Verse. 4653 (AR)

٥٠ - ق

50 - Qaf (AR)

وَقَالَ قَرِيْنُہٗ ھٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيْدٌ۝۲۳ۭ
Waqala qareenuhu hatha ma ladayya AAateedun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقال قرينه» الملك الموكل به «هذا ما» أي الذي «لديَّ عتيد» حاضر فيقال لمالك.

23

Tafseer

الرازي

تفسير : وفي القرين وجهان أحدهما الشيطان الذي زين الكفر له والعصيان وهو الذي قال تعالى فيه {أية : وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء } تفسير : [فصلت: 25] وقال تعالى: {أية : نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } تفسير : [الزخرف: 36] وقال تعالى: {أية : فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ } تفسير : [الزخرف: 38] فالإشارة بهذا المسوق إلى المرتكب الفجور والفسوق، والعتيد معناه المعد للنار وجملة الآية معناها أن الشيطان يقول هذا العاصي شيء هو عندي معد لجهنم أعددته بالإغواء والإضلال، والوجه الثاني {وَقَالَ قَرِينُهُ } أي القعيد الشهيد الذي سبق ذكره وهو الملك وهذا إشارة إلى كتاب أعماله، وذلك لأن الشيطان في ذلك الوقت لا يكون له من المكانة أن يقول ذلك القول، ولأن قوله {هَـٰذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ } فيكون عتيد صفته، وثانيهما أن تكون موصولة، فيكون عتيد محتملاً الثلاثة أوجه أحدها: أن يكون خبراً بعد خبر والخبر الأول {مَا لَدَىَّ } معناه هذا الذي هو لدي وهو عتيد وثانيها: أن يكون عتيد هو الخبر لا غير، و {مَا لَدَىَّ } يقع كالوصف المميز للعتيد عن غيره كما تقول هذا الذي عند زيد وهذا الذي يجيئني عمرو فيكون الذي عندي والذي يجيئني لتمييز المشار إليه عن غيره ثم يخبر عنه بما بعده ثم يقال للسائق أو الشهيد {أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ } فيكون هو أمراً لواحد، وفيه وجهان أحدهما أنه ثنى تكرار الأمر كما ألق ألق، وثانيهما عادة العرب ذلك. وقوله {كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ } الكفار يحتمل أن يكون من الكفران فيكون بمعنى كثير الكفران، ويحتمل أن يكون من الكفر، فيكون بمعنى شديد الكفر، والتشديد في لفظة فعال يدل على شدة في المعنى، والعنيد فعيل بمعنى فاعل من عند عنوداً ومنه العناد، فإن كان الكفار من الكفران، فهو أنكر نعم الله مع كثرتها.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: ]{وَقَالَ قَرِينُهُ} يعني الملَك الموكّل به في قول الحسن وقتادة والضحاك. {هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} أي هذا ما عندي من كتابة عمله مُعَدّ محفوظ. وقال مجاهد: يقول هذا الذي وكلتني به من بني آدم قد أحضرته وأحضرت ديوان عمله. وقيل: المعنى هذا ما عندي من العذاب حاضر. وعن مجاهد أيضاً: قرينه الذي قيّض له من الشياطين. وقال ابن زيد في رواية ابن وهب عنه: إنه قرينه من الإنس، فيقول الله تعالى لقرينه: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ} قال الخليل والأخفش: هذا كلام العرب الفصيح أن تخاطب الواحد بلفظ الإثنين فتقول: ويلك ٱرحَلاها وٱزجراها، وخذاه وأطلقاه للواحد. قال الفرّاء: تقول للواحد قُوما عنا، وأصل ذلك أن أدنى أعوان الرجل في إبله وغنمه ورفقته في سفره ٱثنان فجرى كلام الرجل على صاحبيه، ومنه قولهم للواحد في الشعر: خليلي، ثم يقول: يا صاح. قال ٱمرؤ القيس:شعر : خَلِيليَّ مُرَّا بِي على أُمِّ جُنْدَبِ نُقَضِّ لُبَانَاتِ الفؤادِ المُعَذَّبِ تفسير : وقال أيضاً:شعر : قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ بِسَقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ تفسير : وقال آخر: شعر : فإِنْ تَزْجُرانِي يابنَ عَفَّانَ أَنْزَجِرْ وإنْ تَدَعاني أَحْمِ عِرْضاً مُمنَّعَا تفسير : وقيل: جاء كذلك لأن القرين يقع للجماعة والاثنين. وقال المازني:: قوله: «أَلْقِيَا» يدل على أَلْقِ أَلْقِ. وقال المبرد: هي تثنية على التوكيد، المعنى أَلْقِ أَلْقِ فناب «أَلْقِيَا» مناب التكرار. ويجوز أن يكون «أَلْقِيَا» تثنية على خطاب الحقيقة من قول الله تعالى يخاطب به الملَكين. وقيل: هو مخاطبة للسائق والحافظ. وقيل: إن الأصل ألْقِينْ بالنون الخفيفة تقلب في الوقف ألفاً فحمل الوصل على الوقف. وقرأ الحسن «أَلْقَيْنَ» بالنون الخفيفة نحو قوله: {أية : وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ} تفسير : [يوسف: 32] وقوله: {أية : لَنَسْفَعاً}تفسير : [العلق: 15]. {كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ} أي معاند؛ قاله مجاهد وعكرمة. وقال بعضهم: العنيد المعرض عن الحق؛ يقال عَنَدَ يَعنِد بالكسر عُنُوداً أي خالف وردّ الحق وهو يعرفه فهو عَنِيد وعاند، وجمع العَنِيد عُنُد مثل رغِيف ورُغُف. {مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ} يعني الزكاة المفروضة وكل حقّ واجب. {مُعْتَدٍ} في منطقه وسيرته وأمره؛ ظالم. {مُّرِيبٍ} شاكٍّ في التوحيد؛ قاله الحسن وقتادة. يقال: أراب الرجلُ فهو مُرِيب إذا جاء بالريبة. وهو المشرك يدل عليه قوله تعالى: {ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ}. وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة. وأراد بقوله: {مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ} أنه كان يمنع بني أخيه من الإسلام. {فَأَلْقِيَاهُ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ} تأكيد للأمر الأول. {قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ} يعني الشيطان الذي قيض لهذا الكافر العنيد تبرأ منه وكذّبه. {وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} عن الحق وكان طاغياً بٱختياره وإنما دعوته فاستجاب لي. وقرينه هنا هو شيطانه بغير ٱختلاف. حكاه المهدوي. وحكى الثعلبي قال ٱبن عباس ومقاتل: قرينه الملك؛ وذلك أن الوليد بن المغيرة يقول للملَك الذي كان يكتب سيئاته: ربِّ إنه أعجلني، فيقول الملَك: ربنا ما أطغيته أي ما أعجلته. وقال سعيد بن جبير: يقول الكافر ربّ إنه زاد عليّ في الكتابة، فيقول الملَك: ربنا ما أطغيته أي ما زدت عليه في الكتابة؛ فحينئذ يقول الله تعالى: {لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ} يعني الكافرين وقرناءهم من الشياطين. قال القشيري: وهذا يدل على أن القرين الشيطان. {وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ} أي أرسلت الرسل. وقيل: هذا خطاب لكل من ٱختصم. وقيل: هو للاثنين وجاء بلفظ الجمع. {مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ} قيل هو قوله: {أية : مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا} تفسير : [الأنعام: 160] وقيل هو قوله: {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}تفسير : [السجدة: 13]. وقال الفرّاء: ما يكذب عندي أي ما يزاد في القول ولا ينقص لعلمي بالغيب. {وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} أي ما أنا بمعذِّب من لم يُجرم، قاله ٱبن عباس. وقد مضى القول في معناه في «الحج» وغيرها.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن المللك الموكل بعمل ابن آدم: أنه يشهد عليه يوم القيامة بما فعل، ويقول: {هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} أي: معتمد محضر بلا زيادة ولا نقصان. وقال مجاهد: هذا كلام الملك السائق، يقول: هذا ابن آدم الذي وكلتني به قد أحضرته. وقد اختار ابن جرير أنه يعم السائق والشهيد، وله اتجاه وقوة، فعند ذلك يحكم الله تعالى في الخليقة بالعدل فيقول: { أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ} وقد اختلف النحاة في قوله: {أَلْقِيَا} فقال بعضهم: هي لغة لبعض العرب، يخاطبون المفرد بالتثنية؛ كما روي عن الحجاج أنه كان يقول: يا حرسي اضربا عنقه، ومما أنشد ابن جرير على هذه قول الشاعر:شعر : فإن تَزْجُراني يا ابْنَ عَفَّانَ أَنْزَجِرْ وإن تَتْرُكاني أَحْمِ عِرْضاً مُمَنَّعا تفسير : وقيل: بل هي نون التأكيد، سهلت إلى الألف، وهذا بعيد؛ لأن هذا إنما يكون في الوقف، والظاهر أنها مخاطبة مع السائق والشهيد، فالسائق أحضره إلى عرصة الحساب، فلما أدى الشهيد ما عليه أمرهما الله تعالى بإلقائه في نار جهنم، وبئس المصير: { أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ} أي كثير الكفر والتكذيب بالحق، عنيد معاند للحق، معارض له بالباطل، مع علمه بذلك {مَّنَّـٰعٍ لِّلْخَيْرِ} أي لا يؤدي ما عليه من الحقوق، ولا بر فيه ولا صلة ولا صدقة {مُعْتَدٍ} أي فيما ينفقه ويصرفه يتجاوز فيه الحد. وقال قتادة: معتد في منطقه وسيره وأمره {مُرِيبٍ} أي شاك في أمره، مريب لمن نظر في أمره {ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً ءَاخَرَ} أي أشرك بالله، فعبد معه غيره {فَأَلْقِيَـٰهُ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ} وقد تقدم في الحديث: حديث : أن عنقاً من النار يبرز للخلائق، فينادي بصوت يسمع الخلائق: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، ومن جعل مع الله إلهاً آخر، وبالمصورين، ثم تنطوي عليهمتفسير : . قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية، هو ابن هشام، حدثنا شيبان عن فراس عن عطية عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : يخرج عنق من النار يتكلم يقول: وكلت اليوم بثلاثة: بكل جبار عنيد، ومن جعل مع الله إلهاً آخر، ومن قتل نفساً بغير نفس، فتنطوي عليهم، فتقذفهم في غمرات جهنم»تفسير : {قَالَ قرِينُهُ} قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة وغيرهم: هو الشيطان الذي وكل به {رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ} أي يقول عن الإنسان الذي قد أوفى القيامة كافراً، يتبرأ منه شيطانه، فيقول: {رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ} أي ما أضللته، {وَلَـٰكِن كَانَ فِى ضَلَـلٍ بَعِيدٍ} أي بل كان هو في نفسه ضالاً قابلاً للباطل معانداً للحق، كما أخبر سبحانه وتعالى في الآية الأخرى في قوله: {أية : وَقَالَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَـٰنٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [إبراهيم: 22]. وقوله تبارك وتعالى: {قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ} يقول الرب عز وجل للإنسي وقرينه من الجن، وذلك أنهما يختصمان بين يدي الحق تعالى، فيقول الإنسي: يا رب هذا أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني، ويقول الشيطان: {رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلَـلٍ بَعِيدٍ} أي عن منهج الحق، فيقول الرب عز وجل لهما: {لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ} أي عندي {وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ} أي قد أعذرت إليكم على ألسنة الرسل، وأنزلت الكتب، وقامت عليكم الحجج والبينات والبراهين {مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَىَّ} قال مجاهد: يعني: قد قضيت ما أنا قاض {وَمَآ أَنَاْ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ} أي لست أعذب أحداً بذنب أحد، ولكن لا أعذب أحداً إلا بذنبه بعد قيام الحجة عليه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَ قَرِينُهُ } الملك الموكل به {هَٰذَا مَا } أي الذي {لَدَىَّ عَتِيدٌ } حاضر فيقال لمالك.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} أما قرينه ففيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الملك الشهيد عليه، قاله الحسن وقتادة. الثاني: أنه قرينه الذي قيض له من الشياطين، قاله مجاهد. الثالث: أنه قرينه من الإنس، قاله ابن زيد في رواية ابن وهب عنه. وفي قوله: {هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} وجهان: أحدهما: هذا الذي وكلت به أحضرته، قاله مجاهد. الثاني: هذا الذي كنت أحبه ويحبني قد حضر، قاله ابن زيد. قوله عز وجل: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارِ عَنِيدٍ} في ألقيا ثلاثة أقاويل: أحدها: أن المأمور بألقيا كل كافر في النار ملكان. الثاني: يجوز أن يكون واحد ويؤمر بلفظ الاثنين كقول الشاعر: شعر : فإن تزجراني يابن عفان أنزجر وإن تدعاني أحم عرضاً ممنعاً تفسير : الثالث: أنه خارج مخرج تثنية القول على معنى قولك ألق ألق، قف قف، تأكيداً للأمر. والكفار [بفتح الكاف] أشد مبالغة من الكافر. ويحتمل وجهين: أحدهما: أنه الكافر الذي كفر بالله ولم يطعه،وكفر بنعمه ولم يشكره. الثاني: أنه الذي كفر بنفسه وكفر غيره بإغوائه. وأما العنيد ففيه خمسة أوجه: أحدها: أنه المعاند للحق، قاله بعض المتأخرين. الثاني: أنه المنحرف عن الطاعة، قاله قتادة. الثالث: أنه الجاحد المتمرد، قاله الحسن. الرابع: أنه المشاق، قاله السدي. الخامس: أنه المعجب بما عنده المقيم على العمل به، قاله ابن بحر. فأما العاند ففيه وجهان: أحدهما: أنه الذي يعرف بالحق ثم يجحده. الثاني: أنه الذي يدعى إلى الحق فيأباه. قوله عز وجل: {مَنَّاعٍ لِّلْخير} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه منع الزكاة المفروضة، قاله قتادة. الثاني: أن الخير المال كله،ومنعه حبسه عن النفقه في طاعة الله، قاله بعض المتأخرين. الثالث: محمول على عموم الخير من قول وعمل. {مُعْتَدٍ مُرِيبٍ} في المريب ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الشاك في الله، قاله السدي. الثاني: أنه الشاك في البعث، قاله قتادة. الثالث: أنه المتهم. قال الشاعر: شعر : بثينة قالت يا جميل أربتنا فقلت كلانا يا بثين مريب وأريبنا من لا يؤدي أمانة ولا يحفظ الأسرار حين يغيب تفسير : قال الضحاك: هذه الآية في الوليد بن المغيرة المخزومي حين استشاره بنو أخيه في الدخول في الإسلام فمنعهم. قوله عز وجل: {قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ} فيه وجهان: أحدهما: أن اختصامهم هو اعتذار كل واحد منهم فيما قدم من معاصيه، قاله ابن عباس. الثاني: أنه تخاصم كل واحد مع قرينه الذي أغواه في الكفر، قاله أبو العالية. فأما اختصامهم في مظالم الدنيا، فلا يجوز أن يضاع لأنه يوم التناصف. أحدها: أن الوعيد الرسول، قاله ابن عباس. الثاني: أنه القرآن، قاله جعفر بن سليمان. الثالث: أنه الأمر والنهي، قاله ابن زيد. ويحتمل رابعاً: أنه الوعد بالثواب والعقاب. قوله عز وجل: {مَا يُبَدَّلُ الْقَولُ لَدَيَّ} فيه أربعة أوجه: أحدها: فيما أوجه من أمر ونهي، وهذا معنى قول ابن زيد. الثاني: فيما وعد به من طاعة ومعصية، وهو محتمل. الرابع: في أن بالحسنة عشر أمثالها وبخمس الصلوات خمسين صلاة، قاله قتادة. {وَمَآ أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ} فيه وجهان: أحدهما: ما أنا بمعذب من لم يجرم، قاله ابن عباس. الثاني: ما أزيد في عقاب مسيء ولا أنقص من ثواب محسن، وهو محتمل.

