Verse. 4647 (AR)

٥٠ - ق

50 - Qaf (AR)

اِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيٰنِ عَنِ الْيَمِيْنِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيْدٌ۝۱۷
Ith yatalaqqa almutalaqqiyani AAani alyameeni waAAani alshshimali qaAAeedun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إذ» منصوبة باذكر مقدرا «يتلقى» يأخذ ويثبت «المتلقيان» الملكان الموكلان بالإنسان ما يعمله «عن اليمين وعن الشمال» منه «قعيد» أي قاعدان وهو مبتدأ خبره ما قبله.

17

Tafseer

الرازي

تفسير : {إِذْ } ظرف والعامل فيه ما في قوله تعالى: {أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ } تفسير : [قۤ: 16] وفيه إشارة إلى أن المكلف غير متروك سدى، وذلك لأن الملك إذا أقام كتاباً على أمر اتكل عليهم، فإن كان له غفلة عنه فيكون في ذلك الوقت يتكل عليهم، وإذا كان عند إقامة الكتاب لا يبعد عن ذلك الأمر ولا يغفل عنه فهو عند عدم ذلك أقرب إليه وأشد إقبالاً عليه، فنقول: الله في وقت أخذ الملكين منه فعله وقوله أقرب إليه من عرقه المخالط له، فعندما يخفى عليهما شيء يكون حفظنا بحاله أكمل وأتم، ويحتمل أن يقال التلقي من الاستقبال يقال فلان يتلقى الركب وعلى هذا الوجه فيكون معناه وقت ما يتلقاه المتلقيان يكون عن يمينه وعن شماله قعيد، فالمتلقيان على هذا الوجه هما الملكان اللذان يأخذان روحه من ملك الموت أحدهما يأخذ أرواح الصالحين وينقلها إلى السرور والحبور إلى يوم النشور والآخر يأخذ أرواح الطالحين وينقلها إلى الويل والثبور إلى يوم الحشر من القبور، فقال تعالى وقت تلقيهما وسؤالهما إنه من أي القبيلين يكون عند الرجل قعيد عن اليمين وقعيد عن الشمال، يعني الملكان ينزلان وعنده ملكان آخران كاتبان لأعماله يسألانهما من أي القيلين كان، فإن كان من الصالحين يأخذ روحه ملك السرور، ويرجع إلى الملك الآخر مسروراً حيث لم يكن مسروراً ممن يأخذها هو، وإن كان من الطالحين يأخذها ملك العذاب ويرجع إلى الآخر محزوناً حيث لم يكن ممن يأخذها هو، ويؤيد ما ذكرنا قوله تعالى: {أية : سَائِقٌ وَشَهِيدٌ } تفسير : [قۤ: 21] فالشهيد هو القعيد والسائق هو المتلقي يتلقى أخذ روحه من ملك الموت فيسوقه إلى منزله وقت الإعادة. وهذا أعرف الوجهين وأقربهما إلى الفهم، وقول القائل جلست عن يمين فلان فيه إنباء عن تنح ما عنه احتراماً له واجتناباً منه، وفيه لطيفة وهي أن الله تعالى قال: {أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ } تفسير : [قۤ: 16] المخالط لأجزائه المداخل في أعضائه والملك متنح عنه فيكون علناً به أكمل من علم الكاتب لكن من أجلس عنده أحداً ليكتب أفعاله وأقواله ويكون الكاتب ناهضاً خبيراً والملك الذي أجلس الرقيب يكون جباراً عظيماً فنفسه أقرب إليه من الكاتب بكثير، والقعيد هو الجليس كما أن قعد بمعنى جلس.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِذْ } منصوبة باذكر مقدّراً {يَتَلَقَّى } يأخذ ويثبت {ٱلْمُتَلَقّيَانِ } الملكان الموكلان بالإِنسان ما يعمله {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشّمَالِ } منه {قَعِيدٌ } أي قاعدان وهو مبتدأ خبره ما قبله.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْمُتَلَقِّيَانِ} ملكان يتلقيان العمل أحدهما عن يمينك يكتب الحسنات والآخر عن شمالك يكتب السيئات وهم أربعة ملكان بالليل وملكان بالنهار {قَعِيدٌ} قاعد أو رصَد حافظ من القعود.

