٥١ - ٱلذَّارِيَات
51 - Adh-Dhariyat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
50
Tafseer
الرازي
تفسير : أمر بالتوحيد، وفيه لطائف. الأولى: قوله تعالى: {فَفِرُّواْ } ينبـىء عن سرعة الإهلاك كأنه يقول الإهلاك والعذاب أسرع وأقرب من أن يحتمل الحال الإبطاء في الرجوع، فافزعوا إلى الله سريعاً وفروا. الثانية: قوله تعالى: {إِلَى ٱللَّهِ } بيان المهروب إليه ولم يذكر الذي منه الهرب لأحد وجهين، إما لكونه معلوماً وهو هول العذاب أو الشيطان الذي قال فيه: {أية : إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً } تفسير : [فاطر: 6] وإما ليكون عاماً كأنه يقول: كل ما عدا الله عدوكم ففروا إليه من كل ما عداه، وبيانه وهو أن كل ما عداه فإنه يتلف عليك رأس مالك الذي هو العمر، ويفوت عليك ما هو الحق والخير، ومتلف رأس المال مفوت الكمال عدو، وأما إذا فررت إلى الله وأقبلت على الله فهو يأخذ عمرك ولكن يرفع أمرك ويعطيك بقاء لا فناء معه. والثالثة: الفاء للترتيب معناه إذا ثبت أن خالق الزوجين فرد ففروا إليه واتركوا غيره تركاً مؤبداً. الرابعة: في تنوع الكلام فائدة وبيانها هو أن الله تعالى قال: {أية : وَٱلسَّمَاء بَنَيْنَـٰهَا } تفسير : [الذاريات: 47] {أية : وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَـٰهَا } تفسير : [الذاريات: 48] {أية : وَمِن كُلّ شَىْء خَلَقْنَا } تفسير : [الذاريات: 49] ثم جعل الكلام للنبـي عليه السلام وقال: {فَفِرُّواْ إِلَى ٱللَّهِ إِنّى لَكُمْ مّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } ولم يقل ففروا إلينا، وذلك لأن لاختلاف الكلام تأثيراً، وكذلك لاختلاف المتكلمين تأثيراً، ولهذا يكثر الإنسان من النصائح مع ولده الذي حاد عن الجادة، ويجعل الكلام مختلفاً، نوعاً ترغيباً ونوعاً ترهيباً، وتنبيهاً بالحكاية، ثم يقول لغيره تكلم معه لعلّ كلامك ينفع، لما في أذهان الناس أن اختلاف المتكلمين واختلاف الكلام كلاهما مؤثر، والله تعالى ذكر أنواعاً من الكلام وكثيراً من الاستدلالات والآيات وذكر طرفاً صالحاً من الحكايات، ثم ذكر كلاماً من متكلم آخر هو النبـي صلى الله عليه وسلم، ومن المفسرين من يقول تقديره فقل لهم ففروا وقوله: {إِنّى لَكُمْ مّنْهُ نَذِيرٌ } إشارة إلى الرسالة. وفيه أيضاً لطائف. إحداها: أن الله تعالى بيّن عظمته بقوله: {وَٱلسَّمَاء بَنَيْنَـٰهَا } {وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَـٰهَا } وهيبته بقوله: {أية : فَنَبَذْنَـٰهُمْ فِى ٱلْيَمّ } تفسير : [القصص: 40] وقوله تعالى: {أية : أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرّيحَ ٱلْعَقِيمَ } تفسير : [الذاريات: 48] وقوله: {أية : فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ } تفسير : [النساء: 153] وفيه إشارة إلى أنه تعالى إذا عذب قدر على أن يعذب بما به البقاء والوجود وهو التراب والماء والهواء والنار، فحكايات لوط تدل على أن التراب الذي منه الوجود والبقاء إذا أراد الله جعله سبب الفناء والماء كذلك في قوم فرعون والهواء في عاد والنار في ثمود، ولعلّ ترتيب الحكايات الأربع للترتيب الذي في العناصر الأربعة وقد ذكرنا في سورة العنكبوت شيئاً منه، ثم إذا أبان عظمته وهيبته قال لرسوله عرفهم الحال وقل أنا رسول بتقديم الآيات وسرد الحكايات فلإردافه بذكر الرسول فائدة. ثانيها: في الرسالة أمور ثلاثة المرسل والرسول والمرسل إليه وههنا ذكر الكل، فقوله: {لَكُمْ } إشارة إلى المرسل إليهم وقوله: {مِنْهُ } إشارة إلى المرسل وقوله: {نَّذِيرٍ } بيان للرسول، وقدم المرسل إليه في الذكر، لأن المرسل إليه أدخل في أمر الرسالة لأن عنده يتم الأمر، والملك لو لم يكن هناك من يخالفه أو يوافقه فيرسل إليه نذيراً أو بشيراً لا يرسل وإن كان ملكاً عظيماً، وإذا حصل المخالف أو الموافق يرسل وإن كان غير عظيم، ثم