماتت قلوبنا بالغفلة، {وكنا تراباً} أرضيين بشريين، تحيى أرواحنا بمعرفة العيان؟! ذلك رجع بعيد. قال تعالى: {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} أرض النفوس من أرواحهم، وتهوي بها إلى الحضيض الأسفل، فيجذبها إلى أعلى عليين، إن سبقت عنايتنا، وعندنا كتاب حفيظ يحفظ المراتب والمقامات، فيلتحق كل واحد بما سبق له. بل كذّبوا بالحق، وهو الداعي إلى الحق، لمّا جاءهم في كل زمان، فهم في أمر مريج، تارة يُقرون وجود التربية بالهمّة والحال، وينكرون الاصطلاح، وتارة يُقرون بالجميع، وينكرون تعيينه، أفلم ينظروا إلى سماء القلوب والأرواح، كيف بنيناها، أي: رفعنا قدرها بالعلوم والمعارف، وزيَّنَّاها بأنوار الإيمان والإحسان، وليس فيها خلل، وأرض النفوس مددناها: جعلناها بساطاً للعبودية، وألقينا فيها رواسي أرسيناها بالعقول الصافية الثابتة، لئلا تضطرب عند زلزلات الامتحان، وأنبتنا فيها من كل صنف بهيج، من فنون علم الحكمة والتشريع، تبصرةً وتذكيراً لكل عبدٍ منيبٍ، راجع إلى مولاه، قاصدٍ لمعرفته. قال القشيري: تبصرةً وذكرى لمَن رجع إلينا في شهود أفعالنا إلى رؤية صفاتنا، ومن شهود صفاتنا إلى شهود ذاتنا. هـ. ونزَّلنا من السماء ماء العلوم اللدينة، كثير البركة والنفع، فأنبتنا به جنات المعارف وحب الحصيد، وهو حب المحبة؛ لأنه يحصد من القلب محبة ما سوى الله. والنخل باسقات، أي: شجرة المعرفة الكاملة لها طلع نضيد: ثمرة المعرفة وحلاوة الشهود، رزقاً لأرواح العباد، وأحيينا به نفساً ميتة بالغفلة والجهل، كذلك الخروج من ظلمة الجهل إلى نور العلم، أي: مثل هذا الخروج البديع يكون الخروج، وإلا فلا. ثم هدَّدهم بما جرى على مَن قبلهم، فقال: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ}.
الطوسي
تفسير : لم يعد أحد (ق) آية، وكذلك نظائره مثل (ن) و (ص) لانه من المفرد، وكل مفرد فانه لا يعد لعبده عن شبه الجملة. وأما المركب فما اشبه الجملة ووافق رؤس الآي، فانه يعد مثل (طه) و (حم) و (ألم) وما أشبه ذلك. و (قاف) قيل هو اسم للجبل المحيط بالأرض. وقيل: هو اسم من اسماء السورة ومفتاحها على ما بيناه فى حروف المعجم. وهو الأقوى. وقيل: (ق) من قضى الأمر و (حم) من حم أي دنا. وقوله {والقرآن} قسم من الله تعالى بالقرآن. وجواب القسم محذوف، وتقديره لحق الأمر الذي وعدتم به انكم لمبعوثون، تعجبوا فقالوا {أئذا متنا وكنا تراباً}! وقيل: تقديره، ورب القرآن. واستدل بذلك على حدوثه، وهو خلاف الظاهر. والمجيد العظيم الكرم. ووصف القرآن وبعثه بأنه مجيد معناه انه عظيم القدر عالي الذكر. ويقال مجد الرجل ومجد مجداً وهما لغتان إذا عظم كرمه وأمجد كرمت فعاله، والمجيد فى اسم الله تعالى العظيم الكرم، ومجده خلقه: عظموه بكرمه، ورجل ماجد عظيم الكرم. وتماجد القوم تماجداً، وذلك إذا تفاخروا باظهار مجدهم. والمجد مأخوذ من قولهم: مجدت الابل مجوداً، وذلك إذا عظمت بطونها لكثرة أكلها من كلأ الربيع. وأمجد القوم ابلهم وذلك في الربيع، كأنهم أصابوا أكلاً عظيماً كريماً قال الشاعر: شعر : رفعت مجد تميم باهلال لها رفع الطراف على العلياء بالعمد تفسير : وقوله {بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب} اخبار منه تعالى عن حال الكافرين الذين بعث الله اليهم النبي صلى الله عليه وآله من كفار قريش وغيرهم مخوفاً لهم من معاصيه وترك طاعاته باستحقاق العقاب على ذلك وانه تعالى سيبعثهم ويجازيهم على ذلك بعد الموت، فقال الكافرون جواباً لهذا القول: هذا شيء عجيب، والتعجب يثير النفس تعظيم الأمر الخارج عن العادة الذي لا يقع بسببه معرفة، يقال عجب عجباً وتعجب تعجباً، فالذي يتعجب منه عجب. وقيل: العجب هو كل ما لا يعرف علته ولا سببه، وأفحش العجب التعجب مما ليس بعجب على طريق الانكار للحق، لانه يجتمع فيه سببا القبيح، فهؤلاء تعجبوا من مجيء النذير من الله تعالى اليهم فقد فحشوا غاية التفحش، مع انه مما يعظم ضرر الجهل به. ثم قالوا أيضاً في الجواب عن ذلك ائذا متنا وخرجنا من كوننا أحياء وكنا تراباً يبعثنا الله!؟ وحذف لدلالة الكلام عليه. ثم قالوا {ذلك رجع بعيد} أي يبعد عندنا أن نبعث بعد الموت، لان ذلك غير ممكن، فقال الله تعالى {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} أي علمنا الذي تأكل الارض من لحومهم، لا يخفى علينا شيء منه {وعندنا كتاب حفيظ} أي ممتنع الذهاب بالبلى والدروس، كل ذلك ثابت فيه ولا يخفى منه شيء وهو اللوح المحفوظ ثم قال {بل كذبوا بالحق لما جاءهم} يعني بالنبي والقرآن الذي جاء به دالا على صدقه، وبالبعث والنشور، الذي أنذرهم به فهم في أمر مريج أي مختلط ملتبس واصله ارسال الشيء مع غيره في المرج من قولهم: مرج الخيل الذكور مع الأناث وهو مرج بالخيل أي المسرح الذي يمرج فيه، و {مرج البحرين} ارسلهما فى مرج {يلتقيان} ولا يختلطان. قوله {من مارج من نار} أي مرسل الشعاع بانتشاره. قال ابو ذؤيب شعر : فحالت فالتمست به حشاها فخر كانه غصن مريج تفسير : أي قد التبس بكثرة تشعبه ومرجت عهودهم وأمرجوها أي خلطوها، ولم يفوا بها. وقال ابو عبيدة: مرج أمر الناس إذا اختلط، قال ابو ذؤيب (فخر كأنه خوط مريج) أي سهم مختلط الأمر باضطرابه، فهؤلاء الكفار حصلوا في أمر مختلط ملتبس من أمر النبي صلى الله عليه وآله، فقالوا تارة هو مجنون وأخرى هو كاهن وأخرى هو شاعر، فلم يثبتوا على شيء واحد، فلذلك كانوا في أمر مريج.
الجنابذي
تفسير : {قۤ} اسم لله او للنّبىّ (ص)، او للقرآن، او للجبل المحيط بالدّنيا، وهو من جبال عالم البرزخ او المثال او نفس عالم البرزخ لانّ خلفه عالم المثال {وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} العظيم فى نفسه المنيع من التّسلّط عليه، وجواب القسم محذوف اى انّك لرسول الله (ص) او انّهم ليبعثون بقرينة ما بعده.
الأعقم
تفسير : {ق} قيل: اسم من أسماء الله تعالى عن ابن عباس، وقيل: افتتاح أسماء الله تعالى نحو قديم وقادر وقاهر وقريب، وقيل: اسم من أسماء القرآن، وقيل: اسم للسورة عن الحسن وأبي علي، وقيل: جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء السماء منه، وقيل: اسم للسورة فكأنه قال: أقسم بهذه السورة تنبيهاً على عظمها، وقيل: القسم برب القرآن كأنه قال: وبرب ق {والقرآن} وسمي القرآن لجمعه {المجيد} الكريم على الله العظيم في نفسه الكثير الخير والنفع وفيه حذف، أي لتبعثن يوم القيامة، وقد قيل أنه جواب القسم، وقيل: جوابه قد علمنا، وقيل: {بل عجبوا} فلما وعدهم بالبعث أنكروا فقال سبحانه: {بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم} أي رسول مخوف يخوفهم عقاب الله، وقيل: يخوفهم بالبعث، وقيل: عجبوا من كون الرسول بشراً منهم {فقال الكافرون هذا شيء عجيب} ثم بيَّن ماذا تعجبهم فقالوا: {أئذا متنا وكنا تراباً} فيه حذف، أي لنبعث، ثم أنكروا فقالوا: {ذلك رجع بعيد} أي رجع إلى حال الحياة بعيد، فأجابهم الله تعالى بأنه لا موضع للعجب والإِنكار فإنه القادر على الإِعادة والعالم بالأجزاء المتفرقة فما المانع من الإِعادة فقال سبحانه: {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} أي ما أكل من لحومهم وعظامهم حتى صاروا تراباً مفترقاً، وقيل: معناه قد علمنا ما يبقى منهم وما يفنى {وعندنا كتاب حفيظ} محفوظ من الشياطين ومن التغيير وهو اللوح المحفوظ، وقيل: كتاب الموكل بهم يكتبون أعمالهم فهو محفوظ للجزاء إلى وجوب الإِعادة مفاخراً: {بل كذّبوا بالحق لما جاءهم} قيل: بالقرآن، وقيل: بالرسول، فمرة قالوا: مجنون، ومرة قالوا: كاهن، ومرة قالوا: ساحر {فهم في أمرٍ مريج} مختلط، وقيل: في ضلالة، وقيل: مختلف، وقيل: ملتبس.
الهواري
تفسير : تفسير سورة ق، وهي مكية كلها. {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {ق}. ذكروا عن عكرمة أنه قال: هو اسم من أسماء الله. وكان الحسن يقول: ما أدري ما تفسير ق. وطسم، وحم، وكهيعص وأشباه ذلك؛ غير أن قوماً من السلف كانوا يقولون: أسماء السور ومفاتيحها. وذكر بعضهم في طسم وحم قال: أسماء من أسماء الكتاب. وبعضهم يقول في ق: جبل محيط بالدنيا. وبعضهم يجر قافِ. {وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} يحمله على القسم. ومعنى المجيد الكريم على الله. ومن جزم جعل القسم من وراء القرآن المجيد. وتفسير الحسن أن القسم وقع على تعجب المشركين مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. قال: {بَلْ عَجِبُوا} أي لقد عجب المشركون {أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ} أي: محمد صلى الله عليه وسلم؛ أي منهم في النسب، وليس منهم في الدين، ينذر من عذاب الله. {فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} أي: عجب. {أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا} على الاستفهام {ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} ينكرون البعث، أي إنه ليس بكائن.
اطفيش
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {ق} فيه ما في ص قال ابن عباس هو قسم قال الحسن ما أدري ما تفسير (ق وطسم وحم وكهيعص) وأشباه ذلك وقيل ذلك كله أسماء للسور وقيل أسماء للقرآن وقيل أسماء لله وقيل {ق} مفتاح أسمائه المبدوءة بالقاف كالقادر وقيل (قضاء) الامر و (قضاء) ما هو كائن وقيل جبل محيط بالدنيا من زمردة خضراء متصلة عروقه بالصخرة التي عليها الأرض والسماء وبجبال الدنيا وخضرة السماء منه ولا يعلم ما رآه الا الله وقيل هو من وراء الحجاب الذي تغيب الشمس من ورائه بمسيرة سنة وممن قال بأنه الجبل مجاهد والضحاك وابن زيد وعكرمة في رواية وقالوا ان منه خضرة البحر أيضاً وهو أول جبل خلق ثم جبل أبي قبيس ثم الجبل الذي تغرب الشمس من ورائه* {وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} الكريم في أوصافه وقيل الكريم على الله وقيل ذي الشرف على الكتب وقيل سماه مجيداً لانه كلام المجيد أو لانه من علمه وعمل به مجد وقيل كثير الخير والبركة والواو عاطفة على {ق} ان جعل {ق} قسماً للقسم ان لم يجعل قسماً على حد ما مر في {أية : ص} تفسير : والجواب محذوف أي ما آمن كفار مكة بمحمد صلى الله عليه وسلم أو لم يعجبوا بالارسال بل يكون الرسول منهم أو ما ردوا أمرك بحجة وقال الزجاج لنبعثن وقيل الجواب وهو قوله {أية : قَدْ علمنا ما تنقُصُ الأرض منهم} تفسير : وحذف اللام لطول الكلام وقيل هو ما يلفظ من قول الخ وزعم بعض انه {بل عجِبُوا} ولعل المراد انه ما دل عليه
اطفيش
تفسير : {ق} كان صلى الله عليه وسلم كثيرا ما كان يقرؤها فى الأولى من الفجر، وفى الثانية "أية : اقتربت الساعة" تفسير : [القمر: 1] قالت أم هشام بنت حارثة: ما أخذت {ق والقرآن المجيد} إلا من فى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقرؤ بها فى كل جمعة على المنبر فى الخطبة، ومما قيل فى "ق" إنه فعل أمر ومفاعلة من قفا يقفو، ويقال قافى يقافى قاف بكسر الفاء، أى تابع باسكان العين، أمره باتباع القرآن والعمل بما فيه، أو افعل من وقف، أى قف عند ما شرع الله عز وجل لا تجاوزه، وقيل: اسم لله عز وجل، وقيل: مفتاح كل اسم لله تعالى مبدوء بالقاف، مثل قادر وقدير، وقاهر وقريب، وقابض وقدوس وقيوم. وشهر ان وراء البحر المحيط جبلا محيطا بالدنيا يقال له "ق" من زمرد أخضر، عروقه فى الصخرة التى عليها الأرض، إذا أراد الله زلزلة أرض حرك عرقا يليها، ولم أر ذلك فى حديث مسند عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل وقف على التابعين وبعض الصحابة كابن عباس، ولو روته جماعة يلتزمون تخريج الحديث الصحيح، ومع ذلك فى القلب من صحته شىء، والله قادر على أضعاف ما لا يحصى من ذلك، وأما يرد ذلك بأن الناس قطعوا هذه الأرض برها وبحرها ولم يروه، فلا يصح لأنه لا يوجد من قطع البحر المحيط عرضا لهول ما بعد منه، ولو بسفن النار، ولظلمته فانه لا تقطعه الشمس دبورا وشمالا ومشرقا، فيكف الجنوب، وأمر الزلزلة لا يتوقف على جبل "ق" وعرقه، بل يزلزلها الله عز وجل بلا شىء، وان زلزلها باحتقان بخار فيما صلب تحتها أو بغيره. {والقُرآن المَجِيد} قسم مستأنف، أو عطف على الاقسام بقاف، على أن قافا جبل أقسم به الله، أو أنه السورة هذه أقسم الله بها، والجواب محذوف تقديره: لتبعثن، أو أنك جئتهم منذرا بالبعث، أو انا أنزلناه لتنذر به، أو انك لمنذر، أو لا حجة لهم فى الرد عليك، أو قوله: {ما تنقص الأرض} أو "أية : ما يلفظ من قول"تفسير : [ق: 18] أو "أية : إنَّ في ذلك لذكرى" تفسير : [ق: 37] أو "أية : ما يُبدل القول لديَّ" تفسير : [ق: 29] حذفت اللام فى هذه الأربعة لطول الفصل أو هو قوله تعالى: {بلْ عَجبُوا أنْ جاءهم مُنذرٌ منْهُم} وفيه أن بل ولو لم تكن عاطفة لكنها للاضراب، فلا تكون فى الجواب، وهب أنها فيه لكن لا يجىء مثل ذلك فى كلام العرب، فلا يخرج عليه القرآن، والأولى أنها عاطفة على محذوف، وأن الجواب أنك جئتهم منذرا بالبعث، أو انك لمنذر، أو انا أنزلناه لتنذر به، وصورة العطف هكذا مثلا، انا أنزلناه لتنذر به الناس فلم يؤمنوا به، بل عجبوا، أو فلم يقبلوا بل عجبوا، أوفشكوا بل عجبوا، لم يكتفوا بالشك بل جزموا بالتكذيب، وجعلوه من الأمور التى يتعجب منها، وقيل: الاضراب متعلق بقوله: "المجيد" أى بل عجبوا لجهلهم بمجد القرآن، لا لانتهاء المجد عنه، فانه مجيد، والتعجب من الشىء يقتضى الجهل بسببه، وهو تكلف لا يتبادر. ومعنى المجيد الشريف، ومجده حسنة لفظا ومعنى، فلا حاجة لوصفه للنسب أى ذى الشرف، على أن المشهور فى النسب فاعل، كتامر ولابن، لا فعيل كقريب وعجيب، ولو صح عن العرب، ولا يخفى أن شرفه على سائر كتب الله، لأنه أحسن لفظا ومعنى، وأنه معجز وناسخ غير منسوخ، ولأنه مشتمل على أسرار لم ينزلها الله تعالى فى غيره وغفلوا عن كون حسنه يوجب له اسم مجيد، فأولوه بالنسب ليكون المعنى انه صاحب المجد المنسوب لله تعالى، وأولوه بأنه من المجد الذى هو السعة فى الكرم فقالوا: معناه أنه مشتمل على ذكر مكارم كثيرة، دنيوية ودينية وأخروية، وأولوه بأنه وصف بصفة جاعله كما فى القرآن الحكيم بالاسناد المجازى العقلى، أو تقدير مضاف أى المجيد منزله أو جاعله أو خالقه والقرآن مخلوق، أو المجيد متبعه بالعمل به، وأولوه بأنه فعيل من الثلاثى بمعنى اسم مفعول من أمجده بالهمزة، أو مجده بالشد، أى صيره مجيدا. قلت: لم يتخلص قائله من الاشكال مع ان استعمال الثلاثى بمعنى الأفعال أو التفعيل لا نسلم حسنه ولا جوازه، وان قلنا به فى موضع فعلى طريق الحكاية، وان جاءهم على تقدير اللام أو الباء، أى لمجىء منذر منهم، او بمجىء منذر منهم، أى من جنس قريش، أو من جنس العرب، أو جنس البشر، والأول أشد عيبا عليهم، ويليه الثانى، إذ لم يقبلوا ما هو شرف لهم، والثالث أنسب بقولهم: كيف يكون النبى بشرا، وكذا واو عجبوا لقريش أو العرب أو للناس. {فقال الكافرون هذا شيءٌ عجيبٌ} تفسير وتفصيل لعجبهم، والفاء لذلك، أو عطف لتعجبهم من البعث على تعجبهم من ارساله صلى الله عليه وسلم، والاشارة لى كونه منذرا، أو الى البعث المدلول عليه بقوله تعالى: {أئذا مِتْنا وكنَّا تراباً} مقررا للتعجب، ومؤكذا للانكار، ومبينا لموقع تعجبهم، وهو بعثهم بعد أن كانوا ترابا، والفاء لكون تعجبه بالبعث بعد تعجبهم بالارسال اذا جعلنا الاشارة للبعث، ومعلوم أن البعث يذكر بعد الرسالة، وانكار أحدهما انكار للآخر، ومقتضى الظاهر فقالوا وأظهر ليصفهم بما فيهم من قبل من الكفر، فذلك كالعهد الذكرى، وليحل على أن تعجبهم من البعث أقبح من تعجبهم من ارسال البشر لتضمن انكار البعث نسبة الله تعالى إلى العجز عنه، مع معاينتهم ما يدل له، وما هو أقوى منه، واذا متعلق بمحذوف يقدر قبله على خروجها عن الصدر، أى الحى إذا كنا تراباً، أو إذا كنا تراباً نحيا كما يقول محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك كما يدل له قوله تعالى: {ذلكَ} الاحياء، أو ذلك البعث، أو ذلك الرجع {رجْعٌ} رد من موت الى حياة مصدر رجع المتعدى، والهمزة للانكار {بَعيدٌ} من الأوهام والعادة والامكان، وذلك من كلامهم. ويجوز على ضعف أن يكون الرجع بمعنى رد المشركين لمخبرهم بالبعث، فتكون الاشارة الى انكارهم البعث فى قولهم: "أئذا متنا" الخ أو الى قولهم هذا أو الى جوابهم النبى صلى الله عليه وسلم بالانكار، فيكون قوله تعالى: "رجع بعيد" من كلام الله تعالى، أى بيعد عن الحق، أجابوا به منذرهم صلى الله عليه وسلم، ولا يلزم فى هذا الوجه أن يكون رجع بمَعنى مرجوع كما قيل، أى جواب مرجوع، ووجه انكارهم البعث تفتت الجسم وفناؤه، فرد الله تعالى عليهم بأنه عالم بما تفتت وما فنى منهم فى الأرض فقال: {قَد علمنَا ما تنقص الأرضُ} وغيرها اقتصر عليها لأنها أكثر فى ذلك ومعناه تفنى وتأكل، وهو أولى من تفسره بتغييب الميت فيها، فينقص من عدد الأحياء {مِنْهم} من شعورهم وجلودهم ولحومهم وعظامهم وأظفارهم {وعِنْدنا} وحدنا {كتابٌ حَفيظٌ} زيادة تعميم فى عمله بكل شىء، وانتفاء عجزه، وذلك كناية عن الضبط والاحاطة بكل شىء علما بأعمالهم، واجزاء الموتى، وان قلنا اللوح المحفوظ فذلك بيان لما ذكر، وتقدير له، ولا ينسى شيئاً ولا يحتاج الى اللوح المحفوظ، ولا يخفى أن القادر على خلق شىء من غير شىء، قادر على اعادة ما فنى ولم يبق منه بعض ولا أثر، نقول: هذا تقليدا لكمال قدرته، والا فالمعدوم كيف يرجع بنفسه، فأنه اذا تصورت وجوده فامَّا أن الموجود شىء آخر مثله كما قال به بعض، وهو مخالف للصواب، لأن الله عز وجل يقول: أبعثكم ولم يقل أبعث أمثالكم، اما أن يكون هو الأول فأين كان حتى رجع والغرض أنه عدم، وأما صفته أشكاله فلا اشكال كما يبقى عندك وصف الشىء وشكله، ووصف الفعل بعد العدم. وانما قلت ذلك خلاف الصواب، لأن فيه نسبة العجز الى الله، وتعريض أجسام لم تعص على صورة العذاب، الخصم يقول: لا بأس فى ذلك، وله أن يفعل ما يشاء، مع أن العذاب مطلقا ليس للجسم، وانما هو للروح، والروح باق، وقد أذعنت قلوبنا الى أنه قادر على ايجاد ما فنى، كما قدر على خلق شىء من غير شىء، بل نقول: ولا بأس تغنى الأرواح التى فى صور اسرافيل، ويخلقها الله، أو تبقى وهى كالجماد ولا بأس، ويحيى الله تعالى بها الموتى، وان قلنا: هى احياء فى الصور فلا بد من موتها، ثم احيائها، قال أبو هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس من الإنسان شىء لا يبلى إلاَّ عظم واحد وهو عجب الذنب، منه يركب الخلق يوم القيامة" تفسير : رواه البخارى وغيره، ولا بأس فان المعنى أن حكمة الله ابقاءه لا أن الله يعجز عن البعث بدونه وهو أول ما يخلق، وآخر ما يخلق، فالله سبحانه وتعالى يحيى من الميت ما بقى، ويرد ما فنى ويحيه.