البقاعي

تفسير : ولما كان سبحانه قد وكل بنا حفظة تحفظ أعمالنا وتضبط أقوالنا وأحوالنا، فكان المعروف لنا أن سبب الاستحفاظ خوف الغفلة والنسيان، قدم سبحانه الإخبار بكمال علمه فأمن ذلك المحذور، علق بأقرب أو نعلم قوله تأكيداً لما علم من إحاطة علمه من عدم حاجته، وتخويفاً بما هو أقرب إلى مألوفتنا {إذ} أي حين {يتلقى} أي بغاية الاجتهاد والمراقبة والمراعاة من كل إنسان خلقناه وأبرزناه إلى هذا الوجود {المتلقيان} وما أدراك ما هما؟ ملكان عظيمان حال كونهما {عن اليمين} لكل إنسان قعيد منهما {وعن الشمال} كذلك {قعيد *} أي رصد وحبس مقاعد لذلك الإنسان بأبلغ المقاعدة ونحن أقرب منهما وأعلم علماً، وإنما استحفظناهما لإقامة الحجة بهما على مجاري عاداتكم وغير ذلك من الحكم. ولما كانت الأفعال اللسانية والقلبية والبدنية ناشئة عن كلام النفس، فكان الكلام جامعاً، قال مبيناً لإحاطة علمه بإحاطة من أقامه لحفظ هذا الخلق الجامع في جواب من كأنه قال: ما يفعل المتلقيان: {ما يلفظ} أي يرمي ويخرج المكلف من فيه، وعم في النفي بقوله: {من قول} أي مما تقدم النهي عنه في الحجرات من الغيبة وما قبلها وغير ذلك قل أو جل {إلا لديه} أي الإنسان أو القول على هيئة من القدرة والعظمة هي من أغرب المستغرب {رقيب} من حفظتنا شديد المراعاة له في كل من أحواله {عتيد *} أي حاضر مراقب غير غافل بوجه، روى البغوي بسنده من طريق الثعلبي عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كاتب الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمير على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشراً، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر ". تفسير : ولما كان مثل إرسال الخافقين ثم الموت ثم النفخ بإرسال الملك في الدنيا إلى الناس لعرضهم فيصير الإنسان منهم ساعياً في التزين للملك بما يعجبه في مقصود ذلك العرض في الأجل الذي ضربه لهم، فإذا جاء ذلك الوقت الذي هو كالموت أخذته الرسل فباءوا به كما يفعل حال الموت بالميت ومن أحضروه منهم حبسوه على باب الملك لتكامل المعروضين، فإذا كمل جمعهم وأمر بقيامهم للعرض زعق لهم المنادي بالبوق الذي يسمى النفير وهو كالصور، فلهذا قال تعالى مبيناً لإحاطة قدرته بجميع خلقه عاطفاً على ما تقديره: فاضطرب ذلك الإنسان الموكل به في الوقت المأمور بالتردد فيه بما يرضي الله بالقول والفعل على حسب إرادته سبحانه سواء كان موافقاً للأمر أو مخالفاً إلى أن أوان الرحيل معبراً بالماضي تنبيهاً على أن الموت مع أنه لا بد منه قريب جداً: {وجاءت} أي أتت وحضرت {سكرة الموت} أي حالته عند النزع وشدته وغمرته، يصير الميت بها كالسكران، لا يعي وتخرج بها أحواله وأفعاله وأقواله عن قانون الاعتدال، ومجيئاً متلبساً {بالحق} أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع فلا حيلة في الاحتراس منه من بطلان الحواس وكشف الغطاء عن أحوال البرزخ من فتنة السؤال وضيق المجال أو سعة الحال، وقيل للميت بلسان الحال إن لم يكن بلسان القال: {ذلك} أي هذا الأمر العظيم العالي الرتبة الذي يحق لكل أحد الاعتداد له بغاية الجد {ما} أي الأمر الذي {كنت} جبلة وطبعاً. ولما كانت نفرته منه وهربه من وقوعه بحفظ الصحة ودواء الأداء في الغاية، كان كأنه لا ينفر إلا منه، فأشار إلى ذلك بتقديم الجارّ فقال: {منه تحيد *} أي تميل وتنفر وتروع وتهرب.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله ‏ {‏إذ يتلقى المتلقيان‏} ‏ قال‏:‏ مع كل إنسان ملكان ملك عن يمينه وآخر عن شماله، فأما الذي عن يمينه فيكتب الخير، وأما الذي عن شماله فيكتب الشر‏. وأخرج أبو نعيم والديلمي عن معاذ بن جبل مرفوعاً أن الله لطف الملكين الحافظين حتى أجلسهما على الناجذين وجعل لسانه قلمهما وريقه مدادهما‏.‏ وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مجاهد قال‏:‏ إسم صاحب السيئات قعيد‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال‏:‏ عن اليمين كاتب الحسنات وعن الشمال كاتب السيئات‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏ما يلفظ من قول‏} ‏ الآية، قال‏:‏ يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر حتى إنه ليكتب قوله أكلت شربت ذهبت جئت رأيت حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر وألقى سائره، فذلك قوله ‏{أية : ‏يمحو الله ما يشاء ويثبت}تفسير : ‏[‏الرعد: 39‏]‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد‏}‏ قال‏:‏ إنما يكتب الخير والشر لا يكتب يا غلام أسرج الفرس ويا غلام اسقني الماء‏. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال‏:‏ لا يكتب إلا ما يؤجر عليه ويؤزر فيه، لو قال رجل لامرأته تعالي حتى نفعل كذا وكذا كان يكتب عليه شيء‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا في الفدية من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏ما يلفظ من قول‏} ‏ الآية، قال‏:‏ كاتب الحسنات عن يمينه يكتب حسناته وكاتب السيئات عن يساره، فإذا عمل حسنة كتب صاحب اليمين عشراً وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه حتى يسبح أو يستغفر، فإذا كان يوم الخميس كتب ما يجزى به من الخير والشر، ويلقى ما سوى ذلك، ثم يعرض على أم الكتاب فيجده بجملته فيه‏. وأخرج ابن أبي الدنيا في الصمت عن علي رضي الله عنه قال‏:‏ لسان الإِنسان قلم الملك وريقه مداده‏. وأخرج ابن أبي الدنيا وابن المنذر عن الأحنف بن قيس في قوله ‏ {‏عن اليمين وعن الشمال قعيد‏} ‏ قال‏:‏ صاحب اليمين يكتب الخير وهو أمير على صاحب الشمال، فإن أصاب العبد خطيئة قال أمسك فإن استغفر الله نهاه أن يكتبها، وإن أبى إلا أن يصر كتبها‏.‏ وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة من طريق ابن المبارك عن ابن جريج قال‏:‏ ملكان أحدهما على يمينه يكتب الحسنات وملك عن يساره يكتب السيئات، فالذي عن يمينه يكتب بغير شهادة من صاحبه إن قعد فأحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، وإن مشى فأحدهما أمامه والآخر خلفه، وإن رقد فأحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه‏.‏ قال ابن المبارك‏:‏ وكل به خمسة أملاك ملكان بالليل وملكان بالنهار يجيئان ويذهبان وملك خامس لا يفارقه ليلاً ولا نهارا‏ً.‏ وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد في قوله ‏ {‏رقيب عتيد‏} ‏ قال‏:‏ رصيد‏.‏ وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن حجاج بن دينار قال‏:‏ قلت لأبي معشر‏:‏ الرجل يذكر الله في نفسه كيف تكتبه الملائكة‏؟‏ قال‏:‏ يجدون الريح‏.