٥٠ - ق
50 - Qaf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
2
Tafseer
الرازي
تفسير : يعني لم يقتنعوا بالشك في صدق الأمر وطرحه بالترك وبعد الإمكان، بل جزموا بخلافه حتى جعلوا ذلك من الأمور العجيبة، فإن قيل فما الحكمة في هذا الاختصار العظيم في موضع واحد حذف المقسم عليه والمضرب عنه، وأتى بأمر لا يفهم إلا بعد الفكر العظيم ولا يفهم مع الفكر إلا بالتوفيق العزيز؟ فنقول إنما حذف المقسم عليه لأن الترك في بعض المواضع يفهم منه ظهور لا يفهم من الذكر، وذلك لأن من ذكر الملك العظيم في مجلس وأثنى عليه يكون قد عظمه، فإذا قال له غيره هو لا يذكر في هذا المجلس يكون بالإرشاد إلى ترك الذكر دالاً على عظمته فوق ما يستفيد صاحبه بذكره فالله تعالى يقول لبيان رسالتك أظهر من أن يذكر، وأما حذف المضرب عنه، فلأن المضرب عنه إذا ذكر وأضرب عنه بأمر آخر إنما يحسن إذا كان بين المذكورين تفاوت ما، فإذا عظم التفاوت لا يحسن ذكرهما مع الإضراب، مثاله يحسن أن يقال الوزير يعظم فلاناً بل الملك يعظمه، ولا يحسن أن يقال البواب يعظم فلاناً بل الملك يعظمه لكون البون بينهما بعيداً، إذ الإضراب للتدرج، فإذا ترك المتكلم المضرب عنه صريحاً وأتى بحرف الإضراب استفيد منه أمران أحدهما: أنه يشير إلى أمر آخر قبله وثانيهما: أنه يجعل الثاني تفاوتاً عظيماً مثل ما يكون ومما لا يذكر، وههنا كذلك لأن الشك بعد قيام البرهان بعيد لكن القطع بخلافه في غاية ما يكون من البعد. المبحث الثالث: أن مع الفعل يكون بمثابة ذكر المصدر، تقول أمرت بأن أقوم وأمرت بالقيام، وتقول ما كان جوابه إلا أن قال وما كان جوابه إلا قوله كذا وكذا، وإذا كان كذلك فلم ينزل عن الإتيان بالمصدر حيث جاز أن يقال أمرت أن أقوم من غير حرف الإلصاق، ولا يجوز أن يقال أمرت القيام بل لا بد من الباء، ولذلك قالوا أي عجبوا من مجيئه، نقول {أَن جَاءهُمْ } وإن كان في المعنى قائماً مقام المصدر لكنه في الصورة فعل وحرف، وحروف التعدية كلها حروف جارة والجار لا يدخل على الفعل، فكان الواجب أن لا يدخل فلا أقل من أن يجوز عدم الدخول، فجاز أن يقال {عَجِبُواْ أَن جَاءهُمْ } ولا يجوز عجبوا مجيئهم لعدم المانع من إدخال الحروف عليه. وقوله تعالى: {مِنْهُمْ } يصلح أن يكون مذكوراً كالمقرر لتعجبهم، ويصلح أن يكون مذكوراً لإبطال تعجبهم، أما التقرير فلأنهم كانوا يقولون {أية : أَبَشَراً مّنَّا وٰحِداً نَّتَّبِعُهُ } تفسير : [القمر: 24] و {أية : قَالُواْ مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } تفسير : [يۤس: 15] إشارة إلى أنه كيف يجوز اختصاصكم بهذه المنزلة الرفيعة مع اشتراكنا في الحقيقة واللوازم وأما الإبطال فلأنه إذا كان واحداً منهم ويرى بين أظهرهم، وظهر عليه ما عجز عنه كلهم ومن بعدهم كان يجب عليهم أن يقولوا هذا ليس من عنده ولا من عند أحد من جنسنا، فهو من عند الله بخلاف ما لو جاءهم واحد من خلاف جنسهم وأتى بما يعجزون عنه، فإنهم كانوا يقولون نحن لا نقدر لأن لكل نوع خاصية، فإن خاصية النعامة بلع النار، والطيور الطير في الهواء، وابن آدم لا يقدر عليه فإن قيل الإبطال جائز لأن قولهم كان باطلاً، ولكن تقرير الباطل كيف يجوز، نقول المبين لبطلان الكلام يجب أن يورده على أبلغ ما يمكن ويذكر فيه كل ما يتوهم أنه دليل عليه ثم يبطله، فلذلك قال عجبتم بسبب أنه منكم، وهو في الحقيقة سبب لهذا التعجب، فإن قيل النبي صلى الله عليه وسلم كان بشيراً ونذيراً والله تعالى في جميع المواضع قدم كونه بشيراً على كونه نذيراً، فلم لم يذكر: عجبوا أن جاءهم بشير منهم؟ نقول هو لما لم يتعين للبشارة موضعاً كان في حقهم منذراً لا غير. ثم قال تعالى: {فَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا شَىْء عَجِيبٌ }. قال الزمخشري هذا تعجب آخر من أمر آخر وهو الحشر الذي أشار إليه بقوله {أية : أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ } تفسير : [قۤ: 3] فعجبوا من كونه منذراً من وقوع الحشر، ويدل عليه النظر في أول سورة ص حيث قال فيه {أية : وَعَجِبُواْ أَن جَاءهُم مٌّنذِرٌ } تفسير : [صۤ: 4] وقال: {أية : أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وٰحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْء عُجَابٌ } تفسير : [صۤ: 5] ذكر تعجبهم من أمرين والظاهر أن قولهم {هَـٰذَا شَىْء عَجِيبٌ } إشارة إلى مجيء المنذر لا إلى الحشر ويدل عليه وجوه الأول: هو أن هناك ذكر {إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْء عُجَابٌ } بعد الاستفهام الإنكاري فقال: {أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وٰحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْء عُجَابٌ } وقال ههنا {هَـٰذَا شَىْء عَجِيبٌ } ولم يكن ما يقع الإشارة إليه إلا مجيء المنذر. ثم قالوا: {أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ } الثاني: ههنا وجد بعد الاستبعاد بالاستفهام أمر يؤدي معنى التعجب وهو قولهم {ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ } فإنه استبعاد وهو كالتعجب فلو كان التعجب أيضاً عائداً إليه لكان كالتكرار، فإن قيل التكرار الصريح يلزم من جعل قولك {هَـٰذَا شَىْء عَجِيبٌ } عائداً إلى مجيء المنذر، فإن تعجبهم منه علم من قوله {عَجِبُواْ أَن جَاءهُمْ } فقوله {هَـٰذَا شَىْء عَجِيبٌ } يكون تكراراً، نقول ذلك ليس بتكرار بل هو تقرير، وذلك لأنه لما قال: {بَلْ عَجِبُواْ } بصيغة الفعل وجاز أن يتعجب الإنسان مما لا يكون عجيباً كما قال تعالى: {أية : أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ } تفسير : [هود: 73] ويقال في العرف لا وجه لتعجبك مما ليس بعجب فكأنهم لما عجبوا قيل لهم لا معنى لفعلكم وعجبكم فقالوا {هَـٰذَا شَىْء عَجِيبٌ } فكيف لا نعجب منه، ويدل عليه أنه تعالى قال ههنا {فَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ } بحرف الفاء، وقال في ص {أية : وَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا سَـٰحِرٌ كَذَّابٌ } تفسير : [صۤ: 4] لأن قولهم {سَـٰحِرٌ كَذَّابٌ } كان تعنتاً غير مرتب على ما تقدم، و {هَـٰذَا شَىْء عَجِيبٌ } أمر مرتب على ما تقدم أي عجبوا وأنكروا عليه ذلك، فقالوا {هَـٰذَا شَىْء عَجِيبٌ } فكيف لا نعجب منه، ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: {أية : ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ } تفسير : [قۤ: 3] بلفظ الإشارة إلى البعد، وقوله هذا إشارة إلى الحاضر القريب، فينبغي أن يكون المشار إليه بذلك غير المشار إليه بهذا، وذلك لا يصح إلا على قولنا.
المحلي و السيوطي
تفسير : {بَلْ عَجِبُواْ أَن جَاءهُمْ مُّنذِرٌ مّنْهُمْ } رسول من أنفسهم يخوّفهم بالنار بعد البعث {فَقَالَ ٱلْكَٰفِرُونَ هَٰذَا } الإِنذار {شَىْء عَجِيبٌ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {عَجِيبٌ} كون الإله واحد، أو كون المنذر منهم، أو إنذارهم بالبعث.
