٥١ - ٱلذَّارِيَات
51 - Adh-Dhariyat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
52
Tafseer
الرازي
تفسير : والتفسير معلوم مما سبق، وقد ذكرنا أنه يدل على أن ذكر الحكايات للتسلية، غير أن فيه لطيفة واحدة لا نتركها، وهي أن هذه الآية دليل على أن كل رسول كذب، وحينئذ يرد عليه أسئلة الأول: هو أنه من الأنبياء من قرر دين النبي الذي كان قبله، وبقي القوم على ما كانوا عليه كأنبياء بني إسرائيل مدة، وكيف وآدم لما أرسل لم يكذب الثاني: ما الحكمة في تقدير الله تكذيب الرسل، ولم يرسل رسولاً مع كثرتهم واختلاف معجزاتهم بحيث يصدقه أهل زمانه؟ الثالث: قوله {مَا أَتَى... إِلاَّ قَالُواْ } دليل على أنهم كلهم قالوا ساحر، وليس كذلك لأنه ما من رسول إلا وآمن به قوم، وهم ما قالوا ذلك والجواب عن الأول: هو أن نقول، أما المقرر فلا نسلم أنه رسول، بل هو نبي على دين رسول، ومن كذب رسوله فهو مكذبه أيضاً ضرورة. وعن الثاني: هو أن الله لا يرسل إلا عند حاجة الخلق، وذلك عند ظهور الكفار في العلم، ولا يظهر الكفر إلا عند كثرة الجهل، ثم إن الله تعالى لا يرسل رسولاً مع كون الإيمان به ضرورياً، وإلا لكان الإيمان به إيمان اليأس فلا يقبل، والجاهل إذا لم يكن المبين له في غاية الوضوح لا يقبله فيبقى في ورطة الضلالة، فهذا قدر لزم بقضاء الله على الخلق على هذا الوجه، وقد ذكرنا مرة أخرى أن بعض الناس يقول: كل ما هو قضاء الله فهو خير، والشر في القدر، فالله قضى بأن النار فيها مصلحة للناس لأنها نور، ويجعلونها متاعاً في الأسفار وغيرها كما ذكر الله، والماء فيه مصلحة الشرب، لكن النار إنما تتم مصلحتها بالحرارة البالغة والماء بالسيلان القوي، وكونهما كذلك يلزمهما بإجراء الله عادته عليهما أن يحرق ثوب الفقير، ويغرق شاة المسكين، فالمنفعة في القضاء والمضرة في القدر، وهذا الكلام له غور، والسنة أن نقول (يفعل الله ما يشاء، ويحكم ما يريد) وعن الثالث: أن ذلك ليس بعام، فإنه لم يقل إلا قال كلهم، وإنما قال: {إِلاَّ قَالُواْ } ولما كان كثير منهم، بل أكثرهم قائلين به، قال الله تعالى: {إِلاَّ قَالُواْ } فإن قيل: فلم لم يذكر المصدقين، كما ذكر المكذبين، وقال إلا قال بعضهم صدقت، وبعضهم كذبت؟ نقول لأن المقصود التسلية وهي على التكذيب، فكأنه تعالى قال: لا تأس على تكذيب قومك، فإن أقواماً قبلك كذبوا، ورسلاً كذبوا.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مسلياً لنبيه صلى الله عليه وسلم وكما قال لك هؤلاء المشركون، قال المكذبون الأولون لرسلهم: { كَذَلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَـٰحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} قال الله عز وجل: {أَتَوَاصَوْاْ بِهِ} أي: أوصى بعضهم بعضاً بهذه المقالة {بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَـٰغُونَ} أي: لكن هم قوم طغاة، تشابهت قلوبهم، فقال متأخرهم كما قال متقدمهم. قال الله تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} أي: فأعرض عنهم يامحمد {فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ} يعني: فما نلومك على ذلك، { وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي: إنما تنتفع بها القلوب المؤمنة، ثم قال جل جلاله: { وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} أي: إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي، لا لاحتياجي إليهم. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} أي: إلا ليقروا بعبادتي طوعاً أو كرهاً. وهذا اختيار ابن جرير، وقال ابن جريج: إلا ليعرفون، وقال الربيع بن أنس: {إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} أي: إلا للعبادة، وقال السدي: من العبادة ما ينفع، ومنها ما لا ينفع {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [لقمان: 25] هذا منهم عبادة، وليس ينفعهم مع الشرك، وقال الضحاك: المراد بذلك المؤمنون. وقوله تعالى: { مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ } قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم وأبو سعيد قالا: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم "إني لأنا الرزاق ذو القوة المتين" ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث إسرائيل، وقال الترمذي: حسن صحيح. ومعنى الآية: أنه تبارك وتعالى خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه، جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب. وأخبر أنه غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم. فهو خالقهم ورازقهم. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا عمران ــــ يعني: ابن زائدة بن نشيط عن أبيه عن أبي خالد ــــ هو الوالبي ــــ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : قال الله تعالى: يابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإلا تفعل، ملأت صدرك شغلاً، ولم أسد فقرك» تفسير : ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث عمران بن زائدة، وقال الترمذي: حسن غريب. وقد روى الإمام أحمد عن وكيع وأبي معاوية عن الأعمش عن سلام بن شرحبيل: سمعت حبة وسواء ابني خالد يقولان: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعمل عملاً، أو يبني بناء، قال أبو معاوية: يصلح شيئاً، فأعناه عليه، فلما فرغ، دعا لنا وقال: «حديث : لا تيأسا من الرزق ما تهزهزت رؤوسكما؛ فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشرة، ثم يعطيه الله ويرزقه»تفسير : . وقد ورد في بعض الكتب الإلهية: يقول الله تعالى: ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب، فاطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء. وقوله تعالى: {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوباً} أي: نصيباً من العذاب {مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَـٰبِهِمْ فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ} أي: فلا يستعجلون ذلك، فإنه واقع لا محالة { فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ} يعني: يوم القيامة. آخر تفسير سورة الذاريات، ولله الحمد والمنّة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {كَذَلِكَ مَا أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ } هو {سَٰحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ } أي مثل تكذيبهم لك بقولهم: إنك ساحر أو مجنون، تكذيبُ الأمم قبلهم رسلهم بقولهم ذلك.
الماوردي
تفسير : {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} فيه وجهان: أحدهما: فذكر بالقرآن، قاله قتادة. الثاني: فذكر بالعظة فإن الوعظ ينفع المؤمنين، قاله مجاهد. ويحتمل ثالثاً: وذكر بالثواب والعقاب فإن الرغبة والرهبة تنفع المؤمنين. {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِ وَالإِنسَ إلاَّ لَيَعْبُدُونِ} فيه خمسة تأويلات: أحدها: إلا ليقروا بالعبودية طوعاً أو كرهاً، قاله ابن عباس. الثاني: إلا لآمرهم وأنهاهم، قاله مجاهد. الثالث: إلا لأجبلهم على الشقاء والسعادة، قاله زيد بن أسلم. الرابع: إلا ليعرفوني، قاله الضحاك. الخامس: إلا للعبادة، وهو الظاهر، وبه قال الربيع بن انس. {مَآ أُرِيدُ مِنْهُمْ مَّنْ رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ما أريد أن يرزقوا عبادي ولا أن يطعموهم. الثاني: ما أنفسهم، قاله أبو الجوزاء. الثالث: ما أريد منهم معونة ولا فضلاً. {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوباً مِّثلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ} فيه أربعة أوجه: أحدها: عذاباً مثل عذاب أصحابهم، قاله عطاء. الثاني: يعني سبيلاً، قاله مجاهد. الثالث: يعني بالذنوب الدلو، قاله ابن عباس، قال الشاعر: شعر : لنا ذنوب ولكم ذنوب فإن أبيتم فلنا القليب تفسير : ولا يسمى الذنوب دلواً حتى يكون فيه ماء. الرابع: يعني بالذنوب النصيب، قال الشاعر: شعر : وفي كل يوم قد خبطت بنعمة فحق لشاس من نداك ذنوب تفسير : ويعني بأصحابهم من كذب بالرسل من الأمم السالفة ليعتبروا بهلاكهم. {فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ} أي فلا يستعجلوا نزول العذاب بهم لأنهم قالوا: {يا مُحَمَّدُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} الآية، فنزل بهم يوم بدر، ما حقق الله وعده، وعجل به انتقامه.
