٥١ - ٱلذَّارِيَات
51 - Adh-Dhariyat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
20
Tafseer
الرازي
تفسير : وهو يحتمل وجهين. أحدهما: أن يكون متعلقاً بقوله: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَـٰدِقٌ * وَإِنَّ ٱلدّينَ لَوَاقِعٌ * وَفِى ٱلأَرْضِ ءايَـٰتٌ لّلْمُوقِنِينَ } تدلهم على أن الحشر كائن كما قال تعالى: {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَـٰشِعَةً } إلى أن قال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِى أَحْيَـٰهَا لمحيي ٱلموتىٰ } تفسير : [فصلت: 39]. وثانيهما: أن يكون متعلقاً بأفعال المتقين، فإنهم خافوا الله فعظموه فأظهروا الشفقة على عباده، وكان لهم آيات في الأرض، وفي أنفسهم على إصابتهم الحق في ذلك، فإن من يكون له في الأرض الآيات العجيبة يكون له القدرة التامة فيخشى ويتقى، ومن له من أنفس الناس حكم بالغة ونعم سابغة يستحق أن يعبد ويترك الهجوع لعبادته، وإذا قابل العبد العبادة بالنعمة يجدها دون حد الشكر فيستغفر على التقصير، وإذا علم أن الرزق من السماء لا يبخل بماله، فالآيات الثلاثة المتأخرة فيها تقرير ما تقدم، وعلى هذا فقوله تعالى: {أية : فَوَرَبّ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ } تفسير : [الذاريات: 23] يكون عود الكلام بعد اعتراض الكلام الأول أقوى وأظهر، وفيه مسائل: المسألة الأولى: كيف خصص الموقنين بكون الآيات لهم مع أن الآيات حاصلة للكل قال تعالى: {أية : وَءايَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَـٰهَا } تفسير : [يۤس: 33] نقول قد ذكرنا أن اليمين آخر ما يأتي به المبرهن وذلك لأنه أولاً يأتي بالبرهان، فإن صدق فذلك وإن لم يصدق لا بد له من أن ينسبه الخصم إلى إصرار على الباطل لأنه إذا لم يقدر على قدح فيه ولم يصدقه يعترف له بقوة الجدل وينسبه إلى المكابرة فيتعين طريقه في اليمين، فإذا آيات الأرض لم تفدهم لأن اليمين بقوله: {أية : وَٱلذرِيَـٰتِ ذَرْواً } تفسير : [الذاريات: 1] دلت على سبق إقامة البينات وذكر الآيات ولم يفد فقال فيها: {وَفِى ٱلأَرْضِ ءايَـٰتٌ لّلْمُوقِنِينَ } وإن لم يحصل للمصر المعاند منها فائدة، وأما في سورة يۤس وغيرها من الموانع التي جعل فيها آيات الأرض للعامة لم يحصل فيها اليمين وذكر الآيات قبله فجاز أن يقال إن الأرض آيات لمن ينظر فيها. الجواب الثاني: وهو الأصح أن هنا الآيات بالفعل والاعتبار للمؤمنين أي حصل ذلك لهم وحيث قال لكل معناه إن فيها آيات لهم إن نظروا وتأملوا. المسألة الثانية: ههنا قال: {وَفِى ٱلأَرْضِ ءايَـٰتٌ } وقال هناك: {أية : وَءايَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ } تفسير : [يۤس: 33] نقول لما جعل الآية {لّلْمُوقِنِينَ } ذكر بلفظ الجمع لأن الموقن لا يغفل عن الله تعالى في حال ويرى في كل شيء آيات دالة، وأما الغافل فلا يتنبه إلا بأمور كثيرة فيكون الكل له كالآية الواحدة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ } لما ذكر أمر الفريقين بيّن أن في الأرض علامات تدل على قدرته على البعث والنشور؛ فمنها عود النبات بعد أن صار هشيماً، ومنها أنه قدّر الأقوات فيها قِواماً للحيوانات، ومنها سيرهم في البلدان التي يشاهدون فيها آثار الهلاك النازل بالأمم المكذّبة. والموقنون هم العارفون المحقّقون وحدانية ربهم، وصدق نبوّة نبيهم؛ خصهم بالذكر لأنهم المنتفعون بتلك الآيات وتدبرها. قوله تعالى: {وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} قيل: التقدير وفي الأرض وفي أنفسكم آيات للموقنين. وقال قتادة: المعنى من سار في الأرض رأى آياتٍ وعبراً، ومن تفكر في نفسه علم أنه خُلق ليعبد الله. ٱبن الزبير ومجاهد: المراد سبيل الخلاء والبول. وقال السائب بن شريك: يأكل ويشرب من مكان واحد ويخرج من مكانين؛ ولو شرب لبناً محضاً لخرج منه الماء ومنه الغائط؛ فتلك الآية في النفس. وقال ٱبن زيد: المعنى أنه خلقكم من تراب، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، {أية : ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ}تفسير : [الروم: 20]. السدي: «وَفِي أَنْفُسِكُمْ» أي في حياتكم وموتكم، وفيما يدخل ويخرج من طعامكم. الحسن: وفي الهَرَم بعد الشباب، والضعف بعد القوّة، والشيب بعد السواد. وقيل: المعنى وفي خلق أنفسكم من نطفة وعلقة ومضغة ولحم وعظم إلى نفخ الروح، وفي ٱختلاف الألسنة والألوان والصُّوَر. إلى غير ذلك من الآيات الباطنة والظاهرة، وحسبك بالقلوب وما ركز فيها من العقول، وما خصّت به من أنواع المعاني والفنون، وبالألسن والنطق ومخارج الحروف والأبصار والأطراف وسائر الجوارح، وتأتِّيها لما خُلِقت له، وما سَوَّى في الأعضاء من المفاصل للانعطاف والتثني، وأنه إذا جسا شيء منها جاء العجز، وإذا ٱسترخى أناخ الذل {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}تفسير : [المؤمنون: 14]. {أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} يعني بصر القلب ليعرفوا كمال قدرته. وقيل: إنه نُجْح العاجز، وحرمان الحازم. قلت: كل ما ذكر مراد في الاعتبار. وقد قدّمنا في آية التوحيد من سورة «البقرة» أن ما في بدن الإنسان الذي هو العالَم الصغير شيء إلا وله نظير في العالَم الكبير، وذكرنا هناك من الاعتبار ما يكفي ويغني لمن تدبر. قوله تعالى: {وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} قال سعيد بن جبير والضحاك: الرزق هنا ما ينزل من السماء من مطر وثلج ينبت به الزرع ويحيا به الخلق. قال سعيد بن جبير: كل عين قائمة فإنها من الثلج. وعن الحسن أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه: فيه واللَّهِ رزقكم ولكنكم تُحرَمونه بخطاياكم. وقال أهل المعاني: «وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ» معناه وفي المطر رزقكم؛ سمى المطر سماء لأنه من السماء ينزل. قال الشاعر:شعر : إذا سقَط السماءُ بأرضِ قَوْمٍ رعيناه وإِنْ كانوا غِضَابَا تفسير : وقال ٱبن كيسان: يعني وعلى ربّ السماء رزقكم؛ نظيره: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا}تفسير : [هود: 6]. وقال سفيان الثوري: «وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ» أي عند الله في السماء رزقكم. وقيل: المعنى وفي السماء تقدير رزقكم، وما فيه لكم مكتوب في أم الكتاب. وعن سفيان قال: قرأ واصل الأحدب {وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ} فقال: ألا أرى رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض! فدخل خَرِبة فمكث ثلاثاً لا يصيب شيئاً فإذا هو في الثالثة بدوخلةٍ رُطبٍ، وكان له أخ أحسن نية منه فدخل معه فصارتا دوخلتين، فلم يزل ذلك دأبهما حتى فرّق الله بالموت بينهما. وقرأ ٱبن محيصن ومجاهد «وَفِي السَّمَاء رَازِقُكُمْ» بالألف وكذلك في آخرها «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّازِقُ». {وَمَا تُوعَدُونَ} قال مجاهد: يعني من خير وشر. وقال غيره: من خير خاصة. وقيل: الشر خاصة. وقيل: الجنة؛ عن سفيان بن عيينة. الضحاك: {وَمَا تُوعَدُونَ} من الجنة والنار. وقال ٱبن سيرين: {وَمَا تُوعَدُونَ} من أمر الساعة. وقاله الربيع. قوله تعالى: {فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ} أكَّد ما أخبرهم به من البعث وما خلق في السماء من الرزق، وأقسم عليه بأنه لحقٌّ ثم أكده بقوله: {مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} وخصّ النطق من بين سائر الحواسّ؛ لأن ما سواه من الحواسّ يدخله التشبيه، كالذي يُرى في المرآة، وٱستحالة الذوق عند غلبة الصفراء ونحوها، والدويّ والطنين في الأذن، والنطق سالم من ذلك، ولا يُعتَرض بالصَّدَى لأنه لا يكون إلا بعد حصول الكلام من الناطق غير مَشُوب بما يشكل به. وقال بعض الحكماء: كما أن كل إنسان ينطق بنفسه ولا يمكنه أن ينطق بلسان غيره، فكذلك كل إنسان يأكل رزقه ولا يمكنه أن يأكل رزق غيره. وقال الحسن: بلغني أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قاتل الله أقواماً أقسم لهم ربهم بنفسه ثم لم يصدّقوه قال الله تعالى: {فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ}»تفسير : . وقال الأصمعي: أقبلتُ ذات مرة من مسجد البصرة إذ طلع أعرابيّ جِلفٌ جافٍ على قعود له متقلِّداً سيفه وبيده قوسه، فدنا وسلّم وقال: ممن الرجل؟ قلت من بني أَصْمَعَ، قال: أنت الأصمَعي؟ قلت: نعم. قال: ومن أين أقبلت؟ قلت: من موضع يُتلَى فيه كلامُ الرحمن؛ قال: وللرحمن كلام يتلوه الآدميون؟ قلت: نعم؛ قال: فٱتْل عليّ منه شيئاً؛ فقرأت {وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً } إلى قوله: {وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ} فقال: يا أصمعي حسبك!! ثم قام إلى ناقته فنحرها وقطعها بجلدها، وقال: أعنِّي على توزيعها؛ ففرّقناها على من أقبل وأدبر، ثم عمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما ووضعهما تحت الرَّحل وولى نحو البادية وهو يقول: {وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} فمقتُّ نفسي ولمتُها، ثم حججت مع الرشيد، فبينما أنا أطوف إذا أنا بصوت رقيق، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي وهو ناحل مصفر، فسلّم عليّ وأخذ بيدي وقال: ٱتل عليّ كلام الرحمن، وأجلسني من وراء المقام فقرأت «وَالذَّارِيَاتِ» حتى وصلت إلى قوله تعالى: {وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} فقال الأعرابي: لقد وجدنا ما وعدنا الرحمن حقًّا، وقال: وهل غير هذا؟ قلت: نعم؛ يقول الله تبارك وتعالى: {فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} قال فصاح الأعرابي وقال: يا سبحان الله! من الذي أغضب الجليل حتى حلف! ألم يصدقوه في قوله حتى ألجأوه إلى اليمين؟ فقالها ثلاثاً وخرجت بها نفسه. وقال يزيد بن مرثد: إن رجلاً جاع بمكان ليس فيه شيء فقال: اللهم رزقك الذي وعدتني فأتني به؛ فشبِع ورَوِي من غير طعام ولا شراب. وعن أبي سعيد الخدرِيّ قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو أن أحدكم فرّ من رزقه لتبعه كما يتبعه الموت» تفسير : أسنده الثعلبي. وفي سنن ٱبن ماجه عن حبة وسواءٍ ابني خالد قالا: دخلنا على النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو يعالج شيئاً فأعنّاه عليه، فقال: «حديث : لا تيأسا من الرزق ما تهززت رؤوسكما فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قِشر ثم يرزقه الله»تفسير : . وروى أن قوماً من الأعراب زرعوا زرعاً فأصابته جائحة فحزنوا لأجله، فخرجت عليهم أعرابية فقالت: مالي أراكم قد نكستم رؤوسكم، وضاقت صدوركم، هو ربنا والعالم بنا، رزقنا عليه يأتينا به حيث شاء! ثم أنشأت تقول:شعر : لو كان في صخرةٍ في البحر راسيةٍ صَمًّا مُلَمْلِمَةٍ مَلْسَا نَواحِيها رِزْقٌ لنفسٍ بَرَاهَا الله لانفلقتْ حتى تؤدي إليها كُلَّ ما فيها أو كان بين طِباقِ السبعِ مسلكها لَسَهَّلَ الله في المرقَى مَرَاقيها حتّى تنالَ الذي في اللوح خُطَّ لها إنْ لم تَنلْه وإِلا سوف يأتِيها تفسير : قلت: وفي هذا المعنى قصة الأشعريين حين أرسلوا رسولهم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فسمع قوله تعالى: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا} تفسير : [هود: 6] فرجع ولم يكلم النبيّ صلى الله عليه وسلم وقال: ليس الأشعريون بأهون على الله من الدواب؛ وقد ذكرناه في سورة «هود». وقال لقمان: {أية : يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ} تفسير : [لقمان: 16] الآية. وقد مضى في «لقمان» وقد ٱستوفينا هذا الباب في كتاب (قمع الحرص بالزهد والقناعة) والحمد لله. وهذا هو التوكل الحقيقي الذي لا يشوبه شيء، وهو فراغ القلب مع الربّ؛ رَزَقنا الله إياه ولا أحالنا على أحد سواه بمنِّه وكرمه. قوله تعالى: {مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} قراءة العامة «مِثْلَ» بالنصب أي كمثل {مَآ أَنَّكُمْ} فهو منصوب على تقدير حذف الكاف أي كمثل نطقكم و«ما» زائدة؛ قاله بعض الكوفيين. وقال الزجاج والفراء: يجوز أن ينتصب على التوكيد؛ أي لَحَقٌّ حقًّا مثل نطقك؛ فكأنه نعت لمصدر محذوف. وقول سيبويه: إنه مبني بُني حين أضيف إلى غير متمكن و«ما» زائدة للتوكيد. المازني: «مِثْلَ» مع «ما» بمنزلة شيء واحد فبني على الفتح لذلك. وٱختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ قال: ولأن من العرب من يجعل مِثلا منصوباً أبداً؛ فتقول: قال لي رجلٌ مثلك، ومررت برجل مثلَك بنصب مثل على معنى كمثل. وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي والأعمش «مِثلُ» بالرفع على أنه صفة لحقّ؛ لأنه نكرة وإن أضيف إلى معرفة، إذ لا يختص بالإضافة لكثرة الأشياء التي يقع بعدها التماثل بين المتماثلين. و«مِثْلَ» مضاف إلى «أَنَّكُمْ» و«ما» زائدة ولا تكون مع ما بعدها بمنزلة المصدر إذ لا فعل معها تكون معه مصدراً. ويجوز أن تكون بدلاً من «لحَقٌّ».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَفِى ٱلأَرْضِ } من الجبال والبحار والأشجار والثمار والنبات وغيرها {ءَايَٰتٌ } دلالات على قدرة الله سبحانه وتعالى ووحدانيته {لِّلْمُوقِنِينَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَفِى الأَرْضِ ءَايَاتٌ} الجبال والبحار والأنهار، أو من أهلك من الأمم الخالية.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ} إذا ساروا فيها من الجبال والبحار والثمار وأنواع النبات تدلهم على أن الحَشْرَ كائن كقوله تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً} تفسير : [فصلت: 39]، إلى أن قال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا} تفسير : [فصلت:39]، ويحتمل أن يكون المعنى: وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ تَدُلُّ على مُدَبِّرٍ قادرٍ قاهرٍ يجب أن يُعْبَدَ ويُحْذَرَ. فإن قيل: كيف خصص الآيات بالمُوقنينَ، ولم يُخَصِّصْ في قوله: {أية : وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا} تفسير : [يس: 33]؟ فالجواب: أن القَسَمَ إنما يكون مع المعَانِد في البرهان، فهو لا ينتفع بالآيات وإنما ينتفع بها المُوقِنُونَ فلذلك أقسم ههنا فقال: {فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ} وفي سورة يس لم يؤكد ذلك بالقسم الدال على المعاند. أو يقال: أطلقت هناك باعتبار حصولها وخصصت هنا باعتبار المنفعة بها. وجمعت "الآيات" هنا، لأن المُوقن يتنبه لأمور كثيرة، وكذلك قوله: وَفِي أَنْفُسِكُمْ آيات دالة على ذلك إذ كانت نطفةً ثم علقةً، ثم مضغةً، ثم عظاماً، إلى أن ينفخ فيها الرُّوح. وقال عطاء عن ابن عباس - (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -): يريد اختلاف الأَلْسنة والصور والألوان والطبائع. وقال ابن الزُّبَيْر: يريد سبيل البول والغائط يَأكُلُ ويَشْرَبُ من مَدْخَلٍ واحد ويَخْرج من سَبِيلَيْنِ. وقوله: "أفلا تبصرون" قال مقاتل: أفلا تبصرون كيف خلقكم فتعرفوا قدرته على البعث؟ قوله: "وفي أنفسكم" نَسَقٌ على (مَا) "في الأرض" فهو خبر عن "آيات" أيضاً، والتقدير: وفي الأرض وفي أنفسكم آيات. وقال أبو البقاء: وَمَنْ رَفَعَ بالظرف جعل ضمير "الآيات" في الظرف. يعني من يرفع الفاعل بالظرف مطلقاً أي وإن لم يعتمد يرفع بهذا الجار فاعلاً هو ضمير "آيات". وجوز بعضُهم أن يتعلق بـ "يُبْصِرُونَ". وهو فاسدٌ؛ لأن الاستفهام والفاء يمنعان جَوَازَهُ. وقرأ قتادة: "آية" بالإفراد، وقوله: "فِي أنْفُسِكُمْ" يُحْتَمَلُ أن يكون المراد فِيكُمْ، يقال: الحجارة في نفسها صُلْبَة، ولا يراد بها النفس التي هي مَنْبعُ الحياة والحِسّ والحَرَكَات. ويحتمل أن يكون المراد وفي نفوسكم التي بها حياتكم آيات وقوله: "أَفَلاَ تُبْصِرُونَ" بالاستفهام إشارة إلى ظهورها. قوله: {وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ} أي سبب رزقكم. وقرأ حُمَيْدٌ وابنُ مُحَيْصن: رازِقُكُمْ اسم فاعل، والله تعالى متعالٍ عَنِ الجِهّةِ. قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل: يعني بالرزق: المطر؛ لأنه سبب الأَرزاق. وقيل: في السماء رزقكم مكتوب، وقيل: تقدير الأرزاق كلها من السماء، ولولاه لما حصل في الأرض حبَّة قُوتٍ. قوله: "وَمَا تُوعَدُونَ" قال عطاء: من الثَّوَاب والعِقَاب، وقال مجاهد: من الخَيْر والشَّرِّ. وقال الضحاك: وما توعدون من الجَنَّة والنار فيكون المعنى على هذا: وما توعدون لحقّ، كقوله: {أية : إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ} تفسير : [الذاريات: 5] فإن قلنا: المراد بقوله: "وما توعدون" الجنة فهو من الوعد، وإن قيل: المراد العذاب فيكون الخطاب مع الكفار. قوله: {فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ} الضمير إما للقرآن، وإما "للدِّين"، وإما "الْيَوْم" في قوله: {أية : وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَاقِعٌ} تفسير : [الذاريات: 6] و "يَوْمَ هُمْ" و "يَوْم الدِّينِ"، وإما للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ودخلت الفاء بمعنى إنَّ ما توعدون لحق بالبرهان المبين ثم بالقسم واليمين أو للعطف على قوله: "والذَّاريات" مع إعادة المقسم عليه لوقوع الفَصْل. وأقسم أولاً بالمخلوقات وههنا بربها تَرَقِّياً من الأدنى إلى الأعلى. قوله: "مِثْلَ مَا" قرأ الأخوانِ وأبو بكر مِثْلُ بالرفع، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه خبر ثانٍ مستقلٌّ كالأَول. الثاني: أنه مع ما قبله خبرٌ واحد، كقولك: هَذَا حُلْوٌ حَامِضٌ نقلهما أبو البقاء. والثالث: أنه نعت لحَقٍّ و "ما" مزيدة على الأوجه الثلاثة و "أَنَّكُمْ" مضاف إليه، أي لَحَقٌّ مِثْلُ نُطْقِكُم، ولا يضر تقدير إضافتها لمعرفة، لأنها لا تتعرف بذلك لإبْهَامِهَا. والباقون بالنصب، وفيه أوجه: أشهرها: أنه نعت "لحَقّ" أيضاً كما في القراءة الأولى، وإنما بني الاسم لإضافته إلى غير متمكن، كما بناه الآخر في قوله: شعر : 4522- فَتَدَاعَى مِنْخَرَاهُ بِدَمٍ مِثْلَ مَا أثْمَرَ حُمَّاضُ الجَبَلْ تفسير : بفتح "مثل" مع أنها نعت لِـ "دَمٍ" وكما بنيت "غَيْرُ" في قوله - (رحمةُ الله عليه) -: شعر : 4523- لَمْ يَمْنَع الشُّرْبَ مِنْهَا غَيْرَ أَنْ نَطَقَتْ حَمَامَةٌ فِي غُصُونٍ ذَاتِ أَوْقَالِ تفسير : "غير" فاعل يمنع، فبناها على الفتح لإضافتها إلى "أَنْ نَطَقَتْ" وقد تقدم في قراءة: {أية : لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} تفسير : [الأنعام: 94] بالفتح ما يُغْنِي عن تقرير مِثْلِ هذا. الثاني: أن "مِثْلَ" ركّب مع "ما" حتى صارا شيئاً واحداً، قال المازني: ومثله: وَيْحَمَا، وهَيَّمَا وَأيْنَمَا، وأنشد لحُمَيْد بن ثَوْر - ( رحمةُ اللَّهِ عليه رَحْمةً واسعةً -): شعر : 4524- أَلاَ هَيَّمَا مِمَّا لَقِيتُ وَهَيَّمَا وَوَيْحاً لِمَنْ لَمْ يَدْرِ مَا هُنَّ وَيْحَمَا تفسير : قال: فلولا البناء لكان منوناً. وأنشد أيضاً: شعر : 4525-............................ فَأَكْرِمْ بِنَا أباً وَأَكْرِمْ بِنَا ابْنَمَا تفسير : وهو الذي ذهب إليه بعض النحويين وأنشد: شعر : 4526- أَثَوْرَ مَا أَصِيدُكُمْ أَمْ ثَوْرَيْنْ أَمْ هَذِه الْجَمَّاءُ ذَاتُ القَرنَيْنْ تفسير : وأما ما أنشده من قوله: "وَأَكْرِمْ بِنَا ابْنَمَا" فليس من هذا الباب، لأن هذا "ابنٌ" زيدت عليه الميم وإذا زدتَ عليه الميم جعلت النون تابعةً للميم في الحركات على الفصيح، فتقول: هذا ابْنُمٌ، ورأيت ابْنَماً ومررت بابْنِمٍ، فتجري حركات الإعراب على الميم ويتبعها النون. وابنما في البيت منصوب على التمييز فالفتح لأجل النصب لا البناء، وليس هذه "ما" الزائدة، بل الميم وحدها زائدة، والألف بدل من التنوين. الثالث: أنه منصوب على الظَّرْف، وهو قول الكوفيين. ويجيزون: زَيْدٌ مِثْلَكَ بالفتح، ونقله أبو البقاء عن أبي الحسن ولكن بعبارة مُشْكِلَةٍ فقال: ويقرأ بالفتح، وفيه وجهان: أحدهما: هو معرب، ثم في نصبه أوجه، ثم قال: أو على أنه مرفوع الموضع، ولكنه فتح كما فتح الظرف في قوله: {أية : لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} تفسير : [الأنعام: 94] على قول الأخفش، ثم قال: والوجه الثاني: هو مبنيّ. وقال أبو عُبَيْد: بعض العرب يجعل "مِثْلَ" نصباً أبداً، فيقولون: هَذَا رَجُلٌ مِثْلَكَ. الرابع: أنه منصوب على إسقاط الجارِّ وهو كافُ التشبيه. وقال الفراء: العرب تنصبها إذا رفع بها الاسم يعني المبتدأ فيقولون: مِثْلَ مَنْ عَبْد الله؟ وعَبْد الله مثْلَكَ وأنْتَ مِثْلَه لأن الكاف قد تكون داخلة عليها فتُنْصَب إذا ألقيت الكاف. قال شهاب الدين: وفي هذا نظر، أيّ حاجة إلى تقدير دخول الكاف و "مِثْلُ" تفيد فائدتها؟ وكأنه لما رأى أن الكاف قد دخلت عليها في قوله: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11] قال ذلك. الخامس: أنه نعت لمصدر محذوف، أي لحَقّ حَقًّا مِثْلَ نُطْقِكُمْ. السادس: أنه حال من الضمير في "لَحَقٌّ"؛ لأنه قد كثر الوصف بهذا المصدر حتى جرى مَجْرى الأوصاف المشتقة، والعامل فيها "حَقٌّ". السابع: أنه حال من نفس "حَقّ" وإن كان نكرة. وقد نصَّ سيبويه في مواضع من كتابه على جوازه، وتابعه أبو عمرو على ذلك. و "ما" هذه في مثل هذا التركيب نحو قولهم: "هَذَا حَقٌّ"، كما أنك ههنا لا تجوّز حذفها، فلا يقال: هذا حق كأنك ههنا. نص على ذلك الخليلُ - رحمه الله -. فإذا جعلت "مِثْلَ" معربة كانت "ما" مزيدة و "أَنَّكُمْ" في محل خفض بالإضافة كما تقدم. وإذا جعلتها مبنية إما للتركيب، وإما لإضافتها إلى غير متمكن جاز في "ما" هذه وجهان: الزيادة وأن تكون نكرة موصوفة، (كذا) قال أبو البَقَاءِ. وفيه نظر، لعدم الوصف هنا، فإن قال: هو محذوف فالأصل عَدمهُ، وأيضاً فنصوا على أن هذه الصفة لا تحذف، لإبهام مَوْصُوفِها. وأما "أَنَّكُمْ تَنْطَقُونَ" فيجوز أن يكون مجروراً بالإضافة إن كانت ("ما") مزيدة، وإن كانت نكرة كان في موضع نصب بإضمار أَعْنِي، أو رفع بإضمار مبتدأ. فصل المعنى: {فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ} أي ما ذكرت من أمر الرزق لَحق كَمِثْلِ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ فتقولون: لا إله إلاَّ الله. وقيل: شَبَّه تحقيق ما أخبر عنه بتحقيق نُطْق الآدمي كقولك: إنَّه لَحَقٌّ كما أنت ههنا وإنه لحق كما أنك تتكلم والمعنى أنه في صدقه ووجوده كالذي تعرفه ضرورة. قال بعض الحكماء: كما أنَّ كل إنسان ينطق بلسان نفسه لا يمكنه أن ينطق بلسان غيره فكذلك كل إنسان يأكل رزق نَفْسه الذي قُسِمَ له، ولا يقدر أن يأكل رزق غيره. وقيل: معناه إن القرآن لحق تكلم به الملك النازل من السماء مثل ما تتكلمون.