البقلي
تفسير : {بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ} اى بهذين القسمين عجبوا اقرباؤك انك من بين البريات تكون عامل امانات الذات والصفات وانت منذرهم وانت منهم بالظاهر {فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} اى شئ عجيب اذ ظهر انوار القدم مما خرج من العدم ولو يعلموا ان الله سبحانه اصطفاه من بين البينة لحمل امانة رسالته وكشف جماله وقربته قال سهل قسم بقوته وقدرته وقال ابن عطا اقسم بقوة قلب حبيبه صلوات الله وسلامه عليه حيث حمل الخطاب والمشاهدة ولم يؤثر ذلك فيه لعله حالة وقال سهل فى قوله والقرأن المجيد المشرف على سائر الكلام وقال الحسين المظهر لمن اتبعه عن دنس الاكوان وهو اجس الاسرار.
اسماعيل حقي
تفسير : {بل عجبوا} اى فراعنة قريش ومتعنتوهم {ان جاءهم منذر منهم} اى لان جاءهم منذر من جنسهم لا من جنس الملك وهو اضراب عما ينبئ عنه الجواب اى انهم شكوا فيه ولم يكتفوا بالشك والتردد بل جزموا بالخلاف حتى جعلوا ذلك من الامور العجيبة وقال بعضهم جواب القسم محذوف ودليل ذلك قوله بل لانه لنفى ما قبله فدل على نفى مضمر وتقديره أقسم بجبل قاف الذى به بقاء دنياكم وبالقرءآن الذى به بقاء دينكم ما كذبوك ببرهان وبمعرفة يكذبك بل عجبوا الخ والعجب نظر النفس لامر خارج عن العادة {فقال الكافرون هذا شئ عجيب} تفسير لتعجيبهم وبيان لكونه مقارنا لغاية الانكار وهذا اشارة الى كونه عليه السلام منذرا بالقرءآن وحاصله كون النذير منا خصص بالرسالة من دوننا وكون ما انذر به هو البعث بعد موت كل شئ بليغ فى الخروج عن عادة اشكاله وهو من فرط جهلهم لانهم عجبوا أن يكون الرسول بشرا واوجبوا أن يكون الاله حجرا وانكروا البعث مع ان اكثر ما فى الكون مثل ذلك من اعادة كل من الملوين بعد ذهابه واحياء الارض بعد موتها واخراج النبات والاشجار والثمار وغير ذلك ثم ان اضمار الكافرين اولا للاشعار بتعينهم بما اسند اليهم من المقال وانه اذا ذكر شئ خارج عن سنن الاستقامة انصرف اليهم اذ لا يصدر الا عنهم فلا حاجة الى اظهار ذكرهم واظهارهم ثانيا للتسجيل عليهم بالكفر بموجبه
الجنابذي
تفسير : {بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ} يعنى ما كذّبوك لانّهم وجدوك كاذباً بل كذّبوك لتعجّبهم من رسالة البشر {فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ} برسالتك {هَـٰذَا} الّذى يدّعيه من الرّسالة من الله {شَيْءٌ عَجِيبٌ} يعجب منه، او هذا الّذى يقوله من البعث بعد الموت وتفتّت العظام شيءٌ يتعجّب منه.
اطفيش
تفسير : {بَلْ عَجِبُواْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ} أي ما ردوا أمرك بحجة بل عجبوا الخ أو لم يعجبوا بمجرد الارسال وفى الآية انكار لتعجبهم مما ليس بعجب وهو أن ينذرهم أحد من جنسهم ويؤكد الانكار انهم قد علموا شرفه وعدله ومن كان هكذا لم يكن الا ناصحاً مشقاً* {فَقَالَ الْكَافِرُونَ} أي المشركون* {هَذَا} الانذار دل عليه {مُّنذِرٌ} أو الاشارة الى اختيار الله محمداً للرسالة وهو المراد بالمنذر* {شَيءٌ عَجِيبٌ} أي معجب غريب قيل ذلك حكاية لتعجبهم والأصل فقالوا ووضع الظاهر موضع المضمر اشعاراً لشعثهم والمقال وتسجيلاً على كفرهم بذلك والصحيح ان ذلك عطف لتعجبهم من البعث على تعجبهم من الارسال وذلك أن الانذار المشار اليه انذار بالبعث وانما بالغ بوضع الظاهر موضع المضمر وحكى تعجبهم ليكون أدخل في الانكار لان تعجبهم من الارسال استبعاد لتفضيل مثلهم عليهم وتعجبهم من البعث استقصار لقدرة الله عز وجل عما هو أهون مما يشاهدون من صنعه
الالوسي