المرسل لأنه متعين وهو الباعث، وأما الرسول فباختياره، ولولا المرسل المتعين لما تمت الرسالة، وأما الرسول فلا يتعين، لأن للملك اختيار من يشاء من عباده، فقال: {مِنْهُ } ثم قال: {نَّذِيرٍ } تأخيراً للرسول عن المرسل. ثالثها: قوله: {مُّبِينٌ } إشارة إلى ما به تعرف الرسالة، لأن كل حادث له سبب وعلامة، فالرسول هو الذي به تتم الرسالة، ولا بد له من علامة يعرف به، فقوله: فقوله: {مُّبِينٌ } إشارة إليها وهي إما البرهان والمعجزة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} لما تقدّم ما جرى من تكذيب أممهم لأنبيائهم وإهلاكهم؛ لذلك قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم يا محمد؛ أي قل لقومك: {فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } أي فِرّوا من معاصيه إلى طاعته. وقال ٱبن عباس: فِروا إلى الله بالتوبة من ذنوبكم. وعنه فِرّوا منه إليه وٱعملوا بطاعته. وقال محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان: {فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} ٱخرجوا إلى مكة. وقال الحسين بن الفضل: ٱحترزوا من كل شيء دون اللَّهِ فمن فرّ إلى غيره لم يمتنع منه. وقال أبو بكر الورّاق: فِروا من طاعة الشيطان إلى طاعة الرحمن. وقال الجُنَيد: الشيطان داعٍ إلى الباطل ففروا إلى الله يمنعكم منه. وقال ذو النون المصري: ففِرّوا من الجهل إلى العلم، ومن الكفر إلى الشكر. وقال عمرو بن عثمان: فِرّوا من أنفسكم إلى ربكم. وقال أيضاً: فِروا إلى ما سبق لكم من الله ولا تعتمدوا على حركاتكم. وقال سهل ابن عبد الله: فِرّوا مما سوى الله إلى الله. {إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي أنذركم عقابه على الكفر والمعصية. قوله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ} أمر محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقول هذا للناس وهو النذير. وقيل: هو خطاب من الله للخلق. {إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ} أي من محمد وسيوفه {نَذِيرٌ} أي أنذركم بأسه وسيفه إن أشركتم بي؛ قاله ٱبن عباس. قوله تعالى: {كَذَلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ} هذا تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ أي كما كذّبك قومك وقالوا ساحر أو مجنون، كذّب من قبلهم وقالوا مثل قولهم. والكاف من «كَذَلِكَ» يجوز أن تكون نصباً على تقدير أنذركم إنذاراً كإنذار من تقدّمني من الرسل الذين أنذروا قومهم، أو رفعاً على تقدير الأمر كذلك أي كالأول. والأوّل تخويف لمن عصاه من الموحِّدين، والثاني لمن أشرك به من الملحِدين. والتمام على قوله: «كَذَلِكَ» عن يعقوب وغيره. قوله تعالى: {أَتَوَاصَوْاْ بِهِ} أي أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب. وتواطأوا عليه؛ والألف للتوبيخ والتعجب. {بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} أي لم يوصِ بعضهم بعضاً بل جَمعهم الطغيان، وهو مجاوزة الحدّ في الكفر. قوله تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} أي أعرض عنهم وٱصفح عنهم {فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ} عند الله لأنك أديت ما عليك من تبليغ الرسالة، ثم نسخ هذا بقوله تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. وقيل: نسخ بآية السيف. والأوّل قول الضحاك؛ لأنه قد أمر بالإقبال عليهم بالموعظة. وقال مجاهد: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} فأعرض عنهم {فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ} أي ليس يلومك ربك على تقصير كان منك {وَذَكِّرْ} أي بالعِظة فإن العِظة {تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. قتادة: «وَذَكِّرْ» بالقرآن {فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ} به {تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. وقيل: ذكرهم بالعقوبة وأيام الله. وخصّ المؤمنين؛ لأنهم المنتفعون بها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَفِرُّواْ إِلَى ٱللَّهِ } أي إلى ثوابه من عقابه بأن تطيعوه ولا تعصوه {إِنّى لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } بيّن الإِنذار.