٥١ - ٱلذَّارِيَات
51 - Adh-Dhariyat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
24
Tafseer
الرازي
تفسير : إشارة إلى تسلية قلب النبـي صلى الله عليه وسلم ببيان أن غيره من الأنبياء عليهم السلام كان مثله، واختار إبراهيم لكونه شيخ المرسلين كون النبـي عليه الصلاة والسلام على سنته في بعض الأشياء، وإنذار لقومه بما جرى من الضيف، ومن إنزال الحجارة على المذنبين المضلين، وفيه مسائل: المسألة الأولى: إذا كان المراد ما ذكرت من التسلية والإنذار فأي فائدة في حكاية الضيافة؟ نقول ليكون ذلك إشارة إلى الفرج في حق الأنبياء، والبلاء على الجهلة والأغبياء، إذا جاءهم من حيث لا يحتسب. قال الله تعالى: {أية : فَأَتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ } تفسير : [الحشر: 2] فلم يكن عند إبراهيم عليه السلام خبر من إنزال العذاب مع ارتفاع مكانته. المسألة الثانية: كيف سماهم ضيفاً ولم يكونوا؟ نقول لما حسبهم إبراهيم عليه السلام ضيفاً لم يكذبه الله تعالى في حسابه إكراماً له، يقال في كلمات المحققين الصادق يكون ما يقول، والصديق يقول ما يكون. المسألة الثالثة: ضيف لفظ واحد والمكرمين جمع، فكيف وصف الواحد بالجمع؟ نقول الضيف يقع على القوم، يقال قوم ضيف ولأنه مصدر فيكون كلفظ الرزق مصدراً، وإنما وصفهم بالمكرمين إما لكونهم عباداً مكرمين كما قال تعالى: {أية : بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } تفسير : [الأنبياء: 26] وإما لإكرام إبراهيم عليه السلام إياهم، فإن قيل: بماذا أكرمهم؟ قلنا ببشاشة الوجه أولاً، وبالإجلاس في أحسن المواضع وألطفها ثانياً، وتعجيل القرى ثالثاً، وبعد التكليف للضيف بالأكل والجلوس وكانوا عدة من الملائكة في قول ثلاثة جبريل وميكائيل وثالث، وفي قول عشرة، وفي آخر اثنا عشرة. المسألة الرابعة: هم أرسلوا للعذاب بدليل قولهم: {أية : إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ } تفسير : [الذاريات: 32] وهم لم يكونوا من قوم إبراهيم عليه السلام، وإنما كانوا من قوم لوط فما الحكمة في مجيئهم إلى إبراهيم عليه السلام؟ نقول فيه حكمة بالغة، وبيانها من وجهين. أحدهما: أن إبراهيم عليه السلام شيخ المرسلين وكان لوط من قومه ومن إكرام الملك للذي في عهدته وتحت طاعته إذا كان يرسل رسول إلى غيره يقول له اعبر على فلان الملك وأخبره برسالتك وخذ فيها رأيه. وثانيهما: هو أن الله تعالى لما قدر أن يهلك قوماً كثيراً وجماً غفيراً، وكان ذلك مما يحزن إبراهيم عليه السلام شفقة منه على عباده قال لهم بشروه بغلام يخرج من صلبه أضعاف ما يهلك، ويكون من صلبه خروج الأنبياء عليهم السلام.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ } ذكر قصة إبراهيم عليه السلام ليبين بها أنه أهلك المكذب بآياته كما فعل بقوم لوط. «هَلْ أَتَاكَ» أي ألم يأتك. وقيل: «هَلْ» بمعنى قد؛ كقوله تعالى: {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ}تفسير : [الإنسان: 1]. وقد مضى الكلام في ضيف إبراهيم في «هود» «والحجر». «الْمُكْرَمِينَ» أي عند الله؛ دليله قوله تعالى: {أية : بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} تفسير : [الأنبياء: 26] قال ٱبن عباس: يريد جبريل وميكائيل وإسرافيل ـ زاد عثمان بن حَصِين ـ ورفائيل عليه الصلاة والسلام. وقال محمد بن كعب: كان جبريل ومعه تسعة. وقال عطاء وجماعة: كانوا ثلاثة جبريل وميكائيل ومعهما ملَك آخر. قال ٱبن عباس: سماهم مكرمين لأنهم غير مذعورين. وقال مجاهد: سماهم مكرمين لخدمة إبراهيم إياهم بنفسه. قال عبد الوهاب: قال لي علي بن عياض: عندي هريسة ما رأيك فيها؟ قلت: ما أحسن رأيي فيها؛ قال: ٱمض بنا؛ فدخلت الدار فنادى الغلام فإذا هو غائب، فما راعني إلا به ومعه القُمْقُمة والطَّسْت وعلى عاتقه المِنْدِيل، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، لو علمتُ يا أبا الحسن أن الأمر هكذا؛ قال: هَوِّن عليك فإنك عندنا مُكرَم، والمُكرم إنما يُخدم بالنفس؛ ٱنظر إلى قوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ}. قوله تعالى: {إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاَماً} تقدّم في«الحجر». {قَالَ سَلاَمٌ} أي عليكم سلام. ويجوز بمعنى أمري سلام أو ردّي لكم سلام. وقرأ أهل الكوفة إلا عاصماً «سِلْمٌ» بكسر السين.{قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} أي أنتم قوم منكرون؛ أي غرباء لا نعرفكم. وقيل: لأنه رآهم على غير صورة البشر، وعلى غير صورة الملائكة الذين كان يعرفهم فنكرهم، فقال: {قَوْمٌ مُّنكَرُونَ}. وقيل: أنكرهم لأنهم دخلوا عليه من غير ٱستئذان. وقال أبو العالية: أنكر سلامهم في ذلك الزمان وفي تلك الأرض. وقيل: خافهم؛ يقال: أنكرته إذا خفته، قال الشاعر:شعر : فَأَنْكَرَتْنِي وما كان الذي نَكِرَتْ مِنَ الحوادِثِ إلاَّ الشَّيْبَ والصَّلَعَا تفسير : قوله تعالى: {فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ} قال الزجاج: أي عدل إلى أهله. وقد مضى في «والصافات». ويقال: أراغ وٱرتاغ بمعنى طلب، وماذا تُرِيغ أي تريد وتطلب، وأراغ إلى كذا أي مال إليه سرًّا وحاد، فعلى هذا يكون راغ وأراغ لغتين بمعنى. {فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ} أي جاء ضيفه بعجل قد شواه لهم كان في «هود»: {أية : فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ}تفسير : [هود: 69]. ويقال: إن إبراهيم ٱنطلق إلى منزله كالمستخفي من ضيفه، لئلا يظهروا على ما يريد أن يتخذ لهم من الطعام. قوله تعالى: {فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ} يعني العجل. {قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ} قال قتادة: كان عامّة مالِ إبراهيم البقر، وٱختاره لهم سميناً زيادة في إكرامهم. وقيل: العِجل في بعض اللغات الشاة. ذكره القشيري. وفي الصحاح: العِجل ولد البقرة والعِجَّوْل مثله والجمع العَجاجيل والأنثى عِجْلة، عن أبي الجراح، وبقرة مُعْجِل ذات عِجْل، وعِجْل قبيلة من ربيعة. قوله تعالى: {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} أي أحَسَّ منهم في نفسه خوفاً. وقيل: أضمر لما لم يتَحرَّموا بطعامه. ومن أخلاق الناس: أن من تَحرَّم بطعام إنسان أمنه. وقال عمرو بن دينار: قالت الملائكة لا نأكل إلا بالثمن. قال كلوا وأدّوا ثمنه. قالوا: وما ثمنه؟ قال: تسمُّون الله إذا أكلتم وتحمدونه إذا فرغتم. فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: لهذا ٱتخذك الله خليلاً. وقد تقدّم هذا في «هود». ولما رأوا ما بإبراهيم من الخوف {قَالُواْ لاَ تَخَفْ} وأعلموه أنهم ملائكة الله ورسله. {وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلَيمٍ} أي بولد يولد له من سارة زوجته. وقيل: لما أخبروه أنهم ملائكة لم يصدّقهم، فدعوا الله فأحيا العجل الذي قرّبه إليهم. وروى عون بن أبي شدّاد: أن جبريل مسح العجل بجناحه، فقام يدرج حتى لحق بأمه وأم العجل في الدار. ومعنى «عَلِيمٍ» أي يكون بعد بلوغه من أولي العلم بالله وبدينه. والجمهور على أن المبشَّر به هو إسحاق. وقال مجاهد وحده: هو إسماعيل وليس بشيء فإن الله تعالى يقول: {أية : وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ}تفسير : [الصافات: 112]. وهذا نص.
ابن كثير
تفسير : هذه القصة قد تقدمت في سورة هود والحجر أيضاً فقوله: { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ} أي الذين أرصد لهم الكرامة، وقد ذهب الإمام أحمد وطائفة من العلماء إلى وجوب الضيافة للنزيل، وقد وردت السنة بذلك كما هو ظاهر التنزيل. وقوله تعالى: {قَالُواْ سَلَـٰماً قَالَ سَلَـٰمٌ} الرفع أقوى وأثبت من النصب، فرده أفضل من التسليم، ولهذا قال تعالى: {أية : وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ} تفسير : [النساء: 86] فالخليل اختار الأفضل، وقوله تعالى: {قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} وذلك أن الملائكة، وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل، قدموا عليه في صورة شبان حسان عليهم مهابة عظيمة، ولهذا قال: {قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} وقوله عز وجل: {فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ} أي انسل خفية في سرعة {فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ} أي من خيار ماله، وفي الآية الأخرى: {أية : فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} تفسير : [هود: 69] أي مشوي على الرضف {فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ} أي أدناه منهم {قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ} تلطف في العبارة وعرض حسن، وهذه الآية انتظمت آداب الضيافة؛ فإنه جاء بطعام من حيث لا يشعرون بسرعة، ولم يمتن عليهم أولاً فقال: نأتيكم بطعام، بل جاء به بسرعة وخفاء، وأتى بأفضل ما وجد من ماله، وهو عجل فتي سمين مشوي، فقربه إليهم لم يضعه وقال: اقتربوا، بل وضعه بين أيديهم، ولم يأمرهم أمراً يشق على سامعه بصيغة الجزم، بل قال: {أَلا تَأْكُلُونَ} على سبيل العرض والتلطف، كما يقول القائل اليوم: إن رأيت أن تتفضل وتحسن وتتصدق، فافعل. وقوله تعالى: {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} هذا محال على ما تقدم في القصة في السورة الأخرى، وهي قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ} تفسير : [هود: 70 ــــ 71] أي: استبشرت بهلاكهم لتمردهم وعتوهم على الله تعالى، فعند ذلك بشرتها الملائكة بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب {أية : قَالَتْ يٰوَيْلَتَىٰ ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قَالُوۤاْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَـٰتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ } تفسير : [هود: 72 ــــ 73] ولهذا قال الله سبحانه وتعالى ههنا: {وَبَشَّرُوهُ بِغُلَـٰمٍ عَلَيمٍ} فالبشارة له هي بشارة لها. لأن الولد منهما، فكل منهما بشر به. وقوله تعالى: {فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ} أي في صرخة عظيمة ورنة، قاله ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وعكرمة وأبو صالح والضحاك وزيد ابن أسلم والثوري والسدي، وهي قولها: {يٰوَيْلَتَىٰ}، {فَصَكَّتْ وَجْهَهَا} أي: ضربت بيدها على جبينها، قاله مجاهد وابن سابط، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لطمت، أي: تعجباً كما تتعجب النساء من الأمر الغريب {وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ} أي: كيف ألد وأنا عجوز، وقد كنت في حال الصبا عقيماً لا أحبل؟ { قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ} أي: عليم بما تستحقون من الكرامة، حكيم في أقواله وأفعاله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {هَلُ أَتَاكَ } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم {حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرٰهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ } وهم ملائكة اثنا عشر أو عشرة أو ثلاثة، منهم جبريل.
