٥٠ - ق
50 - Qaf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
27
Tafseer
الرازي
تفسير : وهو جواب لكلام مقدر، كأن الكافر حينما يلقى في النار يقول: ربنا أطغاني شيطاني، فيقول الشيطان: ربنا ما أطغيته، يدل عليه قوله تعالى بعد هذا {أية : قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ } تفسير : [قۤ: 28] لأن الاختصام يستدعي كلاماً من الجانبين وحينئذ هذا، كما قال الله تعالى في هذه السورة وفي ص {أية : قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ } تفسير : [صۤ: 60] وقوله تعالى: {أية : قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ } تفسير : إلى أن قال: {أية : إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ } تفسير : [صۤ: 61، 64] وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الزمخشري: المراد بالقرين في الآية المتقدمة هو الشيطان لا الملك الذي هو شهيد وقعيد، واستدل عليه بهذا. وقال غيره، المراد الملك لا الشيطان، وهذا يصلح دليلاً لمن قال ذلك، وبيانه هو أنه في الأول لو كان المراد الشيطان، فيكون قوله {أية : هَـٰذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ } تفسير : [قۤ: 23] معناه هذا الشخص عندي عتيد متعد للنار اعتدته بإغوائي، فإن الزمخشري صرّح في تفسير تلك بهذه، وعلى هذا فيكون قوله {رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ } مناقضاً لقوله اعتدته وللزمخشري أن يقول الجواب: عنه من وجهين أحدهما: أن يقول إن الشيطان يقول اعتدته بمعنى زينت له الأمر وما ألجأته فيصح القولان من الشيطان وثانيهما: أن تكون الإشارة إلى حالين: ففي الحالة الأولى إنما فعلت به ذلك إظهاراً للانتقام من بني آدم، وتصحيحاً لما قال: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } تفسير : [صۤ: 82] ثم إذا رأى العذاب وأنه معه مشترك وله على الإغواء عذاب، كما قال تعالى: {أية : فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ * لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ } تفسير : [ص: 84، 85] فيقول {رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ } فيرجع عن مقالته عند ظهور العذاب. المسألة الثانية: قال ههنا {قَالَ قرِينُهُ } من غير واو، وقال في الآية الأولى {أية : وَقَالَ قَرِينُهُ } تفسير : [قۤ: 23] بالواو العاطفة، وذلك لأن في الأول الإشارة وقعت إلى معنيين مجتمعين، وأن كل نفس في ذلك الوقت تجيء ومعها سائق، ويقول الشهيد ذلك القول، وفي الثاني لم يوجد هناك معنيان مجتمعان حتى يذكر بالواو، والفاء في قوله {أية : فَأَلْقِيَـٰهُ فِى ٱلْعَذَابِ } تفسير : [قۤ: 26] لا يناسب قوله تعالى: {قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ } مناسبة مقتضية للعطف بالواو. المسألة الثالثة: القائل ههنا واحد، وقال {رَبَّنَا } ولم يقل رب، وفي كثير من المواضع مع كون القائل واحداً، قال رب، كما في قوله {أية : قَالَ رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } تفسير : [الأعراف: 143] وقول نوح {أية : رَبّ ٱغْفِرْ لِى } تفسير : [نوح: 28] وقوله تعالى: {أية : قَالَ رَبّ ٱلسّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ } تفسير : [يوسف: 33] وقوله {أية : قَالَتْ رَبّ ٱبْنِ لِى عِندَكَ بَيْتاً فِى ٱلْجَنَّةِ } تفسير : [التحريم: 11] إلى غير ذلك، وقوله تعالى: {أية : قَالَ رَبّ أَنظِرْنِى إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } تفسير : [ص: 79] نقول في جميع تلك المواضع القائل طالب، ولا يحسن أن يقول الطالب: يا رب عمرني واخصصني وأعطني كذا، وإنما يقول: أعطنا لأن كونه رباً لا يناسب تخصيص الطالب، وأما هذا الموضع فموضع الهيبة والعظمة وعرض الحال دون الطلب فقال: {رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ }. وقوله تعالى: {وَلَـٰكِن كَانَ فِى ضَلَـٰلٍ بَعِيدٍ }. يعني أن ذلك لم يكن بإطغائه، وإنما كان ضالاً متغلغلاً في الضلال فطغى، وفيه مسائل: المسألة الأولى: ما الوجه في اتصاف الضلال بالبعيد؟ نقول الضال يكون أكثر ضلالاً عن الطريق، فإذا تمادى في الضلال وبقي فيه مدة يبعد عن المقصد كثيراً، وإذا علم الضلال قصر في الطريق من قريب فلا يبعد عن المقصد كثيراً، فقوله {ضَلَـٰلٍ بَعِيدٍ } وصف المصدر بما يوصف به الفاعل، كما يقال كلام صادق وعيشة راضية أي ضلال ذو بعد، والضلال إذا بعد مداه وامتد الضال فيه يصير بيناً ويظهر الضلال، لأن من حاد عن الطريق وأبعد عنه تتغير عليه السمات والجهات ولا يرى عين المقصد ويتبين له أنه ضل عن الطريق، وربما يقع في أودية ومفاوز ويظهر له أمارات الضلال بخلاف من حاد قليلاً، فالضلال وصفه الله تعالى بالوصفين في كثير من المواضع فقال تارة في ضلال مبين وأخرى قال: {فِى ضَلَـٰلٍ بَعِيدٍ }. المسألة الثانية: قوله تعالى: {وَلَـٰكِن كَانَ فِى ضَلَـٰلٍ بَعِيدٍ } إشارة إلى قوله {أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } تفسير : [الحجر: 40] وقوله تعالى: {أية : إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ } تفسير : [الحجر: 42] أي لم يكونوا من العباد، فجعلهم أهل العناد، ولو كان لهم في سبيلك قدم صدق لما كان لي عليهم من يد، والله أعلم. المسألة الثالثة: كيف قال ما أطغيته مع أنه قال: {أية : لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }تفسير : [الحجر: 39] قلنا الجواب عنه من ثلاثة أوجه وجهان: قد تقدما في الاعتذار عما قاله الزمخشري والثالث: هو أن يكون المراد من قوله {لأَغْوِيَنَّهُمْ } أي لأديمنهم على الغواية كما أن الضال إذا قال له شخص أنت على الجادة، فلا تتركها، يقال إنه يضله كذلك ههنا، وقوله {مَا أَطْغَيْتُهُ } أي ما كان ابتداء الإطغاء مني.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ قرِينُهُ } الشيطان {رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ } أضللته {وَلَٰكِن كَانَ فِى ضَلَٰلٍ بَعِيدٍ } فدعوته فاستجاب لي، وقال هو أطغاني بدعائه لي.
