Verse. 4646 (AR)

٥٠ - ق

50 - Qaf (AR)

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْاِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِہٖ نَفْسُہٗ۝۰ۚۖ وَنَحْنُ اَقْرَبُ اِلَيْہِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيْدِ۝۱۶
Walaqad khalaqna alinsana wanaAAlamu ma tuwaswisu bihi nafsuhu wanahnu aqrabu ilayhi min habli alwareedi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد خلقنا الإنسان ونعلم» حال بتقدير نحن «ما» مصدرية «توسوس» تحدث «به» الباء زائدة أو للتعدية والضمير للإنسان «نفسه ونحن أقرب إليه» بالعلم «من حبل الوريد» الإضافة للبيان والوريدان عرقان بصفحتي العنق.

16

Tafseer

الرازي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ } فيه وجهان: أحدهما: أن يكون ابتداء استدلال بخلق الإنسان، وهذا على قولنا {أية : أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ } تفسير : [قۤ: 15] معناه خلق السمٰوات وثانيهما: أن يكون تتميم بيان خلق الإنسان، وعلى هذا قولنا (الخلق الأول) هو خلق الإنسان أول مرة، ويحتمل أن يقال هو تنبيه على أمر يوجب عودهم عن مقالهم، وبيانه أنه تعالى لما قال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ } كان ذلك إشارة إلى أنه لا يخفى عليه خافية ويعلم ذوات صدورهم. وقوله {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ }. بيان لكمال علمه، والوريد العرق الذي هو مجرى الدم يجري فيه ويصل إلى كل جزء من أجزاء البدن والله أقرب من ذلك بعلمه، لأن العرق تحجبه أجزاء اللحم ويخفى عنه، وعلم الله تعالى لا يحجب عنه شيء، ويحتمل أن يقال {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ } بتفرد قدرتنا فيه يجري فيه أمرنا كما يجري الدم في عروقه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ} يعني الناس، وقيل آدم. {وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} أي ما يختلج في سرّه وقلبه وضميره، وفي هذا زجر عن المعاصي التي يستخفى بها. ومن قال: إن المراد بالإنسان آدم؛ فالذي وسوست به نفسه هو الأكل من الشجرة، ثم هو عام لولده. والوسوسة حديث النفس بمنزلة الكلام الخفيّ. قال الأعشى:شعر : تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وَسْوَاساً إذا ٱنْصَرَفتْ كما ٱستعان بريح عِشْرِقٌ زجِلُ تفسير : وقد مضى في «الأعراف». {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ} هو حبل العاتق وهو ممتدّ من ناحية حلقه إلى عاتقه، وهما وريدان عن يمين وشمال. روى معناه عن ٱبن عباس وغيره وهو المعروف في اللغة. والحبل هو الوريد فأضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين. وقال الحسن: الوريد الوتين وهو عِرق معلَّق بالقلب. وهذا تمثيل للقرب؛ أي نحن أقرب إليه من حبل وريده الذي هو منه، وليس على وجه قرب المسافة. وقيل أي ونحن أملك به من حبل وريده مع ٱستيلائه عليه. وقيل: أي ونحن أعلم بما توسوس به نفسه من حبل وريده الذي هو من نفسه، لأنه عِرق يخالط القلب، فعلم الربِّ أقربُ إليه من علم القلب، روي معناه عن مقاتل قال: الوريد عرق يخالط القلب، وهذا القرب قرب العلم والقدرة، وأبعاض الإنسان يحجب البعضُ البعضَ ولا يحجب علم الله شيء. قوله تعالى: {إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ} أي نحن أقرب إليه من حبل وريده حين يتلقى المتلقيان، وهما الملكان الموكلان به، أي نحن أعلم بأحواله فلا نحتاج إلى ملَك يخبر، ولكنهما وكِّلا به إلزاماً للحجة، وتوكيداً للأمر عليه. وقال الحسن ومجاهد وقتادة: {ٱلْمُتَلَقِّيَانِ} ملَكان يتلقيان عملك: أحدهما عن يمينك يكتب حسناتك، والآخر عن شمالك يكتب سيئاتك. قال الحسن: حتى إذا متّ طُوِيت صحيفة عملك وقيل لك يوم القيامة: {أية : ٱقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً } تفسير : [الإسراء: 14] عَدَلَ والله عليك من جعلك حسيبَ نفسك. وقال مجاهد: وكَّل الله بالإنسان مع علمه بأحواله مَلَكين بالليل ومَلَكين بالنهار يحفظان عمله، ويكتبان أثره إلزاماً للحجة: أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات، والآخر عن شماله يكتب السيئات، فذلك قوله تعالى: {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ} وقال سفيان: بلغني أن كاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا أذنب (العبد) قال لا تعجل لعلّه يستغفر الله. وروي معناه من حديث أبي أمامة؛ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يساره وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا عَمِلَ حسنة كتبها صاحب اليمين عشراً وإذا عَمِل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر». تفسير : وروي من حديث علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«حديث : إن مقعدَ مَلكيك على ثَنِيّتك لسانُك قلمهما ورِيقُك مِدَادُهما وأنت تجري فيما لا يعنيك فلا تستحي من الله ولا منهما»تفسير : . وقال الضحاك: مجلسهما تحت الثغر على الحنك. ورواه عوف عن الحسن قال: وكان الحسن يعجبه أن ينظف عَنْفَقته. وإنما قال: «قَعِيدٌ» ولم يقل قعيدان وهما ٱثنان؛ لأن المراد عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد فحذف الأوّل لدلالة الثاني عليه. قاله سيبويه؛ ومنه قول الشاعر:شعر : نَحْنُ بما عِندنا وأنتَ بما عِندَك راضٍ والرّأيُ مخْتَلِفُ تفسير : وقال الفرزدق:شعر : إنِّي ضَمِنتُ لمن أَتَانِي ما جَنَى وأَبَى فكانَ وكنتُ غيرَ غَدُور تفسير : ولم يقل راضيان ولا غدورين. ومذهب المبرِّد: أن الذي في التلاوة أَوَّلٌ أُخِّرَ ٱتساعاً، وحذف الثاني لدلالة الأوّل عليه. ومذهب الأخفش والفرّاء: أن الذي في التلاوة يؤدّي عن الاثنين والجمع ولا حذف في الكلام. و«قَعِيدٌ» بمعنى قاعد كالسميع والعليم والقدير والشهيد. وقيل: «قَعِيدٌ» بمعنى مقاعد مثل أكيل ونديم بمعنى مؤاكل ومنادم. وقال الجوهري: فعيل وفعول مما يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع؛ كقوله تعالى: {أية : إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الشعراء: 16] وقوله: {أية : وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} تفسير : [التحريم: 4] وقال الشاعر في الجمع، أنشده الثعلبي:شعر : أَلِكْنِي إِلَيْها وَخَيْرُ الرَّسُو لِ أَعْلَمُهُمْ بِنَوَاحِي الخَبَرْ تفسير : والمراد بالقعيد هاهنا الملازم الثابت لا ضد القائم. قوله تعالى: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} أي ما يتكلم بشيء إلا كتب عليه؛ مأخوذ من لفظ الطعام وهو إخراجه من الفم. وفي الرقيب ثلاثة أوجه: أحدها أنه المتبع للأمور. الثاني أنه الحافظ، قاله السدّي. الثالث أنه الشاهد، قاله الضحاك. وفي العتيد وجهان: أحدهما أنه الحاضر الذي لا يغيب. الثاني أنه الحافظ الْمُعَدُّ إما للحفظ وإما للشهادة. قال الجوهري: العتيد الشيء الحاضر المهيأ؛ وقد عَتَّدَه تعتيداً وأَعْتَدَه إعتاداً أي أعدّه ليوم، ومنه قوله تعالى: {أية : وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً} تفسير : [يوسف: 31] وفرس عَتَدٌ وعَتِدٌ بفتح التاء وكسرها المعَدُّ للجري. قلت: وكله يرجع إلى معنى الحضور، ومنه قول الشاعر:شعر : لئِن كُنتَ مِنِّي في العِيَان مُغَيَّباً فذكرك عندي في الفؤادِ عَتِيدُ تفسير : قال أبو الجوزاء ومجاهد: يكتب على الإنسان كل شيء حتى الأنين في مرضه. وقال عكرمة: لا يكتب إلا ما يؤجر به أو يؤزر عليه. وقيل: يكتب عليه كل ما يتكلم به، فإذا كان آخر النهار محى عنه ما كان مباحاً، نحو ٱنطلِق ٱقعد كُلْ مما لا يتعلق به أجر ولا وزر، والله أعلم. وروي عن أبي هريرة وأنس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من حافظين يرفعان إلى الله ما حفظا فيرى الله في أوّل الصحيفة خيراً وفي آخرها خيراً إلا قال الله تعالى لملائكته: ٱشهدوا أني قد غفرت لعبدي ما بين طَرَفي الصحيفة»تفسير : . وقال علي رضي الله عنه: إن لله ملائكة معهم صحف بيض فأملوا في أوّلها وفي آخرها خيراً يغفر لكم ما بين ذلك. وأخرج أبو نعيم الحافظ قال: حدّثنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق ابن خزيمة قال حدّثنا جَدِّي محمد بن إسحق قال حدّثنا محمد بن موسى الحَرَشيّ قال: حدّثنا سهيل ابن عبد الله قال: سمعت الأعمش يحدث عن زيد بن وهب عن ٱبن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الحافظين إذا نزلا على العبد أو الأمةَ معهما كتاب مختوم فيكتبان ما يلفظ به العبدُ أو الأمة فإذا أرادا أن ينهضا قال أحدهما للآخر فُكَّ الكتاب المختوم الذي معك فيفكه له فإذا فيه ما كتب سواء فذلك قوله تعالى: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}»تفسير : غريب من حديث الأعمش عن زيد، لم يروه عنه إلا سهيل. وروي من حديث أنس أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله وكّل بعبده مَلَكين يكتبان عمله فإذا مات قالا ربنا قد مات فلان فأذن لنا أن نصعد إلى السماء فيقول الله تعالى إن سمواتي مملوءة من ملائكتي يسبحونني فيقولان ربنا نقيم في الأرض فيقول الله تعالى إن أرضي مملوءة من خلقي يسبحونني فيقولان يا ربّ فأين نكون فيقول الله تعالى كونا على قبر عبدي فكبراني وهللاني وسبحاني وٱكتبا ذلك لعبدي إلى يوم القيامة«. تفسير : قوله تعالى: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} أي غمرته وشدّته؛ فالإنسان مادام حيًّا تكتب عليه أقواله وأفعاله ليحاسب عليها، ثم يجيئه الموت وهو ما يراه عند المعاينة من ظهور الحق فيما كان الله تعالى وعده وأوعده. وقيل: الحقُّ هو الموت سُمِّي حقًّا إما لاستحقاقه وإما لانتقاله إلى دار الحق؛ فعلى هذا يكون في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره وجاءت سكرة الحق بالموت، وكذلك في قراءة أبي بكر وٱبن مسعود رضي الله عنهما؛ لأن السكرة هي الحق فأضيفت إلى نفسها لاختلاف اللفظين. وقيل: يجوز أن يكون الحق على هذه القراءة هو الله تعالى؛ أي جاءت سكرة أمر الله تعالى بالموت. وقيل: الحق هو الموت والمعنى وجاءت سكرة الموت بالموت؛ ذكره المهدوي. وقد زعم من طعن على القرآن فقال: أخالف المصحف كما خالف أبو بكر الصديق فقرأ: وجاءت سكرة الحق بالموت. فاحتج عليه بأن أبا بكر رويت عنه روايتان: إحداهما موافقة للمصحف فعليها العمل، والأخرى مرفوضة تجري مجرى النسيان منه إن كان قالها، أو الغلط من بعض من نَقَلَ الحديث. قال أبو بكر الأنباري: حدّثنا إسماعيل بن إسحق القاضي حدّثنا علي بن عبد الله حدّثنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن مسروق قال: لما ٱحتضر أبو بكر أرسل إلى عائشة فلما دخلت عليه قالت: هذا كما قال الشاعر:شعر : إذا حَشْرَجَـتْ يومـاً وضـاقَ بها الصَّـدْرُ تفسير : فقال أبو بكر: هلاَّ قلتِ كما قال الله: «وَجَاءَتْ سَكرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ» وذكر الحديث. والسَّكْرَةُ واحدة السَّكَرات. وفي الصحيح عن عائشة: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت بين يديه رِكْوة ـ أو عُلْبَة ـ فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء، فيمسح بها وجهه ويقول: «لا إلٰه إلا الله إن للموت سكرات«ثم نصب يده فجعل يقول: «في الرفيق الأعلى« حتى قبض ومالت يدهتفسير : . خرجه البخاري. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن العبد الصالح ليعالج الموت وسكراته وإن مفاصله ليسلم بعضها على بعض تقول السلام عليك تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة»تفسير : . وقال عيسى بن مريم: يا معشر الحواريين ٱدعوا الله أن يهوّن عليكم هذه السَّكْرة. يعني سَكَرات الموت. وروي: «إن الموت أشدّ من ضربٍ بالسيوف ونشرٍ بالمناشير وقرضٍ بالمقاريض». {ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} أي يقال لمن جاءته سكرة الموت ذلك ما كنت تفرّ منه وتميل عنه. يقال: حادَ عن الشيء يَحِيدُ حُيوداً وحَيْدَة وحَيْدُودة مال عنه وعدل. وأصله حَيَدودة بتحريك الياء فسكنت؛ لأنه ليس في الكلام فَعْلُول غير صَعْفُوق. وتقول في الأخبار عن نفسك: حِدْتُ عن الشيء أَحِيد حَيْداً ومَحِيداً إذا ملت عنه؛ قال طَرَفَة:شعر : أبا منذِرٍ رُمْتَ الوفاءَ فَهِبتَهُ وحِدْتَ كما حاد البعيرُ عن الدَّحْضِ