‏ وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن أبي عمران الجوني قال‏:‏ بلغنا أن الملائكة تصف بكتبها في السماء الدنيا كل عشية بعد العصر فينادي الملك ألقِ تلك الصحيفة وينادي الملك الآخر ألقِ تلك الصحيفة، فيقولون ربنا قالوا خيراً وحفظنا عليهم فيقول إنهم لم يريدوا به وجهي وإني لا أقبل إلا ما أريد به وجهي وينادي الملك الآخر أكتب لفلان بن فلان كذا وكذا فيقول‏:‏ يا رب إنه لم يعمله فيقول إنه نواه، وأخرج ابن المبارك وابن أبي الدنيا في الإِخلاص وأبو الشيخ في العظمة عن ضمرة بن حبيب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : إن الملائكة يصعدون بعمل العبد من عباد الله فيكثرونه ويزكونه حتى ينتهوا به حيث شاء الله من سلطانه، فيوحي الله إليهم إنكم حفظة على عمل عبدي، وأنا رقيب على ما في نفسه، إن عبدي هذا لم يخلص لي عمله فاجعلوه في سجين، قال‏:‏ ويصعدون بعمل العبد من عباد الله فيستقلونه ويحقرونه حتى ينتهوا حيث شاء الله من سلطانه فيوحي الله إليهم إنكم حفظة على عمل عبدي، وأنا رقيب على ما في نفسه فضاعفوه له واجعلوه في عليين‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي أمامة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏صاحب اليمين أمير على صاحب الشمال، فإذا عمل العبد حسنة كتبت له بعشر أمثالها، وإذا عمل سيئة فأراد صاحب الشمال أن يكتبها قال صاحب اليمين أمسك فيمسك ست ساعات أو سبع ساعات، فإن استغفر الله منها لم يكتب عليه شيئاً، وإن لم يستغفر الله كتب عليه سيئة واحدة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو الشيخ في التفسير عن حسان بن عطية قال‏:‏ تذاكروا مجلساً فيه مكحول وابن أبي زكريا أن العبد إذا عمل خطيئة لم تكتب عليه ثلاث ساعات، فإن استغفر الله وإلا تكتب عليه‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء بن أبي رباح أنه قال‏:‏ إن من كان قبلكم كان يكره فضول الكلام ما عدا كتاب الله أن يقرأه أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر، وأن تنطق بحاجتك في معيشتك التي لا بد لك منها‏.‏ أتنكرون أن عليكم حافظين كراماً كاتبين، وأن عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد‏؟‏ أما يستحي أحدكم لو نشر صحيفته التي ملأ صدر نهاره وأكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه‏؟‏‏. وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق الأوزاعي عن حسان بن عطية قال‏:‏ بينما رجل راكب على حمار إذ عثر به، فقال‏:‏ تعست، فقال صاحب اليمين‏:‏ ما هي بحسنة فأكتبها، وقال صاحب الشمال ما هي بسيئة فأكتبها، فنودي صاحب الشمال أن ما ترك صاحب اليمين فأكتبه‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن بكر بن ماعز قال‏:‏ جاءت بنت الربيع بن خيثم وعنده أصحاب له فقال:‏ يا أبتاه أذهب ألعب‏.‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال له أصحابه‏:‏ يا أبا يزيد اتركها‏.‏ قال‏:‏ لا يوجد في صحيفتي أني قلت لها‏:‏ إذهبي فالعبي لكن إذهبي فقولي خيراً وافعلي خيراً‏.‏ وأخرج البيهقي في الشعب عن حذيفة بن اليمان أن الكلام بسبعة أغلاق إذ أخرج منها كتب، وإذا لم يخرج لم يكتب القلب واللهاة والحنكين والشفتين‏.‏ وأخرج الخطيب في رواة مالك وابن عساكر عن مالك أنه بلغه أن كل شيء يكتب حتى أنين المريض‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال‏:‏ يكتب على ابن آدم كل شيء يتكلم به حتى أنينه في مرضه‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن الفضيل بن عيسى قال‏:‏ إذا احتضر الرجل قيل للملك الذي كان يكتب له كف قال‏:‏ لا وما يدريني لعله يقول لا إله إلا الله فأكتبها له‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال‏:‏ يكتب من المريض كل شيء حتى أنينه في مرضه‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء بن يسار يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:حديث : ‏ إذا مرض العبد قال الله للكرام الكاتبين‏:‏ اكتبوا لعبدي مثل الذي كان يعمل حتى أقبضه أو أعافيه ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن سلمان قال‏:‏ إذا مرض العبد قال الملك‏‏ يا رب إبتليت عبدك بكذا فيقول‏:‏ ما دام في وثاقي فاكتبوا له مثل عمله الذي كان يعمل‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في شعب الإِيمان عن معاذ قال‏:‏ إذا إبتلى الله العبد بالسقم قال لصاحب الشمال إرفع، وقال لصاحب اليمين أكتب لعبدي ما كان يعمل‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن النضر بن أنس قال‏:‏ كنا نتحدث منذ خمسين سنة، أنه ما من عبد يمرض إلا قال الله لكاتبيه أكتبا لعبدي ما كان يعمل في صحته‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي قلابة قال‏:‏ إذا مرض الرجل على عمل صالح أجرى له ما كان يعمل في صحته‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة قال إذا مرض الرجل رفع له كل يوم ما كان يعمل‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ثابت بن مسلم بن يسار قال‏:‏ إذا مرض العبد كتب له أحسن ما كان يعمل في صحته‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني في الأفراد والطبراني والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ما من أحد من المسلمين يبتلى ببلاء في جسده إلا أمر الله الحفظة فقال أكتبوا لعبدي ما كان يعمل وهو صحيح ما دام مشدوداً في وثاقي ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏من مرض أو سافر كتب الله له ما كان يعمل صحيحاً مقيما‏ً "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إذا ابتلى الله المؤمن ببلاء في جسده قال للملك‏:‏ أكتب له صالح عمله الذي كان يعمل، فإن شفاه غسله وطهره، وإن قبضه غفر له ورحمه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو الشيخ في العظمة والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ إن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ حديث : إن الله وكل بعبده المؤمن ملكين يكتبان عمله، فإذا مات قال الملكان اللذان وُكِّلاَ به‏:‏ قد مات فائذن لنا أن نصعد إلى السماء، فيقول الله‏:‏ سمائي مملوءة من ملائكتي يسبحونني، فيقولان‏:‏ أنقيم في الأرض‏؟‏ فيقول الله‏:‏ أرضي مملوءة من خلقي يسبحونني، فيقولان‏:‏ فأين‏؟‏ فيقول‏:‏ قوما على قبر عبدي فسبحاني واحمداني وكبراني وأكتبا ذلك لعبدي إلى يوم القيامة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والحكيم الترمذي عن عمر بن ذر عن أبيه رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الله عند لسان كل قائل فليتق الله عبد ولينظر ما يقول‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً مثله‏.‏

