٥٠ - ق
50 - Qaf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
31
Tafseer
الرازي
تفسير : بمعنى قريباً أو بمعنى قريب، والأول أظهر وفيه مسائل: المسألة الأولى: ما وجه التقريب، مع أن الجنة مكان والأمكنة يقرب منها وهي لا تقرب؟ نقول: الجواب: عنه من وجوه: الأول: أن الجنة لا تزال ولا تنقل، ولا المؤمن يؤمر في ذلك اليوم بالانتقال إليها مع بعدها، لكن الله تعالى يطوي المسافة التي بين المؤمن والجنة فهو التقريب. فإن قيل: فعلى هذا ليس إزلاف الجنة من المؤمن بأولى من إزلاف المؤمن من الجنة، فما الفائدة في قوله: أزلفت الجنة؟ نقول إكراماً للمؤمن، كأنه تعالى أراد بيان شرف المؤمن المتقي أنه ممن يمشي إليه ويدني منه. الثاني: قربت من الحصول في الدخول، لا بمعنى القرب المكاني، يقال يطلب من الملك أمراً خطيراً، والملك بعيد عن ذلك، ثم إذا رأى منه مخايل إنجاز حاجته، يقال قرب الملك وما زلت أنهي إليه حالك حتى قربته، فكذلك الجنة كانت بعيدة الحصول، لأنها بما فيها لا قيمة لها، ولا قدرة للمكلف على تحصيلها لولا فضل الله تعالى، كما قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من أحد يدخل الجنة إلا بفضل الله تعالى، فقيل: ولا أنت يا رسول الله، فقال: ولا أنا» تفسير : وعلى هذا فقوله غير نصب على الحال، تقديره قربت من الحصول، ولم تكن بعيدة في المسافة حتى يقال كيف قربت. الثالث: هو أن الله تعالى قادر على نقل الجنة من السماء إلى الأرض فيقربها للمؤمن. وأما إن قلنا إنها قربت، فمعناه جمعت محاسنها، كما قال تعالى: {أية : وَفِيهَا مَا تَشتَهِيهِ ٱلأنفُس } تفسير : [الزخرف: 71]. المسألة الثانية: على هذا الوجه وعلى قولنا قربت تقريب حصول ودخول، فهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون قوله تعالى: {وَأُزْلِفَتِ } أي في ذلك اليوم ولم يكن قبل ذلك، وأما في جمع المحاسن فربما يزيد الله فيها زينة وقت الدخول، وأما في الحصول فلأن الدخول قبل ذلك كان مستبعداً إذا لم يقدر الله دخول المؤمنين الجنة في الدنيا ووعد به في الآخرة فقربت في ذلك اليوم. وثانيهما: أن يكون معنى قوله تعالى: {وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ } أي أزلفت في الدنيا، إما بمعنى جمع المحاسن فلأنها مخلوقة وخلق فيها كل شيء، وإما بمعنى تقريب الحصول فلأنها تحصل بكلمة حسنة وإما على تفسير الإزلاف بالتقريب المكاني فلا يكون ذلك محمولاً إلا على ذلك الوقت أي أزلفت في ذلك اليوم للمتقين. المسألة الثالثة: إن حمل على القرب المكاني، فما الفائدة في الاختصاص بالمتقين مع أن المؤمن والكافر في عرصة واحدة؟ فنقول قد يكون شخصان في مكان واحد وهناك مكان آخر هو إلى أحدهما في غاية القرب، وعن الآخر في غاية البعد، مثاله مقطوع الرجلين والسليم الشديد العدو إذا اجتمعا في موضع وبحضرتهما شيء لا تصل إليه اليد بالمد فذلك بعيد عن المقطوع وهو في غاية القرب من العادي، أو نقول: إذا اجتمع شخصان في مكان وأحدهما أحيط به سد من حديد ووضع بقربه شيء لا تناله يده بالمد والآخر لم يحط به ذلك السد يصح أن يقال هو بعيد عن المسدود وقريب من المحظوظ والمجدود، وقوله تعالى: {غَيْرَ بَعِيدٍ } يحتمل أن يكون نصباً على الظرف يقال اجلس غير بعيد مني أي مكاناً غير بعيد، وعلى هذا فقوله غير بعيد يفيد التأكيد وذلك لأن القريب قد يكون بعيداً بالنسبة إلى شيء، فإن المكان الذي هو على مسيرة يوم قريب بالنسبة إلى البلاد النائية وبعيد بالنسبة إلى متنزهات المدينة، فإذا قال قائل أيما أقرب المسجد الأقصى أو البلد الذي هو بأقصى المغرب أو المشرق؟ يقال له المسجد الأقصى قريب، وإن قال أيهما أقرب هو أو البلد؟ يقل له هو بعيد. فقوله تعالى: {وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ... غَيْرَ بَعِيدٍ } أي قربت قرباً حقيقياً لا نسبياً حيث لا يقال فيها إنها بعيدة عنه مقايسة أو مناسبة، ويحتمل أن يكون نصباً على الحال تقديره: قربت حال كون ذلك غاية التقريب أو نقول على هذا الوجه يكون معنى أزلفت قربت وهي غير بعيد، فيحصل المعنيان جميعاً الإقراب والاقتراب أو يكون المراد القرب والحصول لا للمكان فيحصل معنيان القرب المكاني بقوله غير بعيد والحصول بقوله: {أُزْلِفَتْ } وقوله: {غَيْرَ بَعِيدٍ } مع قوله: {أُزْلِفَتْ } على التأنيث يحتمل وجوهاً: الأول: إذا قلنا إن {غَيْرِ } نصب على المصدر تقديره مكاناً غير. الثاني: التذكير فيه كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ رَحْمَةَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ } تفسير : [الأعراف: 56] إجراء لفعيل بمعنى فاعل مجرى فعيل بمعنى مفعول. الثالث: أن يقال {غَيْرِ } منصوب نصباً على المصدر على أنه صفة مصدر محذوف تقديره: أزلفت الجنة إزلافاً غير بعيد، أي عن قدرتنا فإنا قد ذكرنا أن الجنة مكان، والمكان لا يقرب وإنما يقرب منه، فقال: الإزلاف غير بعيد عن قدرتنا فإنا نطوي المسافة بينهما.