ابن عبد السلام

تفسير : {قَرِينُهُ} الملك الشهيد عليه، أو الذي قيض له من الشياطين، أو الإنس قاله ابن زيد {مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ} هذا الذي وكلت به قد أحضرته، أو هذا الذي كان يحبني وأحبه قد حضر قاله ابن زيد.

النسفي

تفسير : {وَقَالَ قَرِينُهُ } الجمهور على أنه الملك الكاتب الشهيد عليه {هَـٰذَا } أي ديوان عمله، مجاهد: شيطانه الذي قيض له في قوله {أية : نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ }تفسير : [الزخرف: 36]. هذا أي الذي وكلت به {مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ } {هَـٰذَا } مبتدأ و{مَا } نكرة بمعنى شيء والظرف بعده وصف له وكذلك {عَتِيدٌ } و{مَا } وصفتها خبر {هَـٰذَا } والتقدير هذا شيء ثابت لديّ عتيد. ثم يقول الله تعالى {أَلْقِيَا } والخطاب للسائق والشهيد أو لمالك، وكأن الأصل ألقِ ألقِ فناب ألقيا عن ألق ألق لأن الفاعل كالجزء من الفعل فكانت تثنية الفاعل نائبة عن تكرار الفعل. وقيل: أصله ألقين والألف بدل من النون إجراء للوصل مجرى الوقف دليله قراءة الحسن {ألقين} { فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ } بالنعم والمنعم {عَنِيدٍ } معاند مجانب للحق معاد لأهله {مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ } كثير المنع للمال عن حقوقه أو مناع لجنس الخير أن يصل إلى أهله {مُعْتَدٍ } ظالم متخط للحق {مُرِيبٍ } شاك في الله وفي دينه {ٱلَّذِى جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً ءَاخَرَ } مبتدأ متضمن معنى الشرط خبره {فَأَلْقِيَـٰهُ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ } أو بدل من {كُلَّ كَفَّارٍ } و{فَأَلْقِيَـٰهُ } تكرير للتوكيد ولا يجوز أن يكون صفة لـ {كَفَّار} لأن النكرة لا توصف بالموصول. {قَالَ قرِينُهُ } أي شيطانه الذي قرن به وهو شاهد لمجاهد، وإنما أخليت هذه الجملة عن الواو دون الأولى لأن الأولى واجب عطفها للدلالة على الجمع بين معناها ومعنى ما قبلها في الحصول أعني مجيء كل نفس مع الملكين وقول قرينه ما قال له، وأما هذه فهي مستأنفة كما تستأنف الجمل الواقعة في حكاية التقاول كما في مقاولة موسى وفرعون، فكأن الكافر قال رب هو أطغاني فقال قرينه {رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِى ضَلَـٰلٍ بَعِيدٍ } أي ما أوقعته في الطغيان ولكنه طغى واختار الضلالة على الهدى {قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ } هو استئناف مثل قوله تعالى {قَالَ قرِينُهُ } كأن قائلاً قال: فماذا قال الله؟ فقيل: قال لا تختصموا {لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ } أي لا تختصموا في دار الجزاء وموقف الحساب فلا فائدة في اختصامكم ولا طائل تحته وقد أوعدتكم بعذابي على الطغيان في كتبي وعلى ألسنة رسلي فما تركت لكم حجة عليّ. والباء في {بِٱلْوَعِيدِ } مزيدة كما في قوله {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ }تفسير : [البقرة: 195] أو معدية على أن قدم مطاوع بمعنى تقدم {مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَىَّ } أي لا تطمعوا أن أبدل قولي ووعيدي بإدخال الكفار في النار {وَمَا أَنَاْ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } فلا أعذب عبداً بغير ذنب. وقال {بِظَلَّـٰمٍ } على لفظ المبالغة لأنه من قولك هو ظالم لعبده وظلام لعبيده {يَوْمَ} نصب بـ {ظلام} أو بمضمر هو اذكر وأنذر { نَّقُولُ } نافع وأبو بكر أي يقول الله {لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ } وهو مصدر كالمجيد أي أنها تقول بعد امتلائها هل من مزيد أي هل بقي فيّ موضع لم يمتليء يعني قد امتلأت، أو أنها تستزيد وفيها موضع للمزيد وهذا على تحقيق القول من جهنم وهو غير مستنكر كإنطاق الجوارح، والسؤال لتوبيخ الكفرة لعلمه تعالى بأنها امتلأت أم لا. {وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ } غير نصب على الظرف أي مكاناً غير بعيد، أو على الحال وتذكيره لأنه على زنة المصدر كالصليل والمصادر يستوي في الوصف بها المذكر والمؤنث، أو على حذف الموصوف أي شيئاً غير بعيد ومعناه التوكيد كما تقول: هو قريب غير بعيد وعزيز غير ذليل {هَـٰذَا } مبتدأ وهو إشارة إلى الثواب أو إلى مصدر أزلفت {مَّا تُوعَدُونَ } صفته وبالياء: مكي {لِكُلِّ أَوَّابٍ } رجاع إلى ذكر الله خبره {حَفِيظٍ} حافظ لحدوده جاء في الحديث «حديث : من حافظ على أربع ركعات في أول النهار كان أواباً حفيظاً»تفسير : {مَّنْ } مجرور المحل بدل من {أَوَّاب} أو رفع بالابتداء وخبره {ٱدْخُلُوهَا } على تقدير يقال لهم ادخولها بسلام لأن «من» في معنى الجمع {خَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ } الخشية انزعاج القلب عند ذكر الخطيئة، وقرن بالخشية اسمه الدال على سعة الرحمة للثناء البليغ على الخاشي وهو خشيته مع علمه أنه الواسع الرحمة كما أثنى عليه بأنه خاشٍ مع أن المخشي منه غائب {بِٱلْغَيْبِ } حال من المفعول أي خشيه وهو غائب، أو صفة لمصدر خشي أي خشيه خشية ملتبسة بالغيب حيث خشي عقابه وهو غائب. الحسن: إذا أغلق الباب وأرخى الستر {وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ } راجع إلى الله. وقيل: بسريرة مرضية وعقيدة صحيحة {ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ } أي سالمين من زوال النعم وحلول النقم {ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ } أي يوم تقدير الخلود كقوله {أية : فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ }تفسير : [الزمر: 73] أي مقدرين الخلود {لَهُم مَّا يَشَآءَونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } على ما يشتهون، والجمهور على أنه رؤية الله تعالى بلا كيف. {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ } قبل قومك {مِّن قَرْنٍ } من القرون الذين كذبوا رسلهم {هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم } من قومك {بَطْشاً } قوة وسطوة {فَنَقَّبُواْ } فخرقوا {فِى ٱلْبِلَـٰدِ } وطافوا. والتنقيب التنقير عن الأمر والبحث والطلب، ودخلت الفاء للتسبيب عن قوله {هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً } أي شدة بطشهم أقدرتهم على التنقيب وقوّتهم عليه، ويجوز أن يراد فنقب أهل مكة في أسفارهم ومسايرهم في بلاد القرون فهل رأوا لهم محيصاً حتى يؤملوا مثله لأنفسهم، ويدل عليه قراءة من قرأ {فَنَقِّبُواْ } على الأمر {هَلْ مِن مَّحِيصٍ } مهرب من الله أو من الموت. {إِنَّ فِى ذَٰلِكَ } المذكور {لِذِكْرِى } تذكرة وموعظة {لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ } واعٍ لأن من لا يعي قلبه فكأنه لا قلب له {أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ } أصغى إلى المواعظ {وَهُوَ شَهِيدٌ } حاضر بفطنته لأن من لا يحضر ذهنه فكأنه غائب. {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ } إعياء، قيل: نزلت في اليهود ـ لعنت ـ تكذيباً لقولهم خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام أولها الأحد وآخرها الجمعة واستراح يوم السبت واستلقى على العرش وقالوا: إن الذي وقع من التشبيه في هذه الأمة إنما وقع من اليهود ومنهم أخذ. وأنكر اليهود التربيع في الجلوس وزعموا أنه جلس تلك الجلسة يوم السبت {فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ } أي على ما يقول اليهود ويأتون به من الكفر والتشبيه، أو على ما يقول المشركون في أمر البعث فإن من قدر على خلق العالم قدر على بعثهم والانتقام منه {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ } حامداً ربك، والتسبيح محمول على ظاهره أو على الصلاة فالصلاة {قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ } الفجر {وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ } الظهر والعصر {وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْهُ } العشاءان أو التهجد {وَأَدْبَـٰرَ ٱلسُّجُودِ } التسبيح في آثار الصلوات والسجود والركوع يعبر بهما عن الصلاة. وقيل: النوافل بعد المكتوبات أو الوتر بعد العشاء والأدبار جمع دبر، {وإدبار} حجازي وحمزة وخلف من أدبرت الصلاة إذا انقضت وتمت، ومعناه وقت انقضاء السجود كقولهم «آتيك خفوق النجم». {وَٱسْتَمِعْ } لما أخبرك به من حال يوم القيامة وفي ذلك تهويل وتعظيم لشأن المخبر به وقد وقف يعقوب عليه. وانتصب {يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ } بما دل عليه {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ } أي يوم ينادي المنادي يخرجون من القبور. وقيل: تقديره واستمع حديث يوم ينادي المنادي. {المنادي} بالياء في الحالين: مكي وسهل ويعقوب، وفي الوصل: مدني وأبو عمرو، وغيرهم بغير ياء فيهما. والمنادي إسرافيل ينفخ في الصور وينادي: أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. وقيل: إسرافيل ينفخ وجبريل ينادي بالحشر {مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} من صخرة بيت المقدس وهي أقرب من الأرض إلى السماء باثني عشر ميلاً وهي وسط الأرض. {يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ } بدل من {يَوْمٍ يُنَادِى }. الصيحة النفخة الثانية {بِٱلْحَقِّ} متعلق بـ {ٱلصَّيْحَةَ } والمراد به البعث والحشر للجزاء {ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ } من القبور {إِنَّا نَحْنُ نُحْيىِ } الخلق {وَنُمِيتُ } أي نميتهم في الدنيا {وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ } أي مصيرهم {يَوْمَ تَشَقَّقُ } بالتخفيف: كوفي وأبو عمرو، وغيرهم بالتشديد {ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ } أي تتصدع الأرض فتخرج الموتى من صدوعها {سِرَاعاً } حال من المجرور أي مسرعين {ذَٰلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ } هين. وتقديم الظرف يدل على الاختصاص أي لا يتيسر مثل ذلك الأمر العظيم إلا على القادر الذي لا يشغله شأن عن شأن {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ } فيك وفينا تهديد لهم وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ } كقوله {أية : بِمُسَيْطِرٍ }تفسير : [الغاشية: 22] أي ما أنت بمسلط عليهم إنما أنت داعٍ وباعث. وقيل: هو من جبره على الأمر بمعنى أجبره أي ما أنت بوال عليهم تجبرهم على الإيمان {فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ } كقوله: {أية : إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 45]. لأنه لا ينفع إلا فيه والله أعلم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ} قال جماعة من المفسرين: يعني قرينه من زبانية جهنم، أي: قال هذا العذاب الذي لدي لهذا الكافر، حاضر، وقال قتادة وابن زيد: بل قرينه المُوَكَّلُ بسوقه، قال * ع *: ولفظ القرين اسم جنس، فسائقه قرين، وصاحبُه من الزبانية قرين، وكاتب سيئاته في الدنيا قرين، والكُلُّ تحتمله هذه الآية، أي: هذا الذي أحصيتُهُ عليه عتيد لَدَيَّ، وهو مُوجِبُ عذابه، والقرين الذي في هذه الآية غيرُ القرين الذي في قوله: {قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ} إذ المقارنة تكون على أنواع. وقوله سبحانه: {أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ} المعنى: يقال: أَلْقِيَا في جهنَّمَ، واخْتُلِفَ لمن يُقَالُ ذلك، فقال جماعة: هو قول لِمَلَكَيْنِ من ملائكة العذاب. وقال عبد الرحمن بن زيد: هو قول للسائق والشهيد. وقال جماعة من أهل العلم باللغة: هذا جارٍ على عادة كلام العرب الفصيح أنْ يُخَاطَبَ الواحدُ بلفظ الاثنين؛ وذلك أَنَّ العربَ كان الغالبُ عندها أنْ يترافق في الأسفار ونحوها ثَلاَثَةٌ، فَكُلُّ واحد منهم يخاطِبُ اثنين، فَكَثُرَ ذلك في أشعارها وكلامها، حَتَّى صار عُرْفاً في المخاطبة، فاسْتُعْمِلَ في الواحد، ومن هذا قولهم في الأشعار:[من الطويل] شعر : خَلِيلَيَّ................ ....................... وصَاحِبَيَّ.................... ....................... تفسير : [ومن الطويل] شعر : قِفَانَبْكِ................. .............................. تفسير : ونحوه. وقال بعض المتأولين: المراد «أَلْقِيَنْ»، فَعُوِّضَ من النون ألفٌ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «أَلْقِياً» بتنوين الياء، و«عنيد» معناه: عَانِدٌ عن الحق، أي: مُنْحَرِفٌ عنه. وقوله تعالى: {مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ} لفظ عامٌّ للمالِ والكلام الحَسَنِ والمُعَاوَنَةِ على الأشياء، و{مُعْتَدٍ} معناه: بلسانه ويده. وقوله سبحانه: {ٱلَّذِى جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ...} الآية، يحتمل أنْ يكون {ٱلَّذِى} بدلاً من {كَفَّارٍ}، أو صفةً له، وَيَقْوَى عندي أَنْ يكونَ {ٱلَّذِى} ابتداءً ويتضمن القولُ حينئذ بني آدم والشياطينَ المغوينَ لهم في الدنيا، ولذلك تَحَرَّكَ القرينُ، الشيطانُ المُغْوِي، فرام أَنْ يُبْرِىءَ نفسه ويخلصها بقوله: {رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ}. وقوله: {رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ} ليست بحجة؛ لأَنَّهُ كَذَبَ أَنْ نفى الإطغاء عن نفسه جملةً، وهو قد أطغاه بالوسوسة والتزيينِ، وأَطغاه اللَّه بالخلق والاختراع حسب سابق قضائه الذي هو عدل منه، سبحانه لا رَبَّ غيرُه. وقوله سبحانه: {لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ} معناه: قال اللَّه: لا تختصموا لديَّ بهذا النوع من المقاولة التي لا تفيد شيئاً {وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ} وهو ما جاءت به الرسلُ والكتب، وجُمِعَ الضمير؛ لأَنَّه مخاطبة لجميع القرناء؛ إذ هو أمر شائع لا يقف على اثنين فقط.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} قيل: المراد بالقرين: الملك الموكل به وهو القعيد والشهيد الذي سبق ذكره {هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} يريد كتاب أعماله معدٌّ محضَرٌ. وقيل: المراد بالقرين الشيطان الذي زين له الكفر والعصيان بدليل قوله: {أية : وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} تفسير : [فصلت: 25] وقال: {أية : نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} تفسير : [الزخرف: 36] وقال تعالى: {أية : فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ} تفسير : [الزخرف: 38] فالإشارة بهذا السَّوْق إلى المرتكب للفجور والفسوق. والقعيد معناه المعتد الناد ومعناه أن الشيطان يقول: هذا العاصي شيء هو عندي معتد لجهنم أعتدته لها بالإغواء والإضلال. قوله: {هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} يجوز أن تكون "ما" نكرة موصوفة و "عتيد" صفتها و "لَدَيَّ" متعلق بعَتِيدٍ أي هذا شيء عتيدٌ لدي أي حاضر عندي ويجوز على هذا أن يكون "لَدَيَّ" وصفاً لـ "ما" و "عتيد" صفة ثانية، أو خبر مبتدأ محذوف أي هو عتيدٌ، ويجوز أن تكون موصولة بمعنى الذي و "لَدَيّ" صلتها ولَدَيَّ خبر الموصول والموصول وصلته خبر الإشارة ويجوز أن تكون "ما" بدلاً من هذا موصولة كانت أو موصوفة بـ "لَدَيَّ" و "عتيد" خبر "هذا". وجوز الزمخشري في "عتيد" أن يكون بدلاً أو خبراً بعد خبر أو خبَر مبتدأ محذوف. والعامة على رفعه، وعبد الله نصبه حالاً. والأجود حينئذ أن تكون "ما" موصولة؛ لأنها معرفة والمعرفة يكثر مجيء الحال منها. قال أبو البقاء: "ولو جاز ذلك في غير القرآن لجاز نصبُهُ على الحال" كأنَّه لم يطلعْ عليها قراءةً. قوله: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ} اختلفوا هل المأمور واحد أو اثنان؟ فقيل: واحد. وإنما أتى بضمير الاثنين دلالةً على تكرير الفعل كأنه قيل: أَلْقِ أَلْقِ. وقيل: أراد أَلْقِيَنْ بالنون الخفيفة، فأبدلها ألفاً إجراءً للوصل مُجْرَى الوقف، ويؤيده قراءة الحسن (- رضي الله عنه -) أَلْقِيَنْ بالنون. وقيل: العرب تخاطب الواحد مخاطبةَ الاثنين تأكيداً كقوله: شعر : 4512- فَإنْ تَزْجُرَانِي يَا ابْنَ عَفَّانَ أزْدَجِرْ وَإنْ تَدَعَانِي أَحْمِ عِرْضاً مُمَنَّعَا تفسير : وقال آخر: شعر : 4513- فَقُلْتُ لِصَاحِبي: لاَ تَحبسانا بِنَزْعِ أُصُولِهِ واجْدَزَّ شِيحَا تفسير : وتقول العرب: ويحك ارْجِلاَهَا وازْجُرَاهَا وخُذاها للواحد. قال الفراء: وأصل ذلك أن أدنى أعوانِ الرجل في إبله وغنمه وسفره اثنان فجرى كلام الواحد على صاحبه، ومنه قولهم في الشعر: خليليَّ. وقال الزجاج: هذا أمر السائق والشهيد. وقيل: للمتلقين. قوله: {كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ} الكفار يحتمل أن يكون من الكُفْر فيكون بمعنى شديد الكفر لأن الشديد في اللفظ بدل على شدة في المعنى، ويحتمل أن يكون من الكُفْران فهو المنكر نعم الله مع كثرتها. و "العنيدُ" فعيل بمعنى فاعل من عَنِدَ عُنُوداً، ومنه العِنَادُ. والمعنى عاصٍ معرض عن الحق. قال عكرمة ومجاهد: مجانبٍ للحق ومعاندٍ لله. قوله: "مَنَّاع للخير" أي كثير المنع للمال والواجب من الزَّكاة وكُلّ حق واجب في ماله هذا إذا قلنا إن الكفار هو المنكر نعم الله تعالى. وإن قلنا: هو من الكفر فهو الذي أنكر دلائل وحدانية الله تعالى مع قوّتها وظهورها، فكان شديد الكفر عنيداً حيث أنكر الحق الواضح فهو مناع شديد المنع من الإيمان فهو مناع للخير وهو الإيمان الذي هو خَيْرٌ محض، كأنه يقول: كفر بالله ولم يقتنع بكفره، حتى مَنَعَ الخير من الغَيْر. قوله: "مُعْتَدٍ" فإن فسرنا المَنَّاع بمنَّاع الزكاة فمعناه لمن يؤدِّ الواجب وتعدى ذلك حتى أخذ الحرام أيضاً بالرِّبا كما كان عادة المشركين، وإن كان المنّاع بمعنى منع الإيمان فكأنه يقول: مَنَعَ الإيمان ولم يقنع به حتى تعداه، وأهان مَنْ آمَن، وآذاهُ، وأعان من كفر فَآوَاهُ. قال المفسرون: هو الظالم الذي لا يُقرُّ بتوحيد الله تعالى. وقوله: "مُرِيبٍ" أي شاكّ في التوحيد. ومعناه دخل في الرَّيْب، وقيل: موقع للغير في الريب بإلقاء الشُّبَه. وإن قيل: بأن المنَّاع مَنَّاعُ الزكاة فمعناه لا يعطي الزكاة لأنه في رَيْبٍ من الآخرة والثواب. قال ابن الخطيب: وفيه ترتيب آخر وهو أن يُقَالَ: هذا بيان أحوال الكافر بالنسبة إلى الله تعالى وإلى الرَّسُول وإلى اليوم الآخر. فقوله: "كَفَّار عَنيد" إشارة إلى حَالِهِ مَعَ اللَّهِ يكفر به ويعاند آياته. وقوله: {مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ}، إشارة إلى حَالِهِ مع الرسول يمنع الناس اتّباعَهُ ومن الإنفاق على مَنْ عنده وبتعدَّى بالإيذاء وقوله: "مريب" إشارة إلى حاله بالنسبة إلى اليوم الآخر يَرْتَاب فيه ولا يظن أن الساعة قائمةٌ. فإن قيل: قوله تعالى: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ} إلى غير ذلك يوجب أن يكون الإلقاءُ خاصاً بمن اجتمع فيه هذه الصفات بأسرها والكفر وحده كاف في إثبات الإلقاء في جهنم؟ فالجواب: أن قوله: {كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ} ليس المراد منه الوصف المميز كما يقال: أعطِ العالم الزاهدَ بل المراد الوصف المبين لكون الموصوف موصوفاً به إما على سبيل المدح أو على سبيل الذم كقولك: هَذَا حَاتِمٌ السخيُّ. فقوله: {كل كفار عنيد} معناه أن الكافر عنيد ومناع للخير؛ لأن آياتِ الوحدانية ظاهرةٌ ونِعَمَ الله على عباده وافرة وهو مع ذلك عنيد ومناع للخير، لأنه يمدح دينه ويذم دين الحق فهو يَمْنَعُ، ومُرِيب لأنه يرتاب في الحَشْر، وكل كافر فهو موصوف بهذه الصفات. قوله: "الَّذِي جَعَلَ" يجوز أن يكون منصوباً على الذَّمِّ، أو على البدل من "كُلَّ" وأن يكون مجروراً بدلاً من "كَفَّارٍ"، أو مرفوعاً بالابتداء والخبر "فَأَلْقِيَاهُ". قيل: ودخلت الفاء لشبهِهِ بالشرط، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي هو الذي جعل، ويكون "فَأَلْقِيَاهُ" تأكيداً. وجوز ابن عَطِيَّة أن يكون صفة "لِكَفَّارٍ"؛ قال: من حيث يختص "كفار" بالأوصاف المذكورة فجاز وصفه لهذه المعرفة. وهذا مردودٌ. وقرىء بفتح التَّنوين في "مُرِيب" فراراً من تَوَالي أَرْبع متجانساتٍ.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ}. لا يَخْفَى من أحوالهم شيءٌ إلى ذُكِرَ، إنْ كان خيراً يُجَازون عليه، وإن كان غير خيرٍ يُحَاسَبونَ عليه: إِمَّا برحمةٍ منه فيغفر لهم وينجون، وإمَّا على مقدار جُرْمِهم يُعَذَّبون. {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ}. منَّاعٍ للزكاة المفروضة. ويقال: يمنع فَضْلَ مائِه وفَضْلَ كَلَئِه عن المسلمين. ويقال: يمنع الناسَ من الخيرِ والإحسان، ويسيءُ القول فيهما حتى يُزَهّدُ الناسَ فيهما. ويقال: المناعُ للخير هو المِعْوانُ على الشَّرِّ. ويقال: هو الذي قيل فيه: {أية : وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ}تفسير : [الماعون: 7]. {مُّرِيبٍ}: أي يُشَكِّكُ الناسَ في أمره لأنه غير مخلص، ويُلَبِّسُ على الناس حالَه لأنه منافق.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقال قرينه} وكويد همنشين او. يعنى الشيطان المقيض له مشيرا اليه {هذا مالدى عتيد} اى هذا ماعندى وفى ملكتى ومقدورى عتيد لجهنم قد هيأته لها باغوائى واضلالى وقيل قال الملك الموكل به يعنى الرقيب الذى سبق ذكره مشيرا الى ماهو من كتاب عمله هذا مكتوب عندى عتيد مهيأ للعرض فان كان العبد من اهل الايمان والجنة أحضر كتاب حسناته لان سيئاته قد كفرت وان كان من أهل الكفر والنار أحضر كتاب سيئاته لان حسناته حبطت بكفره وما ان جعلت موصوفة فعتيد صفتها وان جعلت موصولة فهى بدل منها او خبر بعد خبر او خبر لمبتدأ محذوف فعلى العاقل أن لايطيع الشيطان ولا يتلفت الى اغوائه فى كل زمان ومكان فانه يدعو الى النار وقهر الجبار (روى) ان النبى عليه السلام سار ليلة المعراج فرأى عجوزا على جنب الطريق فقال ماهذه ياجبريل فقال سر يا محمد فسار ماشاء الله فاذا بشىء يدعوه متنحيا عن الطريق يقول هلم يامحمد وأنه عليه السلام مر بجماعة فسلموا عليه وقالوا السلام عليك يااول السلام عليك يا آخر فقال جبريل اردد عليهم السلام فرد ثم قال جبريل اما العجوز فالدنيا ولم يبق من الدنيا الا مابقى من عمر تلك العجوز اما لو أجبتها لاختار امتك الدنيا على الآخرة واما الذى دعاك فأبليس واما الذين سلموا عليك فابراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام قال بعض العارفين خلق الله ابليس ليقتدى به الاشقياء ويظهر الفرق بينهما فابليس دلال وسمسار على النار والخلاف وبضاعته الدنيا ولما عرضها على الكافرين قيل ماثمنها قال ترك الدين فاشتروها بالدين وتركها الزاهدون وأعرضوا عنها والراغبون فيها لم يجدوا فى قلوبهم ترك الدين ولا ترك الدنيا فقالوا له اعطنا مذاقه منها حتى ننظر ماهى فقال ابليس اعطونى رهنا فأعطوه سمعهم وأبصارهم ولذا يحب أرباب الدنيا استماع اخبارها ومشاهدة زينتها لان سمعهم وأبصارهم رهن عند ابليس فأعطاهم المذاقة بعد قبض الرهن فالستعموا من الزهاد عيب الدنيا ولم يبصروا قبائحها بل استحسنوا زخارفها ومتاعها فلذلك قيل حبك الشىء يعمى ويصم وقال بعضهم خلق الله ابليس ليكون المؤمن فى كنف رعاية المولى وحفظه لانه لولا الذئب لم يكن للغنم راع وخلق الله ابليس من ظلمة وخبث وطبعه على العداوة نسأل الله الحفظ والعصمة منه

