٥١ - ٱلذَّارِيَات
51 - Adh-Dhariyat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
47
Tafseer
الرازي
تفسير : وهو بيان للوحدانية، وما تقدم كان بياناً للحشر. وأما قوله ههنا: {وَٱلسَّمَاء بَنَيْنَـٰهَا بِأَيْدٍ } وأنتم تعرفون أن ما تعبدون من دون الله ما خلقوا منها شيئاً فلا يصح الإشراك، ويمكن أن يقال هذا عود بعد التهديد إلى إقامة الدليل، وبناء السماء دليل على القدرة على خلق الأجسام ثانياً، كما قال تعالى: {أية : أَوَ لَيْسَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم } تفسير : [يۤس: 81] وفيه مسائل: المسألة الأولى: النصب على شريطة التفسير يختار في مواضع، وإذا كان العطف على جملة فعليه فما تلك الجملة؟ نقول في بعض الوجوه التي ذكرناها في قوله تعالى: {أية : وَفِى عَادٍ } تفسير : [الذاريات: 41] {أية : وَفِى ثَمُودَ } تفسير : [الذاريات: 43] تقديره وهل أتاك حديث عاد وهل أتاك حديث ثمود، عطفاً على قوله: {أية : هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرٰهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ } تفسير : [الذاريات: 24] وعلى هذا يكون ما تقدم جملة فعلية لا خفاء فيه، وعلى غير ذلك الوجه فالجار والمجرور النصب أقرب منه إلى الرفع فكان عطفاً على ما بالنصب أولى، ولأن قوله تعالى: {أية : فَنَبَذْنَـٰهُمْ } تفسير : [الذاريات: 40] وقوله: {أية : أَرْسَلْنَا } تفسير : [الذاريات: 32] وقوله تعالى: {أية : فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ } تفسير : [الذاريات: 44] و {أية : فَمَا ٱسْتَطَـٰعُواْ } تفسير : [الذاريات: 45] كلها فعليات فصار النصب مختاراً. المسألة الثانية: كرر ذكر البناء في السمٰوات، قال تعالى: {أية : وَٱلسَّمَاء وَمَا بَنَـٰهَا } تفسير : [الشمس: 5] وقال تعالى: {أية : أَمِ ٱلسَّمَاء بَنَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 27] وقال تعالى: {أية : جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً وَٱلسَّمَاء بِنَـاء } تفسير : [غافر: 64] فما الحكمة فيه؟ نقول فيه وجوه. أحدها: أن البناء باق إلى قيام القيامة لم يسقط منه شيء ولم يعدم منه جزء، وأما الأرض فهي في التبدل والتغير فهي كالفرش الذي يبسط ويطوى وينقل، والسماء كالبناء المبني الثابت، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : سَبْعاً شِدَاداً } تفسير : [النبأ: 12] وأما الأراضي فكم منها ما صار بحراً وعاد أرضاً من وقت حدوثها. ثانيها: أن السماء ترى كالقبة المبنية فوق الرؤوس، والأرض مبسوطة مدحوة والبناء بالمرفوع أليق، كما قال تعالى: {أية : رَفَعَ سَمْكَهَا } تفسير : [النازعات: 28]. ثالثها: قال بعض الحكماء: السماء مسكن الأرواح والأرض موضع الأعمال والمسكن أليق بكونه بناء، والله أعلم. المسألة الثالثة: الأصل تقديم العامل على المعمول والفعل هو العامل فقوله: {بنينا } عامل في السماء، فما الحكمة في تقديم المفعول على الفعل ولو قال: وبنينا السماء بأيد، كان أوجز؟ نقول الصانع قبل الصنع عند الناظر في المعرفة، فلما كان المقصود إثبات العلم بالصانع، قدم الدليل فقال والسماء المزينة التي لا تشكون فيها بنيناها فاعرفونا بها إن كنتم لا تعرفوننا. المسألة الرابعة: إذا كان المقصود إثبات التوحيد، فكيف قال: {بنينا } ولم يقل بنيتها أو بناها الله؟ نقول قوله: {بُنْيَـٰنًا } أدل على عدم الشريك في التصرف والاستبداد وقوله بنيتها يمكن أن يكون فيه تشريك، وتمام التقرير هو أن قوله تعالى: {بَنَيْنَـٰهَا } لا يورث إيهاماً بأن الآلهة التي كانوا يعبدونها هي التي يرجع إليها الضمير في {بَنَيْنَـٰهَا } لأن تلك إما أصنام منحوتة وإما كواكب جعلوا الأصنام على صورها وطبائعها، فأما الأصنام المنحوتة فلا يشكون أنها ما بنت من السماء شيئاً، وأما الكواكب فهي في السماء محتاجة إليها فلا تكون هي بانيتها، وإنما يمكن أن يقال إنما بنيت لها وجعلت أماكنها، فلما لم يتوهم ما قالوا قال بنينا نحن ونحن غير ما يقولون ويدعونه فلا يصلحون لنا شركاء لأن كل ما هو غير السماء ودون السماء في المرتبة فلا يكون خالق السماء وبانيها فإذن علم أن المراد جمع التعظيم وأفاد النص عظمته، فالعظمة أنفى للشريك فثبت أن قوله: {بَنَيْنَـٰهَا } أدل على نفي الشريك من بنيتها وبناها الله. فإن قيل: لم قلت: إن الجمع يدل على التعظيم؟ قلنا الجواب من الوجهين. الأول: أن الكلام على قدر فهم السامع، والسامع هو الإنسان، والإنسان يقيس الشاهد على الغائب، فإن الكبير عندهم من يفعل الشيء بجنده وخدمه ولا يباشر بنفسه، فيقول الملك فعلنا أي فعله عبادنا بأمرنا ويكون في ذلك تعظيم، فكذلك في حق الغائب. الوجه الآخر: هو أن القول إذا وقع من واحد وكان الغير به راضياً يقول القائل فعلنا كلنا كذا وإذا اجتمع جمع على فعل لا يقع إلا بالبعض، كما إذا خرج جم غفير وجمع كثير لقتل سبع وقتلوه يقال قتله أهل بلدة كذا لرضا الكل به وقصد الكل إليه، إذا عرفت هذا فالله تعالى كيفما أمر بفعل شيء لا يكون لأحد رده وكان كل واحد منقاداً له، يقول بدل فعلت فعلنا، ولهذا الملك العظيم أجمعنا بحيث لا ينكره أحد ولا يرده نفس، وقوله تعالى: {بِأَيْدٍ } أي قوة والأيد القوة هذا هو المشهور وبه فسّر قوله تعالى: {أية : ذَا ٱلأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ } تفسير : [صۤ: 17] يحتمل أن يقال إن المراد جمع اليد، ودليله أنه قال تعالى: {أية : لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } تفسير : [صۤ: 75] وقال تعالى: {أية : مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعـٰماً } تفسير : [يۤس: 71] وهو راجع في الحقيقة إلى المعنى الأول وعلى هذا فحيث قال: {خُلِقَتْ } قال: {بِيَدَىَّ } وحيث قال: {بِأَيْدٍ } لمقابلة الجمع بالجمع، فإن قيل فلم لم يقل بنيناها بأيدينا وقال: {وما عملت أيدينا }؟ نقول لفائدة جليلة، وهي أن السماء لا يخطر ببال أحد أنها مخلوقة لغير الله والأنعام ليست كذلك، فقال هناك: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا } تصريحاً بأن الحيوان مخلوق لله تعالى من غير واسطة وكذلك {خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } وفي السماء {بِأَيْدٍ } من غير إضافة للاستغناء عنها وفيه لطيفة أخرى وهي أن هناك لما أثبت الإضافة بعد حذف الضمير العائد إلى المفعول، فلم يقل خلقته بيدي ولا قال عملته أيدينا وقال ههنا: {بَنَيْنَـٰهَا } لأن هناك لم يخطر ببال أحد أن الإنسان غير مخلوق وأن الحيوان غير معمول فلم يقل خلقته ولا عملته وأما السماء فبعض الجهال يزعم أنها غير مجعولة فقال: {بَنَيْنَـٰهَا } بعود الضمير تصريحاً بأنها مخلوقة. وقوله تعالى: {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } فيه وجوه أحدها: أنه من السعة أي أوسعناها بحيث صارت الأرض وما يحيط به من الماء والهواء بالنسبة إلى السماء وسعتها كحلقة في فلاة، والبناء الواسع الفضاء عجيب فإن القبة الواسعة لا يقدر عليها البناءون لأنهم يحتاجون إلى إقامة آلة يصح بها استدارتها ويثبت بها تماسك أجزائها إلى أن يتصل بعضها ببعض. ثانيها: قوله: {وإنا لموسعون} أي لقادرون ومنه قوله تعالى: {أية : لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } تفسير : [البقرة: 286] أي قدرتها والمناسبة حينئذ ظاهرة، ويحتمل أن يقال بأن ذلك حينئذ إشارة إلى المقصود الآخر وهو الحشر كأنه يقول: بنينا السماء، وإنا لقادرون على أن نخلق أمثالها، كما في قوله تعالى: {أية : أَوَ لَيْسَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم } تفسير : [يۤس: 81]. ثالثها: {إِنا لَمُوسِعُونَ } الرزق على الخلق.