الخازن
تفسير : {كذلك} أي كما كذبك قومك وقالوا ساحر أو مجنون كذلك {ما أتى الذين من قبلهم} أي من قبل كفار مكة والأمم الخالية {من رسول} يعني يدعوهم إلى الإيمان والطاعة {إلا قالوا ساحر أو مجنون} قال الله تعالى {أتواصوا به} أي أوصى أولهم آخرهم وبعضهم بعضاً بالتكذيب وتواطؤوا عليه وفيه توبيخ لهم {بل هم قوم طاغون} أي لم يتواصلوا بهذا القول لأنهم لم يتلاقوا على زمان واحد بل جمعتهم على ذلك علة واحدة وهي الطغيان وهو الحامل لهم على ذلك القول {فتولَّ عنهم} أي أعرض عنهم {فما أنت بملوم} أي لا لوم عليك فقد أديت الرسالة وبذلت المجهود وما قصرت فيما أمرت به. قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد على أصحابه وظنوا أن الوحي قد انقطع وأن العذاب قد حضر إذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتولى عنهم فأنزل الله عز وجل: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} فطابت نفوسهم بذلك والمعنى عظ بالقرآن كفار مكة فإن الذكرى تنفع من علم الله أنه يؤمن منهم وقيل: معناه عظ بالقرآن من آمن من قومك فإن الذكرى تنفعهم. قوله عز وجل: {وما خلقت الجن والإنس} أي من المؤمنين {إلا ليعبدون} قيل هذا خاص بأهل طاعته من الفريقين يدل عليه قراءة ابن عباس "وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدون" وقيل: معناه وما خلقت السعداء من الجن والإنس إلا لعبادتي والأشقياء منهم إلا لمعصيتي وهو ما جبلوا عليه من الشقاوة والسعادة. وقال علي بن أبي طالب إلا ليعبدون أي إلا لآمرهم أن يعبدوني وأدعوهم إلى عبادتي. وقيل: معناه إلا ليعرفوني وهذا حسن لأنه لو لم يخلقهم لم يعرف وجوده وتوحيده. وقيل: معناه إلا ليخضعوا لي ويتذللوا لأن معنى العبادة في اللغة التذلل والانقياد وكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله متذلل للمشيئة لا يملك أحد لنفسه خروجاً عما خلق له. وقيل: معناه إلا ليوحدوني فأما المؤمن فيوحده اختياراً في الشدة والرخاء وأما الكافر فيوحده اضطراراً في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء {ما أريد منهم من رزق} أي ما أريد أن يرزقوا أحداً من خلقي ولا أن يرزقوا أنفسهم لأني أنا الرزاق المتكفل لعبادي بالرزق القائم لكل نفس بما يقيمها من قوتها {وما أريد أن يطعمون} أي أن يطعموا أحداً من خلقي وإنما أسند الإطعام إلى نفسه لأن الخلق كلهم عيال الله ومن أطعم عيال أحد فقد أطعمه لما صح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله عز وجل يقول يوم القيامة يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين قال أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي" تفسير : أخرجه مسلم ثم بين أن الرزاق هو لا غيره فقال تعالى: {إن الله هو الرزاق}.
