٥٠ - ق
50 - Qaf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
6
Tafseer
الرازي
تفسير : إشارة إلى الدليل الذي يدفع قولهم {أية : ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ } تفسير : [قۤ: 3] وهذا كما في قوله تعالى: {أية : أَوَلَـيْسَ ٱلَذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم } تفسير : [يۤس: 81] وقوله تعالى: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ } تفسير : [غافر: 57] وقوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيىِ ٱلْمَوْتَىٰ بَلَىٰ } تفسير : [الأحقاف: 33] وفيه مسائل: المسألة الأولى: همزة الاستفهام تارة تدخل على الكلام ولا واو فيه، وتارة تدخل عليه وبعدها واو، فهل بين الحالتين فرق؟ نقول فرق أدق مما على الفرق، وهو أن يقول القائل: أزيد في الدار بعد، وقد طلعت الشمس؟ يذكره للإنكار، فإذا قال: أو زيداً في الدار بعد، وقد طلعت الشمس؟ يشير بالواو إشارة خفية إلى أن قبح فعله صار بمنزلة فعلين قبيحين، كأنه يقول بعد ما سمع ممن صدر عن زيد هو في الدار، أغفل وهو في الدار بعد، لأن الواو تنبىء عن ضيف أمر مغاير لما بعدها وإن لم يكن هناك سابق لكنه يومىء بالواو إليه زيادة في الإنكار، فإن قيل قال في موضع {أية : أَوَ لَمْ يَنظُرُواْ } تفسير : [الأعراف: 185] وقال ههنا {أَفَلَمْ يَنظُرُواْ } بالفاء فما الفرق؟ نقول ههنا سبق منهم إنكار الرجع فقال بحرف التعقيب بمخالفه، فإن قيل ففي يۤس سبق ذلك بقوله قال: {أية : مَن يُحيىِ ٱلْعِظَـٰمَ } تفسير : [يۤس: 78] نقول هناك الاستدلال بالسمٰوات لما لم يعقب الإنكار على عقيب الإنكار استدل بدليل آخر، وهو قوله تعالى: {أية : قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ } تفسير : [يۤس: 79] ثم ذكر الدليل الآخر، وههنا الدليل كان عقيب الإنكار فذكر بالفاء، وأما قوله ههنا بلفظ النظر، وفي الأحقاف بلفظ الرؤية، ففيه لطيفة وهي أنهم ههنا لما استبعدوا أمر الرجع بقولهم {ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ } استبعد استبعادهم، وقال: {أَفَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى ٱلسَّمَاء } لأن النظر دون الرؤية فكأن النظر كان في حصول العلم بإنكار الرجع ولا حاجة إلى الرؤية ليقع الاستبعاد في مقابلة الاستعباد، وهناك لم يوجد منهم بإنكار مذكور فأرشدهم إليه بالرؤية التي هي أتم من النظر، ثم إنه تعالى كمل ذلك وجمله بقوله {إِلَى ٱلسَّمَاء } ولم يقل في السماء لأن النظر في الشيء ينبىء عن التأمل والمبالغة والنظر إلى الشيء ينبىء عنه، لأن إلى للغاية فينتهي النظر عنده في الدخول في معنى الظرف فإذا انتهى النظر إليه ينبغي أن ينفذ فيه حتى يصح معنى الظرفية وقوله تعالى: {فَوْقَهُمُ } تأكيد آخر أي وهو ظاهر فوق رؤوسهم غير غائب عنهم، وقوله تعالى: {كَيْفَ بَنَيْنَـٰهَا وَزَيَّنَّـٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ } إشارة إلى وجه الدلالة وأولوية الوقوع وهي للرجع، أما وجه الدلالة فإن الإنسان له أساس هي العظام التي هي كالدعامة وقوى وأنوار كالسمع والبصر فبناء السماء أرفع من أساس البدن، وزينة السماء أكمل من زينة الإنسان بلحم وشحم. وأما الأولوية فإن السماء ما لها من فروج فتأليفها أشد، وللإنسان فروج ومسام، ولا شك أن التأليف الأشد كالنسج الأصفق والتأليف الأضعف كالنسج الأسخف، والأول أصعب عند الناس وأعجب، فكيف يستبعدون الأدون مع علمهم بوجود الأعلى من الله تعالى؟ قالت الفلاسفة الآية دالة على أن السماء لا تقبل الخرق، وكذلك قالوا في قوله {أية : هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ } تفسير : [الملك: 3] وقوله {أية : سَبْعاً شداداً } تفسير : [النبأ: 12] وتعسفوا فيه لأن قوله تعالى: {مَّا لَهَا مِن فُرُوجٍ } صريح في عدم ذلك، والإخبار عن عدم الشيء لا يكون إخباراً عن عدم إمكانه فإن من قال: ما لفلان قال؟ لا يدل على نفي إمكانه، ثم إنه تعالى بيّن خلاف قولهم بقوله {أية : وَإِذَا ٱلسَّمَاء فُرِجَتْ } تفسير : [المرسلات: 9] وقال: {أية : إِذَا ٱلسَّمَاء ٱنفَطَرَتْ } تفسير : [الانفطار: 1] وقال: {أية : فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ } تفسير : [الحاقة: 16] في مقابلة قوله {سَبْعاً شِدَاداً } وقال: {أية : فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدّهَانِ } تفسير : [الرحمٰن: 37] إلى غير ذلك والكل في الرد عليهم صريح وما ذكروه في الدلالة ليس بظاهر، بل وليس له دلالة خفية أيضاً، وأما دليلهم المعقول فأضعف وأسخف من تمسكهم بالمنقول.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ} نظر ٱعتبار وتفكر، وأن القادر على إيجادها قادر على الإعادة. {كَيْفَ بَنَيْنَاهَا} فرفعناها بلا عمد {وَزَيَّنَّـٰهَا} بالنجوم {وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ} جمع فرج وهو الشق؛ ومنه قول ٱمرىء القيس:شعر : تَسُـدُّ بِـهِ فَرْجَهَـا مِـنْ دُبُـرْ تفسير : وقال الكسائي: ليس فيها تفاوت ولا ٱختلاف ولا فتوق. {وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ} تقدّم في «الرعد» بيانه. {وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ} أي من كل نوع من النبات {بَهِيجٍ } أي حسن يسر الناظرين؛ وقد تقدّم في «الحج» بيانه. {تَبْصِرَةً} أي جعلنا ذلك تبصرة لندلَّ به على كمال قدرتنا. وقال أبو حاتم: نصب على المصدر؛ يعني جعلنا ذلك تبصيراً وتنبيهاً على قدرتنا {وَذِكْرَىٰ} معطوف عليه. {لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} راجع إلى الله تعالى مفكر في قدرته. قوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ} أي من السحاب {مَآءً مُّبَارَكاً} أي كثير البركة. {فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ} التقدير: وحبّ النبت الحصيد وهو كل ما يحصد. هذا قول البصريين. وقال الكوفيون: هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، كما يقال: مسجد الجامِع وربيعُ الأوّلِ وحقُّ اليقينِ وحبل الورِيدِ ونحوها؛ قاله الفرّاء. والأصل الحبّ الحصيد فحذفت الألف واللام وأضيف المنعوت إلى النعت. وقال الضحاك: حبّ الحصيد البُرُّ والشَّعيرُ. وقيل: كلّ حبٍّ يُحْصد ويُدّخر ويُقْتات. {وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ} نصب على الحال ردًّا على قوله: {وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ} و{بَاسِقَاتٍ} حال. والباسقات الطوال؛ قاله مجاهد وعكرمة. وقال قتادة وعبد الله بن شدّاد: بُسُوقها ٱستقامتها في الطول. وقال سعيد بن جبير: مستويات. وقال الحسن وعكرمة أيضاً والفرّاء: مواقير حوامل؛ يقال للشاة بسَقت إذا ولدت، قال الشاعر:شعر : فَلَمَّا تَركْنا الدارَ ظَلَّتْ مُنِيفَةً بِقُرَّانَ فيه الباسقات المواقرُ تفسير : والأوّل في اللغة أكثر وأشهر؛ (يقال) بَسَقَ النخلُ بُسوقاً إذا طال. قال:شعر : لنا خمرٌ وليست خمر كَرْمٍ ولكنْ مِن نِتاجِ الباسِقاتِ كِرامٌ في السماء ذَهَبْنَ طولاً وفاتَ ثِمارُها أيدي الجُنَاةِ تفسير : ويقال: بسق فلان على أصحابه أي علاهم، وأبسقت الناقةُ إذا وقع في ضرعها اللبن قبل النِّتاج فهي مُبْسِق ونُوقٌ مَبَاسِيق. وقال قطبة بن مالك: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقرأ «بَاصِقَاتٍ» بالصاد؛ ذكره الثعلبي. قلت: الذي في صحيح مسلم عن قطبة بن مالك قال: صلّيت وصلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ: {قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ } حتى قرأ {وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ} قال فجعلت أردّدها ولا أدري ما قال، إلا أنه لا يجوز إبدال الصاد من السين لأجل القاف. {لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ} الطلع هو أوّلُ ما يخرج من ثمر النخل؛ يقال: طَلَعَ الطلعُ طُلوعاً وأطلعت النخلةُ، وطَلْعها كُفُرّاها قبل أن ينشق. «نضِيدٌ» أي متراكب قد نُضِّد بعضُه على بعض. وفي البخاري: «النَّضِيدُ» الكُفُرّى مادام في أكمامه ومعناه منضود بعضه على بعض؛ فإذا خرج من أكمامه فليس بنضيد. {رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ} أي رزقناهم رزقاً، أو على معنى أنبتناها رزقاً؛ لأن الإنبات في معنى الرزق، أو على أنه مفعول له أي أنبتناها لرزقهم، والرزق ما كان مهيأ للإنتفاع به. وقد تقدم القول فيه. {وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ} أي من القبور أي كما أحيا الله هذه الأرض الميتة فكذلك يخرجكم أحياء بعد موتكم؛ فالكاف في محل رفع على الابتداء. وقد مضى هذا المعنى في غير موضع. وقال «مَيْتاً» لأن المقصود المكان ولو قال ميتة لجاز.