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وقال قرينُهُ} أي: الشيطان المقيض له، أو: الملك الكاتب الشاهد عليه: {هذا ما لديَّ عَتِيدٌ} أي: هذا ما عندي وفي ملكي عتيد لجهنم، قد هيأته بإغوائي وإضلالي، أو: هذا ديوان عمله عندي عتيد مهيأ للعرض، فـ"ما" موصولة، إما بدل من "هذا" أو صفة، و"عتيد": خبر، أو: خبر، و"عتيد: خبر آخر، أو: موصوفة خبر "هذا"، و "لديّ": صفته، وكذا "عتيد" أي: هذا شيء ثابت لديّ عتيد. ثم يقول الله تعالى للسائق والشهيد: {ألقيا في جهنم} أو: لملكين من خزنة جهنم، أو: يكون الخطاب لواحد، وكان الأصل: ألقِ ألقِ، فناب"ألقيا" عن التكرار؛ لأن الفاعل كالجزء من الفعل، فكان تثنية الفاعل نائباً عن تكرار الفعل، أو: أصله: ألْقِيَن، والألف بدل من نون التوكيد، إجراء للموصول مجرى الوقف، دليله: قراءة الحسن: (ألْقينْ) والأحسن: أن يُراد جنس قرينه، فيصدق بالسائق والشهيد، فيقال لهما: {ألقيا في جهنم كلَّ كَفَّار} بالنعم والمُنعِم {عنيدٍ}: مجانب للحق، معادٍ لأهله، {منَّاعٍ للخير} كثر المنع للمال عن حقوقه، أو: منَّاع لجنس الخير أن يصل إلى أهله، أو: يراد بالخير الإسلام، لأن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة، لَمَّا منع بني أخيه من الإسلام. {معتدٍ} ظالم متخطِّ للحق {مريب}: شاكٍّ في الله تعالى وفي دينه. {الذي جعل مع الله إِلهاً آخر}: بدل من "كل كَفَّار" ولا يجوز أن يكون صفة؛ لأن النكرة لا توصف بالموصول، خلافاً لابن عطية، أو: مبتدأ مضمن معنى الشرط، خبره: {فألْقِيَاهُ في العذاب الشديد} وعلى الأول يكون "فألقياه" تكريراً للتوكيد، أو مفعولاً بمضمر، يُفسره "فألقياه" أي: ألقِِ الذي جعل مع الله إلهاً آخر ألقياه. {قال قرينُه} أي: شيطانه الذي قُرن به، وهذا يؤيد أن المراد بالمتقدم جنس القرين، وإنما أُخليت هذه الجملة من الواو دون الأولى؛ لأن الأولى واجب عطفها؛ للدلالة على الجمع بين معناها ومعنى ما قبلها في الحصول، أي: مجيء كل نفس مع ملكين وقول قرينه ما قال له، وأما هذه فهي مستأنفة، كما تستأنف الجمل الواقعة في حكاية التقاول، كما في مقاولة موسى وفرعون في وقوله:{أية : وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ}تفسير : [الشعراء: 23 - 31] إلى آخر الآيات، فكأن الكافر قال: هو أطغاني، فأجابه قرينُه بتكذيبه فقال: {ربنا ما أطغيتُه ولكن كان في ضلال بعيد} عن الحق، أي: ما أوقعته في الطغيان بالقهر، ولكن طغى واختار الضلالة على الهدى، وهذا كقوله:{أية : وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ}تفسير : [إبراهيم: 22]، فالوسوسة والتزيين حاصل منه، والاختيار من الكافر، والفعل لله، لا يُسأل عما يفعل. {قال} تعالى: {لا تختصمون لَدَيَّ} أي: في موقف الحساب والجزاء، إذ لا فائدة في ذلك، والجملة استئناف جواب عن سؤال، كأن قائلاً قال: فماذا قال الله تعالى لهم؟ قال: لا تختصموا عندي {وقد قَدَّمتُ إِليكم بالوعيد} في دار الكسب على ألسنة رسلي، فلا تطمعوا في الخلاص منه بما أنتم فيه من التعلُّل بالمعاذير الباطلة. والجملة فيها تعليل للنهي، على معنى: لا تختصموا وقد صحّ عندكم أني قدمت إليكم بالوعيد حيث قالت: "لأملأن جهنم..." الخ، فاتبعتموه معرضين عن الحق، فلا وجه للاختصام في هذا الوقت. والباء إما مزيدة كما في قوله:{أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ}تفسير : [البقرة: 195] أو معدية على أن "قَدَّم" مضارع تقدم. {ما يُبدّلُ القولُ لَدَيَّ} أي: لا تطمعوا أن يُبدل قولي ووعيدي بإدخال الكفار في النار، {وما أنا بظَلاَّمٍ للعبيد} فلا أُعذب عبداً بغير ذنب مِن قِبلَه، بل بما صدر منه من الجنايات، حسبنا أشير إليه آنفاً. والتعبير عن بالظلم مع أن تعذيبهم بغير ذنب ليس بظلم على ما تقرر من قاعدة أهل السنة، فضلاً عن كونه ظلماً مفرطاً لتأكيد هذا المعنى، بإبراز ما ذكر من التعذيب بغير ذنب في معرض المبالغة في الظلم، وقيل: هو لرعاية جميعة العبيد، من قولهم: فلان ظالم لعبده وظلاّم لعبيده، وقيل: ظلاّم بمعنى: ذي ظلم، كلبّان لذي اللبن. والله تعالى أعلم. الإشارة: قرين الإنسان نَفْسُه الأمّارة ورُوحه المطمئنة، فإذا غلبت النفسُ على الروح وصرّفت صاحبها في الهوى، تقول يوم القيامة: هذا ما لديّ عتيد، مهيَّا للعتاب، فيقال لهما: ألقيا في نار القطيعة كلَّ كفّار للنعم، جحود لوجود الطبيب، منّاع للخير، فلم يصرفه فيما يخلصه من نفسه، معتدٍ على الله بتكبُّره، وعدم حط رأسه للداعي إلى الله، مُريب، قد لعبت به الشكوك والأوهام والخواطر، أو: شاك في وجود الطبيب، الذي جعل مع الله إلهاً آخر، يُحبه ويخضع له، من الهوى والدنيا، وكل ما أشركه مع الله في المحبة، فألقياه في العذاب الشديد: الحجب عن الله، وعدم اللحوق بأولياء الله، أو العذاب الحسي. قال قرينه - روحه التي كانت سماوية، فصيّرها أرضية، بمتابعة هواه: ربنا ما أطغيته، فإنه ليس الإغواء والإطغاء من شأني، ولكن كان في ضلال بعيد، حيث أطاع نفسه وهواه، ورماني في مزابل الشهوات والغفلة، قال تعالى: {لا تختصموا لَدَيَّ} اليوم، قد قدمت إليكم بالوعيد، حيث قلت: {أية : إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارة بِالسُّوء}تفسير : [يوسف: 53]{أية : قَدْ أَفَلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}تفسير : [الشمس: 9، 10] وقلت في شأن مَن جاهد نفسه، وردها لأصلها: {أية : يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ}تفسير : [الفجر: 27] الآية، {ما يُبدلّ القولُ لَدَيَّ} فإني وعدت أهل المجاهدة بالوصول إلى حضرتي، والتنعُّم برؤيتي بقولي: {وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا...} [العنكبوت: 69] الآية، وأهلَ الغفلة بالحجاب، بقولي:{أية : كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}تفسير : [المطففين: 14، 15]، وما ظلمت أحداً قط، لأن الظلم ليس من شأني، ولا يليق بمُلكي. ثم ذكر اليوم الذي يظهر الوعد الوعيد، فقال: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ}.