البقاعي
تفسير : ولما ثبت أنه لا ملجأ إلا إلى الله الواحد المنزه عن الزوج، وذلك هو الله الذي له الكمال كله، وكان ربما وقع في وهم أن في الوجود من غير الزوجين المعروفين من نفزع إليه كما نفزع إلى وزير الملك وبوابه ونحو ذلك مما يوصل إليه، قال محذراً من سطواته: {ولا تجعلوا} أي بأهوائكم {مع الله} وكرر الاسم الأعظم ولم يضمر تعييناً للمراد لأنه لم يشاركه في التسمية به أحد وتنبيهاً على ما له من صفات الكمال وتعميماً لوجوه المقاصد لئلا يظن، وقيل "معه" إن المراد النهي عن الجعل من جهة الفرار لا من جهة غيرها {إلهاً}. ولما كان المراد كمال البيان، منع مجاز التجريد منع تعنت من يطعن بتكثير الأسماء كما أشار إليه بقوله {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} الآية بقوله: {آخر} ثم علل النهي مع التأكيد لطعنهم في نذارته فقال: {إني لكم منه} أي لا من غيره فإن غيره لا يقدر على شيء {نذير} أي محذر من الهلاك الأبدي بالعقوبة التي لا خلاص منها إن فعلتم ذلك {مبين *} أي لا أقول شيئاً من واضح النقل إلا ودليله ظاهر من صريح العقل. ولما ذكر قولهم المختلف الذي منه تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم ونسبته إلى السحر والجنون وغير ذلك من الفنون، ومنه الإشراك مع اعترافهم بأنه لا خالق إلا الله ولا كاشف ضر غيره إلى غير ذلك من أنواع الاضطراب، وأخبر بهلاكتهم على ذلك وحذرهم منه ودل عليه إلى أن ختم بإنذار من اتخذ إلهاً غيره قال مسلياً: {كذلك} أي مثل قول قومك المختلف العظيم الشناعة، البعيد من الصواب، بما له من الاضطراب، وقع لمن قبلهم، ودل على هذا المقدر بقوله مستأنفاً: {ما أتى الذين} ولما كان الرسل إنما كان إرسالهم في بعض الأزمان الماضية ولم يستغرقوا جميعها بالفعل، أثبت الجارّ في قوله: {من قبلهم} وعمم النفي بقوله: {من رسول} أي من عند الله {إلا قالوا} ولو بعضهم برضا الباقين: {ساحر أو مجنون *} لأن الرسول يأتيهم بمخالفة مألوفاتهم التي قادتهم إليها أهواؤهم، والهوى هو الذي أوجب لهم هذا التناقض الظاهر سواء كانت "أو" للتفصيل بأن بعضهم قال واحداً وبعضهم قال آخر، أو كانت للشك لأن الساحر يكون لبيباً فطناً آتياً بما يعجز عنه كثير من الناس، والمجنون بالضد من ذلك، ثم عجب منهم بقوله: {أتواصوا به} أي أوصى بهذا بعض الأولين والآخرين بعضاً. ولما ساق هذا في أسلوب الاستفهام إشارة إلى قول ينبغي السؤال عن سببه لما له من الخفاء، أجاب عنه بأنهم لم يتواصوا به لأن الأولين ما اجتمعوا مع الآخرين: {بل هم} اجتمعوا في وصف أداهم إلى ذلك. وهو أنهم {قوم} أي ذوو شماخة وكبر {طاغون *} أي عالون في الكفر مسرفون في الظلم والمعاصي مجاوزون للمقدار، وأشار بالضمير إلى أن الطغيان أمر ذاتي لهم، فهو يمدح منه سبحانه بأنه هو الذي قهرهم بسوقهم إلى هلاكهم بقدرته التامة وعلمه الشامل. ولما كان صلى الله عليه وسلم، يكاد يتلف نفسه الشريفة - بأبي هو وأمي - غماً عليهم وأسفاً لتخلصهم عن الإسلام وخوفاً أن لا يكون وفى بما عليه من التنبيه والإعلام، سبب تعالى عن حالهم قوله: {فتولَّ عنهم} أي كلف نفسك الإعراض عن الإبلاغ في إبلاغهم بالمجادلة والصدع بالتغليظ بعد ما تقدم منك من الإبلاغ {فما أنت} بسبب الإعراض بعد الإنذار {بملوم *} أي بمستحق الملامة بسبب إعراض من أعرض منهم عنك، فإني إنما حكمت بذلك لأني إنما قسمت الناس إلى مؤمن تنفعه الذكرى، وطاغ لا ينفعه شيء، ولذلك قال: {وذكر} أي بالرفق واللين، ولما أصروا على التكذيب والإعراض حتى أيس منهم، أكد ما سببه عن التذكير بقوله: {فإن الذكرى} أي التذكر بالنذارة البليغة {تنفع المؤمنين *} أي الذين قدر الله أن يكونوا عريقين في وصف الإيمان ولا بد من إكثار التذكير ليغلب ما عندهم من نوازع الحظوظ وصوارف الشهوات، مع ما هم مجبولون عليه من النسيان.
