٥١ - ٱلذَّارِيَات
51 - Adh-Dhariyat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
15
Tafseer
الرازي
تفسير : بعد بيان حال المغترين المجرمين بين حال المحق المتقي، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قد ذكرنا أن المتقي له مقامات أدناها أن يتقي الشرك، وأعلاها أن يتقي ما سوى الله، وأدنى درجات المتقي الجنة، فما من مكلف اجتنب الكفر إلا ويدخل الجنة فيرزق نعيمها. المسألة الثانية: الجنة تارة وحدها كما قال تعالى: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ } تفسير : [الرعد: 35] وأخرى جمعها كما في هذا المقام قال: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ } وتارة ثناها فقال تعالى: {أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } تفسير : [الرحمٰن: 46] فما الحكمة فيه؟ نقول: أما الجنة عند التوحيد فلأنها لاتصال المنازل والأشجار والأنهار كجنة واحدة، وأما حكمة الجمع فلأنها بالنسبة إلى الدنيا وبالإضافة إلى جنانها جنات لا يحصرها عدد، وأما التثنية فسنذكرها في سورة الرحمٰن غير أنا نقول ههنا الله تعالى عند الوعد وحَّـد الجنة، وكذلك عند الشراء حيث قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوٰلَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ } تفسير : [التوبة: 111] وعند الإعطاء جمعها إشارة إلى أن الزيادة في الوعد موجودة والخلاف ما لو وعد بجنات، ثم كان يقول إنه في جنة لأنه دون الموعود. الثالثة: قوله تعالى: {وَعُيُونٍ } يقتضي أن يكون المتقي فيها ولا لذة في كون الإنسان في ماء أو غير ذلك من المائعات، نقول معناه في خلال العيون، وذلك بين الأنهار بدليل أن قوله تعالى: {فِي جَنَّـٰتِ } ليس معناه إلا بين جنات وفي خلالها لأن الجنة هي الأشجار، وإنما يكون بينها كذلك القول في العيون والتنكير، مع أنها معرفة للتعظيم يقال فلان رجل أي عظيم في الرجولية.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } لما ذكر مآل الكفار ذكر مآل المؤمنين أي هم في بساتين فيها عيون جارية على نهاية ما يتنزه به. {آخِذِينَ} نصب على الحال. {مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ} أي ما أعطاهم من الثواب وأنواع الكرامات؛ قاله الضحاك. وقال ٱبن عباس وسعيد بن جبير: «آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ» أي عاملين بالفرائض. {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ} أي قبل دخولهم الجنة في الدنيا {مُحْسِنِينَ } بالفرائض. وقال ٱبن عباس: المعنى كانوا قبل أن يفرض عليهم الفرائض محسنين في أعمالهم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن المتقين لله عز وجل: أنهم يوم معادهم يكونون في جنات وعيون، بخلاف ما أولئك الأشقياء فيه من العذاب والنكال والحريق والأغلال. وقوله تعالى: {ءَاخِذِينَ مَآ ءَاتَـٰهُمْ رَبُّهُمْ} قال ابن جرير: أي عاملين بما آتاهم الله من الفرائض {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} أي قبل أن يفرض عليهم الفرائض، كانوا محسنين في الأعمال أيضاً، ثم روي عن ابن حميد: حدثنا مهران عن سفيان عن أبي عمر عن مسلم البطين، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {ءَاخِذِينَ مَآ ءَاتَـٰهُمْ رَبُّهُمْ} قال: من الفرائض {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} قبل الفرائض يعملون، وهذا الإسناد ضعيف، ولا يصح عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقد رواه عثمان بن أبي شيبة عن معاوية بن هشام عن سفيان، عن أبي عمر البزار عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، فذكره، والذي فسر به ابن جرير فيه نظر؛ لأن قوله تبارك وتعالى: آخذين، حال من قوله في جنات وعيون، فالمتقون في حال كونهم في الجنات والعيون آخذين ماآتاهم ربهم، أي من النعيم والسرور والغبطة، وقوله عز وجل: {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ} أي في الدار الدنيا {مُحْسِنِينَ} كقوله جل جلاله: {أية : كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ} تفسير : [الحاقة: 24] ثم إنه تعالى بين إحسانهم في العمل، فقال جل وعلا: { كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} اختلف المفسرون في ذلك على قولين: أحدهما: أن ما نافية، تقديره: كانوا قليلاً من الليل لا يهجعونه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لم تكن تمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ولو شيئاً، وقال قتادة عن مطرف بن عبد الله: قل ليلة لا تأتي عليهم إلا يصلون فيها لله عز وجل، إما من أولها، وإما من أوسطها. وقال مجاهد: قل ما يرقدون ليلة حتى الصباح لا يتهجدون، وكذا قال قتادة، وقال أنس بن مالك رضي الله عنه وأبو العالية: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء. وقال أبو جعفر الباقر: كانوا لا ينامون حتى يصلوا العتمة، والقول الثاني: أن ما مصدرية تقديره: كانوا قليلاً من الليل هجوعهم ونومهم، واختاره ابن جرير. وقال الحسن البصري: { كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} كابدوا قيام الليل فلا ينامون من الليل إلا أقله، ونشطوا فمدوا إلى السحر، حتى كان الاستغفار بسحر، وقال قتادة: قال الأحنف بن قيس: { كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} كانوا لا ينامون إلا قليلاً، ثم يقول: لست من أهل هذه الآية. وقال الحسن البصري: كان الأحنف بن قيس يقول: عرضت عملي على عمل أهل الجنة، فإذا قوم قد باينونا بوناً بعيداً، إذا قوم لا نبلغ أعمالهم، كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون، وعرضت عملي على عمل أهل النار، فإذا قوم لا خير فيهم، مكذبون بكتاب الله وبرسول الله، مكذبون بالبعث بعد الموت، فقد وجدت من خيرنا منزلة قوماً خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال رجل من بني تميم لأبي: يا أبا أسامة؛ صفة لا أجدها فينا؛ ذكر الله تعالى قوماً فقال: { كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} ونحن والله قليلاً من الليل ما نقوم، فقال له أبي رضي الله عنه: طوبى لمن رقد إذا نعس، واتقى الله إذا استيقظ. وقال عبد الله بن سلام رضي الله عنه: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، انجفل الناس إليه، فكنت فيمن انجفل، فلما رأيت وجهه صلى الله عليه وسلم عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب، فكان أول ما سمعته صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : يا أيها الناس أطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وأفشوا السلام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثني يحيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها» تفسير : فقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: لمن هي يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وبات لله قائماً والناس نيام» تفسير : وقال معمر في قوله تعالى: { كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} كان الزهري والحسن يقولان: كانوا كثيراً من الليل ما يصلون، وقال ابن عباس رضي الله عنهما وإبراهيم النخعي: { كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} ما ينامون. وقال الضحاك { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُواْ قَلِيلاً} ثم ابتدأ فقال: { مِّن ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِٱلأَسْحَـٰرِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } وهذا القول فيه بعد وتعسف. وقوله عز وجل: { وَبِٱلأَسْحَـٰرِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} قال مجاهد وغير واحد: يصلون. وقال آخرون: قاموا الليل، وأخروا الاستغفار إلى الأسحار؛ كما قال تبارك وتعالى: {أية : وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ} تفسير : [آل عمران: 17] فإن كان الاستغفار في صلاة، فهو أحسن. وقد ثبت في الصحاح وغيرها عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: هل من تائب فأتوب عليه، هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل فيعطى سؤله؟ حتى يطلع الفجر» تفسير : وقال كثير من المفسرين في قوله تعالى إخباراً عن يعقوب أنه قال لبنيه: {أية : سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ} تفسير : [يوسف: 98] قالوا: أخرهم إلى وقت السحر. وقوله تبارك وتعالى: { وَفِيۤ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} لما وصفهم بالصلاة، ثنى بوصفهم بالزكاة والبر والصلة، فقال: {وَفِيۤ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ} أي جزء مقسوم قد أفرزوه للسائل والمحروم. أما السائل فمعروف وهو الذي يبتدىء بالسؤال، وله حق كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وعبد الرحمن قالا: حدثنا سفيان عن مصعب بن محمد عن يعلى بن أبي يحيى، عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها الحسين بن علي رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : للسائل حق وإن جاء على فرس» تفسير : ورواه أبو داود من حديث سفيان الثوري به. ثم أسنده من وجه آخر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وروي من حديث الهرماس بن زياد مرفوعاً، وأما المحروم، فقال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد: هو المحارف الذي ليس له في الإسلام سهم، يعنى: لا سهم له في بيت المال، ولا كسب له ولا حرفة يتقوت منها، وقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: هو المحارف الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه، وقال الضحاك: هو الذي لا يكون له مال إلا ذهب، قضى الله تعالى له ذلك. وقال أبو قلابة: جاء سيل باليمامة، فذهب بمال رجل، فقال رجل من الصحابة رضي الله عنهم: هذا المحروم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي ونافع مولى ابن عمر رضي الله عنهما وعطاء بن أبي رباح: المحروم: المحارف. وقال قتادة والزهري: المحروم: الذي لا يسأل الناس شيئاً. قال الزهري: وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه» تفسير : وهذا الحديث قد أسنده الشيخان في صحيحيهما من وجه آخر. وقال سعيد بن جبير: هو الذي يجيء وقد قسم المغنم، فيرضخ له. وقال محمد بن إسحاق: حدثني بعض أصحابنا قال: كنا مع عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في طريق مكة، فجاء كلب، فانتزع عمر رضي الله عنه كتف شاة، فرمى بها إليه، وقال: يقولون: إنه المحروم، وقال الشعبي: أعياني أن أعلم ما المحروم، واختار ابن جرير أن المحروم الذي لا مال له بأي سبب كان، وقد ذهب ماله، سواء كان لا يقدر على الكسب، أو قد هلك ماله أو نحوه بآفة أو نحوها. وقال الثوري عن قيس بن مسلم عن الحسن بن محمد رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فغنموا، فجاءه قوم لم يشهدوا الغنيمة، فنزلت هذه الآية: { وَفِيۤ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} وهذا يقتضي أن هذه مدنية، وليس كذلك، بل هي مكية شاملة لما بعدها، وقوله عز وجل: { وَفِي ٱلأَرْضِ ءَايَـٰتٌ لِّلْمُوقِنِينَ} أي فيها من الآيات الدالة على عظمة خالقها وقدرته الباهرة؛ مما قد ذرأ فيها من صنوف النبات والحيوانات، والمهاد والجبال والقفار، والأنهار والبحار، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم، وما جبلوا عليه من الإرادات والقوى، وما بينهم من التفاوت في العقول والفهوم، والحركات والسعادة والشقاوة، وما في تركيبهم من الحكم في وضع كل عضو من أعضائهم في المحل الذي هو محتاج إليه فيه، ولهذا قال عز وجل: { وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ}؟ قال قتادة: من تفكر في خلق نفسه، عرف أنه إنما خلق ولينت مفاصله للعبادة. ثم قال تعالى: {وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ} يعنى: المطر {وَمَا تُوعَدُونَ} يعني: الجنة، قاله ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وغير واحد. وقال سفيان الثوري: قرأ واصل الأحدب هذه الآية: {وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} فقال: ألا إني أرى رزقي في السماء، وأنا أطلبه في الأرض؟ فدخل خربة، فمكث ثلاثاً لا يصيب شيئاً، فلما أن كان في اليوم الثالث، إذا هو بدوخلة من رطب، وكان له أخ أحسن نية منه، دخل معه فصارتا دوخلتين، فلم يزل ذلك دأبهما حتى فرق بينهما الموت. وقوله تعالى: { فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} يقسم تعالى بنفسه الكريمة أن ما وعدهم به من أمر القيامة والبعث والجزاء كائن لا محالة، وهو حق لا مرية فيه، فلا تشكوا فيه كما لا تشكوا في نطقكم حين تنطقون، وكان معاذ رضي الله عنه إذا حدث بالشيء يقول لصاحبه: إن هذا لحق كما أنك ههنا، قال مسدد عن ابن أبي عدي عن عوف عن الحسن البصري قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قاتل الله أقواماً أقسم لهم ربهم ثم لم يصدقوا» تفسير : ورواه ابن جرير عن بندار عن ابن أبي عدي عن عوف عن الحسن، فذكره مرسلاً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّٰتٍ } بساتين {وَعُيُونٍ } تجري فيها.