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وفي الأرض آيات للموقنين} قال: يقول: معتبر لمن اعتبر {وفي أنفسكم} قال: يقول: في خلقه أيضاً إذا فكر فيه معتبر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله وفي أنفسكم {أفلا تبصرون} قال: من تفكر في خلقه علم أنما لينت مفاصله للعبادة. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن الزبير رضي الله عنه في قوله {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} قال: سبيل الغائط والبول. وأخرج الخرائطي في مساوىء الأخلاق عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} قال: سبيل الغائط والبول. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} قال: فيما يدخل من طعامكم وما يخرج والله أعلم. قوله تعالى: {وفي السماء رزقكم} الآيتين. أخرج ابن النقور والديلمي عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {وفي السماء رزقكم وما توعدون} قال: المطر. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إني لأعرف الثلج وما رأيته في قول الله {وفي السماء رزقكم وما توعدون} قال: الثلج. وأخرج أبو الشيخ وابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {وفي السماء رزقكم} قال: المطر {وما توعدون} قال: الجنة والنار. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في الآية، قال: الجنة في السماء، وما توعدون من خير وشر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله {فورب السماء والأرض} الآية قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : قاتل الله أقواماً أقسم لهم ربهم ثم لم يصدقوا ". تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {فورب السماء والأرض إنه لحق} قال: لكل شيء ذكره في هذه السورة. أخرج ابن أبي الدنيا وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين} قال: خدمته إياهم بنفسه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: أكرمهم إبراهيم بالعجل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله {فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين} قال: كان عامة مال إبراهيم البقر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وبشروه بغلام عليم} قال: هو إسماعيل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {فأقبلت امرأته في صرة} قال: في صيحة {فصكت} قال: لطمت. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {في صرة} قال: صيحة {فصكت وجهها} قال: ضربت بيدها على جبهتها وقالت: يا ويلتاه. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه أنه سئل عن عجوز عقيم وعن الريح العقيم وعن عذاب يوم عقيم، فقال: العجوز العقيم التي لا ولد لها، وأما الريح العقيم فالتي لا بركة فيها ولا منفعة ولا تلقح، وأما عذاب يوم عقيم فيوم لا ليلة له. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} قال: لوط وابنتيه. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: كانوا ثلاثة عشر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله {فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} قال: لو كان فيها أكثر من ذلك لنجاهم الله ليعلموا أن الإِيمان عند الله محفوظ لا ضيعة على أهله. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {وتركنا فيها آية} قال: ترك فيها صخراً منضوداً. أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {فتولى بركنه} قال: بقومه. وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه {فتولى بركنه} قال: يعضده وأصحابه. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وهو مليم} قال: مليم في عباد الله تعالى.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ}[20] قال: يعني للعارفين بالله يستدلون بها على معرفتهم.
السلمي
تفسير : قال سهل: للعارفين بالله يستدلون بها على معروفهم. قال أبو بكر الوراق: الموقن يتيقن والمؤمن يشاهد بحذر والمرتاب يضطرب والموقن يعزم والمرتاب يتمنى والموقن يمضى والمرتاب يتربص. قال بعضهم: أراه رؤية الحجة دون رؤية الفضل. ومن لا يريه الله لا يرى. قال يحيى بن معاذ: من ذكر أنه من الموقنين ثم لم يكن فيه ثلاث خصال فهو من الكذابين الصبر والقناعة والورع. قال الواسطى رحمة الله عليه فى هذه الآية: كلما وقع بصره على شىء رأى الصانع القائم به الصانع المقوم له به بهجة الخضر حلاوة الثمار وأنتم لا ترون إلا كسوتها.
القشيري
تفسير : كما أَنَّ الأرضَ تحمل كلَّ شيء فكذلك العارف يتحمَّل كلَّ أحد. ومَنْ استثقل أحداً أو تبرَّمَ برؤية أحدٍ فلِغَيْبته عن الحقيقة، ولمطالعته الخَلْقَ بعين التفرقة - وأهلُ الحقائق لا يتصفون بهذه الصفة. ومن الآيات التي في الأرض أنها يُلْقَى عليها كلُّ قذارةٍ وقمامة - ومع ذلك تُنْبِتُ كلَّ زَهْرٍ ونَوْرٍ...كذلك العارف يتشرب كلَّ ما يُسْقَى من الجفاء، ولا يترشح إلاَّ بكل خُلُقٍ عَلِيّ وشيمةٍ زكيَّة. ومن الآيات التي في الأرضِ أنّ ما كان منها سبخاً يُتْرَكُ ولا يُعَمَّر لأنه لا يحتمل العمارة - كذلك الذي لا إيمانَ له بهذه الطريقة يُهْمَل، فمقابلته بهذه الصفة كإلقاء البذر في الأرض السبخة. {وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ}: أي وفي أنفسكم أيضاً آيات، فمنها وقاحتها في همتها، ووقاحتها في صفتها، ومنها دعاواها العريضة فيما ترى منها وبها، ومنها أحوالها المريضة حين تزعم أَنَّ ذَرّةً أو (...) بها أو منها. {وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}: أي قسمة أرزاقكم في السماء، فالملائكة الموَكَّلون بالأرزاق ينزلون من السماء. ويقال: السماء ها هنا المطر، فبالمطر ينبت الحَبُّ والمرعى. ويقال: على رب السماء أرزاقكم لأنه ضَمنَها. ويقال: قوله: {وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ} وها هنا وقف ثم تبتدىء: {وَمَا تُوعَدُونَ}.
البقلي
تفسير : ان أيات الارض ظهور تجلى ذاته وصفاته فى مرأة الاكوان كما ظهر من الطور لموسى وما ظهر من المصيمة لعيسى وما ظهر لمحمد صلى الله عليه وعليهم وسلم من جبال مكة الا ترى الى قوله عليه الصلاة والسلام جاء الله من سينا واستعلن بساعير واشراف من جبال فاران وايضا يظهر لكل موقود ذلك النور والبركة وهذا المقام مقام اليقين واذا ظهر بذاته وصفاته للسر والروح والقلب والعقل يكون مقام الاتصاف والاتحاد وهذا للعاشقين وهو مقام عين الجمع والاول مقام الجمع من شدة ظهور النفس الناطقة استفهم الحق غرباء المعرفة ودلهم عيان المشاهدة.