ابن عادل
تفسير : قوله: "قَالَ قَرِينُهُ" جاءت هذه بلا واو؛ لأنها قصد بها الاستئناف كأن الكافر قال: ربِّ هُو أطغاني فقال قرينه: مَا أَطْغَيْتُهُ بخلاف التي قبلها فإنها عطفت على ما قبلها للدلالة على الجمع بين معناها ومعنى ما قبلها في الحصول أعني مجيء كل نفس مع المَلَكَيْن وقول قرينه ما قال. قال ابن الخطيب: جاءت هذه بلا واو وفي الأولى بالواو العاطفة لأن في الأولى إشارة وقعت إلى معنيين مجتمعين، فإن كل نفس في ذلك الوقت يجيء معها سائقٌ وشهيد فيقول الشهيد ذلك القول، وفي الثاني لم يوجد هناك معنيان مجتمعان حتى يذكر بالواو، فإن الفاء في قوله: {أية : فَأَلْقِيَاهُ فِي ٱلْعَذَابِ} تفسير : [ق: 26] لا يناسب قوله: "قَالَ رَبَّنَا مَا أطْغَيْتُهُ" فليس هناك مناسبة مقتضية للعطف بالواو. فصل هذا جواب لكلام مقدر، كأن الكافر حين يلقى في النار يقول: ربنا أطغاني شَيْطَانِي، فيقول الشيطان: ربنا ما أطغيته بدليل قوله تعالى: {لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ}؛ لأنَّ المخاصمة تستدعي كلاماً من الجانبين ونظيره قوله تعالى في سورة "ص": {أية : قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ} تفسير : [ص: 60] إلى قوله: {أية : إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ} تفسير : [ص: 64]. قال الزمخشري: وهذا يدل على أن المراد بالقرين في الآية المتقدمة هو الشيطان لا الملك الذي هو شهيد وقعيدٌ، وعلى هذا فيكون قوله: {رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ}، مناقضاً لقوله: أعتدته. قال ابن الخطيب: وللزمخشري أن يُجِيبَ بوجهين: أحدهما: أن يقول (إن قول) الشيطان: أعتدته بمعنى زَيَّنْتُ له. والثاني: أن تكون الإشارة إلى حالين، ففي الحالة الأولى أنا فعلت به ذلك إظهاراً للانتقام مِنْ بني آدم وتصحيحاً لقوله: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [ص: 82] ثم إذا رأى العذاب وهو معه مشترك يقول: رَبَّنَا ما أَطْغَيْتُه فيرجع عن مقاله عند ظهور العذاب. قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومقاتل: المُرادُ بالقرين هنا: الملك أي يقول الكافر: ربِّ إن الملك زاد عليّ في الكتابة فيقول الملك: رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتهُ يعني ما زدت عليه وما كتبت إلا ما قال وعمل {وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} أي طويل لا يرجع عنه إلى الحق. فإن قيل: القائل هنا واحد وقال: رَبَّنَا ما أطغيته ولم يقل: ربِّ وفي كثير من المواضع القائل واحد وقال: ربّ، كقوله: {أية : رَبِّ أَرِنِي} تفسير : [البقرة: 260] وقال نوح: {أية : رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي} تفسير : [نوح: 28] {أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ} تفسير : [نوح: 26] {أية : رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ} تفسير : [يوسف: 33] {أية : رَبِّ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً} تفسير : [التحريم: 11] {أية : رَبِّ فَأَنظِرْنِي} تفسير : [الحجر:36] و [ص:79]. فالجواب: أن في جميع تلك المواضع القائل طالب، ولا يحسن أن يقول الطالب يا رب أعطني وإنما يحسن أن يقول: أعطِنا لأن كونه: "رَبًّا" لا يناسب تخصيصَ الغَالِبِ. وأما هنا فالموضع موضع هبة وعظَمة وعرض حال فقال: ربنا ما أطغيته. فإن قيل: ما الوجه في اتِّصاف الضَّلالِ بالبُعْدِ؟ فالجواب: أن الضلال يكون أكثر ضلالاً من الطريق فإذا تَمَادى في الضلال وبقي فيه مدة يبعد عن المقصِد كثيراً، وإذا عدم الضلال قَصُرَت الطريق عن قريب فلا يبعد عن المقصد كثيراً فقوله: "ضلال بعيد" وصف للمصدر بما يوصف به الفاعل، كما يقال: كلامٌ صَادقٌ، وعيشةٌ راضيةٌ أي (و) ضلال ذو بعد والضلال إذا بعد مَدَاه وامتد الضلال فيه فيصير بَيِّناً ويظهر الضلال لأن من حَادَ عن الطريق (وبَعُد عنه يبعد عليه الصواب ولا يرى للمقصد أثراً فبيَّن له أنه ضلّ عن الطريق) وربما يقع في أَوْدِيَةٍ ومَفاوزَ تظهر له أماراتُ الضلال بخلاف من حَادَ قليلاً، فالضلال وصفه الله بالوصفين في كثيرٍ من المواضع، فتارةً قال: {في ضلال مبين}، وأخرى: {في ضلال بعيد}. فإن قيل: كيف قال: ما أطغيته مع أنه قال: "لأغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ"؟ فالجواب من ثلاثة أوجه تقدم منها وجهان في الاعتذار عما قاله الزمخشري. والثالث: أن المراد من قوله: "لأغوينهم" أي لأُديمنّهم على الغِوَاية كما أنّ الضالّ إذا قال له شخص: أنت على الجَادَّة فلا تترُكها، يقال: إنه يضله. كذا ههنا، فقوله: "ما أطغيته" أي ما كان ابتداء الإطغاء مِنِّي. قوله: "لاَ تَخْتَصِمُوا" استئناف أيضاً كأن قائلاً قال: فماذا قال الله له؟ فأجيب: يقال لا تختصموا وقوله: "لَدَيَّ" يفيد مفهومه أنَّ الاختصام كان ينبغي أن يكون قبلَ الحضورِ، والوقوفِ بين يَدَيَّ. قوله: "وَقَدْ قَدَّمْتُ" جملة حالية، ولا بدّ من تأويلها، وذلك أن النهي في الآخرة وتقدمه الوعد في الدنيا، فاختلف الزمنان فكيف يصح جعلها حالية؟ وتأويلها هو أن المعنى وقد صح أني قَدَّمْتُ وزمان الصحة وزمان النهي واحدٌ. و "قَدَّمْتُ" يجوز أن يكون "قدمت" على حاله متعدياً والباء مزيدة في المفعول أي قدمت إليكم الوعيد، كقوله تعالى: {أية : تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ} تفسير : [المؤمنون: 20] على قول من قال بزيادتها هناك. وقيل: الباء هنا للمصاحبة، كقولك: اشْتَرْيتُ الفَرَسَ بِلِجامِهِ وسَرْجِهِ أي معه فكأنه قال: قدمت إليكم ما يجب مع الوعيد عليَّ تركه والإنذار. قوله: {مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ} أي لا تبديل لقولي، وهو قوله: {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} تفسير : [السجدة: 13]. وقيل المعنى ما يبدل القول لديَّ أي ما يكذب عندي ولا يغير القول عن وجهه لأني أعلمُ الغيب. وهذا قول الكلبي، ومقاتل، واختيار الفراء؛ لأنه قال: {ما يبدَّل القول لدي} ولم يقل: "ما يبدل قولي". وقيل: معناه ما يبدل القول السابقُ أنّ هذا شقي وهذا سعيد حين خلقت العباد، فذلك القول عندي لا تبديل له بسَعي ساعٍ. وهذا ردّ على المُرْجِئَةِ حيث قالوا: ما ورد في القرآن من الوَعيد فَهُو تخويفٌ ولا يحقق اللَّهُ منه شيئاً، وقالوا: الكريم إذا وعد بخير وَفَى، وإذا أوعد أخْلَف وَعَفَا. وقيل: المعنى ما يُبَدَّلُ الكفر بالإيمان لَدَيَّ، فإن القيام عند القيام بين يدي الله في القيامة غير مقبول فقوله: {مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ} إشارة إلى نفي الحال، كأنه قال: ما يبدل اليومَ لدي القول؛ لأن "ما" إذا دخلت على الفعل المضارع ينفى بها الحال، تقول: مَاذَا يَفْعَلُ زَيْدٌ فِي بَيْتِهِ؟ فيقال: مَا يَفْعَلُ شيئاً أي في الحال فإذا قلت: ماذا يَفْعَلُ غداً؟ قيلَ: لا يفعل شيئاً إذا أريد زيادة بيان النفي. قوله: {وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} أي فأعاقبهم بغير جُرْم. واعلم أن الظلاَّم مبالغةٌ في الظالم ويلزم من إثباته إثبات أصل الظلم فإذا قال القائل: هو كذاب يلزم أن يكون كثيرَ الكَذِب، فلا يلزم من نفيه نفي أصلِ الكذب لجواز أن يقال: ليس بكذاب كثير الكذب لكنه يكذب أحياناً. فقوله: {مَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ} يفهم منه نَفي أصلِ الظلم وأن الله ليس بظالم. والوجه في ذلك من وجوه: الأول: أن الظلام بمعنى الظالم كالتمار بمعنى التامر، فيكون اللام في قوله: "للعبيد" لتحقيق النِّسبةِ لأن الفَعَّال حينئذ بمعنى ذي ظلم. الثاني: قال الزمخشري: إن ذَلِكَ أمرٌ تقديريّ كأنه تعالى يقول: لو ظلمتُ عبدي الضعيفَ الذي هو محلّ الرحمة لكان ذلك غايةَ الظلم وما أنا بذلك، فيلزم من نفي كونه ظلاماً نفي كونه ظالماً، ويحقق هذا الوجه إظهار لفظ العبيد حيث قال: {وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} أي في ذلك اليوم الذي أملأ فيه جهنم مع وُسْعِها حتى تَصِيحَ وتقول: لم يبق لي طاقةٌ بهم، ولم يبق فيَّ موضع لهم، "فَهَلْ مِنْ مَزيدٍ" استفهام إنكار. الثاث: أنه لمقابلة الجمع بالجمع، والمعنى أن ذلك اليوم مع أني أُلْقِي في جهنم عدداً لا حصر له لا أكون بسبب كثرة التعذيب كثيرَ الظلم لأنه قال: {وما أنا بظلام للعبيد، يَوْمَ نَقُولُ} ولم يقل: مَا أَنَا بِظَلاَّمٍ في جميع الأزمان. وخصص بالعبيد حيث قال: {ما أنا بظلام للعبيد}، ولم يطلق فكذلك خصص النفي بنوع من أنواع الظلم ولم يطلق، ولم يلزم منه أن يكون ظالماً في غير ذلك الوقت. وبقية الأوجه مذكورة في آل عِمْرَانَ عند قوله: "بظلام للعبيد" {أية : كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} تفسير : [آل عمران: 11]. فصل هذه الآية تدل على أن التخصيص بالذكر لا يدل على نفي ما عداه؛ لأنه نفى كونه ظلاماً ولم يلزم منه كونهُ ظالماً ولم يلزم منه كونه ظلاَّماً لِغَيْرهم. فصل يحتمل أن يكون المراد الكفار كقوله تعالى: {أية : يَٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ} تفسير : [يس: 30]، المعنى أعذبهم وما أنا بظلام لهم، ويحتمل أن يكون المراد المؤمنين. والمعنى أن الله تعالى يقول: لو بدلت قولي ورحمت الكافر لكنت في تكليف العباد ظالماً لعبادي المؤمنين لأني منعتهم من الشهواب لأجل هذا اليوم فلو كان ينال من لم يأتِ بما أتى به المؤمن لكان إتيان المؤمن بما أتى به من الإيمان والعبادة غير مفيد، وهذا معنى قوله تعالى: {أية : لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ} تفسير : [الحشر: 20] وقوله: {أية : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الزمر: 9] ويحتمل أن يكون المراد التعميمَ.