الماوردي
تفسير : {ءَآخِذِينَ مَآ َاتَاهُمْ رَبُّهُمْ} فيه وجهان: أحدهما: من الفرائض، قاله ابن عباس. الثاني: من الثواب، قاله الضحاك. {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذلِكَ مُحسِنِينَ} أي قبل الفرائض محسنين بالإجابة، قاله ابن عباس. الثاني: قبل يوم القيامة محسنين بالفرائض، قاله الضحاك. {كَانُواْ قَلْيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} فيه وجهان: أحدهما: راجع على ما تقدم من قوله {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُواْ قَلِيلاً} بمعنى أن المحسنين كانوا قليلاً، ثم استأنف: من الليل ما يهجعون، قاله الضحاك. الثاني: أنه خطاب مستأنف بعد تمام ما تقدمه، ابتداؤه كانوا قليلاً، الآية. والهجوع: النوم، قال الشاعر: شعر : أزالكم الوسمي أحدث روضه بليل وأحداق الأنام هجوع تفسير : وفي تأويل ذلك أربعة أوجه: أحدها {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون} أي يستيقظون فيه فيصلون ولا ينامون إلا قليلاً، قاله الحسن. الثاني: أن منهم قليلاً ما يهجعون للصلاة في الليل وإن كان أكثرهم هجوعاً، قاله الضحاك. الثالث: أنهم كانوا في قليل من الليل ما يهجعون حتى يصلوا صلاة المغرب وعشاء الآخرة، قاله أبو مالك. الرابع: أنهم كانوا قليلاً يهجعون، وما: صلة زائدة، وهذا لما كان قيام الليل فرضاً. وكان أبو ذر يحتجن يأخذ العصا فيعتمد عليها حتى نزلت الرخصة {قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً}. {وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} فيه وجهان: أحدهما: وبالأسحار هم يصلون، قاله الضحاك. الثاني: أنهم كانوا يؤخرون الاستغفار من ذنوبهم إلى السحر ليستغفروا فيه، قاله الحسن. قال ابن زيد: وهو الوقت الذي أخر يعقوب الاستغفار لبنيه حتى استغفر لهم فيه حين قال لهم {أية : سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} تفسير : [يوسف: 98]. قال ابن زيد: والسحر السدس الأخير من الليل. وقيل إنما سمي سحراً لاشتباهه بين النور والظلمة. {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ} فيه وجهان: أحدهما: أنها الزكاة، قاله ابن سيرين وقتادة وابن أبي مريم. الثاني: أنه حق سوى الزكاة تصل له رحماً أو تقري به ضيفاً أو تحمل به كلاًّ أو تغني به محروماً، قاله ابن عباس. {لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} أما السائل فهو مَن يسأل الناس لفاقته، وأما المحروم، ففيه ثمانية أقوال: أحدها: المتعفف الذي يسأل الناس شيئاً ولا يعلم بحاجته، قاله قتادة. الثاني: أنه الذي يجيء بعد الغنيمة وليس له فيها سهم، قاله الحسن ومحمد بن الحنفية. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية فأصابوا وغنموا، فجاء قوم بعدما فرغوا فنزلت الآية. الثالث: أنه من ليس له سهم في الإسلام، قاله ابن عباس. الرابع: المحارف الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه، وهذا قول عائشة. الخامس: أنه الذي يطلب الدنيا وتدبر عنه، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً. السادس: أنه المصاب بثمره وزرعه يعينه من لم يصب، قاله ابن زيد: السابع: أنه المملوك، قاله عبد الرحمن بن حميد. الثامن: أنه الكلب، روي أن عمر بن عبد العزيز كان في طريق مكة فجاء كلب فاحتز عمر كتف شاة فرمى بها إليه وقال: يقولون إنه المحروم. ويحتمل تاسعاً: أنه من وجبت نفقته من ذوي الأنساب لأنه قد حرم كسب نفسه، حتى وجبت نفقته في مال غيره. {وَفِي الأَرْضِ ءَآيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ} يعني عظات للمعتبرين من أهل اليقين وفيها وجهان: أحدهما: ما فيها من الجبال والبحار والأنهار، قاله مقاتل. الثاني: من أهلك من الأمم السالفة وأباد من القرون الخالية، قاله الكلبي. {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} فيه خمسة تأويلات: أحدها: أنه سبيل الغائط والبول، قاله ابن الزبير ومجاهد. الثاني: تسوية مفاصل أيديكم وأرجلكم وجوارحكم دليل على أنكم خلقتم لعبادته، قاله قتادة. الثالث: في خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون، قاله ابن زيد. الرابع: في حياتكم وموتكم وفيما يدخل ويخرج من طعامكم، قاله السدي. الخامس: في الكبر بعد الشباب، والضعف بعد القوة، والشيب بعد السواد، قاله الحسن. ويحتمل سادساً: أنه نجح العاجز وحرمان الحازم. {وَفِي السَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}: {وَفِي السَّمَآءِ رِزْقُكُمْ} فيه تأويلان: أحدهما: ما ينزل من السماء من مطر وثلج ينبت به الزرع ويحيا به الخلق فهو رزق لهم من السماء، قاله سعيد بن جبير والضحاك. الثاني: يعني أن من عند الله الذي في السماء رزقكم. ويحتمل وجهاً ثالثاً: وفي السماء تقدير رزقكم وما قسمه لكم مكتوب في أم الكتاب. وأما قوله {وَمَا تُوعَدُونَ} ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: من خير وشر، قاله مجاهد. الثاني: من جنة ونار، قاله الضحاك. الثالث: من أمر الساعة، قاله الربيع. {فَوَرَبِّ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} فيه وجهان: أحدهما: ما جاء به الرسول من دين وبلغه من رسالة. الثاني: ما عد الله عليهم في هذه السورة من آياته وذكره من عظاته. قال الحسن: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : قَاتَلَ اللَّهُ أَقْوَاماً أَقْسَمَ لَهُمْ رَبُّهُمْ [بِنَفْسِهِ] ثُمَّ لَمْ يُصَدِّقُوهُ ". تفسير : وقد كان قس بن ساعدة في جاهليته ينبه بعقله على هذه العبر فاتعظ واعتبر، فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : رَأَيتُهُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ بِعُكَاظَ وَهُوَ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُواْ وَعُوا، مِنْ عَاشَ مَاتَ، وَمَن مَّاتَ فَاتَ، وَكُلُّ مَا هُوَا ءَآتٍ ءآتٍ، مَا لِي أَرَى النَّاسَ يَذْهَبُونَ فَلاَ يَرْجِعُونَ؟ أَرَضُواْ بِالإِقَامَةِ فَأَقَامُواْ؟ أَمْ تُرِكُوا فَنَاموا؟ إِنَّ فِي السَّمَآءِ لَخَبَراً، وَإِنَّ فِي الأَرْضِ لَعِبَراً، سَقْفٌ مَرْفُوعٌ، وَلَيلٌ مَوضُوعٌ، وَبِحَارٌ تَثُورٌ، وَنُجُومٌ تَحُورُ ثُمَّ تَغُورُ، أُقْسِمُ بِاللَّهِ قَسَماً مَا ءَاثَمُ فِيهِ، إِنَّ للهِ دِيناً هُوَ أَرْضَى مِن دِينٍ أَنتُم عَلَيهِ. ثُمَّ تَكَلَّمَ بِأَبْيَاتِ شِعْرٍ مَأ أَدْرِي مَا هِيَ"، تفسير : فقال أبو بكر: كنت حاضراً إذ ذاك والأبيات عندي وأنشد: شعر : في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر لما رأيت موارداً للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها يمضي الأكابر والأصاغر لا يرجع الماضي إليَّ ولا من الباقين غابر أيقنـــت أنــي لامحــا له حيث صار القوم صائر تفسير : فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ". تفسير : ونحن نسأل الله تعالى مع زاجر العقل ورادع السمع أن يصرف نوازع الهوى ومواقع البلوى. فلا عذر مع الإنذار، ولا دالة مع الاعتبار، وأن تفقهن الرشد تدرك فوزاً منه وتكرمة.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {إن المتقين في جنات وعيون} يعني في خلال الجنات عيون جارية {آخذين ما آتاهم} أي ما أعطاهم {ربهم} أي من الخير والكرامة {إنهم كانوا قبل ذلك محسنين} أي قبل دخولهم الجنة محسنين في الدنيا ثم وصف إحسانهم فقال تعالى: {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون} أي كانوا ينامون قليلاً من الليل ويصلون أكثره. وقال ابن عباس: كانوا قل ليلة تمر بهم إلا صلوا فيها شيئاً إما من أولها أو من أوسطها عن أنس بن مالك في قوله: {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون} قال: كانوا بين المغرب والعشاء أخرجه أبو داود. وقيل: كانوا لا ينامون حتى يصلون العتمة وقيل: قل ليلة أتت عليهم هجعوها كلها، ووقف بعضهم على قوله: كانوا قليلاً، أي من الناس ثم ابتدأ من الليل ما يهجعون أي لا ينامون بالليل البتة بل يقومون الليل كله في الصلاة والعبادة {وبالأسحار هم يستغفرون} أي ربما مدوا عبادتهم إلى وقت السحر ثم أخذوا في الاستغفار وقيل: معناه يستغفرون من تقصيرهم في العبادة وقيل: يستغفرون من ذلك القدر القليل الذي كانوا ينامونه من الليل وقيل: معناه يصلون بالأسحار لطلب المغفرة (ق) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له" تفسير : ولمسلم قال: "حديث : فيقول أنا الملك أنا الملك" تفسير : وذكر الحديث وفيه "حديث : حتى يضيء الفجر" تفسير : وزاد في رواية "حديث : من يقرض غير عديم ولا ظلوم ". تفسير : (فصل) هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيه مذهبان معروفان: أحدهما: وهو مذهب السلف وغيرهم أنه يمر كما جاء من غير تأويل ولا تعطيل ويترك الكلام فيه وفي أمثاله مع الإيمان به وتنزيه الرب تبارك وتعالى عن صفات الأجسام. المذهب الثاني: وهو قول جماعة من المتكلمين وغيرهم أن الصعود والنزول من صفات الأجسام والله تعالى يتقدس عن ذلك. فعلى هذا يكون معناه نزول الرحمة والألطاف الإلهية وقربها من عباده والإقبال على الداعين بالإجابة واللطف. وتخصيصه بالثلث الأخير من الليل? لأن ذلك وقت التهجد والدعاء وغفلة أكثر الناس عن التعرض لنفحات رحمة الله تعالى وفي ذلك الوقت تكون النية خالصة والرغبة إلى الله تعالى متوفرة فهو مظنة لقبول الإجابة والله تعالى أعلم (ق). عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يتهجد قال: اللهم لك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت الحق ووعدك الحق ولقاؤك الحق وقولك الحق والجنة حق والنار حق والنبيون حق ومحمد حق والساعة حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت".تفسير : زاد في رواية: "حديث : وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت ولا إله غيرك"تفسير : زاد النسائي:"حديث : ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" تفسير : (خ) عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من تعار من الليل فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير الحمد لله وسبحان الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم قال اللهم اغفر لي، أو قال دعا أستجيب له فإن توضأ وصلى قبلت صلاته "تفسير : قوله تعار من الليل يقال: تعارَّ الرجل من نومه إذا انتبه وله صوت.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} لما بين حال المجرمين بين بعده حال المتقين، والمتقي له مقامات، أدناها أن يتقي الشرك، وأدناها أن يتقي ما سِوَى الله، وأدنى دَرَجَات المُتقِي الجنة فما من أحد اجتنب الكفر إلا ويدخل الجنة. قوله: "آخِذِينَ" حال من الضمير في قوله: "جَنَّاتٍ" و "مَا آتَاهُمْ" يعني مما في الجنة فيكون حالاً حقيقية، وقيل: مَا آتاهُمُ من أوامره ونواهيه فيكون في الدنيا فتكون حالاً محكيةً، لاختلاف الزمانين. وجعل الجار خبراً، والصفة فضلة، وعكس هذا في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} تفسير : [الزخرف: 74]، قيل: لأن الخبر مقصور الجملة، والغَرَضُ هناك الإخبار عن تخليدهم، لأن المؤمن قد يدخل النار، ولكن لا بد من خروجه، وأما آية المتقين، فجعل الظرف فيها خبراً لأمنهم الخروج منها، فجعل ذلك محط الفائدة ليحصل لهم الطمأنينة فانتصبت الصفة حالاً. فصل اعلم أنه تعالى وحد الجنة تارة، قال تعالى: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ} تفسير : [الرعد: 35] و [محمد: 15] وأخرى جمعها كقوله ههنا: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ} وتارة ثَنَّاها، قال تعالى: {أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} تفسير : [الرحمن: 46]، والحكمة فيه أن الجنة في توحيدها لاتصال المنازل والأشجار والأنهار كجنة واحدة، وأما جمعها فلأنها بالنسبة إلى الدنيا وبالإضافة إليها جنّات لا يحصرها عدد، وأما تثنيتها فسيأتي في سورة الرحمن. قال ابن الخطيب: غيرَ أنَّا نقول ههنا: إن الله تعالى عند الوعد وحَّد الجنة وعند الإعطاء جمعها إشارة إلى أن الزيادة في الوعد موجودة بخلاف ما لو وعد بجَنَّات ثم يقول إنه في جنة، لأنه دون الموعود، وقوله: "وَعُيُونٍ" يقتضي أن يكون المُتَّقِي فيها ولا لذة في كون الإنسان في ماءٍ؛ فالمعنى في خلال العيون، أي بين الأنهار كقوله: "في جَنَّاتٍ" معناه بين الجنات وفي خلالها؛ لأن الجنة هي الأحجار، ونكرها مع كونها معرفة للتعظيم كقولك: فُلاَنٌ رَجُلٌ أي عظيم في الرجولة. ومعنى: "آخذين" أي قابضين ما آتاهم شيئاً فشيئاً ولا يستوفونه بكماله، لامتناع استيفاء ما لا نهاية له. وقيل: معنى آخذين أي قابلين قبول راضٍ كقوله تعالى: {أية : وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ} تفسير : [التوبة: 104] أي يقبلها، قاله الزمخشري. وقال ابن الخطيب: وفيه وجه ثالث، وهو أن قوله: فِي جَنَّاتٍ يدلّ على السُّكْنَى حيث قال: آخِذينَ بلادَ كذا، أو قَلْعَة كذا، أي دخلها متملّكاً لها، وكذا يقال لمن اشترى داراً أو بستاناً أخذه بثمن قليلٍ أي تملكه، وإن لم يكن هناك قبص حسًّا ولا قبول برِضًى. وحيئذ فائدته بيان أن دخولهم فيها ليس دخول مستعيرٍ أو من يسترد منه ذلك بل هو ملكُه الذي اشتراه بماله ونفسه من الله. وقوله: "آتاهُمْ" لبيان (أن) أخذهم ذلك لم يكن عَنْوَةً، وإنما نال ذلك بإعطاء الله تعالى. وعلى هذا الوجه "ما" راجعة إلى الجَنَّاتِ والعُيُون. وقوله: {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} إشارة إلى