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَفِرُّواْ} فتوبوا.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}[50] قال: يعني ففروا مما سوى الله إلى الله، وفروا من المعصية إلى الطاعة، ومن الجهل إلى العلم، ومن عذابه إلى رحمته، ومن سخطه إلى رضوانه. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعوذ بك منك"تفسير : ، فهذا أيضاً باب منه عظيم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} [الآية: 50]. قال سهل: فروا مما سوى الله إلى الله ومن سخطه إلى رضوانه وفروا من المعصية إلى الطاعة ومن الجهل إلى العلم ومن عذابه إلى رحمته. قال محمد بن حامد: حقيقة الفرار إلى الله ما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : وألجأت ظهرى إليك"تفسير : . وما روى عنه فى خبر عائشة أنه قال: "حديث : أعوذ بك منك" تفسير : فهذا غاية الفرار منه إليه. قال الواسطى رحمة الله عليه: {فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} معناه لما سبق لهم من الله لا إلى علمهم وحركاتهم أنفسهم كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعوذ بك منك ". تفسير : قال بعضهم: {فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} اهربوا إليه والمعنى اخرجوا من أنفسكم فإن مؤنتها عظيمة عليكم فإنها مأوى كل سوء. قال الواسطى رحمة الله عليه: فروا إلى الله عز وجل من رؤية الاكتساب واجتلاب قواك وفعلك. وقال بعضهم: من فر من نفسه فلينظر إلى أحد يصل إليه إلاَّ من يفر من نفسه. قال الواسطى رحمة الله عليه: علم العلماء ونسب المنتسبين لا ينفع عندما سبق من السوابق فلا نسب أشرف من نسب خلقه الله بيده فلم يعصمه ولا علم أرفع من علم من علَّمه الأسماء كلها ولا عبادة أجهل من عبادة إبليس لم ينفع ذلك مما سبق بل الفرار إليه مما ينفع لأنه يقول: {فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} ففروا حينئذ من الله إلى الله بأجمعهم على ما أمرهم الله لا إلى أعمالهم ولا إلى علومهم ولا إلى أنسابهم ولا إلى أنفسهم كما قال عليه السلام: "حديث : أعوذ بك منك ". تفسير : قال الواسطى رحمة الله عليه: عند التذكر أمر بالفرار إليه لم يكن للجسد اكتساب الروح ولم يكن للروح أن يكسب الجسد عجزًا وضعفًا قال: {فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} عن رؤية الاكتساب فإنه اجتلاب قول وفعل وهما شيئان الروح والعقل فالروح لا يسرى إلى الروح والعقل لا يتهيأ له أن يدفع عن العقل مكروهاً. سئل بعضهم عن قول النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : سافروا تغنموا وصوموا تصحوا ".
القشيري
تفسير : أي فارجِعوا إلى الله - والإنسان بإحدى حالتين؛ إِمَّا حالة رغبةٍ في شيءٍ، أو حالة رهبة من شيء، أو حال رجاء، أو حال خوف، أو حال جَلْبِ نَفْعٍ أو رفع ضُرٍّ... وفي الحالتين ينبغي أَنْ يكونَ فِرارُه إلى الله؛ فإنَّ النافعَ والضارَّ هو اللَّهُ. ويقال: مَنْ صَحَّ فِرارُه إلى اللّهِ صَحَّ قَرارُه مع الله. ويقال: يجب على العبد أَنْ يفرَّ من الجهل إلى العلم، ومن الهوى إلى التُّقَى، ومن الشّكِّ إلى اليقين، ومن الشيطانِ إلى الله. ويقال: يجب على العبد أَنْ يفرَّ من فعله - الذي هو بلاؤه إلى فعله الذي هو كفايته، ومن وصفه الذي هو سخطه إلى وصفه الذي هو رحمته، ومن نفسه - حيث قال: {أية : وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ}تفسير : [آل عمران: 28] إلى نفسه حيث قال: {فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ}.