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى منبهاً للعباد على قدرته العظيمة التي أظهر بها ما هو أعظم مما تعجبوا مستبعدين لوقوعه: {أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَـٰهَا وَزَيَّنَّـٰهَا} أي بالمصابيح، {وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ} قال مجاهد: يعني: من شقوق، وقال غيره: فتوق، وقال غيره: صدوع، والمعنى متقارب؛ كقوله تبارك وتعالى: {أية : ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَـٰوُتٍ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ } تفسير : [الملك: 3 ــــ 4] أي كليل عن أن يرى عيباً أو نقصاً. وقوله تبارك وتعالى: {وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَـٰهَا} أي وسعناها وفرشناها، {وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ} وهي الجبال لئلا تميد بأهلها وتضطرب، فإنها مقرة على تيار الماء المحيط بها من جميع جوانبها {وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} أي من جميع الزروع والثمار والنبات والأنواع {أية : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} تفسير : [الذاريات: 49] وقوله: بهيج، أي حسن المنظر { تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} أي ومشاهدة خلق السموات والأرض، وما جعل الله فيهما من الآيات العظيمة، تبصرة ودلالة وذكرى لكل عبد منيب، أي خاضع خائف وجل، رجاع إلى الله عز وجل. وقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَـٰرَكاً} أي نافعاً {فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّـٰتٍ} أي حدائق من بساتين ونحوها {وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ} وهو الزرع الذي يراد لحبه وادخاره {وَٱلنَّخْلَ بَـٰسِقَـٰتٍ} أي طوالاً شاهقات، قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والسدي وغيرهم: الباسقات: الطوال {لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ} أي منضود {رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ} أي للخلق {وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً} وهي الأرض التي كانت هامدة، فلما نزل الماء، اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج؛ من أزاهير وغير ذلك، مما يحار الطرف في حسنها، وذلك بعد ما كانت لا نبات بها، فأصبحت تهتز خضراء، فهذا مثال للبعث بعد الموت والهلاك، كذلك يحيي الله الموتى، وهذا المشاهد من عظيم قدرته بالحس أعظم مما أنكره الجاحدون للبعث؛ كقوله عز وجل: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [غافر: 57] وقوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [الأحقاف: 33] وقال سبحانه وتعالى: {أية : وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَـٰشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ ٱلَّذِىۤ أَحْيَـٰهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}تفسير : [فصلت: 39].
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَفَلَمْ يَنظُرُواْ } بعيونهم معتبرين بعقولهم حين أنكروا البعث {إِلَى ٱلسَّمَاءِ } كائنة {فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَٰهَا } بلا عَمَد {وَزَيَّنَّٰهَا } بالكواكب {وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ } شقوق تعيبها؟.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ} فيه وجهان: أحدهما: من شقوق. الثاني: من فتوق، قاله ابن عيسى إلا أن الملك تفتح له أبواب السماء عند العروج. قوله عز وجل: {وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا} أي بسطناها. {وَألْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ} يعني الجبال الرواسي الثوابت، واحدها راسية قال الشاعر: شعر : رسا أصله تحت الثرى وسما به إلى النجم فرع لا ينال طويل تفسير : {مِن كُلِّ زَوْجٍ} أي من كل نوع. {بَهِيجٍ} فيه وجهان: أحدهما: حسن، مأخوذ من البهجة وهي الحسن. الثاني: سارّ مأخوذ من قولهم قد أبهجني هذا الأمر أي سرني، لأن السرور يحدث في الوجه من الإسفار والحمرة ما يصير به حسناً. قال الشعبي: الناس نبات الأرض فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم. قوله عز وجل: {تَبْصِرَةً} فيها ثلاثة أوجه: أحدها: يعني بصيرة للإنسان، قاله مجاهد. الثاني: نعماً بصر الله بها عباده، قاله قتادة. الثالث: يعني دلالة وبرهاناً. {وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن المنيب المخلص، قاله السدي. الثاني: أنه التائب إلى ربه، قاله قتادة. الثالث: أنه الراجع المتذكر، قاله ابن بحر. وقد عم الله بهذه التبصرة والذكرى وإن خص بالخطاب كل عبد منيب لانتفاعه بها واهتدائه إليها. قوله عز وجل: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مََآءً مُّبَارَكاً} يعني المطر، لأنه به يحيا النبات والحيوان. {فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ} فيها هنا وجهان: أحدهما: أنها البساتين، قاله الجمهور. الثاني: الشجر، قاله ابن بحر. {وَحَبَّ الْحَصِيدِ} يعني البر والشعير، وكل ما يحصد من الحبوب، إذا تكامل واستحصد سمي حصيداً، قال الأعشى: شعر : لسنا كما إياد دارها تكريث ينظر حبه أن يحصدا تفسير : قوله عز وجل: {وَالنَّخْلَ بِاسَقَاتٍ} فيها وجهان: أحدهما: أنها الطوال، قاله ابن عباس ومجاهد. قاله الشاعر: شعر : يا ابن الذين بفضلهم بسقت على قيس فزاره تفسير : أي طالت عليهم. (الثاني) أنها التي قد ثقلت من الحمل، قاله عكرمة. وقال الشاعر: شعر : فلما تركنا الدار ظلت منيفة بقران فيه الباسقات المواقر تفسير : {نَضِيدٌ} أي منضود، فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن النضيد المتراكم المتراكب، قاله ابن عباس في رواية عكرمة عنه. الثاني: أنه المنظوم، وهذا يروى عن ابن عباس أيضاً. الثالث: أنه القائم المعتدل، قاله ابن الهاد. قوله عز وجل: {رِزْقاً لِلْعِبَادِ} يعني ما أنزله من السماء من ماء مبارك، وما أخرجه من الأرض بالماء من نبات وحب الحصيد وطلع نضيد. {وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مِّيتاً كَذِلكَ الْخُرُوجُ} جعل هذا كله دليلاً على البعث والنشور من وجهين: أحدهما: أن النشأة الأولى إذا خلقها من غير أصل كانت النشأة الثانية بإعادة ما له أصل أهون. الثاني: أنه لما شوهد من قدرته، إعادة ما مات من زرع ونبات كان إعادة من مات من العباد أولى للتكليف الموجب للجزاء.
ابن عبد السلام
تفسير : {فُرُوجٍ} شقوق، أو فتوق إلا أن الملك تفتح له أبوابها.