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن قدرته على الإنسان بأنه خالقه وعلمه محيط بجميع أموره، حتى إنه تعالى يعلم ما توسوس به نفوس بني آدم من الخير والشر. وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن الله تعالى تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل» تفسير : وقوله عز وجل: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ} يعني: ملائكته تعالى أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه، ومن تأوله على العلم؛ فإنما فر لئلا يلزم حلول أو اتحاد، وهما منفيان بالإجماع، تعالى الله وتقدس، ولكن اللفظ لا يقتضيه؛ فإنه لم يقل: وأنا أقرب إليه من حبل الوريد، وإنما قال: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ} كما قال في المحتضر: {أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ} تفسير : [الواقعة: 85] يعني: ملائكته، وكما قال تبارك وتعالى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9] فالملائكة نزلت بالذكر، وهو القرآن بإذن الله عز وجل، وكذلك الملائكة أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه بإقدار الله جل وعلا لهم على ذلك. فللملك لمة من الإنسان؛ كما أن للشيطان لمة، وكذلك الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق، ولهذا قال تعالى ههنا: {إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ} يعني: الملكين اللذين يكتبان عمل الإنسان. {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ} أي مترصد {مَّا يَلْفِظُ} أي: ابن آدم {مِن قَوْلٍ} أي: ما يتكلم بكلمة {إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} أي إلا ولها من يرقبها، معد لذلك يكتبها، لا يترك كلمة ولا حركة؛ كما قال تعالى: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ كِرَاماً كَـٰتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } تفسير : [الانفطار: 10 ــــ 12] وقد اختلف العلماء هل يكتب الملك كل شيء من الكلام؟ وهو قول الحسن وقتادة، أو إنما يكتب ما فيه ثواب وعقاب؛ كما هو قول ابن عباس رضي الله عنهما، على قولين، وظاهر الآية الأول؛ لعموم قوله تبارك وتعالى: { مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة الليثي عن أبيه عن جده علقمة عن بلال بن الحارث المزني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله عز وجل له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله تعالى عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه» تفسير : فكان علقمة يقول: كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث، ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث محمد بن عمرو به، وقال الترمذي: حسن صحيح، وله شاهد في الصحيح. وقال الأحنف بن قيس: صاحب اليمين يكتب الخير، وهو أمير على صاحب الشمال، فإن أصاب العبد خطيئة، قال له: أمسك، فإن استغفر الله تعالى نهاه أن يكتبها، وإن أبى كتبها. رواه ابن أبي حاتم، وقال الحسن البصري، وتلا هذه الآية: {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ} يابن آدم بسطت لك صحيفة، ووكل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا مت، طويت صحيفتك، وجعلت في عنقك معك في قبرك حتى تخرج يوم القيامة، فعند ذلك يقول تعالى: {أية : وَكُلَّ إِنْسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَابًا يَلْقَـٰهُ مَنْشُوراً ٱقْرَأْ كَتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا } تفسير : [الإسراء: 13 ــــ 14] ثم يقول: عدل والله فيك من جعلك حسيب نفسك. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: { مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} قال: يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر، حتى إنه ليكتب قوله: أكلت، شربت، ذهبت، جئت، رأيت، حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله، فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر، وألقي سائره، وذلك قوله تعالى: {أية : يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ} تفسير : [الرعد: 39] وذكر عن الإمام أحمد أنه كان يئن في مرضه، فبلغه عن طاوس أنه قال: يكتب الملك كل شيء حتى الأنين، فلم يئن أحمد حتى مات رحمه الله. وقوله تبارك وتعالى: { وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} يقول عز وجل: وجاءت أيها الإنسان سكرة الموت بالحق، أي كشفت لك عن اليقين الذي كنت تمتري فيه {ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} أي هذا هو الذي كنت تفر منه قد جاءك، فلا محيد ولا مناص، ولا فكاك ولا خلاص. وقد اختلف المفسرون في المخاطب بقوله: { وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} فالصحيح أن المخاطب بذلك الإنسان من حيث هو، وقيل الكافر، وقيل غير ذلك، وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا إبراهيم بن زياد - سبلان - أخبرنا عباد بن عباد عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبيه، عن جده علقمة بن وقاص قال: إن عائشة رضي الله عنها قالت: حضرت أبي رضي الله عنه وهو يموت، وأنا جالسة عند رأسه، فأخذته غشية، فتمثلت ببيت من الشعر:شعر : مَنْ لا يزالُ دمعُه مقنَّعاً فإنَّه لا بُدَّ مَرَّةً مَدْفوقُ تفسير : قالت: فرفع رضي الله عنه رأسه، فقال: يا بنية ليس كذلك، ولكن كما قال تعالى: { وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ}. وحدثنا خلف بن هشام، حدثنا أبو شهاب الخياط عن إسماعيل بن أبي خالد عن البهي قال: لما أن ثقل أبو بكر رضي الله عنه، جاءت عائشة رضي الله عنها، فتمثلت بهذا البيت:شعر : لَعَمْرُكَ ما يُغْنِي الثَّراءُ عن الفَتَى إذا حَشْرَجَتْ يوماً وضاقَ بها الصَّدْرُ تفسير : فكشف عن وجهه، وقال رضي الله عنه: ليس كذلك، ولكن قولي: { وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ}. وقد أوردت لهذا الأثر طرقاً كثيرة في سيرة الصديق رضي الله عنه عند ذكر وفاته، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما تغشاه الموت، جعل يمسح العرق عن وجهه ويقول: «حديث : سبحان الله إن للموت لسكرات» تفسير : وفي قوله: {ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} قولان: أحدهما: أن ما ههنا موصولة، أي الذي كنت منه تحيد، بمعنى: تبتعد وتتناءى وتفر، قد حل بك، ونزل بساحتك والقول الثاني: أن ما نافية، بمعنى: ذلك ما كنت تقدر على الفرار منه، ولا الحيد عنه. وقد قال الطبراني في "المعجم الكبير": حدثنا مؤمل بن علي الصائغ المكي، حدثنا حفص عن ابن عمر الحدي، حدثنا معاذ بن محمد الهذلي عن يونس بن عبيد عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مثل الذي يفر من الموت مثل الثعلب تطلبه الأرض بدين، فجاء يسعى، حتى إذا أعيا وأسهد، دخل جحره، وقالت له الأرض: يا ثعلب ديني، فخرج وله حصاص، فلم يزل كذلك حتى تقطعت عنقه ومات» تفسير : ومضمون هذا المثل: كما لا انفكاك له ولا محيد عن الأرض، كذلك الإنسان، لا محيد له عن الموت. وقوله تبارك وتعالى: { وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ ذَلِكَ يَوْمَ ٱلْوَعِيدِ} قد تقدم الكلام على حديث النفخ في الصور والفزع والصعق والبعث، وذلك يوم القيامة. وفي الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته وانتظر أن يؤذن له» تفسير : قالوا: يا رسول الله كيف نقول؟ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل» تفسير : فقال القوم: حسبنا الله ونعم الوكيل. { وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ} أي ملك يسوقه إلى المحشر، وملك يشهد عليه بأعماله، هذا هو الظاهر من الآية الكريمة، وهو اختيار ابن جرير. ثم روي من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن يحيى بن رافع مولى لثقيف قال: سمعت عثمان بن عفان رضي الله عنه يخطب، فقرأ هذه الآية: { وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ} فقال: سائق يسوقها إلى الله تعالى، وشاهد يشهد عليها بما عملت، وكذا قال مجاهد وقتادة وابن زيد. وقال مطرف عن أبي جعفر مولى أشجع عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: السائق: الملك، والشهيد: العمل، وكذلك قال الضحاك والسدي، وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما: السائق من الملائكة، والشهيد الإنسان نفسه، يشهد على نفسه، وبه قال الضحاك بن مزاحم أيضاً. وحكى ابن جرير ثلاثة أقوال في المراد بهذا الخطاب في قوله تعالى: { لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ} أحدها: أن المراد بذلك الكافر، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما، وبه يقول الضحاك بن مزاحم وصالح بن كيسان. والثاني: أن المراد بذلك كل أحد من بر وفاجر؛ لأن الآخرة بالنسبة إلى الدنيا كاليقظة، والدنيا كالمنام، وهذا اختيار ابن جرير، ونقله عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. والثالث: أن المخاطب بذلك النبي صلى الله عليه وسلم وبه يقول زيد بن أسلم وابنه، والمعنى على قولهما: لقد كنت في غفلة من هذا القرآن قبل أن يوحى إليك، فكشفنا عنك غطاءك بإنزاله إليك فبصرك اليوم حديد، والظاهر من السياق خلاف هذا، بل الخطاب مع الإنسان من حيث هو، والمراد بقوله تعالى: {لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا} يعني: من هذا اليوم، {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ} أي قوي؛ لأن كل أحد يوم القيامة يكون مستبصراً، حتى الكفار في الدنيا، يكونون يوم القيامة على الاستقامة، لكن لا ينفعهم ذلك، قال الله تعالى: {أية : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} تفسير : [مريم: 38]. وقال عز وجل: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ} تفسير : [السجدة: 12].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَٰنَ وَنَعْلَمُ } حال بتقدير نحن {مَا } مصدرية {تُوَسْوِسُ } تحدّث {بِهِ } الباء زائدة أو للتعدية، والضمير للإنسان {نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ } بالعلم {مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ } الإِضافة للبيان والوريدان عرقان بصفحتي العنق.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ } هذا كلام مبتدأ يتضمن ذكر بعض القدرة الربانية، والمراد بالإنسان: الجنس، وقيل: آدم، والوسوسة هي في الأصل الصوت الخفيّ، والمراد بها هنا: ما يختلج في سرّه وقلبه وضميره، أي: نعلم ما يخفي، ويكنّ في نفسه، ومن استعمال الوسوسة في الصوت الخفيّ قول الأعشى:شعر : تسمع للحلى وسواساً إذا انصرفت تفسير : فاستعمل لما خفي من حديث النفس {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ } هو حبل العاتق، وهو ممتد من ناحية حلقه إلى عاتقه، وهما وريدان من عن يمين وشمال. وقال الحسن: الوريد: الوتين، وهو عرق معلق بالقلب، وهو تمثيل للقرب بقرب ذلك العرق من الإنسان، أي: نحن أقرب إليه من حبل وريده، والإضافة بيانية، أي: حبل هو الوريد. وقيل: الحبل هو نفس الوريد، فهو من باب مسجد الجامع. ثم ذكر سبحانه أنه مع علمه به وكل به ملكين يكتبان، ويحفظان عليه عمله إلزاماً للحجة فقال: {إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقّيَانِ } الظرف منتصب بما في {أَقْرَبُ } من معنى الفعل، ويجوز أن يكون منصوباً بمقدّر هو اذكر، والمعنى: أنه أقرب إليه من حبل وريده حين يتلقى {المتلقيان}، وهما الملكان الموكلان به ما يلفظ به، وما يعمل به، أي: يأخذان ذلك ويثبتانه، والتلقي: الأخذ، أي: نحن أعلم بأحواله غير محتاجين إلى الحفظة الموكلين به، وإنما جعلنا ذلك إلزاماً للحجة، وتوكيداً للأمر. قال الحسن، وقتادة، ومجاهد: المتلقيان ملكان يتلقيان عملك أحدهما عن يمينك يكتب حسناتك، والآخر عن شمالك يكتب سيئاتك. وقال مجاهد أيضاً: وكل الله بالإنسان ملكين بالليل، وملكين بالنهار يحفظان عمله، ويكتبان أثره {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشّمَالِ قَعِيدٌ } إنما قال {قعيد}، ولم يقل قعيدان وهما اثنان؛ لأن المراد: عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد، فحذف الأوّل لدلالة الثاني عليه، كذا قال سيبويه كقول الشاعر:شعر : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف تفسير : وقال الفرزدق: شعر : وأتى وكان وكنت غير عذور تفسير : أي: وكان غير عذور، وكنت غير عذور، وقال الأخفش، والفراء: إن لفظ قعيد يصلح للواحد والاثنين والجمع ولا يحتاج إلى تقدير في الأوّل. قال الجوهري، غيره من أئمة اللغة والنحو: فعيل وفعول مما يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع، والقعيد المقاعد كالجليس بمعنى المجالس {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } أي: ما يتكلم من كلام، فيلفظه ويرميه من فيه إلاّ لديه أي: لدى ذلك اللافظ رقيب أي: ملك يرقب قوله ويكتبه، والرقيب: الحافظ المتتبع لأمور الإنسان الذي يكتب ما يقوله من خير وشر، فكاتب الخير هو ملك اليمين، وكاتب الشرّ ملك الشمال. والعتيد: الحاضر المهيأ. قال الجوهري: العتيد الحاضر المهيأ، يقال: عتده تعتيداً وأعتده اعتداداً أي: أعده، ومنه {أية : وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ متكأ }تفسير : [يوسف: 31] والمراد هنا: أنه معدّ للكتابة مهيأ لها {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ } لما بيّن سبحانه أن جميع أعمالهم محفوظة مكتوبة ذكر بعده ما ينزل بهم من الموت، والمراد بسكرة الموت: شدّته وغمرته التي تغشى الإنسان، وتغلب على عقله، ومعنى {بالحق}: أنه عند الموت يتضح له الحق، ويظهر له صدق ما جاءت به الرسل من الإخبار بالبعث والوعد والوعيد، وقيل: الحق هو الموت، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، أي: وجاءت سكرة الحق بالموت، وكذا قرأ أبو بكر الصديق، وابن مسعود. والسكرة: هي الحق، فأضيفت إلى نفسها لاختلاف اللفظين، وقيل: الباء للملابسة كالتي في قوله: {أية : تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ } تفسير : [المؤمنون: 20] أي: ملتبسة بالحق، أي: بحقيقة الحال، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى الموت، والحيد: الميل، أي: ذلك الموت الذي كنت تميل عنه، وتفرّ منه، يقال: حاد عن الشيء يحيد حيوداً، وحيدة وحيدودة: مال عنه وعدل، ومنه قول طرفة:شعر : أبو منذر رمـت الوفاء فهبته وحدت كما حاد البعير عن الدحض تفسير : وقال الحسن: تحيد: تهرب {وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ } عبّر عنه بالماضي؛ لتحقق وقوعه، وهذه هي النفخة الآخرة للبعث {ذَلِكَ يَوْم ٱلْوَعِيدِ } أي: ذلك الوقت الذي يكون فيه النفخ في الصور يوم الوعيد الذي أوعد الله به الكفار. قال مقاتل: يعني بالوعيد: العذاب في الآخرة، وخصّص الوعيد مع كون اليوم هو يوم الوعد والوعيد جميعاً لتهويله. {وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ } أي: جاءت كل نفس من النفوس معها من يسوقها، ومن يشهد لها، أو عليها. واختلف في السائق والشهيد، فقال الضحاك: السائق من الملائكة، والشهيد من أنفسهم، يعني: الأيدي والأرجل. وقال الحسن، وقتادة: سائق يسوقها، وشاهد يشهد عليها بعملها، وقال ابن مسلم: السائق: قرينها من الشياطين، سمي سائقاً لأنه يتبعها وإن لم يحثها. وقال مجاهد: السائق والشهيد ملكان. وقيل: السائق: الملك، والشهيد: العمل، وقيل: السائق: كاتب السيئات، والشهيد: كاتب الحسنات، ومحل الجملة النصب على الحال {لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍ مّنْ هَـٰذَا } أي: يقال له: لقد كنت في غفلة من هذا، والجملة في محل نصب على الحال من {نفس}، أو مستأنفة كأنه قيل: ما يقال له، قال الضحاك: المراد بهذا: المشركون؛ لأنهم كانوا في غفلة من عواقب أمورهم. وقال ابن زيد: الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم، أي: لقد كنت يا محمد في غفلة من الرسالة. وقال أكثر المفسرين: المراد به جميع الخلق برّهم، وفاجرهم، واختار هذا ابن جرير. قرأ الجمهور بفتح التاء من {كنت}، وفتح الكاف في {غطاءك}، و{بصرك} حملاً على ما في لفظ {كل} من التذكير. وقرأ الجحدري، وطلحة بن مصرف بالكسر في الجميع على أن المراد النفس {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ } الذي كان في الدنيا، يعني: رفعنا الحجاب الذي كان بينك وبين أمور الآخرة، ورفعنا ما كنت فيه من الغفلة عن ذلك {فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ } أي: نافذ تبصر به ما كان يخفى عليك في الدنيا. قال السديّ: المراد بالغطاء: أنه كان في بطن أمه فولد، وقيل: إنه كان في القبر فنشر، والأوّل أولى. والبصر قيل: هو بصر القلب، وقيل: بصر العين، وقال مجاهد: بصرك إلى لسان ميزانك حين توزن حسناتك وسيئاتك، وبه قال الضحاك. {وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ } أي قال الملك الموكل به: هذا ما عندي من كتاب عملك عتيد حاضر قد هيأته، كذا قال الحسن، وقتادة، والضحاك. وقال مجاهد: إن الملك يقول للربّ سبحانه: هذا الذي وكلتني به من بني آدم قد أحضرته، وأحضرت ديوان عمله. وروي عنه أنه قال: إن قرينه من الشياطين يقول ذلك أي: هذا ما قد هيأته لك بإغوائي وإضلالي. وقال ابن زيد: إن المراد هنا قرينه من الإنس، وعتيد مرفوع على أنه صفة لما إن كانت موصوفة، وإن كانت موصولة فهو خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف {أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ } هذا خطاب من الله عزّ وجلّ للسائق والشهيد. قال الزجاج: هذا أمر للملكين الموكلين به وهما السائق، والشاهد: كل كفار للنعم عنيد مجانب للإيمان {مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ } لا يبذل خيراً {مُعْتَدٍ } ظالم لا يقرّ بتوحيد الله {مُرِيبٍ } شاكّ في الحق، من قولهم أراب الرجل: إذا صار ذا ريب. وقيل: هو خطاب للملكين من خزنة النار، وقيل: هو خطاب لواحد على تنزيل تثنية الفاعل منزلة تثنية الفعل وتكريره. قال الخليل، والأخفش: هذا كلام العرب الصحيح أن يخاطب الواحد بلفظ الاثنين يقولون: ارحلاها وازجراها، وخذاه وأطلقاه للواحد. قال الفراء: العرب تقول للواحد: قوما عنا. وأصل ذلك أن أدنى أعوان الرجل في إبله وغنمه ورفقته في سفره اثنان، فجرى كلام الرجل للواحد على ذلك، ومنه قولهم للواحد في الشعر: خليليّ كما قال امرؤ القيس:شعر : خليلي مرّا بي على أم جندب نقض لبانات الفؤاد المعذب تفسير : وقوله:شعر : قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل تفسير : وقول الآخر: شعر : فإن تزجراني يابن عفان أنزجر وإن تدعواني أحم عرضاً ممنعا تفسير : قال المازني: قوله: {أَلْقِيَا } يدل على ألق ألق. قال المبرد: هي تثنية على التوكيد، فناب ألقيا مناب ألق ألق. قال مجاهد، وعكرمة: العنيد: المعاند للحق، وقيل: المعرض عن الحق، يقال: عند يعند بالكسر عنوداً: إذا خالف الحق {ٱلَّذِى جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً ءاخَرَ } يجوز أن يكون بدلاً من {كل}، أو منصوباً على الذم، أو بدلاً من {كفار}، أو مرفوعاً بالابتداء، أو الخبر {فَأَلْقِيَـٰهُ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ } تأكيد للأمر الأول، أو بدل منه {قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ } هذه الجملة مستأنفة لبيان ما يقوله القرين، والمراد بالقرين هنا: الشيطان الذي قيض لهذا الكافر، أنكر أن يكون أطغاه، ثم قال: {وَلَـٰكِن كَانَ فِى ضَلَـٰلٍ بَعِيدٍ } أي: عن الحق فدعوته، فاستجاب لي، ولو كان من عبادك المخلصين لم أقدر عليه، وقيل: إن قرينه الملك الذي كان يكتب سيئاته، وإن الكافر يقول: ربّ إنه أعجلني فيجيبه بهذا، كذا قال مقاتل، وسعيد بن جبير، والأوّل أولى، وبه قال الجمهور. {قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ } هذه الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدّر؛ كأنه قيل: فماذا قال الله؟ فقيل: {قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ } يعني: الكافرين وقرناءهم، نهاهم سبحانه عن الاختصام في موقف الحساب، وجملة: {وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ } في محل نصب على الحال، أي: والحال أن قد قدّمت إليكم بالوعيد بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، والباء في {بِٱلْوَعِيدِ } مزيدة للتأكيد، أو على تضمين قدّم معنى تقدّم {مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَىَّ } أي: لا خلف لوعدي، بل هو كائن لا محالة، وقد قضيت عليكم بالعذاب، فلا تبديل له، وقيل: هذا القول هو قوله: {أية : مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِٱلسَّيّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا } تفسير : [الأنعام: 160] وقيل: هو قوله: {حديث : لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } تفسير : [السجدة: 13] وقال الفراء، وابن قتيبة: معنى الآية: أنه ما يكذب عندي بزيادة في القول، ولا ينقص منه لعلمي بالغيب، وهو قول الكلبي. واختاره الواحدي، لأنه قال: {لَدَىَّ } ولم يقل وما يبدل قولي، والأوّل أولى. وقيل: إن مفعول {قدّمت إليكم} هو ما {يبدّل} أي: وقد قدّمت إليكم هذا القول ملتبساً بالوعيد، وهذا بعيد جداً {وَمَا أَنَاْ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } أي: لا أعذبهم ظلماً بغير جرم اجترموه، ولا ذنب أذنبوه. ولما كان نفي الظلام لا يستلزم نفي مجرّد الظلم قيل: إنه هنا بمعنى: الظالم، كالثمار بمعنى الثامر. وقيل: إن صيغة المبالغة لتأكيد هذا المعنى بإبراز ما ذكر من التعذيب بغير ذنب في معرض المبالغة في الظلم. وقيل: صيغة المبالغة لرعاية جمعية العبيد من قولهم فلان ظالم لعبده، وظلام لعبيده، وقيل غير ذلك، وقد تقدّم الكلام على هذا في سورة آل عمران، وفي سورة الحج. {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ } قرأ الجمهور {نقول} بالنون، وقرأ نافع وأبو بكر بالياء، وقرأ الحسن: (أقول). وقرأ الأعمش: (يقال)، والعامل في الظرف {مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَىَّ }، أو محذوف أي: اذكر، أو أنذرهم، وهذا الكلام على طريقة التمثيل والتخييل، ولا سؤال ولا جواب، كذا قيل، والأولى أنه على طريقة التحقيق، ولا يمنع من ذلك عقل ولا شرع. قال الواحدي: قال المفسرون: أراها الله تصديق قوله: {أية : لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ }تفسير : [هود: 119] فلما امتلأت قال لها: {هَلِ ٱمْتَلأتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ } أي: قد امتلأت ولم يبق في موضع لم يمتلىء، وبهذا قال عطاء، ومجاهد، ومقاتل بن سليمان. وقيل: إن هذا الاستفهام بمعنى الاستزادة، أي: إنها تطلب الزيادة على من قد صار فيها. وقيل: إن المعنى أنها طلبت أن يزاد في سعتها؛ لتضايقها بأهلها، والمزيد إما مصدر كالمحيد، أو اسم مفعول كالمنيع، فالأول بمعنى هل من زيادة؟ والثاني بمعنى هل من شيء تزيدونيه؟ ثم لما فرغ من بيان حال الكافرين شرع في بيان حال المؤمنين، فقال: {وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ } أي: قربت للمتقين تقريباً غير بعيد، أو مكان غير بعيد منهم بحيث يشاهدونها في الموقف، وينظرون ما فيها مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ويجوز أن يكون انتصاب {غَيْرَ بَعِيدٍ } على الحال. وقيل المعنى: أنها زينت قلوبهم في الدنيا بالترغيب والترهيب، فصارت قريبة من قلوبهم، والأوّل أولى. والإشارة بقوله: {هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ } إلى الجنة التي أزلفت لهم على معنى: هذا الذي ترونه من فنون نعيمها ما توعدون، والجملة بتقدير القول، أي: ويقال لهم: هذا ما توعدون. قرأ الجمهور {توعدون} بالفوقية، وقرأ ابن كثير بالتحتية {لِكُلّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ } هو بدل من {للمتقين} بإعادة الخافض، أو متعلق بقول محذوف هو حال، أي: مقولاً لهم لكل أوّاب، والأوّاب: الرجاع إلى الله تعالى بالتوبة عن المعصية، وقيل: هو المسبح، وقيل: هو الذاكر لله في الخلوة. قال الشعبي، ومجاهد: هو الذي يذكر ذنوبه في الخلوة، فيستغفر الله منها. وقال عبيد بن عمير: هو الذي لا يجلس مجلساً حتى يستغفر الله فيه، والحفيظ: هو الحافظ لذنوبه حتى يتوب منها. وقال قتادة: هو الحافظ لما استودعه الله من حقه ونعمته، قاله مجاهد. وقيل: هو الحافظ لأمر الله. وقال الضحاك: هو الحافظ لوصية الله له بالقبول. {مَّنْ خَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ } الموصول في محل جر بدلاً، أو بياناً {لكل أوّاب} وقيل: يجوز أن يكون بدلاً بعد بدل من المتقين، وفيه نظر؛ لأنه لا يتكرر البدل والمبدل منه واحد، ويجوز أن يكون في محل رفع على الاستئناف، والخبر {ادخلوها} بتقدير: يقال لهم: ادخلوها، والخشية بالغيب: أن يخاف الله ولم يكن رآه. وقال الضحاك، والسديّ: يعني: في الخلوة حيث لا يراه أحد. قال الحسن: إذا أرخى الستر وأغلق الباب، و{بالغيب} متعلق بمحذوف هو حال، أو صفة لمصدر {خشي} {وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ } أي: راجع إلى الله مخلص لطاعته، وقيل: المنيب: المقبل على الطاعة، وقيل: السليم {ٱدْخُلُوهَا } هو بتقدير القول، أي: يقال لهم: ادخلوها، والجمع باعتبار معنى "من" أي: ادخلوا الجنة {بِسَلامٍ } أي: بسلامة من العذاب. وقيل: بسلام من الله وملائكته، وقيل: بسلامة من زوال النعم، وهو متعلق بمحذوف هو حال، أي: ملتبسين بسلام، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى زمن ذلك اليوم، كما قال أبو البقاء، وخبره {يَوْمُ ٱلُخُلُودِ } وسماه يوم الخلود لأنه لا انتهاء له، بل هو دائم أبداً {لَهُم مَّا يَشَاءونَ فِيهَا } أي: في الجنة ما تشتهي أنفسهم، وتلذ أعينهم من فنون النعم وأنواع الخير {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } من النعم التي لم تخطر لهم على بال، ولا مرّت لهم في خيال. وقد أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «نزل الله من ابن آدم أربع منازل: هو أقرب إليه من حبل الوريد، وهو يحول بين المرء وقلبه، وهو آخذ بناصية كل دابة، وهو معهم أينما كانوا». وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ } قال: عروق العنق. وأخرج ابن المنذر عنه قال: هو نياط القلب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضاً، في قوله: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } قال: يكتب كل ما تكلم به من خير أو شرّ حتى إنه ليكتب قوله: أكلت، شربت، ذهبت، جئت، رأيت، حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله فأقرّ منه ما كان من خير أو شرّ وألقى سائره، فذلك قوله: {أية : يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ } تفسير : [الرعد: 39]. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس في الآية قال: إنما يكتب الخير والشرّ، لا يكتب يا غلام اسرج الفرس، يا غلام اسقني الماء. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن الله غفر لهذه الأمة ما حدّثت به أنفسها ما لم تعمل، أو تكلم»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد في الزهد، والحكيم الترمذي، وأبو نعيم، والبيهقي في الشعب عن عمرو بن ذرّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله عند لسان كل قائل، فليتق الله عبد، ولينظر ما يقول»تفسير : . وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن عباس مرفوعاً مثله. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم في الكنى، وابن مردويه، والبيهقي في البعث، وابن عساكر عن عثمان بن عفان أنه قرأ {وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ } قال: سائق يسوقها إلى أمر الله، وشهيد يشهد عليها بما عملت. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم في الكنى، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن أبي هريرة في الآية قال: السائق: الملك، والشهيد: العمل. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: السائق من الملائكة، والشهيد شاهد عليه من نفسه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه {لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍ مّنْ هَـٰذَا } قال: هو الكافر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضاً {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ } قال: الحياة بعد الموت. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً، و {قَالَ قرِينُهُ } قال: شيطانه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم في قوله: {لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ } قال: إنهم اعتذروا بغير عذر، فأبطل الله حجتهم، وردّ عليهم قولهم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً. في قوله: {وَمَا أَنَاْ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } قال: ما أنا بمعذّب من لم يجترم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً. في قوله: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ } قال: وهل فيّ من مكان يزاد فيّ؟ وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تزال جهنم يلقى فيها، وتقول: هل من مزيد حتى يضع ربّ العزّة فيها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط، وعزّتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشىء الله لها خلقاً آخر، فيسكنهم في فضول الجنة»تفسير : . وأخرجا أيضاً من حديث أبي هريرة نحوه، وفي الباب أحاديث. وأخرج ابن جرير، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله: {لِكُلّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ } قال: حفظ ذنوبه حتى رجع عنها. وأخرج البزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في البعث والنشور عن أنس، في قوله: {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } قال: يتجلى لهم الربّ تبارك وتعالى في كل جمعة. وأخرج البيهقي في الرؤية، والديلمي عن عليّ في الآية قال: يتجلى لهم الربّ عزّ وجلّ، وفي الباب أحاديث.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} الوسوسة كثرة حديث النفس بما لا يتحصل في حفاء وإسرار، ومنه قول رؤبة: شعر : وسوس يدعو مخلصاً رب الفلق .......................... تفسير : {وَنَحْنُ أَقْرَبٌ إِلَيهِ مِن حَبْلِ الْوَرِيدِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه حبل معلق به القلب، قاله الحسن. والأصم وهو الوتين. الثاني: أنه عرق في الحلق، قاله أبو عبيدة. الثالث: ما قاله ابن عباس، عرق العنق ويسمى حبل العاتق، وهما وريدان عن يمين وشمال، وسمي وريداً، لأنه العرق الذي ينصب إليه ما يرد من الرأس. وفي قوله {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِن حَبْلِ الْوَرِيدِ} تأويلان: أحدهما: ونحن أقرب إليه من حبل وريده الذي هو منه. الثاني: ونحن أملك به من حبل وريده، مع استيلائه عليه. ويحتمل ثالثاً: ونحن أعلم بما توسوس به نفسه من حبل وريده، الذي هو من نفسه، لأنه عرق يخالط القلب، فعلم الرب أقرب إليه من علم القلب. قوله عز وجل: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ..} الآية. قال الحسن ومجاهد وقتادة: المتلقيان ملكان يتلقيان عملك، أحدهما عن يمينك، يكتب حسناتك، والآخر عن شمالك يكتب سيئاتك. قال الحسن: حتى إذا مت طويت صحيفة عملك وقيل لك يوم القيامة: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك. وفي {قَعِيدٌ} وجهان: أحدهما: أنه القاعدة، قاله المفضل. الثاني: المرصد الحافظ، قاله مجاهد. وهو مأخوذ من القعود. قال الحسن: الحفظة أربعة: ملكان بالنهار وملكان بالليل. قوله عز وجل: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ} أي ما يتكلم بشيء، مأخوذ من لفظ الطعام، وهو إخراجه من الفم. {إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه المتتبع للأمور. الثاني: أنه الحافظ، قاله السدي. الثالث: أنه الشاهد، قاله الضحاك. وفي {عَتِيدٌ} وجهان: أحدهما: أنه الحاضر الذي لا يغيب. الثاني: أنه الحافظ المعد إما للحفظ وإما للشهادة. قوله عز وجل: {وَجَآءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} يحتمل وجهين: أحدهما: ما يراه عند المعاينة من ظهور الحق فيما كان الله قد أوعده. الثاني: أن يكون الحق هو الموت، سمي حقاً، إما لاسحقاقه، وإما لانتقاله إلى دار الحق. فعلى هذا يكون في الكلام تقديم وتأخير. وتقديره: وجاءت سكرة الحق بالموت، ووجدتها في قراءة ابن مسعود كذلك. {ذلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} يحتمل وجهين: أحدهما: أنه كان يحيد من الموت، فجاءه الموت. الثاني: أنه يحيد من الحق، فجاءه الحق عند المعاينة. وفي معنى التحيد وجهان: أحدهما: أنه الفرار، قاله الضحاك. (الثاني): العدول، قاله السدي. ومنه قول الشاعر: شعر : ولقد قلت حين لم يك عنه لي ولا للرجال عنه محيد تفسير : فروى عاصم بن أبي بهدلة، عن أبي وائل، أن عائشة قالت عند أبيها وهو يقضي: شعر : لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً، وضاق بها الصدر تفسير : فقال أبو بكر: "هلا قلت كما قال الله]:وَجَآءَتْ سَكْرَتُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ}. قوله عز وجل: {وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ} أما السائق ففيه قولان: أحدهما: أنه ملك يسوقه إلى المحشر، قاله أبو هريرة وابن زيد. الثاني: أنه أمر من الله يسوقه إلى موضع الحساب، قاله الضحاك. وأما الشهيد ففيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه ملك يشهد عليه بعمله، وهذا قول عثمان بن عفان والحسن. الثاني: أنه الإنسان، يشهد على نفسه بعمله، رواه أبو صالح. الثالث: أنها الأيدي والأرجل تشهد عليه بعمله بنفسه، قاله أبو هريرة. ثم في الآية قولان: أحدهما: أنها عامة في المسلم والكافر، وهو قول الجمهور. الثاني: أنها خاصة في الكافر، قاله الضحاك. قوله عز وجل:{لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّن هَذَا} فيه وجهان: أحدهما أنه الكافر، كان في غفلة من عواقب كفره، قاله ابن عباس. الثاني: أنه النبي صلى الله عليه وسلم، كان في غفلة عن الرسالة مع قريش في جاهليتهم، قاله عبد الرحمن بن زيد. ويحتمل ثالثاً: لقد كنت أيها الإنسان في غفلة عن أن كل نفس معها سائق وشهيد لأن هذا لا يعرف إلا بالنصوص الإلهية. {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ} فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه إذا كان في بطن أمه فولد، قاله السدي. الثاني: إذا كان في القبر فنشر، وهذا معنى قول ابن عباس. الثالث: أنه وقت العرض في القيامة، قاله مجاهد. الرابع: أنه نزول الوحي وتحمل الرسالة، وهذا معنى قول ابن زيد. {فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} وفي المراد بالبصر هنا وجهان: أحدهما: بصيرة القلب لأنه يبصر بها من شواهد الأفكار، ونتائج الاعتبار ما تبصر العين ما قابلها من قبلها من الأشخاص والأجسام، فعلى هذا في قوله: {حَدِيدٌ} تأويلان: أحدهما: سريع كسرعة مور الحديد. الثاني: صحيح كصحة قطع الحديد. الوجه الثاني: أن المراد به بصر العين وهو الظاهر، فعلى هذا في قوله: {حَدِيدٌ} تأويلان: أحدهما: شديد، قاله الضحاك. الثاني: بصير، قاله ابن عباس. وماذا يدرك البصر؟ فيه خمسة أوجه: أحدها: يعاين الآخرة، قاله قتادة. الثاني: لسان الميزان، قاله الضحاك. الثالث: ما يصير إليه من ثواب أو عقاب، وهو معنى قول ابن عباس. الرابع: ما أمر به من طاعة وحذره من معصية، وهو معنى قول ابن زيد. الخامس: العمل الذي كان يعمله في الدنيا، قاله الحسن.