الشوكاني
تفسير : قوله: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرٰهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ } ذكر سبحانه قصة إبراهيم؛ ليبين أنه أهلك بسبب التكذيب من أهلك. وفي الاستفهام تنبيه على أن هذا الحديث ليس مما قد علم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه إنما علمه بطريق الوحي. وقيل: إن "هل" بمعنى "قد"، كما في قوله: {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَـٰنِ حِينٌ مّنَ ٱلدَّهْرِ }تفسير : [الإنسان: 1] والضيف مصدر يطلق على الواحد والاثنين والجماعة، وقد تقدم الكلام على قصة ضيف إبراهيم في سورة هود، وسورة الحجر، والمراد بكونهم مكرمين: أنهم مكرمون عند الله سبحانه؛ لأنهم ملائكة جاءوا إليه في صورة بني آدم، كما قال تعالى في وصفهم في آية أخرى: {حديث : بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } تفسير : [الأنبياء: 26] وقيل: هم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل. وقال مقاتل، ومجاهد: أكرمهم إبراهيم وأحسن إليهم وقام على رؤوسهم، وكان لا يقوم على رؤوس الضيف، وأمر امرأته أن تخدمهم. وقال الكلبي: أكرمهم بالعجل {إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ } العامل في الظرف {حديث} أي: هل أتاك حديثهم الواقع في وقت دخولهم عليه، أو العامل فيه: {ضيف} لأنه مصدر، أو العامل فيه: {المكرمين}، أو العامل فيه: فعل مضمر أي: اذكر {فَقَالُواْ سَلامًا } أي: نسلم عليك سلاماً {قَالَ سَلَـٰمٌ } أي: قال إبراهيم سلام. قرأ الجمهور بنصب {سلاماً} الأول، ورفع الثاني، فنصب الأوّل على المصدرية بتقدير الفعل كما ذكرنا، والمراد به: التحية، ويحتمل أن يكون المعنى: فقالوا كلاماً حسناً؛ لأنه كلام سلم به المتكلم من أن يلغو، فيكون على هذا مفعولاً به. وأما الثاني: فرفعه على أنه مبتدأ محذوف الخبر، أي: عليكم سلام، وعدل به إلى الرفع لقصد إفادة الجملة الاسمية للدوام والثبات، بخلاف الفعلية فإنها لمجرد التجدّد والحدوث، ولهذا قال أهل المعاني: إن سلام إبراهيم أبلغ من سلام الملائكة، وقرىء بالرفع في الموضعين، وقرىء بالنصب فيهما. وقرأ أهل الكوفة إلاّ عاصماً بكسر السين، وقرىء (سلم) فيهما، {قَوْمٌ مُّنكَرُونَ } ارتفاع قوم على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: أنتم قوم منكرون. قيل: إنه قال هذا في نفسه ولم يخاطبهم به؛ لأن ذلك يخالف الإكرام. قيل: إنه أنكرهم لكونهم ابتدءوا بالسلام، ولم يكن ذلك معهوداً عند قومه، وقيل: لأنه رأى فيهم ما يخالف بعض الصور البشرية، وقيل: لأنه رآهم على غير صورة الملائكة الذين يعرفهم، وقيل غير ذلك. {فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ } قال الزجاج: أي: عدل إلى أهله، وقيل: ذهب إليهم في خفية من ضيوفه، والمعنى متقارب، وقد تقدم تفسيره في سورة الصافات. يقال: راغ وارتاغ بمعنى طلب، وماذا يريغ أي: يريد ويطلب، وأراغ إلى كذا: مال إليه سرًّا وحاد {فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ } أي: فجاء ضيفه بعجل قد شواه لهم، كما في سورة هود: {أية : بِعِجْلٍ حَنِيذٍ } تفسير : [هود: 69] وفي الكلام حذف تدل عليه الفاء الفصيحة، أي: فذبح عجلاً فحنذه فجاء به {فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ } أي: قرّب العجل إليهم ووضعه بين أيديهم فقَال: {أَلاَ تَأْكُلُونَ} الاستفهام للإنكار، وذلك أنه لما قربه إليهم لم يأكلوا منه. قال في الصحاح: العجل: ولد البقر والعجول مثله، والجمع العجاجيل، والأنثى عجلة، وقيل: العجل في بعض اللغات الشاة {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً } أي: أحسّ في نفسه خوفاً منهم لما لم يأكلوا مما قرّبه إليهم. وقيل: معنى أوجس: أضمر، وإنما وقع له ذلك لما لم يتحرموا بطعامه. ومن أخلاق الناس أن من أكل من طعام إنسان صار آمناً منه، فظن إبراهيم أنهم جاءوا للشرّ، ولم يأتوا للخير. وقيل: إنه وقع في قلبه أنهم ملائكة، فلما رأوا ما ظهر عليه من أمارات الخوف قالوا: {لاَ تَخَفْ} وأعلموه أنهم ملائكة مرسلون إليه من جهة الله سبحانه {وَبَشَّرُوهُ بِغُلَـٰمٍ عَلَيمٍ } أي: بشروه بغلام يولد له كثير العلم عند أن يبلغ مبالغ الرجال، والمبشر به عند الجمهور هو إسحاق. وقال مجاهد وحده: إنه إسماعيل، وهو مردود بقوله: {أية : وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ }تفسير : [الصافات: 112] وقد قدّمنا تحقيق هذا المقام بما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره. {فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِى صَرَّةٍ } لم يكن هذا الإقبال من مكان إلى مكان، وإنما هو كقولك: أقبل يشتمني، أي: أخذ في شتمي، كذا قال الفراء، وغيره. والصرّة: الصيحة والضجة، وقيل: الجماعة من الناس. قال الجوهري: الصرّة: الضجة والصيحة، والصرّة: الجماعة، والصرّة: الشدّة من كرب أو غيره، والمعنى: أنها أقبلت في صيحة، أو في ضجة، أو في جماعة من الناس يستمعون كلام الملائكة، ومن هذا قول امرىء القيس:شعر : فألحقه بالهاديات ودونه جراجرها في صرّة لم تزيل تفسير : وقوله: {فِى صَرَّةٍ } في محل نصب على الحال {فَصَكَّتْ وَجْهَهَا } أي: ضربت بيدها على وجهها، كما جرت بذلك عادة النساء عند التعجب. قال مقاتل، والكلبي: جمعت أصابعها، فضربت جبينها تعجباً. ومعنى الصكّ: ضرب الشيء بالشيء العريض، يقال: صكه أي: ضربه {وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ } أي: كيف ألد وأنا عجوز عقيم؟ استبعدت ذلك لكبر سنها؛ ولكونها عقيماً لا تلد {قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ } أي: كما قلنا لك وأخبرناك قال ربك، فلا تشكي في ذلك ولا تعجبي منه، فإن ما أراده الله كائن لا محالة، ولم نقل ذلك من جهة أنفسنا، وقد كانت إذ ذاك بنت تسع وتسعين سنة، وإبراهيم ابن مائة سنة، وقد سبق بيان هذا مستوفى، وجملة: {إِنَّهُ هُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ } تعليل لما قبلها أي: حكيم في أفعاله وأقواله، عليم بكل شيء. وجملة: {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ } مستأنفة جواباً عن سؤال مقدّر، كأنه قيل: فماذا قال إبراهيم بعد هذا القول من الملائكة؟ والخطب: الشأن والقصة، والمعنى: فما شأنكم وما قصتكم أيها المرسلون من جهة الله، وما ذاك الأمر الذي لأجله أرسلكم سوى هذه البشارة؟ {قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ } يريدون: قوم لوط. {لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن طِينٍ } أي: لنرجمهم بحجارة من طين متحجر، وانتصاب {مُّسَوَّمَةً } على الصفة لحجارة، أو على الحال في الضمير المستكنّ في الجار والمجرور، أو من الحجارة؛ لكونها قد وصفت بالجار والمجرور، ومعنى {مُّسَوَّمَةً }: معلمة بعلامات تعرف بها، قيل: كانت مخططة بسواد وبياض، وقيل: بسواد وحمرة، وقيل: معروفة بأنها حجارة العذاب، وقيل: مكتوب على كل حجر من يهلك بها، وقوله: {عِندَ رَبّكَ } ظرف لمسوّمة، أي: معلمة عنده {لِلْمُسْرِفِينَ } المتمادين في الضلالة المجاوزين الحدّ في الفجور. وقال مقاتل: للمشركين، والشرك أسرف الذنوب وأعظمها. {فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } هذا كلام من جهة الله سبحانه، أي: لما أردنا إهلاك قوم لوط أخرجنا من كان في قرى قوم لوط من قومه المؤمنين به {فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } أي: غير أهل بيت. يقال: بيت شريف ويراد به أهله، قيل: وهم أهل بيت لوط، والإسلام: الانقياد والاستسلام لأمر الله سبحانه، فكل مؤمن مسلم، ومن ذلك قوله: {أية : قَالَتِ ٱلأعْرَابُ ءامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا }تفسير : [الحجرات: 14] وقد أوضح الفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الإسلام والإيمان في الحديث في الصحيحين، وغيرهما الثابت من طرق أنه سئل عن الإسلام، فقال: «حديث : أن تشهد أن لا إلٰه إلاَّ الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان»تفسير : ، وسئل عن الإيمان، فقال: «حديث : أن تؤمن بالله، وملائكته وكتبه ورسله، والقدر خيره وشرّه»تفسير : ، فالمرجع في الفرق بينهما هو هذا الذي قاله الصادق المصدوق، ولا التفات إلى غيره مما قاله أهل العلم في رسم كل واحد منهما برسوم مضطربة مختلفة مختلة متناقضة، وأما ما في الكتاب العزيز من اختلاف مواضع استعمال الإسلام والإيمان، فذلك باعتبار المعاني اللغوية والاستعمالات العربية، والواجب تقديم الحقيقة الشرعية على اللغوية، والحقيقة الشرعية هي هذه التي أخبرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجاب سؤال السائل له عن ذلك بها {وَتَرَكْنَا فِيهَا ءايَةً لّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلْعَذَابَ ٱلألِيمَ } أي: وتركنا في تلك القرى علامة، ودلالة تدل على ما أصابهم من العذاب، كلّ من يخاف عذاب الله، ويخشاه من أهل ذلك الزمان ومن بعدهم، وهذه الآية هي آثار العذاب في تلك القرى، فإنها ظاهرة بينة، وقيل: هي الحجارة التي رجموا بها، وإنما خصّ الذين يخافون العذاب الأليم؛ لأنهم الذين يتعظون بالمواعظ، ويتفكرون في الآيات دون غيرهم ممن لا يخاف ذلك وهم المشركون المكذبون بالبعث، والوعد والوعيد. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {فِى صَرَّةٍ } قال: في صيحة {فَصَكَّتْ وَجْهَهَا } قال: لطمت. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } قال: لوط وابنتيه. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كانوا ثلاثة عشر.
الماوردي
تفسير : {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ} قال عثمان بن محسن: كانوا أربعة من الملائكة: جبريل وميكائيل وإسرافيل ورفائيل. وفي قوله {الْمُكْرَمِينَ} وجهان: أحدهما: أنهم عند الله المعظمون. الثاني: مكرمون لإكرام إبراهيم لهم حين خدمهم بنفسه، قاله مجاهد. قال عطاء: وكان إبراهيم إذا أراد أن يتغذى، أو يتعشى خرج الميل والميلين والثلاثة، فيطلب من يأكل معه. قال عكرمة: وكان إبراهيم يكنى أبا الضيفان، وكان لقصره أربعة أبواب لكي لا يفوته أحد. وسمي الضيف ضيفاً، لإضافته إليك وإنزاله عليك. {إِذْ دَخَلُواْ عَلَيهِ فَقَالُواْ سَلاَماً} فيه وجهان: أحدهما: قاله الأخفش، أي مسالمين غير محاربين لتسكن نفسه. الثاني: أنه دعا لهم بالسلامة، وهو قول الجمهور، لأن التحية بالسلام تقتضي السكون والأمان، قال الشاعر: شعر : أظلوم إن مصابكم رجلاً أهدى السلام تحية ظلم تفسير : فأجابهم إبراهيم عن سلامتهم بمثله: {قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مَنكَرُونَ} لأنه رآهم على غير صورة البشر وعلى غير صورة الملائكة الذين كان يعرفهم، فنكرهم وقال {قَوْمٌ مَنكَرُونَ} وفيه وجهان: أحدهما: أي قوم لا يعرفون. الثاني: أي قوم يخافون، يقال أنكرته إذا خفته، قال الشاعر: شعر : فأنكرتني وما كان الذي نكرت من الحوادث إلا الشيب والصلعا تفسير : {فَرَاغَ إِلى أَهْلِهِ} فيه وجهان: أحدهما: فعدل إلى أهله، قاله الزجاج. الثاني: أنه أخفى ميله إلى أهله. {فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ} أما العجل ففي تسميته بذلك وجهان: أحدهما: لأن بني إسرائيل عجلوا بعبادته. الثاني: لأنه عجل في اتباع أمه. قال قتادة: جاءهم بعجل لأن كان عامة مال إبراهيم البقر، واختاره لهم سميناً زيادة في إكرامهم، وجاء به مشوياً، وهو محذوف من الكلام لما فيه من الدليل عليه. فروى عون ابن أبي شداد أن جبريل مسح العجل بجناحه فقام يدرج، حتى لحق بأمه، وأم العجل في الدار. {فَقَرَّبَهُ إِلَيهِم قَالَ أَلاَ تَأَْكُلُونَ} لأنهم امتنعوا من الأكل لأن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون، فروى مكحول أنهم قالوا لا نأكله إلا بثمن، قال كلوا فإن له ثمناً، قالوا وما ثمنه؟ قال: إذا وضعتم أيديكم أن تقولوا: بسم الله، وإذا فرغتم أن تقولوا: الحمد لله، قالوا: بهذا اختارك الله يا إبراهيم. {فَأوْجَسَ مِنهُمْ خِيفَةً} لأنهم لم يأكلوا، خاف أن يكون مجيئهم إليه لشر يريدونه به. {قَالُواْ لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ} فيه قولان: أحدهما: أنه إسحاق من سارة، استشهاداً بقوله تعالى في آية أخرى {أية : وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ} تفسير : [الصافات:112]. الثاني: أنه إسماعيل من هاجر، قاله مجاهد. {عَلِيمٍ} أي يرزقه الله علماً إذا كبر. {فَأَقْبَلَتِ امْرَأتُهُ فِي صَرَّةٍ} فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: الرنة والتأوه، قاله قتادة، ومنه قول الشاعر: شعر : وشربة من شراب غير ذي نفس في صرة من تخوم الصيف وهاج تفسير : الثاني: أنها الصيحة، قاله ابن عباس ومجاهد، ومنه أخذ صرير الباب، ومنه قول امرىء القيس: شعر : فألحقه بالهاديات ودونه جواحرها في صرة لم تزيل تفسير : الثالث: أنها الجماعة، قاله ابن بحر، ومنه المصراة من الغنم لجمع اللبن في ضرعها. وسميت صرة الدراهم فيها، قال الشاعر: شعر : رب غلام قد صرى في فقرته ماء الشباب عنفوان سنبته تفسير : وأما قوله {فَصَكَّتْ وَجْهَهَا} ففيه قولان: أحدهما: معناه لطخت وجهها، قاله ابن عباس. الثاني: أنها ضربت جبينها تعجباً. {وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ} أي، أتلد عجوز عقيم؟ قاله مجاهد والسدي.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْمُكْرَمِينَ} عند الله تعالى، أو خدمهم إبراهيم بنفسه.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرٰهِيمَ...} الآية، قد تقدم قَصَصُهَا، و«عليم» أي: عالم، وهو إسحاق ـــ عليه السلام ـــ. * ت *: ولنذكر هنا شيئاً من الآثار في آداب الطعام، قال النوويُّ: روى ابن السُّنِّيِّ بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ يقول في الطعام إذا قُرِّبَ إلَيْهِ: «حديث : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيمَا رَزَقْتَنَا، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، بٱسْم اللَّهِ»تفسير : انتهى، وفي «صحيح مسلم» عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ ـــ قَالَ الشَّيْطَانُ: لاَ مَبِيتَ لَكُمْ، وَلاَ عَشَاءَ، وَإذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّه تَعَالَى عِنْدَ دُخُولِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ، وَإذَا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ أَدْرَكْتُمُ المَبِيتَ وَالْعَشَاءَ»تفسير : ، وفي «صحيح مسلم» عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أَلاَّ يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ»تفسير : الحديث، انتهى، والصَّرَّةُ: الصيحة؛ كذا فسره ابن عباس وجماعة، قال الطبريُّ عن بعضهم: قَالَتْ: «أَوَّهْ»؛ بِصِيَاحٍ وتَعَجُّبٍ؛ وقال النَّحَّاسُ: {فِى صَرَّةٍ} في جماعة نسوة. وقوله: {فَصَكَّتْ وَجْهَهَا}: معناه: ضربْت وَجْهَهَا؛ استهوالاً لما سمعت، وقال سفيان وغيره: ضَرَبَتْ بِكَفِّهَا جبهتها، وهذا مُسْتَعْمَلٌ في الناس حَتَّى الآن، وقولهم: {كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ} أي: كقولنا الذي أخبرناك. وقوله تعالى: {حِجَارَةً مِّن طِينٍ} بيانٌ يخرج عن مُعْتَادِ حجارة البرَد التي هي من ماء، ويُرْوَى أَنَّه طين طُبِخَ في نار جَهَنَّمَ حَتَّى صار حجارة كالآجر، و{مُّسَوَّمَةً} نعت لحجارة، ثم أخبر تعالى أَنَّه أخرج بأمره مَنْ كان في قرية «لوط» مِنَ المؤمنين، منجياً لهم، وأعاد الضمير على القرية، وإنْ لم يجرِ لها قبل ذلك ذكر؛ لشهرة أمرها، قال المفسرون: لاَ فَرْقَ بين تقدُّمِ ذكر المؤمنين وتأخُّرِهِ؛ وإِنَّمَا هما وصفانِ ذَكَرَهُمْ أَوَّلاً بأحدهما، ثم آخراً بالثَّاني، قيل: فالآية دالَّةٌ على أَنَّ الإيمان هو الإسلام، قال * ع *: ويظهر لي أَنَّ في المعنى زيادة تحسن التقديم للإيمان؛ وذلك أَنَّهُ ذكره مع الإخراج من القرية، كأَنَّهُ يقول: نفذ أمرنا بإخراج كُلِّ مؤمن، ولا يُشْتَرَطُ فيه أنْ يكون عاملاً بالطاعات؛ بلِ التصديق باللَّه فقط، ثم لما ذكر حال الموجودين ذكرهم بالصفة التي كانوا عليها، وهي الكاملةُ التصديق والأعمالِ، والبيتُ من المسلمين هو بيتُ لوط ـــ عليه السلام ـــ وكان هو وابنتاه، وفي كتاب الثعلبيِّ: وقيل: لوط وأهل بيته ثلاثةَ عَشَرَ، وهلكت امرأتُه فيمن هلك، وهذه القصة ذُكِرَتْ على جهة ضرب المثل لقريش، وتحذيراً أنْ يصيبهم مثلُ ما أصاب هؤلاء.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ} هذا تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - وتيسير له بالفرج، وسَمَّاهُمْ ضَيْفاً، لأنه حسبهم كذَلك، ويقع على الواحد والجمع، لأنه مصدر وسمَّاهم مُكْرَمين أي عند الله أو لأن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - أكرمهم بأن عَجَّل قِرَاهُم، وأجلسهم في أكرم المواضع واختار إبراهيم لكونه شيخ المرسلين، وكون النبي - عليه الصلاة والسلام - مأموراً بأن يتبع ملته، كما قال تعالى: {أية : ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} تفسير : [النحل: 123]. وقيل: سماهم مكرمين لأنهم كانوا ضيف إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - (وكان إبراهيم أَكرمَ الخليقة، وضيف الكرام مكرمون. وقال ابن أبي نُجَيْح - عن مجاهد -: لأن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - خدمهم بنفسه) وعن ابن عباس: سماهم مكرمين لأنهم جاءوا غير مَدْعُوِّينَ، وقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ ". تفسير : فإن قيل: إذا كان المراد من الآية التسلية والإنذار، فأي فائدة في حكاية الضيافة؟ فالجواب: ليكون ذلك إشارة إلى أنَّ الفرجَ في حق الأنبياء، والبلاء على الجهلة يأتي من حيث لم يحتسبوا، كقوله تعالى: {أية : فَأَتَاهُمُ ٱلْعَـذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} تفسير : [الزمر: 25]، فلم يكن عند إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - خبرٌ من إنزال العذاب مع ارتفاع منزلته وقد تقدم عددهم في سورة هود. قوله تعالى: {إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ} العامل في "إذْ" أَوْجُهٌ: أحدها: أنه "حديث" أي هل أتاك حديثهم الواقع في وقت دخولهم عليه. الثاني: أنه منصوب بما في "ضَيْف" من معنى الفعل، لأنه في الأصل مصدر، ولذلك استوى فيه الواحد المذكور وغيره، كأنه قيل: الَّذِينَ أَضَافَهُمْ في وقت دخولهم عليه. الثالث: أنه منصوب بالمكرمين إن أريد بإكرامهم أنَّ إبراهيم أكرمهم بخدمته لهم كأنه تعالى يقول: أُكْرِمُوا إذ دَخَلُوا. الرابع: أنه منصوب بإضمار "اذْكُرْ" ولا يجوز نصبه بـ "أَتَاكَ" لاختلاف الزَّمَانَيْنِ. وقرأ العامة المُكْرَمِينَ - بتخفيف الراء - من أَكْرَمَ، وعكرمة: بالتشديد. فإن قيل: أرسلوا بالعذاب بدليل قولهم: {إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ} [الذاريات: 32] فما الحكمة في مجيئهم إلى إبراهيم - عليه الصلاة والسلام -؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن إبراهيمَ - عليه الصلاة والسلام - شيخ المرسلين، ولوط من قومه، ومن عادة الملك إذا أرسل رسولاً لملك وفي طريقه من هو أكبر منه يقول له: اعبر على فلان الملك، وأخبره برسالتك وخذ فيها رأيه. الثاني: أن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - كان شديد الشفقة حليماً فكان يشق عليه إهلاك أمة عظيمة وكان ذلك مما يُحْزن إبراهيمَ - عليه الصلاة والسلام - شفقةً منه على العباد فقال (لهم) بَشّروه بغلامٍ يخرج من صلبه أضعاف من يَهْلَكُ، ويكون من صلبه خروج الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -. قوله: {فَقَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ} العامة على نصب "سلاماً" الأول، ورفع الثاني. فأما نصب الأول فالمشهور أن السلام التحية أي نُسَلِّم سلاماً. ويحتمل أن "سلاماً" معناه حَسَناً أي قالوا كلاماً حسناً؛ لأنه كلام سلم به المتكلم من أن يَلْغُو أو يأثم فكأنهم قالوا قولاً حسناً سَلِموا به من الإثم فيكون مفعولاً به لأنه في معنى القول، كما قيل في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} تفسير : [الفرقان: 63]، أو هو مفعول بفعل محذوف، أي نُبَلِّغُكَ سَلاَماً. ولم يقولوا من الله شفقة على قلب إبراهيم فأتوا به مجملاً، ثم فسروه بعْدَ ذلك. وأما رفع الثاني فالمشهور أنه التحية، فهو مبتدأ، وخبره محذوف أي عَلَيْكُمْ، ويحتمل أنه السلامة، أي أَمْرِي سَلاَمٌ لأني لا أعرفكم، أو قولُكُم سَلاَمٌ، أي ينبىء عن السلامة وأنتم قوم منكرون فَما خَطْبُكُمْ؟ وأما الفرق بين النصب والرفع، فإن حملنا السلام على التّحية، فإنه مُبتدأ مع أنه نكرة تنبيهاً على أصله، لأنه النصب، لأن المعنى أسَلِّمُ سلاماً و "عَلَيْكُمْ" لبيان المسلَّم عليه، لا حظَّ له في الإعراب. وأصل الكلام أسلم سلاماً، فالنصب أصل، فقدم على الرفع الذي هو فرع، وأيضاً فرد (إبراهيم) أبلع لأنه أتى بالجملة الاسمية الدالة على الثبات بخلاف الفعلية، فإنها تدل على التَّجدّد والحُدُوث، ولهذا يستقيم قولنا: الله موجود الآن، ولا يستقيم قولنا: اللَّهُ وجدَ الآن. وأما إن قلنا: معناه حَسَناً، أو ذا سلامة، فمعناه قلتم حسناً وأنتم مُنْكرون فالتبس الأمر عليَّ. وأما إن قلنا معناه المتاركة فمعناه سلَّمتم عليَّ، وأنا أمري متاركة لأني لا أعلم حالكم، ومنه: {أية : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} تفسير : [الفرقان: 63] وقال تعالى: {أية : فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ} تفسير : [الزخرف: 89] لأن سلامتهم عن الجاهلين لا يمنع التعرض لهم، بخلاف النبي - صلى الله عليه وسلم - فمعناه سلم أمري متاركة إلى أن يأتي أمر الله. وتقدم تحرير نظير هذه الآية في سورة هُود. وتقدم أيضاً خلاف القراء في سَلام بالنسبة إلى فتح سِينه وكسرِها، وإلى سكون لامه وفتحها. وقُرِئَا مرفُوعَيْن. وقرىء سلاماً قَالوا سِلْماً بكسر سين الثاني ونصبه، ولا يخفى توجيه ذلك بما تقدم في هود ودخلت الفاء ههنا إشارة إلى أنهم لم يخلوا بأدب الدخول، بل جعلوا السلام عَقِيبَ الدخول. قوله: "قَوْمٌ مُنْكَرُون" خبر مبتدأ مضمر، فَقدَّروه أنتم قَوْمٌ، ولم يَسْتَحْسِنْهُ بعضُهم؛ لأن فيه عدم أنس فمثله لا يقع من إبراهيم - عليه الصلاة والسلام -، فالأولى أن يقدر هَؤلاءِ قومٌ، أو هُمْ قَوْمٌ، وتكون مقالته هذه مع أهل بيته وخاصته، لا لنفس الملائكة لأن ذلك يوحشهم. وقال المفسرون: قوم منكرون أي غُرَبَاء ولا نعرفكم. قال ابن عباس - (رضي الله عنهما -) قال في نفسه: هؤلاء قوم لا نَعرفهم. وقيل: إنما أنكر أمرهم، لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان. وقال أبو العالية: أنكر سلامهم في ذلك الزمان وفي تلك الأرض. فإن قيل: قال في سورة هود: {أية : فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ} تفسير : [هود: 70] فدل على أن إنكاره حصل بعد تقريب العِجْل إليهم وههنا قال: {فَقَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ}، ثم قال: {فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ} بفاء التعقيب، وذلك يدل على تقريب الطعام منهم بعد حصول إنْكَارِهِ فما وجهه؟ فالجواب: أن يقال: لعلهم كانوا مخالفين لِصفة الناس في الشكل والهيئة، ولذلك قال: "قوم منكرون"، (أي) عند كل أحد (منا)، ثم لمّا امتنعوا عن الطعام تأكد الإنكار، لأن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - تَفَرَّد بمشاهدة إمساكهم فنَكِرَهُمْ فوق الإنكار الأول. وحكاية الحال في سورة "هود" أبْسَطُ مما ذكره ههنا، فإن هَهنا لم يبين المُبَشَّر به، وهناك ذكره باسمه وهو إسحاق وههنا لم يقل إن القوم قوم مَنْ، وهناك قال: قَوْم لوطٍ. فصل ذكر ههنا من آداب الضيافة تسليمَ المُضِيفِ على الضَّيف، ولقاءَه بالوجه الحسن، والمبالغةَ في الإكرام بقوله: "سلام"، وهو آكد، وسلامهم بالمصدر، وفي قوله: سلام بالرفع زيادة على ذلك ولم يقل سلامٌ عليكم؛ لأن الامتناع من الطعام يدل على أن العداوة لا تليق بالأنبياء فقال: سلام أي أمري مُسَالمة، ثم فيها من أدب الضيف تعجيل الضيافة، فإن الفاء في قوله: "فَرَاغ" يدل على التعقيب وإخفائها لأن الرَّوَغَانَ يقتضي الإخفاء وغيبة المُضِيفِ عن الضَّيْف ليستريح، ويأتي بما يمنعه الحياء منه، ويخدم الضيف بنفسه ويختار الأجود لقوله: "سَمِينٍ" ويُقَدِّم الطعام للضيف في مكانه لا ينقل الضيف للطعام لقوله: "فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ" ويَعْرض الأكل عليه لا يأمره لقوله: "أَلاَ تَأكُلُونَ" ولم يقل: كُلُوا. وسروره بأكله كما يوجد في بعض البخلاء الذين يحضرون طعاماً كثيراً، ويجعل نظره ونظر أهل بيته إلى الطعام حتى يمسك الضيف يده عنه، لقوله: {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} بعدم أكلهم. ومن آداب الضيف إذا حضره الطعام ولم يكن يصلح له لكونه مضراً به، أو يكون ضَعِيفَ القوة عن هضم ذلك الطعام فلا يقول: هذا طعام غليظ لا يصلح لي بلْ يأتي بعبارة حسنة، ويقول: بي مانع من أكل الطعام، لأنهم أجابوه بقولهم: لا تخف، ولم يذكروا في الطعام شيئاً، ولا أنه يضّر بهم بل بشروه بالولد إشعاراً بأنهم ملائكة، وبشروه بالأشرف وهو الذكر حيث فهموه أنهم ليسوا ممن يأكلون. ثم وصفوه بالعلم دون المال والجمال، لأن العلم أشرف الصفات ثم أدب آخر في البشارة وهو أن لا يخبر الإنسان بما يسرّهُ دَفْعةً واحدة، لأنه يورث رِضَاهُم، لأنهم جلسوا، واستأنس بهم إبراهيم، ثم قالوا: نُبَشِّركُ. وتقدم الكلام على فائدة تقديم البشارة. قوله: "فَرَاغَ" أي عدل ومال "إلى أَهْلِهِ"، وقوله: "فَجَاءَ" عطف على "فَرَاغَ" وتسببه عنه واضح "بِعِجْلٍ سَمِينٍ" أي مشويّ كقوله في مكان آخر: {أية : بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} تفسير : [هود: 69]. "فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ" ليأكلوا، فلم يأكلوا قَالَ أَلاَ تَأكُلُون والهمزة في "أَلاَ تَأكُلُونَ" للإنكار عليهم في عدم أكلهم، أو للعرض، أو للتحضيض. {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلَيمٍ}. قوله تعالى: {فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ} قيل: لم يكن ذلك إقبالاً من مكان إلى مكان، وإنما هو كقول القائل: أقبل يَشْتُمُنِي بمعنى أخذ في شَتْمِي، أي أخذت تُوَلْوِلُ، لقوله: {أية : قَالَتْ يَٰوَيْلَتَىٰ} تفسير : [هود: 72]، وذلك أنها كانت مع زوجها في خدمتهم، فلما تكلموا مع زوجها بولادتها استحت وأعرضت عنهم، فذكر الله تعالى ذلك بلفظ الإقبال على الأهل، ولم يقل بلفظ الإدبار عن الملائكة. قوله: "فِي صَرَّةٍ" يجوز أن يكون حالاً من الفاعل أي كائنةً في صَرَّة. والصَّرة قيل: الصيحة، قال امرؤ القيس: شعر : 4527- فَأَلْحَقْنَا بِالْهَادِيَاتِ وَدُونَهُ جَوَاحِرُهَا فِي صَرَّةٍ لَمْ تَزَيَّلِ تفسير : قال الزمخشري: من صَرَّ الجُنْدُبُ والبابُ والقلمُ، أي فصاحت كما جرت عادة النساء إذا سمعن شيئاً من أحوالهن يَصِحْنَ صيحةً معتادة لهن عند الاستحياء أو التعجب. ويحتمل أن يقال: تلك الصيحة كانت بقولها: يَا وَيْلَتَا، ومحلّها النصب على الحال أي فجاءت صارةً. ويجوز أن يتعلق بـ "أَقْبَلَتْ" أي أقبلت في جماعة نسوةٍ كُنَّ معها، والصَّرة الجماعة من النساء. قوله: "فَصَكَّتْ وَجْهَهَا" قال ابن عباس - (رضي الله عنهما) -: فلطمت وَجْهَهَا. واختلف في صفته فقيل: هو الضرب باليد مبسوطةً. وقيل: بل ضرب الوجه بأطرافِ الأصابع فعل المتعجِّب، وهو عادة النساء إذا أنكرنَ شيئاً. وأصل الصكّ ضرب الشيء بالشيء العَريض. قوله: "عَجُوزٌ" خبر مبتدأ مضمر أي أنا عجوزٌ عقيمٌ فكيف ألد؟ وتفسرها الآية الأخرى، فاستبعدت ذلك ظنًّا منها أن ذلك منهم على سبيل الدعاء، فكأنها قالت: يا ليتكم دعوتم دعاء قريباً من الإجابة، فأجابوها بأن ذلك من الله تعالى، وأن هذا ليس بدعاء، وإنما هو قول الله {كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ} ثم دفعوا استبعادها بقولهم: {إِنَّهُ هُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ}. قوله: "كَذَلِك" منصوب على المصدر بـ "قَالَ" الثانية أي مثلُ ذلك القول الذي أخبرناكِ به قال ربُّك، أي إنه من جهة الله فلا تعجبي منه. قال ابن الخطيب: وقال ههنا: الحكيم العليم وفي سورة (هود): إنَّهُ حَمِيدٌ مجيدٌ؛ لأن الحكاية في هود أبسطُ فذكروا ما يدفع استبعادها بقولهم: {أية : أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [هود: 73]، ثم أرشدوها إلى القيام بشكر نعم الله بقولهم: "حَمِيدٌ" فإن الحميد هو الذي يفعل الأفعال الحسنة، والمجيد إشارة إلى أنه لا يحمد لفعله وإنما يحمد لذاته. وههنا لما لم يقولوا: أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله أَشَارُوا إلى ما يدفع تعجبها بقولهم: "حكيم عليم". فالحميد يتعلق بالفعل، والمجيد يتعلق بالذات، وكذلك الحكيم هو الذي فعله قاصداً إليه، فإن من يتقلب في النوم على حية فماتت لا يعد حكيماً، وأما إذا قصد قتلها بحيث يسلم من نهشها، يقال: إنه حكيم والعليم صفة راجعة إلى الذات، فقدم وصف الفعل وارتقى درجة إلى وصف الذات إشارة إلى أنه يستحق الحمد وإن لم يفعل فعلاً. قوله تعالى: {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ} هذا أيضاً من آداب المُضِيف، إذا بادر الضيف إلى الخروج قال له: ما هذه العَجَلَةُ؟ وما شَأنُك؟ لأن في سُكُوته ما يوهم باسْتِثْقَالهم ثم إنّهم أتوا بما هو من أدب الصديق الذي لا يسر عن الصديق شيئاً، وكان ذلك بإذن الله لهم في إطلاع إبراهيم على إهلاكهم وجبر قلبه بتقديم البشارة بأبي الأنبياء إسحاق - عليه الصلاة والسلام -. فإن قيل: فما الذي اقتضى ذكره بالفاء ولِمَ لا قال: مَا هَذَا الاستعجال؟ ومَا خَطْبكُم المعجل لكم؟ فالجواب: أنه لما أوجسَ منهم خيفةً أو خرجوا من غير بشارة وإيناس ما كان يقول شيئاً فلما أَنِسُوه قال: ما خَطْبُكُم أي بعد هذا الأُنس العظيم ما هذا الإيحاش الأليم! فصل والخَطْب يُسْتَعْمل في الأمر العظيم، ولذلك قال: فَمَا خَطْبُكُم أي لعظمتكم لا ترسلون إلاَّ في أمر عظيم، ولو قال بلفظ مركب بأن يقول: ما شُغْلكم الخَطِيرُ وأمركم العظيم للزم التطويل فالخَطْبُ أفاد التعظيم مع الإيجاز وعرف أنهم مرسلون بقولهم: "إِنَّا أُرْسِلْنَا" أو بقولهم لامرأته: {كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ} لحكايتهم قول الله تعالى. وقالوا في سورة هود: {أية : إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ} تفسير : [هود: 70] وقالوا هنا: {إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ}، لأن الحكاية عن معنى قولهم. ويحتمل أنهم قالوا الأمرين ولما حكى لفظهم في السلام أتى في الموضعين بصفة واحدة. والمُجْرم قال ابن عباس - ( رضي الله عنهما -): هو المشرك، لأن الشرك أسرف الذنوب وأعظمها. قال ابن الخطيب: المُجْرم هو الآتي بالذنب العظيم، لأن المجرم فيه دلالة على العظيم ومنه جُرْم الشيء لِعظَمِهِ ومقْدَاره. قوله: {لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ} فيه دليل على رَجْم اللائط. والفائدة في إرسال جماعة من الملائكة لهذا الأمر وإن كان يكفي فيه الواحد منهم، أنَّ الملك العظيم قد يهلك بالأمر الحقير كما هلك النُّمْرُود بالبَعُوض، وكما أُهْلِكَ بالقُمَّل والجَرَاد بل بالرِّيح التي بها الحياة إظهاراً للقدرة، وقد تكثر الأسباب كما في يوم بدر أُمِرَ خمسة آلاف من الملائكة بإهلاك أهل بدر مع قلتهم إظهاراً لعظيم قدرته. وقوله: "مِنْ طِينٍ" أي ليست من البَرَدِ والفاعلُ لذلك هُو اللَّهُ تعالى لا كما يقول الحكماء فإنهم يقولون: إن البَرَد يسمى حجارة فقوله: "مِنْ طِينٍ" يدفع ذلك التَّوَهُّمَ. قال ابن الخطيب: إن بعض من يَدَّعي العَقل (يقول): لا ينزل من السماء إلا حجارة من طين مدوَّرات على هيئة البَرد وهيئة البَنَادِق التي يتخذها الرماة، قالوا: وسبب ذلك أن الإعصار يصعد الغُبَار من الفلَوَاتِ العظيمة التي لا عِمَارَةَ فيها والرياح تسوقها إلى بعض البلاد ويتفق (وصول) ذلك إلى هواء نَدِيّ فيصير طيناً رَطْباً، والرطب إذا نزل وتفرق استدار بدليل أنك إذا رميت الماء إلى فوق ثم نظرت إليه رأيته ينزل كراتٍ مُدَوَّرَاتٍ كاللآلىءِ الكِبَار ثم في النزول إذا اتفق أن تضربه النيران التي في الجو جعلته حجارة كالآجُرّ المطبوخ فينزل فيصيب من قدر الله هلاكه وقد ينزل كثيراً في المواضع التي لا عِمارة بها، فلا يُرى ولا يُدْرَى به فلهذا قال: "مِنْ طينٍ" لأ (نَّ) ما لا يكون من طين كالحجر الذي في الصواعق لا يكون كثيراً بحيث يمطر، وهذا تعسُّف، لأن ذلك الإعصار لما وقع فإن وقع بحادث آخر لزم التسلسل، ولا بدّ من الانتهاء إلى محدِث ليس بحادث فذلك المحدث لا بدّ وأن يكون فاعلاً مختاراً، والمختار له أن يفعل وله أن يَخْلُق الحِجَارة من طين على وجه آخر من غير نارٍ ولا غبارٍ، لكن العَقل لا طريق له إلى الجزم بطريق إحداثه وما لا يصل العقل إليه فلا يؤخذ إلا بالنقل والنص ومن المعلوم أن نُزُول حجارة من الطين من السماء أغرب وأعجب من غيرها. قوله: "مُسَوَّمَةً" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه منصوب على النَّعت لحِجَارةٍ. الثاني: أنه حال من الضمير المستكنِّ في الجارِّ قبله. الثالث: أنه حال من "حجارة"، وحسَّنَ ذلك كونُ النكرة وُصِفَتْ بالجارِّ بعدها. ومعنى مسومة قيل: على كل حجر منها اسم صاحبه. وقيل: خلقت وأعدت لتعذيبهم. وقيل: مُرْسَلَة للمجرمين؛ لأن الإرسال يقال في التسويم، يقال أرسلها لِتَرْعَى، كما قيل في الخيل المُسَوَّمَةِ أي مستغنى عنها. قوله: "عِندَ رَبِّكَ" ظرف "لمُسومَةٍ" أي معلَّمة عنده "والمُسْرِفُ" المتمادي ولو في الصغائر فهم مجرمُون مُسْرفُونَ. وهنا لطيفة وهي أن الحجارة سُوِّمَتْ للمسرف المُصِرّ الذي لا يترك الذنب في المستقبل وذلك إنما يعلمه الله تعالى، فلذلك قال: {عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ} ولما كان الإجرام ظاهراً قالوا: {إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ} واللام في "المسرفين" لتعريف العهد، أي لِهؤلاء المسرفين؛ إذ ليس لكل مسرف حجارة مسوَّمة. وإسرافهم بأنهم أتوا بما لم يَسْبِقْهم به أحدٌ من العَالَمِين. قوله: {فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} هذه الآية تدل على بيان القدرة والاختيار، لأنه تعالى لما ميز المجرمَ عن المحسن يدل على الاختيار وأيضاً فيها بيان أن بِبَركَة المحسن ينجو المسيء، فإن القرية ما دام فيها المؤمنون لم تَهْلَكْ. والضمير في "فِيهَا" عائد على القرية وهي معلومة وإن لم تكن مذكورة. والمعنى: فأَخَرجْنا من كان في قُرَى قومِ لوط من المؤمنين، وذلك قوله: {أية : فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱللَّيْلِ} تفسير : [الحجر: 65]. وقوله: {فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} يعني لوطاً وابنتيه وصفهم الله تعالى بالإيمان والإسلام جميعاً، لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم، وفيه إشارة إلى أن الكفر إذا غلب، والفِسْقَ إذا فَشَا لا ينفع معه عبادة المؤمنين، بخلاف ما لو كان أكثر الخلق على الطريقة المستقيمة، وفيهم شِرْذِمَةٌ يسيرة يسرقون ويزنون، ومثاله أن العالم كالبَدَن، ووجود الصالحين كالأغذية الباردة والحارة والسموم الواردة عليه الضارة ثم إن البدن إن خلا عن المنافع وفيه الضارّ هلك وإن خلا عن الضار وفيه النافع طاب ونما، وإن وُجِدَا فيه فالحكم للغالب. وإذا علم أن إطلاق العَامّ على الخَاصِّ لا مانع منه، لأن المسلم أعمّ من المؤمن فإذا سمي المؤمن مسلماً، لا يدل على اتحاد مفهوميهما فكأنه تعالى قال: أخرجنا المؤمنين، فما وجدنا الأعمَّ منهم إلا بَيْتاً من المسلمين، ويلزم من هذا أن لا يكون هناك غيرهم من المؤمنين. قوله: {وَتَرَكْنَا فِيهَآ آيَةً} يجوز أن يعود الضمير على القَرْية، أي تركنا في القرية علامةً أي عِبرة كالحجارة أو الماء المنتن ويجوز أن يعود على الإهلاكة المفهومة من السِّياق. وقوله: "لِلَّذِينَ يَخَافُونَ" أي ما ينتفع بها إلا الخائف، كقوله تعالى في سورة العنكبوت: {أية : لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} تفسير : [العنكبوت: 35] ومعنى الآية: أن "الآية" تدلهم على أن الله تعالى أهلكهم فيخافون مثل عذابهم.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ}[24] قال: سماهم مكرمين لأنه خدمهم بنفسه، وكان منذ سبعة أيام لم يطعم شيئاً، ينتظر ضيفاً، فلما أرسل الله تعالى ملائكته إليه استبشر بهم وخدمهم بنفسه ولم يطعم معهم، وهي علامة الخلة المؤكدة أن يطعم ولا يطعم، ويشفي الغير من ألم ويسقم.
السلمي
تفسير : قال ابن عطاء: ضيف الكرام لا يكون إلا كريماً فلما نزلوا بإبراهيم عليه السلام وكان سيد الكرام سماهم المكرمين. وقال جعفر: مكرمين حيث أنزلهم بأكرم الخليقة وأطهرهم وأشرفهم نفسًا وأعلاهم همة وهو الخليل صلى الله عليه وسلم. قال أبو يعقوب السوسى: ما تكلف لهم ولا اعتذر إليهم وهذا من أخلاق الكرام. وقال بعضهم: استبشرهم لما رآهم كما قيل من إكرام الضيف طلاقة الوجه.
القشيري
تفسير : قيل في التفاسير: لم يكن قد أتاه خبرُهم قبل نزول هذه الآية. وقيل: كان عددُهم اثني عشر مَلَكاً. وقيل: جبريل وكان معه سبعة. وقيل: كانوا ثلاثة. وقوله: {ٱلْمُكْرَمِينَ} قيل لقيامه - عليه السلام - بخدمتهم. وقيل: أكرم الضيفَ بطلاقة وجهه، والاستبشار بوفودهم. وقيل: لم يتكلَّف إِبراهيمُ لهم، وما اعتذر إليهم - وهذا هو إكرام الضيف - حتى لا تكون من المضيف عليه مِنَّةٌ فيحتاج الضيف إلى تحملها. ويقال: سمّاهم مكرمين لأن غير المدعوِّ عند الكرام كريم. ويقال: ضيفُ الكرام لا يكون إلا كريماً. ويقال: المكرمين عند الله.
البقلي
تفسير : اى المكرمين فى الازل باصطفائيتهم وقربتهم من الله سبحانه وانهم ملبوسون لباس نور الحضرة وانهم سفرة الله اكرمهم بانه جعلهم سفراء بينه وبين الانبياء والمرسلين فبكرامة الخليل والحبيب عليهما الصلاة والسلام اكرمهم الله ولما رأهم الجليل على هيبة الملكوت استبشر برويتهم فيما استنشق منهم رايحة القربة واكرمهم بكرامة الله اياهم فصاروا مكرمين من جهة الحبيب والخليل عليهما الصلاة والسلام قال ابن عطا ضعيف الكرام لا يكون الا كريما فلما نزلوا بابراهيم الخليل وكان سيد الكرام سماهم الله مكرمين قال جعفر مكرمين حيث انزلهم اكرم الخليقة واظهرهم فتوة واشرفهم نفسا واعلاهم همة الخليل صلوات الله وسلامه عليه وقال يعقوب السوسى ما تكلف لهم ولا اعتذر اليهم هذا من أخلاق الكرام.