البيضاوي
تفسير : {وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ } قربت لهم. {غَيْرَ بَعِيدٍ } مكاناً غير بعيد، ويجوز أن يكون حالاً وتذكيره لأنه صفة محذوف، أو شيئاً غير بعيد أو على زنة المصدر أو لأن الجنة بمعنى البستان. {هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ } على إضمار القول والإِشارة إلى الثواب أو مصدر {أُزْلِفَتْ }. وقرأ ابن كثير بالياء. {لِكُلّ أَوَّابٍ } رجاع إلى الله تعالى، بدل من «المتقين» بإعادة الجار. {حَفِيظٌ } حافظ لحدوده. {مَّنْ خَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ } بعد بدل أو بدل من موصوف {أَوَّابٌ }، ولا يجوز أن يكون في حكمه لأن {مِنْ } لا يوصف به أو مبتدأ خبره. {ٱدْخُلُوهَا } على تأويل يقال لهم {ٱدْخُلُوهَا }، فإن من بمعنى الجمع وبالغيب حال من الفاعل أو المفعول، أو صفة لمصدر أي خشية ملتبسة بالغيب حيث خشي عقابه وهو غائب، أو العقاب بعد غيب أو هو غائب عن الأعين لا يراه أحد. وتخصيص {ٱلرَّحْمَـٰنُ } للإِشعار بأنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه، أو بأنهم يخشون مع علمهم بسعة رحمته، ووصف القلب بالإِنابة إذ الاعتبار برجوعه إلى الله. {بِسَلامٍ } سالمين من العذاب وزوال النقم، أو مسلماً عليكم من الله وملائكته. {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ } يوم تقدير الخلود كقوله تعالى: {أية : فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ }تفسير : [الزمر: 73] {لَهُمْ مَّا يَشَآءونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } وهو ما لا يخطر ببالهم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ } قبل قومك. {مّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً } قوة كعاد وثمود وفرعون. {فَنَقَّبُواْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ } فخرقوا في البلاد وتصرفوا فيها، أو جالوا في الأرض كل مجال حذر الموت، فالفاء على الأول للتسبب وعلى الثاني لمجرد التعقيب، وأصل التنقيب التنقير عن الشيء والبحث عنه. {هَلْ مِن مَّحِيصٍ } أي لهم من الله أو من الموت. وقيل الضمير في {نَقَّبُوا} لأهل مكة أي ساروا في أسفارهم في بلاد القرون فهل رأوا لهم محيصاً حتى يتوقعوا مثله لأنفسهم، ويؤيده أنه قرىء « فَنَقَّبُواْ» على الأمر، وقرىء «فَنَقَّبُواْ » بالكسر من النقب وهو أن ينتقب خف البعير أي أكثروا السير حتى نقبت أقدامهم أو أخفاف مراكبهم. {إِنَّ فِى ذَلِكَ } فيما ذكر في هذه السورة. {لِذِكْرِى } لتذكرة. {لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ } أي قلب واع يتفكر في حقائقه. {أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ } أي أصغى لاستماعه. {وَهُوَ شَهِيدٌ } حاضر بذهنه ليفهم معانيه، أو شاهد بصدقه فيتعظ بظواهره وينزجر بزواجره، وفي تنكير الـ {قَلْبٌ } وإبهامه تفخيم وإشعار بأن كل قلب لا يتفكر ولا يتدبر كلا قلب. {وَلَقَدْ خَلَقْنَا * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ } مر تفسيره مراراً. {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ } من تعب وإعياء، وهو رد لما زعمت اليهود من أنه تعالى بدأ خلق العالم يوم الأحد وفرغ منه يوم الجمعة واستراح يوم السبت واستلقى على العرش. {فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ } ما يقول المشركون من إنكارهم البعث، فإن من قدر على خلق العالم بلا عياء قدر على بعثهم والانتقام منهم، أو ما يقول اليهود من الكفر والتشبيه. {وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ } ونزهه عن العجز عما يمكن والوصف بما يوجب التشبيه حامداً له على ما أنعم عليك من إصابة الحق وغيرها. {قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ } يعني الفجر والعصر وقد عرفت فضيلة الوقتين. {وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَسَبّحْهُ } أي وسبحه بعض الليل. {وَأَدْبَـٰرَ ٱلسُّجُودِ } وأعقاب الصلوات جمع دبر من أدبر، وقرأ الحجازيان وحمزة وخلف بالكسر من أدبرت الصلاة إذا انقضت. وقيل المراد بالتسبيح الصلاة، فالصلاة قبل طلوع الصبح وقبل الغروب: الظهر، والعصر. ومن الليل: العشاءان، والتهجد وأدبار السجود النوافل بعد المكتوبات. وقيل الوتر بعد العشاء.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ } قرِّبت {لّلْمُتَّقِينَ } مكاناً {غَيْرَ بَعِيدٍ } منهم فيرونها، ويقال لهم:
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {وأزلفت الجنة} أي قربت وأدنيت {للمتقين} أي الذين اتقوا الشرك {غير بعيد} يعني أنها جعلت عن يمين العرش بحيث يراها أهل الموقف قبل أن يدخلوها {هذا ما توعدون} أي يقال لهم الذي وعدتم به في الدنيا على ألسنة الأنبياء {لكل أواب} أي رجاع عن المعصية إلى الطاعة. قال سعيد بن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب. وقيل: هو الذي يذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر منها. وقيل: هو التواب، وقال ابن عباس: هو المسيح. وقيل: هو المصلي {حفيظ} قال ابن عباس الحافظ لأمر الله وعنه هو الذي يحفظ ذنوبه حتى يرجع عنها ويستغفر منها وقيل: حفيظ لما استودعه الله من حقه. وقيل: هو المحافظ على نفسه المتعهد لها المراقب لها. وقيل: هو المحافظ على الطاعات والأوامر {ومن خشي الرحمن بالغيب} أي خاف الرحمن فأطاعه وإن لم يره وقيل: خافه في الخلوة بحيث لا يراه أحد إذا ألقى الستر أغلق الباب {وجاء بقلب منيب} أي مخلص مقبل على طاعة الله {ادخلوها} أي يقال لأهل هذه الصفة: ادخلوا الجنة {بسلام} أي بسلامة من العذاب والهموم. وقيل: بسلام من الله وملائكته عليهم وقيل: بسلامة من زوال النعم {ذلك يوم الخلود} أي في الجنة لأنه لا موت فيها.