ابن عطية

تفسير : هذه آيات فيها إقامة حجج على الكفار في إنكارهم البعث والجزاء. والخلق: إنشاء الشيء على ترتيب وتقدير حكمي. و: {الإنسان} اسم الجنس. قال بعض المفسرين {الإنسان} هنا آدم عليه السلام و {توسوس} معناه: تتحدث في فكرتها، وسمي صوت الحلي وسواساً لخفائه، والوسوسة إنما تستعمل في غير الخير، وقوله تعالى: {نحن أقرب إليه من حبل الوريد} عبارة عن قدرة الله على العبد، وكون العبد في قبضة القدرة، والعلم قد أحيط به، فالقرب هو بالقدرة والسلطان، إذ لا ينحجب عن علم الله باطن ولا ظاهر، وكل قريب من الأجرام فبينه وبين قلب الإنسان حجب. و: {الوريد} عرق كبير في العنق، يقال: إنهما وريدان عن يمين وشمال. قال الفراء: هو ما بين الحلقوم والعلباوين وقال الحسن: {الوريد} الوتين. قال الأثرم: هو نهر الجسد هو في القلب الوتين، وفي الظهر الأبهر، وفي الذراع والفخذ: الأكحل والنسا وفي الخنصر: إلا سليم، "والحبل": اسم مشترك فخصصه بالإضافة إلى {الوريد}، وليس هذا بإضافة الشيء إلى نفسه بل هي كإضافة الجنس إلى نوعه كما تقول: لا يجوز حي الطير بلحمه. وأما قوله تعالى: {إذ يتلقى المتلقيان} فقال المفسرون العامل في: {إذ}، {أقرب}، ويحتمل عندي أن يكون العامل فيه فعلاً مضمراً تقديره: اذكر {إذ يتلقى المتلقيان}،ويحسن هذا المعنى، لأنه أخبر خبراً مجرداً بالخلق والعلم بخطرات الأنفس والقرب بالقدرة والملك، فلما تم الإخبار، أخبر بذكر الأحوال التي تصدق هذا الخبر وتبين وروده عند السامع، فمنها {إذ يتلقى المتلقيان}، ومنها مجيء سكرة الموت، ومنها النفخ في الصور ومنها مجيء كل نفس، و {المتلقيان}: الملكان الموكلان بكل إنسان: ملك اليمين الذي يكتب الحسنات، وملك الشمال الذي يكتب السيئات. قال الحسن: الحفظة: أربعة، اثنان بالنهار واثنان بالليل. قال القاضي أبو محمد: ويؤيد ذلك الحديث، "حديث : يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" تفسير : الحديث بكامله. ويروى أن ملك اليمين أمير على ملك الشمال، وأن العبد إذا أذنب يقول ملك اليمين للآخر تثبت لعله يتوب رواه إبراهيم التيمي وسفيان الثوري. و {قعيد} معناه: قاعد، وقال قوم هو بمنزلة أكيل، فهو بمعنى مقاعد وقال الكوفيون: أراد قعوداً فجعل الواحد موضع الجنس، والأول أصوب لأن المقاعد إنما يكون مع قعود الإنسان، وقال مجاهد: {قعيد}: رصد ومذهب سيبويه أن التقدير عن اليمين قعيد، فاكتفى بذكر الآخر عن ذكر الأول ومثله عنده قول الشاعر [كثير عزة]: [الطويل] شعر : وعزة ممطول معنّى غريمها تفسير : ومثله قول الفرزدق: [الكامل] شعر : إني ضمنت لمن أتاني ما جنى وأبى وكان وكنت غير غدور تفسير : وهذه الأمثلة كثيرة، ومذهب المبرد: أن التقدير عن اليمين {قعيد} وعن الشمال فأخر {قعيد} عن مكانه ومذهب الفراء أن لفظ {قعيد} يدل على الاثنين والجمع فلا يحتاج إلى تقدير غير الظاهر وقوله تعالى: {ما يلفظ من قول} قال الحسن بن أبي الحسن وقتادة: يكتب الملكان الكلام فيثبت الله من ذلك الحسنات، والسيئات، ويمحو غير ذلك، وهذا هو ظاهر الآية، قال أبو الجوزاء ومجاهد: يكتبان عليه كل شيء حتى أنينه في مرضه، وقال عكرمة: المعنى: {ما يلفظ من قول} خير أو شر، وأما ما خرج من هذا فإنه لا يكتب والأول أصوب، وروي أن رجلاً قال لجمله: حل، فقال ملك اليمين لا أكتبها، وقال ملك الشمال لا أكتبها، فأوحى الله إلى ملك الشمال أن اكتب ما ترك ملك اليمين، وروي نحوه عن هشام الحمصي وهذه اللفظة إذا اعتبرت فهي بحسب مشيه ببعيره، فإن كان في طاعة فحل حسنة، وإن كان في معصية فهي سيئة والمتوسط بين هذين عسير الوجود ولا بد أن يقترن بكل أحوال المرء قرائن تخلصها للخير أو لخلافه. وحكى الثعلبي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن مقعد الملكين على الثنيتين، قلمهما اللسان، ومدادهما الريق" تفسير : وقال الضحاك والحسن: مقعدهما تحت الشعر، وكان الحسن يحب أن ينظف غفقته لذلك قال الحسن: حتى إذا مات طويت صحيفته وقيل له يوم القيامة: {أية : اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً} تفسير : [الإسراء: 14] عدل والله عليه من جعله حسيب نفسه. والرقيب: المراقب. والعتيد: الحاضر وقوله: {وجاءت} عطف عندي على قوله: {إذ يتلقى} فالتقدير: وإذ تجيء سكرة الموت، وجعل الماضي في موضع المستقبل تحقيقاً وتثبيتاً للأمر، وهذا أحث على الاستعداد واستشعار القرب، وهذه طريقة العرب في ذلك، ويبين هذا في قوله: {ونفخ في الصور} {وجاءت كل نفس} فإنها ضرورة بمعنى الاستقبال. وقرأ أبو عمرو: {وجاءت سكرة} بإدغام التاء في السين. و {سكرة الموت}: ما يعتري الإنسان عند نزاعه والناس فيها مختلفة أحوالهم، لكن لكل واحد سكرة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في نزاعه يقول: "حديث : إن للموت لسكرات ". تفسير : وقوله: {بالحق} معناه: بلقاء الله وفقد الحياة الدنيا. وفي مصحف عبد الله بن مسعود: "وجاءت سكرة الحق بالموت". وقرأها ابن جبير وطلحة، ويروى أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قالها كذلك لابنته عائشة وذلك أنها قعدت عند رأسه وهو ينازع فقالت: [الطويل] شعر : لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر تفسير : ففتح أبو بكر رضي الله عنه عينه فقال: لا تقولي هكذا، وقولي: "وجاءت سكرة الحق بالموت" {ذلك ما كنت منه تحيد}. وقد روي هذا الحديث على مشهور القراءة {وجاءت سكرة الموت بالحق} فقال أبو الفتح: إن شئت علقت الباء بـ {جاءت}، كما تقول: جئت بزيد، وإن شئت كانت بتقدير: ومعها الموت. واختلف المتأولون في معنى: "وجاءت سكرة الحق بالموت" فقال الطبري وحكاه الثعلبي: "الحق" الله تعالى، وفي إضافة السكرة إلى اسم الله تعالى بعد وإن كان ذلك سائغاً من حيث هي خلق له، ولكن فصاحة القرآن ورصفه لا يأتي فيه هذا. وقال بعض المتأولين المعنى: وجاءت سكرة فراق الحياة بالموت وفراق الحياة حق يعرفه الإنسان ويحيد منه بأمله. ومعنى هذا الحيد: أنه يقول: أعيش كذا وكذا، فمتى فكر في قرب الموت حاد بذهنه وأمله إلى مسافة بعيدة من الزمن، وأيضاً فحذر الموت وتحرزاته ونحو هذا حيد كله. وقد تقدم القول في النفخ في الصور مراراً. و: {يوم الوعيد} هو يوم القيامة وأضافه إلى الوعيد تخويفاً. وقوله تعالى: {وجاءت كل نفس معها} وقرأ طلحة بن مصرف: "محّها" بالحاء المثقلة. والسائق: الحاث على السير. واختلف الناس في السائق والشهيد، فقال عثمان بن عفان ومجاهد وغيره: ملكان موكلان بكل إنسان أحدهما يسوقه والآخر من حفظته يشهد عليه. وقال ابو هريرة: السائق ملك، والشهيد: العمل وقال منذر بن سعيد: السائق: الملك والشهيد: النبي صلى الله عليه وسلم، قال وقيل: الشهيد: الكتاب الذي يلقاه منشوراً. وقال بعض النظار: {سائق}، اسم جنس، و {شهيد} كذلك، فالساقة للناس ملائكة يوكلون بذلك، والشهداء: الحفظة في الدنيا وكل ما يشهد. وقال ابن عباس والضحاك: السائق ملك، والشهيد: جوارح الإنسان، وهذا يبعد على ابن عباس، لأن الجوارح إنما تشهد بالمعاصي. وقوله تعالى: {كل نفس} يعم الصالحين، فإنما معناه: وشهيد بخيره، وشره، ويقوى في: {شهيد} اسم الجنس، فتشهد بالخير الملائكة والبقاع، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يسمع مدى صوت المؤذن إنس ولا جن ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة"تفسير : . وكذلك يشهد بالشر الملائكة والبقاع والجوارح. وقال أبو هريرة: السائق: ملك، والشهيد: العمل. وقال ابن مسلم: السائق: شيطان. حكاه عنه الثعلبي والقول في كتاب منذر بن سعيد وهو ضعيف.

ابن عبد السلام

تفسير : {تُوَسْوِسُ} الوسوسة كثرة حديث النفس بما لا يتحصل في خفاء وإسرار {الْوَرِيدِ} حبل معلق به القلب وهو الوتين، أو عرق في الحلق عرق العنق وهو حبل العاتق وهما وريدان عن يمين وشمال سمي وريداً لأنه ينصب إليه ما يرد من الرأس {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ} من وريده الذي هو منه أو أملك به من حبل وريده مع استيلائه عليه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏نزل الله من ابن آدم أرفع المنازل هو أقرب إليه من حبل الوريد، وهو يحول بين المرء وقلبه، وهو آخذ بناصية كل دابة، وهو معهم أينما كانوا ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر عن جويبر رضي الله عنه قال‏:‏ سألت الضحاك عن قوله ‏{‏ونحن أقرب إليه من حبل الوريد‏} ‏ قال‏:‏ ليس شيء أقرب إلى ابن آدم من حبل الوريد والله أقرب إليه منه‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏من حبل الوريد‏}‏ قال‏:‏ عرق العنق‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏من حبل الوريد‏} ‏ قال‏:‏ نياط القلب وما حمل‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏من حبل الوريد‏} ‏ قال‏:‏ الذي في الحلق‏.‏

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} [الآية: 16]. قال أبو سعيد الخراز: هم قوم ساروا مع الله بلا سبب ولا طلب ولا هرب لأنه مدركهم وهو معهم يعلم ما فى ضمائرهم ويشهد حركات ظاهرهم ألم تسمع قوله سبحانه: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ..} الآية. قوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ}. قال الواسطى رحمة الله عليه: أى نحن أولى به وأحق لأنا جمعناه بعد الافتراق وأنشأناه بعد العدم ونفخنا فيه الروح فالأقرب إليه من هو أعلم به منه بنفسه. قال أيضاً فى هذه الآية: به عرفت نفسك وبه عرفت روحك كان ذلك إظهار النعوت على قدر طاقة الخلق فأما الحقيقة فلا يتحملها أحد سماعاً. قال بعضهم: القرب لعبد شاهد بقلبه قرب الله منه فتقرب إلى الله بطاعته وجمع همه بين يديه بدوام ذكره فى علانيته وسره.

القشيري

تفسير : نعلم ما توسوس به نَفْسُه من شهواتٍ تطلب استنفاذها، مثل التصنُّع مع الخَلْق، وسوءِ الخُلُق، والحقد.. وغير ذلك من آفات النَّفْس التي تُشَوِّش على القلب والوقت. {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ} فَحَبْلُ الوريد أقربُ أجزاءِ نَفْسِه إلى نَفْسِه، والمرادُ من ذلك العلم والقدرة، وأنه يسمع قولهم، ولا يشكل عليه شيءٌ من أمرهم. وفي هذه الآية هَيْبَةٌ وفَزَعٌ وخوفٌ لقومٍ، ورَوْحٌ وسكونٌ وأُنْسُ قلبٍ لقومٍ.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} اراد الله سبحانه ظهور نفسه لعشاقه فخلق أدم على ما كان فى علمه ثم اظهر منه ما غاب عن الوجود من نور غيبته وبيّن انه عالم بما يجرى فى سره وما يوسوس به نفسه وكيف يخفى عليه ما خلقه وهو مبدئه بجوده جلت عظتمه من ان يخفى عليه ذرة من العرش الى الثرى الا ترى اوّل الخطاب كيف قال ولقد خلقنا الانسان ذكر الخلق ليعلم المخاطب ان ما توسوس به نفسه ايضا هو مخلوقه وتحقيق الاشارة ودقائق الرمز بيان فيها نفسه هو فيظهر ما كان فى مكمن مقاديره الغيبية ولو يرى الانسان نفسه فيرى هو ان نفسه الا ترى كيف اخبر عن كمال قربه بنعت الاتحاد بقوله {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ} ولذلك قال سيد المرسيلن عليه الصلاة والسلام من عرف نفسه فقد عرف ربه اذ لا نفس الاهوان فهمت ما قلت والا فاعلم ان الفعل قائم بالصفة قائمة بالذات فمن حيث عين الجمع ما هو الا هو ولا تظن الحلول فانه بذاته وصفاته منزه عن ان يكون له محل فى الحوادث هذا رمز العاشقين الا ترى الى قول بحنون انا من اهوى انا نحن روحان حللنا بدنا فاذا ابصرتنى ابصرته وانا بصرته ابصرننا قال ابو سعيد الحراز فى قوله لوقد خلقنا الانسان هم قوم صاروا مع الله بلا سبب ولا طلب ولا هرب انه مدركهم وهو معهم يعلم ما فى ضمائرهم ويشهد حركات ظاهرهم الم تسمع الى قوله ولقد خلقنا الانسان ويعلم ما تسوسون به نفسه وقال الواسطى فى قوله ونحن اقرب اليه من جبل الوريد اى نحن اولى به واحق انا جمعناه بعد الافتراق وانشأناه بعد العدم ونفخنا فيه الروح فالاقرب اليه من هو اعلم به منه بنفسه وقال ايضا بى عرفت نفسك وعرفت روحك كل ذلك اظهار النعوت على قدر طاقة الخلق فامّا الحقيقة فلا يحتملها العبد سماعا.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد خلقنا الانسان ونعلم ماتوسوس به نفسه} اى ما تحدث به نفسه وهو مايخطر بالبال والوسوسة الصوت الخفى والخطرة الرديئة ومنه وساوس الحلى وبالفارسية وميدانيم آن جيزى راكه وسوسه ميكندمر اورابدان نفس اواز انديشهاى بد. والضمير لما أن جعلت موصولة والباء كما فى صوت بكذا وهمس به يعنى انها صلة او للانسان ان جعلت مصدرية والباء للتعدية اى ما تجعله موسوسا فان النفس تجعل الانسان قائما به الوسوسة قال فى الكشاف ما مصدرية لانهم يقولون حدث نفسه بكذا كما يقولون حدثته به نفسه وفيه اشارة الى ان الله تعالى كما يعلم حال الانسان قبل خلقه علما ثبوتيا كذلك يعلمه بعد خلقه علما فعليا ودخل فيه ماتوسوس به نفسه فانه مخلوق الله ايضا لايخفى عليه مخلوقه مطلقا ذلك من اوصاف النفس توسوس بذلك لتشوش عليه قلبه ووقته وفيه دخل آدم عليه السلام فان الله تعالى خلقه وعلم ماوسوست به نفسه فى اكل الشجرة وذلك بالقاء الشيطان قال بعض الكبار ليس للشيطان على باطن الانبياء من سبيل فخواطرهم لاحظ للشيطان فيها فهو يأتيهم فى ظاهر الحس فقط ولا يعملون بما يقول لهم ثم ان من الاولياء من يحفظ من الشيطان فى علم الله تعالى فيكون بهذه المثابة فى العصمة مما يلقى لافى العصمة من وصول ذلك الى قلبه لان الاولياء ليسوا بمشرعين بخلاف الانبياء عصمت بواطنهم لكونهم اصحاب الشرائع قال بعض الكبار مامن شخص من بنى آدمه الا ويخطر له كل يوم وليلة سبعون ألف خاطر لاتزيد ولا تنقص عدد الملائكة الذين يدخلون البيت المعمور كل يوم فما شخص الا ويخلق من خواطره كل يوم سبعون ألف ملك ثم يرتفعون الى جهة البيت المعمور فاذا خرج السبعون ألفا من البيت المعمور كل يوم يجتمعون بالملائكة المخلوقين من الخواطر فيكون ذكرهم استغفارا لاصحابهم الى يوم القيامة ولكن من كان قلبه معمورا بذكر الله دآئما فالملائكة المخولقين من خواطره يمتازون عن الملائكة الذين خلقوا من خواطر قلب ليس له هذا المقام وسوآء كان الخاطر فيما ينبغى اوفيما لاينبغى فالقلوب كلها من هذا البيت المعمور خلقت فلا تزال معمورة دآئما وكل ملك يتكون من الخاطر يكون صورة صالحة فى علم الله لما نظر وان كان هو نفسه ملكا سبح وقد لايعلم ماخطر {ونحن أقرب اليه} اى الى الانسان {من حبل الوريد} ازرك جان وى بوى. اى اعلم بحاله ممن كان اقرب اليه من حبل الوريد وعبر عن قرب العلم بقرب الذات تجوز الا انه موجب له فاطلق الملزوم على اللازم وحبل الوريد مثل فى فرط القرب كقولهم هو منى بمعقد الازار والحبل العرق شبه بواحد من الحبال من حيث الهيئة واضافته بيانية وجوز الزمخشرى كونها بمعنى اللام ويجوز أن تكون كأضافة لجين الماء على ان يكون الحبل على حقيقته والوريدان عرقان مكتنفان لصفحتى العنق فى مقدمها متصلان بالوتين وهوعرق فى القلب اذا انقطع مات صاحبه يردان من الرأس اليه فالوريد بمعنى الوارد وقيل سمى وريد الان الروح الحيوانى يرده فالوريد حينئذ بمعنى المورود وفى المفردات الوريد عرق متصل بالكبد والقلب وفيه مجارى الروح وقوله ونحن أقرب ا ليه من حبل الوريد أى من روحه انتهى. ماوردى فرموده كه حبل الوريد ركيست متصل بدل وعلم خداى تعالى ببنده نزديكتر نيست از علم دل وى. وفى التأويلات النجمية حبل الوريد أقرب اجزاء نفسه الى نفسه يشير به الى انه تعالى اقرب الى العبد من نفس العبد الى العبد فكما انه كل وقت يطلب نفسه يجدها لانها قريب منه فكذلك كل وقت يطلب ربه يجده لانه قريب منه كما قال تعالى {أية : واذاسألك عبادى عنى فانى قريب}تفسير : وفى الزبور ألا من طلبنى وجدنى شعر : نحن أقرب كفت من حبل الوريد توبكندى بئر فكر را بعيد اى كمان تيرها برسخاته در كنار من ومن مهجورم تفسير : و(قال الشيخ سعدى) شعر : دوست نزديكثر ازمن بمنست وين عجيتركه من ازوى دورم جكنم با كه توان كفت كه او درك كنار من ومن مهجرم تفسير : قال بعض الكبار شدة القرب حجاب كما ان غاية البعد حجاب و اذا كان الحق أقرب الينا من حبل الوريد فأين السبعون ألف حجاب التى بيننا وبينه فتأمل وقال البقلى ولو يرى الانسان نفسه لرأى هو ان نفسه ألا ترى كيف أخبر عن كمال قربه بنعت الاتحاد بقوله ونحن أقرب اليه من حبل الوريد ولذلك قال عليه السلام "حديث : من عرف نفسه فقد عرف ربه"تفسير : اذ لانفس الاهوان فهمت ماقلت والا فاعلم ان الفعل قائم بالصفة والصفة قائمة بالذات فمن حيث عين الجمع ماهو الا هو ولا تظن الحلول فانه بذاته وصفاته منزه عن أن يكن له محل فى الحوادث هذا رمز العاشقين ألا ترى الى قول المجنون شعر : انا من أهوى ومن أهوى انا نحن روحان حللنا بدنا فاذا أبصر تنى أبصرته واذا أبصرته أبصرتنا تفسير : وقال الواسطى اى نحن اولى به وأحق أنا جمعناه بعد الافتراق وانشأناه بعد العدم ونفخنا فيه الروح فالاقرب اليه من هو أعلم به منه بنفسه وقال ايضا بى عرفت روحك بى عرفت نفسك كل ذلك لاظهار النعوت على قدر طاقة الخلق فاما الحقيقة فلا يتحملها العبد سماعا (وقال الكاشفى) وببايد دانست كه قرب حق تعالى بى جون وجكونه باشد اى عزيز كيفيت قرب حانرا كه بيوشته است بتن درمنى توان يافت قرب حق را كه بيوسته از كيفيت مقدس ومنزه است جكونه ادراك توان كرد وهمين مثنوى معنوى مذكوراست شعر : قرب بجونست جانترابتو قرب حق راجون بدانى اى عمو قرب نى بالاويستى رفتن است قرب حق از حبس هستى رستن است تفسير : در كشفت الاسار آورده كه قرب حق بحق آنست كه فرمود واسجد واقترب ودراحاديث قدسية واردست كه لايزال العبد يتقرب الى بالنواقل واين قرب اول بايمانست وتصديق وآخر باحسانست وتحقيق يعنى مقام مشاهدة كه أن تعبد الله كأنك تراه وقرب حق تعالىمربنده را دوقسمست بكى كافه خلق رابعلم وقدرت كقوله وهو معكم اينما كنتم ديكر خواص دوكاه را بخصائص برو شواهد لطف كه ونحن أقرب اليه اول اورا قربتى دهد غيبى تا ازجهانش برهانديش قرب بحد حقيقى تا ازآب وكلش باز بر داز هستىء موهوم بنده مى كاهد وازنيستىء اصلى زياده ظهور ميكند ناجناندجه در اول خود بود در آخر خود باشد انجا علايق مرتفع كردد واسباب منقطع ورسوم باطل وحدود متلاشى واشارت متناهى وعبارات منتفى وخبر منمحق وحق يكتا بخود باقى والله خير وأبقى شعر : رأيت حبى بعين قلبى فقال من أنت قلت أنتا انا الذى جزت كل حد بمحو أينى فأين أنتا موجح بحر لمن الملك برايد ناكاه غرقة كردنددران بحرجه درويش وجه شاه خرمن هستىء موهوم جنان سوازند آتش عشق كه نه دانه بماند نه كاه تفسير : قال ابو يزيد البسطامى قدس سره انسلخت من نفسى كما تنسلخ الحية من جلدها فنظرت فاذا انا هو اى ان من انسلخ من شهوات نفسه وهواها وهمها فلا يبقى فيه متسع لغير الله ولا يكون له هم سوى الله تعالى واذا لم يحل فى القلب الا جلال الله وجماله حتى صار مستغرقا يصير كأنه هو لا انه تحقيقا وفرق بين قولنا كأنه هو وبين قولنا هو هولكن قد يعبر بهو هو عن قولنا كأنه هو كما يقال زيد أسد فى مقام التشبيه مبالغة فى الشجاعة فان قلت مامعنى السلوك ومامعنى الوصول قلت معنى السلوك هو تهذيب الاخلاق والاعمال والمعارف وذلك اشتغال بعمارة الظاهر والباطن والعبد فى جميع ذلك مشغول بنفسه عن ربه الا انه مشتغل بتصفية باطنه ليستعد للوصول وانما الوصول هو ان ينكشف له جلية الحق ويصير مستغرقا به فان نظر الى معرفته فلا يعرف الا الله وان نظر الى همه فلاهم له سواه فيكون كله مشغولا بكله مشاهدة وهما لا يلتفت فى ذلك الى نفسه ليعمر ظاهره بالعبادة وباطنه بتهذيب الاخلاق و كل ذلك طهارة وهى البدآئة وانما النهاية أن ينسلخ عن نفسه بالكلية ويتجرد له فيكون كأنه هو وذلك هو الوصول كما فى شرح الاسماء الحسنى للامام الغزالى رحمه الله