القشيري

تفسير : خوَّفَهم بشهود الملائكة وحضور الحَفَظَة، وبكتابتهم عليهم أعمالَهم، فهما قَعيدا كلِّ أحدٍ: ويقال: إذا كان العبدُ قاعداً فواحدٌ عن يمينه يكتب خيراته، وواحدٌ على يساره يكتب معاصيه، وإذا قام فواحدٌ عند رأسِه وواحد عند قَدَمِه، وإذا كان ماشياً فواحدٌ قائم بين يديه وآخرُ خَلْفَه. ويقال: هما اثنان بالليل لكلِّ واحدٍ، واثنان بالنهار. ويقال: بل الذي يكتب الخيراتِ اليومَ يكون غيره غداً، وأمَّا الذي يكتب الشر والمعصية بالأمس فإنه يكون كاتباً للطاعة غداً حتى يشهد طاعتك. ويقال: بل الذي يكتب المعصية اثنان؛ كل يوم اثنان آخران وكل ليلةٍ اثنان آخران لئلا يُعْلَمَ من مساويك إلا القليل منها، ويكون عِلْمُ المعاصي متفرقاً بهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {اذ يتلقى المتلقيان} منصوب باذكر وهو اولى لبقاء قوله ونحن الخ على اطلاقه او بما فى أقرب من معنى الفعل والتلقى الاخذ والتلقن بالحفظ والكتابة والمعنى انه لطيف بتوصل علمه الى مالاشىء اخفى منه وهو أقرب الى الانسان من كل قريب حين يتلقى ويتلقن ويأخذ الحفيظان اى الملكان الموكلان بالانسان مايتلفظ به وفيه اى على الوجه الثانى ايذان بأنه تعالى غنى عن استحفاظهما لاحاطة علمه بما يخفى عليهما وانما ذلك لما فى كتبهما وحفظهما لاعمال العبد وعرض صحائفهما يوم يقوم الاشهاد وعلم العبد بذلك مع علمه بأحاطته تعالى بتفاصيل احواله خبرا من زيادة اللطف له فى الكف عن السيئات والرغبة فى الحسنات وعنه عليه السلام ان مقعد ملكيك على ثنيتيك ولسانك قلمهما وريقك مدادهما وأنت تجرى فيما لايعنيك لاتستحيى من الله ولا منهما وقد جوز أن يكون تلقى الملكين بيانا للقرب على معنى انا أقرب اليه مطلعون على اعماله لان حفظتنا وكتبتنا موكلون به {عن اليمين} هو أشرف الجوارح وفيه القوة التامة {وعن الشمال} هو مقابل اليمين {قعيد} اى عن جانب اليمين قعيد أى مقاعد كالجليس بمعنى المجالس لفظا ومعنى فحذف الاول لدلالة لا الثانى عليه وقيل يطلق الفعيل على الواحد والمتعدد كما فى قوله والملائكة بعد ذلك ظهير