اسماعيل حقي
تفسير : {هل اتاك حديث ضيف ابرهيم} تفخيم لشأن الحديث لانه استفهام معناه التعجب والتشويق الى استماعه ومثله لايكون الا فيما فيه فخامة وعظيم شأن وتنبيه على انه ليس مما علمه رسول الله عليه السلام بغير طريق الوحى اذ هو امى لم يمارس الخط وقرآءته ولم يصاحب اصحاب التواريخ ففيه اثبات نبوته قال ابن الشيخ الاستفهام للتقرير اى قد اتاك وقيل ان لم يأتك نحن نخبرك والضيف فى الاصل مصدر ضافه اذا نزل به ضيفا ولذلك يطلق على الواحد والجماعة كالزور والصوم وقد يجمع فيقال اضياف وضيوف وضيفان قال الراغب اصل الضيف الميل يقل ضفت الى كذا واضفت كذا الى كذا والضيف من مال اليك نزولا بك وصارت الضيافة متعارفة فى القرى كانوا اثنى عشر ملكا منهم جبرآئيل وميكائيل وزقائيل وتسميتهم ضيفا لانهم كانوا فى صورة الضيف حيث اضافهم ابراهيم اولانهم كانوا فى حسبانه كذلك {المكرمين} صفة للضيف اى المكرمين عند الله بالعصمة والتأييد والاصطفاء والقربة والسفارة بين الانبياء كما قال {أية : بل عباد مكرمون}تفسير : او عند ابراهيم بالخدمة حيث خدمهم بنفسه وبزوجته وايضا بطلاقة الوجه وتعجيل الطعام وبأنهم ضيف كريم لان ابراهيم اكرم الخليقة وضيف الكريم لايكون الا كريما وفى الحديث "حديث : من آمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه"تفسير : قيل اكرامه تلقيه بطلاقة الوجه وتعجيل قراه والقيام بنفسه فى خدمته وقد جاء فى الرواية ان الله تعالى اوحى الى ابراهيم عليه السلام اكرم اضيافك فأعد لكل منهم شاة مشوية فأوحى اليه اكرم فجعله ثورا فأوحى اليه اكرم فجعله جملا فأوحى اليه اكرم فتحير فيه فعلم ان اكرام الضيف ليس فى كثرة الطعام فخدمهم بنفسه فأوحى اليه الآن اكرمت الضيف وقال بعض الحكماء لاعار للرجل ولو كان سلطانا ان يخدم ضيفه واباه ومعلمه ولا تعتبر الخدمة بالاطعام (قال الشيخ سعدى) شعر : شنيدم كه مرديست باكيزه بوم شناسا ورهرو در اقصاى روم من وجند سالوك صحرا نورد برفتيم قاصد بديدار مرد سروجشم هريك ببوسيد ودست بتمكين وعزت نشاند ونشست زرش ديدم وزرع وشاكردورخت ولى بى مروت جوبى بردرخت بخلق ولطف كرم رومرد بود ولى ديكدانش قوى سرد بود همه شب نبودش قرار وهجوع زتسبيح وتهليل ومار از جوع سحر كه ميان بست ودرباز كرد همان لطف دوشينه آغاز كرد يكى بدكه شيرين وخوش طبع بود كه باما مسافر دران ربع بود مرا بوسه كفته بتصحيف ده كه درويش را توشه ازبوسه به بخدمت منه دست بر كفش من مرا نان ده وكفش بر سربزن
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {هل أتاك حديثُ ضَيف إِبراهيمَ} استفتح بالاستفهام التشويقي، تفخيماً لشأن الحديث، وتنبيهاً على أنه ليس مما عَلِمَه رسولُ الله صلى الله علي وسلم بغير طريق الوحي. والضيف في الأصل: مصدر: كالزوْر، والصوع، يصدق الواحد والجماعة، قيل: كانوا اثني عشر مَلَكاً، وقيل: تسعة عاشرهم جبريل. وجعلهم ضيفاً لأنهم في صورة الضيف، حيث أضافهم إبراهيم، أو لأنهم كانوا في حسبانه كذلك. قوله {المُكْرَمين} أي: عند الله، لأنهم عباد مكرمون، أو عند إبراهيم، حيث خدمهم بنفسه، وأخدمهم امرأته، لهم القِرَى. {إِذا دخلوا عليه} ظرف للحديث، أو لِمَا في الضيف من معنى الفعل، أو بالمكَرمين، إن فسر بإكرام إبراهيم لهم، {فقالوا سلاماً} أي: نُسلِّم عليك سلاماً، {قال} إبراهيم: {سلامٌ} أي: عليكم سلام. عدل به إلى الرفع بالابتداء للقصد إلى الثبوت والدوام حتى تكون تحيته عليه السلام أحسن من تحيتهم، وهذا أيضاً من إكرامه، {قومٌ مُنكَرُون} أي: أنتم قوم مُنكَرون، لا نعرفكم، فعرّفوني مَن أنتم. قيل: إنما أنكرهم لأنهم ليسوا ممن عهدهم مِن الناس، أو: لأن أوضاعهم وأشكالهم خلاف ما عليه الناس، وقيل: إنما قال ذلك سِرّاً ولم يخاطبهم به، وإلا لعرّفوه بأنفسهم. {فَرَاغَ إِلى أهله} أي: ذهب إليهم في خِفيةٍ من ضيوفه، فالروغان: الذهاب بسرعة، وقيل: في خفية. ومن آداب المضيف أن يبادر الضيف: بالقِرَى، وأن يخفى أمره من غير أن يشعر به الضيف، حذراً من أن يكفّه، وكان عامة مال إبراهيم البقر. {فجاء بعِجْلٍ سمينٍ} الفاء فصيحة تُفصح عن جُملٍ حّذفت لدلالة الحال عليها، وإيذاناً بكمال سرعة المجيء، أي: فذبح عجلاً فَحَنَذَه، فجاء به، {فقرَّبه إِليهم} بأن وضعه بين أيديهم حسبما هو المعتاد، فلم يأكلوا، فـ {قال ألا تأكلونَ} أنكر عليهم ترك الأكل، أو: حثَّهم عليه، {فَأَوْجسَ} أضمر {منهم خيفةَ} خوفاً، لتوهُّم أنها جاؤوا للشر؛ لأن مَن لم يأكل طعامك لم يحفظ ذمِامك. عن ابن عباس رضي الله عنه: وقع في نفسه أنهم ملائكة أُرسلوا للعذاب. {قالوا لا تَخَفْ} إنَّا رُسل الله. قيل: مسح جبريل العِجْل بجناحه فقام يدرج حتى لحق بأمه، فعرفهم وأمِن منهم، {وبشَّروه بغلام عليم} أي: يبلغ ويكون علماً، وهو إسحاق عليه السلام. {فأقبلت امرأتُه} سارة لمَّا سمعت بشارتهم إلى بيتها، وكانت في زاوية منه تنظر إليهم، {في صَرَّةٍ} صيحة، من الصرير، وهو الصوت، ومنه: صرير الباب وصرير الأقلام. قال الزجَّاج: الصرّة: شدّة الصياح. وفي القاموس الصرّة: - بالكسر: أشد الصياح، وبالفتح: الشدة من الكرب والحرن والحر والعطفة والجماعة وتغضيب الوجه. هـ. ومحله النصب على الحال، أي فجاءت صارة، وقيل: صرتها: قولها:{أية : يَا وَيْلَتَى ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ...}تفسير : [هود: 72] أو: فجاءت مغضّبة الوجه، كما هو شأن مَن يُخبر بشيء غريب، استبعاداً له، {فصَكَّتْ وجهها} لطمته ببسط يدها، وقيل: ضربت بأطراف أصابعها جبهتها، فعل المتعجِّب، {وقالت عجوزٌ عقيم} أي: إنها عجوز عاقر، فكيف ألد؟!. {قالوا كذلك} أي: مثل ما قلنا وأخبرناك به {قال ربك} أي: إنما نُخبرك الله تعالى، والله قادر على ما يُستعبد، {إِنه هو الحكيمُ} في فعله، {العليمُ} فلا يخفى عليه شيء، فيكون قوله حقاً، وفعله متقناً لا محالة. رُوي أن جبريل عليه السلام قال لها حين استبعدت: انظري إلى بيتك، فنظرت، فإذا جُذوعُهُ مورقة مثمرة، ولم تكن هذه المفاوضة مع سارة فقط، بل هي وإبراهيمُ عليه السلام حاضر، حسبنا شُرح في سورة الحجر، وإنما لم يذكرها اكتفاء بما ذكر هناك، كما أنه لم يذكر هناك سارة، اكتفاء بما ذكر هنا وفي سورة هود. ولمّا تحقق أنهم ملائكة، ولم ينزلوا إلا لأمر، {قال فما خطبكم} أي: فما شأنكم وما طِلبتكم وفيمَ أُرسلتم؟ {أيها المرسَلون} هل أُرسلتم بالبشارة خاصة، أو لأمر آخر، أو لهما؟ { قالوا إِنا أُرسلنا إِلى قوم مجرمين} أي: قوم لوط، {لِنُرسل عليهم حجارةٌ من طين} أي: طين متحجر، هو السجّيل، وهو طينٌ طُبخ، كما يُطبخ الآجر، حتى صار في صلابة الحجارة، {مسوَّمة} مُعلَّمةً، على كلِّ واحد اسم مَن يهلك بها، من السّومة وهي العلامة، أو: مرسلة، من أسمت الماشية: أرسلتها، ومر تفصيله في هود {عند ربك} أي: في مُلكه وسلطانه {للمسرفين} المجاوزين الحدّ في الفجوز. {فأخْرجنا مَن كان فيها} الفاء فصيحة، مُفصحة، عن جُمل قد حُذفت، ثقةً بذكرها في مواضع أُخر، كأنه قيل: فباشروا ما أُمروا به، فذهبوا إلى لوط، وكان مِن قصتهم ما ذكر في موضع آخر، {فأخرجنا مَنْ كان فيها} أي: مِن قرى قوم لوط {من المؤمنين} يعني لوطاً ومَن آمن معه. قيل: كان لوط وأهل بيته الذين نجو ثلاثةَ عشر. {فما وجدنا فيها غيرَ بيتٍ} أي: غير أهل بيت {من المسلمين} وفيه دليل على أن الإسلام والإيمان واحد، أي: باعتبار الشرع، وأما في اللغة فمختلف، والإسلام محله الظاهر، والإيمان محله الباطن. {وتركنا فيها} أي: في قُراهم {آيةَ للذين يخافون العذابَ الأليم} أي: مِن شأنهم أن يخافوا؛ لسلامة فطرتهم، ورقة قلوبهم، وأما مَن عداهم من ذوي القلوب القاسية، فإنهم لا يعتبرون بها، ولا يعدونها آية. الإشارة: الإشارة بإبراهيم إلى القلب، وأضيافه: تجليات الحق، فنقول حينئذ: هل بلغك حديث إبراهيم القلب، حين يدخل عليه أنوار التجليات، مُسلِّمة عليه، فيُنكرها أول مرة، حيث لم يألف إلا رؤية حس الكائنات، فرغ إلى أهله: عوالمه، فجاء بعِجْل سمينٍ: النفس أو السِّوى، فقربّه إليهم، بذلاً لها في مرضاة الله، فقال: ألا تأكلون منها، لتذهب عني شوكتها؛ إذ لا تثبت أنوار الشهود إلا بعد محق النفس وموتها، فأوجس منهم خيفة؛ لان صدمات التجلي تدهش الألباب، إلا مَن ثبته الله، قالوا: لا تخف، أي: لا تكن خوَّافاً، إذ لا ينال هذا السر إلا الشجعان، كما قال الجيلاني: شعر : وإِيَّاكَ حَزْماً لا يَهُولُكَ أَمْرُها فَمَا نَالَهَا إلا الشُّجَاعُ المُقَارعُ تفسير : {وبشَّروه بغلامٍ عليم} وهو نتيجة المعرفة، من اليقين الكبير، والطمأنينة العظمى، فأقبلت النفس تصيح، وتقول: أألد هذا الغلام، من هذا القلب، وقد كبر على ضعف اليقين، وأنا عجوز، شِخْتُ في العوائد، عقيم من علوم الأسرار؟! فتقول القدرة: {كذلك قال ربك} هو عليَّ هيِّن، أتعجيبن من قدرة الله، "مَن استغرب أن يُنقذه الله من شهوته، وأن يُخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز القدرة الإلهية، وكان الله على كل شيء مقتدراً" إنه هو الحكيم في ترتيب الفتح على كسب المجاهدة، العليم بوقت الفتح، وبمَن يستحقه. قال إبراهيم القلب أو الروح: فما خطبكم أيها الجليات، أو الواردات الإلهية، {قالوا إنا أُرسلنا إلى قوم مجرمين} وهم جند النفس، {لنُرسل عليهم حجارة من طين} مسومةً عند ربك للمسرفين، وهم الأذكار والأوراد والمجاهدات والرياضات والمعاملات المهلِكة للنفس وأوصافها، {فأخرجنا مَن كان فيها من المؤمنين}، سالمين من الهلاك، وهو ما كان لها من الأوصاف الحميدة، والعلوم الرسمية، إذا لا تُخرِج المجاهدة إلا مَن كان مذموماً، فما وجدنا فيها من ذلك إلا النذر القليل؛ إذ معاملة النفس جُلها مدخولة، وتركنا فيها آيةً من تزكية النفس، وتهذيب أخلاقها، {للذين يخافون العذاب الأليم}، فيشتغلون بتزكيتها؛ لئلا يلحقهم ذلك العذاب. ثم ذكر آيات أخرى في بقية الأمم، فقال: {وَفِي مُوسَىٰ إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ}.
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله {هل أتاك} يا محمد {حديث ضيف إبراهيم المكرمين} قال الحسن: يعني المكرمين عند الله. وقيل: اكرمهم إبراهيم برفع مجالسهم في الاكرام والاعظام الذي يسر بالاحسان. والاجلال هو الاعظام بالاحسان، وكذلك يلزم اعظام الله وإجلاله في جميع صفاته، ولا يجوز مثل ذلك في الاكرام، ولكن الله يكرم أنبياءه والمؤمنين على طاعتهم. وقوله {إذ دخلوا عليه} يعني حين دخلوا على إبراهيم {فقالوا} له {سلاماً} على وجه التحية له أي اسلم سلاماً {فقال} لهم جواباً عن ذلك {سلام} وقرىء سلم، فلما ارتاب عليه السلام بهم قال {قوم منكرون} أى انتم قوم منكرون، والانكار بنفي صحة الأمن ونقيضه الاقرار، ومثله الاعتراف. وإنما قال: منكرون، لأنه لم يكن يعرف مثلهم في أضيافه، وسماهم الله أضيافياً، لأنهم جاؤه فى صفة الاضياف وعلى وجه مجيئهم. ومعنى (سلاماً) أي اسلم سلاماً، وقوله {قال سلام} أي سلام لنا. وقوله {فراغ إلى أهله} أي ذهب اليهم خفياً، فالروغ الذهاب فى خفى، راغ يروغ روغاً وروغاناً، وراوغه مراوغة ورواغاً، وأراغه على كذا إذا أراده عليه فى خفى أنفاً من رده. وقوله {فجاء بعجل سمين} فالعجل واحد البقر الصغير مأخوذ من تعجيل أمره بقرب ميلاده، وسمي عجولا وجمعه عجاجيل. وقال قتادة: كان عامة مال نبي الله إبراهيم عليه السلام البقر. والسمين الكثير الشحم على اللحم، سمن يسمن سمناً، وسمنه تسميناً واسمنه اسماناً وتسمن تسمناً، ونقيض السمن الهزال. وقوله {فقربه إليهم} أي ادناه لهم وقدمه بين أيديهم وقال لهم: كلوه، فلما رآهم لا يأكلون عرض عليهم فـ {قال ألا تأكلون} وفي الكلام حذف، لان تقديره فقدمه اليهم فأمسكوا عن الاكل فقال ألا تأكلون فلما أمتنعوا من الأكل {أوجس منهم خيفة} أي خاف منهم وظن أنهم يريدون به سوء، فالايجاس الاحساس بالشيء خفياً، أوجس يوجس إيجاساً وتوجس توجساً. ومنه قوله {أية : فأوجس في نفسه خيفة موسى }تفسير : فقالت حينئذ له الملائكة {لا تخف} يا إبراهيم فانا رسل الله وملائكته أرسلنا الله إلى قوم لوط لنهلكهم. وقيل: إنهم دعوا الله فأحيا العجل له فعلم إبراهيم عند ذلك انهم من الملائكة عليهم السلام {وبشروه} عند ذلك {بغلام عليم} أي يكون عالماً إذا كبر وبلغ. قال مجاهد: المبشر به إسماعيل. وقال غيره: هو اسحاق، لانه من سارة، وهذه القصة لها لا لهاجر، سمعت البشارة امرأته سارة {فأقبلت في صرة} يعني فى صيحة - فى قول ابن عباس ومجاهد وسفيان - وقال مجاهد وسفيان أيضاً فى رنة {فصكت وجهها} قال ابن عباس لطمت وجهها. وقال السدي: ضربت وجهها تعجباً، وهو قول مجاهد وسفيان، فالصك الضرب باعتماد شديد {وقالت عجوز عقيم} فالتقدير أنا عجوز عقيم كيف ألد؟! والعقيم الممتنعة من الولادة لكبر او آفة. وقال الحسن: العقيم العاقر. وأصل العقم الشدة مما جاء في الحديث "حديث : يعقم أصلاب المشركين" تفسير : أى يشد، فلا يستطيعون السجود، وداء مقام إذا أعيا، أي اشتد حتى أيأس ان يبرأ، ومعاقم الفرس مفاصله يشد بعضها إلى بعض، والعقم والعقمة ثياب معلمة أي شدت بها الاعلام، وعقمت المرأة، فهي معقومة وعقيم، وقالوا عقمت ايضاً ورجل عقيم مثل المرأة من قوم عقيمين والريح العقيم التي لا تنشيء السحاب للمطر، والملك عقيم يقطع الولاء لان الابن يقتل أباه على الملك، فقالت الملائكة عند ذلك لها {كذلك} أي مثل ما بشرناك به {قال ربك} ما بشرناك به فلا تشك فيه {إنه هو الحكيم} في أفعاله {العليم} بخفايا الأمور لا يخفى عليه خافية والمعنى كما ان إخبارنا وبشارتنا لا شك فيه، كذلك قال الله ما بشرناك به.
الجنابذي
تفسير : {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ} استيناف كلام لتهديد المعرضين عن المبدء او الرّسول او الولاية.
