Verse. 4713 (AR)

٥١ - ٱلذَّارِيَات

51 - Adh-Dhariyat (AR)

وَفِيْ مُوْسٰۗى اِذْ اَرْسَلْنٰہُ اِلٰى فِرْعَوْنَ بِسُلْطٰنٍ مُّبِيْنٍ۝۳۸
Wafee moosa ith arsalnahu ila firAAawna bisultanin mubeenin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وفي موسى» معطوف على فيها، المعنى وجعلنا في قصة موسى آية «إذ أرسلناه إلى فرعون» ملتبسا «بسلطان مبين» بحجة واضحة.

38

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله: {وَفِى مُوسَىٰ } يحتمل أن يكون معطوفاً على معلوم، ويحتمل أن يكون معطوفاً على مذكور، أما الأول ففيه وجوه. الأول: أن يكون المراد ذلك في إبراهيم وفي موسى، لأن من ذكر إبراهيم يعلم ذلك. الثاني: لقومك في لوط وقومه عبرة، وفي موسى وفرعون. الثالث: أن يكون هناك معنى قوله تعالى: تفكروا في إبراهيم ولوط وقومهما، وفي موسى وفرعون، والكل قريب بعضه من بعض، وأما الثاني ففيه أيضاً وجوه. أحدها: أنه عطف على قوله: {أية : وَفِى ٱلأَرْضِ ءايَـٰتٌ لّلْمُوقِنِينَ } تفسير : [الذاريات: 20]، {وَفِى مُوسَىٰ } وهو بعيد لبعده في الذكر، ولعدم المناسبة بينهما. ثانيها: أنه عطف على قوله: {أية : وَتَرَكْنَا فِيهَا ءايَةً لّلَّذِينَ يَخَافُونَ } تفسير : [الذاريات: 37]، {وَفِى مُوسَىٰ } أي وجعلنا في موسى على طريقة قولهم: علفتها تبناً وماءً بارداً، وتقلدت سيفاً ورمحاً، وهو أقرب، ولا يخلو عن تعسف إذا قلنا بما قال به بعض المفسرين إن الضمير في قوله تعالى: {وَتَرَكْنَا فِيهَا } عائد إلى القرية. ثالثها: أن نقول فيها راجع إلى الحكاية، فيكون التقدير: وتركنا في حكايتهم آية أو في قصتهم، فيكون: وفي قصة موسى آية، وهو قريب من الاحتمال الأول، وهو العطف على المعلوم. رابعها: أن يكون عطفاً على {أية : هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرٰهِيمَ } تفسير : [الذاريات: 24] وتقديره: وفي موسى حديث إذ أرسلناه، "وهو مناسب إذ جمع الله كثيراً من ذكر إبراهيم وموسى عليهما السلام، كما قال تعالى: {أية : أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِى صُحُفِ مُوسَىٰ وَإِبْرٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰ } تفسير : [النجم: 36] وقال تعالى: {أية : صُحُفِ إِبْرٰهِيمَ وَمُوسَىٰ } تفسير : [الأعلى: 19] والسلطان القوة بالحجة والبرهان، والمبين الفارق، وقد ذكرنا أنه يحتمل أن يكون المراد منه ما كان معه من البراهين القاطعة التي حاج بها فرعون، ويحتمل أن يكون المراد المعجز الفارق بين سحر الساحر وأمر المرسلين.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَفِي مُوسَىٰ} أي وتركنا أيضاً في قصة موسى آية. وقال الفراء: هو معطوف على قوله: {وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ} «وَفِي مُوسَى». {إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي بحجة بيِّنة وهي العصا. وقيل: أي بالمعجزات من العصا وغيرها. قوله تعالى: {فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ} أي فرعون أعرض عن الإيمان «بِرُكْنِهِ» أي بجموعه وأجناده؛ قاله ٱبن زيد. وهو معنى قول مجاهد، ومنه قوله: {أية : أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ} تفسير : [هود: 80] يعني المنعة والعشيرة. وقال ابن عباس وقتادة: بقوته. ومنه قول عنترة:شعر : فما أَوْهَى مِرَاسُ الْحَرْبِ رُكْنِي ولَكِنْ مَا تَقَادَمَ مِن زَمَانِي تفسير : وقيل: بنفسه. وقال الأخفش: بجانبه؛ كقوله تعالى: {أية : أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ} تفسير : [الإسراء: 83] وقاله المؤرِّج. الجوهري: ورُكْن الشيء جانبه الأقوى، وهو يأوي إلى ركن شديد أي عزة ومنعة. القشيري: والركن جانب البدن. وهذا عبارة عن المبالغة في الإعراض عن الشيء. {وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} «أو» بمعنى الواو، لأنهم قالوها جميعاً. قاله المؤرج والفراء، وأنشد بيت جرير:شعر : أَثَعْلَبَة الفَوَارِسَ أَو رِيَاحَا عَدَلْتَ بِهِم طُهَيَّةَ والْخِشَابَا تفسير : وقد توضع «أو» بمعنى الواو؛ كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً} تفسير : [الإنسان: 24] والواو بمعنى أو، كقوله تعالى: {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} تفسير : [النساء: 3] وقد تقدّم جميع هذا. {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ} لكفرهم وتوليهم عن الإيمان. {فَنَبَذْنَاهُمْ} أي طرحناهم {فِي ٱلْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ} يعني فرعون، لأنه أتى ما يلام عليه.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: { وَفِي مُوسَىٰ إِذْ أَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ} أي: بدليل باهر، وحجة قاطعة {فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ} أي: فأعرض فرعون عما جاءه به موسى من الحق المبين استكباراً وعناداً. وقال مجاهد: تعزز بأصحابه، وقال قتادة: غلب عدو الله على قومه، وقال ابن زيد {فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ} أي: بجموعه التي معه، ثم قرأ: {أية : لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ} تفسير : [هود: 80] والمعنى الأول قوي؛ كقوله تعالى: {أية : ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [الحج: 9] أي: معرض عن الحق مستكبر {وَقَالَ سَـٰحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} أي: لا يخلو أمرك فيما جئتني به من أن تكون ساحراً أو مجنوناً، قال الله تعالى: {فَأَخَذْنَـٰهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَـٰهُمْ} أي ألقيناهم {فِي ٱلْيَمِّ} وهو البحر {وَهُوَ مُلِيمٌ} أي: وهو ملوم كافر جاحد فاجر معاند. ثم قال عز وجل: { وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ} أي: المفسدة التي لا تنتج شيئاً، قاله الضحاك وقتادة وغيرهما، ولهذا قال تعالى: {مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ} أي: مما تفسده الريح؛ {إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ} أي: كالشيء الهالك البالي، وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي عبد الله بن وهب، حدثني عبد الله، يعني: ابن عياش الغساني، حدثني عبد الله بن سليمان عن دراج عن عيسى بن هلال الصدفي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الريح مسخرة من الثانية ــــ يعني: من الأرض الثانية ــــ، فلما أراد الله تعالى أن يهلك عاداً، أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحاً تهلك عاداً، قال: أي رب أرسل عليهم الريح قدر منخر الثور؟ قال له الجبار تبارك وتعالى: لا، إذاً تطفأ الأرض ومن عليها، ولكن أرسل عليهم بقدر خاتم، فهي التي قال الله عز وجل في كتابه: { مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ}» تفسير : هذا الحديث رفعه منكر، والأقرب أن يكون موقوفاً على عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما من زاملتيه اللتين أصابهما يوم اليرموك، والله أعلم. قال سعيد بن المسيب وغيره في قوله تعالى: {إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ} قالوا: هي الجنوب. وقد ثبت في الصحيح من رواية شعبة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور» تفسير : . {وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُواْ حَتَّىٰ حِينٍ} قال ابن جرير: يعني: إلى وقت فناء آجالكم. والظاهر أن هذه كقوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَـٰعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ} تفسير : [فصلت: 17] وهكذا قال ههنا: { وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُواْ حَتَّىٰ حِينٍ فَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ } وذلك أنهم انتظروا العذاب ثلاثة أيام، فجاءهم في صبيحة اليوم الرابع بكرة النهار {فَمَا ٱسْتَطَـٰعُواْ مِن قِيَامٍ} أي: من هرب ولا نهوض {وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ} أي: لا يقدرون على أن ينتصروا مما هم فيه. وقوله عز وجل: {وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ} أي وأهلكنا قوم نوح من قبل هؤلاء {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ} وكل هذه القصص قد تقدمت مبسوطة في أماكن كثيرة من سور متعددة، والله تعالى أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَفِى مُوسَىٰ } معطوف على «فيها» المعنى وجعلنا في قصة موسى آية {إِذْ أَرْسَلْنَٰهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ } ملتبساً {بِسُلْطَٰنٍ مُّبِينٍ } بحجة واضحة.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَفِى مُوسَىٰ } معطوف على قوله: {فيها} بإعادة الخافض، والتقدير: وتركنا في قصة موسى آية، أو معطوف على {وَفِى ٱلأرْضِ} والتقدير: وفي الأرض، وفي موسى آيات، قاله الفراء، وابن عطية، والزمخشري. قال أبو حيان: وهو بعيد جداً ينزّه القرآن عن مثله، ويجوز أن يكون متعلقاً بجعلنا مقدّراً لدلالة وتركنا عليه قيل: ويجوز أن يعطف على {وَتَرَكْنَا} على طريقة قول القائل:شعر : علفتها تبناً وماء بارداً تفسير : والتقدير: وتركنا فيها آية، وجعلنا في موسى آية. قال أبو حيان: ولا حاجة إلى إضمار، وجعلنا لأنه قد أمكن أن يكون العامل في المجرور وتركنا. والوجه الأوّل هو الأولى، وما عداه متكلف متعسف لم تلجىء إليه حاجة، ولا دعت إليه ضرورة {إِذْ أَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ } الظرف متعلق بمحذوف هو نعت لآية، أي: كائنة وقت أرسلناه، أو بآية نفسها، والأوّل أولى. والسلطان المبين: الحجة الظاهرة الواضحة، وهي العصا، وما معها من الآيات {فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ } التولي: الإعراض، والركن: الجانب، قاله الأخفش. والمعنى: أعرض بجانبه، كما في قوله: {أية : أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ }تفسير : [الإسراء: 83] قال الجوهري: ركن الشيء: جانبه الأقوى، وهو يأوي إلى ركن شديد، أي: عزّ ومنعة. وقال ابن زيد، ومجاهد، وغيرهما: الركن: جمعه وجنوده الذين كان يتقوّى بهم، ومنه قوله تعالى: {أية : أَوْ آوِى إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ }تفسير : [هود: 80] أي: عشيرة ومنعة، وقيل: الركن: نفس القوّة، وبه قال قتادة وغيره، ومنه قول عنترة:شعر : فما أوهى مراس الحرب ركني ولكن ما تقادم من زماني تفسير : {وَقَالَ سَـٰحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ } أي: قال فرعون في حقّ موسى: هو ساحر، أو مجنون، فردّد فيما رآه من أحوال موسى بين كونه ساحراً، أو مجنوناً، وهذا من اللعين مغالطة وإيهام لقومه، فإنه يعلم أن ما رآه من الخوارق لا يتيسر على يد ساحر، ولا يفعله من به جنون. وقيل: إن "أو" بمعنى الواو؛ لأنه قد قال ذلك جميعاً ولم يتردّد، قاله المؤرج، والفرّاء، كقوله: {أية : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءاثِماً أَوْ كَفُوراً }تفسير : [الإنسان: 24]. {فَأَخَذْنَـٰهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَـٰهُمْ فِى ٱلْيَمّ } أي: طرحناهم في البحر، وجملة: {وَهُوَ مُلِيمٌ } في محل نصب على الحال، أي: آت بما يلام عليه حين ادّعى الربوبية، وكفر بالله وطغى في عصيانه {وَفِى عَادٍ } أي: وتركنا في قصة عاد آية {إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرّيحَ ٱلْعَقِيمَ } وهي التي لا خير فيها ولا بركة، لا تلقح شجراً ولا تحمل مطراً، إنما هي ريح الإهلاك والعذاب. ثم وصف سبحانه هذه الريح فقال: {مَا تَذَرُ مِن شَىْء أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ } أي: ما تذر من شيء مرّت عليه من أنفسهم، وأنعامهم، وأموالهم إلاّ جعلته كالشيء الهالك البالي. قال الشاعر:شعر : تركتني حين كفّ الدهر من بصري وإذ بقيت كعظم الرّمة البالي تفسير : وقال قتادة: إنه الذي ديس من يابس النبات، وقال السديّ، وأبو العالية: إنه التراب المدقوق، وقال قطرب: إنه الرماد، وأصل الكلمة من رمّ العظم: إذا بلي فهو رميم، والرّمة: العظام البالية. {وَفِى ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُواْ حَتَّىٰ حِينٍ } أي: وتركنا في قصة ثمود آية وقت قلنا لهم: عيشوا متمتعين بالدنيا إلى حين وقت الهلاك، وهو ثلاثة أيام، كما في قوله: {أية : تَمَتَّعُواْ فِى دَارِكُمْ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ } تفسير : [هود: 65]. {فَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبّهِمْ } أي: تكبروا عن امتثال أمر الله {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ } وهي كل عذاب مهلك. قرأ الجمهور {الصاعقة} وقرأ عمر بن الخطاب، وحميد، وابن محيصن، ومجاهد، والكسائي (الصعقة)، وقد مرّ الكلام على الصاعقة في البقرة، وفي مواضع {وَهُمْ يَنظُرُونَ } أي: يرونها عياناً، والجملة في محل نصب على الحال، وقيل: إن المعنى: ينتظرون ما وعدوه من العذاب، والأوّل أولى {فَمَا ٱسْتَطَـٰعُواْ مِن قِيَامٍ } أي: لم يقدروا على القيام. قال قتادة: من نهوض، يعني: لم ينهضوا من تلك الصرعة، والمعنى: أنهم عجزوا عن القيام فضلاً عن الهرب. ومثله قوله: {أية : فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ } تفسير : [الأعراف: 78] {وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ } أي: ممتنعين من عذاب الله بغيرهم {وَقَوْمَ نُوحٍ مّن قَبْلُ } أي: من قبل هؤلاء المهلكين، فإن زمانهم متقدّم على زمن فرعون، وعاد وثمود {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ } أي: خارجين عن طاعة الله. قرأ حمزة، والكسائي، وأبو عمرو بخفض (قوم) أي: وفي قوم نوح آية. وقرأ الباقون بالنصب. أي: وأهلكنا قوم نوح، أو هو معطوف على مفعول أخذتهم الصاعقة، أو على مفعول نبذناهم أي: نبذناهم، ونبذنا قوم نوح، أو يكون العامل فيه اذكر. {وَٱلسَّمَاء بَنَيْنَـٰهَا بِأَيْدٍ } أي: بقوّة وقدرة، قرأ الجمهور بنصب {السماء} على الاشتغال، والتقدير: وبنينا السماء بنيناها. وقرأ أبو السماك، وابن مقسم برفعها على الابتداء {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } الموسع ذو الوسع: والسعة، والمعنى: إنا لذو سعة بخلقها، وخلق غيرها لا نعجز عن ذلك، وقيل: لقادرون، من الوسع بمعنى: الطاقة والقدرة، وقيل: إنا لموسعون الرزق بالمطر. قال الجوهري: وأوسع الرجل: صار ذا سعة وغنى {وَٱلأرْضَ فَرَشْنَـٰهَا } قرأ الجمهور بنصب {الأرض} على الاشتغال. وقرأ أبو السماك، وابن مقسم برفعها، كما تقدّم في قوله: {وَٱلسَّمَاء بَنَيْنَـٰهَا} ومعنى {فرشناها}: بسطناها كالفراش {فَنِعْمَ ٱلْمَـٰهِدُونَ } أي: نحن، يقال مهدت الفراش: بسطته ووطأته، وتمهيد الأمور: تسويتها وإصلاحها {وَمِن كُلّ شَىْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ } أي: صنفين، ونوعين من ذكر وأنثى، وبرّ وبحر، وشمس وقمر، وحلو ومرّ، وسماء وأرض، وليل ونهار، ونور وظلمة، وجنّ وإنس، وخير وشرّ {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } أي: خلقنا ذلك هكذا لتتذكروا، فتعرفوا أنه خالق كل شيء، وتستدلوا بذلك على توحيده، وصدق وعده ووعيده. {فَفِرُّواْ إِلَى ٱللَّهِ إِنّى لَكُمْ مّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } أي: قل لهم يا محمد: ففرّوا إلى الله بالتوبة من ذنوبكم عن الكفر والمعاصي، وجملة: {إِنّى لَكُمْ مّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } تعليل للأمر بالفرار، وقيل: معنى {فَفِرُّواْ إِلَى ٱللَّهِ } اخرجوا من مكة. وقال الحسين بن الفضل: احترزوا من كل شيء غير الله، فمن فرّ إلى غيره لم يمتنع منه. وقيل: فرّوا من طاعة الشيطان إلى طاعة الرحمٰن، وقيل: فرّوا من الجهل إلى العلم، ومعنى: {إِنّى لَكُمْ مّنْهُ } أي: من جهته منذر بين الإنذار {وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً ءاخَرَ } نهاهم عن الشرك بالله بعد أمرهم بالفرار إلى الله، وجملة {إِنّى لَكُمْ مّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ }: تعليل للنهي. {كَذَلِكَ مَا أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَـٰحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ } في هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ببيان أن هذا شأن الأمم المتقدمة وأن ما وقع من العرب من التكذيب لرسول الله، ووصفه بالسحر، والجنون قد كان ممن قبلهم لرسلهم، و{كَذٰلِكَ } في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر كذلك. ثم فسر ما أجمله بقوله: {مَا أَتَى } إلخ، أو في محل نصب نعتاً لمصدر محذوف، أي: أنذركم إنذاراً كإنذار من تقدّمني من الرسل الذين أنذروا قومهم، والأوّل أولى {أَتَوَاصَوْاْ بِهِ } الاستفهام للتقريع والتوبيخ، والتعجيب من حالهم، أي: هل أوصى أوّلهم آخرهم بالتكذيب، وتواطئوا عليه؟ {بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَـٰغُونَ } إضراب عن التواصي إلى ما جمعهم من الطغيان أي: لم يتواصوا بذلك، بل جمعهم الطغيان، وهو مجاوزة الحدّ في الكفر. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم، فقال: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ } أي: أعرض عنهم، وكفّ عن جدالهم، ودعائهم إلى الحق، فقد فعلت ما أمرك الله به وبلغت رسالته {فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ } عند الله بعد هذا؛ لأنك قد أدّيت ما عليك، وهذا منسوخ بآية السيف. ثم لما أمره بالإعراض عنهم أمره بأن لا يترك التذكير، والموعظة بالتي هي أحسن فقال: {وَذَكّرْ فَإِنَّ ٱلذّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } قال الكلبي: المعنى: عظ بالقرآن من آمن من قومك فإن الذكرى تنفعهم. وقال مقاتل: عظ كفار مكة فإن الذكرى تنفع من كان في علم الله أنه يؤمن. وقيل: ذكرهم بالعقوبة وأيام الله، وخصّ المؤمنين بالتذكير لأنهم المنتفعون به. وجملة {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }: مستأنفة مقرّرة لما قبلها. أن كون خلقهم؛ لمجرّد العبادة مما ينشط رسول الله للتذكير، وينشطهم للإجابة. قيل: هذا خاصّ في من سبق في علم الله سبحانه أنه يعبده، فهو عموم مراد به الخصوص. قال الواحدي: قال المفسرون: هذا خاصّ لأهل طاعته، يعني: من أُهِّل من الفريقين. قال: وهذا قول الكلبي، والضحاك، واختيار الفراء، وابن قتيبة. قال القشيري: والآية دخلها التخصيص بالقطع؛ لأن المجانين لم يؤمروا بالعبادة، ولا أرادها منهم، وقد قال: {أية : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنْسِ } تفسير : [الأعراف: 179] ومن خلق لجهنم لا يكون ممن خلق للعبادة. فالآية محمولة على المؤمنين منهم، ويدل عليه قراءة ابن مسعود، وأبيّ بن كعب: (وما خلقت الجنّ والإنس من المؤمنين إلاّ ليعبدون). وقال مجاهد: إن المعنى: إلاّ ليعرفوني. قال الثعلبي: وهذا قول حسن؛ لأنه لو لم يخلقهم لما عرف وجوده وتوحيده. وروي عن مجاهد أنه قال: المعنى: إلاّ لآمرهم وأنهاهم، ويدل عليه قوله: {أية : وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـٰهاً وٰحِداً لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَـٰنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ }تفسير : [التوبة: 31] واختار هذا الزجاج. وقال زيد بن أسلم: هو ما جبلوا عليه من السعادة والشقاوة، فخلق السعداء من الجن والإنس للعبادة، وخلق الأشقياء للمعصية. وقال الكلبي: المعنى: إلاّ ليوحدون، فأما المؤمن، فيوحده في الشدّة والرخاء، وأما الكافر، فيوحده في الشدّة دون النعمة، كما في قوله: {أية : وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ }تفسير : [لقمان: 32] وقال جماعة: إلاّ ليخضعوا لي ويتذللوا، ومعنى العبادة في اللغة: الذل والخضوع والانقياد، وكل مخلوق من الإنس والجنّ خاضع لقضاء الله متذلل لمشيئته منقاد لما قدّره عليه. خلقهم على ما أراد، ورزقهم كما قضى، لا يملك أحد منهم لنفسه نفعاً، ولا ضرًّا. ووجه تقديم الجن على الإنس ها هنا تقدم وجودهم. {مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ } هذه الجملة فيها بيان استغنائه سبحانه عن عباده، وأنه لا يريد منهم منفعة، كما تريده السادة من عبيدهم، بل هو الغنيّ المطلق الرازق المعطي. وقيل المعنى: ما أريد منهم أن يرزقوا أحداً من خلقي، ولا أن يرزقوا أنفسهم، ولا يطعموا أحداً من خلقي، ولا يطعموا أنفسهم، وإنما أسند الإطعام إلى نفسه لأن الخلق عيال الله، فمن أطعم عيال الله، فهو كمن أطعمه. وهذا كما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله: عبدي استطعمتك فلم تطعمني»، أي: لم تطعم عبادي، و"من" في قوله: {مِن رّزْقِ } زائدة لتأكيد العموم. ثم بيّن سبحانه أنه هو الرزاق لا غيره، فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ } لا رزاق سواه، ولا معطي غيره، فهو الذي يرزق مخلوقاته، ويقوم بما يصلحهم فلا يشتغلوا بغير ما خلقوا له من العبادة {ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ } ارتفاع المتين على أنه وصف للرزاق، أو لذو، أو خبر مبتدأ محذوف، أو خبر بعد خبر. قرأ الجمهور: {الرزاق} وقرأ ابن محيصن: (الرازق) وقرأ الجمهور {المتين} بالرفع، وقرأ يحيى بن وثاب، والأعمش بالجرّ صفة للقوّة، والتذكير لكون تأنيثها غير حقيقي. قال الفراء: كان حقه المتينة فذكرها؛ لأنه ذهب بها إلى الشيء المبرم المحكم الفتل، يقال: حبل متين، أي: محكم الفتل، ومعنى المتين: الشديد القوّة هنا {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوباً مّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَـٰبِهِمْ } أي: ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي، فإن لهم ذنوباً، أي: نصيباً من العذاب مثل نصيب الكفار من الأمم السابقة. قال ابن الأعرابي: يقال: يوم ذنوب، أي: طويل الشرّ لا ينقضي، وأصل الذنوب في اللغة: الدلو العظيمة، ومن استعمال الذنوب في النصيب من الشيء قول الشاعر:شعر : لعمرك والمنايا طارقات لكلّ بني أب منها ذنوب تفسير : وما في الآية مأخوذ من مقاسمة السقاة الماء بالدلو الكبير، فهو تمثيل جعل الذنوب مكان الحظ والنصيب، قاله ابن قتيبة {فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ } أي: لا يطلبوا مني أن أعجل لهم العذاب، كما في قولهم: {أية : فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ }تفسير : [الأعراف: 70] {فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ ٱلَّذِى يُوعَدُونَ } قيل: هو يوم القيامة، وقيل: يوم بدر، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر في قوله: {فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ } عن ابن عباس قال: بقومه. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عنه في قوله: {ٱلرّيحَ ٱلْعَقِيمَ } قال: الشديدة التي لا تلقح شيئًا. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال: لا تلقح الشجر ولا تثير السحاب، وفي قوله: {إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ } قال: كالشيء الهالك. وأخرج الفريابي، وابن المنذر عن عليّ بن أبي طالب قال: الريح العقيم: النكباء. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: {وَٱلسَّمَاء بَنَيْنَـٰهَا بِأَيْدٍ } قال: بقوّة. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن المنذر عنه في قوله: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ } قال: أمره الله أن يتولى عنهم ليعذبهم، وعذر محمداً صلى الله عليه وسلم، ثم قال: {وَذَكّرْ فَإِنَّ ٱلذّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ }، فنسختها. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } قال: ليقرّوا بالعبودية طوعاً أو كرهاً. وأخرج ابن المنذر عنه في الآية قال: على ما خلقتهم عليه من طاعتي ومعصيتي، وشقوتي وسعادتي. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عنه أيضاً في قوله: {ٱلْمَتِينُ } يقول: الشديد. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {ذَنُوباً } قال: دلواً.