اسماعيل حقي
تفسير : {ففروا الى الله} اى قل لقومك يامحمد اذا كان الامر كذلك فاهربوا الى الله الذى هذه شؤونه بالايمان والطاعة كى تنجوا من عقابه وتفوزوا بثوابه يعنى ان فى الامر بالايمان وملازمة الطاعة بلفظ الفرار تنبيها على ان ورآء الناس عقابا يجب أن يفروا منه قال بعض الكبار يا أيها الذين فررتم من الله بتعلقات الكونين ففروا بنعت الشوق والمحبة والتجرد الى الله يقطع التعلقات عن الوجود وعما سواه تعالى مطلقا ومن صح فراره الى الله صح قراره مع الله وايضا ففروا منه اليه حتى تفنوا فيه قال فان الحادث لايثبت عند رؤية القديم وقال سهل رضى الله عنه ففروا مما سوى الله الى الله ومن المعصية الى الطاعة ومن الجهل الى العلم ومن العذاب الى رحمة ومن سخطه الى رضوانه وقال محمد بن حامل رحمه الله حقيقة الفرار ماروى عن النبى عليه السلام انه قال "حديث : والجأت ظهرى اليك"تفسير : وماروى عنه فى حديث عائشة رضى الله عنها واعوذ بك منك فهذه غاية الفرار منه اليه وقال الواسطى رحمه الله ففروا الى الله معناه لما سبق لهم من الله لا الى علمهم وحركاتهم وأنفسهم وسئل بعضهم عن قول النبى عليه السلام "حديث : سافروا تصحوا قال سافروا الينا تجدونا فى اول قدم ثم قرأ ففروا الى الله" شعر : هيجكس درتونيا ويخت كه ازخود نكريخت هيجكس باتونه بيوست كه ازخود نبريد تفسير : وفى كشف الاسرار فرار مقامى است از مقامات روندكان ومنزلى از منازل دوستى كسى راكه اين مقام درست شود نشانش آنست كه همه نفس خود غرامت بيند همه سخن خود شكايت بيندهمه كرده خود جنايت بيند اميد ازكرادار خود يبردوبرا خلاص خودتهمت نهدوا كر دولتى آيد در راه وى از فضل حق بيند واز حكم ازل انه از جهد وكردار خود وهذا موت عن نفسه وهمه خلق زنده ازمرده ميراث برد مكر اين طائفه كه مرده از زنده ميراث برد، وفى الحديث "حديث : من أراد أن ينظر الى ميت يمشى على وجه الارض فلينظر الى ابى بكر"تفسير : {انى لكم منه نذير مبين} اى انى لكم من جهته تعالى منذر بين كونه منذرا منه تعالى بالمعجزات الباهرة او مظهر لما يجب اظهاره من العذاب المنذر به وفى امره للرسول عليه السلام بأن يأمرهم بالهرب اليه من عقابه وتعليله بانه عليه السلام ينذرهم من جهته تعالى لامن من تلقاء نفسه وعد كريم بنجاتهم من المهروب وفوزهم بالمطلوب
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {فَفِرُّوا إِلى الله} الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: إذا كان الأمر كما ذكر من شؤونه تعالى في إهلاك مَن تعدى الحدود، ففِروا إلى الله بالإيمان والطاعة، كي تنجوا من غضبه، وتفوزوا بثواب، أو: ففِرُّوا من الكفر إلى الإيمان، ومن المعصية إلى الطاعة، أو: من طاعة الشيطان إلى طاعة الرحمن، {إِني لكم منه نذير مبين} تعليل للأمر بالفرار إلأيه تعالى، فإنَّ كونه صلى الله عليه وسلم منذراً منه تعالى، لا من تلقاء نفسه، موجب للفرار، وفيه وعد كرمي بنجاتهم من الهروب، وفوزهم بالمطلوب، {ولا تجعلوا مع الله إلهاً آخر} هو نهي موجبٌ للفرار من سبب العقاب، بعد الأمر بالفرار من نفس العقاب، كما يُشعر به قوله تعالى: {إِني لكم منه} أي: من الجعل المنهي عنه {نذير مبين} كأنه قيل: ففرُّوا إلى الله من عقابه، ومن سببه، وهو جعلكم مع الله إلهاً آخر. {كذلك} أي: الأمر ما ذكر من تكذيبهم الرسول، وتسميتهم له ساحراً أو مجنوناً، ثم فسر ما أجمل بقوله: {ما أتي الذين مِن قبلهم} من قبل قومك {مِن رسولٍ} من رسل الله {إلا قالوا} في حقه: هو {ساحرٌ أو مجنون} فرموهم بالسحر والجنون؛ لجهلهم، {أتَواصَوا به} الضمير للقول، أي: أتواصى الأولون والآخرون بهذا القول، حتى قالوه جميعاً متفقين عليه، {بل هم قومً طاغون} أي: لم يتواصوا به لأنهم لم يتلاقوا في زمان واحد، بل جمعتهم العلة الواحدة، وهي الطغيان، {فتولَّ عنهم} أي: أعرِضْ عن الذين كرّرت عليهم الدعوة، فلم يجيبوا عناداً، {فما أنت بملومٍ} فلا لوم عليك في إعراضك بعدما بلّغت الرسالة، وبذلت مجهودك في البلاغ والدعوة. {وذَكِّرْ} وَعِظ بالقرآن {فإِنَّ الذكرى تنفعُ المؤمنين} الذي قدّر الله سبحانه وتعالى إيمانهم، أو آمنوا بالفعل، فإنها تزيدهم بصيرة وقوة في اليقين والعلم. وبالله التوفيق. الإشارة: الفرار إلى الله يكون