اسماعيل حقي
تفسير : {كذلك} اى الامر وهو امر الامم السالفة بالنسبة الى رسلهم من ماذكر من تكذيب قريش ومشركى العرب الرسول صلى الله عليه وسلم وتسميتهم له ساحرا او مجنونا ثم فسره بقوله {ماأتى الذين من قبلهم من رسول} من رسل الله {الا قالوا} فى حقه هو {ساحر او مجنون} يعنى اكر معجزه بديشان نمود عمل اورا سحر خواندند واكر ازبعث وحشر خبرداد قول اورا بسخن اهل جنون تشبيه كردند اى فلا تأس على تكذيب قومك اياك
الجنابذي
تفسير : {كَذَلِكَ} القول لك من انّك مجنونٌ او ساحرٌ او كاهنٌ او شاعرٌ {مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْاْ بِهِ} يعنى انّ الاوّلين والآخرين تواصوا بهذا القول فى حقّ الرّسول {بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} ومقتضى طغيانهم عدم الانقياد للحقّ تعالى.
اطفيش
تفسير : {كَذَلِكَ} أي الأمر مثل ذلك أو الاشارة الى تكذيبهم اياه كذلك عادة الامم تكذب أنبيائها يدل عليه* {مَآ أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ} هو* {سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} ولا يتعلق بأتى ولا بمحذوف يفسره أتى لان ماله الصدر على الصحيح قاله القاضي قلت بل يجوز تعليقه بـ (أتى) محذوفاً مع ما دل عليهما أتى وما المذكور ان لان المفسر بالكسر حينئذ ما وما بعد لان ما بعدها لكفار مكة والآية تسلية له صلى الله عليه وسلم
اطفيش
تفسير : {كَذلكَ} خبر لمحذوف، أى الأمر كذلك، وهذا من فصل الخطاب، ومن التخلص كما يقال: أما بعد، وكما يقال: هذا وان كذا أو الاشارة الى قوله: {ما أتَى الَّذينَ مِنْ قَبْلِهم} إلخ فيشكل بأن الأمر هو نفس قوله: {ما أتى الذين من قبلهم} الخ، لا مثله، فأما أن يقال: الكاف زائدة، وإما أن يقال: الأمر المطلق من أمور الله، مثل قوله: {ما أتى} أو الإشارة الى تكذيب قومك، أى تكذيبهم لك، مثل تكذيب من قبلهم رسلهم، ووجه التخلص أنه تقدم الكلام فى القول المختلف، وعقبه بغيره، ورجع الكلام اليه هنا، ومن أجاز خروج ما النافية عن الصدر ان لم تعمل ليس أجاز أن يكون كذلك مفعولا مطلقا، لأننى والاشارة الىالاتيان، أى ما أتى الذين من قبلهم من رسول ايتاناً مثل اتيانهم، وأجاز أن يكون معمولا لقالوا، والاشارة للقول، أى الا قالوا ساحر أو مجنون مثل ذلك القول، لكن