الجنابذي

تفسير : {إِذْ يَتَلَقَّى} ظرف لاقرب او لنعلم او لهما يعنى نحن اقرب اليه اذ يتلقّى {ٱلْمُتَلَقِّيَانِ} اى اذ يتلقّى الحفيظان ما يتلفّظ وما يفعله والمعنى نحن اقرب اليه وقت تلقّى الكاتبين الفاظه واعماله فلا حاجة لنا الى كاتبٍ يكتب اعماله {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ} مراقب كثيراً لاعماله {عَتِيدٌ} معدّ لكتابة الاعمال، عن الصّادق (ع): ما من قلبٍ الاّ وله اذنان على احديهما ملك مرشد وعلى الاخرى شيطان مفتّنٌ هذا يأمره وهذا يزجره، الشّيطان يأمره بالمعاصى، والملك يزجره عنها، وهو قول الله تعالى عن اليمين وعن الشّمال قعيد، وفى بعض الاخبار تلويح بانّ صاحب اليمين وصاحب الشّمال يكتب السّيّئات وهذا من سعة وجوه القرآن.

الأعقم

تفسير : {إذ يتلقّى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد} وقد وكلهما الله تعالى علمه بأعمالهم ليكتب أعمالهم تأكيداً للحجة ولطفاً للخلق، وقيل: الحفظة أربعة ملكان بالنهار وملكان بالليل، وقيل: عن اليمين ملك يكتب الحسنات وعن الشمال ملك يكتب السيئات، قعيد قاعد {ما يلفظ من قول إلاَّ لديه} أي ما يتكلم بشيء وخصّ القول لأنه أكثر لتعلق أمر الناس {إلا لديه رقيب عتيد} حاضر معه للزوم ذلك، وقيل: يكتبان كل شيء ثم يطرح والمباحات، وقيل: يكتبان ما فيه جزاء فإذا مات طويت الصحيفة، وقيل: يوم القيامة {أية : اقرأ كتابكَ كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً}تفسير : [الإسراء: 14]، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : ان مقعد مليكيك على ثنيتيك، ولسانك قلمهما، وريقك مدادهما، وأنت تجري فيما لا يعنيك لا تستحيي من الله ولا منهما"تفسير : ، وروي: "حديث : يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه" تفسير : وروي: "حديث : إذا عمل العبد حسنة يكتبها ملك اليمين عشراً وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر" تفسير : وقيل: أن الملائكة يجتنبون عن غائط الإِنسان وجماعه {وجاءت سكرة الموت بالحق} سكرته الذاهبة بالعقل، يعني وحضرت سكرة حقيقة الأمر الذي أنطق الله به كتبه وبعث به رسله {ذلك ما كنت منه تحيد} قيل: تهرب، وقيل: تميل، وقيل: تكره {ونفخ في الصور} قيل: ينفخ الروح في الأبدان والصوت ويحيون، وقيل: هو قرن ينفخ فيه اسرافيل {ذلك يوم الوعيد} الذي وعدنا الله أن يعذبهم أو اليوم الذي يحق الوعيد على العصاة {وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد} ملك سائق يسوقها إلى المحشر، وملك يشهد عليها بما عملت، وقيل: هما الحافظان، وملك جامع بين الأمرين {لقد كنت في غفلة من هذا} في قلة تدبير في الدنيا، أي يقال له ذلك توبيخاً {فكشفنا عنك غطاءك} لأنه يرى ما يصير إليه {فبصرك اليوم حديد} قوي نافذ يرى كل ما كان محتوياً عليك {وقال قرينه} قال جار الله: هو الشيطان الذي كان يضله يشهد عليه، وقيل: قرينه الملك الذي كان يصحبه في الدنيا يشهد عن الحسن رواه الحاكم، وقيل: هم قرناء السوء {هذا ما لدي عتيد} أي يقول هذا الذي وكلتني به من بنى آدم أحضرته وأحضرت ديوان عمله هذا على أن القرين هو الملك {ألقيا} خطاب من الله للملكين السائق والشهيد {في جهنم كلّ كفار عنيد} ذاهب عن الحق {منّاع للخير} لكل واجب عليه من ماله، والآية نزلت في الوليد بن المغيرة {معتد} ظالم {مريب} شاك في الحق في الدين {الذي جعل مع الله إلهاً آخر فألقياه في العذاب الشديد} {قال قرينه} يعني الشيطان الذي قرن بهذا الكافر وهول من الذنب عليه عن ابن عباس، وقيل: قرينه من الإِنس وهم علماء السوء والرؤساء والمتبوعين، وقيل: القرين هو الملك الشاهد أيضاً {ربنا ما أطغيته} أي أظللته ولا أوقعته في العصيان {ولكن} دعوته فأجاب وهذا قول الشيطان أو متبوع أهل الضلال، وقيل: هذا قول الملك أي ما شهدت عليه بالطغيان {ولكن كان في ضلال} عن الحق ولما كثرت المخاصمة بين الشياطين وأتباعهم، قال الله عز وجل: {لا تختصموا لدي} لأنهما مستوجبان بالعذاب {وقد قدّمت إليكم بالوعيد} قيل: قد قدمت من عمل سيئة يجزى بها، وقوله: {أية : لأملأن جهنم} تفسير : [الأعراف: 18] وفي القرآن وعلى ألسنة الرسل لأصحاب النار فإنه أخبرهم {ما يبدل القول لدي} أي ما يبدل وعدي ووعيدي {وما أنا بظلاَّم للعبيد} لا أعاقبهم بغير ذنب {يوم نقول لجهنم هل امتلأت} قيل: هذا خطاب لأصحاب النار أخبرهم أنه لما أوها بقوله: {أية : لأملأنّ جهنم} تفسير : [الأعراف: 18] بحيث لا مزيد فيقول له يومئذ هل امتلأت ليقروا الصدق رسوله، وقيل: بل خطاب لخزنة جهنم بأنها هل امتلأت فيقولون: بل لم يبق موضع لمزيد ليعلم صدق وعده، وقيل: هذا اخبار من امتلاء جهنم بحيث لا مزيد، وقيل: معناه لا مزيد، وقيل: هذا مجاز كقوله: {أية : قالتا أتينا طائعين} تفسير : [فصلت: 11] قيل: هم خزنة جهنم، وقيل: أهل النار ويجوز أنها من السعة بحيث يدخلها من يدخلها وفيها موضع لمزيد.