النسفي

تفسير : {وَفِى مُوسَىٰ } معطوف على {وَفِى ٱلأَرْضِ ءايَـٰتٌ } أو على قوله {وَتَرَكْنَا فِيهَا ءايَةً } على معنى وجعلنا في موسى آية كقوله: شعر : علفتها تبناً وماء بارداً تفسير : {إِذْ أَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ } بحجة ظاهرة وهي اليد والعصا {فَتَوَلَّىٰ } فأعرض عن الإيمان {بِرُكْنِهِ } بما كان يتقوى به من جنوده وملكه، والركن ما يركن إليه الإنسان من مال وجند {وَقَالَ سَـٰحِرٌ } أي هو ساحر {أَوْ مَجْنُونٌ فَأَخَذْنَـٰهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَـٰهُمْ فِى ٱلْيَمّ وَهُوَ مُلِيمٌ } آتٍ بما يلام عليه من كفره وعناده. وإنما وصف يونس عليه السلام به في قوله {أية : فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ }تفسير : (الصافات) 142) لأن موجبات اللوم تختلف وعلى حسب اختلافها تختلف مقادير اللوم، فراكب الكفر ملوم على مقداره، وراكب الكبيرة والصغيرة والذلة كذلك، والجملة مع الواو حال من الضمير في {فَأَخَذْنَـٰهُ }. {وَفِى عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرّيحَ ٱلْعَقِيمَ } هي التي لا خير فيها من إنشاء مطر أو إلقاح شجر وهي ريح الهلاك، واختلف فيها والأظهر أنها الدبور لقوله عليه السلام: «حديث : نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور»تفسير : {مَا تَذَرُ مِن شَىْء أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ } هو كل ما رم أي بلي وتفتت من عظم أو نبات أو غير ذلك، والمعنى ما تترك من شيء هبت عليه من أنفسهم وأنعامهم وأموالهم إلا أهلكته {وَفِى ثَمُودَ } آية أيضاً {إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُواْ حَتَّىٰ حِينٍ } تفسيره قوله {أية : تَمَتَّعُواْ فِى دَارِكُمْ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ }تفسير : [هود: 65] {فَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبّهِمْ } فاستكبروا عن امتثاله {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ } العذاب وكل عذاب مهلك صاعقة {ٱلصعقة} علي وهي المرة من مصدر صعقتهم الصاعقة {وَهُمْ يَنظُرُونَ } لأنها كانت نهاراً يعاينونها {فَمَا ٱسْتَطَـٰعُواْ مِن قِيَامٍ } أي هرب أو هو من قولهم ما يقوم به إذا عجز عن دفعه {وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ } ممتنعين من العذاب أو لم يمكنهم مقابلتنا بالعذاب لأن معنى الانتصار المقابلة {وَقَوْمَ نُوحٍ } أي وأهلكنا قوم نوح لأن ما قبله يدل عليه، أو واذكر قوم نوح. وبالجر أبو عمرو وعلي وحمزة أي وفي قوم نوح آية ويؤيده قراءة عبد الله {وَفِى قَوْمُ نُوحٍ } {مِن قَبْلُ } من قبل هؤلاء المذكورين {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ } كافرين. {وَٱلسَّمَاء } نصب بفعل يفسره {بَنَيْنَـٰهَا بِأَيْيْدٍ} بقوة والأيد القوة { وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } لقادرون من الوسع وهي الطاقة والموسع القوي على الإنفاق أو لموسعون ما بين السماء والأرض {وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَـٰهَا } بسطناها ومهدناها وهي منصوبة بفعل مضمر أي فرشنا الأرض فرشناها {فَنِعْمَ ٱلْمَـٰهِدُونَ } نحن {وَمِن كُلّ شَىْء } من الحيوان {خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ } ذكراً وأنثى. وعن الحسن: السماء والأرض والليل والنهار والشمس والقمر والبر والبحر والموت والحياة، فعدد أشياء وقال كل اثنين منها زوج والله تعالى فرد لا مثل له {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } أي فعلنا ذلك كله من بناء السماء وفرش الأرض وخلق الأزواج لتتذكروا فتعرفوا الخالق وتعبدوه {فَفِرُّواْ إِلَى ٱللَّهِ } أي من الشرك إلى الإيمان بالله أو من طاعة الشيطان إلى طاعة الرحمن أو مما سواه إليه {إِنّى لَكُمْ مّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً ءاخَرَ إِنّي لَكُمْ مّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } والتكرير للتوكيد والإطالة في الوعيد أبلغ. {كَذٰلِكَ } الأمر مثل ذلك وذلك إشارة إلى تكذيبهم الرسول وتسميته ساحراً أو مجنوناً. ثم فسر ما أجمل بقوله {مَا أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } من قبل قومك {مّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ } هو {سَـٰحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ } رموهم بالسحر أو الجنون لجهلهم {أَتَوَاصَوْاْ بِهِ } الضمير للقول أي أتواصى الأولون والآخرون بهذا القول حتى قالوه جميعاً متفقين عليه {بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَـٰغُونَ } أي لم يتواصوا به لأنهم لم يتلاقوا في زمان واحد بل جمعتهم العلة الواحدة وهي الطغيان والطغيان هو الحامل عليه {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ } فأعرض عن الذين كررت عليهم الدعوة فلم يجيبوا عناداً {فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ } فلا لوم عليك في إعراضك بعدما بلغت الرسالة وبذلت مجهودك في البلاغ والدعوة {وَذَكِّر} وعظ بالقرآن {فَإِنَّ ٱلذّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بأن تزيد في عملهم {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } العبادة إن حملت على حقيقتها فلا تكون الآية عامة بل المراد بها المؤمنون من الفريقين دليله السياق أعني {وَذَكّرْ فَإِنَّ ٱلذّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } وقراءة ابن عباس رضي الله عنهما {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } وهذا لأنه لا يجوز أن يخلق الذين علم منهم أنهم لا يؤمنون للعبادة لأنه إذا خلقهم للعبادة وأراد منهم العبادة فلا بد أن توجد منهم، فإذا لم يؤمنوا علم أنه خلقهم لجهنم كما قال: {أية : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنْسِ }تفسير : [الأعراف: 179]. وقيل: إلا لآمرهم بالعبادة وهو منقول عن علي رضي الله عنه. وقيل: إلا ليكونوا عباداً لي. والوجه أن تحمل العبادة على التوحيد فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: كل عبادة في القرآن فهي توحيد. والكل يوحدونه في الآخرة لما عرفه أن الكفار كلهم مؤمنون موحدون في الآخرة دليلة قوله {أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ }تفسير : [الأنعام: 23]. نعم قد أشرك البعض في الدنيا بالإضافة إلى الأبد أقل من يوم، ومن اشترى غلاماً وقال: ما اشتريته إلا للكتابة كان صادقاً في قوله ما اشتريته إلا للكتابة، وإن استعمله في يوم من عمره لعمل آخر {مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ } ما خلقتهم ليرزقوا أنفسهم أو واحداً من عبادي {وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ } قال ثعلب: أن يطعموا عبادي وهي إضافة تخصيص كقوله عليه السلام خبراً عن الله تعالى: «حديث : من أكرم مؤمناً فقد أكرمني ومن آذى مؤمناً فقد آذاني»تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ } الشديد القوة والمتين بالرفع صفة لذو، وقرأ الأعمش بالجر صفة للقوة على تأويل الاقتدار {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ } رسول الله بالتكذيب من أهل مكة {ذَنُوباً مّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَـٰبِهِمْ } نصيباً من عذاب الله مثل نصيب أصحابهم ونظرائهم من القرون المهلكة. قال الزجاج: الذنوب في اللغة النصيب {فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ } نزول العذاب وهذا جواب النضر وأصحابه حين استعجلوا العذاب {فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ ٱلَّذِى يُوعَدُونَ } أي من يوم القيامة. وقيل: من يوم بدر {ليعبدوني}، {أن يطعموني}. {فَلا يستعجلوني} بالياء في الحالين: يعقوب، وافقه سهل في الوصل الباقون بغير ياء، والله أعلم.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَفِي مُوسَىٰ} فِيهِ أوجه: أظهرها: أنه عطف على قوله: "فِيهَا" بإعادة الجار؛ لأنَّ المعطُوفَ عَلَيْهِ ضميرٌ مجرورٌ فيتعلق بـ "تَرَكْنَا" من حيث المعنى ويكون التقدير: وتَرَكْنَا في قصةِ موسى آية. وهذا واضح. والثاني: أنه معطوف على قوله: {أية : فِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ} تفسير : [الذاريات: 20] أي وفي الأرض وفي موسى آياتٌ للموقنين. قاله الزمخشري وابنُ عطية. قال أبو حيان: وهذا بعيد جدًّا يُنَزَّه القرآن عن مثله. قال شهاب الدين: وجه استبعاده له بعد ما بينهما، وقد فعل أهل العلم هذا في أكثر من ذلكَ. والثالث: أنه متعلق بـ "جَعَلْنَا" مقدرة، لدلالة: "وَتَرَكْنَا" عليه. قال الزمخشري: أو على قوله - يعني أو يعطف على قوله -: {أية : وَتَرَكْنَا فِيهَآ آيَةً} تفسير : [الذاريات: 37] على معنى وجعلنا في موسى آية كقوله: شعر : 4528- عَلَفْتُهَا تِبْناً ومَاءً بَارِداً ......................... تفسير : قال أبو حيان: ولا حاجة إلى إضمار: "وَجَعَلْنَا" لأنه قد أمكن أن يكون العامل في المجرور "وتركنا". قال شهاب الدين: والزمخشري إنما أراد الوجه الأول بدليل قوله: "وَفِي مُوسَى" معطوف على "وَفِي الأَرْضِ"، أو على قوله: "وَتَرَكْنَا فِيهَا" وإنما قال: على جهة تفسير المعنى لا الإعراب. وإنما أظهر الفعل تنبيهاً على مغايرة الفعلين يعني أن هذا الترك غير ذاك الترك، ولذلك أبرزه بمادة الجَعْل دون مادة الترك ليظهر المخالفة. الرابع: أن يعطف على {أية : هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الذاريات: 24] تقديره: وفي حديث موسى إذْ أَرْسَلْنَاهُ: وَهُوَ مناسب، لأن الله تعالى جمع كثيراً بين ذكر إبراهيم وموسى - عليهما الصلاة والسلام - (كقوله تعالى): {أية : أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ} تفسير : [النجم: 36 - 37]، وقال: {أية : صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ} تفسير : [الأعلى: 19] قاله ابن الخطيب. فصل المعنى: لك في إبراهيم تسلية وفي موسى، أو لقومك في لوط وقومه عبرة، وفي موسى وفرعون، أو تَفَكَّرُوا في إبراهيم ولوط وقومهما وفي موسى وفرعون. هذا إن عطفناه على (معْلُوم، وإن عطفناه) على مذكور فقد تقدم آنفاً. و "السلطان المبين" الحجة الظاهرة. قوله: "إذْ أَرْسَلْنَاهُ" يجوز في هذا الظرف ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون منصوباً بـ "آيَة" على الوجه الأول؛ أي تركنا في قِصة موسى علامةً في وقتِ إرسالنا إيَّاهُ. الثاني: أنه يتعلق بمحذوف لأنه نعت لآيةٍ، أي آية كائنةً في وقت إرسالنا. الثالث: أنه منصوب بـ "تَرَكْنَا". قوله: "بِسُلْطَانٍ" يجوز أن يتعلق بنفس الإرسال، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال إما من موسى وإما من ضميره أي ملتبساً بسُلطان وهو الحُجَّة. و "المبين" الفارق بين سِحْر السَّاحِرِين وأمْر المُرْسَلِينَ. ويحتمل أن يكون المراد بالمبين أي البراهين القاطعة التي حَاجَّ بِهَا فِرْعَوْنَ. قوله: "فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ" الجار والمجرور حال من فاعل "تَوَلَّى" ومعنى "تَوَلَّى" أَدْبَرَ عن الإيمان. والباء للمصاحبة. والمراد بالركن أي بجمعِهِ وجنوده الذين كان يَتَقَوَّى بهم كالرُّكْن الذي يَتَقَوَّى به البُنْيَان، كقوله تعالى: {أية : أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ} تفسير : [هود: 80]. وقيل: الباء للتعدية فتكون بمعنى تقوى بجنده. ويحتمل أن يكون المراد تَوَلَّى أمْر موسى بقُوَّتِهِ، كأنه قال: أقتل موسى لئَلاَّ يُبَدّلَ دينكم، فتولى أمره بنفسه، فيكون المفعول غير مذكور وركنه هو نفسه القوية. ويحتمل أن يكون المراد بركنه هامان فإنه كان وزيره. قوله: "سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ" "أو" هنا على بابها من الإبهام على السامع أو للشكّ نَزَّل نفسه مع أنه يعرفه بَيِّناً حقاً منزلة الشاكّ في أمره تمويهاً على قومه. وقال أبو عبيدة: "أو" بمعنى الواو، قال: لأنه قد قالهما، قال تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} تفسير : [الأعراف: 109]، وقال تعالى في موضع آخر: {أية : إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} تفسير : [الشعراء: 27]، وتجيء "أو" بمعنى الواو، كقوله: شعر : 4529- أَثَعْلبَةَ الفَوَارِسِ أَوْ رِيَاحاً عَدَلْتَ بِهِمْ طُهَيَّةَ والخِشَابَا تفسير : ورد الناس عليه هذا وقالوا: لا ضرورة تدعو إلى ذلك. وأما الآيتان فلا يدلاَّن على أنه قالهما معاً، وإنما يفيد أنه قالهما أعم من أن يكونا معاً أو هذه في وقت وهذه في آخَرَ. قوله: "وَجُنودَهُ" يجوز أن يكون معطوفاً على مفعول "أَخَذْنَاهُ" وهو الظاهر، وأن يكون مفعولاً معه. {فَنَبَذْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ} أغرقناهم في البَحْرِ. قوله: "وَهُو مُلِيمٌ" جملة حالية، فإِن كانت حالاً من مفعول "نَبَذْنَاهُمْ" فالواو لازمةٌ؛ إذ ليس فيها ذكر يعود على صاحب الحال، وإن كانت حالاً من مفعول "أَخَذْنَاهُ" فالواو ليست واجبة؛ إِذ في الجملة ذكرٌ يعودُ عليه. وقد يقال: إنَّ الضمير في "نَبَذْنَاهُمْ" يعود على "فِرْعَوْنَ" وعلى "جُنُودِه" فصار في الحال ذكر يعود على بعض ما شَمِلَه الضمير الأول. وفيه نظر، إذ يصير نظير قولك: جَاءَ السُّلْطَانُ وَجُنُودُهُ فأكرمتهم راكباً فَرَسَهُ، فتجعل "راكباً" حَالاً من بعض ما اشتمل عليه ضمير "أكرمتهم". فصل ومعنى "مليم" أي أَتَى بما يُلاَم عليه من دعوى الربوبيّة وتكذيب الرسول.