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} لما بيّن هذه الآيات قال: وفي السماء آيات وعِبر تدل على أن الصانع قادر على الكمال، فعطف أمر السماء علىقصة قوم نوح لأنهما آيتان. ومعنى «بِأَيْدٍ» أي بقوة وقدرة. عن ابن عباس وغيره. {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} قال ابن عباس: لقادرون. وقيل: أي وإنا لذو سَعة، وبخلقها وخلق غيرها لا يضيق علينا شيء نريده. وقيل: أي وإنا لموسعون الرزق على خلقنا. عن ابن عباس أيضاً. الحسن: وإنا لمطيقون. وعنه أيضاً: وإنا لموسعون الرزق بالمطر. وقال الضحاك: أغنيناكم؛ دليله: {أية : عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ}تفسير : [البقرة: 236]. وقال القُتَبِي: ذو سعة على خلقنا. والمعنى متقارب. وقيل: جعلنا بينهما وبين الأرض سعة. الجوهري: وأوسعَ الرجلُ أي صار ذا سَعة وغِنىً، ومنه قوله تعالى: {وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} أي أغنياء قادرون. فشمل جميع الأقوال. {وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَاهَا} أي بسطناها كالفراش على وجه الماء ومددناها. {فَنِعْمَ ٱلْمَاهِدُونَ} أي فنعم الماهدون نحن لهم. والمعنى في الجمع التعظيم؛ مَهدت الفراشَ مَهْداً بَسَطته ووطَّأته، وتمهيد الأمور تسويتها وإصلاحها. قوله تعالى: {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} أي صنفين ونوعين مختلفين. قال ٱبن زيد: أي ذكراً وأنثى وحلواً وحامضاً ونحو ذلك. مجاهد: يعني الذكر والأنثى، والسماء والأرض، والشمس والقمر، والليل والنهار، والنور والظلام، والسهل والجبل، والجنّ والإنس، والخير والشر، والبكرة والعشيّ، وكالأشياء المختلفة الألوان من الطّعوم والأراييح والأصوات. أي جعلنا هذا كهذا دلالة على قدرتنا، ومن قدر على هذا فليقدر على الإعادة. وقيل: {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} لتعلموا أن خالق الأزواج فرد، فلا يقدّر في صفته حركة ولا سكون، ولا ضياء ولا ظلام، ولا قعود ولا قيام، ولا ٱبتداء ولا ٱنتهاء؛ إذ هو عز وجل وتر {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11].{لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }.
البيضاوي
تفسير : {وَٱلسَّمَاءَ بَنَيْنَـٰهَا بِأَيْدٍ } بقوة. {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } لقادرون من الوسع بمعنى الطاقة والموسع القادر على الإنفاق. أو {لَمُوسِعُونَ } السماء أو ما بينها وبين الأرض أو الرزق. {وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَـٰهَا } مهدناها لتستقروا عليها. {فَنِعْمَ ٱلْمَـٰهِدُونَ } أي نحن. {وَمِن كُلّ شَىْء } من الأجناس. {خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ } نوعين {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } فتعلمون أن التعدد من خواص الممكنات وأن الواجب بالذات لا يقبل التعدد والانقسام. {فَفِرُّواْ إِلَى ٱللَّهِ } من عقابه بالإِيمان والتوحيد وملازمة الطاعة. {إِنّى لَكُمْ مّنْهُ } أي من عذابه المعد لمن أشرك أو عصى. {نَذِيرٌ مُّبِينٌ } بين كونه منذراً من الله بالمعجزات، أو {مُّبِينٌ } ما يجب أن يحذر عنه. {وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً ءاخَرَ } إفراد لأعظم ما يجب أن يفر منه. {إِنّى لَكُمْ مّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } تكرير للتأكيد، أو الأول مرتب على ترك الإِيمان والطاعة والثاني على الإِشراك. {كَذٰلِكَ } أي الأمر مثل ذلك، والإِشارة إلى تكذيبهم الرسول وتسميتهم إياه {ساحراً أو مجنوناً} وقوله: { مَا أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَـٰحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ } كالتفسير له، ولا يجوز نصبه بـ {أَتَىٰ } أو ما يفسره لأن ما بعد {مَا } النافية لا يعمل فيما قبلها. {أَتَوَاصَوْاْ بِهِ } أي كأن الأولين والآخرين منهم أوصى بعضهم بعضاً بهذا القول حتى قالوه جميعاً. {بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَـٰغُونَ } إضراب عن أن التواصي جامعهم لتباعد أيامهم إلى أن الجامع لهم على هذا القول مشاركتهم في الطغيان الحامل عليه. {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ } فاعرض عن مجادلتهم بعدما كررت عليهم الدعوة فأبوا إلا الإِصرار والعناد. {فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ } على الإِعراض بعد ما بذلت جهدك في البلاغ. {وَذَكَرَ } ولا تدع التذكير والموعظة. {فَإِنَّ ٱلذّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } من قدر الله إيمانه أو من آمن فإنه يزداد بها بصيرة. {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } لما خلقهم على صورة متوجهة إلى العبادة مغلبة لها، جعل خلقهم مُغيابها مبالغة ذلك، ولو حمل على ظاهره مع أن الدليل يمنعه لنا في ظاهر قوله: {أية : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنْسِ }تفسير : [الأعراف: 179] وقيل معناه إلا لأمرهم بالعبادة أو ليكونوا عباداً لي. {مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ } أي ما أريد أن أصرفكم في تحصيل رزقي فاشتغلوا بما أنتم كالمخلوقين له والمأمورين به، والمراد أن يبين أن شأنه مع عباده ليس شأن السادة مع عبيدهم، فإنهم إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم، ويحتمل أن يقدر بقل فيكون بمعنى قوله: {أية : قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً }تفسير : [الأنعام: 90] {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ } الذي يرزق كل ما يفتقر إلى الرزق، وفيه إيماء باستغنائه عنه، وقرىء «إني أنا الرزاق» {ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ } شديد القوة، وقرىء {ٱلْمَتِينُ } بالجر صفة لـ {ٱلْقُوَّةِ }. {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوباً } أي للذين ظلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتكذيب نصيباً من العذاب. {مّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَـٰبِهِمْ } مثل نصيب نظرائهم من الأمم السالفة، وهو مأخوذ من مقاسمة السقاة الماء بالدلاء، فإن الذنوب هو الدلو العظيم المملوء. {فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ } جواب لقولهم: {أية : مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ }تفسير : [يونس: 48] {فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ ٱلَّذِى يُوعَدُونَ } من يوم القيامة أو يوم بدر. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة والذاريات أعطاه الله عشر حسنات بعدد كل ريح هبت وجرت في الدنيا».
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى منبهاً على خلق العالم العلوي والسفلي: {وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَـٰهَا} أي: جعلناها سقفاً محفوظاً رفيعاً {بِأَيْيْدٍ} أي: بقوة، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والثوري وغير واحد {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} أي: قد وسعنا أرجاءها، فرفعناها بغير عمد حتى استقلت كما هي {وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَـٰهَا} أي: جعلناها فراشاً للمخلوقات {فَنِعْمَ ٱلْمَـٰهِدُونَ} أي: وجعلناها مهداً لأهلها {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} أي: جميع المخلوقات أزواج؛ سماء وأرض، وليل ونهار، وشمس وقمر، وبر وبحر، وضياء وظلام، وإيمان وكفر، وموت وحياة، وشقاء وسعادة، وجنة ونار، حتى الحيوانات والنباتات، ولهذا قال تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أي: لتعلموا أن الخالق واحد لا شريك له {فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} أي: الجؤوا إليه، واعتمدوا في أموركم عليه { إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً ءَاخَرَ} أي: لا تشركوا به شيئاً {إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلسَّمَاءَ بَنَيْنَٰهَا بِأَيْدٍ } بقوّة {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } قادرون يقال: آد الرجل يئيد قوي، وأوسع الرجل: صار ذا سعة وقوّة.
الماوردي
تفسير : {وَالسَّمَآءِ بَنَيْنَاهَا بِأيْدٍ} أي بقوة. {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} فيه خمسة أوجه: أحدها: لموسعون في الرزق بالمطر، قاله الحسن. الثاني: لموسعون السماء، قاله ابن زيد. الثالث: لقادرون على الاتساع بأكثر من اتساع السماء. الرابع: لموسعون بخلق سماء ملثها، قاله مجاهد. الخامس: لذوو سعة لا يضيق علينا شيء نريده. {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} فيه وجهان: أحدهما: أنه خلق كل جنس نوعين. الثاني: أنه قضى أمر خلقه ضدين صحة وسقم، وغنى وفقر، وموت وحياة، وفرح وحزن، وضحك وبكاء. وإنما جعل بينكم ما خلق وقضى زوجين ليكون بالوحدانية متفرداً. {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: تعلمون بأنه واحد. الثاني: تعلمون أنه خالق. {فَفِرُّوْا إِلّى اللَّهِ} أي فتوبوا إلى الله.