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة {وأزلفت الجنة} قال: زينت الجنة. وأخرج ابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان عن التميمي قال: سألت ابن عباس عن الأواب الحفيظ قال حفظ ذنوبه حتى رجع عنها. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن سعيد بن سنان في قوله {لكل أواب حفيظ} قال: حفظ ذنوبه فتاب منها ذنباً ذنباً. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن سعيد بن المسيب قال: الأواب الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب حتى يختم الله له بالتوبة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن أنس بن خباب قال: قال لي مجاهد ألا أنبئك بالأواب الحفيظ؟ هو الرجل يذكر ذنبه إذا خلا فيستغفر له. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبيد بن عمير مثله. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عبيد بن عمير قال: كنا نعد الأواب الحفيظ الذي يكون في المجلس، فإذا أراد أن يقوم قال: اللهم اغفر لي ما أصبت في مجلسي هذا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله {لكل أواب} قال: مطيع لله {حفيظ} قال: لما استودعه الله من حقه ونعمه، وفي قوله {وجاء بقلب منيب} قال: منيب إلى الله مقبل إليه، وفي قوله {ادخلوها بسلام} قال: سلموا من عذاب الله وسلم الله عليهم، {ذلك يوم الخلود} قال: خلدوا والله فلا يموتون. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {من خشي الرحمن بالغيب} قال: يخشى ولا يرى. أما قوله تعالى: {لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد} . أخرج البزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه واللالكائي في السنة والبيهقي في البعث والنشور عن أنس في قوله {ولدينا مزيد} قال: يتجلى لهم الرب عز وجل. وأخرج الشافعي في الأم وابن أبي شيبة والبزار وأبو يعلى وابن أبي الدنيا في صفة الجنة وابن جرير وابن المنذر والطبراني في الأوسط وابن مردويه والآجري في الشريعة والبيهقي في الرؤية وأبو نصر السجزي في الإِبانة من طرق جيدة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أتاني جبريل وفي يده مرآة بيضاء فيها نكتة سوداء، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذه الجمعة فضلت بها أنت وأمتك، فالناس لكم فيها تبع اليهود والنصارى، ولكم فيها خير، وفيها ساعة لا يوافقها مؤمن يدعو الله بخير إلا استجيب له، وهو عندنا يوم المزيد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا جبريل وما يوم المزيد؟ قال: إن ربك اتخذ في الفردوس وادياً أفيح فيه كثب من مسك، فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله ما شاء من الملائكة وحوله منابر من نور عليها مقاعد النبيين، وتحف تلك المنابر بكراسي من ذهب مكللة بالياقوت والزبرجد عليها الشهداء والصديقون، ثم جاء أهل الجنة فجلسوا من ورائهم على تلك الكثب، فيتجلى لهم تبارك وتعالى حتى ينظروا إلى وجهه، ويقول الله: أنا ربكم قد صدقتكم وعدي فسلوني أعطكم، فيقولون: ربنا نسألك رضوانك، فيقول: قد رضيت عنكم فسلوني فيسألونه حتى تنتهي رغبتهم، فيقول: لكم ما تمنيتم {ولديّ مزيد} فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم من الخير، وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش وفيه خلق آدم وفيه تقوم الساعة ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن جرير بسند حسن عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن الرجل ليتكىء في الجنة سبعين سنة قبل أن يتحوّل، ثم تأتيه امرأته فتضرب على منكبه فينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة، وإن أدنى لؤلؤة عليها تضيء ما بين المشرق والمغرب، فتسلم عليه فيرد عليها السلام، ويسألها من أنتِ؟ فتقول: أنا من المزيد، وإنه ليكون عليها سبعون حلة أدناها مثل الغمان من طوبى، فينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك، وإن عليها التيجان، إن أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن أنس رضي الله عنه قال: إن الله إذا أسكن أهل الجنة الجنة وأهل النار النار هبط إلى مرج من الجنة أفيح فمد بينه وبين خلقه حجباً من لؤلؤ وحجباً من نور، ثم وضعت منابر النور وسرر النور وكراسي النور، ثم أذن لرجل على الله، بين يديه أمثال الجبال من النور فيسمع دويّ تسبيح الملائكة معه وصفق أجنحتهم، فمد أهل الجنة أعناقهم فقيل من هذا الذي قد أذن له على الله؟ فقيل: هذا المجبول بيده والمعلم الأسماء أمرت الملائكة فسجدت له، والذي أبيحت له الجنة: آدم، قد أذن له على الله، ثم يؤذن لرجل آخر بين يديه أمثال الجبال من النور يسمع دويّ تسبيح الملائكة معه وصفق أجنحتهم، فمد أهل الجنة أعناقهم فقيل: من هذا الذي قد أذن له على الله؟ فقيل: هذا الذي قد اتخذه الله خليلاً، وجعلت النار عليه برداً وسلاماً إبراهيم قد أذن له على الله، ثم أذن لرجل آخر على الله بين يديه أمثال الجبال من النور يسمع معه دويّ تسبيح الملائكة وصفق أجنحتهم، فمد أهل الجنة أعناقهم، فقيل: من هذا الذي قد أذن له على الله فقيل: هذا الذي اصطفاه الله برسالته وقربه نجياً وكلمه كلاماً موسى قد أذن له على الله. ثم يؤذن لرجل آخر معه مثل جميع مواكب النبيين قبله من بين يديه أمثال الجبال من النور يسمع دويّ تسبيح الملائكة معه وصفق أجنحتهم، فمد أهل الجنة أعناقهم فقيل: من هذا الذي قد أذن له على الله؟ فقيل: هذا أول شافع وأول مشفع، وأكثر الناس واردة، وسيد ولد آدم، وأول من تنشق عن ذؤابته الأرض، وصاحب لواء الحمد، وقد أذن له على الله فجلس النبيون على منابر النور والصديقون على سرر النور والشهداء على كراسي النور وجلس سائر الناس على كثبان المسك الأذفر الأبيض، ثم ناداهم الرب تعالى من وراء الحجب: مرحباً بعبادي وزواري وجيراني ووفدي يا ملائكتي إنهضوا إلى عبادي فاطعموهم، فقربت إليهم من لحوم الطير كأنها البخت، لا ريش لها ولا عظم، فأكلوا، ثم ناداهم الربّ عز وجل من وراء الحجب: مرحباً بعبادي وزواري وجيراني ووفدي أكلوا اسقوهم. فنهض إليهم غلمان كأنهم اللؤلؤ المكنون بأباريق الذهب والفضة بأشربة مختلفة لذيذة آخرها كلذة أولها، {أية : لا يصدعون عنها ولا ينزفون}تفسير : [الواقعة: 19] ثم ناداهم الرب عز وجل من وراء الحجب: مرحباً بعبادي وزواري وجيراني ووفدي، أكلوا وشربوا، فكّهوهم، فيقرب إليهم على أطباق مكللة بالياقوت والمرجان من الرطب الذي سمى الله أشدّ بياضاً من اللبن وأشد عذوبة من العسل، فأكلوا، ثم ناداهم الرب من وراء الحجب: مرحباً بعبادي وزواري وجيراني ووفدي أكلوا وشربوا وفكهوا، أكسوهم، ففتحت لهم ثمار الجنة بحلل مصقولة بنور الرحمن فأكسوها. ثم ناداهم الرب عز وجل من وراء الحجب: مرحباً بعبادي وزواري وجيراني ووفدي أكلوا وشربوا وفكهوا وكسوا، طيبوهم، فهاجت عليهم ريح يقال لها المثيرة بأباريق المسك الأبيض الأذفر فنفخت على وجوههم من غير غبار ولا قتام، ثم ناداهم الرب عز وجل من وراء الحجب: مرحباً بعبادي وزواري وجيراني ووفدي أكلوا وشربوا وفكهوا وكسوا وطيبوا، وعزتي لأتجلين لهم حتى ينظروا إليّ، فذلك إنتهاء العطاء وفضل المزيد فتجلى لهم الرب ثم قال: السلام عليكم عبادي أنظروا إليّ، فقد رضيت عنكم، فتداعت قصور الجنة وشجرها سبحانك أربع مرات وخر القوم سجداً، فناداهم الرب عبادي إرفعوا رؤوسكم فإنها ليست بدار عمل ولا دار نصب إنما هي دار جزاء وثواب، وعزتي ما خلقتها إلا من أجلكم وما من ساعة ذكرتموني فيها في دار الدنيا إلا ذكرتكم فوق عرشي. وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "حديث : حدثني جبريل قال: يدخل الرجل على الحوراء فتستقبله بالمعانقة والمصافحة فبأي بنان تعاطيه لو أن بعض بنانها بدا لغلب ضوءه ضوء الشمس والقمر، ولو أن طاقة من شعرها بدت لملأت ما بين المشرق والمغرب من طيب ريحها، فبينما هو متكىء معها على أريكته إذ أشرق عليه نور من فوقه فيظن أن الله تعالى قد أشرف على خلقه، فإذا حوراء تناديه يا ولي الله أما لنا فيك من دولة، فيقول ومن أنتِ يا هذه؟ فتقول: أنا من اللواتي قال الله {ولدينا مزيد} فيتحول إليها، فإذا عندها من الجمال والكمال ما ليس مع الأولى، فبينما هو متكىء على أريكته إذ أشرف عليه نور من فوقه فإذا حوراء أخرى تناديه: يا ولي الله أما لنا فيك من دولة؟ فيقول ومن أنتِ يا هذه؟ فتقول: أنا من اللواتي قال الله {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} [السجدة: 17] فلا يزال يتحول من زوجة إلى زوجة ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن محمد بن كعب في قوله {لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد} قال: لو أن أدنى أهل الجنة نزل به أهل الجنة كلهم لأوسعهم طعاماً وشراباً ومجالس وخدماً. وأخرج ابن أبي حاتم عن كثير بن مرة قال: من المزيد أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول ماذا تريدون فأمطره لكم؟ فلا يدعون بشيء إلا أمطرتهم والله تعالى أعلم.
القشيري
تفسير : يقال: إنَّ الجنَّةَ تُقَرَّبُ من المتقين، كما أَنَّ النّار تُجَرُّ بالسلاسل إلى المحشر نحو المجرمين. ويقال: بل تقرب الجنة بأن يسهل على المتقين حشرهم إليها... وهم خواص الخواص. ويقل: هم ثلاثةُ أصناف: قوم يُحْشَرون إلى الجنة مشاةً وهم الذين قال فيهم: {أية : وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً}تفسير : [الزمر: 73] - وهم عوام المؤمنين وقوم يحشرون إلى الجنة ركبانا على طاعاتهم المصوَّرة لهم بصورة حيوان، وهم الذين قال فيهم جَلَّ وعلا: {أية : يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً}تفسير : [مريم: 85] - وهؤلاء هم الخواص وأمَّا خاص الخاص فهم الذين قال عنهم: {وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} أي تُقَرَّبُ الجنةُ منهم. وقوله: {غَيْرَ بَعِيدٍ}: تأكيدٌ لقوله: "وأزلفت". ويقال: {غَيْرَ بَعِيدٍ}: من العاصين تطييباً لقلوبهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {وازلفت الجنة} الازلاف نزيدك كردانيدن اى قربت {للمتقين} عن الكفر والمعاصى بحيث يشاهدونها من الموقف ويقفون على مافيها من فنون المحاسن فيبتهجون بأنهم محشورون اليها فائزون بها {غير بعيد} تأكيد للازلاف اى مكانا غير بعيد بحيث ينظرون اليها قبل دخولها فيكون انتصابه على الظرفية او هو حال مؤكدة اى حال كونها غير بعيد أى شيأ غير بعيد كقولك هو قريب غير بعيد وعزيز غير ذليل الى غير ذلك من أمثلة التوكيد فالازلاف تقريب الرؤية وغير بعيد تقريب الدخول