الالوسي
تفسير : ذي المجد والشرف من باب النسب كلابن وتامر وإلا فالمعروف وصف الذات الشريفة به، وصنيع بعضهم ظاهر في اختيار هذا الوجه، وأورد عليه أن ذلك غير معروف في فعيل كما قاله ابن هشام في {أية : إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} تفسير : [الأعراف: 56] وأنت تعلم أن من حفظ حجة على من لم يحفظ، وشرفه على هذا بالنسبة لسائر الكتب، أما غير الإلهية فظاهر، وأما الإلهية فلإعجازه وكونه غير منسوخ بغيره واشتماله مع إيجازه على أسرار يضيق عنها كل واحد منها. وقال الراغب: المجد السعة في الكرم وأصله مجدت الإبل إذا وقعت في مرعى كثير واسع، ووصف القرآن به لكثرة ما يتضمن من المكارم الدنيوية والأخروية، ويجوز أن يكون وصفه بذلك لأنه كلام المجيد فهو وصف بصفة قائله، فالإسناد مجازي كما في القرآن الحكيم أو لأن من علم معانيه وعمل بما فيه مجد عند الله تعالى وعند الناس، فالكلام بتقدير مضاف حذف فارتفع الضمير المضاف إليه، أو فعيل فيه بمعنى مفعل كبديع بمعنى مبدع لكن في مجىء فعيل وصفاً من الإفعال كلام، وأكثر أهل اللغة والعربية لم يثبته، وأكثر ما تقدم في قوله تعالى: {أية : صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ } تفسير : [ص: 1] يجري هٰهنا حتى إنه قيل: يجوز أن يكون {قۤ} أمراً من مفاعلة قفا أثره أي تبعه، والمعنى اتبع القرآن واعمل بما فيه، ولم يسمع مأثوراً، ومثله ما قيل: إنه أمر بمعنى قف أي قف عندما شرع لك ولا تجاوزه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: خلق الله تعالى من وراء هذه الأرض بحراً محيطاً بها ومن وراء ذلك جبلاً يقال له قاف، السماء الدنيا مترفرفة عليه ثم خلق من وراء ذلك الجبل أرضاً مثل تلك الأرض سبع مرات ثم خلق من وراء ذلك بحراً محيطاً بها ثم خلق وراء ذلك جبلاً يقال له قاف، السماء الثانية مترفرفة عليه حتى عد سبع أرضين وسبعة أبحر وسبعة أجبل ثم قال: وذلك قوله تعالى: {أية : وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ} تفسير : [لقمان: 27] وأخرج ابن أبي الدنيا في «العقوبات» وأبو الشيخ عنه أيضاً أنه قال: خلق الله تعالى جبلاً يقال له قاف محيطاً بالعالم وعروقه إلى الصخرة التي عليها الأرض فإذا أراد الله تعالى أن يزلزل قرية أمر ذلك الجبل فحرك العرق الذي يلي تلك القرية فيزلزلها ويحركها فمن ثم تحرك القرية دون القرية. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ في «العظمة» والحاكم وابن مردويه عن عبد الله بن بريدة أنه قال في الآية: قاف جبل من زمرد محيط بالدنيا عليه كنفا السماء. وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد أنه أيضاً قال: هو جبل محيط بالأرض. وذهب القرافي إلى أن جبل قاف لا وجود له وبرهن عليه بما برهن ثم قال: ولا يجوز اعتقاد ما لا دليل عليه. وتعقبه ابن حجر الهيتمي فقال: يرد ذلك ما جاء عن ابن عباس من طرق خرجها الحفاظ وجماعة منهم ممن التزموا تخريج الصحيح، وقول الصحابـي ذلك ونحوه مما لا مجال للرأي فيه حكمه حكم المرفوع إلى النبـي صلى الله عليه وسلم أن وراء أرضنا بحراً محيطاً ثم جبلاً يقال له قاف إلى آخر ما تقدم، ثم قال: وكما يندفع بذلك قوله: لا وجود له يندفع قوله: ولا يجوز اعتقاد الخ لأنه إن أراد بالدليل مطلق الأمارة فهذه عليه أدلة أو الأمارة القطعية فهذا مما يكفي فيه الظن كما هو جلي انتهى. والذي أذهب / إليه ما ذهب إليه القرافي من أنه لا وجود لهذا الجبل بشهادة الحس فقد قطعوا هذه الأرض برها وبحرها على مدار السرطان مرات فلم يشاهدوا ذلك، والطعن في صحة هذه الأخبار - وإن كان جماعة من رواتها ممن التزم تخريج الصحيح - أهون من تكذيب الحس، وليس ذلك من باب نفي الوجود لعدم الوجدان كما لا يخفى على ذوي العرفان، وأمر الزلزلة لا يتوقف على ذلك الجبل بل هي من الأبخرة وطلبها الخروج مع صلابة الأرض، وإنكار ذلك مكابرة عند من له أدنى عرق من الإنصاف والله تعالى أعلم. واختلف في جواب القسم فقيل: محذوف يشعر به الكلام كأنه قيل: والقرآن المجيد إنا أنزلناه لتنذر به الناس، وقدره أبو حيان إنك جئتهم منذراً بالبعث ونحو ما قيل: هو إنك لمنذر؛ وقيل: ما ردوا أمرك بحجة. وقال الأخفش والمبرد والزجاج: تقديره لتبعثن. وقيل: هو مذكور، فعن الأخفش {أية : قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ } تفسير : [ق: 4] وحذفت اللام لطول الكلام، وعنه أيضاً وعن ابن كيسان {أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ} تفسير : [ق: 18] وقيل: {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ} تفسير : [ق: 37] وهو اختيار محمد بن علي الترمذي، وقيل: {أية : مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ} تفسير : [ق: 29] وعن نحاة الكوفة هو قوله تعالى: {بَلْ عَجِبُواْ أَن جَاءهُمْ مُّنذِرٌ مّنْهُمْ...}.
سيد قطب
تفسير : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب بهذه السورة في العيد والجمعة؛ فيجعلها هي موضوع خطبته ومادتها، في الجماعات الحافلة.. وإن لها لشأناً.. إنها سورة رهيبة، شديدة الوقع بحقائقها، شديدة الإيقاع ببنائها التعبيري، وصورها وظلالها وجرس فواصلها. تأخذ على النفس أقطارها، وتلاحقها في خطراتها وحركاتها، وتتعقبها في سرها وجهرها، وفي باطنها وظاهرها. تتعقبها برقابة الله، التي لا تدعها لحظة واحدة من المولد، إلى الممات، إلى البعث، إلى الحشر، إلى الحساب. وهي رقابة شديدة دقيقة رهيبة. تطبق على هذا المخلوق الإنساني الضعيف إطباقاً كاملاً شاملاً. فهو في القبضة التي لا تغفل عنه أبداً، ولا تغفل من أمره دقيقاً ولا جليلاً، ولا تفارقه كثيراً ولا قليلاً. كل نفس معدود. وكل هاجسة معلومة. وكل لفظ مكتوب. وكل حركة محسوبة. والرقابة الكاملة الرهيبة مضروبة على وساوس القلب، كما هي مضروبة على حركة الجوارح. ولا حجاب ولا ستار دون هذه الرقابة النافذة، المطلعة على السر والنجوى اطلاعها على العمل والحركة، في كل وقت وفي كل حال. وكل هذه الحقائق معلومة. ولكنها تعرض في الأسلوب الذي يبديها وكأنها جديدة، تروع الحس روعة المفاجأة؛ وتهز النفس هزاً، وترجها رجاً، وتثير فيها رعشة الخوف، وروعة الإعجاب، ورجفة الصحو من الغفلة على الأمر المهول الرهيب! وذلك كله إلى صور الحياة، وصور الموت، وصور البلى، وصور البعث، وصور الحشر. وإلى إرهاص الساعة في النفس وتوقعها في الحس. وإلى الحقائق الكونية المتجلية في السماء والأرض، وفي الماء والنبت، وفي الثمر والطلع.. {تبصرة وذكرى لكل عبد منيب}.. وإنه ليصعب في مثل هذه السورة التلخيص والتعريف، وحكاية الحقائق والمعاني والصور والظلال، في غير أسلوبها القرآني الذي وردت فيه؛ وفي غير عبارتها القرآنية التي تشع بذاتها تلك الحقائق والمعاني والصور والظلال، إشعاعاً مباشراً للحس والضمير. فلنأخذ في استعراض السورة بذاتها.. والله المستعان.. {ق. والقرآن المجيد. بل عجبوا أن جآءهم منذر منهم، فقال الكافرون: هـذا شيء عجيب. أإذا متنا وكنا تراباً؟ ذلك رجع بعيد. قد علمنا ما تنقص الأرض منهم، وعندنا كتاب حفيظ. بل كذبوا بالحق لما جاءهم، فهم في أمر مريج. أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها؟ وما لها من فروج. والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي، وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج. تبصرة وذكرى لكل عبد منيب. ونزلنا من السماء ماء مباركاً فأنبتنا به جنات وحب الحصيد. والنخل باسقات لها طلع نضيد. رزقاً للعباد، وأحيينا به بلدة ميتاً. كذلك الخروج}. {كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود، وعاد وفرعون وإخوان لوط، وأصحاب الأيكة وقوم تُبَّع. كلٌ كذب الرسل فحق وعيد. أفعيينا بالخلق الأول؛ بل هم في لبس من خلق جديد}.. هذا هو المقطع الأول في السورة. وهو يعالج قضية البعث، وإنكار المشركين له، وعجبهم من ذكره والقول به. ولكن القرآن لا يواجه إنكارهم لهذه القضية فيعالجه وحده. إنما هو يواجه قلوبهم المنحرفة ليردها أصلاً إلى الحق، ويقوّم ما فيها من عوج؛ ويحاول قبل كل شيء إيقاظ هذه القلوب وهزها لتتفتح على الحقائق الكبيرة في صلب هذا الوجود. ومن ثم لا يدخل معهم في جدل ذهني لإثبات البعث. وإنما يحيي قلوبهم لتتفكر هي وتتدبر، ويلمس وجدانهم ليتأثر بالحقائق المباشرة من حوله فيستجيب.. وهو درس يحسن أن ينتفع به من يحاولون علاج القلوب! وتبدأ السورة بالقسم. القسم بالحرف: "قاف" وبالقرآن المجيد، المؤلف من مثل هذا الحرف. بل إنه أول حرف في لفظ "قرآن".. ولا يذكر المقسم عليه. فهو قسم في ابتداء الكلام، يوحي بذاته باليقظة والاهتمام. فالأمر جلل، والله يبدأ الحديث بالقسم، فهو أمر إذن له خطر. ولعل هذا هو المقصود بهذا الابتداء. إذ يضرب بعده بحرف {بل} عن المقسم عليه - بعد أن أحدث القسم أثره في الحس والقلب - ليبدأ حديثاً كأنه جديد عن عجبهم واستنكارهم لما جاءهم به رسولهم في القرآن المجيد من أمر البعث والخروج: {بل عجبوا أن جآءهم منذر منهم، فقال الكافرون: هـذا شيء عجيب. أإذا متنا وكنا تراباً؟ ذلك رجع بعيد}. بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم. وما في هذا من عجب. بل هو الأمر الطبيعي الذي تتقبله الفطرة السليمة ببساطة وترحيب. الأمر الطبيعي أن يختار الله من الناس واحداً منهم، يحس بإحساسهم، ويشعر بشعورهم، ويتكلم بلغتهم، ويشاركهم حياتهم ونشاطهم، ويدرك دوافعهم وجواذبهم، ويعرف طاقتهم واحتمالهم، فيرسله إليهم لينذرهم ما ينتظرهم إن هم ظلوا فيما هم فيه؛ ويعلمهم كيف يتجهون الاتجاه الصحيح؛ ويبلغهم التكاليف التي يرفضها الاتجاه الجديد، وهو معهم أول من يحمل هذه التكاليف. ولقد عجبوا من الرسالة ذاتها، وعجبوا - بصفة خاصة - من أمر البعث الذي حدثهم عنه هذا المنذر أول ما حدثهم. فقضية البعث قاعدة أساسية في العقيدة الإسلامية. قاعدة تقوم عليها العقيدة ويقوم عليها التصور الكلي لمقتضيات هذه العقيدة. فالمسلم مطلوب منه أن يقوم على الحق ليدفع الباطل، وأن ينهض بالخير ليقضي على الشر، وأن يجعل نشاطه كله في الأرض عبادة لله، بالتوجه في هذا النشاط كله لله. ولا بد من جزاء على العمل. وهذا الجزاء قد لا يتم في رحلة الأرض. فيؤجل للحساب الختامي بعد نهاية الرحلة كلها. فلا بد إذن من عالم آخر، ولا بد إذن من بعث للحساب في العالم الآخر.. وحين ينهار أساس الآخرة في النفس ينهار معه كل تصور لحقيقة هذه العقيدة وتكاليفها؛ ولا تستقيم هذه النفس على طريق الإسلام أبداً. ولكن أولئك القوم لم ينظروا للمسألة من هذا الجانب أصلاً. إنما نظروا إليها من جانب آخر ساذج شديد السذاجة، بعيد كل البعد عن إدراك حقيقة الحياة والموت، وعن إدراك أي طرف من حقيقة قدرة الله. فقالوا {أإذا متنا وكنا تراباً؟ ذلك رجع بعيد}! والمسألة إذن في نظرهم هي مسألة استبعاد الحياة بعد الموت والبلى. وهي نظرة ساذجة كما أسلفنا، لأن معجزة الحياة التي حدثت مرة يمكن أن تحدث مرة أخرى. كما أن هذه المعجزة تقع أمامهم في كل لحظة، وتحيط بهم في جنبات الكون كله. وهذا هو الجانب الذي قادهم إليه القرآن في هذه السورة. غير أننا قبل أن نمضي مع لمسات القرآن وآياته الكونية في معرض الحياة، نقف أمام لمسة البلى والدثور. التي تتمثل في حكاية قولهم والتعليق عليه: {أإذا متنا وكنا تراباً...؟}.. وإذن فالناس يموتون. وإذن فهم يصيرون تراباً. وكل من يقرأ حكاية قول المشركين يلتفت مباشرة إلى ذات نفسه، وإلى غيره من الأحياء حوله. يلتفت ليتصور الموت والبلى والدثور. بل ليحس دبيب البلى في جسده وهو بعد حي فوق التراب! وما كالموت يهز قلب الحي، وليس كالبلى يمسه بالرجفة والارتعاش. والتعقيب يعمق هذه اللمسة ويقوي وقعها؛ وهو يصور الأرض تأكل منهم شيئاً فشيئاً: {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم، وعندنا كتاب حفيظ}.. لكأنما التعبير يجسم حركة الأرض ويحييها وهي تذيب أجسادهم المغيبة فيها، وتأكلها رويداً رويداً. ويصور أجسادهم وهي تتآكل باطراد وتبلى. ليقول: إن الله يعلم ما تأكله الأرض من أجسادهم، وهو مسجل في كتاب حفيظ؛ فهم لا يذهبون ضياعاً إذا ماتوا وكانوا تراباً. أما إعادة الحياة إلى هذا التراب، فقد حدثت من قبل، وهي تحدث من حولهم في عمليات الإحياء المتجددة التي لا تنتهي. وهكذا تتوالى اللمسات التي تذيب القلوب وترققها، وتدعها حساسة متوفزة جيدة الاستقبال. وذلك قبل البدء في الهجوم على القضية ذاتها! ثم يكشف عن حقيقة حالهم التي تنبعث منها تلك الاعتراضات الواهية. ذلك أنهم تركوا الحق الثابت، فمادت الأرض من تحتهم، ولم يعودوا يستقرون على شيء أبداً: {بل كذبوا بالحق لما جاءهم، فهم في أمر مريج}. وإنه لتعبير فريد مصور مشخص لحال من يفارقون الحق الثابت، فلا يقر لهم من بعده قرار.. إن الحق هو النقطة الثابتة التي يقف عليها من يؤمن بالحق فلا تتزعزع قدماه، ولا تضطرب خطاه، لأن الأرض ثابتة تحت قدميه لا تتزلزل ولا تخسف ولا تغوص. وكل ما حوله - عدا الحق الثابت - مضطرب مائج مزعزع مريج، لا ثبات له ولا استقرار، ولا صلابة له ولا احتمال. فمن تجاوز نقطة الحق الثابتة زلت قدماه في ذلك المضطرب المريج، وفقد الثبات والاستقرار، والطمأنينة والقرار. فهو أبداً في أمر مريج لا يستقر على حال! ومن يفارق الحق تتقاذفه الأهواء، وتتناوحه الهواجس، وتتخاطفه الهواتف، وتمزقه الحيرة، وتقلقه الشكوك. ويضطرب سعيه هنا وهناك، وتتأرجح مواقفه إلى اليمين وإلى الشمال. وهو لا يلوذ من حيرته بركن ركين، ولا بملجأ أمين.. فهو في أمر مريج.. إنه تعبير عجيب، يجسم خلجات القلوب، وكأنها حركة تتبعها العيون! واستطراداً مع إيقاع الحق الثابت المستقر الراسي الشامخ - وفي الطريق إلى مناقشة اعتراضهم على حقيقة البعث - يعرض بعض مظاهر الحق في بناء الكون؛ فيوجه أنظارهم إلى السماء وإلى الأرض وإلى الرواسي، وإلى الماء النازل من السماء، وإلى النخل الباسقات، وإلى الجنات والنبات. في تعبير يتناسق مع صفة الحق الثابت الراسي.. الجميل.. {أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم كيف بنيناها وزيناها؟ وما لها من فروج}.. إن هذه السماء صفحة من كتاب الكون تنطق بالحق الذي فارقوه. أفلم ينظروا إلى ما فيها من تشامخ وثبات واستقرار؟ وإلى ما فيها بعد ذلك من زينة وجمال وبراءة من الخلل والاضطراب! إن الثبات والكمال والجمال هي صفة السماء التي تتناسق مع السياق هنا. مع الحق وما فيه من ثبات وكمال وجمال. ومن ثم تجيء صفة البناء وصفة الزينة وصفة الخلو من الثقوب والفروج. وكذلك الأرض صفحة من كتاب الكون القائم على الحق المستقر الأساس الجميل البهيج: {والأرض مددناها، وألقينا فيها رواسي، وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج}.. فالامتداد في الأرض والرواسي الثابتات والبهجة في النبات.. تمثل كذلك صفة الاستقرار والثبات والجمال، التي وجه النظر إليها في السماء. وعلى مشهد السماء المبنية المتطاولة الجميلة، والأرض الممدودة الراسية البهيجة يلمس قلوبهم، ويوجهها إلى جانب من حكمة الخلق، ومن عرض صفحات الكون: {تبصرة وذكرى لكل عبد منيب}.. تبصرة تكشف الحجب، وتنير البصيرة، وتفتح القلوب، وتصل الأرواح بهذا الكون العجيب، وما وراءه من إبداع وحكمة وترتيب.. تبصرة ينتفع بها كل عبد منيب، يرجع إلى ربه من قريب. وهذه هي الوصلة بين القلب البشري وإيقاعات هذا الكون الهائل الجميل. هذه هي الوصلة التي تجعل للنظر في كتاب الكون، والتعرف إليه أثراً في القلب البشري، وقيمة في الحياة البشرية. هذه هي الوصلة التي يقيمها القرآن بين المعرفة والعلم وبين الإنسان الذي يعرف ويعلم. وهي التي تهملها مناهج البحث التي يسمونها "علمية" في هذا الزمان. فتقطع ما وصل الله من وشيجة بين الناس والكون الذي يعيشون فيه. فالناس قطعة من هذا الكون لا تصح حياتهم ولا تستقيم إلا حين تنبض قلوبهم على نبض هذا الكون؛ وإلا حين تقوم الصلة وثيقة بين قلوبهم وإيقاعات هذا الكون الكبير. وكل معرفة بنجم من النجوم، أو فلك من الأفلاك، أو خاصة من خواص النبات والحيوان، أو خواص الكون كله على وجه الإجمال وما فيه من عوالم حية وجامدة ـ إذا كانت هنالك عوالم جامدة أو شيء واحد جامد في هذا الوجود! - كل معرفة "علمية" يجب أن تستحيل في الحال إلى إيقاع في القلب البشري، وإلى ألفة مؤنسة بهذا الكون، وإلى تعارف يوثق أواصر الصداقة بين الناس والأشياء والأحياء. وإلى شعور بالوحدة التي تنتهي إلى خالق هذا الكون وما فيه ومن فيه.. وكل معرفة أو علم أو بحث يقف دون هذه الغاية الحية الموجهة المؤثرة في حياة البشر، هي معرفة ناقصة، أو علم زائف، أو بحث عقيم! إن هذا الكون هو كتاب الحق المفتوح، الذي يقرأ بكل لغة، ويدرك بكل وسيلة؛ ويستطيع أن يطالعه الساذج ساكن الخيمة والكوخ، والمتحضر ساكن العمائر والقصور. كل يطالعه بقدر إدراكه واستعداده، فيجد فيه زاداً من الحق، حين يطالعه بشعور التطلع إلى الحق. وهو قائم مفتوح في كل آن: {تبصرة وذكرى لكل عبد منيب}.. ولكن العلم الحديث يطمس هذه التبصرة أو يقطع تلك الوشيجة بين القلب البشري والكون الناطق المبين. لأنه في رؤوس مطموسة رانت عليها خرافة "المنهج العلمي". المنهج الذي يقطع ما بين الكون والخلائق التي تعيش فيه! والمنهج الإيماني لا ينقص شيئاً من ثمار "المنهج العلمي" في إدراك الحقائق المفردة. ولكنه يزيد عليه ربط هذه الحقائق المفردة بعضها ببعض، وردها إلى الحقائق الكبرى، ووصل القلب البشري بها، أي وصله بنواميس الكون وحقائق الوجود، وتحويل هذه النواميس والحقائق إلى إيقاعات مؤثرة في مشاعر الناس وحياتهم؛ لا معلومات جامدة جافة متحيزة في الأذهان لا تفضي لها بشيء من سرها الجميل! والمنهج الإيماني هو الذي يجب أن تكون له الكرة في مجال البحوث والدراسات ليربط الحقائق العلمية التي يهتدي إليها بهذا الرباط الوثيق.. وبعد هذه اللفتة يمضي في عرض صفحات الحق في كتاب الكون - في طريقه إلى قضية الإحياء والبعث: {ونزلنا من السمآء مآء مباركاً، فأنبتنا به جنات وحب الحصيد، والنخل باسقات لها طلع نضيد. رزقاً للعباد وأحيينا به بلدة ميتاً. كذلك الخروج}.. والماء النازل من السماء آية تحيي موات القلوب قبل أن تحيي موات الأرض. ومشهده ذو أثر خاص في القلب لا شك فيه. وليس الأطفال وحدهم هم الذين يفرحون بالمطر ويطيرون له خفافاً. فقلوب الكبار الحساسين تستروح هذا المشهد وتصفق له كقلوب الأطفال الأبرياء، القريبي العهد بالفطرة! ويصف الماء هنا بالبركة، ويجعله في يد الله سبباً لإنبات جنات الفاكهة وحب الحصيد - وهو النبات المحصود - ومما ينبته به النخل. ويصفها بالسموق والجمال: {والنخل باسقات لها طلع نضيد}.. وزيادة هذا الوصف للطلع مقصودة لإبراز جمال الطلع المنضد في النخل الباسق. وذلك تمشياً مع جو الحق وظلاله. الحق السامق الجميل. ويلمس القلوب وهو يمتن عليها بالماء والجنات والحب والنخل والطلع: {رزقاً للعباد}.. رزقاً يسوق الله سببه، ويتولى نبته، ويطلع ثمره، للعباد، وهو المولى، وهم لا يقدرون ولا يشكرون! وهنا ينتهي بموكب الكون كله إلى الهدف الأخير: {وأحيينا به بلدة ميتا. كذلك الخروج}.. فهي عملية دائمة التكرار فيما حولهم، مألوفة لهم؛ ولكنهم لا ينتبهون إليها ولا يلحظونها قبل الاعتراض والتعجيب.. كذلك الخروج.. على هذه الوتيرة، وبهذه السهولة.. الآن يقولها وقد حشد لها من الإيقاعات الكونية على القلب البشري ذلك الحشد الطويل الجميل المؤثر الموحي لكل قلب منيب.. وكذلك يعالج القلوب خالق القلوب.. ثم يعقب بعرض صفحات من كتاب التاريخ البشري بعد عرض تلك الصفحات من كتاب الكون، تنطق بمآل المكذبين الذين ماروا كما يماري هؤلاء المشركون في قضية البعث، وكذبوا كما يكذبون بالرسل، فحق عليهم وعيد الله الذي لا مفر منه ولا محيد: {كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود، وعاد وفرعون وإخوان لوط، وأصحاب الأيكة، وقوم تُبَّع. كلٌ كذب الرسل فحق وعيد. أفعيينا بالخلق الأول؟ بل هم في لبس من خلق جديد}.. والرس: البئر: المطوية غير المبنية. والأيكة: الشجر الملتف الكثيف. وأصحاب الأيكة هم - في الغالب- قوم شعيب. أما أصحاب الرس فلا بيان عنهم غير هذه الإشارة. وكذلك قوم تبع. وتبع لقب لملوك حمير باليمن. وبقية الأقوام المشار إليهم هنا معروفون لقارئ القرآن. وواضح أن الغرض من هذه الإشارة السريعة ليس تفصيل أمر هذه الأقوام. ولكنه إيقاع على القلوب بمصارع الغابرين. حين كذبوا الرسل. والذي يلفت النظر هو النص على أن كلاً منهم كذب الرسل: {كل كذب الرسل فحق وعيد}. وهي لفتة مقصودة لتقرير وحدة العقيدة ووحدة الرسالة. فكل من كذب برسول فقد كذب بالرسل أجمعين؛ لأنه كذب بالرسالة الواحدة التي جاء بها الرسل أجمعون. والرسل إخوة وأمة واحدة وشجرة ضاربة الجذور في أعماق الزمان، وكل فرع من تلك الشجرة تلخيص لخصائصها، وصورة منها. ومن يمس منها فرعاً فقد مس الأصل وسائر الفروع.. {فحق وعيد} ونالهم ما يعرف السامعون! وفي ظل هذه المصارع يعود إلى القضية التي بها يكذبون. قضية البعث من جديد. فيسأل: {أفعيينا بالخلق الأول؟}.. والخلق شاهد حاضر فلا حاجة إلى جواب! {بل هم في لبس من خلق جديد}.. غير ناظرين إلى شهادة الخلق الأول الموجود! فماذا يستحق من يكذب وأمامه ذلك الشاهد المشهود؟! {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد. ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}. {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد..} {ونفخ في الصور، ذلك يوم الوعيد. وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد. لقد كنت في غفلة من هـذا فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد. وقال قرينه: هـذا ما لدي عتيد. ألقيا في جهنم كل كفار عنيد. منّاع للخير معتد مريب. الذي جعل مع الله إلهاً آخر فألقياه في العذاب الشديد. قال قرينه: ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد. قال: لا تختصموا لدي وقت قدمت إليكم بالوعيد. ما يبدل القول لديَّ وما أنا بظلام للعبيد. يوم نقول لجهنم: هل امتلأت؟ وتقول هل من مزيد؟ وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد. هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ. من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب. ادخلوها بسلام، ذلك يوم الخلود، لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد}.. وهذا هو المقطع الثاني في السورة: استطراد مع قضية البعث، التي عالجها الشوط الأول؛ وعلاج للقلوب المكذبة بلمسات جديدة، ولكنها رهيبة مخيفة. إنها تلك الرقابة التي تحدثنا عنها في تقديم السورة. ومشاهدها التي تمثلها وتشخصها. ثم مشهد الموت وسكراته. ثم مشهد الحساب وعرض السجلات. ثم مشهد جهنم فاغرة فاها تتلمظ كلما ألقي فيها وقودها البشري تقول: {هل من مزيد؟}. وإلى جواره مشهد الجنة والنعيم والتكريم. إنها رحلة واحدة تبدأ من الميلاد، وتمر بالموت، وتنتهي بالبعث والحساب. رحلة واحدة متصلة بلا توقف؛ ترسم للقلب البشري طريقه الوحيد الذي لا فكاك عنه ولا محيد؛ وهو من أول الطريق إلى آخره في قبضة الله لا يتملص ولا يتفلت، وتحت رقابته التي لا تفتر ولا تغفل. وإنها لرحلة رهيبة تملأ الحس روعة ورهبة. وكيف بإنسان في قبضة الجبار، المطلع على ذات الصدور؟ وكيف بإنسان طالبه هو الواحد الديان، الذي لا ينسى ولا يغفل ولا ينام! إنه ليرجف ويضطرب ويفقد توازنه وتماسكه، حين يشعر أن السلطان في الأرض يتتبعه بجواسيسه وعيونه، ويراقبه في حركته وسكونه. وسلطان الأرض مهما تكن عيونه لا يراقب إلا الحركة الظاهرة. وهو يحتمي منه إذا آوى إلى داره، وإذا أغلق عليه بابه، أو إذا أغلق فمه! أما قبضة الجبار فهي مسلطة عليه أينما حل وأينما سار. وأما رقابة الله فهي مسلطة على الضمائر والأسرار.. فكيف؟ كيف بهذا الإنسان في هذه القبضة وتحت هذه الرقابة؟! {ولقد خلقنا الإنسان، ونعلم ما توسوس به نفسه، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد. إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد. ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}.. إن ابتداء الآية: {ولقد خلقنا الإنسان}.. يشير إلى المقتضى الضمني للعبارة. فصانع الآلة أدرى بتركيبها وأسرارها. وهو ليس بخالقها لأنه لم ينشئ مادتها، ولم يزد على تشكيلها وتركيبها. فكيف بالمنشئ الموجد الخالق؟ إن الإنسان خارج من يد الله أصلاً؛ فهو مكشوف الكنه والوصف والسر لخالقه العليم بمصدره ومنشئه وحاله ومصيره.. {ونعلم ما توسوس به نفسه}.. وهكذا يجد الإنسان نفسه مكشوفة لا يحجبها ستر، وكل ما فيها من وساوس خافتة وخافية معلوم لله، تمهيداً ليوم الحساب الذي ينكره ويجحده! {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}.. الوريد الذي يجري فيه دمه. وهو تعبير يمثل ويصور القبضة المالكة، والرقابة المباشرة. وحين يتصور الإنسان هذه الحقيقة لا بد يرتعش ويحاسب. ولو استحضر القلب مدلول هذه العبارة وحدها ما جرؤ على كلمة لا يرضى الله عنها. بل ما جرؤ على هاجسة في الضمير لا تنال القبول. وإنها وحدها لكافية ليعيش بها الإنسان في حذر دائم ويقظة لا تغفل عن المحاسبة. ولكن القرآن يستطرد في إحكام الرقابة. فإذا الإنسان يعيش ويتحرك وينام ويأكل ويشرب ويتحدث ويصمت ويقطع الرحلة كلها بين ملكين موكلين به، عن اليمين وعن الشمال، يتلقيان منه كل كلمة وكل حركة ويسجلانها فور وقوعها: {إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد. ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}. أي رقيب حاضر، لا كما يتبادر إلى الأذهان أن اسمي الملكين رقيب، وعتيد! ونحن لا ندري كيف يسجلان. ولا داعي للتخيلات التي لا تقوم على أساس. فموقفنا بإزاء هذه الغيبيات أن نتلقاها كما هي، ونؤمن بمدلولها دون البحث في كيفيتها، التي لا تفيدنا معرفتها في شيء. فضلاً على أنها غير داخلة في حدود تجاربنا ولا معارفنا البشرية. ولقد عرفنا نحن - في حدود علمنا البشري الظاهر - وسائل للتسجيل لم تكن تخطر لأجدادنا على بال. وهي تسجل الحركة والنبرة كالأشرطة الناطقة وأشرطة السينما وأشرطة التليفزيون. وهذا كله في محيطنا نحن البشر. فلا داعي من باب أولى أن نقيد الملائكة بطريقة تسجيل معينة مستمدة من تصوراتنا البشرية المحدودة، البعيدة نهائياً عن ذلك العالم المجهول لنا، والذي لا نعرف عنه إلا ما يخبرنا به الله. بلا زيادة! وحسبنا أن نعيش في ظلال هذه الحقيقة المصورة، وأن نستشعر ونحن نهم بأية حركة وبأية كلمة أن عن يميننا وعن شمالنا من يسجل علينا الكلمة والحركة؛ لتكون في سجل حسابنا. بين يدي الله الذي لا يضيع عنده فتيل ولا قطمير. حسبنا أن نعيش في ظل هذه الحقيقة الرهيبة. وهي حقيقة. ولو لم ندرك نحن كيفيتها. وهي كائنة في صورة ما من الصور، ولا مفر من وجودها، وقد أنبأنا الله بها لنحسب حسابها. لا لننفق الجهد عبثاً في معرفة كيفيتها! والذين انتفعوا بهذا القرآن، وبتوجيهات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخاصة بحقائق القرآن، كان هذا سبيلهم: أن يشعروا، وأن يعملوا وفق ما شعروا.. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة الليثي عن أبيه عن جده علقمة، عن بلال بن الحارث المزني - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله عز وجل له بها رضوانه إلى يوم يلقاه. وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله تعالى عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه"تفسير : .. قال: فكان علقمة يقول: كم من كلام قد منعنيه حديث بلال ابن الحارث. (ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث محمد بن عمرو به وقال الترمذي: حسن صحيح). وحكي عن الإمام أحمد أنه كان في سكرات الموت يئن. فسمع أن الأنين يكتب. فسكت حتى فاضت روحه رضوان الله عليه. وهكذا كان أولئك الرجال يتلقون هذه الحقيقة فيعيشون بها في يقين. تلك صفحة الحياة، ووراءها في كتاب الإنسان صفحة الاحتضار: {وجاءت سكرة الموت بالحق. ذلك ما كنت منه تحيد}.. والموت أشد ما يحاول المخلوق البشري أن يروغ منه، أو يبعد شبحه عن خاطره. ولكن أنى له ذلك: والموت طالب لا يمل الطلب، ولا يبطئ الخطى، ولا يخلف المعياد؛ وذكر سكرة الموت كفيل برجفة تدب في الأوصال! وبينما المشهد معروض يسمع الإنسان: {ذلك ما كنت منه تحيد}. وإنه ليرجف لصداها وهو بعد في عالم الحياة! فكيف به حين تقال له وهو يعاني السكرات! وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما تغشاه الموت جعل يمسح العرق عن وجهه ويقول: "حديث : سبحان الله. إن للموت لسكرات"تفسير : .. يقولها وهو قد اختار الرفيق الأعلى واشتاق إلى لقاء الله. فكيف بمن عداه؟ ويلفت النظر في التعبير ذكر كلمة الحق: {وجاءت سكرة الموت بالحق}.. وهي توحي بأن النفس البشرية ترى الحق كاملاً وهي في سكرات الموت. تراه بلا حجاب، وتدرك منه ما كانت تجهل وما كانت تجحد، ولكن بعد فوات الأوان حين لا تنفع رؤية، ولا يجدي إدراك، ولا تقبل توبة، ولا يحسب إيمان. وذلك الحق هو الذي كذبوا به فانتهوا إلى الأمر المريج!.. وحين يدركونه ويصدقون به لا يجدي شيئاً ولا يفيد! ومن سكرة الموت، إلى وهلة الحشر، وهول الحساب: {ونفخ في الصور، ذلك يوم الوعيد، وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد. لقد كنت في غفلة من هـذا فكشفنا عنك غطآءك، فبصرك اليوم حديد. وقال قرينه: هـذا ما لدي عتيد. ألقيا في جهنم كل كفار عنيد. منّاع للخير معتد مريب. الذي جعل مع الله إلهاً آخر فألقياه في العذاب الشديد. قال قرينه: ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد. قال: لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد. ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد}.. وهو مشهد يكفي استحضاره في النفس لتقضي رحلتها كلها على الأرض في توجس وحذر وارتقاب. وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : كيف أنعم، وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته، وانتظر أن يؤذن له؟"تفسير : قالوا: يا رسول الله، كيف نقول؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل" تفسير : . فقال القوم: حسبنا الله ونعم الوكيل.. {وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد}.. جاءت كل نفس. فالنفس هنا هي التي تحاسب، وهي التي تتلقى الجزاء. ومعها سائق يسوقها وشاهد يشهد عليها. قد يكونان هما الكاتبان الحافظان لها في الدنيا. وقد يكونان غيرهما. والأول أرجح. وهو مشهد أشبه شيء بالسوق للمحاكمة. ولكن بين يدي الجبار. وفي هذا الموقف العصيب يقال له: {لقد كنت في غفلة من هذا. فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد}.. قوي لا يحجبه حجاب، وهذا هو الموعد الذي غفلت عنه، وهذا هو الموقف الذي لم تحسب حسابه، وهذه هي النهاية التي كنت لا تتوقعها. فالآن فانظر. فبصرك اليوم حديد! هنا يتقدم قرينه. والأرجح أنه الشهيد الذي يحمل سجل حياته: {وقال قرينه هذا ما لدي عتيد}.. حاضر مهيأ معد. لا يحتاج إلى تهيئة أو إعداد! ولا يذكر السياق شيئاً عن مراجعة هذا السجل تعجيلاً بتوقيع الحكم وتنفيذه. إنما يذكر مباشرة النطق العلوي الكريم، للملكين الحافظين: السائق والشهيد: {ألقيا في جهنم كل كفار عنيد. مناع للخير معتد مريب. الذي جعل مع الله إلهاً آخر فألقياه في العذاب الشديد}.. وذكر هذه النعوت يزيد في حرج الموقف وشدته. فهو دلالة غضب الجبار القهار في الموقف العصيب الرهيب؛ وهي نعوت قبيحة مستحقة لتشديد العقوبة: كفار. عنيد. مناع للخير. معتد. مريب. الذي جعل مع الله إلهاً آخر. وتنتهي بتوكيد الأمر الذي لا يحتاج إلى توكيد: {فألقياه في العذاب الشديد} بياناً لمكانه من جهنم التي بدأ الأمر بإلقائه فيها. عندئذ يفزع قرينه ويرتجف، ويبادر إلى إبعاد ظل التهمة عن نفسه، بما أنه كان مصاحباً له وقريناً: {قال قرينه: ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد}.. وربما كان القرين هنا غير القرين الأول الذي قدم السجلات. ربما كان هو الشيطان الموكل به ليغويه. وهو يتبرأ من إطغائه؛ ويقرر أنه وجده ضالاً من عند نفسه، فاستمع لغوايته! وفي القرآن مشاهد مشابهة يتبرأ فيها القرين الشيطاني من القرين الإنساني على هذا النحو. على أن الفرض الأول غير مستبعد. فقد يكون القرين هو الملك صاحب السجل. ولكن هول الموقف يجعله يبادر إلى التبرؤ - وهو بريء - ليبين أنه مع صحبته لهذا الشقي - فإنه لم تكن له يد في أي مما كان منه. وتبرؤ البريء أدل على الهول المزلزل والكرب المخيف. هنا يجيء القول الفصل، فينهي كل قول: {قال: لا تختصموا لديّ وقد قدمت إليكم بالوعيد - ما يبدل القول لديّ وما أنا بظلاّم للعبيد}.. فالمقام ليس له مقام اختصام. وقد سبق الوعيد محدداً جزاء كل عمل. وكل شيء مسجل لا يبدل. ولا يجزى أحد إلا بما هو مسجل. ولا يظلم أحد، فالمجازي هو الحكم العدل. بهذا ينتهي مشهد الحساب الرهيب بهوله وشدته؛ ولكن المشهد كله لا ينتهي. بل يكشف السياق عن جانب منه مخيف: {يوم نقول لجهنم: هل امتلأت: وتقول: هل من مزيد؟}. إن المشهد كله مشهد حوار. فتعرض جهنم فيه في معرض الحوار وبهذا السؤال والجواب يتجلى مشهد عجيب رهيب.. هذا هو كل كفار عنيد. مناع للخير معتد مريب.. هؤلاء هم كثرة تقذف في جهنم تباعاً، وتتكدس ركاماً. ثم تنادى جهنم: {هل امتلأت؟} واكتفيت! ولكنها تتلمظ وتتحرق، وتقول في كظة الأكول النهم: {هل من مزيد؟!}.. فيا للهول الرعيب! وعلى الضفة الأخرى من هذا الهول مشهد آخر وديع أليف، رضيّ جميل. إنه مشهد الجنة، تقرب من المتقين، حتى تتراءى لهم من قريب، مع الترحيب والتكريم: {وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد. هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ. من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب. ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود. لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد}. والتكريم في كل كلمة وفي كل حركة. فالجنة تقرب وتزلف، فلا يكلفون مشقة السير إليها، بل هي التي تجيء: {غير بعيد}! ونعيم الرضى يتلقاهم مع الجنة: {هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ. من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب}.. فيوصفون هذه الصفة من الملأ الأعلى، ويعلمون أنهم في ميزان الله أوابون، حفيظون، يخشون الرحمن ولم يشهدوه، منيبون إلى ربهم طائعون. ثم يؤذن لهم بالدخول بسلام لغير ما خروج: {ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود}.. ثم يؤذن في الملأ الأعلى، تنويهاً بشأن القوم، وإعلاناً بما لهم عند ربهم من نصيب غير محدود: {لهم ما يشاءون فيها، ولدينا مزيد}.. فمهما اقترحوا فهم لا يبلغون ما أعد لهم. فالمزيد من ربهم غير محدود.. ثم يجيء المقطع الأخير في السورة، كأنه الإيقاع الأخير في اللحن، يعيد أقوى نغماته في لمس سريع. فيه لمسة التاريخ ومصارع الغابرين. وفيه لمسة الكون المفتوح وكتابه المبين. وفيه لمسة البعث والحشر في مشهد جديد. ومع هذه اللمسات التوجيه الموحي العميق للمشاعر والقلوب: {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشاً، فنقَّبوا في البلاد هل من محيص؟ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب. فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب. ومن الليل فسبحه وأدبار السجود. واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب. يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج. إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير. يوم تشقق الأرض عنهم سراعاً. ذلك حشر علينا يسير. نحن أعلم بما يقولون، وما أنت عليهم بجبار، فذكر بالقرآن من يخاف وعيد}.. ومع أن هذه اللمسات كلها قد سبقت في سياق السورة، إلا أنها حين تعرض في الختام تعرض جديدة الإيقاع جديدة الوقع. بهذا التركيز وبهذه السرعة. ويكون لها في الحس مذاق آخر غير مذاقها وهي مبسوطة مفصلة من قبل في السورة. وهذه هي خصيصة القرآن العجيبة! قال من قبل: { كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود، وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع. كل كذب الرسل فحق وعيد}.. وقال هنا: {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشاً، فنقبوا في البلاد. هل من محيص}؟ الحقيقة التي يشير إليها هي هي. ولكنها في صورتها الجديدة غيرها في صورتها الأولى. ثم يضيف إليها حركة القرون وهي تتقلب في البلاد، وتنقب عن أسباب الحياة، وهي مأخوذة في القبضة التي لا يفلت منها أحد، ولا مفر منها ولا فكاك: فـ {هل من محيص}؟.. وعقب عليها بما يزيدها جدة وحيوية: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد}.. وفي مصارع الغابرين ذكرى. ذكرى لمن كان له قلب. فمن لا تذكره هذه اللمسة فهو الذي مات قلبه أو لم يرزق قلباً على الإطلاق! لا بل إنه ليكفي للذكرى والاعتبار أن يكون هناك سمع يلقى إلى القصة بإنصات ووعي، فتفعل القصة فعلها في النفوس.. وإنه للحق. فالنفس البشرية شديدة الحساسية بمصارع الغابرين، وأقل يقظة فيها وأقل تفتح كافيان لاستجاشة الذكريات والتصورات الموحية في مثل هذه المواقف المؤثرة المثيرة. وعرض من قبل صفحات من كتاب الكون: {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج، والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي، وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج}.. وقال هنا: {ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وما مسنا من لغوب}.. فأضاف هذه الحقيقة الجديدة إلى جانب اللمسة الأولى. حقيقة: {وما مسنا من لغوب}.. وهي توحي بيسر الخلق والإنشاء في هذا الخلق الهائل. فكيف بإحياء الموتى وهو بالقياس إلى السماوات والأرض أمر هين صغير؟ وعقب عليها كذلك بإيحاء جديد وظل جديد: {فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب. ومن الليل فسبحه وأَدبار السجود}.. وطلوع الشمس وغروبها ومشهد الليل الذي يعقب الغروب.. كلها ظواهر مرتبطة بالسماوات والأرض. وهو يربط إليها التسبيح والحمد والسجود ويتحدث في ظلالها عن الصبر على ما يقولون من إنكار للبعث وجحود بقدرة الله على الإحياء والإعادة. فإذا جو جديد يحيط بتلك اللمسة المكررة. جو الصبر والحمد والتسبيح والسجود. موصولاً كل ذلك بصفحة الكون وظواهر الوجود، تثور في الحس كلما نظر إلى السماوات والأرض؛ وكلما رأى مطلع الشمس، أو مقدم الليل؛ وكلما سجد لله في شروق أو غروب.. ثم.. لمسة جديدة ترتبط كذلك بالصفحة الكونية المعروضة.. اصبر وسبح واسجد. وأنت في حالة انتظار وتوقع للأمر الهائل الجلل، المتوقع في كل لحظة من لحظات الليل والنهار. لا يغفل عنه إلا الغافلون. الأمر الذي تدور عليه السورة كلها، وهو موضوعها الأصيل: {واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب. يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج. إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير. يوم تشقق الأرض عنهم سراعاً. ذلك حشر علينا يسير}.. وإنه لمشهد جديد مثير، لذلك اليوم العسير. ولقد عبر عنه أول مرة في صورة أخرى ومشهد آخر في قوله:{ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد. وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد..} الخ. فأما هنا فعبر عن النفخة بالصيحة. وصور مشهد الخروج. ومشهد تشقق الأرض عنهم. هذه الخلائق التي غبرت في تاريخ الحياة كلها إلى نهاية الرحلة. تشقق القبور التي لا تحصى. والتي تعاقب فيها الموتى. كما يقال المعري: شعر : رب قبر قد صار قبراً مراراً ضاحك من تزاحم الأضداد ودفين على بقايا دفين في طويل الآجال والآماد تفسير : كلها تشقق، وتتكشف عن أجساد ورفات وعظام وذرات تائهة أو حائلة في مسارب الأرض، لا يعرف مقرها إلا الله.. وإنه لمشهد عجيب لا يأتي عليه الخيال! وفي ظلال هذا المشهد الثائر المثير يقرر الحقيقة التي فيها يجادلون وبها يجحدون: {إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير}.. {ذلك حشر علينا يسير}.. في أنسب وقت للتقرير.. وفي ظلال هذا المشهد كذلك يتوجه بالتثبيت للرسول - صلى الله عليه وسلم - تجاه جدلهم وتكذيبهم في هذه الحقيقة الواضحة المشهودة بعين الضمير: {نحن أعلم بما يقولون. وما أنت عليهم بجبار. فذكر بالقرآن من يخاف وعيد}.. {نحن أعلم بما يقولون}.. وهذا حسبك. فللعلم عواقبه عليهم.. وهو تهديد مخيف ملفوف. {وما أنت عليهم بجبار}.. فترغمهم على الإيمان والتصديق. فالأمر في هذا ليس إليك. إنما هو لنا نحن، ونحن عليهم رقباء وبهم موكلون.. {فذكر بالقرآن من يخاف وعيد}.. والقرآن يهز القلوب ويزلزلها فلا يثبت له قلب يعي ويخاف ما يواجهه به من حقائق ترجف لها القلوب. على ذلك النحو العجيب. وحين تعرض مثل هذه السورة، فإنها لا تحتاج إلى جبار يلوي الأعناق على الإيمان. ففيها من القوة والسلطان ما لا يملكه الجبارون. وفيها من الإيقاعات على القلب البشري ما هو أشد من سياط الجبارين! وصدق الله العظيم..
