٥٠ - ق
50 - Qaf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
41
Tafseer
الرازي
تفسير : هذا إشارة إلى بيان غاية التسبيح، يعني اشتغل بتنزيه الله وانتظر المنادي كقوله تعالى: {أية : وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } تفسير : [الحجر: 99] وفيه مسائل: المسألة الأولى: ما الذي يستمعه؟ قلنا: يحتمل وجوهاً ثلاثة. أحدها: أن يترك مفعوله رأساً ويكون المقصود كن مستمعاً ولا تكن مثل هؤلاء المعرضين الغافلين، يقال هو رجل سميع مطيع ولا يراد مسموع بعينه كما يقال فلان وكاس، وفلان يعطي ويمنع. ثانيهما: استمع لما يوحي إليك. ثالثها: استمع نداء المنادي. المسألة الثانية: {يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ } منصوب بأي فعل؟ نقول: هو مبني على المسألة الأولى، إن قلنا استمع لا مفعول له فعامله ما يدل عليه قوله تعالى: {أية : يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ } تفسير : [قۤ: 42] تقديره: يخرجون يوم ينادي المنادي، وإن قلنا مفعوله لما يوحى فتقديره (واستمع) لما يوحى (يوم ينادي) ويحتمل ما ذكرنا وجهاً آخر، وهو ما يوحي أي ما يوحى {يَوْم يُنَادِ ٱلْمُنَادِ } اسمعه، فإن قيل: استمع عطف على فاصبر وسبح وهو في الدنيا، والاستماع يكون في الدنيا، وما يوحى {يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ } لا يستمع في الدنيا، نقول ليس بلازم ذلك لجواز أن يقال صل وادخل الجنة أي صل في الدنيا وادخل الجنة في العقبـى، فكذلك ههنا، ويحتمل أن يقال بأن استمع بمعنى انتظر فيحتمل الجمع في الدنيا، وإن قلنا استمع الصيحة وهو نداء المنادي: يا عظام انتشري، والسؤال الي ذكره علم الجواب منه، وجواب آخر نقوله حينئذ وهو أن الله تعالى قال: {أية : وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء ٱللَّهُ } تفسير : [الزمر: 68] قلنا: إن من شاء الله هم الذين علموا وقوع الصيحة، واستيقظوا لها فلم تزعجهم كمن يرى برقاً أومض، وعلم أن عقبيه يكون رعد قوي فينظره ويستمع له، وآخر غافل فإذا رعد بقوة ربما يغشى على الغافل ولا يتأثر منه المستمع، فقال: استمع ذلك كي لا تكون ممن يصعق في ذلك اليوم. المسألة الثانية: ما الذي ينادي المنادي؟ فيه وجوه محتملة منقولة معقولة وحصرها بأن نقول المنادي إما أن يكون هو الله تعالى أو الملائكة أو غيرهما وهم المكلفون من الإنس والجن في الظاهر، وغيرهم لا ينادي، فإن قلنا هو تعالى فيه وجوه. أحدها: ينادي: {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوٰجَهُمْ } تفسير : [الصافات: 22]. ثانيها: ينادي {أية : أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ } تفسير : [قۤ: 24] مع قوله: {أية : أدخلوها بسلام} تفسير : [قۤ: 34] ومثله قوله تعالى: {أية : خُذُوهُ فَغُلُّوهُ } تفسير : [الحاقة: 30] يدل على هذا قوله تعالى: {يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } [قۤ: 41] وقال: {أية : وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } تفسير : [سبأ: 51]. ثالثها: غيرهما لقوله تعالى: {يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِى } وغير ذلك، وأما على قولنا المنادي غير الله ففيه وجوه أيضاً. أحدها: قول إسرافيل: أيتها العظام البالية اجتمعوا للوصل واستمعوا للفصل. ثانيها: النداء مع النفس يقال للنفس ارجعي إلى ربك لتدخلي مكانك من الجنة أو النار. ثالثها: ينادي مناد هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار، كما قال تعالى: {أية : فَرِيقٌ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى ٱلسَّعِيرِ } تفسير : [الشورى: 7] وعلى قولنا المنادي هو المكلف فيحتمل أن يقال هو ما بين الله تعالى في قوله: {أية : وَنَادَوْاْ يٰمَـٰلِكُ } تفسير : [الزخرف: 77] أو غير ذلك إلا أن الظاهر أن المراد أحد الوجهين الأولين، لأن قوله المنادي للتعريف وكون الملك في ذلك اليوم منادياً معروف عرف حاله وإن لم يجر ذكره، فيقال: قال صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن قد سبق ذكره، وأما أن الله تعالى مناد فقد سبق في هذه السورة في قوله: {أية : أَلْقِيَا } تفسير : [قۤ: 24] وهذا نداء، وقوله: {أية : يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ } تفسير : [قۤ: 30] وهو نداء، وأما المكلف ليس كذلك، وقوله تعالى: {مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } إشارة إلى أن الصوت لا يخفى على أحد بل يستوي في استماعه كل أحد وعلى هذا فلا يبعد حمل المنادي على الله تعالى إذ ليس المراد من المكان القريب نفس المكان بل ظهور النداء وهو من الله تعالى أقرب، وهذا كما قال في هذه السورة: {أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ } تفسير : [قۤ: 16] وليس ذلك بالمكان. ثم قال تعالى:
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} مفعول الاستماع محذوف؛ أي ٱستمع النداء والصوت أو الصيحة وهي صيحة القيامة، وهي النفخة الثانية، والمنادي جبريل. وقيل: إسرافيل. الزمخشري: وقيل إسرافيل ينفخ وجبريل ينادي، فينادي بالحشر ويقول: هَلُمّوا إلى الحساب فالنداء على هذا في المحشر. وقيل: وٱستمع نداء الكفار بالويل والثبور من مكان قريب، أي يسمع الجميع فلا يبعد أحد عن ذلك النداء. قال عكرمة: ينادي منادي الرحمٰن فكأنما ينادي في آذانهم. وقيل: المكان القريب صخرة بيت المقدس. ويقال: إنها وسط الأرض وأقرب الأرض من السماء باثني عشر ميلاً. وقال كعب: بثمانية عشر ميلاً، ذكر الأوّلَ القشيري والزمخشري، والثاني الماوردي. فيقف جبريل أو إسرافيل على الصخرة فينادي بالحشر: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، ويا عظاماً نخرة، ويا أكفاناً فانية، ويا قلوباً خاوية، ويا أبداناً فاسدة، ويا عيوناً سائلة، قوموا لعرض رب العالمين. قال قتادة: هو إسرافيل صاحب الصّور. {يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقِّ} يعني صيحة البعث. ومعنى «الْخُرُوجِ» الاجتماع إلى الحساب. {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ} أي يوم الخروج من القبور. {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِـي وَنُمِيتُ} نميت الأحياء ونحيـي الموتى؛ أثبت هنا الحقيقة {يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً} إلى المنادي صاحب الصّور