البقاعي

تفسير : ولما قدم سبحانه أحق القصص الدالة على قسمه وما أقسم عليه بما فيها من خفاء الأسباب مع وجودها، ثم ما فيها من إنزال ما به الوعيد من السماء بالنار والماء الذي أشير إليه بالمقسمات، مع الفرقة بين المسلم والمجرم، أتبعها قصة من أيده بحاملات فيها مطر وبرد ونار مضطرمة، كما مضى بيانه في الأعراف، ثم بعد ذلك بريح فرقت البحر ونشفت أرضه ودخله فرعون والقبط، وهو واضح الأمر في أنه سبب لهلاكهم وهم لا يشعرون به، فقال عاطفاً على المقدر في قصة إبراهيم عليه السلام أو الظاهر في {وفي الأرض} أو على "في" التي في قوله {وتركنا فيها آية للذين يخافون} وهذا أقرب من غيره وأولى: {وفي موسى} أي في قصته وأمره آية على ذلك عظيمة {إذ أرسلناه} بعظمتنا {إلى فرعون} الذي كان قد أساء إلى إبراهيم عليه السلام بعد عظيم إحسانهم إله وإلى جميع قومه بما أحس إليهم يوسف عليه السلام {بسلطان مبين *} أي معجزات ظاهرة في نفسه منادية من شدة ظهورها بأنها معجزة، فكان فيها دلالة واضحة على صدق وعيده ومع ذلك فلم ينفعهم علمها ولذلك سبب عنه وعقب به قوله: {فتولى} أي كلف نفسه الإعراض بعد ما دعاه علمها إلى الإقبال إليها، وأشار إلى توليه بقوله: {بركنه} أي بسب ما يركن إليه من القوة في نفسه وبأعوانه وجنوده أو بجميع جنوده - كناية عن المبالغة في الإعراض، {وقال} معلماً بعجزه عما أتاه به وهو لا يشعر: {ساحر} ثم ناقض كمناقضتكم فقال بجهله عما يلزم على قوله: {أو مجنون *} أي لاجترائه عليّ مع ما لي من عظيم الملك بمثل هذا الذي يدعو إليه ويتهدد عليه. ولما وقعت التسلية بهذا للأولياء، قال تعالى محذراً للأعداء: {فأخذناه} أي أخذ غضب وقهر بعظمتنا بما استدرجناه به وأوهناه به من العذاب الذي منه سحاب حامل ماء وبرداً وناراً وصواعق {وجنوده} أي كلهم {فنبذناهم} أي طرحناهم طرح مستهين بهم مستخف لهم كما تطرح الحصيات {في اليم} أي البحر الذي هو أهل لأن يقصد بعد أن سلطنا الريح فغرقته لما ضربه موسى عليه السلام بعصاه ونشفت أرضه، فأيبست ما أبرزت فيه من الطرق لنجاة أوليائنا وهلاك أعدائنا {وهو} أي والحال أن فرعون {مليم *} أي آتٍ بما هو بالغ في استحقاقه الملامة، ويجوز أن يكون حالاً من "أليم" بمعنى أنه فعل بهم فعل اللائم من ألامه - إذا بالغ في عذله، وصار ذا لائمة أي لهم، من ألام - لازماً، وأن يكون مخففاً من لأم المهموز فيكون المعنى: فهو مصلح أي فاعل فعل المصلحين في إنجاء الأولياء وإغراق الأعداء بالالتئام والانطباق عليهم، قال في القاموس: اللوم العدل، لام لوماً وألامه ولومه للمبالغة، وألام: أتى ما يلام عليه أو صار ذا لائمة، ولأمه بالهمز كمنعه، نسبه إلى اللوم، والسهم: أصلحه كألامه ولأمه فالتأم، ولا يضر يونس عليه السلام أن يعبر في حقه بنحو هذه العبارة، فإن أسباب اللوم تختلف كما أن أسباب المعاصي تختلف في قوله{أية : وعصوا رسله}تفسير : [هود: 59] {أية : وعصى آدم ربه}تفسير : [طه: 121] وبحسب ذلك يكون اختلاف نفس اللوام ونفس المعاصي. ولما أتم قصة من جمع له السحاب والماء والنار والريح، أتبعها قصة من أتاهم بريح ذارية لم يوجد قط مثلها، وكان أصلها موجوداً بين ظهرانيهم وهم لا يشعرون، بل قاربت الوصول إليهم وهم يظنونها مما ينفعهم: {وفي عاد} أي آية عظيمة {إذ} أي حين {أرسلنا} بعظمتنا {عليهم} إرسال علو وأخذ {الريح} فأتتهم تحمل سحابة سوداء وهي تذرو الرمل وترمي بالحجارة على كيفية لا تطاق {العقيم *} أي التي لا ثمرة لها فلا تلقح شجراً ولا تنشىء سحاباً ولا تحمل مطراً ولا رحمة فيها ولا بركة فلذلك أهلكهم هلاك الاستئصال، ثم بين عقمها وإعقامها بقوله: {ما تذر} أي تترك على حال ردية، وأعرق في النفي فقال: {من شيء} ولما كان إهلاكها إنما هو بالفاعل المختار، نبه على ذلك بأداة الاستعلاء فقال: {أتت عليه} أي إتيان إرادة مرسلها، استعلاها على ظاهره وباطنه، وأما من أريدت رحمته كهود عليه السلام ومن معه رضي الله عنهم فكان لهم روحاً وراحة لا عليهم {إلا جعلته كالرميم *} أي الشيء البالي الذي ذهلته الأيام والليالي، فصيره البلى إلى حالة الرماد، وهو في كلامهم ما يبس من نبات الأرض ودثر - قاله ابن جريج، وخرج بالتعبير بـ"تذر" هود عليه السلام ومن معه من المؤمنين رضي الله عنهم أجمعين، فإنهم تركتهم على حالة حسنة لم يمسهم منها سوء كما أشير إلى مثل ذلك بأداة الاستعلاء. ولما تم ما اقتضاه سياق السورة من قصة أهل الريح الذارية، أتبعها قصة من أهلكوا بما يحمله السحاب من الريح وما تحمله الريح من صوت الصيحة الراجفة الماحقة فقال: {وفي ثمود} أي قوم صالح عليه السلام آية عظيمة كذلك {إذ} أي حين {قيل لهم} ممن لا يخلف المعياد: {تمتعوا} أي بلبن الناقة وغيره مما مكناكم فين من الزرع والنخيل والأبنية في الجبال والسهول وغير ذلك من جلائل الأمور الذي أمرناكم به ولا تطغوا {حتى حين *} أي وقت ضربناه لآجالكم {فعتوا} أي أوقعوا بسبب إحساننا إليهم العتو، وهو التكبر والإباء {عن أمر ربهم} أي مولاهم الذي أعظم إحسانه إليهم فعقروا الناقة وأرادوا قتل نبيه عليه السلام {فأخذتهم} بسبب عتوهم أخذ قهر وعذاب {الصاعقة} أي الصيحة العظيمة التي حملتها الريح، فأوصلتها إلى مسامعهم بغاية العظمة، ورجت ديارهم رجة أزالت أرواحهم بالصعق، وقوله: {وهم ينظرون *} دال على أنها كانت في غمام، وكان فيها نار، ويجوز - مع كونه من النظر - أن يكون أيضاً من الانتظار، فإنهم وعدوا نزول العذاب بعد ثلاثة أيام، وجعل لهم في كل يوم علامة وقعت بهم فتحققوا وقوعه اليوم الرابع {فما} أي فتسبب عن ذلك أنه ما {استطاعوا} أي تمكنوا، وأكد النفي فقال: {من قيام} أي بعد مجيئها بأن عاجلتهم بإهلاكها عن القيام. ولما كان الإنسان قد لا يتمكن من القيام لعارض في رجليه وينتصف من عدوه بما يرتبه من عقله ويدبره برأيه قال: {وما كانوا} أي كوناً ما {منتصرين} أي لم يكن فيهم أهلية للانتصار بوجه، لا بأنفسهم ولا بناصر ينصرهم فيطاوعونه في النصرة لأن تهيؤهم لذل سقط بكل اعتبار. ولما أتم قصة من أهلكوا بما من شأنه الإهلاك وهو الصاعقة، أتبعهم قصة من أهلكوا بما من شأنه الإحياء، وهو الماء الذي جل ما يشتمل عليه الحلامات التي أثارتها الذاريات، وقد كانوا موجودين في الأرض والسماء - وأسبابه مهيأة - وهم لا يحسون بشيء من ذلك، وأما عبادنا المؤمنون فهيأنا لهم أسباب النجاة من السفينة وغيرها، وأعلمناهم بها، فكان كل ما أردنا وقاله عنا أولياؤنا فقال مغيراً للأسلوب تنبياً على العظمة بنفسه الإهلاك لكونه بما من شأن الإحياء والإبقاء والتصرف في الأسباب: {وقوم} أي وأهلكنا قوم {نوح} على ما كان فيهم من الكثرة وقوة المحاولة والقيام بما يريدونه، ويجوز أن يكون معطوفاً على "فيها" أي وتركناهم آية، ويحسن هذا الإعراب أنهم هلكوا جميعاً وكانوا جميع أهل الأرض، وعم عذابهم جميع الأرض، كانوا لهم الآية، ويؤيد هذا الإعراب قراءة أي عمرو وحمزة والكسائي بالجر عطفاً على ضمير "فيها". ولما كان إهلاكهم على عظمه وانتشاره في بعض الزمان، أدخل الجارّ فقال: {من قبل} أي قبل هذه الأمم كلها، ثم علل إهلاكهم بقوله: {إنهم كانوا} خلقاً وطبعاً، لا حيلة لغيرنا من أهل الأسباب في صلاحهم {قوماً} أي أقوياء {فاسقين *} أي عريقين في الخروج عن حظيرة الدين.

اسماعيل حقي

تفسير : {وفى موسى} عطف على قوله {أية : وفى الارض آيات للموقنين}تفسير : فقصة ابراهيم ولوط عليهما السلام معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه تسلية لرسول الله عليه السلام من تكذيبهم ووعدا له باهلاك اعدآئه الا فاكين كما اهلك قوم لوط او على قوله {أية : وتركنا فيها آية}تفسير : على معنى وجعلنا فى ارسال موسى الى فرعون وانجائه مما لحق فرعون وقومه من الغرق آية كقول من قال علفتها تبنا وماء باردا اى وسقيتها ماء باردا والا فقوله فى موسى لايصح كونه معمولا لتركنا اذ لايستقيم أن يقال تركنا فى موسى آية كما يصح أن يقال تركنا فى تلك القرية لان الترك ينبىء عن الابقاء فاذا لم يبق موسى كيف يبقى ماجعل فيه {اذ أرسلناه} منصوب بآية محذوفة اى كائنة وقت ارسلنا وعلى الثانى ظرف لجعلنا المقدر {الى فرعون} صاحب مصر {بسلطان مبين} هو ماظهر على يديه من المعجزات الباهرة كالعصا واليد البيضاء وغيرهما والسلطان مصدر يطلق على المتعدد