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ولقد خلقنا الإِنسانَ ونعلمُ ما تُوسْوسُ به نفسُه} أي: ما تُحدِّثه نفسُه ويهجس في ضميره من خير وشر. والوسوسة: الصوت الخفي، ووسوسة النفس: ما يخطر بالبال. والضمير في "به" لـ"ما" إن جعلتها موصولةً، والباء كما في: صَوَّت بكذا، أو: للإنسان، إن جعلتها مصدرية. والباء حينئذ للتعددية. {ونحن أقربُ إِليه} أي: أعلم بحاله مما كان أقرب إليه {مِن حبل الوريد} والحبل: العرق، وإضافته بيانية والوريدان: عرقان مكتفان بصفحتي العنق في مقدمه متصلان بالوتين، والوتين: عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه. قاله في القاموس، يَرِدان من الرأس إليه، وقيل: سُمي وريد؛ لأن الماء يرده. {إِذ يتلقَّى المتلقيان} أي: الملكان الحافظان لأعمال العبد. والظرف: منصوب بما في "أقرب" من معنى الفعل، أي: يتقرب إذ يتلقى. والمعنى: أنه تعالى لطيف يتوصل علمُه إلى ما لا شيء أخفى منه، وهو أقرب للإنسان من كل قريب، حين يتلقى الحافظان ما يُتلفظ به، وفيه إيذان بأنه تعالى غنيٌّ عن استحفاظها؛ لإحاطة علمه بما يخفى عليهم، وإنما ذلك لما في كتبهما وحفظهما لأعمال العباد، وعرض صحائفها يوم يقوم الأشهاد، وعلم العبد بذلك مع علمه بإحاطته بتفاصيل أحواله من زيادة لطف به في الكف عن السيئات، والرغبة في الحسنات. ثم ذكر مكانهما بقوله: {عن اليمين وعن الشمال قَعِيدٌ} أي: عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد، وحذف الأول لدلالة الثاني عليه. وقعيد: بمعنى مقاعد، كالجليس بمعنى المجالس، أو: بمعنى قاعد، كالسميع والعليم. وعنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن مقعد ملَكيْك على ثَنِيَّتِيك، ولسانك قلمهما، وريقك مدادُهما، وأنت تجري فيما لا يعنيك لا تستحي من الله ولا منهما!"تفسير : وقال الضحاك: مجلسهما تحت الثغر من الحَنَك، ورواه عن الحسن، وكان يُعجبه أن ينظف عنفقته. {ما يلفظ مِن قولٍ} أي: ما يتكلم به وما يَرْمي به من فِيه {إِلا لديه رقيبٌ} حافظ {عتيدٌ} حاضر لازم، أو معد مهيأ لكتابة ما أمر به من الخير والشر، وقال أبو أمامة عنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : كاتب الحسنات عن يمين الرجل وكاتب السيئات عن يساره، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنةً كتبها صاحبُ اليمين عشراً، وإذا عمل سيئة قال صاحبُ اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات، لعله يُسبِّح أو يستغفِر ". تفسير : قال الحسن: إنّ الملكين يجتنبان العبد عند غائطه، وعند جماعه، ويكتبان عليه كل شيء، حتى أنينه في مرضه. وقال عكرمة: لا يكتبان عليه إلا ما يؤجر عليه أو يؤزر. وعنه عليه السلام:"حديث : ما من حافظين يرفعان إلى الله ما حفظا، فيرى الله تعالى في أول الصحيفة خيراً وفي آخرها خيراً، إلا قال للملائكة: اشهدوا أني قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة"تفسير : . والحفظة أربعة: اثنان بالليل، واثنان بالنهار، فإذا مات العبد قاموا على قبره يُكبران ويُهللان ويُكتب ذلك للعبد المؤمن. ولمَّا ذكر إنكارهم للبعث، واحتج عليهم بعموم قدرته وعِلمه، أعلمهم أن ما أنكروه هم لاقوه بعد الموت، ونبّه على اقتراب ذلك بأن عبّر عنه بلفظ الماضي فقال: {وجاءت سكرةُ الموت بالحق..} الخ. وقال ابن عطية: هو عندي عطف على "إذ يتلقى" والتقدير: وإذ تجيءُ سكرة الموت، يعني فهو كقوله:{أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ}تفسير : [الواقعة: 85] الآية. هـ. وحاصل الآية حينئذ: ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ظاهره وباطنه، ونحن أقربُ إليه في جميع أحواله، في حياته، ووقت مجيء سكرة الموت، أي: شدته الذاهبة بالعقل، ملتبسة {بالحق} أي: بحقيقة الأمر، وجلاء الحال، من سعادة الميت أو شقاوته، {ذلك ما كنتَ منه تحيدُ} أي: تنفر وتهرب وتميل عنه طبعاً. والإشارة إلى الموت. والخطاب للإنسان في قوله: {ولقد خلقنا الإنسان} على طريقة الالتفات. {ونُفخ في الصور} نفخة العبث {ذلك يومُ الوعيد} أي: وقت ذلك النفخ هو يوم الوعيد، أي: يوم إنجاز الوعد ووقوع الوعيد. وتخصيص الوعيد بالذكر؛ لتهويله، ولذلك بدأ ببيان حال الكفرة بقوله: {وجاءت كُلُّ نَفْسٍ} من النفوس البرّة والفاجرة {معها سائق وشهيد} أي: ملكان، أحدهما يسوقه إلى المحشر، والآخر يشهد عليه بعمله. قيل: السائق: كاتب الحسنات، والشاهد: كاتب السيئات، ويقال لها: {لقد كنتَ في غفلة من هذا} النازل بك اليوم، {فكشفنا عنك غِطاءك} فأزلنا غفلتك، وهو الوقوف مع المحسوسات والإلْف، والانهماك في الحظوظ، وقصر النظر عليها، فشاهدت اليومَ ما كنتَ غافلاً عنه {فبصرُكَ اليومَ حديدٌ} نافذة؛ لزوال المانع. جعلت الغفلة كأنها غطاء غطّى به جسده، أو غشاوة غطّى بها عينيه فهو لا يبصر شيئاً، فإذا كان يوم القيامة سقط، وزالت عنه الغفلة، وكشف غطاؤه، فبصر ما يبصره من الحق، ورجح بصره الكليل حديداً، لتيقُّظه حين لم ينفع التيفظ. وبالله التوفيق. الإشارة: هذه الآية وأشباهها أصل في مقام المراقبة القلبية، فينبغي للعبد أن يستحيي من الله أن يُحدِّث في نفسه بشيء يتسحيي أن يظهره، يعني الاسترسال معه، وإلا فالخواطر العارضة لا قدرة على دفعها. قال القشيري: {ما توسوس به نفسُه} من شهوة تطلب استيفاءها، أو تصنُّع مع الخَلْق، أو سوء خُلُق، أو اعتقاد فاسد، أو غير ذلك من أوصاف النفس، توسوس بذلك لتشَوِّش عليه قلبه ووقته، وكيف لا نعلم ذلك وكُلُّ ذلك مما خلقناه وقدرناه. هـ. وقوله تعالى: {ونحن أقربُ إليه من حبل الوريد} أي: أنا أقرب إلى كل أحد من عروق قلبه، وهذا لأن قيام الفعل بالصفات، والصفات لا تُفارق الذات، فالقرب بالعلم والقدرة، وتستلزم القرب الذات، وقرب الحق من خلقه هو قرب المعاني من الأواني، إذ هي كليتها وقائمة بها، فافهم. قال القشيري: وفي هذه الآية هَيْبَةٌ وفَزَعٌ لقوم، ورَوْحٌ وأُنْسٌ وسُكونُ قلبٍ لقوم. هـ. وقوله تعالى: {إذ يَتَلقى المتقليان...} الخ، كأنّه تعالى يقول: مَن لم يعرف قدر قُربي منه، بأن يَعده وهمُه وجهلُه، فإني أوكل عليه رقيبين يحفظان أعماله لعله ينزجر. وقوله تعالى: {ما يلفظ من قول...} الخ، وأما عمل القلوب فاختص الله تعالى بعلمها، وهي محض الإخلاص. قال بعضهم: الإخلاص: إخفاء العمل بحيث لم يطلع عليه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيُفسده، فالعارفون جُلّ أعمالهم قلبية، نظرة أو فكرة. رُوي أن بعض العارفين قال له حفظتُه: يا سيدي أظهر لنا شيئاً من أعمالك نفرح به عند الله، فقال لهم: يكفيكم الصلوات الخمس. هـ. قال القشيري: وفيه أيضاً إشارة إلى كمال عنايته في حق عباده، إذ جعل على كل واحد رقيبين من الملائكة ليحفظوه بالليل والنهار، إذا كان قاعداً فواحد عن يمينه وواحد عن شماله، وإذا قام فواحد عند رأسه، وواحدٌ عند قَدَمِه، وإذا كان ماشياً فواحدٌ بين يديه وواحد خَلْفه. انظر بقيته. هـ. وهذان غير الملكين الموكلين بحفظ الأعمال. والله أعلم. وقال في قوله: {وجاءت سكرةُ الموت بالحق}: إذا أشرفت النفسُ على الخروج من الدنيا، فأحوالهم تختلف، فمنهم مَن يزداد في ذلك الوقت خوفُه، ولا يتبيّنُ حاله إلا عند ذهاب الروح، ومنهم مَن يُكَاشف قبلَ خروجه فتَسُكُن روحُه، يُحفظ عليه عَقْلُه، ويتم له حضورُه وتمييزُه، فسلَّم الروحَ على مَهَلٍ من غير استكراهٍ وعبوس منهم. وفي معناه يقول بعضهم: شعر : أنا إنْ مِتُّ فالهوى حشو قلبي وبداءِ الهوى تموت الكرامُ تفسير : {ونُفخ في الصور ذلك يوم الوعيد} لكل نفس ما وعدها الله، بحسب سيرها من أول العمر إلى يوم البعث، {وجاءت كل نفس معها سائق} وهو الذي ساقها في مبدأ الوجود، إما سوقاً باللطف، أو سوقاً بالعنف عند قوله:"حديث : هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وهؤلاء إلى النار ولا أبالي"تفسير : ، وشهيد يشهد عليها بما جرى لها من الأحكام الأزلية {لقد كنتَ في غفلة من هذا} قال القشيري: يُشير إلى أن الإنسان، وإن خُلق من عالم الغيب والشهادة، فالغالب عليه في البداية الشهادة، وهو العالم الحسي، فيرى بالحواس الظاهرة العالَم المحسوس مع اختلاف أجناسه، وهو بمعزل عن إدراك عالم الغيب، فمن الناس يكشف له غطاؤه عن بصره بصيرته، فيجعل حديداً، يبصر رشده، ويحذر شره، وهم المؤمنون من أهل السعادة، ومنهم مَن يكشف له غطاء عن بصر بصيرته يوم القيامة يوم {لا ينفع نفساً إيمانها..} الآية، وهم الكفار من أهل الشقاوة. هـ. ثم ذكر أحوالهم بعد البعث، فقال: {وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ}.

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى مقسماً إنه خلق الانسان أي اخترعه وانشأه مقدراً. والخلق الفعل الواقع على تقدير وترتيب. والمعنى إنه يوجده على ما تقتضيه الحكمة من غير زيادة ولا نقصان. وأخبر انه يعلم ما يوسوس به صدر الانسان. فالوسوسة حديث النفس بالشيء فى خفى، ومنه قوله {أية : فوسوس إليه الشيطان}تفسير : ومنه الواسوس كثرة حديث النفس بالشيء من غير تحصيل قال رؤبة: شعر : وسوس يدعو مخلصاً رب الفلق تفسير : ثم اخبر تعالى انه اقرب إلى الانسان من حبل الوريد. قال ابن عباس ومجاهد: الوريد عرق فى الحلق وهما وريدان في العنق: من عن يمين وشمال، وكأنه العرق الذي يرد اليه ما ينصب من الرأس، فسبحان الله الخلاق العليم الذي احسن الخلق والتدبير، وجعل حبل الوريد العاتق، وهو يتصل من الحلق إلى العاتق هذا العرق الممتد للانسان من ناحيتي حلقه إلى عاتقه، وهو الموضع الذي يقع الرداء عليه لأنه يطلق الرداء من موضعه. قال رؤبة: شعر : كان وريديه رشا خلب تفسير : أي ليف. وقال الحسن: الوريد الوتين: وهو عرق معلق به القلب، فالله تعالى أقرب إلى المرء من قلبه. وقيل: المعنى ونحن أقرب اليه ممن كان بمنزلة حبل الوريد في القرب فى أني أعلم به. وقيل: معناه اقرب اليه بما يدركه من حبل الوريد لو كان مدركاً. وقيل: ونحن أملك به من حبل الوريد فى الاستيلاء عليه، وذلك أن حبل الوريد فى حيز غير حيزه. والله تعالى مدرك له بنفسه ومالك له بنفسه. وقوله {إذ يتلقى المتلقيان} {إذ} متعلقة بقوله {ونحن أقرب إليه} حين يتلقى المتلقيان، يعني الملكين الموكلين بالانسان {عن اليمين وعن الشمال قعيد} أي عن يمينه وعن شماله. وإنما وحد {قعيد} لاحد وجهين: احدهما - إنه حذف من الأول لدلالة الثاني عليه، كما قال الشاعر: شعر : نحن بما عندنا وانت بما عندك راض والرأى مختلف تفسير : أي نحن بما عندنا راضون، فتقدير الآية عن اليمين قعيد، وعن الشماء قعيد الثاني - إنه يكون القعيد على لفظ الواحد، ويصلح للاثنين والجمع كالرسول لانه من صفات المبالغة، وفيه معنى المصدر، كأنه قيل: ذو المراقبة. وقال مجاهد: القعيد الرصيد. وقيل: عن اليمين ملك يكتب الحسنات، وعن الشمال ملك يكتب السيئات - فى قول الحسن ومجاهد - وقال الحسن: حتى إذا مات طويت صحيفة عمله وقيل له يوم القيامة {أية : إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً} تفسير : فقد عدل - والله - عليه من جعله حسيب نفسه. وقال الحسن: الحفظة أربعة: ملكان بالنهار وملكان بالليل. وقوله {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} أي لا يتكلم بشيء من القول إلا وعنده حافظ يحفظ عليه، فالرقيب الحافظ والعتيد المعد للزوم الأمر. وقوله {وجاءت سكرة الموت بالحق} قيل فى معناه قولان: احدهما - جاءت السكرة بالحق من أمر الآخرة حتى عرفه صاحبه واضطر اليه والآخر - وجاءت سكرة الموت بالحق الذي هو الموت. وروي ان أبا بكر وابن مسعود كانا يقرآن {وجاءت سكرة الحق بالموت} وهي قراءة اهل البيت عليهم السلام و (سكرة الموت) غمرة الموت التي تأخذه عند نزع روحه فيصير بمنزلة السكران. وقوله {ذلك ما كنت منه تحيد} أي يقال له عند ذلك هذا الذى كنت منه تهرب وتروغ. وقوله {ونفخ في الصور} قيل فيه وجهان: احدهما - إنه جمع صورة ينفخ الله في الصور بأن يحييها يوم القيامة. الثاني - ان الصور قرن ينفخ اسرافيل فيه النفخة الأولى فيموت الخلق، والنفخة الثانية فيحيون يوم القيامة، وهو يوم الوعيد الذي وعد الله أن يعاقب فيه من يكفر به ويعصى أمره، ويثيب من يؤمن به ويمتثل.