إلى بيت المقدس. {ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} أي هيّن سهل. وقرأ الكوفيون «تَشَقَّقُ» بتخفيف الشين على حذف التاء الأولى. الباقون بإدغام التاء في الشين. وأثبت ٱبن محيصن وٱبن كثير ويعقوب ياء «المنادى» في الحالين على الأصل، وأثبتها نافع وأبو عمرو في الوصل لا غير، وحذف الباقون في الحالين. قلت: وقد زادت السنة هذه الآية بياناً؛ فروى الترمذي عن معاوية بن حَيْدة حديث : عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في حديث ذكره، قال وأشار بيده إلى الشام فقال: «من هاهنا إلى هاهنا تحشرون ركباناً ومشاة وتُجرُّون على وجوهكم يوم القيامة على أفواهكم الفِدَام تُوفُون سبعين أمة أنتم خيرهم وأكرمهم على الله وإن أول ما يعرب عن أحدكم فخذه» تفسير : في رواية أخرى «حديث : فخذه وكفّه» تفسير : وخرّج عليّ بن معبد عن أبي هريرة حديث : عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في حديث ذكره: ثم يقول ـ يعني الله تعالى ـ لإسرافيل: «انفخ نفخة البعث فينفخ فتخرج الأرواح كأمثال النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض فيقول الله عز وجل وعزتي وجلالي ليرجعنّ كلّ رُوح إلى جسده فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد ثم تدخل في الخياشيم فتمشي في الأجساد مشي السم في اللديغ ثم تنشق الأرض عنكم وأنا أوّل من تنشق عنه الأرض فتخرجون شباباً كلكم أبناء ثلاث وثلاثين واللسان يومئذ بالسريانية» تفسير : وذكر الحديث، وقد ذكرنا جميع هذا وغيره في «التذكرة» مستوفى والحمد لله. قوله تعالى: {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ} أي من تكذيبك وشتمك. {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} أي بمسلَّط تجبرهم على الإسلام؛ فتكون الآية منسوخة بالأمر بالقتال. والجبّار من الجبرِية والتسلّط إذ لا يقال جبّار بمعنى مُجبِر، كما لا يقال خرّاج بمعنى مُخرِج؛ حكاه القشيري. النحاس: وقيل معنى جبّار لست تُجبِرهم، وهو خطأ لأنه لا يكون فَعّال من أفعل. وحكى الثعلبي: وقال ثعلب قد جاءت أحرف فَعّال بمعنى مُفعِل وهي شاذة، جبّار بمعنى مُجبِر، ودرّاك بمعنى مُدرِك، وسَرّاع بمعنى مُسرِع، وبَكّاء بمعنى مُبكٍ، وعدَّاء بمعنى مُعدٍ. وقد قرىء {أية : وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ} تفسير : [غافر: 29] بتشديد الشين بمعنى المرشد وهو موسى. وقيل: هو الله. وكذلك قرىء {أية : أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} تفسير : [الكهف: 79] يعني ممسكين. وقال أبو حامد الخارْزَنجِيّ: تقول العرب: سيف سَقَّاط بمعنى مُسقِط. وقيل: «بِجَبَّارٍ» بمسيطر كما في الغاشية {أية : لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ}تفسير : [الغاشية: 22]. وقال الفرّاء: سمعت من العرب من يقول جَبَره على الأمر أي قهره، فالجبّار من هذه اللغة بمعنى القهر صحيح. وقيل: الجبّار من قولهم جبرته على الأمر أي أجبرته وهي لغة كنانية وهما لغتان. الجوهري: وأجبرته على الأمر أكرهته عليه، وأجبرته أيضاً نسبته إلى (الجبر، كما تقول أكفرته إذا نسبته إلى الكفر). {فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} قال ٱبن عباس: قالوا: يا رسول الله لو خوفتنا فنزلت: {فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} أي ما أعددته لمن عصاني من العذاب؛ فالوعيد العذاب والوعد الثواب، قال الشاعر:شعر : وإنِّي وإنْ أَوْعَدْتُهُ أو وَعَدْتُهُ لَمُخْلِفُ إِيعَادِي ومُنْجِزُ مَوْعِدي تفسير : وكان قتادة يقول: اللهم ٱجعلنا ممن يخاف وعيدك ويرجو موعدك. وأثبت الياء في «وعِيدِي» يعقوب في الحالين، وأثبتها ورش في الوصل دون الوقف، وحذف الباقون في الحالين. والله أعلم. تم تفسير سورة «قۤ» والحمد لله.
البيضاوي
تفسير : {وَٱسْتَمِعْ } لما أخبرك به من أحوال القيامة، وفيه تهويل وتعظيم للمخبر به. {يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ } إسرافيل أو جبريل عليهما الصلاة والسلام فيقول: أيتها العظام البالية واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. {مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } بحيث يصل نداؤه إلى الكل على سواء، ولعله في الإِعادة نظيركن في الإِبداء، ويوم نصب بما دل عليه يوم الخروج. {يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ } بدل منه و {ٱلصَّيْحَةَ } النفخة الثانية. {بِٱلْحَقّ } متعلق بـ {ٱلصَّيْحَةَ } والمراد به البعث للجزاء. {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ } من القبور، وهو من أسماء يوم القيامة وقد يقال للعيد. {إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ وَنُمِيتُ } في الدنيا. {وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ } للجزاء في الآخرة. {يَوْمَ تَشَقَّقُ } تتشقق، وقرى «تنشق». وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف وأبو عمرو بتخفيف الشين. {ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً } مسرعين. {ذَلِكَ حَشْرٌ } بعث وجمع. {عَلَيْنَا يَسِيرٌ } هين، وتقديم الظرف للاختصاص فإن ذلك لا يتيسر إلا على العالم القادر لذاته الذي لا يشغله شأن عن شأن، كما قال الله تعالى: {أية : مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وٰحِدَةٍ }تفسير : [لقمان: 28] {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ } تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتهديد لهم. {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ } بمسلط تقسرهم على الإِيمان، أو تفعل بهم ما تريد وإنما أنت داع. {فَذَكّرْ بِٱلْقُرْءانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ } فإنه لا ينتفع به غيره. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة «ق» هون الله عليه تارات الموت وسكراته»تفسير : . والله أعلم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {وَٱسْتَمِعْ} يا محمد {يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} قال قتادة: قال كعب الأحبار: يأمر الله تعالى ملكاً أن ينادي على صخرة بيت المقدس: أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة إن الله تعالى يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء {يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقِّ} يعني: النفخة في الصور التي تأتي بالحق الذي كان أكثرهم فيه يمترون {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ} أي من الأجداث { إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ} أي هو الذي يبدأ الخلق، ثم يعيده، وهو أهون عليه، وإليه مصير الخلائق كلهم، فيجازي كلاًّ بعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. وقوله تعالى: {يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً} وذلك أن الله عز وجل ينزل مطراً من السماء ينبت به أجساد الخلائق كلها في قبورها، كما ينبت الحب في الثرى بالماء، فإذا تكاملت الأجساد، أمر الله تعالى إسرافيل، فينفخ في الصور، وقد أودعت الأرواح في ثقب في الصور، فإذا نفخ إسرافيل فيه، خرجت الأرواح تتوهج بين السماء والأرض، فيقول الله عز وجل: وعزتي وجلالي لترجعن كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره، فترجع كل روح إلى جسدها، فتدب فيه كما يدب السم في اللديغ، وتنشق الأرض عنهم، فيقومون إلى موقف الحساب سراعاً مبادرين إلى أمر الله عز وجل {أية : مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ يَقُولُ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} تفسير : [القمر: 8] وقال تعالى: {أية : يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [الإسراء: 52]. وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنا أول من تنشق عنه الأرض»تفسير : ، وقوله عز وجل: {ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} أي تلك إعادة سهلة علينا، يسيرة لدينا؛ كما قال جل جلاله: {أية : وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَٰحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ} تفسير : [القمر: 50]. وقال سبحانه وتعالى: {أية : مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَٰحِدَةٍ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} تفسير : [لقمان: 28] وقوله جل وعلا: {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ} أي نحن علمنا محيط بما يقول لك المشركون من التكذيب، فلا يهولنك ذلك؛ كقوله: {أية : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } تفسير : [الحجر: 97 ــــ 99]. وقوله تبارك وتعالى: {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} أي ولست بالذي تجبر هؤلاء على الهدى، وليس ذلك مما كلفت به. وقال مجاهد وقتادة والضحاك: {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} أي لا تتجبر عليهم، والقول الأول أولى، ولو أراد ما قالوه لقال: ولا تكن جباراً عليهم، وإنما قال: {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} بمعنى: وما أنت بمجبرهم على الإيمان، إنما أنت مبلغ، وقال الفراء: سمعت العرب تقول: جبر فلان فلاناً على كذا: أجبره، ثم قال عز وجل: {فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} أي بلغ أنت رسالة ربك؛ فإنما يتذكر من يخاف الله ووعيده، ويرجو وعده؛ كقوله تعالى: {أية : فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ} تفسير : [الرعد: 40] وقوله جل جلاله: {أية : فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ } تفسير : [الغاشية: 21 ــــ 22] {أية : لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} تفسير : [البقرة: 272] {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ} تفسير : [القصص: 56] ولهذا قال تعالى ههنا: {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} كان قتادة يقول: اللهم اجعلنا ممن يخاف وعيدك، ويرجو موعودك، يابار يا رحيم آخر تفسير سورة ق، والحمد لله وحده، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱسْتَمِعْ } يا مخاطب مقولي {يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ } هو إسرافيل {مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } من السماء وهو صخرة بيت المقدس أقرب موضع من الأرض إلى السماء يقول: أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرّقة إنّ الله يأمركنّ أن تجتمعن لفصل القضاء.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنَادِ} هذه الصيحة التي ينادي بها المنادي من مكان قريب هي النفخة الثانية التي للبعث إلى أرض المحشر. ويحتمل وجهاً آخر، أنه نداؤه في المحشر للعرض والحساب. وفي قوله: {مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} وجهان: أحدهما: أنه يسمعها كل قريب وبعيد، قاله ابن جريج. الثاني: أن الصيحة من مكان قريب. قال قتادة: كنا نحدث أنه ينادي من بيت المقدس من الصخرة وهي أوسط الأرض: يا أيتها العظام البالية، قومي لفصل القضاء وما أعد من الجزاء. وحدثنا، أن كعباً قال: هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً. قوله عز وجل: {يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ} فيه وجهان: أحدهما: يعني بقول الحق. الثاني: بالبعث الذي هو حق. {ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ} فيه وجهان: أحدهما: الخروج من القبور. الثاني: أن الخروج من أسماء القيامة. قال العجاج: شعر : وليس يوم سمي الخروجا أعظم يوم رجه رجوجا تفسير : قوله عز وجل: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: نحن أعلم بما يجيبونك من تصديق أو تكذيب. الثاني: بما يسرونه من إيمان أو نفاق. {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني برب، قاله الضحاك، لأن الجبار هو الله تعالى سلطانه. الثاني: متجبر عليهم متسلط، قاله مجاهد. ولذلك قيل لكل متسلط جبار. قال الشاعر: شعر : وكنا إذا الجبار صعر خده أقمنا له من صعره فتقوما تفسير : وهو من صفات المخلوقين ذم. الثالث: أنك لا تجبرهم على الإسلام من قولهم قد جبرته على الأمر إذا قهرته على أمر، قاله الكلبي. {فَذَكِّرْ بِالْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} الوعيد العذاب، والوعد الثواب. قال الشاعر: شعر : وإني وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي تفسير : قال قتادة: اللهم اجعلنا ممن يخاف وعيدك ويرجو موعدك. وروي أنه قيل: يا رسول الله لو خوفتنا فنزلت {فَذَكِّرْ بِالْقُرءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ}.