من خمسة أشياء: من الكفر إلى الإيمان، ومن المعصية إلى الطاعة بالتوبة، ومن الغفلة إلى اليقظة بدوام الذكر، ومن المقام مع العوائد والحظوظ إلى الزهد بالمجاهدة وخرق العوائد، ومن شهود الحس إلى شهود المعنى، وهو مقام الشهود. وفي القوت: {ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون} الفَرْد، {ففروا إلى الله} أي: من الأشكال والأضداد إلى الواحد الفرد. وفي البخاري: "معناه: من الله إليه". قال القشيري: ارجعوا إلى الله، والإشارة إلى حالتين، إما رغبة في شيء، أو رهبة من شيء، أو حالي خوف ورجاء، أو طلب نفع أو دفع ضر، وينبغي أن يفر من الجهل إلى العلم، ومن الهوى إلى التقوى، ومن الشك إلى اليقين، ومن الشيطان إلى الله، ومِن فعله الذي هو بلاؤه إلى فعله الذي هو كفايته، ومن وصفه الذي هو سخطه، إلى وصفه الذي هو رحمته، ومن نفسه، حيث قال:{أية : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ}تفسير : [آل عمران: 28] إلى نفسه، حيث قال: {ففروا إلى الله}. هـ. ونقل الورتجبي عن الخراز، فقال: أظهر معنى الربوبية والوحدانية، بأن خلق الأزواج فتخلُص له الفردانية، فلما تبين أن أشكال الأشياء تواقع علة الفناء؛ دعا العباد إلى نفسه؛ لأنه الباقي، وغيره فانٍ، بقوله: {ففروا إلى الله} أي: ففروا مِن وجودكم، ومِن الأشياء كلها، إلى الله بنعت الشوق والمحبة والتجريد عما سواه.هـ. ولمَّا أمرهم بالفرار إليه، أَعْلَم أنه ما خلقهم إلا لذلك، فقال: {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ}.
الجنابذي
تفسير : {فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} المنعم عليكم بهذه النّعم من نفوسكم الامّارة ومن الشّيطان وجنوده بالاستعاذة به، ومن الاشرار وشرورهم بالاستعانة به، ومن اهويتكم الّتى هى آلهتكم بالطّاعة لأمره ونهيه، او فرّوا من اوطانكم الى الحجّ، او فرّوا من اوطانكم الى الرّسول والامام {إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} وقوله تعالى ففرّوا حكاية لقول الرّسول (ص) او قوله انّى لكم منه نذير من الله.
الهواري
تفسير : قال عز وجل: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} أي: إلى دين الله، أمر الله النبي عليه السلام أن يقولها لهم. قال: {إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي: إنه يعذّبكم إن كفرتم. {وَلاَ تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}. قوله عز وجل: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم} أي: من قبل قومك يا محمد، أي هكذا ما أتى الذين من قبلهم {مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} كما قالوا لك. {أَتَوَاصَوْا بِهِ} على الاستفهام، أي: لم يتواصوا به، لأن الأمة الأولى لم تدرك الأمة الأخرى، أهلكهم الله بالعذاب، ثم أبقى الأخرى بعدهم قال عز وجل: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} أي: مشركون، وهو من الطغيان. قوله عز وجل: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} أي: فأعرض عنهم. وهذا قبل أن يؤمر بقتالهم {فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ} أي: في الحجة، فقد أقمتها عليهم. {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} أي: إنما يقبل التذكرة المؤمنون. قوله عز وجل: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير ابن عباس: إلا ليُقِروا لي بالعبودية. قال بعضهم: كقوله: (أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ)تفسير : [الزخرف:87]. وتفسير الحسن: على ابتلاء؛ كقوله عزّ وجلّ: (أية : إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ)تفسير : أي: بصَّرناه سبيل الهدى وسبيل الضلالة (أية : إِمَّا شَاكِراً) تفسير : أي: مؤمناً (أية : وَإِمَّا كَفُوراً) تفسير : [الإنسان:2-3] أي: مشركاً أو منافقاً. وتفسير الكلبي: إنها خاصة لمن خلقه الله [مؤمناً]. قال عز وجل: {مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ} أي أن يرزقوا أنفسهم، {وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ} أي أنفسهم. {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ} في أمره وفي خلقه وفيما يحكم {الْمَتِينُ} أي: الذي لا تضعف قوته.