الأعقم
تفسير : {هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين} سماهم ضيفاً من غير أن يأكلوا من طعامه لأنهم دخلوا مدخل الأضياف واختلفوا في عدهم قيل: كانوا اثنا عشر ملكاً، وقيل: جبريل ومعه سبعة، وقيل: ثلاثة المكرمين من عند الله {إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً} أي سلموا عليه سلاماً {قال سلامٌ قومٌ منكرون} قيل: غرباء لا نعرفهم، وقيل: لأنهم دخلوا من غير إذن {فراغ إلى أهله} أي مال إليهم {فجاء بعجل سمين} {فقرّبه إليهم} شويّاً، و{قال ألا تأكلون} تحريصاً على الأكل، وقيل: امسكوا فقال: ألا تأكلون {فأوجس منهم خيفة} وفي الكلام حذف فلما لم يأكلوا فدخل في نفسه خيفة منهم وأوجس منهم أنهم لصوص أو كفار يريدون هلاكه، وقيل: ظنّ أنهم ملائكة وأنهم لا يحضرون إلا له، وقيل: دعوا الله فأحيى الله تعالى ذلك العجل فعلم أنهم ملائكة، فـ {قالوا لا تخف} وقوله تعالى: {وبشّروه بغلام عليم} أي مبلغ ويعلم، وقيل: نبي وهو إسحاق {فأقبلت امرأته} سمعت البشارة وأقبلت، وقيل: أخبرها إبراهيم {في صرة} قيل: صيحة {فصكّت} قيل: ضربت بأطراف أصابعها جبهتها، وقيل: لطمت {وجهها} قال الحسن: أقبلت إلى بيتها وكانت في زواية تنظر إليهم لأنها وجدت حرارة الدم ولطمت وجهها من الحياء {وقالت عجوز عقيم} أي تلد عجوز عاقر كانت بنت تسع وتسعين سنة {قالوا} ذلك {كذلك قال ربك} أي أتعجبين من قدرة الله فإنه حكيم عليم {قال فما خطبكم أيها المرسلون} أي فما شأنكم وما ظنكم ولأي أمر جئتم أيها المرسلون {قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين} يعني قوم لوط أرسلنا لنهلكهم {لنرسل عليهم حجارة من طين} يريد السجيل وهو طين طبخ الآجر حتى صار فيه صلابة الحجار {مسوّمةً} معلمة على كل واحدة منها اسم من يهلك به، وقيل: معلمة بأنها من حجارة العذاب {عند ربك} أي معدّة في حكمه {للمسرفين} المجاوزين الحد في العصيان {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين} {فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} دليل على أن الايمان والإِسلام واحد وإنهما صفتا مدح، قيل: هم لوط وابنتاه (عليهم السلام)، وقيل: كان لوط وأهل بيته، عن قتادة: لو كان فيها أكثر من ذلك لأنجاهم الله {وتركنا فيها آية} يعتبر بها الخائفون دون القاسية قلوبهم، وقيل: ما اسود منتن {وفي موسى} معطوف على {وفي الأرض آيات}، أو على قوله: {وتركنا فيها آية} على معنى وجعلنا في موسى {إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين} أي بحجة {فتولى} أي أعرض عن قبول الحق {بركنه} بعزته من جنوده وقومه {وقال} موسى {ساحر أو مجنون} لا عقل له {فأخذناه وجنوده} أي عاقبناهم {فنبذناهم} أي ألقيناهم كما يلقى {في اليم} أي في البحر {وهو مليم} يعني موسى فعل ما تلام عليه {وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم} التي لا تلقح شجراً ولا تنشر سحاباً، وقيل: لم يكن فيه إلا خروج، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : نصرت بالصبا وأهلك عاد بالدبور" تفسير : {ما تذر من شيء أتت عليه إلاَّ جعلته كالرميم} قيل: كالطعام، وقيل: كالنبات إذا يبس، وقيل: كالشيء الهالك، وقيل: كالتبن، وقيل: كالتراب.
اطفيش
تفسير : {هَلْ أَتَاكَ} خطاب له صلى الله عليه وسلم تفخيم للحديث وتنبيه على انه ليس من علم رسول الله صلى الله عليه وسلم وان ما عرفه بالوحي* {حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} الضيف يطلق على الواحد فصاعداً لانه في الاصل مصدر والمراد اثني عشر ملكاً منهم جبريل وقيل تسعة وهو عاشرهم وقيل ثلاثة جبريل وميكائيل وملك آخر وسماهم ضيفاً لانهم في صورته أو لان ابراهيم حسبهم ضيفاً وجعل لهم ما يجعل للضيف وهم الذين بشروه باسحق وجاءوا بعذاب قوم لوط {الْمُكْرَمِينَ} عند الله بالمنزلة عند ابراهيم عليه الصلاة والسلام اذ خدمهم بنفسه واستخدم لهم زوجته وعجل لهم القرى وبش لهم وكان منذ سبعة أيام لم يطمعم شيئاً ينتظر ضيفاً لانه لا يأكل الا معه فلما جاءوه استبشر بهم وقام بما يصلح لهم ولم يطعم معهم فان علامة الخلة المؤكدة أن يطعم ولا يطعم. وقال ابن عباس: سماهم مكرمين لانهم غير مدعوين. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول اذا قرب اليه الطعام "حديث : اللهم بارك لنا في ما رزقتنا وقنا عذاب النار بسم الله" تفسير : وقال "حديث : إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند الدخول وعند طعامه قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء واذا دخل ولم يذكر قال الشيطان أدركتم المبيت واذا لم يذكر الله عند طعامه قال أدركتم المبيت والعشاء"
الالوسي
تفسير : {هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرٰهِيمَ} فيه تفخيم لشأن الحديث وتنبيه على أنه ليس مما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير طريق الوحي قاله غير واحد، وفي «الكشف» فيه رمز إلى أنه لما فرغ من إثبات الجزاء لفظاً بالقسم ومعنى بما في المقسم به من التلويح إلى القدرة البالغة مدمجاً فيه صدق المبلغ، وقضى الوطر من تفصيله مَهَّدَ لإثبات النبوة وأن هذا الآتي الصادق حقيق بالاتباع لما معه من المعجزات الباهرة فقال سبحانه: {هَلْ أَتَاكَ } الخ، وضمن فيه تسليته عليه الصلاة والسلام بتكذيب قومه فله بسائر آبائه وإخوانه من الأنبياء عليهم السلام أسوة حسنة، هذا إذا لم يجعل قوله تعالى: { أية : وَفِى مُوسَىٰ } تفسير : [الذاريات: 38] عطفاً على قوله سبحانه: { أية : وَفِى ٱلأَرْضِ ءايَـٰتٌ } تفسير : [الذاريات: 20] وأما على ذلك التقدير فوجهه أن يكون قصة الخليل ولوط عليهما السلام معترضة للتسلي بإبعاد مكذبيه وأنه مرحوم منجى مكرم بالاصطفاء مثل أبيه إبراهيم صلوات الله تعالى وسلامه عليه وعليهم ـ والترجيح مع الأول انتهى ـ وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يتعلق بقوله سبحانه: { أية : وَفِى مُوسَىٰ } تفسير : [الذاريات: 38]. والضيف في الأصل مصدر بمعنى الميل ولذلك يطلق على الواحد والمتعدد، قيل: كانوا اثني عشر ملكاً، وقيل: ثلاثة: جبرائيل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام، وسموا ضيفاً لأنهم كانوا في صورة الضيف ولأن إبراهيم عليه السلام حسبهم كذلك، فالتسمية على مقتضى الظاهر والحسبان، وبدأ بقصة إبراهيم وإن كانت متأخرة عن قصة عاد لأنها أقوى في غرض التسلية. {ٱلْمُكْرَمِينَ} أي عند الله عز وجل كما قال الحسن فهو كقوله تعالى في الملائكة عليهم السلام: { أية : بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } تفسير : [الأنبياء: 26]، أو عند إبراهيم عليه السلام إذ خدمهم بنفسه وزوجته وعجل لهم القرى ورفع مجالسهم كما في بعض الآثار. وقرأ عكرمة {ٱلْمُكَرَّمِينَ } بالتشديد.
ابن عاشور
تفسير : انتقال من الإنذار والموعظة والاستدلال إلى الاعتبار بأحوال الأمم الماضية المماثلة للمخاطبين المشركين في الكفر وتكذيب الرسل. والجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً وغيّر أسلوب الكلام من خطاب المنذرين مواجهة إلى أسلوب التعريض تفنناً بذكر قصة إبراهيم لتكون توطئة للمقصود من ذكر ما حلّ بقوم لوط حين كذبوا رسولهم، فالمقصود هو ما بعد قوله {أية : قال فما خطبكم أيها المرسلون}تفسير : [الحجر: 57]. وكان في الابتداء بذكر قوم لوط في هذه الآية على خلاف الترتيب الذي جرى عليه اصطلاح القرآن في ترتيب قصص الأمم المكذبة بابتدائها بقوم نوح ثم عاد ثم ثمود ثم قوم لوط أن المناسبة للانتقال من وعيد المشركين إلى العبرة بالأمم الماضية أن المشركين وصفوا آنفاً بأنهم في غمرة ساهون فكانوا في تلك الغمرة أشبه بقوم لوط إذ قال الله فيهم {أية : لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون}تفسير : [الحجر: 72]، ولأن العذاب الذي عذب به قوم لوط كان حجارة أنزلت عليهم من السماء مشبهة بالمطر. وقد سميت مطراً في قوله تعالى: {أية : ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطرَ السوء}تفسير : [الفرقان: 40] وقوله: {أية : وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل}تفسير : [هود: 82] ولأن في قصة حضور الملائكة عند إبراهيم وزوجه عبرة بإمكان البعث فقد تضمنت بشارتها بمولود يولد لها بعد اليأس من الولادة وذلك مثل البعث بالحياة بعد الممات. ولمّا وجه الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {هل أتاك} عُرف أن المقصود الأصلي تسليته على ما لقيه من تكذيب قومه. ويتبع ذلك تعريض بالسامعين حين يُقرأ عليهم القرآن أو يبلغهم بأنهم صائرون إلى مثِل ذلك العذاب لاتحاد الأسباب. وتقدم القول في نظير {هل أتاك حديث} عند قوله تعالى: {أية : وهل أتاك نبؤا الخصم} تفسير : في سورة ص (21)، وأنه يفتتح به الأخبار الفخمة المهمة. والضيف: اسم يقال للواحد وللجمع لأن أصله مصدر ضَاف، إذا مال فأطلق على الذي يميل إلى بيت أحد لينزل عنده. ثم صار اسماً فإذا لوحظ أصله أطلق على الواحد وغيره ولم يؤنثوه ولا يجمعونه وإذا لوحظ الاسم جمعوه للجماعة وأنثوه للأنثى فقالوا أضيافٌ وضيوف وامرأة ضيفة وهو هنا اسم جمع ولذلك وصف بـ {المكْرمين}، وتقدم في سورة الحجر (68) {أية : قال إن هؤلاء ضيفي}.تفسير : والمعنيّ به الملائكة الذي أظهرهم الله لإبراهيم عليه السلام فأخبروه بأنهم مرسلون من الله لتنفيذ العذاب لقوم لوط وسماهم الله ضيفاً نظراً لصورة مجيئهم في هيئة الضيف كما سمى الملكين اللذين جاءا داود خصماً في قوله تعالى: {أية : وهل أتاك نبؤا الخصم}تفسير : [ص: 21]، وذلك من الاستعارة الصورية. وفي سفر التكوين من التوراة: أنهم كانوا ثلاثة. وعن ابن عباس: أنهم جبريل وميكائيل وإسرافيل. وعن عطاء: جبريل وميكائيل ومعهما ملك آخر. ولعل سبب إرسال ثلاثة ليقع تشكُّلهم في شكل الرجال لما تعارفه الناس في أسفارهم أن لا يقلّ ركب المسافرين عن ثلاثة رفاقٍ. وذلك أصل جريان المخاطبة بصيغة المثنى في نحو: «قفا نبك». وفي الحديث «حديث : الواحدُ شيطان والاثنان شيطانان والثلاثة ركب». تفسير : رواه الحاكم في «المستدرك» وذكر أن سنده صحيح. وقد يكون سبب إرسالهم ثلاثةً أن عذاب قوم لوط كان بأصناف مختلفة لكل صنف منها ملكَهُ الموكَّل به. ووصفهم بالمكْرَمين كلام موجه لأنه يوهم أن ذلك لإكرام إبراهيم إياهم كما جرت عادته مع الضيف وهو الذي سنّ القِرى، والمقصودُ: أن الله أكرمهم برفع الدرجة لأن الملائكة مقربون عند الله تعالى كما قال: {أية : بل عباد مكرمون}تفسير : [الأنبياء: 26] وقال: {أية : كِراماً كاتبين}تفسير : [الانفطار: 11]. وظرفُ {إذ دخلوا عليه} يتعلق بــ {حديثُ} لما فيه من معنى الفعل، أي خَبرهم حين دخلوا عليه. وقوله: {فقالوا سلاماً قال سلام} تقدم نظيره في سورة هود. وقرأ الجمهور: {قال سلام}. وقرأه حمزة والكسائي {قال سِلْم} بكسر السين وسكون اللام. وقوله: {قوم منكرون} من كلام إبراهيم. والظاهر أنه قاله خَفْتا إذ ليس من الإكرام أن يجاهرَ الزائر بذلك، فالتقدير: هُم قوم منكرون. والمنكر: الذي ينكره غيره، أي لا يعرفه. وأطلق هنا على من ينكّر حاله ويظن أنه حال غيرُ معتاد، أي يخشى أنه مضمِر سوء، كما قال في سورة هود (70) {أية : فلما رأى أيديهم لا تصِلُ إليه نَكرهم وأوجس منهم خِيفة} تفسير : ومنه قول الأعشى:شعر : وأنكرتني وما كان الذي نَكِرَتْ من الحوادث إلا الشيبَ والصَّلَعا تفسير : أي كرهت ذاتي. وقصة ضيف إبراهيم تقدمت في سورة هود. و{راغ} مال في المشي إلى جانب، ومنه: رَوغان الثعْلب. والمعنى: أن إبراهيم حاد عن المكان الذي نزل فيه الضُيوف إلى أهله، أي إلى بيته الذي فيه أهله. وفي التوراة: أنه كان جالساً أمامَ باب خيمته تحت شجرة وأنه أنزل الضيوف تحت الشجرة. وقال أبو عبيد القَاسم بن سلام: إن الروغان ميل في المشي عن الاستواء إلى الجانب مع إخفاء إرادته ذلك وتبعه على هذا التقييد الراغب والزمخشري وابن عطيّة فانتزع منه الزمخشري أن إخفاء إبراهيم ميله إلى أهله من حسن الضيافة كيلا يوهم الضيف أنه يريد أن يحضر لهم شيئاً فلعلّ الضيف أن يكُفّه عن ذلك ويعذره وهذا منزع لطيف. وكان منزل إبراهيم الذي جرت عنده هذه القصة بموضع يسمّى (بلوطات مَمْرا) من أرض حبرون. ووصُف العجل هنا بــ {سَمين}، ووصف في سورة هود بحنيذ، أي مشوي فهو عجل سمين شواه وقرّبه إليهم، وكان الشِوا أسرع طبخ أهل البادية وقام امرؤ القيس يذكر الصيد:شعر : فظل طهاةُ اللحم ما بين مُنضِج صَفيف شِواء أو قَدِيرٍ مُعَجَّل تفسير : فقيد (قدير) بــ (مُعَجّل) ولم يقيد (صفيف شواء) لأنه معلوم. ومعنى {قربه} وضعه قريباً منهم، أي لم ينقلهم من مجلسهم إلى موضع آخر بل جعل الطعام بين أيديهم. وهذا من تمام الإكرام للضيف بخلاف ما يُطعمه العافي والسائِل فإنه يدعى إلى مكان الطعام كما قال الفرزدق:شعر : فقلتُ إلى الطعام فقال مِنهم فريقٌ يحسد الأنس الطعاما تفسير : ومجيء الفاء لعطف أفعال {فراغ} {فجاء} {فقرّبه} للدلالة على أن هذه الأفعال وقعت في سرعة، والإسراع بالقِرى من تمام الكرم، وقد قيل: خير البر عاجله. وجملة {قال ألا تأكلون} بدل اشتمال من جملة {قربه إليهم}. و{ألا} كلمة واحدة، وهي حرف عَرْض، أي رغبةٍ في حصول الفعل الذي تدخل عليه. وهي هنا متعينة للعَرض لوقوع فعل القول بدلاً من فعل {قرَّبه إليهم}، ولا يحسن جعلها كلمتين من همزة استفهام للإنكار مع (لا) النافية. والعرض على الضيف عقب وضع الطعام بين يديه زيادة في الإكرام بإظهار الحرص على ما ينفع الضيف وإن كان وضع الطعام بين يديه كافياً في تمكينه منه. وقد اعتبر ذلك إذناً عند الفقهاء في الدعوة إلى الولائم بخلاف مجرد وجود مائدة طعام أو سُفرة، إذ يجوز أن تكون قد أعدت لغير المدعوّ. والفاء في {فأوجس منهم خيفة} فصيحة لإفصاحها عن جملة مقدرة يقتضيها ربط المعنى، أي فلم يأكلوا فأوجس منهم خيفة، كقوله: {أية : أن اضرب بعصاك البحر فانفلق}تفسير : [الشعراء: 63]، وقد صرح بذلك في سورة هود {أية : فلما رأى أيديهم لا تصل إليه} تفسير : [هود: 70] (أي إلى العجل) {أية : نِكرهم وأوجس منهم خيفة}تفسير : [هود: 70]. و{أوجس} أحس في نفسه ولم يُظهر، وتقدم نظيره في سورة هود. وقولهم له {لا تخف} لأنهم علموا ما في نفسه مما ظهر على ملامحه من الخوف، وتقدم نظيره في سورة هود. والغلام الذي بَشروه به هو إسحاق لأنه هو ابن سارة، وهو الذي وقعت البشارة به في هذه القصة في التوراة، ووصف هنا بــ {عليم}، وأما الذي ذُكرت البشارة به في سورة الصافات (101) فهو إسماعيل ووُصف بــ{أية : حليم} تفسير : ولذلك فامرأة إبراهيم الحادث عنها هنا هي سارة، وهي التي ولدت بعد أن أيست، أما هاجر فقد كانت فتاةً ولَدت في مقتبل عمرها. وأقبلت امرأته حين سمعت البشارة لها بغلام، أي أقبلت على مجلس إبراهيم مع ضيفه، قال تعالى في سورة هود (71) {أية : وامرأتُه قائمة}.