الجنابذي

تفسير : {وَقَالَ قَرِينُهُ} اى الملك الموكّل عليه {هَـٰذَا} المكتوب الّذى كتبته عليه {مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} ومهيّأٌ للحضور والاظهار وقال الشّيطان الّذى قيّض له هذا الضّال ما لدىّ عتيدٌ ومهيّأٌ لجهنّم.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَ قَرِينُهُ} هو الملك الموكل عليه بكتابة عمله القبيح وقيل ملك يسوقه قاله قتادة وابن زيد* {هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} هذا ما ثبت عندي من عملك حاضر يقول ذلك للانسان وقيل لله أي قد أحضرته وأحضرت ديوان عمله وقيل قرينه الشيطان المقيض له أي هذا الانسان هو ما في قبضتى حاضر هيأته لجهنم لاضلالي له وهو الشيطان في قوله {أية : نقيض له شيطاناً فهو له قرين} تفسير : ويدل له {أية : قال قرينه ربنا ما أطغيته} تفسير : فذلك ملك يسوقه وآخر يشهد عليه وشيطان يقول اعتدته لجهنم باغوائي. وقال جماعة من المفسرين (القرين من الزبانية) أي هذا ما عندي من العذاب حاضر أعددته لهذا الكافر و (عتيد) بدل من (ما) الموصولة أو خبر ثان لهذا أو خبر لمحذوف وان جعلت (ما) موصوفة فعتيد صفة ثانية ويجوز كون (عتيد) خبراً لمحذوف (ولديَّ) متعلق بعتيد والجملة صلة أو صفة ويقول الله للملكين السائق والشاهد

اطفيش

تفسير : {وقالَ قَرينُهُ} قرين النفس المذكور، لأن النفس يذكر ويؤنث، وهو الشيطان المقرون للنفس، يغويها للابتلاء من الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : "ما من أحد إلاَّ وُكِلَ به قرينه من الجن" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا أن الله تعالى أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلاَّ بالخير"" تفسير : {هَذا} أى هذا الكافر {ما لَديَّ عتيدٌ} ما هو عتيد، أى مهيأ للنار فى قبضتى باغوائى، وهذا يعين أن الخطاب للكافر فى المواضع، لكن لا مانع يكون له هنا وفيما هناك له وللمؤمن، ولا تنافى الآية قوله تعالى: "أية : ربنا ما أطغيته" تفسير : [ق: 27] لأن هذا نظير قوله عز جل: "أية : ووعدتكم فأخلفتكم" تفسير : [إبراهيم: 22] وقوله: "أية : ربنا ما أطغيته" تفسير : [ق: 27] نظير: "أية : وما كان لي عليكم من سلطان إلاَّ أنْ دعوتكم" تفسير : [إبراهيم: 22]. وقال قتادة: قرينه الملك الموكل بسوقه، يقول مشيرا اليه: هذا ما لدى حاضر، وقال الحسن: كاتب سيئاته مشيرا الى ما فى صحيفته هيأته للعرض، وقيل: قرينه عمله، ويرد هذه الأقوال الثلاثة قوله: {ربنا ما أطغتيه} فان عمله لا يقول ذلك، والملك لا يتبادر أن يقوله أيضا، وهذا مبتدأ وما خبر، ولدى متعلق بعتيد، وعتيد خبر لمحذوف أى هو عتيد لدىَّ، والجملة صلة ما، وحذف صدر صلتها الطول أو لدى صلة ما، وعتيد خبر ثان.

الالوسي

تفسير : {وَقَالَ قَرِينُهُ } / أي شيطانه المقيض له في الدنيا كما قال مجاهد، وفي الحديث «حديث : ما من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: ولا أنا إلا أن الله تعالى أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير»تفسير : . {هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ } إشارة إلى الشخص الكافر نفسه أي هذا ما عندي وفي ملكتي عتيد لجهنم قد هيأته لها بإغوائي وإضلالي، ولا ينافي هذا ما حكاه سبحانه عن القرين في قوله تعالى الآتي: {أية : قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ } تفسير : [ق: 27] لأن هذا نظير قول الشيطان: {أية : وَلأَضِلَّنَّهُمْ } تفسير : [النساء: 119] وقوله: {أية : وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ } تفسير : [إبراهيم: 22] وذاك نظير قوله: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ } تفسير : [إبراهيم: 22]. وقال قتادة وابن زيد: قرينه الملك الموكل بسوقه يقول مشيراً إليه: هذا ما لدي حاضر، وقال الحسن: هو كاتب سيئاته يقول مشيراً إلى ما في صحيفته أي هذا مكتوب عندي عتيد مهيأ للعرض، وقيل: قرينه هنا عمله قلباً وجوارح وليس بشيء. و {مَا } نكرة موصوفة بالظرف وبعتيد أوموصولة والظرف صلتها و {عَتِيدٌ } خبر بعد خبر لاسم الإشارة أو خبر لمبتدأ محذوف، وجوز أن يكون بدلاً من {مَا } بناء على أنه يجوز إبدال النكرة من المعرفة وإن لم توصف إذا حصلت الفائدة بإبدالها، وأما تقديره بشيء عتيد على أن البدل هو الموصوف المحذوف الذي قامت صفته مقامه أو إن {مَا } الموصولة لإبهامها أشبهت النكرة فجاز إبدالها منها فقيل عليه إنه ضعيف لما يلزم الأول من حذف البدل وقد أباه النحاة، والثاني لا يقول به من يشترط النعت فهو صلح من غير تراضي الخصمين. وقرأ عبد الله {عتيداً} بالنصب على الحال.

ابن عاشور

تفسير : الواو واو الحال والجملة حال من تاء الخطاب في قوله: {أية : لقد كنت في غفلة من هذا}تفسير : [ق: 22] أيْ يوبخ عند مشاهدة العذاب بكلمة {لقد كنتَ في غفلة من هذا}، في حال قول قرينه {هذا ما لدي عتيد}. وهاء الغائب في قوله: {قرينه} عائدة إلى {أية : كل نفس}تفسير : [ق: 21] أو إلى الإنسان. وقرين فَعيل بمعنى مفعول، أي مقرون إلى غيره. وكأنَّ فعلَ قَرَنَ مشتق من القَرَن بالتحريك وهو الحبل وكانوا يقرنون البعير بمثله لوضع الهودج، فاستعير القرين للملازم. وهذا ليس بالتفات إذ ليس هو تغيير ضمير ولكنه تعيين أسلوب الكلام وأعيد عليه ضمير الغائب المفرد باعتبار معنى {نفس} أي شخص، أو غلب التذكير على التأنيث. واسم الإشارة في قوله: {هذا ما لديّ} الخ، يفسره قوله: {ما لدي عتيد}. و {مَا} في قوله: {مَا لدي} موصولة بدل من اسم الإشارة. و{لدي} صلة، و{عتيد} خبر عن اسم الإشارة. واختلف المفسرون في المراد بالقرين في هذه الآية على ثلاثة أقوال: فقال قتادة والحسن والضحاك وابن زيد ومجاهد في أحد قوليه هو المَلَك الموكل بالإنسان الذي يسوقه إلى المحشر (أي هو السائق الشهيد). وهذا يقتضي أن يكون القرين في قوله الآتي {أية : قال قرينه ربنا ما أطغيته}تفسير : [ق: 27] بمعنى غير معنى القرين في قوله: {وقال قرينه هذا ما لدي عتيد}. وعن مجاهد أيضاً: أن القرين شيطان الكافر الذي كان يزين له الكفر في الدنيا أي الذي ورد في قوله تعالى: {أية : وقيّضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم}تفسير : [فصلت: 25]. وعن ابن زيد أيضاً: أن قرينه صاحبه من الإنس، أي الذي كان قرينَه في الدنيا. وعلى الاختلاف في المراد بالقرين يختلف تفسير قوله: {هذا ما لدي عتيد} فإن كان القرين الملَكَ كانت الإشارة بقوله {هذا} إلى العذاب الموكَّل به ذلك المَلكُ؛ وإن كان القرين شيطاناً أو إنساناً كانت الإشارة محتمِلة لأن تعود إلى العذاب كما في الوجه الأول، أو أن تعود إلى معاد ضمير الغيبة في قوله: {قرينه} وهو نفس الكافِر، أي هذا الذي معي، فيكون {لديَّ} بمعنى: معي، إذ لا يخلو أحد من صاحبٍ يأنس بمحادثته والمراد به قرين الشرك المماثل. وقد ذكر الله من كان قريناً للمؤمن من المشركين واختلاف حاليهما يوم الجزاء بقوله {أية : قال قائل منهم إني كان لي قرين يقول أئِنّك لمن المصدقين} تفسير : الآية في سورة الصافات (51، 52). وقول القرين {هذا ما لدي عتيد} مستعمل في التلهف والتحسر والإشفاق، لأنه لما رأى ما به العذاب علم أنه قد هُيّىء له، أو لمَّا رأى ما قدم إليه قرينه علم أنه لاحِق على أثره كقصة الثورين الأبيض والأحمر اللذين استعان الأسد بالأحمر منهما على أكل الثور الأبيض ثم جاء الأسد بعد يوم ليأكل الثور الأحمر فَعَلا الأحمر ربوة "وصاح ألا إنما أكلت يومَ أكل الثور الأبيض". وتقدم معنى {عَتيد} عند قوله تعالى: {أية : إلا لديه رقيب عتيد}تفسير : [ق: 18]، وهو هنا متعيّن للمعنى الذي فسر عليه المفسرون، أي مُعَدٌّ ومهيَّأ.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وقال قرينه: أي الملك الموكل به. هذا ما لديّ عتيد: أي هذا عمله حاضر لديّ. كل كفار عنيد: أي كثير الكفر والجحود لتوحيد الله وللقائه ولرسوله معاند كثير العناد. مناع للخير معتد مريب: أي مناع للحقوق والواجبات من المال وغيره. الذي جعل مع الله إلهاً آخر: أي أشرك بالله فجعل معه آلهة أخرى يعبدها. ربنا ما أطغيته: أي يقول قرينه من الشياطين يا ربنا ما أطغيته أي ما حملته على الطغيان. ولكن كان في ضلال بعيد: أي ولكن الرجل كان في ضلال بعيد عن كل هدى متوغلا في الشرك والشر. وقد قدمت إليكم بالوعيد: أي قدمت إليكم وعيدي بالعذاب في كتبي وعلى لسان رسلي. ما يبدل القول لديّ: أي ما يغير القول عندي وهو قوله لأملأن جهنم منكم أجمعين. يوم نقول لجهنم هل امتلأت: أي وما الله بظلام للعبيد يوم يقول لجهنم هل امتلأت. وتقول هل من مزيد: أي لم أمتليء هل من زيادة فيضع الجبار عليها قدمه فتقول قط قط. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر مشاهد القيامة وأحوال الناس فيها فقال تعالى {وَقَالَ قَرِينُهُ} أي قال قرين ذلك الكافر الذي جيىء به إلى ساحة فصل القضاء ومعه سائق يسوقه وشهيد يشهد عليه. قال قرينه وهو الملك الموكل به هذا ما لديّ أي من أعمال هذا الرجل الذي وكلت بحفظ أعماله وكتابتها عتيد أي حاضر. وهنا يقال لمن استحق النار {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ} وهو خطاب لمن جاءا به وهما السائق والشهيد {كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ} فهذه خمس صفات قد اجتمعت في شخص واحد فأوبقته الأولى {كَفَّارٍ} أي كثير الكفر الذي هو الجحود لما يجب الإِيمان به والتصديق من سائر أركان الإِيمان الستة، والثانية عنيد والعنيد التارك لكل ما وجب عليه المعاند في الحق المعاكس في المعروف وهي صفة. الثالثة مناع للخير أي كثير المنع للخير مالاً كان أو غيره لا يبذل معروفاً قط، الرابعة معتدٍ أي على حدود الشرع معتد على الناس ظالم لهم بأكل حقوقهم وأذيتهم في أعراضهم وأموالهم وأبدانهم الخامسة مريب أي شاك لا يعرف التصديق بشيء من أمور الدين فهو جامع لكل أنواع الكفر وقوله {ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً} وهذا وصف سادس وهو أسوأ تلك الصفات وهو اتخاذه إلهاً آخر يعبده دون الله تعالى وقوله تعالى {فَأَلْقِيَاهُ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ} هذا أمر آخر أكد به الأمر الأول وهو ألقيا في جهنم كل كفار عنيد. وقوله تعالى {قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} قال هذا القول القرين لما قال المشرك معتذراً ربّ إن قريني من الشياطين أطغاني فرد عليه القرين بما أخبر تعالى به عنه في قوله قال قرينه ربنا ما أطغتيه ولكن كان في ضلال بعيد فقال الرب تعالى {لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ} فرد الله حجة كل من الكافر والقرين من الشياطين وأعلمهما أنه قد قدم إليهما بالوعيد في كتبه وعلى ألسن رسله من كفر بالله وأشرك به وعصى رسله فإن له نار جهنم خالداً فيها أبدا. وقوله تعالى {مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} أخبر تعالى أن حكمه نافذ فيمن كفر به وعصى رسله إذ سبق قوله لإِبليس عندما أخرج آدم من الجنة بوسواسه وهو لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين. فهذا القول الإِلهي لا يبدل ولا يقدر أحد على تبديله وتغييره وقوله {وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} نفى تعالى الظلم عن نفسه والظلم هو أن يعذب مطيعا، أو يدخل الجنة كافراً عاصياً. وقوله تعالى {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} أي اذكر يا نبينا لقومك المنهمكين في الشرك والمعاصي ما ينتظر أمثالهم من عذاب حهنم اذكر لهم يوم نقول لجهنم هل امتلأت فتقول هل من مزيد بعدما يدخل فيها كل كافر وكافرة من الإِنس والجن وتقول طالبة الزيادة هل من مزيد؟ ولما لم يبق أحد يستحق عذاب النار يضع الجبار فيها قدمه فينزوي بعضها في بعض وتقول قط قط والحديث معناه في الصحيحين وغيرهما. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء. 2- التحذير من الصفات الست التي جاءت في الآية وهي الكفر والعناد ومنع الخير والاعتداء والشك والشرك. 3- بيان خصومة أهل النار من إنسان وشيطان. 4- نفي الظلم عن الله تعالى وهو كذلك فلا يظلم الله أحدا من خلقه. 5- إثبات صفة القدم للربّ تعالى كما يليق هذا الوصف بذاته التي لا تشبه الذوات سبحانه وتعالى عن صفات المحدثين من خلقه.

