Verse. 4666 (AR)

٥٠ - ق

50 - Qaf (AR)

وَكَمْ اَہْلَكْنَا قَبْلَہُمْ مِّنْ قَرْنٍ ہُمْ اَشَدُّ مِنْہُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوْا فِي الْبِلَادِ۝۰ۭ ہَلْ مِنْ مَّحِيْصٍ۝۳۶
Wakam ahlakna qablahum min qarnin hum ashaddu minhum batshan fanaqqaboo fee albiladi hal min maheesin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وكم أهلكنا قبلهم من قرن» أي أهلكنا قبل كفار قريش قرونا كثيرة من الكفار «هم أشد منهم بطشا» قوة «فنقبوا» فتشوا «في البلاد هل من محيص» لهم أو لغيرهم من الموت فلم يجدوا.

36

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً }. لما أنذرهم بما بين أيديهم من اليوم العظيم والعذاب الأليم، أنذرهم بما يعجل لهم من العذاب المهلك والإهلاك المدرك، وبين لهم حال من تقدمهم، وقد تقدم تفسيره في مواضع، والذي يختص بهذا الموضع أمور. أحدها: إذا كان ذلك للجمع بين الإنذار بالعذاب العاجل والعقاب الآجل، فلم توسطهما قوله تعالى: {أية : وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ } تفسير : إلى قوله: {أية : وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } تفسير : [قۤ: 31 ـ 35] نقول ليكون ذلك دعاء بالخوف والطمع، فذكر حال الكفور المعاند، وحال الشكور العابد في الآخرة ترهيباً وترغيباً، ثم قال تعالى: إن كنتم في شك من العذاب الأبدي الدائم، فما أنتم في ريب من العذاب العاجل المهلك الذي أهلك أمثالكم، فإن قيل: فلم لم يجمع بين الترهيب والترغيب في العاجلة، كما جمع بينهما في الآجلة، ولم يذكر حال من أسلم من قبل وأنعم عليه، كما ذكر حال من أشرك به فأهلكه نقول لأن النعمة كانت قد وصلت إليهم، وكانوا متقلبين في النعم، فلم يذكرهم به، وإنما كانوا غافلين عن الهلاك فأنذرهم به، وأما في الآخرة، فكانوا غافلين عن الأمرين جميعاً، فأخبرهم بهما. الثاني: قوله تعالى: {فَنَقَّبُواْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ }. في معناه وجوه. أحدها: هو ما قاله تعالى في حق ثمود: {أية : ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ } تفسير : [الفجر: 9] من قوتهم خرق الطرق ونقبوها، وقطعوا الصخور وثقبوها. ثانيها: نقبوا، أي ساروا في الأسفار ولم يجدوا ملجأً ومهرباً، وعلى هذا يحتمل أن يكون المراد أهل مكة، أي هم ساروا في الأسفار، ورأوا ما فيها من الآثار. ثالثها: {فَنَقَّبُواْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ } أي صاروا نقباء في الأرض أراد ما أفادهم بطشهم وقوتهم، ويدل على هذا الفاء، لأنها تصير حينئذ مفيدة ترتب الأمر على مقتضاه، تقول كان زيد أقوى من عمرو فغلبه، وكان عمرو مريضاً فغلبه زيد، كذلك ههنا قال تعالى: {هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً } فصاروا نقباء في الأرض، وقرىء: {فَنَقَّبُواْ } بالتشديد، وهو أيضاً يدل على ما ذكرنا في الوجه الثالث، لأن التنقيب البحث، وهو من نقب بمعنى صار نقيباً. الثالث: قوله تعالى: {هَلْ مِن مَّحِيصٍ }. يحتمل وجوهاً ثلاثة. الأول: على قراءة من قرأ بالتشديد يحتمل أن يقال هو مفعول، أي بحثوا عن المحيص {هَلْ مِن مَّحِيصٍ }. الثاني: على القراءات جميعاً استفهام بمعنى الإنكار أي لم يكن لهم محيص. الثالث: هو كلام مستأنف كأنه تعالى يقول لقوم محمد صلى الله عليه وسلم هم أهلكوا مع قوة بطشهم فهل من محيص لكم تعتمدون عليه والمحيص كالمحيد غير أن المحيص معدل ومهرب عن الشدة، يدلك عليه قولهم وقعوا في حيص بيص أي في شدة وضيق، والمحيد معدل وإن كان لهم بالاختيار يقال حاد عن الطريق نظراً، ولا يقال حاص عن الأمر نظراً.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ} أي كم أهلكنا يا محمد قبل قومك من أمة هم أشدّ منهم بطشاً وقوّة. {فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ} أي ساروا فيها طلباً للمهرب. وقيل: أثّرُوا في البلاد؛ قاله ٱبن عباس. وقال مجاهد: ضربوا وطافوا. وقال النضر بن شميل: دَوَّروا.. وقال قتادة: طَوَّفوا. وقال المؤرِّج تباعدوا؛ ومنه قول ٱمرىء القيس:شعر : وقد نَقَّبْتُ في الآفاق حَتَّى رَضِيتُ من الغنيمةِ بالإيابِ تفسير : ثم قيل: طافوا في أقاصي البلاد طلباً للتجارات، وهل وجدوا من الموت محيصاً؟ وقيل: طوّفوا في البلاد يلتمسون مَحيصاً من الموت. وقال الحرث بن حِلَّزة:شعر : نَقَّبُوا في البلادِ من حَذَرِ المو تِ وجَالُوا في الأرضِ كُلَّ مَجَالِ تفسير : وقرأ الحسن وأبو العالية «فَنَقَبُوا» بفتح القاف وتخفيفها. والنقب هو الخرق والدخول في الشيء. وقيل: النقب الطريق في الجبل، وكذلك الْمَنْقَب والْمَنْقَبَة؛ عن ٱبن السكيت. ونَقَب الجدار نَقْباً، وٱسم تلك النَّقْبة نَقْب أيضاً، وجمع النَّقْب النُّقُوب؛ أي خرقوا البلاد وساروا في نقوبها. وقيل: أَثَّرُوا فيها كتأثير الحديد فيما ينقب. وقرأ السُّلَمي ويحيـى بن يَعْمَر «فَنَقِّبُوا» بكسر القاف والتشديد على الأمر بالتهديد والوعيد؛ أي طَوِّفوا البلاد وسيروا فيها فٱنظروا {هَلْ مِن}الموت {مَّحِيصٍ} ومهرب؛ ذكره الثعلبي. وحكى القشيريّ «فَنَقِبُوا» بكسر القاف مع التخفيف؛ أي أكثروا السير فيها حتى نَقِبت دوابُّهم. الجوهري: ونَقِب البعيرُ بالكسر إذا رَقّت أخفافُه، وأنقب الرجلُ إذا نَقِب بعيرُه، ونَقِب الخفُّ الملبوس أي تخرّق. والمحِيص مصدر حاص عنه يَحِيص حَيْصاً وحُيوصاً ومَحِيصاً ومَحاصاً وحَيَصاناً؛ أي عَدلَ وحادَ. يقال: ما عنه مَحِيص أي مَحِيد ومَهْرَب. والانحياص مثله؛ يقال للأولياء: حاصوا عن العدوّ وللأعداء ٱنهزموا. قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ} أي فيما ذكرناه في هذه السورة تذكرة وموعظة {لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} أي عقل يتدبر به؛ فكنى بالقلب عن العقل لأنه موضعه؛ قال معناه مجاهد وغيره. وقيل: لمن كان له حياة ونفس مميزة، فعبر عن النفس الحية بالقلب؛ لأنه وطنها ومعدن حياتها؛ كما قال ٱمرؤ القيس:شعر : أَغَرَّكِ منِّي أَنَّ حُبَّكِ قاتِلي وَأَنَّكِ مَهْمَا تَأْمُرِي الْقَلْبَ يَفْعَلِ تفسير : وفي التنزيل: {أية : لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً}تفسير : [يس: 70]. وقال يحيـى بن معاذ: القلب قلبان؛ قلب محتشٍ بأشغال الدنيا حتى إذا حضر أمر من الأمور الآخرة لم يدر ما يصنع، وقلب قد ٱحتشى بأهوال الآخرة حتى إذا حضر أمر من أمور الدنيا لم يدر ما يصنع لذهاب قلبه في الآخرة. {أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ} أي ٱستمع القرآن. تقول العرب: ألق إليّ سمعك أي ٱستمع. وقد مضى في «طه» كيفية الاستماع وثمرته. {وَهُوَ شَهِيدٌ} أي شاهد القلب؛ قال الزجاج: أي قلبه حاضر فيما يسمع. وقال سفيان: أي لا يكون حاضراً وقلبه غائب. ثم قيل: الآية لأهل الكتاب؛ قاله مجاهد وقتادة. وقال الحسن: إنها في اليهود والنصارى خاصة. وقال محمد بن كعب وأبو صالح: إنها في أهل القرآن خاصة. قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} تقدّم في «الأعراف» وغيرها. واللغوب التعب والإعياء، تقول منه: لَغَب يَلْغُب بالضم لُغُوباً، ولَغِب بالكسر يَلْغَب لُغُوباً لغة ضعيفة فيه. وألغبته أنا أي أنصبته. قال قتادة والكلبي: هذه الآية نزلت في يهود المدينة؛ زعموا أن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام، أوّلها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة، وٱستراح يوم السبت؛ فجعلوه راحة، فأكذبهم الله تعالى في ذلك.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: وكم أهلكنا قبل هؤلاء المكذبين {مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً} أي كانوا أكثر منهم وأشد قوة، وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها، ولهذا قال تعالى ههنا: {فَنَقَّبُواْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ}؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما: أثروا فيها. وقال مجاهد: {فَنَقَّبُواْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ} ضربوا في الأرض. وقال قتادة: فساروا في البلاد، أي ساروا فيها يبتغون الأرزاق والمتاجر والمكاسب أكثر مما طفتم بها، ويقال لمن طوف في البلاد: نقب فيها، قال امرؤ القيس:شعر : لَقَدْ نَقَّبْتُ في الآفاقِ حَتَّى رَضِيْتُ منَ الغَنيمَةِ بالإيابِ تفسير : وقوله تعالى: {هَلْ مِن مَّحِيصٍ} أي هل من مفر كان لهم من قضاء الله وقدره؟ وهل نفعهم ما جمعوه ورد عنهم عذاب الله إذ جاءهم لما كذبوا الرسل؟ فأنتم أيضاً لا مفر لكم ولا محيد ولا مناص ولا محيص. وقوله عز وجل: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ} أي لعبرة {لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} أي لب يعي به. وقال مجاهد: عقل {أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} أي استمع الكلام فوعاه وتعقله بعقله، وتفهمه بلبه، وقال مجاهد: {أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ} يعني: لا يحدث نفسه في هذا بقلب، وقال الضحاك: العرب تقول: ألقى فلان سمعه إذا استمع بأذنيه، وهو شاهد بقلب غير غائب، وهكذا قال الثوري وغير واحد. وقوله سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} فيه تقرير للمعاد؛ لأن من قدر على خلق السموات والأرض، ولم يعي بخلقهن، قادر على أن يحيي الموتى بطريق الأولى والأحرى، وقال قتادة: قالت اليهود: ــــ عليهم لعائن الله ــــ خلق الله السموات والأرض في ستة أيام، ثم استراح في اليوم السابع، وهو يوم السبت، وهم يسمونه يوم الراحة، فأنزل الله تعالى تكذيبهم فيما قالوه وتأولوه {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} أي من إعياء ولا تعب ولا نصب، كما قال تبارك وتعالى في الآية الأخرى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [الأحقاف: 33] وكما قال عز وجل: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [غافر: 57] وقال تعالى: {أية : أَءَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَـٰهَا} تفسير : [النازعات: 27]. وقوله عز وجل: {فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} يعني: المكذبين، اصبر عليهم، واهجرهم هجراً جميلاً {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ} وكانت الصلاة المفروضة قبل الإسراء ثنتين: قبل طلوع الشمس في وقت الفجر، وقبل الغروب في وقت العصر، وقيام الليل كان واجباً على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أمته حولاً، ثم نسخ في حق الأمة وجوبه، ثم بعد ذلك نسخ الله تعالى ذلك كله ليلة الإسراء بخمس صلوات، ولكن منهن صلاة الصبح والعصر، فهما قبل طلوع الشمس وقبل الغروب. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: «حديث : أما إنكم ستعرضون على ربكم، فترونه كما ترون هذا القمر، لا تضامون فيه، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، فافعلوا» تفسير : ثم قرأ: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ} ورواه البخاري ومسلم وبقية الجماعة من حديث إسماعيل به. وقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْهُ} أي فصل له؛ كقوله: {أية : وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا}تفسير : [الإسراء: 79] {وَأَدْبَـٰرَ ٱلسُّجُودِ} قال ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما: هو التسبيح بعد الصلاة. ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: جاء فقراء المهاجرين فقالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : وما ذاك؟» تفسير : قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق. قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أفلا أعلمكم شيئاً إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من فعل مثل ما فعلتم؟ تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين» تفسير : قال: فقالوا: يا رسول الله سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله، فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» تفسير : والقول الثاني: أن المراد بقوله تعالى: {وَأَدْبَـٰرَ ٱلسُّجُودِ} هما الركعتان بعد المغرب، وروي ذلك عن عمر وعلي وابنه الحسن وابن عباس وأبي هريرة وأبي أمامة رضي الله عنهم، وبه يقول مجاهد وعكرمة والشعبي والنخعي والحسن وقتادة وغيرهم. قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وعبد الرحمن عن سفيان عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على أثر كل صلاة مكتوبة ركعتين، إلا الفجر والعصر، وقال عبد الرحمن: دبر كل صلاة. ورواه أبو داود والنسائي من حديث سفيان الثوري به، زاد النسائي ومطرف عن أبي إسحاق به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا ابن فضيل عن رشدين بن كريب عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بت ليلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ركعتين خفيفتين اللتين قبل الفجر، ثم خرج إلى الصلاة، فقال: «حديث : يا ابن عباس ركعتين قبل صلاة الفجر إدبار النجوم، وركعتين بعد المغرب إدبار السجود» تفسير : ورواه الترمذي عن أبي هشام الرفاعي عن محمد بن فضيل به. وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وحديث ابن عباس رضي الله عنهما، وأنه بات في بيت خالته ميمونة رضي الله عنها، وصلى تلك الليلة مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة ركعة، ثابت في الصحيحين وغيرهما. فأما هذه الزيادة، فغريبة لا تعرف إلا من هذا الوجه، ورشدين بن كريب ضعيف، ولعله من كلام ابن عباس رضي الله عنهما موقوفاً عليه، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ } أي أهلكنا قبل كفار قريش قروناً كثيرة من الكفار و{هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً } قوّة {فَنَقَّبُواْ } فتشوا {فِى ٱلْبِلَٰدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ } لهم أو لغيرهم من الموت؟ فلم يجدوا.