تفسير : وكان النساء يحضرن مجالس الرجال في بيوتَهن مع أزواجهن ويواكلنهم. وفي الموطأ: قال مَالك: لا بأس أن تحضر المرأة مع زوجها وضيفِه وتأكل معهم. والصَّرة: الصياح، ومنه اشتق الصرير. و{في} للظرفية المجازية وهي الملابسة. والصك: اللطم، وصَكّ الوجه عند التعجب عادة النساء أيامئذٍ، ونظيره وضع اليد على الفم في قوله تعالى: {أية : فردُّوا أيديهم في أفواههم}تفسير : [إبراهيم: 9]. وقولُها {عجوز عقيم} خبر محذوف، أي أنا عجوز عقيم. والعجوز: فعول بمعنى فاعل وهو يستوي في المذكر والمؤنث مشتق من العجز ويطلق على كبر السنّ لملازمة العجز له غالباً. والعقيم: فعيل بمعنى مفعول، وهو يستوي فيه المذكر والمؤنث إذا جرى على موصوف مؤنث، مشتق من عَقمها الله، إذا خلقها لا تحمل بجنين، وكانت سارة لم تحمل قط. وقول الملائكة {كذلِك قال ربكِ} الإشارة إلى الحادث وهو التبشير بغلام. والكاف للتشبيه، أي مثل قولنا: قال ربك فنحن بلّغنا ما أمرنا بتبليغه. وجملة {إنه هو الحكيم العليم} تعليل لِجملة {كذلك قال ربك} المتقضية أن الملائكة ما أخبروا إبراهيم إلا تبليغاً من الله وأن الله صادق وعده وأنه لا موقع لتعجب امرأة إبراهيم لأن الله حكيم يدبر تكوين ما يريده، وعليم لا يخفى عليه حالها من العجز والعقم. وهذه المحاورة بين الملائكة وسارة امرأة إبراهيم وقعَ مثلها بينهم وبين إبراهيم كما قُصّ في سورة الحجر، فحُكي هنا ما دار بينهم وبين سارة، وحكي هناك ما دار بينهم وبين إبراهيم والمَقام واحد، والحالة واحدة كما بُيّن في سورة هود (72) {أية : قالت يا ويلتىٰ ءالِدُ وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إنّ هذا لشيء عجيب}.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاَماًَ} إلى آخر القصة. قد قدمنا إيضاحه في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى {أية : وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ٱلْمُكْرَمِين}تفسير : [الحجر: 51] الآيات. وفي سورة هود في القصة المذكورة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: هل أتاك حديث: أي قد أتاك يا نبيّنا حديث أي كلام. ضيف إبراهيم المكرمين: أي جبريل وميكائيل وإسرافيل أكرمهم إبراهيم الخليل. وقالوا سلاما: أي نسلم عليك سلاما. قال سلام قوم منكرون: أي عليكم سلام أنتم قوم منكرون أي غير معروفين. فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين: أي عدل ومال إلى أهله فجاء بعجل سمين حنيذ. فقال ألا تأكلون: أي فأمسكوا عن الأكل فقال لهم ألا تأكلون. فأوجس منهم خيفة: أي فأضمر في نفسه خوفا منهم. بغلام عليم: أي بولد يكون ذا علم كبير غزير. فأقبلت امرأته في صرَّة: أي في رنّة وصيحة. فصكت وجهها: أي لطمت وجهها أي ضربت بأصابعها جبينها متعجبة. وقالت عجوز عقيم: أي كبيرة السن وعقيم لم يولد لها قط. قالوا كذلك قال ربك: أي قالت الملائكة لها كالذي قلنا لك قال ربك. إنه هو الحكيم العليم: أي إنه هو الحكيم في تدبيره وتصريفه شؤون عباده. العليم بما يصلح للعبد وما لا يصلح فليفوض الأمر إليه. معنى الآيات: قوله تعالى {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ} هذا الحديث يشتمل على موجز قصة قد ذكرت في سورة هود والحجر والمقصود منه تقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إن مثل هذا القصص لا يتم لأُميٍّ لا يقرأ ولا يكتب إلا من طريق الوحي كما أنه يحمل في نهايته التهديد بالوعيد لمشركي قريش المصرين على الكفر والتكذيب والإِجرام الكبير إذ في نهاية القصة يسأل إبراهيم الملائكة قائلا فما خطبكم أيها المرسلون فيجيبون قائلين إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين أي لتدميرهم وإهلاكهم من أجل إجرامهم، وقريش في هذا الوقت مجرمة مستحقة للعذاب كما استحقه إخوان لوط. فقوله تعالى في خطاب رسوله هل أتاك حديث ضيف إبراهيم الخليل وهم ملائكة في صورة رجال من بينهم جبريل وميكائيل وإسرافيل إذ دخلوا عليه أي على إبراهيم وهو في منزله فسلموا عليه فرد السلام ثم قال أنتم قوم منكرون أي لا نعرفكم بمعنى أنكم غرباء لستم من أهل هذا البلد فلذا سارع في إكرامهم فراغ إلى أهله أي عدل ومال إلى أهله فعمد إلى عجل سمين من أبقاره وكان ماله يومئذ البقر فشواه بعد ذبحه وسلخه وتنظيفه. فقربه إليهم وكأنهم أمسكوا عن تناوله فعرض عليهم الأكل عرضا بقوله ألا تأكلون فقالوا إنا لا نأكل طعاما إلا بحقه. فقال إذاً كلوه بحقه، فقالوا وما حقه؟ قال أن تذكروا اسم الله في أوله وتحمدوا الله في آخره أي تقولون بسم الله في البدء والحمد لله في الختم فالتفت جبريل إلى ميكائيل وقال له حقّ للرجل أن يتخذه ربه خليلا ولما لم يأكلوا أوجس منهم خيفة أي خوفا أي شعر بالخوف في نفسه منهم لعدم أكلهم لأن العادة البشرية وهي مستمرة إلى اليوم إذا أراد المرء بأخيه سوءاً لا يسلم عليه ولا يرد عليه السلام، ولا يأكل طعامه هذا حكم غالبي وليس عاما. قالوا لا تخف وبشروه بغلام وأعلموه أنهم مرسلون من ربه إلى قوم لوط لإِهلاكهم من أجل اجرامهم وبشروه بغلام يولد له ويكبر ويولد له فالأول إسحاق والثاني يعقوب كما جاء في سورة هود فبشرناه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب وقوله {فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ} أخذت في رنّة لما سمعت البشرى فصكت أي لطمت وجهها بأصابع يدها متعجبة وهي تقول أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إنّ هذا لشيء عجيب إذ كان عمرها تجاوز التسعين وعمر إبراهيم تجاوز المئة وكانت عقيما لا تلد قط فلذا قالت عجوز عقيم كيف ألد يا للعجب؟ فأجابها الملائكة قائلين كذلك أي هكذا قال ربك فاقبلي البشرى واحمديه واشكريه. إنه تعالى هو الحكيم في تصرفاته في شؤون عباده العليم بما يصلح لهم وما لا يصلح فليفوض الأمر إليه ولا يعترض عليه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير النبوة المحمدية. 2- فضيلة إبراهيم أبي الأنبياء وإمام الموحدين. 3- وجوب إكرام الضيف. 4- الخوف الفطري عند وجود أسبابه لا يقدح في العقيدة ولا يعد شركا.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَتَاكَ} {إِبْرَاهِيمَ} (24) - وَيَعُودُ تَعَالى لِيُذَكِّرَ رَسُولَهُ الكَرِيمَ صلى الله عليه وسلم بِقَصَصِ الأنبياءِ الكِرَامِ مَعَ أقوامِهم، وَمَا لَقوهُ من تَكْذِيبٍ وَإيذاءٍ فَثَبَتُوا عَلى ما أصَابَهُمْ، وَتَابَعُوا أَدَاءَ مَهَمَّتِهِم التي كَلَّفَهُمْ بها رَبُّهُمْ، بِعَزْمٍ وَصَبْرٍ فَنَصَرَهُمُ اللهُ، وَدَمَّرَ أقَوْامَهُمْ. وَفي هَذِهِ القَصَصِ تَثْبِيتٌ لِقَلْبِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، وَتَسْلِيَةٌ لَهُ، وَتَحْذيرٌ للكَافِرِينَ مِنْ عَذابِ اللهِ وَعِقَابِهِ، وَلفتٌ لأنْظارِهِمْ إلى أنَّ سُنَّةَ اللهِ قَدْ مَضَتْ في نَصْرِ الرُّسُلِ، وَتَدْمِيرِ الكُفْرِ وَأهْلِهِ، وَليسَ لِسُنةِ اللهِ تَبْدِيلٌ، وَلا تَحْويلٌ. وَيَبْدَأ اللهُ تَعَالى بِقصَّةِ إبراهيمَ، عليه السَّلامُ، حينَما جَاءَهُ ضُيُوفٌ مُكَرَّمونَ مِنَ الملائكةِ الأطْهَارِ. ضَيْفُ إبرَاهيمَ - أضْيَافُهُ مِنَ المَلاَئِكَةِ.
الثعلبي
تفسير : {هَلْ أَتَاكَ} يا محمد {حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} اختلفوا في عددهم فقال ابن عباس ومقاتل: كانوا اثني عشر ملكاً، وقال محمد بن كعب: كان جبريل ومعه سبعة، وقال عطاء وجماعة: كانوا ثلاثة: جبريل وميكائيل ومعهما ملك آخر {ٱلْمُكْرَمِينَ} قال ابن عباس: سمّاهم مكرمين؛ لأنهّم كانوا غير مدعوّين. وأخبرني محمد بن القاسم بن أحمد الفقيه قال: حدّثني عبد الله بن أحمد الشعراني، قال: أخبرنا عبد الواحد بن محمد بن سعيد الأرعيالي قال: سمعت محمد بن عبدالوهاب يقول: قال لي علي بن غنام: عندي هريسة، ما رأيك فيها؟ قلت: ما أحسن رأيي، قال: امضِ، فدخلت الدار فجعل ينادي يا غلام يا غلام، والغلام غايب، فأدخلني بيتاً فجلست فيه، فما راعني [إلاّ معه] القمقمة والطست وعلى عاتقه المنديل، فقلت: إنّا لله يا أبا الحسن لو علمت أن الأمر عندك هكذا ما دخلت. قال: هوّن عليك، حدّثنا أبو أسامة عن شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله سبحانه: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ} قال: خدمته إياهم بنفسه، وقال عبدالعزيز بن يحيى الكناني: كانوا مكرمين عند الله، نظيره في سورة الأنبياء {بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ}. قال أبو بكر الوراق وابن عطاء: سمّاهم مكرمين، لأنّ أضياف الكرام مكرمون، وكان إبراهيم عليه السلام أكرم الخليقة وأطهرهم فتوة. {إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ} أي أنتم قوم {مُّنكَرُونَ} غرباء لا نعرفكم، وقيل: إنّما أنكر أمرهم، لأنّهم دخلوا عليه من غير استئذان، وقال أبو العالية: أنكر سلامهم في ذلك الزمان وفي تلك الأرض. {فَرَاغَ} فعدل ومال إبراهيم {إِلَىٰ أَهْلِهِ} قال الفرّاء: لا ينطق بالروغ حتى يكون صاحبه محتفياً لذهابه ومجيئه {فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ} قال قتادة: كان عامة مال إبراهيم البقر {فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلَيمٍ * فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ} أي صيحة، ولم يكن ذلك إقبالا من مكان إلى مكان وإنّما هو كقول القائل: أقبل يشتمني، بمعنى أخذ في شتمي. {فَصَكَّتْ} قال ابن عباس: لطمت {وَجْهَهَا} وقال الآخرون: ضربت يدها على جبهتها تعجباً، كعادة النساء إذا أنكرن شيئاً أو تعجبن منه، وأصل الصكّ الضرب {وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ} مجازه: أتلد عجوز عقيم؟ وكانت سارة لم تلد قبل ذلك وكان بين البشارة والولادة سنة، فولدت له سارة وهي بنت سبع وتسعين، وإبراهيم ابن مائة سنة. {قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ} حدّثنا أبو بكر بن عبدوس إملاءً قال: أخبرنا أبو سهل القطان ببغداد، قال: حدّثنا يحيى بن جعفر، قال: أخبرنا يزيد بن هارون، وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن يوسف، قال: حدّثنا يوسف بن يعقوب، قال حدّثنا نصر بن علي، قال: أخبرنا نوح بن قيس، قال: حدّثنا عون بن أبي شداد أنّ ضيف إبراهيم المكرمين لمّا دخلوا عليه فقرّب إليهم العجل فسحه جبريل عليه السلام بجناحه، فقام العجل يدرج في الدار حتى لحق بأُمّه. {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ * قَالُوۤاْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ} قال الكلبي من سنك، وكل بيانه قوله سبحانه {أية : سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ} تفسير : [هود: 82، الحجر: 74، الفيل: 4]. {مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ * فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ}. {وَتَرَكْنَا فِيهَآ آيَةً} عبرة {لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ}. {وَفِي مُوسَىٰ} أي وتركنا في إرسال موسى أيضاً عبرة وقال الفرّاء: هو معطوف على قوله: {وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ ... وَفِي مُوسَىٰ} {إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ}. {فَتَوَلَّىٰ} فأعرض وأدبر عن الإيمان {بِرُكْنِهِ} بقوته وقومه، نظيره {أية : أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ} تفسير : [هود: 80] يعني المنعة والعشيرة، وقال المؤرخ: بجانبه {وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} قال أبو عبيدة: (أو) بمعنى (الواو)؛ لأنهم قد قالوهما جميعاً، وأنشد بيت جرير: شعر : أثعلبة الفوارس أو رياحاً عدلت بهم طهيّة والخشابا تفسير : وقد يوضع (أو) بمعنى (الواو) كقوله: {أية : آثِماً أَوْ كَفُوراً} تفسير : [الإنسان: 24] و (الواو) بمعنى (أو) كقوله سبحانه: {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} تفسير : [النساء: 3]. {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ} قد أتى بما يلام عليه. {وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ} وهي التي لا تلقّح شجراً ولا تنشئ سحاباً ولا رحمة فيها (ولا) بركة. {مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ} كالنبت الذي قد يبس وديس. قال ابن عباس كالشيء الهالك. مقاتل: كالبالي. مجاهد: كالتبن اليابس. قتادة: كرميم الشجر. أبو العالية: كالتراب المدقوق. [قال] يمان: ما رمته الماشية بمرمتها من [الكلأ]، ويقال للنسفة: المرمة والمقمة، وقيل: أصله من العظم البالي. {وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُواْ حَتَّىٰ حِينٍ} يعني وقت فناء آجالهم. {فَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ} قال الحسين بن واقد: كلّ صاعقة في القرآن فهي عذاب {وَهُمْ يَنظُرُونَ} إليها نهاراً. {فَمَا ٱسْتَطَاعُواْ مِن قِيَامٍ} فما قاموا بعد نزول العذاب بهم ولا قدروا على نهوض به ولا دفاع {وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ} منتقمين منّا. قال قتادة: وما كانت عندهم قوة يمتنعون بها من الله.