البقاعي
تفسير : ولما كان القرين قد قال ما تقدم مريداً به - جهلاً منه - الخلاص من العذاب بإظهار أنه ليس بأوصاف هذه النفس، بل من كبار المؤمنين، فأجيب مقاله بإلقاء تلك النفس معللاً للأمر بإلقائها بما شمل هذا القرين، فتشوف السامع إلى ما يكون من حاله، وكانت العادة جارية أن من تكلم في شخص بما فيه مثله ولا سيما إن كان هو السبب فيه أو كان قد تكلم ذلك الشخص فيه، فكان قياس ذلك يقتضي ولا بد أن تقول تلك النفس القول فيها، وهذا عند الأمر بإلقائها: ربنا هو أطغاني: أجاب تعالى عند هذا التشوف بقوله: {قال قرينه} منادياً بإسقاط الأداة دأب أهل أهل القرب إيهاماً أنه منهم: {ربنا} أيها المحسن إلينا أيتها الخلائق كلهم {ما أطغيته} أي أوقعته فيما كان فيه من الطغيان، فإنه لا سلطان لي عليه وأنت أعلم بذلك {ولكن كان} بجبلته وطبعه {في ضلال بعيد *} محيط به من جميع جوانبه لا يمكن رجوعه معه، فلذلك كان يبادر إلى كل ما يغضب الله، وإن حركته إليه أن فإنه لا يحتاج إلى أدنى تحريك فيثور له ثورة من هو مجبول مركوز في طباعه. ولما كان كأنه قيل: بم يجاب عن هذا؟ وهل يقبل منه؟ قيل: لا {قال} أي الملك المحيط علماً وقدرة الذي حكم عليهم في الأزل: {لا تختصموا} أي لا توقعوا الخصومة بهذا الجد والاجتهاد {لديَّ} أي في دار الجزاء بهذه الحضرة التي هي فوق ما كنتم تدركونه من الأخبار عنها بكثير، وأعجب بما يدرك حق الإدراك، فقد أتم انكشاف ما كان يستغربه الخاصة بل خاصة الخاصة، ففات بانكشافها نفع إيمان جديد {وقد} أي والحال أنه قد {قدمت} أي تقدمت، أي أمرت وأوصيت قبل هذا الوقت موصلاً ومنهياً {إليكم} أي كل ما ينبغي تقديمه حتى لم يبق لبس ولا تركت لأحد حجة بوجه، وجعلت ذلك رفقاً بكم ملتبساً {بالوعيد *} أي التهديد وهو التخويف العظيم على جميع ما ارتكبتموه من الكفران والعدوان في الوقت الذي كانت فيه هذه الحضرة التي هي غيب الغيب ومستورة بستائر الكبرياء والعظمة وبل كان ما دونها من الغيب مستوراً، فكان الإيمان به نافعاً. ولما كانت الأوقات كلها عنده سبحانه حاضرة، عبر سبحانه في تعليل ذلك بـ"ما" التي للحاضر دون "لا" التي للمستقبل فقال: {ما يبدل} أي يغير من مغير ما كان من كان بوجه من الوجوه بحيث يجعل له بدل فيكون فيه خلف {القول لدي} أي الواصل إليكم من حضرتي التي لا يحاط بأمر غرابتها بأن من أشرك بي لا أغفر له وأغفر ما دون ذلك لمن أشاء، والعفو عن بعض المذنبين ليس تبديلاً لأن دلائل العفو تدل على تخصيص الوعيد، وأنه مشروط بشرائط {وما أنا} وأكد النفي فقال: {بظلام} أي بذي ظلم {للعبيد *} لا القرين ولا من أطغاه ولا غيرهم، فأعذب من لا يستحق أو أعفو عمن قلت: إني لا أغفر له وأمرت جندي فعادوه فيّ، ولو عفوت عنه كنت مع تبديل القول قد سؤتهم بإكرام من عادوه فيّ ليس إلا. ولما كان هذا التقاول مما يهول أمره ويقلع القلوب ذكره، صور وقته بصورة تزيد في ذلك الهول، وينقطع دون وصفها القول، ولا يطمع في الخلاص منها بقوة ولا حول، فقال ما معناه: يكون هذا كله {يوم} ولما كان المقصود الإعلام بأن النار كبيرة مع ضيقها، فهي تسع من الخلائق ما لا يقع تحت حصر، وأنها مع كراهتها لمن يصلاها وتجهمها لهم تحب تهافتهم فيها وجلبهم إليها عبر عنه على طريق الكناية بقوله: {نقول} أي على ما لنا من العظمة التي لا يسوغ لشيء أن يخفى عنها {لجهنم} دار العذاب مع الكراهة والعبوسة والتجهم إظهاراً للهول بتصوير الأمر المهدد به، وتقريع الكفار، وتنبيه من يسمع هذا الخبر عن هذا السؤال من الغفلة: {هل امتلأت} فصدق قولنا{أية : لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين}تفسير : [هود: 119] وذلك بعد أن يلقى فيها من الخلائق ما لا يحيط به الوصف، فتقول: لا، {وتقول} طاعة لله ومحبة في عذاب أعدائه وإخباراً بأنها لم تمتلىء لأن النار من شأنها أنها كلما زيدت حطباً زادت لهباً: {هل من مزيد *} أي زيادة أو شيء من العصاة إزادة، سواء كان كثيراً أو قليلاً، فإني أسع ما يؤتى به إليّ ولا تزال كذلك كما ورد في الحديث "حديث : لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع الجبار فيها قدمه" تفسير : أي يضربها من جبروته بسوط إهانة فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط وعزتك، ثم يستمرون بين دولتي الحر والزمهرير، وقد جعل الله سبحانه لذلك آية في هذه الدار باختلاف الزمان في الحر والبرد، فإذا أفرط الحر جاءت رحمته تعالى بالبرد وبالماء من السماء فامتزجا معاً فكان التوسط، وإذا أفرط البرد جاءت رحمته بالحر بواسطة الشمس، فامتزج الموجدان، فكان له توسط، وكل ذلك له دوائر موزونة بأقساط مقسطة معلومة بتقدير العزيز العليم - ذكر ذلك ابن برجان. ولما ذكر النار وقدمها لأن المقام للإنذار، أتبعها دار الأبرار، فقال ساراً لهم بإسقاط مؤنة السير وطيّ شقة البعد: {وأزلفت} أي قربت بأيسر أمر مع الدرجات والحياض الممتلئة {الجنة للمتقين} أي العريقين في هذا الوصف، فإذا رأوها تسابقوا إليها وتركوا ما كانوا فيه من الموقف من منابر النور وكثبان المسك ونحو هذا، وأما غيرهم من أهل الإيمان فقد يكون لهم على غير هذا الوصف، فيساق إليها الذين اتقوا كما مضى في الزمر. ولما كان القرب أمراً نسبياً أكده بقوله: {غير بعيد *} أي إزلافاً لا يصح وصفه ببعد. ولما كان التقريب قد لا يدري الناظر ما سببه، قال ساراً لهم: {هذا} أي الإزلاف والذي ترونه من كل ما يسركم {ما} أي الأمر الذي {توعدون} أي وقع الوعد لكم به في الدنيا، وعبر بالمضارع حكاية للحال الماضية، وعبر عن الإزلاف بالماضي تحقيقاً لأمره وتصويراً لحضوره الآن ليكون المضارع من الوعد في أحكم مواضعه، وأبهم الأمر لأنه أكثر تشويقاً، والتعيين بعد الإبهام ألذ، فلذلك قال بياناً للمتقين، معيداً للجار لما وقع بينه وبين المبدل منه من الجملة الاعتراضية جواباً لمن كأنه قال: لمن هذا الوعد؟ فقال تعالى: {لكل أواب} أي رجاع إلى الاستقامة بتقوى القلب إن حصل في ظاهره عوج، فنبه بذلك على أنه من فضله لم يشترط في صحة وصفه بالتقوى دوام الاستقامة {حفيظ} أي مبالغ في حفظ الحدود وسار العهود بدوام الاستقامة والرجوع بعد الزلة، ثم أبدل من "كل" تتميماً لبيان المتقين قوله: {من خشي} ولم يعد الجارّ لأنه لا اعتراض قبله كالأول، ونبه على كثرة خشيته بقوله: {الرحمن} لأنه إذا خاف مع استحضار الرحمة العامة للمطيع والعاصي كان خوفه مع استحضار غيرها أولى، وقال القشيري: التعبير بذلك للإشارة إلى أنها خشية تكون مقرونة بالأنس يعني الرجاء كما هو المشروع، قال: ولذلك لم يقل "الجبار" أو "القهار" قال: ويقال: الخشية ألطف من الخوف، فكأنها قريبة من الهيبة {بالغيب} أي مصاحباً له من غير أن يطلب آية أو أمراً يصير به إلى حد المكاشفة، بل استغنى بالبراهين القاطعة التي منها أنه مربوب، فلا بد له من رب، وهو أيضاً بيان لبليغ خشيته. ولما كان النافع من الطاعة الدائم إلى الموت، قال: {وجاء} أي بعد الموت {بقلب منيب *} أي راجع إلى الله تعالى بوازع العلم، ولم يقل: بنفس، لطفاً بالعصاة لأنهم وإن قصرت نفوسهم لم يكن لها صدق القدم فلهم الأسف بقلوبهم، وصدق الندم.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ}. يقول المَلَكُ من الحَفظَةِ المُوَكَّلُ له: ما أَعْجَلْتُه على الزَّلَّة. وإنما كَتَبْتُها بعدما فَعَلَها - وذلك حين يقول الكافر: لم أفعلْ هذا، وإنما أعجلني بالكتابة عليّ، فيقول المَلكُ: ربَّنا ما أعجلته. ويقال: هو الشيطانُ المقرونُ به، وحين يلتقيان في جهنم يقول الشيطانُ: ما أكرهته على كفره، ولكنه فعل - باختياره - ما وسوسْتُ به إليه. فيقول جلّ ذكره: {قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ}. لا تختصموا لديَّ اليومَ وقد أَمَرْتُكم بالرُّشْدِ ونَهَيْتُكم عن الغَيّ.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال قرينه} بغير واولان الاول خطاب للانسان من قرينه ومتصل بكلامه والثانى استئناف خاطب الله سبحانه من غير اتصال بالمخاطب وهو قوله ربنا ماأطغيته وكذلك الجواب بغير واو وهو قال لاتختصموا لدى وكذلك مايبدل القول لدى فجاء الكل على نسق واحد كما فى برهان القرآن أى قال الشيطان المقيض للكافر (قال الكاشفى) جون خواهندكه كافر را در دوزخ افكنند كويد مراجه كناهست كه ديوبر من مسلط بود ومراكمراه كردانيد ديورا حاضر سازند تكذيب ميكند. ودل على هذا التقاول والسؤال المحذوف قوله لاتختصموا {ربنا} اى بروكارما {ما أطغيته} اى ماجعلته طاغيا وما أوقعته فى الطغيان وهو تجاوز الحد فى العصيان {ولكن كان} هو بالذات {فى ضلال بعيد} من الحق طويل لايرجع عنه فأعنته عليه بالاغوآء والدعوة اليه من غير قسر والجاء كما فى قوله تعالى {أية : وماكان لى عليكم من سلطان الا أن دعوتكم فاستجبتم لى}تفسير : وذلك فان اغواء الشيطان انما يوثؤ فيمن كان مختل الرأى مائلا الى الفجور ضالا عن طريق الحق واقعا دونه بمراحل وفى الحديث "حديث : انما أن رسول وليس الىمن الهداية شىء ولو كانت الهداية الى لآمن كل من فى الارض وانما ابليس مزين وليس له من الضلالة شىء ولو كانت الضلالة اليه لاضل كل من فى الارض ولكن الله يضل من يشاء ويهدى من يشاء "
اطفيش
تفسير : {قَالَ قَرِينُهُ} الشيطان المقيض به قرنت الاولى بالواو وللدلالة على الجمع بين معناها ومعنى ما قبلها في الحصول أعنى مجئ كل نفس مع الملكين وقول {قَرِينُهُ} ولم تقرن هذه قصداً للاستئناف للجملة الواقعة في حكاية القول وهي {قَالَ قَرِينُهُ} فانه جملة حكاية والاستئناف كثيراً ما يقصد في التقول كما في المقاولة بين موسى وفرعون فانه لما قال (قال قرينه هذا ما لدي) وتبعه قوله {قَالَ قَرِينُهُ}* {رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ} وتبعه {أية : لا تختصموا لدي} تفسير : علم ان ثم مقاولة من الكافر لكنها طرحت لدليل كأنه قال رب هو أطغاني فقال قرينه يا ربنا ما صيرته طاغياً وما أوقعته في الطغيان بالجبر* {وَلَكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} عن الحق من قبل نفسه وهواه فأعنته عليه فان اغواء الشيطان انما يؤثر فيمن كان مختل الرأي مائلاً الى الفجور أو كونه في ضلال بعيد هو اتباعه لوسوسته {أية : وَمَا كَانَ لي عليكم من سلطان الا أن دعوتكم فاستجبتم لي}. تفسير : وعن أبي هريرة ان المؤمن يمتطى شيطانه كما يمتطى أحدكم بعيره في السفر
اطفيش