أنهم أخذوها بثَمنها وملكوها بالإحسان في الدنيا، والإشارة بذلك إما لدخول الجنة، وإما لإيتاء الله، وإما ليوم الدين، والإحسان هو قول لا إله إلا الله؛ ولهذا قيل في معنى كلمة التقوى: إنها لا إله إلا الله، وفي قوله تعالى: {أية : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ} تفسير : [فصلت: 33] وقوله: {أية : هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ} تفسير : [الرحمن: 60] هو الإتيان بكلمة لا إله إلا الله. قوله: {كَانُواْ قَلِيلاً مِّنَ ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} وهذا كالتفسير لكونهم مُحْسِنِينَ، وفيه أوجه: أحدها: أن الكلام تَمَّ على "قَلِيلاً" ولهذا وقف بعضهم على قليلاً ليؤاخي بها قوله تعالى: {أية : وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} تفسير : [ص: 24] {أية : وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} تفسير : [سبأ: 13] ويبتدىء: {مِّنَ ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} أي ما يهجعون من الليل. والمعنى كانوا من الناس قليلاً، ثم ابتدأ فقال: ما يَهْجَعُون وجعله جَحْداً أي لا ينامون بالليل ألبتة يقومون للصلاة والعبادة. وهو قول الضحاك ومقاتل. وهذا لا يظهر من حيث المعنى، ولا من حيث الصناعة، أما الأول فلا بد أن يهجعوا، ولا يتصور نفي هجوعهم، وأما الصناعة فلأن "ما" في حيز النفي لا يتقدم عليه عند البصريين. هذا إن جعلتها نافية، وإِن جعلتها مصدرية صار التقدير من الليل هُجُوعُهُمْ. ولا فائدة فيه، لأن غيره من سائر الناس بهذه المثابة. الثاني: أن تجعل "ما" مصدرية في محلِّ رفع "بِقَلِيلاً"، والتقدير: كَانُوا قليلاً هُجُوعُهُمْ. الثالث: أن تجعل ما المصدرية بدلاً من اسم كان بدل اشتمال أي كان هُجُوعُهُمْ قليلاً. و "مِنَ اللَّيْلِ" على هذين لا يتعلق بـ "يهجعون" لأن ما في حَيِّز المصدر لا يتقدم عليه على المشهور. وبعض المانعين اغتفروا في الظرف فيجوزُ هذا عنده والمانع يقدر فعلاً يدل عليه: "يَهْجَعُونَ مِنَ اللَّيْل". الرابع: أن "ما" مزيدة و "يَهْجَعُون" خبر كان، والتقدير: كَانُوا يهجعون من الليل هُجُوعاً قَلِيلاً، أو زمناً قليلاً، فـ "قَليلاً"، نعت لمصدر أو ظرف. الخامس: أنها بمعنى الذي، وعائدها محذوف تقديره: كَانُوا قليلاً من الليل الوقت الذي يهجعونه. وهذا فيه تَكَلُّفٌ. فصل قال ابن الخطيب: "قليلاً" منصوب على الظرف تقديره يهجَعونَ قليلاً يقال: قام بَعْضَ الليل، فنصب "بعض" على الظرف، وخبر كان هو قوله: "يَهْجَعُونَ" و "ما" زائدة هذا هو المشهور، وفيه وجه آخر: وهو أن يقال: كانوا قليلاً معناه كانوا من الناس قليلاً، فيكون "قليلاً" خبر كان. و "ما يهجعون" معناه نفي النوم عنهم. وهذا منقول عن الضَّحَّاك ومقاتل. وأنكر الزمخشري كون "ما" نافية، وقال: لا يجوز أن تكون نافية؛ لأن ما بعدها لا يعمل فيها قبلها لا تقول: زَيْداً ما ضَرَبْتُ ويجوز أن يعمل ما بعد "لم" فيما قبلها، تقول: زَيْداً لَمْ أَضْرِبْ وذلك أن الفعل المتعدي إنما يعمل في النفي حملاً له على الإثبات لأنك إذا قلت: ضَرَبَ زيدٌ عمراً ثبت تعلق فعله بعمرو. فإذا قلت: مَا ضَرَبَهُ لم يوجد منه فعل حتى يتعلق به ويتعدى إليه، لكن النفي محمول على الإثبات، فإذا ثبت هذا فالنفي بالنسبة إلى الإثبات كاسم الفاعل بالنسبة إلى الفعل فإنه يعمل عَمَل الفعل لكن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي لا يعمل فلا تقول: زَيْداً ضاربٌ عَمْراً أمس، وتقول: زَيْدٌ ضَاربٌ عَمْراً غداً واليَوْمَ والآنَ؛ لأن الماضي لم يبقَ موجوداً ولا مُتوقَّع الوجود، فلا يتعلق بالمفعول حقيقة، لكن الفعل لقوته يعمل واسم الفاعل لضعفه لم يَعْمَلْ. إذا عرف هذا فقوله: مَا ضَرَبْتُ للنفي في الماضي، فاجتمع فيه النفي والمضيّ فَضَعُفَ. وأما: لَمْ أَضْرِبْ فإِن كان يقلب المستقبل فوجد فيه ما وجد في قول القائل: زَيْدٌ ضَارِبٌ عَمْراً غَداً فأُعْمِلَ. قال ابن الخطيب: غير أن القائل بذلك القول يقول: قليلاً ليس منصوباً بقوله: يَهْجَعُونَ، وإِنما ذلك خبر (كانوا؛ أي) كانوا قَلِيلِينَ. فصل تقديم قليلاً في الذكر ليس لمجرد السَّجع حتى يقع يهجعون ويستغفرون في آخر الآيات، بل لأن الهجوع راحة لهم والمقصود بيان اجتهادهم وتحملهم السهر لله تعالى، فلا يناسبه تقديم (راحتهم)، وقد يَغْفَلُ السامع عما بعد الكلامِ فيعتقد كونهم محسنين بسبب هجوعهم، فقدم قوله: "قَلِيلاً" ليسبق إلى الفهم أولاً قلةُ الهجوع وقوله: "مِنَ اللَّيْل" إشارة إلى أنه الزمن الذي يهجع الناس فيه ولا يسهر في الطاعة إلا متعبد. فإن قيل: الهجوع لا يكون إلا بالليل والنوم نهاراً لا يقالُ له: هُجُوع!. فالجواب: أن ذِكرَ العام وإِردافه بالتخصيص حَسَنٌ، تقول: رأيتُ حَيَوَاناً نَاطِقاً فَصِيحاً. وأما ذكر الخاص وإردافه بالعام فلا يَحْسُن إلا في بعض المواضع، فلا تقول: رأيتُ ناطقاً فصيحاً حيواناً. وإذا عرف هذا فقوله تعالى: كَانُوا قليلاً من الليل ذكر أمراً هو كالعام يحتمل أن يكون بعده: كَانُوا من الليل يسبحون أو يستغفرون أو يسهرون، أو غير ذلك، فلما قال: يَهْجَعُون فكأنه خصّص ذلك بالأمر العام المحتمل له ولغيره فأَزَال الاحْتِمَال. قوله: "وَبِالأَسْحَارِ" متعلق بـ "يَسْتَغْفِرُونَ"، والباء بمعنى "فِي". وقدم متعلق الخبر على المبتدأ لجواز تقديم العامل. فصل معنى قوله: {قَلِيلاً مِّنَ ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} أي يصلون أكثر الليل. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: يعني كانوا قل ليلة تمر بهم إلا صلوا فيها شيئاً إما من أولها وإما من أوسطها. وقال أنس بن مالك: كانوا يصلون العَتَمَةَ. وقال مُطرفُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بنِ الشَّخِير: قَلَّ ليلة أتت عليهم يهجعونها كلها. وقال مجاهد: كانوا لا ينامون من الليل إلا أقله، وربما نَشِطُوا فَمَدُّوا إلى السَّحَر، ثم أخذوا بالأسحار في الاستغفار. وقال الكلبي ومجاهد ومقاتل: وبالأسحار يصَلّونَ؛ وذلك لأن صلاتهم بالأسحار لطلب المغفرة. روى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاء كُلَّ لَيْلَةٍ حينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْل فَيَقُولُ: أَنَا المَلِكُ أَنَا المَلِكُ، مَنِ الَّذي يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنِ الَّذِي يسَأَلُنِي فَاعْطِيَهُ؟ مِنَ الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ ". تفسير : فصل في قوله: {وبالأسحار هُمْ يستغفرون} إشارة إلى أنهم كانوا يتهجدون ويجتهدون ثم يريدون أن يكون عملهم أكثر من ذلك وأخلص منه، فهم يستغفرون من التقصير. وهذه سيرة الكريم يأتي بأبلغ وجوه الكرم ويَسْتَقِلُّه ويعتذر من التقصير واللئيم يأتي بالقليل ويستكثره ويَمُنُّ به. وفي الآية لطائف: الأولى: أنه تعالى لما ذكر قلة هجوعهم، والهجوع مُقْتَضى الطبع قال: يَسْتَغْفِرُونَ أي من ذلك القدر من النوم القليل. الثانية: أنه تعالى مدحهم بقلة الهجوع ولم يمدحْهم بكَثْرة السَّهر فلم يقل: كَانُوا قليلاً من الليل ما يسهرون مع أن السَّهَر هو الكَلَفَةُ والاجتهاد لا الهجوع، وهذا إشارة إلى أن نَوْمَهم عبادةٌ حيث مدحهم الله بكونهم هاجعين قليلاً، وذلك الهجوع أورثهم الاشتغال بعبادة أخرى، والاستغفار بالأسحار، ومنعهم من الإعجاب بأنفسهم. فصل الباء في قوله: "بالأسحار" استعملت للظرف هنا، وهي ليست للظرف. قال بعض النحاة: إن حروف الجر ينوب بعضُها عن بعض يقال في ظرف الزمان: خَرَجْتُ لِعَشْرٍ بَقِينَ، وبالليل، وفي شهر رمضان. فتستعمل اللام والباء، وفي، وكذلك في ظرف المكان تقول: قُمْتُ بِمدينة كذا، وفيها، ورأيته ببَلْدَةِ كذا، وفيها. قال ابن الخطيب: والتحقيقُ فيه أن نقول: الحروف لها معانٍ مختلفة كما أن الأسماء والأفعال كذلك غير أن الحروف مستقلة بإفادة المعنى والاسم والفعل مُسْتَقِلاَّنِ، لكن بين بعض الحروف وبعضها تنافرٌ (و) تباعد كما في الأسماء والأفعال، فإن البيتَ والسَّكَن متخالفان ومتقاربان، وكذلك مَكَثَ، وسَكَنَ (وَأَلَمَّ)، وكذلك كل اسمين أو كل فعلين يوجد كان بينهما تقارب وتباعد، لأن الباء للإِلصاق، واللام للاختصاص، و "في" للظرف، والظرف مع المظروف ملتصق ومختص به. إذا عرف هذا فنقول: بين "الباء" و "اللام" و "في" مشاركة، أما الباء فلأنها للإِلصاق، والمتمكن في مكان ملتصق به متصل، وكذلك الفعل بالنسبة إلى الزمان فإِذا قال: سَارَ بالنَّهَارِ معناه ذهب ذَهَاباً مُتَّصِلاً بالنهار. فقوله: {وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} أي متصلاً بالأسحار، أخبر عن الاقتراب، وذلك أدل على وجود الفعل مع أول جزء من أجزاء الوقت من قوله: "فِي اللَّيْلِ"؛ لأنه يستدعي احتواء الزمان بالفعل وكذلك قول القائل: أقمتُ ببَلْدَة كذا، لا يفيد أنه كان مخالطاً بالبلد. وقوله: أقمتُ فيها يدل على إحاطتها به، فإذن قول القائل: أَقَمْتُ بالبَلَدِ، ودَعَوْتُ بالأَسْحَارِ أعمُّ مِنْ قوله: أقمتُ فِيهِ؛ لأن القائم فيه قائمٌ به والقائم به ليس قائماً فيه. وإِذا علم هذا فقوله: {وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} إشارة إلى أنهم لا يُخْلُونَ وقتاً عن العبادة وأنهم بالليل لا يهجعون، ومع أول جزء من السحر يتسغفرون فيكون فيه بيان كونهم مستغفرين من غير أن يسبق منهم ذنب، لأنهم وقت الانتباه لم يُخْلوا الوقت للذنب. ولا يطرد استعمال الباء بمعنى "في"، فلا تقول: خَرَجْتُ بِيَوْم الجُمُعَةِ لأن يوم الجمعة مع أنه زمان فيه خُصُوصيَّات وتقييدات زائدة على الزمان، لأنك إذا قلت: خَرَجْتُ بِنَهَارِنَا وبلَيْلَةِ الجُمُعَةِ، لم يحسن. ولو قلت: خَرَجْتُ بِيَوْم سَعْدٍ وخَرَجَ (بِيَوْمِ) نَحْسٍ حَسُن فالنهارُ والليل لمّا لم يكن فيهما خُصُوصٌ وتقييد جازَ استعمالُ الباء فيهما، فإِذا قيدتهما وخصصتهما زال الجوازُ، و "يَوْمُ الجمعة" لمَّا كان فيه خصوص لم يجز استعمال الباء فيه، والفعل حدث مُقْتَرن بزمان لا ناشئاً عن الزمان فإذا زال الخصوص وقلت: خَرَجْتُ بِيَوْم سَعْدٍ جاز. وأما "فِي" فيصح مطلقاً؛ لأن ما حصل في العام حصل في الخاص، لأن العام جزءٌ داخل في الخاص، فتقول: فِي يَوْم الجُمُعَةِ وفِي هذِهِ السَّاعة. وأما اللام فتقدم الكلام عليها عند قوله: {أية : وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا} تفسير : [يس: 38]. فصل وفائدة قَوْلِهِ: "هم"؛ قال الزمخشري: فائدتها انْحِصَار المستغفرين أي هم الكاملون فيه لا غيرهم كقولك: زَيْدٌ العَالِمُ، لكماله في العلم كأنه تفرد به، وأيضاً: فلو عطف بدون هم لأوهم أنهم يستغفرون قليلاً. والاستغفار إما طلب المغفرة، كقولهم: رَبَّنا اغْفِرْ لَنَا، وإما إتيانهم بعبارات يتقربون بها طلباً للمغفرة، وإما أن يكون من باب قولهم: اسْتَحْصَد الزَّرْع أي ذلك أوان المغفرة. قوله: {وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} لمّا تقدم التعظيم لأم الله ثَنَّى بالشفقة على خلق الله، وأضاف الأموال إليهم، لأنه مدح لهم، وقال في موضع آخر {أية : وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} تفسير : [الحديد: 7]؛ لأن ذلك تحريض وحث على النفقة وذلك يناسبه. فإن قيل: كون الحق في المال لا يوجب مدحاً؛ لأن كون المسلم في ماله حقّ وهو الزكاة ليس صفة مدح، لأن كل مسلم كذلك بل الكافر إذا قلنا: إنه مخاطب بفروع الإسلام في ماله حق معلوم، غير أنه إذا أَسْلَمَ سقط عنه، وإن مات عُوقِبَ على ما تركه الأداء. وإن أَدَّى من غير إسلام لا يقع الموقع فكيف يفهم كونه مدحاً؟ فالجواب: أنا نفسر السائل بمن يطلب جزءاً من المَال وهو الزكاة والمَحْرُومُ من لا يطلب جزءاً معيّناً وهو طالب صدقة التطوع كأنه قال: في ماله زكاةٌ وصَدَقَةٌ. أو يقالُ: بأن "في" للظرفية، والمعنى أَنّهم لاَ يجمعون المال ولا يجعلونه ظرفاً للحُقُوق، والمطلوب من الظرف والمظروف إنما هو المظروف وهذا مدح عظيم. فإن قيل: لَو قيل: مالهم للسائل كان أبلغ! فالجواب: لا نسلم، فإن صرف جميع المال حتى يبقى فقيراً محتاجاً منهيٌّ عنه، وكذلك الصلاة والصوم الاقتصاد فيهما أبلغ لقوله:- عليه الصلاة والسلام -: "حديث : إنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَادْخُلُوا فِيهِ بِرفقٍ؛ فَإنَّ المُنْبَتَّ لاَ أَرْضاً قَطَعَ وَلاَ ظَهْراً أَبْقَى ". تفسير : فصل في السائل والمحروم وجوه: أحدها: أن السائل هو الآدمي، والمحروم كل ذي روح غيره من الحيوانات المحترمة، قال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : فِي كُلّ كَبِدٍ حَرَّى أَجْرٌ" تفسير : وهذا ترتيب حسن؛ لأن الآدمي يُقدَّمُ على البهائم. الثاني: أن السائل هو الذي يَسْأَل، والمَحْرُوم هو المتعفّف يظن أنه غنيٌّ فيُحْرَمُ. وقدَّمَ السائلَ؛ لأن حاله يعرف بسؤاله، أو يكون إشارة إلى كثرة العَطَاء فيعطي السؤّال، فإذا لم يجدهم يسأل عن المحتاجين فيكون سائلاً ومسؤولاً. الثالث: قدم السائل؛ لتجانس رُؤُوس الآي. فصل قال ابنُ عباس وسعيدُ بن المُسيّب: السّائل الذي يسأل الناس، والمحروم الذي ليس له في الغنائم سهمٌ ولا يُجْرَى عليه من الفَيء شَيءٌ. وقال قتادة والزُّهْري: المحروم المتعفّف الذي لا يسأل. وقال زيد بن أسلم: هو المصاب ثمره أو زرعه أو تشَلُّ ماشيتُه، وهو قول مُحَمّد بن كَعْب القُرَظيِّ. قال: المحروم صاحب الحاجة، ثم قرأ: {أية : إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} تفسير : [الواقعة: 66 - 67].