ابن عطية
تفسير : قوله تعالى: {واستمع} بمنزلة، وانتظر، وذلك أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بأن يستمع في يوم النداء، لأن كل من فيه يستمع وإنما الآية في معنى الوعيد للكفار، وقيل لمحمد تحسس وتسمع هذا اليوم وارتقبه، وهذا كما تقول لمن تعده بورود فتح استمع كذا وكذا، أي كن منتظراً له مستمعاً، وعلى هذا فنصب {يوم} إنما هو على المفعول الصريح. وقرأ ابن كثير: "المنادي" بالياء في الوصل والوقف على الأصل الذي هو ثبوتها، إذ الكلام غير تام وإنما الحذف ابداً في الفواصل، والكلام التام تشبيهاً بالفواصل. وقرأ أبو عمرو ونافع، بالوقف بغير ياء لأن الوقف موضع تغيير، ألا ترى أنها تبدل من التاء فيه الهاء في نحو طلحة وحمزة، ويبدل من التنوين الألف ويضعف فيه الحرف كقولك هذا فرج، ويحذف فيه الحرف في القوافي، وقرأ الباقون وطلحة والأعمش وعيسى بحذف الياء في الوصل والوقف جميعاً وذلك اتباع لخط المصحف، وأيضاً فإن الياء تحذف مع التنوين فوجب أن تحذف مع معاقب التنوين وهي الألف واللام. وقوله تعالى: {من مكان قريب} قيل وصفه بالقرب من حيث يسمع جميع الخلق. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أن ملكاً ينادي من السماء: أيتها الأجسام الهامدة والعظام البالية والرمم الذاهبة، هلم إلى الحساب الوقوف بين يدي الله". تفسير : وقال كعب الأحبار وقتادة وغيرهما: المكان صخرة بيت المقدس واختلفوا في معنى صفته بالقرب فقال قوم: وصفها بذلك لقربها من النبي صلى الله عليه وسلم أي من مكة. وقال كعب الأحبار: وصفه بالقرب من السماء، وروي أنها أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً، وهذا الخبر إن كان بوحي، وألا سبيل للوقوف على صحته. و: {الصيحة} هي صيحة المنادي و: {الخروج} هو من القبور، و: "يومه" هو يوم القيامة، و {يوم الخروج} في الدنيا هو يوم العيد قال حسان بن ثابت: [الكامل] شعر : ولأنت أحسن إذ برزت لنا يوم الخروج بساحة القصر من درة أغلى الملوك بهــا مما تربَّب حائر البحر تفسير : وقوله تعالى: {يوم تشقق} العامل في {يوم}، {المصير}. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: "تشّقق" بتشديد الشين. وقرأ الباقون: "تشقق" بتخفيف الشين و: {سراعاً} حال قال بعض النحويين وهي من الضمير في قوله: {عنهم} والعامل في الحال {تشقق} وقال بعضهم التقدير: {يوم تشقق الأرض عنهم} يخرجون {سراعاً} فالحال من الضمير في: "يخرجون"، والعامل "يخرجون". وقوله تعالى: {ذلك حشر علينا يسير} كلام معادل لقول الكفرة: {أية : ذلك رجع بعيد} تفسير : [ق: 3]. وقوله تعالى: {نحن أعلم بما يقولون} وعيد محض للكفرة. واختلف الناس في معنى قوله: {وما أنت عليهم بجبار}. فقال قتادة: نهى الله عن التجبر وتقدم فيه، فمعناه: وما أنت عليهم بمتعظم من الجبروت. وقال الطبري وغيره معناه: وما أنت عليهم بمسلط تجبرهم على الإيمان، ويقال جبرته على كذا، أي قسرته فـ "جبار" بناء مبالغة من جبر وأنشد المفضل: [الوافر] شعر : عصينا عزمة الجبار حتى صحبنا الخوف إلفاً معلمينا تفسير : قال: أراد بـ "الجبار" النعمان بن المنذر لولايته، ويحتمل أن نصب عزمة على المصدر وأراد عصينا مقدمين عزمة جبار، فمدح نفسه وقومه بالعتو والاستعلاء أخلاق الجاهلية والحياة الدنيا، وروى ابن عباس أن المؤمنين قالوا: يا رسول الله لو خوفتنا، فنزلت: {فذكر بالقرآن من يخاف وعيد}. قال القاضي أبو محمد: ولو لم يكن هذا سبباً فإنه لما أعلمه أنه ليس بمسلط على جبرهم، أمره بالاقتصار على تذكير الخائفين من الناس.
ابن عبد السلام
تفسير : {يُنَادِ} بالنفخة الثانية إلى أرض المحشر {مَّكَانٍ قَرِيبٍ} صخرة بيت المقدس، أو وسط الأرض: يا أيتها العظام البالية قومي لفصل القضاء وما أعد من الجزاء وهي أقرب إلى السماء بثمانية عشرة ميلاً، أو يسمعها كل قريب وبعيد.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} واستمع بمنزلة: وانتظر، وكذا، أي: كُنْ مُنتظراً له، مستمعاً له، فعلى هذا فَنَصْبُ «يوم» إنَّما هو على المفعول الصريح. وقوله سبحانه: {مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} قيل: وصفه بالقرب من حيث يسمع جميع الخلق، ورُوِيَ عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إِنَّ مَلَكاً يُنَادِي مِنَ السَّمَاءِ: أَيَّتُهَا الأَجْسَامُ الْهَامِدَةُ، وَالْعِظَامُ الْبَالِيَةُ، ـــ وَالرِّمَمُ الذَّاهِبَةُ ـــ هَلُمِّي إلَى الْحَشْرِ وَالْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»تفسير : والصيحة: هي صيحة المنادي، والخروج: هو من القبور، ويومُه هو يومُ القيامة، ويومُ الخروج في الدنيا: هو يوم العيد. وقوله تعالى: {ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ}: معادل لقول الكفرة: {أية : ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ} تفسير : [ق:3]. وقوله سبحانه: {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ} وعيد محض للكفرة. وقوله سبحانه: {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} قال الطبري وغيره: معناه: وما أنت عليهم بمُسَلَّطٍ، تُجْبِرُهُمْ على الإيمان. وقال قتادة: هو نهيٌ من اللَّه تعالى عن التجبر، والمعنى: وما أنت عليهم بمتعظم من الجبروت، وروى ابن عباس أَنَّ المؤمنين قالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ خَوَّفْتَنَا! فَنَزَلَتْ: {فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ}.
القشيري
تفسير : النداءُ من الحق - سبحانه - واردٌ عليهم، كما انَّ النجوى تحصل دائماً بينهم. والنداءُ الذي يَردُ عليهم يكون بغتةً ولا يكون للعبد في فِعْلِه اختيارٌ.