فانهم يحاسبون حسابا يسيرا ومنهم من لايحاسب اصلا ويجوز أن يكون التذكير لكونه على زنة المصدر الذى يستوى فى الوصف به المذكر والمؤنث كالزئير والصليل او لتأويل الجنة بالبستان وفيه اشارة الى جنة قلوب خواص المتقين انها قربت لهم فى الدنيا بالاجساد وهم فى الآخرة بالقلوب (ع) جنت نقدست انيجا عشرت وعيش وحضور. ويقال ان الجنة تقرب من المتقين كما ان النار تجر بالسلاسل الى المحشر للمجرمين ويقال بل تقرب الجنة بأن يسهل على المتقين مسيرهم اليها ويراد بهم الخواص من المتقين ويقال هم ثلاثة اصناف قوم يحشرون الى الجنة مشاة وهم الذين قال فيهم وسيق الذين اتقوا ربهم الى الجنة زمرا وهم عوام المؤمنين وقوم يحشرون الى الجنة ركبانا على طاعاتهم المصورة لهم بصورة حيوان وهؤلاء هم الخواص واما خاص الخاص فهم الذين قال فيهم وازلفت الجنة للمتقين فقرب الجنة منهم غير بعيد أى الجنة غير بعيد عنهم وهم البعدآء عن الجنة فى مقعد صدق عند مليك مقتدر
الطوسي
تفسير : لما حكى الله تعالى ما أعده للكافرين والعصاة من جهنم وعظم موضعها وسعتها أخبر عما اعده للمتقين المجتنبين لمعاصيه الفاعلين لطاعاته فقال {وأزلفت الجنة للمتقين} والازلاف التقريب إلى الخير، ومنه الزلفة، والزلفى. ويقولون: أزدلف اليه أي اقترب والمزدلفة قريب من الموقف. وهو المشعر وجمع، ومنه قول الراجز: شعر : ناج طواه الاين مما وجفا طي الليالي زلفا فزلفا سماؤه الهلال حتى احقوقفا تفسير : والجنة التي وعد الله المتقين بها هي البستان الذي يجمع من اللذة ارفع كل نوع فى الزينة من الابنية الفاخرة بالياقوت والزمرد وفاخر الجوهر، ومن الانهار والاشجار وطيب الثمار ومن الأزواج الكرام والحور الحسان وكريم الخدم من الولدان الذين هم زينة لكل ناظر ومتعة لكل مبصر، قد أمن اهلها العلة وانواع الاذى من فضول الاطعمة والاشربة، نسال الله حسن الاستعداد لها بالعمل الصالح المقرب منها الموجب لرضوان مالكها. وقوله {غير بعيد} أي ليس ببعيد مجيء ذلك، لان كل آت قريب، ولذلك قال الحسن: كأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل. ثم قال {هذا ما توعدون} من قرأ بالتاء فعلى الخطاب أي هذا الذي ذكرناه هو ما وعدتم به من الثواب {لكل أواب} أي رجاع إلى الله تائب اليه {حفيظ} لما أمر الله به يتحفظ من الخروج إلى ما لا يجوز من سيئة تدنسه او خطيئة تحط منه وتشينه. وقال ابن زيد: الأواب التواب، وهو من آب يؤب اوباً إذا رجع. وقوله {من خشي الرحمن بالغيب} فالخشية انزعاج القلب عند ذكر السيئة وداعي الشهوة حتى يكون فى اعظم حال من طلبه سبع يفترسه او عدو يأتي على نفسه او طعام مسموم يدعى إلى اكله هذه خشية الرحمن التي تنفعه والتي دعا اليها ربه ومعنى {بالغيب} أي في باطنه وسريرته {وجاء بقلب منيب} أي راجع إلى الله من اناب ينيب إنابة، وموضع (من) يحتمل وجهين من الاعراب: احدهما - الجر على البدن من (كل) كأنه قيل لمن خشى. والثاني - الرفع على الاستئناف كأنه قال {من خشي الرحمن بالغيب} يقال لهم {ادخلوها بسلام} أي بأمان من كل مكروه ويحيون بذلك على وجه الاكرام. وقوله {ذلك يوم الخلود} أي الوقت الذي يبقون فيه فى النعيم مؤبدين لا إلى غاية. وقوله {لهم ما يشاؤن فيها} أي ما يريدونه ويشتهونه يجعل لهم فيها {ولدينا مزيد} من نعم الله الذي يعطيهم زيادة على مقدار استحقاقهم بعملهم.
الجنابذي
تفسير : {وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ} فى قوله القيا فى جهنّم وفى قوله ازلفت الجنّة {لِلْمُتَّقِينَ} توهين للعصاة وتشريف للمتّقين وليس المتّقون الاّ من قبل الولاية وهم شيعة آل محمّدٍ (ص) {غَيْرَ بَعِيدٍ} مكاناً غير بعيدٍ او ازلافاً غير بعيدٍ، او حالكونها غير بعيدةٍ، واسقاط التّاء حينئذٍ يكون من قبيل اسقاط التّاء من قوله: {أية : إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ}تفسير : [الأعراف:56] وهو تأكيدٌ لقربها.
الأعقم
تفسير : {وأزلفت الجنة للمتقين} أي قربت حتى يرى ما فيها من النعم قبل أن يدخلوها {غير بعيد} جهنم، ثم قيل: {هذا} يعني نعيم الجنة {ما توعدون} في الدنيا على ألسنة الرسل {لكلّ أوَّاب} توّاب، قيل: المصلي، وقيل: المطيع {حفيظ} حفظ ذنوبه حتى رجع عنها، وقيل: الحافظ لنفسه وجوارحه من المعاصي أو حفظ أعماله مما يحبطها {من خشيَ الرحمن بالغيب} أي خاف الرحمان بحيث لا يراه أحدٌ {وجاء بقلب منيب} قيل: مقبل على الطاعة، وقيل: منيب يتوكل على الله الراجع في أموره إليه {ادخلوها بسلام} قيل: سلامه من العذاب، وقيل: سلامه من الزوال والفناء، وقيل: سلام من الله وملائكته {ذلك يوم الخلود} أي وقت الخلود لأهل العذاب والثواب {لهم ما يشاؤون فيها} من أنواع النعم {ولدينا مزيد} هو ما لم يخطر ببالهم ولم يبلغه أمانيهم، وقيل: الزيادة على ما يستحقون بأعمالهم {وكم أهلكنا} أي كثير قد أهلكنا {قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشاً} في الدنيا وأكثر تصرف وأموالاً {فنقبوا في البلاد}، قيل: طوفوا وضربوا في الأرض وطلبوا الأمان من العذاب، وقيل: حرفوا، وقيل: تباعدوا، والنقب الطريق، وقيل: نقبوا النقباء يقال: نقب السلطان فلاناً أي جعله نقيباً {هل من محيص} أي طافوا هل من مهرب وملجأ من الموت ومن العذاب {إن في ذلك} أي فيما تقدم ذكره من العِبَر {لذكرى} أي عظة وتذكرة {لمن كان له قلب} عقل يتفكر به {أو ألقى السمع وهو شهيد} أي يسمع القرآن والدين، وقيل: شهيد بأن يحضر سمعه وقلبه وبصره إحضار مسترشد.