التستري
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}[15] قال: المتقي في الدنيا في جنات الرضى يتقلب، وفي عيون الأنس يسبح، هذا باطن الآية.
السلمي
تفسير : قال سهل المتقى فى الدنيا فى جنات الرضا يتقلب وفى عيون الأنس يسبح.
القشيري
تفسير : في عاجلهم في جنَّاتِ وَصْلِهم، وفي آجلهم في جنّاتِ فَضْلِهم؛ فغداً درجات ونجاة، واليومَ قُرُبات ومناجاة، فما هو مؤجَّلٌ حظُّ أنفسِهم، وما هو معجّلٌ حقُّ ربِّهم.هم آخذين اليوم ما آتاهم ربهم؛ يأخذون نصيبه منه بِيَدِ الشكر والحمد، وغداً يأخذون ما يعطيهم ربُّهم في الجنة من فنون العطاء والرِّفد. ومَنْ كان اليومَ آخذه بلا واسطة من حيث الإيمان والإتقان، وملاحظة القسمة في العطاء والحرمان. كان غداً آخذه بلا واسطة في الجنان عند اللقاء والعيان. {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ}؛ كانوا ولكنهم اليوم بانوا ولكنهم بعد ما أعدناهم حصلوا واستبانوا... فهم كما في الخبر: "حديث : أعبد الله كأنك تراه... ".
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} اى الذين يتحرزون بهمومهم الصافية عن غبار الخليفة يتقلبون فى جنان القربة ويعيشون بنسيم الوصلة ويشربون من عيون المعرفة شراب المحبة {آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ} اى من لطائف المقامات وغرائب الدرجات فى الدنيا لهم الكرامات وفى الأخرة لهم المداناة ثم ذكر سبب وصولهم اليها فقال {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} اى باذلين وجودهم لله شوقا الى الله ثم زاد فى وصفهم بانهم باتوا فى ظلم الليالى لتفقدا الواردات وطلب المكاشفة بقوله {كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} يهددوا فى اجواف الليالى بطيب مناجاتهم وحلاوة من مراقباتهم ولذة انبساطهم وعربدتهم على بساط الاحتشام حيث يسمعون لطائف الالهام والخطاب والكلام فيا لها من عبراتهم ويا لها من زفراتهم ويا لها من شهقاتهم ويا لها من لذة تلفظهم بالشطحيات وغرائب الكلمات الاهليات وهذا من كمال عشقهم وغلبات محبتهم وشقهم لا يقدرون ان يناموا فى مضاجعهم من لذة الانس بالله ووجدان قرة عيونهم من نور مشاهدته حيث قال فى وصفهم فلا تعلم نفس ما اخفى لهم من قرة اعين اين انت اي صاحبى من سقوطهم وتمرغهم فى التراب لو رايت عيونهم الباكية لترى فيها دمار اكبادهم الله يعمل اسرارهم حيث هيجهم بشوقه وعشقه الى قربه حتى لم يناموا على فرشهم مثل البطالين والغافلين وانشد نهارى نهار الناس حتى اذا ابدا الى الليل هزتنى اليك المضاجع اقصى نهارى بالحديث والمنى ويجمعنى والهم بالليل جامع ثم وصفهم بالله بأنهم مستغفرون بالاسحار وذلك انهم اذا رجعوا من مقام المشاهدة الى مقام المراقبة يستغفرون الله من الزلات والخطرات قبل المداناة وعبد المكاشفات من المعارضات بقوله {وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} ثم زاد فى وصفهم انهم بذلوا مالهم فى سبيل الله لمن سأل منهم ولمن لم يسأل بقوله {وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} قال سهل المتقى فى الدنيا فى جنات الرضا ينقلب وفى عيون الانس يسبح وقال فى قوله كاتوا قليلا من الليل ما يهجعون لا يغفلون عن الذكر فى حال وقال بعضهم ذاقوا حلاوة الانس فى الذكر فتهجدوا وهجروا النوم وقاموا اناء الليل النهار طالبين مرضاته متطلعين الى ما يرد عليهم من زوايد مناجاته وفوايده وقال الاستاذ الليل اما للاحباب فى انس المناجاة واما للعصاة فى طلب النجاة والسهر لهم فى لياليهم اما لفرط اسف ولشدة لهم واما للاشتياق والفراق كما قالوا شعر : كم ليلة فيك لا صباح لها اقينتها قابضا كبدى وقعد غضت العين بالدموع وقد وضعت خدى على بنان يديى تفسير : واما الكمال انس وطيب روح كما قالوا شعر : شقى الله عيشا قصيرا مضى زمان الصبى فى الهوى والمحون لياليه يحكى انسداد اللحاظ عنهم للعين عند ارتداد الجفون تفسير : وقال بعضهم السائل المفضح والمحروم المتعرض وقال الاستاذ السائل المتكفف والمحروم المتعفف.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان المتقين} عن الكفر والمعصية والجهل والميل الى ماسوى المولى و المتصفين بالايمان والطاعة والمعرفة والتوجيه الى الحضرة العليا {فى جنات} اى بساتين لايعرف كنهها فالتنكير للتعظيم ويجوز أن يكون للتكثير كما فى قوله ان له لا بلا وان له لغنما والعرب تسمى النخيل جنة {وعيون} اى انهار جارية اى تكون الانهار بحيث يرونها وتقع عليها أبصارهم لا انهم فيها وعن سهل رضى الله عنه التقى فى الدنيا فى جنات الرضى يتقلب وفى عيون الناس يسبح وقال بعضهم فى جنات قلوبهم وعيون الحكمة فى عاجلهم وفى جنات الفضل وعيون الكرم فغدا تجلى ودرجات واليوم مناجاة وقربات
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّ المتقين في جناتٍ وعيون} عظيمة، لا يبلغ كُنهها، ولا يُقادر قدرها، ولعل المراد بها الأنهار الجارية، بحيث يرونها، ويقع عليها أبصارهم، لا أنهم فيها، {آخذين ما آتاهم ربهم} أي: نائلين ما أعطاهم راضين به، بمعنى أنَّ كلَّ ما يأتهم حسَنٌ مرضي، يتلقى بحسن القبول، {إِنهم كانوا قبل ذلك} في الدنيا {محسنين} متقنين لأعمالهم الصالحة، آتين بها على ما ينبغي، فلذلك نالوا ما نالوا من الفوز العظيم، ومعنى الإحسان ما فسره به عليه الصلاة والسلام:"حديث : أن تعبد الله كأنك تراه"تفسير : الحديث. ومن جملته ما أشار إليه بقوله: {كانوا قليلاً من الليل ما يَهْجعون} أي: كانوا يهجعون، أي: ينامون في طائفة قليلة من الليل، على أن "قليلاً" ظرف؛ أو كانوا يهجعون هجوعاً قليلاً، على أنه صفة لمصدر، و"ما" مزيدة في الوجهين، ويجوز أن تكون مصدرية مرتفعة بـ"قليلاً" على الفاعل، أي: كانوا قليلاً من الليل هجوعهم. وقال النسفي: يرتفع هجوعهم على البدل من الواو في "كانوا": لا بقليلاً؛ لأنه صار موصوفاً بقوله: {من الليل} فبعد من شبه الفعل وعمله، ولا يجوز أن تكون "ما" نافية على معنى: أنهم لا يهجعون من الليل قليلاً ويُحْيُونه كله. هـ. أو كانوا ناساً قليلاً ما يهجعون من الله؛ لأن "ما" النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، ولأن المحسنسن وهم السابقون كانوا كثيراً في الصدر الأول، وموجودون في كل زمان ومكان، فلا معنى لقلتهم، خلافاً لوقف الهبطي، وأيضاً: فمدحهم بإيحاء الليل كله مخالف لحالته صلى الله عليه وسلم، وما كان يأمر به. {وبالأسحارِ هم يستغفرون} وصفهم بأنهم يحيون جُل الليل متهجدين، فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار من رؤية أعمالهم. والسَحر: السدس الأخير من الليل، وفي بناء الفعل على الضمير إشعار بأنهم الأحقاء بأن يُوصفوا بالاستغفار، كأنهم المختصون به، لاستدامتهم له، وإطنابهم فيه. {وفي أموالهم حقُّ} أي: نصيب وافر، يُوجبونه على أنفسهم، تقرُّباً إلى الله تعالى وإشفاقاً على الناس، {للسائلِ والمحروم} أي: لمَن يُصرح بالسؤال لحاجة، وللمتعفف الذي يتعرّض ولا يسأل حياءً وتعففاً، يحسبه الناس غنيّاً فيحرم نفسه من الصدقة. وقد تكلم في نوادر الأصول على مَن سأل بالله، أي: قال: أعطني لوجه الله، هل يجب إعطاؤه أم لا؟ وفي الحديث:"حديث : مَن سألكم بالله فأعطوه"تفسير : . قال: وهو مُقيد بما إذا سأل بحق: أي: لحاجة، وأما إذا سأل بباطل - أي: لغير حاجة - فإنما سأل بالشيطان؛ لأن وجه الله حق. ثم ذكركلام عليّ شاهداً، ثم حديث معاذ:"حديث : مَن سألكم بألله فأعطوه، فإن شئتم فدعوه"تفسير : ، قال معاذ: وذلك أن تعرف أنه غير مستحق، وإذا عرفتم أنه مستحق، وسأل فلم تعطوه فأنتم ظَلَمة. وأُلحِقَ بغير المستحق مَن اشتبه حاله؛ لتعليق الظلم على معرفة الاستحقاق خاصة. وقال النووي في الأذكار: يُكره منع مَن سأل بالله، وتشفَّع به؛ لحديث:"حديث : مَن سأل بالله فأعطوه"تفسير : قال: ويكره أن يسأل بوجه الله عير الجنة. هـ. وفي حديث المنذري:"حديث : ملعونٌ مَن سأل بوجه الله، وملعونٌ مَن سُئل بوجه الله، ثم مَنَعَ سَائِلَهُ ما لم يَسْأَلْ هُجْراً"تفسير : . وقال في كتابه "الأخبار" على قوله عليه الصلاة والسلام:"حديث : مَن سألكم بالله فأعطوه"تفسير : إجلالاً لله تعالى، وتعظيماً، وإيجاباً لحقه. ثم قال: إذ ليس يجب إعطاء السائل إذا كان في معصية أو فضول، فمَن سأل بالله فيما ليس عليه ولا عليك فرضه، فإعطاؤك إياه لإجلال حق الله وتعظيمه، وليس عليك بفرض ولا حتم. انظر تمامه في الحاشية الفاسية. الإشارة: إنَّ المتقين ما سوى الله في جنات المعارف، وعيون العلوم والأسرار. قال القشيري: في عاجلهم في جنة الوصول، وفي آجلهم في جنة الفضل، فغداً نجاة ودرجات، واليوم قربات ومناجاة. هـ. {آخذين ما آتاهم ربهم} من فنون المواهب والأسرار، وغداً من فنون التقريب والإبرار، راضين بالقسمة، قليلاً أو كثيرة. إنهم كانوا قبل ذلك: قبل الإعطاء، محسنين، يعبدون الله على الإخلاص، يأخذون من الله، ويدفعون به، وله، ولا يردون ما أعطاهم، ولو كان أمثال الجبال، ولا يسألون ما لم يعطهم، اكتفاء بعلم ربهم. قال القشيري: كانوا قبل وجودهم محسنين، وإحسانهم: كانوا يُحبون الله بالله، يحبهم ويحبونه وهم في العدم، ولمَّا حصلوا في الوجود، كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون، كأنَّ نومهم عبادة، لقوله عليه الصلاة والسلام:"حديث : نوم العالم عبادة"تفسير : . فمن َيكون في العبادة لا يكون نائماً، وهجوع القلب: غفلته، وقلوبهم في الحضرة، ناموا أو استيقظوا، فغفلتهم بالنسبة إلى حضورهم قليلة. وقال سهل رضي الله عنه: أي: كانوا لا يغفلون عن الذكر في حال، يعني هجروا النوم؛ لوجود الأُنس في الذكر، والمراد بالنوم: نوم القلب بالغفلة. {وبالأسحار هم يستغفرون}، قال القشيري: أخبر عن تهجدهم، وقلة دعاويهم، وتنزُّلهم بالأسحار، منزلةَ العاصين، تصغيراً لقدرهم، واحتقاراً لفعلهم. ثم قال: والسهر لهم في لياليهم دائم، إما لفرط لهف، أو شدة أسف، وإما لاشتياق، أو للفراق، كما قالوا: شعر : كم ليلةٍ فيك لا صباحَ لها أفنيْتُها قابضاً على كبدي قد غُصَّت العين بالدموع وقد وضعتُ خدي على بنانِ يدي تفسير : وإما لكمال أُنس، وطيب روح، كما قالوا: شعر : سقى الله عيشاً قصيراً مضى زمانَ الهوى في الصبا والمجون لياليه تحكي انسدادَ لحاظٍ لعيْنيّ عند ارتداد الجفون تفسير : هـ. {وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} أي: هم يُواسون مَنْ قصدهم بالحس والمعنى، فيبذلون ما خوّلهم الله من الأموال، للسائل والمتعفف، وما خوّلهم الله من العلوم، للطالب والمعرض، وهو المحروم، فيقصدونه بالدواء بما أمكن؛ فإنهم أطباء، والطبيب يقصد المريض أينما وجده، شفقةً ورحمة، ونُصحاً للعباد. وبالله التوفيق. ثم ذكر دلائل قدرته على ما أقسم عليه من البعث، فقال: {آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ}.