تفسير : {قالَ قَرينُه} شيطانه المقرون للاغواء {ربنا ما أطغَيتُه} ما حلمته على الطغيان بالاجبار، وهذا الكلام يستدعى أن الكافر اشتكى الى الله عز وجل بأن قرينه أضله، وطمع أن يكون له عذر، أو يعذب قرينه بدله، أو يخفف عنه العذاب، أو يكون تحته فى النار أو نحو ذلك، أو القرين كل من قرن به ويغويه من الإنس والجن، وعن ابن عباس: القرين الملك، يقول الكافر: ان الملك زاد علىَّ من السيئات ما لم أفعله، فيكون معنى {ما أطغيته} ما زدت عليه ما يكون به طاغيا. {ولكن كان في ضلالٍ} باختياره لا بإجبار كما قال: "أية : وما كان لي عليكم من سلطان" تفسير : [إبراهيم: 22] إلخ {بعيدٍ} راسخ شديد من جهة نفسه حتى أثر فيه أدنى وسواس، فذلك هو البعد، وقيل: بعيد عن الحق لم يقرب منه، وكأنه قيل: فما قال الله عز وجل؟ فقال عز وجل: {قال} الله عز وجل {لا تَخْتصمُوا لديَّ} أى عندى فى موقف الحساب، وليس ينفعكم اختصامكم، والحال أنى قد أنذرتكم وبينت لكم فى الدنيا ما قال: {وقَد قَدَّمت إليْكُم بالوعيدِ} فى كتبى، وعلى ألسنة رسلى افعلوا كذا، ولا تفعلوا كذا، أو أنه من عصانى أعذبه، وجاءكم أنى قلت لابليس: "أية : لأملأن جهنم منك وممن تبعك" تفسير : [ص: 85] والباء صلة، والوعيد مفعول به، أو قدمت بمعنى تقدمت، فالباء على أصلها، ولا يصلح أن يكون قوله تعالى: {ما يُبدَّلُ القَولُ لَديَّ} مفعول به لقدَّمت إلا على أن المراد هذا اللفظ الذى هو: {ما يبدل} الخ وتقدير أنه ما يبدل، أو تضمين قدمت معنى قلت، والأصل خلاف ذلك كله، فهو مستأنف فى مجموع ما انسحب عليه قوله: قال ولدى متعلق بيبدل، ولا حاجة الى تعليقه بالقول، والقول هو قوله عز وجل: "أية : لأملأن جهنَّم" تفسير : [السجدة: 13، ص: 85] أو الوعيد مطلقا، أو قوله يوم خلق العباد، هذا سعيد وهذا شقى، أو قوله: "أية : ألقيا في جهنم" تفسير : [ق: 24] أو مطلق الوعد والوعيد، والمراد لا أبدل القول، ولا يبدله غيرى لا طاقة لأحد أن يبدل ما قلت. {وما أنا بظلام للعَبِيد} إنما أجازكم بأعمالكم، وقد فعلتموها باختياركم لا باجبارى، ولو أجبرتكم عليها، وعاقبتكم عليها، لكنت طالما لكم، وقوله: {يوم نَقُول لجهنَّم هَل امْتَلأت وتَقُول هَلْ مِنْ مَزيدٍ} متعلق بظلام، أو بيبدل، أو مفعول به لا ذكر أو لأنذر لأنه كما يقال أنذرهم بكذا، يقال: أنذرهم كذا، وقوله: "لجهنم" ايحاء اليها بملك أو بخلق كلام حيث شاء، وقولها هو نطق باذن الله يخلق فيها عقلا ونطقا، وقد تعبدنا باتباع الظواهر كما فى قول جهنم ما لم يمنع مانع، كما فى قول الله، فانه منزه عن التلفظ، ومن تمييز النار وعقلها، وتميز الجنة وعقلها تحتاجهما تقول النار مفتخرة: انه وضع فيها المتكبرون، وتقول الجنة: مالى لا يدخلنى الا الضعفاء؟ فيقول الله عز وجل للنار: أنت عذابى، وللجنة: أنت رحمتى، ولعل الحديث موضوع، وكيف تفتخر النار بالعصاة، وكيف يهون على الجنة من يدخلها، وان لم يكن موضوعا فالمراد التمثيل والبيان، فلا نطق ولا محاجر، ولا حاجة إلى قول بعض يوم نقول لخزنة جهنَّم هل امتلأت جهنم، تقول هى اى خزنتها: هل من مزيد، ومن صلة لتاكيد العموم، ومزيد مبتدأ خبره محذوف، أى عندك أولى، سواء جعلناه مصدرا ميميّاً بمعنى الزيادة، أو اسم مفعول أى مزيود، ثقلت الضمة على الياء فحذفت وقلبت الواو يا لكسر محدث قبلها، وحذفت الياء الأولى أو الثانية للساكن. قيل: المراد أنها متسعة يبقى فيها فراغ عمن يدخلها من الانس والجن، فذلك كناية عن اتساعها، ولست تطلب الزيادة حقيقة، ويعترض بقوله تعالى: "أية : لأملأن جهنم" تفسير : [السجدة: 13،ص: 85] فلا فراغ فيها، وأجيب بأن المراد بملئها اكثار داخليها حتى لا تخلو طبقة من طبقاتها من كثرة، وهذا معتاد، تقول: امتلأت القرية بالناس، تريد كثرتهم، ولا تريد أنه ما فيها فراغ، والاستفهام للتقرير، ويجوز أن يكون المعنى أنها لا تقبل الزيادة، فيكون الاستفهام للانكار، وبه قال ابن عباس رضى الله عنهما. ونجمع بين لك بأن يكون فيها فراغ فتطلب الزيادة حتى تمتلىء، وفى حديث أنس عنه صلى الله عليه وسلم: لا "حديث : تزال تطلب المزيد حتى يضع الرب فيها قدمه" تفسير : وفى حديث أبى هريرة: "حديث : حتى يضع الرب فيها رجله" تفسير : وذلك تقرير للزيادة لا انكار لها، والقدم عبارة عما يقدم اليها آخرا، فلا تزال تستزيد ويلقى فيها ما يلقى، حتى يلقى فيها آخر ما يلقى، أو المعنى حتى يتم فيها ما قضى الله أن يتقدم اليها كقوله تعالى: "حديث : قدم صدق" تفسير : أى متقدم صدق، والرجل الجماعة كما فى حديث أيوب عليه السلام:" ألقى الله اليه رجلا من جراد، أى جماعة من جراد من ذهب، أو وضع والرجل عبارة عن كفها عن طلب الزيادة، وابطاله كما تقول: وضعته تحت قدمى، تزيد ابطاله، وسلف الأشعرية يقولون: ان ذلك قدم ورجل بلا كيف، ويعرضون عن التأويل ونقول: الحديث ان لم يكن موضوعا فهو مأول بما. وعن ابن عباس: سبقت كلمة الله "أية : لأملأن جهنم من الجنَّة والناس أجمعين" تفسير : [السجدة: 13] فتقول ألست أقسمت فتملأني، فيضع قدمه فيها فيقول: هل امتلأت فتقول: قط قط قد امتلأت ولا مزيد فيَّ، ولفظ البخارى ومسلم، عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تزال جهنم يلقى فيها تقول: هل من مزيد، حتى يضع رب العرش" تفسير : وفى رواية "رب العزة" وفى رواية: "الرب" فيها قدمه فيزوى بعضها الى بعض وتقول قط قط بعزتك، ولا يزال فى الجنة فاضل حتى ينشىء الله تعالى لها خلقا فيسكنهم فتقول الجنة" ولأبى هريرة نحوه، وزاد: "ولا يظلم الله أحدا من خلقه".
الالوسي
تفسير : {قَالَ قرِينُهُ } أي الشيطان المقيض له. وإنما استؤنفت هذه الجملة استئناف الجمل الواقعة في حكاية المقاولة لما أنها جواب لمحذوف دل عليه قوله تعالى: {رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ } فإنه مبني على سابقة كلام اعتذر به الكافر كأنه قال: هو أطغاني فأجاب قرينه بتكذيبه وإسناد الطغيان إليه بخلاف الجملة الأولى فإنها واجبة العطف على ما قبلها دلالة على أن الجمع بين مفهوميهما في الحصول أعني مجيء كل نفس مع الملكين، وقول قرينه: {وَلَكِنْ كَانَ } هو بالذات {فِي ضَلَـٰلٍ بَعِيدٍ } من الحق فأعنته عليه بالإغواء والدعوة إليه من غير قسر ولا الجاء، فهو كما قدمنا نظير {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ } تفسير : [إبراهيم: 22] الخ.