اطفيش
تفسير : {وَأُزْلِفَتِ} أي قربت* {الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} أي الذين اتقوا الشرك* {غَيْرَ بَعِيدٍ} غير ظرف أي مكاناً غير بعيد وقدر ابن هشام زماناً غير بعيد أو حال من مصدر أزلفت أي أزلفته الأزلاف غير بعيد قاله ابن هشام قال أو من الجنة فالتذكير اما تقدير موصوف مذكر أي شيئاً غير بعيد أو لتأويل الجنة بالبستان أو لأن (بعيداً) (فعيل) بمعنى فاعل يستوي فيه للمذكر والمؤنث كثيراً لكونه على وزن المصدر كالصهيل والنعيق أو مفعول مطلق أي أزلافاً غير بعيد وعلى كل حال فهو توكيد لقوله أزلفت وأزلافها جعلها عن يمين العرش بحيث يراها أهل الموقف قبل دخولها ويقال للمتقين
اطفيش
تفسير : {وأزلفَت الجنَّة} قربها الله تعالى {للمتَّقين} فى ذلك تشريف لهم، إذ لم يقل أزلف المتقون الى الجنة، وهم فى قريب منها، أو نقلت من فوق السموات اليهم فى أرض المحشر، وهى أوسع منه، ويجوز أن يراد تقريب الحصول والدخول فيها، لا تقريب المكان {غَيْر بعيدٍ} مكانا بعيد بحيث يرونها، فغير ظرف لأنه نعت لظرف محذوف، أو هو مفعول مطلق، أى إزلافا غير بعيد، أو حال من الجنة، وعليه فلم يقل بالتأنيث لتأويله بمذكر، وهو المكان أو البستان، أو لأن بعيدا كوزن مصدر أفعال السير والصوت، كالصهيل والدميل، يستوى فيه المذكر والمؤنث، أو حملا على فعيل بمعنى مفعول، فانه يذكره لو جرى على مؤنث نحوه امرأة كحيل.
الالوسي
تفسير : {وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} أخذ في بيان حال المؤمنين بعد بيان حال الكافرين. وهو عطف على {أية : نُفِخَ} تفسير : [قۤ: 20] أي قربت للمتقين عن الكفر والمعاصي {غَيْرَ بَعِيدٍ} أي في مكان غير بعيد بمرأى منهم بين يديهم وفيه مبالغة ليست في التخلية عن الظرف ـ فغير بعيد ـ صفة لظرف متعلق بأزلفت حذف فقام مقامه وانتصب انتصابه، ولذلك لم يقل غير بعيدة، وجوز أن يكون منصوباً على المصدرية والأصل وأزلفت إزلافاً غير بعيد، قال الإمام: أي / عن قدرتنا وأن يكون حالاً من الجنة قصد به التوكيد كما تقول: عزيز غير ذليل لأن العزة تنافي الذل ونفي مضاد الشيء تأكيد إثباته، وفيه دفع توهم أن ثم تجوزاً أو شوباً من الضد ولم يقل: غير بعيدة عليه قيل: لتأويل الجنة بالبستان، وقيل: لأن البعيد على زنة المصدر الذي من شأنه أن يستوي فيه المؤنث والمذكر كالزئير والصليل فعومل معاملته وأجري مجراه، وقيل: لأن فعيلاً بمعنى فاعل قد يجري مجرى فعيل بمعنى مفعول فيستوي فيه الأمران. وللإمام في تقريب الجنة أوجه. منها طي المسافة التي بينها وبين المتقين مع بقاء كل في مكانه وعدم انتقاله عنه ولكرامة المتقين قيل: {أُزْلِفَتْ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} دون وأزلف المتقون للجنة، ومنها أن المراد تقريب حصولها والدخول فيها دون التقريب المكاني، وفيه ما فيه، ومنها أن التقريب على ظاهره والله عز وجل قادر على نقل الجنة من السماء إلى الأرض أي إلى جهة السفل أو الأرض المعروفة بعد مدها، وقول بعض: إن المراد إظهارها قريبة منها على نحو إظهارها للنبـي صلى الله عليه وسلم في عرض حائط مسجده الشريف على ما فيه منزع صوفي.