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة والكسائي وابو بكر عن عاصم {لحَق مثل} بالرفع على أنه صفة للحق الباقون بالنصب، ويحتمل نصبه وجهين: أحدهما - قول الجرمي أن يكون نصباً على الحال، كأنه قيل: حق مشبهاً لنطقكم في الثبوت. الثاني - قال المازني إن (مثل) مبني، لانه مبهم أضيف إلى مبني، كما قال الشاعر: شعر : لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت حمامة في غصون ذات او قال تفسير : وقال: فجعل (مثل) مع (ما) كالأمر الواحد، كما قال {أية : لا ريب فيه} تفسير : وقولهم: خمسة عشر، فيكون على هذا (ما) زائدة وأضاف (مثل) إلى {إنكم تنطقون} فبناه على الفتح حين أضافه إلى المبني، ولو كان مضافاً إلى معرب لم يجز البناء نحو: مثل زيد. وقيل: يجوز أن يكون نصباً على المصدر، وكأنه قال إنه لحق حقاً كنطقكم. لما حكى الله تعالى حكم الكفار وما أعده لهم انواع العذاب، أخبر بما أعده للمؤمنين المطيعين الذين يتقون معاصي الله خوفاً من عقابه، ويفعلون ما أوجبه عليهم فقال {إن المتقين في جنات وعيون} أي فى بساتين تجنها الاشجار {وعيون} ماء تجري لهم في جنة الخلد، فهؤلاء ينعمون وأولئك يعذبون {آخذين ما آتاهم ربهم} من كرامته وثوابه بمعنى آخذين ما أعطاهم الله من ذلك ونصب {آخذين} على الحال {إنهم كانوا قبل ذلك محسنين} يفعلون الطاعات وينعمون على غيرهم بضروب الاحسان، ثم وصفهم فقال {كانوا} يعني المتقين الذين وعدهم بالجنات {قليلا من الليل ما يهجعون} فى دار التكليف أي كان هجوعهم قليلا - في قول الزهري وإبراهيم - وقال الحسن: (ما) صلة وتقديره كانوا قليلا يهجعون، وقال قتادة: لا ينامون عن العتمة ينتظرونها لوقتها، كأنه قيل هجوعهم قليلا فى جنب يقظتهم للصلاة والعبادة. وقال الضحاك: تقديره كانوا قبل ذلك محسنين كانوا قليلا، ثم ابتدأ فقال {من الليل ما يهجعون} وتكون (ما) بمعنى النفي والمعنى إنهم كانوا يحيوون الليل بالقيام فى الصلاة وقراءة القرآن وغير ذلك. ولا يجوز ان تكون (ما) جحدا لانه لا يقدم عليها معمولها. والهجوع النوم - في قول قتادة وابن عباس وإبراهيم والضحاك {وبالأسحار هم يستغفرون} أي يطلبون من الله المغفرة والستر لذنوبهم فى قول الحسن وابن زيد - وقال مجاهد: معناه يصلون فى السحر. وقوله {وفي أموالهم حق} وهو ما يلزمهم لزوم الديون من الزكوات وغير ذلك أو ما التزموه من مكارم الاخلاق، فهو الذي رغب الله فيه بقوله {وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} فالسائل هو الذي يسأل الناس، والمحروم هو المحارف - في قول ابن عباس ومجاهد والضحاك - وقال قتادة والزهري: المحروم هو المتعفف الذي لا يسأل. وقال إبراهيم: المحروم الذي لا سهم له فى الغنيمة. وقيل: المحروم الممنوع الرزق بترك السؤال أو إذهاب مال او سقوط سهم او خراب ضيعة إذا صار فقيراً من هذه الجهة. وقال الشعبي: اعياني أن أعلم ما المحروم. وفرق قوم بين الفقير والمحروم بأنه قد يحرمه الناس بترك الاعطاء، وقد يحرم نفسه بترك السؤال، فاذا سأل لا يكون ممن حرم نفسه بترك السؤال، وإنما حرمه الغير، وإذا لم يسأل فقد حرم نفسه وحرمه الناس. وقوله {وفي الأرض آيات} أي دلالات واضحات وحجج نيرات {للموقنين} الذين يتحققون بتوحيد الله، وإنما أضافها إلى الموقنين، لانهم الذين نظروا فيها وحصل لهم العلم بموجبها وآيات الأرض جبالها ونباتها ومعادنها وبحارها، ووقوفها بلا عمد لتصرف الخلق عليها. وقوله {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} معناه وفى أنفسكم أفلا تتفكرون بأن تروها مصرّفة من حال إلى حال ومنتقلة من صفة إلى أخرى، فكنتم نطفاً فصرتم أحياء ثم كنتم أطفالا فصرتم شباباً، ثم صرتم كهولا وكنتم ضعفاء فصرتم أقوياء، فهلا دلكم ذلك على ان لها صانعاً صنعها ومدبراً دبرها يصرفها على ما تقتضيه الحكمة ويدبرها بحسب ما توجبه المصلحة. وقيل: المعنى أفلا تبصرون بقلوبكم نظر من كأنه يرى الحق بعينه. وقوله {وفي السماء رزقكم} ينزله الله اليكم بأن يرسل عليكم الغيث والمطر فيخرج به من الأرض أنواع ما تقتاتونه وتلبسونه وتنتفعون به {وما توعدون} به من العذاب ينزله الله عليكم إذا استحققتموه، وقال الضحاك: وفى السماء رزقكم يعني المطر الذي هو سبب كل خير وهو من الرزق الذي قسمه الله وكتبه للعبد فى السماء. وقال مجاهد: وما توعدون يعني من خير او شر، وقيل وما توعدون الجنة، لانها في السماء الرابعة. ثم قال تعالى {فورب السماء والأرض} قسما منه تعالى {إنه لحق} ومعناه إن ما وعدتكم به من الثواب والعقاب والجنة والنار لا بد من كونه {مثل ما تنطقون} أي مثل نطقكم الذي تنطقون به فكما لا تشكون في ما تنطقون، فكذلك لا تشكوا في حصول ما وعدتكم به. وقيل الفرق بين قوله {حق مثل ما إنكم تنطقون} وبين ما تنطقون مثل الفرق بين أحق منطقك وبين أحق إنك تنطق أي أحق إنك ممن ينطق، ولم يثبت له نطقاً. والأول قد أثبته إلا أنه قال: أحق هو أم باطل، ذكره الفراء. ومعنى الآية أن هذا القرآن وأمر محمد صلى الله عليه وآله وما توعدون به من أرزاقكم حق ككلامكم، كقول القائل: إنه لحق مثل ما أنت ها هنا أي كما أنت ها هنا. وقال الفراء: وإنما جمع بين (ما) و (إن) مع انه يكتفى باحدهما، كما يجمع بين اللائي والذين، وأحدهما يجزي عن الآخر قال الشاعر: شعر : من النفر اللائي والذين إذا هم يهاب اللئام حلقة الباب قعقعوا تفسير : فجمع بين اللائي والذين، ولو أفرده بـ (ما) لكان المنطق في نفسه حقاً، ولم يرد ذلك، وإنما أراد أنه لحق كما حق أن الآدمي ناطق، ألا ترى ان قولك أحق منطقك معناه أحق هو أم كذب، وقولك أحق إنك تنطق معناه إن للانسان النطق لا لغيره، فادخلت (أن) ليفرق بين المعنيين. قال وهذا أعجب الوجهين إليّ
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} مستأنفٌ جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ عن حال المتّقى عن القول المختلف او عن الافك عن الولاية.
الأعقم
تفسير : {إن المتقين} الذين يتقون المعاصي {في جنات وعيون} تجري فيها {آخذين ما آتاهم ربهم} من كرامته وثوابه جزاء لهم {إنهم كانوا قبل ذلك محسنين} في أعمالهم في الدنيا {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون} قيل: قليلاً هجوعهم، وقيل: كانوا لا ينامون حتى يصلون العتمة عن محمد بن علي، وقيل: يصلون ما بين المغرب والعشاء {وبالأسحار هم يستغفرون} من الذنوب، وقيل: يصلون، وقيل: يستغفرون من تقصيرهم في طاعتهم {وفي أموالهم حقّ} قيل: الزكاة، وقيل: سائر الأمور الواجبة {للسائل والمحروم} السائل الذي يستجدي والمحروم الذي يحسب غنياً فيحرم الصدقة لتعففه، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان والتمرة والتمرتان"، قالوا: فما هو؟ قال: "هو الذي لا يجدي ولا يتصدق عليه"تفسير : ، وقيل: المحارف الذي لا يكاد يكسب {وفي الأرض آيات للموقنين} تدل على الصانع وقدرته وحكمته وتدبيره كما قال: {أية : الذي جعل لكم الأرض مهاداً} تفسير : [النبأ: 6] وفيها المسالك والفجاج للمتقلبين فيها وما فيها من أنواع الخيرات والنعم والمخلوقات والمعادن وأنواع الأشجار بالثمار المختلفة الألوان والطعوم والروائح تسقى بماء واحد، ونفضل بعضها على بعض في الأكل وقوله: {للموقنين} بالحق {وفي أنفسكم} حال ابتدائها وتنقلها من حال إلى حال وفي بواطنها وظواهرها من عجائب الفطرة وبدائع الخلق ما تتحير فيه الأذهان من حيث خلقه وصوره وركب فيه الحواس والأعضاء ومجاري الطعام والشراب وغير ذلك {أفلا تبصرون} في ذلك لتعلموا أن لها صانعاً مدبراً {وفي السماء رزقكم} قيل: هو المطر الذي هو سبب الرزق، وقيل: أراد بالسماء المطر أي في المطر رزقكم، قال الشاعر: شعر : إذا وقع السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا عصابا تفسير : وقيل: وعلى رب السماء رزقكم، وفي بمعنى على كقوله: {أية : في جذوع النخل}تفسير : [طه: 71]، وقيل: قسمه رزقكم في السماء لا يزيد ولا ينقص فكيف تتعبون بطلبه {وما توعدون} قيل: الساعة، وقيل: الجنة والنار، وقيل: ما توعدون من خير وشر، وقيل: الجنة وهي في السماء السابعة {فورب السماء والأرض} قسم من الله تعالى {إنه لحق} أي ما ذكره صدق {مثل ما أنَّكم تنطقون} قيل: كما لا تشكون في منطقكم فلا تشكون فيما توعدون، قال الحسن: قاتل الله أقواماً أقسم لهم ربهم بنفسه فلم يصدقوه، وقيل: كما أنكم تقولون أن الرزق في السماء وهو المطر فهو كذلك، وقيل: إنه قسم رزقكم كما قسم النطق فكنتم ذو نطق دون سائر الحيوان كذلك قسم لكل رزقاً.
الهواري
تفسير : قال: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} وهي الأنهار؛ كقوله: (أية : إنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ) تفسير : [القمر:54] يعني جمع الأنهار. {آخِذِينَ} أي: قابلين {مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ} أي ما أعطاهم ربهم، أي: في الجنة {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} أي: في الدنيا. {كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ}. ذكروا عن الحسن أنه قال: كانوا لا ينامون منه إلا قليلاً. ذكروا عن مطرف بن عبد الله أنه قال: قَلَّ ليلة تأتي عليهم إلا وهم يصلّون فيها لله عز وجل. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أَصِيبوا من الليل ولو ركعتين ولو أربعاً . تفسير : ذكروا عن أنس بن مالك قال: كانوا يتنفلون ما بين المغرب والعشاء يصلون ما بينهما. ذكر الحسن قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النوم قبل العشاء وعن الحديث بعدها. وبعضهم لا يرى بالحديث بعدها فيما كان من خير بأساً.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ} بساتين* {وَعُيُونٍ} تجري فيها
اطفيش
تفسير : {إنَّ المتَّقين في جناتٍ} عظام {وعيُونٍ} عظام ضد ما أنتم فيه من النيران والاحراق، على أن هذا وما بعده مما خوطب به أهل النار.
الالوسي
تفسير : لا يبلغ كنهها ولا يقادر قدرها. {ءاخِذِينَ مَا ءاتَـٰهُمْ رَبُّهُمْ } أي قابلين لكل ما أعطاهم عز وجل راضين به على معنى أن كل ما آتاهم حسن مرضي يتلقى بحسن القبول، والعموم مأخوذ من شيوع (ما) وإطلاقه في معرض المدح وإظهار مَنِّهِ تعالى عليهم، واعتبار الرضا لأن الأخذ قبول عن قصد. ونصب {ءاخِذِينَ } على الحال من الضمير في الظرف {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ } في الدنيا {مُحْسِنِينَ } أي لأعمالهم الصالحة آتين بها على ما ينبغي فلذلك استحقوا ما استحقوا من الفوز العظيم، وفسر إحسانهم بقوله تعالى: {كَانُواْ قَلِيلاً مّن ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } الخ على أن الجملة في محل رفع بدل من قوله تعالى: {كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} [الذاريات: 16] حصل بها تفيسره، أو أنها جملة لا محل لها من الإعراب مفسرة كسائر الجمل التفسيرية، وأخرج الفريابـي وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية: {ءاخِذِينَ مَا ءاتَـٰهُمْ رَبُّهُمْ} من الفرائض {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} [الذاريات: 16] أي كانوا قبل تنزل الفرائض يعملون، ولا أظن صحة نسبته لذلك الحبر، ولا يكاد تجعل جملة {كَانُواْ } الخ عليه تفسيراً إذا صح ما نقل عنه في تفسيرها، وسيأتي إن شاء الله تعالى. و ـ الهجوع ـ النوم، وقيده الراغب بقوله: ليلاً، وغيره بالقليل. و {مَا } إما مزيدة ـ فقليلاً ـ / معمول الفعل صفة لمصدر محذوف أي هجوعاً قليلاً و {مِّنَ ٱلَّيْلِ } صفة، أو لغو متعلق ـ بيهجعون ـ و {مِنْ } للابتداء، وجملة {يَهْجَعُونَ } خبر ـ كان ـ أو {قَلِيلاً } صفة لظرف محذوف أي زماناً قليلاً و {مِّنَ ٱلَّيْلِ } صفة على نحو ـ قليل من المال عندي ـ وإما موصولة عائدها محذوف فهي فاعل {قَلِيلاً } وهو خبر ـ كان ـ و {مِّنَ ٱلَّيْلِ } حال من الموصول مقدم كأنه قيل: كانوا قد قل المقدار الذي يهجعون فيه كائناً ذلك المقدار من الليل وإما مصدرية فالمصدر فاعل {قَلِيلاً } وهو خبر كان أيضاً، و {مِّنَ ٱلَّيْلِ } بيان لا متعلق بما بعده لأن معمول المصدر لا يتقدم، أو حال من المصدر، و {مِنْ } للابتداء كذا في «الكشف» فهما من «الكشاف»، وذهب بعضهم إلى أن {مِنْ } على زيادة ـ ما ـ بمعنى في كما في قوله تعالى: { أية : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ } تفسير : [الجمعة: 9] واعترض ابن المنير احتمال مصدريتها بأن لا يجوز في {مِّنَ ٱلَّيْلِ } كونه صفة، أو بياناً ـ للقليل ـ لأنه فيه واقع على الهجوع ولا صلة المصدر لتقدمه، وأجيب بأنه بيان للزمان المبهم؛ وحكى الطيبـي أنه إما منصوب على التبيين أو متعلق بفعل يفسره {يَهْجَعُونَ } وجوز أن يكون {مَا يَهْجَعُونَ } على ذلك الاحتمال بدلاً من اسم كان فكأنه قيل: كان هجوعهم قليلاً وهو بعيد، وجوز في {مَا } أن تكون نافية، و {قَلِيلاً } منصوب ـ بيهجعون ـ والمعنى كانوا لا يهجعون من الليل قليلاً ويحيونه كله ورواه ابن أبـي شيبة وأبو نصر عن مجاهد، ورده الزمخشري بأن {مَا } النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها لأن لها صدر الكلام وليس فيها التصرف الذي في أخواتها كلا فإنها قد تكون كجزء مما دخلت عليه نحو ـ عوتب بلا جرم ـ ولم ولن ـ لاختصاصهما بالفعل كالجزء منه، وأنت تعلم أن منع العمل هو مذهب البصريين، وفي «شرح الهادي» أن بعض النحاة أجازه مطلقاً، وبعضهم أجازه في الظرف خاصة للتوسع فيه، واستدل عليه بقوله: شعر : ونحن عن فضلك ما استغنينا تفسير : نعم يرد على ذلك أن فيه كما في «الانتصاف» خللاً من حيث المعنى فإن طلب قيام الليل غير مستثنى منه جزء للهجوع وإن قل غير ثابت في الشرع ولا معهود اللهم إلا أن يدعى أن من ذهب إلى ذلك يقول: بأنه كان ثابتاً في الشرع، فقد أخرج ابن أبـي شيبة وابن المنذر عن عطاء أنه قال في الآية: كان ذلك إذ أمروا بقيام الليل كله فكان أبو ذر يعتمد على العصا فمكثوا شهرين ثم نزلت الرخصة { أية : فَٱقْرَءواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } تفسير : [المزمل: 20] وقال الضحاك: {كَانُواْ قَلِيلاً } في عددهم، وتم الكلام عند {قَلِيلاً } ثم ابتدأ {مّن ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } على أن {مَا } نافية؛ وفيه ما تقدم مع زيادة تفكيك للكلام، ولعل أظهر الأوجه زيادة {مَا } ونصب {قَلِيلاً } على الظرفية، و {مِّنَ ٱلَّيْلِ } صفة قيل: وفي الكلام مبالغات لفظ الهجوع بناءاً على أنه القليل من النوم، وقوله تعالى: {قَلِيلاً } و {مِّنَ ٱلَّيْلِ } لأن الليل وقت السبات والراحة وزيادة {مَا } لأنها تؤكد مضمون الجملة فتؤكد القلة وتحققها باعتبار كونها قيداً فيها. والغرض من الآية أنهم يكابدون العبادة في أوقات الراحة وسكون النفس ولا يستريحون من مشاق النهار إلا قليلاً، قال الحسن: كابدوا قيام الليل لا ينامون منه إلا قليلاً، وعن عبد الله بن رواحة هجعوا قليلاً ثم قاموا، وفسر أنس بن مالك الآية ـ كما رواه جماعة عنه وصححه الحاكم - فقال: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء وهي لا تدل على الاقتصار على ذلك.