ابن عادل
تفسير : ثم ذكر الدليل الذي يدفع قولهم: {أية : ذَٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} تفسير : [ق: 3] فقال: "أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا بغير عمد وَزَيَّنَّاهَا" بالكواكب، وهو نظير قوله تعالى: {أية : أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم} تفسير : [يس: 81] وقوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ} تفسير : [الأحقاف: 33]. قوله: "أَفَلَمْ" الهمزة للاستفهام. واعْلَم أن همزة الاستفهام تارةً تدخل على الكلام بغير واو وتارة تدخل ومعها واو والفرق بينهما أن قولك: أَزَيدٌ فِي الدّارِ؟ بعد: وَقَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ (يذكره للإنكار. فإن قلت: أَوَ زَيْدٌ في الدار بعد: وَقَدْ طَلَعَتِ الشَّمس) يشير بالواو إلى أن قبح فعله صار بمنزلة فعلين قبيحين، لأن الواو تُنْبِىءُ عن سبق أمر مغايرٍ لما بعدها وإن لم يكن هناك سابقٌ لكن تأتي بالواو زيادة في الإنكار. فإن قيل: كيف أتى هنا بالفاء فقال: "أَفَلَمْ" وفي موضع آخر بالواو؟!. فالجواب: هنا سبق منهم إنكار الرجع فقال بحرف التعقيب لمخالفة ما قيلَ. فإن قيل: ففي "يس" سبق ذلك بقوله: {أية : قَالَ مَن يُحْيِي ٱلْعِظَامَ} تفسير : [يس: 78]؟. فالجواب: بأن هناك الاستدلال بالسموات لم يعقب الإنكار بل استدل بدليلٍ آخرَ وهو قوله: {أية : قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [يس: 79] ثم ذكر الدليل الآخر وههنا الدليل كان عقيب إنكارهم، فذكر بالفاء. فإن قيل: كيف قال ههنا بلفظ النظر وفي الأحقاف بلفظ الرؤية؟!. فالجواب: أنهُمْ ههنا لما استبعدوا أمر الرجع بقولهم: {ذلك رجع بعيد} استبعد استبعادهم وقال: أفلم ينظروا؛ لأن النظر دون الرؤية فقال النظر كاف في حصول العلم بإمكان الرجع، ولا حاجة إلى الرؤية، ليقع الاستبعاد في مقابلة الاستبعاد وهناك لم يوجد منهم إنكار فأرشدهم إليه بالرؤية التي هي أتمُّ من النظر. قوله: {إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ} فقوله: "فَوْقَهُمْ" حال من السماء وهي مؤكدة وكَيْفَ منصوبة بما بعدها وهي معلِّقةٌ للنظر قبلها. فإن قيل: كيف قال: إلى السماء ولم يقل: فِي السَّماء؟!. فالجواب: لأنَّ النظر في الشيء ينبىء عن التأمّل والمبالغة والنظر إلى الشيء لا ينبىء عنه؛ لأن "إِلى" غايةٌ منتهى النظر عنده وفي الدخول في معنى الظرف فإذا انتهى النظر إليه ينبغي أن ينفذ فيه حتى يصح معنى النظر فيه. قوله: {وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ} أي شُقوقٍ وفتوقٍ وصُدُوعٍ، واحدها فَرْج. "وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا" بسطناها على وجه الماء {وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ} جبالاً ثوابتَ {وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} حَسَنٍ كريمٍ يبهج به أي يستر. قوله: "تَبْصِرَةً" العامة على نصيبها على المفعول من أجله أي تبصير أمثالهم وتذكير أمثالهم. وقيل: منصوبان بفعل من لفظهما مقدر أي بَصِّرْهُم تبصرةً وذكِّرهم تذكرةً. وقيل: حالان أي مُبَصَّرين مُذَكَّرِينَ، وقيل: حال من المفعول أي ذات تبصير وتذكير لمن يراها. وزيد بن علي بالرفع. وقرأ: وذِكْرٌ أي هي: تبصرةٌ وذكرٌ و "لِكُلِّ" إما صفة وإما متعلق بنفس المصدر. وقال البغوي: تَبَصُّراً وتَذْكِيراً. فصل قال ابن الخطيب: يحتمل أن يكون الأمْران عائدين إلى السماء والأرض أي خَلَقَ السماء تبصرةً وخلق الأرض ذكْرى. ويدل على ذلك أن السماء زينتها مستمرة غير مستجدّة في كل عام، فهي كالشيء المرئي على مرور الزمان. وأما الأرض فهي كل سنة تأخذ زخرفها فتُذَكِّر، فالسماء تبصرة والأرْض تذكرة، ويحتمل أن يكون كل واحد من الأمرين موجوداً في كلّ واحد من الأمرين فالسماء تبصرة وتذكرة والأرض كذلك والفرق بين التبصرة والتذكرة هو أن فيها آيات مستمرة منصوبة في مقابلة البصائر وآيات متجددة متذكرة عند التَّنَاسِي. قوله: {لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} أي لتُبصِّرَ وتُذَكِّر كل عبد منيب: أي راجع التفكر والتذكّر والنظر في الدلائل. قوله: {وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَارَكاً} كثير الخير، وفيه حياة كل شيء وهو المطر {فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ}، يعني البُرّ والشّعير وسائر الحبوب التي تحصد، فقوله: "وحَبَّ الحَصِيدِ" يجوز أن يكون من باب حذف الموصوف للعلم به، تقديره وحب الزرع الحصيد، نحو: مَسْجِدُ الجَامِعِ وبابه وهذا مذهب البصريين؛ لئلا يلزم إِضافة الشيء إلى نفسه. ويجوز أن يكون من إِضافة الموصوف إلى صفته؛ لأن الأصل والحَبُّ الحصيدُ أي المَحْصُودُ. فصل هذا دليل آخر وهو ما بين السماء والأرض فيكون الاستدلال بالسماء والأرض وما بينهما وهو إِنزال الماء من فوق وإخراج النبات من تحت. فإن قيل: هذا الاستدلال قد تقدم في قوله تعالى: {وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} فما الفائدة من إعادة قوله: {فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ}؟. فالجواب: أن قوله: وأنبتنا إشارة إلى جعلها محلاً للنبات، اللحم والشعر وغيرهما، وقوله: "وَأَنبَتْنَا" استدلال بنفس النبات أي الأشجار تنمو وتزيد فكذلك بدن الإنسانِ بعد الموت ينمُو ويزيدُ أي يُرجِعُ الله إليه قوة النماء كما يعيدها إلى الأشجار بواسطة ماء السماء. قوله تعالى: {وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ} والنخل منصوب عطفاً على مفعول أنبتنا أي وأنبتنا النخل و"باسقات" حال، وهي حال مقدّرة؛ لأنها وقت الإنبات لم تكن طُوالاً. والبُسُوقُ الطّول يقال: بَسَقَ فُلانٌ على أصحابه أي طال عليهم في الفضل، ومنه قول ابْنِ نَوْفلِ في ابن هُبَيْرَةَ: شعر : 4508- يَا ابْنَ الَّذِينَ بِمَجْدِهِمْ بَسَقَتْ (عَلَى) قَيْسٍ فَزَارَهْ تفسير : وهو استعارة، والأصل استعماله في بسقت النخلة تبسُق بُسُوقاً أي طالت، قال الشاعر: شعر : 4509- لَنَا خَمْرٌ وَلَيْسَتْ خَمْرَ كَرْمٍ وَلَكِنْ مِنْ نِتَاجِ البَاسِقَاتِ كِرَامٌ فِي السَّمَاءِ ذَهَبْنَ طُولاً وَفَات ثِمَارُها أَيْدِي الجُنَاةِ تفسير : وبَسَقَت الشَاةُ ولدت، وأبْسَقَتِ الناقةُ وَقَعَ في ضَرْعِهَا اللبأ قبل النتاج، ونُوقٌ مَبَاسِقٌ من ذلك. قال مجاهد وقتادة وعكرمة يعني باسقاتٍ طوالاً. وقال سعيد بن جبير: مستويات والعامة على السين في باسقات، وقرأ قُطْبَةُ بنُ مالك - ويرويها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - باصِقَات. وهي لغة لبنِي العنبر يُبْدلونَ السِّين صاداً قبل القاف والغين والعين والخاء والطاء إذا وليتها أو فصلت منها بحرف أو حرفين. قوله: "لَهَا طَلْعٌ" يجوز أن تكون الجملة حالاً من النخل أو من الضمير في "بَاسِقَاتٍ" ويجوز أن يكون الحال وحده "لَهَا" وطلع فاعل به. ونَضِيدٌ بمعنى مَنضُود بعضها فوق بعض في كمامها كما في سنبلة الزرع، وهو عجيب، فإن الأشجار الطوال ثمارها بعضها على بعض، لكل واحد منها أصل يخرج منه كالجَوْزِ واللَّوز وغيرهما، والطَّلْعُ كالسُّنْبُلَة الواحدة يكون على أصل واحدٍ. قوله: "رزْقاً" يجوز أن يكون حالاً أي مرزوقاً للعباد أي ذا رزق، وإن يكون مصدراً من معنى أنْبَتْنَا؛ لأن إنبات هذه رزق فكأنه قال: أنبتناها إنباتاً للعباد ويجوز أن تكون مفعولاً له للعباد، إمّا صفة، وإما متعلق بالمصدر، وإِما مفعولاً للمصدر، واللام زائدة، أي رِزْقاً العبادَ. فصل قال ابن الخطيب: ما الحكمة في قوله عند خلق السماء والأرض: "تَبْصِرَةً وذِكْرَى" وفي الثمار قال: "رِزْقاً" والثمار أيضاً فيها تبصرة وفي السماء والأرض أيضاً منفعة غير التبصرة والتذكرة؟ نقول: فيه وجوه: أحدها: أن الاستدلال وقع لوجود أمرين: أحدهما الإعادة، والثاني: البقاء بعد الإعادة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخبرهم بحشر وجمع يكون بعده الثواب الدائم، والعقاب الدائم، وأنكروا ذلك، فقال أما الأوّل فالله القادر على خلق السموات والأرض قادر على خلق الخلق بعد الفناء، وأما الثاني فلأن البقاء في الدنيا بالرزق والقادر على إخراج الأرزاق من النّخل والشجر قادر على أن يرزق بعد الحشر فكان الأوَّل تبصرةً وتذكرةً بالخلق، والثاني تذكرة بالبقاء بالرزق، ويدل على هذا الفصل بينهما بقوله تعالى: {تبصرة وذكرى} حيث ذكر ذلك بعد الآيتين، ثم بدأ بذكر الماء وإنزاله وإنبات النبات. ثانيها: منفعة الثمار الظاهرة وهي الرزق فذكرها، ومنفعة السماء الظاهرة ليست أمراً عائداً إلى انتفاع العباد لبعدها عن ذهنهم حتى أنهم لو توهموا عدم الزرع والثمر لظنوا أن يهلكوا ولو توهموا عدم السماء فوقهم لقالوا: لا يضرنا ذلك مع أن الأمر بالعكس أولى لأنّ السماء سبب الأرْزاق بقدرة الله تعالى، وفيها منافع غير ذلك والثمار وإن لم تكن كان العيش كما أنزل الله على قوم المنَّ والسلوى، وعلى قوم المائدة من السماء فذكر الأظهر للناس في هذا المواضع. ثالثها: قوله: رزْقاً إشارة إلى كونه منعماً ليكون تكذيبهم في غاية القبح فإنه يكون إشارة بالمنعم وهو أقبح ما يكون. فصل قال: {تبصرة وذكرى لكل عبد منيب} فقيّد العبد بكونه منيباً، لأنّ العبودية حصلت لكل أحد غير أن المنيب يأكل ذاكراً شاكراً للإنعام وغيره يأكل كما تأكل الأنْعام، فلم يخصص بقيدٍ. قوله: "فَأَحْيَيْنَا بِهِ" أي بالماء و"مَيْتاً" صفة لـ "بَلْدَةً" ولم يؤنث حملاً على معنى المكان. والعامة على التخفيف. وأبو جعفر وخالد بالتَّثْقِيلِ. فإن قيل: ما الفرق بين هذا الموضع وبين قوله: {أية : وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ} تفسير : [يس: 33] حيث أثبت (الهاء) هناك؟ فالجواب: أن الأصل في الأرض الوصف فقال الميتة، لأن معنى الفاعلية ظاهرٌ هناك والبلدة الأصل فيها الحياة لأن الأرض إذا صارت حية صارت آهلة وأقام بها القوم وعَمَرُوهَا فصارت بلدة فأسقط الهاء لأن معنى الفاعلية ظاهر فيثبت فيه الهاء، وإذا كان بمعنى الفاعل لم يظهر لا يثبت فيه الهاء، ويحقق هذا قوله: {أية : بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ} تفسير : [سبأ: 15] حيث أثبت الهاء حيث ظهر معنى الفاعلية ولم يثبت حيث لم يظهر. قوله: "كَذَلِكَ الْخُرُوجُ" أي من القبور أي كالإحياء الخروج. فإن قيل: الإحياء يشبه به الإخراج لا الخروج؟ فالجواب: تقديره أحيينا به بلدةً ميْتاً فتشققت وخرج منها النبات كذلك تَتَشققُ ويخرج منها الأموات. قال ابن الخطيب: وهذا يؤكد قولنا: إن الرَّجْعَ بمعنى الرجوع في قوله: {ذلك رجع بعيد}؛ لأنه تعالى بين لهم ما استبعدوه فلو استبعدوا الرجع الذي هو من المتعدي لناسبهُ أن يقول: كذلك الإخراج فلما قال: كذلك الخروج فهم أنهم أنكروا الرجوع فقال: كذلك الرجوع والخروج.
اسماعيل حقي
تفسير : {أفلم ينظروا} اى أغفلوا فلم ينظروا حين كفروا بالبعث {الى السماء فوقهم} بحيث يشاهدونها كل وقت اى الى آثار قدرة الله فى خلق العالم وايجاده من العدم الى الوجود وفوقهم ظرف لينظروا او حال من السماء {كيف بنيناها} اى رفعناها بغير عمد {وزيناها} بما فيها من الكواكب المرتبة على نظام بديع {وما لها من فروج} من فتوق لملاستها وسلامتها من كل عيب وخلل كما قال {أية : هل ترى من فطور}تفسير : وهذا لا ينفى وجود الابواب والمصاعد فانها ليست من قبيل العيب والخلل ولعل تأخير هذا لمراعاة الفواصل والفروج جمع فرج وهو الشق بين الشيئين كفرجة الحائط والفرج ما بين الرجلين وكنى به عن السوئة وكثر حتى صار كالصريح فيه واستعير الفرج للثغر وكل مخافة وسمى القباء المشقوق فروجا ولبس رسول الله عليه السلام فروجا من حرير ثم نزعه
الطوسي
تفسير : لما حكى الله تعالى عن الكفار أنهم كذبوا بالحق الذي هو القرآن وجحدوا البعث والنشور والثواب والعقاب، وتعجبوا من ذلك نبههم الله تعالى على ذلك وبين لهم الطريق الذي إذا نظروا فيه علموا صحته، فقال {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها} ومعناه أفلم يفكروا فى بناء هذه السماء وعظمها، وحسن تزيينها فيعلموا أن لها بانياً بناها وصانعاً صنعها وانه لا بد أن يكون قادراً عليها، وانه لا يعجزه شيء، لأنه لا يقدر على مثل ذلك إلا القادر لنفسه الذي لا يجوز عليه العجز ويعلمه، لانه عالم بما يرون من إحكام الصنعة فيها وانه الذي لا يخفى عليه خافيه وقوله {وزيناها} يعني حسنا صورتها بما خلقنا فيها من النجوم الثاقبة والشمس والقمر، وانه {ما لها من فروج} أي ليس فيها فتوق يمكن السلوك فيها وإنما يسلكها الملائكة بأن يفتح لها أبواب السماء إذا عرجت اليها. ثم قال {والأرض مددناها} أي بسطناها، وتقديره ومددنا الارض مددناها، كما قال {أية : والقمر قدرناه}تفسير : فيمن نصب ولو رفع كان جائزاً، والنصب أحسن - هٰهنا - لكونه معطوفاً على بنيناها، فعطف الفعل على الفعل احسن. ثم قال {وألقينا فيها رواسي} أي طرحنا جبالا تمنعها من الحركة ليتمكن استقرار الحيوان عليها {وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج} قال ابن زيد: البهيج الحسن المنظر والبهجة الحسن الذي له روعة عند الرؤية، كالزهرة والاشجار الملتفة والرياض الخضرة في الأنواع المتشاكلة والمباري المصطفة خلالها الأنهار الجارية. وقوله {تبصرة وذكرى لكل عبد منيب} أي فعلنا ذلك وخلقناه على ما وصفناه ليتبصر به ويتفكر به كل مكلف كامل العقل يريد الرجوع إلى الله والانابة اليه. ثم قال {ونزلنا من السماء ماء مباركاً} يعني مطراً وغيثاً {فأنبتنا به} بذلك الماء {جنات} أي بساتين فيها أشجار تجنها {وحب الحصيد} يعني البرّ والشعير، وكل ما يحصد - فى قول قتادة - لان من شأنه ان يحصد، والحب هو الحصيد، وإنما أضافه إلى نفسه، كما قال {أية : لحق اليقين}تفسير : وكما قالوا: مسجد الجامع وغير ذلك. وقوله {والنخل} عطف على (جنات) فلذلك نصبه و {باسقات} أي عاليات يقال: بسقت النخلة بسوقاً قال ابن نوفل لابن هبيرة: شعر : يا بن الذين بفضلهم بسقت على قيس فزاره تفسير : وقال ابن عباس {باسقات} طوال النخل، وبه قال مجاهد وقتادة {لها طلع نضيد} أي لهذه النخل التي وصفها بالعلو {طلع نضيد} نضد بعضه على بعض - في قول مجاهد وقتادة - وقوله {رزقاً للعباد} أي خلقنا ما ذكرنا من حب الحصيد والطلع النضيد رزقاً للعباد وغذاء لهم، وهو نصب على المصدر أي رزقناهم رزقاً، ويجوز أن يكون مفعولا له أي لرزق العباد والرزق هو ما للحي الانتفاع به على وجه ليس لغيره منعه منه، والحرام ليس برزق، لان الله تعالى منع منه بالنهي والحظر وكل رزق فهو من الله تعالى إما بأن يفعله او يفعل سببه، لانه مما يريده. وقد يرزق الواحد منا غيره، كما يقال: رزق السلطان الجند. وقوله {وأحيينا به بلدة ميتاً} أي احيينا بذلك الماء الذي انزلنا من السماء بلدة ميتاً أي جدباً قحطاً، لا تنبت شيئاً، فأنبتت وعاشت ثم قال {كذلك الخروج} أي مثل ما أحيينا هذه الأرض الميتة بالماء، مثل ذلك نحيي الموتى يوم القيامة فيخرجون من قبورهم لأن من قدر على أحدهما قدر على الآخر، وإنما دخلت على القوم شبهة من حيث انهم رأوا العادة جارية باحياء الارض الموات بنزول المطر عليها، ولم يروا إحياء الاموات، فظنوا انه يخالف ذلك، ولو انعموا النظر لعلموا ان القادر على احدهما قادر على الآخر.