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ} تمهيد لعلمه تعالى بخفيّات امور الانسان وتعليلٌ لقوله: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ}، والمراد بالانسان جنس الانسان {وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} من خطرات قلوبه {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ} تعليل لعلمه بخفيّات اموره، والاوردة العروق النّابتة من الكبد وبها يجرى الدّم الّذى هو غذاء البدن الى الاعضاء كما انّ الشّرائين العروق النّابتة من القلب وبها يجرى الرّوح الحيوانىّ والرّوح الدّماغىّ الى الاعضاء وصار حبل الوريد مثلاً فى القرب.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ} الناس قال للاستغراق {وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} أي ما تحدث به وهو ما يخطر بالبال فلا يخفي علينا منه شيء والوسوسة الصوت الخفي ولو في الخير ومنه وسواس الحلي ثم كان يستعمل في الشر فقط والياء للالة مثلها في قولك صات بكذا وهمس به والضمير في به لما ان جعلت موصولاً اسمياً أو الباء للتعدية والضمير للانسان وما موصول حرفي يقولون حدث نفسه بكذا كما يقولون حدثته به نفسه ويجوز أن تكون الباء زائدة* {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} مثل في فرط القرب كقولهم هو مني مقعد القابلة ومعقد الازار وقربه مجاز والمراد نحن أعلم بحاله ممن كان أقرب اليه من حبل الوريد لو كان فكأن ذاته قريبة فتجوز بقرب الذات الى قرب العلم لان قرب الذات موجب لقرب العلم واضافة الحبل للوريد بيانية أو المراد حبل العاتق فيضاف للوريد كما يضاف الى العاتق لاجتماعهما فى عضو واحد وهو عرقان مكتنفان بصفحتي العنق في مقدمهما متصلان بالوتين والوتين عرقان متصلان بالقلب اذا انقطع مات صاحبه يردان من الرأس اليه قيل سمي وريداً لان الروح ترده وقيل الوريد نياط القلب وهو الوتين المذكور وقيل عرق يجري فيه الدم ويصل الى كل جزء من أجزاء البدن وهو بين الحلقوم والعلياوين ويجوز أن يكون المعنى ونحن أقرب اليه لنفود أمرنا فيه وجريانه كجريان الدم في عرقه

اطفيش

تفسير : {ولَقَد خَلقْنا الإنسان} الجنس {ونعْلم ما تُوسُوسُ به} الباء لوصل الفعل، وأجيز أن تكون زائد ولا داعى الى هذا، والأصل عدم الزيادة {نَفْسُه} ما تتكلم به نفسه على وجه الخفاء كوسوسة الحلى، وهاء به للموصل، ويجوز شمولها للإنسان على أن ما مصدرية، أى نعلم وسوسة نفسه، فتكون الباء للألصاق، أو ظرفية، وقيل للتعدية، بمعنى أن النفس تجعل الانسان قائما به الوسوسة، والمضارع للاستمرار. {ونَحْن أقْرب إليه مِن حَبْل الوريد} فلا يخفى علينا شىء من شأنه، والاضافة للبيان أى من حبل هو الوريد، شبه عرق فى العنق بالحبل متصل بالقلب يسمى فيه الوتين، والى الظهر، ويسمى فيه الأبهر، والى الذراعين والفخذين، ويسمى فيهن الأكحل والنسا، وفى الخنصرتين الأسلم وهو نهر الجسد، وفى العنق اثنان هما الوريد ان مكتنفان لصفحتى العنق فى مقدمها، وهما من الرأس فعيل بمعنى فاعل، لأنهما يردان من الرأس، أو بمعنى مفعول، لأن الروح يرده وهو متصل بالكبد أيضا، وفيه مجارى الروح، والقرب من الشىء سبب للعلم به وبأحواله فى الجملة، فالمراد فى الآية العلم أو ذلك من باب التمثيل، ومن ذلك قولهم مقعد القابلة، ومقعد الازار، والله تعالى منزه عن الحلول والقرب الحسى.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ } أي ما تحدثه به وهو ما يخطر بالبال. والوسوسة الصوت الخفي ومنه وسواس الحلي. وضمير {بِهِ } لما وهي موصولة والباء صلة {تُوَسْوِسُ } وجوز أن تكون للملابسة أو زائدة وليس بذاك، ويجوز أن تكون {مَا } مصدرية والضمير للإنسان والباء للتعدية على معنى أن النفس تجعل الإنسان قائماً به الوسوسة فالمحدث هو الإنسان لأن الوسوسة بمنزلة الحديث فيكون نظير حدث نفسه بكذا وهم يقولون ذلك كما يقولون حدثته نفسه بكذا قال لبيد:شعر : وٱكذب النفس إذا حدثتها إن صدق النفس يزري بالأمل تفسير : {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ } أي نعلم به وبأحواله لا يخفى علينا شيء من خفياته، على أنه أطلق السبب وأريد المسبب لأن القرب من الشيء في العادة سبب العلم به وبأحواله أو الكلام من باب التمثيل؛ ولا مجال لحمله على القرب المكاني لتنزهه سبحانه عن ذلك، وكلام أهل الوحدة مما يشق فهمه على غير ذوي الأحوال. و {حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ } مثل في فرط القرب كقولهم: مقعد القابلة ومعقد الإزار قال ذو الرمة على ما في «الكشاف»:شعر : والموت أدنى لي من حبل الوريد تفسير : والحبل معروف والمراد به هنا العرق لشبهه به، وإضافته إلى الوريد - وهو عرق مخصوص كما ستعرفه - للبيان كشجر الأراك أو لامية كما في غيره - من إضافة العام إلى الخاص فإن أبقي الحبل على حقيقته فإضافته كما في لجين الماء. و {ٱلْوَرِيدِ } عرق كبير في العنق وعن الأثرم أنه نهر الجسد ويقال له في العنق الوريد وفي القلب الوتين وفي الظهر الأبهر وفي الذراع والفخر الأكحل والنسا وفي الخنصر الأسلم. والمشهور أن في كل صفحة من العنق عرقاً يقال له وريد. ففي «الكشاف» الوريدان عرقان مكتنفان لصفحتي العنق في مقدمها متصلان بالوتين يردان بحسب المشاهدة من الرأس إليه فالوريد فعيل بمعنى فاعل، وقيل: هو بمعنى مفعول لأن الروح الحيواني يرده ويشير إلى هذا قول الراغب: ((الوريد عرق متصل بالكبد والقلب / وفيه مجاري الروح، وقال في الآية: أي نحن أقرب إليه من روحه))، وحُكي ذلك عن بعضهم أيضاً.

ابن عاشور

تفسير : هذا تفصيل لبعض الخلق الأول بذكر خلق الإنسان وهو أهم في هذا المقام للتنبيه على أنه المراد من الخلق الأول وليبنَى عليه {ونعلم ما توسوس به نفسه} الذي هو تتميم لإحاطة صفة العلم في قوله: {أية : قد علمنا ما تنقص الأرض منهم}تفسير : [ق: 4] ولينتقل منه الإنذار بإحصاء أعمال الناس عليها وهو ما استُرسل في وصفه من قوله: {أية : إذ يتلقى المتلقيان}تفسير : [ق: 17] الخ. ووصف البعث وصف الجزاء من قوله: {أية : ونفخ في الصور} تفسير : [ق: 20] إلى قوله: {أية : ولدينا مزيد}تفسير : [ق: 35]. وتأكيد هذا الخبر باللام و(قد) مراعًى فيه المتعاطفات وهي {نعلم ما توسوس به نفسه} لأنهم وإن كانوا يعلمون أن الله خلق الناس فإنهم لا يعلمون أن الله عالم بأحوالهم. و {الإنسان} يعم جميع الناس ولكن المقصود منهم أولاً المشركون لأنهم المسوق إليهم هذا الخبر، وهو تعريض بالإنذار كما يدل عليه قوله بعده {أية : ذلك ما كنت منه تحيد}تفسير : [ق: 19] وقوله: {أية : لقد كنت في غفلة من هذا}تفسير : [ق: 22] وقوله: {أية : ذلك يوم الوعيد}تفسير : [ق: 20]. والبَاء في قوله {به} زائدة لتأكيد اللصوق، والضمير عائد الصلة كأنه قيل: ما تتكلمه نفسه على طريقة {أية : وامسحوا برؤوسكم}تفسير : [المائدة: 6]. وفائدة الإخبار بأن الله يعلم ما توسوس به نفس كل إنسان التنبيه عل سعة علم الله تعالى بأحوالهم كلها فإذا كان يعلم حديث النفس فلا عجب أن يعلم ما تنقص الأرض منهم. والإخبار عن فعل الخلق بصيغة المضيّ ظاهر، وأما الإخبار عن علم ما توسوس به النفس بصيغة المضارع فللدلالة على أن تعلق علمه تعالى بالوسوسة متجدد غير منقض ولا محدود لإثبات عموم علم الله تعالى، والكناية عن التحذير من إضمار ما لا يرضي الله. وجملة {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} في موضع الحال من ضمير {ونعلم}. والمقصود منها تأكيد عاملها وتحقيق استمرار العلم بباطن الإنسان، ومعنى {توسوس} تتكلم كلاماً خفياً همساً. ومصدره الوسواس والوسوسة أطلقت هنا مجازاً على ما يجول في النفس من الخواطر والتقديرات والعزائم لأن الوسوسة أقرب شيء تشبه به تلك الخواطر وأحسن ما يستعار لها لأنها تجمع مختلف أحوال ما يجول في العقل من التقادير وما عداها من نحو ألفاظ التوهم والتفكر إنما يدل على بعض أحوال الخواطر دون بعض. والحبل: هنا واحد حِبال الجسم. وهي العروق الغليظة المعروفة في الطبّ بالشرايين، واحدها: شَرْيان (بفتح الشين المهملة وتكسر وبسكون الراء) وتعرف بالعروق الضوارب ومنبتها من التجْويف الأيسر من تجويفي القلب. وللشرايين عمل كثير في حياة الجسم لأنها التي توصل الدم من القلب إلى أهم الأعضاء الرئيسية مثل الرئة والدماغ والنخاع والكليتين والمعدة والأمعاء. وللشرايين أسماء باعتبار مصابِّها من الأعضاء الرئيسية. والوريد: واحد من الشرايين وهو ثاني شريانين يخرجان من التجويف الأيسر من القلب. واسمه في علم الطب (أورطِي) ويتشعب إلى ثلاث شعب ثالثتهما تنقسم إلى قسمين قسم أكبر وقسم أصغر. وهذا الأصغر يخرج منه شريانان يسميان السباتِي ويصعدان يميناً ويساراً مع الودَجين، وكل هذه الأقسام تسمى الوريد. وفي الجسد وَريدان وهما عرقان يكتنفان صفحتي العنق في مقدمهما متصلان بالوَتين يَرِدان من الرأس إليه. وقد تختلف أسماء أجزائه باختلاف مواقعها من الجسد فهو في العنق يسمى الوريد، وفي القلب يسمى الوتين، وفي الظهر يسمى الأبهر، وفي الذراع والفخذ يسمونه الأكحل والنَّسَا، وفي الخنصر يدعى الأسلم. وإضافة {حبل} إلى {الوريد} بيانية، أي الحبل الذي هو الوريد، فإن إضافة الأعم إلى الأخص إذا وَقعت في الكلام كانت إضافة بيانية كقولهم: شجر الأراك. والقرب هنا كناية عن إحاطة العلم بالحال لأن القرب يستلزم الإطلاع، وليس هو قربا بالمكان بقرينة المشاهدة فآل الكلام إلى التشبيه البليغ تشبيه معقول بمحسوس، وهذا من بناء التشبيه على الكناية بمنزلة بناء المجاز على المجاز. ومن لطائف هذا التمثيل أن حبل الوريد مع قربه لا يشعر الإنسان بقربه لخفائه، وكذلك قرب الله من الإنسان بِعلمه قرب لا يشعر به الإنسان فلذلك اختير تمثيل هذا القرب بقرب حبل الوريد. وبذلك فاق هذا التشبيه لحالة القرب كلَّ تشبيه من نوعه ورد في كلام البلغاء. مثل قولهم: هو منه مقعد القابلة ومعقد الإزار، وقول زهير:شعر : فهن ووادي الرس كاليد للفم تفسير : وقول حنظلة بن سيار (وهو حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي مخضرم):شعر : كُل امرىء مصبَّح في إهِلهِ والموتُ أدنى من شراك نعلهِ

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة هود في الكلام على قوله تعالى:{أية : أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}تفسير : [هود: 5].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ولقد خلقنا الإِنسان: أي خلقناه بقدرتنا وعلمنا لحكمة اقتضت خلقه فلم نخلقه عبثا. ونعلم ما توسوس به نفسه: أي ونعلم ما تحدث به نفسه أي نعلم ما في نفسه من خواطر وإرادات. ونحن أقرب إليه من حبل الوريد: أي نحن بقدرتنا على الأخذ منه والعطاء والعلم بما يُسر ويُظهر أقرب إليه من حبل الوريد الذي هو في حلقه. إذ يتلقى المتلقيان: أي نحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عمله فيكتبانه. عن اليمين وعن الشمال قعيد: أي أحدهما عن يمينه قعيد والثاني عن شماله قعيد أيضا. ما يلفظ من قول: أي ما يقول من قول. إلا لديه رقيب عتيد: أي إلا عنده ملك رقيب حافظ عتيد حاضر معد للكتابة. وجاءت سكرة الموت بالحق: أي غمرة الموت وشدته بالحق من أمر الآخرة حتى يراه المنكر لها عيانا. ذلك ما كنت منه تحيد: أي ذلك الموت الذي كنت تهرب منه وتفزع. ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد: أي ونفخ إسرافيل في الصور الذي هو القرن ذلك يوم الوعيد للكفار بالعذاب. معها سائق وشهيد: أي معها سائق يسوقها إلى المحشر وشهيد يشهد عليها. لقد كنت في غفلة من هذا: أي من هذا العذاب النازل بك الآن. فكشفنا عنك غطاءك: أي أزلنا عنك غفلتك بما تشاهده اليوم. فبصرك اليوم حديد: أي حاد تدرك به ما كنت تنكره في الدنيا من البعث الجزاء. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء فقال تعالى {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ} حسب سنتنا في الخلق خلقناه بقدرتنا وعلمناه لحكمة اقتضت خلقه منا ولم نخلقه عبثا ونحن نعلم ما توسوس به نفسه أي ما تتحدث به نفسه من إرادات أو خواطر، ونحن أي ربّ العزة والجلال أقرب إليه من حبل الوريد فلو أردنا أن نأخذ منه أو نعطيه أو نسمع منه أو نعلم به لكنا على ذلك قادرين وقربنا في ذلك منه أقرب من حبل عنقه إلى نفسه وذلك في الوقت الذي يتلقى فيه الملكان المتلقيان سائر أقواله وأعماله يثبتانها ويحفظانها وقوله عن اليمين وعن الشمال قعيد أي أحد الملكين وهما المتلقيان عن يمينه قاعد والثاني عن شماله قاعد هذا يكتب الحسنات وذاك يكتب السيئات. ولفظ قعيد معناه قاعد كجليس بمعنى مجالس أو جالس، وقوله تعالى {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ} أي ما يقول الإِنسان إلا لديه رقيب عتيد أي إلا عنده ملك رقيب حافظ، وعتيد حاضر لا يفارقانه مدى الحياة إلا أنهما يتناوبان ملكان بالنهار، وملكان بالليل ويجتمعون في صلاتي الصبح والعصر وقوله تعالى {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} أي وإن طال العمر فلا بد من الموت وها هي ذي قد جاءت سكرة الموت أي غمرته وشدته بالحق من أمر الآخرة حتى يراه المنكر للبعث والدار الآخرة المكذب به يراه عياناً. {ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} أي يقال له هذا الموت الذي كنت منه تحيد أي تهرب وتفزع. وقوله تعالى {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} أي نفخ إسرافيل في الصور أي القرن الذي قد التقمه وجعله في فيه من يوم بعث النبي الخاتم نبيّ آخر الزمان محمد صلى الله عليه وسلم وهو ينتظر متى يؤمر فينفخ نفخة الفناء ذلك أي يوم ينفخ في الصور هو يوم الوعيد بالعذاب للكافرين، وفعلا نفخ في الصور نفخة البعث بعد نفخة الفناء {وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ} أي ملك يسوقها إلى المحشر وملك شاهد يشهد عليها. ويقال لذلك الذي جاء به سائق يسوقه وشاهد يشهد عليه لقد كنت في غفلة من هذا أي كنت في الدنيا في غفلة عن الآخرة وما فيها وغفلتك من شهواتك ولذَّاتك وغرورك بالحياة الدنيا من هذا العذاب النازل بك الآن فكشفنا عنك غطاءك أي أزلنا عنك غفلتك بما تشاهده اليوم عيانا بيانا من ألوان العذاب فبصرك اليوم حديد أي حاد تدرك به وتبصر ما كنت تكفر به في الدنيا وتُنكرهُ. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان قدرة الله وعلمه وأنه أقرب إلى الإِنسان من حبل وريده ألا فليتق الله امرؤ. 2- تقرير عقيدة أن لكل إنسان مكلف ملكين يكتبان حسناته وسيئاته. 3- بيان أن للموت سكرات قطعا اللهم هون علينا سكرات الموت. 4- ساعة الاحتضار يؤمن كل إنسان بالدار الآخرة إذ يرى ما كان ينكره يراه بعينه. 5- تقرير عقيدة البعث والجزاء بعرض بعض أحوال وأهوال الآخرة.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلإِنسَانَ} (16) - يُؤَكِّدُ اللهُ تَعَالى قُدْرَتَهُ عَلَى بَعْثِ الأمْواتِ مِنَ القُبُورِ يَوْمَ القيَامَةِ، بأنَّهُ هُوَ الذِي خَلَقَ الإِنسَانَ، وأنْشَأهُ مِنْ عَدَمٍ، وَأنَّهُ عَالِم بِجَمِيعِ أحْوَالِهِ وَأعْمَالِهِ وَأمُورِهِ، حَتَّى إنَّه لَيَعْلَمُ مَا يَتَرَدَّدُ في نَفْسِهِ مِنْ فِكْرٍ، وَمَا تُحَدِّثُهُ بِهِ نَفْسُهُ مِنْ عَمَلٍ، خَيْراً كَانَ أوْ شَرّاً. (وَقَدْ جَاءَ في الحَدِيثِ الشَّريفِ: حديث : إنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأمَّتي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها مَا لَم تَقُلْ أوْ تَفْعَلْتفسير : ). ثُمَّ يَقُولُ تَعَالى: إنَّ الإِنسَانَ تَحْتَ سُلْطَانِ اللهِ وَقَهْرِهِ، وَإِنَّ مَلاَئِكَةَ الرَّحْمَنِ المُكَلَّفِينَ بِحِفْظِ الإِنسَانِ وَإِحْصَاءِ أعْمَالِهِ هُمْ مُلازِمُونَ لَهُ دَائِماً، حَتَّى إنَّهم بِالنِّسْبَةِ إليهِ أقْرَبُ إليهِ مِنَ الوَرِيدِ الذِي يَمْتَدُّ في عُنُقهِ. حَبْلِ الوَرِيدِ - عِرْقٍ كَبيرٍ في العُنُقِ.