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {وفي موسى}: عطف على {وفي الأرض}، أو على قوله: {وتركنا فيها آية} على معنى: وجعلنا في موسى آية، كقوله: شعر : علفتها تبناً وماءً بارداً تفسير : و {إذ أرسلناه}: منصوب بآيات، أو: بمحذوف، أي: كائنة وقت إرسالنا، أو بتَركنا. يقول الحق جلّ جلاله: {وفي موسى} آية ظاهرة حاصلة {إِذ أرسلناه إِلى فرعون بسلطانٍ مبين} بحجة واضحة، وهي ما ظهر على يديه من المعجزات الباهرة، {فَتَولَّى بِرُكْنِه} فأعرض عن الإيمان وازوَرّ عنه {برُكنه} بما يتقوى به من جنوده ومُلكه، والركن: ما يركن إليه الإنسان من عِزٍّ وجند، {وقال} في موسى: هو {ساحرٌ أو مجنون} كأنه نسب ما ظهر على يديه عليه السلام من الخوارق العجيبة إلى الجن وتردد هل ذلك باختياره وسعيه، أو بغيرهما. {فأخذناه وجنودَه فنبذناهم في اليمِّ} وفيه من الدلالة على عِظَمِ شأن القدرة الربانية، ونهاية حماقة فرعون ما لا يخفى، {وهو مُليمٌ} آتٍ بما يُلام عليه من الكفر والطغيان. {وفي عادٍ إِذ أرسلنا عليهم الريحَ العقيمَ} وُصفت بالعقيم لأنها أهلكتهم، وقطعت دابرهم، أو: لأنها لم تتضمن خيراً مَّا، من إنشاء مطرٍ، أو إلقاح شجرٍ، وهي الدَّبور، على المشهور، لقوله عليه السلام:"حديث : نُصرتُ بالصَّبَا، وأُهلكت عادٌ بالدَّبور"تفسير : ، {وما تذرُ من شيءٍ أتتْ عليه} أي: مرت عليه {إلا جعلته كالرميم} وهو كل ما رمّ، أي: بلي وتفتت، من عظم، أو نبات، أو غير، والمعنى: ما تركت شيئاً هبتَ عليه من أنفسهم وأموالهم إلا أهلكته. {وفي ثمودَ} آية أيضاً {إِذ قيل لهم تمتعوا حتى حينٍ} تفسيره قوله تعالى: {أية : تَمَتَّعُواْ فِى دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ}تفسير : [هود: 65] رُوي أن صالحاً قال لهم: تُصبح وجوهكم غداً مصفرة، وبعد غدٍ مُحْمَرة، وفي الثالث مسودة، ثم يُصحبكم العذاب، {فَعَتوا عن أمر ربهم} استكبروا عن الامتثال، {فأخذتهم الصاعقةُ} العذاب، وكل عذاب مُهلك صاعقة. قيل: لما رأوا العلامات من اصفرار الوجوه، واحمرارها، واسودادها، التي بُنيت لهم، عَمدوا إلى قتله عليه السلام فنجّاه الله تعالى إلى أرض فلسطين، وتقدّم في النمل، ولمّا كان ضحوة اليوم الرابع تحنّطوا وتكفّنوا بالأنطاع، فأتتهم الصيحة، فهلكوا، كبيرهم وصغيرهم وهم ينظرون إليها ويُعاينونها جهراً، {فما استطاعوا من قيامٍ} من هرب، أو هو من قولهم: ما يقوم بهذا الأمر: إذا عجز عن دفعه. {وما كانوا منتصِرِين} ممتنعين من العذاب بغيرهم، كما لم يمتنعوا بأنفهسم. {وقومَ نوح} أي: وأهلكنا قوم نوح؛ لأن ما قبله يدل عليه، أو: واذكر قوم نوح، ومَن قرأ بالجر فعطف على ثمود، أي: وفي قوم نوح آية، ويؤديه قراءة عبد الله "وفي قوم نوح" {مِن قبل} أي: قبل هؤلاء المذكورين، {إِنهم كانوا قوماً فاسقين} خارجين عن الحدود بما كانوا فيه من الكفر والمعاصي وإذاية نوح عليه السلام. {والسماء بَنَيْنَاها} من باب الاشتغال، أي: بنينا السماء، بنيناها {بأيدٍ} بقوة، والأيد: القوة، {وإِنا لمُوسِعون} لقادرين، من الوسع، وهو الطاقة، والمُوسِع: القويُّ على الإنفاق، أو: لموسعون بين السماء والأرض، أو: لموسعون الأرزاق على مَن نشاء، وهو تتميم كما تمّم ما بعده بقوله: {فَنِعْمَ الماهدون} لزيادة الامتنان. {والأرضَ فرشناها} بسطناها ومهّدناها؛ لتستقروا عليها، {فنِعْمَ الماهدون} نحن. {ومن كلِّ شيءٍ خلقنا زوجين} نوعين؛ ذكر وأنثى، وقيل: متقابلين، السماء والأرض والليل والنهار، والشمس والقمر، والبر والبحر، الموت والحياة. قال الحسن: كل شيء زوج، والله فرد لا مِثل له. {لعلكم تذكَّرون} أي: جعلنا ذلك كله، من بناء السماء، وفرش الأرض، وخلق الأزواج، لتذكَّروا، وتعرفوا أنه خالق الكل ورازقهم، وأنه المستحق للعبادة، وأنه قادر على إعادة الجميع، وتعملوا بمقتضاه. وبالله التوفيق. الإشارة: وفي موسى القلب إذ أرسلناه إلى فرعون النفس، بسلطانٍ، أي: بتسلُّط وحجة ظاهرة، لتتأدب وتتهذب، فتولى فرعون النفس برُكنه، وقوة هواه، وقال لموسى القلب: ساحر أو مجنون، حيث يأمرني بالخضوع والذل، الذي يفرّ منه كلُّ عاقل، طبعاً، فأخذناه وجنوده من الهوى والجهل والغفلة، فنبذناهم في اليمِّ في بحر الوحدة، فلما غرقت في بحر العظمة، ذابت وتلاشت، ولم يبقَ لها ولا لجنودها أثر، وهو - أي: فرعون النفس - مُليم: فَعل ما يُلام عليه من الميل إلى ما سوى الله قبل إلقائه في اليم. وفي عادٍ، وهي جند النفس وأوصاف البشرية، من التكبُّر، والحسد، والحرص، وغير ذلك، إذ أرسلنا عليهم الريحَ العقيم؛ ريح المجاهدة والمكابدة. أو: ريح الواردات القهرية، ما تذر من شيء من الأوصاف المذمومة إلا أهلكته، وجعلته كالرميم. وفي ثمود، وهم أهل الغفلة، إذ قيل لهم: تمتعوا بدنياكم إلى حين زمان قليل؛ مدة عمركم القصير، فعتوا: تكبّروا عن أمر ربهم، وهو الزهد في الدنيا، والخضوع لمَن يدعوهم إلى الله، فأحذتهم صاعقة الموت على الغفلة والبطالة، وهم لا ينظرون إلى ارتحالهم عما جمعوا، فما استطاعوا من قيام، حتى يدفعوا ما نزل بهم، ولو افتدوا بالدنيا وما فيها، وما كانوا ممتنعين من قهرية الموت، فرحلوا بغير زاد ولا استعداد. وقوم نوح من قبل، وهو مَن سلف من الأمم الغافلة، إنهم كانوا قوماً فاسقين خارجين عن حضرتنا. والسماء، أي: سماء الأرواح، بنيناها ورفعناها بأَيد، ورفعنا إليها مَن أحببنا من عبادنا، وإنا لمُوسعون على المتوجهين إلينا في المعارف والأنوار، والعلوم والأسرار، والأرض؛ وأرض النفوس، فرشناها للعبودية، والقيام بآداب الربوبية، فنِعم الماهدون، مهدنا الطريق لذوي التحقيق، ومن كل شيء من تجليات الحق، خلقنا، أي: أظهرنا زوجين، الحسن والمعنى، الحكمة والقدرة، الشريعة والحقيقة، الفرق والجمع، الملك والملكوت، الأشباح والأرواح، الذات والصفات، فتجلى الحق جلّ جلاله بين هذين الضدين؛ ليبقى الكنز مدفوناً، والسر مصوناً، ولو تجلّى بضد واحد لبطلت الحكمة وتعطلت أسرار الربوبية، فمَن لم يعرف الله تعالى في هذين الضدين، لم يعرفه أبداً، ومَن لم يُفرق بين هذين الضدين، في هذه الأشياء المذكورة، لم تنسج فكرته، فصفاء الغزول هو التمييز بين هذين الضدين، ذوقاً، وبينهما تنسج الفكرة، وبالغيبة عن الأول في شهود الثاني يحصل القرب إلى الله تعالى، كما أبان ذلك في قوله: {فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ}.

الطوسي

تفسير : قرأ الكسائي {الصعقة} الباقون {الصاعقة}، فالصعقة مصدر صعق يصعق صعقاً وصعقة واحدة. والصاعقة الاسم تقول: صاقعة وصاعقة مقدماً ومؤخراً، وصواعق وصواقع، وقيل: هما لغتان. قوله {وفي موسى} عطف على قوله {وتركنا فيها آية} فكأنه قال: وتركنا فى موسى آية حين أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين أي بحجة ظاهرة {فتولى بركنه} قال ابن عباس وقتادة ومجاهد: معناه بقوته. وقيل: معناه تولى بما كان يتقوى به من جنده وملكه. والركن الجانب الذي يعتمد عليه. والمعنى ان فرعون أعرض عن حجة موسى ولم ينظر فيها بقوته في نفسه {وقال ساحر} أي هو ساحر {أو مجنون} فالسحر حيلة توهم المعجزة بحال خفية. واصله خفاء الأمر فمنه السحر الوقت الذي يخفى فيه الشخص. والسحر الرئة لخفاء سببها فى الترويح عن القلب بها. والسحارة لخفاء السبب فى تلون خيطها. والمجنون الذي أصابته جنة فذهب عقله. وقال الزجاج (او) هٰهنا بمعنى الواو، والتقدير ساحر ومجنون. وقال غيره: في ذلك دلالة على عظم جهل فرعون، لان الساحر هو اللطيف الحيلة وذلك ينافي صفة المجنون المختلط العقل، فكيف يوصف شخص واحد بهاتين الصفتين فقال الله تعالى مخبراً عن نفسه {فأخذناه وجنوده فنبذناهم} يعني إنا نبذنا فرعون وجنوده {في أليم} أي طرحناه في البحر كما يلقى الشيء في البر {وهو مليم} أي آت بما يلام عليه من الكفر والجحود والعتو والتجبر والتكبر واحد. والملوم الذي وقع به اللوم، والمليم الذي أتى بما يلام عليه. وقوله {وفي عاد} عطف ايضاً على قوله {وتركنا فيها} أي وتركنا فى عاد ايضاً آية أي دلالة فيها عظة {إذ أرسلنا} أي اطلقنا {عليهم الريح العقيم} وهي التي عقمت عن ان تأتي بخير من تنشئة سحاب او تلقيح شجرة او تذرية طعام او نفع حيوان، فهي كالممنوعة من الولادة. وجمع الريح أرواح ورياح، ومنه راح الرجل إلى منزله أي رجع كالريح، والراحة قطع العمل المتعب. وقال ابن عباس: الريح العقيم التي لا تلقح الشجر ولا تنشىء السحاب. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال "حديث : نصرت بالصبا واهلكت عاد بالدبور ". تفسير : وقوله {ما تذر من شيء أتت عليه} أى لم تترك هذه الريح شيئاً تمر عليه {إلا جعلته كالرميم} وهو السحيق الذي انتفى رمه بانتفاء ملاءمة بعضه لبعض، وأما رمه يرمه رماً فهو رام له والشيء مرموم فهو المصلح بملاءمة بعضه لبعض، وهو اصل الرميم الذي رمه بنقصه. وقيل: الرميم الذى ديس من يابس النبات. وقيل: الرميم العظم البالي المنسحق. وقوله {وفي ثمود إذ قيل لهم} أيضاً عطف على قوله {وتركنا فيها آية.. وفي ثمود} وهم قوم صالح لما كفروا وجحدوا نبوة صالح وعقروا ناقة الله واستحقوا الاهلاك {قيل لهم تمتعوا حتى حين} أى انتفعوا فى اسباب اللذات من المناظر الحسنة والروائح الطيبة والاصوات السجية وكل ما فيه منفعة على هذه الصفة {حتى حين} أى إلى حين قدر الله ابقاءكم اليه. وقيل: إلى حين آجالكم إن اطعتم الله - في قول الحسن - {فعتوا عن أمر ربهم} فالعتو الامتناع عن الحق، وهو الجفاء عنه ترفعاً عن إتباع الداعي اليه {فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون} أى ارسل الله اليهم الصاعقة التي أهلكتهم واحرقتهم وهم يبصرونها {فما استطاعوا من قيام} أى لم يقدروا على النهوض به {وما كانوا منتصرين} أى طالبين ناصراً يمنعهم من عذاب الله - عز وجل - وقرأ الكسائي {الصعقة} بغير الف. وقد بيناه.

اطفيش

تفسير : {وَفِي مُوسَى} عطف على في الارض أو على فيها على حذف مضاف أي في قصة موسى أو ارساله والمعنى صحيح بلا تقدير الجعل وقيل يقدر وجعلنا في موسى آية كقوله* شعر : علفتها تبناً وماء بارداً تفسير : أي وسقيتها ماء* {إِذْ أَرْسَلْنَاهُ} متعلق بالترك أو بالجعل أو باستقرار قوله في الارض {إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ} بحجة* {مُّبِينٍ} واضحة وهي معجزاته كاليد والعصا ويتعلق بمحذوف حال أو بأرسلناه

اطفيش

تفسير : {وفي مُوسَى} أى وجعلنا فى موسى، وهذه الجملة معطوفة على قوله: {تركنا فيها آية} أو عطف على فيها بتغليب معنى ابقاء الآية فى تلك القرى، على جعل آية فى موسى، أو على سبيل المشاكلة، ولا يصح عطفه على فيها بلا تأويل بما ذكرته، لأن قوله: {تركنا فيها آية} معطوف على ما الفحص الشديد، وهو "ما وجدنا فيها غير" الخ، وليس الفحص مرادا فى موسى، ويجوز أن يقدر: وفى موسى آية، ويضعف عطفه على فى الأرض لكثرة الفصل. {إذْ أرسَلناهُ} بدل من موسى كذا قيل، وفيه أنه لا تدخل فى على إذا لا على أنه يغتفر فى التابع مالا يغتفر فى المتبوع، أو يعلق بما علق به فى موسى، وهو جعلنا أو تركنا، أو عامل الاستقرار اذا قدر، وفى موسى آية {إلى فرعَون بسلطان مبُينٍ} بحجة قوية كاليد والعصا، أطلق السلطان على المتعدد، لأنه فى الأصل مصدر.