ابن عبد السلام
تفسير : {لَمُوسِعُونَ} الرزق بالمطر، أو السماء، أو لا يضيق علينا شيء نريده، أو نخلق سماء مثلها، أو على الاتساع بأكثر من اتساع السماء.
ابن عادل
تفسير : قوله: { وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ} العامة على النصب على الاشتغال، وكذلك قوله: {وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَاهَا} والتقدير: وَبَنَيْنَا السَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا. وقال أبو البقاء: أي وَرَفَعْنَا السَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا فقدر الناصب من غير لفظ الظاهر. وهذا إنما يصار إليه عند تعذر التقدير الموافق لفظاً نحو: زَيْدٌ مرَرْتُ بِهِ، وزيد ضَرَبْتُ غُلاَمَهُ وأما في نحو: زَيْداً ضَرَبْتُهُ، فلا يقدر إلا ضَرَبْتُ زَيْداً. وقرأ أبو السَّمَّال وابن مِقسم برفعهما؛ على الابتداء، والخبر ما بعدهما. والنصب أرجح لعطف جملة الاشتغال على جملة فعلية قبلها. قوله: "بأَييْدٍ" يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال وفيها وجهان: أحدهما: أنها حال من فاعل "بَنَيْنَاهَا" أي ملتبسينَ بأيدٍ أي بقوة؛ قال تعالى: {أية : وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ} تفسير : [ص: 17]. الثاني: أنه حال من مفعوله أي ملتبسةً بقوة. ويجوز أن تكون الباء للسبب أي بسبب قُدْرَتِنَا. ويجوز أن تكون البَاء معدّية مجازاً على أن تجعل الأيدي كالآلة المبنيِّ بها، كقولك: بَنَيْتُ بَيْتَكَ بالآجُرّ. قوله: "وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ" يجوز أن تكون الجملة حالاً من فاعل "بَنَيْنَاهَا". ويجوز أن تكون حالاً من مفعوله ومفعول "موسِعُون" محذوف أي مُوسِعُونَ بِنَاءَهَا. ويجوز أن لا يقدر له مفعولٌ؛ لأن معناه: لَقَادِرُونَ كقولك: ما في وُسْعِي كذا أي ما في طاقتي وقُوَّتِي؛ كقوله تعالى: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} تفسير : [البقرة: 286] قاله ابن عَبَّاسٍ وعنه أيضاً: لموسعون الرزق على خَلْقِنَا. وقيل: ذُو سَعَةٍ. وقال الضحاك: أغنياء، دليله قوله تعالى: {أية : عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ} تفسير : [البقرة: 236]. قال ابن الخطيب: ويجوز أن يكون من السَّعَة أي أوْسَعْنَاهَا بحيث صارت الأرض وما يحيط بها من الماءِ والهواء بالنسبة إلى سعتها داخل فيها والبناء الواسع الفضاء عجيب، فإِنَّ القُبَّة الواسعة لا يقدر عليها البَنَّاؤُونَ، لأنهم محتاجون إِلى إقامة آلة يصح بها استدارتها، ويثبت بها تَمَاسُك أجزائها إلى أن يتصل بعضها ببعض. فقوله: "وإنا لموسعون" بيان للإعراب (في الفعل). فصل والحكمة في كَثْرة ذكر البناء في السموات كقوله تعالى: {أية : وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا} تفسير : [الشمس: 5]، وقوله: {أية : أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا} تفسير : [النازعات: 27] أن بناء السماءِ باقٍ إلى قيام الساعة، لم يسقط منها شيء، ولم يُعْدَم منها جزءٌ. وأما الأرض فَهي في التبدل والتغير كالفراش الذي يُبْسَط ويُطْوَى ويُنْقَلُ، والسماء كالبناء المبنيّ الثابت كما أشار إليه بقوله: {أية : سَبْعاً شِدَاداً} تفسير : [النبأ: 12] وأما الأرض فكَمْ صارت بحراً، وعادت أرضاً من وقت حدوثها، وأيضاً فالسماء ترى كالقُبَّةِ المبنية فوق الرؤوس، والأرض مبسوطة مَدْحُوَّة، وذكر البناء بالمرفوع أليق كقوله تعالى: {أية : رَفَعَ سَمْكَهَا} تفسير : [النازعات: 28]. وقال بعض الحكماء: السماء مسكَن الأَرْواحِ، والأرض موضع الأعمال والمسكن أليق بكونه بناءً. والله أعلم. فإن قيل: ما الحكمة في تقديم المفعول على الفعل ولو قال: وبَنَيْنَا السَّمَاءَ بأيدٍ كان أَوْجَز؟!. فالجواب: قال ابن الخطيب: لأن الصُّنْعَ قبل الصانع عند الناظر في المعرفة، فلما كان المقصود إثبات العلم بالصانع قدم الدليل وقال: والسَّمَاء المبنية التي لا تشُكُّون في بُنْيَانِها، فاعْرفونا بها إِن كنتم لا تَعْرِفُونَنَا. فإن قيل: إذا كان إثبات التوحيد فكيف قال: بَنَيْنَاها، ولم يقل: بَنَيْتُها؟ ولا بناها الله؟! فالجواب: أن قوله: بنيناها أدل على عدم الشريك، لأن الشّركة ضعيفة؛ فإن الشريكَ يمنع شَريكه عن التصرف والاستبداد، وقوله: "بَنَيْنَاهَا" يدل على العَظَمَة، وبين العظمة والضعف تنافرٌ فبين قوله: "بَنَيْنَاهَا" وبين أن يكون شريك منافاة. وتقريره أن قوله تعالى: {بَنَيْنَاهَا} لا يورث إيهاماً بأن الآلهة التي كانوا يعبدونها هي التي يرجع إليها الضمير، لأن تلك إما أصنام منحوتة وإما كواكب جعلوا الأصنام على صُوَرِها وطَبائِعِهَا، فأما الأصنام المنحوتة فلا يَشكون أنها ما بنت من السماء شيئاً، وأما الكواكب فهي في السماء محتاجة إليها فلا تكون هي بانيتها؛ وإنما يقال: بُنيتْ لها وجعلت أماكنها، فلمّا لم يتوهم ما قالوا قال: بَنَيْنَا نَحْنُ ونحن غير ما يقولون ويدعونه فلا يصلحون لنا شُرَكَاءَ. ثم لما بين أن قولهم لا يُوهم شريكاً أصلاً، لأن كل ما هو غير السماء فهو محتاج إلى السماء دون السماء في المرتبة فلا يكون خالقاً للسماء ولا بانيها، فعلم أن المراد جمعُ التعظيم، فأفاد النص عظمة، والعظمة أنفى للشريك، فعلم أن قوله: "بَنَيْنَاهَا" أدلّ على نفي الشَّريك من "بَنَيْتُهَا" و "بِنَاء اللَّهِ". فإن قيل: لِمَ لَمْ يقل: بَنَيْنَاهَا بأيدينا كما قال: {أية : مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ} تفسير : [يس: 71]. فالجواب: أن ذلك لفائدة جليلة، وهي أنَّ السماء لا يخطر ببال أحد أنها مخلوقة غير الله والأنعام ليست كذلك. فقال هناك: عملت أيدينا تصريحاً بأن الحيوان مخلوق لله تعالى من غير واسطة. وكذلك: {أية : خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} تفسير : [ص: 75] وفي السماء قال: بأيد من غير إضافة للاستغناء عنها. وفيه لطيفة (أخرى) وهي: أن هناك لما أثبت الإضافة لم يعد الضمير العائد إلى المفعول فلم يقل خلقته ولا عملته، وأما السماء: فبعض الجهال يزعم أنها غير مجعولة، فقال: بَنَيْنَاهَا بعَوْدِ الضمير تصريحاً بأنها مخلوقة. قوله: "وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا" أي بسطناها ومَهَّدْنَاها، وفيه دليل على أن خلق الأرض بعد خلق السماء لأن بناء البيت يكون في العادة قبل الفرش. قوله: "فَنِعْم المَاهِدُونَ" المخصوص بالمدح محذوف لفهم المعنى، أي نَحْنُ، كقوله: {أية : نِعْمَ ٱلْعَبْدُ} تفسير : [ص: 30]، قال ابن عباس - (رضي الله عنهما -): معناه الباسطون أي نعم ما وطأت لعبادي. قوله تعالى: {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ} يجوز أن يتعلق "بخَلَقْنَا" أي خلقنا من كل شيء زَوْجَيْن، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من: "زَوْجَيْنِ" لأنه في الأصل صفة له، إذْ التقدير خَلَقْنَا زَوْجَيْنَ كَائِنَيْن مِنْ كلِّ شيء. والأول أقوى في المعنى. فصل المعنى "خلقنا زوجين" صِنْفَيْن ونوعين مختلفين، كالسَّمَاءِ والأرض، والشَّمس والقمر، والليل والنهار، والبَرّ والبحر، والسَّهْل والجبل، والشتاء والصَّيْف، والجنّ والإنس، والذَّكَر والأنثى، والنور والظُّلْمَة، والإيمان والكفر، والسعادة (والشقاوة) والحق والباطل، والحُلْو والمُرّ "لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" فتعلمون أنّ خالق الأزواج واحد لا شريك له، لا يعجز عن حشر الأجْساد وجَمْع الأرواح. قوله: {فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} أي فاهربُوا من عذاب الله إلى ثوابه بالإيمان والطاعة. قال ابن عباس - (رضي الله عنهما -): فروا منه إليه واعملوا بطاعته. وقال سهل بن عبد الله: فروا ممَّا سوى الله إلى الله {إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} وهذا إشارة إلى الرسالة. قوله: {وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ} إتماماً للتوحيد، لأن التوحيد يباين التعطيل والتشريك، لأن المُعَطِّل يقول: لا إله أصلاً والمشرك يقول بوجود إله آخر، والموحِّد يقول: قول الاثنين باطل، لأن نفي الواحد باطل والقول بالاثنين باطل، فلما قال تعالى: {فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} أثبت وجود الله، فلما قال: {وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ} نفى الأكثر من واحد فصح القول بالتوحيد بالآيتين. ولهذا قال مرتين: {إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي في المقامين والموضِعَيْنِ. قوله: "كَذَلِكَ" فيه وجهان: أظهرهما: أنه خبر مبتدأ محذوف أي الأمرُ مِثْلُ ذلك، (قال الزمخشري): والإشارة بذلك إلى تكذيبهم الرسول وتسميته ساحراً ومجنوناً. ثم فسَّر ما أجمل بقوله: "مَا أَتى". والثاني: أن الكاف في محل نصب نعتاً لمصدر محذوف. قاله مكي. ولم يبين تَقْدِيرَهُ. ولا يصح أن ينتصب بما بعده لأجل ما النافية. وأما المعنى فلا يمتنع، ولذلك قال الزمخشري: ولا يصح أن يكون الكاف منصوبة بـ "أَتَى" لأن ما النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلَها؛ ولو قيل: لم يأت لكان صحيحاً، يعني لو أتى في موضع "مَا" بـ "لم" لجاز أن ينتصب الكاف بـ "أَتَى" لأن المعنى يسوغ عليه، والتقدير: كَذَّبَتْ قُرَيْشٌ تكذيباً مِثْلَ تَكْذِيبِ الأُمَم السَّابِقَة رُسُلَهُمْ. ويدل عليه قوله: {مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} الآية. قوله: {إِلاَّ قَالُواْ} الجملة القولية في محل نصب على الحال من: {ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} و "مِنْ رَسُولٍ" فاعل: "أتى" كأنه قيل: ما أتى الأولينَ رسولٌ إلاَّ في حال قولهم: هُوَ سَاحِرٌ. فإن قيل: إن من الأنبياء من قرر دين النبي الذي كان قبله وبقي القوم على ما كانوا عليه كأنبياء بني إسرائيل وكيف وآدم لما أرسل لَمْ يُكَذّبْ؟!. فالجواب: أنا لا نسلم أن المقرر رسول، بل هو نبي على دين رسولٍ ومن كَذَّب رَسُولَه فهو يكذبه أيضاً ضرورةً. فإن قيل: قوله: {ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا} يدل على أنهم كلّهم قالوا: ساحر والأمر ليس كذلك لأن ما مِنْ رسول إلا وآمن به قومٌ وهم ما قالوا ذلك!. فالجواب: أن ذلك ليس بعَامٍّ، فإنه لم يقل: إلا قال كلهم وإنما قال: "إلاَّ قَالوا" ولما كان كثير منهم قابلينَ ذلك قال الله تعالى: إِلاَّ قَالُوا. فإن قيل: لِمَ لمْ يذكر المصدّقين كما ذكر المُكَذّبين، وقال: إِلاَّ قَالَ بَعْضُهُمْ صدقتَ وبعضهم كذبتَ؟. فالجواب: لأن المقصود التسلية وهي على التكذيب، فكأنه تعالى قال: لا تأسَ على تكذيب قومِكَ، فإن أقواماً قبلك كَذّبوا ورسلاً كُذّبُوا. قوله: "أَتَواصَوا بِه" الاستفهام للتعجب والتوبيخ والضمير في "بِهِ" يعود على القول المدلول عليه بقَالُوا، أي أتواصى الأولون والآخرون بهذا القول المتضمن كساحر أو مجنون؟. والمعنى: كيف اتفقوا على قول واحد كأنهم تواطؤوا عليه، وقال بعضهم لبعض: لا تقولوا إلا هذا وأوصى أولهم آخرَهم بالتكذيب. ثم قال: لم يكن ذلك لتواطُؤ قولٍ وإنما كان لمعنى جامع وهو أن الكُلّ أترفوا فاستغنوا فنَسُوا الله وطغوا فكذبوا رُسُلَهُ، قال ابن عباس - ( رضي الله عنهما -) حملهم الطغيان فيما أعطيتهم ووسعت عليهم على تكذيبك.
البقاعي
تفسير : ولما كان إهلاكهم بالماء الذي نزل من السماء، وطلع من الأرض بغير حساب، كان ربما ظن ظان أن كان الخلل كان فيهما، ثم أصلح بعد ذلك كما يقع لبعض من يصنع من الملوك صنعاً يبالغ في إتقانه فيختل، قال عاطفاً على ما نصب "يوم" مبيناً أن فعل ذلك ما كان بالاختيار، دالاًّ على وحدانيته لتمام القدرة الدالة على ما تقدم من أمر البعث: {والسماء بنيناها} بما لنا من العظمة {بأيد} أي بقوة وشدة عظيمة لا يقدر قدرها. ولما كانت السماء أليق لعظمتها وطهارتها بصفات الإلهية، قال، وأكد لما يلزم إنكارهم البعث من الطعن في القدرة: {وإنا} على عظمتنا مع ذلك {لموسعون *} أي أغنياء وقادرون ذوو سعة لا تتناهى، أي قدرة، من الوسع وهو اللطافة، وكذلك أوسعنا مقدار جرمها وما فيها من الرزق عن أهلها فالأرض كلها على اتساعها كالنقطة في وسط دائرة السماء بما اقتضته صفة الإلهية التي لا يصح فيها الشركة أصلاً، ومطيقون لما لا يحصى من أمثال لك، ومما هو أعظم منه مما لا يتناهى، ومحيطون بكل شيء قدرة وعلماً، وجديرون وحقيقون بأن يكون ذكل من أوصافنا فنوصف به لما يشاهد لنا من القوة على كل ما نريد، فلسنا كمن يعرفون من الملوك لأنهم إذا فعلوا لا يقدرون على أعظم منه وإن قدروا كان ذلك منهم بكلفة ومشقة، وسترون في اليوم الآخر ما يتلاشى وما تريدون في جنبه، ومن اتساعنا جعلها بلا عمد مع ما هي عليه من العظمة إلى غير ذلك من الأمور الخارقة للعوائد: {والأرض فرشناها} كذلك بما لنا من العظمة، فصارت ممهدة جديرة بأن يستقر عليها الأشياء وهي آية على تمهيدنا لأرض الجنة وشقنا لأنهارها وغرسنا لأشجارها {فنعم} أي فتسبب عن ذلك أن يقال في وصفنا: نعم {الماهدون *} أي نحن لكمال قدرتنا، فما نزل من السماء شيء ولا نبع من الأرض شيء إلا بإرادتنا وتقديرنا واختيارنا من الأزل لأنا إذا صنعنا شيئاً علمنا ما يكون منه من حين إنشائه إلى حين إنباته، ولا يكون شيء منه إلا بتقديرنا، وذلك تذكير بالجنة والنار، فما فوقها من خير فهو آية على الجنة، وما فيها من جبال ووهاد وعر وخروبة فهو آية على النار. ولما كان الأشياء المتضادة من الشيء الواحد أدل على القدرة من هذا الوجه، قال: {ومن كل شيء} أي من الحيوان وغيره {خلقنا} بعظمتنا. ولما كان الفلاسفة يقولون: لا ينشأ عن الواحد إلا واحد، قال رداً عليهم: {زوجين} أي مثله شيئين كل منهما يراوح الآخر من وجه وإن خالفه من آخر، ولا يتم نفع أحدهما إلا بآخر من الحيوان والنبات وغيرها ويدخل فيه الأضداد من الغنى والفقر، والحسن والقبح، والحياة والموت، والضياء والظلام، والليل والنهار، والصحة والسقم، والبر والبحر، والسهل والجبل، والشمس والقمر، والحر والبرد، والسماوات والأرض، وأن الحر والبرد من نفس جهنم آية بينة عليها، وبناءهما على الاعتدال في بعض الأحوال آية على الجنة مذكرة بها مشوقة إليها. ولما كان ذلك في غاية الدلالة على أن كلاًّ من الزوجين يحتاج إلى الآخر وأنه لا بد أن ينتهي الأمر إلى واحد لا مثل له وأنه لا يحتاج بعد ذلك التنبيه إلى تأمل كبير قال: {لعلكم تذكرون *} فأدغم تاء التفعل الدالة على العلاج والاجتهاد والعمل فصار: فتكونوا عند من ينظر ذلك حق النظر على الرجاء من أن يتذكروا قليلاً من التذكر فيهديكم إلى سواء السبيل. ولما كان كل شيء مما سواه لا بد له من ضد يضاده أو قرين يسد مسده، وأما سبحانه فلا مثل له لأنه لو كان له مثل لنازعه، فلم يقدر على كل ما يريد{أية : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}تفسير : [الأنبياء: 22] وثبت أنه أهلك القرون الأولى بمخالفة الرسل عليهم الصلاة والسلام، فثبت أن وراء المكلفين عذاباً يحق لهم الفرار منه، وثبت أن كل شيء غيره محتاج إلى زوجه يثبت حاجة الكل إليه، وأنه لا كفاية عند شيء في كل ما يرام منه، وجب أن لا يفزع إلا إلى الواحد الغني فسبب عن ذلك قوله: {ففروا} أي أقبلوا وألجؤوا. ولما درب عباده في هذه السورة بصفة الربوبية كثيراً، فتأهلوا إلى النفوذ في الغيب، وكانت العبادة لا تكون خالصة إلا إن علقت بالذات لا لشيء آخر، ذكر اسم الذات فقال: {إلى الله} أي إلى الذي لا مسمى له من مكافىء، وله الكمال كله، فهو في غاية العلو، فلا يقر ويسكن أحد إلى محتاج مثله فإن المحتاج لا غنى عنده، ولا يقر سبحانه. إلا من تجرد عن حضيض عوائقه الجسمية إلى أوج صفاته الروحانية، وذلك من وعيده إلى وعده اللذين دل عليهما بالزوجين، فتنقل السياق بالتحذير والاستعطاف والاستدعاء، فهو من باب "لا ملجأ منك إلا إليك أعوذ بك منك" واستمر إلى آخر السورة في ذكره إشارة إلى علي أمره، ثم علل بقوله مؤكداً لما لهم من الإنكار: {إني لكم منه} أي لا من غيره {نذير} أي من أن يفر أحد إلى غيره فإنه لا يحصل له قصده. لما أقام الدليل العقلي الظاهر جداً بما يعلمه أحد في نفسه على ما قاله في هذا الكلام الوحيد قال: {مبين *} ففرار العامة من الجهل إلى العلم عقداً وسعياً، ومن الكسل إلى التشمير حذراً وحزماً، ومن الضيق إلى السعة ثقة ورجاء، وفرار الخاصة من الخير إلى الشهود، ومن الرسوم إلى الأصول، ومن الحظوظ إلى التجريد، وفرار خاصة الخاصة مما دون الحق إلى الحق إشهاداً في شهود جلاله واستغراقاً في وحدانيته، قال القشيري: ومن صح فراره إلى الله صح فراره مع الله - انتهى. وهو بكمال المتابعة ليس غيره، ومن فهم منه اتحاداً بصفة أو ذات فقد ما حد طريق القوم فعليه لعنه الله.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَاهَا} وصف الله نفسه بالقدرة القائمة بذاته والقوة الازلية فى ذاته بان ركب السّماء وسعها والبسها انوار القدرة القوة وجعلها مرأة لصفاته لنظر نظار الحقيقة وانهار طلاب للمشاهدات الأيات وبسط الارضين القدام اوليائه وجعلها مساجد اصفيائه واثبت فيها صنوف الاشجار وفنون الازهار واثنى على نفسه فى امهاده الارض بقوله {فَنِعْمَ ٱلْمَاهِدُونَ} ذكر ثناء نفسه فى ذكر الارض لخاصيتها بانها مواضع اقدام الصديقين وبانها وصل لمنية أدم وذريته وبين وحدانتيه فى قوله {خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} وقع الكل فى القلة والكثرة وتفرد الوحدانية بالوحدة ليعرف فى رويتها العارف وحدانيته ويعتبر بما وجد فى الكون ان مأل الكل للفناء والحق لم ينزل ولا يزال باقيا قال الحراز اظهر معنى الربوبية والوحدانية بان خلق الارواح ليخلص له الفردانية فلما تبين ان اشكال الاشياء مواضع علة الفناء ودعى العباد الى نفسه لانه البقاى وغيره فان بقوله {فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} ففروا من وجودكم من الاشياء كلها الى الله بنعت الشوق والمحبة والتجريد عما سواه وايضا فرو اليه منه حتى تفنوا فيه فان الحادث لا يثبت عند رؤية القديم {إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ} عنه وعن قهر قدمه وفراقه {مُّبِينٌ} حيث يعرفون انى صادق فيها ظهر منى من سلطان هيبته وبرهان قدرته قال سهل ففروا فما سوى الله الى الله وفروا من المعصية الى الطاعة ومن الجهل الى العلم ومن عذابه الى رحمته ومن سخطه الى رضوانه وقال محمد بن حامد حقيقة الفرار الى الله ما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال حديث : والجأت ظهرى اليك تفسير : وما روى عند فى خبر عائشة رضى الله اعوذ بك منك فهذا غاية الفرار منه اليه قال الواسطى ففروا الى الله معناه لما سبق لهم من الله الى علمهم وحركاتهم وانفسهم كما قال النبى صلى الله عليه وسلم حديث : اعوذ بك منك تفسير : سئل بعضهم عن قول النبى صلى الله عليه وسلم سفروا تصبحّوا قال سافروا الينا تجده فى اول قدم ثم قرأ ففروا الى الله.
اسماعيل حقي
تفسير : {والسماء بنيناها} نصب السماء على الاشتغال اى وبنينا السماء بنيناها حال كوننا ملتبسين {بأيد} اى بقوة فهو حال من الفاعل او ملتبسة بقوة فيكون حالا من المفعول ويجوز ان تكون الباء للسببية اى بسبب قدرتنا فتتعلق ببنيناها لا بالمحذوف والقوة هنا بمعنى القدرة فان القوة عبارة عن شدة البنية وصلابتها ا لمضادة للضعف والله تعالى منزه عن ذلك والقدرة هى الصفة التى بها يتمكن الحى من الفعل وتركه بالارادة (قال الكاشفى) بقوت الوهيت وكفته اند بقدرتى برآفر ينش داشتيم يقال آديئيد أيدا اى اشتد وقوى قال فى القاموس الآد الصلب والقوة كالأيد وآيدته مؤايدة وايدته تأييدا فهو مؤيد قويته انتهى قال الراغب ولما فى اليد من القوة قيل انا يدك وأيدتك قويت يدك {وانا لموسعون} لقادرون من الوسع بمعنى الطاقة والموسع القادر على الاتفاق قال فى تاج المصادر الا يساع توانكر شدن وتمام فراسيدن ويقال اوسع الله عليك اى أغناك انتهى فيكون قوله وانا لموسعون حالا مؤكدة او تذييلا اثباتا لسعة قدرته كل شىء فضلا عن السماء او لموسعون السماء اى جاعلوها واسعة او ما بينها وبين الارض او الرزق على خلقنا لقوله تعالى {أية : وفى السماء رزقكم}تفسير : وفيه اشارة الى ان وسعة البيت والرزق من تجليات الاسم الواسع
الجنابذي
تفسير : {وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ} بقوّةٍ {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} اى قادرون او لموسعون الرّزق على العباد او لذو وسعةٍ للعباد وارزاقهم.