الأصل بقاء ما النافية على الصدر، وهاء من قبلهم عائد الى قريش. {مِنْ رسُولٍ} من رسل الله، وإما أن يقدر ما أتى من الله الذين من قبله من رسول {إلاَّ قالُوا} فى شأنه {سَاحرٌ أَو مَجْنُون} هو ساحر أو مجنون إلا قالوا تارة هو ساحر، وتارة هو مجنون، وأو لمنع الخلو لا لمنع الجمع، لأن من اختلاف قولهم أن لا يبالوا بالجمع بين المتنافيين، أو قال بعض: هو ساحر، وبعض هو مجنون، ويجوز أن تكون أو من كلام الله تعالى، أى لا يخلون من صدور أنه ساحر، أو أنه مجنون لا بد أن يقولوا أحدهما، أو يجمعان، أو تارة قال بعض ساحر، وبعض مجنون، وبعض ساحر ومجنون، ورسول نكرة فى سياق النفى تعم، ولا سيما مع من الزائدة فانها مع من فى السلب نص فى العموم، فيشكل بآدم فانه لم يقل أحد إنه ساحر، أو انه مجنون، فيجاب بأن الآية جاءت فى الرسل الذين تقدمهم قوم، فكانوا فيهم فخالفوهم فكذبوهم لتلك المخالفة، وآدم لم يتقدمه، وأما ما اجيب به من أنه نبى غير رسول، فلا يتم لأنه رسول لأولاده، ومن أدرك من نسلهم على الصحيح. وأجيب أيضا بأن الآية فى رسل من بنى آدم وآدم ليس من بنى آدم، وفيه أنه كثيرا ما يدخل فى بنى آدم إذا ذكروا أو أشكلت الآية بأن الرسل المقررين لشرع من قبلهم لم يكذبهم قومهم، بل كذبوا أهل الشرع قبلهم، فيجاب بأن تكذيبهم تكذيب لأهل الشرع قبلهم، فهم كذبوا الرسل المحكى عنهم، وبأن الرسل الحاكين ممن قبلهم يسمون رسلا، وكذبهم قومهم - فقومهم يكذبونهم، فهم كذبوا رسل زمانهم، وأخطأ من قال: إن المقررين كلهم أنبياء لا رسل، بل منهم نبى رسول، ومنهم نبى غير رسول، حكمه حكم الرسول، وأيضا يوحى إلى الأنبياء ما ليس فى كتب من قبلهم أيضا، وأجيب أيضا بأن الآية فى الرسل لا فى المقررين لهم. وأشكلت الآية لقوله: {إلا قالوا} وليس أمة كل نبى تقول، بل يقول بعض الأمر دون بعضها، فيجاب بأن الكلام كل لا كلية، والمراد المجموع لا الجميع، والأكثر يقولون، وذكر المكذبين فقط، لأن المقام تسلية له صلى الله عليه وسلم فى تكذيب قومه له، ولا يقال بمثل هذا من النظر للأغلب فى قوله: {من رسول} لما علمت أن من فى السلب نص الاستغراق، وعند الوصول فى هذا المحل. سئلت عن آدمية يجامعها جنى قهرا ولا تطيق رده بعد اسكارها وبدون اسكارها، هل تحرم على زوجها؟ فأجبت بانها لا تحرم إذ لم تطق منعه.