الالوسي

تفسير : {وَفِى مُوسَىٰ } عطف على { أية : وَتَرَكْنَا فِيهَا } تفسير : [الذاريات: 37] بتقدير عامل له أي وجعلنا في موسى. والجملة معطوفة على الجملة، أو هو عطف على {فِيهَا } بتغليب معنى عامل الآية، أو سلوك طريق المشاكلة في عطفه على الأوجه التي ذكرها النحاة في نحو: شعر : علفتها تبناً وماءاً بارداً تفسير : لا يصح تسليط الترك بمعنى الإبقاء على قوله سبحانه: {وَفِى مُوسَىٰ } فقول أبـي حيان: لا حاجة إلى إضمار تركنا لأنه قد أمكن العامل في المجرور { أية : تَّرَكْنَا } تفسير : [الذاريات: 37] الأول فيه بحث، وقيل: {فِى مُوسَىٰ } خبر لمبتدأ محذوف أي وفي موسى آية، وجوز ابن عطية وغيره أن يكون معطوفاً على قوله تعالى: { أية : وَفِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [الذاريات: 20] وما بينهما اعتراض لتسليته عليه الصلاة والسلام على ما مر، وتعقبه في «البحر» بأنه بعيد جداً ينزه القرآن الكريم عن مثله. {إِذْ أَرْسَلْنَـٰهُ } قيل: بدل من {مُوسَىٰ }، وقيل: هو منصوب بآية، وقيل: بمحذوف أي كائنة وقت إرسالنا، وقيل: بتركنا. {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ } هو ما ظهر على يديه من المعجزات الباهرة، والسلطان يطلق على ذلك مع شموله للواحد والمتعدد لأنه في الأصل مصدر.