اسماعيل حقي
تفسير : {واستمع} يا محمد لما يوحى اليك من أحوال القيامة وفى حذف مفعول استمع وابهامه ثم تفسيره بقوله يوم الخ تهويل وتفظيع للمخبر به كما يروى عن النبى عليه السلام انه قال سبعة ايام لمعاذ بن جبل رضى الله عنه يا معاذ اسمع ماأقول لك ثم حدث بعد ذلك والسمع ادراك المسموع بالاصغاء والفرق بين المستمع والسامع ان المستمع من كان قاصد للسماع مصغيا اليه والسامع من اتفق سماعه من غير قصد اليه فكل مستمع سامع من غير عكس {يوم يناد المناد} اصله ينادى المنادى قرأ ابو عمرو ونافع وابن كثير المنادى بالياء فى الوصل وهو الاصل فى اللغة والباقون بغير ياء لان الكسر بدل عليه واكتفى به والمنادى هو الملك النافخ فى الصور وهو اسرافيل عليه السلام والندآء نفخه سمى ندآء من حيث انه جعله علما للخروج وللحشر وانما يقع ذلك الندآء كأذان المؤذن وعلامات الرحيل فى العساكر وقيل هو الندآء حقيقة فيقف على الصخرة ويضع اصبعه فى أذنيه وينادى أيتها العظام البالية والاوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة ان الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء وقيل اسرافيل ينفخ وجبرآئيل ينادى بالحشر {من مكان قريب} الى السماء وهو صخرة بيت المقدس فان بيت المقدس أقرب من جميع الارض الى السماء بأثنتى عشر ميلا او ثمانية عشر ميلا وهو وسط الارض كما قاله على رضى الله عنه او من كان فى مكان قريب يصل ندآؤه الى الكل على سوآء، يعنى آواز او بهمه جا برسد واز هيج موضعى دور نبود. وفى كشف الاسرار سمى قريبا لان كل انسان يسمعه من طرف اذنه وقيل من تحت اقدامهم وقيل من منابت شعورهم يسمع من كل شعرة ولعل ذلك فى الاعادة مثل كن فى البدء
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير {يوم تشقق} مشددة الشين على معنى تتشقق وحذف احدى التائين: والتشقق التفطير. يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله والمراد به جميع المكلفين {واستمع} أي اصغ إلى النداء وتوقعه {يوم ينادي المنادي} فالنداء الدعاء بطريقة يا فلان، وكأن الناس يدعون فيقال لهم: يا معشر الناس قوموا إلى الموقف للجزاء والحساب، وقيل: ينادي المنادي من الصخرة التي فى بيت المقدس، فلذلك قال {من مكان قريب} فيقول: يا أيها العظام البالية قومي لفصل القضاء وما اعد من الجزاء - فى قول قتادة - {من مكان قريب} أي يسمع الخلق كلهم على حد واحد، فلا يخفى على احد لا قريب ولا بعيد وقوله {يوم يسمعون الصيحة بالحق} فالصيحة المرة الواحدة من الصوت الشديد ونقيضها الخدة تقول صاح يصيح صياحاً وصيحة، فهو صائح، وتصايح وتصايحوا فى الأمر تصايحا، وصيح تصييحاً وصايحه مصايحة، وهذه الصيحة هي النفخة الثانية للحشر إلى أرض الموقف {ذلك يوم الخروج}. وقوله {إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير} اخبار منه تعالى عن نفسه بأنه هو الذي يحيي الخلق بعد ان كانوا جماداً أمواتاً. ثم يميتهم بعد أن كانوا أحياء ثم يحييهم يوم القيامة وإلى الله يصيرون ويرجعون يوم القيامة {يوم تشقق الأرض عنهم سراعاً} أي الينا المصير في اليوم الذي تشقق الارض عن الأموات {سراعاً} أي بسرعة لا تأخير فيها ثم قال {ذلك حشر علينا يسير} أي سهل علينا غير شاق. والحشر الجمع بالسوق من كل جهة. ثم قال {نحن أعلم بما يقولون} يعني هؤلاء الكفار من حجدهم نبوتك وإنكارهم البعث والنشور، لا يخفى علينا من أمرهم شيء {وما أنت عليهم} يا محمد {بجبار} قال الحسن: ما أنت عليهم برب تجازيهم بأعمالهم. وإنما أنا المجازي لهم. وقيل: وما انت عليهم بفظ في دعائهم إلى توحيد الله وإخلاص عبادته. والجبار العالي السلطان بأنه قادر على اذلال جميع العصاة بحسب الاستحقاق وهذه الصفة لا تصح إلا لله تعالى وحده، فان وصف بها الانسان كان ذماً، لانه جعل لنفسه من المقدرة ما ليس لها، وانشد الفضل: شعر : عصينا حرمة الجبار حتى صبحنا الخوف الفاً معلمينا تفسير : وقيل {وما أنت بجبار} أي لا تتجبر عليهم، قال الفراء: يجوز ان يكون لا يجبرهم على الاسلام يقال: جبرته على الامر واجبرته بمعنى واحد. وقال غيره: لم يسمع (فعال) من (أفعلت) إلا (دراك) من (أدركت) ويكون الجبار العالي السلطان على كل سلطان باستحقاق، ويكون العالي السلطان بادعاء. ثم قال {فذكر بالقرآن من يخاف وعيد} إنما خص بالتذكير من يخاف وعيد الله، لانه الذي ينتفع به وإن كان تذكيره متوجهاً إلى جميع المكلفين. قال الزجاج: إنما قال الله للنبي صلى الله عليه وآله ذلك قبل ان يأمره بالقتال.
الجنابذي
تفسير : {وَٱسْتَمِعْ} انت فى الحال الحاضر نداء المنادى يوم القيامة، او يوم ظهور القائم (ع)، فانّك تسمع بالفعل نداء ذلك المنادى لخروجك من مرقدك وشهودك القيامة او خروج القائم (ع) {يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ} للبعث والحساب او ينادى المنادى باسم القائم (ع) واسم ابيه كما فى الخبر، واسقاط الياء من المنادى لاجراء الوصل مجرى الوقف وهو عربىّ جيّد {مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} من كلّ النّاس فانّ نسبة المنادى فى القيامة او فى ظهور القائم متساوية الى الكل.
اطفيش
تفسير : {وَاسْتَمِعْ} اصغ لما أخبرك به من أحوال يوم القيامة وفي ذلك تهويل وتعظيم للمخبر به المستمع اليه كما روي انه صلى الله عليه وسلم سبعة أيام يقول لمعاذ بن جبل يا معاذ اسمع ما أقول ثم حدثه بعد ذلك* {يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ} النقاش عن أبى ربيعة عن البزي وابن مجاهد عن قتيل ينادي باثبات الياء في الوقف والباقون يقفون باسكان الدال وتحذف نطقاً في الوصل للساكن وحذفت في الخط في مصاحفنا ويوم متعلق بمحذوف دل عليه ذلك يوم الخروج أي يخرجون من القبور يوم ينادي أو مفعول استمع كأنه قيل انتظر يوم ينادي كما تقول لمن تعده بورود فتح استمع كذا أي كن منتظرا له أو على حذف مضاف أي استمع حديث يوم ينادي أو صيحته وعلى تعليقه بمحذوف معمول استمع مقدر أي انتظر صيحة القيامة والنشور أو نحو هذا وقيل متعلق بمحذوف تقديره تعلم عاقبة تكذيبهم يوم ينادي باثبات الياء وصلاً عند نافع وأبي عمرة ووصلاً ووقفاً عن ابن كثير والمنادي في الصور ينفخ اسرافيل يقول أيتها العظام البالية والاوصال المنقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة ان الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء وقيل اسرافيل ينفخ وجبريل ينادي بالحشر* {مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} من صخرة بيت المقدس يقوم عليها وينادي وهي أقرب الارض الى السماء باثنى عشر ميلا قيل وهي وسط الأرض وقيل أقرب بثمانية عشر ميلاً. وقيل ينادى الملك بين السماء والأرض وينفخ وقيل معنى القرب انه يسمع جميع الخلق وقيل ينادى من تحت أقدامهم وقيل يسمع من كل شعرة أيتها العظام البالية وقيل يقول أيتها الاجسام الهامدة والعظام البالية والرمم الذاهبة هلمي الى الحشر والوقوف بين يدي الله