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذا إخبار من الله تعالى عن سيدنا إبراهيم عليه السلام، ولأنه خبر هام وعجيب بدأه الحق سبحانه بهذا الاستفهام {هَلْ أَتَاكَ ..} [الذاريات: 24] وهل تلازم دائماً الشيء العجيب الذي يستحق أنْ نلتفت إليه. ويشوِّقنا الحق سبحانه إلى معرفته، كما في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [الصف: 10] يُشوِّقنا لنقول: نعم يا رب دلنا. ولأن قصة ضيف سيدنا إبراهيم قصة عجيبة قال الله عنها {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ..} [الذاريات: 24] أي نبأ {ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ} [الذاريات: 24]. وسيدنا إبراهيم أبو الأنبياء كرَّمه الله بقوله: {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ..}تفسير : [النحل: 120] لأن فيه من الفضائل ومن خصال الخير ما يوجد في أمة بأكملها، لأن الله تعالى وزع الفضائل على الخَلْق جميعاً، فأنت لك فضيلة، وغيرك له فضيلة ثانية وثالثة وهكذا. هذا ليتكاتف الخَلْق ويتعاون الناس، وإلا لاستغنى بعضنا عن بعض ولحدث التفكك في المجتمع، لذلك تجد العاقل لا يحتقر أحداً مهما رأى نفسه أفضل منه لأنه يعلم ميزان المساواة بين الخَلْق في هذه الفضائل، فيقول في نفسه: إنْ كنت أفضل منه في شيء فلا بدَّ أنه أفضل مني في شيء آخر. وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الله أخفى ثلاثاً في ثلاث: أخفى رضاه في طاعته، فلا تحتقرن طاعة مهما قلَّتْ، فإن الله قد غفر لرجل لأنه سقى كلباً يأكل الثرى من العطش. وأخفى غضبه في معصيته فلا تحقرن معصية مهما صَغُرَتْ، فإن الله تعالى أدخل امرأة النار في هِرَّة حبستها، فلا هي أطعمتها وسَقَتْها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، وأخفى أسراره في خلقه فلا تحقرن عبداً ما ". تفسير : والإمام علي رضي الله عنه يقول: عندما ترى مَنْ هو أدنى منك في شيء فتحَسّر، لأنك لا تعرف الفضيلة التي فضَّل بها عليك، ولا بدَّ للخَلْق أنْ يعي هذه الحقيقة لأنهم أمام الله سواسية، والله تعالى لم يلد ولم يولد، وخَلْقه عنده سواء، لا يتفاضلون إلا بالتقوى والعمل الصالح. كلمة {حَدِيثُ ..} [الذاريات: 24] يعني الخبر المتداول، وفيه حقيقة أو حكمة، لذلك يتداوله الناسُ ويهتمون به {ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ..} [الذاريات: 24] جاءت كلمة (ضيف) مفردة مع أنهم كانوا جمعاً من الملائكة، فلم يقل ضيوف ولا أضياف، إنما اختار اللفظ المفرد، فقال: (ضيف). قالوا: لأن (ضيف) تُطلق على المفرد والمثنى والجمع ممَّنْ استدعيته إلى بيتك أو جاءك فصار ضيفاً عليك، والمستضيف ينبغي أنْ يعامل الأضيافَ جميعاً معاملة واحدة ويستقبلهم بوجه واحد لا يُفضل أحداً على أحد، ولا يحتفي بأحد دون الآخر. فكأنهم عنده شخص واحد لا يميز أحداً، لا في مجلسه ولا في نظره إليهم، لذلك عبَّر القرآن عنهم بصيغة المفرد، فهم في حكم الرجل الواحد. وقد علمنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الدرس، فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يُسوي بين جُلسائه حتى في نظره إليهم حتى ليظن كل منهم أنه لا يوجد في المجلس غيره. وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة تستخدم المفرد وتريد به الجماعة، ذلك حينما يكون توجههم واحداً وهدفهم واحداً، وحينما يجتمعون على أمر الله، وأمر الله دائماً واحد لا اختلافَ فيه، والجماعة حينئذ في حكم الواحد. اقرأ هذا مثلاً في قوله تعالى في قصة سيدنا موسى وسيدنا هارون {أية : فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الشعراء: 16]. إذن: ضيف يعني أضياف، ومعنى {ٱلْمُكْرَمِينَ} [الذاريات: 24] جمع مكرم، وهو الذي يقع عليه الكرم من غيره، والفاعل مُكرِم والمفعول مُكرَم، فوصف الملائكة بأنهم مكرمون فمَنْ أكرمهم؟ قالوا: لها معنيان: أكرمهم الله تعالى كما قال سبحانه: {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}تفسير : [الأنبياء: 26-27]. أو مُكرمون أكرمهم سيدنا إبراهيم حينما أعدَّ لهم طعاماً وباشر خدمتهم بنفسه لا بعبيده، وجعل امرأته تشاركه في خدمتهم، مع أن المرأة مستورة وأكرمهم بأن بادرهم بالتحية. ثم إنه لم يقدم لهم الطعام الحاضر، إنما أكرمهم وذبح لهم عجلاً مرة وصفه بأنه سمين، ومرة وصفه بأنه حنيذ وهذا كمال في الوصف، فهو سمين في ذاته. أي: ليس هزيلاً في تكوينه. وهو حنيذ، والحنيذ هو أفضل أنواع الشواء عندهم، فهو من حيث طريقة طهيه حنيذ مشوي، وهذا منتهى الإكرام. وقوله: {إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ ..} [الذاريات: 25] أي: الملائكة في صورة بشر {فَقَالُواْ سَلاَماً ..} [الذاريات: 25] فردّ عليهم {سَلاَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} [الذاريات: 25] أي: غير معروفين لنا، ويقال: إنه قالها في نفسه ولم يجهر بها. ونلاحظ هنا فرقاً بين سلام الملائكة وردّ السلام من سيدنا إبراهيم، لأنهم حيَّوْه بقولهم {سَلاَماً ..} [الذاريات: 25] هكذا بالنصب فردَّ عليهم {سَلاَمٌ ..} [الذاريات: 25] بالرفع، هم بادروه بالسلام، لأن القادم قد يخشى المقدوم عليه منه، فبادروه بالسلام ليأمن جانبهم. وكلمة {سَلاَماً ..} [الذاريات: 25] بالنصب دلَّتْ على أنها مفعول لفعل مقدّر أي: نسلم عليك سلاماً، والجملة الفعلية تدل دائماً على حدث سيحدث، وهو الأمر الذي جاءوا من أجله. أما ردُّ السلام فكان بالرفع {سَلاَمٌ ..} [الذاريات: 25] أي: سلام عليكم، فهي جملة اسمية، والجملة الاسمية تدلُّ على الثبوت، وهو حال المستقبل سيدنا إبراهيم.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ} قال الإِمامُ زيد بن علي عليهما السّلامُ: كانـ[ـتْ] كَرامتُهم أن قامَ بنفسِهِ يَخدمُهُم.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن ضيف المكرمين غيره للمؤمنين بقوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ} [الذاريات: 24]، يشير إلى إبراهيم الروح وضيفه المكرمين تجليات صفات الجمال والجلال؛ {فَرَاغَ} [الذاريات: 26]؛ أي: إبراهيم الروح {إِلَىٰ أَهْلِهِ} [الذاريات: 26]؛ أي: إلى أوصاف بشريته، {فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ} [الذاريات: 26]؛ أي: بالصفة البهيمية مشوبة بنار التجلي؛ {فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ} [الذاريات: 27] تقرباً إلى الله يبذلها، {قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ} [الذاريات: 27]، طلب الفناء من هذه الصفة بالكلية فما أفنوها، وما كان القصد فناؤها بالكلية؛ إنما كان القصد إزالة قوتها وشوكتها المضرة للروح. {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ} [الذاريات: 28]؛ أي من سطوات التجلي {خِيفَةً} [الذاريات: 28] على نفسه، {قَالُواْ لاَ تَخَفْ} [الذاريات: 28]؛ أي: إنا ما أرسلنا إلا لإصلاح ذلك وإهلاك أعدائك، {وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ} [الذاريات: 28] وهو إسحاق قلبه {عَلِيمٍ} [الذاريات: 28] بالعلم اللدني يولد له بعد هلاك أعدائه، وهم النفس وصفاتها. {فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ} [الذاريات: 29] وهي الروح الطبيعي {فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا} [الذاريات: 29]؛ تعجباً من أن يلد عجوزاً مثلها غلاماً مثل القلب الحقيقي، {وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ} [الذاريات: 29] لم تلد قط كيف تلد الآن مثله، {قَالُواْ} [الذاريات: 30] التجليات بلسان الحال: {كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ} [الذاريات: 30]، إنه عليه هين {إِنَّهُ هُوَ ٱلْحَكِيمُ} [الذاريات: 30] يحكم بمثل هذا المقتضي حكمته، {ٱلْعَلِيمُ} [الذاريات: 30] بفعل أمثاله.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { هَلْ أَتَاكَ } أي: أما جاءك { حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ } ونبأهم الغريب العجيب، وهم: الملائكة، الذين أرسلهم الله، لإهلاك قوم لوط، وأمرهم بالمرور على إبراهيم، فجاؤوه في صورة أضياف. { إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ } مجيبًا لهم { سَلامٌ } أي: عليكم { قَوْمٌ مُنْكَرُونَ } أي: أنتم قوم منكرون، فأحب أن تعرفوني بأنفسكم، ولم يعرفهم إلا بعد ذلك. ولهذا راغ إلى أهله أي: ذهب سريعًا في خفية، ليحضر لهم قراهم، { فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ } وعرض عليهم الأكل، فـ { قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً } حين رأى أيديهم لا تصل إليه، { قَالُوا لا تَخَفْ } وأخبروه بما جاؤوا له { وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ } وهو: إسحاق عليه السلام. فلما سمعت المرأة البشارة { أقبلت } فرحة مستبشرة { فِي صَرَّةٍ } أي: صيحة { فَصَكَّتْ وَجْهَهَا } وهذا من جنس ما يجري من النساء عند السرور [ونحوه] من الأقوال والأفعال المخالفة للطبيعة والعادة، { وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ } أي: أنى لي الولد، وأنا عجوز، قد بلغت من السن، ما لا تلد معه النساء، ومع ذلك، فأنا عقيم، غير صالح رحمي للولادة أصلا فثم مانعان، كل منهما مانع من الولد، وقد ذكرت المانع الثالث في سورة هود بقولها: {أية : وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ }. تفسير : { قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ } أي: الله الذي قدر ذلك وأمضاه، فلا عجب في قدرة الله تعالى { إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ } أي: الذي يضع الأشياء مواضعها، وقد وسع كل شيء علمًا فسلموا لحكمه، واشكروه على نعمته. قال لهم إبراهيم عليه السلام: { فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ } الآيات، أي: ما شأنكم وما تريدون؟ لأنه استشعر أنهم رسل، أرسلهم الله لبعض الشئون المهمة. { قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ } وهم قوم لوط، قد أجرموا ، أشركوا بالله، وكذبوا رسولهم، وأتوا الفاحشة الشنعاء التي ما سبقهم إليها أحد من العالمين. { لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ } أي: معلمة، على كل حجر منها سمة صاحبه لأنهم أسرفوا، وتجاوزوا الحد، فجعل إبراهيم يجادلهم في قوم لوط، لعل الله يدفع عنهم العذاب، فقال الله: {أية : يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ }. تفسير : { فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ } وهم بيت لوط عليه السلام، إلا امرأته، فإنها من المهلكين. { وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الألِيمَ } يعتبرون بها ويعلمون، أن الله شديد العقاب، وأن رسله صادقون، مصدقون. فصل في ذكر بعض ما تضمنته هذه القصة من الحكم والأحكام منها: أن من الحكمة، قص الله على عباده نبأ الأخيار والفجار، ليعتبروا بحالهم وأين وصلت بهم الأحوال. ومنها: فضل إبراهيم الخليل، عليه الصلاة والسلام، حيث ابتدأ الله قصته، بما يدل على الاهتمام بشأنها، والاعتناء بها. ومنها: مشروعية الضيافة، وأنها من سنن إبراهيم الخليل، الذي أمر الله هذا النبي وأمته، أن يتبعوا ملته، وساقها الله في هذا الموضع، على وجه المدح له والثناء. ومنها: أن الضيف يكرم بأنواع الإكرام، بالقول، والفعل، لأن الله وصف أضياف إبراهيم، بأنهم مكرمون، أي: أكرمهم إبراهيم، ووصف الله ما صنع بهم من الضيافة، قولا وفعلا ومكرمون أيضًا عند الله تعالى. ومنها: أن إبراهيم عليه السلام، قد كان بيته، مأوى للطارقين والأضياف، لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان، وإنما سلكوا طريق الأدب، في الابتداء السلام فرد عليهم إبراهيم سلامًا، أكمل من سلامهم وأتم، لأنه أتى به جملة اسمية، دالة على الثبوت والاستمرار. ومنها: مشروعية تعرف من جاء إلى الإنسان، أو صار له فيه نوع اتصال، لأن في ذلك، فوائد كثيرة. ومنها: أدب إبراهيم ولطفه في الكلام، حيث قال: { قَوْمٌ مُنْكَرُونَ } ولم يقل: " أنكرتكم " [وبين اللفظين من الفرق، ما لا يخفى]. ومنها: المبادرة إلى الضيافة والإسراع بها، لأن خير البر عاجله [ولهذا بادر إبراهيم بإحضار قرى أضيافه]. ومنها: أن الذبيحة الحاضرة، التي قد أعدت لغير الضيف الحاضر إذا جعلت له، ليس فيها أقل إهانة، بل ذلك من الإكرام، كما فعل إبراهيم عليه السلام، وأخبر الله أن ضيفه مكرمون. ومنها: ما من الله به على خليله إبراهيم، من الكرم الكثير، وكون ذلك حاضرًا عنده وفي بيته معدًا، لا يحتاج إلى أن يأتي به من السوق، أو الجيران، أو غير ذلك. ومنها: أن إبراهيم، هو الذي خدم أضيافه، وهو خليل الرحمن، وكبير من ضيف الضيفان. ومنها: أنه قربه إليهم في المكان الذي هم فيه، ولم يجعله في موضع، ويقول لهم: " تفضلوا، أو ائتوا إليه " لأن هذا أيسر عليهم وأحسن. ومنها: حسن ملاطفة الضيف في الكلام اللين، خصوصًا، عند تقديم الطعام إليه، فإن إبراهيم عرض عليهم عرضًا لطيفًا، وقال: { أَلا تَأْكُلُونَ } ولم يقل: " كلوا " ونحوه من الألفاظ، التي غيرها أولى منها، بل أتى بأداة العرض، فقال: { أَلا تَأْكُلُونَ } فينبغي للمقتدي به أن يستعمل من الألفاظ الحسنة، ما هو المناسب واللائق بالحال، كقوله لأضيافه: " ألا تأكلون " أو: "ألا تتفضلون علينا وتشرفوننا وتحسنون إلينا " ونحوه. ومنها: أن من خاف من الإنسان لسبب من الأسباب، فإن عليه أن يزيل عنه الخوف، ويذكر له ما يؤمن روعه، ويسكن جأشه، كما قالت الملائكة لإبراهيم [لما خافهم]: { لا تَخَفْ } وأخبروه بتلك البشارة السارة، بعد الخوف منهم. ومنها: شدة فرح سارة، امرأة إبراهيم، حتى جرى منها ما جرى، من صك وجهها، وصرتها غير المعهودة. ومنها: ما أكرم الله به إبراهيم وزوجته سارة، من البشارة، بغلام عليم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):