الشوكاني

تفسير : خوّف سبحانه أهل مكة بما اتفق للقرون الماضية {قَبْلَهُمْ } أي: قبل قريش ومن وافقهم {مّن قَرْنٍ } أي: من أمة {هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً } أي: قوة، كعاد وثمود، وغيرهما {فَنَقَّبُواْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ } أي: ساروا وتقلبوا فيها وطافوا بقاعها وأصله من النقب، وهو الطريق. قال مجاهد: ضربوا وطافوا. وقال النضر بن شميل: دوّروا، وقال المؤرج: تباعدوا. والأوّل أولى، ومنه قول امرىء القيس:شعر : وقد نقبت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإيـاب تفسير : ومنه قول الحارث بن حلزة: شعر : نقبوا في البلاد من حذر المو ت وجالوا في الأرض كل مجال تفسير : وقرأ ابن عباس، والحسن، وأبو العالية، وأبو عمرو في رواية: (نقبوا) بفتح القاف مخففة، والنقب هو: الخرق والطريق في الجبل، وكذا المنقب والمنقبة، كذا قال ابن السكيت، وجمع النقب نقوب. وقرأ السلمي، ويحيـى بن يعمر بكسر القاف مشدّدة على الأمر للتهديد، أي: طوّفوا فيها وسيروا في جوانبها. وقرأ الباقون بفتح القاف مشدّدة على الماضي {هَلْ مِن مَّحِيصٍ } أي: هل لهم من مهرب يهربون إليه، أو مخلص يتخلصون به من العذاب؟ قال الزجاج: لم يروا محيصاً من الموت، والمحيص: مصدر حاص عنه يحيص حيصاً وحيوصاً ومحيصاً ومحاصاً وحيصاناً، أي: عدل وحاد، والجملة مستأنفة لبيان أنه لا مهرب لهم، وفي هذا إنذار لأهل مكة أنهم مثل من قبلهم من القرون لا يجدون من الموت والعذاب مفرًّا {إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ } أي: فيما ذكر من قصتهم تذكرة وموعظة {لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ } أي: عقل. قال الفراء: وهذا جائز في العربية، تقول: ما لك قلب وما قلبك معك، أي: ما لك عقل وما عقلك معك، وقيل: المراد: القلب نفسه؛ لأنه إذا كان سليماً أدرك الحقائق وتفكر كما ينبغي. وقيل: لمن كان له حياة ونفس مميزة فعبر عن ذلك بالقلب؛ لأنه وطنها ومعدن حياتها، ومنه قول امرىء القيس:شعر : أغرّك مني أن حبك قاتلي وأنك مهما تأمري النفس تفعل تفسير : {أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ } أي: استمع ما يقال له، يقال: ألق سمعك إليّ، أي: استمع مني، والمعنى: أنه ألقى السمع إلى ما يتلى عليه من الوحي الحاكي لما جرى على تلك الأمم. قرأ الجمهور {ألقى} مبنياً للفاعل. وقرأ السلمي، وطلحة، والسديّ على البناء للمفعول، ورفع "السمع" {وَهُوَ شَهِيدٌ } أي: حاضر الفهم، أو حاضر القلب؛ لأن من لا يفهم في حكم الغائب وإن حضر بجسمه، فهو لم يحضر بفهمه. قال الزجاج: أي: وقلبه حاضر فيما يسمع. قال سفيان: أي: لا يكون حاضراً وقلبه غائب. قال مجاهد، وقتادة: هذه الآية في أهل الكتاب، وكذا قال الحسن. وقال محمد بن كعب، وأبو صالح: إنها في أهل القرآن خاصة. {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ } قد تقدّم تفسير هذه الآية في سورة الأعراف، وغيرها. {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} اللغوب: التعب والإعياء، تقول: لغب يلغب بالضم لغوباً. قال الواحدي: قال جماعة المفسرين: إن اليهود قالوا: خلق الله السمٰوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، أوّلها الأحد وآخرها الجمعة، واستراح يوم السبت، فأكذبهم الله تعالى بقوله: {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ}. {فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ } هذه تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وأمر لهم بالصبر على ما يقوله المشركون، أي: هوّن عليك، ولا تحزن لقولهم، وتلقّ ما يرد عليك منه بالصبر {وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ } أي: نزّه الله عما لا يليق بجنابه العالي ملتبساً بحمده وقت الفجر ووقت العصر، وقيل: المراد: صلاة الفجر وصلاة العصر، وقيل: الصلوات الخمس، وقيل: صلّ ركعتين قبل طلوع الشمس، وركعتين قبل غروبها، والأوّل أولى. {وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَسَبّحْهُ} "من" للتبعيض، أي: سبّحه بعض الليل، وقيل: هي صلاة الليل، وقيل: ركعتا الفجر، وقيل: صلاة العشاء، والأوّل أولى {وَأَدْبَـٰرَ ٱلسُّجُودِ } أي: وسبّحه أعقاب الصلوات. قرأ الجمهور أدبار بفتح الهمزة جمع دبر. وقرأ نافع، وابن كثير، وحمزة بكسرها على المصدر، من أدبر الشيء إدباراً: إذا ولى، وقال جماعة من الصحابة والتابعين: إدبار السجود: الركعتان بعد المغرب، وإدبار النجوم: الركعتان قبل الفجر، وقد اتفق القراء السبعة في {أية : إدبار النجوم} تفسير : [الطور: 49] أنه بكسر الهمزة، كما سيأتي. {وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } أي: استمع ما يوحى إليك من أحوال القيامة: يوم ينادي المناد، وهو إسرافيل، أو جبريل، وقيل: استمع النداء، أو الصوت، أو الصيحة، وهي صيحة القيامة، أعني: النفخة الثانية في الصور من إسرافيل، وقيل: إسرافيل ينفخ، وجبريل ينادي أهل المحشر، ويقول: هلموا للحساب، فالنداء على هذا في المحشر، قال مقاتل: هو إسرافيل ينادي بالحشر فيقول: يا أيها الناس هلموا للحساب {مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } بحيث يصل النداء إلى كل فرد من أفراد أهل المحشر. قال قتادة: كنا نحدّث أنه ينادي من صخرة بيت المقدس. قال الكلبي: وهي أقرب الأرض إلى السماء باثني عشر ميلاً، وقال كعب: بثمانية عشر ميلاً {يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقّ } هو بدل من {يوم يناد} يعني: صيحة البعث، و{بالحق} متعلق بالصيحة {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ } أي: يوم الخروج من القبور. قال الكلبي: معنى {بالحق} بالبعث. وقال مقاتل: يعني: أنها كائنة حقاً. {إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ وَنُمِيتُ } أي: نحيـي في الآخرة، ونميت في الدنيا لا يشاركنا في ذلك مشارك، والجملة مستأنفة لتقرير أمر البعث {وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ }، فنجازي كل عامل بعمله {يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلأرْضُ عَنْهُمْ } قرأ الجمهور بإدغام التاء في الشين، وقرأ الكوفيون بتخفيف الشين على حذف إحدى التاءين تخفيفاً. وقرأ زيد بن علي: (تتشقق) بإثبات التاءين على الأصل، وقرىء على البناء للمفعول، وانتصاب {سِرَاعاً } على أنه حال من الضمير في عنهم، والعامل في الحال تشقق، وقيل: العامل في الحال هو العامل في {يوم} أي: مسرعين إلى المنادي الذي ناداهم {ذَلِكَ حَشْرٌ } أي: بعث وجمع {عَلَيْنَا يَسِيرٌ } هين. ثم عزّى الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ } يعني: من تكذيبك فيما جئت به، ومن إنكار البعث والتوحيد {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ } أي: بمسلط يجبرهم ويقهرهم على الإيمان، والآية منسوخة بآية السيف {فَذَكّرْ بِٱلْقُرْءانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ } أي: من يخاف وعيدي لعصاتي بالعذاب، وأما من عداهم فلا تشتغل بهم، ثم أمره الله سبحانه بعد ذلك بالقتال. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس: {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ } قال: من نصب. وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن عساكر عن جرير بن عبد الله، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ }: «صلاة الصبح »{وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ }« صلاة العصر». وأخرج الترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس قال: بت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر، ثم خرج إلى الصلاة، فقال:« حديث : يا ابن عباس ركعتان قبل صلاة الفجر إدبار النجوم، وركعتان بعد المغرب إدبار السجود»تفسير : . وأخرج مسدّد في مسنده، وابن المنذر، وابن مردويه، عن عليّ بن أبي طالب قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إدبار النجوم، وإدبار السجود، فقال:«حديث : إدبار السجود: ركعتان بعد المغرب، وإدبار النجوم: الركعتان قبل الغداة»تفسير : . وأخرج محمد بن نصر في الصلاة، وابن المنذر عن عمر بن الخطاب: إدبار السجود: ركعتان بعد المغرب، وإدبار النجوم: ركعتان قبل الفجر. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن نصر، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في الأسماء والصفات عن عليّ بن أبي طالب مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن نصر، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن أبي هريرة مثله. وأخرج البخاري، وغيره عن مجاهد قال: قال ابن عباس: أمره أن يسبح في أدبار الصلوات كلها. وأخرج ابن جرير عنه {وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ } قال: هي الصيحة. وأخرج الواسطي عنه أيضاً {مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } قال: من صخرة بيت المقدس. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن المنذر عنه أيضاً {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ } قال: يوم يخرجون إلى البعث من القبور. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال: قالوا: يا رسول الله لو خوّفتنا، فنزلت: {فَذَكّرْ بِٱلْقُرْءانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {فَنَقَّبُواْ فِي الْبِلاَدِ} فيه أربعة أوجه: احدها: أثروا في البلاد، قاله ابن عباس. الثاني: أنهم ملكوا في البلاد، قاله الحسن. الثالث: ساروا في البلاد وطافوا، قاله قتادة، ومنه قول امرىء القيس: شعر : وقد نقبت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب تفسير : الرابع: أنهم اتخذوا فيها طرقاً ومسالك، قاله ابن جريج. ويحتمل خامساً: أنه اتخاذ الحصون والقلاع. {هَلْ مِن مَّحِيصٍ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هل من منجٍ من الموت، قاله ابن زيد. الثاني: هل من مهرب، قال معمر عن قتادة: حاص أعداء الله فوجدوا أمر الله تعالى لهم مدركاً. الثالث: هل من مانع؟ قال سعيد عن قتادة: حاص الفجرة، فوجدوا أمر الله منيعاً. قوله عز وجل: {إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} فيه وجهان: أحدهما: لمن كان له عقل، قاله مجاهد، لأن القلب محل العقل. الثاني: لمن كانت له حياة ونفس مميزة، فعبر عن النفس الحية بالقلب لأنه وطنها ومعدن حياتها. كما قال امرؤ القيس: شعر : أغرك مني أن حبك قاتلي وأنك مهما تأمري القلب يفعل تفسير : {أوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ألقى السمع فيما غاب عنه بالأخبار، وهو شهيد فيما عاينه بالحضور. الثاني: معناه سمع ما أنزل الله من الكتب وهو شهيد بصحته. الثالث: سمع ما أنذر به من ثواب وعقاب، وهو شهيد على نفسه بما عمل من طاعة أو معصية. وفي الآية ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها في جميع أهل الكتب، قاله قتادة. الثاني: أنها في اليهود والنصارى خاصة، قاله الحسن. الثالث: أنها في أهل القرآن خاصة، قاله محمد بن كعب وأبو صالح. قوله عز وجل: {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} واللغوب التعب والنصب. قال الراجز: شعر : إذا رقى الحادي المطي اللغبا وانتعل الظل فصار جوربا تفسير : قال قتادة والكلبي: نزلت هذه الآية في يهود المدينة، زعموا أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام أولها يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة، واستراح في يوم السبت، ولذلك جعلوه يوم راحة، فأكذبهم الله في ذلك. قوله عز وجل: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أمر فيه بالصبر على ما يقوله المشركون، إما من تكذيب أو وعيد. {وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} الآية. وهذا وإن كان خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم، فهو عام له ولأمته. وفي هذا التسبيح وجهان: أحدهما: أنه تسبيحه بالقول تنزيهاً قبل طلوع الشمس وقبل الغروب،قاله أبو الأحوص. الثاني: أنها الصلاة ومعناه فصلِّ بأمر ربك قبل طلوع الشمس، يعني صلاة الصبح، وقبل الغروب، يعني صلاة العصر، قاله أبو صالح ورواه جرير بن عبد الله مرفوعاً. قوله عز وجل: {وَمِنَ اللَّيلِ فَسَبِّحْهُ} فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه تسبيح الله تعالى قولاً في الليل، قاله أبو الأحوص. الثاني: أنها صلاة الليل، قاله مجاهد. الثالث: أنها ركعتا الفجر، قاله ابن عباس. الرابع: أنها صلاة العشاء الآخرة، قاله ابن زيد. ثم قال {وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه التسبيح في أدبار الصلوات، قاله أبو الأحوص. الثاني: أنها النوافل بعد المفروضات، قاله ابن زيد. الثالث: أنها ركعتان بعد المغرب، قاله علي رضي الله عنه وأبو هريرة. وروى ابن عباس قال: بت ليلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى ركعتين قبل الفجر، ثم خرج إلى الصلاة فقال: "حديث : يا ابن عباس رَكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ أَدْبَارَ النُّجُومِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمِغْرِبِ أَدْبَارَ السُّجُودِ ".