اطفيش
تفسير : {واسْتمع} يا محمد، أو يا من يصلح للاستماع مطلقا {يَوم يُنادِ} مفعول لاستمع، أى استمع نفس لفظ اليوم الذى يذكر فى القرآن للبعث، لما فيه من الأهوال، وتصديقك، والحجة لك، كذا قيل، وفيه أنه يبقى قوله: {يناد المناد} على هذا متعطلا، نعم يصح أن يقال: استمع مجموع لفظ {يوم يناد المناد من مكان قريب} أو استمع بمعنى انتظر، فيوم مفعول به له، أى انتظر ذلك اليوم لما ذكر، واستمع، اكتسب السمع، والمراد الحرص والزيادة، أو اسمع سمعا عظيما، وقيل: مفعوله مقدر، أى استمع ما تخبر به من أهوال يوم القيامة، أو استمع نداء المنادى، وذلك أمر له فى الدنيا بسمع يكون يوم القيامة ضرورة عليه بلا كسب، وذلك كنابة عن أنه سيكون النداء ولا بد، واستمع نداء الكافرين باليوم، ويوم متعلق بلفظ نداء المقدر فى الوجهين، أو يخرجون من القبور، دل عليه {ذلك يوم الخروج} أو لا معمول له، أى كن مستمعا لا غافلا. {المُنَاد} اسرافيل على الأصح ينفخ فى الصور وينادى: أيتها العظام النخرة، والجلود المتمزقة، والشعور المتقطعة، ان الله يأمركن أن تجتمعن لفصل الحساب، وقيل المنادى جبريل ينفخ اسرافيل وينادى جبريل: أيتها العظام الخ {مِن مَكانٍ قريبٍ} صخرة بيت المقدس، وهى أقرب الأرض الى السماء بثمانية عشر ميلاد على ما حكى عن كعب، أو باثنى عشر ميلا، والله أعلم أصح ذلك، وقالوا: انها وسط الأرض، ولا أعلم هل هذا صح وتأباه معرفة الأطوال والأعراض، فقيل: بل المراد قريب ممن يناديهم، حتى قيل: يناديهم من تحت أقدامهم، وقيل: من منابت شعورهم، يسمع من تحت الأرجل أو من منابت الشعر: أيتها العظام الخ، وقيل: المراد بالقرب استواء الناس فى سماعه بلا كلفه، كما تقول فى الأمر الذى هو سهل التناول لمن أراده أنه قريب، وأجيز أن النداء أن يقال: أيتها النفس ارجعى الى ربك لتدخلى مكانك فى الجنة أو النار، وهؤلاء للجنة، وهؤلاء للنار، أو "أية : احشروا الذين ظلموا" تفسير : [الصافات: 22] الخ أو: "أية : ألقيا في جهنم"تفسير : [ق: 24] الخ و "أية : ادخلوها بسلام" تفسير : [الحجر: 46، ق: 34] أو: "أية : خذوه فغلوه" تفسير : [الحاقة: 30] أو: "أية : أين شركائي"تفسير : [النحل: 27] أو: "أية : يا مالك ليقض" تفسير : [الزخرف: 77] الخ أو: "أية : أفيضوا علينا" تفسير : [الأعراف: 50] الخ، والصحيح ما تقدم، أو المراد بالنداء توجه الارادة الى احيائهم، كما أن بدأهم بقول: كن، أى بتوجه الارادة الى وجودهم وهو خلاف الظاهر.
الالوسي
تفسير : {وَٱسْتَمِعْ } أمر بالاستماع، والظاهر أنه أريد به حقيقته، والمستمع له محذوف تقديره واستمع لما أخبره به من أهوال يوم القيامة، وبين ذلك بقوله تعالى: {يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ } إلى آخره، وسلك هذا لما في الإبهام ثم التفسير من التهويل والتعظيم لشأن المخبر به. وانتصب {يَوْمٍ } بما دل عليه {أية : ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ } تفسير : [قۤ: 42] أي يوم ينادي المنادي يخرجون من القبور، وقيل: المفعول محذوف تقديره نداء المنادي، وقيل: تقديره نداء الكافرين بالويل والثبور و {يَوْمٍ } ظرف لذلك المحذوف، وقيل: لا يحتاج ذلك إلى مفعول والمعنى كن مستمعاً ولا تكن غافلاً، وقيل: معنى استمع انتظر، والخطاب لكل / سامع، وقيل: للرسول عليه الصلاة والسلام و {يَوْمٍ } منتصب على أنه مفعول به لاستمع أي انتظر يوم ينادي المنادي فإن فيه تبين صحة ما قلته كما تقول لمن تعده بورود فتح: استمع كذا وكذا. والمنادي على ما في بعض الآثار جبريل عليه السلام بنفخ إسرافيل في الصور وينادي جبريل يا أيتها العظام النخرة والجلود المتمزقة والشعور المتقطعة إن الله يأمرك أن تجتمعي لفصل الحساب. وأخرج ابن عساكر والواسطي في «فضائل بيت المقدس» عن يزيد بن جابر أن إسرافيل عليه السلام ينفخ في الصور فيقول: يا أيتها العظام النخرة إلى آخره فيكون المراد بالمنادي هو عليه السلام. وفي «الحواشي الشهابية» الأول هو الأصح. {مِنْ مَّكَانٍ قَرِيبٍ } هو صخرة بيت المقدس على ما روي عن يزيد بن جابر وكعب وابن عباس وبريدة وقتادة، وهي على ما روي عن كعب أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً. وفي «الكشاف» أنها أقرب إليها باثني عشر ميلاً وهي وسط الأرض. وأنت تعلم أن مثل هذا لا يقبل إلا بوحي، ثم إن كونها وسط الأرض مما تأباه القواعد في معرفة العروض والأطوال، ومن هنا قيل: المراد قريب ممن يناديهم فقيل: ينادي من تحت أقدامهم، وقيل: من منابت شعورهم فيسمع من كل شعرة يا أيتها العظام النخرة الخ، ومن الناس من قال: المراد بقربه كون النداء منه لا يخفى على أحد بل يستوي في سماعه كل أحد، والنداء في كل ذلك على حقيقته، وجوز أن يكون في الإعادة نظير كن في الابتداء على المشهور فهو تمثيل لإحياء الموتى بمجرد الإرادة ولا نداء ولا صوت حقيقة. ثم إن ما ذكرناه من أن المنادي ملك وأنه ينادي بما سمعت هو المأثور، وجوز أن يكون نداؤه بقوله للنفس: ارجعي إلى ربك لتدخلن مكانك من الجنة أو النار أو هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار، وأن يكون المنادي هو الله تعالى ينادي {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوٰجَهُمْ } تفسير : [الصافات: 22] أو {أية : أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ } تفسير : [قۤ: 24] مع قوله تعالى: {أية : ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ } تفسير : [قۤ: 34] أو {أية : خُذُوهُ فَغُلُّوهُ } تفسير : [الحاقة: 30] أو {أية : أَيْنَ شُرَكَائِيَ } تفسير : [النحل: 27] أو غير ذلك، وأن يكون غيره تعالى وغير الملك من المكلفين ينادي {أية : يٰمَـٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } تفسير : [الزخرف: 77] أو {أية : أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ } تفسير : [الأعراف: 50] أو غير ذلك، والمعول عليه ما تقدم.