اطفيش

تفسير : {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ} اذ مفعول لأذكر محذوفاً أو ظرف متعلق بأقرب والمتلقيان الملكان الموكلان به وبعمله ومنطقه يكتبان ويحفظان وفي التعليق بأقرب إشعار بأنه غني عن حفظ الملكين اذا كان أقرب وقت تلقيهما من حبل الوريد فانه أعلم منهما ومطلع على ما يخفي عليهما لكن استحفظهما ردعاً للعبد عن المعصية وتأكيداً في اعتبار الاعمال وضبطها للجزاء والزاماً للحجة يوم الاشهاد ويجوز أن يراد بقوله {أية : وَنحن أقرب} تفسير : الخ تلقى الملكين فقوله {إِذْ يَتَلَقَّى} بيان للقرب أي نحن مطلعون عليه لان حفظتنا موكلون به تمثيل لانه عليم بالذات ولم يقصد انه عليم بالملكين والتلقي الأخذ بالحفظ والكتابة* {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قِعِيدٌ} أي قاعد والاصل عن اليمين ملك قاعد وعن الشمال ملك قاعد وقعيد واقع على اثنين كما يقع فعيل بمعنى فاعل وعلى الاثنين وعلى أكثر وقيل قعيد بمعنى مقاعد كجليس بمعنى مجالس وقيل قعيد بمعنى ملازم لا يبرح كما يقال للمرأة قعيد لملازمتها البيت وصاحب اليمين يكتب الحسنات وصاحب الشمال يكتب السيئات. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ان مقعد مليكك على ثنيتك ولسانك قلمهما وريقك مدادهما وأنت تجري فيما لا يعنيك لا تستحى من الله ولا منهما" تفسير : والحفظة اثنان وقيل أربعة وقيل ستة وقيل لا يقصرون على عدد معلوم والمراد بالقعيد الجنس عند من يقول أكثر من اثنين

اطفيش

تفسير : {إذ يَتلقَّى المتلقِّيان} الملكان الموكلان على كتابة عمل الانسان، فالتلقى ملاقاة الفاعل ليكتبا علمه ليكونا هما وكتابتهما حجة عليه يوم يقولم الأشهاد، وفى اعلام الله بتلقيهما زجر عن عمل السوء، وترغيب فى عمل الحسن، وذلك حكمة الكتابة، والله غنى عنها، كما أخبرنا الله أنه أقرب اليه بالعلم بما يفعل حين يراه الملكان، ويكتبان ما يفعل، فان إذ متعلق بأقرب، فالمعنى أنه أعام منهما بما فعل حين يكتبانه، وليس فى كونه أقرب أى أعلم فى ذلك الوقت نفى كونه أقرب فى غيره، إذ لا حصر فى الآية، وانما خصه بالذكر ليزدجر عن السوء الى الحسن. {عَن اليَمين} قعيد حذف للدلالة عليه بقوله {وعَن الشِّمال قعِيدٌ} وقال الفراء: فعيل بمعى فاعل، أو مفاعل بضم الميم يصدق على الواحد فصاعدا، فلا حذف فمعنى قعيد قاعدان أو مجالسان، ولا يختص ذلك بفعيل بمعنى مفعول كما قيل، بل هذا معروف فيه لا فى فعيل بمعنى مفعول، وعلى كل حال المراد قعيدان فى الآية لا واحد، وأن أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله فى قعوده وقيامه وسيره، ولا يصح ما قيل عن معاذ بن جبل، عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنهما على الناجدين، وأن لسانه قلمهما، وأن ريقه مدادهما، ويبعدان" تفسير : يراد باليمين والشمال الناجد الأيمن والناجد الأيسر، ولا ما قيل عن ابن عباس فى اليمين والشمال حال القعود والوقوف، وخلف وقدام فى المشى وعن الرجلين والرأس عند الاضطجاع، ولا ما قيل انهما على طرفى الحنك، بل نؤمن بالآية على ظاهرها.

الالوسي

تفسير : {إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقّيَانِ } هما الملكان الموكلان بكل إنسان يكتبان أعماله. والتلقي التلقن بالحفظ والكتبة. و {إِذْ } قيل: ظرف ـ لأقرب ـ وأفعل التفضيل يعمل في الظروف لأنه يكفيها رائحة الفعل وإن لم يكن عاملاً في غيرها فاعلاً أو مفعولاً به أي هو سبحانه أعلم بحال الإنسان من كل قريب حين يتلقى المتلقيان الحفيظان ما يتلفظ به. وفيه إيذان بأنه عز وجل غني عن استحفاظ الملكين فإنه تعالى شأنه أعلم منهما ومطلع على ما يخفى عليهما لكن الحكمة اقتضته، وهو ما في كتبة الملكين وحفظهما وعرض صحائفهما يوم يقوم الأشهاد، وعلم العبد بذلك مع علمه بإحاطة الله تعالى بعمله من زيادة لطف في الانتهاء عن السيئات والرغبة في الحسنات. وجوز أن تكون {إِذْ } لتعليل القرب، وفيه أن تعليل قربه عز وجل العلمي بإطلاع الحفظة الكتبة بعيد. واختار بعضهم كونها مفعولاً به لاذكر مقدراً لبقاء الأقربية على إطلاقها ولأن أفعل التفضيل ضعيف في العمل وإن كان لا مانع من عمله في الظرف؛ والكلام مسوق لتقرير قدرته عز وجل وإحاطة علمه سبحانه وتعالى فتأمل. {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشّمَالِ قَعِيدٌ } أي عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، ومنه قوله:شعر : رماني بأمر كنت منه ووالدي بريئاً ومن أجل الطوى رماني تفسير : وقال المبرد: إن التقدير عن اليمين قعيد وعن الشمال فأخر قعيد عن موضعه. والقعيد عليهما فعيل بمعنى مفاعل كجليس بمعنى مجالس ونديم بمعنى منادم، وذهب الفراء إلى أن قعيداً يدل على الإثنين والجمع، وقد أريد منه هنا الإثنان فلا حذف ولا تقديم ولا تأخير. واعترض بأن فعيلاً يستوي فيه ذلك إذا كان بمعنى مفعول وهذا بمعنى فاعل ولا يصح فيه ذلك إلا بطريق الحمل على فعيل بمعنى مفعول. واختلف في تعيين محل قعودهما فقيل: هما على الناجذين، فقد أخرج أبو نعيم والديلمي عن معاذ بن جبل مرفوعاً «حديث : إن الله لطف بالملكين الحافظين حتى أجلسهما على الناجذين وجعل لسانه قلمهما وريقه مدادهما»تفسير : ، وقيل: على العاتقين، وقيل: على طرفي الحنك عند العنفقة وفي «البحر» أنهم اختلفوا في ذلك ولا يصح فيه شيء. وأنا أقول أيضاً: لم يصح عندي أكثر مما أخبر الله تعالى به من أنهما عن اليمين وعن الشمال قعيدان، وكذا لم يصح خبر قلمهما ومدادهما وأقول كما قال اللقاني بعد أن استظهر أن الكتب حقيقي: علم ذلك مفوض إلى الله عز وجل، وأقول الظاهر أنهما في سائر أحوال الإنسان عن يمينه وعن شماله. وأخرج ابن المنذر وغيره عن ابن عباس أنه قال: إن قعد فأحدهما عن يمينه والآخر عن يساره وإن مشى فأحدهما امامه والآخر خلفه وإن رقد فأحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه.