القطان

تفسير : القرين: المصاحب، الملَكُ الموكل بالمرء. معتدٍ: متجاوز للحق ظالم. مريب: شاكّ في الله وفي دينه، يقال: أرابَ الرجلُ صار ذا ريبة، وأرابَ الرجلَ اقلقه وازعجه. قال قرينه: الشيطان الذي أطغاه. كان في ضلال بعيد: بعيد عن الحق. وأزلفت الجنة: قُربت وأُدْنِيَتْ. غير بعيد: في مكان قريب. لكل أواب: لكل تائب راجع عن المعصية الى الطاعة. حفيظ: حافظ لحدود الله وشرائعه. منيب: مخلص. ولدينا مزيد: مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. لا يزال الحديث عن يوم القيام وما يجري فيه. {وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} وقال الملَكُ الموكَّل به الذي كان يسوقه الى الموقف: هذا الذي وكَّلتني به يا ربُّ من بني آدم قد أحضرتُه وما هو مسجَّل عليه من قولٍ وعمل. فيقال للملَكَين (السائق والشهيد): ألقِيا في جهنمَ كلَّ كفّار عنيد، منّاعٍ للخير، ظالمٍ متجاوزٍ للحق، قد عَبَدَ غير الله. ألقياه في العذاب الشديد. فيقول ذلك الكافر عندما يرى العذاب: ربِّ إن قريني من الشياطين أطغاني. فيردّ عليه قرينه بقوله: {رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} كان طبعهُ الكفرَ والضلال والبعد عن الحق. قال تعالى للكافرين وقرنائهم: لا تختصِموا لديَّ في هذا الموقف، وقد قدّمتُ اليكم في الدنيا وعيداً على الكفر مع رسُلي إليكم فلم تؤمنوا. {مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} لا يغيَّر قضائي الذي قضيته، ولا أَظلم أحداً، فلا أعذبه بغير جرم اجترمه، ولا أعذبُ احداً مكان احد. وبعد ذلك يذكر مكان حلول الوعيد بقوله: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} وهذا يقال تقريعاً للكافرين إذ تطلب جهنمُ المزيدَ منهم. وبعد هذا الحوار يأتي ذِكرُ حال المتقين. وهو مشهد يختلف كل الاختلاف، وديعٌ أليف تقرَّب فيه الجنة من المتقين حتى تتراءى لهم ويشهد المؤمنون فيه الترحيب والتكريم من رب العالمين. {وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ} وقُرّبت الجنة للذين آمنوا واتقوا ربهم بحيث تكون بمرأى العين منهم، إكراماً لهم، فيرون ما أعدّ اللهُ لهم من نعيم وحبور، ولذةٍ وسرور، ويقال لهم: {هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ} من كل خير. ثم يصفهم الله تعالى بأوصاف كريمة بقوله تعالى: {لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ} ثم يؤذَن لهم بالدخول بسلام خالدين فيها أبدا، {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ}. وبعد ذلك يعلن المولى تعالى ببشارة عظيمة: {لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ}. إنهم يجدون فيها كل ما يشتهون. ثم يمنُّ الله تعالى بكرمه أن يزيدَهم فوق ما سألوا مما لم تره أعينُهم ولم يدرْ بخَلَدِهم، وتلك الضيافة الكبرى من الرحمن الرحيم. قراءات: قرأ نافع وابو بكر: يوم يقول لجهنم.... بالياء. والباقون: نقول بالنون.

د. أسعد حومد

تفسير : (23) - وَيُقَدِّمُ المَلكُ المُكَلَّفُ بِمُراقَبةِ الإِنسَانِ صَحِيفَةَ أَعْمالِهِ إِلى الرَّبِّ العَظِيمِ، وَيَقُولُ: هذا الذِي وَكَّلْتَني بهِ يَا رَبِّ قَدْ أَحْضَرْتُهُ وَأَحْضَرْتُ صَحِيفةَ أعْمالِهِ في حَياتِهِ الدُّنيا، فَهُوَ مُهَيّأٌ لاَ يَحْتَاجُ إِلى تَهْيِئةٍ وَإِعْدادٍ. (وَقِيْلَ إِنَّ المُرادَ بالقَرِينِ هُنَا الشَّيطَانُ الذِي كَانَ مُقَيَّضاً لهُ في الحَيَاةِ الدُّنيا. وَهُوَ مَا تَدُلُّ عَليهِ الآيةُ 27 التَّالِيةُ). عَتِيدٌ - مُعَدٌّ - حَاضِرٌ وَمُهَيَّأٌ لِلْعَرْضِ.