تفسير : {بَلْ عَجِبُواْ أَن جَاءهُمْ مُّنذِرٌ مّنْهُمْ} وما ذكر أولاً هو المعول عليه. و {بَلِ } للإضراب عما ينبـىء عنه جواب القسم المحذوف فكأنه قيل: إنا أنزلناه لتنذر به الناس فلم يؤمنوا به بل جعلوا كلاً من المنذر والمنذر به عرضة للنكير والتعجب مع كونهما أوفق شيء لقضية العقول وأقربه إلى التلقي بالقبول، وقيل: التقدير إنك جئتهم منذراً بالبعث فلم يقبلوا بل عجبوا أو فشكوا فيه بل عجبوا على معنى لم يكتفوا بالشك والرد بل جزموا بالخلاف حتى جعلوا ذلك من الأمور العجيبة، وقيل: هو إضراب عما يفهم من وصف القرآن بالمجيد كأنه قيل: ليس سبب امتناعهم من الإيمان بالقرآن أن لا مجد له ولكن لجهلهم، ونبه بقوله تعالى: {بَلْ عَجِبُواْ } عليه لأن التعجب من الشيء يقتضي الجهل بسببه. قال في «الكشف»: وهو وجه حسن. و {أَن جَاءهُمْ } بتقدير لأن جاءهم، ومعنى {مِنْهُمْ } من جنسهم أي من جنس البشر أو من العرب، وضمير الجمع في الآية عائد على الكفار، وقيل: عائد على الناس وليس بذاك. وقوله تعالى: {فَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ } تفسير لتعجبهم وبيان لكونه مقارناً لغاية الإنكار مع زيادة تفصيل لمحل التعجب. و(هذا) إشارة إلى كونه عليه الصلاة والسلام منذراً بالقرآن، وإضمارهم أولاً للإشعار بتعينهم بما أسند إليهم، وإظهارهم ثانياً للتسجيل عليهم بالكفر بموجبه أو عطف لتعجبهم من البعث على تعجبهم من البعثة، وعطفه بالفاء لوقوعه بعده وتفرعه عليه لأنه إذا أنكر المبعوث أنكر ما بعث به أيضاً، على أن (هذا) إشارة إلى مبهم وهو البعث يفسره ما بعده من الجملة الإنكارية، ودل عليه السياق أيضاً لأنه دل على أن ثم منذراً به، ومعلوم أن إنذار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أول كل شيء بالبعث وما يتبعه. ووضع المظهر موضع المضمر إما لسبق اتصافهم بما يوجب كفرهم؛ واما للإيذان بأن تعجبهم من البعث لدلالته على استقصارهم لقدرة الله سبحانه عنه مع معاينتهم لقدرته عز وجل على ما هو أشق منه في قياس العقل من مصنوعاته البديعة أشنع من الأول وأعرق في كونه كفراً.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا في سورة ص أن من المقسم عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم صادق وأن رسالته حق، كما دل عليه قوله في ص: {أية : وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ}تفسير : [ص: 4] وقد دل على ذلك قوله هنا: {بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُم}، وقد قدمنا في ص أنه يدخل في المقسم عليه تكذيب الكفار في إنكارهم البعث، ويدل عليه قوله هنا: {فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً} الآية، والحاصل أن المقسم عليه في ص، بقوله: {أية : وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ}تفسير : [ص: 1]، وفي ق بقوله {وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} محذوف وهو تكذيب الكفار في إنكارهم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وإنكارهم البعث، وإنكارهم كون المعبود واحداً، وقد بينا الآيات الدالة على ذلك في سورة ص، وذكرنا هناك أن كون المقسم عليه في سورة ق هذه المحذوف يدخل فيه إنكارهم لرسالة النبي صلى الله عليه وسلم بدليل قوله: {بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُم} وتكذيبهم في إنكارهم للبعث بدليل قوله: {فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} وبينا وجه إيضاح ذلك بالآيات المذكورة هناك وغيرها، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكَافِرُونَ} (2) - لَقَدْ تَعَجَّبَ المُشْرِكُونَ مِنْ إرْسَالِ رَسُولٍ إليهْم مِنَ البَشَرِ، وَعَدُّوا ذَلِكَ مِنْ عَجَائِبِ الأمُورِ التي تَسْتَحِقُّ الدَّهْشَةَ والتَّامُّلَ. وَقال المُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيشٍ: إنَّهُ لَشَيءٌ عَجِيبٌ أنْ يأتِيَ رَجُلٌ مِنْهُمْ بِرِسَالَةٍ مِنَ اللهِ إليهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والعجب لا يكون إلا من شيء غير معتاد، والنفس لا تهتدي إلى سببه، ولا إلى علَّته مثل الساحر نعجب لما يفعل لأننا لا نفهمه، والحديث هنا عن الكفار المعاصرين لبعثة النبي صلى الله عليه وسلم. وقد أوضح القرآن هذه المسالة وشرحها في موضع آخر هو قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}تفسير : [الزخرف: 31]. {أية : وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ}تفسير : [الأنعام: 8-9]. إذن: عجبهم أو اعتراضهم ليس على القرآن، إنما على محمد صلى الله عليه وسلم، كيف ينزل عليه القرآن وهو من عامة الناس، ولماذا لم ينزل على أحد عظماء القوم ثم أتوا بشبهة أخرى، لماذا لم ينزل على ملَك. وقد ردّ القرآن عليهم وبيَّن لهم هذه الشبهة، فمحمد صلى الله عليه وسلم رسول وقدوة، والقدوة لا تتم إلا إذا كان الرسولُ من جنس المرسل إليهم، وإلا كيف نقتدي بملك وله طبيعة غير طبيعتنا، وقدرة غير قدرتنا. ولو أمرنا بعمل ما كان من حقنا أنْ نقول له: لا نستطيع أنْ نفعل مثلك، لأنك ملَك تقدر على ما لا نقدر عليه، فلا تتم الأُسْوة إذن. فمن عظمة الرسالة أنْ يكون الرسولُ منكم، لذلك منَّ الله عليهم بذلك، فقال: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ..}تفسير : [التوبة: 128] أي: جنسكم بل من قومكم، ومن أقرب الناس لكم، وأنتم تعرفون صدقه وأمانته حتى قبل الرسالة، وشهدتم له بذلك. وقوله تعالى: {فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} [ق: 2]. يعني: أن الكافرين هم الذين تعجبوا من اختيار محمد صلى الله عليه وسلم للرسالة، إذن: غير الكافرين لم يتعجبوا من ذلك، وإذا كان القرآن نزل على مدى ثلاث عشرة سنة، فمن الناس مَنْ آمن بمحمد وصدَّقه من أول آية نزلتْ عليه. وقال: نزل عليّ اليوم كذا وكذا. بل إن سيدنا أبا بكر صدَّق رسول الله وآمن به بمجرد أنْ قال: إني رسول الله دون أنْ يسأله عن شيء، لماذا؟ فماضيه في قومه يُؤهله لهذه المكانة، ولم لا يصدقه وهو الصادق الذي ما جُرّب عليه كذبٌ قط، والذي لا يكذب على الخَلْق أحرى ألاَّ يكذب على الخالق. كذلك صدّقه في خبر الإسراء والمعراج ولم يناقش مثل غيره، بل قال عن رسول الله: إنْ قال فقد صدق، لقد أخذها بالعقل، وبما لديه من مقدمات من سيرة رسول الله. لذلك كلمة (محمد) ذاتها دليل على صدقه، فقوله تعالى: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ ..}تفسير : [الفتح: 29] محمد مبتدأ أخبر عنه بأنه رسول الله، ومحمد بمعنى محمود يحمده الناس ويثنون عليه. إذن: هو من بدايته ونشأته مُعَدٌّ لهذه المهمة، لذلك ما جرَّبوا عليه كذباً أبداً، ولا شيئاً مما كان يفعله أترابه في الجاهلية، فكأنه يقول لهم: محمد هذا الذي تعرفونه، وتعرفون ماضيه وسيرته فيكم هو رسول الله، وكأن علة الإيمان بالرسول أنه محمد. وسبق أن بيَّنا كيف عصمه الله من الزلل؟ وكيف عصمه من انكشاف عورته؟ لذلك ورد على لسانه صلى الله عليه وسلم وهو يجادل قومه: {أية : فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}تفسير : [يونس: 16]. يعني: أنتم تعرفون عني كل شيء، تعرفون أنِّي لا أكذب، ولم يسبق لي أنْ وقفت خطيباً فيكم ولا شاعراً. إذن: لماذا تُكذِّبونني؟. وكلمة {هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} [ق: 2] ليستْ تكراراً للتعجب في {بَلْ عَجِبُوۤاْ ..} [ق: 2] بل عجيبٌ بالذي قيل، عجيبٌ قالها الكافرون، وقد شرحها القرآن في قوله تعالى: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً}تفسير : [الإسراء: 94]. فردَّ عليهم: ماذا تريدون؟ قالوا: نريده مَلَكاً، فقال لهم: إذا كان مَلَكاً فسوف يأتيكم في صورة بشر، إذن: ستظل الشبهة كما هي.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):