ابن عاشور

تفسير : قوله: {وفي موسى} عطف على قوله: {أية : فيها آية}تفسير : [الذاريات: 37]. والتقدير: وتركنا في موسى آية، فهذا العطف من عطف جملة على جملة لتقديرِ فعل: تَركْنا، بعد واوِ العطف، والكلام على حذف مضاف أي في قصة موسى حين أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين فتولى الخ، فيكون الترك المقدر في حرف العطف مراداً به جعل الدلالة باقية فكأنها متروكة في الموضع لا تنقل منه كما تقدم آنفاً في بيت عنترة. وأعقب قصة قوم لوط بقصة موسى وفرعون لشهرة أمر موسى وشريعته، فالترك المقدر مستعمل في مجازيه المرسل والاستعارة. وفي الواو استخدام مثل استخدام الضمير في قول معاوية بن مالك الملقب معوِّد الحكماء (لقبوه به لقوله في ذكر قصيدته):شعر : أعَوِّد مثلها الحكماء بعدي إذا ما ألحق في الحدثان نابا إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا تفسير : والمعنى: أن قصة موسى آية دائمة. وعقبت قصة قوم لوط بقصة موسى وفرعون لما بينهما من تناسب في أن العذاب الذي عذب به الأمّتان عذاب أرضي إذ عذب قوم لوط بالحجارة التي هي من طين، وعذب قوم فرعون بالغرق في البحر، ثم ذكر عاد وثمود وكان عذابهما سماوياً إذ عذبت عاد بالريح وثمود بالصاعقة. والسلطان المبين: الحجة الواضحة وهي المعجزات التي أظهرها لفرعون من انقلاب العصا حية، وما تلاها من الآيات الثمان. والتولي حقيقته: الانصراف عن المكان. والركن حقيقته: ما يعتمد عليه من بناء ونحوه، ويسمى الجسدُ ركناً لأنه عماد عمل الإِنسان. وقوله: {فتولى بركنه} تمثيل لهيئة رفضه دعوة موسى بهيئة المنصرف عن شخص. وبإيرادِ قوله: {بركنه} تَمَّ التمثيل ولولاه لكان قوله: {تولى} مجرد استعارة. والباء للملابسة، أي ملابساً ركنه كما في قوله: {أية : أعرَضَ ونأَى بجانبه}تفسير : [الإسراء: 83]. والمليم: الذي يجعل غيره لائماً عليه، أي وهو مذنب ذنباً يلومه الله عليه، أي يؤاخذه به. والمعنى: أنه مستوجب العقاب كما قال: {أية : فلا تلوموني ولوموا أنفسكم}تفسير : [إبراهيم: 22]. والمعنى: أن في قصة موسى وفرعون آيةً للذين يخافون العذاب الأليم فيجتنبون مثل أسباب ما حل بفرعون وقومه من العذاب وهي الأسباب التي ظهرت في مكابرة فرعون عن تصديق الرسول الذي أرسل إليه، وأن الذين لا يخافون العذاب لا يؤمنون بالبعث والجزاء لا يتعظون بذلك لأنهم لا يصدقون بالنواميس الإِلهية ولا يتدبرون في دعوة أهل الحق فهم لا يزالون مُعرضين ساخرين عن دعوة رسولهم متكبرين عليه، مُكابرين في دلائل صدقه، فيوشك أن يحل بهم من مثل ما حلّ بفرعون وقومه، لأن ما جاز على المثل يجوز على المماثل، وقد كان المسلمون يقولون: إن أبا جهل فِرعون هذه الأمة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون: أي فكذبه وكفر، فأغرقناه ومن معه آية كآية سدوم. بسلطان مبين: أي بحجة ظاهرة قوية وهي اليد والعصا. فتولى بركنه: أي أعرض عن الإِيمان مع رجال قومه. وقال ساحر أو مجنون: أي وقال فرعون في شأن موسى ساحر أو مجنون. فنبذناهم في اليم: أي طرحناهم في البحر فغرقوا أجمعين. وهو مليم: أي آتٍ بما يُلام عليه إذ هو الذي عرض جيشاً كاملاً للهلاك زيادة على ادعائه الربوبية وتكذيبه لموسى وهارون وهما رسولان. وفي عاد: أي وفي إهلاك عاد آية أي علامة على قدرتنا وتدبيرنا. الريح العقيم: أي التي لا خير فيها لأنها لا تحمل المطر ولا تلقح الشجر وهي الدبور، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم نصرت بالصبا وهي الريح الشرقية وأهلكت عاد بالدبور وهي الريح الغربية في الحجاز. ما تذر من شيء أتت عليه: من نفس أو مال. إلا جعلته كالرميم: أي البالي المتفتت. وفي ثمود: أي وفي إهلاك ثمود آية دالة على قدرة الله وكرهه تعالى للكفر والإِجرام. إذ قيل لهم: أي بعد عقر الناقة تمتعوا إلى انقضاء آجالكم بعد ثلاثة أيام. فأخذتهم الصاعقة: أي بعد ثلاثة أيام من عقر الناقة. فما استطاعوا من قيام: أي ما قدروا على النهوض عند نزول العذاب بهم. وقوم نوح من قبل: أي وفي إهلاك قوم نوح بالطوفان آية وأعظم آية. معنى الآيات: قوله تعالى: {وَفِي مُوسَىٰ} الآية إنه تعالى لما ذكر إهلاك قوم لوط وجعل في ذلك آية دالةً على قدرته وعلامةً تدل العاقل على نقمه تعالى ممن كفر به وعصاه ذكر هنا في هذه الآيات التسع من هذا السياق أربع آيات أخرى، يهتدي بها أهل الإِيمان الذين يخافون يوم الحساب فقال عز من قائل: وفي موسى بن عمران نبي بني إسرائيل إذ أرسلناه إلى فرعون ملك القبط بمصر {بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي بحجة قوية ظاهرة قوة السلطان وظهوره وهي العصا فلم يستجب لدعوة الحق فتولى بركنه أي بجنده الذي يركن إليه ويعتمد عليه، وقال في موسى رسول الله إليه: هو ساحر أو مجنون فانتقمنا منه بعد الإِصرار على الكفر والظلم فنبذناهم أي طرحناهم في اليم البحر فهلكوا بالغرق. في هذا الصنيع الذي صنعناه بفرعون لما كذب آيةٌ من أظهر الآيات. وقوله تعالى: {وَفِي عَادٍ} حيث أرسلنا إليه أخاهم هوداً فدعاهم إلى عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه فكذبوه {إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ} التي لا تحمل مطراً ولا تلقح شجراً ما تذر من شيء أتت عليه أي مرت به من أنفس أو أموال إلا جعلته كالرميم البالي المتفتت في هذه الإهلاك آية من أعظم الآيات الدالة على قدرة الله الموجبة لربوبيته وعبادته والمستلزمة لقدرته تعالى على البعث والجزاء يوم القيامة. وقوله تعالى {وَفِي ثَمُودَ} إذ أرسلنا إليهم أخاهم صالحاً فدعاهم إلى عبادة الله وحده وترك الشرك فكذبوه وطالبوه بآية تدل على صدقه فأعطاهم الله الناقة آية فعقروها استخفافاً منهم وتكذيباً {إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُواْ حَتَّىٰ حِينٍ} أي إلى إنقضاء الأجل الذي حدد لهلاكهم. فبدل أن يؤمنوا ويسلموا فيعبدوا الله ويوحدوه عتوا عن أمر ربهم وترفعوا متكبرين {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ} صاعقة العذاب وهم ينظرون بأعينهم الموت يتخطفهم {فَمَا ٱسْتَطَاعُواْ مِن قِيَامٍ} من مجالسهم وهم جاثمون على الركب {وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ} في إهلاك ثمود أصحاب الحجر آية للذين يخافون العذاب الأليم فلا يفعلوا فعلهم حتى لا يهلكوا هلاكهم. وقوله تعالى: {وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ} أي وفي إرسالنا نوحاً إلى قومه وتكذيبهم إياه وإصرارهم على الشرك والكفر والتكذيب ثم إهلاكنا لهم بالطوفان وانجائنا المؤمنين آية من أعظم الآيات الدالة على وجود الله تعالى وربوبيته وألوهيته للعالمين، والمستلزمة لقدرته على البعث والجزاء الذي يصر الملاحدة على إنكاره ليواصلوا فسقهم وفجورهم بلا تأنيب ضمير ولا حياء ولا خوف أو وجل. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير كل من التوحيد والنبوة والبعث لما في الآيات من دلائل على ذلك. 2- قوة الله تعالى فوق كل قوة إذ كل قوة في الأرض هو الذي خلقها ووهبها. 3- اتهام المبطلين لأهل الحق دفعاً للحق وعدم قبول له يكاد يكون سنة بشرية في كل زمان ومكان. 4- من عوامل الهلاك العتو عن أمر الله أي عدم الإِذعان لقبوله، والفسق عن طاعته وطاعة رسله.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَرْسَلْنَاهُ} {بِسُلْطَانٍ} (38) - وَجَعَلْنا في قِصَّةِ مُوسى عِظَةً لِقَومٍ يَعْقِلُونَ، إذْ أرْسَلَهُ اللهُ إلى فِرْعَونَ بِحُجَجٍ ظَاهِرَةٍ، وَمُعْجِزاتٍ وَاضِحَةٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أنْ حدَّثتنا الآيات عن طرف من قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام تُحدثنا الآن عن سيدنا موسى عليه السلام، لماذا؟ لأن القرآن كثيراً ما يأتي بإبراهيم وموسى في قرن واحد لما بينهما من تشابه في مسيرة الدعوة إلى الله. اقرأ: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ}تفسير : [الأعلى: 18-19] وقال: {أية : أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ}تفسير : [النجم: 36-37]. فالقرآن يربط بينهما لأن سيدنا إبراهيم أول ما تعرَّض في أمر الدعوة تعرَّض للرجل الذي حاجَّه في ربه، ويبدو من سياق القصة أنه ادَّعى الألوهية بدليل قوله {أية : أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ ..}تفسير : [البقرة: 258]. وبعد ذلك كان لإبراهيم مواقف في إظهار آيات الله للناس، فهو أول مَنْ علَّمهم أنْ ينظروا في الآيات الكونية، ثم كانت له مواقف مع عبدة الأصنام، خاصة مع أبيه آزر، ثم جاءت أحداث إلقائه في النار، ثم رُزِقَ الولد، وابتُلِي بالأمر بذبحه، ثم جاءت قصة بناء البيت، إلى آخر أحداث قصته. لذلك قال الله في شأنه: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ}تفسير : [البقرة: 124] أي: أدّاها كاملة لا بالمنطق العادي في الأشياء، إنما بمنطق الإجادة والإحسان، لذلك مدحه ربُّه فقال: {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [النحل: 120] أي: يجمع من خصال الخير ما لا يتوفر إلا في أمة كاملة. كذلك مَرَّ سيدنا موسى عليه السلام بمواقف وابتلاءات مشابهة في رحلة دعوته لفرعون الذي ادَّعى الألوهية، فقال لقومه: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي ..}تفسير : [قصص: 38]. الواو في {وَفِي مُوسَىٰ ..} [الذاريات: 38] عاطفة، فالمعنى في موسى آية من آيات الله معطوفة على قوله تعالى: {أية : وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ}تفسير : [الذاريات: 20] كذلك في موسى آيات {إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} الذاريات: 38] أي: بحجة واضحة بيِّنة. وسبق أنْ أوضحنا أن السلطان قد يكون سلطانَ قوة وقهر تخضع المقابل، أو سلطانَ برهان وحجة يقنعه. سلطان القهر يقهر القالب، وسلطان الحجة يقنع العقل ويستميل القلب، وموسى عليه السلام لم يكُنْ يملك إلا حجةَ الإقناع، ولا قوة له على فرعون يقهره بها، فأعطاه الله سلطاناً مبيناً يقنع به فرعون، وهو الآيات والمعجزات التي صاحبتْ دعوته. والمعجزة لا تؤتي ثمارها في القوم إلا إذا كانت من جنس ما نبغوا فيه وأتقنوه، ولو تحداهم بشيء لا يعرفونه ما كان للتحدي معنى، لذلك كانت معجزة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، لأن العرب نبغوا في البلاغة والفصاحة، فتحدَّاهم بما نبغوا فيه. أما قوم فرعون فقد نبغوا في السحر فكانوا سحرة، لكن مُكرهين على السحر بدليل أن فرعون لما استدعاهم من الآفاق لمقابلة موسى بسحرهم قالوا {أية : أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَالِبِينَ}تفسير : [الشعراء: 41] لأن الأعمال التي كانوا يعملونها كانت سُخْرة بدون أجر، كما رأينا مثلاً في بناء الأهرامات. والأصل في دعوة سيدنا موسى أنه ما جاء ليدعو فرعون إنما ليأخذ منه بني إسرائيل، ولينقذهم من بطشه، هذا هو الأصل لكن جاءتْ دعوته لفرعون على هامش هذا الأصل وتابعة له، بدليل قوله تعالى: {أية : فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ ..}تفسير : [طه: 47]. فقبل أنْ يدعو موسى بني إسرائيل كان عليه أنْ يخلصهم من فرعون واستبداده بهم، ومعلم أن فرعون اضطهد بني إسرائيل لأنهم ساعدوا الهكسوس لما أغاروا على مصر وتعاونوا معهم ضد فرعون، حتى انتصر الهكسوس وألغوا الفرعونية وجعلوها ملكية. لذلك عرفنا أن الهكسوس دخلوا مصر في عهد سيدنا يوسف عليه السلام، لأن القرآن لما تكلَّم عن حكام مصر تكلم عن فرعون، لكن لما ذكر يوسف ذكر لفظ الملك {أية : وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ..}تفسير : [يوسف: 50] ولم يأتِ بلفظ الفرعون. فلما أراد الحق سبحانه أنْ يُخلِّص بني إسرائيل من قبضة فرعون أرسل موسى لهذه المهمة. وقوله تعالى: {فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} [الذاريات: 39] أي: فرعون أعرض عن موسى ودعوته {بِرُكْنِهِ ..} [الذاريات: 39] أي: أعرض بسبب ركنه. أي: قوته وسلطانه وجبروته واستعلائه في الأرض. أو برُكْنه يعني بجانبه. وحين تُعرض عن إنسان تعطيه جانبك، ثم تدير له ظهرك بعد أنْ كنتَ في مواجهته، وهذا المسألة صوَّرها القرآن الكريم بقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ..}تفسير : [التوبة: 34-35]. وبهذا الترتيب يكون الإعراض عن طالب الحاجة، حيث يُعرض أولاً بوجهه، ثم بجنبه، ثم بظهره، وهكذا يكون الكَيُّ يوم القيامة جزاءً وفاقاً، وعلى قَدْر حركات الامتناع عن الخير. وقوله: {وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} [الذاريات: 39] تأمل التناقض حتى في الاتهام، فالساحر له قدرة على ترتيب الأشياء، وعنده ذكاء بحيث يُخيِّل للناس رؤية الأشياء على خلاف ما هي، أما المجنون فعلى خلاف ذلك، لأنه لا يُرتِّب الأشياء، ولا قدرةَ له على السيطرة على مراداته ونزوعه، لكنه تخبُّط الباطل وإفلاسه. ثم ينتقم الحق سبحانه من فرعون {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ} [الذاريات: 40] أخذهم الله بأنْ ألقى في نفوسهم حبّ اللحاق بموسى وأغراهم بذلك حتى تبعوهم وخاضوا البحر خلفهم. فأطبق الله عليهم الماء فأغرقهم بعد أنْ نجَّى موسى وبني إسرائيل {فَنَبَذْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ ..} [الذاريات: 40] ألقيناهم في البحر (وهو) أي فرعون {وَهُوَ مُلِيمٌ} [الذاريات: 40] أي: فعل ما يُلام عليه من عُتوه وجبروته وادعائه للألوهية. والمعنى: أن الله تعالى لم يُهلكه وجنودَه بظلم أو جبروت، إنما أهلكهم بما يستحقون من العذاب.