الثعلبي

تفسير : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} يحدّثه قلبه، فلا يخفى علينا أسراره، وضمائره {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ} أي أعلم به، وأقدر عليه {مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ} لأنّ أبعاضه، وأجزاءه يحجب بعضها بعضاً، ولا يحجب علم الله سبحانه عن جميع ذلك شيء، وحبل الوريد: عرق العنق، وهو عرق بين الحلقوم، والعلباوين، وجمعه أوردة، والحبل من الوريد وأُضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين، قال الشاعر: شعر : فقرت للفجار فجاء سعياً إذا ما جاش وانتفخ الوريد تفسير : {إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ} أي يتلقّى، ويأخذ الملكان الموكلان عليك، وكَّل الله سبحانه بالإنسان مع علمه بأحواله، ملكين بالليل، وملكين بالنهار يحفظان عمله، ويكتبان أثره، إلزاماً للحجّة، أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات، والآخر عن شماله يكتب السيّئات، فذلك قوله سبحانه: {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ} ولم يقل: قعيدان. قال أهل البصرة: لأنّه أراد عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، فاكتفى بأحدهما عن الآخر، كقول الشاعر: شعر : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف تفسير : وقول الفرزدق: شعر : إنّي ضمنت لمن أتاني ما جنى وأبى فكان وكنت غير غدور تفسير : ولم يقل: غدورين، والقعيد، والقاعد كالسميع، والعليم، والقدير، فقال أهل الكوفة: أراد قعوداً رده إلى الجنس، فوضع الواحد موضع الجمع، كالرسول في الاثنين يجعل للاثنين، والجمع، قال الله سبحانه في الاثنين: {أية : إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الشعراء: 16] وقال الشاعر: شعر : ألكني إليها وخير الرسول أعلمهم بنواحي الخبر تفسير : أخبرنا الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن سالم الختلي. قال: حدّثنا أحمد بن أيّوب الرخاني. قال: حدّثنا جميل بن الحسن، قال: حدّثنا أرطأة بن الأشعث العدوي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إنّ مقعد ملكيك على ثنيتيك، ولسانك قلمهما، وريقك مدادهما، وأنت تجري أظنّه قال: فيما لا يعنيك لا تستحي من الله، ولا منهما ". تفسير : وأخبرنا الحسين بن محمد بن منجويه الدينوري، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: حدّثنا الفضل بن العبّاس بن مهران. قال: حدّثنا طالوت. قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة. قال: أخبرنا جعفر بن الزبير، عن القاسم بن محمد، عن أبي أُمامة، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "حديث : كاتب الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيّئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيّئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشراً، وإذا عمل سيئة، قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعلّه يسبِّح أو يستغفر ". تفسير : قال الحسن: إنّ الملائكة يجتنبون الإنسان على حالين: عند غائطه، وعند جماعه، وقال أبو الجوزاء، ومجاهد: يكتبان عليه كلّ شيء حتّى أنينه في مرضه، وقال عكرمة: لا يكتبان عليه إلاّ ما يؤجر عليه أو يؤزر فيه، وقال الضحّاك: مجلسهما تحت الشعر على الحنك. ومثله روى عوف عن الحسن، قال: وكان الحسن يعجبه أن ينظف عنفقته. وقال عطية ومجاهد: القعيد الرصيد. أخبرنا أبو القاسم بن حبيب في سنة ست وثمانين وثلاثمائة، قال: حدّثنا أبو محمد البلاذري. قال: حدّثنا محمد بن أيّوب الرازي. قال: حدّثنا أبو التقى هشام بن عبد الملك. قال: حدّثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن تمام بن نجيح، عن الحسن، عن أبي هريرة، وأنس، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من حافظين يرفعان إلى الله سبحانه ما حفظا فيرى الله سبحانه في أوّل الصحيفة خيراً، وفي آخرها خيراً، إلاّ قال لملائكته: اشهدوا أنّي قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة ". تفسير : وأخبرنا أبو سهل بن حبيب بقراءتي عليه، قال: حدّثنا أبو بكر أحمد بن موسى، قال: حدّثنا زنجويه بن محمد. قال: حدّثنا إسماعيل بن قتيبة. قال: حدّثنا يحيى بن يحيى. قال: حدّثنا عثمان بن مطر الشيباني، عن ثابت عن أنس. أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : بأنّ الله سبحانه وكّل بعبده المؤمن ملكين يكتبان عمله، فإذا مات، قال الملكان اللّذان وكّلا به يكتبان عمله: قد مات فلان، فيأذن لنا، فنصعد إلى السماء، فيقول الله سبحانه: سمائي مملوءة من ملائكتي يسبِّحون، فيقولان: نقيم في الأرض. فيقول الله سبحانه: أرضي مملوءة من خلقي يسبِّحون. فيقولان: فأين؟ فيقول: قوما على قبر عبدي. فكبّراني، وهللاني، واكتبا ذلك لعبدي ليوم القيامة ". تفسير : {مَّا يَلْفِظُ } يتكلّم. {مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ} عنده {رَقِيبٌ} حافظ {عَتِيدٌ} حاضر، وهو بمعنى المعتد من قوله: {اعتدنا} والعرب تعاقب بين (التاء) و(الذال) لقرب مخرجهما، فيقول: اعتددت، وأعذدت، وهرذ، وهرت، وكبذ، وكبت، ونحوهما، قال الشاعر: شعر : لئن كنت مني في العيان مغيباً فذكرك عندي في الفؤاد عتيد تفسير : {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} أي وجاءت سكرة الحقّ بالموت؛ لأنّ السكرة هي الحقّ، فأضيفت إلى نفسه لاختلاف الإسمين وقيل: الحقّ هو الله عزّ وجلّ، مجازه وجاء سكرة أمر الله بالموت. أنبأني عقيل، قال: أخبرنا المعافى، قال: أخبرنا جوير. قال: حدّثنا ابن المثنى، قال: حدّثنا محمد بن جعفر، قال: حدّثنا شعبة، عن واصل، عن أبي وائل قال: لما كان أبو بكر يقضي، قالت عائشة: شعر : لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر تفسير : فقال أبو بكر: يا بنية لا هو لي، ولكنّه كما قال الله سبحانه: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} أي تكره، عن ابن عبّاس، وقال الحسن: تهرب. الضحّاك: تروغ. عطاء الخراساني: تميل. مقاتل بن حيان: تنكص. وأصل الحيد الميل، يقال: حدت عن الشيء أحيد حيداً، ومحيداً إذا ملت عنه. قال طرفة: شعر : أبا منذر رمت الوفاء فهبته وحدت كما حاد البعير عن الدحض تفسير : {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} يعني نفخة البعث. {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ} الذي وعده الله سبحانه للكفّار يلعنهم فيه. {وَجَآءَتْ} ذلك اليوم {كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ} يسوقها إلى المحشر {وَشَهِيدٌ} شهد عليه بما عملت في الدّنيا من خير أو شرّ. وروي أنّ عثمان بن عفّان خطب، وقرأ هذه الآية، فقال: السائق يسوقها إلى الله سبحانه، والشاهد يشهد عليه بما عملت، وقال الضحّاك: السائق الملائكة، والشاهد من أنفسهم الأيدي، والأرجل. وهي رواية العوفي عن ابن عبّاس، وقال أبو هريرة: السائق الملك، والشهيد العمل، وقال الباقون: هما جميعاً من الملائكة، فيقول الله سبحانه لها: {لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ} ورفعنا عنك عماك، وخلّينا عنك سترك، حتّى عاينته. {فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ} قوي، نافذ، ثابت، ترى ما كان محجوباً عنك. وروى عبدالوهاب، عن مجاهد، عن أبيه {فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ} قال: نظرك إليّ لبيان ميزانك حين توزن حسناتك، وسيّئاتك. وقيل: أراد بالبصر العلم، علِمَ حين لم ينفعه العلم، وأبصر حين لم ينفعه البصر. وقرأ عاصم الجحدري {لَّقَدْ كُنتَ} بكسر (التاء)، وبكسر (الكاف)، رد الكتابة إلى النفس. {وَقَالَ قَرِينُهُ} الملك الموكّل به {هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} معد محفوظ محضر، قال مجاهد: هذا الذي وكّلني به من بني آدم، قد أحضرته، وأحضرت ديوان أعماله، فيقول الله سبحانه لقرينه: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ} قال الخليل، والأخفش: هذا كلام العرب الصحيح أن يخاطب الواحد بلفظ الاثنين، وهو جيد حسن، فيقول: ويلك أرحلاها، وازجراها، وخذاه واطلقاه للواحد. قال الفراء: وأصل ذلك إذا دنا أعوان الرجل في إبله، وغنمه، وبقره، اثنان، فجرى كلام الواحد على صاحبيه، ومنه قولهم للواحد في الشعر: خليلي (ثم يقول: يا صاح). قال امرؤ القيس: شعر : خليلي مُرّا بي على أُمّ جندب نقض لبانات الفؤاد المعذّب تفسير : وقال: شعر : قِفا نبك عن ذكرى حبيب ومنزل تفسير : وقال: قفا نبك من ذكرى حبيب وعروان. قال الآخر: شعر : فقلت لصاحبي لا تعجلانا بنزع أصوله واجتز شيحا تفسير : وأنشد أبو ثروان: شعر : فإن تزجرني يابن عفان أنزجر وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا تفسير : وقيل: يشبه أن يكون عني به تكرار القول فيه، فكأنّه يقول: إلق إلق، فناب ألقيا مناب التكرار، ويجوز أن تكون ألقيا تثنية على الحقيقة، ويكون الخطاب للمتلقيين معاً أو السائق والشاهد جميعاً، وقرأ الحسن (ألقينْ) بنون التأكيد الخفيفة، كقوله: {أية : لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ} تفسير : [يوسف: 32] {كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ} عاص معرض عن الحقّ، قال مجاهد وعكرمة: مجانب للحقّ معاند لله. {مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ} أي للزكاة المفروضة، وكلّ حقّ واجب في ماله. {مُعْتَدٍ} ظالم. {مُّرِيبٍ} مشكّك، وقال قتادة: شاك ومعناه: إنّه داخل في الريب {ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ} وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة، فأراد بقوله: {مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ} أنّه كان يمنع بني أخيه عن الإسلام، ويقول: لئن دخل أحدكم في دين محمّد لا أنفعه بخير ما عشت.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أنْ حدثنا سبحانه عن آياته الكونية في السماوات والأرض يُحدِّثنا عن آياته في خَلْق الإنسان، وقد بيَّن لنا الحق سبحانه أن آيات السماوات والأرض أكبر من الآيات التي في خَلْق الناس. {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ ..}تفسير : [غافر: 57] ووعدنا سبحانه بقوله {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ ..}تفسير : [فصلت: 53] آفاق السماوات والأرض {أية : وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ..}تفسير : [فصلت: 53]. يقول سبحانه: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ ..} [ق: 16] وأكد لهم الكلام بـ (اللام) وبـ (قد) لأنهم مُنكرون لهذه الحقيقة مُكذِّبون بها، وهذا الإنكار جحود منهم، لأنه سبحانه قال في موضع آخر: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ}تفسير : [الزخرف: 87]. وما دام الحق سبحانه قد قال {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ ..} [ق: 16] فلا يتأتى أن يقال أنه من الممكن أن يتم استنساخ الإنسان، فالإنسان الذي يكوّن أسرة من أب وأم لا يمكن استنساخه أبداً، إنما يستنسخه مَنْ خلقه فقط. بدليل أنه خلق آدم وأخذ منه ضلعاً جعل منه حواء، أما أنتم فلن تستطيعوا هذا، قد تستطيعون استنساخ نبات أو حيوان، فإنه ليس مطلوباً من هذه الكائنات أن تكوّن أسرة. فالمطلوب من النبات أو الحيوان التكاثر فقط، أما الإنسان فليس مطلوبا منه التكاثر فقط بل مطلوب منه القيم أيضاً ككائن في مجتمع. فالإنسان يسعى لتكوين أسرة وله مواصفات فيمن يتزوجها، وكيف يعيش معها وكل منهما يقوم بمهمة في التربية تناسبه، هو يكدح خارج البيت وهي تقوم بمهمتها في البيت ومهمتها أعلى وأهم من مهمته. لذلك نجد اللقيط شقياً في حياته، لأنه ليس له أب ينسب إليه، أما من له أب فابنه محسوب عليه ومسئول عنه أمام المجتمع، يقوم له بأمور معيشته ودراسته، فلو فرضنا أنه من الممكن أن يكون هناك إنسان مستنسخ فتُرى كيف تكون حياته؟ فالله هو خالق الإنسان ومُبدعه، والخالق هو الأعلم بمن خلق، والأعلم بأسراره وما يصلحه {وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ..} [ق: 16] يعني: لا نعلم ظواهر عمله فحسب، إنما نعلم بواطنها، ونعلم ما يختلج في نفسه من خواطر وأفكار. {أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ}تفسير : [الملك: 14]. الذي يعلم دقائق الأمور وخفاياها، كالصانع يعلم دقائق صنعته، فالساعة مثلاً حين تتعطل منك لا تعرف فيها شيئاً، فتذهب بها إلى الساعاتي، وبمجرد أنْ ينظر إليها يعرف مكان العطل بها ويُصلحه بحركة بسيطة جداً. فالحق سبحانه خلق الإنسان، فالإنسان صنعته وإبداعه، لذلك يعلم خفايا نفسه لا مجرد ظواهر عمله، لأن ظواهر العمل معروفة للناس، فلا مزية في معرفتها، أما ما تُوسوس به النفس فهو أمر غيبي عن الآخرين لا يطلع أحدٌ عليه ولا يعلمه إلا الله، وهذه من آيات الله في الأنفس {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ ..}تفسير : [فصلت: 53]. وسمَّى الخواطر التي ترد على البال وسوسة، وهي في الأصل صوت الحلي، والوسوسة تكون مرة من النفس ومرة من الشيطان، لذلك لا تكون إلا بشرٍّ، وقد بيَّن الإمام عليٌّ الفرق بينهما حينما سأله سائل: كيف أعرف مصدر هذه الوسوسة، أهي من النفس أم من الشيطان؟ فقال: النفس تقف بك عند معصية بعينها لا تتزحزح عنها، أما الشيطان فيريدك عاصياً على أيِّ صورة، فإنّ خالفته في معصية زين لك الأخرى وهكذا حتى يوقعك. والنفس هي الأصل في الوسوسة، لأننا لو أخذنا معصية إبليس الأولى وقلنا مَنْ وسوس له بها؟ نفسه، والشاعر لما نظم هذا المعنى قال: إبليس لما عصى مَنْ كان إبليسه؟ فالمسألة إذن راجعة للنفس، وإبليس يستغل شهوة النفس وينميها ويُزينها لصاحبها، والعجيب أن هذه الوساوس حينما تلح على الإنسان تُغرقه في الهموم والتخيلات التي لا أساسَ لها، فينشغل بأشياء لم تحدث يتصور أنها حدثت، أو أحداث ماضية يعيدها من جديد. وهكذا تحاصره الهموم فتكلمه تجده ساهياً أو يمشي يُكلِّم نفسه، والعقال هو الذي لا يترك نفسه نهباً لهذه الوساوس، ويعلم أنه له رباً يعلم ما توسوس به نفسه. رب كريم يفرج الكروب ويزيل الهموم، العاقل هو الذي يعلم أن ما مضى فات والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها. وخُلق المؤمن أنْ يكون عنده رصيد من إيمانه يعصمه، فإنْ عزَّتْ عليه الأسباب لجأ إلى المسبِّب، فهو أبداً لا ييأس ولا يستسلم. قلنا: لو أن رجلاً معه جنية واحد لا يملك غيره وضاع منه لا شكَّ أنه يحزن، خاصة إذا كان غريباً مثلاً، لكن لو ضاع منك جنيه وفي البيت عشرة، فالحزن يكون أقلّ، فما بالك إنْ كان معك رصيد من رب العالمين؟ لذلك يقولون: لا كرب وأنت رب: وهذا الرصيد الإيماني رأيناه في قصة سيدنا موسى عليه السلام، فلما ضاقت به أسبابه قال: {أية : قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}تفسير : [الشعراء: 62]. وقوله سبحانه: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ} [ق: 16] حبل الوريد عرقان في الرقبة يحملان الغذاء إلى الجسم كله، وإذا انقطع الوريد انتهت الحياة، والكلام هنا فيه كناية عن قُرْب الحق سبحانه من عبده، وكأنه يقول له: أنا قريب منك وأعرف تفاصيلك، وأعرف وسوسة نفسك.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ} قال الإِمامُ زيد بن علي عليهما السّلامُ. فالحَبلُ: حَبلُ العَاتقِ. والوريدُ: العِرقُ الذي في الحَلقِ.