ابن عاشور

تفسير : يتعلق {إذْ} بقوله {أية : أقرب}تفسير : [ق: 16] لأن اسم التفضيل يعمل في الظرف وإن كان لا يعمل في الفاعل ولا في المفعول به واللغة تتوسع في الظروف والمجرورات ما لا تتوسع في غيرها، وهذه قاعدة مشهورة ثابتة والكلام تخلص للموعظة والتهديد بالجزاء يوم البعث والجزاء من إحصاء الأعمال خيرها وشرها المعلومة من آيات كثيرة في القرآن. وهذا التخلص بكلمة {إذ} الدالة على الزمان من ألطف التخلص. وتعريف {المُتَلَقِّيان} تعريف العهد إذا كانت الآية نزلت بعد آيات ذُكر فيها الحفظة، أو تعريفُ الجنس، والتثنية فيها للإشارة إلى أن هذا الجنس مقسم اثنين اثنين. والتلقّي: أخذ الشيء من يد معطيه. استعير لتسجيل الأقوال والأعمال حين صدورها من الناس. وحذف مفعول {يتلقى} لدلالة قوله: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}. والتقدير: إذ تحصى أقوالهم وأعمالهم. فيؤخذ من الآية أن لكل إنسان ملَكيْن يحصيان أعماله وأن أحدهما يكون من جهة يمينه والآخر من جهة شماله. وورد في السنة بأسانيد مقبولة: أن الذي يَكون عن اليمين يكتب الحسنات والذي عن الشمال يكتب السيئات وورد أنهما يلازمان الإنسان من وقت تكليفه إلى أن يموت. وقوله: {عن اليمين وعن الشمال قعيد} يجوز أن يكون {قعيد} بدلاً من {المتلقِّيان} بدل بعض، و{عن اليمين} متعلق بــ {قعيد}، وقدم على متعلَّقه للاهتمام بما دل عليه من الإحاطة بجانبيه وللرعاية على الفاصلة. ويجوز أن يكون {عن اليمين} خبراً مقدماً، و {قعيد} مبتدأ وتكون الجملة بياناً لجملة {يتلقى المتلقيان}. وعطف قوله: {وعن الشمال} على جملة {يتلقى} وليس عطفاً على قوله: {عن اليمين} لأنه ليس المعنى على أن القعيد قعيد في الجهتين، بل كل من الجهتين قعيد مستقل بها. والتقدير: عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد آخر. والتعريف في {اليمين} و {الشمال} تعريف العهد أو اللام عوض عن المضاف إليه، أي عن يمين الإنسان وعن شماله. والقعيد: المُقَاعد مثل الجَليس للمجالس، والأكيل للمؤاكل، والشَّرِيب للمشارب، والخليطِ للمخالط. والغالب في فعيل أن يكون إما بمعنى فاعل، وإما بمعنى مفعول، فلمّا كان في المفاعلة معنى الفاعل والمفعول معاً، جاز مجيء فعيل منه بأحد الاعتبارين تعويلاً على القرينة، ولذلك قالوا لامرأة الرجل قعيدته. والقعيد مستعار للملازم الذي لا ينفك عنه كمَا أطلقوا القعيد على الحافظ لأنه يلازم الشيء الموكل بحفظه. وجملة {ما يلفظ من قول} الخ مبينة لجملة {يتلقى المتلقيان} فلذلك فصلت. و {ما} نافية وضمير {يلفظ} عائد للإنسان. واللفظ: النطق بكلمةٍ دالة على معنى، ولو جزء معنى، بخلاف القول فهو الكلام المفيد معنى. و {مِن} زائدة في مفعول الفعل المنفي للتنصيص على الاستغراق. والاستثناء في قوله: {إلاّ لديه رقيب عتيد} استثناء من أحوال عامة، أي ما يقول قولاً في حالة إلا في حالة وجود رقيب عتيد لديه. والأظهر أن هذا العموم مراد به الخصوص بقرينة قوله: {إلا لديه رقيب عتيد} لأن المراقبة هنا تتعلق بما في الأقوال من خير أو شرّ ليكون عليه الجزاء فلا يَكتب الحفظة إلاّ ما يتعلق به صلاح الإنسان أو فساده إذ لا حكمة في كتابة ذلك وإنما يكتب ما يترتب عليه الجزاء وكذلك قال ابن عباس وعكرمة. وقال الحسن: يكتبان كل ما صدر من العبد، قال مجاهد وأبو الجوزاء: حتى أنينه في مرضه. وروي مثله عن مالك بن أنس. وإنما خص القولُ بالذكر لأن المقصود ابتداء من هذا التحذير المشركون وإنما كانوا يؤاخذون بأقوالهم الدالة على الشرك أو على تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم أو أذاه ولا يؤاخذون على أعمالهم إذ ليسوا مكلفين بالأعمال في حال إشراكهم. وأما الأعمال التي هي من أثر الشرك كالتطواف بالصنم، أو من أثر أذى النبي عليه الصلاة والسلام كإلقاء سلا الجزور عليه في صلاته، ونحو ذلك، فهم مؤاخذون به في ضمن أقوالهم على أن تلك الأفعال لا تخلو من مصاحبة أقوال مؤاخذ عليها بمقدار ما صاحبها. ولأن من الأقوال السيئة ما له أثر شديد في الإضلال كالدعاء إلى عبادة الأصنام، ونهي الناس عن اتباع الحق، وترويج الباطل بإلقاء الشُبَه، وتغرير الأغرار، ونحو ذلك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : وهل يَكُبّ الناسَ في النار على وجوههم إلا حصائدُ ألسنتهم»تفسير : ، على أنه من المعلوم بدلالة الاقتضاء أن المؤاخذة على الأعمال أولى من المؤاخذة على الأقوال وتلك الدلالة كافية في تذكير المؤمنين. وجملة {إلاّ لديه رقيب عتيد} في موضع الحال، وضمير {لديه} عائد إلى {أية : الإنسان}تفسير : [ق: 16]، والمعنى: لدى لفظه بقوله. و {عتيد} فعيل من عتَد بمعنى هَيّأ، والتاء مبدلة من الدال الأول إذ أصله عديد، أي مُعَدّ كما في قوله تعالى: {أية : وأعتدَتْ لهن مُتَّكأ}تفسير : [يوسف: 31]. وعندي أن {عتيد} هنا صفة مشبهة من قولهم (عَتُد) بضم التاء إذا جَسم وضَخم كناية عن كونه شديدا وبهذا يحصل اختلاف بينه وبين قوله الآتي {أية : هذا ما لديّ عتيد}تفسير : [ق: 23] ويحصل محسّن الجناس التام بين الكلمتين. وقد تواطأ المفسرون على تفسير التلقّي في قوله: {المتلّقيان} بأنه تلّقي الأعمال لأجل كتبها في الصحائف لإحضارها للحساب وكان تفسيراً حائماً حول جعل المفعول المحذوف لفعل {يتلقّى} ما دل عليه قوله بعده {ما يلفِظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} بدلالته الظاهرة أو بدلالة الاقتضاء. فالتقدير عندهم: إذ يتلقى المتلقيان عَمل الإنسان وقوله، فتكون هذه الجملة على تقديرهم منفصلة عن جملة {أية : وجاءت سكرة الموت بالحق}تفسير : [ق: 19] كما سنبينه. ولفخر الدين معنى دقيق فبعد أن أجمل تفسير الآية بما يساير تفسير الجمهور قال: «ويحتمل أن يقال التلقّي الاستقبال، يقال: فلان تلقى الركب، وعلى هذا الوجه يكون معناه: وقت ما يتلقاه المتلقّيان يكون عن يمينه وعن شماله قعيد، فالمتلقيان على هذا الوجه هما الملكان اللذان يأخذان روحه من مَلَك الموت أحدهما يأخذ أرواح الصالحين وينقلها إلى السرور. والآخر يأخذ أرواح الطالحين وينقلها إلى الويل والثبور إلى يوم النشور، أي وقت تلقيهما وسؤالهما أنه من أي القبيلَيْن يكون عند الرجل قعيد عن اليمين وقعيد عن الشمال ملكان ينزلان، وعنده ملكان آخران كاتبان لأعماله، ويؤيد ما ذكرناه قوله تعالى: {أية : سائق وشهيد}تفسير : [ق: 21]. فالشهيد هو القعيد والسائق هو المتلقي يتلقى روحه من ملَك الموت فيسوقه إلى منزله وقت الإعادة، وهذا أعرف الوجهين وأقربهما إلى الفهم» اهــ. وكأنه ينحو به منحى قوله تعالى: {أية : فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذٍ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم}تفسير : [الواقعة: 83 ـــ 85]. ولا نوقف في سداد هذا التفسير إلا على ثبوت وجود ملكين يتسلمان روح الميت من يد ملَك الموت عند قبضها ويجعلانها في المقر المناسب لحالها. والمظنون بفخر الدين أنه اطلع على ذلك، وقد يؤيده ما ذكره القرطبي في «التذكرة» عن «مسند الطيالسي» عن البراء. وعن كتاب «النسائي» عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا حُضر الميت المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء يقولون: اخرجي راضية مرضيا عنك إلى رَوْح وريحان وربّ راضٍ غير غضبان، فإذا قبضه الملَك لم يدعوها في يده طرفة فتخرج كأطيب ريح المسك فتعرج بها الملائكة حتى يأتوا به باب السماء»تفسير : . وساق الحديث إلا أن في الحديث ملائكة جمعاً وفي الآية {المتلقيان} تثنية. وعلى هذا الوجه يكون مفعول {يتلقى} ما دل عليه قوله بعده {وجاءت سكرة الموت}. والتقدير: إذ يتلقى المتلقّيان روح الإنسان. ويكون التعريف في قوله: {عن اليمين وعن الشمال} عوضاً عن المضاف إليه أي عن يمينها وعن شمالها قعيد، وهو على التوزيع، أي عن يمين أحدهما وعن شمال الآخر. ويكون {قعيد} مستعملاً في معنى: قعيدان فإن فعيلا بمعنى فاعل قد يعامل معاملة فعيل بمعنى مفعول، كقول الأزرق بن طرفة:شعر : رماني بأمر كنت منه ووالدي بريئاً ومن أجل الطّويّ رماني تفسير : والاقتصار على {ما يلفظ من قول} حينئذٍ ظاهر لأن الإنسان في تلك الحالة لا تصدر منه أفعال لعجزه فلا يصدر منه في الغالب إلا أقوال من تضجّر أو أنين أو شهادة بالتوحيد، أو ضدها، ومن ذلك الوصايا والإقرارات.