ابن عاشور
تفسير : اعتراض قَابل به حال المؤمنين في يوم الدين جرى على عادة القرآن في اتباع النِّذارة بالبشارة، والترهيب بالترغيب. وقوله: {إن المتقين في جنات وعيون} نظير قوله في سورة الدخان (51، 52) {أية : إن المتقين في مقام أمين في جنات وعيون}.تفسير : وجمع {جنات} باعتبار جمع المتقين وهي جنات كثيرة مختلفة وفي الحديث: «حديث : إنها لِجِنان كثيرة، وإنه لفي الفردوس»تفسير : ، وتنكير {جنات} للتعظيم. ومعنى {آخذين ما آتاهم ربهم}: أنهم قابلون ما أعطاهم، أي راضون به فالأخذ مستعمل في صريحه وكنايته كناية رمزية عن كون ما يؤتَوْنه أكمل في جنسه لأن مدارك الجماعات تختلف في الاستجادة حتى تبلغ نهاية الجودة فيستوي الناس في استجادته، وهي كناية تلويحية. وأيضاً فالأخذ مستعمل في حقيقته ومجازه لأن ما يؤتيهم الله بعضهم مما يُتناول باليد كالفواكه والشراب والرياحين، وبعضه لا يتناول باليد كالمناظِر الجميلة والأصوات الرقيقة والكرامة والرضوان وذلك أكثر من الأول. فإطلاق الأخذ على ذلك استعارة بتشبيه المعقول بالمحسوس كقوله تعالى: {أية : خُذوا ما آتيناكم بقوة} تفسير : في سورة البقرة (63)، وقوله: {أية : وأمرْ قَومَك يأخذوا بأحسنها} تفسير : في سورة الأعراف (145). فاجتمع في لفظ {آخذين} كنايتان ومجاز. روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : أن الله تعالى يقول: يا أهل الجنة. فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخيرُ في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك فيقول: ألا أعطيكم أفضلَ من ذلك فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحُلّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً»تفسير : . وفي إيثار التعبير عن الجلالة بوصف (ربّ) مضافٍ إلى ضمير المتقين معنى من اختصاصهم بالكرامة والإيماء إلى أن سبب ما آتاهم هو إيمانهم بربوبيته المختصة بهم وهي المطابقة لصفات الله تعالى في نفس الأمر. وجملة {إنهم كانوا قبل ذلك محسنين} تعليل لجملة {إن المتقين في جنات وعيون} أي كان ذلك جزاء لهم عن إحسانهم كما قيل للمشركين {أية : ذوقوا فتنتكم}تفسير : [الذاريات: 14]. والمحسنون: فاعلو الحسنات وهي الطاعات. وفائدة الظرف في قوله: {قبلَ ذلك} أن يؤتى بالإشارة إلى ما ذكر من الجنات والعيون وما آتاهم ربهم مما لا عين رأتْ ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فيحصل بسبب تلك الإشارة تعظيم شأن المشار إليه، ثم يفاد بقوله {قبل ذلك}، أي قبل التنعم به أنهم كانوا محسنين، أي عاملين الحسنات كما فسره قوله: {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون} الآية. فالمعنى: أنهم كانوا في الدنيا مطيعين لله تعالى واثقين بوعده ولم يروه. وجملة {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون} بدل من جملة {كانوا قبل ذلك محسنين} بدل بعض من كل لأن هذه الخصال الثلاث هي بعض من الإحسان في العمل. وهذا كالمثال لأعظم إحسانهم فإن ما ذكر من أعمالهم دال على شدة طاعتهم لله ابتغاء مرضاته ببذل أشد ما يبذل على النفس وهو شيئان: أولهما: راحة النفس في وقت اشتداد حاجتها إلى الراحة وهو الليل كله وخاصة آخره، إذ يكون فيه قائم الليل قد تعب واشتد طلبه للراحة. وثانيهما: المال الذي تشحّ به النفوس غالباً، وقد تضمنت هذه الأعمال الأربعة أصلَي إصلاح النفس وإصلاح الناس. وذلك جماع ما يرمي إليه التكليف من الأعمال فإن صلاح النفس تزكية الباطن والظاهر ففي قيام الليل إشارة إلى تزكية النفس باستجلاب رضى الله تعالى. وفي الاستغفار تزكية الظاهر بالأقوال الطيبة الجالبة لمرضاة الله عز وجل. وفي جعلهم الحق في أموالهم للسائلين نفع ظاهر للمحتاج المظهر لحاجته. وفي جعلهم الحق للمَحروم نفع المحتاج المتعفّف عن إظهار حاجته الصابر على شدة الاحتياج. وحرف {ما} في قوله: {قليلاً من الليل ما يهجعون} مزيد للتأكيد. وشاعت زيادة {ما} بعد اسم (قليل) و(كثير) وبعد فعل (قل) و(كثر) و(طال). والمعنى: كانوا يهجعون قليلاً من الليل. وليست {ما} نافية. والهجوع: النوم الخفيف وهو الغِرار. ودلت الآية على أنهم كانوا يهجعون قليلاً من الليل وذلك اقتداء بأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {أية : قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه}تفسير : [المزمل: 2 ـــ 4] وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرهم بذلك كما في حديث عبد الله بن عَمرو بن العاص «حديث : أن رسول الله قال له: لم أُخْبَر أنك تقوم الليل وتصوم النهار قال: نعم. قال: لا تفعل إنك إن فعلت ذلك نفِهت النفس وهَجمت العين. وقال له: قم ونَم، فإن لنفسك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً»تفسير : . وقد اشتملت هذه الجملة على خصائص من البلاغة: أولاها: فعل الكون في قوله: {كانوا} الدال على أن خبرها سُنَّة متقررة. الثاني: العدول عن أن يقال: كانوا يقيمون الليل، أو كانوا يُصَلُّون في جوف الليل، إلى قوله: {قليلاً من الليل ما يهجعون} لأن في ذكر الهجوع تذكيراً بالحالة التي تميل إليها النفوس فتغلبها وتصرفها عن ذكر الله تعالى وهو من قبيل قوله تعالى: {أية : تتجافى جنوبهم عن المضاجع}تفسير : [السجدة: 16]، فكان في الآية إطناب اقتضاه تصوير تلك الحالة، والبليغ قد يورد في كلامه ما لا تتوقف عليه استفادة المعنى إذا كان يرمي بذلك إلى تحصيل صور الألفاظ المزيدة. الثالث: التصريح بقوله: {من الليل} للتذكير بأنهم تركوا النوم في الوقت الذي من شأنه استدعاء النفوس للنوم فيه زيادةً في تصوير جلال قيامهم الليل وإلا فإن قوله: {كانوا قليلاً ما يهجعون} يفيد أنه من الليل. الرابع: تقييد الهجوع بالقليل للإشارة إلى أنهم لا يستكملون منتهى حقيقة الهجوع بل يأخذون منه قليلاً. وهذه الخصوصية فاتت أبا قيس بن الأسلت في قوله:شعر : قد حَصت البيضة راسِي فمَا أطعَم نوماً غير تَهْجاع تفسير : الخامس: المبالغة في تقليل هجوعهم لإفادة أنه أقل ما يُهجَهُه الهاجع. وانتصب {قليلاً} على الظرف لأنه وُصف بالزمان بقوله: {من الليل}. والتقدير: زمناً قليلاً من الليل، والعامل في الظرف {يَهجعون}. و{من الليل} تبعيض. ثم أتبع ذلك بأنهم يستغفرون في السحر، أي فإذا آذن الليل بالانصرام سألوا الله أن يغفر لهم بعد أن قدّموا من التهجد ما يرجون أن يزلفهم إلى رضى الله تعالى. وهذا دل على أن هجوعهم الذي يكون في خلال الليل قبل السحر. فأما في السحر فهم يتهجدون، ولذلك فسر ابن عمر ومجاهد الاستغفار بالصلاة في السحر. وهذا نظير قوله تعالى: {أية : والمستغفرين بالأسحار}تفسير : [آل عمران: 17]، وليس المقصود طلب الغفران بمجرد اللسان ولو كان المستغفر في مضجعه إذ لا تظهر حينئذٍ مزية لتقييد الاستغفار بالكون في الأسحار. والأسحار: جمع سحر وهو آخر الليل. وخص هذا الوقت لكونه يكثر فيه أن يغلب النوم على الإنسان فيه فصلاتهم واستغفارهم فيه أعجب من صلاتهم في أجزاء الليل الأخرى. وجَمْع الأسحار باعتبار تكرر قيامهم في كل سحر. وتقديم {بالأسحار} على {يستغفرون} للاهتمام به كما علمت. وصيغ استغفارهم بأسلوب إظهار اسم المسند إليه دُون ضميره لقصد إظهار الاعتناء بهم وليقع الإخبار عن المسند إليه بالمسند الفعلي فيفيد تقوّي الخبر لأنه من الندّرة بحيث يقتضي التقوية لأن الاستغفار في السحر يشقّ على من يقوم الليل لأن ذلك وقت إعيائه. فهذا الإسناد على طريقة قولهم: هو يعطي الجزيل. وحق السائل والمحروم: هو النصيب الذي يعطُونه إياهما، أطلق عليه لفظ الحق، إمّا لأن الله أوجب على المسلمين الصدقة بما تيسَّر قبل أن يفرض عليهم الزكاة فإن الزكاة فرضت بعد الهجرة فصارت الصدقة حقا للسائل والمحروم، أو لأنهم ألزموا ذلك أنفسهم حتى صار كالحق للسائل والمحروم. وبذلك يتأوَّل قول من قال: إن هذا الحق هو الزكاة. والسائل: الفقير المظهر فقره فهو يسأل الناس، والمحروم: الفقير الذي لا يُعطَى الصدقة لظن الناس أنه غير محتاج من تعففه عن إظهار الفقر، وهو الصنف الذي قال الله تعالى في شأنهم {أية : يحسبهم الجاهلُ أغنياء من التعفّف}تفسير : [البقرة: 273] وقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان والأكلة والأكلتان ولكن المسكين الذي ليس له غنى ويستحيـي ولا يسأل الناس إلحافاً»تفسير : . وإطلاق اسم المحروم ليس حقيقة لأنه لم يَسأل الناس ويحرموه ولكن لما كان مآل أمره إلى ما يؤول إليه أمر المحروم أطلق عليه لفظ المحروم تشبيهاً به في أنه لا تصل إليه ممكنات الرزق بعد قربها منه فكأنه ناله حرمان. والمقصود من هذه الاستعارة ترقيق النفوس عليه وحثّ الناس على البحث عنه ليضعوا صدقاتهم في موضع يحب الله وضعها فيه ونظيرها في سورة المعارج. قال ابن عطية: واختلف الناس في {المحروم} اختلافاً هو عندي تخليط من المتأخرين إذ المعنى واحد عبر علماء السلف في ذلك بعبارات على جهة المثالات فجعلها المتأخرون أقوالاً. قلت ذكر القرطبي أحد عشر قولاً كلها أمثلة لمعنى الحرمان، وهي متفاوتة في القرب من سياق الآية فما صلح منها لأن يكون مثالاً للغرض قُبل وما لم يصلح فهو مردود، مثل تفسير من فسر المحروم بالكلب. وفي «تفسير ابن عطية» عن الشعبي: أعياني أن أعلم ما المحروم. وزاد القرطبي في رواية عن الشعبي قال: لي اليوم سبعون سنة منذ احتملت أسأل عن المحروم فما أنا اليوم بأعلم مني فيه يومئذٍ.