اطفيش
تفسير : {وَالسَّمَآءَ} بالنصب على الاشتغال* {بَنَيْنَاهَا بِأَيْيْدٍ} أي بقوة فهو مفرد والهمزة أصل وعلامة جره كسرة الدال يقال أيدته بأيد، أي بقوة وقدرة؛ وأيد جمع (يد) فالهمزة زائدة وتقدر الياء بعد الدال حذفت لالتقاء الساكنين يقدر عليها الجر والمراد الفوات وفي نسخنا معشر المغاربة (بأيد) بهمزة فياء مفتوحتين فياء ساكنة وفي بعضها تكتب الثانية حمراء وهي الزائدة وقيل أصل والاولى صورة للهمزة من حيث كانت مفتوحة مكسور أما ما قبلها اتفقت المصاحف على كتب باييد بيائين وعلله أبو عمرو الداني وغيره بأن الياء الثانية هي الزائدة زادوها للفرق بينه وبين ايد الذي هو جمع يد أحد الأعضاء ولولا الياء المزيدة لتوهم انه جمع يد وانه فعل بحذف آخره ولذا لم تزد في {أية : دواد ذا الايد} تفسير : اذ لو كانت كلمة الايد فيه جمع يد لقيل (ذي الايدي) بياء بعد التنوين اذ لم يلتق ساكنان فتحذف وذلك هو المختار واختاره الخراز اذ قال* شعر : وآخر الياء يبن من بأييد للفرق بينه وبين الأيدي تفسير : وفيه وجه آخر أن تكون الياء الاخيرة هي الاصل وهي عين الكلمة والاولى فالألف معاً صورتان للهمزة اذا قرئ بالتحقيق والتسهيل فالالف للتحقيق والياء للتسهيل فعلى الوجه الاول تجعل النقطة الصفراء مع الحركة على الالف وتجعل الدائرة على الياء الثانية دلالة على زيادتها ويجعل على الاولى حمرة علامة للسكون ليظهر الزائد من غيره هكذا (باييد) واما على الوجه الثاني فعلى الالف نقطة صفراء مع حركتها وعلى الياء الاولى نقطة حمراء واختار بعض انه ان قرئ بالتحقيق جعلت الصفراء على الالف وتترك الياء عارية وان قرئ بالتسهيل جعلت الحمراء على الياء وتركت الالف عارية ويحتمل أن يوجه بأن الياء الاولي صورة للهمزة على مراد الوصل والألف زائدة تقوية للهمزة فتجعل الدائرة على الالف والهمزة حمراء على الياء الاولى وان يكونا معاً صورتين للهمزة على مراد الانفصال والاتصال فتجعل الصفراء على الالف مع حركتها وتعرى الياء وعلى الوجه الاول خصت الياء الاولى بالجرة وهي السكون اذ لو جعل على الاولى السكون دارة وعلى الاخرى دارة لم يدر أيهما الزائدة وان قلت لم زيدت في أيد بمعنى قوة مع انها لو زيد في أيد جمع يد لحصل الفرق. قلت الذي هو جمع يد لم يقع فى القرآن الا بالياء بعد الدال بخلاف هذا الذي بمعنى القوة فلولا الياء المزيدة لتوهم انه جمع يد وأيضاً الذي بمعنى القوة مفرد خفيف سالم من الاعتلال فخصت الزيادة به وجزم السيوطي بأنه ان قرئ كما كتب فهو لحن كما كتب ولا أوضعوا بلام ألف فهمزة وانما يقرأ بلام فهمز وفي الآية التورية المرشحة وهي ذكر لفظ له معنيان قريب وبعيد ومعان كذلك مع ارادة البعيد بقرينة خفية مع ذكر ما يلائم القريب والمعنى البعيد هنا القوي وهى المراد والبعيد أيدي الجوارح تعالى الله عنها والبناء يلائمها أو ذلك تمثيل وتصوير لعظمة الله سبحانه وتوقيف على كنه جلاله من غير أن يتصمد للمفردات حقيقة ومجاز {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} ذوو سعة وقدرة على الانفاق وأوسعنا السماء حتى ان الارض فيها كالحلقة في الفلاة. وقال ابن عباس قادرون على بنائها وعنه لموسعون الرزق بالمطر وكذا عن الحسن وقيل جعلنا بينها وبين الارض سعة
اطفيش
تفسير : {والسَّماء بَنيْناها} نصب على الاشتغال للتأكيد، لأنه من باب التوكيد اللفظى، أى وبنينا السماء وبنيناها {بأيدٍ} بقوة وهو مفرد، ولا حذف فيه، وآخره دال، والهمزة أصل، ويضعف جعله جمع يد على طريق التورية، وعليه فالهمزة زائدة، الياء محذوفة بعد الدال، والوجهان محتملان لتعظيم القدرة، ولمتانة السماء والاشعار بالمتانة اشعار بعظمة القدرة، ولاشعار بعظمتها اشعار بالمتانة. {وإنَّا لمُوسِعُون} قادرون من الوسع بمعنى عدم العجز عن الشىء، فان قدرته وسعت كل شىء، فهو قادر على خلق السماء، فذلك تقوية لقوله: {والسماء بنيناها} وقوله: "أية : وما مسَّنا مِن لغوب" تفسير : [ق: 38] ورد على من قال بخلاف ذلك، ويجوز أن يكون موسعون بمعنى موسعين للرزق بالمطر، على أن المساق للامتنان على أن قوله: {والسماء بنيناها بأيد} ملوح الى قوله عز وجل: "أية : وفي السماء رزقكم" تفسير : [الذاريات: 22] ويجوز أن ينوى هذا المعنى بجعل أيد جمع يد بمعنى نعمة، محذوف الياء من يد الجوارح مجازا، أو معنى الايساع، جعل السماء أضعاف الأرض بجورها، لأنها كحلقة فى السماء، أو جعل السعة بين السماء والأرض.
الالوسي
تفسير : {وَٱلسَّمَاء} أي وبنينا السماء {بَنَيْنَـٰهَا بِأَييْدٍ} أي بقوة قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة، ومثله ـ الآد ـ وليس جمع يد، وجوزه الإمام وإن صحت التورية به {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } أي لقادرون من الوسع بمعنى الطاقة، فالجملة تذييل إثباتاً لسعة قدرته عز وجل كل شيء فضلاً عن السماء، وفيه رمز إلى التعريض الذي في قوله تعالى: { أية : وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ } تفسير : [ق: 38]، وعن الحسن لموسعون الرزق بالمطر وكأنه أخذه من أن المساق مساق الامتنان بذلك على العباد لا إظهار القدرة فكأنه أشير في قوله تعالى: {وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ} إلى ما تقدم من قوله سبحانه: { أية : وَفِى ٱلسَّمَاء رِزْقُكُمْ } تفسير : [الذاريات: 22] على بعض الأقوال فناسب أن يتمم بقوله تعالى: {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} مبالغة في المنّ ولا يحتاج أن يفسر الأيد بالإنعام على هذا القول لأنه يتم المقصود دونه، واليد بمعنى النعمة لا الإنعام، وقيل: أي لموسعوها بحيث إن الأرض وما يحيط بها من الماء والهواء بالنسبة إليها كحلقة في فلاة، وقيل: أي لجاعلون، بينها وبين الأرض سعة، والمراد السعة المكانية، وفيه على القولين تتميم أيضاً.