الجنابذي
تفسير : {أَ} لم يخرجوا من حدود انفسهم فلم يقوموا من نكسهم {فَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا} بحيث لا يمكن بقاء مواليد الارض بدون هذا البناء {وَزَيَّنَّاهَا} بالكواكب بحيث يتّصل اثرها الى الارض ومواليدها ولولا آثار تلك الكواكب لما امكن بقاؤها {وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ} بحسب الصّورة يعنى ليس بناؤها مثل بناء البانين من البشر لا يمكن لهم ان يبنوا بلا فروجٍ وما لها خلل ونقص فى خلقتها حتّى يمكن لاحدٍ ان يقول: لو كان كذا لكان اولى.
الأعقم
تفسير : {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم} أي هلاّ نظروا إلى السماء فوقهم، أي تفكروا ليعلموا أن لها صانعاً يقدر على البعث {كيف بنيناها} مع عظمها {وزيّناها} بالكواكب المختلفة {وما لها من فروج} من فتوق، يعني أنها ملساء سليمة من العيوب لا فتق فيها ولا صدع ولا خلل {والأرض مددناها} دحوناها {وألقينا فيها رواسي} جبالاً ثوابت جعلها أوتاداً لولاها لاضطربت لحركات الناس عليها عن الحسن {وأنبتنا فيها} في الأرض {من كل زوج} صنف {بهيج} أي حسن المنظر، يعني بهج به لحسنه {تبصرة وذكرى} ليبصر به ويتذكر كل {عبد منيب} راجع إلى ربه متفكر في بدائع خلقه {ونزّلنا من السماء ماء} قيل: من السحاب، وقيل: من السماء {مباركاً} لعظم النفع به {فأنبتنا به جنات} وهي البساتين أي فيها الأشجار {وحب الحصيد} يعني حب كل شيء يحصد كالبر والشعير وغيرهما {والنخل باسقات لها طلع نضيد} يعني طوال في السماء، وقوله: لها طلع نضيد يعني منضود بعضه على بعض أما أن يريد كثرة الطلع وتراكمه أو كثرة ما فيه من التمر {رزقاً للعباد} أي جعلنا ذلك رزقاً للعباد {وأحيينا به بلدة ميتاً} أي أحياها بالماء المبارك فشبَّه ما لا نبات فيه بالميت وما فيه نبات بالحي توسعاً {كذلك الخروج} يعني كما نبت الأشياء عن عدم كذلك تخرج الموتى عن قبورهم أحياء بعد موتهم {كذّبت قبلهم قوم نوح} قد تقدم قصصهم {وأصحاب الرّس} قيل: هم قوم قتلوا نبيهم ورسوه فيها، وقيل: الرس واد بقرب المدينة، وقيل: هم أهل البئر الذي قال الله: {أية : وبئر معطلة وقصر مشيد} تفسير : [الحج: 45] {وثمود} هم قوم صالح أهلكوا بالصيحة {وعاد} قوم هود أهلكوا بالريح، وفرعون موسى أغرق {وإخوان لوط} قلبت بهم الأرض وأرسلت عليهم الحجارة {وأصحاب الأيكة} الغيضة وقوم شعيب {وقوم تبع} إنما ذكر قومه دونه لأنه آمن، وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : لا تلعنوا تبعاً فإنه قد كان أسلم" تفسير : وروي أنه كان يعبد النار فأسلم ودعا قومه وهم خمسون فكذبوه، وقيل: هم أسعد أبي كرب أقبل من مشرق وأتى المدينة على أن يخربها فجاءه حبران فانتهى عما كان يريد، وروي أنه لما أسلم قال: شهدت على أحمد أنه رسول الله، وروي أنه أول من كسى البيت {كل كذّب الرسل فحقَّ وعيد} أي وجب عليهم وعيدي بالعذاب قيل: عذاب الاستئصال، وقيل: عذاب الآخرة {أفعيينا بالخلق الأوَّل} يعني لماذا أنكروا الإِعادة، والمعنى أنا لم نعجز كما علموا عن الخلق الأول حتى يعجزوا عن الخلق الثاني، وقيل: الخلق الأول خلق الأشياء، وقيل: بل خلق آدم وكانوا يقرون به وأنه من ولده {بل هم في لبس من خلق جديد} أي أتوا من قلة بكفرهم في الأدلة فبقوا في أمر ملتبس، أي في شك من خلق جديد {ولقد خلقنا الإِنسان ونعلم ما توسوس به نفسه} أي تحدث به، يعني لا يخفى علينا سرائره {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} قيل: حبل الوريد عرق الحلق، وقيل: عرق يتعلق بالقلب، يعني نحن أقرب إليه من قلبه، ومتى قيل: بأي شيء هو أقرب؟ قلنا: بالعلم والقدرة.
اطفيش
تفسير : {أَفَلَمْ يَنظُرُواْ} بعيونهم معتبرين بعقولهم حين أنكروا البعث* {إِلَى السَّمَآءِ فَوْقَهُمْ} متعلق بمحذوف حال من السماء* {كَيْفَ بَنَيْنَاهَا} رفعناها بلا عمد. وفي الحديث "حديث : بينكم وبين السماء مسيرة خمسمائة عام وغلظها كذلك" تفسير : وهكذا كل سماء وبين السابعة والعرش ما بين سمائين وقيل أكثر* {وَزَيَّنَّاهَا} بالكواكب والشمس والقمر* {وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ} شقوق فهى ملساء سليمة من العيوب وكيف حال من أحد الضميرين بعدها استفهامية تعجبية بالنسبة للخلق والجملة بعدها معها مفعول للنظر وانما عمل في الجملة لاجل الاستفهام كذا قيل وهو سهو بل الجملة معها بدل اشتمال من السماء ابدال جملة من مفرد وليست {كَيْفَ} بدلاً من السماء لدخول الى على المبدل منه وكيف لا يدخل الى عليها وان سمع دخول (على) عليها شذوذاً الا ان أغتفر في الثانى ما لم يغتفر في الاول وللزوم تعلق الاستفهام بما قبله ولبقاء الجملة بعدها غير مرتبطة. قاله ابن هشام وأما قولهم أنظر الى كيف يصنع فكيف خارج عن معناه الى معنى لفظ الحال أي الى حال صنعه والجملة بعدها مضاف ويلزم من جعل الجملة مع كيف بدلاً من السماء تسليط الى المذكورة أو الى محذوفة على كيف وتعليق الجار بالاستفهام كذا قيل ويجاب بأن البدل مجموع كيف وما بعدها وتبعيته لمحل الجار والمجرور فلا محذور
اطفيش
تفسير : {أفلم ينْظُروا} أغفلوا فلم ينظروا، أو أعموا فلم ينظروا {إلى السَّماءِ} السماء الدنيا، وقيل: الأجرام العليا وهى السماء الدنيا والكواكب والشمس والقمر، بعض مبنى وبعض زين ذلك المبنى به، والصحيح الأول، والنظر بمعنى العلم، وان كان بمعنى الابصار بالعين، فمجاز عن عملهم به، وايقانهم بها، كأنهم شاهدوها وما شاهدوا الا ما زينت به من الكواكب والقمرين، وأما تلك الخضرة فظلمة لعجز البصر لا ظلمة حقيقة، ورأينا غرابا طار ومازلنا نراه حتى عجزت أبصارنا عن مشاهدته لدخوله فى تلك الظلمة، ومن هو أقوى نظراً يتأخر خفاؤه عنه عمن هو دونه، ومن ضعف بصره يرى تلك الظلمة أسفل مما يراها فيه قوى البصر، فلا نسلم أن تلك الظلمة بخار كما قيل، ولا هى لون السماء حقيقة، ولا هى لون الهواء، ظهر كذلك ولا لون له حقيقة، والحق ما قلته أولاً وهو مطرد فيما لا ينفذه البصر فوق أو تحت أو جانبا، ألا ترى البحر أخضر ولا خضرة فيه، وانما ذلك لكثرة طبقات الماء حتى عجز البصر عن نفاذها من فوق، وألا ترى أن النيرات كالكواكب ترى لأن ضوءها ينفذ تلك الظلمة. {فَوقَهُم} حال من السماء مؤكدة لصاحبها، وحمكته التلويح بجهالتهم، كأنهم يرونها كما يذكر اسم الاشارة مع الادراك بدونه فى مثل ذلك، وأنا أعجب لم لا أرى أحدا يقول بما قلت، كأنه مشى على الماء، أو صعود السماء {كَيْف بنَيْناها} مرتفعة بلا عمد تعتمد عليه من فوق أو من تحت، والعلاقة من فوق عمدة أيضا كما هى علاقة، وذلك أنه لو كانت لها عمدة لاحتاجت هذه العمدة الى أخرى، فتسلسل ذلك، أو يدور وكلاهما محال {وزيَّناها} بالقمرين والكواكب للناظرين {وما لها من فروجٍ} شقوق لقوتها، ولها أبواب، ويعهد أن يقال للأبواب شقوق، لكن ليست هنا مرادة بالفروج، لأنها تتعمد للمنفعة، لا لشق يحدث من ضعف، وأخطأ من قال: السماوات متلاصقات، لحديث: "حديث : بين كل سماء وسماء خمسمائة سنة"تفسير : لأن الآية فى نفس السماء على حدة، لا شق فيها.