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى قصة ضيف إِبراهيم الذين أُرسلوا لهلاك قوم لوط أتبعه بذكر قصص الأمم الطاغية، فذكر منهم فرعون وجنوده، وعاداً، وثمود، وقوم نوح، تسلية للنبي عليه السلام، وتذكيراً للأنام بانتقام الله من أعدائه وأعداء رسله، ثم ذكر دلائل القدرة والوحدانية، وختم السورة الكريمة بإِنذار المكذبين الضالين. اللغَة: {نَبَذْنَاهُمْ} طرحناهم {ٱلْيَمِّ} البحر {مُلِيمٌ} آتٍ بما يلام عليه {ٱلرَّمِيمِ} الشيء الهالك البالي قال الزجاج: الرميمُ: الورق الجاف المتحطم مثل الهشيم، ورمَّ العظم إِذا بلي فهو رِمَّة ورميم قال جرير يرثي ابنه: شعر : تركْتني حين كفَّ الدهر من بصري وإِذْ بقيتُ كعظم الرمَّة البالي تفسير : {ٱلْمَاهِدُونَ} مهدتُ الفراش مهداً بسطته ووطأته، والتمهيد تسوية الشيء وإِصلاحه {ذَنُوباً} الذَّنوب: بفتح الذال النصيب من العذاب. التفِسير: {وَفِي مُوسَىٰ إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ} أي وجعلنا في قصة موسى أيضاً آيةً وعبرة وقت إِرسالنا له إِلى فرعون {بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي بحجة واضحة ودليلٍ باهر {فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ} أي فأعرض عن الإِيمان بموسى بجموعه وأجناده، وقوته وسلطانه قال مجاهد: تعزَّز عدوُّ الله بأصحابه والغرض أن فرعون أعرض عن الإِيمان بسبب ما كان يتقوى به من جنوده لأنهم كانوا له كالركن الذي يعتمد عليه البنيان {وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} أي وقال اللعين في شأن موسى إِنه ساحرٌ ولذلك أتى بهذه الخوارق، أو مجنون ولذلك ادَّعى الرسالة، وإِنما قال ذلك تمويهاً على قومه لا شكاً منه في صدق موسى {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ} أي فأخذنا فرعون مع أصحابه وجنوده {فَنَبَذْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ} أي فطرحناهم في البحر لما أغضبونا وكذبوا رسولنا {وَهُوَ مُلِيمٌ} أي وهو آتٍ بما يلام عليه من الكفر والطغيان.. ثم لما انتهى من قصة فرعون أعقبها بذكر قصة عاد فقال {وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ} أي وجعلنا في قصة عاد كذلك آية لمن تأمل حين أرسلنا عليهم الريح المدمرة، التي لا خير فيها ولا بركة، لأنها لا تحمل المطر ولا تلقّح الشجر، وإِنما هي للإِهلاك، وهي الريح التي تسمَّى الدبور وفي الصحيح "حديث : نُصرت بالصبا وأُهلكت عادٌ بالدَّبور"تفسير : قال المفسرون: سميت {ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ} تشبيهاً لها بعقم المرأة الي لا تحمل ولا تلد، ولما كانت هذه الريح لا تلقح سحاباً ولا شجراً، ولا خير فيها ولا بركة لأنها لا تحمل المطر شبهت بالمرأة العقيم {مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ} أي ما تترك شيئاً مرَّت عليه في طريقها مما أراد الله تدميره وإِهلاكه {إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ} أي إِلا جعلته كالهشيم المتفتت البالي قال ابن عباس: {كَٱلرَّمِيمِ} الشيء الهالك البالي وقال السدي: هو التراب والرماد المدقوق كقوله تعالى: {أية : تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا}تفسير : [الأحقاف: 25] قال المفسرون: كانت الريح التي أرسلها الله عليهم ريحاً صرصراً عاتية، استمرت عليهم ثمانية أيام متتابعة، فكانت تهدم البنيان وتنتزع الرجال فترفعهم إِلى السماء حتى يرى الواحد منهم كالطير ثم ترمي به إلى الأرض جثة هامدة {أية : كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ}تفسير : [الحاقة: 7] .. ثم أخبر تعالى عن هلاك ثمود فقال {وَفِي ثَمُودَ} أي وجعلنا ثمود أيضاً آية وعبرة {إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُواْ حَتَّىٰ حِينٍ} أي حين قيل لهم عيشوا متمتعين بالدنيا إِلى وقت الهلاك بعد عقرهم للناقة، وهو ثلاثة أيام كما في هود {أية : فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ}تفسير : [هود: 65] {فَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ} أي فاستكبروا عن امتثال أمر الله، وعصوا رسولهم فعقروا الناقة {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ} أي فأخذتهم الصيحة المهلكة - صيحة العذاب - {وَهُمْ يَنظُرُونَ} أي وهم يشاهدونها ويعاينونها لأنها جاءتهم في وضح النهار قال ابن كثير: وذلك أنهم انتظروا العذاب ثلاثة أيام فجاءهم في صبيحة اليوم الرابع بكرة النهار وقال الألوسي: إِن صالحاً عليه السلام وعدهم بالهلاك بعد ثلاثة أيام وقال لهم: تصبح وجوهكم غداً مصفرة، وبعد غد محمرة، وفي اليوم الثالث مسودَّة، ثم يصبحكم العذاب، فلما رأوا الآيات التي بينها عليه السلام عمدوا إِلى قتله فنجاه الله، وفي اليوم الرابع أتتهم الصاعقة وهي نار من السماء وقيل صيحة فهلكوا {فَمَا ٱسْتَطَاعُواْ مِن قِيَامٍ} أي ما قدروا على الهرب والنهوض من شدة الصيحة، بل أصبحوا في ديارهم جاثمين {وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ} أي وما كانوا ممن ينتصر لنفسه فيدفع عنها العذاب.. ثم أخبر تعالى عن هلاك قوم نوح فقال: {وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ} أي وأهلكنا قوم نوحٍ بالطوفان من قبل إِهلاك هؤلاء المذكورين {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ} تعليلٌ للهلاك أي لأنهم كانوا فسقةً خارجين عن طاعة الرحمن بارتكابهم الكفر والعصيان.. ولما انتهى من أخبار هلاك الأمم الطاغية المكذبة، شرع في بيان دلائل القدرة والوحدانية فقال {وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ} أي وشيدنا السماء وأحكمنا خلقها بقوةٍ وقدرة قال ابن عباس: {بِأَيْدٍ} بقوة {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} أي وإِنا لموسعون في خلق السماء، فإِن الأرض وما يحيط بها من الهواء والماء بالنسبة لها كحلقة صغيرة في فلاة كما ورد في الأحاديث وقال ابن عباس: {لَمُوسِعُونَ} أي لقادرون، من الوسع بمعنى الطاقة {وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَاهَا} أي والأرض مهدناها لتستقروا عليها، وبسطناها لكم ومددنا فيها لتنتفعوا بها بالطرقات وأنواع المزروعات، ولا ينافي ذلك كرويتها، فذلك أمرٌ مقطوع به، فإِنها مع كرويتها واسعة ممتدة، فيها السهول الفسيحة، والبقاع الواسعة، مع الجبال والهضاب ولهذا قال تعالى {فَنِعْمَ ٱلْمَاهِدُونَ} أي فنعم الباسطون الموسعون لها نحن، وصيغة الجمع للتعظيم {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} أي ومن كل شيء خلقنا صنفين ونوعين مختلفين ذكراً وأنثى، وحلواً وحامضاً ونحو ذلك {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أي كي تتذكروا عظمة الله فتؤمنوا به، وتعلموا أن خالق الأزواج واحد أحد {فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} أي الجأوا إِلى الله، واهرعوا إِلى توحيده وطاعته قال أبو حيان: والأمر بالفرار إِلى الله أمرٌ بالدخول في الإِيمان وطاعة الرحمن، وإِنما ذكر بلفظ الفرار لينبه على أن وراء الناس عقاباً وعذاباً، وأمرٌ حقه أن يُفر منه، فقد جمعت اللفظة بين التحذير والاستدعاء، ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا ملجأ ولا منجى منك إِلا إِليك"تفسير : وقال ابن الجوزي: المعنى اهربوا مما يوجب العقاب من الكفر والعصيان، إِلى ما يوجب الثواب من الطاعة والإِيمان {إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ} أي إِني أنذركم عذاب الله وأخوفكم انتقامه {مُّبِينٌ} أي واضحٌ أمري فقد أيدني الله بالمعجزات الباهرات {وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ} أي لا تشركوا مع الله أحداً من بشر أو حجر {إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} كرر اللفظ للتأكيد والتنبيه إِلى خطر الإِشراك بالله قال الخازن: وإِنما كرر اللفظ عند الأمر بالطاعة، والنهي عن الشرك، ليعلم أن الإِيمان لا ينفع إِلاّ مع العمل، كما أن العمل لا ينفع إِلا مع الإِيمان، وأنه لا يفوز وينجو عند الله إِلاّ الجامع بينهما {كَذَلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أي كما كذبك قومك يا محمد، وقالوا عنك إِنك ساحرٌ أو مجنون، كذلك قال المكذبون الأولون لرسلهم، فلا تحزن لما يقول المجرمون {أَتَوَاصَوْاْ بِهِ} أي هل أوصى أولهُم آخرهم بالتكذيب؟ وهو استفهام للتعجب من إِجماعهم على تلك الكلمة الشنيعة، ثم أضرب عن هذا النفي والتوبيخ فقال {بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} أي لم يوص بعضهم بعضاً بذلك، بل حملهم الطغيان على التكذيب والعصيان فلذلك قالوا ما قالوا {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} أي فأعرض يا محمد عنهم {فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ} أي فلا لوم عليك ولا عتاب، لأنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة، وبذلت الجهد في النصح والإِرشاد {وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي لا تدع التذكير والموعظة فإِن القلوب المؤمنة تنتفع وتتأثر بالموعظة الحسنة.. ثم ذكر تعالى الغاية من خلق الخلق فقال {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} أي وما خلقت الثقلين الإِنس والجن إِلا لعبادتي وتوحيدي، لا لطلب الدنيا والانهماك بها قال ابن عباس: {إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} إِلا ليقروا لي بالعبادة طوعاً أو كرهاً وقال مجاهد: إِلا ليعرفوني قال الرازي: لما بيَّن تعالى حال المكذبين ذكر هذه الآية ليبيّن سوء صنيعهم حيث تركوا عبادة الله مع أن خلقهم لم يكن إِلا للعبادة {مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ} أي لا أريد منهم أن يرزقوني أو يرزقوا أنفسهم أو غيرهم بل أنا الرزَّاق المعطي {وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ} أي ولا أُريد منهم أن يطعموا خلقي ولا أن يطعموني فأنا الغني الحميد قال البيضاوي: والمراد أن يبيّن أن شأنه مع عباده ليس شأن السادة مع عبيدهم، فإِنهم إِنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم، فكأنه سبحانه يقول: ما أريد أن أستعين بهم كما يستعين السادة بعبيدهم، فليشتغلوا بما خلقوا له من عبادتي {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ} أي إِنه جل وعلا هو الرازق، المتكفل بأرزاق العباد وحاجاتهم، أتى باسم الجلالة الظاهر للتفخيم والتعظيم، وأكد الجملة بإِن والضمير المنفصل لقطع أوهام الخلق في أمور الرزق، وليقوي اعتمادهم على الله {ذُو ٱلْقُوَّةِ} أي ذو القدرة الباهرة {ٱلْمَتِينُ} أي شديد القوة لا يطرأ عليه عجزٌ ولا ضعف قال ابن كثير: أخبر تعالى أنه غير محتاج إِليهم، بل هم الفقراء إِلى الله في جميع أحوالهم فهو خالقهم ورازقهم، وفي الحديث القدسي "حديث : يا بان آدم تفرَّغ لعبادتي أملأُ صدرك غنى، وإِلا تفعل ملأتُ صدرك شغلاً ولم أسدَّ فقرك"تفسير : {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوباً مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ} أي فإِن لهؤلاء الكفار الذين كذبوا الرسول صلى الله عليه وسلم نصيباً من العذاب مثل نصيب أسلافهم الذين أُهلكوا كقوم نحو وعاد وثمود {فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ} أي فلا يتعجلوا عذابي فإِنه واقع لا محالة إِن عاجلاً أو آجلاً {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ} أي هلاك ودمار وشدة عذاب لهؤلاء الكفار في يوم القيامة الذي وعدهم الله به. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق {أية : وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ}تفسير : [الذاريات: 19] لأن السائل الطالب، والمحروم المتعفف. 2- تأكيد الخبر بالقسم وإِنَّ واللام {أية : فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ}تفسير : [الذاريات: 23] ويسمى هذا الضرب إنكارياً، لأن المخاطب منكر لذلك. 3- أسلوب التشويق والتفخيم {أية : هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ}تفسير : [الذاريات: 24]. 4- الاستعارة {فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ} استعار الركن للجنود والجموع لأنه يحصل بهم التقوى والاعتماد كما يعتمد على الركن في البناء أو استعارة للقوة والشدة. 5- المجاز العقلي {وَهُوَ مُلِيمٌ} أطلق اسم الفاعل على اسم المفعول أي ملام على طغيانه. 6- الاستعارة التبعية {ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ} شبه إِهلاكهم وقطع دابرهم بعقم النساء وعدم حملهن ثم أطلق المشبه به على المشبه واشتق منه العقيم بطريق الاستعارة. 7- حذف الإِيجاز {أية : قَوْمٌ مُّنكَرُونَ}تفسير : [الذاريات: 25] أي أنتم قوم منكرون ومثلها {أية : عَجُوزٌ عَقِيمٌ}تفسير : [الذاريات: 29] أي أنا عجوز. 8- التشبيه المرسل المجمل {ذَنُوباً مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ} أي نصيباً من العذاب مثل نصيب أسلافهم المكذبين في الشدة والغلظة، حذف منه وجه الشبه فهو مجمل. 9- الإِطناب بتكرار الفعل {مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ} للمبالغة والتأكيد. 10- السجع الرصين غير المتكلف الذي يزيد في جمال الأسلوب ورونقه مثل {وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ.. وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ ٱلْمَاهِدُونَ} وهو من المحسنات البديعية. لطيفَة: ذكر أن أعرابياً سمع قارئاً يقرأ {أية : وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُون} تفسير : [الذاريات: 22-23] فقال: يا سبحان الله من الذي أغضب الجليل حتى حلف! ألم يصدقوه في قوله حتى ألجئوه إِلى اليمين؟ يا ويح الناس!!