الشنقيطي

تفسير : قوله إذ: منصوب بقوله: أقرب، أي نحن أقرب إليه من حبل الوريد في الوقت الذي يتلقى فيه الملكان جميع ما يصدر منه، والمراد أن الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد، في وقت كتابة الحفظة أعماله لا حاجة له لكتب الأعمال، لأنه عالم بها لا يخفى عليه منها شيء، وإنما أمر بكتابة الحفظة للأعمال لحكم أخرى كإقامة الحجة على العبد يوم القيامة، كما أوضحه بقوله:{أية : وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً ٱقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً}تفسير : [الإسراء: 13-14]، ومفعول التلقي في الفعل الذي هو يتلقى، والوصف الذي هو المتلقيان محذوف تقديره، إذ يتلقى المتلقيان جميع ما يصدر عن الإنسان فيكتبانه عليه. قال الزمخشري: والتلقي التلقن بالحفظ والكتبة اهـ منه. والمعنى واضح لأن الملك يتلقى عمل الإنسان عند صدوره منه فيكتبه عليه، والمتلقيان هام الملكان اللذان يكتبان أعمال الإنسان، وقد دلت الآية الكريمة على أن مقعد أحدهما عن يمينه ومقعد الآخر عن شماله. والقعيد: قال بعضهم: معناه القاعد، والأظهر أن معناه المقاعد، وقد يكثر في العربية إطلاق الفعل وإرادة المفاعل، كالجليس بمعنى المجالس، والأكيل بمعنى المآكل، والنديم بمعنى المنادم، وقال بعضهم: القعيد هنا هو الملازم، وكل ملازم دائماً أو غالباً يقال له قعيد، ومنه قول متمم بن نويرة التميمي: شعر : قعيدك ألا تسمعيني ملامة ولا تنكئي قرح الفؤاد فيجعا تفسير : والمعنى عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، وهو أسلوب عربي معروف، وأنشد له سيبويه في كتابه قول عمرو بن أحمر الباهلي: شعر : رماني بأمر كنت منه ووالدي بريئاً ومن أجل الطوى رمان تفسير : وقول قيس بن الخطيم الأنصاري: شعر : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف تفسير : وقول ضبائي بن الحارث البرجمي: شعر : فمن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وقيار بها لغريب تفسير : فقول ابن أحمر: كنت منه ووالدي بريئاً أي كنت بريئاً منه وكان والدي بريئاً منه. وقول ابن الخطيم: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض: أي نحن راضون وأنت راض. وقول ضابيء بن الحارث: فإني وقيار بها لغريب: يعني إني لغريب وقيار غريب، وهذا أسلوب عربي معروف، ودعوى أن قوله في الآية: {قَعِيدٌ} هي الأولى أخرت وحذفت الثانية لدلالتها عليها لا دليل عليه، ولا حاجة إليه كما ترى، لأن المحذوف إذا صحت الدلالة عليه بالأخير فلا حاجة إلى أن هذا الأخير أصله هو الأول، ولا دليل عليه، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ}. أي ما ينطق بنطق ولا يتكلم بكلام إلا لديه، أي إلا والحال أن عنده رقيباً. أي ملكاً مراقباً لأعماله حافظأً لها شاهداً عليها لا يفوته منها شيء. عتيد: أي حاضر ليس بغائب يكتب عليه ما يقول من خير وشر، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الإنسان عليه حفظة من الملائكة يكتبون أعماله، جاء موضحاً في آيات كثيرة من كتاب الله. كقوله تعالى:{أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}تفسير : [الإنفطار: 10-12]. وقوله تعالى:{أية : أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ}تفسير : [الزخرف: 80]. وقوله تعالى:{أية : {وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ إِنَّ كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}تفسير : [الجاثية: 28-29]. وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى {أية : كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ}تفسير : [مريم: 79] الآية. وفي سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى{أية : سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ}تفسير : [الزخرف: 19]، وقد ذكر جماعة من أهل العلم أن القعيد الذي هو عن اليمين يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب السيئات، وأن صاحب الحسنات أمين على صاحب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشراً، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: أمهله ولا تكتبها عليه لعله يتوب أو يستغفر؟ وبعضهم يقول: يمهله سبع ساعات. والعلم عند الله تعالى. تنبيه اعلم أن العلماء اختلفوا في عمل العبد الجائز الذي لا ثواب ولا عقاب عليه، هل تكتبه الحفظة عليه أو لا؟ فقال بعضهم: يكتب عليه كل شيء حتى الأنين في المرض، وهذا هو ظاهر قوله:{أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}تفسير : [ق: 18]. لأن قوله: من قول نكرة في سياق الفني زيدت قبلها لفظة من، فهي نص صريح في العموم. وقال بعض العلماء: لا يكتب من الأعمال إلا ما فيه ثواب أو عقاب، وكلهم مجمعون على أنه لا جزاء إلا فيما فيه ثواب أو عقاب فالذين يقولون: لا يكتب إلا ما فيه ثواب أو عقاب، والذين يقولون يكتب الجميع متفقون على إسقاط ما لا ثواب فيه ولا عقاب، إلا أن بعضهم يقولون لا يكتب أصلاً، وبعضهم يقولون: يكتب أولاً ثم يمحى. وزعم بعضهم أن محو ذلك، وإثبات ما فيه ثواب أو عقاب هو معنى قوله تعالى: {أية : يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ}تفسير : [الرعد: 39] الآية. والذين قالوا: لا يكتب ما لا جزاء فيه. قالوا: إن في الآية نعتاً محذوفاً سوَّغ حذفه العلم به، لأن كل الناس يعلمون أن الجائز لا ثواب فيه ولا عقاب، وتقدير النعت المحذوف، ما يلفظ من قول مستوجب للجزاء، وقد قدمنا أن حذف النعت إذا دل عليه أسلوب عربي معروف، وقدمنا أن منه قوله تعالى:{أية : وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً}تفسير : [الكهف: 79] أي كل سفينة صحيحة لا عيب فيها بدليل قوله {أية : فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا}تفسير : [الكهف: 79] وقوله تعالى:{أية : وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ}تفسير : [الإسراء: 58] الآية: القرية ظالمة بدليل قوله تعالى:{أية : وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ}تفسير : [القصص: 59]، وأن من شواهده قول المرقش الأكبر: شعر : ورب أسيلة الخدين بكر مهفهفة لها فرع وجيد تفسير : أي لها فرع فاحم وجيد طويل. وقول عبيد بن الأبرص: شعر : من قوله قول ومن فعله فعل ومن نائله نائل تفسير : أي قول فصل، وفعل جميل، ونائل جزل.

د. أسعد حومد

تفسير : (17) - إنَّ اللهَ تَعَالى عَالِمٌ بِجَمِيعِ أحْوَالِ الإِنْسَانِ. وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ وَكَّلَ بِهِ مَلَكَينِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ يَرْقُبَانِهِ وَيَتَرَصَّدَانِهِ، وَيُحْصِيَانِ عَليهِ كُلَّ قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ وَيَكْتُبَانِهِ. مَلكٌ عَنِ اليَمِينِ يَكْتُبُ الحَسَنَاتِ، وَمَلكُ عَنِ الشِّمالِ يَكْتُبُ السَّيِّئاتِ. قَعِيدٌ - قَاعِدٌ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بيَّن الحق سبحانه وتعالى أن علمه محيط لا يعلم مجرد عمل الجوارح، إنما يعلم ما يدور في النفس، يعلم خلجاتها وأفكارها قبل أنْ تترجم إلى عمل. إذن: العلم بالوسوسة أوْلَى من العلم بالجوارح وعملها، لكن قد يقول العبد: أختبئ فلا يراني أحد. فبيَّن الله له أنه إذا اختبأ من الناس فلا يختبئ من الله، ولا يخفى عمله على الملكين الكاتبين اللذين يتلقيان عمله ويحفظانه، ملك عن يمينه يكتب الحسنات، وملك عن شماله يكتب السيئات. ومعنى {قَعِيدٌ} [ق: 17] يعني: كلٌّ منهما قاعد له بالمرصاد متفرغ له يرقبه ولا يغيب عنه {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18] فإنْ قلت ما دام أن الله تعالى عالم بعمل العبد، ولا تخفى عليه خافية، فلم يكتب عمله ولم يُسجِّله عليه؟ قالوا: يكتب الأعمال لتكون حجة على صاحبها يوم القيامة، فكما أن الله تعالى سيُنطق الجوارح لتشهد على صاحبها، كذلك سينطق هذا الكتاب. واقرأ: {أية : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [النور: 24]. وقال سبحانه: {أية : وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ}تفسير : [فصلت: 21] وقال: {أية : هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الجاثية: 29]. ومن رحمة الله بعباده في كتابة الأعمال أن الحفظة تكتب الحسنة بعشر أمثالها، وتكتب السيئة بواحدة، تكتب الحسنة بمجرد أنْ تفكر فيها ولا تُكتب السيئة إلا بعد الوقوع فيها، بل وتعطيك فرصة لعلك تتوب أو تراجع نفسك.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ} معناه فَكانتْ الحَسناتُ عن اليَمينِ. والسِّيئاتُ عَن الشِّمالِ.

همام الصنعاني

تفسير : 2953- معمر قال: تلا الحسن: {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ}: [الآية: 17]، فقال: يا ابن آدم، بَسَطْتُ لَكَ صحيفَةً، وَوُكِّل بك ملكان كريمانِ: أحدهمام عن يَمِينِكَ والآخر عن شمالِكَ، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتِكَ، فأَمْلِل ما شئت أقْلِلْ أَوْ أَكْثِر، حتى إذا مِتّ طُوِيَت صحيفتك، فَجُعِلَت في عنقك مَعَكَ في قبرك، حتى تَخْرُج يوْمَ القيامة، فعند ذلك يقول: {أية : وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ}تفسير : حتى بلغ: {أية : حَسِيباً}تفسير : : [الإسراء: 13-14]، عَدَلَ والله لك من جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