ابن عاشور
تفسير : القول فيه نظير القول في أمثاله من الحروف المقطعة الواقعة في أوائل السور. فهو حرف من حروف التهجّي. وقد رسموه في المصحف بصورة حرف القاف التي يُتَهجى بها في المكتب، وأجمعوا على أن النطق بها باسم الحَرف المعروف، أي ينْطِقون بقافٍ بعدها ألف، بعده فاء. وقد أجمع من يعتدّ به من القراء على النطق به ساكِنَ الآخِر سكون هجاء في الوصل والوقِف. ووقع في رواية بعض القصاصين المكذوبة عن ابن عباس أن المراد بقوله: {ق} اسم جبل عظيم محيط بالأرض. وفي رواية عنه إنه اسم لكل واحد من جبال سبعة محيطة بالأرضين السبع واحداً وراء واحد كما أن الأرضين السبع أرض وراء أرض. أي فهو اسم جنس انحصرت أفراده في سبعة، وأطالوا في وصف ذلك بما أملاه عليهم الخيال المشفوع بقلة التثبت فيما يروونه للإغراب، وذلك من الأوهام المخلوطة ببعض أقوال قدماء المشرقيين وبسوء فهم البعض في علم جغرافية الأرض وتخيلهم إياها رقاعاً مسطحة ذات تقاسيم يحيط بكل قسم منها ما يفصله عن القسم الآخر من بحار وجبال، وهذا مما ينبغي ترفع العلماء عن الاشتغال بذكره لولا أن كثيراً من المفسرين ذكروه. ومن العجب أن تفرض هذه الأوهام في تفسير هذا الحرف من القرآن {أية : ألم } تفسير : [البقرة: 1]، يكفهم أنه مكتوب على صورة حروف التهجّي مثل {أية : آلم } تفسير : [العنكبوت: 1] و {أية : المص } تفسير : [الأعراف: 1] و {أية : كهيعص } تفسير : [مريم: 1] ولو أريد الجبل الموهوم لكتب قاف ثلاثة حروف كما تكتب دَوَالُّ الأشياء مثل عين: اسم الجارحة، وغينش: مصدر غان عليه، فلا يصح أن يدل على هذه الأسماء بحروف التهجّي كما لا يخفى. قَسَم بالقرآن، والقسم به كناية عن التنويه بشأنه لأن القسم لا يكون إلا بعظيم عند المقسِم فكان التعظيم من لوازم القسَم. وأتبع هذا التنويه الكنائي بتنويه صريح بوصف {القرآن} بــ {المجيد} فالمجيد المتصف بقوة المجْد. والمجدُ ويقال المجادة: الشرف الكامل وكرم النوع. وشرف القرآن من بين أنواع الكلام أنه مشتمل على أعلى المعاني النافعة لصلاح الناس فذلك مجده. وأما كمال مجده الذي دلت عليه صيغة المبالغة بوصف مجيد فذلك بأنه يفوق أفضل ما أبلغَه الله للناس من أنواع الكلام الدالّ على مراد الله تعالى إذْ أوْجدَ ألفاظَه وتراكيبه وصورةَ نظمه بقدرته دون واسطة، فإن أكثر الكلام الدال على مراد الله تعالى أوجده الرسل والأنبياء المتكلمون به يعبّرون بكلامهم عما يُلقَى إليهم من الوحي. ويدخل في كمال مجده أنه يفوق كل كلام أوجده الله تعالى بقدرته على سبيل خرق العادة مثل الكلام الذي كلم الله به موسى عليه السلام بدون واسطة الملائكة، ومثل ما أُوحي به إلى محمد صلى الله عليه وسلم من أقوال الله تعالى المعبر عنه في اصطلاح علمائنا بالحديث القُدُسيّ، فإن القرآن يفوق ذلك كله لمّا جعله الله بأفصح اللغات وجعله معجزاً لبلغاء أهل تلك اللغة عن الإتيان بمثل أقصر سورة منه. ويفوق كل كلام من ذلك القبيل بوفرة معانيه وعدم انحصارها، وأيضاً بأنه تميز على سائر الكتب الدينية بأنه لا ينسخه كتاب يجيء بعده وما يُنسخ منه إلا شيء قليل ينسخه بعضُه. وجواب القَسم محذوف لتذهب نفس السامع في تقديره كل طريق ممكن في المقام فيدل عليه ابتداءُ السورة بحرف {ق} المشعر بالنداء على عجزهم عنْ معارضة القرآن بعد تحدّيهم بذلك، أو يدل عليه الإضراب في قوله: {بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم}. والتقدير: والقرآنِ المجيد إنك لرسول الله بالحق، كما صرح به في قوله: {أية : يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم } تفسير : [يس: 1 ـــ 4]. أو يقدر الجواب: إنه لتنزيل من ربّ العالمين، أو نحو ذلك كما صرح به في نحو {أية : حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون } تفسير : [الزخرف: 1 ـــ3] ونحو ذلك. والإضراب الانتقالي يقتضي كلاماً منتقلاً منه والقَسم بدون جواب لا يعتبر كلاماً تاماً فتعين أن يقدِّر السامع جواباً تتم به الفائدة يدل عليه الكلام. وهذا من إيجاز الحذف وحسَّنه أن الانتقال مشعر بأهمية المنتقل إليه، أي عدِّ عما تريد تقديره من جواب وانتقِلْ إلى بيان سبب إنكارهم الذي حدا بنا إلى القَسَم كقول القائل: دَعْ ذا، وقول امرىء القيس: شعر : فدع ذا وسَلِّ الهمَّ عنك بجسرة ذَمُول إذَا صَام النهارُ وهجَّرا تفسير : وقول الأعشى: شعر : فدع ذَا ولكن رُبّ أرض مُتيهة قطعتُ بحُرْجُوج إذا الليل أظلما تفسير : وتقدم بيان نظيره عند قوله تعالى: {أية : بل الذين كفروا في عزة وشقاق} تفسير : في سورة ص (2). وقوله: {عجبوا} خبر مستعمل في الإنكار إنكاراً لعجبهم البالغ حدّ الإحالة. و {عجبوا} حصل لهم العجَب بفتح الجيم وهو الأمر غير المألوف للشخص {أية : قالت يا وَيْلَتَا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إنّ هذا لَشَيْء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله} تفسير : [هود: 72، 73] فإن الاستفهام في {أتعجبين} إنكار وإنما تنكر إحالة ذلك لا كونه موجب تعجّب. فالمعنى هنا: أنهم نفوا جواز أن يرسل الله إليهم بشراً مثلهم، قال تعالى: {أية : وما منع الناسَ أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشراً رسولاً} تفسير : [الإسراء: 94]. وضمير {عجبوا} عائد إلى غير مذكور، فمعاده معلوم من السياق أعني افتتاح السورة بحرف التهجّي الذي قصد منه تعجيزهم عن الإتيان بمثل القرآن لأن عجزهم عن الإتيان بمثله في حال أنه مركب من حروف لغتهم يدلهم على أنه ليس بكلام بشر بل هو كلام أبدعته قدرة الله وأبلغه الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم على لسان المَلك فإن المتحدَّيْن بالإعجاز مشهورون يعلمهم المسلمون وهم أيضاً يعلمون أنهم المعنيون بالتحدّي بالإعجاز. على أنه سيأتي ما يفسر الضمير بقوله: {فقال الكافرون}. وضمير {منهم} عائد إلى ما عاد إليه ضمير {عجبوا} والمراد: أنه من نوعهم أي من بني الإنسان. و {أن جاءهم} مجرور بــ (من) المحذوفة مع {أنْ}، أي عجبوا من مجيء منذر منهم، أو عجبوا من ادعاء أن جاءهُمْ منذر منهم. وعبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم بوصف {منذر} وهو المخبِر بشَرّ سيكون للإيماء إلى أن عَجَبهم كان ناشئاً عن صفتين في الرسول صلى الله عليه وسلم إحداهما أنه مخبر بعذاب يكون بعد الموت، أي مخبر بما لا يصدقون بوقوعه، وإنما أنذرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بعذاب الآخرة بعد البعث كما قال تعالى: {أية : إن هو إلا نذير لكم بين يديْ عذاب شديد} تفسير : [سبأ: 46]. والثانية كونه من نوع البشر. وفُرِّعَ على التكذيب الحاصل في نفوسهم ذِكر مقالتهم التي تفصح عنه وعن شبهتهم الباطلة بقوله: {فقال الكافرون هذا شيء عجيب} الآية. وخص هذا بالعناية بالذكر لأنه أدخل عندهم في الاستبْعاد وأحق بالإنكار فهو الذي غرهم فأحالوا أن يرسل الله إليهم أحداً من نوعهم ولذلك وصف الرسول صلى الله عليه وسلم ابتداء بصفة {منذر} قبل وصفه بأنه {منهم} ليدل على أن ما أنذرهم به هو الباعث الأصلي لتكذيبهم إياه وأن كونه منهم إنما قوَّى الاستبعاد والتعجّب. ثم إن ذلك يُتخلص منه إلى إبطال حجتهم وإثبات البعث وهو المقصود بقوله: {أية : قد علِمْنا مَا تنقصُ الأرض منهم} تفسير : [ق: 4] إلى قوله: {أية : كذلك الخروج} تفسير : [ق: 11]. فقد حصل في ضمن هاتين الفاصلتين خصوصيات كثيرة من البلاغة: منها إيجاز الحذف، ومنها ما أفاده الإضراب من الاهتمام بأمر البعث، ومنها الإيجاز البديع الحاصل من التعبير بــ {منذر}، ومنها إقحام وصفه بأنه {منهم} لأن لذلك مدخلاً في تعجبهم، ومنها الإظهار في مقام الإضمار على خلاف مقتضَى الظاهر، ومنها الإجمال المعقب بالتفصيل في قوله: {هذا شيء عجيب أئذا متنا} الخ. وعبُر عنهم بالاسم الظاهر في {فقال الكافرون} دون: فقالوا، لتوسيمهم فإن هذه المقالة من آثار الكفر، وليكون فيه تفسير للضميرين السابقين. والإشارة بقولهم {هذا شيء عجيب} إلى ما هو جار في مقام مقالتهم تلك من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إياهم للإيمان بالرَّجْع، أي البعث وهو الذي بينتْه جملة {أئذا متنا وكنا تراباً} إلخ. والاستفهام مستعمل في التعجيب والإبطال، يريدون تعجيب السامعين من ذلك تعجيب إحالة لئلا يؤمنوا به. وجعلوا مناطَ التعجيب الزمانَ الذي أفادته (إذا) وما أضيف إليه، أي زمنَ موتنا وكونِنا تراباً. والمستفهم عنه محذوف دل عليه ظرف {أئذا متنا وكنا تراباً} والتقدير: أنرجع إلى الحياة في حين انعدام الحياة منا بالموت وحين تفتت الجسد وصيرورته تراباً، وذلك عندهم أقصى الاستبعاد. ومتعلقّ (إذا) هو المستفهم عنه المحذوف المقدَّر، أي نُرجَع أو نعود إلى الحياة وهذه الجملة مستقلة بنفسها. وجملة {ذلك رجع بعيد} مؤكدة لجملة {أئذا متنا وكنا تراباً} بطريق الحقيقة والذِكر، بعد أن أُفيد بطريق المجاز والحذف، لأن شأن التأكيد أن يكون أجلى دلالة. والرَّجع: مصدر رجَع، أي الرجوع إلى الحياة. ومعنى {بعيد} أنه بعيد عن تصور العقل، أي هو أمر مستحيل.
الشنقيطي
تفسير : المقسم عليه في الآية محذوف، والظاهر أنه كالمقسم عليه المحذوف في سورة ص، وقد أوضحناه في الكلام عليها.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1، 2- ق: حرف من حروف الهجاء افتتحت السورة به على طريقة القرآن الكريم فى افتتاح بعض السور ببعض هذه الحروف للتحدى وتنبيه الأذهان، أُقسم بالقرآن ذى الكرامة والمجد والشرف: إنا أرسلناك - يا محمد - لتنذر الناس به، فلم يؤمن أهل مكة، بل عجبوا أن جاءهم رسول من جنسهم يُنذرهم بالبعث، فقال الكافرون: هذا شئ منكر عجيب. 3- أبعد أن نموت ونصير تراباً نرجع؟ ذلك البعث بعد الموت رجْع بعيد الوقوع. 4- قد علمنا ما تأخذه الأرض من أجسامهم بعد الموت، وعندنا كتاب دقيق الإحصاء والحفظ.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: قۤ: هذا أحد الحروف المقطعة التي تكتب هكذا قۤ وتقرأ هكذا قاف. والقرآن المجيد: أي والقرآن المجيد أي الكريم قَسَمِي لقد أرسلنا محمدا مبلغا عنا. بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم: أي بل عجب أهل مكة من مجيء منذر أي رسول منهم ينذرهم عذاب الله يوم القيامة. فقال الكافرون هذا شيء عجيب: أي فقال المكذبون بالبعث هذا أي البعث بعد الموت والبلى شيء عجيب. أئذا متنا وكنا ترابا: أئذا متنا وصرنا ترابا أي رفاة وعظاما نخرة نرجع أحياء. ذلك رجع بعيد: أي بعيد الإِمكان في غاية البعد. قد علمنا ما تنقص الأرض منهم: أي قد أحاط علمنا بكل شيء فعلمنا ما تنقص الأرض من أجساد الموتى وما تأكل من لحومهم وعظامهم فكيف يستبعد منا إحياؤهم بعد موتهم. وعندنا كتاب حفيظ: أي كتاب المقادير الذي قد كتب فيه كل شيء ومن بين ذلك أعداد الموتى وأسماؤهم وصورهم وأجسامهم ويوم إعادتهم. بل كذبوا بالحق لما جاءهم: بل كذب المشركون بما هو أقبح من تكذيبهم بالبعث وهو تكذيبهم بالنبوة المحمدية وبالقرآن ومن نزل عليه. فهم في أمر مريج: أي مختلط عليهم فهم فيه مضطربون لا يثبتون على شيء إذ قالوا مرة سحر ومرة قالوا شعر ومرة كهانة وأخرى أساطير. معنى الآيات: قوله تعالى {قۤ} الله أعلم بمراده به إذ هو من الحروف المقطعة الآحادية نحو صۤ. ونۤ وقوله تعالى {وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} أي الكريم فالقرآن مجيد كريم لما فيه من الخير والبركة إذ قراءة الحرف الواحد منه بعشر حسنات. وقوله والقرآن المجيد قسم والجواب محذوف تقديره إن محمداً لرسول أمين. وقوله تعالى {بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ} أي إنهم لم يستنكروا أصل الإِرسال إليهم وإنما أنكروا كون المرسل بشراً مثلهم ينذرهم عذاب يوم القيامة وهم لا يؤمنون بالبعث الآخر فلذا قالوا ما أخبر تعالى به عنهم وقوله {فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ} أي بالبعث {هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ}. أي أمر يدعو إلى التعجب إذ من مات وصار ترابا لا يعقل أن يبعث مرة أخرى فيُسأل ويحاسب ويجزي وقد أفصحوا عن معتقدهم بقولهم {أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً} ذلك الرجوع إلى الحياة رجوع بعيد التحقيق. قال تعالى {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} هذه برهنة واضحة على إبطال دعواهم وتحقيق عقيدة البعث أي قد علمنا ما تنقص الأرض منهم بعد الموت من لحم وعظم، وعندنا كتاب حفيظ قد حوى كل شيء وحفظه مادة وكميَّة وكيفية بمقتضاه يعود الخلق كما بدأ لا ينقص منه شيء وقوله {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ} أي إن هناك ما هو أشنع من إنكارهم وأقبح عقلا وهو تكذيبهم بالقرآن ومن أنزل عليه وهو الحق من الله فلذا هم فيه في أمر مريج أي مختلط فمرة قالوا في الرسول إنه ساحر وقالوا شاعر وقالوا مفتر كذاب وقالوا في القرآن أساطير الأولين فهم حقا في أمر مريج مختلط عليهم لا يدرون ما يقولون ويثبتون عليه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان شرف القرآن ومجده وكرمه. 2- تقرير البعث والوحي الإِلهي. 3- البرهنة الصحيحة الواضحة على صحة البعث والجزاء وإمكانهما. 4- تقرير عقيدة القضاء والقدر بتقرير كتاب المقادير.
القطان
تفسير : مجيد: وافر المجد، واسمٌ من اسماء الله الحسنى، يقال: مجُد بضم الجيم مَجادة فهو مجيد. ويقال: مجَد بفتح الجيم يمجُد بضمها فهو ماجد. والمجد: المروءة والسخاء والكرم والشرف. رجعٍ بعيد: البعث بعد الموت بعيدٌ كما يقولون. ما تنقص الأرض: ما تبليه الأرض من الاجسام بعد الموت. حفيظ: حافظ لتفاصيل الأشياء كلها. كذّبوا بالحق: كذبوا بالنبوة الثابتة. مريج: مختلط، مضطرب. ما لها من فروج: ليس فيها شقوق. مددناها: بسطناها. رواسي: جبالا ثوابت تمنع الأرض من ان تميد. من كل زوج: من كل صنف. بهيج: ذو بهجة وحسن. منيب: راجع. حَب الحصيد: حب الزرع المحصود. باسقات: طويلات، يقال بسقت النخلة بسوقا طالت. الطلع: أول ما يخرج من ثمرها. نضيد: منضود بعضه فوق بعض. كذلك الخروج: مثلَ ما ننبت النباتَ، كذلك نخرجكم من قبوركم. {ق}: حرفٌ من حروف الهجاء افتتحت السورة به على طريقة القرآنِ الكريم في افتتاح بعض السور ببعض هذه الحروف للتحدّي وتنبيه الأذهان. أُقسِم بالقرآن ذي المجد والشرف: إنا أرسلناك يا محمد لتنذرَ الناس به فلم يؤمنْ به أهلُ مكة، بل عجِبوا أن جاءهم رسولٌ منهم ينذِرهم بالبعثِ بعد الموت، وزادوا في هذا الانكار فقالوا: هذا شيء عجيب. ثم زادوا في الانكار والتعجب بقولهم: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ} أبعدَ ان نموتَ ونصير تراباً نرجع أحياء مرة اخرى! ذلك البعثُ بعد الموت رجوعٌ بعد الوقوع. ثم اشار الله تعالى الى دليل جوازِ البعث وقدرته تعالى عليه فقال: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضَ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ}. قد علمنا ما تأكلُ الأرض من أجسامهم بعد الموت وتُبليهم، ولا يخفى علينا أين تفرقت الأبدان، والى أين صارت، فلا يصعُب علينا بعثُهم من جديد، وعندنا كتابٌ حافظٌ لتفاصيل الأشياء كلها. ثم بين الله تكذيبهم بالنبوة الثابتة فقال: {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ} إنهم لم يتدبروا ما جاءهم به الرسولُ، وهو الحقُّ الثابت، بل كذّبوا به دون تدبُّرٍ وتفكر، فهم في قلقٍ من أمرهم واضطرابٍ لا يستقرون منه على حال. ثم وجّه انظارهم الى دليلٍ يدحض كلامهم لو فكروا فيه: ألم ينظُروا إلى السماء والأرض وإلى الجبال الرواسي عليها، وكيف زيَّنَ السماءَ بالكواكب وليس فيها شقوق، وإلى الماء النازل من السماء الذي أنبت به الجنّاتِ من مختلف الأصناف والألوان، والنخلَ الباسقاتِ وطلعها المنضدَ الجميل.. كل هذه الاشياء من أجلِ العباد ليعيشوا آمنين في هذه الحياة الدنيا متمتعين. وكما أنزلنا الماء من السماء وأحيينا به الأرض - كذلك نُخرجكم أيها الناس من قبوركم ونبعثكم حياة اخرى. {كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ}.
د. أسعد حومد
تفسير : {قَافْ} {وَٱلْقُرْآنِ} (1) - قَاف - اللهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ. يُقسِمُ تَعَالى بالقُرآنِ المَجِيدِ، الكَثِيرِ الخَيْرِ وَالبَرَكَةِ، عَلَى أنَّ مُحَمَّداً هُوَ مِنَ المُرسَلِينَ. (وَقَدْ حُذِفَ المُقَسمُ عَلَيهِ لِوُضُوحِ الدَّلاَلَةِ عَلَيه، وَلِوُرُودِهِ في غَيْرِ مَكَانٍ مِنَ القُرآنِ، فَقَدْ جَاء في سُورة يس: {أية : يسۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : وَقَوُلُهُ تَعَالى: {أية : بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ}.