الأندلسي

تفسير : {بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} هو البرهان الذي ظهر على يديه من قلب العصا واليد البيضاء وغير ذلك. {فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ} أي أعرض وازور كما قال ونأى بجانبه. {وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} تردد في كذبه. {فَنَبَذْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ} أي رميناهم في البحر كما يرمي الحصا. {وَهُوَ مُلِيمٌ} أي أتى من المعاصي بما يلام عليه من دعواه الإِلهية وغير ذلك والعقيم والتي لا خير منها من إنساء مطر أو إلقاح شجر. {مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ} أي سلطت عليه. {إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ} جملة حالية والرميم تقدم تفسيرة في يس. {تَمَتَّعُواْ حَتَّىٰ حِينٍ} قال الحسن: هذا كان حين بعث إليهم صالح أمروا بالإِيمان بما جاء به والتمتع إلى أن تأتي آجالهم ثم أنهم عتوا بعد ذلك ولذلك جاء العطف بالفاء المقتضية تأخر العتو عن ما أمروا به فهو مطابق لفظاً ووجوداً والصاعقة الصيحة. {وَهُمْ يَنظُرُونَ} أي فجأة وهم ينظرون بعيونهم وكانت نهاراً أو هم ينظرون ينتظرون ذلك في تلك الآيام الثلاثة التي أعلموا فيها ورأوا علاماته في قلوبهم وانتظار العذاب أشدّ من العذاب. {فَمَا ٱسْتَطَاعُواْ مِن قِيَامٍ} كقوله فأصبحوا في دارهم جاثمين ونفي الاستطاعة أبلغ من نفي القدرة. {وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ} أبلغ من نفي الإِنتصار أي فما قدروا على الهرب ولا كانوا ممن ينتصر لنفسه فيدفع ما حل به. وقرىء وقوم نوح بالجر عطفاً على المجرور قبل ذلك وبالنصب على إضمار فعل تقديره وأهلكنا قوم نوح. {وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ} أي وبنينا السماء فهو من باب الاشتغال وكذا والأرض فرشناها وبأيد أي بقوة قاله ابن عباس. {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} أي بناءها فالجملة حالية أي بنيناها بتوسيعها كقوله: جاء زيد وإنه لمسرع أي مسرعاً فهي بحيث أن الأرض وما يحيط بها من الماء والهواء كالنقطة في وسط الدائرة. {فَنِعْمَ ٱلْمَاهِدُونَ} المخصوص بالمدح محذوف تقديره نحن. {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} أي من الحيوان خلقنا زوجين ذكراً وأنثى. {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} عظيم قدرنا. {فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} أمر بالدخول في الإِيمان وطاعة الله تعالى وجعل الأمر بذلك بلفظ الفرار لينبه على أن وراء الناس عقاباً وعذاباً دامراً حقه أن يفر منه فجمعت لفظ ففروا بين التحذير والاستدعاء وينظر إلى هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك ". تفسير : {إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ} أي من العذاب. {نَذِيرٌ مُّبِينٌ * وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ} نهى عن جعل شريك له تعالى وكرر أني لكم منه نذير على سبيل التوكيد. {كَذَلِكَ} أي أمر الأمم السابقة عند مجيء الرسل إليهم مثل الأمر من الكفار الذين بعثت إليهم وهو التكذيب. {سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} أو للتفصيل أي قال بعض: ساحر وقال بعض: مجنون وقال بعض: كلاهما ألا ترى أن قوم نوح عليه السلام لم يقولوا عنه ساحر بل قالوا به جنة فجمعوا في الضمير ودلت أو على التفصيل. {أَتَوَاصَوْاْ بِهِ} أي بذلك القول وهو توقيف وتعجيب من توارد نفوس الكفرة على تكذيب الأنبياء مع افتراق أزمانهم. {بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} أي لم يتواصوا به لأنهم لم يكونوا في زمان واحد بل جمعتهم علة واحدة وهي كونهم طغاة فهم مستعلون في الأرض مفسدون فيها عاتون. {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} أعرض عن الذين كررت عليهم الدعوة فلم يجيبوا. {فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ} إذ قد بلغت ونصحت. {وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تؤثر فيهم وفيمن قدر الله أن يؤمن وما دل عليه الظاهر من الموادعة منسوخ بآية السيف وعن علي رضي الله عنه لما نزل فتول عنهم فما أنت بملوم حزن المسلمون وظنوا أنه أمر بالتولي عن الجميع وأن الوحي قد انقطع حتى نزلت وذكر فإِن الذكرى تنفع المؤمنين فسروا بذلك. {إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} أي معدين ليعبدون وكأن الآية تعديد نعم أي خلقت لهم حواس وعقولاً وأجساماً منقادة نحو العبادة كما تقول هذا مخلوق لكذا وإن لم يصدر منه الذي خلق له كما تقول القلم مبري لأن يكتب به وقد لا يكتب به. {مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ} أي أن يرزقوا أنفسهم ولا غيرهم. {وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ} أي أن يطعموا خلقي وهو على حذف مضاف بالإِضافة إلى الضمير تجوز قاله ابن عباس. {ٱلْمَتِينُ} الشديد القوة العظيمها. {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} هم أهل مكة وغيرهم من الكفار الذين كذبوا الرسول عليه السلام. {ذَنُوباً} أي حظاً ونصيباً. {مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ} من الأمم السابقة التي كذبت الرسل في الإِهلاك والعذاب ويجمع في القلة على أذنبة وفي الكثرة على ذنابيب وقال علقمة بن عبدة: شعر : وفي كل حي قد خبطت بنعمة فحق لشاس من نداك ذنوب تفسير : {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ} قيل يوم بدر وقيل يوم القيامة. {ٱلَّذِي يُوعَدُونَ} أي به أو يوعدونه.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: { وَفِي مُوسَى } وما أرسله الله به إلى فرعون وملئه، بالآيات البينات، والمعجزات الظاهرات، آية للذين يخافون العذاب الأليم، فلما أتى موسى بذلك السلطان المبين، فتولى فرعون { بِرُكْنِهِ } أي: أعرض بجانبه عن الحق، ولم يلتفت إليه، وقدح فيه أعظم القدح فقالوا: { سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ } أي: إن موسى، لا يخلو، إما أن يكون ساحرا وما أتى به شعبذة ليس من الحق في شيء، وإما أن يكون مجنونًا، لا يؤخذ بما صدر منه، لعدم عقله. هذا، وقد علموا، خصوصًا فرعون، أن موسى صادق، كما قال تعالى: {أية : وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [ظُلْمًا وَعُلُوًّا] } تفسير : وقال موسى لفرعون: { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ [بَصَائِرَ } الآية]، { فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ } أي: مذنب طاغ، عات على الله، فأخذه عزيز مقتدر.