ابن عطية

تفسير : {كم} للتكثير وهي خبرية، المعنى كثيراً {أهلكنا قبلهم}. والقرن: الأمة من الناس الذين يمر عليهم قدر من الزمن. واختلف الناس في ذلك القدر، فقال الجمهور: مائة سنة، وقيل غير هذا، وقد تقدم القول فيه غير مرة. وشدة البطش: هي كثرة القوة والأموال والملك والصحة والأدهان إلى غير ذلك. وقرأ جمهور من الناس: "فنقَّبوا" بشد القاف المفتوحة على إسناد الفعل إلى القرون الماضية، والمعنى: ولجوا البلاد من أنقابها وفي الحديث: "حديث : أن على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال". تفسير : والمراد تطوفوا ومشوا طماعين في النجاة من الهلكة ومنه قول الشاعر [امرؤ القيس]: [الوافر] شعر : وقد نقبت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب تفسير : ومنه قول الحارث بن حلزة: [الخفيف] شعر : نقبوا في البلاد من حذر الموت وجالوا في الأرض كل مجال تفسير : وقرأ ابن يعمر وابن عباس ونصر بن سيار وأبو العالية: "فنقِّبوا" بشد القاف المكسورة على الأمر لهؤلاء الحاضرين. و: {هل من محيص} توقيف وتقرير، أي لا محيص، والمحيص: المعدل موضع الحيص وهو الروغان والحياد، قال قتادة: حاص الكفرة فوجدوا أمر الله منيعاً مدركاً، وفي صدر البخاري فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب. وقال ابن عبد شمس في وصف ناقته: [الوافر] شعر : إذا حاص الدليل رأيت منها جنوحاً للطريق على اتساق تفسير : وقرأ أبو عمرو في رواية عبيد عنه: "فنقَبوا" بفتح القاف وتخفيفها هي بمعنى التشديد، واللفظة أيضاً قد تقال بمعنى البحث والطلب، تقول: نقب عن كذا اي استقصى عنه، ومنه نقيب القوم لأنه الذي يبحث عن أمورهم ويباحث عنها، وهذا عندي تشبيه بالدخول من الأنقاب. وقوله تعالى: {إن في ذلك} يعني إهلاك من مضى، والذكرى: التذكرة، والقلب: عبارة عن العقل إذ هو محله. والمعنى: {لمن كان له قلب} واع ينتفع به. وقال الشبلي معناه: قلب حاضر مع الله لا يغفل عنه طرفة عين. وقوله تعالى: {أو ألقى السمع وهو شهيد} معناه: صرف سمعه إلى هذه الأنباء الواعظة وأثبته في سماعها، فذلك إلقاء له عليها، ومنه قوله تعالى: {أية : وألقيت عليك محبة مني} تفسير : [طه: 39] أي أثبتها عليك، وقال بعض الناس قوله تعالى: {ألقى السمع}، وقوله: {أية : ضربنا على آذانهم} تفسير : [الكهف: 11] وقوله: {أية : سقط في أيديهم} تفسير : [الأعراف: 149] هي كلها مما قل استعمالها الآن وبعدت معانيها. قال القاضي أبو محمد: وقول هذا القائل ضعيف، بل هي بينة المعاني، وقد تقدمت في موضعها. وقوله تعالى: {وهو شهيد} قال بعض المتأولين: معناه: وهو مشاهد مقبل على الأمر غير معرض ولا منكر في غير ما يسمع. وقال قتادة: هي إشارة إلى أهل الكتاب، فكأنه قال: إن هذه العبرة التذكرة لمن له فهم فيتدبر الأمر أو لمن سمعها من أهل الكتاب فيشهد بصحتها لعلمه بها من كتابه التوراة وسائر كتب بني إسرائيل: فـ {شهيد} على التأويل الأول من المشاهدة، وعلى التأويل الثاني من الشهادة. وقرأ السدي: "ألقى السمع" قال ابن جني ألقى السمع منه حكى أبو عمرو الداني أن قراءة السدي ذكرت لعاصم فمقت السدي وقال: أليس الله يقول: {أية : يلقون السمع} تفسير : [الشعراء: 223]. وقوله تعالى: {ولقد خلقنا السماوات والأرض} الآية خبر مضمنه الرد على اليهود الذين قالوا إن الله خلق الأشياء كلها في ستة أيام ثم استراح يوم السبت فنزلت: {وما مسنا من لغوب} واللغوب: الإعياء والنصب والسأم، يقال لغب الرجل يلغب إذا أعيى. وقرأ السلمي وطلحة: "لَغوب" بفتح اللام. وتظاهرت الأحاديث بأن خلق الأشياء كان يوم الأحد وفي كتاب مسلم وفي الدلائل لثابت حديث مضمنه: أن ذلك كان يوم السبت وعلى كل قول فأجمعوا على أن آدم خلق يوم الجمعة. فمن قال إن البداءة يوم السبت جعل خلق آدم كخلق بنيه لا يعد مع الجملة الأولى وجعل اليوم الذي كملت المخلوقات عنده يوم الجمعة. وقوله تعالى: {فاصبر على ما يقولون} قال بعض المفسرين: أراد أهل الكتاب لقولهم، ثم استراح يوم السبت. قال القاضي أبو محمد: وهذه المقالات من أهل الكتاب كانت بمكة قبل الهجرة. وقال النظار من المفسرين قوله تعالى: {فاصبر على ما يقولون} يراد به أهل الكتاب وغيرهم من الكفرة، وعم بذلك جميع الأقوال الزائغة من قريش وغيرهم، وعلى هذا التأويل يجيء قول من قال: الآية منسوخة بآية السيف. {وسبح} معناه: صل بإجماع من المتأولين وقوله: {بحمد ربك} الباء للاقتران أي سبح سبحة يكون معها حمد ومثله "تنبت بالدهن" على بعض الأقوال فيها و: {قبل طلوع الشمس} هي الصبح {وقبل الغروب} هي العصر قاله قتادة وابن زيد والناس، وقال ابن عباس: {قبل الغروب} هي العصر والظهر {ومن الليل} هي صلاة العشاءين وقال ابن زيد هي العشاء فقط. وقال مجاهد: هي صلاة الليل وقوله: {وإدبار السجود} قال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما وأبو هريرة والحسن والشعبي وإبراهيم، ومجاهد والأوزاعي: هي الركعتان بعد المغرب وأسنده الطبري عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم كأنه روعي إدبار صلاة النهار كما روعي إدبار النجوم في صلاة الليل، فقيل هي الركعتان مع الفجر. وروي عن ابن عباس أن {إدبار السجود}: الوتر، حكاه الثعلبي وقال ابن زيد وابن عباس ايضاً ومجاهد: هي النوافل إثر الصلوات وهذا جار مع لفظ الآية، وقال بعض العلماء العارفين: هي صلاة الليل، قال الثعلب: وقال بعض العلماء في قوله: {قبل طلوع الشمس} هي ركعتا الفجر {وقبل الغروب} الركعتان قبل المغرب وقال بعض التابعين: رأيت أصحاب محمد يهبون إليها كما يهبون إلى المكتوبة، وقال قتادة: ما أدركت أحداً يصلي الركعتين قبل المغرب إلا أنساً وأبا برزة. وقرأ ابن كثير ونافع وحمزة وابن عباس وأبو جعفر وشيبة وعيسى وشبل وطلحة والأعمش "وإدبار" بكسر الألف وهي مصدر أضيف إليه وقت، ثم حذف الوقت، كما قالوا: جئتك مقدم الحاج وخفوق النجم ونحوه، وقرأ الباقون والحسن والأعرج، "وأدبار" بفتح الهمزة وهو جمع دبر كطنب وأطناب، أي وفي "أدبار السجود" أي في أعقابه وقال أوس بن حجر: [الطويل] شعر : على دبر الشهر الحرام بأرضنا وما حولها جدب سنون تلمع

ابن عبد السلام

تفسير : {فَنَقَّبُواْ} أثَّروا، أو ملكوا، أو ساروا، أو طَوَّفوا، أو اتخذوا فيها طرقاً ومسالك {مَّحِيصٍ} منجى من الموت، أو مهرب، أو مانع.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا} نصب بما بعده. وقدم إما لأنه استفهام، وإما لأن "كم" الخبرية تَجْرِي مَجْرَى الاستفهامية في التصدير. و "مِنْ قَرْنٍ" تمييز و "هُمْ أَشَدُّ" صفة إما "لكَمْ" وإما لِقَرنْ. قوله: "فَنَقَّبُوا" الفاء عاطفة على المعنى كأنه قيل: اشتدَّ بطشهم فَنَقَّبُوا والضمير في (نَقَّبُوا) إما للقرون المتقدمة وهو الظاهر وإما لقُرَيْشٍ، ويؤيده قراءة ابن عباس - (رضي الله عنهما) - وابن يَعْمُرَ، وأَبِي العَالِيَة، ونَصْرِ بن يَسَار، وأبي حيوة، والأصمعي - عن أبي عمرو - (رضي الله عنهم) فَنَقِّبُوا - بكسر القاف - أمراً لهم بذلك. والتَّنْقِيبُ التَّنْقِيرُ والتّفتيش، ومعناه التَّطْوَافُ في البلاد، قال الحارثُ بنُ حِلِّزَةَ: شعر : 4514- نَقَّبُوا فِي الْبِلاَدِ مِنْ حَذَرِ الْمَو تِ وَجَالُوا فِي الأَرْضِ كُلَّ مَجَالِ تفسير : وقال امرؤ القيس: شعر : 4515- وَقَدْ نَقَّبْتُ فِي الآفَاقِ حَتَّى رَضِيتُ مِنَ الْغَنِيمَةِ بِالإيَابِ تفسير : وقرأ ابنُ عَباسٍ وأبو عمرو أيضاً في رواية: نَقَبُوا بفتح القاف خفيفة. ومعناها كما تقدم. وقرىء: نَقِبُوا بكسرها خفيفة أي نَقِبَتْ أقدامُهُمْ وَأَقْدَام إبلهم ودَمِيَتْ فحذف المضاف، وذلك لكثرة تَطْوَافِهِمْ. قوله: {هَلْ مِن مَّحِيصٍ} مبتدأ أو خبر مضمر تقديره: هل لمن سلك طريقهم. أو هل لهم من محيص. وهذه الجملة يحتمل أن تكون على إضمار قولٍ وأن لا تكون. فصل المعنى فَنَقَّبُوا أي فضربوا وسافروا وتقلبوا، وأصله من النَّقب وهو الطريق كأنهم سلكوا كُلَّ طريق، فلم يجدوا محيصاً من أمر الله. وعلى هذا فالمراد بهم أهل مكة، أي ساروا في الأسفار ورأوا ما فيها من الآثار ولم يجدوا ملجأ ومهرباً. وقيل: المعنى صاروا نُقَبَاء في الأرض أراد ما أفادهم بَطْشُهُم وقُوَّتُهُم؛ لأن الفاء تدل على ترتيب الأمر على مقتضاه تقول: كانَ زَيْدٌ أَقوى من عَمْرٍو فَغَلَبَهُ. والمعنى كانوا أشدَّ منهم بطشاً فصاروا نقباءَ في الأَرْضِ، وهم قوم ثمود الذين جابوا الصخر بالواد، ومن قوتهم خَرَقُوا الطُّرق ونَقَّبُوها وقَطَعُوا الصُّخُورَ. وقيل: {هَلْ مِن مَّحِيصٍ} مفر من الموت، فلم يجدوا. وهذا جمع بين الإنْذارِ بالعذاب العاجل والعقاب الآجل؛ لأنه أنذرهم بما يعجل لهم من العذاب المُهْلِك، والإهلاك المُدْرك. وهذا إنذار لأهل مكة لأنهم على مثل سَبِيلهم. فإن قيل: إذا كان (ذلك للجمع) بين الإنذار بالعذاب العاجل والعقاب الآجل فَلِمَ توسَّطَهُمَا قوله تعالى: {أية : وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} تفسير : [ق: 31]؟ فالجواب: ليكون ذلك رَدْعاً بالخوف والطمع، فذكر حال الكفور (المعاند)، وحال الشكور ترهيباً وترغيباً. فإن قيل: لِمَ لَمْ يجمع بين التَّرْهيب والترغيب في العاجلة كما جمع بينهما في الآجلة ولم يذكر حال من أسْلَمَ من قبل وأنعم عليه كما ذكر حال من أشرك به وأهلكه؟ فالجواب: أن النعمة كانت قد وصلت إليهم، وكانوا مُتَقَلِّبين في النِّعم فلم يُذَكِّرْهم به، وإنما كانوا غافلين عن الهلاك فأنذرهم به وأما في الآخرة فكانوا غافلين عن الأمْرين جميعاً فأخبرهم بها. وقوله: {هَلْ مِن مَّحِيصٍ} استفهام بمعنى الإنكار أي لم يكن لهم محيصٌ. وقيل: هو كلام مستأنف كأنه تعالى يقول لقوم محمد - عليه الصلاة والسلام - هم أهلكوا مع قوة بطشهم فهل من محيص لكم تَعْتَمِدُونَ عَلَيْه؟ ومن قرأ بالتشديد فهو مفعول أي بحثوا عن المَحِيص {هَلْ من محيص؟}. والمَحِيصُ كالمَحِيدِ غير أن المحيص مَعْدَل ومهرب عن الشدة بدليل قولهم: "وَقَعَوا فِي حَيْصَ بَيْصَ" أي في شدةٍ وضيق، والمَحِيدُ مَعْدَلٌ وإن كان بالاختيار، فيقال: حَادَ عن الطَّريق بَطراً. ولا يقال: حَاصَ عن الأَمر بَطَراً. قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ} ذلك إشارة إلى الإهلاك، أو إلى إزلاف الجنة. و "الذّكرى" مصدر أي تَذْكرةٌ وعظةٌ {لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ}. قال ابن عباس - (رضي الله عنهما) -: أي عَقْل. قال الفراء: هذا جائز في العربية تقول: مَا لَكَ قَلْبٌ وَلاَ قَلْبُكَ مَعَكَ، أي عَقْلُك مَعَكَ. وقيل: له قلب حاضر مع الله. وقيل: قلبٌ واع؛ وذلك لأن من لا يتذكر كأنَّه لا قلب له، ومنه قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} تفسير : [الأعراف: 179] أي هم كالجماد، وقوله تعالى: {أية : كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ} تفسير : [المنافقون: 4] أي لهم صُوَر، وليس لهم قلب، ولا لسانٌ للشُّكْر. قوله: {أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ} العامة على "أَلْقَى" مبنياً للفاعل، وطَلْحَةُ والسُّلَمِيُّ والسُّدِّيُّ وأبو البرهسم: أُلْقِيَ مبنياً للمفعول "السَّمْعُ" رفع به. وذكرت هذه القراءة لِعَاصِمٍ عن السّدّيّ فمقته وقال: أليس يقول: يُلْقُونَ السَّمْعَ وإلقاء السمع كناية عن الاستماع، لأن الذي لا يسمع كأنه حفظ سمعه فأمسكه والمعنى اسْتَمَع الْقُرْآنَ واستمع ما يقال له، لا يحدث نفسه بغيره، تقول العرب: أَلْقِ إلَيَّ سَمْعَكَ، أي استمعْ، أو يكون معناه: لمن كان له قلبٌ فقصد الاستماع، أو أَلْقَى السمع بأن أرْسَلَه وإن لم يقصد السماع. "وَهُو شَهِيدٌ" حاضر الذِّهن. ويحتمل أن يقال: الإشارة بذلك إلى القرآن في أول السورة أي في القرآن الذي سبق ذكره ذكرى لمِن كَان لَهُ قلب، أو لمن استمع ويكون معنى "وهو شهيد" أي المنذر الذي تَعَجَّبْتُم منه وهو شهيد عليكم كقوله: {أية : إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً} تفسير : [الأحزاب: 45].