اطفيش
تفسير : {فَفِرُّواْ إِلَى اللهِ} بالايمان والتوحيد من عقابه الى ثوابه ومن المعصية الى الطاعة ومن الجهل الى العلم ومن سخطه الى رضاه لما نزل {أية : واسجد واقترب} تفسير : سجد صلى الله عليه وسلم فكشف له عالم الملك فلم ير شيئاً أعظم من عقاب الله وعفوه فقال في سجوده اللهم اني أعوذ بعفوك من عقابك ثم سجد ثانية أعظم من الاولى فكشف له عالم الملكوت ولم ير شيئاً أعظم من سخط الله ورضاه فقال اللهم اني أعوذ برضاك من سخطك ثم سجد ثالثة أعظم منها فبدا له عالم الجبروت فقصر عقله عن عظمة مولاه فقال اللهم اني أعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ونبه بلفظ الفرار على أن وراء الناس عقاباً يجب الفرار عنه فلفظه فروا جامع بين التحذير والدعاء وكان صلى الله عليه وسلم فى المسجد وسمع في زاويته اللهم أعني على ما ينجيني مما خوفتني فقال ألا تضم اليها أختها اللهم ارزقني شوق الصادقين الى ما شوقتهم اليه فذهبوا ينظرون فاذا هو الخضر والقول مقدر أي قل يا محمد ففروا الى الله* {إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ} من عذابه للمشرك والمنافق* {نَذِيرٌ} مخوف* {مُّبِينٌ} واضح بالمعجزات و موضح ما يجب أن يؤتى وما يجب أن يتقى فاعلموا ان الايمان لا ينفع بلا عمل كما لا ينفع عمل بلا ايمان ولذا كرره
اطفيش
تفسير : {ففرُّوا إلى الله} تفريع على قوله عز وجل: "أية : لعلكم تذكَّرون"تفسير : [الذاريات: 49] وتمثيل للاعتصام بالله سبحانه وتعالى، وبتوحيده عز وجل، وهو خطاب من الله عز وجل للمشركين، بدليل قوله تعالى: {إنِّي لكُم منْه نذيرٌ مُبينٌ} وقوله: {ولا تَجعَلُوا مَعَ الله إلهاً آخر إنِّي لكم منْهُ نَذيرٌ مُبينٌ} أو الكلام على تقدير القول، أى قل يا محمد للمشركين: {ففرّوا}، أو قل يا محمد: فروا الى الله تعالى بتوحيده، انى لكم من عقابه لمن لم يوحده، نذير ظاهر الانذار بالآيات المتلوة، والمعجزات، أو مظهر لهن، أو موضح لما يجب أن يحذر عنه، ولا تشركوا به غيره باسم ولا فعل ولا صفة ولا عبادة، وذكر الانذار والانابة بعد الأمر بالفرار، وبعد النهى عن الاشراك، وذلك تأكيد ومبالغة فى النضج، لا تكرير، أو فروا الى الايمان بالله وطاعته من معصيته وعقابه، ولا تشركوا به تعالى، أو من عقابه الى ثوابه، وفى كل ذلك الفرار من الله الى الله عز وجل. ويجوز أن يقال: قل يا محمد حيث لا يتوهم أنه من القرآن، كما تجوز الصلاة عليه فى قرءاة القرآن اذا ذكر اسمه، لكن بصوت خفيف دون صوت القرآن، فالإنذاران والابانتان فى كل من الموضعين مغايران لما فى الموضع الآخر، لتغاير ما رتب عليه، أو ذكر الانذار فى الموضعين، ليعلم أن الايمان لا ينفع بلا عمل، كما أن العمل لا ينفع بلا ايمان، والايتان فى تقديم الايمان على الشرك مثل قوله تعالى: "أية : فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل" تفسير : [الكهف: 110] الخ، وقوله تعالى:"أية : واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً" تفسير : [النساء: 36].
الالوسي
تفسير : {فَفِرُّواْ إِلَى ٱللَّهِ } تفريع على قوله سبحانه: { أية : لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } تفسير : [الذاريات: 49] وهو تمثيل للاعتصام به سبحانه وتعالى وبتوحيده عز وجل، والمعنى: قل يا محمد: ففروا إلى الله لمكان {إِنّى لَكُمْ مّنْهُ } أي من عقابه تعالى المعد لمن لم يفر إليه سبحانه ولم يوحده {نَذِيرٌ مُّبِينٌ } بين كونه منذراً من الله سبحانه بالمعجزات، أو مبين ما يجب أن يحذر عنه.