اسماعيل حقي
تفسير : {وفى الارض آيات للموقنين} الايقان بى كمان شدن. اى دلائل واضحة على وجود الصانع وعلمه وقدرته وارداته و وحدته وفرط رحمته من حيث انها مدحوة كالبساط الممهد وفيها مسالك وفجاج للمتقلبين فى اقطارها والسالكين فى مناكبها وفيها سهل وجبل وبر وبحر وقطع متجاورات وعيون منفجرة ومعادن متفننة وانها تلقح بألوان النبات وانواع الاشجار وأصناف الثمار المختلفة الالوان والطعوم والروآئح وفيها دواب منبثة قد ربت كلها ودبر لمنافع ساكنيها ومصالحهم فى صحتهم واعتلالهم وقال الكلبى عظات من آثار من تقدم وفى التأويلات النجمية منها اى من تلك الآيات انها تحمل كل شىء فكذا الموقن العارف يحمل كل حمل من كل احد ومن استثقل حملا او تبرم برؤية احد ساقه الله اليه فلغيبته عن الحقيقة ومطالعته الحق بعين التفرقة واهل الحقائق لايتصفون بهذه الصفة منها انها يلقى عليها قذارة وقمامة فتنبت كل زهر ونور وورد وكذلك العارف يتشرب مايسقى من الجفاء ولايترشح الا بكل خلق على وشيمة زكية ومنها ان ما كان منها سبخا يترك ولا يعمر لانه لايحتمل العمارة كذلك من الايمان له بهذه الطريقة يهمل فان مقابلته بهذه القصة كألقاء البذر فى الارض السبخة انتهى قال حضرت الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر ولاتبذر السمرآء فى الارض عميان. يعنى بيان الحقائق الذى هو غذآء القلب والروح كالسمرآء يعنى الحنطة للجسم وقوله فى الارض عميان يعنى فى ارض استعداد هذه الطوائف الذين لايبصرون الحق ولايشاهدونه فى جميع الاشياء وفى حقائق البقلى آيات الارض ظهور تجلى ذاته وصفاته فى مرءآة الاكوان كما ظهر من الطور لموسى عليه السلام ما ظهر من المصيصة لعيسى عليه السلام وهى بكسر الميم مدينة على ساحل البحر الرومى بجوار طرسوس والسيس وما ظهر لمحمد صلى الله عليه وسلم من جبال مكة الاترى الى قوله عليه السلام جاء الله من سينا واستعين بساعة وأشرق من جبال فاران اى جبال مكة وفى القاموس فاران جبال مذكورة فى التوراة منها بكر ابن القاسم
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وفي الأرض آياتٌ} دالة على كامل قدرته على البعث وغيره، من حيث أنها مدحوة كالبساط الممهد، وفيها مسالك وفجاج للمتقلبين في أقطارها، والسالكين في مناكبها، وفيها سهل وجبل، وبحر وبر، وقِطع متجاورات، وعيونٌ متفجرات، ومعادن مقنية، ودواب منبثة، مختلفة الصور والأشكال، متباينة الهيئات والأفعال، وهي مع كبر شكلها مبسوطة على الماء، المرفوع فوق الهواء، فالقدرة فيها ظاهرة، والحكمة فيها باهرة، ففي ذلك عبرة {للمُوقنين} الموحِّدين، الذين ينظرون بعين الأعتبار، ويُشاهدون صانعها ببصير الاستبصار. {وفي أنفسكم} آيات وعجائب القدرة؛ إذ ليس شيء في العالم إلا وفي الأنفس له نظير، مع ما فيه من الهيئات النابعة والمصادر البهية، والترتيبات العجيبة، خَلَقَه نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم فصلها إلى العظم والعصب والعروق، فالعظام عمود الجسد، ضمّ بعضها إلى بعض بمفاصل وأقفال رُبطت بها، ولم تكن عظماً واحداً؛ لأنه إذا ذاك يكون كالخشبة، ولا يقوم ولا يجلس، ولا يركع ولا يسجد لخالقه، ثم خلق تعالى المخ في العظام في غاية الرطوبة ليرطب يُبس العظام، ويتقوّى به، ثم خلق سبحانه اللحمَ وعباه على العظام، وسدّ به خلل الجسد، واعتدلت هيئته، ثم خلق سبحانه العروق في جميع الجسد جداول، يجري الغذاء منها إلى أركان الجسد، لكل موضع من الجسد عدد معلوم، ثم أجرى الدم في العروق سيالاً خاثراً، ولو كان يابساً، أو اكتفى مما هو فيه، لم يجرِ في العروق، ثم كسى سبحانه اللحمَ بالجلد كالوعاء له، ولولا ذلك لكان قشراً أحمر، وفي ذلك هلاكه، ثم كساه الشعر؛ وقايةً وزينةً، وليّن أصوله، ولم تكن يابسة مثل رؤوس الإبر، وإلا لم يهنه عيش، وجعل الحواجب والأشفار وقاية للعين ولولا ذلك لأهلكهما الغبار والسقط، وجعلها سبحانه طوع يده، يتمكن من رَفْعِها عند قصد النظر، ومِن إرخائها على جميع العين عند إرادة إمساك النظر عما يضر دِيناً ودُنيا، وجعل شعرها صفّاً واحد لينظر من خللها، ثم خلق سبحانه سفتين ينطبقان على الفم؛ يصونان الحلقَ والفمَ من الرياح والغبار، ولما فيهما من كمال الزينة، ثم خلق الله سبحانه الأسنان؛ ليتمكن من اقطع مأكوله وطحنه، ولم تكن له في أول خلِقته لئلا يذي أمه، وجعلها ثلاثة أصناف: قسم يصلح للكسر، كالأنياب، وقسم يصلح للقطع، كالرباعية، وقسم يصلح للطحن، كالأضراس... إلى غير ذلك مما في الإنسان من عجائب الصنع وبدائع التركيب. {أفلا تُبصرون} أي: تنظرون نظر مَن يعتبر، وما قيل: إن التقدير: أفلا تبصرون في أنفسكم، فضعيف؛ لأنه يُفضي إلى تقديم ما في حيّز الاستفهام عليه. {وفي السماء رزقكم} وهو المطر. وعن الحسن؛ أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه: فيه رزقكم إلا أنكم تُحرمونه بخطاياكم، أو: في سماء الغيب تقدير رزقكم. فهو مضمون عند الله في سماء غيبه، ستر ذلك بسر الحكمة، وهو الأسباب، {وما تُوعدون} أي: وفي السماء ما تُوعدون من الثواب؛ لأن الجنة في السماء السابعة، سقفها العرش، أو: أراد: إنما تُوعدونه من الرزق في الدنيا وما تُوعدونه في العقبى كله مقدّر ومكتوب في السماء، وقيل: إنه مبتدأ وخبره: {فَوَرَبُّ السماءِ والأرض إِنه لَحقٌّ} أي: ما توعدون من البعث وما بعده، أو: ما توعدونه من الرزق المقسوم، فَوَرَبِّ العالم العلوي والسفلي {إِنه لحقٌّ مثل ما أنكم تنطقون} أي: مثل نطقكم، شبّه ما وعد به من الرزق وغيره بتحقُّق نطق الآدمي؛ لأنه ضروري، يعرفه من نفسه كلُّ أحد. قال الطيبي: وإنما خصّ النطق دون سائر الأعمال الضرورية، لكونه أبقى وأظهر، ومن الاحتمال أبعد، فإنّ النطق يُفصح عن كل شيء، ويجلي كل شبهة. هـ. فَضمان الرزق وإنجاز وعده ضروري، كنطق الناطق. رُوي عن الأصمعي أنه قال: أقبلتُ من جامع البصرة، فطلع أعرابي على قَعود، فقال: مَنْ الرجل؟ فقلت: من بني أصمع، فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من موضع يتلى فيه كلام الله، قال: اتل عليَّ، فتلوت: {والذاريات...} فلما بلغت قوله: {وفي السماء رزقكم} قال: حسبك، فقام إلى ناقته فنحرها، ووزعها على مَن أقبل وأدبر، وعمد إلى سيفه وقوسه فكسّرهما، وولّى، فلما حججت مع الرشيد، وطُفت، فإذا أنا بصوت رقيق يهتف بي، فالتفتّ، فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفرّ، فسلّم عليَّ، واستقرأ السورة، فلما بلغتُ الآية، صاح، وقال: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقّاً، ثم قال: وهل غير هذا؟ فقرأتُ: {فَوَرَبِّ السماء والأرض إِنه لَحقٌّ} فقال: سبحان الله! مَن الذي أغضب الجليل حتى حلف؟ لم يُصدقوه بقوله حتى حلف، قالها ثلاثاً، وخرجت معها نَفْسُه. هـ. من النسفي. قلت: وقد سمعت حكاية أخرى، فيها عبرة، وذلك أن رجلاً سمع قارئاً يقرأ هذه الآية، فدخل بيته، ولزم زاوية منه يذكر فيها، ويتبتل، فجاءت امرأته تنقم عليه، وتأمره بالخدمة، فقال لها: قال تعالى: {وفي السماء رزقكم}، فلما أيست منه ذهبت تحفر شيئاً، فوجدت آنية مملوءة دنانير، فجاءت إليه، وقالت: قد أتانا رزقنا، قم تحرفه معي، هو في موضع كذا، فقال: إنما قال تعالى: {في السماء} ولم يقل في الأرض، فامتنع فذهبت إلى أخٍ لها تستعين به، فلما فتحتها وجدتها مملوءة عقارب، فقالت: والله لأطرحنها عليه لنستريح منه، ففتحت كوة من السقف، وطرحتها عليه، فسقطت دنانير، فقال: الآن نعم، قد آتاني من حيث قال ربي: {وفي السماء رزقكم}. هـ. وذكر في التنوير: أن الملائكة لمّا نزلت هذه الآية ضجّت في السماء، وقالت: ما أضعف بني آدم حتى أحوجوا ربهم إلى الحلف. الإشارة: وفي أرض نفوس العارفين آيات، منها: أن الأرض تحمل كل شيء، ولا تستثقل شيئاً، فكذلك نفس العارف، تحمل كُلَّ كَلٍّ وثقيل، ومَن استثقل حملاً، أو تبرّم من أحد، أو من شيء، ساقته القدرة إليه، فلغيبته عن الحق، ومطالعته الخلق بعين التفرقة، وأهل الحقائق لا يتصفون بهذه الصفة. ومنها: أنها يلقى عليها كل قذارة وقمامة فتُنبت كل زهر ونَور وورد، فكذلك العارف يُلقى عليه كل جفاء، ولا يظهر منه إلا الصفاء. ومنها أن الأرض الطيبة تُنبت الطيب، وينصع نباتها، والأرض السبخة لا تُنبت شيئاً، كذلك القلوب الطيبة تُنبت كل ما يلقى فيها من الخير، والقلوب الخبيثة لا تعي شيئاً، ولا ينبت فيها إلا الخبيث. وقوله تعالى: {وفي أنفسكم..} قال القشيري: يُشير إلى أن النفس مرآة جميع صفات الحق، لهذا قال عليه الصلاة والسلام:"حديث : مَن عرف نفسه فقد عرف ربه"تفسير : فلا يعرف أحد نفسه إلا بعد كمالها، وكمالُها: أن تصير مرآةً كاملةً تامة مصقولة، قابلة لتجلِّي صفات الحق لها، فيعرف نسفه بالمرآتية، ويعرف ربه بالتجلِّي فيها، كما قال تعالى: {أية : سَنُرِيِهِمْ ءَايَاتِنَا فِى الأَفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ...}تفسير : [فصلت: 53] الآية. هـ. قلت: حديث:"حديث : مَن عرف نفسه"تفسير : أنكره النووي، وقال إنه من كلام يحيى بن معاذ وقد اشتهر عند الصوفية حديثاً، ومعناه حق؛ فإنَّ مَن عرف حقيقة نفسه، وأنها مظهر من مظاهر الحق، وغاب عن حس وجوده الوهم، فقد عرف ربه وشَهِدَه، فاطلب المعرفة في نفسك، ولا تطلبها في غيرك، فليس الأمر عنك خارجاً، ولله در الششتري في بعض أزجاله، حيث قال: شعر : وإليْك هو السّيْرُ * وأنْت مَعْنَى الخَيْر * وما دونَك غيْرُ تفسير : وقال أيضاً: شعر : يا قاصداً عَيْنَ الْخَبرْ غطَّاهُ أَيْنَكُ ارجع لذاتكَ واعْتَبِر ما ثمَّ غيْرَك الخيرُ منك والخبَرْ والسر عندك تفسير : وقوله تعالى: {وفي السماء رزقكم} قال الورتجبي: وفي سماء صفاتي رزق أرواحكم، من مشاهدة النور، وغذاء العلم الرباني، وما توعدون من مشاهدة الذات وكشف عيانه. هـ. قلت: هذا قوت الأرواح، أمّا قوت الأشباح فتجب الغيبة عنه، ثقةً بالله، وتوكلاً عليه. قال في قطب العارفين: اعلم أنه عزّ وجل قسَّم الأرزاق في الأزل، وجزّأه على عمر العبد، ووقَّت أوقاته، وحدَّ للعبد ما يأتيه منه في السنة، والشهر، واليوم، والساعة، فكل ما حدّ لك أن تناله من رزقك عند صلاة العصر، مثلاً، لا تناله عند صلاة الصبح، ولو طلبته بكل حِيلة في السموات والأرض، فإن الطلب لا يجمع، والتوكل لا يمنع. هـ. وقال فيه أيضاً: العارف يجد في نفسه الاعتماد على الله، وإن كانت السماء لا تُمطر، والأرض لا تُنبت...الخ كلامه، ومثله قول ذي النون: لو كانت السماء من زجاج، والأرض من نحاس لا تُنبت شيئاً، ومصر كلها عيالي، ما اهتممتُ لهم برزقٍ؛ لأنَّ مَن خلقهم هو الذي تكفّل برزقهم. هـ. وقال في القطب أيضاً: ومن علامة جهل قلب العالم: خوف شدائد السنيين الآتيات، والاستعداد لها قبل مجيئها، بمصاحبة الاضطراب، وفقد الطمأنينة القسمة السابقة، فمَن اتصف بهذه الصفة فقد نازع الربوبية، وانسلخ من العبودية. هـ. ثم سرد قصص الأمم السالفة، وما جرى عليها؛ لأنَّ فيها آيات، فتنخرط في سلك الآيات المتقدمة، فقال: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ}.
الجنابذي
تفسير : {وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ} دالاّت على المبدء وعلمه وقدرته وعنايته بخلقه ورأفته {لِّلْمُوقِنِينَ} بامر الآخرة لا غيرهم فانّهم يمرّون عليها وهم عنها معرضون.
الهواري
تفسير : قوله عزّ وجلّ: {وَفِي الأَرْضِ} أي: فيما خلق الله فيها {آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ} قال: {وَفِي أَنفُسِكُمْ} أي: في بدء خلقكم من تراب، أي آدم، ثم خلق نسله من نطفة {أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} يوقوله للمشركين. وقال مجاهد: {وَفِي أَنفُسِكُمْ} أي: مدخل الطعام والشراب ومخرجه. قال: {وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ} أي المطر، فيه أرزاق الخلق {وَمَا تُوعَدُونَ} تفسير الحسن: أي: من الوعد والوعيد؛ الوعد للمؤمنين بالجنة، والوعيد للمشركين والمنافقين بالنار. قال بعضهم: أظنه يعني: جاء الوعد والوعيد من السماء. وبعضهم قال: الجنة وعدها المتقون، وهي في السماء؛ والنار في الأرض. قوله: {فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالأَرْضِ} أقسم بنفسه {إِنَّهُ لَحَقٌّ} أي: إن هذا القرآن لحق {مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} أي: كما أنكم تنطقون. قوله: {هَلْ أَتَاكَ} أي قد أتاك {حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ} أي: عند الله بالمنزلة والقربة، يعني الملائكة الذين نزلوا به، فبشروه بإسحاق، وجاءوا بعذاب قوم لوط. قال تعالى: {إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ} أي في صورة آدميين {فَقَالُوا سَلاَمًا} أي: سلّموا عليه {قَالَ سَلاَمٌ} أي: ردّّ عليهم {قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} أي: أنكرهم حين لم يأكلوا من طعامه.
اطفيش
تفسير : {وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ} بالله السالكين طريق البرهان كلما رأوا آية ازدادوا ايماناً وايقاناً يكون لهم ما في الارض دلائل على وجود الصانع وعلمه وقدرته وارادته ووحدته وفرط رحمته من انبساط الارض وارتفاع بعض على بعض وجعلها مسالك وسهلاً وجبلاً وبراً وبحراً وصلبة ورخوة وتربة وسبخة واختلاف الالوان وأشجاراً ونباتاً وثماراً مختلفة مسقية بماء واحد ويختلف الطعم واللون والرائحة وعيون ومعادن ودواب وغير ذلك مما هو منافع مختلفة الخواص لساكنيها في صحة وعفة
اطفيش
تفسير : {وفي الأرض آياتٌ} دلائل على وجود الله تعالى، الخالق لكل ما سواه، وعلى علمه وقدرته وارادته، ووحدته وسعة رحمته، والدلائل أنواع: المعادن والنباتات، فالدليل ما فى الأرض من الموجودات، والظرفية حقيقة، والجمع على ظاهره كذا قيل، وفيه أن المعادن جزء من الأرض لا شىء أخر فيها، إلا أن يقال: ظرفية الشىء لجزئه حقيقة، أو الدلائل نفس الأرض، والجمعية باعتبار وجوه الدلالة من كونها مدحوة، وارتفاع بعضها على الماء، وكون بعضها تحت، واختلاف أجزائها، كيفية وخاصة، وصلوح بعضها للنبات مطلقا، وبعضها لنبات دون آخر، وعدم صلوح بعضها لنبات كالسبخة، والظرفية من ظرفية الصفة فى الموصوف {للموقنين} الراسخين فى الايمان، لكونه منهم باعتقاد نافذ مصيب.
الالوسي
تفسير : {وَفِى ٱلأَرْضِ ءايَـٰتُ } دلائل من أنواع المعادن والنباتات والحيوانات، أو وجوه دلالات من الدحو وارتفاع بعضها عن الماء، واختلاف أجزائها في الكيفيات والخواص، فالدليل على الأول ما في الأرض من الموجودات والظرفية حقيقية والجمع على ظاهره، وعلى الثاني الدليل نفس الأرض، والجمعية باعتبار وجوه الدلالة وأحوالها، والظرفية من ظرفية الصفة في الموصوف والدلالة على وجود الصانع جل شأنه وعلمه وقدرته وإرادته ووحدته وفرط رحمته عز وجل. {لّلْمُوقِنِينَ } للموحدين الذين سلكوا الطريق السوي البرهاني الموصل إلى المعرفة فهم نظارون بعيون باصرة وأفهام نافذة. وقرأ قتادة ـ آية ـ بالإفراد.
ابن عاشور
تفسير : هذا متصل بالقَسَم وجوابه من قوله: {أية : والذاريات}تفسير : [الذاريات: 1] وقوله: {أية : وإن الدين لواقع} تفسير : إلى قوله: {أية : والسماء ذات الحبك}تفسير : [الذاريات:6، 7] فبعد أن حقق وقوع البعث بتأكيده بالقسم انتقل إلى تقريبه بالدليل لإبطال إحالتهم إياه، فيكون هذا الاستدلال كقوله: {أية : ومن آياته أنك تَرى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربَتْ إن الذي أحياها لمُحي الموتى}تفسير : [فصلت: 39]. وما بين هاتين الجملتين اعتراض، فجملة {وفي الأرض آيات للموقنين} يجوز أن تكون معطوفة على جملة جواب القسم وهي {أية : إن ما تُوعدون لصادق}تفسير : [الذاريات: 5]. والمعنى: وفي ما يشاهد من أحوال الأرض آيات للموقنين وهي الأحوال الدالة على إيجاد موجودات بعد إعدام أمثالها وأصولها مثل إنبات الزرع الجديد بعد أن بَاد الذي قبله وصار هشيماً. وهذه دلائل واضحة متكررة لا تحتاج إلى غوص الفكر فلذلك لم تقرن هذه الآيات بما يدعو إلى التفكر كما قرن قوله: {أية : وفي أنفسكم أفلا تبصرون}تفسير : [الذاريات: 21]. واعلم أن الآيات المرموقة من أحوال الأرض صالحة للدلالة أيضاً على تفرده تعالى بالإلهية في كيفية خلقها ودحْوها للحيوان والإنسان، وكيف قسمت إلى سهل وجبال وبحر، ونظام إنباتها الزرع والشجر، وما يخرج من ذلك من منافع للناس، ولهذا حذف تقييد آيات بمتعلِّق ليعمّ كل ما تصلح الآيات التي في الأرض أن تدل عليه. وتقديم الخبر في قوله: {وفي الأرض} للاهتمام والتشويق إلى ذكر المبتدأ. واللام في {للموقنين} معلق بــ {آيات}. وخصت الآيات بــ {الموقنين} لأنهم الذين انتفعوا بدلالتها فأكسبتهم الإيقان بوقوع البعث. وأوثر وصف الموقنين هنا دون الذين أيقنوا لإفادة أنهم عرفوا بالإيقان. وهذا الوصف يقتضي مدحهم بثقوب الفهم لأن الإيقان لا يكون إلا عن دليل ودلائل هذا الأمر نظرية. ومَدْحَهم أيضاً بالإنصاف وترك المكابرة لأن أكثر المنكرين للحق تحملهم المكابرة أو الحسد على إنكار حق من يتوجّسون منه أن يقضي على منافعهم. وتقديم {في الأرض} على المبتدأ للاهتمام بالأرض باعتبارها آيات كثيرة.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الجاثية.