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ‏ {‏فنقبوا في البلاد‏} ‏ قال‏:‏ أثروا‏.‏ وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله ‏ {‏فنقبوا في البلاد‏}‏ قال‏:‏ هربوا بلغة اليمن‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم أما سمعت قول عدي بن زيد‏:‏ شعر : نقبوا في البلاد من حذر الموت وجالوا في الأرض أيَّ مجال تفسير : وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد في قوله ‏ {‏فنقبوا في البلاد‏}‏ قال‏:‏ ضربوا في الأرض‏. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله ‏ {‏هل من محيص‏} ‏ قال‏:‏ هل من مهرب يهربون من الموت‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله ‏{‏فنقبوا في البلاد هل من محيص‏} ‏ قال‏:‏ حاص أعداء الله فوجدوا أمر الله لهم مدركا‏ً.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله ‏ {‏إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب‏}‏ قال‏:‏ كان المنافقون يجلسون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يخرجون فيقولون ماذا قال آنفا‏ً؟‏ ليس معهم قلوب‏. وأخرج البخاري في الأدب والبيهقي في شعب الإِيمان عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال‏:‏ إن العقل في القلب والرحمة في الكبد والرأفة في الطحال والنفس في الرئة‏.‏ وأخرج البيهقي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال‏:‏ التوفيق خير قائد، وحسن الخلق خير قرين، والعقل خير صاحب، والأدب خير ميزان، ولا وحشة أشد من العجب‏.‏ وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد في قوله ‏ {‏أو ألقى السمع‏} ‏ قال‏:‏ لا يحدث نفسه بغيره ‏ {‏وهو شهيد‏} ‏ قال‏:‏ شاهد بالقلب‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب في قوله ‏ {‏أو ألقى السمع وهو شهيد‏} ‏ قال‏:‏ يستمع وقلبه شاهد لا يكون قلبه مكاناً آخر‏. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله ‏ {‏أو ألقى السمع وهو شهيد‏} ‏ قال‏:‏ هو رجل من أهل الكتاب ألقى السمع أي استمع للقرآن وهو شهيد على ما في يديه من كتاب الله أنه يجد النبي محمداً مكتوبا‏ً.‏

القشيري

تفسير : أي اعْتَبِروا بالذين تَقَدَّموكم؛ انهمكوا في ضلالتهم، وأَصَرُّوا، ولم يُقْلِعوا.. فأهلكناهم وما أَبْقَيْنَا منهم أحداً.

اسماعيل حقي

تفسير : {وكم اهلكنا} كم للتكثير هنا هى خبرية وقعت مفعول اهلكنا ومن قرن مميزها ومبين لابها مها {قبلهم من قرن} القرن القوم المقترنون اى وكثيرا من القرون الذين كذبوا رسلهم اهلكنا قبل قومك وهم كفار مكة وبالفارسية وبس كسان كه هلاك كرده ايم بيش ازقوم تواز اهل قرن وكروه كروه جهانيان كه بحسب واقع {هم} ايشان {اشد منهم} سخت تربودنداز كفار مكة {بشطا} ازروى قوت وعظيم تربودند از روى جسد جون عاد وثمود وفرعون ومحل الجملة النصب على انها صفة لكم وفيه اشارة الى اهلاك النفوس المتمردة فى القرون الماضية اظهارا لكمال القدرة والحكمة البالغة لتتأدب به النفوس القابلة للخير وتتعظ به القلوب السليمة {فنقبوا فى البلاد} قال فى القاموس نقب فى الارض ذهب كأنقب ونقب وعن الاخبار بحث عنها او اخبر والنقب الطريق فى الجبل وفى تاج المصادر التنقيب شب در راها كرديدن وفى المصادر شدن اندر شهرها. والمعنى خرقوا فيها اى اوقعوا الخرق فيها والجوب وقطع المفازة ودو خوا اى اذلوها وقهروا اهلها واستولوا عليهم وتصرفوا فى اقطارها او جالوا فى اكناف الارض كل مجال حذر الموت فالفاء على الاول للتسبب والدلالة على ان شدة بطشهم ابطرتهم واقدرتهم على التنقيب وعلى الثانى لمجرد التعقيب واصل التنقيب والنقب التنقير عن الامر والبحث والطلب ولذا قال فى كشف الاسرار اى أبعدوا فيها السير وبحثوا عن الامور والاسباب قال امرؤ القيس شعر : لقد نقبت فى الآفاق حتى رضبت من الغنيمة بالاياب تفسير : وبالفارسية بس دور شدند وفراوان رفتند درزمين وراه بريديد درشهرها يعنى رفتند تجارت وسفرها كردند ومال ومتاع بسيار بدست آوردند. وفى فتح الرحمن اى طافوا فى نقوبها اى طرقها {هل من محيص} حال من واونقبوا واصله من قولهم وقع فى حيص بيص اى فى شدة وحاص عن الحق يحيص اى حاد عنه الى شدة ومكروه وفى القاموس المحيص المهرب اى فنقبوا فى البلاد قائلين هل من حيص اى هل لهم من مفر ومخلص من أمر الله وعذابه او من الموت فميحص متبدأ خبره مضمر وهو لهم ومن زآئدة وبالفارسية هيج بودمر ايشانرا كريز كاهى ازمرك يابناهى ازقضاى خداى تعالى كه حكم فنا نازل شد هيج جيز دستكيرىء ايشان نكرد. ويجوز أن تكون الجملة كلا ما مستأنفا واراد النفى أن يكون لهم محيص يعنى نكريد تاهيج ازمرك وستند يعنى نرستند واز عقوبت حق خلاص تشدند. فان اصر أهل مكة فليحذروا من مثل ماحل بالامم الماضية فان الغاية هو الهلاك والنهاية هو العذاب روز كارى كه آدم را وفانداشت تراكى وفا دارد عمرى كه برنوح بيابان رسيد باتوكى بقادارد اجلى كه بر خليل تاختن آورد تراكى فرو كذارد مركى كه بر سليمان كمين ساخته باتوكى مسامحت كند شعر : نه برباد رفتى سحر كاه وشام سرير سليمان عليه السلام بآخر نديدى كه برباد رفت خنك آنكه بادانش ودادرفت تفسير : مؤكلى كه جان مصطفى را صلى الله عليه وسلم تقاضا كرد باتوكى مدارا كند اكر عمر نوح ومال قارون وملك سليمان بدست آرى بدرد مرك سودندارد وباتو محابا نكند هفت هزار سال كه كسرى كذشت تا آدميان اندرين سفرندا اصلاب بارحام مى آيند واز ارحام به بشت زمين واز بشت زمين بشكم زيمن ميروندهمه عالم كور ستانس زيرا وهمه حسرت زبرا وهمه درحيرت سر بر آور از آسمان بير كه جند بادشاه ياد دارى جشم بر زمين افكن وباز برس كه درشكم جند نازنين دارى شعر : سل الطارم العالى الذرى عن قطينه نجاما نجا من بؤس عيش ولينه فلما استوى فى الملك واستعبد الورى رسول المنايا تله لجبينه جهان اى بسر ملك جاويد نيست زدنيا وفادارى اميد نيست تفسير : اى سخره امل اى غافل از اجل كارى كه لامحاله بودنيست ازان نه انديشى وراهى كه على الحقيقة رفتنيست زاد آن راه برنكيرى شغل دنيا راست ميدارى وبرك مرك مى نسازى اى مسكين مركت درقفاست ازو ياد دار منزلت كورست آباد دار حطام دنيا جمع ميكنى واز مستحق منع ميكنى جه طمع دارى كه جاويد بان بمانى باش تاملك الموت در آيد ودانت غارت كند و وارث در آيد مالت غارت كند وخصم در آيد طاعت غارت كند وكرم در آيد بوست وكوشت غارت كند وآه اكر باين غفلت دشمن در آيد وايمان غارت كنده نسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المتيقظين ومن الثابتين على الدين واليقين ومن رفقاء النبيين والصديقين والشهداء والصالحين آمين