الالوسي
تفسير : {أَفَلَمْ يَنظُرُواْ } أي أغفلوا أو عموا فلم ينظروا حين كفروا بالبعث {إِلَى ٱلسَّمَاء فَوْقَهُمْ } بحيث يشاهدونها كل وقت. قيل: وهذا ظاهر على ما هو المعروف بين الناس من أن المشاهد هو السماء التي هي الجرم المخصوص الذي يطوى يوم القيامة وقد وصف في الآيات والأحاديث بما وصف. وأما على ما ذهب إليه الفلاسفة من أن المشاهد إنما هو كرة البخار أو هواء ظهر بهذا اللون ولا لون له حقيقة ودون ذلك الجرم ففيه خفاء. وقال بعض الأفاضل في هذا المقام: إن ظواهر الآيات والأخبار ناطقة بأن السماء مرئية، وما ذكره الفلاسفة المتقدمون من أن الأفلاك أجرام صلبة شفافة لا ترى غير مسلم أصلاً، وكذا كون السمٰوات السبع هي الأفلاك السبعة غير مسلم عند المحققين، وكذا وجود كرة البخار وأن ما بين السماء والأرض هواء مختلف الأجزاء في اللطافة فكلما علا كان ألطف حتى أنه ربما لا يصلح للتعيش ولا يمنع خروج الدم من المسام الدقيقة جداً لمن وصل إليه، وان رؤية الجو بهذا اللون لا ينافي رؤية السماء حقيقة وإن لم تكن في نفسها ملونة به ويكون ذلك كرؤية قعر البحر أخضر من وراء مائة ونحو ذلك مما يرى بواسطة شيء على لون وهو في نفسه على غير ذلك اللون، بل قيل: إن رؤية السماء مع وجود كرة البخار على نحو رؤية الأجرام المضيئة كالقمر وغيره. وأنت تعلم أن الأصحاب مع الظواهر حتى يظهر دليل على امتناع ما يدل عليه وحينئذٍ يؤولونها، وأن التزام التطبيق بين ما نطقت به الشريعة وما قاله الفلاسفة مع إكذاب بعضه بعضاً أصعب من المشي على الماء أو العروج إلى السماء، وأنا أقول: لا بأس بتأويل ظاهر تأويلاً قريباً لشيء من الفلسفة إذا تضمن مصلحة شرعية ولم يستلزم مفسدة دينية، وأرى الإنصاف من الدين، ورد القول احتقاراً لقائله غير لائق بالعلماء المحققين. هذا وحمل بعض {ٱلسَّمَاء } هٰهنا على جنس الأجرام العلوية وهو كما ترى، والظاهر أنها الجرم المخصوص وأنها السماء الدنيا أي أفلم ينظروا إلى السماء الدنيا. {كَيْفَ بَنَيْنَـٰهَا } أحكمناها ورفعناها بغير عمد {وَزَيَّنَّـٰهَا } للناظرين بالكواكب المرتبة على أبدع نظام {وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ } أي من فتوق وشقوق، والمراد سلامتها من كل عيب وخلل فلا ينافي القول بأن لها أبواباً، وزعم بعضهم أن المراد متلاصقة الطباق وهو ينافي ما ورد في الحديث من أن حديث : بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عامتفسير : . ولعل تأخير هذا لمراعاة الفواصل. ((وقيل هٰهنا {أَفَلَمْ يَنظُرُواْ } بالفاء وفي موضع آخر {أية : أَوَ لَمْ يَنظُرُواْ } تفسير : [الأعراف: 185] بالواو لسبق إنكار الرجع فناسب التعقيب بما يشعر بالاستدلال عليه. وجىء بالنظر دون الرؤية كما في الأحقاف استبعاداً لاستبعادهم فكأنه قيل: النظر كاف في حصول العلم بإمكان الرجع ولا حاجة إلى الرؤية)) قاله الإمام. واحْتَجَّ بقوله سبحانه: {مَّا لَهَا مِن فُرُوجٍ } للفلاسفة على امتناع الخرق، وأنت تعلم أن نفي الشيء لا يدل على امتناعه، على أنك قد سمعت المراد بذلك، ولا يضر كونه ليس معنى / حقيقياً لشيوعه.
ابن عاشور
تفسير : تفريع على قوله: {أية : بل عجبوا أن جاءهم منذر}تفسير : [ق: 2] إلى قوله: {أية : مريج}تفسير : [ق: 5] لأن أهمّ ما ذكر من تكذيبهم أنهم كذبوا بالبعث، وخلق السماوات والنجوم والأرض دالّ على أن إعادة الإنسان بعد العدم في حيّز الإمكان فتلك العوالم وجدت عن عدم وهذا أدلّ عليه قوله تعالى في سورة يس (81) {أية : أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم}تفسير : . والاستفهام يجوز أن يكون إنكارياً. والنظرُ نظرَ الفكر على نحو قوله تعالى: {أية : قل انظروا ماذا في السماوات والأرض}تفسير : [يونس: 101]. ومحل الإنكار هو الحال التي دل عليها {كيفَ بنيناها}، أي ألم يتدبروا في شواهد الخليقة فتكون الآية في معنى {أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق}. ويجوز أن يكون الاستفهام تقريرياً، والنظر المشاهدة، ومحل التقرير هو فعل {ينظروا}، أو يكون {كيف} مراد به الحال المشاهدة. هذا وأن التقرير على نفي الشيء المراد الإقرار بإثباته طريقة قرآنية ذكرناها غير مرة، وبينا أن الغرض منه إفساح المجال للمقرَّر إن كان يروم إنكار ما قُرر عليه، ثقة من المقرِّر (بكسر الراء) بأن المقرَّر (بالفتح) لا يُقدم على الجحود بما قرر عليه لظهوره، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : ألم يروا أنه لا يكلمهم}تفسير : [الأعراف: 148]، وقوله: {أية : ألست بربكم } تفسير : كلاهما في سورة الأعراف (172). وهذا الوجه أشدّ في النعي عليهم لاقتضائه أن دلالة المخلوقات المذكورة على إمكان البعث يكفي فيها مجرد النظر بالعين. و {فوقهم} حال من السماء. والتقييد بالحال تنديد عليهم لإهمالهم التأمل مع المكنة منه إذ السماء قريبة فوقهم لا يكلفهم النظر فيها إلا رفعَ رؤوسهم. و {كيف} اسم جامد مبْنيّ معناه: حالة، وأكثر ما يرد في الكلام للسؤال عن الحالة فيكون خبراً قبل ما لا يستغنِي عنه مثل: كيف أنت؟ وحالاً قبل ما يستغنى عنه نحو: كيف جاء؟ ومفعولاً مطلقاً نحو {أية : كيف فعل ربك}تفسير : [الفجر: 6]، ومفعولاً به نحو قوله تعالى: {أية : انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض}تفسير : [الإسراء: 21]. وهي هنا بدل من {فوقَهم} فتكون حالاً في المعنى. والتقدير: أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم هيئة بنينا إياها، وتكون جملة {بنيناها} مبينة لــ {كيف}. وأطلق البناء على خلق العلويات بجامع الارتفاع. والمراد بــ {السماء} هنا ما تراه العين من كرة الهواء التي تبدو كالقبة وتسمى الجوّ. والتزيين جعل الشيء زينا، أي حسناً أي تحسين منظرها للرائي بما يبدو فيها من الشمس نهاراً والقمر والنجوم ليلاً. واقتصر على آية تزيين السماء دون تفصيل ما في الكواكب المزَّينة بها من الآيات لأن التزيين يشترك في إدراكه جميع الذين يشاهدونه وللجمع بين الاستدلال والامتنان بنعمة التمكين من مشاهدة المرائي الحسنة كما قال تعالى {أية : ولكم فيها جَمال حين تريحون وحين تسرحون}تفسير : [النحل: 6] في شأن خَلق الأنعام في سورة النحل. ثم يتفاوت الناس في إدراك ما في خلق الكواكب والشمس والقمر ونظامها من دلائل على مقدار تفاوت علومهم وعقولهم. والآية صالحة لإفهام جميع الطبقات. وجملة {وما لها من فروج} عطف على جملتي {كيف بنيْنَاها وزيّناها} فهي حال ثالثة في المعنى. والفروج: جمع فرج، وهو الخرق، أي يشاهدونها كأنها كُرة متصلة الأجزاء ليس بين أجزائها تفاوت يبدو كالخَرْق ولا تباعد يفصل بعضها عن بعض فيكون خرقاً في قبتها. وهذا من عجيب الصنع إذ يكون جسم عظيم كجسم كرة الهواء الجوي مصنوعاً كالمفروغ في قالب. وهذا مشاهد لجميع طبقات الناس على تفاوت مداركهم ثم هم يتفاوتون في إدراك ما في هذا الصنع من عجائب التئام كرة الجوّ المحيط بالأرض. ولو كان في أديم ما يسمى بالسماء تخالف من أجزائه لظهرت فيه فروج وانخفاض وارتفاع. ونظير هذه الآية قوله في سورة المُلك {أية : الذي خلق سبع سماوات طباقا} تفسير : [الملك: 3] إلى قوله {أية : هل ترى من فطور}تفسير : [الملك: 3].