ابن عاشور
تفسير : بعد أن بين ضلال هؤلاء في تكذيبهم بالبعث بياناً بالبرهان الساطع، ومثَّل حالهم بحال الأمم الذين سلفوهم في التكذيب بالرسل وما جاءوا به جمعاً بين الموعظة للضالين وتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وكانت فيما مضى من الاستدلال دلالة على أن الله متفرد بخلق العالم وفي ذلك إبطال إشراكهم مع الله آلهة أخرى أقبل على تلقين الرسول صلى الله عليه وسلم ما يستخلصه لهم عقب ذلك بأن يدعوهم إلى الرجوع إلى الحق بقوله: {ففرُّوا إلى الله} فالجملة المفرعة بالفاء مقول قول محذوف والتقدير: فقل فرّوا، دل عليه قوله: {إني لكم منه نذير مبين} فإنه كلام لا يصدر إلا من قائل ولا يستقيم أن يكون كلام مبلغ. وحذف القول كثير الورود في القرآن وهو من ضُروب إيجازه، فالفاء من الكلام الذي يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم ومفادها التفريع على ما تقرر مما تقدم. وليست مُفرِّعة فعل الأمر المحذوف لأن المفرع بالفاء هو ما يذكر بعدها. وقد غُير أسلوب الموعظة إلى توجيه الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم هذه الموعظة لأن لتعدد الواعظين تأثيراً على نفوس المخاطبين بالموعظة. والأنسب بالسياق أن الفرار إلى الله مستعار للإِقلاع عن ما هم فيه من الإِشْراك وجحود البعث استعارة تمثيلية بتشبيه حال تورطهم في الضلالة بحال من هو في مكان مخوف يدعو حاله أن يفرّ منه إلى من يجيره، وتشبيه حال الرسول صلى الله عليه وسلم بحال نذير قوم بأن ديارهم عرضة لغزو العدوّ فاستعمل المركَّب وهو {فروا إلى الله} في هذا التمثيل. فالمواجه بــــ{فرّوا إلى الله} المشركون لأن المؤمنين قد فرّوا إلى الله من الشرك. والفرار: الهروب، أي سرعة مفارقة المكان تجنباً لأذىً يلحقه فيه فيعدي بــــ(من) الابتدائية للمكان الذي به الأذى يقال: فَرَّ من بلد الوباء ومن الموت، والشيء الذي يؤذي، يقال: فر من الأسد وفر من العدوّ. وجملة {إني لكم منه نذير مبين} تعليل للأمر بــــ{فروا إلى الله} باعتبار أن الغاية من الإِنذار قصد السلامة من العقاب فصار الإِنذار بهذا الاعتبار تعليلاً للأمر بالفرار إلى الله، أي التوجه إليه وحده. وقوله: {منه} صفة لــــ{نذير} قدمت على الموصوف فصارت حالاً. وحرف (مِن) للابتداء المجازي، أي مأمور له بأن أبلغكم. وعطف {ولا تجعلوا مع الله إلٰهاً آخر} على {ففروا إلى الله} نهي عن نسبة الإِلهية إلى أحد غير الله. فجمع بين الأمر والنهي مبالغة في التأكيد بنفي الضد لإِثبات ضده كقوله: {أية : وأضل فرعون قومه وما هدى}تفسير : [طه: 79]. ومن لطائف فخر الدين أن قوله تعالى: {إني لكم منه نذير} جَمع الرسولَ والمرسلَ إليهم والمرسِل.