الشنقيطي
تفسير : لا يخفى على من عنده علم بأصول الفقه أن هذه الآية الكريمة فيها الدلالة المعروفة عند أهل الأصول بدلالة الإيماء والتنبيه على أن سبب نيل هذه الجنات والعيون هو تقوى الله والسبب الشرعي هو العلة الشرعية على الأصح، وكون التقوى سبب دخول الجنات الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، جاء موضحاً في آيات آخر في كتاب الله كقوله تعالى:{أية : تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِياً}تفسير : [مريم: 63] وقد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى:{أية : لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤونَ كَذَلِكَ يَجْزِي ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : [النحل: 31].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إن المتقين في جنات وعيون: أي إن الذين اتقوا ربهم في بساتين وعيون تجري خلال تلك البساتين والقصور التي فيها كقوله تجري من تحتها الأنهار. آخذين ما آتاهم ربهم: أي آخذين ما أعطاهم ربهم من الثواب. إنهم كانوا قبل ذلك محسنين: أي كانوا قبل دخولهم الجنة محسنين في الدنيا أي في عبادة ربهم وإلى عباده. كانوا قليلا من الليل ما يهجعون: أي كانوا في الدنيا يحيون الليل ولا ينامون فيه إلا قليلا. وبالأسحار هم يستغفرون: أي وفي وقت السحور وهو السدس الأخير من الليل يستغفرون يقولون ربنا اغفر لنا. وفي أموالهم حق للسائل والمحروم: أي للذي يسأل والمحروم الذي لا يسأل لتعففه وهذا الحق أوجبوه على أنفسهم زيادة على الزكاة الواجبة. وفي الأرض آيات للموقنين: أي من الجبال والأنهار والأشجار والبحار والإِنسان والحيوان دلالات على قدرة الله مقتضية للبعث والموجبة للتوحيد للموقنين أما غير المؤمنين فلا يرون شيئا. وفي أنفسكم أفلا تبصرون: أي آيات من الخلق والتركيب والأسماع والأبصار والتعقل والتحرك أفلا تبصرون ذلك فتستدلون به على وجود الله وعلمه وقدرته. وفي السماء رزقكم وما توعدون: أي من الأمطار التي بها الزرع والنبات وسائر الأقوات وما توعدون من ثواب وعقاب إن كل ذلك عند الله في السماء مكتوب في اللوح المحفوظ. فورب السماء والأرض إنه لحق: إنه لحق أي ما توعدون لحق ثابت. مثل ما أنكم تنطقون: أي إن البعث لحق مثل نطقكم فهل يشك أحد في نطقه إذا نطق والجواب لا يشك فكذلك ما توعدون من ثواب وعقاب. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء التي كذب بها المشركون في مكة فقال تعالى {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} أي إن الذين اتقوا ربهم فلم يشركوا به ولم يعصوه بترك الواجبات ولا بفعل المحرمات هؤلاء يوم القيامة في بساتين وعيون تجري في تلك البساتين وقوله {آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ} أي ما أعطاهم ربهم من ثواب هو نعيم مقيم في دار السلام. ثم ذكر تعالى مقتضيات هذا العطاء العظيم والثواب الجزيل فقال {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ} دخولهم الجنة {مُحْسِنِينَ} في الدنيا فأحسنوا نياتهم وأعمالهم أخلصوها لله ربهم وأتَوا بها وفق ما ارتضاه وشرعه لعباده بلا زيادة ولا نقصان كما أحسنوا إلى عباده ولم يسيئوا إليهم بقول ولا عمل هذا موجب وآخر أنهم {كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} أي لا ينامون من الليل إلا قليلاً إذ أكثر الليل يقضونه في الصلاة وهو التهجد وقيام الليل وبالأسحار أي وفي السدس الأخير من الليل هم يستغفرون أي يقولون ربنا اغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار وثالث {وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ} والمحروم أي وزيادة على الزكاة المفروضة في كل مال بلغ النصاب فإنهم أوجبوا على أنفسهم في أموالهم حقا يبذلونه للسائل الذي يسأل والمحروم الذي لا يسأل لحيائه وعفته. هذه موجبات العطاء الكريم الذي أعطاهم ربهم من النعيم المقيم في جنات وعيون. وقوله تعالى {وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ} أي وفي ما خلق في الأرض من مخلوقات من جبال وأنهار وزروع وضروع وأنواع الثمار، وإنسان وحيوان آيات أي دلائل وعلامات على قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته وكلها موجبة له التوحيد ومقررة لقدرته على البعث الآخر والجزاء وكون هذه الآيات للموقنين مبني على أن المؤقنين ذووا بصائر وإدراك لما يشاهدون في الكون فكلما نظروا إلى آية في الكون ازداد إيمانهم وقوى فبلغوا اليقين فيه فأصبحوا أكثر من غيرهم في الاهتداء والانتفاع بكل ما يسمعون ويشاهدون. وقوله تعالى {وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} أي وفي أنفسكم أيها الناس من الدلائل والبراهين المتمثلة في خلق الإِنسان وأطواره التي يمر بها من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى طفل إلى شاب فكهل وفي إدراكه وسمعه وبصره ونطقه إنها آيات أخرى دالة على وجود الله وتوحيده وقدرته على البعث والجزاء وقوله {أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} توبيخ لأهل الغفلة والاعراض عن التفكر والنظر إذ لو نظروا بأبصارهم متفكرين ببصائرهم لاهتدوا إلى الإيمان والتوحيد والبعث والجزاء. وقوله تعالى وفي السماء رزقكم وما توعدون أي يخبر تعالى عباده أن رزقهم في السماء يريد تدبير الأمر في السماء والأمطار التي هي سبب كل الثمار والحبوب وسائر الخضر والفواكه التي هي غذاء الإِنسان في السماء وقوله وما توعدون من خير وشر من رحمة وعذاب الكل في السماء إذ الأمر لله وهو يحكم بالرحمة والعذاب على من يشاء وكتاب المقادير الذي كتب فيه كل شيء هو في السماء. وقوله تعالى {فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} هذا قسم منه تعالى أقسم فيه بنفسه على أن البعث والجزاء يوم القيامة حق ثابت واجب الوقوع كائن لا محالة إذا كنا لا نشك في نطقنا إذا نطقنا أن ما نقوله ونسمعه لا يمكن أن يكون غير ما نطقنا به وسمعناه فكذلك البعث الآخر واقع لا محالة. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان ما للمتقين من نعيم مقيم في الدار الآخرة. 2- بيان صفات المتقين من التهجد بالليل والاستغفار في آخره والانفاق في سبيل الله. 3- بيان أن في الأرض كما في الأنفس آيات أي دلائل وعلامات على قدرة الله على البعث والجزاء. 4- بيان أن في السماء رزق العباد فلا يطلب إلا من الله تعالى وأن ما نُوعَدُ من خير وشر أمره في السماء ومنها ينزل بأمره تعالى فليكن طلبنا الخير من الله دائما وتعوذنا من الشر بالله وحده.
القطان
تفسير : ما يهجعون: ما ينامون. الأسحار: أواخر الليل. وفي أموالهم حق: نصيب. للسائل: للطالب. المحروم: المتعفف الذي لا يسأل. يُطلق على الواحد والجمع. قوم منكَرون: مجهولون غير معروفين. فراغَ الى أهله: فذهب الى اهله خفية وسرا. فقرّبه اليهم: وضعه بين أيديهم. فأوجس منهم خيفة: أضمر في نفسه الخوف منهم. امرأته: سارة. في صرة: في ضجة. فصكت وجهها: ضربت بيدها على جبهتها. وقالت: عجوز عقيم: أنا كبيرة السن لا ألد. بعد ان ذكر الكفارَ المنكرين للبعث والجزاءِ وما ينتظرهم يومَ القيامة - ذكَرَ هنا حالَ المؤمنين المتقين وما يتمتعون به من النعيم المقيم في جَنّة الخُلد، لأنهم آمنوا وكانوا محسِنين في الدنيا، وكانوا يقيمون صلاةَ الليل ويتهجّدون في معظمِه، ويستغفِرون اللهَ تعالى في وقت الأسحار كما جعلوا في أموالِهم جزءاً للفقراءِ والمساكين، والذين لا يَجِدون ولا يَسالون. ثم ذَكرَ بعد ذلك بعضَ الآيات الكونية في الأرض والنفس. وفي الأرضِ دلائلُ على وجود الخالق العظيم، وفي أنفسِكم ايها الناسُ كذلك آياتٌ واضحةٌ أفلا تُبصِرون دلالتها؟. وفي السماء أسبابُ رِزقكم، وكذلك ما توعَدون من كل شيء، فاعملوا وتوكّلوا على اللهِ الرزاقِ الكريم ولا تخافوا. ثم أقسَمَ اللهُ تعالى بعزّته وجلاله ان البعثَ حقٌّ {مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} فلا تشكّوا فيه، يعني أن بَعْثَ الناسِ يومَ القيامة حقٌّ كأنكم تسمعون وترون. ثم تطرّقَ إلى قصة إبراهيم مع ضيوفه، تسليةً لرسوله الكريم. وقد تكرر ذكر ابراهيم كثيراً لأن النبيَّ على دينه، ولأنّ قريش كانت تقول إنّهم على دِين إبراهيم. هل علمَت يا محمد قصةَ الملائكة، ضيوفِ إبراهيم، الذين وفدوا عليه فأكرمهم وهو لا يعرفُهم، ولذلك قال لهم: {سَلاَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} مجهولون لنا لا نعرفهم. ثم أسرع إبراهيم الى أهله خِفية وقدّم لضيوفه عجْلا سمينا مشويّا، فقرّبه إليهم، فلم يأكلوا منه، فقال منكِرا لحالهم: ألا تأكلون؟ {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} خافَ منهم في نفسِه، ظناً منه ان امتناعَهم عن الأكل إنما كان لشرّ يريدونه. {قَالُواْ لاَ تَخَفْ} وطمأنوه بقولهم: لا تخفْ منا، إنا رسُل ربك إلى قوم لوطٍ، كما جاء في قوله تعالى: {أية : لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ} تفسير : [هود: 70]. ثم زادوا طمأنتهم له: فقالوا: أبْشِر يا إبراهيم بغلامٍ عليم. هذا هو ابنه اسحاق من زوجته سارة. فلمّا أقبلت سارة وفوجئت بالبِشارة صاحت وضربت بيدها على جبينها، وقالت: أنا عجوز عقيم فكيف ألِد؟ كما جاء واضحاً في سورة هود 72 {أية : قَالَتْ يَٰوَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً }. تفسير : {قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ} كذلك قضى ربك بحكمتِه، إنه هو الحكيم في كل ما يقضي، العليم الذي لا يخفى عليه شيء. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وابو بكر: انه لحقٌّ مثلُ ما انكم تنطقون برفع مثل، والباقون: مثلَ بالنصب.
د. أسعد حومد
تفسير : {جَنَّاتٍ} (15) - أمَّا الذِينَ آمَنُوا باللهِ وَرُسُلِهِ، وَاتقَوا رَبَّهُمْ وَأطَاعُوهُ، وَاجْتَنَبُوا مَعَاصِيَهِ، فَإِنَّهُمْ يَكُونُونَ في ذَلكَ اليَومِ في بَسَاتِينَ وَجَنَّاتٍ تَجْري فيها الأنْهارُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ ..} [الذاريات: 15] (إن) تفيد توكيد الكلام، و(المتقين) جمع المتقي، والتقوى كما قلنا أنْ تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية، لذلك نجد القرآن يقول مرة: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ..}تفسير : [الحشر: 18] ومرة يقول {أية : وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ..}تفسير : [آل عمران: 131]. والمراد: الزموا طاعة الله، وتجنّبوا معصيته وأسباب عذابه، لأن لله تعالى صفات جمال وصفات جلال، والتقوى أنْ تجعل بينك وبين صفات الجلال وقاية من صفات الجلال التي تزجر المخالف وترده عن الشر. فمن صفات الجمال أن خلق لنا ما ننتفع به في الدنيا، ومن ذلك النار {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ}تفسير : [الواقعة: 71-72]. لكن هذه النار التي تنتفعون بها في الدنيا وتُعد نعمة من نعم الله عليكم احذروها في الآخرة، لأنها ستكون أداة تعذيب، ستكون جنداً من جند الله لقهر المخالفين، فاتقوها. إذن: المعنى واحد: اتقوا الله، واتقوا النار. وتلاحظ هنا أن {ٱلْمُتَّقِينَ ..} [الذاريات: 15] في زمان التكليف وهي جمع و{جَنَّاتٍ ..} [الذاريات: 15] في زمن الجزاء وهي جمع، وكذلك {وَعُيُونٍ} [الذرايات: 15] فكأن الحق سبحانه وتعالى يقول: إن لكل مُتّق جنة وعيناً تجري خلالها، نعم جنة خاصة به، لأن القاعدة إذا قُوبل الجمع بالجَمع اقتضى القسمةَ آحاداً. كما يقول المدرس مثلاً للتلاميذ: أخرجوا كتبكم، والمراد أنْ يُخرجَ كلّ منهم كتابه، لكن نجد في سورة (الرحمن) يقول سبحانه: {أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}تفسير : [الرحمن: 46]. فكيف نجمع ونُوفِّق بين الآيتين؟ قالوا: لأن سورة الرحمن جاء الخطاب فيها للثقلين الجن والإنس، فالمعنى: ولمَنْ خاف مقام ربه من الإنس أو الجن جنة، جنة للإنس وجنة للجن. أو أن المعنى: له جنتان بالفعل، وسبق أنْ أوضحنا أن الحق سبحانه خلق الجنة على فرض أنْ يؤمن جميعُ البشر، وخلق النار كذلك تكفي للبشر جميعاً إنْ لم يؤمنوا. وقلنا: هناك لا توجد أزمة مساكن، فإذا دخل أهلُ النار النارَ فرغتْ أماكنهم في الجنة فورثها المتقون، فكأنه أخذ جنته وجنة الكافر الذي تركها، وذهب إلى النار. والجنة هي البستان المليء بالأشجار متشابكة الأغصان بحيث تستر مَنْ يسير فيها وتُجنّه، أو أن فيها كلَّ مقومات الحياة بحيث لا يحتاج إلى الخروج منها، كما نقول في كلمة قصر يعني: قصرك في مكانه عن الأمكنة الأخرى، فلا تخرج منه إلى مكان آخر لتلتمس أسباب الحياة .. وقال: {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الذاريات: 15] أي: عيون الماء، لأن الجنات الأصل فيها الخضرة والنماء والثمار، وهكذا الأشياء وليدة وجود الماء، فالعيون في الجنات لاستبقائها ودوامها كجنة. لذلك لما تحدَّث القرآن الكريم عن أنهار الجنة وتوفير الماء اللازم لها قال مرة {أية : تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ ..}تفسير : [التوبة: 100] وقال مرة {أية : تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ..}تفسير : [الصف: 12]. فمن هنا تفيد أن الماء ذاتي فيها، حتى لا نظن أن الماء الجاري الذي يمرُّ بها قد ينقطع فيقول لك: اطمئن فماء الجنة مضمون لأنه نابع منها. وقوله سبحانه: {آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ..} [الذاريات: 16] يعود السياق هنا إلى الماضي ويُحدِّثنا عن الحيثية، فهؤلاء المتقون نالوا هذا الجزاء، لأنهم أخذوا منهج الله برضا وقبول. {آخِذِينَ ..} [الذاريات: 16] جمع آخذ اسم فاعل، وهو الذي يتناول الشيء بعشق ولهفة، ويأخذه برضى وقبول، والإنسان لا يمدُّ يده ليأخذ إلا لشيء فيه نفع له على خلاف شيء يُرْمى عليك فتأخذه وأنت كاره. فكأن هؤلاء سمعوا منهج الله، وعلموا أن فيه قوامَ حياتهم وصيانة حركتهم ونجاة آخرتهم فأخذوه، أخذوه بلهفة وحب وعشق، أخذوه بقوة كما قال تعالى: {أية : خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ ..}تفسير : [البقرة: 63]. فالقوة في الأخذ تدل على أن الآخذ يقدر المنفعة الجميلة التي ينالها، ثم إنك أخذتَ وغيرك ترك، فأحسنتَ وأساءوا، مع أنك مختار ولك مطلق الحرية تأخذ أو تترك. لقد أحسنتَ وأنت قادر على الخير وعلى قبول الشر. فكوْنُكَ تسمع وحي الله وتطيع وتتحمل التكاليف عن رضا وقبول، فأنت أهلٌ لهذا الجزاء. ثم تبين الآيات أن الأخذ هنا أخذٌ مقيد، لا نأخذ كل شيء وكل ما يأتينا بل نأخذ ما جاءنا من ربنا وخالقنا {آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ..} [الذاريات: 16] واختار هنا صفة الربوبية لأنها عطاء، فالرب هو الذي خلق من عَدمَ وأمدَّ من عُدْم، وأبقى لك مُقوِّمات الحياة بقيوميته، نقول: فلان قائم على الأمر يعني: مهتم به لا يتركه لغيره. فالله بحكمته وقدرته خلق، وبقيوميته استدام الخير، لذلك ساعة يأتيك الخير تذكر الربوبية التي منحتك. والربوبية أسبق في حياة الإنسان من الألوهية، لأن الله تعالى أعطاك وأمدَّك قبل انْ تُخَلق وما كلّفك إلا بعد سنِّ البلوغ. وما دُمت قد أخذتَ عطاء الربوبية وتمتعتَ به فقد وجب عليك أنْ تأخذ عطاء الألوهية، وكما أخذتَ العطاء الأول بحب ورغبة وعشق، فعليك أنْ تأخذ العطاء الآخر أيضاً بحب ورغبة وعشق، لا يليق بك أن تأخذ الأول وتترك الثاني وتتنكر له لأنك لو تأملت عطاء الألوهية لوجدته أنفع لك من عطاء الربوبية وأدوم. فعطاء الربوبية الأول أعطاك مقومات الحياة الدنيا وهي موقوتة فانية، أعطاك مقومات القالب الزائل، أما عطاء الألوهية فعطاء يضمن لك الآخرة الباقية ويحيي فيك الروح الباقية التي لا تفنى. إذن: فأيّهما أحقُّ بالأخذ؟ لذلك الحق سبحانه وتعالى حينما حدثنا عن هذه المسألة قال سبحانه: {أية : يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ ..}تفسير : [الأعراف: 26]. فاللباس الذي يواري السوأة يمثل الضروريات والريش للزينة والكماليات، وهذا قصارى ما نأخذه في الدنيا. ثم يلفت الأنظار إلى ما هو أهم {أية : لِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ ..}تفسير : [الأعراف: 26] خير من نعيم الدنيا وزينتها وزخرفها، لأن هذا زائل وهذا باقٍ دائم، لباس الدنيا يسترك في الدنيا، ولباس التقوى يسترك في الدنيا وفي الآخرة. ولما كان لعطاء الألوهية هذه الأهمية لم يُعطه الله إلا لمن آمن به مختاراً، فلم يكلف إلا المؤمن، لذلك نقرأ دائماً في مجال التكاليف {أية : يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ..}تفسير : [البقرة: 153]. ثم تذكر الآيات صفة أخرى من صفات المتقين {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} [الذاريات: 16] أي: ما استحقوا هذه المنزلة إلا لأنهم {كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} [الذاريات: 16] والإحسان درجة عالية من درجات الإيمان عرَّفها العلماء فقالوا: الإحسان هو ما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أن تعبد الله كأنك تراه، فإنْ لم تكن تراه فإنه يراك ". تفسير : والإحسان هو الزيادة في الطاعات فوق ما أمرك الله به، لذلك نزلت هذه الآية في مكة قبل أنْ تُفرض الزكاة في مكة، قال تعالى: {وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} [الذرايات: 19] ولم يقل حق معلوم، فالحق المعلوم هو الزكاة وقد فرضت بالمدينة، أما الصدقة فكانت في المرحلة المكية. إذن: معنى الإحسان أنهم ذهبوا إلى مراتب الإحسان قبل أنْ يُكلِّفوا بها، وهذا يعني أن مراتب الإحسان فطرية وطبيعية، وفي إمكانك ولا تكلفك، وهكذا كل أمور الطاعة والاستقامة تأتي طبيعية لا تكلُّف فيها على خلاف المعصية. لذلك نقول: إن المستقيم مثلاً يوفر ثمن الجلوس على القهاوي وشرب الدخان والقهوة والمخدرات والمسكرات، فالاستقامة من الناحية الاقتصادية أوفر لصاحبها. حتى في عمل الجوارح تأتي الاستقامة طبيعية، أما المعصية فتحتاج إلى تكلُّف وتلصُّص واحتيال، لذلك في الاشتقاق اللغوي عبَّر القرآن عن الطاعة بـ (كسب) وعن المعصية بـ (اكتسب). فالكسب أمر طبيعي، و (كسب) على وزن فعل، أما (اكتسب) ففيها افتعال وهي على وزن افتعل، وهذا الافتعال تراه مثلاً فيمن يحتال لينظر إلى ما حرَّم الله عليه، كيف يتلصص ويُسارق الناسَ النظرات، كذلك تراه فيمن يذهب إلى المسجد ومَنْ يذهب إلى الخمارة وهكذا. وقد عرَّف العلماء درجة الإحسان في العبادة، فقالوا: الإحسان أنْ تؤدي ما فرضه الله عليك من العبادة، وتزيد عليها من جنس ما فرض الله، فالمؤمن يؤدي الصلوات الخمس والمحسن يؤديها ويزيد عليها ما استطاع من النوافل. المؤمن يؤدب الزكاة بمقدار نصف العشر أو ربع العشر، والمحسن يؤدي فوق ذلك وهكذا. إذن: المحسن هنا له معنيان: أنه أحسن قبل التكليف وبادر بعمل الخيرات قبل أنْ تُفرض عليه، أو أدَّى ما فُرِض عليه ثم زاد على ما فرض من جنس ما فرض الله عليه. ثم يصف الحق سبحانه وتعالى المحسنين بقوله: {كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات: 17] والهجوع هو: الثبات عن الحركة في الخير وعدم عمل الشر، ونقول للولد المشاغب الذي تزيد حركته: اهجع. يعني: كُفّ عن الحركة المزعجة. ومن هنا قالوا: نوم الظالم عبادة، نعم عبادة لأنه يكفُّه عن الظلم، فهؤلاء لهم أنْ يصلُّوا العشاء ويناموا بعدها إلى الفجر، لكن حبهم للطاعة جعلهم لا يهجعون من الليل إلا قليلاً، ونَفْي الهجوع نَفْيٌ للنوم من باب أوْلَى. والإحسان نتيجة لحب العبد لربِّه، فالله أحسن إليك حين كلَّفك وحيَّاك بهذا التكليف، فعليك أنْ ترد التحية بأحسن منها، فإنْ كلَّفك بخمس صلوات تجعلها عشراً، وإنْ كلَّفك بنصف العشر أو بُربْع العشر في الزكاة تجعلها أضعاف ذلك، وهكذا في سائر العبادات وأوجه الخيرات. ولما سُئل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإحسان قال: "حديث : هو أنْ تعبد الله كأنك تراه، فإنْ لم تكُنْ تراه فإنه يراك"تفسير : والذي تراه يكون حاضراً ليس غيباً، وتصوَّر أنك أجير عند رجل يجلس خلفك يراقبك ويرصد كل تحركاتك، هل تستطيع عندَه إذن أنْ تتهاون في عملك أو تقصر فيه؟ كذلك حال المحسن في عبادته، وقد ورد في الحديث القدسى: حديث : يا عبادي إنْ كنتم تعتقدون أنِّي لا أراكم، فالخلل في إيمانكم، وإنْ كنتم تعتقدون أني أراكم، فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟ . تفسير : وقوله تعالى: {وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 18] الأسحار جمع السَّحَر، وهو آخر الليل وقبل طلوع الفجر، حيث يظهر ضوء بسيط يخيَّل للإنسان أنه ضوء الشمس وهي لم تطلع بعد، ولذلك يُسمَّى ضوءاً تخيلياً. ومنه كلمة السِّحر، فالسحر قلْبٌ للحقائق بطريق التخيُّل ولا حقيقة له، ومنه قوله تعالى: {أية : سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ ..}تفسير : [الأعراف: 116]. ووقت السَّحَر من أفضل الأوقات للاستغفار، لكن ممّ يستغفر هؤلاء الذين وصفهم ربهم بالتقوى، وأنهم أخذوا ما آتاهم ربهم، وأنهم نالوا درجة الإحسان، وكانوا قليلاً من الليل ما يهجعون؟ إذن: ليس لهم ذنوب يستغفرون الله منها، قالوا: إن لهؤلاء استغفاراً يليق بدرجة الإحسان، فهم لا يستغفرون الله من ذنوبهم، بل يستغفرونه للتقصير الذي يظنونه في عباداتهم وأعمالهم وكأنهم استقلُّوا ما فعلوه ورأوه دون ما يستحق الله تعالى من التقدير والعبادة، وهذا من باب "حسنات الأبرار سيئات المقربين". وقوله تعالى: {وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} [الذاريات: 19] نسب إليهم المال، فقال {أَمْوَالِهِمْ ..} [الذاريات: 19] لأنه يتملكه الآن وإنْ كان في الحقيقة مال الله، والإنسان مستخلف فيه إلى حين. لذلك قال سبحانه: {أية : وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ..}تفسير : [الحديد: 7]. والإنسان خليفة لله في الأرض، وعليه بمقتضى هذه الخلافة أنْ يطيع أمر مَن استخلفه بأنْ يعطي السائل والمحروم من مال الله المستودع عنده، يعطي العاجز غير القادر على العمل والكسب، حتى لو يعطيه شكراً لله الذي منحه القوة ليعمل، في حين أن غيره عاجز محروم من هذه القوة. والحق سبحانه وتعالى حينما يأمرنا بذلك إنما يُؤمِّن حياة ومستقبل القادر وغير القادر على العمل، لأن الدهر يتقلب بالناس، وأحداث الحياة دائمة التغيير، وربما أصبح القادر اليوم غير قادر غداً، وعندها يجد مَنْ يمد إليه يد المساعدة. لذلك قلنا: إن الشارع الحكيم علمنا أنْ نعمل على قدر الطاقة لا على قدر الحاجة، فحينما تعمل على قدر الطاقة التي وضعها الله فيك فإنك ستأخذ حاجتك وتتصدَّق على غير القادر أنْ يعمل، ولو توفر لنا هذا التضامن وهذا التأمين لَعاش الإنسانُ لا يهاب أحداث الحياة ولا يخشى الفقر عليه وعلى ذريته من بعده. وقوله تعالى: {لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} [الذاريات: 19] السائل هو المحتاج وتضطره الحاجة لأنْ يسأل الناس، ومثله المحروم هو أيضاً محتاج لكنه يتعفف عن المسألة فيحرم وربما يجوع أو يهلك، وهو في هذه الحالة يكون آثماً في حقِّ نفسه، لأن الله تعالى شرع له أنْ يسأل، فهو محروم من التملك أولاً، وحرم نفسه ثانياً من السؤال الذي شرع له. ومن هنا حثَّ الإسلام على التعارف وعلى حضور الجماعات التي يتعارف فيها الناس، ويسأل بعضهم عن بعض، ومن خلال هذا التعارف نعرف المحتاج فنساعده ونعرف المريض فنزوره، وهكذا. وأحد الصالحين جاءه سائل فأعطاه حاجته، ثم دخلتْ عليه زوجته فوجدته باكياً، فقالت له: ما يُبكيك وقد أعطيته حاجته؟ فقال: أبكي لأنِّي تركته حتى يسألني. إذن: الواجب أنْ يصل الحق إلى أصحابه دون سؤال؛ واجب على الغني أنْ يكفي الفقير مذلة السؤال.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى في ذكر ثواب المتقين وأعمالهم، التي أوصلتهم إلى ذلك الجزاء: { إِنَّ الْمُتَّقِينَ } أي: الذين كانت التقوى شعارهم، وطاعة الله دثارهم، { فِي جَنَّاتِ } مشتملات على جميع [أصناف] الأشجار، والفواكه، التي يوجد لها نظير في الدنيا، والتي لا يوجد لها نظير، مما لم تنظر العيون إلى مثله، ولم تسمع الآذان، ولم يخطر على قلوب العباد { وَعُيُونٍ } سارحة، تشرب منها تلك البساتين، ويشرب بها عباد الله، يفجرونها تفجيرًا. { آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ } يحتمل أن المعنى أن أهل الجنة قد أعطاهم مولاهم جميع مناهم، من جميع أصناف النعيم، فأخذوا ذلك، راضين به، قد قرت به أعينهم، وفرحت به نفوسهم، ولم يطلبوا منه بدلا ولا يبغون عنه حولا وكل قد ناله من النعيم، ما لا يطلب عليه المزيد، ويحتمل أن هذا وصف المتقين في الدنيا، وأنهم آخذون ما آتاهم الله، من الأوامر والنواهي، أي: قد تلقوها بالرحب، وانشراح الصدر، منقادين لما أمر الله به، بالامتثال على أكمل الوجوه، ولما نهى عنه، بالانزجار عنه لله، على أكمل وجه، فإن الذي أعطاهم الله من الأوامر والنواهي، هو أفضل العطايا، التي حقها، أن تتلقى بالشكر [لله] عليها، والانقياد. والمعنى الأول، ألصق بسياق الكلام، لأنه ذكر وصفهم في الدنيا، وأعمالهم بقوله: { إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ } الوقت الذي وصلوا به إلى النعيم { مُحْسِنِينَ } وهذا شامل لإحسانهم بعبادة ربهم، بأن يعبدوه كأنهم يرونه، فإن لم يكونوا يرونه، فإنه يراهم، وللإحسان إلى عباد الله ببذل النفع والإحسان، من مال، أو علم، أو جاه أو نصيحة، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو غير ذلك من وجوه الإحسان وطرق الخيرات. حتى إنه يدخل في ذلك، الإحسان بالقول، والكلام اللين، والإحسان إلى المماليك، والبهائم المملوكة، وغير المملوكة ومن أفضل أنواع الإحسان في عبادة الخالق، صلاة الليل، الدالة على الإخلاص، وتواطؤ القلب واللسان، ولهذا قال: { كَانُوا } أي: المحسنون { قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } أي: كان هجوعهم أي: نومهم بالليل، قليلا وأما أكثر الليل، فإنهم قانتون لربهم، ما بين صلاة، وقراءة، وذكر، ودعاء، وتضرع. { وَبِالأسْحَارِ } التي هي قبيل الفجر { هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } الله تعالى، فمدوا صلاتهم إلى السحر، ثم جلسوا في خاتمة قيامهم بالليل، يستغفرون الله تعالى، استغفار المذنب لذنبه، وللاستغفار بالأسحار، فضيلة وخصيصة، ليست لغيره، كما قال تعالى في وصف أهل الإيمان والطاعة: {أية : وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحَارِ } تفسير : { وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ } واجب ومستحب { لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ } أي: للمحتاجين الذين يطلبون من الناس، والذين لا يطلبون منهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):