الثعلبي

تفسير : {وَقَالَ قَرِينُهُ} يعني الشيطان الذي قُيّض لهذا الكافر العنيد {رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ} ما أضللتُه، وما أغويته. وقال القرظي: ما أكرهته على الطغيان. {وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} عن الحقّ فتبرأ شيطانه عنه، وقال ابن عبّاس، ومقاتل: قال قرينه يعني الملك، وذلك أنّ الوليد بن المغيرة يقول للملك الذي كان يكتب السيئات: ربّ إنّه أعجلني، فيقول الملك ربّنا ما أطغيته، ما أعجلته، وقال سعيد بن جبير: يقول الكافر: ربِّ إنّ الملك زاد عليَّ في الكتابة، فيقول الملك: ربّنا ما أطغيته، يعني ما زدت عليه، وما كتبت إلاَّ ما قال وعمل، فحينئذ يقول الله سبحانه: {قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ} فقد قضيت ما أنا قاض. {وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ} في القرآن حذّرتكم، وأنذرتكم، فلا تبديل لقولي ولوعيدي. قال ابن عبّاس: إنّهم اعتذروا بغير عذر، فأبطل الله حجّتهم، ورد عليهم قولهم {مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ} وهو قوله: {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} تفسير : [هود: 119]، وقال الفرّاء: معناه ما يكذب عندي لعلمي بالغيب {وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} فأعاقبهم بغير جرم أو أجزي بالحسن سيّئاً. {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ} قرأ قتادة، والأعرج، وشيبة، ونافع (نقول) (بالتاء)، ومثله روى أبو بكر عن عاصم، اعتباراً بقوله، قال: لا تختصموا لديّ، وقرأ الحسن يوم (يقال) وقرأ الباقون يوم (نقول) (بالنون) (لجهنّم) {هَلِ ٱمْتَلأَتِ} لما سبق من وعده إيّاها أنّه يملأها {أية : مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} تفسير : [هود: 119] وهذا السؤال منه على طريق التصديق بخبره، والتحقيق لوعده والتقريع لأهل عذابه، والتنبيه لجميع عباده. {وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} يحتمل أن يكون جحداً مجازه ما من مزيد، ويحتمل أن يكون استفهاماً، بمعنى هل من مزيد، فأزاده وإنّما صلح {هَلْ} للوجهين جميعاً، لأنّ في الاستفهام ضرباً من الجحد، وطرفاً من النفي، قال ابن عبّاس: إنّ الله سبحانه وتعالى، قد سبقت كلمته {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} تفسير : [هود: 119، السجدة: 13] فلمّا بعث للنّاس، وسبق أعداء الله إلى النار زمراً، جعلوا يقحمون في جهنّم فوجاً فوجاً، لا يلقى في جهنّم شيء إلاّ ذهب فيها، ولا يملأها شيء. فقالت: ألست قد أقمت لتملأني؟ فوضع قدمه عليها، ثمّ يقول لها: هل امتلأت؟ فتقول: قط قط، قد امتلأت، فليس من مزيد. قال ابن عبّاس: ولم يكن يملأها شيء حتّى مس قدم الله فتضايقت فما فيها موضع إبرة، ودليل هذا التأويل ما أنبأني عقيل، قال: أخبرنا المعافى، قال: أخبرنا ابن جرير، قال: حدّثنا بشر، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تزال جهنّم يلقى فيها، وتقول: هل من مزيد؟ حتّى يضع ربّ العالمين فيها قدمه، فتتزاوي بعضها إلى بعض، وتقول: قد قد بعزّتك، وكرمك، ولا يزال في الجنّة فضل، حتّى ينشئ الله سبحانه لها خلقاً، فيسكنهم فضل الجنّة ". تفسير : وأخبرنا ابن حمدون، قال: أخبرنا ابن الشرقي، قال: حدّثنا محمّد بن يحيى، وعبد الرّحمن بن بشر، وأحمد بن يوسف، قالوا: حدّثنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن همام ابن منبه، قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة، عن محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : تحاجت الجنّة والنّار، فقالت النّار: أُوثرت بالمتكبّرين والمتجبّرين، وقالت الجنّة: فما لي لا يدخلني إلاّ ضعفاء الناس وسقطهم؟ فقال الله سبحانه للجنّه: إنّما أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنّار: إنّما أنت عذابي، أُعذّب بك من أشاء من عبادي، ولكلّ واحدة منكما ملأها، فأمّا النار، فإنّهم يلقون فيها وتقول: هل من مزيد؟ فلا تمتلئ حتّى يضع الله سبحانه وتعالى فيها رجله فتقول: قط قط، فهناك تمتلأ وتزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحداً، وأمّا الجنّة، فإنّ الله عزّ وجلّ ينشئ لها خلقاً ". تفسير : قلت: هذان الحديثان في ذكر القدم، والرجل، صحيحان مشهوران، ولهما طرق من حديث أبي هريرة، وأنس، تركتُ ذكرهما كراهة الإطالة، ومعنى القدم المذكور في هذا الحديث المأثور قوم يقدمهم الله إلى جهنّم، يملأها بهم، قد سبق في عمله إنّهم صائرون إليها وخالدون فيها، وقال النضر بن شميل: سألت الخليل بن أحمد عن معنى هذا الحديث، فقال: هم قوم قدمهم الله للنار، وقال عبد الرّحمن بن المبارك: هم مَن قد سبق في علمه أنّه من أهل النّار. وكلّ ما يقدم، فهو قدم. قال الله سبحانه: إنّ لهم قدم صدق عند ربّهم، يعني أعمال صالحة قدّموها، وقال الشاعر يذمّ رجلا: شعر : قعدت به قدم الفجار وغودرت وعود ربّ أسبابه من فتنة من خالق تفسير : يعني ليس له ما يفتخر بهم. على انّ الأوزاعي روى هذا الحديث عن حسّان بن عطية، حتى يضع الجبّار قِدمه بكسر القاف، وكذلك روى وهب بن منبه، وقال: إنّ الله سبحانه كان قد خلق قوماً قبل آدم، يقال لهم: القدم، رؤوسهم كرؤوس الكلاب والذباب، وسائر أعضائهم كأعضاء بني آدم، فعصوا ربّهم، وأهلكهم الله، يملأ الله بهم جهنّم حين تستزيد. وأمّا الرِجل فهو العدد الكبير من الناس وغيرهم. يقال: رأيت رِجلاً من الناس، ومرّ بنا رجل من جياد، وقال الأصمعي: سمعت بعض الأعراب تقول: ما هلك على رِجل نبيّ من الأنبياء ما هلك على رِجل موسى، يعني القبط، وقال الشاعر: شعر : فمرّ بنا رِجل من النّاس وانزوى إليهم من الحيّ اليمانين أرجل قبائل من لخم وحمير على ابني نزار بالعداوة أحفل تفسير : ويصدق هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم في سياق الحديث: "حديث : ولا يظلم الله من خلقه أحداً"تفسير : ، فدلَّ أنّ الموضوع الملقى في النّار خلق من خلقه، وقال بعضهم: أراد قَدم بعض ملائكته ورِجله، وأضاف إليه كقوله: وسئل القرية. والله أعلم. {وَأُزْلِفَتِ} وأدنيت {ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} حتّى يروها قبل أن يدخلوها. {غَيْرَ بَعِيدٍ} منهم وهو تأكيد، ويقال لهم: {هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ} في الدنيا على ألسنة الأنبياء. {لِكُلِّ أَوَّابٍ} توّاب، عن الضحّاك. وقيل: رجّاع إلى الطاعة عن ابن زيد، وقال ابن عبّاس وعطاء: الأوّاب المسبِّح من قوله سبحانه: {أية : يٰجِبَالُ أَوِّبِي} تفسير : [سبأ: 10]. الحكم بن عيينة: هو الذاكر لله في الخلاء. الشعبي ومجاهد: الذي يذكر ذنوبه في الخلاء، فيستغفر منها. قتادة: المصلّي. مقاتل بن حيان: المطيع. عبيد بن عسر: هو الذي لا يقوم من مجلسه حتى يستغفر الله تعالى. أبو بكر الورّاق: المتوكّل على الله سبحانه في السراء والضراء لا يهتدي إلى غير الله. المحاسني: هو الراجع بقلبه إلى ربّه. القاسم: هو الذي لا ينشغل إلاّ بالله. {حَفِيظٍ} قال ابن عبّاس: هو الذي حفظ ذنوبه حتّى يرجع عنها. قتادة: حفيظ لما استودعه الله سبحانه من حقّه ونعمته. وعن ابن عبّاس أيضاً: الحافظ لأمر الله. الضحّاك: المحافظ على نفسه المتعهّد لها. عطاء: هو الذي يذكر الله في الأرض القفر. الشعبي: هو المراقب. أبو بكر الورّاق: الحافظ لأوقاته وهماته وخطواته. سهل: المحافظ على الطاعات والأوامر. {مَّنْ خَشِيَ} في محلّ مَن وجهان من الإعراب: الخفض على نعت الأوّاب، والرفع على الاستئناف، وخبره في قوله ادخلوها، ومعنى الآية من خاف {ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ} ولم يره، وقال الضحّاك والسدّي: يعني في الخلاء حيث لا أحد، وقال الحسن: إذا أرخى الستر وأغلق الباب. {وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ} مقبل إلى طاعة الله. قال أبو بكر الورّاق: علامة المنيب أن يكون عارفاً لحرمته، موالياً له، متواضعاً لحلاله تاركاً لهوى نفسه. {ٱدْخُلُوهَا} أي يقال لأهل هذه الصفة: ادخلوها {بِسَلاَمٍ} بسلامة من العذاب وسلام الله وملائكته عليهم، وقيل: السلامة من زوال النعيم وحلول النقم. {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ * لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} يعني الزيادة لهم في النعم ممّا لم يخطر ببالهم، وقال جابر وأنس: هو النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى بلا كيف.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : معنى {قَرِينُهُ ..} [ق: 23] أي: الملك المقارن والملازم له عن يمينه وعن شماله يُسجِّل عليه كل أعماله وكل نَفَس من أنفاسه، يأتي ويقول: {هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} [ق: 23] هذا ما عندي لهذا العبد، وهذا ما سجلته عليه جاهز ومُعد. كما نرى مثلاً رجل البوليس حينما يُقدِّم تقريراً للنيابة يقدم فيه الأدلة ويقول: هذا ما عندي وقد انتهت مهمتي وعلى النيابة الحكم في المسألة. وقوله تعالى: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ} [ق: 24] هذا أمر من الحق سبحانه وتعالى لكل من السائق والشهيد أنْ يُلقيا في جهنم كلَّ (كفار) شديد الكفر متمكن فيه. والكفر إما كفر للنعمة كما حدث من أهل سبأ، فقال الله فيهم: {أية : ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ ..}تفسير : [سبأ: 17] أي: كفروا نعمة الله، أو كفر المنعم سبحانه وهو كفر الألوهية. وكلمة {كَفَّارٍ ..} [ق: 24] صيغة مبالغة من كافر، أي كفر مرة واحدة إنما كفار يعني يتكرر منه الكفر، لذلك وصفه بعدها بأنه {عَنِيدٍ} [ق: 24] أي: عنيد في كفره مُصرٌّ عليه مُتمادٍ فيه. والكفر في اللغة هو السَّتْر، وكفر النعمة يأتي على قسيمن: ستر النعمة في مكانها، بمعنى أنهم لم يذهبوا إليها بجهد العمل والسعي والاستنباط، أو أنهم جمعوها وأتوا بها في جيوبهم ثم بخلوا بها على المحتاجين. كذلك كلمة {عَنِيدٍ} [ق: 24] فيها مبالغة نقول معاند وعنيد، فالعنيد هو الذي يعاند كلما دعوْتَه للحق ويُصر على موقفه، ولا شكَّ أن دعوة الرسول للناس بأنْ يؤمنوا تتكرر دائماً، لكن العنيد يعاند ولا يقبلها ولا يهتدي، ويتمادى مُتمسكاً برأيه، لا يقبل حجة ولا يقبل نقاشاً. إذن: كفر بالنعمة وكفر بالمنعم. وقوله تعالى: {مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ} [ق: 25] هذا هو الوصف الثالث للكافر العنيد، فبالإضافة إلى شدة كفره، وعناده، هو {مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ ..} [ق: 25] ومناع أيضاً صيغة مبالغة من مانع، فهو كثير المنع للخير يمنعه حتى عن نفسه بعد أنْ منعه عن الآخرين حين وقف في وجه الدعوة للإيمان، وحين منع ماله ولم يعط المحتاجين. ثم هو بعد ذلك كله {مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ} [ق: 25] فلم يكتف بمنع الخير، بل تعدي على الخير عند غيره فأخذه دون وجه حق، أخذه مرة بالسرقة، ومرة بالرشوة، ومرة بالخطف والغصب، ومرة بالتدليس، ومرة بالغش .. إلخ. فهو إذن مُعتد بأيِّ وجه من وجوه التعدي، وهو {مُّرِيبٍ} [ق: 25] أي: شاكّ مُرتاب في هذا اليوم، ولو كان مؤمناً به وبالحساب والجزاء ما فعل ذلك، لو كان يؤمن بالمقابل لأعطى ولم يمنع. ومن صفاته أيضاً {ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ ..} [ق: 26] الخطأ هنا في القمة في مسألة الإيمان بالله، والله يقول: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ..}تفسير : [النساء: 116] لذلك كان الجزاء {فَأَلْقِيَاهُ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ} [ق: 26]. إذن: عندنا نوعان من العذاب: عذاب مطلق لم يُوصف بأنه شديد في قوله تعالى: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ ..} [ق: 24] وهذا لمن عصى الله وارتكب من الكبائر ما دون الشرك بالله. ثم عذاب يُوصف بأنه شديد لمن أشرك بالله تعالى، ذلك لأن مرتكب الكبيرة ينطق بلا إله إلا الله، ويمكن أن يتوب لأن كلمة التوحيد لها أثر في حماية النفس حتى في العاصي. أما المشرك فلا ينطق بكلمة التوحيد، وليس لها أثر في نفسه، ولو أدخلنا هذا مع هذا لكانت كلمة التوحيد ليس لها معنى ولا أثر. والمغفرة في قوله: {أية : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ..}تفسير : [النساء: 116] قد تكون المغفرة مُعجَّلة له ونهائية وهو حي، وذلك لمَنْ تاب وأناب وبدّل عمله السيء بالعمل الصالح. فيدخل تحت قوله تعالى: {أية : إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ..}تفسير : [الفرقان: 70]. وإما أنْ تُؤخر له المغفرة، فيُعذَّب فترة في النار، ثم تتداركه رحمة الله وتشمله بركة لا إله إلا الله، فتُخرجه من النار كرامة لكلمة التوحيد.