ابن عاشور
تفسير : حكاية قول القرين بالأسلوب المتبع في حكاية المُقاولات في القرآن وهو أسلوب الفصل دون عطف فعل القول على شيء، وهو الأسلوب الذي ذكرناه في قوله تعالى: {أية : قالوا أتجعلُ فيها من يُفسد فيها} تفسير : الآية في سورة البقرة (30)، تشعر بأن في المقام كلاماً مطوياً هو كلام صاحب القرين طوي للإيجاز، ودليله ما تضمنه قول القرين من نفي أن يكون هو أطغى صاحبه إذ قال {ربَّنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد}. وقد حكي ذلك في سورة ص صريحاً بقوله: {أية : هذا فوج مقتحم معكم لاَ مَرْحبا بهم إنهم صالوا النار قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار قالوا ربنا من قَدّم لنا هذا فزِده عذاباً ضعفاً في النار}تفسير : [ص: 59 ـــ 61]. وتقدير المطوي هنا: أن الكَفَّار العَنيد لما قدم إلى النار أراد التنصل من كُفره وعناده وألقى تبعته على قرينه الذي كان يزيّن له الكفر فقال: هذا القرينُ أطغاني، فقال قرينه {ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد}. فالقرين هذا هو القرين الذي تقدم ذكره في قوله: {أية : وقال قرينه هذا ما لدي عتيد}تفسير : [ق: 23]. والطغيان: تجاوز الحدّ في التعاظم والظلم والكفر، وفعله يائي وواوي، يقال: طَغِيَ يطغَى كرضِيَ، وطغَا يطغُو كدعا. فمعنى {ما أطغيته} ما جعلته طاغياً، أي ما أمرته بالطغيان ولا زينته له. والاستدراك ناشىء عن شدة المقارنة بينه وبين قرينه لا سيما إذا كان المراد بالقرين شيطانه المقيَّض له فإنه قرن به من وقت إدراكه، فالاستدراك لدفع توهم أن المقارنة بينهما تقتضي أن يكون ما به من الطغيان بتلقين القرين فهو ينفي ذلك عن نفسه، ولذلك أتبع الاستدراك بجملة {كان في ضلال بعيد} فأخبَر القرين بأن صاحبه ضالُّ من قبلُ فلم يكن اقترانه معه في التقييض أو في الصحبة بزائد إياه إضلالاً، وهذا نظير ما حكاه الله عن الفريقين في قوله: {أية : إذ تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعُوا}تفسير : [البقرة: 166]. وفعل {كان} لإفادة أن الضلال ثابت له بالأصالة ملازم لتكوينه. والبعيد: مستعار للبالغ في قوة النوع حدًّا لا يَبلغ إليه إدراك العاقِل بسهولة كما لا يبلغ سيرُ السائر إلى المكان البعيد إلا بمشقةٍ أو بعيد الزمان، أي قديم أصيل فيكون تأكيدا لمفاد فعل {كان}، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : ومن يشرك بالله فقد ضلّ ضلالاً بعيداً} تفسير : في سورة النساء (116). والمعنى: أنَّ تمكُّن الضلال منه يدل على أنه ليس فيه بتابع لما يمليه غيره عليه لأن شأن التابع في شيء أن لا يكون مكيناً فيه مثل علم المقلد وعلم النظَّار.
د. أسعد حومد
تفسير : {ضَلاَلٍ} (27) - وَيُحَاوِلُ الكَافِرُ أنْ يَعْتَذِرَ للرَّبِّ العَظِيمِ عَنْ كُفْرِهِ وَمُعَانَدَتِهِ وَطُغْيَانِهِ، فَيَقُولُ للرَّبِّ: إنَّ قَرِينَهُ الشَّيْطَانَ أطغَاهُ، وَزَيَّنَ لهُ الكُفْرَ وَالمَعَاصِيَ، فَيَرُدُّ عَليهِ قَرينهُ قَائِلاً للرَّبِ الكَريمِ: إنَّه لم يَحْمِلْهُ عَلى الضَّلالِ والطُّغْيَانِ، وَإنَّما كَانَ هُوَ نَفْسُهُ مُغْرِقاً في الضَّلاَلةِ ومُعَانَدَةِ الحَقِّ، فَسَارَ في الطَّرِيقِ الذِي يَتَّفِقُ مَعَ هَوَى نَفْسِهِ. أطْغَيْتُهُ - حَمَلْتُهُ عَلَى الطُّغْيَانِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : القرين هنا بمعنى الصاحب والملازم له الذي زيَّن له الضلال سواء من الجن أو من الإنس، وهذا القرين يقول معتذراً لنفسه ومُدافعاً عنها {رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} [ق: 27] يريد أنْ يتبرأ من صاحبه الضال ويتركه في المأزق الذي وقع فيه. والقرآن الكريم شرح لنا في أكثر من موقف هذا الحوار الذي دار بين التابع والمتبوع، ممَّنْ سلكوا طريق الضلال، وكيف أن كل طرف منهما يُلقي باللائمة على الآخر. يقول تعالى: {أية : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ * قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ * قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ * فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ * فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ * فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ}تفسير : [الصافات: 27-34]. كذلك يتبرأ الشيطان ممن اتبعه، فيقول: {أية : وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ..}تفسير : [إبراهيم: 22] يعني: لا أحدَ منّا يستطيع أنْ يدافع عن صاحبه.