ابن عاشور
تفسير : لا محالة أن جملة {استمع} عطف على جملة {أية : سَبح بحمد ربك}تفسير : [ق: 39]، فالأمر بالاستماع مفرع بالفاء التي فرع بها الأمر بالصبر على ما يقولون. فهو لاحق بتسلية النبي صلى الله عليه وسلم فلا يكون المسموع إلا من نوع ما فيه عناية به وعقوبة لمكذبيه. وابتداء الكلام بــ {استمع} يفيد توثيقاً إلى ما يرد بعده على كل احتمال. والأمر بالاستماع حقيقته: الأمر بالإنصات والإصْغاء. وللمفسرين ثلاث طرق في محمل {استمع}، فالذي نحاه الجمهور حمل الاستماع على حقيقته وإذ كان المذكور عقب فعل السمع لا يصلح لأن يكون مسموعاً لأن اليوم ليس مما يُسمع تعين تقدير مفعول لــ{استمع} يدل عليه الكلام الذي بعده فيقدر: استمع نداءَ المنادي، أو استمع خبرهم، أو استمع الصيحة يوم ينادي المنادي. ولك أن تجعل فعل {استمع} منزلاً منزلة اللازم، أي كُن سامِعاً ويتوجه على تفسيره هذا أن يكون معنى الأمر بالاستماع تخييلاً لصيحة ذلك اليوم في صورة الحاصل بحيث يؤمر المخاطب بالإصغاء إليها في الحال كقول مالك بن الرَّيّب:شعر : دَعاني الهوى من أهل ودي وجيرتي بذي الطَّبَسَيْن فالتفَتُّ وَرائيا تفسير : ونحَا ابنُ عطية حمل {استمع} على المجاز، أي انتظر. قال: «لأن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بأن يستمع في يوم النداء لأن كل مَن فيه يستمع وإنما الآية في معنى الوعيد للكفار فقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم تحسس هذا اليوم وارتقبه فإن فيه تبّين صحة ما قلته» اهــ. ولم أر مَن سَبَقه إلى هذا المعنى ومثله في «تفسير الفخر» وفي «تفسير النسفي». ولعلهما اطلعا عليه لأنهما متأخران عن ابن عطية وهما وإن كانا مشرقيّين فإن الكتب تُنقل بين الأقطار. وللزمخشري طريقة أخرى فقال «يعني: واستمع لما أخبرك به من حال يوم القيامة. وفي ذلك تهويل وتعظيم لشأن المخبَر به كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل «حديث : يا معاذ اسمع ما أقول لك ثم حدثه بعد ذلك»تفسير : . ولم أرَ من سبقه إلى هذا وهو محمل حسن دقيق. واللائق بالجري على المحامل الثلاثة المتقدمة أن يكون {يوم يناد المنادي} مبتدأ وفتحته فتحة بناء لأنه اسم زمان أضيف إلى جملة فيجوز فيه الإعراب والبناءُ على الفتح، ولا يناكده أن فعل الجملة مضارع لأن التحقيق أن ذلك وارد في الكلام الفصيح وهو قول نحاة الكوفة وابنِ مالك ولا ريبة في أنه الأصوب. ومنه قوله تعالى: {أية : قال الله هذَا يوم ينفع الصادقين صدقهم}تفسير : [المائدة: 119] في قراءة نافع بفتح {يومَ}. وقوله: {يوم يسمعون الصيحة} بدل مطابق من {يوم يناد المنادي} وقوله: {ذلك يوم الخروج} خبر المبتدأ. ولك أن تجعل {يوم يناد المنادي} مفعولاً فيه لــ {استمع} وإعراب ما بعده ظاهر. ولك أن تجعل {يوم يناد المنادي} ظرفاً في موقع الخبر المقدم وتجعل المبتدأ قوله: {ذلك يوم الخروج} ويكون تقدير النظم: واستمعْ ذلكَ يومُ الخروج يوم ينادي المنادي الخ، ويكون اسمُ الإشارة لمجرد التنبيه، أو راجعاً إلى يوم ينادي المنادي، فإنه متقدم عليه في اللفظ وإن كان خبراً عنه في المعنى واسم الإشارة يكتفي بالتقدم اللفظي بل يكتفي بمجرد الخطور في الذهن. وفي «تفسير النسَفِي» أن يعقوب أي الحضرمي أحد أصحاب القراءات العشر المتواترة وقف على قوله {واستمع}. وتعريف {المنادي} تعريف الجنس، أي يوم ينادي منادٍ، أي من الملائكة وهو الملك الذي ينفخ النفخة الثانية فتتكوَّن الأجساد وتحل فيها أرواح الناس للحشر قال تعالى: {أية : ثم نُفِخَ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون}تفسير : [الزمر: 68]. وتنوين {مكان قريب} للنوعية إذ لا يتعلق الغرض بتعيينه، ووصفه بــ {قريب} للإشارة إلى سرعة حضور المنادين، وهو الذي فسرته جملة {يوم يسمعون الصيحة بالحق} لأن المعروف أن النداء من مكان قريب لا يخفى على السامعين بخلاف النداء من كان بعيد. و {بالحق} بمعنى: بالصدق وهو هنا الحشر، وصف {بالحق} إبطالاً لزعم المشركين أنه اختلاق. والخروج: مغادرة الدار أو البلدِ، وأطلق الخروج على التجمع في المحشر لأن الحَيَّ إذا نَزَحُوا عن أرضهم قيل: خرجوا، يقال: خرجوا بقَضِّهم وقضيضهم. واسم الإشارة جيء به لتهويل المشار إليه وهو {يوم يسمعون الصيحة بالحق} فأريد كمال العناية بتمييزه لاختصاصه بهذا الخبر العظيم. ومقتضى الظاهر أن يقال: هو يوم الخروج. و {يوم الخروج} علم بالغلبة على يوم البعث، أي الخروج من الأرض. وجملة {إنا نحن نحي ونميت وإلينا المصير} تذييل، أي هذا الإحياء بعد أن أمَتْنَاهُم هو من شؤوننا بأنا نحييهم ونحيـي غيرهم ونميتهم ونميت غيرهم. والمقصود هو قوله: {ونميت}، وأما قوله: {نحيي} فإنه لاستيفاء معنى تصرف الله في الخلق. وتقديم {إلينا} في {إلينا المصير} للاهتمام. والتعريف في {المصير} إما تعريف الجنس، أي كل شيء صائر إلى ما قدرناه له وأكبر ذلك هو ناموس الفناء المكتوب على جميع الأحياء وإما تعريف العهد، أي المصير المتحدث عنه، وهو الموت لأن المصير بعد الموت إلى حكم الله. وعندي أن هذه الآيات من قوله: {واستمع يوم يناد المنادي} إلى قوله {المصير} مكان قريب هي مع ما تفيده من تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم مبشر بطريقة التوجيه البديعي إلى تهديد المشركين بعذاب يحلّ بهم في الدنيا عقب نداء يفزعهم فيلقَون إثره حتفهم، وهو عذاب يوم بدر فخوطب النبي صلى الله عليه وسلم بترقب يومٍ يناديهم فيه منادٍ إلى الخروج وهو نداء الصريخ الذي صَرخ بأبي جهل ومن معه بمكة بأنّ عِير قريش (وفيها أبو سفيان) قد لقيها المسلمون ببدر وكان المنادي ضمضم بن عمرو الغفاري إذ جاء على بعيره فصرخ ببطن الوادي: يا معشر قريش اللطيمةَ اللطيمةَ، أموالُكم مع