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وكم أهلكنا قبلهم} قبل قومك {من قَرْنٍ} من القرون الذين كذَّبوا رسلهم {هم أشدُّ منهم} من قومك {بطشاً} قوة وسطوة، {فنَقَّبوا في البلاد} أي: خرّبوا وطافوا وتصرّفوا في أقطارها، وجالوا في أكناف الأرض كل مجال حذرا من الموت {هل} وجدوا {من مَحيص} أي: مهرب منها؟ بل لَحِقَتهم ودقت أعناقهم، أو: هل وجدوا من مهرب من أمر الله وقضائه؟ وأصل التنقيب والنقب: البحث والطلب، قال امرؤ القيس: شعر : لقد نَقَّبْتُ في الآفاقِ حَتَّى رَضِيتُ من الغَنِيمَةِ بالإِيابِ تفسير : ودخلت الفاء للتسبُّب عن قوله: {هم أشد منهم بطشاً} أي: شدة بطشهم، أي: قدرتهم على التنقيب في البلاد، ويجوز أن يعود الضمير إلى أهل مكة، أي: ساروا في أسفارهم ومسايرهم في بلد القرون، فهل روأوا لهم محيصاً حتى يُؤملوا مثله أنفسهم؟ ويؤيدهم قراءة مَن قرأ (فنَقِّبوا) على صيغة الأمر. {إِنَّ في ذلك} أي: فيما ذكر من قصصهم، أو: فيما ذكر في السورة {لَذِكرى} لتذكرة وعظة {لمَن كان له قلبٌ} سليم واعٍ يُدرك كنه ما يشاهده من الأمور، ويتفكّر فيها، ليعلم أن مدار دمارهم هو الكفر، فيرتدع عنه بمجرد مشاهدة الآثار من غير تذكير، {أو أَلقى السمعَ} أي: أصغى بقلبه إلى ما يتلى عليه من الوحي الناطق بما جرى عليهم، فإن مَن فعله يقف على كنه الأمر، فينزجر عما يؤدي إليه من الكفر والمعاصي، يقال: ألق إليَّ سمعَك، أي: استمع، فـ"أو" لمنع الخلو، لا لمنع الجمع، فإن إلقاء السمع لا يجدي بدون سلامة القلب عما ذكر من الصفات، للإذان بأن مَن عَرَى قلبه عنهما كمَن لا قلب له أصلاً. وقوله تعالى: {وهو شهيد} حال، أي: والحال أنه حاضر القلب لا يغفل أو: شاهد على ما يقرأ من كتاب الله. {ولقد خلقنا السماواتِ والأرضَ وما بينهما} من أصناف المخلوقات، وهذا أيضاً احتجاج على القدرة على البعث بما هو أكبر، كقوله:{أية : لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ}تفسير : [غافر: 57] وقوله تعالى {في ستة أيام} إنما خلقها في تلك المدة تعليماً لخلقه التؤدة، وإلا فهو قادر على أن يخلقها في لمحة،{أية : وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}تفسير : [القمر: 50]، ويحتمل أن هذا في عالم الأمر، وأما عالم الخلق فاقتضت الحكمة خلقه بالتدريج، وله الخلق والأمر، ثم قال تعالى: {وما مسَّنا من لُغوبٍ} من إعياء ولا تعب في الجملة، وهذا رد على جهلة اليهود، أنه تعالى بدأ العالم يوم الأحد، وفرغ منه يوم الجمعة، واستراح يوم السبت، واستلقى على العرش، تعالى عما يقولون عُلوّاً كبيراً. الإشارة: كثيراً ما أهلك اللّهُ من النفوس المتمردة في القرون الماضية، زجراً لمَن يأتي بعدهم، ففي ذلك ذِكرى لمَن كان له قلب سليم من تعلُّقات الكونين. قال القشيري: فالقلوب أربعة: قلب فاسد: وهو الكافر، وقلب مقفول: وهو قلب المنافق، وقلب مطمئن: وهو قلب المؤمن، وقلب سليم: وهو قلب المحبين والمحبوبين، الذي هو مرآة صفات جمال الله وجلاله، كما قال تعالى:"حديث : لا يسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن"تفسير : هـ. وقال الشبلي: لِمن كان له قلب حاضر مع الله، لا يغفل عنه طرفة عين. وقال يحيى بن معاذ: القلب قلبان: قلب احتشى بأشغال الدنيا، حتى إذا حضر أمرٌ من أمور الآخرة لم يدرِ ما يصنع، وقلب احتشى بالله وشهوده، فإذا حضر أمر من أمور الكونين لم يدرِ ما يصنع، غائب عن الكونين بشهود المكوِّن. وقال القتاد: لمن كان له قلب لا يتلقّب عن الله في السراء والضراء. هـ. {أو ألقى السمع وهو شهيد} أي: يشهد ما مِن الله إلى الله، أو: يشهد أسرار الذات. قال القشيري: يعني مَن لم يكن له قلب بهذه الصفة يكون له سمع يسمع الله وهو حاضر مع الله، فيعتبر بما يشير إليه الله في إظهار اللطف أو القهر. هـ. {ولقد خلقنا السماوات} أي: سماوات الأرواح، وأرض الأشباح، وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار، وسر الأسرار، في ستة أيام، أي: ستة أنواع من المخلوقات، وهي محصورة فيما ذكرناه من الأرواح، والأشباح، والنفوس، والقلوب، والأسرار، وسر الأسرار، فلا مخلوق إلا وهو داخل في جملتها، لا يخرج عنها، {وما مسّنا من لُغوب} لأن أمرنا بين الكاف والنون. ثم أمر نبيه بالصبر على ما يسمع في جانبه تعالى، أو في نفسه، فقال: {فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ}.

الطوسي

تفسير : قرأ {وإدبار} بكسر الألف ابن كثير ونافع واهل الحجاز وحمزة على المصدر من أدبر إدباراً، وتقديره وقت إدبار السجود. والمصادر تجعل ظرفاً على إرادة اضافة اسماء الزمان اليها وحذفها، كقولهم جئتك مقدم الحاج وخلوق النجم ونحو ذلك يريدون فى ذلك كله وقت كذا وكذا فحذفوه. الباقون بفتح الألف على انه جمع (دبر): يقول الله تعالى مخبراً {وكم أهلكنا} ومعناه وكثيراً أهلكنا وذلك أن (كم) تكون إستفهاما تارة فى معنى الخبر للتكثير وإنما خرجت عن الاستفهام إلى التكثير لتكون نقيضة (رب) فى التقليل وكانت احق به، لانها (اسم) مع إحتمالها للتقليل، فأما رب فى الكلام، فهي حرف يجري مجرى حرف النفي، لان التقليل أقرب إلى النفي، وإنما وجب لـ (كم) صدر الكلام فى الخبر إعلاماً بأنها خرجت عن الاستفهام مع انها نقيضة (رب) التي هي بمنزلة حروف النفي، ودخلت (من) على مفسر (كم) فى الخبر بمنزلة عدد يفسر بالمضاف كقولك عشر أثواب، وعشرة من الاثواب. فجاز حرف الاضافة كما جازت الاضافة، وليس كذلك عشرون درهماً، وجاز ان يفسر فى الخبر بالواحد وبالجمع: والقرن المقدار من الزمان الذي يقترون بالبقاء فيه أهله على مجرى العادة. وقال قوم: هو مئة وعشرون سنة. وقيل: ثمانون سنة وقال آخرون: هو سبعون سنة. وقال قوم: أربعون سنة. وقيل ثلاثون سنة. وقيل: عشر سنين {هم أشد منهم بطشاً} أى الذين أهلكناهم مثل هؤلاء الكفار كانوا أشد قوة من هؤلاء واكثر عدة كقوم عاد وغيرهم فلم يتعذر علينا ذلك، فما الذي يؤمن هؤلاء من مثل ذلك. وقوله {فنقبوا في البلاد} أى فتحوا مسالك فى البلاد بشدة بطشهم فالتنقيب التفتيح بما يصلح للسلوك من نقض البنية، ومنه النقب الفتح الذى يصلح للمسلك وقد يفتح الله على العباد فى الرزق بأن يوسع عليهم فى رزقهم، ولا يصلح فيه النقب. وكل نقب فتح. وليس كل فتح نقباً، فالنقب نقض موضع بما يصلح للسلوك. وقال مجاهد: نقبوا فى البلاد أى ضربوا فى الارض ضرب جاعل المسالك بالنقب، قال امرؤ القيس: شعر : لقد نقبت فى الافاق حتى رضيت من الغنيمة بالآياب تفسير : وقوله {هل من محيص} أى هل من محيد، وهو الذهاب فى ناحية عن الأمر للهرب منه، حاص يحيص حيصاً فهو حايص مثل حاد يحيد حيداً فهو حايد والمعنى إن أولئك الكفار الذين وصفهم بشدة البطش لما نزل بهم عذاب الله لم يكن لهم مهرب ولا محيص عنه. وقيل هل من محيد من الموت، ومنجاً من الهلاك. قال الزجاج: هؤلاء الكفار طوفوا فى البلاد، فلم يجدوا مخلصاً من الموت. وقوله {إن في ذلك لذكرى} يعني في ما أخبرته وقصصته لك لذكرى أى ما يتفكر فيه ويعتبر به {لمن كان له قلب} قيل معنى القلب - ها هنا - العقل من قولهم اين ذهب قلبك، وفلان ذاهب القلب، وفلان قلبه معه، وإنما قال {لمن كان له قلب} لان من لا يعيي الذكر لا يعتد بما له من القلب. وقوله {أو ألقى السمع وهو شهيد} قال ابن عباس: معناه استمع ولم يشغل قلبه بغير ما يستمع، فهو شهيد لما يسمع ويفقهه غير غافل عنه، وهو قول مجاهد والضحاك وسفيان، يقال ألق إلي سمعك أى استمع. وقال قتادة: وهو شهيد على صفة النبي صلى الله عليه وآله في الكتب السالفة، وهذا فى أهل الكتاب. والأول اظهر. ثم أقسم الله تعالى فقال {ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام} وقد مضى تفسير مثله فى غير موضع {وما مسنا من لغوب} أى من نصب وتعب - فى قول ابن عباس ومجاهد - واللغوب الاعياء. قال قتادة: أكذب الله تعالى بذلك اليهود، فانهم قالوا: استراح الله يوم السبت، فهو عندهم يوم الراحة. وقيل: إنما خلق الله السموات والارض وما بينهما فى ستة أيام مع قدرته على ان يخلقهما فى وقت، لان فى ذلك لطفاً للملائكة حين شاهدوه يظهر حالا بعد حال وقيل: لأن فى الخبر بذلك لطفاً للمكلفين في ما بعد إذا تصوروا أن ذلك يوجد شيئاً بعد شيء مع أدب النفس به فى ترك الاستعجال إذا جرى فى فعل الله لضروب من التدبير. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله {فاصبر} يا محمد {على ما يقولون} من قولهم: هو ساحر، وكذاب، ومجنون، واحتمل ذلك حتى يأتي الله بالفرج {وسبح بحمد ربك} أى نزهه عما لا يليق به {قبل طلوع الشمس} صلاة الفجر {وقبل الغروب} صلاة العصر - في قول قتادة وابن زيد - {ومن الليل} يعني صلاة الليل يدخل فيه صلاة المغرب والعتمة. وقال ابن زيد: هو صلاة العتمة {وأدبار السجود} الركعتان بعد المغرب - في قول الحسن بن علي عليهما السلام ومجاهد والشعبي وابراهيم. وقال الحسن {وقبل الغروب} صلاة الظهر والعصر. وقال الركعتان بعد المغرب تطوعاً. وقيل: التسبيح بعد الصلاة - عن ابن عباس ومجاهد - وقيل: النوافل - عن ابن زيد - وأصل التسبيح التنزيه لله عن كل ما لا يجوز فى صفة، وسميت الصلاة تسبيحاً لما فيها من التسبيح، يقال: سبحان ربي العظيم، وروي ايضاً أراد بـ {أدبار السجود} الركعتان بعد المغرب، وأدبار النجوم الركعتان قبل طلوع الفجر. وروي فى الشواذ عن أبي عمر وأنه قرأ {فنقبوا} بتخفيف القاف، وهي لغة في التشديد. ورجل نقاب أى حاذق فظن عالم كان ابن عباس نقاباً، والنقبة الحرب ونقب خف البعير إذا انتقب وقرىء على لفظ الأمر وهو شاذ.

الجنابذي

تفسير : {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ} قبل قريشٍ او اهل مكّة {مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ} نقب فى الارض من المجرّد، ونقّب من التّفعيل، وانقب من الافعال ذهب فيها، ونقّب عن الاخبار بحث عنها واخبر بها، والمراد فتحوا البلاد او ساروا فيها بالمنافع الكثيرة والاعمال الدّقيقة، او ساروا فيها لتجسّس الاخبار {هَلْ مِن مَّحِيصٍ} ومخلص من الهلاك، والجملة حاليّة او مستأنفة بتقدير القول اى يقول تلك القرون او نقول لهم هل من محيصٍ.

الهواري

تفسير : قوله عز وجل: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم} يعني قبل مشركي العرب {مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا} أي: كانوا أشد منهم بطشاً، يعني قوة، كقوله عز وجل: (أية : كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً) تفسير : [التوبة:69] {فَنَقَّبُوا فِي الْبِلاَدِ}. وهي تقرأ على وجهين: بالتثقيل وبالتخفيف؛ فمن قرأها بالتثقيل فهو يقول: فجوَّلوا في البلاد، أي: حين جاءهم العذاب، ومن قرأها بالتخفيف فهو يقول: فجالوا في البلاد على مثل التفسير الأول. {هَلْ مِن مَّحِيصٍ} أي: هل من ملجأ يلجأون إليه من عذاب الله، أي: فلم يجدوا ملجأ حتى هلكوا.

اطفيش

تفسير : {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم} قبل كفار مكة* {مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً} قوة وسطوة كعاد وفرعون* {فَنَقَّبُواْ فِي الْبِلاَدِ} الفاء لعطف الفعلية على الاسمية لا لعطفهما على أشد لانه لا تعطف الجملة على اسم التفضيل وهى المتسبب عن شدتهم والتنقيب التصرف في الأرض والسير فيها والجولان وقيل الابعاد في السير قيل جالوا فيها حذر الموت والعذاب حين جاءهم وفيه تخويف لأهل مكة لانهم على مثل سبيلهم وقيل نقب أهل مكة أي جالوا في أسفارهم في بلاد القرون فالفاء لمجرد التعقيب وأصل التنقيب البحث عن الشيء والطلب له ويدل على ارجاع الضمير لأهل مكة قراءة بعضهم (فنقبوا) بالأمر وهي قراءة ابن عباس وقرئ (فنقبوا) بفتح القاف مخففة والمعنى واحد الا ان التشديد مبالغة وقرئ (فنقبوا) بكسر القاف مخففة من النقب وهو أن يثقب اخفاف ابلهم وأراد حفيت أقدامهم لكثرة طوافهم في البلاد ويحتمله قراءة التشديد أيضاً بالمبالغة* {هَلْ مِن مَّحِيصٍ} لهم أو لغيرهم من الموت والعذاب أو هل رأى لهم أهل مكة محيصاً من أمر الله والمحيص الملجأ والمهرب ومحيص مبتدأ محذوف الخبر كما رأيت

اطفيش

تفسير : {وكَم} مفعول لقوله: {أهْلكْنا قَبلهُم} قبل قومك يا محمد {مِن قْرنٍ} قوم مقترنين فى زمان واحد، ومن للبيان متعلق بمحذوف نعت لكم فافراد قوله: "كم" هى القرون، وكأنه قيل: أهلكنا قرونا كثيرة، ونعت القرن بقوله: {هُم أشدُّ منْهُم بَطْشاً} قوة أو أخذا شديدا فى كل مال أرادوا كعاد وثمود وفرعون {فَنَقَّبوا في البِلاد} ساروا فى الأرض، وعن ابن عباس، هربوا فيها، وقيل: تصرفوا فيها بالملك والتمليك، والعمارة والتخريب، وشاع أن التنقيب البحث عن الشىء، والفاء عاطفة على هم أشد عطف فعلية على اسمية، وقيل: على أهلكنا على تقدير أردنا اهلاكهم، وظهرت أمارته فهربوا، أو شرعنا فيه {هَل مِن محيصٍ} منصوب بمحذوف، أى قائلين: هل من محيص، أو يوجد محيص لنا، أو مبتدأ أى هل محيص، أو منصوب بمحذوف، أى هل نجد محيصاً، والمراد الملجأ عن الله عز وجل، أو عن الموت، وقيل الواو لأهل مكة، أى ساروا فى أسفارهم على بلاد المهلكين، فهل رأوا محيصا للمهلكين حتى طمعو أن ينجوا مع عملهم يعمل المهلكين.