الشنقيطي
تفسير : الهمزة في قوله: {أَفَلَمْ} تتعلق بمحذوف، والفاء عاطفة عليه، كما قدمنا مراراً أنه أظهر الوجهين، وأنه أشار إليه في الخلاصة بقوله: شعر : وحذف متبوع بدا هنا استبح تفسير : والتقدير: أأعرضوا عن آيات الله فلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج. أي ليس فيها من شقوق ولا تصدع ولا تفطر، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من تعظيم شأن كيفية بنائه تعالى للسماء وتزيينه لها وكونها لا تصدع ولا شقوق فيها جاء كله موضحاً في آيات أخر كقوله جل وعلا في بنائه للسماء:{أية : أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا}تفسير : [النازعات: 27-28]، وقوله تعالى:{أية : وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ}تفسير : [الذاريات: 47]، وقوله تعالى: {أية : وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً}تفسير : [النبأ: 12]، وقوله تعالى:{أية : ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُت}تفسير : [الملك: 3]، وقوله تعالى:{أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ}تفسير : [المؤمنون: 17]، وقوله تعالى في أول الرعد: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ}تفسير : [الرعد: 2] وقوله تعالى في لقمان: {أية : خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا}تفسير : [لقمان: 10] الآية.. إلى غير ذلك من الآيات. وكقوله تعالى في تزيينه للسماء {أية : وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ} تفسير : [الملك: 5]، وقوله تعالى{أية : وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً}تفسير : [فصلت: 12] الآية، وقوله تعالى{أية : إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ}تفسير : [الصافات: 6]، وقوله تعالى{أية : وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ}تفسير : [الحجر: 16]. وكقوله تعالى في حفظه للسماء من أن يكون فيها فروج أي شقوق: {أية : فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ}تفسير : [الملك: 3]، والفطور والفروج بمعنى واحد، وهو الشقوق والصدوع. وقوله تعالى {أية : وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ}تفسير : [الأنبياء: 32]، أما إذا كان يوم القيامة فإن السماء تتشقق وتتفطر، وتكون فيها الفروج كما قال تعالى: {أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ}تفسير : [الفرقان: 25]. وقال تعالى:{أية : فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً}تفسير : [الرحمن: 37] الآية. وقال تعالى:{أية : فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ }تفسير : [الحاقة: 15-16] الآية. وقال تعالى:{أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ}تفسير : [الإنشقاق: 1-2]، وقال تعالى:{أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ}تفسير : [الإنفطار: 1]، وقال تعالى:{أية : يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ}تفسير : [الإنفطار: 17-18]. وقال تعالى:{أية : فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ}تفسير : [المرسلات: 8-9].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم: أي أعموا فلم ينظروا بعيونهم معتبرين بعقولهم إلى السماء كائنة فوقهم فيعلموا أن استبعادهم للبعث غير صحيح. كيف بنيناها وزيناها: أي كيف بنيناها بلا عمد. وزيناها بالكواكب. وما لها من فروج: أي وليس لها من شقوق تعيبها. والأرض مددناها: أي بسطناها. وألقينا فيها رواسي: أي جبالا رواسي ثوابت لا تسير ولا تتحرك مثبتة للأرض كي لا تميد بأهلها. وأنبتا فيها من كل زوج بهيج: أي وأنبتنا في الأرض من كل صنف من أنواع النباتات حسن. تبصرة وذكرى لكل عبد منيب: أي جعلنا ذلك تبصرة وذكرى منا لكل عبد منيب إلى طاعتنا رجاع إلينا. ونزلنا من السماء ماء مباركا: أي ماء المطر كثير البركة. فأنبتا به جنات وحب الحصيد: أي أنبتنا بماء السماء بساتين وحب الحصيد أي المحصود من البر والشعير. والنخل باسقات: أي وأنبتنا بالماء النخيل الطوال العاليات. لها طلع نضيد: أي لها طلع منضد متراكب بعضه فوق بعض. رزقا للعباد: أي أنبتنا ما أنبتنا من الجنات والحب الحصيد والنخل الباسقات قوتا للعباد ورزقا لهم مؤمنهم وكافرهم. وأحيينا به بلدة ميتا: وأحيينا بذلك الماء الذي أنزلناه بلدة ميتا لا نبات فيها من الجدب الذي أصابها والقحط. كذلك الخروج: أي كما أخرجنا النبات من الأرض الميتة بالماء نخرجكم أحياء من قبوركم يوم القيامة بماء ننزله من السماء على الأرض فتنبتون كما ينبت البقل. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير عقيدة البعث وهي العقيدة التي بُنيَ عليها كل إصلاح يراد للإِنسان بعد عقيدة الإِيمان بالله تعالى ربّا وإلهاً قال تعالى {أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ} أي أعمي أولئك المنكرون للبعث المكذبون بلقاء ربهم يوم القيامة فلم ينظروا بعيونهم معتبرين بعقولهم إلى حجم السماء الواسع العالي الرفيع الكائن فوقهم وقد رفع بلا عمد ولا سند. وقد زيّنه خالقه بكواكب نيّرة وأقمار منيرة وشموس مضيئة ولم يُر في السماء من تصدع ولا شقوق ولا تفطر الحياة كلها أليس القادر على خلق السماء قادر على إحياء موتى خلقهم وأماتهم بقدرته أليس القادر على الخلق ابتداء وعلى الإِماتة ثانية بقادر على إحياء من خلقهم وأماتهم بقدرته أليس القادر على الخلق ابتداء وعلى الإِماتة ثانية بقادر على إحياء من خلق وأمات؟ وقوله {وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ} أي مالهم لا ينظرون إلى الأرض أي بسطها وألقى فيها الجبال لتثبيتها حتى لا تميد بهم. وقوله {وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ} أي صنف من النباتات والزروع بهيج المنظر حسنه، وقوله {تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} وقوله {وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّٰتٍ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ} أي أليس الذي أنزل من السماء ماء مباركا لما يكثر به من الخيرات والبركات من النبات والحيوان فأنبت به جنّات أي بساتين من أشجار ونخيل وأعناب، وأنبت به حب الحصيد وهو كل حب يحصد عند طيبه من قمح وشعير وذرة وغيرها وأنبت به النخل الباسقات العاليات المرتفعات في السماء لها طلعها النضيد المتراكب بعضه فوق بعض ليتحول إلى رطبٍ شهيٍ يأكله الإِنسان وقوله رزقا للعباد أي قوتا لهم يقتاتون به مؤمنين وكافرين إلاّ أن المؤمن إذا أكل شكر والكافر إذا أكل كفر، وقوله {وَأَحْيَيْنَا بِهِ} أي بالماء الذي أنزلناه من السماء مباركاً بلدة ميتا لا نبات بها ولا عشب ولا كلأ فأصبحت تهتز رابية كذلك الخروج أي هكذا يكون خروجكم من قبوركم أيها المنكرون للبعث ينزل الله من السماء ماء فتنبتون وتخرجون من قبوركم كما يخرج الشجر والزرع من الأرض بواسطة الماء المبارك فبأي عقل تنكرون البعث أيها المنكرون. إنها كما قال تعالى {أية : لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} تفسير : [الحج: 46]. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث بمظاهر القدرة الإِلهية في الكون. 2- مشروعية النظر والاعتبار فيما يحيط بالإِنسان من مظاهر الكون والحياة للعبرة طلبا لزيادة الإِيمان والوصول به إلى مستوى اليقين. 3- فضل العبد المنيب وفضيلة الإِنابة إلى الله تعالى والمنيب هو الذي يرجع إلى ربه في كل ما يهمه والإِنابة التوبة إلى الله والرجوع إلى طاعته بعد معصيته.