ابن عاشور
تفسير : لما كانت شبهة نفاة البعث قائمة على توهم استحالة إعادة الأجسام بعد فنائها أعقب تهديدهم بما يقوض توهمهم فوُجه إليه الخطاب يُذكرهم بأن الله خلق أعظم المخلوقات ولم تكن شيئاً فلا تعدّ إعادة الأشياء الفانية بالنسبة إليها إلاّ شيئاً يسيراً كما قال تعالى: {أية : لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون}تفسير : [غافر: 57]. وهذه الجملة والجمل المعطوفة عليها إلى قوله: {أية : إني لكم منه نذير مبين}تفسير : [الذاريات: 51] معترضة بين جملة {أية : وقوم نوح من قبل}تفسير : [الذاريات: 46] الخ وجملة {أية : كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول}تفسير : [الذاريات: 52] الآية. وابتدىء بخلق السماء لأن السماء أعظم مخلوق يشاهده الناس، وعطف عليه خلق الأرض عطفَ الشيء على مخالفه لاقتران المتخالفين في الجامع الخيالي. وعطف عليها خلق أجناس الحيوان لأنها قريبة للأنظار لا يكلف النظرُ فيها والتدبر في أحوالها ما يرهق الأذهان. واستعير لخلق السماء فعل البناء لأنه منظر السماء فيما يبدو للأنظار شبيه بالقبة ونصب القبة يُدعى بناءً. وهذا استدلال بأثر الخلق الذي عاينوا أثره ولم يشهدوا كيفيته، لأن أثره ينبىء عن عظيم كيفيته، وأنها أعظم مما يتصور في كيفية إعادة الأجسام البالية. والأَيْد: القوة. وأصله جَمع يد، ثم كثر إطلاقه حتى صار اسماً للقوة، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : واذكر عبدنا داود ذا الأيد} تفسير : في سورة ص (17). والمعنى: بنيناها بقدرة لا يقدر أحد مثلها. وتقديم {السماء} على عامله للاهتمام به، ثم بسلوك طريقة الاشتغال زاده تقوية ليتعلق المفعول بفعله مرتين: مرة بنفسه، ومرة بضميره، فإن الاشتغال في قوة تكرر الجملة. وزيد تأكيده بالتذييل بقوله: {وإنا لمُوسِعون}. والواو اعتراضية. والمُوسِع: اسم فاعل من أوسع، إذا كان ذا وُسع، أي قدرة. وتصاريفه جائية من السَّعة، وهي امتداد مساحة المكان ضد الضيق، واستعير معناها للوفرة في أشياء مثل الأفراد مثل عمومها في {أية : ورحمتي وسعت كل شيء}تفسير : [الأعراف: 156]، ووفرة المال مثل {أية : لينفق ذو سعة من سعته}تفسير : [الطلاق: 7]، وقوله: {أية : على الموسِع قدره}تفسير : [البقرة: 236]، وجاء في أسمائه تعالى الواسع {إن اللَّه واسع عليم}. وهو عند إجرائه على الذات يفيد كمال صفاته الذاتية: الوجودِ، والحياة، والعلم، والقدرة، والحكمة، قال تعالى: {أية : إن اللَّه واسع عليم}تفسير : [البقرة: 115] ومنه قوله هنا: {وإنا لموسعون}. وأكد الخبر بحرف (إنّ) لتنزيل المخاطبين منزلة من ينكر سعة قدرة الله تعالى، إذ أحالوا إعادة المخلوقات بعد بِلاها.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة ق في الكلام على قوله تعالى:{أية : أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا}تفسير : [ق: 6] الآية. تنبيه قوله تعالى في هذه الآية الكريمة {بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ}، ليس من آيات الصفات المعروفة بهذا الاسم، لأن قوله {بِأَيْدٍ} ليس جمع يد: وإنما الأيد القوة، فوزن قوله هنا بأيد فعل، ووزن الأيدي أفعل، فالهمزة في قوله {بأَيْدٍ} في مكان الفاء والياء في مكان العين، والدال في مكان اللام. ولو كان قوله تعالى: {بأَيْدٍ} جمع يد لكان وزنه أفعلاً، فتكون الهمزة زائدة والياء في مكان الفاء، والدال في مكان العين والياء المحذوفة لكونه منقوصاً هي اللام. والأيد، والآد في لغة العرب بمعنى القوة، ورجل أيد قوي، ومنه قوله تعالى {أية : وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُس}تفسير : [البقرة: 87 و 253] أي قويناه به، فمن ظن أنها جمع يد في هذه الآية فقد غلط غلطاً فاحشاً، والمعنى: والسماء بنيانها بقوة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: والسماء بنيناها بأيدٍ: أي وبنينا السماء بقوة ظاهرة في رفع السماء وإحكام البناء. وإنا لموسعون: أي لقادرون على البناء والتوسعة. والأرض فرشناها: أي مهّدناها فجعلناها كالمهاد أي الفراش الذي يوضع على المهد. فنعم الماهدون: أي نحن أثنى الله تعالى على نفسه بفعله الخيريّ الحسن الكبير. ومن كل شيء خلقنا زوجين: أي وخلقنا من كل شيء صنفين أي ذكراً وأنثى، خيراً وشراً، علوّاً وسفلاً. لعلكم تذكرون: أي تذكرون أن خالق الأزواج كلها هو إله فرد فلا يعبد معه غيره. ففروا إلى الله: أي إلى التوبة بطاعته وعدم معصيته. إني لكم منه نذير مبين: أي إني وأنا رسول الله إليكم منه تعالى نذير مبين بين النذارة أي أخوفكم عذابه. ولا تجعلوا مع الله إلهاً آخر: أي لا تعبدوا مع الله إلهاً أي معبوداً آخر إذ لا معبود بحق إلا هو. إني لكم منه نذير مبين: إني لكم منه تعالى نذير بين النذارة أُخوفكم عذابه إن عبدتم معه غيره. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في عرض مظاهر القدرة الإِلهية الموجبة له تعالى الربوبية لكل شيء والألوهية على كل عباده. فقال تعالى: {وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَٰهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} فهذا أكبر مظهر من مظاهر القدرة الإِلهية إنه بناء السماء وإحكام ذلك البناء وارتفاعه وما تعلق به من كواكب ونجوم وشمس وقمر تمَّ هذا الخلق بقوة الله التي لا توازيها قوة. وقوله {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} أي لقادرون على توسعته أكثر مما هو عليه، وذلك لسعة قدرتنا. ومظهر ثانٍ هو في قوله: {وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ ٱلْمَاهِدُونَ} والأرض فرشها بساطاً ومهدها مهاداً فنعم الماهدون نحن نعم الماهد الله تعالى لها إذ غيره لا يقدر على ذلك ولا يتأتى له، وثالث مظاهر القدرة في قوله: {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} فهذا لفظ عام يعم سائر المخلوقات وأنها كلها أزواج وليس فيها فرد قط. والذوات كالصفات فالسماء يقابلها الأرض، والحر يقابله البرد، والذكر يقابله الأنثى، والبر يقابله البحر، والخير يقابله الشر، والمعروف يقابله المنكر، فهي أزواج بمعنى أصناف كما أن سائر الحيوانات هي أزواج من ذكر وأنثى. وقوله {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أي خلقنا من كل شيء زوجين رجاء أن تذكروا فتعلموا أن خالق هذه الأزواج هو الله الفرد الصمد الواحد الأحد لا إله غيره ولا رب سواه فتعبدوه وحده ولا تشركوا به سواه من سائر خلقه. وقوله تعالى {فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي بعد أن تبين لكم أيها الناس أنه لا إله غير الله ففروا إليه تعالى إي بالإِيمان به وبطاعته وبفعل فرائضه وترك نواهيه اهربوا إلى الله يا عباد الله بالإِسلام إليه والانقياد لطاعته إني لكم منه تعالى نذير من عقاب شديد، ونذارتي بينة لا شك فيها وأنصح لكم أن لا تجعلوا مع الله إلهاً آخر أي معبوداً غيره تعالى تعبدونه إن الشرك به يحبط أعمالكم ويحرم عليكم الجنة فلا تدخلوها أبداً واعلموا أني لكم منه عز جل نذير مبين. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير التوحيد والبعث بمظاهر القدرة الإِلهية التي لا يعجزها شيء ومظاهر العلم والحكمة المتجلية في كل شيء. 2- ظاهرة الزوجية في الكون في الذرة انبهر لها العقل الإِنساني وهي مما سبق إليه القرآن الكريم وقرره في غير موضع منه: سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون. فدل هذا قطعاً أن القرآن وحي الله وأن من أوحى به إليه وهو محمد بن عبد الله لن يكون إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. 3- التحذير من الشرك فإنه ذنب عظيم لا يغفر إلا بالتوبة الصحيحة النصوح.
القطان
تفسير : والسماءَ بنيناها بأيدٍ: بنيناها بقوة. وإنا لموسِعون: يعني ان هذا الكون فيه أمور تذهل لما يتسع فيه من المجرّات والاجرام السماوية التي تتمدد وتتسع دائما. والأرضَ فرشناها: مهّدناها كالفراش ليعيش الناس عليها. فنِعم الماهدون: فنعم المهيّئون لها نحن. ومن كل شيء خلقنا زوجين: ذكراً وانثى. ففِروا الى الله: التَجِئوا اليه، واعتصموا به. أتواصَوا به: هل أوصى بعضهم بعضا بهذا القول؟ فما أنتَ بملوم: ما أنت بمسئول عن عدم استجابتهم. فان للذين ظلموا ذنوبا: نصيبا. مثلَ ذَنوبِ اصحابهم: مثل نصيب أصحابهم من الكفار من الأمم الماضية. بعد إشارات سريعة الى قصصِ بعضِ الأنبياء الكرام، وذِكر شيءٍ من أفعال أقوامهم - يأتي ذِكرُ قدرة الله تعالى على خلْق هذا الكون ببناءِ السماء بهذا الإحكام المنفرد، وبأن التوسِعةَ مستمرةٌ على الزمن، وأن في الكون أجراماً من السُدُم والمجرّات تتمدَّد وتتوسّع دائما الى ما شاء الله.. وهذه ابحاثٌ في عِلم الفلك مذهلةٌ لمن شاءَ ان يطّلع عليها، فانه سيجدُ العَجَبَ العُجاب.. وان الله تعالى فرشَ لنا هذه الأرضَ ومدّها لنا لنعيشَ عليها بأمانٍ وسلام، وخلَق من كل شيء ذكراً وأنثى لاستمرار الحياة وبقائها الى أن يشاءَ خالقُها. ولذلك ينصحنا الله تعالى أن نلجأ اليه، ونسارعَ إلى طاعته، كما نصَح من أرسَل رسله اليهم من المشركين. كذلك شأن الأمم مع رسلهم، ما جاء رسولٌ إلى قومه إلا قالوا عنه ساحر أو مجنون. {أَتَوَاصَوْاْ بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} أأوصى بعضُهم بعضاً بهذا القول؟ بل هم قوم طاغون تجاوزوا كلَّ حدٍّ في طعنِهم على الرسُل والأنبياء. ثم خاطب الرسولَ الكريم مسلّياً له بقوله: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ} أَعرِض عن هؤلاء المعانِدين المنكِرين يا محمد، فما أنتَ بملومٍ على عدَم استجابتهم ولا بمسئول، وداوِم على التذكير فإن الذِكرى تنفع مَن في قلوبهم استعدادٌ للهداية من المؤمنين. ثم بين بعد ذلك كلّه ما هو المرادُ من خلْق الجِنّ والإنس فقال: {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} لا أريدُ منهم رِزقاً لأني غنيٌّ عن العالمين، ولا أريدُ ان يطعموني لاني أطعِم ولا أطعَم. ان الله وحدَه هو المتكفّل برزقِ هذا الخلق {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ}. ثم بيّن ان للذين ظلموا أنفسَهم بالكفر نصيباً من العذاب مثلَ نصيبِ أصحابهم من الأمم الماضية، فلا يستعجلني قومُك أيها الرسول بإنزالِ العذاب قبل أوانه. {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ} ختم السورة الكريمة بهذا الانذار الشديد الذي سينالهم يوم القيامة.
د. أسعد حومد
تفسير : {بَنَيْنَاهَا} {بِأَييْدٍ} (47) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالى أنَّهُ بَنَى السَّماءَ بِعَظِيمِ قُدْرَتِهِ وَبَدِيعِ صَنْعَتِهِ، وَأنهُ لَقَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ، لاَ يَمَسُّهُ تَعَبٌ وَلاَ نَصَبٌ. بِأيْدٍ - بقُوّةٍ وَقُدْرَةٍ. مُوسِعُونَ - قَدْ تَكُونُ بِمَعْنًى أنَّهُ وَسَّع أرْجَاءَها. وَقَدْ تَكُونُ بِمَعْنى قَادِرُونَ أيْ إِنَّ خَلْقَها في طَاقَتِهِ تَعَالى وَقُدْرَتِهِ، وَإِنَّ في طَاقَتِهِ وَقُدْرَتِهِ أنْ يَخْلقَ غَيْرَها إِذا شَاءَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : السماء يُراد بها كلّ مَا علانا {بَنَيْنَٰهَا بِأَييْدٍ ..} [الذاريات: 47] أي بقوة واقتدار وحكمة والبناء يتطلب العملية التي فيها مكين. ثم قال {وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَاهَا ..} [الذاريات: 48] أي: مهَّدناها وبسطناها. فالسماء فيها صفة الثبات، فقال {بَنَيْنَٰهَا ..} [الذاريات: 47] والأرض صفتها التغيير، فالمرتفع منها يصير إلى منخفض والتضاريس عليها يطرأ عليها التغيير، فقال {فَرَشْنَاهَا ..} [الذاريات: 48] وهيأناها على وضع يُريح سكانها كما نُهيء للطفل فراشه، فلا يكون فيه ما يقلقه. {فَنِعْمَ ٱلْمَاهِدُونَ} [الذاريات: 48] من كلمة المهد، وهو الفراش المريح، وحتى فراش الطفل دائماً ما ننظفه ونغيره من حين لآخر، فكذلك الأرض من صفتها التغيُّر وعدم الثبات. وقوله سبحانه {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الذاريات: 49] وفي موضع آخر قال تعالى: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [يس: 36] هذه الكلمة {أية : وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [يس: 36] جعلتنا ننتظر زوجية لا نعرفها. ومع تقدم البحث العلمي وجدنا زوجية في الذرة، ووجدنا أن المطر لا يتكوَّن إلا إذا حدث له تلقيح ذري، وعرفنا الزوجية في التيار الكهربائي، ووجدوها حتى في الجمادات. وما يزال في جُعْبة العلماء الكثير، وكلها مسائل كانت العقول لا تطيقها قبل ذلك، لأن الأمة العربية التي نزل فيها القرآن كانت أمة أمية، ليس عندها شيء من الثقافة، ولو كُشفتْ لهم هذه الأمور ربما ضاقوا بها وانصرفوا بسببها عن أصل الدعوة. لذلك الحق سبحانه وتعالى يعطيهم برقية موجزة في {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ..}تفسير : [فصلت: 53] ليظلّ الباب مفتوحاً يستوعب كل التطورات ويحتاط لكل جديد. فالسين دلتْ على المستقبل و(نريهم) مضارع يفيد الاستمرار، فهذه الاكتشافات باقية، ومعينها لا ينضب إلى يوم القيامة. وإذا كانت عملية التكاثر في الغالب والجمهرة أنها تأتي من ذكر وأنثى، فالحق سبحانه يحتفظ لنفسه بطلاقة القدرة، ويعطينا نماذج من البشر جاءتْ على غير هذه القاعدة. وكأنه سبحانه يقول لنا: إياكم أنْ تظنوا أنني أقف عند هذه الأسباب بل أخلق ما أشاء، أخلق من زوجين، وأخلق بلا زوجين أصلاً، وأخلق من زوج واحد. يعني: استوعبت طلاقة القدرة في هذه المسألة كلّ أوجهها، ثم {أية : وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً ..}تفسير : [الشورى: 50] فيتوفر الزواج، لكن لا يأتي التكاثر. ولأن مسألة خلق الأزواج كلها مسألة عجيبة استهلها الحق سبحانه بقوله: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا ..}تفسير : [يس: 36] يعني: لا تتعجب لأنك أمام قدرة الله، وتنزه سبحانه عن أنْ تقيسه بشىء آخر.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ} [الآية: 47]. قال: بقوة. أَنبا عبد الرحمن، قال: حدثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: [الآية: 54]. أَي يا محمد. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {ذَنُوباً}. يعني: سبيلا {مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ} [الآية: 59]. مثل: سبيل أَصحابهم.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ} معناه بقوةٍ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى مبينًا لقدرته العظيمة: { وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا } أي: خلقناها وأتقناها، وجعلناها سقفًا للأرض وما عليها. { بِأَيْدٍ } أي: بقوة وقدرة عظيمة { وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } لأرجائها وأنحائها، وإنا لموسعون [أيضا] على عبادنا، بالرزق الذي ما ترك الله دابة في مهامه القفار، ولجج البحار، وأقطار العالم العلوي والسفلي، إلا وأوصل إليها من الرزق، ما يكفيها، وساق إليها من الإحسان ما يغنيها. فسبحان من عم بجوده جميع المخلوقات، وتبارك الذي وسعت رحمته جميع البريات. { وَالأرْضَ فَرَشْنَاهَا } أي: جعلناها فراشًا للخلق، يتمكنون فيها من كل ما تتعلق به مصالحهم، من مساكن، وغراس، وزرع، وحرث وجلوس، وسلوك للطرق الموصلة إلى مقاصدهم ومآربهم، ولما كان الفراش، قد يكون صالحًا للانتفاع من كل وجه، وقد يكون من وجه دون وجه، أخبر تعالى أنه مهدها أحسن مهاد، على أكمل الوجوه وأحسنها، وأثنى على نفسه بذلك فقال: { فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ } الذي مهد لعباده ما اقتضته [حكمته] ورحمته وإحسانه. { وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ } [أي: صنفين]، ذكر وأنثى، من كل نوع من أنواع الحيوانات، { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [لنعم الله التي أنعم بها عليكم] في تقدير ذلك، وحكمته حيث جعل ما هو السبب لبقاء نوع الحيوانات كلها، لتقوموا بتنميتها وخدمتها وتربيتها، فيحصل من ذلك ما يحصل من المنافع. فلما دعا العباد النظر لآياته الموجبة لخشيته والإنابة إليه، أمر بما هو المقصود من ذلك، وهو الفرار إليه أي: الفرار مما يكرهه الله ظاهرًا وباطنًا، إلى ما يحبه، ظاهرًا وباطنًا، فرار من الجهل إلى العلم، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن المعصية إلى الطاعة، و من الغفلة إلى ذكر الله فمن استكمل هذه الأمور، فقد استكمل الدين كله وقد زال عنه المرهوب، وحصل له، نهاية المراد والمطلوب. وسمى الله الرجوع إليه، فرارَا، لأن في الرجوع لغيره، أنواع المخاوف والمكاره، وفي الرجوع إليه، أنواع المحاب والأمن، [والسرور] والسعادة والفوز، فيفر العبد من قضائه وقدره، إلى قضائه وقدره، وكل من خفت منه فررت منه إلى الله تعالى، فإنه بحسب الخوف منه، يكون الفرار إليه، { إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ } أي: منذر لكم من عذاب الله، ومخوف بين النذارة. { وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } هذا من الفرار إلى الله، بل هذا أصل الفرار إليه أن يفر العبد من اتخاذ آلهة غير الله، من الأوثان، والأنداد والقبور، وغيرها، مما عبد من دون الله، ويخلص العبد لربه العبادة والخوف، والرجاء والدعاء، والإنابة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):