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَاتٌ} (20) - وَفي الأرْضِ آيَاتٌ دَالَّةٌ عَلَى عَظَمَةِ الخَالِقِ وَقُدْرتِهِ البَاهِرَةِ، تَسْتَبينُ لِمَنْ فَكَّر فيها، وَتَدَبَّرَ مَعْنَى هَذِهِ الآيَاتِ فَآمَنَ وَزَادَ يَقِيناً.
الثعلبي
تفسير : {وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ} عِبَرٌ وعظات إذا ساروا فيها. {آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ}. {وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ} أيضاً آيات {أَفَلاَ تُبْصِرُونَ}. أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن جعفر بن الطيب الكلماباذي بقراءتي عليه، قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص، قال: حدّثنا السري بن خزيمة الآبيوردي، قال: حدّثنا أبو نعيم، قال: حدّثنا سفيان عن ابن جريج عن محمد بن المرتفع عن الزبير {وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ}، قال: سبيل الغايط والبول، وقال المسيب بن شريك: يأكل ويشرب من مكان واحد، ويخرج من مكانين، ولو شرب لبناً محضاً خرج ماء، فتلك الآية في النفس. وقال أبو بكر الوراق: {وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} يعني في تحويل الحالات وضعف القوة وقهر المنّة وعجز الأركاب وفسخ الصريمة ونقض العزيمة، ثم أخبر سبحانه وتعالى أنّه وضع رزقك حيث لا يأكله السوس ولا يناله اللصوص، فقال سبحانه: {وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} يعني المطر والثلج اللذين بهما تخرج الأرض النبات الذي هو سبب الأقوات، وقال بعض أهل المعاني: معناه: وفي المطر والنبات سبب رزقكم، فسمّي المطر سماء؛ لأنّه عن السماء ينزل، قال الشاعر: شعر : إذا سقط السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا تفسير : وقال ابن كيسان: يعني وعلى ربّ السماء رزقكم {فِي} بمعنى (على) كقوله: {أية : فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ} تفسير : [طه: 71]، وذكر الربّ مختصراً، كقوله: {أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82]، ونظيره قوله: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا} تفسير : [هود: 6]. وأخبرني عقيل أنّ أبا الفرج أخبرهم عن ابن جرير، قال: حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا هارون بن المعتز من أهل الري عن سفيان الثوري قال: قرأ واصل الأحدب هذه الآية: {وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} فقال: ألا أرى رزقي في السماء، وأنا أطلبه في الأرض؟ فدخل خربة فمكث ثلاثاً لا يصيب شيئاً، فلمّا أن كان اليوم الثالث إذا هو يرى جلّة من رطب، وكان له أخ أحسن نيّة منه فدخل معه (فصارتا جلّتين)، فلم يزل ذلك دأبهما حتى فرّق بينهما الموت. أخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن خميس قال: حدّثنا ابن مجاهد قال: حدّثنا إبراهيم بن هاشم البغوي قال: حدّثنا ابن أبي بزّة، قال: حدّثنا حسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد عن شبل بن عبّاد عن ابن (أبي نجيح) أنّه قرأ (وفي السماء رازقكم وما توعدون) بالألف يعني الله. قال مجاهد: {وَمَا تُوعَدُونَ} من خير أو شر، وقال الضحاك {وَمَا تُوعَدُونَ} من الجنة والنار، وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علويّة قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب بن شريك قال: قال أبو بكر بن عبد الله: سمعت ابن سيرين يقول: {وَمَا تُوعَدُونَ}: الساعة. {فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ} يعني أن الذي ذكرت من أمر الرزق {لَحَقٌّ مِّثْلَ} بالرفع قرأه أهل الكوفة بدلا من (الحق)، وغيرهم بالنصب أي كمثل. {مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} فتقولون: لا إله إلاّ الله، وقيل: كما أنّكم ذوو نطق خصصتم بالقوة الناطقة العاقلة فتتكلمون، هذا حق كما حق أنّ الآدمي ناطق، وقال بعض الحكماء: كما أنّ كلّ انسان ينطق بلسان نفسه، ولا يمكنه أن ينطق بلسان غيره، فكذلك كلّ إنسان يأكل رزقه الذي قسم له، ولا يقدر أن يأكل رزق غيره، وقال الحسن في هذه الآية: بلغني أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : قاتل الله أقواماً أقسم لهم ربّهم بنفسه فلم يصدّقوه ". تفسير : حدّثنا أبو القاسم بن حبيب قال: أخبرنا أبو الحسن الكائيني وأبو الطيّب الخياط وأبو محمد يحيى بن منصور الحاكم في القسطنطينية قالوا: حدّثنا أبو رجاء محمد بن أحمد القاضي، قال: حدّثنا أبو الفضل العباس بن الفرج الرياسي البصري، قال: سمعت الأصمعي يقول: أقبلتُ ذات يوم من المسجد الجامع في البصرة فبينا أنا في بعض سككها إذ طلع أعرابي جلف جاف على قعود له متقلد سيفه وبيده قوس، فدنا وسلّم وقال لي: مَن الرجل؟، قلت: من بني الأصمع، قال: أنت الاصمعي؟ قلت: نعم، قال: ومن أين أقبلت؟، قلت من موضع مليء بكلام الرَّحْمن، قال: وللرَّحْمن كلام يتلوه [الآدمين]. قلت: نعم، قال: اتلُ عليّ شيئاً منه، فقلت له: انزل عن قعودك. فنزل، وابتدأت بسورة والذاريات، فلمّا انتهيت إلى قوله سبحانه: {وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} . قال: يا أصمعي هذا كلام الرَّحْمن؟، قلت: أي والذي بعث محمداً بالحق، إنّه لكلامه أنزله على نبيّه محمد، فقال لي: حسبك، ثم قام إلى الناقة فنحرها وقطعها كلّها، وقال: أعنيّ على توزيعها ففرقناها على من أقبل وأدبر، ثم عمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وجعلهما تحت الرمل وولّى مدبراً نحو البادية وهو يقول: {وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}. فأقبلت على نفسي باللوم وقلت: لم تنتبهي لما انتبه له الأعرابي، فلمّا حججت مع الرشيد دخلت مكة، فبينا أنا أطوف بالكعبة إذ هتف بي هاتف بصوت دقيق فالتفتّ فإذا أنا بالأعرابي نحيلاً مصفاراً فسلّم عليّ وأخذ بيدي وأجلسني من وراء المقام وقال لي: اتل كلام الرَّحْمن، فأخذت في سورة والذاريات، فلمّا انتهيت الى قوله: {وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}، صاح الاعرابي فقال: وجدنا ما وعدنا ربنّا حقاً، ثم قال: وهل غير هذا؟ قلت: نعم يقول الله سبحانه {فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ}، فصاح الأعرابي وقال: يا سبحان الله من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف؟، ألم يصدّقوه بقوله حتى ألجأوه إلى اليمين؟ قالها ثلاثاً وخرجت فيها نفسه. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: حدّثنا أبو حاتم قال: حدّثنا شبانة، قال حدّثنا صدقة، قال حدّثنا الوضين بن عطاء عن زيد بن جرير أنّ رجلا جاع في مكان ليس فيه شيء، فقال: اللّهم رزقك الذي وعدتني فأتني به، قال: فشبع وروى من غير طعام ولا شراب. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن القاسم الخطيب. قال: حدّثنا إسماعيل بن العباس بن محمد الوراق، قال: حدّثنا الحسين بن سعيد بن محمد المحرمي، قال: حدّثنا علي ابن يزيد العبداني قال: حدّثنا فضيل بن مسروق عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لو أنّ أحدكم فرّ من رزقه لتبعه كما يتبعه الموت" تفسير : وأنشدت في معناه: شعر : الرزق في القرب وفي البعد أطلَبُ للعبد من العبد لو قصّر الطالب في سعيه أتاه ما قدّر في قصد تفسير : وقال دعبل: شعر : أسعى لأطلب رزقي وهو يطلبني والرزق أكثر لي مني له طلباً