الالوسي

تفسير : {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ } أي كثيراً / أهلكنا قبل قومك {مّن قَرْنٍ } قوماً مقترنين في زمن واحد {هُمْ أشدُّ مِنْهُم بَطْشاً } أي قوة كما قيل أو أخذاً شديداً في كل شيء كعاد وقوم فرعون {فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلَـٰدِ } ساروا في الأرض وطوفوا فيها حذار الموت، فالتنقيب السير وقطع المسافة كما ذكره الراغب وغيره، وأنشدوا للحرث بن حلزة:شعر : نقبوا في البلاد من حذر المو ت وجالوا في الأرض كل مجال تفسير : ولامرىء القيس:شعر : وقد نقبت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب تفسير : وروي وقد طوفت. وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن ذلك فقال: هو هربوا بلغة اليمن، وأنشد له بيت الحرث المذكور لكنه نسبه لعدي بن زيد، وفسر التنقيب في البلاد بالتصرف فيها بملكها ونحوه، وشاع التنقيب في العرف بمعنى التنقير عن الشيء والبحث عن أحواله، ومنه قوله تعالى: {أية : وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً} تفسير : [المائدة: 12] وأما قولهم: كلب نقيب فهو بمعنى منقوب أي نقبت غلصمته ليضعف صوته. والفاء على تفسير التنقيب بالسير ونحوه المروي عن ابن عباس لمجرد التعقيب، وعلى تفسيره بالتصرف للسببية لأن تصرفهم في البلاد مسبب عن اشتداد بطشهم، وهي على الوجهين عاطفة على معنى ما قبلها كأنه قيل: اشتد بطشهم فنقبوا وقيل: هي على ما تقدم أيضاً للسببية والعطف على {أَهْلَكْنَا } على أن المراد أخذنا في إهلاكهم فنقبوا في البلاد. {هَلْ مِن مَّحِيصٍ } على إضمار قول هو حال من واو {نَقَّبُوا} أي قائلين هل لنا مخلص من الله تعالى أو من الموت؟ أو على إجراء التنقيب لما فيه من معنى التتبع والتفتيش مجرى القول على ما قيل أو هو كلام مستأنف لنفي أن يكون لهم محيص أي هل لهم مخلص من الله عز وجل أو من الموت. وقيل: ضمير {نَقَّبُوا} لأهل مكة أي ساروا في مسايرهم وأسفارهم في بلاد القرون المهلكة فهل رأوا لهم محيصاً حتى يؤملوا مثله لأنفسهم. وأيد بقراءة ابن عباس وابن يعمر وأبـي العالية ونصر بن سيار وأبـي حيوة والأصمعي عن أبـي عمرو {فنقِّبوا } على صيغة الأمر لأن الأمر للحاضر وقت النزول من الكفار وهم أهل مكة لا غير والأصل توافق القرائتين، وفيه على هذه القراءة التفات من الغيبة إلى الخطاب. وقرأ ابن عباس أيضاً وعبيد عن أبـي عمرو {فنقبوا } بفتح القاف مخففة، والمعنى كما في المشددة، وقرىء بكسر القاف خفيفة من النقب محركاً، وهو أن ينتقب خف البعير ويرق من كثرة السير، قال الراجز:شعر : أقسم بالله أبو حفص عمر ما مسها من نقب ولا دبر تفسير : والكلام بتقدير مضاف أي نقبت أقدامهم، ونقب الأقدام كناية مشهورة عن كثرة السير فيؤل المعنى إلى أنهم أكثروا السير في البلاد أونقبت أخفاف مراكبهم والمراد كثرة السير أيضاً، وقد يستغنى عن التقدير بجعل الإسناد مجازياً.

ابن عاشور

تفسير : انتقال من الاستدلال إلى التهديد وهو معطوف على ما قبله وهذا العطف انتقال إلى الموعظة بما حل بالأمم المكذبة بعد الاستدلال على إمكان البعث بقوله: {أية : قد علمنا ما تنقص الأرض منهم}تفسير : [ق: 4] وما فُرّع عليه من قوله: {أية : أفَعَيِينَا بالخلق الأول}تفسير : [ق: 15]. وفي هذا العطف الوعيد الذي أجمل في قوله: {أية : كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرّس} تفسير : [ق: 12] إلى قوله:{أية : فحقّ وعيد}تفسير : [ق: 14]. فالوعيد الذي حقّ عليهم هو الاستئصال في الدنيا وهو مضمون قوله: {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشاً}. والخبر الذي أفاده قوله: {وكم أهلكنا قبلهم} تعريض بالتهديد وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. وضميرا {قبلهم} و {منهم} عائدان إلى معلوم من المقام غير مذكور في الكلام كما تقدم في قوله أول السورة من قوله: {أية : بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم}تفسير : ويفسره قوله بعده {أية : فقال الكافرون هذا شيء عجيب}تفسير : [ق: 2]. وجرى على ذلك السَّنَن قوله: {كَذَّبت قبلهم قوم نوح} وقوله: {أية : بل هم في لبس من خلق جديد}تفسير : [ق: 15]، ونظائره في القرآن كثيرة. و {كم} خبرية وجرّ تمييزها بــ {من} على الأصل. والبطش: القوة على الغير. والتنقيب: مشتق من النقْب بسكون القاف بمعنى الثقب، فيكون بمعنى: خَرَقوا، واستعير لمعنى: ذللوا وأخضعوا، أي تصرفوا في الأرض بالحفر والغرس والبناء ونحت الجبال وإقامة السداد والحصون فيكون في معنى قوله: {أية : وأثارُوا الأرض وعَمَرُوها} تفسير : في سورة الروم (9). وتعريف {البلاد} للجنس، أي في الأرض كقوله تعالى: {أية : الذين طغوا في البلاد}تفسير : [الفجر: 11]. والفاء في {فنقبوا} للتفريع عن {أشد منهم بطشاً}، أي ببطشهم وقوتهم نقبوا في البلاد. والجملة معترضة بين جملة {وكم أهلكنا قبلهم} إلى آخره. وجملة {هل من محيص} كما اعترض بالتفريع في قوله تعالى: {أية : ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار}تفسير : [الأنفال: 14]. وجملة {هل من محيص} بدل اشتمال من جملة {أهلكنا}، أي إهلاكاً لا منجى منه. ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة. فالاستفهام إنكاري بمعنى النفي، ولذلك دخلت {من} على الاسم الذي بعد الاستفهام كما يقال: ما مِن محيص، وهذا قريب من قوله في سورة ص (3) {أية : كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولاتَ حين مناص}تفسير : . والمحيص: مصدر ميمي من حَاص إذا عَدَل وجاد، أي لم يجدوا محيصاً من الإهلاك وهو كقوله تعالى: {أية : وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد}تفسير : في سورة مريم (98). وقوله: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب} إلى آخرها يجوز أن تكون الإشارة بذلك إلى إهلاك القرون الأشدِّ بطشاً، ويجوز أن يكون إلى جميع ما تقدم من استدلال وتهديد وتحذير من يوم الجزاء. والذكرى: التذكرة العقلية، أي التفكر في تدبر الأحوال التي قضت عليهم بالإهلاك ليقيسوا عليها أحوالهم فيعلموا أن سَيَنَالهُمْ ما نال أولئك، وهذا قياس عقلي يدركه اللبيب من تلقاء نفسه دون احتياج إلى منبه. والقلب: العقل وإدراك الأشياء على ما هي عليه. وإلقاء السمع: مستعار لشدة الإصغاء للقرآن ومواعظ الرسول صلى الله عليه وسلم كأنَّ أسماعهم طرحت في ذلك فلا يشغلها شيء آخر تسمعه. والشهيد: المشاهد وصيغة المبالغة فيه للدلالة على قوة المشاهدة للمذكر، أي تحديق العين إليه للحرص على فهم مراده مما يقارن كلامه من إشارة أو سَحْنة فإن النظر يعين على الفهم. وقد جيء بهذه الجملة الحالية للإشارة إلى اقتران مضمونها بمضمون عاملها بحيث يكون صاحب الحال ملقيا سمعه مشاهِدا. وهذه حالة المؤمن ففي الكلام تنويه بشأن المؤمنين وتعريض بالمشركين بأنهم بعداء عن الانتفاع بالذكريات والعبر. وإلقاء السمع مع المشاهدة يوقظ العقل للذكرى والاعتبار إن كان للعقل غفلة. وموقع {أو} للتقسيم لأن المتذكر إمّا أن يتذكر بما دلت عليه الدلائل العقلية من فهم أدلة القرآن ومن الاعتبار بأدلة الآثار على أصحابها كآثار الأمم مثل ديار ثمود، قال تعالى: {أية : فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا}تفسير : [النمل: 52] فقوله: {ألقى السمع} استعارة عزيزة شبه توجيه السمع لتلك الأخبار دون اشتغال بغيرها بإلقاء الشيء لمن أخذه فهو من قسم من له قلب، وإما أن يتذكر بما يبلغه من الأخبار عن الأمم كأحاديث القرون الخالية. وقيل المراد بمن ألقى السمع وهو شهيد خصوص أهل الكتاب الذين ألقوا سمعهم لهذه الذكرى وشهدوا بصحتها لعلمهم بها من التوراة وسائر كتبهم فيكون {شهيد} من الشهادة لا من المشاهدة. وقال الفخر: تنكير {قلب} للتعظيم والكمال. والمعنى: لمن كان له قلب ذكيّ واع يستخرج بذكائه، أو لمن ألقى السمع إلى المنذر فيتذكر، وإنما قال {أو ألقى السمع} ولم يقل: استمع، لأن إلقاء السمع، أي يرسل سمعه ولا يمسكه وإن لم يقصد السماع، أي تحصل الذكرى لمن له سمع. وهو تعريض بتمثيل المشركين بمن ليس له قلب وبمن لا يلقي سمعه.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى:{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى {أية : فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ}تفسير : [الزخرف: 8].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وكم أهلكنا قبلهم من قرن: أي كثيرا من أهل القرون قبل كفار قريش أهلكناهم. هم أشد منهم بطشا: أي أهل القرون الذين أهلكناهم قبل كفار قريش هم أشد قوة وأعظم أخذا من كفار قريش ومع هذا أهلكناهم. فنقبوا في البلاد هل من محيص: أي بحثوا وفتشوا في البلاد علَّهم يجدون مهرباً من الهلاك فلم يجدوا. إن في ذلك لذكرى: أي إن في المذكور من إهلاك الأمم القوية موعظة. لمن كان له قلب أو ألقى السمع: أي الموعظة تحصل للذي له قلب حيٌ وألقى سمعه يستمع. وهو شهيد: وهو شهيد أي حاضر أثناء استماعه حاضر القلب والحواس. وما مسنا من لغوب: أي من نصب ولا تعب. فاصبر على ما يقولون: أي فاصبر يا رسولنا على ما يقوله اليهود وغيرهم من التشبيه لله والتكذيب بصفاته. وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس: أي صل حامداً لربك قبل طلوع الشمس وهي صلاة الصبح. وقبل الغروب: أي صل صلاة الظهر والعصر. ومن الليل فسبحه: أي صل صلاتي المغرب والعشاء. وأدبار السجود: أي بعد أداء الفرائض فسبح بألفاظ الذكر والتسبيح. واستمع: أي أيها المخاطب إلى ما أقول لك. يوم ينادي المناد من مكان قريب: أي يوم ينادي إسرافيل من مكان قريب من السماء وهو صخرة بيت المقدس فيقول أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. يوم يسمعون الصيحة بالحق: أي نفخة إسرافيل الثانية وهي نفخة البعث يعلمون عاقبة تكذيبهم. ذلك يوم الخروج: أي من القبور. يوم تشقق الأرض عنهم سراعا: أي يخرجون من قبورهم مسرعين بعد تشقق القبور عنهم. ذلك حشر علينا يسير: أي ذلك حشر للناس وجمع لهم في موقف الحساب يسير سهل علينا. نحن أعلم بما يقولون: أي من الكفر والباطل فلا تيأس لذلك سننتقم منهم. وما أنت عليهم بجبار: أي بحيث تجبرهم على الإِيمان والتقوى. فذكر بالقرآن: أي عظ مرغبا مرهبا بالقرآن فاقرأه على المؤمنين فهم الذين يخافون وعيد الله تعالى ويطمعون في وعده. معنى الآيات: بعد ذلك العرض العظيم لأحوال القيامة وأهوالها على كفار قريش المكذبين بالتوحيد والنبوة والبعث ولم يؤمنوا فكانوا بذلك متعرضين للعذاب فأخبر تعالى رسوله أن هلاكهم يسير فكم أهلك تعالى {قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً} أي قوة وأخذاً ولما جاءهم العذاب فروا يبحثون عن مكان يحيصون إليه أي يلجأون فلم يجدوا وهو معنى قوله تعالى {فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ}؟ وقوله تعالى {إِنَّ فِي ذَلِكَ} أي الذي ذكرنا من قوله وكم أهلكنا قبلهم من قرن لذكرى أي موعظة يتعظ بها عبد كان له قلب حيٌّ وألقى سمعه يستمع وهو شهيد أي حاضر بكل مشاعره وأحاسيسه. وقوله تعالى {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} أولها الأحد وآخرها الجمعة {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} أي نصب أو تعب، هذا الخبر ردَّ الله تعالى به على اليهود الذين قالوا أتم الله خلق السماوات والأرض في يوم الجمعة واستراح يوم السبت فلذا هم يسبتون أي يستريحون يوم السبت فرد تعالى عليهم بقوله {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} أي تعب، إذ التعب يلحق العامل من الممارسة والمباشرة لما يقوم بعمله والله تعالى يخلق بكلمة التكوين فلذا لا معنى لأن يصيبه تعب أو نصب أو لغوب وقوله تعالى {فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ} أي فاصبر يا رسولنا على ما يقوله يهود وغيرهم من الكفر والباطل واستعن على ذلك أي على الصبر وهو صعب بالصلاة والتسبيح قبل طلوع الشمس وقبل الغروب، ومن الليل فسبحه وأدبار النجوم فشمل هذا الإِرشاد والتعليم الإِلهي الصلوات الخمس، إذ قبل طلوع الشمس فيه صلاة الصبح وقبل الغروب فيه صلاة الظهر والعصر ومن الليل فيه صلاة المغرب والعشاء، ولنعم العون على الصبر الصلاة، ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وقوله وأدبار السجود أي بعد الصلوات الخمس سبح ربك متلبسا بحمده، نحو سبحان الله والحمد لله والله أكبر. وقوله {وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} أي واستمع أيها الخاطب يوم ينادي إسرافيل من مكان قريب وهو صخرة بيت المقدس وهو مكان قريب من السماء فيقول المنادي وهو إسرافيل أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء وقوله {يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقِّ} وهي نفخة إسرافيل الثانية نفخة البعث {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ} من القبور ويوم يرى المكذبون عاقبة تكذيبهم، وقوله {يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً} أي يخرجون مسرعين ذلك المذكور من تشقق الأرض وخروجهم مسرعين حشر علينا لهم يسير أي سهل لا صعوبة فيه، وقوله {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ} فيه تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وفيه تهديد لكفار قريش. وقوله {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} أي بذي قوة وقدرة فائقة تجبرهم بها على الإِيمان والاستقامة وعليه فمهمتك ليست الإِجبار وأنت عاجز عنه وإنما هي التذكير {فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ} إذا {مَن يَخَافُ وَعِيدِ} وهم المؤمنون الصادقون والمسلمون الصالحون. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- مشروعية تخويف العصاة والمكذبين بالعذاب الإِلهي وقربه وعدم بعده. 2- للانتفاع بالمواعظ شروط أن يكون السامع ذا قلب حي واعٍ وأن يلقى بسمعه كاملا وأن يكون حاضر الحواس شهيدها. 3- وجوب الصبر والاستعانة على تحقيقه بالصلاة. 4- مشروعية الذكر والدعاء بعد الصلاة فرادى لا جماعات. 5- تقرير البعث وتفصيل مبادئه. 6- المواعظ ينتفع بها أهل القلوب الحية.