أبي سفيان قد عَرض لها محمد وأصحابه. فتجهز الناس سراعاً وخرجوا إلى بدر. فالمكان القريب هو بطن الوادي فإنه قريب من مكة. والخروج: خروجهم لبدر، وتعريف اليوم بالإضافة إلى الخروج لتهويل أمر ذلك الخروج الذي كان استئصالُ سادتهم عقبه. وتكون جملة {إنا نحن نحيي ونميت} وعيدا بأن الله يميت سادتهم وأنه يبقي من قَدّر إسلامه فيما بعدُ فهو يحييه إلى يوم أجله. وكتب في المصحف {المناد} بدون ياء. وقرأها نافع وأبو عمرو وأبو جعفر بياء في الوصل وبدونها في الوقف، وذلك جارٍ على اعتبار أن العرب يعاملون المنقوص المعرّف باللام معاملة المنكّر وخاصة في الأسجاع والفواصل فاعتبروا عدم رسم الياء في آخر الكلمة مراعاة لحال الوقف كما هو غالب أحوال الرسم لأن الأسجاع مبنية على سكون الأعجاز. وقرأها عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر وخلف بحذف الياء وصلا ووقفا لأن العرب قد تعامل المنقوص المعرّف معاملة المنكر. وقرأها ابن كثير ويعقوب بالياء وصلا ووقفا اعتباراً بأن رسم المصحف قد يخالف قياس الرسم فلا يخالَف قياسُ اللفظ لأجله.
د. أسعد حومد
تفسير : (41) - واستَمِعْ يَا مُحمَّدُ إلى مَا أُخْبِرُكَ بِهِ ممَّا يَجْرِي يَوْمَ القِيَامةِ، فَفِي ذَلِكَ اليَوْمِ يَقُومُ مُنادِي اللهِ في مَكَانٍ قَريبٍ، فَيُنَادِي فَيَصِلُ نِدَاؤُهُ إلى جَمِيعِ الخَلاَئِقِ، وَيَقُولُ: هَذا يَوُمُ الحِسَابِ فَأسْرِعُوا في الخُروجِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : المنادي هنا إسرافيل الملَك المكلَّف بالنفخ في الصور، والمراد بالصيحة النفخة الثانية التي تُخرج الناس من القبور للبعث، الحق سبحانه وتعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ ..} [ق: 41]. والكلام هنا يأتي بعدما تعرّض له رسول الله من الإيذاء بالقول وبالفعل، فكأن ربه عز وجل يُواسيه، يقول له: إنْ كانوا فعلوا ذلك فانتظر هذا اليوم يوم ينادي عليهم المنادي يوم يقفون للحساب والجزاء. واستمع لما يحدث منهم في هذا الموقف، وكيف سيندمون ويتبرأ بعضهم من بعض ويلعن بعضهم بعضاً، ويشتم بعضهم بعضاً، كما يقولون في المثل الفلاحي (بكره نقعد على الحيطة ونسمع الظيطة) يعني: انتظر يا محمد وسوف تسمع بهم. وقوله: {مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} [ق: 41] أي: أن المنادي سيكون قريباً من كل واحد كأنه ملازمه، وكأن كلَّ واحد منا معه مناديه {يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ ..} [ق: 42] أي النفخة الثانية {بِٱلْحَقِّ ..} [ق: 42] الحق الذي كانوا ينكرونه في الدنيا ويُكذِّبون به وهو البعث. وقد حكى القرآن قولهم: {أية : أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ..}تفسير : [الرعد: 5] وقوله سبحانه: {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ} [ق: 42] أي: البعث والخروج من القبور، والنفخة الثانية ستكون بعد موت جميع الخلائق بالنفخة الأولى. لذلك كان سيدنا رسول الله دائماً يقرأ بسورة (ق) في العيدين لقوله تعالى فيها {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ} [ق: 42] والخروج مُستحب في العيدين حتى الحائض تخرج ليس للصلاة، إنما لتشهد الخير وجماعة المسلمين في هذا اليوم. ولذلك سَنَّ لنا رسول الله أنْ تكون صلاة العيدين في الخلاء، لأنها صلاة يحضرها مَنْ لا تصح الصلاة منه. كما أن في القراءة بسورة (ق) في العيدين إشارة إلى أن يوم العيد والخروج والفرحة والزينة ينبغي ألاَّ تُنسينا يوم الخروج الأكبر، يوم القيامة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: { وَاسْتَمِعْ } بقلبك نداء المنادي وهو إسرافيل عليه السلام، حين ينفخ في الصور { مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ } من الخلق. { يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ } أي: كل الخلائق يسمعون تلك الصيحة المزعجة المهولة { بالحق } الذي لا شك فيه ولا امتراء. { ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ } من القبور، الذي انفرد به القادر على كل شيء، ولهذا قال: { إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهُمْ } أي: عن الأموات. { سِرَاعًا } أي: يسرعون لإجابة الداعي لهم، إلى موقف القيامة، { ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ } أي: هين على الله يسير لا تعب فيه ولا كلفة. { نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ } لك، مما يحزنك، من الأذى، وإذا كنا أعلم بذلك، فقد علمت كيف اعتناؤنا بك، وتيسيرنا لأمورك، ونصرنا لك على أعدائك، فليفرح قلبك، ولتطمئن نفسك، ولتعلم أننا أرحم بك وأرأف، من نفسك، فلم يبق لك إلا انتظار وعد الله، والتأسي بأولي العزم، من رسل الله، { وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ } أي: مسلط عليهم {أية : إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } تفسير : ولهذا قال: { فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ } والتذكير، [هو] تذكير ما تقرر في العقول والفطر، من محبة الخير وإيثاره، وفعله، ومن بغض الشر ومجانبته، وإنما يتذكر بالتذكير، من يخاف وعيد الله، وأما من لم يخف الوعيد، ولم يؤمن به، فهذا فائدة تذكيره، إقامة الحجة عليه، لئلا يقول: {أية : ما جاءنا من بشير ولا نذير }. تفسير : آخر تفسير سورة (ق) والحمد لله أولا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا.
همام الصنعاني
تفسير : 2969- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ}: [الآية: 41]؟ قال، قال: بلغنا أنه يُنادِي من الصَّخْرَةِ التي بِبَيْتِ المَقْدِسِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):