ابن عاشور
تفسير : عطف {وأزلفت} على {يقول لجهنم}. فالتقدير: يوم أزلفت الجنة للمتقين وهو رجوع إلى مقابل حالةِ الضالّين يومَ يُنفخ في الصور، فهذه الجملة متصلة في المعنى بجملة {أية : وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد}تفسير : [ق: 21] ولو اعتبرت معطوفة عليها لصح ذلك إلا أن عطفها على جملة {أية : يوم يقول لجهنم هل امتلات}تفسير : [ق: 30] غنية عن ذلك ولا سيما مع طول الكلام. والإزلاف: التقريب مشتق من الزَلَف بالتحريك وهو القربة، وقياس فعله أنه كفَرِح كما دل عليه المصدر ولم يُرو في كلامهم، أي جعلت الجنة قريباً من المتقين، أي ادْنُوا منها. والجنة موجودة من قبل وُرود المتَّقين إليها فإزلافها قد يكون بحشرهم للحساب بمقربة منها كرامة لهم عن كلفة المسير إليها، وقد يكون عبارة عن تيسير وصولهم إليها بوسائل غير معروفة في عادة أهل الدنيا. وقوله: {غير بعيد} يرجح الاحتمال الأول، أي غير بعيد منهم وإلاّ صار تأكيداً لفظياً لــ {أُزلفت} كما يقال: عاجل غير آجل، وقوله: {أية : وأضل فرعون قومه وما هدى}تفسير : [طه: 79] والتأسيس أرجح من احتمال التأكيد. وانتصب {غير بعيد} على الظرفية باعتبار أنه وصف لظرف مكان محذوف. والتقدير: مكاناً غير بعيد، أي عن المتقين. وهذا الظرف حال من {الجنة}. وتجريد {بعيد} من علامة التأنيث: إما على اعتبار {غير بعيد} وصفاً لمكانٍ، وإمّا جَريٌ على الاستعمال الغالب في وصف (بَعيد وقريب) إذا أريد البعد والقرب بالجهة دون النسب أن يُجرَّدَا من علامة التأنيث كما قاله الفرّاء أو لأن تأنيث اسم الجنة غير حقيقي كما قال الزجاج، وإما لأنه جاء على زنة المصدر مثل الزئير والصَّليل، كما قال الزمخشري، ومثله قوله تعالى: {أية : إن رحمة الله قريب من المحسنين}تفسير : [الأعراف: 56]. وجملة {هذا ما توعدون} معترضة، فلك أن تجعلها وحدها معترضة وما بعدها متصلاً بما قبلها فتكون معترضة بين البدل والمبدل منه وهما {للمتقين} و{لكل أواب}، وتجعل {لكل أواب} بدلاً من {للمتقين}، وتكرير الحرف الذي جُرّ به المبدَل منه لقصد التأكيد كقوله تعالى: {أية : قال الذين استكبروا للذين استضعفوا}تفسير : [سبأ: 32] لمن آمن منهم الآية وقوله: {أية : ولأبَوَيْه لكلّ واحد منهما السدس}تفسير : [النساء: 11]. واسم الإشارة المذكر مراعى فيه مجموع ما هو مشاهد عندهم من الخيرات. والأوّاب: الكثير الأوب، أي الرجوع إلى الله، أي إلى امتثال أمره ونهيه. والحفيظ: الكثير الحفظ لوصايا الله وحدوده. والمعنى: أنه محافظ على الطاعة فإذا صدرت منه فلتة أعقبها بالتوبة. و {من خشي الرحمٰن بالغيب} بدل من {كل أوّاب}. والخشية: الخوف. وأطلقت الخشية على أثرها وهو الطاعة. والباء في {بالغيب} بمعنى (في) الظرفية لتنزيل الحال منزلة المكان، أي الحالة الغائبة وهي حالة عدم اطِّلاع أحد عليه، فإن الخشية في تلك الحالة تدل على صدق الطاعة لله بحيث لا يرجو ثناء أحد ولا عقاب أحد فيتعلق المجرور بالتاء بفعل {خشي}. ولك أن تبقي الباء على بعض معانيها الغالبة وهي الملابسة ونحوها ويكون {الغيب} مصدراً والمجرور حالاً من ضمير {خشي}. ومعنى {وجاء بقلب منيب} أنه حضر يوم الحشر مصاحباً قلبَه المنيب إلى الله، أي مات موصوفاً بالإنابة ولم يُبطل عمله الصالح في آخر عمره، وهذا كقوله حكاية عن إبراهيم {أية : يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم}تفسير : [الشعراء: 88، 89]. وإيثار اسمه {الرحمٰن} في قوله: {من خشي الرحمٰن} دون اسم الجلالة للإشارة إلى أن هذا المتقي يخشى الله وهو يعلم أنه رحمٰن، ولقصد التعريض بالمشركين الذين أنكروا اسمه الرحمٰن {أية : وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمٰن قالوا وما الرحمٰن}تفسير : [الفرقان: 60]. والمعنى على الذين خَشُوا: خشي صاحب هذا الاسم، فأنتم لا حَظَّ لكم في الجنة لأنكم تنكرون أن الله رحمان بَلْهَ أن تخْشَوْه. ووصفُ قلب بــ {مُّنِيب} على طريقة المجاز العقلي لأن القلب سبب الإنابة لأنه الباعث عليها. وجملة {ادخلوها بسلام} من تمام مقول القول المحذوف. وهذا الإذن من كمال إكرام الضيف أنه إن دُعِي إلى الوليمة أو جيء به فإنه إذا بلغ المنزل قيل له: ادخل بسَلام. والباء في {بسلام} للملابسة. والسلام: السلامة من كل أذى من تعب أو نصب، وهو دعاء. ويجوز أن يراد به أيضاً تسليم الملائكة عليهم حين دخولهم الجنة مثل قوله: {أية : سلام قولاً من رب رحيم}تفسير : [يس: 58]. ومحل هذه الجملة من التي قبلها الاستئناف البياني لأن ما قبلها يثير ترقب المخاطبين للإذن بإنجاز ما وعدوا به. وجملة {ذلك يوم الخلود} يجوز أن تكون مما يقال للمتقين على حد قوله: {أية : فادخلوها خالدين}تفسير : [الزمر: 73]، والإشارة إلى اليوم الذي هم فيه. وكان اسم الإشارة للبعيد للتعظيم. ويجوز أن تكون الإشارة إلى اليوم المذكور في قوله: {أية : يوم نقول لجهنم هل امتلات}تفسير : [ق: 30] فإنه بعد أن ذكر ما يلاقيه أهل جهنم وأهل الجنة أعقبه بقوله: {ذلك يوم الخلود} ترهيباً وترغيباً، وعلى هذا الوجه الثاني تكون هذه الجملة معترضة اعتراضاً موجهاً إلى المتقين يوم القيامة أو إلى السامعين في الدنيا. وعلى كلا الوجهين فإضافة {يوم} إلى {الخلود} باعتبار أن أول أيام الخلود هي أيام ذات مقادير غير معتادة، أو باعتبار استعمال {يوم} بمعنى مطلق الزمان. وبين كلمة {ادخلوها} وكلمة {الخلود} الجناس المقلوب الناقص، ثم إن جملة {لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد} يجوز أن تكون من بقية ما يقال للمتقين ابتداء من قوله: {هذا ما توعدون لكل أوّاب حفيظ} فيكون ضمير الغيبة التفاتاً وأصله: لكم ما تشاؤون. ويجوز أن تكون مما خوطب به الفريقان في الدنيا وعلى الاحتمالين فهي مستأنفة استئنافاً بيانياً. و {لدينا مزيد}، أي زيادة على ما يشاؤون مما لم يخطرُ ببالهم، وذلك زيادة في كرامتهم عند الله ووردت آثار متفاوتة القوة أن من المزيد مفاجأتهم بخيرات، وفيها دلالة على أن المفاجأة بالإنعام ضرب من التلطف والإكرام، وأيضاً فإن الأنعام يجيئهم في صور معجبة. والقول في {مزيد} هنا كالقول في نظيره السابق آنفاً. وجاء ترتيب الآيات في منتهى الدقة فبدأت بذكر إكرامهم بقوله: {وأزلفت الجنة للمتقين}، ثم بذكر أن الجنة جزاؤهم الذي وعدوا به فهي حق لهم، ثم أوْمَأت إلى أن ذلك لأجل أعمالهم بقوله: {لكل أوّاب حفيظ مَن خشي الرحمٰن} الخ، ثم ذكرت المبالغة في إكرامهم بعد ذلك كله بقوله: {ادخلوها بسلام}، ثم طمْأنهم بأن ذلك نعيم خالد، وزِيد في إكرامهم بأن لهم ما يشاؤون ما لم يروه حين الدخول، وبأن الله عدهم بالمزيد من لدنه.