القطان

تفسير : القرن: الجيل من الناس. أشدّ منهم بطشا: اشد منهم قوة. فنقّبوا في البلاد: طافوا في البلاد طلباً للرزق. مَحيص: مَهْرب. لَذِكرى: لعبرة. او ألقى السمعَ وهو شهيد: أصغى الى ما يتلى عليه وهو حاضر، ويفطن لما يقال. لغوب: تعب. أدبار السجود: اعقاب الصلوات، والأدبار جمع دُبُر ومعناه الأصلي الظهر ومؤخرة كل شيء. الصيحة: النفخة الثانية يوم القيامة. بالحق: بالبعث. يوم الخروج: من القبور. بجبّار: بمسيطر ومسلَّط، انما انت داعٍ ومنذر. يبين الله تعالى لرسوله الكريم أنه مهما بلغت قوة قومه وغناهم فإنهم لم يبلغوا قوة الذين كانوا قبلهم من الأمم، فقد كان السابقون أشدَّ قوة وبطشا، وطوّفوا في البلاد وامعنوا في البحث والطلب ولم يغنِ عنهم كل ذلك من الله شيئا. وفي هذا الذي نتلوه عليك من أخبار الماضين ذكرى وعبرةٌ لمن كان له قلبٌ يدرك الحقائق ويفهم ما يقال له، ويصغي وهو حاضرٌ شاهد. ثم أعاد الدليلَ مرة أخرى على إمكان البعث، فبيّن ان الله خلق السماواتِ والأرضَ وما بينهما في ستة أطوار مختلفة وما أصابه تعب.. وما دام الله قادراً على خلْق هذا الكون العجيب فإنه قادرٌ على إعادة الحياة مرة أخرى. {فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} اصبر على ما يقوله المشركون في شأنِ البعث من الأباطيل التي لا مستَنَدَ لها ولا دليل. وسبِّحْ بحمدِ ربك وقت الفجر ووقتَ العصر وبعضَ الليل وفي أعقاب جميع الصلوات. وقد وردت احاديث صحيحة في تحديد التسبيح بأن يقول: سبحانَ الله ثلاثاً وثلاثين مرة، والحمدُ لله ثلاثاً وثلاثين مرة، واللهُ اكبر ثلاثاً وثلاثين مرة، ويختمها بقول لا إله الا الله وحده لا شريك له، له الملْكُ وله الحمدُ يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، بعد كل صلاة. {وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ} أصغِ ايها الرسول لما أُخبرك به من اهوال يوم القيامة، يوم ينادي الملَكُ من مكان قريب من الناس، يوم يسمعون النفخةَ الثانية بالحق الذي هو البعث. {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ} من القبور. ثم لخص ما تقدم بقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِـي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ} إلينا رجوع الناس جميعهم يوم البعث والجزاء. وفي ذلك اليوم يخرجون من الأرض بعد ان تتشقق عنهم مسرعين الى المحشَر. {ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ}. هو عظيم بما فيه من الاهوال ولكنه علينا سهلٌ يسير. ثم يخاطب الرسولَ الكريم مسلياً له بقوله: {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ} فاتركهم إلينا، {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} ولا مسيطِر حتى تجبرهم على الإيمان. ما عليك الا البلاغ، ولذلك {فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ}.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْبِلاَدِ} (36) - وَكَثيراً مِنَ الأمَمِ الخَالِيَةِ أهْلَكَها اللهُ تَعَالَى، وَكَانُوا أشَدَّ مِنْ كُفَّارِ قُريشٍ بَطْشاً، وأكثرَ مِنْهُم قُوَّةً، وَسَلَكُوا في الأرضِ كُلَّ مَسْلَكٍ، وَسَاروا في كلِّ طَريقٍ يَطُوفُونَ في البِلاَدِ طَلباً للرِّزقِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَهْربٌ مِنْ قَضَاءِ اللهِ وأمْرهِ حِينَما جَاءَهُمْ، فَلْيَحْذَرْ كُفَّارُ قُريشٍ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مِثْلُمَا نَزَلَ بِتْلِكَ الأُمَمِ الخَالِيَةِ مِنَ العَذَابِ وَالدَّمَارِ. كَمْ أهْلَكْنا - كَثِيراً مَا أهْلَكْنا. قرْنٍ - أمَّةٍ. بَطْشاً - قُوَّةً أوْ أخْذاً شَدِيداً. نَقَّبُوا - طَوَّفُوا. مَحِيصٍ - مَهْرَبٍ.