الأندلسي
تفسير : {قَالَ قرِينُهُ} لم تأت هذه الجملة بالواو بخلاف وقال قرينه قبله لأن هذه استؤنفت كما استؤنفت الجمل في حكاية التقاول في مقاولة موسى وفرعون فجرت مقاولة بين الكافر وقرينه فكان الكافر قال: رب هو أطغاني قال قرينه: ربنا ما أطغيته واما وقال قرينه فعطف للدلالة على الجمع بين معناها ومعنى ما قبلها في الحصول أعنى مجيء كل نفس مع الملكين وقول قرينه ما قال له ومعنى ما أطغيته تنزيه لنفسه من أنه أثر فيه. {وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} أي من نفسه لا مني فهو الذي استحب العمى على الهدى وكذب القرين بل أطغاه بوسوسته وتزينه. {قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ} استئناف أيضاً مثل ما قال قرينه كان قائلاً قال ما قال الله تعالى فقيل قال لا تختصموا لدي أي في دار الجزاء وموقف الحساب. {وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ} لمن عصاني فلم أترك لكم حجة. {مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ} أي عندي فما أمضيته لا يمكن تبديله. {وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ} تقدم الكلام عليه والمعنى لا أعذب من لا يستحق العذاب وانتصاب يوم بظلام. قال الزمخشري: ويجوز أن ينتصب بنفخ كأنه قيل ونفخ في الصور يوم يقول: وعلى هذا يشار بذلك إلى يقوم يقول "انتهى". هذا بعيد جداً قد فصل على هذا القول بين العامل والمعمول بجمل كثيرة ولا يناسب هذا القول فصاحة القرآن وبلاغته وهل امتلأت تقرير وتوقيف لا سؤال استفهام حقيقة لأنه تعالى عالم بأحوال جهنم وقيل السؤال والجواب من باب التصوير الذي يثبت المعنى أي حالها حال بين لو نطق الجواب لسائله لقال كذا وهذا القول يظهر أنها إذ ذاك لم تكن ملأى فقولها هل من مزيد سؤال ورغبة في الزيادة والاستكثار من الداخلين. {هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ} خطاب للمؤمنين ولكل أواب هو البدل من المتقين. {مَّنْ خَشِيَ} بدل بعد بدل تابع لكل قال الزمخشري: ولا يجوز أن يكون في حكم أواب وحفيظ لأن من لا يوصف به ولا يوصف من بين الموصولات إلا بالذي "انتهى". يعني بقوله في حكم أواب وحفظ أن يجعل من صفته وهذا حكم صحيح وأما قوله: ولا يوصف من بين الموصولات إلا بالذي فالحصر فيه ليس بصحيح قد وصفت العرب بما فيه أل وهو موصول نحو القائم والمضروب ووصفت بذو الطائية وذات في المؤنث ومن كلامهم بالفضل ذو فضلكم الله به والكرامة ذات أكرمكم الله بها يريدون بالفضل الذي فضلكم والكرامة التي أكرمكم ولا يريد الزمخشري خصوصية الذي بل فروعه من المؤنث المثنى والمجموع على اختلاف لغات ذلك "انتهى". وقال ابن عطية: ويحتمل أن يكون نعتاً "انتهى". لا يجوز لأن من لا ينعت بها وبالغيب حال من المفعول أي وهو غائب عنه وإنما أدركه بالعلم الضروري إذ كل مصنوع لا بد له من صانع. {ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ} أي سالمين من العذاب أو مسلماً عليكم من الله تعالى وملائكته. {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ} أي يوم تقدر الخلود. {لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا} أي ما تعلقت به مشيئتهم من أنواع الملاذ والكرامات. {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} زيادة أو شىء مزيد على ما يشاؤون عند ربهم ونحوه ومزيد مبهم فقيل مضاعفة الحسنة بعشر أمثالها وقيل تجلى الله تعالى لهم حتى يرونه. {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ} الآية أي كثيراً أهلكنا قبلهم أي قبل قريش هم أشد منهم بطشاً لكثرة قوتهم وأموالهم والظاهر أن الضمير في فنقبوا عائد على كم أي دخلوا البلاد من أنقابها والمعنى طوفوا في البلاد وقيل نقروا وبحثوا والتنقيب التنقير والبحث نقبوا في البلاد من حذر الموت وجالوا في الأرض كل مجال وفنقبوا متسبب عن شدة بطشهم فهي التي أقدرتهم على التنقيب وقوتهم عليه ويجوز أن يعود الضمير في فنقبوا على قريش أي فنقبوا في أسفارهم في بلاد القرون فهل رأوا محيصاً حتى يؤملوه لأنفسهم ويدل على عود الضمير على أهل مكة قراءة ابن عباس وغيره فنقبوا بكسر القاف مشددة على الأمر لأهل مكة أي فسيحوا في البلاد وابحثوا. {إِنَّ فِي ذَلِكَ} أي في إهلاك تلك القرون. {لَذِكْرَىٰ} لتذكرة واتعاضاً لمن كان له قلب أي واع والمعنى لمن كان له عقل وعبر عنه بمحله ومن له قلب لا يعي كمن لا قلب له وقرأ الجمهور ألقى السمع مبنياً للفاعل والسمع نصب به أي أو أصغى بسمعه لهذه الأنباء الواعظة. {وَهُوَ شَهِيدٌ} أي حاضر الذهن متفطن لما أصغى إليه سمعه مفكر فيه فشهيد من المشاهدة وهو الحضور. {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} نزلت في اليهود تكذيباً لهم في قولهم انه تعالى استراح من خلق السماوات والأرض في ستة أيام يوم السبت واستلقى على العرش. {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} احتمل أن تكون جملة حالية واحتمل أن تكون استئنافاً واللغوب الإِعياء. {فَٱصْبِرْ} قيل منسوخ بآية السيف. {عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} أي اليهود وغيرهم من الكفار قريش وغيرهم. {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} أي فصل. {قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ} هي صلاة الصبح. {وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ} هي صلاة العصر وقيل غير ذلك. {وَٱسْتَمِعْ} أمر بالاستماع والظاهر أنه أريد به حقيقة الاستماع والمستمع له محذوف تقديره واستمع لما أخبر به من حال يوم القيامة وفي ذلك تهويل وتعظيم لشأن المخبر به كما قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ حديث : يا معاذ إسمع ما أقول لك ثم حدثه بعد ذلك وانتصب يوم بما دل عليه ذلك يوم الخروج تفسير : أي يوم ينادي المنادي يخرجون من القبور وقيل مفعول استمع محذوف تقديره نداء المنادى وقيل تقديره نداء الكافر بالويل والثبور وقيل لا يحتاج إلى مفعول إذ حذف اقتصاراً والمعنى كن مستمعاً ولا تكن غافلاً معرضاً وانتظر الخطاب لكل سامع وفي الحديث حديث : أن ملكاً ينادي من السماء أيتها الأجسام الهامدة والعظام البالية والرمم الذاهبة هلموا إلى الحشر والوقوف بين يدي الله تعالى . تفسير : {مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} وصفه بالقرب من حيث يسمع جميع الخلق قيل والمنادي إسرافيل عليه السلام بنفخ في الصور وينادى والمكان القريب هي صخرة بيت المقدس لقربها من السماء بثمانية عشر ميلاً. {يَوْمَ يَسْمَعُونَ} بدل من يوم ينادي والصيحة صيحة المنادى قيل يسمعون من تحت أقدامهم وقيل من تحت شعورهم وهي النفخة الثانية بالحق متعلق بالصيحة والمراد به البعث والحشر. {ذَلِكَ} أي يوم النداء والسماع. {يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ} من القبور وقيل الإِشارة بذلك إلى النداء أي ذلك النداء واتسع في الظرف فجعل خبراً عن المصدر ويوم بدل من اليوم الثاني وانتصب سراعاً على الحال من الضمير في عنهم والعامل تشقق. {ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} فصل بين الموصوف وصفته بمعمول الصفة وهو علينا أي يسير علينا وحسن ذلك لأجل كون الصفة فاصلة. {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ} هذا وعيد محض للكفار وتهديد لهم وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم. {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} أي بمتسلط حتى تجبرهم على الإِيمان. {فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} لأن من لا يخاف الوعيد لكونه غير مصدق بوقوعه لا يذكر إذ لا تنفع فيه الذكرى كما قال تعالى: {أية : وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الذاريات: 55] وختمت بقوله: {فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ} كما افتتحت بـ {أية : قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ}تفسير : [ق: 1].
همام الصنعاني
تفسير : 2956- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله: {قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ}: [الآية: 27]، قال: قرينه الشيطان. 2957- قال معمر، وقال منصور بن المعتمر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما مِنْ أَحَدٍ إلا قد وُكِّل به قرينُه من الجن، قالوا: ولا أنت يا رسول الله! قال: ولا أنا، إلا أن الله أعانني عليه فأسْلَم فلا يأمرني إلاَّ بخير .
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):