الثعلبي
تفسير : {قۤ} قال ابن عبّاس: هو اسم من أسماء الله سبحانه، أقسم به. قتادة: اسم من أسماء القرآن، القرظي: إفتتاح أسماء الله، قدير، وقادر، وقاهر، وقاضي، وقابض. الشعبي: فاتحة السُّورة. بُريد، وعكرمة، والضحّاك: هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء، خضرة السماء منه، وعليه كتفا السماء، وما أصاب الناس من زمرد، فهو ما يسقط من الجبل، وهي رواية أبي الحوراء، عن ابن عبّاس. قال وهب بن منبه: إنّ ذا القرنين أتى على جبل قاف، فرأى حوله جبالاً صغاراً، فقال له: ما أنت؟ قال: أنا قاف، قال: وما هذه الجبال حولك؟ قال: هي عروقي، وليست مدينة من المدائن إلاّ وفيها عرق منها، فإذا أراد الله أن يزلزل تلك الأرض أمرني، فحرّكت عرقي ذلك، فتزلزلت تلك الأرض، فقال له: يا قاف، فأخبرني بشيء من عظمة الله، قال: إنّ شأن ربّنا لعظيم، تقصر عنه الصفات، وتنقضي دونه الأوهام. قال: فأخبرني بأدنى ما يوصف منها. قال: إنّ ورائي لأرضاً مسيرة خمسمائة عام في عرض خمسمائة عام من جبال ثلج يحطم بعضه بعضاً، لولا ذاك الثلج لاحترقت من حرّ جهنّم. قال: زدني، قال: إنّ جبريل عليه السلام واقف بين يدي الله سبحانه ترعد فرائصه، يخلق الله من كلّ رعدة مائة ألف ملك، وأُولئك الملائكة صفوف بين يدي الله سبحانه، منكّسو رؤوسهم، فإذا أذن الله لهم في الكلام، قالوا: لا إله إلاّ الله، وهو قوله: {أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً} تفسير : [النبأ: 38] يعني لا إله إلاّ الله. وقال الفرّاء: وسمعت من يقول: (ق): قضي ما هو كائن، وقال أبو بكر الورّاق: معناه قف عند أمرنا، ونهينا، ولا تعدهما. وقيل: معناه قل يا محمّد. أحمد بن عاصم الأنطاكي، هو قرب الله سبحانه من عباده، بيانه {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ} [ق: 16] وقال ابن عطاء: أقسم بقوّة قلب حبيبه محمّد صلى الله عليه وسلم حيث حمل الخطاب، ولم يؤثر ذلك فيه لعلوّ حاله. {وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} الشريف، الكريم على الله الكبير، الخبير. واختلف العلماء في جواب هذا القسم، فقال أهل الكوفة: {بَلْ عَجِبُوۤاْ}، وقال الأخفش: جوابه محذوف مجازه {قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} لتبعثن، وقال ابن كيسان: جوابه قوله: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ} الآية، وقيل: قد علمنا، وجوابات القسم سبعة: {إِنَّ} الشديدة، كقوله: {أية : إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ} تفسير : [الفجر: 14] و (ما) النفي كقوله: {أية : وَٱلضُّحَىٰ ... مَا وَدَّعَكَ} تفسير : [الضحى: 1-3] و (اللام) المفتوحة، كقوله: {أية : فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [الحجر: 92] و (إنْ) الخفيفة كقوله سبحانه: {أية : تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي} تفسير : [الشعراء: 97]، و (لا) كقوله: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} تفسير : [الأنعام: 109]، لا يبعث الله من يموت، وقد كقوله: {أية : وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا .. قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} تفسير : [الشمس: 91] وبل كقوله: {قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} {بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ} يعرفون حسبه، ونسبه، وصدقه، وأمانته. {فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} غريب. {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً} نُبعث، فترك ذكر البعث لدلالة الكلام عليه. {ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} يقال: رجعته رجعاً، فرجع هو رجوعاً، قال الله سبحانه: {أية : فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ} تفسير : [التوبة: 83] قال الله سبحانه: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ} ما تأكله من عظامهم، وأجسامهم، وقيل: معناه قد علمنا ما يبلى منهم، وما يبقى لأنّ العصعص لا تأكله الأرض كما جاء في الحديث: "حديث : كلّ ابن آدم يبلى، إلاّ عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب" تفسير : وأبدان الأنبياء والشهداء أيضاً لا تبلى. وقال السدي: والموت يقول: قد علمنا من يموت منهم، ومن يبقى. {كِتَابٌ حَفِيظٌ} محفوظ من الشياطين، ومن أن يدرس، ويبعثر، وهو اللوح المحفوظ، المكتوب فيه جميع الأشياء المقدّرة. {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ} بالقرآن. {لَمَّا جَآءَهُمْ فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ} قال أبو حمزة: سُئل ابن عبّاس عن المريج، فقال: هو الشيء المكر، أما سمعت قول الشاعر: شعر : فجالت فالتمست به حشاها فخر كأنه خوط مريج تفسير : الوالبي عنه: أمر مختلف. العوفي عنه: أمر ضلالة. سعيد بن جبير، ومجاهد: ملتبس، قال قتادة: في هذه الآية من نزل الحقّ مرج أمره عليه، والتبس دينه عليه. ابن زيد: مختلط، وقيل: فاسد، وقيل: متغير. وكلّ هذه الأقاويل متقاربة، وأصل المرج الاضطراب، والقلق، يقال: مرج أمر الناس، ومرج الدّين، ومرج الخاتم في إصبعي وخرج إذا قلق من الهزال، قال الشاعر: شعر : مرج الدّين فأعددت له مشرف الحارك محبوك الكتد تفسير : وفي الحديث: «حديث : مرجت عهودهم، وأمانيهم ». تفسير : {أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ} أي شقوق، وفتوق، واحدها فرج، وقال ابن زيد: الفروج الشيء المتفرّق المتبري بعضه من بعض، وقال الكسائي: ليس فيها تفاوت، ولا اختلاف {وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا} بسطناها على وجه الماء {وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ} لون {بَهِيجٍ} حسن كريم يُبهج به أي يُسر. {تَبْصِرَةً} أي جعلنا ذلك تبصرة، وقال أبو حاتم: نُصبت على المصدر. {وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} يعني تبصر أو تذكّر إنابتها له، لأنّ من قدر على خلق السماوات، والأرض، والنبات، قدر على بعثهم، ونظير التبصرة من المصادر التكملة، والتفضلة، ومن المضاعف النخلة، والبعرة. {وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ} يعني البر، والشعير، وسائر الحبوب التي تحصد وتدّخر وتقتات، وأضاف الحَبّ إلى الحصيد، وهما واحد، لاختلاف اللفظين، كما يقال: مسجد الجامع، وربيع الأوّل، وحقّ اليقين، وحبل الوريد، ونحوها. {وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ} قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة: طوالاً، وقال عبد الله بن شداد بن الهاد: سوقها لاستقامتها في الطول. سعيد بن جبير: مستويات. الحسن والفرّاء: مواقير حوامل، يقال للشاة إذا ولدت: أبسقت، ومحلّها نصب على الحال، والقطع. أخبرني الحسن، قال: حدّثنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي، قال: حدّثنا عبيد بن محمد بن صبح الكناني. قال: حدّثنا هشام بن يونس النهشلي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن علاقة، عن قطبة بن مالك. قال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقرأ: (والنّخل باصقات) بالصاد. {لَّهَا طَلْعٌ} تمر، وحمل سمّي بذلك لأنّه يطلع. {نَّضِيدٌ} متراكب متراكم، قد نضد بعضه على بعض. قال بن الأجدع: نخل الجنّة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال [القلال] والدلاء، وأنهارها تجري في [عبر] أخدود {رِّزْقاً} أي جعلناه رزقاً {لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً}. أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن صقلاب. قال: حدّثنا ابن أبي الخصيب، قال: حدّثني ابن أبي الجوادي، قال: حدّثنا [عتيق] بن يعقوب، عن إبراهيم بن قدامة، عن أبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة، قال: حديث : كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا جاءهم المطر، فسالت الميازيب، قال: "لا محْل عليكم العام" تفسير : أي الجدب. {كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ} من القبور. {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ} وهو ملك اليمن، ويسمّى تبّعاً لكثرة أتباعه، وكان يعبد النار فأسلم، ودعا قومه إلى الإسلام، وهم من حِمْيَر، فكذّبوه، وكان خبره وخبر قومه ما أخبرنا عبد الله بن حامد، قال: أخبرني أبو علي إسماعيل بن سعدان، قال: أخبرني علي بن أحمد، قال: حدّثنا محمد ابن جرير، وأخبرني عقيل أنّ أبا الفرج أخبرهم عن ابن جرير، قال: حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثنا محمد بن إسحاق، قال: كان تبّع الآخر، وهو أسعد أبو كرب بن ملكي كرب، حين أقبل من المشرق، جعل طريقه على المدينة، وكان حين مر بها لم يهيج أهلها، وخلّف بين أظهرهم ابناً له، فقتل غيلة، فقدمها، وهو مجمع لإخراجها، واستئصال أهلها، وقطع نخيلها، فجمع له هذا الحيّ من الأنصار، حين سمعوا ذلك من أمره امتنعوا منه، ورئيسهم يومئذ عمرو بن ظلم أخو بني النجار أحد بني عمرو، فخرجوا لقتاله، وكان تبّع نزل بهم قبل ذلك، فقتل رجل منهم، من بني عدي بن النجّار، يقال له: أحمر، رجلاً من صحابة تبّع، وجده في عذق له بجدة فضربه بنخلة فقتله. وقال: إنّما التمرة لمن أبره، ثمّ ألقاه حين قتله في بئر من آبارهم معروفة، يقال لها: ذات تومان، فزاد ذلك تبعاً حنقاً عليهم، فبينا تبّع على ذلك من حربهم يقاتلهم ويقاتلونه، قال: فيزعم الأنصار أنّهم كانوا يقاتلونه بالنهار، ويقرونه بالليل، فيعجبه ذلك، ويقول: والله إنّ قومنا هؤلاء لكرام، إذ جاءه حبران من أحبار يهود بني قريظة، عالمان راسخان، وكانا ابني عمرو، وكانا أعلم أهل زمانهما، فجاءا تبّعاً حين سمعا ما يريد من إهلاك المدينة، وأهلها، فقالا له: أيّها الملك لا تفعل، فإنّك إن أتيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها، ولم يأمن عليك عاجل العقوبة، فقال لهما: ولِمَ ذاك؟ قالا: هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحيّ من قريش في آخر الزمان، تكون داره وقراره، فتناهى لقولهما عمّا كان يريد بالمدينة، ورأى أنّ لهما علماً، وأعجبه ما سمع منهما، أنّهما دعواه إلى دينهما، فليتبعهما على دينهما، فقال تبع في ذلك: شعر : ما بال نومك مثل نوم الأرمد أرقا كأنك لا تزال تسهد حنقاً على سبطين حلاّ يثرباً أولى لهم بعقاب يوم مفسد ولقد هبطنا يثرباً وصدورنا تغلي بلابلها بقتل محصد ولقد حلفت يمين صبر مؤلياً قسماً لعمرك ليس بالتمردد أن جئت يثرب لا أغادر وسطها عذقاً ولا بسراً بيثرب يخلد حتى أتاني من قريظة عالم خبر لعمرك في اليهود مسود قال ازدجر عن قرية محفوظة لنبي مكّة من قريش مهتد فعفوت عنهم عفو غير مثرب وتركتهم لعقاب يوم سرمد وتركتهم لله أرجو عفوه يوم الحساب من الجحيم الموقد ولقد تركت بها له من قومنا نفراً أُولي حسب وبأس يحمد نفراً يكون النصر في أعقابهم أرجو بذاك ثواب ربّ محمّد تفسير : فلمّا [......] تبع إلى دينهما أكرمهما وانصرف عن المدينة، وخرج بهما إلى اليمن ولمّا [دنا من] اليمن ليدخلها حالت حِمْير بينه وبين ذلك، وقالوا: لا تدخلها علينا، وقد فارقت ديننا، فدعاهم إلى دينه، وقال: إنه دين خير من دينكم. قالوا: فحاكمنا إلى النار. وكانت باليمن نار في أسفل جبل يقال له: ندا، يتحاكمون إليها، فيما يختلفون فيه، فتحكم بينهم، تأكل الظالم، ولا تضرّ المظلوم، فلمّا قالوا ذلك لتبّع، قال: أنصفتم، فخرج قومه بأوثانهم، وما يتقرّبون به في دينهم، وخرج الحبران، مصاحفهما في أعناقهما متقلّداهما، حتّى قعدوا للنّار عند مخرجها التي تخرج منه، فخرجت النار إليهم، ولمّا أقبلت نحو حِمْير، حادوا عنها، وهابوها فدعاهم من حضرهم من الناس، وأمروهم بالصبر لها؛ فصبروا حتّى غشيتهم، فأكلت الأوثان، وما قربوا معها، ومن حَمَلَ ذلك من رجال حمير، وخرج الحبران ومصاحفهما في أعناقهما، يتلون التوراة، تعرق جباههما، لم تضرّهما، ونكصت النار حتّى رجعت إلى مخرجها الذي خرجت منه، فأطبقت حمير عند ذلك على دينهما. فمن هناك كان أصل اليهودية باليمن. وكان لهم بيت يعظمونه، وينحرون عنده، ويكلّمون منه، إذا كانوا على شركهم، فقال الحبران القرظيان، وأسماهما كعب وأسد لتبّع: إنّما هو شيطان (يفنيهم ويلغيهم)، فخلّ بيننا وبينه. قال: فشأنكما به. فاستخرجا منه كلباً أسود، فذبحاه، ثمّ هدما ذلك البيت، فبقاياه اليوم باليمن كما ذكر لي. وروى أبي دريد، عن أبي حاتم، عن الرياشي، قال: كان أبو كرب أسعد الحميري من التبابعة، آمن بالنبيّ صلى الله عليه وسلم محمّد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث بسبعمائة سنة، وقال في ذلك شعراً: شعر : شهدت على أحمد أنّه رسول من الله باري النسم فلو مد عمري إلى عمره لكنت صهراً له وابن عمّ تفسير : {كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ} وجب {وَعِيدِ} لهم بالعذاب يخوف كفّار مكّة، قال قتادة: دمر الله سبحانه وتعالى قوم تبّع، ولم يدمّره، وكان من ملوك اليمن، فسار بالجيوش، وافتتح البلاد، وقصد مكّة ليهدم البيت، فقيل له: إنّ لهذا البيت ربّاً يحميه، فندم وأحرم، ودخل مكّة، وطاف بالبيت، وكساه، فهو أوّل من كسا البيت {أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ} أي عجزنا عنه، وتعذر علينا [الأول فهم في شك الإعادة للخلق] الثاني. {بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} وهو البعث.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : سبق أنْ تحدثنا عن الحروف المقطعة في أوائل بعض سور القرآن، وهنا نكتفي بالإشارة إلى أن هذه الحروف المقطعة مثل (ق) تمثل جانبَ الغيب في القرآن، والغيب هو محكّ الإيمان كما بيَّنا. فالفلاح الأمي مثلاً يستخدم التليفزيون ويتنقل بين قنواته دون أنْ يعرف كيف يعمل وكيف ينتقل من قناة إلى أخرى، فهو يستفيد به دون معرفة بكيفية عمله، كذلك يستخدم رافعة المياة (الطلمبة)، وهو لا يعرف (ميكانيكية) عملها. كذلك نحن مع الحروف المقطعة هذه نؤمن بها وندع معانيها لقائلها سبحانه. والدين ينقسم إلى عناصر ثلاثة: عقائد تعمر القلوب، وعبادات وتكاليف هي عمل الجوارح، ثم الكلام الذي ينقل هذه الأمور كلها وهو مهمة اللسان أي التعبير. وكل من العقائد والتكاليف والتعبير فيه غيب ومشهد، فالله غيب، لكن آثار قدرته في الكون مشهد، والصلاة من حيث ترددك على المسجد خمس مرات وما فيها من ركوع وسجود وحركات مشهد، لكن عدد ركعاتها غيب. فكأن الحق سبحانه يعطينا الغيب في هذه الأشياء ليختبر فينا حقيقة الإيمان، فما علمته دليل على صدق ما لم تعلمه. كذلك الحال في حروف القرآن الكريم وآياته، فآيات القرآن على وجه العموم نفهمها ونعرف معانيها، لكن الحروف المقطعة هي الغيب الذي يجب علينا أنْ نؤمن به حتى ولو لم نعرف معناه، وتبقى هذه الحروف دليلَ إعجاز القرآن. فقوله تعالى: {قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} [ق: 1] جمعتْ بين الاثنين، الغيب في (ق) والمشهد في {وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} [ق: 1] وهما المكوِّنان للقرآن الكريم (ق) دليل الإعجاز {وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} [ق: 1] إذن: أتى بالدليل والمستدل عليه. و(ق) تحمل معنى القسَم، وهي حرف واحد كما أقسم الله بالشيء الواحد، فقال: {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ}تفسير : [العصر: 1-2] وقال: {أية : وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ}تفسير : [النجم: 1-2]. كما يقسم بالحرفين مثل (يس)، (طه)، (حم)، وكذلك يقسم بشيئين من مخلوقاته مثل: {أية : وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ}تفسير : [الضحى: 1-2] ويقسم بثلاثة أحرف مثل (الم)، وبثلاثة أشياء مثل: {أية : وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا * فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً * فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً}تفسير : [الصافات: 1-3]. ويقسم بأربعة في {أية : الۤمۤصۤ}تفسير : [الأعراف: 1] وفي {أية : وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ}تفسير : [التين: 1-3] كما يقسم بخمسة أحرف في {أية : كۤهيعۤصۤ}تفسير : [مريم: 1] وفي قوله سبحانه {أية : وَٱلطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ * وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ * وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ * وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ}تفسير : [الطور: 1-6]. إذن: جاء هذا القسم على خمسة أضرب من الواحد إلى خمسة، ولم يزد على ذلك حتى لا يكون القسمُ ثقيلاً على اللسان، ولأن أقصى ما يمكن في الكلمة المجردة خمسة أحرف، لكن في القسَم بآياته الكونية زاد على ذلك. اقرأ: {أية : وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا * وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا * وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا * وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا}تفسير : [الشمس: 1-7]. ولو فعل مثل ذلك في القسم بالحروف لخرج عن بنية الكلمة في اللغة. ونلاحظ أيضاً أن القسم بالحروف المقطعة لم يأتِ إلا في أوائل السور، أما القسم بالآيات الكونية فيأتي في أولها كما رأينا، وياتي في خلالها كما في قوله تعالى: {أية : كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ * وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ}تفسير : [المدثر: 32-34]. ثم إن القسم بالحروف المقطعة لا يأتي بالواو، إنما تأتي واو القسم مع الآيات الأخرى التي تفهم معناها، وهنا يقول: {قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} [ق: 1] ولم يقل و(ق) لأن الواو حرف، و(ق) حرف، فيحدث بينهما لَبْسٌ، هذه من إعجازات القرآن التي ينبغي أنْ نقف عندها وقفة تأمل. والتصديق بهذه الغيبيات هو الذي يثبت صدق الإيمان، وإلا فما الميزة في أنْ تكون كلُّ آيات القرآن مفهومة معلومة المعنى والمراد؟ ما الميزة في أن تكونَ كل أمور الدين معلومة لنا خاضعة للقياس العقلي وعليها دليل؟ وسبق أنْ أوضحنا أن المشهد والإيمان بالمشهد أمر عادي الكل يؤمن به، المهم أنْ تؤمنَ بما غاب عنك ثقةً منك فيمَنْ أبلغك به. هَبْ أنك ذهبتَ إلى الطبيب وبعد أنْ فحص حالتك كتب لك الدواء، بالله هل تناقشه لِم كتبتَ كذا؟ ولم كتبتَ كذا؟ إنك لا تناقشه لأنك ذهبتَ إليه مختاراً، ذهبتَ إليه وأنت تثق به ومستعد لأن تنفذ تعلمياته وتتناول الدواء الذي وصفه لك وأنت لا تعرف شيئاً عنه. فإذا كنتَ تثق بالطبيب وهو إنسان مثلي ومثلك وعُرْضةٌ للخطأ، فما بالك بالله؟ ألاَ تثق في كلامه؟ ولأهمية الإيمان بالغيب مدح الله المؤمنين به، فقال: {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ ..}تفسير : [البقرة: 3] فكما نؤمن بالآيات واضحة المعنى نؤمن بالحروف غير واضحة المعنى، فهذا قرآن مشهد، وهذا قرآن غيب، وكما نؤمن بالآيات الكونية المشاهدة نؤمن بالله خالقها ومبدعها، وهو سبحانه غيب. وقوله تعالى: {وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} [ق: 1] القرآن اسم لما نزل من عند الله على قلب سيدنا رسول الله، ودلّ على صدقه في البلاغ عنه. وسُمِّي قرآناً ليدل على أنه مقروء، وسُمِّي الكتاب ليدل على أنه مكتوب، فهو مُسجَّل في السطور محفوظ في الصدور. وللقرآن مزية خاصة به لم تُعْطَ لكتاب قبله، هي أن القرآن يحمل المنهج ويحمل المعجزة معاً، أما الرسالات السابقة عليه فكان المنهج في الكتاب، والمعجزة منفصلة عنه. فسيدنا عيسى مثلاً كان كتابه الإنجيل، ومعجزته أنْ يبرئ الأكمه والأبرص ويُحيي الموتى بإذن الله، وسيدنا موسى كان كتابه ومنهجه في التوراة، أما معجزته فكانت في العصا، أما سيدنا رسول الله فكانت معجزته هي عين منهجه، لماذا؟ لأن رسالته دائمة باقية في الزمان كله إلى قيام الساعة وباقية في المكان كله، فلها عمومية الزمان وعمومية المكان، ونحن الآن نقول: هذا محمد رسول الله وهذه معجزته، في حين لا نستطيع أنْ نقول ذلك مع سيدنا موسى مثلاً أو سيدنا عيسى، لأن معجزاتهما انتهت بانتهاء زمانيهما. ومعنى {ٱلْمَجِيدِ} [ق: 1] أي: العظيم صاحب الشرف والمجد والعلو، ومجيد على وزن فعيل، وهي من أوزان المبالغة مثل رحيم، وفعيل وتأتي مرة بمعنى فاعل مثل رحيم أي: راحم، وتأتي بمعنى مفعول مثل قتيل أي: مقتول. فمعنى {ٱلْمَجِيدِ} [ق: 1] أي: ماجد في ذاته وممجَّد في ذاته فهي تحمل المعنيين، فهو ماجد وممجد، لأنه أعلى وأرفع كلام وأغلى الكتب وأشرفها، فهو في ذاته مجيد. ثم لأنه جاء من مجيد أعلى هو الحق سبحانه، وبلَّغه مَلَك مجيد إلى رسول مجيد، ويبقى بعد ذلك أنه أُنزل على أمة مجيدة. لكن إذا كانت: {قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} [ق: 1] قسم فأين جوابه؟ قالوا: قسم على أن البعث حَقّ، أي: ق والقرآن المجيد لتبعثن، والأقرب من ذلك أنْ نأخذ الجواب من الكلام بعد القسم، وهو قوله تعالى: {بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ ...}.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {مَّرِيجٍ} مختلط قال ابن قتيبة: مرج الأمر ومرج الدين اختلط، وأصله أن يقلق الشيء ولا يستقر يقال: مرج الخاتم في يدي إِذا قلق للهزال {فُرُوجٍ} شقوق وصدوع جمع فرج وهو الشقُّ {بَاسِقَاتٍ} طوال بسق الشيء بُسوقاً إِذا طال {نَّضِيدٌ} متراكب بعضه فوق بعض {لَبْسٍ} حيرة وشك واضطراب {عَيِينَا} عجزنا يقال: عيي به يعيا أي عجز عنه {رَقِيبٌ} حافظ شاهد على أعمال الإِنسان {عَتِيدٌ} حاضر مهيأ قال الجوهري: العتيد الشيء الحاضر المهيأ ومنه {أية : وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً}تفسير : [يوسف: 31] وفرسٌ عتد معدٌّ للجري {حَدِيدٌ} حادٌّ نافذ. التفسِير: {قۤ} الحروف المقطعة للتنبيه على إِعجاز القرآن، وللإِشارة إِلى أن هذا الكتاب المعجز منظوم من أمثال هذه الحروف الهجائية {وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} قسمٌ حذف جوابه أي أقسم بالقرآن الكريم، ذي المجد والشرف على سائر الكتب السماوية لتبعثنَّ بعد الموت قال ابن كثير: وجواب القسم محذوف وهو مضمون الكلام بعده وهو إِثبات النبوة، وإِثبات المعاد وتقديره إِنك يا محمد لرسول وانَّ البعث لحق، وهذا كثير في القرآن وقال أبو حيان: والقرآنُ مقسم به، والمجيد صفته وهو الشريف على غيره من الكتب، والجواب محذوفٌ يدل عليه ما بعده تقديره: لقد جئتهم منذراً بالبعث فلم يقبلوا {بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ} أي تعجب المشركون من إِرسال رسول إِليهم من البشر يخوفهم من عذاب الله {فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} أي فقال كفار مكة: هذا شيءٌ في منتهى الغرابة والعجب والإِظهار في موضع الإِضمار لتسجيل جريمة الكفر عليهم، والآية إِنكار لتعجبهم مما ليس بعجب، فإِنهم قد عرفوا صدق الرسول وأمانته ونصحه، فكان الواجب عليهم أن يسارعوا إِلى الإِيمان لا أن يعجبوا ويستهزئوا، ثم أخبر تعالى عن وجه تعجبهم فقال {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً} أي أئذا متنا واستحالت أجسادنا إِلى تراب هل سنحيا ونرجع كما كنَّا؟ {ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} أي ذلك رجوع بعيد غاية البعد، مستحيل حصوله {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ} أي قد علمنا ما تنقصه الأرض من أجسادهم، وما تأكله من لحومهم وأشعارهم ودمائهم إِذا ماتوا، فلا يضل عنا شيءٌ حتى تتعذَّر علينا الإِعادة {وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} أي ومع علمنا الواسع عندنا كتاب حافظ لعددهم وأسمائهم وما تأكله الأرض منهم، وهو اللوح المحفوظ الذي يحصي تفصيل كل شيء {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ} إِضراب إِلى ما هو أفظع وأشنع من التعجب وهو التكذيب بالقرآن العظيم أي كذبوا بالقرآن حين جاءهم، مع سطوع آياته، ووضوح بيانه {فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ} أي فهم في أمرٍ مختلط مضطرب، فتارة يقولون عن الرسول إِنه ساحر، وتارةً يقولون إِنه شاعر، وتارة يقولون إِنه كاهن، وهكذا قالوا أيضاً عن القرآن إِنه سحر، أو شعر، أو أساطير الأولين إِلى غير ذلك.. ثم ذكر تعالى دلائل القدرة والوحدانية الدالة على عظمة رب العالمين فقال {أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ} أي أفلم ينظروا نظر تفكر واعتبار، إِلى السماء في ارتفاعها وإِحكامها، فيعلموا أن القادر على إِيجادها قادر على إِعادة الإِنسان بعد موته؟ {كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا} أي كيف رفعناها بلا عمد وزيناها بالنجوم {وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ} أي ما لها من شقوق وصدوع {وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا} أي والأرض بسطناها ووسعناها {وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ} أي وجعلنا فيها جبالاً ثوابت تمنعها من الاضطراب بسكانها {وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} أي وأنبتنا فيها من كل نوعٍ من النبات حسن المنظر، يبهج ويسر الناظر إِليه {تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} أي فعلنا ذلك تبصيراً منا وتذكيراً عن كمال قدرتنا، لكل عبد راجع إِلى الله متفكر في بديع مخلوقاته {وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَارَكاً} أي ونزلنا من السحاب ماءً كثير المنافع والبركة {فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ} أي فأخرجنا بهذا الماء البساتين الناضرة، والأشجار المثمرة، وحبَّ الزرع المحصود، كالحنطة والشعير وسائر الحبوب التي تحصد {وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ} أي وأخرجنا شجر النخيل طوالاً مستويات {لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ} أي لها طلعٌ منضود، منظمٌ بعضه فوق بعض، قال أبو حيان: يريد كثرة الطلع وتراكمه وكثرة ما فيه من الثمر، وأول ظهور الثمر يكون منضَّداً كحب الرمان، فما دام ملتصقاً بعضه ببعض فهو نضيد، فإِذا خرج من أكمامه فليس بنضيد {رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ} أي أنبتنا كل ذلك رزقاً للخلق لينتفعوا به {وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً} أي وأحيينا بذلك الماء أرضاً جدبة لا ماء فيها ولا زرع فأنبتنا فيها الكلأ والعشب {كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ} أي كما أحييناها بعد موتها كذلك نخرجكم أحياء بعد موتكم قال ابن كثير: وهذه الأرض الميتة كانت هامدة، فلما نزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوجٍ بهيج من أزاهير وغير ذلك مما يحار الطرف في حسنها، وذلك بعد ما كانت لا نبات بها فأصبحت تهتز خضراء، فهذا مثال للبعث بعد الموت، فكما أحيا الله الأرض الميتة كذلك يحيي الله الموتى.. ثم ذكَّر تعالى كفار مكة بما حلَّ بمن سبقهم من المكذبين إِنذاراً لهم وإِعذاراً فقال {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} أي كذَّب قبل هؤلاء الكفار قوم نوح {وَأَصْحَابُ ٱلرَّسِّ} أي وأصحاب البئر وهم بقية من ثمود رسُّوا نبيَّهم فيها أي دسُّوه فيها {وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ} سمَّاهم إِخوانه لأنه صاهرهم وتزوج منهم {وَأَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ} أي وأصحاب الشجر الكثير الملتف وهم قوم شعيب، نُسبوا إِلى الأيكه لأنهم كانت تحيط به البساتين والأشجار الكثيرة، الملتف بعضُها على بعض {وَقَوْمُ تُّبَّعٍ} قال المفسرون: هو ملكٌ كان باليمن أسلم ودعا قومه إِلى الإِسلام فكذبوه وهو تُبَّع اليماني {كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ} أي جميع هؤلاء المذكورين كذبوا رسولهم قال ابن كثير: وإِنما جمع الرسل لأن من كذب رسولاً فإِنما كذب جميع الرسل كقوله تعالى {أية : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [الشعرا: 105] {فَحَقَّ وَعِيدِ} أي فوجب عليهم وعيدي وعقابي، والآية تسليةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم وتهديد للكفرة المجرمين {أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ} أي أفعجزنا عن ابتداء الخلق حتى نعجز عن إِعادتهم بعد الموت؟ قال القرطبي: وهو توبيخٌ لمنكري البعث، وجوابٌ لقولهم {ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} ومراده أن ابتداء الخلق لم يعجزنا، والإِعادةُ أسهلُ منه فكيف يُتوهم عجزنا عن البعث والإِعادة {بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} أي بل هم في خلطٍ وشبهةٍ وحيرة من البعث والنشور قال الألوسي: وإِنما نكَّر الخلق ووصف بجديد، ولم يقل: من الخلق الثاني تنبيهاً على استبعادهم له وأنه خلق عظيم يجب أن يهتم بشأنه فله نبأ عظيم ثم نبه تعالى على سعة علمه وكمال قدرته فقال {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} أي خلقنا جنس الإِنسان ونعلم ما يجول في قلبه وخاطره، لا يخفى علينا شيء من خفاياه ونواياه {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ} أي ونحن أقرب إِليه من حبل وريده، وهو عرق كبير في العنق متصل بالقلب قال أبو حيان: ونحن أقرب إِليه قرب علم، نعلم به وبأحواله لا يخفى علينا شيء من خفياته، فكأن ذاته تعالى قريبة منه، وهو تمثيل لفرط القرب كقول العرب: هو مني معقد الإِزار وقال ابن كثير: المراد ملائكتنا أقرب إِلى الإِنسان من حبل وريده إِليه، والحلول والاتحاد منفيان بالإِجماع تعالى الله وتقدَّس، وهذا كما قال في المحتضر {أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ}تفسير : [الواقعة: 85] يريد به الملائكة، ويدل عليه قوله بعده {إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ} أي حين يتلقى الملكان الموكلان بالإِنسان، ملك عن يمينه يكتب الحسنات، وملك عن شماله يكتب السيئات، وفي الكلام حذفٌ تقديره عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد فحذف الأول لدلالة الثاني عليه قال مجاهد: وكَّل الله بالإِنسان - مع علمه بأحواله - ملكين بالليل وملكين بالنهار يحفظان عمله ويكتبان أثره إِلزاماً للحجة، أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات، والآخر عن شماله يكتب السيئات فذلك قوله تعالى {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ} وقال الألوسي: والمراد أنه سبحانه أعلم بحال الإِنسان من كل رقيب، حين يتلقى المتلقيان الحفيظان ما يتلفظ به، وفيه إِيذانٌ بأنه عز وجل غنيٌّ عن استحفاظ الملكين، فإِنه تعالى أعلم منهما ومطَّلع على ما يخفى عليهما، لكنْ الحكمة اقتضت كتابة الملكين لعرض صحائفهما يوم يقوم الأشهاد، فإِذا علم العبد ذلك - مع علمه بإِحاطة الله تعالى بعلمه - ازداد رغبةً في الحسنات، وانتهاءً عن السيئات {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ} أي ما يتلفظ كلمةً من خيرٍ أو شر، إِلا وعنده ملك يرقب قوله ويكتبه {عَتِيدٌ} أي حاضر معه أينما كان مهيأٌ لكتابة ما أُمر به قال ابن عباس: يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر وقال الحسن: فإِذا مات ابن آدم طويت صحيفته وقيل له يوم القيامة {أية : ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً}تفسير : [الإِسراء: 14] {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} أي وجاءت غمرة الموت وشدته التي تغشى الإِنسان وتغلب على عقله، بالأمر الحق من أهوال الآخرة حتى يراها المنكر لها عياناً {ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} أي ذلك ما كنت تفر منه وتميل عنه وتهرب منه وتفزع وفي الحديث عن عائشة حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا تغشاه الموت جعل يمسح العرق عن وجهه ويقول: "سبحان الله إنَّ للموت لسكرات" تفسير : {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ} أي ونفخ في الصور نفخة البعث ذلك هو اليوم الذي وعد الله الكفار به بالعذاب {وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ} أي وجاء كل إِنسان براً كان أو فاجراً ومعه ملكان: أحدهما يسوقه إِلى المحشر، والآخر يشهد عليه بعمله قال ابن عباس: السائق من الملائكة، والشهيد من أنفسهم وهي الأَيدي والأرجل {أية : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [النور: 24] وقال مجاهد: السائق والشهيد ملكان، ملكٌ يسوقه وملك يشهد عليه {لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا} أي لقد كنت أيها الإِنسان في غفلةٍ من هذا اليوم العصيب {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ} أي فأزلنا عنك الحجاب الذي كان على قلبك وسمعك وبصرك في الدنيا {فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ} أي فبصَرك اليوم قويٌّ نافذ، ترى به ما كان محجوباً عنك لزوال الموانع بالكلية.
زيد بن علي
تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد عن الإِمامُ زيد بن علي عليهما السلام في قولهِ تعالى: {قۤ} معناه اسم من أسماءِ القُرآن. وقال: فَواتحُ يَفتحُ الله بِهَا.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} الآية هذه السورة مكية. قال ابن عباس: الآية وهي قوله: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ}تفسير : [ق: 38] ومناسبتها لآخر ما قبلها أنه تعالى أخبر أن أولئك الذين قالوا: آمنا لم يكن إيمانهم حقاً وانتفاءً إيمانهم دليل على إنكار نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم وعدم الإِنذار أيضاً يدل على إنكار البعث فلذلك أعقبه بق والقرآن مقسم به والمجيد صفة وهو الشريف على غيره من الكتب والجواب محذوف يدل عليه ما بعده تقديره أنك جئتهم منذراً بالبعث فلم يقبلوا بل عجبوا والضمير في بل عجبوا عائد على الكفار والإِشارة بقولهم هذا شىء عجيب الظاهر أنها إلى مجيء منذر من البشر والإِشارة بقوله ذلك إلى البعث. {رَجْعٌ بَعِيدٌ} أي مستبعد في الأوهام والفكر. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون الرجع بمعنى المرجوع وهو الجواب ويكون من كلام الله تعالى استبعاداً لإِنكارهم ما أنذروا به في البعث والوقف قبله على هذا التفسير حسن. فإِن قلت ما ناصب الظرف إذا كان الرجع بمعنى المرجوع قلت: ما دل عليه المنذر من المنذر به وهو البعث "انتهى". وكون ذلك رجع بعيد بمعنى مرجوع وأنه من كلام الله لا من كلامهم على ما شرحه مفهوم عجيب. ينبو عن إدراكه فهم العرب. {بَلْ كَذَّبُواْ} أي ما أجادوا النظر بل كذبوا والحق القرآن. {فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ} قال الضحاك مختلط مرة ساحر ومرة شاعر ومرة كاهن. {أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ} حين كفروا بالبعث وبما جاء الرسول إلى آثار قدرة الله تعالى في العالم العلوي والسفلي. {كَيْفَ بَنَيْنَاهَا} مرتفعة من غير عمد. {وَزَيَّنَّاهَا} بالنيرين وبالنجوم. {وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ} أي من فتوق وشقوق بل هي سليمة من كل خلل. {رَوَاسِيَ} أي جبالاً ثوابت تمنعها من التكفؤ. {مِن كُلِّ زَوْجٍ} أي نوع. {بَهِيجٍ} أي حسن المنظر يسر من نظر إليه وتبصرة مفعول من أجله. {لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} أي راجع إلى ربه مفكر في بدائع صنعه. {مَآءً مُّبَٰرَكاً} أي كثير المنافع. {وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ} أي الحب الحصيد فهو من إضافة الموصوف إلى صفته والحصيد كل ما يحصد مما له حب كالبر والشعير. {بَاسِقَاتٍ} أي طوالاً في العلو وهو منصوب على الحال وهي حال مقدرة لأنها حالة الانبات لم تكن طوالا وباسقات جمع والنخل اسم جنس فيجوز أن يذكر نحو قوله {أية : نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} تفسير : [القمر: 20] وأن يؤنث كقوله: {أية : نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} تفسير : [الحاقة: 7] وأن يجمع باعتبار أفراده ومنه باسقات وقوله: {أية : وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ} تفسير : [الرعد: 12]. {لَّهَا طَلْعٌ} تقدم شرحه عند ومن طلعها قنوان دانية. {نَّضِيدٌ} أي منضود بعضه فوق بعض يريد كثرة الطلع وتراكمه أو كثرة ما فيه من الثمر وأول ظهور الثمر في الكفرى وهو أبيض منضد كحب الرمان فهو نضيد فإِن خرج من الكفرى فما دام ملتصقاً بعضه ببعض تفرق فليس بنضيد ورزقاً نصب على المصدر لأن معنى وأنبتنا رزقنا أو على أنه مفعول له والإِشارة في كذلك إلى الاحياء أي الخروج من الأرض أحياء بعد موتكم مثل ذلك الحياة للبلدة الميتة وهذه كلها أمثلة وأدلة على البعث وذكر تعالى في السماء ثلاثة البناء والتزيين ونفي الفروج وفي الأرض ثلاثة المد وإلقاء الرواسي والإِنبات قابل المد بالبناء لأن المد وضع والبناء رقع والقاء الرواسي بالتزين بالكواكب لارتكاب كل واحد منهما والانبات المترتب على الشق بانتفاء الفروج فلا شق فيها ونبه تعلق به الانبات على ما يقطف كل سنة ويبقى أصله وما يزرع كل سنة أو سنتين ويقطف كل سنة وعلى ما اختلط من جنسين فبعض الثمار فاكهة لا قوت وأكثر الزرع قوت والتمر فاكهة وقوت ولما ذكر قوله تعالى: {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ} ذكر من كذب الأنبياء عليهم السلام تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتقدم الكلام على مفردات هذه الآية وقصص من ذكر فيها. {أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} الخلق الأول هو إنشاء الإِنسان من نطفة على التدريج وتقدم تفسير علمي عند ولم يعي بخلقهن والمعنى أعجزنا عن الخلق الأول فنعجز عن الخلق الثاني وهذا توقيف للكفار وتوبيخ وإقامة الحجة الواضحة عليهم بل هم في لبس أي خلط وشبهة وحيرة. {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ} هذه آيات فيها إقامة حجج على الكفار في إنكارهم البعث والإِنسان إسم جنس وقيل آدم. {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ} قرب علم به وبأحواله لا يخفى عليه شىء من خفياته وحبل الوريد مثل في قرط القرب كقول العرب هو مني مقعد القابلة ومقعد الأزار والحبل العرق شبه بواحد الحبال وإضافته إلى الوريد للبيان كقولهم بعير سانية أو يراد حبل العاتق فيضاف إلى الوريد كما يضاف إلى العاتق لاجتماعهما في عضو واحد والعامل في إذ أقرب إليه لأنه أخبر خبراً مجرداً بالخلق والعلم بخطوات الأنفس والقرب بالقدرة والملك فلما تم الاخبار أخبر بذكر الأحوال التي تصدق هذا الخبر وتعين وروده عند السامع فمنها إذ يتلقى المتلقيان ومنها مجيء سكرة الموت ومنها النفخ في الصور ومنها مجيء كل نفس معها سائق وشهيد والمتلقيان الملكان الموكلان بكل إنسان ملك اليمين يكتب الحسنات وملك الشمال يكتب السيئات. وقال الحسن: الحفظة أربعة إثنان بالنهار واثنان بالليل وقعيد مفرد فاحتمل أن يكون معناه مقاعد كما تقول جليس وخليط أي مجالس ومخالط وأن يكون عدل من فاعل إلى فعيل للمبالغة كعليم. قال الكوفيون: مفرد أقيم مقام اثنين والأجود أن يكون حذف من الأول لدلالة الثاني عليه أي عن اليمين قعيد وظاهر ما يلفظ العموم. قال مجاهد: يكتب عليه كل شىء حتى أنينه في مرضه. {رَقِيبٌ} ملك يرقب. {عَتِيدٌ} حاضر. {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ} معطوف على إذ يتلقى وسكرة الموت ما يعتري الإِنسان عند نزاعه والباء في بالحق للتعدية أي جاءت سكرة الموت الحق وهو الأمر الذي نطقت به كتب الله تعالى وبعث به رسله من سعادة الميت وشقاوته أو للحال أي ملتبسة بالحق. {مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} أي تميل يقول أعيش كذا وأعيش كذا فمتى فكر في قرب الموت حاد بذهنه عنه وأمله إلى مسافة طويلة بعيدة من الزمان ومن الحيد الحذر من الموت وظاهر تحيد أنه خطاب للإِنسان الذي جاءته سكرة الموت. {سَآئِقٌ} حاث على السير. {وَشَهِيدٌ} يشهد عليه قال الزمخشري: ومحل معها سائق النصب على الحال من كل لتعرفه بالإِضافة إلى ما هو في محكم المعرفة "إنتهى". لا ضرورة تدعو إلى الحال بل الجملة في موضع الصفة إن أعربت معها سائق مبتدأ وخبراً وإلا فسائق فاعل بالظرف قبل لأنه قد اعتمد فالظرف في موضع الصفة وأما قوله لتعرفه بالإِضافة إلى ما هو في حكم المعرفة فكلام ساقط لا يصدر عن مبتدىء في النحو لأنه لو نعت كل نفس ما نعت إلا بنكرة فهو نكرة. {لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا} أي من عاقبة الكفر فلما كشف الغطاء عنك احتد بصرك أي بصيرتك وهذا كما تقول فلان حديد الذهن وكني بالغطاء عن الغفلة كأنها غطت جميعه أو عينيه فهو لا يبصر فإِذا كان في القيامة زالت عنه الغفلة فأبصر ما لم يكن يبصره من الحق. {وَقَالَ قَرِينُهُ} هو الشيطان الذي قيض له في قوله {أية : نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} تفسير : [الزخرف: 36]، يشهد له قوله تعالى قال قرينه ربنا ما أطغينا. {هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} هذا شىء لدى ومن ملكتي عتيد لجهنم والمعنى أن ملكاً يسوقه وآخر يشهد عليه وشيطاناً مقروناً به يقول قد أعدته لجهنم وهيأته لها بإِغوائي وإضلالي. {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ} الخطاب من الله للملكين السائق والشهيد. {كُلَّ كَفَّارٍ} مبالغة أي يكفر النعمة والمنعم. {عَنِيدٍ} منحرف عن الطاعة. {مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ} أي الزكاة. {مُّرِيبٍ} شاك في الله تعالى أو في البعث وقيل متهم. {ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ} الظاهر تعلقه بما قبله على جهة البدل ويكون فألقياه توكيداً.