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لمّا حكى تعالى في الآيات السابقة إِنكار المشركين للبعث، وأقام الأدلة والبراهين على البعث والنشور، ذكر هنا الأهوال والشدائد التي يلقاها الكافر في الآخرة، والنعيم الذي أعدَّه للمؤمنين الأبرار في الجنة، وختم السورة الكريمة ببيان دلائل البعث وأحواله وأطواره. اللغَة: {وَأُزْلِفَتِ} قُربت يقال: زلف يزلف أي قرب، وأزلفه قرَّبه {أَوَّابٍ} رجَّاع إِلى الله من آب يئوب أوباً إِذا رجع {بَطْشاً} البطش: الأخذ بالشدة والعنف {نَقَّبُواْ} طوَّفوا وساروا وأصل التنقيب التنقير عن الشيء والبحث عنه قال الشاعر: شعر : نقَّبوا في البلاد من حذر الموت وجالوا في الأرض كلَّ مجال تفسير : {مَّحِيصٍ} مفر ومهرب من حاص يحيص حيصاً إِذا أراد الهرب {لُّغُوبٍ} تعب. سَبَبُ النّزول: عن قتادة أن اليهود قالوا إِن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام، أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة، وأنه تعب فاستراح يوم السبت وسمَّوه يوم الراحة فكذبهم تعالى فيما قالوا فنزلت {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ}. التفسِير: {وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} أي وقال الملك الموكل به، هذا الذي وكلتني به من بني آدم قد أحضرته وأحضرتُ ديوان عمله {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ} أي يقول تعالى للملكين "السائق والشهيد" إقذفا في جهنم كلَّ كافر معاند للحقِّ لا يؤمن بيوم الحساب {مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ} أي مبالغ في المنع لكل حقٍّ واجب عليه في ماله {مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ} أي ظالم غاشم شاكٍ في الدين {ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ} أي أشرك بالله ولم يؤمن بوحدانيته {فَأَلْقِيَاهُ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ} أي فألقياه في نار جهنم، وكرر اللفظ {فَأَلْقِيَاهُ} للتوكيد {قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ} أي قال قرينه وهو الشيطان المقيَّض له ربنا ما أضللتُه {وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} أي ولكنَّه ضلَّ باختياره، وآثر العمى على الهدى من غير إِكراهٍ أو إجبار، وفي الآية محذوفٌ دل عليه السياق كأن الكافر قال يا رب إِن شيطاني هو الذي أطغاني، فيقول قرينه: ربنا ما أطغيتُه بل كان هو نفسه ضالاً معانداً للحق فأعنته عليه {قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ} أي فيقول الله عز وجل للكافرين وقرنائهم من الشياطين: لا تتخاصموا هنا فما ينفع الخصام ولا الجدال، وقد سبق أن أنذرتكم على ألسنة الرسل بعذابي، وحذرتكم شديد عقابي، فلم تنفعكم الآياتُ والنُّذر {مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ} أي ما يُغيَّر كلامي، ولا يُبدَّل حكمي بعقاب الكفرة المجرمين قال المفسرون: المراد وعدُه تعالى بعذاب الكافر وتخليده في النار بقوله تعالى {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}تفسير : [هود: 119] {وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} أي ولست ظالماً حتى أعذب أحداً بدون استحقاق، وأعاقبه بدون جرم {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ}؟ أي اذكر ذلك اليوم الرهيب يوم يقول الله تعالى لجهنم هل امتلأت، وتقول هل هناك من زيادة؟ وفي الحديث "حديث : لا تزال جهنم يُلقى فيها وتقول هل من مزيد، حتى يضع ربُّ العزة فيها قدمه، فتقول: قَطْ. قَطْ وعزتك وكرمك - أي قد اكتفيتُ - وينزوي بعضُها إِلى بعض" تفسير : والظاهر أن السؤال والجواب على حقيقتهما، والله على كل شيء قدير، فإِن إِنطاق الجماد والشجر والحجر جائز عقلاً، وحاصلٌ شرعاً، وقد أخبر القرآن الكريم أنَّ نملة تكلمت، وأن كل شيء يسبح بحمد الله، وورد في صحيح مسلم أن المسلمين في آخر الزمان يقاتلون اليهود، حتى يختبىء اليهودي وراء الشجر والحجر، فينطق الله الشجر والحجر.. الخ وقيل: إِن الآية على التمثيل وأنها تصويرٌ لسعة جهنم وتباعد أقطارها بحيث لو ألقي فيها جميع الكفرة والمجرمين فإِنها تتسع لهم، وهو كقولهم "قال الحائط للمسمار لم تشقني؟ قال: سلْ منْ يدقني" ثم أخبر تعالى عن حال السعداء بعد أن ذكر حال الأشقياء فقال {وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ} أي قُرّبت وأدنيت الجنة من المؤمنين المتقين مكاناً غير بعيد، بحيث تكون بمرأى منهم مبالغة في إِكرامهم {هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ} أي يقال لهم: هذا الذي ترونه من النعيم هو ما وعده الله لكل عبدٍ أوَّاب أي رجَّاعٍ إِلى الله، حافظٍ لعهده وأمره {مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ} أي خاف الرحمن فأطاعه دون أن يراه لقوة يقينه، وجاء بقلبٍ تائب خاضع خاشع {ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ} أي يقال لهم: أدخلوا الجنة بسلامة من العذاب والهموم والأكدار، ذلك هو يوم البقاء الذي لا انتهاء له أبداً، لأنه لا موت في الجنة ولا فناء {لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا} أي لهم في الجنة من كل ما تشتهيه أنفسهم، وتلذ به أعينهم {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} أي وعندنا زيادة على ذلك الإِنعام والإِكرام، وهو النظر إِلى وجه الله الكريم.. ثمَّ خوَّف تعالى كفار مكة بما حدث للمكذبين قبلهم فقال {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ} أي وأهلكنا قبل كفار قريش أمماً كثيرين من الكفار المجرمين {هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً} أي هم أقوى من كفار قريش قوة، وأعظم منهم فتكاً وبطشاً {فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ} أي فساروا في البلاد، وطوَّفوا فيها وجالوا في أقطارها، فهل كان لهم من الموت مهرب؟ وهل كان لهم من عذاب الله مخلص؟ {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} أي إن فيما ذُكر من إهلاك القرى الظالمة، لتذكرة وموعظة لمن كان له عقل يتدبر به، أو أصغى إِلى الموعظة وهو حاضر القلب ليتذكر ويعتبر قال سفيان: لا يكون حاضراً وقلبه غائب وقال الضحاك: العرب تقول: ألقى فلان سمعه إِذا استمع بأذنيه وهو شاهد بقلب غير غائب، وعبَّر عن العقل بالقلب لأنه موضعه كما قال تعالى {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} هذه الآية ردٌّ على اليهود حيث زعموا أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام، أوَّلُها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة وأنه تعب فاستراح يوم السبت واستلقى على ظهره فوق العرش، فكذبهم الله تعالى والمعنى والله خلق السماوات السبع في ارتفاعها وعظمتها، والأرض في كثافتها وسعتها، وما بينهما من المخلوقات البديعة في ستة أيام، وما مسَّنا من إِعياء وتعب {فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} أي فاصبرْ يا محمد على ما يقوله اليهود وغيرهم من كفار قريش، واهجرهم هجراً جميلاً {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ} أي ونزِّه ربك عما لا يليق به، وصلِّ له واعبدْه وقتي الفجر والعصر، وخصَّهما بالذكر لزيادة فضلهما وشرفهما {وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ} أي ومن الليل فصلِّ للهِ تهجداً وأعقاب الصلوات المفروضة قال ابن كثير: كانت الصلاة المفروضة قبل الإِسراء ثنتان قبل طلوع الشمس، وثنتان قبل الغروب، وكان قيام الليل واجباً على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أُمته حولاً ثم نسخ في حق الأمة وجوبه، ثم بعد ذلك نسخ كل ذلك ليلة الإِسراء بخمس صلواتٍ، وبقي منهن صلاة الصبح والعصر فهما قبل طلوع الشمس وقبل الغروب {وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} أي واستمع يا محمد النداء والصوت حين ينادي إِسرافيل بالحشر من موضع قريب يصل صوته إِلى الكل على السواء قال أبو السعود: وفيه تهويلٌ وتفظيع لشأن المخبر به، والمنادي هو إِسرافيل عليه السلام يقول: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة، إِن الله يأمركنَّ أن تجتمعن لفصل القضاء {يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقِّ} أي يسمعون صيحة البعث التي تأتي بالحقِّ - وهي النفخة الثانية في الصور - {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ} ذلك هو يوم الخروج من القبور {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِـي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ} أي نُحيي الخلائق ونميتُهم في الدنيا، وإِلينا رجوعهم للجزاء في الآخرة، لا إِلى غيرنا {يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً} أي يوم تنشقُّ الأرضُ عنهم فيخرجون من القبور مسرعين إِلى موقف الحساب استجابةً لنداء المنادي {ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} أي ذلك جمع وبعث سهلٌ هيّنٌ علينا لا يحتاج إِلى عناء {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ} أي نحن أعلم بما يقول كفار قريش من إِنكار البعث والسخرية والاستهزاء بك وبرسالتك، وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتهديدٌ لهم {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} أي وما أنت يا محمد بمسلَّط عليهم تجبرهم على الإِسلام، إِنما بعثت مذكّر {فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} أي عظْ بهذا القرآن من يخاف وعيدي.. ختم السورة الكريمة بالتذكير بالقرآن كما افتتحها بالقسم بالقرآن ليتناسق البدء مع الختام: البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيا يلي: 1- الإِظهار في موطن الإِضمار {أية : فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ}تفسير : [ق: 2] بدل فقالوا للتسجيل عليهم بالكفر. 2- الاستفهام الإِنكاري لاستبعاد البعث {أية : أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً}تفسير : [ق: 2]. 3- الإِضراب عن السابق لبيان ما هو أفظع وأشنع من التعجب {أية : بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ}تفسير : [ق: 5] وهو التكذيب بآيات الله وبرسوله المؤيد بالمعجزات. 4- التشبيه المرسل المجمل {أية : كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ}تفسير : [ق: 11] شبَّه إِحياء الموتى بإِخراج النبات من الأرض الميتة. 5- الاسعتارة التمثيلية {أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ}تفسير : [ق: 16] مثَّل علمه تعالى بأحوال العبد، وبخطرات النفس، بحبل الوريد القريب من القلب، وهو تمثيلٌ للقرب بطريق الاستعارة كقول العرب: هو مني مقعد القابلة، وهو مني معقد الإِزار. 6- الحذف بالإِيجاز {أية : عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ}تفسير : [ق: 17] أصله عن اليمين قعيدٌ، وعن الشمال قعيد، فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، وبين اليمين والشمال طباقٌ وهو من المحسنات البديعية. 7- الاستعارة التصريحية {أية : وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ}تفسير : [ق: 19] استعار لفظ السَّكرة للهول والشدة التي يلقاها المحتضر عند وفاته. 8- الجناس الناقص بين {عَنِيدٍ} و {عَتِيدٌ} لتغاير حرفيْ النون والتاء. 9- الطباق بين {نُحْيِـي} و{نُمِيتُ}. 10- توافق الفواصل والسجع اللطيف غير المتكلف مثل {أية : ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ}تفسير : [ق: 20] {أية : وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ}تفسير : [ق: 21] {فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ} ومثل {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِـي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ.. ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} الخ وهو من المحسنات البديعية، لما فيه من جميل الوقع على السمع.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { وَقَالَ قَرِينُهُ } أي: قرين هذا المكذب المعرض، من الملائكة، الذين وكلهم الله على حفظه، وحفظ أعماله، فيحضره يوم القيامة ويحضر أعماله ويقول: { هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ } أي: قد أحضرت ما جعلت عليه، من حفظه، وحفظ عمله، فيجازى بعمله. ويقال لمن استحق النار: { أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ } أي: كثير الكفر والعناد لآيات الله، المكثر من المعاصي، المجترئ على المحارم والمآثم. { مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ } أي: يمنع الخير الذي عنده الذي أعظمه، الإيمان بالله [وملائكته] وكتبه، ورسله مناع، لنفع ماله وبدنه، { مُعْتَدٍ } على عباد الله، وعلى حدوده { مُرِيبٍ } أي: شاك في وعد الله ووعيده، فلا إيمان ولا إحسان ولكن وصفه الكفر والعدوان، والشك والريب، والشح، واتخاذ الآلهة من دون الرحمن، ولهذا قال: { الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } أي: عبد معه غيره، ممن لا يملك لنفسه نفعًا، ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياة، ولا نشورًا، { فَأَلْقِيَاهُ } أيها الملكان القرينان { فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ } الذي هو معظمها وأشدها وأشنعها. { قَالَ قَرِينُهُ } الشيطان، متبرئًا منه، حاملا عليه إثمه: { رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ } لأني لم يكن لي عليه سلطان، ولا حجة ولا برهان، ولكن كان في الضلال البعيد، فهو الذي ضل وأبعد عن الحق باختياره، كما قال في الآية الأخرى: {أية : وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ...} تفسير : الآية. قال الله تعالى مجيبًا لاختصامهم: { لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ } أي: لا فائدة في اختصامكم عندي، { و } الحال أني { قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ } أي: جاءتكم رسلي بالآيات البينات، والحجج الواضحات، والبراهين الساطعات، فقامت عليكم حجتي، وانقطعت حجتكم، وقدمتم علي بما أسلفتم من الأعمال التي وجب جزاؤها. { مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ } أي: لا يمكن أن يخلف ما قاله الله وأخبر به، لأنه لا أصدق من الله قيلا ولا أصدق حديثًا. { وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ } بل أجزيهم بما عملوا من خير وشر، فلا يزاد في سيئاتهم، ولا ينقص من حسناتهم.