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الأرض هي الأرض التي نعيش عليها وهي مفردة، وفي الحقيقة هى أراضي متعددة، كما قال تعالى: {أية : خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ..}تفسير : [الطلاق: 12] فهي إذن سبع أرْضين. قالوا: لأن الأرض بيئات متعددة من حيث الطقس حرارة وبرودة، ومن حيث التربة وما تحويه من عناصر وما تُخرجه من خيرات. ومن هنا تعددت الأراضي، لذلك العلماء يقولون: هذا حزام القمح مثلاً، وهذا حزام الموز، وهذا حزام كذا. فالحق سبحانه أعطى كل أرض ما يصلحها لنبات معين يناسب السكان عليها، والعيب أننا ننقل إنتاج أرض إلى أرض أخرى لا يصلح لها، ولو صلح للسكان هنا لكان موجوداً عندهم. لذلك نجد النبات في غير أرضه تصيبه الآفات، فلو نظرنا مثلاً إلى حزام الموز تجده في أماكنه قوياً لا تصيبه آفة ولا عطب، فإذا نقلته إلى غير أرضه كثرتْ فيه الآفات وأصابه العطب. كأن الخالق سبحانه يقول لنا: هذا ليس مخلوقاً لبيئتك، بل له بيئته التي يجود فيها، حيث تتوفر له مقومات نموه. والآيات جمع آية، وهي العلامة الدالة على قدرة الخالق سبحانه، وأول الآيات في الأرض نلحظها في توزيع رقعة الأرض بين الماء واليابسة، الماء منه عَذْب فراتٌ، ومنه ملح أُجَاج. العذب نشرب منه، ونسقي الزرع والدواب، والمالح نأخذ منه الأسماك {أية : وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ..}تفسير : [فاطر: 12]. والأرض فيها الخصب السهل الصالح للزراعة، ومنه الصحاري والجبال، وفي كل منها الخيرات التي تناسبه. ومن الآيات في الأرض أن الماء ثلاثة أرباع اليابسة، والحكمة من ذلك أنْ تتسع رقعة الماء، وتتسع رقعة البخر التي تعطينا بعد ذلك المطر الذي يكفي للشرب وللزراعة. إذن: الماء المالح هو مخزن الماء في الأرض، وجعله الله مالحاً ليحفظه من العطب ويصونه من التغيُّر، يقول تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}تفسير : [الأعراف: 57]. ومن الآيات في الأرض أن مجاري المياة العذبة أعلى مستوى من مجاري المياه المالحة، ولو أن المالح كان أعلى لأفسد المياة العذبة ولمَا انتفعنا بها، يقول تعالى: {أية : بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ}تفسير : [الرحمن: 20]. ومن عجائب القدرة في خَلْق النبات أنْ تجد أجود أنواع النخيل والتين مثلاً على الشواطىء المالحة كما في العريش وغيرها، وهذه من طلاقة القدرة التي لا تخضع للأسباب، إنما تفعل ما تريد، فمن الماء المالح نأكل أشهى وأحلى الثمار. ومن الآيات في الأرض الجبال: {أية : وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ}تفسير : [فاطر: 27] والجبال كما قلنا هي مخازن الخصب، ومخازن القوت، ومخازن للخيرات الكثيرة من المعادن والأحجار الكريمة. وسبق أن أوضحنا أن الحق سبحانه نثر الخيرات ووزّعها على الأرض كلها، بحيث إذا أخذنا من الأرض قطاعاً من محيط الأرض إلى مركزها لوجدنا فيه من الخيرات ما يساوي القطاع الآخر، فهذا به معادن، وهذا بترول، وهذا مزروعات، وهكذا. ومن الآيات في الأرض أنْ تجد التربة واحدة وتُسقى بالماء الواحد، ومع ذلك تعطي مختلف الثمار ومختلف الطعوم {أية : وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}تفسير : [الرعد: 4]. نعم يعقلون قدرة الله في الخلق، وأن هذه الآيات مخلوقة لقادر حكيم قيوم. وهنا قال {آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ} [الذاريات: 20] أي: الذين يوقنون بذلك ويؤمنون به، فأعظم درجات العلم هي العلوم الكونية التي تبحث في الكون، وتستدل بآياته على قدرة الله. اقرأ مثلاً: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ ..}تفسير : [فاطر: 27-28]. لاحظ أنه تعالى لم يذكر هنا حكماً شرعياً يتعلق بصوم ولا صلاة ولا زكاة، إذن: المراد بالعلماء هنا علماء الطبيعة والكونيات الذين يبحثون فب النبات والحيوان والإنسان والجماد، ويستدلون بالقدرة على القادر سبحانه، ويأخذون بأيدي الخلق إلى ساحة الإيمان بالخالق، وهذه حقيقة تنفعهم في الدنيا وفي الآخرة. والمتأمل لقوله تعالى: {وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ} [الذاريات: 20] يفهم منه أن الإنسان إذا نظر في الكون من حوله ويستدل منه على وجود الخالق سبحانه، لذلك أوقع الكافرين في الفخ عندما سألهم: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ..}تفسير : [الزخرف: 87] {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ..}تفسير : [الزمر: 38]. نعم لم يقولوا غير ذلك لأنها مسألة واضحة وضوحَ الشمس ولم يدعها أحد لنفسه، وكيف يدعيها وقد خُلق رضيعاً لا يقدر على شيء فكيف يقول: خلقتُ نفسي، وقد طرأ على الكون كما هو فكيف يدعي أنه خلقه؟ وقوله تعالى: {وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] أي: كما أن في الأرض آيات كونية دالة على قدرة الله، كذلك في أنفسكم آيات، فإذا لم تصل إلى آيات الكون من حولك فانظر في نفسك التي بين جنبيك. وقال تعالى: {أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] لأن آيات الكون من حولك إنْ بعُدَتْ عليك فإن آيات نفسك قريبة منك، وأوْلَى بالنظر والتأمل. والآيات في النفس كثيرة, خُذْ مثلاً درجة حرارة الجسم تجدها واحدة هي 37 ْ لمن يعيش عند القطب المتجمد، ولمَنْ يعيش عند خط الاستواء، ولا تستقيم حركة الأعضاء والجوارح إلا عند هذه الدرجة، ولو زادت لاختلَّ نظام الجسم كله واضطربت حركته. أما في داخل الجسم فكل جهاز من أجهزته له درجة حرارة تناسبه دون أنْ يحدث استطراق حراري في الجسم الواحد كما نعلم، فإذا كانت الحرارة العامة في الجسم 37 ْ فإن حرارة العين مثلاً تقف عند تسع درجات لا تزيد عنها، ولو زادت عن ذلك لانفقأت العين. أما الكبد فلا يؤدي دروه في الجسم إلا عند أربعين درجة، والعجيب أن هذا التفاوت داخل جلد واحد وجسم واحد، فتبارك الله أحسن الخالقين. كذلك لو تأملتَ الدم الذي يجري في العروق، التنفس، القلب، المخ، العظام كل شيء في جسمك فيه آية، بل آيات حين تتأملها تقول: سبحان الخالق المبدع، سبحانه مَنْ له طلاقة القدرة. إذن: لا حجة لمَنْ لم يؤمن بعد ما رآه من الآيات في نفسه وفي الكون من حوله.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى -داعيًا عباده إلى التفكر والاعتبار-: { وَفِي الأرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ } وذلك شامل لنفس الأرض، وما فيها، من جبال وبحار، وأنهار، وأشجار، ونبات تدل المتفكر فيها، المتأمل لمعانيها، على عظمة خالقها، وسعة سلطانه، وعميم إحسانه، وإحاطة علمه، بالظواهر والبواطن. وكذلك في نفس العبد من العبر والحكمة والرحمة ما يدل على أن الله وحده الأحد الفرد الصمد، وأنه لم يخلق الخلق سدى. وقوله: { وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ } أي مادة رزقكم، من الأمطار، وصنوف الأقدار، الرزق الديني والدنيوي، { وَمَا تُوعَدُونَ } من الجزاء في الدنيا والآخرة، فإنه ينزل من عند الله، كسائر الأقدار. فلما بين الآيات ونبه عليها تنبيهًا، ينتبه به الذكي اللبيب، أقسم تعالى على أن وعده وجزاءه حق، وشبه ذلك، بأظهر الأشياء [لنا] وهو النطق، فقال: { فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ } فكما لا تشكون في نطقكم، فكذلك لا ينبغي الشك في البعث بعد الموت.
همام الصنعاني
تفسير : 2896- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ}: [الآية: 20]، قال، يقولُ: معتبر لمن اعتبر، {وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ}: [الآية: 21] قال، يقول: وفي خلقه أيضاً، إذا فَكَّر فيه مُعْتَبَرٌ. 2987- حدثنا عبد الرزاق، عن ابن جُرَيْج، قال: أخبرني (محمد بن المرتفعِ) أنه سمع ابن الزبير يخطب، يقول: {وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ}: [الآية: 21]، قال: سَبِيل الغائِطِ والبول.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):