د. أسعد حومد
تفسير : (50) - فَالجَؤوا إلى اللهِ يَا أَيُّها النَّاسُ، وَأسْرِعُوا إلى طَاعَتِهِ، وَاعتَمِدُوا عَلَيه في جَميعِ أُمُورِكُمْ، فَإني لَكُم مِنْهُ نَذيرٌ، أنذِرُكُم عِقَابَه، وَأخَوِّفُكُمْ مِنْ عَذابِه الذِي أنزَلَهُ بالأمَمِ الخَاليةِ التي كَذَّبَتْ رُسُلَها، وَكَفَرتْ بِرَبِّها، وَإِني مُبَيِّنٌ لَكُم مَا يَجِبُ عَلَيكُمْ أنْ تَحْذَرُوهُ. فِرُّوا - اهْرُبُوا مِنْ عِقَابِ اللهِ إلى ثَوَابِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذا أمر بالفرار، والفرار أي الهرب يكون من مخُوف يقبل عليك وأنت تخاف منه، وتريد أنْ تنجو بنفسك منه وتفر إلى مأمن يحميك، وهذه العملية عناصرها فارٌّ، ومفرور منه، ومفرور إليه. والمخاطبون هنا من الله تعالى هم عباده يقول لهم {فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ ..} [الذاريات: 50] من أي شيء يفرون؟ إذا كان الفرار إلى الله، فهم يفرّون من كل ما يناقض الله، ومن كلِّ ما يخالف شرعه، يفرون من إبليس الذي ينازع الله في التكاليف، يفرون من شهوات نفوسهم، يفرون إلى الله من الأهواء والنزوات، يفرون من العذاب إلى النعيم المقيم. إذن: معنى الفرار هنا الانتقال من شيء مخيف إلى شيء آمن، ولن تجدوا لكم ملجأ أأمن لكم من حضن خالقكم سبحانه، ففيه الأمن والراحة والسعادة والنعيم، حتى العقوبة حينما يُشرِّعها على المخالفة يُشرِّعها من أجل أنْ تعودوا إليه وتفروا إلى ساحته. فهو سبحانه حريص عليكم لأنكم عباده وصنعته، وكلُّ صانع يحرص على سلامة صنعته وحمايتها مما يتلفها. ونحن بدورنا نتعلم من ربنا تبارك وتعالى هذا الدرس فنتقن أعمالنا، كما علَّمنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أنْ يُتقنه ". تفسير : فإتقان الصَّنعة يزيد النغمة الإيمانية العقدية في الكون، ويكفي أن كل مَنْ يرى صنعتك يقول: الله الله، فتكون أنت سبباً لذكر الله، وهذه النغمة لا يرددها الإنسان فحسب، إنما يرددها الكون كله ويطرب لها، فالإنسان ما هو إلا فرد في هذه المنظومة الذاكرة. إذن: {فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ ..} [الذاريات: 50] تعلقوا بحبله، واستمسكوا بهديه، وكونوا في جانبه، كونوا مع شرعه، سيروا معه حيث سار، كما يقولون عندنا في الفلاحين (اتشعلق في ربنا وحط رجلك زي ما أنت عايز) فما دُمْتَ في جنب الله فلن يضرك شيء، وصدق القائل: شعر : يا رب حُبك في دمي وكياني نورٌ أغر يذوبُ في وجداني أنا لا أضام وفي رحابك عصمتي أنا لا أخافُ وفي رضاك أماني تفسير : وقوله تعالى: {إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [الذرايات: 50] المتكلم هنا رسول الله فهو النذير من عند الله، وقال {نَذِيرٌ ..} [الذاريات: 50] لأن الفرار يناسبه الإنذار لتفرّ مما يخيفك إلى ما يُؤمِّنك. و{مُّبِينٌ} [الذاريات: 50] أي: نذارتي لكم واضحة، وحجتي بيِّنة ظاهرة. {وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [الذاريات: 51] أي: لا تتخذوا إلهاً إلا الله تأتمرون بأمره، ومعلوم أن الذين عبدوا الأصنام أو عبدوا ما دون الله تعالى، عبدوها لأنها لا أوامرَ لها ولا تكاليف ولا منهجَ، لذلك كانت عبادتها باطلة. أما الله تعالى فهو الإله الحقّ الذي يستحق أنْ يُعبد وأنْ يُطاع في أمره ونهيه، والنهي في {وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ ..} [الذاريات: 51] متعلق بالأمر في {فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ ..} [الذاريات: 50] حيث لا إله غيره، ولا ملجأ لكم إلا هو. وهذا هو الدين الحق الذي ارتضته الفطْرة السليمة منذ كُنَّا في مرحلة الذر، وأخذ الله علينا هذا العهد {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ..}تفسير : [الأعراف: 172]. وما شذَّ الخَلْق عن هذا العهد إلا بسبب الغفلة أو وسوسة الشيطان ونزغات وشهوات النفوس، وما عبد الكفارُ الأصنام إلا لإرضاء فطرة التدين فيهم، عبدوها تديناً بها؛ إرضاء للفطرة، وارتياحاً لعدم التبعة؛ لأنها لا أمر لها، ولا نهي. وعلى العاقل قبل أنْ يقدم على العمل أنْ يستحضر عواقبه والجزاء عليه، فحينما يُقبل على المعصية يتصوَّر العذاب الذي ينتظره عليها، وحينما يكسل عن الطاعة يتصوَّر النعيم الذي أُعِدّ له، ولو فعل الناسُ ذلك ونظروا في العواقب لفرُّوا من المعصية إلى الطاعة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):