الجيلاني
تفسير : {قۤ} أيها الإنسان الكامل، القابل لخلعة الخلافة والنيابة الإلهية والقيم، القائم لتبليغ الوحي والإلهام المنزل عليك من عنده سبحانه على عموم الأنام، القائد لهم إلى توحيد الملك العلاّم القدوس السلام، ذي القدرة والقوة الكاملة الشاملة على أنواع الإنعام والانتقام {وَ} حق {ٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} [ق: 1] العظيم المنزل من المجيد العظيم أنك يا أكمل الرسل لمرسل إلى كافة الخلق من الحق على الحق بالحق؛ لتبيين طريق الحق وتوحيده، وبعدما لم يجد المنكرون فيك يا أكمل الرسل شيئاً شيناً يدعوهم ويبعثهم إلى أنكارك وتكذيبك صريحاً، اضطروا إلى العناد والمكابرة. {بَلْ عَجِبُوۤاْ} واستبعدوا أولئك الحمقى الجاهلون {أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ} أي: بعث إليهم رسول من جنسهم وبني نوعهم، ينذرهم عن أهوال يوم القيامة وأفزاعها مع أنهم منكرون للحشر وإرسال البشر جميعاً {فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ} المستبكرون بعدما سمعوا منك الدعو والإنذار من شدة إنكارهم واستبعادهم: {هَـٰذَا} أي: إرسال البشر إلى البشر، والإنذار من الحشر المحال كلامها {شَيْءٌ عَجِيبٌ} [ق: 2] وأمر بديع، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين. ثم فصَّلوا ما أجملوا على سبيل التعجب والإنكار، فقالوا مستفهمين، ومستفيدين فيما بينهم، مستعيذين: {أَءِذَا مِتْنَا} أي: أنرجع ونعود أحياء كما كنا إذا متنا {وَكُنَّا تُرَاباً} وهباء منبثاً {ذَلِكَ} العود والرجوع {رَجْعٌ بَعِيدٌ} [ق: 3] عن الوقوع وقبول العقول. ثم قال سبحانه ردعاً لهم وردّاً عليهم: وكيف تستبعدون وتنكرون عنا قدرتنا على بعث الموتى وإعادتهم أحياء كما كانوا؟! مع أنا {قَدْ عَلِمْنَا} على التفصيل والتحقيق {مَا تَنقُصُ} تأكل وتضمحل {ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ} أي: من أجزائهم وأوصالهم، وكيف لا نعلم {وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} [ق: 4] حاصر لتفاصيل الأشياء، حافظ لها، ألا وهو حضرة علمنا الحضوري ولوح قضائنا. {بَلْ} هو من غاية عمههم وسكرتهم، وكمال غيرهم وغفلتهم {كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ} الصدق المطابق للواقع، المؤيد بالبرهان الساطع والدليل القاطع، وهو نبوة محمد صلى الله عليه وسلم {لَمَّا جَآءَهُمْ} وحين بعث إليهم على الحق؛ لتبيين الحق وتمييزه عن الباطل؛ لذلك أنكروا البعث الذي جاء لتبيينه وللإنذار بما فيه من أنواع العقاب والعقوبات، وبالجملة:{فَهُمْ} بمقتضى أحلامهم السخيفة مغمورون {فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ} [ق: 5] مضطرب، مخلوط، يلتبس عليهم حقيته صلى الله عليه وسلم وحقيّة ما جاء به من عند ربه؛ لذلك يضطربون في شأنه ويقولون تارة: إنه شاعر، وتارة: إنه ساحر وكاهن، وتارة: إنه مجنون مخبط، مختل العقل، يتكلم بكلام المجانين، إلى غير ذلك من المفتريات الباطلة. {أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ} ولم يتفكروا حين أنكروا الحشر والبعث {إِلَى ٱلسَّمَآءِ} المطبقة المعقلة {فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا} ورفعناها بلا أعمدة وأساطين {وَزَيَّنَّاهَا} بالكواكب المتفاوتة في الإضاءة والتنوير {وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ} [ق: 6] نتوءٍ وفتوق، بل خلقناها ملساء متوازية السطوح متلاصقة الطباق. {وَ} لم ينظروا أيضاً {ٱلأَرْضَ} ولم يدبروا فيها كيف {مَدَدْنَاهَا} أي: مهدناها وبسطناها بكمال قدرتنا وحكمتنا {وَأَلْقَيْنَا فِيهَا} وعليها {رَوَاسِيَ} جبالاً ثوابت شامخات {وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ} صنف من النبات {بَهِيجٍ} [ق: 7] حسن كريم، تبهج بها عيون الناظرين وتسر قلوبهم. وإنما خلقنا ما خلقنا من العجائب والغرائب؛ ليكون {تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ} أي: عظة وعبرة دالة على كمال قدرتنا ومتانة حكمتنا وحكمنا {لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} [ق: 8] راجع إلينا، متوجهٍ نحونا بكمال التبتل والتفويض؛ ليتبصروا ويتذكروا بها كمال اقتدارنا واختيارنا في خلق عموم المرادات والمقدورات، ومن جملتها حشر الأموات، وبعثهم من قبورهم أحياء. {وَ} كيف يسع لأولئك الحمقى إنكار قدرتنا على الإعادة مع أنا {نَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكاً} كثير الخير والبركة {فَأَنبَتْنَا بِهِ} بعد تنزله على الأرض اليابسة الميتة {جَنَّٰتٍ} أي: حدائق ذات بهجةٍ وبهاءٍ ونزاهةٍ وصفاءٍ {وَ} لا سيما {حَبَّ ٱلْحَصِيدِ} [ق: 9] من البر والشعير وسائر الحبوب المحصودة للتقوت والتعيش. {وَ} أنبتنا به خصوصاً {ٱلنَّخْلَ} وجعلناها {بَاسِقَاتٍ} طوالٍ محتملاتٍ {لَّهَا طَلْعٌ} ثم ذو عنقود {نَّضِيدٌ} [ق: 10] منضود منضدٍ بعضه فوق بعض من كمال كثرته. وإنما أنبتا ما أنبتنا؛ ليكون {رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ} يرتزقون بها ويشكرون منعهما ومبدعها {وَ} بالجملة: {أَحْيَيْنَا بِهِ} أي: بالماء المنزل من السماء {بَلْدَةً مَّيْتاً} يابسة جدبة، لا كلأ فيها ولا نماء {كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ} [ق: 11] أي: خروجهم من قبورهم أحياء بقدرتنا مثل ذلك، فمن أين ينكرون ويستبعدون أولئك الحمقى الجاهلون بقدرة العليم الحكيم؟! وليس هذا التكذيب والإنكار ببدع من هؤلاء المكذبين المنكرين يا أكمل الرسل، بل قد {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ} مثل تكذيبهم وإنكارهم {قَوْمُ نُوحٍ} أخاك نوحاً عليه السلام حين بعث إليهم وأنذرهم، ونهاهم عما هم عليه من الكفر والجحود والخروج عن مقتضى الحدود {وَ} كذا {أَصْحَابُ ٱلرَّسِّ} وهو بئر كانوا يسكنون حوله أخاك حنظلة بن صفوان عليه السلام {وَ} كذب {ثَمُودُ} [ق: 12] أخاك صالحاً عليه السلام، فعقروا الناقة المقترحة. {وَعَادٌ} أخاك هوداً عليه السلام {وَفِرْعَوْنُ} وملؤه أخاك موسى الكليم {وَإِخْوَانُ لُوطٍ} [ق: 13] سماهم إخوانه؛ لأنهم أصهاره، أخاك لوطاً عليه السلام. {وَأَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ} أخاك شعيباً عليه السلام {وَقَوْمُ تُّبَّعٍ} وهو تبع الحميري، واسمه أسعد أبو كريب، كذبوا علماءهم وأئمتهم المصلحين وإرشادهم أمثال هؤلاء المسرفين المكذبين لك يا أكمل الرسل {فَحَقَّ} أي: حل ولحق عليهم {وَعِيدِ} [ق: 14] الموعود لهم بتكذيبهم وإصرارهم، فهلكوا واستؤصلوا، فكذا هؤلاء المكذبون المسرفون سيهلكون ويستأصلون عن قريب، فاصبر يا أكمل الرسل على أذاهم ولا تستعجل لهم فسيرون ما يوعدون. ثم قال سبحانه على سبيل الإنكار والاستبعاد على المنكرين المستعبدين بالحشر والبعث: {أَفَعَيِينَا} أي: ينكرون قدرتنا على الإعادة، وتظنون أن صرنا عاجزين {بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ} أي: الإبداء الإبداعي عن الخلق الثاني الإعادي، ويزعمون أن قدرتنا تفتر وتضعف عند الخلق الأول، بل ينتهي دونه، ولم يعلموا أن قدرتنا لكل مقدور من المقدورات في كل آن من الآناء على شأنٍ من الشئون الكمالية، بحيث لم يمض مثله، ولا يتأتى شبهه {بَلْ} يتفطن بمقتضى الفطرة الأصلية أن {هُمْ} في أنفسهم دائما {فِي لَبْسٍ} وخلع {مِّنْ} توارد {خَلْقٍ جَدِيدٍ} [ق: 15] منا، وإيجادٍ متجدد من قبلنا في كل آن وزمان حسب قدرتنا واختيارنا.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {قۤ} [ق: 1]، يشير إلى أن لكل سالك من السائرين إلى الله عز وجل إلى الله مقامات في القرب، لما بلغ كل سالك إلى مقامه المقدر له يشار إليه بقوله: قاف، أو قف مكانك ولا تجاوز حدك؛ وهي: جواب القسم لقوله: {وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} [ق: 1]، مجازه قف، فإن هذا مقامك والقرآن المجيد فلا تجاوز عنه. {بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ } [ق: 2]، الذين حرموا عن رشاش النور يوم رش عليهم من نور ربهم، فإنهم كانوا ممن أخطأهم النور، {هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} [ق: 2]؛ وذلك لأنهم لم يكونوا من السالكين السائرين إلى الله، فيعجبون من مجيء المنذر لينذرهم يوم الرشاش، ولم يتعجب من مجيء المنذر من كان له شركة معه في إصابة الرشاش؛ لأنهم عرفوه بنور الرشاش، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : المؤمن ينظر بنور الله"تفسير : ، فلما كان الكفار بمعزل من ذلك النور، فمن عمى قلوبهم ما رأوا الآخرة وما آمنوا بالبعث، وقالوا: {أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً} [ق: 3]، فبعث {ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} [ق: 3] عن العقول. وبقوله: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ} [ق: 4]، يشير إلى أن علمنا الأزلي محيط بما يجري من الأزل إلى الأبد، وبما ينقص من أجزاء كل إنسان بعد موته من الأركان الأربعة، فجزء كل عنصر منه يرجع إلى كله بإذن الله، فإذا أراد الله أن يحيي شخصاً يأمر كل عنصر ليرد جزء أحد منه إلى شخص هو منه، {وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} [ق: 4]، يحفظ كل ذرة من ذرات الموجودات؛ لئلا يضيع إلى أن خاطبناه بردها إلى مكانها. {بَلْ} [ق: 5] الكافرين الذين بمعزل عن نور الإيمان، {كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ} [ق: 5] من عمى قلوبهم، {فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ} [ق: 5] من غلبات آفات الحس والوهم والخيال على عقولهم؛ فلا يهتدون إلى الحق، ولو لم نعم قلوبهم. {أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} [ق: 6]، سماء قلوبهم {فَوْقَهُمْ} [ق: 6]، فوق نفوسهم {كَيْفَ بَنَيْنَاهَا} [ق: 6] طبقات مختلفة، {وَزَيَّنَّاهَا} [ق: 6] بكواكب المعارف، {وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ} [ق: 6] بين أطباقها. {وَٱلأَرْضَ} [ق: 7] أرض النفوس، {مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ} [ق: 7] من أوصاف البشرية، {وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ} [ق: 7] من الذكور والإناث، {بَهِيجٍ} [ق: 7] به أولو الألباب.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقسم تعالى بالقرآن المجيد أي: وسيع المعاني عظيمها، كثير الوجوه كثير البركات، جزيل المبرات. والمجد: سعة الأوصاف وعظمتها، وأحق كلام يوصف بهذا، هذا القرآن، الذي قد احتوى على علوم الأولين والآخرين، الذي حوى من الفصاحة أكملها، ومن الألفاظ أجزلها، ومن المعاني أعمها وأحسنها، وهذا موجب لكمال اتباعه، و [سرعة] الانقياد له، وشكر الله على المنة به. ولكن أكثر الناس، لا يقدر نعم الله قدرها، ولهذا قال تعالى: { بَلْ عَجِبُوا } أي: المكذبون للرسول صلى الله عليه وسلم، { أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ منهم } أي: ينذرهم ما يضرهم، ويأمرهم بما ينفعهم، وهو من جنسهم، يمكنهم التلقي عنه، ومعرفة أحواله وصدقه. فتعجبوا من أمر، لا ينبغي لهم التعجب منه، بل يتعجب من عقل من تعجب منه. { فَقَالَ الْكَافِرُونَ } الذين حملهم كفرهم وتكذيبهم، لا نقص بذكائهم وآرائهم. { هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ } أي: مستغرب، وهم في هذا الاستغراب بين أمرين: إما صادقون في [استغرابهم و] تعجبهم، فهذا يدل على غاية جهلهم، وضعف عقولهم، بمنزلة المجنون، الذي يستغرب كلام العاقل، وبمنزلة الجبان الذي يتعجب من لقاء الفارس للفرسان، وبمنزلة البخيل، الذي يستغرب سخاء أهل السخاء، فأي ضرر يلحق من تعجب من هذه حاله ؟ وهل تعجبه، إلا دليل على زيادة وظلمه وجهله؟ وإما أن يكونوا متعجبين، على وجه يعلمون خطأهم فيه، فهذا من أعظم الظلم وأشنعه. ثم ذكر وجه تعجبهم فقال: { أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ } فقاسوا قدرة من هو على كل شيء قدير، الكامل من كل وجه، بقدرة العبد الفقير العاجز من جميع الوجوه، وقاسوا الجاهل، الذي لا علم له، بمن هو بكل شيء عليم، الذي يعلم ما تنقص الأرض من أجسادهم مدة مقامهم في برزخهم، وقد أحصى في كتابه الذي هو عنده محفوظ عن التغيير والتبديل، كل ما يجري عليهم في حياتهم، ومماتهم، وهذا الاستدلال، بكمال علمه، وسعته التي لا يحيط بها إلا هو، على قدرته على إحياء الموتى.
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم سورة قۤ 540 - أخبرنا عمرانُ بن يزيد، حدَّثنا ابن أبي الرِّجالِ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عمرة، عن أُم هشام بنت حارثة بن النُّعمان، قالت: ما أخذتُ {قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} [1] إلا من وراءِ (رسولِ اللهِ) صلى الله عليه وسلم كان يصلي بها الصبحَ. 541 - أخبرنا محمدُ بن عبد الأعلى، قال: حدَّثنا خالدٌ، عن شعبة، عن زياد بن علاقة، قال: سمعتُ عمي يقول: حديث : صليتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصُّبح، فقرأ في إحدى الركعتين {وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ} [ق:10] تفسير : قال شعبةُ: فلقيتهُ في السوق في الزحامِ فقال: قۤ.
همام الصنعاني
تفسير : 2944- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {قۤ}: [الآية: 1] قال: اسم من أسمامء القرآن. 2945- حدثنا عبد الرزاق، عن ابن جريج لا أعلمه إلاَّ عن مجاهد، في قوله: {قۤ}: [الآية: 1]، قال جبل محيط بالأرض.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):