الجيلاني

تفسير : {وَ} بالجملة {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ} وأظهرناه من كتم العدم {وَ} نحن {نَعْلَمُ} منه حنيئذ {مَا تُوَسْوِسُ} وتحدث {بِهِ نَفْسُهُ} وتخطر بباله الآن من أمثال هذه الأوهام والخيالات الباطلة، والمترتبة على حصة ناسوته، المقيدة بسلاسلا الرسوم وأغلال العادات الموروثة له من العقل الفضول، الممتزج بالوهم بسلاسل الرسوم وأغلال العادات الموروثة له من العقل الفضول، الممتزج بالوهم الجهول {وَ} كيف لا نعم من هواجس نفسه؛ إذ {نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ} [ق: 16] أي: وريده، وهو مثل من القرب المفرط، كما قال: الموت أدنى لي من الوريد، وإضافة الحبل إليه للبيان، وبالجلمة: نحن أقرب إليه منه. الوريدان: هما العرقان المنبثان من مقدم الرأس، المتنازلان من طرفي العنق، المتلاصقان عند القفا، المنتهيان إلى آخر البدن، وهما قوام البدن ومداره عليهما؛ إذ هما أقوى عالم هيكل الإنسان. وبالجملة: نحن حسب روحنا المنفوخ فيه من عالم اللاهوت أقرب إليه من ناسوته، لا على توهم المساففةن ولا على طريق التركب والاتحاد والحلول والامتزاج، بل على وجه الظلية والانعكاس، ومع غاية قرب الحق إليه وكمال إحاطته إياه، وكَّل عليه الحفظة من الملائكة؛ ليراقبوا أحواله إلزاماً للحجة عليه لدى الحاجة يوم القيامة. اذكر يا أكمل الرسل: {إِذْ يَتَلَقَّى} ويتحفظ {ٱلْمُتَلَقِّيَانِ} الموكلان عليه {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ} [ق: 17] أي: قاعد كل من الموكلين عن يمنه وشماله، مترقبين على أحواله وأعماله وأقواله، بحيث {مَّا يَلْفِظُ} ويتلفظ {مِن قَوْلٍ} يرميه من فيه {إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ} حفيظ عليه {عَتِيدٌ} [ق: 18] مهيأ، معد، حاضر عنده، غير مغيب على وجه لا يفوت عنه شيئاً من ملتقطاته. {وَ} هما يحفظانه ويرقبان عليه وقت؛ إذ {جَاءَتْ} وحضرت {سَكْرَةُ الْمَوْتِ} شدته وغمراته {بِالْحَقِّ} والحقيقة وظهرت علاماته، وانكشفت عليه أهواله وأماراته، قيل له حينئذ من قبل الحق: {ذَلِكَ} أي: الموت الذي ينزل عليك الآن {مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق: 19] أي: الموت الذي أنت تميل، وتفر عنه فيما مضى. {وَ} بعدما ذاق مرارة العذاب وقت سكرات الموت {نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} للبعث والحشر، فإذا هو حينئذٍ قائم، هائم ينظر، قيل له من قبل الحق على سبيل التهويل: ألست تنظر وتتحير يا مسكين؟! {ذَلِكَ} اليوم الذي أنت فيه الآن {يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ} [ق: 20] الموعود لك في دار الدنيا، وأنت حينئذ لم تؤمن به ولم تخف من أهواله حتى وقعت فيه، وذقت من عذابه. {وَ} بعدما بعث الأموات من أجداثهم للحشر والجزاء {جَآءَتْ} وحضرت {كُلُّ نَفْسٍ} من النفوس الطيبة والخبيثة {مَّعَهَا سَآئِقٌ} موكل، يسوقها إلى المحشر للعرض والجزاء {وَشَهِيدٌ} [ق: 21] من حفظة أعمالها وأحوالها، يشهد لها وعليها. وبعدما حضر كل منهم بين يدي الله، قيل لكل منهم من قِبل الحق على سبيل الخطاب والعتاب: {لَّقَدْ كُنتَ} أيها المغرور {فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا} اليوم، وانكسار عظيم من وقوعه؛ لذلك كذبت بالرسل والكتب، واستهزأت بالهداة الثقات، واستكبرت عليهم {فَكَشَفْنَا} اليوم {عَنكَ غِطَآءَكَ} الذي هو سبب غفلتك وإنكارك، وتعاميك عن الآيات والنذر، وهو ألفك بالمحسوسات العادية وإنكارك على الأمور الغيبية الخارجة عن حيازة حواسك وقواك {فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: 22] أي: صار بصرك بعد انكشافك بهذا اليوم حاداً حديداً نافذاً، إلا أنه لا ينفعك حينئذ حدة بصرك واكشافك بعد انقراض نشأة الاختبار والاعتبار. {وَقَالَ} له حينئذ {قَرِينُهُ} من الحفظة المراقب عليه في النشأة الأولى: {هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} [ق: 23] أي: هذا الذي سمعت الآن من الخطاب والعاب، هو الذي حفظته لك عندي، وكتبته في صحيفة عملك قبل وقوعك فيه. وبعدما جرى بين كل من العصاة وبين قرينهم ما جرى، أمر من قِبل الحق للسائق والشهيد أمراً وجوبياً حتماً: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ} واطرحا فيها {كُلَّ كَفَّارٍ} مبالغ في الكفر والإنكار {عَنِيدٍ} [ق: 24] مبالغ متناه في العناد والاستكبار. {مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ} متبالغ في المنع عن الإنفاق المأمور {مُعْتَدٍ} متجاوز عن الحق، مائل نحو الباطل {مُّرِيبٍ} [ق: 25] موقع لعباد الله في الشك والشبة في دينه القويم والصراط المستقيم الذي أنزله على رسوله المتصف بالخلق العظيم، وهو {ٱلَّذِي جَعَلَ} وأثبت {مَعَ ٱللَّهِ} الواحد الأحد الصمد، المنزه عن الشرك مطلقاً {إِلَـٰهاً آخَرَ} واعتقده موجداً مثله، شريكاً في أفعاله وآثاره، وبالجملة: {فَأَلْقِيَاهُ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ} [ق: 26] بدل ما تجاوز عن التوحيد الإلهي، وأصر على الشريك والتعديد. وبعدما أراد الموكلان أن يبطشا به ويجراه نحو النار، أخذ يصرخ ونسيب شركه وضلاله إلى الشيطان المضل المغوي، وهو حاضر عنده، وبعدما سمع الشيطان منه ما سمع {قَالَ} له حينئذ {قرِينُهُ} أي: الشيطان، متضرعاً إلى الله، مناجياً معه: {رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ} وأضللته {وَلَـٰكِن كَانَ} في نفسه {فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} [ق: 27] بمراحل عن الهداية بمقتضى أهويته وأمانيه الفاسدة. وبعدما اختصم الكافر وقرينه عند الله {قَالَ} الله سبحانه: {لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ} ولا تنازعوا عندي؛ إذ لا نفع لكم الآن في الخصومة والنزاع {وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم} في كتبي وعلى ألسنة رسلي {بِٱلْوَعِيدِ} [ق: 28] الهائل، والعذاب الشديد على أهل الشرك والطغيان والكفر والكفران، فالحكم على ماجرى لا تبديل وتغيير. إذ {مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ} والحكم {لَدَيَّ} بل المقدر في علمي كائن على ما ثبت وكان على مقتضى العدالة والقسط الحقيقي {وَ} بالجملة: {مَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [ق: 29] أي: ليس من شأني الظلم والتعدي على عبيدي، بل هم يظلمون أنفسهم، فيستحقون العقوبة على قدر عصيانهم. اذكر يا أكمل الرسل للعصاة والكفرة المشركينن، المصرين على العناد والإنكار {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ} المعدة لجزائهم، سؤال تخييل وتصوير حين طرحت عليها أفواج الكفرة والعصاة: {هَلِ ٱمْتَلأَتِ} جهنم من شدة تلهبها وتسعرها بإطاق الله إياه: {وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} [ق: 30] من المطروحين حتى يطرح ما بقي من أهلها إلى أن تمتلئ إنجازاً لما وعد لها الحق، نقول لجهنم: {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}تفسير : [هود: 119]. {وَ} اذكر أيضاً للمؤمنين المطيعين يوم {أُزْلِفَتِ} وقربت {ٱلْجَنَّةُ} الموعودة {لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ} [ق: 31] بل بحيث يرون منازلهم فيها قبل دخولهمم من غاية قربها، وتمنون الوصل إليها. فيقال لهم حيئنذ: {هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ} رجاع، تواب إلى الله عن عموم زلاته ومطلق فرطاته في نشأة الاختبار {حَفِيظٍ} [ق: 32] لتوبته على وجه الندم والإخلاص، بلا توهم عودٍ ورجوع عليها أصلاً. وبالجملة: {مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ} واجتنب عن محارمه منهياته، خائفاً من سخطه، راجياً من سعة رحمته في نشأة الاعتبار والاختيار قبل انكشاف السرائر والأستار وحلول النشأة الأخرى، ورضي بالتكاليف الإلهية، ووطن نفسه بامتثال عموم الأوامر والنواهي ومطلق الأحكام الجارية على ألسنة الرسل والكتب {وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ} [ق: 33] إلى الله، مخلصاً في إطاعة الله وإطاعة رسوله. قيل لهم حينئذ من قبل الحق على وجه التبشير: {ٱدْخُلُوهَا} أي: الجنة المعدة لأرباب التقوى {بِسَلاَمٍ} حال كونكم سالمين آمنين من العذاب {أية : لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ}تفسير : [الأعراف: 49] {ذَلِكَ} اليوم الذي أنتم فيه الآن {يَوْمُ ٱلُخُلُودِ} [34] في الجنة الموعودة لأرباب العناية والشهود. جعلنا الله من زمرتهم بمنِّه وجوده. وبالجملة: {لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا} من اللذات الحسية والعقلية المحاطة بمداركهم وآلاتهم، بل {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق: 35] على ما يسألون حسب استعداداتهم، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ} [ق: 16] قبل خلقه، مثل بعد خلقه {مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} [ق: 16] من شهوات بطلب استيفائها، وتصنع مع الخلق، أو سوء خلق، أو اعتقاد فاسد، وغير ذلك من أوصاف النفس، يوسوس بذلك ليشوش عليه قلبه ووقته، وكيف لا يعلم وكل ذلك مما خلقناه فيه وقدرنا له فعله؟! {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ} [ق: 16]، أقرب أجزاء نفسه إلى نفسه، يشير به إلى أنه تعالى أقرب إلى العبد من نفس العبد إلى العبد، فكما أنه كل وقت يطلب نفسه يجدها؛ لأنها قريبة منه، فكذلك كل وقت طلب الله وجده؛ لأنه قريب منه، كما قال: {أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}تفسير : [البقرة: 186]، وقال: "حديث : ألا من طلبني وجدني ". تفسير : وبقوله: {إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ} [ق: 17]، يشير إلى أن من لم يعرف قدر قربي إليه، ويكون بعيداً مني بخصاله الذميمة وأفعاله الردية، ولم يرضَ بأني أكون رقيبه. وأوكل عليه رقيبين {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]، يكتب بقلم حركاته ومداد لدنيته على صحيفة قلبه، فإن كانت حركاته شرعية ملكية ونيته خالصة ربانية؛ فتجيء كتابته نورانية روحانية، وإن كانت حركاته طبيعية حيوانية ونيته هوائية شهوانية؛ فتجيء كتابته ظلمانية نفسانية، فمن هاهنا تبيض وجوه وتسود وجوه. وفيه أيضاً إشارة إلى كمال عنايته في حق عباده؛ إذ جعل على كل واحد رقيبين من الملائكة المقربين؛ ليحفظوه بالليل والنهار إذا كان ماشياً فواحد بين يديه وواحد خلفه، ويقال: هما اثنان بالليل لكل أحد واثنان بالنهار، ويقال: بل الذي يكتب الخيرات كل يوم آخر، والذي يكتب الشر والذلة كل يوم هو الذي كان بالأمس؛ لتكثر شهود الطاعة غداً ويقل شهود المعصية، وبقاء الذي يكتب المعصية كل يوم اثنان آخران وكل ليلة اثنان آخران؛ لئلا يعلم في مساوئك إلا القليل منهم، فيكون علم المعاصي متفرقاً فيهم. {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق: 19]، إذا أشرقت النفس على الخروج من الدنيا، فأحوالهم تختلف؛ فمنهم: من يزداد في ذلك الوقت خوفه ولا تتبين إلا عند ذهاب الروح حاله، ومنهم: من يكاشف قبل خروجه، فيسكن روعه ويحفظ عليه قلبه، ويتم له حضوره وتميزه؛ فيسلم الروح على مهل من غير استكراه وعبوس، ومنهم: وفي معناه يقول بعضهم: شعر : أنا إن مت فالهوى حشو قلبي وبداء الهوى يموت الكرام تفسير : ثم قال: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ} [ق: 20]، لكل نفس أوعدها الله بحسب سيرها من أول الفطرة إلى يوم البعث، {وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ} [ق: 21]؛ أي: الذي ساقها من مبدأ الوجود أما سوقاً باللطف وأما سوقاً بالبيت قوله: "حديث : هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي ولا أبالي" تفسير : شهيد من شواهد الحق؛ ليجري عليه من الأحكام الأزلية. وبقوله: {لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: 22]. يشير إلى أن الإنسان وإن خلق من عالمي المغيب والشهادة، فالغالب عليه في البداية الشهادة وهي العالم الحسي، فيرى بالحواس الظاهرة عالم المحسوس مع اختلاف أجناسه، وهو بمعزل عن إدراك عالم الغيب، فمن الناس: من يكشف الله غطاءه عن بصر بصيرته؛ فيجعل بصره حديداً، يبصر رشده ويحذر شره لهم المؤمنون من أهل السعادة. ومنهم: من يكشف عن بصر بصيرته يوم القيامة، يوم {أية : لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ...}تفسير : [الأنعام: 158] الآية، وهم الكفار من أهل الشقاوة {وَقَالَ قَرِينُهُ} [ق: 23] وهو سائقه، {هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} [ق: 23]، معد لك في الأزل.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى، أنه المتفرد بخلق جنس الإنسان، ذكورهم وإناثهم، وأنه يعلم أحواله، وما يسره، ويوسوس في صدره وأنه أقرب إليه من حبل الوريد، الذي هو أقرب شيء إلى الإنسان، وهو العرق المكتنف لثغرة النحر، وهذا مما يدعو الإنسان إلى مراقبة خالقه، المطلع على ضميره وباطنه، القريب منه في جميع أحواله، فيستحي منه أن يراه، حيث نهاه، أو يفقده، حيث أمره، وكذلك ينبغي له أن يجعل الملائكة الكرام الكاتبين منه على بال، فيجلهم ويوقرهم، ويحذر أن يفعل أو يقول ما يكتب عنه، مما لا يرضي رب العالمين، ولهذا قال: { إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ } أي: يتلقيان عن العبد أعماله كلها، واحد { عَنِ الْيَمِينِ } يكتب الحسنات { و } الآخر { عن الشِّمَالِ } يكتب السيئات، وكل منهما { قَعِيدٌ } بذلك متهيئ لعمله الذي أعد له، ملازم له. { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ } خير أو شر { إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } أي: مراقب له، حاضر لحاله، كما قال تعالى: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ }.