٥١ - ٱلذَّارِيَات
51 - Adh-Dhariyat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
49
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {وَمِن كُلّ شَىْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ } استدلالاً بما بينهما والزوجان إما الضدان فإن الذكر والأنثى كالضدين والزوجان منهما كذلك، وإما المتشاكلان فإن كل شيء له شبيه ونظير وضد وند، قال المنطقيون المراد بالشيء الجنس وأقل ما يكون تحت الجنس نوعان فمن كل جنس خلق نوعين من الجوهر مثلاً المادي والمجرد، ومن المادي النامي والجامد ومن النامي المدرك والنبات من المدرك للناطق والصامت، وكل ذلك يدل على أنه فرد لا كثرة فيه. وقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } أي لعلّكم تذكرون أن خالق الأزواج لا يكون له زوج وإلا لكان ممكناً فيكون مخلوقاً ولا يكون خالقاً، أو {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } أن خالق الأزواج لا يعجز عن حشر الأجسام وجمع الأرواح.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمِن كُلّ شَىْءٍ } متعلق بقوله:{خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ } صنفين كالذكر والأنثى، والسماء والأرض، والشمس والقمر، والسهل والجبل، والصيف والشتاء، والحلو والحامض، والنور والظلمة {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } بحذف إحدى التاءين من الأصل فتعلمون أن خالق الأزواج فرد فتعبدونه.
ابن عبد السلام
تفسير : {زَوْجَيْنِ} من كل جنس نوعين، أو أمر خلقه ضدين: صحة وسقم، وغنى وفقر، وموت وحياة، وفرح وحزن، وضحك وبكاء.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} قال مجاهد: معناه: أَنَّ هذه إشارة إلى المتضادات والمتقابلات من الأشياء؛ كالليل والنهار، والشقاوة والسعادة، والهُدَى والضلال، والسماء والأرض، والسواد والبياض، والصِّحَّةِ والمرض، والإيمان والكفر، ونحو هذا، ورَجَّحَهُ الطبريُّ بأَنَّه أَدَلُّ على القدرة التي تُوجدُ الضدين، وقال ابن زيد وغيره: هي إشارة إلى الأنثى والذكر من كل حيوان. * ت *: والأَوَّلُ أحسن؛ لشموله لما ذكره ابن زيد. وقوله سبحانه: {فَفِرُّواْ إِلَى ٱللَّهِ...} الآية أمر بالدخول في الإيمان وطاعَةِ الرحمٰن، وَنَبَّهَ بلفظ الفرار على أَنَّ وراءَ الناس عقاباً وعذاباً يَفِرُّ منه، فجمعتْ لفظةُ «فروا» بين التحذير والاستدعاء. * ت *: وأسند أبو بكر، أحمد بن الحسين البيهقيُّ في «دلائل النبوَّةِ» (تصنيفه) عن كَثِيرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن أبيه، عن جَدِّهِ «حديث : أَنَّ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ في الْمَسْجِدِ، فَسَمِعَ كَلاَماً مِنْ زَاوِيَتِهِ، وَإذَا هُوَ بِقَائِلٍ يَقُولُ: اللَّهُمَّ، أَعِنِّي عَلَى مَا يُنْجِينِي مِمَّا خَوَّفْتَنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ: أَلاَ تَضُمُّ إلَيْهَا أُخْتَهَا؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: اللَّهُمَّ، ارْزُقْنِي شَوْقَ الصَّادِقِينَ إلَى مَا شَوَّقْتَهُمْ إلَيْهِ» تفسير : وفيه: «حديث : فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ، فَإذَا هُوَ الخَضِرُ ـــ عليه السلام ـــ» تفسير : ، انتهى مختصراً. وقوله تعالى: {كَذٰلِكَ} أي: سيرة الأمم كذلك؛ قال عياض: فهذه الآية ونظائرها تسليةٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، عَزَّاهُ اللَّه ـــ عز وجل ـــ بما أخبر به عن الأُمَمِ السالفة ومقالها لأنبيائها، وأَنَّه ليس أَوَّلَ مَنْ لَقِيَ ذلك، انتهى من «الشفا». وقوله سبحانه: {أَتَوَاصَوْاْ بِهِ} توقيف وتعجيب من توارد نفوس الكَفَرَةِ في تكذيب الأنبياء على تَفَرُّقِ أَزمانهم، أي: لم يتواصوا، لكنَّهُم فعلوا فعلاً كأَنَّهُ فعل مَنْ تواصى، والعِلَّةُ في ذلك أَنَّ جميعهم طاغٍ، والطاغي المستعلي في الأرض، المُفْسِدُ. وقوله تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} أي: عنِ الحرص المُفْرِطِ عليهم، وذَهَابِ النفس حَسَرَاتٍ، ولستَ بملوم؛ إذ قد بَلَّغْتَ {وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ}: نافعة للمؤمنين، ولمن قُضِيَ له أَنْ يكون منهم.
السلمي
تفسير : قال لينظر الموحد إلى الاعتبار شيئاً فيراها أزواجاً مثانى وأربعاً فيفر منها ويرجع إلى الواحد الأحد ليصح له التوحيد بذلك. قال أبو سعيد الخراز: أظهر معنى الربوبية والوحدانية بأن خلق الأزواج لتخلص له الفردانية. قال أبو عثمان فى قوله: {فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} داع إلى الباطل والهوى حتى يوقع فى الشر، والنفس أمارة بالسوء تتمنى الشهوات وتدخل الشبهات للحرص على الشهوات.
القشيري
تفسير : أي صنفين في الحيوان كالذَّكَرِ والأنثى، وفي غير الحيوانِ؛ كالحركة والسكون، والسواد والبياض، وأصناف المتضادات.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن كل شىء} اى من اجناس الموجودات فالمراد بالشىء الجنس وقيل من الحيوان {خلقنا زوجين} صنفين ونوعين مختلفين كالذكر والانثى والسماء والارض والليل والنهار والشمس والقمر والصيف والشتاء والبر والبحر والسهل والجبل والانس والجن والنور والظلمة والابيض والاسود والدنيا والآخرة والايمان والكفر والسعادة والشقاوة والحق والباطل والحلو والمر والموت والحياة والرطب واليابس والجامد والنامى والمدر والنبات والناطق والصامت والحلم والقهر والجود والبخل والعز والذلة والقدرة والعجز والقوة والضعف والعلم والجهل والصحة والسقم والغنى والفقر والضحك والبكاء والفرج والغم والفوق والتحت واليمين والشمال والقدام والخلف والحرارة والبرودة وهلم جرا قال الراغب يقال لكل واحد من القرينين من الذكر والانثى فى الحيوان المتزاوج زوج ولكل قرينين فيها وفى غيرها زوج كالخف والنعل ولكل مايقترن بالآخر مماثلا له او مضادا زوج وفى قوله ومن كل شىء خلقنا زوجين تنبيه على ان الاشياء كلها مركبة من جوهر وعرض ومادة وصورة وان لاشىء يتعرى منها اذا الاشياء كلها مركبة من تركيب يقتضى كونه مصنوعا وانه لابد له من صانع تنبيها على انه تعالى هو الفرد فبين بقوله ومن كل شىء الخ ان كل مافى العالم فانه زوج من حيث ان له ضدا ما او مثلا ما او تركيبا مابل لاينفك من وجه من تركيب وانما ذكر ههنا زوجين تنبيها على انه وان لم يكن له ضد ولامثل فانه لاينفك من تركب صورة ومادة وذلك زوجان قال الخراز قدس سره اظهر معنى الربوبية والوحدانية بأن خلق الازواج ليخلص له الفردانية {لعلكم تذكرون} اى فعلنا ذلك كله من البناء والفرش وخلق الازواج كى تتذكروا فتعرفوا انه خالق الكل ورازقه وانه المستحق للعبادة وانه قادر على اعادة الجميع فتعلموا بمقتضاه وبالفارسية باشد كه شما بند بذير شويد ودانيد كه وجدانيت خواص ممكنات نيست ومن واجب بالذاتم وواجب قابل تعدد وانقسام نيست شعر : ذاتش از قسمت وتعدد باك وحدت او مقدس از اشراك ازعدد دم مزن كه او فردست كى عدد بهر فرددر خوردست احدست وشمار از ومعزول صمدست وتبار از ومخذول تفسير : وفيه اشارة الى انه تعالى خلق لكل شىء من عالم الملك وهو عالم الاجسام زوجا من عالم الملكوت وهو عالم الارواح ليكون ذلك الشىء الجسمانى قائما بملكوته وملكوته قائما بيد القدرة الالهية لعلكم تذكرون انكم بهذا الطريق جئتم من الحضرة وبهذا الطريق ترجعون الى الله سبحانه
الجنابذي
تفسير : {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} برّيّاً وبحريّاً، او انسيّاً ووحشيّاً، ويكون لفظ كلّ من حمل حكم الاكثر على الكلّ او من كلّ حيوان ذكرٍ وانثى، او من كلّ شيءٍ من الكيفيّات والكمّيّات والمذوقات والمشمومات ضدّين متنافيين كالحرّ والبرد، والسّواد والبياض، والمرّ والحلو، والقصير والطّويل، والحسن والقبيح، الى غير ذلك، وفى الاخبار اشارة الى هذا المعنى {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} علمه وحكمته وقدرته وعنايته بخلقه ورأفته ولعلّكم تذكّرون بمضادّته بين الاشياء ان لا ضدّ له وبتفريقه بين المتفارقات انّ لها مفرقاً، وبتأليفه بين المتئالفات انّ لها مؤلّفاً.
اطفيش
تفسير : {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ} من الاجناس* {خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} نوعين قال الحسن كالشمس والقمر والارض والسماء والليل والنهار والصيف والشتاء والبر والبحر والسهل والجبل والنور والظلمة والانس والجن والذكر والانثى والايمان والكفر والسعادة والشقاوة والحق والباطل والحلو والحامض والموت والحياة والجنة والنار والسواد والبياض والصحة والمرض الى غير ذلك وقيل الذكر والانثى والله فرد* {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} فتعلمون ان التعدد من خواص الممكنات وان واجب الوجود لا يقبل التعدد فاعبدوه وحده
اطفيش
تفسير : {ومِن كلِّ شيءٍ} من كل نوع من الحيوان ويحتمل عموم غير الحيوان ايضا مما ينموا ولو كنا لا ندركل الا قليلا كما أدركنا ذكار النخل وبعض الأشجار {خَلقْنا زوْجَين} ذكرا وأنثى، وقال مجاهد، متقابلين فيعم الحيوان وغيره، النامى وغيره، كالذكر والأنثى، والسعادة والشقاوة، والهدى والضلال، والسماء والأرض، والسواد والبياض، والصحة والمرض، والليل والنهار، والبر والبحر، والسهل والجبل، والصيف والشتاء، والجن والانس، والنور والظلمة، والايمان والكفر، والحق والباطل، والحلو والحامض، ورجحه الطبرى بأنه أدل على القدرة. وقيل: المراد الجنس المنطقى، واقل ما يكون تحته نوعان: خلق الله عز وجل من الجوهر مثلا المادى، وهو الجسم إذ له مادة، والمجرد عن المادة كالعقل، ومن المادى النامى والجامد، ومن النامى المدرك وهو الحيوان، وغير المدرك كالنبات، ومن المدرك الناطق والصامت. {لعلَّكم تَذكَّرون} كى تذكروا، وهو تعليل متعلق بخلقنا، ويقدر مثله لفرشنا ولبنينا، فذلك بسط بلا طول، ولك تقدير ما يعم ذلك كله، أى فعلنا ذلك لعلكم تذكرون، والمراد تذكر أن الله تعالى القادر الذى لا يعجز، لا عبادة لسواه، أو تذكر أن التعدد من خواص الممكنات دون الواجب بالذات، أو تذكر صحة البعث بما ذكر من ايجاد ما ذكر، فانه قادر على الاعادة، أو تذكر ذلك كله.
الالوسي
تفسير : {وَمِن كُلّ شَىْء } أي من كل جنس من الحيوان {خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ } نوعين ذكراً وأنثى قاله ابن زيد وغيره وقال مجاهد: هذا إشارة إلى المتضادات والمتقابلات كالليل والنهار والشقوة والسعادة والهدى والضلال والسماء والأرض والسواد والبياض والصحة والمرض إلى غير ذلك، ورجحه الطبري بأنه أدل على القدرة، وقيل: أريد بالجنس / المنطقي، وأقل ما يكون تحته نوعان فخلق سبحانه من الجوهر مثلاً المادي والمجرد، ومن المادي النامي والجامد، ومن النامي المدرك والنبات، ومن المدرك الصامت والناطق وهو كما ترى. {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } أي فعلنا ذلك كله كي تتذكروا فتعرفوا أنه عز وجل الرب القادر الذي لا يعجزه شيء فتعملوا بمقتضاه ولا تعبدوا ما سواه، وقيل: خلقنا ذلك كي تتذكروا فتعلموا أن التعدد من خواص الممكنات وأن الواجب بالذات سبحانه لا يقبل التعدد والانقسام، وقيل: المراد التذكر بجميع ما ذكر لأمر الحشر والنشر لأن من قدر على إيجاد ذلك فهو قادر على إعادة الأموات يوم القيامة وله وجه. وقرأ أبـيّ (تتذكرون) بتاءين وتخفيف الذال.
ابن عاشور
تفسير : لما أشعر قوله: {أية : فرشناها فنعم الماهدون}تفسير : [الذاريات: 48] بأن في ذلك نعمة على الموجودات التي على الأرض، أُتبع ذلك بصفة خلق تلك الموجودات لما فيه من دلالة على تفرد الله تعالى بالخلق المستلزم لتفرده بالإِلهية فقال: {ومن كل شيء خلقنا زوجين} والزوج: الذكر والأنثى. والمراد بالشيء: النوع من جنس الحيوان. وتثنية زوج هنا لأنه أريد به ما يُزوج من ذكر وأنثى. وهذا الاستدلال عليهم بخلق يشاهدون كيفياته وأطواره كلما لفتوا أبصارهم، وقَدحوا أفكارهم، وهو خلق الذكر والأنثى ليكون منهما إنشاء خلق جديد يخلف ما سلفه وذلك أقرب تمثيل لإِنشاء الخلق بعد الفناء. وهو البعث الذي أنكروه لأن الأشياء تقرّب بما هو واضح من أحوال أمثالها. ولذلك أتبعه بقوله: {لعلكم تذكرون}، أي تتفكرون في الفروق بين الممكنات والمستحيلات، وتتفكرون في مراتب الإِمكان فلا يختلط عليكم الاستبعاد وقلة الاعتياد بالاستحالة فتتوهموا الغريب محالاً. فالتذكر مستعمل في إعادة التفكر في الأشياء ومراجعة أنفسهم فيما أحالوه ليعلموا بعد إعادة النظر أن ما أحالوه ممكن ولكنهم لم يألفوه فاشتبه عليهم الغريب بالمحال فأحالوه فلما كان تجديد التفكر المغفول عنه شبيهاً بتذكر الشيء المنسي أطلق عليه {لعلكم تذكرون}. وهذا في معنى قوله تعالى: {أية : وما نحن بمسبوقين على أن نبدِّل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون}تفسير : [الواقعة: 60 ـــ 62] فقد ذُيل هنالك بالحث على التذكر، كما ذيل هنا برجاء التذكر، فأفاد أن خلق الذكر والأنثى من نطفة هو النشأة الأولى وأنها الدالة على النشأة الآخرة. وجملة {لعلكم تذكرون} تعليل لجملة {خلقنا زوجين} أي رجاء أن يكون في الزوجين تذكر لكم، أي دلالة مغفول عنها. والقول في صدور الرجاء من الله مبين عنه قوله تعالى: {أية : ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون} تفسير : في سورة البقرة (52).
د. أسعد حومد
تفسير : (49) - وَقَدْ خَلَقَ اللهُ تَعَالى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ المَخْلُوقَاتِ ثَانِياً لَهُ مُخَالِفاً لَهُ في مَبْنَاهُ، فَأصْبحَ كُلُّ وَاحِدٍ منهما زَوْجاً للآخَرِ، فَخَلَقَ السَّماءَ وَالأَرْضَ، وَخَلَقَ البَرَّ والبَحْرَ، وَخَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ.. وَذَلِكَ لِيَتَذَكَّرَ الخَلْقُ وَيَعْتَبِرُوا، وَيَعْلَمُوا أنَّ الخَالِقَ وَاحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ. زَوْجَينِ - صِنْفَينِ وَنَوعَينِ مُخْتَلِفَينِ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وبقوله: {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} [الذاريات: 49]، يشير إلى أنه تعالى خلق لكل شيء من عالم الملك وهو عالم الأجسام زوجاً بيد القدرة الإلهية، كما قال تعالى: {أية : فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}تفسير : [يس: 83]، بهذا الطريق للوصول والوصال. {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الذاريات: 49] أنكم بهذا الطريق جئتم من الحضرة ويد القدرة إلى الملكوت، ومن الملكوت إلى الملك فبهذا الطريق ترجعون إلى الله، وهو قوله: {فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} [الذاريات: 50]؛ أي: يا أيها الذين فررتم من الله بتعلقات الكونين ففروا إليه بقطع التعلقات عما سواه {إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ} [الذاريات: 50]، بهذا القطع {مُّبِينٌ} [الذاريات: 50] بالبراهين القاطعة. {وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ} [الذاريات: 51] في المعرفة بوحدانية {إِلَـٰهاً آخَرَ} [الذاريات: 51] من النفس والهوى والدنيا والآخرة، فتعبدوها بالميل إليها والرغبة بها، فإن التوحيد في الإعراض عنها وقطع تعلقاتها والفرار إلى الله منها؛ لأن من صح قرآن إلى الله صح قرآن مع الله وهذا إكمال فإنه التوحيد، لا يغفر أن يشرك به. ثم أخبر عن عادة ساداتهم في الكفر بقوله تعالى: {كَذَلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} [الذاريات: 52]، يشير إلى أرباب النفوس المتمردة من الأولين والآخرين، مركوزة في جبلتهم طبيعة الشيطانية من التمرد والإباء والاستكبار، فما أتاهم رسول من الأنبياء في الظاهر، ومن الإلهامات الربانية في الباطن إلا أنكروا عليه، وقالوا: {سَاحِرٌ} [الذاريات: 52] يريد أن يسحرنا، {أَوْ مَجْنُونٌ} [الذاريات: 52] لا عبرة بقوله: {أَتَوَاصَوْاْ بِهِ} [الذاريات: 53]، كأن بعضهم بالتمرد والإنكار والجحود؛ لأنهم خلقوا على طبيعة واحدة،، {بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الذاريات: 53] بأنهم وجدوا أسباب الطغيان، وهي: السعة والتنعم والبطر والغنى. {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} [الذاريات: 54]، فإنك لا تهدي من أحببت منهم، {فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ} [الذاريات: 54]، في العجز عن هدايتهم؛ لأنك تبلغ وليس إليك من الهداية شيء.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):