الثعلبي

تفسير : {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ} قال ابن عبّاس: أثروا. مجاهد: ضربوا. الضحّاك: طافوا. النضر بن شميل: دوحوا. الفرّاء: خرقوا. المؤرخ: تباعدوا. ومنه قول امرئ القيس: شعر : لقد نقبّت في الأفاق حتّى رضيت من الغنيمة بالإيابِ تفسير : وقرأ الحسن فنقّبوا بفتح القاف مخفّفة. وقرأ السلمي ويحيى بن معمر بكسر القاف مشدّداً على التهديد والوعيد أي طوّفوا في البلاد، وسيروا في الأرض، فانظروا {هَلْ مِن مَّحِيصٍ} من الموت وأمر الله سبحانه. {إِنَّ فِي ذَلِكَ} أي في القرى التي أهلكت والعِبر التي ذكرت {لَذِكْرَىٰ} التذكرة {لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} أي عقل، فكنّي عن العقل بالقلب لأنّه موضعه ومتبعه. قال قتادة: لمن كان له قلب حيّ، نظيره {أية : لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً}تفسير : [يس: 70]، وقال الشبلي: قلب حاضر مع الله لا يغفل عنه طرفة عين، وقال يحيى بن معاذ: القلب قلبان: قلب قد احتشى بأشغال الدنيا حتى إذا حضر أمر من أمور الآخرة لم يدر ما يصنع من شغل قلبه بالدنيا. وقلب قد احتشى بأهوال الآخرة، حتّى إذا حضر أمر من أمور الدنيا لم يدر ما يصنع لذهاب قلبه في الآخرة. وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سألت أبا الحسن علي بن عبد الرّحمن العباد عن هذه الآية، فقال: معناها إنّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب مستقرّ لا يتقلّب عن الله في السراء والضراء. {أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ} أي استمع القرآن، يقول العرب: ألقِ إليَّ سمعك أي استمعْ، وقال الحسين بن الفضل: يعني وجه سامعه وحولها إلى الذكر كما يقال اتبعي إليه. {وَهُوَ شَهِيدٌ} أي حاضر القلب، وقال قتادة: وهو شاهد على ما يقرأ ويسمع في كتاب الله سبحانه من حبّ محمّد صلى الله عليه وسلم وذكره. {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} إعياء وتعب. نزلت في اليهود حيث قالوا: يا محمد أخبرنا ما خلق الله تعالى من الخلق في هذه الأيّام الستّة؟ فقال صلى الله عليه وسلم "حديث : خلق الله تعالى الأرض يوم الأحد والاثنين، والجبال يوم الثلاثاء والمدائن والأنهار والأقوات يوم الأربعاء، والسماوات والملائكة يوم الخميس، إلى ثلاث ساعات من يوم الجمعة وخلق في أوّل الثلاث ساعات الآجال، وفي الثانية الآفة، وفي الثالثة آدم ". تفسير : قال: قالوا: صدقت إن أتممت. فقال: وما ذاك؟ فقالوا: ثمّ استراح يوم السبت واستلقى على العرش فأنزل الله سبحانه هذه الآية. {فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} فإنّ الله سبحانه لهم بالمرصاد، {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} يعني قل: سبحان الله والحمد لله. عن عطاء الخراساني، وقال الآخرون: وصلّ بأمر ربّك وتوفيقه، {قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ} يعني صلاة الصبح، {وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ} صلاة العصر، وروي عن ابن عباس، {وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ}: يعني الظهر والعصر، {وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ} يعني صلاة العشائين، وقال مجاهد: من الليل كلّه، يعني: صلاة الليل، في أي وقت صلّى، {وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ} قال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبو هريرة والحسن بن علي والحسن البصري والنخعي والشعبي والأوزاعي: أدبار السجود: الركعتان بعد المغرب، وأدبار النجوم: الركعتان قبل الفجر، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، وقد روي عنه مرفوعاً أخبرنيه عقيل قال: أخبرنا المعافى، قال حدثنا ابن جرير، قال: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن فضيل عن رشيد بن كريب عن أبيه عن ابن عباس قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : يا ابن عباس ركعتان بعد المغرب أدبار السجود ". تفسير : وقال أنس بن مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من صلّى بعد المغرب ركعتين قبل أن يتكلم كتبت صلاته في عليّين"تفسير : ، قال أنس: يقرأ في الركعة الأولى: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ} تفسير : [الكافرون: 1] وفي الأخرى: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} تفسير : [الصمد:1 ]. قال مقاتل: وقتهما مالم يغب الشفق، وقال مجاهد: هو التسبيح باللسان في أدبار الصلوات المكتوبات، ورواه عن ابن عباس. وقال ابن زيد: هو النوافل أدبار المكتوبات. واختلف القرّاء في قوله: {وَأَدْبَارَ}، فقرأ الحسن والأعرج وخارجة وأبو عمر ويعقوب وعاصم والكسائي: بفتح الألف، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، وقرأ الآخرون: بالكسر، وهي قراءة عليّ وابن عباس. وقال بعض العلماء في قوله سبحانه: {قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ} قال: ركعتي الفجر، {وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ} قال: الركعتين قبل المغرب. روى عمارة بن زاذان عن ثمامة بن عبد الله عن أنس بن مالك قال: كان ذوو الألباب من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يصلّون الركعتين قبل المغرب. وروى شعبة عن يزيد بن جبير عن خالد بن معدان عن رغبان مولى حبيب بن مسلمة قال: رأيت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يهبّون إليها كما يهبّون إلى المكتوبة يعني الركعتين قبل المغرب. وقال قتادة: ما أدركت أحداً يصلّي الركعتين قبل المغرب إلاّ أنس وأبا برزة. {وَٱسْتَمِعْ} يا محمد صيحة القيامة {يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ} إسرافيل عليه السلام تأتيه العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة: إن الله [يأمركن] أن تجتمعن بفصل القضاء. {مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} صخرة بيت المقدس، وهي وسط الأرض وأقرب الأرض الى السماء بثمانية عشر ميلا، {يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقِّ} وهي النفخة الأخيرة، { ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ} من القبور. {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِـي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً} جمع سريع، وهو نصب على الحال، مجازه: فيخرجون سراعاً، {ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ * نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ}: بمسلط قهّار يجبرهم على الاسلام، إنما بعثت مذكِراً مجدِداً. قال ثعلب: قد جاءت أحرف فعّال بمعنى مفعل وهي شاذة، جبّار بمعنى مُجْبر، ودرّاك بمعنى مدرك، وسرّاع بمعنى مسرع، وبكّاء بمعنى مبك، وعدّاء بمعنى معد، وقد قريء: {أية : وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ} تفسير : [غافر: 29] بمعنى المرشد، وسمعت أبا منصور الجمشاذي يقول: سمعت أبا حامد الجازرنجي يقول: (العون) سيفٌ سقّاط، بمعنى مُسْقط. وقال بعضهم: الجبّار من قولهم جَبَرتْه على الأمر بمعنى أجبرته، وهي لغة كنانة وهما لغتان. وقال الفرّاء: وضع الجبّار في موضع السلطان من الجبرية. قال: وأنشدني المفضّل: شعر : ويوم الحزن إذ حشدت مَعدٌ وكان الناس إلا نحن دينا عصتنا عزمة الجبّار حتى صبحنا الجوف ألفاً معلمينا تفسير : قال: أراد بالجبّار المنذر بن النعمان لولايته. {فَذَكِّرْ} يا محمّد {بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيد} قال ابن عباس: قالوا يا رسول الله لو خوّفتنا؟ فنزلت {فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : (كم) هنا خبرية تفيد الكثرة، أي كثيراً ما أهلكنا {قَبْلَهُمْ ..} [ق: 36] أي: قبل قومك قريش {مِّن قَرْنٍ ..} [ق: 36] هم الجماعة الذين عاشوا في زمن محدود، وقدَّروه بمائة عام. وقد يزيد القرن في المعنى عن هذا إذا ارتبط بنبي مثل قوم نوح عليه السلام، فقد اقترنوا جميعاً في نبوته التي استمرت ألف سنة إلا خمسين عاماً، فالقرن من الاقتران، سواء أكان الاقتران في زمن ملِك أو نبي أو حدث. وفي آية أخرى بيَّن الحق سبحانه كيف أهلك الأمم المكذبة بهم قبلهم، فقال سبحانه: {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا ..}تفسير : [العنكبوت: 40]. وكل هؤلاء كانوا أشد من قريش قوة وبطشاً، وأين هم من إرم ذات العماد التي لم يُخلق مثلها في البلاد؟ وأين هم من فرعون ذي الأوتاد. {فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ ..} [ق: 36] تنقلوا فيها وسافروا خلالها، والتنقُّل دليل القوة والتمكين، وأنهم غير مشغولين بأمور حياتهم. وقد بيَّن الحق سبحانه أن الانتقال والسير في الأرض قد يكون للاعتبار كما جاء في قوله سبحانه {أية : قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ ..}تفسير : [النمل: 69] وقد يكون لطلب الرزق والسياحة كما في قوله تعالى: {أية : قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ ..}تفسير : [الأنعام: 11]. إذن: {فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ ..} [ق: 36] ساروا خلالها للمتعة وللانتفاع، حيث لم يكتفوا بما في أوطانهم، بل جابوا أوطاناً أخرى، ولا يفعل ذلك إلى القوي، أما الضعيف فلا يبرح مكانه ويرضى بالقليل. وفي موضع آخر قال عنهم {أية : وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا ..}تفسير : [الروم: 9]. وكلمة نقب تدل على البحث عن غير الظاهر عن المستور في باطن الأرض. إذن: لم يكتفوا بالظاهر من النعم وبحثوا عن المستور منها. وقوله: {هَلْ مِن مَّحِيصٍ} [ق: 36] أي: ملجأ يلجأون إليه ويحميهم من العذاب، والمعنى أن هؤلاء مع ما هم فيه من القوة والتمكين والسير في جنبات الأرض لما نزل بهم العذاب لم يجدوا لهم ملجأ يحميهم، ولا مأوى يدفع عنهم عذاب الله. وكلمة {مَّحِيصٍ} [ق: 36] من حاص فهو حايص. نقولها حتى في العامية يعني: حائر يذهب إلى هنا، ويذهب إلى هناك، فلا يغيثه أحد، فلا مهرب ولا مفرّ. وجاء بالمعنى المراد في صيغة الاستفهام {هَلْ مِن مَّحِيصٍ} [ق: 36] لتجيب أنت وتقر بالواقع، هل وجدوا ملجأ يلجأون إليه من العذاب؟ والجواب لا. وهذه الآية وردت لتسلية سيدنا رسول الله والتخفيف عنه لما يلاقيه من عنت قومه وعنادهم، كأنه تعالى يقول لنبيه: لا تحزن يا محمد وخُذْ أسوة بإخوانك من الرسل السابقين، فالغلبة لك في نهاية الأمر.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ} معناه تَباعدُوا فيهِ. وقوله تعالى: {هَلْ مِن مَّحِيصٍ} أي هل منَ مَعدلٍ.

الجيلاني

تفسير : ثم قال سبحانه تهديداً على من أعرض عن دينه ونبيه: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ} أي: قبل قومك يا أكمل الرسل {مِّن قَرْنٍ} أي: أهله، مع أنه {هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً} قوة وقدرة، وأكثر أموالاً وأولاداً، كعاد وثمود وفرعون وغيرهم {فَنَقَّبُواْ} أي: انصرفوا وانقبلوا وساروا {فِي ٱلْبِلاَدِ} متمنين {هَلْ} يجدون {مِن مَّحِيصٍ} [ق: 36] مهرب ومخلص من بطش الله وحلول عذابه عليهم، فلم يجدوا بعدما استحقوا التعذيب والإهلاك، وبالآخرة هلكوا واستؤصلوا حتماً، فكذا هؤلاء المسرفون المعاندون سيهلكون كما هلكوا، وبالجملة: {إِنَّ فِي ذَلِكَ} القرآن العظيم، الذي نزل عليك يا أكمل الرسل {لَذِكْرَىٰ} عظة وتذكيراً وعبرة وتنبيهاً {لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} يتفطن من تقلبات الأحوال وتطوراتها إلى شئون الحق وتجلياته الجمالية والجلالية حسب اقتضاء الذات بالإدارة والاختيار، وكمالات الأسماء والصفات {أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ} أي: يكون من أرباب الإرادة الصادقة الخالصة عن شوب السمعة ورعونات الرياء، ألقى سمعه إلى استماع كلمة الحق من أهله {وَهُوَ} حينئذ {شَهِيدٌ} [ق: 37] حاضر القلب، فارغ الهم، حديد الفطنة، صحيح الإرادة، خالص العزيمة. ثم لما قال اليهود: إن الله خلق العالم في ستة أيام من الأسبوع، وبعدما عيّ من الخلق والإيجاد استلقى على العرش في يوم الست للاستراحة، رد الله عليهم فقال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا} وأظهرنا {ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا} من الكائنات الممتزجة منهما {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ} مع ذلك {مَا مَسَّنَا} ولحقنا {مِن لُّغُوبٍ} [ق: 38] وصب وتعب وإعياء وفتور؛ إذ ذاتنا منزهة عن طريان أمثال هذه النقائض الإمكانية. {فَٱصْبِرْ} يا أكمل الرسل {عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} وينسبون إلى الله الصمد القدوس من أمثال هذه المفتريات الباطلة، الناشئة من جهلهم المفرط بالله وبمقتضى ألوهيته وربوبيته {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} بمقتضى توحيدك وتمجيدك إياه، ونزِّه ذاته عما يقول الظالمون الجاحدون، الجاهلون بقدره وعلو شأنه، وتوجه نحوه سبحانه في عموم أوقاتك وحالاتك سيما {قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ} [ق: 39] يعني: كلا طرفي النهار؛ إذ هما أوان الفراغ من مطلق الأشغال. {وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ} في خلال تهجداتك {وَ} بالجملة: سبِّحه {أَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ} [ق: 40] أي: عقب كل صلاة ذات ركوع وسجود. ثم قال سبحانه آمراً لحبيبه صلى الله عليه وسلم {وَٱسْتَمِعْ} يا أكمل الرسل النداء والهائل {يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ} من قب الحق؛ لقيام الساعة والبعث {مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} [ق: 41] بكل أحد، بحيث يسمعه بلاك كلفة وشبهة، فيقول: أيتها العظام البالية واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة، إن الله يأمركن أن تجتمعن للحساب والجزاء. {يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ} النفخة الثانية ملبسة {بِٱلْحَقِّ} تحققوا حنيئذٍ أن {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ} [ق: 42] من القبور والبعث والنشور، وبالجملة: {إِنَّا} من كمال قدرتنا وحكمتنا {نَحْنُ نُحْيِـي وَنُمِيتُ} في النشأة الأولى بالإدارة {وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ} [ق: 43] أي: مصير الكل ومرجعهم إلينا في النشأة الأخرى. اذكر يا أكمل الرسل لمن أنكر الحشر والميعاد {يَوْمَ تَشَقَّقُ} أي: تنشق وتتخرق {ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ} ويخرجون منها {سِرَاعاً} مسرعين {ذَلِكَ} أي: إخراجهم وخروجهم كذلك {حَشْرٌ} وبعث وجمع {عَلَيْنَا يَسِيرٌ} [ق: 44] سهل. لا تستبعدوا ولا تستعسروا عن قدرتنا الكاملة أمثال هذا: إذ {نَّحْنُ أَعْلَمُ} وأحفظ {بِمَا يَقُولُونَ} أي: المنكرون، المشركون في سرائرهم ونجواهم {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ} يا أكمل الرسل {بِجَبَّارٍ} تردعهم وتزجرهم عما هم عليه من الإنكار والإصرار، بل ما أنت إلا مذكر. {فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ} أي: بوعيداته وإنذاراته {مَن يَخَافُ وَعِيدِ} [ق: 45] إذ لا ينفع تذكيرك إلا للخائف منهم، ومن لم يخف ليس لك عليهم سلطان ليزعجهم إلى الإيمان، ويلجئهم إلى قبول الإسلام؛ إذ ما عليك إلا البلاغ والتذكير، والتوفيق من الله العليم الخبير. خاتمة السورة عليك أيها المحمدي المترقب لتوفيق الحق في عموم أحوالك - وفقك الله على سلوط طريق توحيده - أن تفرغ همك عما سوى الحق، وتصفي سرك عن مطلق الشواغل المنافية لصرافة الواحدة الذاتية، وكن في نفسك خائفاً من غضب ربك، راجياً من عفوه وغفرانه في عموم أعمالك التي جئت بها تقرباً إليه، مفوضاً أمورك كلها إلى مشيئته، وبالجملة: عليك أن تتذكر بوعيدات القرآن ومواعيده المستلزمة لصلاح الدارين، وفلاح النشأتين. وإياك الإعراض عن الحق وأهله، والانصراف عن معالم الدين المنزل من عنده سبحانه، لتبيين مسالك توحيده. جعلنا الله من زمرة الراسخين، المتمكنين في معالم الدين القويم بمنِّه وجوده.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى -مخوفًا للمشركين المكذبين للرسول:- { وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ } أي: أمما كثيرة هم أشد من هؤلاء بطشًا أي: قوة وآثارًا في الأرض. ولهذا قال: { فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ } أي: بنوا الحصون المنيعة والمنازل الرفيعة، وغرسوا الأشجار، وأجروا الأنهار، وزرعوا، وعمروا، ودمروا، فلما كذبوا رسل الله، وجحدوا آيات الله، أخذهم الله بالعقاب الأليم، والعذاب الشديد، فـ { هَلْ مِنْ مَحِيصٍ } أي: لا مفر لهم من عذاب الله، حين نزل بهم، ولا منقذ، فلم تغن عنهم قوتهم، ولا أموالهم، ولا أولادهم. { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ } أي: قلب عظيم حي، ذكي، زكي، فهذا إذا ورد عليه شيء من آيات الله، تذكر بها، وانتفع، فارتفع وكذلك من ألقى سمعه إلى آيات الله، واستمعها، استماعًا يسترشد به، وقلبه { شَهِيدٌ } أي: حاضر، فهذا له أيضا ذكرى وموعظة، وشفاء وهدى. وأما المعرض، الذي لم يلق سمعه إلى الآيات، فهذا لا تفيده شيئًا، لأنه لا قبول عنده، ولا تقتضي حكمة الله هداية من هذا وصفه ونعته.

همام الصنعاني

تفسير : 2962- حدثنا عبد الرزاقن عن معمر، عن قتادة في قوله: {فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ}: [الآية: 36]، قال: حاص أعداءُ اللهِ، فَوَجَدُوا أمر الله لهم مُدْرِكاً.