د. أسعد حومد
تفسير : {بَنَيْنَاهَا} {زَيَّنَّاهَا} (6) - وَيَلْفِتُ اللهُ تَعَالى نَظَرَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ بِوُقُوعِ البَعْثِ إلى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَمَا فِيها مِنْ كَواكِبَ تُزَيِّنُها وَمَا في خَلْقِها مِن إِتْقَانٍ وَإِبْداعٍ، وَيَقُولُ لَهُمْ: أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهُم كَيفَ رَفَعَها اللهُ بِلا عَمَدٍ، وَزَيَّنَها بالكَواكِبِ لِيُدِرْكُوا أنَّ مَنْ أحْسَنَ خَلْقَها لَقَادِرٌ على إحْياءِ المَوْتى بَعْدَ فَنَاءِ أجْسَادِهِمْ لأنَّ خَلْقَ السَّماواتِ أكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ، كَمَا جَاءَ في آيةٍ أخْرَى. فُرُوجٍ - شُقُوقٍ وَفُتُوقٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الاستفهام في {أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ ..} [ق: 6] غرضه الحثّ على النظر والتأمل في خَلْق السماوات وما فيها من آيات ومعجزات، لأن هذه الآيات هي دليل القدرة، وكلمة {بَنَيْنَاهَا ..} [ق: 6] دلتْ على أن السماء على اتساعها مبنية، ومع اتساع هذا البناء لا نجد له عمداً ترفعه. لذلك قال تعالى في آية أخرى: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ..}تفسير : [الرعد: 2] إذن: طالما ليس لها عمَد تحملها، فهي ممسوكه من أعلى، ولا يمسك هذه السماء إلا قوة عظمى هي قدرة الله {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ ..}تفسير : [فاطر: 41]. وهذه الفكرة رأيناها في بناء الكباري الطويلة التي ليس لها قواعد وأعمدة تحملها، فيعلقونها من أعلى، وتُسمّى الكباري المعلّقة. والحق سبحانه وتعالى يُقرِّب لنا هذه المسألة بقوله: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ}تفسير : [الملك: 19] فكما يمسك الطير في السماء يمسك السماوات أنْ تقع على الأرض إلا بإذنه. ثم لم يقف الأمر عند بناء السماء، بل {وَزَيَّنَّاهَا ..} [ق: 6] بما فيها من الكواكب والنجوم التي تُضيء {وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ} [ق: 6] يعني: ليس فيها شقوق ولا فتوق، بل نراها مستوية ملساء، انظر إليها وهي صافية تجد روعة الألوان. وبعد أن حدَّثنا عن الآيات العليا في السماء يُحدِّثنا عن آياته سبحانه في الأرض، وإذا كانت الآيات في السماء بعيدة عنا، فالآيات في الأرض قريبة منا وتحت إدراكاتنا. {وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا ..} [ق: 7] بسطناها وجعلناها مستوية صالحة للمعيشة، والمد هو البسط، والشيء المنبسط الممتد ليس له نهاية، وهذه صفة الأرض، فأينما سرتَ تجدها أمامك منبسطة ليس لها حافة تنتهي عندها، وهذا الامتداد فسَّر لنا كروية الأرض. {وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ ..} [ق: 7] هي الجبال الثابتة التي تثبت الأرض، فلا تميد، كما قال سبحانه {أية : وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً}تفسير : [النبأ: 7] أي: هي الأرض مثل الأوتاد للخيمة {وَأَنبَتْنَا فِيهَا ..} [ق: 7] أي: في الأرض {مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [ق: 7] من النبات والزوج أي الصنف، وهو فرد معه مثله. فالنبات لكي يعطي إنتاجاً لا بدَّ له من زوجين ذكر وأنثى، كما في الإنسان والحيوان، لذلك قال تعالى: {أية : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ..}تفسير : [الذاريات: 49] لأن التناسل لا يتم إلا بهما. ومعلوم أن التلقيح في النبات يتم بواسطة الفراشات والحشرات الطائرة التي تنقل حبوب اللقاح من عنصر الذكورة لعنصر الأنوثة، لذلك لما كثُرتْ الحشرات في أحد البساتين وضعوا لها المبيد الحشري فماتت، فلاحظوا أن الأشجار في البستان لم تزهر ولم تثمر، لماذا؟ لأن الفراشات والحشرات التي تلقح الزرع ماتت. وقد لاحظوا أن الحشرات تتلوَّن بلون الزهرة التي تلقحها، بحيث يكون بينهما توافق بديع في الألوان، فلا تكاد ترى الفراشة وهي على الزهرة، وهذه الألوان في تناسقها مظهر من مظاهر الإبداع في الخلق. وقوله: {بَهِيجٍ} [ق: 7] أي: جميل حسن المظهر. وقد فهم العلماء من قوله تعالى: {وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ ..} [ق: 7] أن الأرض غير ثابتة، وأنها تدور، فلو كانت الأرضُ مخلوقةً على هيئة الثبات ما احتاجتْ إلى الجبال الرواسي لتثبتها فلا تميل بأهلها. وهذه كلها كانت من غيب السماوات والأرض كشفه الله لنا بتقدّم العلوم وتطور الحضارات، لذلك نقرأ مثلا: {أية : وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ..}تفسير : [النمل: 88] نعم السحاب يمر ويتحرك بحركة الهواء، فكيف تتحرك الجبال وهي راسية مستقرة مُثبتة على سطح الأرض؟ إذن: الجبال لا تتحرك إلا مع حركة الأرض، ولأنك ستتعجب من هذه الحقيقة، قال الحق بعدها {أية : صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ..}تفسير : [النمل: 88] فما دام الفعل لله والصنعة لله، فلا تتعجب ولا تستبعد الأمر. ثم يقول سبحانه: {تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ ..} [ق: 8] أي: أن هذه الآيات الكونية في السماوات وفي الأرض تعطي بصيرة للناس، وتُذكِّرهم بقدرة الخالق سبحانه ليتفكروا في خَلْق هذا الكون وما فيه من هندسة وإبداع. والتبصرة هي الآية الثابتة، و{وَذِكْرَىٰ ..} [ق: 8] هي الظاهرة تأتي وتتغير، مثل الأرض تكون جرداء قاحلة، فإذا نزل عليها المطر اخضرتْ. وقوله: {لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} [ق: 8] كثير الرجوع إلى الله بالتوبة، ويأخذ من آيات الله في الكون دليلاً على قدرته تعالى، فيذعن لها ويؤمن بها.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ} معناهُ مِنْ فِتوقٍ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر تعالى حالة المكذبين، وما ذمهم به، دعاهم إلى النظر في آياته الأفقية، كي يعتبروا، ويستدلوا بها، على ما جعلت أدلة عليه فقال: { أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ } أي: لا يحتاج ذلك النظر إلى كلفة وشد رحل، بل هو في غاية السهولة، فينظرون { كَيْفَ بَنَيْنَاهَا } قبة مستوية الأرجاء، ثابتة البناء، مزينة بالنجوم الخنس، والجوار الكنس، التي ضربت من الأفق إلى الأفق في غاية الحسن والملاحة، لا ترى فيها عيبًا، ولا فروجًا، ولا خلالا ولا إخلالا. قد جعلها الله سقفًا لأهل الأرض، وأودع فيها من مصالحهم الضرورية ما أودع. { و } إلى { الأرض } كيف { مَدَدْنَاهَا } ووسعناها، حتى أمكن كل حيوان السكون فيها والاستقرار والاستعداد لجميع مصالحه، وأرساها بالجبال، لتستقر من التزلزل، والتموج، { وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } أي: من كل صنف من أصناف النبات، التي تسر ناظرها، وتعجب مبصرها، وتقر عين رامقها، لأكل بني آدم، وأكل بهائمهم ومنافعهم، وخص من تلك المنافع بالذكر، الجنات المشتملة على الفواكه اللذيذة، من العنب والرمان والأترج والتفاح، وغير ذلك، من أصناف الفواكه، ومن النخيل الباسقات، أي: الطوال، التي يطول نفعها، وترتفع إلى السماء، حتى تبلغ مبلغًا، لا يبلغه كثير من الأشجار، فتخرج من الطلع النضيد، في قنوانها، ما هو رزق للعباد، قوتًا وأدمًا وفاكهة، يأكلون منه ويدخرون، هم ومواشيهم وكذلك ما يخرج الله بالمطر، وما هو أثره من الأنهار، التي على وجه الأرض، والتي تحتها من حب الحصيد، أي: من الزرع المحصود، من بر وشعير، وذرة، وأرز، ودخن وغيره. فإن في النظر في هذه الأشياء { تَبْصِرَةً } يتبصر بها، من عمى الجهل، { وَذِكْرَى } يتذكر بها، ما ينفع في الدين والدنيا، ويتذكر بها ما أخبر الله به، وأخبرت به رسله، وليس ذلك لكل أحد، بل { لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ } إلى الله أي: مقبل عليه بالحب والخوف والرجاء، وإجابة داعيه، وأما المكذب والمعرض، فما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون. وحاصل هذا، أن ما فيها من الخلق الباهر، والشدة والقوة، دليل على كمال قدرة الله تعالى، وما فيها من الحسن والإتقان، وبديع الصنعة، وبديع الخلقة دليل على أن الله أحكم الحاكمين، وأنه بكل شيء عليم، وما فيها من المنافع والمصالح للعباد، دليل على رحمة الله، التي وسعت كل شيء، وجوده، الذي عم كل حي، وما فيها من عظم الخلقة، وبديع النظام، دليل على أن الله تعالى، هو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، ولم يكن له كفوًا أحد، وأنه الذي لا تنبغي العبادة، والذل [والحب] إلا له تعالى. وما فيها من إحياء الأرض بعد موتها، دليل على إحياء الله الموتى، ليجازيهم بأعمالهم، ولهذا قال: { وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ }. ولما ذكرهم بهذه الآيات السماوية والأرضية، خوفهم أخذات الأمم، وألا يستمروا على ما هم عليه من التكذيب، فيصيبهم ما أصاب إخوانهم من المكذبين، فقال: { كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):