الشنقيطي
تفسير : قوله: أزلفت أي قربت. وقوله غير بعيد: فيه معنى التوكيد لقوله: أزلفت سواء أعربت غير بعيد بأنها حال أو ظرف، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من إزلاف الجنة للمتقين جاء في مواضع أخر من كتاب الله كقوله تعالى:{أية : وَإِذَا ٱلْجَحِيمُ سُعِّرَتْ وَإِذَا ٱلْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ}تفسير : [التكوير: 12-13]. وقوله تعالى:{أية : وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ}تفسير : [الشعراء: 90-91]. قال البغوي رحمه الله في تفسير هذه الآية: غير بعيد ينظرون إليها قبل أن يدخلوها.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وأزلفت الجنة للمتقين: أي قرّبت الجنة للمتقين الذين اتقوا الشرك والمعاصي. غير بعيد: أي مكانا غير بعيد منهم بحيث يرونها. لكل أواب حفيظ: أي رجاع إلى طاعة الله كلما ترك طاعة عاد إليها حافظ لحدود الله. من خشي الرحمن بالغيب: أي خاف الله تعالى فلم يعصه وإن عصاه تاب إليه وهو لم يره. وجاء بقلب منيب: أي مقبل على طاعته تعالى. أدخلوها بسلام: أي ويقال لهم وهم المتقون أدخلوها أي الجنة بسلام أي مع سلام وحال كونكم سالمين من كل مخوف. ولدينا مزيد: أي مزيد من الانعام والتكريم في الجنة وهو النظر إلى وجه الله الكريم. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير البعث والجزاء بذكر بعض مظاهره قال تعالى بعد ما ذكر ما لأهل النار من عذاب {وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ} أي أدنيت وقربت {لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ} وهم الذين اتقوا الله تعالى بترك الشرك والمعاصي فلا تركوا فريضة ولا غشوا كبيرة. وقوله تعالى هذا ما توعدون أي يقال لهم هذا ما توعدون أي من النعيم المقيم، لكل أواب حفيظ أي رجاع إلى طاعة الله تعالى حفيظ أي حافظ لحدود الله. حفيظ أيضا لذنوبه لا ينساها كلما ذكرها استغفر الله تعالى منها. وقوله من خشي الرحمن بالغيب هذا بيان للأواب الحفيظ وهو من خاف الرحمن تعالى بالغيب أي وهو غائب عنه لا يراه ولم يعصه بترك واجب ولا بفعل حرام، وقوله وجاء بقلب منيب أي إلى ربه أي مقبل على طاعته بذكر الله فلا ينساه ويطيعه فلا يعصيه، وقوله تعالى ادخلوها أي يقال لهم أي للمتقين ادخلوها أي الجنة بسلام أي مسلما عليكم وسالمين من كل مخوف كالموت والمرض والألم والحزن وذلك يوم الخلود أي في الجنة وفي النار فأهل الجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون فيها وقوله لهم ما يشاءون فيها أي لأهل الجنة ما يشاءون أي ما تشتهيه أنفسهم وتلذه أعينهم وقوله ولدينا مزيد أي وعندنا لكم مزيد من النعيم وهو النظر إلى وجهه الكريم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- فضل التقوى وكرامة المتقين على ربّ العالمين. 2- فضل الأواب الحفيظ وهو الذي كلما ذكر ذنبه استغفر ربّه. 3- بيان أكبر نعيم في الجنة وهو رضا الله والنظر إلى وجهه الكريم.
د. أسعد حومد
تفسير : (31) - وَأُدنِيَتِ الجَنَّةُ مِنَ المُتَّقِين، الذِين آمَنُوا بِرَبِّهِم وَخَافُوهُ، وَاجْتَنَبُوا مَعَاصِيَه، حَتَّى أصْبَحَتْ على مَرآى العَينِ مِنْهُم، وَذَلِكَ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُهم، وَهُمْ يَرَوْنَ فيها مَا أُعِدَّ لَهُمْ مِنْ نَعِيمٍ لا نَفَاذَ لَهُ. أُزْلِفَتْ - قُرِّبَتْ وَأدنِيَتْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن تحدثت الآيات عن جهنم والعياذ بالله تذكر هنا المقابل وهو الجنة {وَأُزْلِفَتِ ..} [ق: 31] أي: قُرِّبت من المتقين، لأنهم بشَّروا بها في الدنيا، وبأن الله تعالى لا يخلف الميعاد. أما الآن ونحن في موقف الآخرة فهي تقرب منهم {غَيْرَ بَعِيدٍ} [ق: 31] أي: أزلفتْ منهم إزلافاً غير بعيد.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} معناه قَربَتْ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):