الالوسي
تفسير : {كَذٰلِكَ } أي الأمر مثل ذلك. تقرير وتوكيد على ما مر غير مرة. و{مِن} فصل الخطاب لأنه لما أراد سبحانه أن يستأنف قصة قولهم المختلف في الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن تقدمت عموماً أو خصوصاً في قوله تعالى: { أية : إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ } تفسير : [الذاريات: 8] وكان قد توسط ما توسط قال سبحانه: الأمر كذلك أي مثل ما يذكر ويأتيك / خبره إشارة إلى الكلام الذي يتلوه أعني قوله عز وجل: {مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} إلى آخره فهو تفسير ما أجمل وهو مراد من قال: الإشارة إلى تكذيبهم الرسول عليه الصلاة والسلام وتسميتهم إياه - وحاشاه - ساحراً ومجنوناً، ويعلم مما ذكر أن {كَذٰلِكَ } خبر مبتدأ محذوف ولا يجوز نصبه بأتى على أنه صفة لمصدره، والإشارة إلى الإتيان أي: ما أتى الذين من قبلهم من رسول إتياناً مثل إتيانهم إلا قالوا: الخ لأن ما بعد {مَآ} النافية لا يعمل فيما قبلها على المشهور، ولا يأتي مقدراً على شريطة التفسير لأن ما لا يعمل لا يفسر عاملاً في مثل ذلك كما صرح به النحاة، وجعله معمولاً لقالوا، والإشارة للقول أي إلا قالوا ساحر أو مجنون قولاً مثل ذلك القول لا يجوز أيضاً على تعسفه لمكان {مَا } وضمير {قَبْلِهِمْ} لقريش أي ما أتى الذين من قبل قريش {مِن رَّسُولٍ } أي رسول من رسل الله تعالى {إِلاَّ قَالُواْ } في حقه {سَـٰحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ } خبر مبتدأ محذوف أي هو ساحر، و {أو} قيل: من الحكاية أي: إلا قالوا ساحر أو قالوا مجنون وهي لمنع الخلو وليست من المحكي ليكون مقول كل مجموع {سَـٰحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ } وفي «البحر» هي للتفصيل أي قال بعض: ساحر وقال بعض: مجنون وقال بعض: ساحر ومجنون فجمع القائلون في الضمير ودلت ـ أو ـ على التفصيل انتهى فلا تغفل. واستشكلت الآية بأنها تدل على أنه ما من رسول إلا كذب مع أن الرسل المقررين شريعةَ مَنْ قبلهم كيوشع عليه السلام لم يكذَّبوا وكذا آدم عليه السلام أرسل ولم يكذَّب. وأجاب الإمام بقوله: لا نسلم أن المقرر رسول بل هو نبـي على دين رسول ومن كذب رسوله فهو يكذبه أيضاً وتعقب بأن الأخبار وكذا الآيات دالة على أن المقررين رسل، وأيضاً يبقى الاستشكال بآدم عليه السلام وقد اعترف هو بأنه أرسل ولم يكذب. وأجاب بعض عن الاستشكال بالمقررين بأن الآية إنما تدل على أن الرسل الذين أتوا من قبلهم كلهم قد قيل في حقهم ما قيل، ولا يدخل في عموم ذلك المقررون لأن المتبادر من إتيان الرسول قوماً مجيئه إياهم مع عدم تبليغ غيره إياهم ما أتى به من قبله وذلك لم يحصل للمقرر شرع من قبله كما لا يخفى، وعن الاستشكال بآدم عليه السلام بأن المراد ما أتى الذين من قبلهم من الأمم الذين كانوا موجودين على نحو وجود هؤلاء رسول إلا قالوا الخ، وآدم عليه السلام لم يأت أمة كذلك إذ لم يكن حين أرسل إلا زوجته حواء، ولعله أولى مما قيل: إن المراد من (رسول) من بني آدم فلا يدخل هو عليه السلام في ذلك، واستشكل أيضاً بأن {إِلاَّ قَالُواْ } يدل على أنهم كلهم كذبوا مع أنه ما من رسول إلا آمن به قوم، وأجاب الإمام بأن إسناد القول إلى ضمير الجمع على إرادة الكثير بل الأكثر، وذكر المكذب فقط لأنه الأوفق بغرض التسلية، وأخذ منه بعضهم الجواب عن الاستشكال السابق فقال: الحكم باعتبار الغالب لا أن كل أمة من الأمم أتاها رسول فكذبته ليرد آدم والمقررون حيث لم يكذبوا ـ وفيه ما فيه ـ وحمل بعضهم {ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} على الكفار ودفع به الاستشكالين ـ وفيه ما لا يخفى ـ فتأمل جميع ذلك ولا تظن انحصار الجواب فيما سمعت فأمعن النظر والله تعالى الهادي لأحسن المسالك.
ابن عاشور
تفسير : كلمة {كذلك} فصل خطاب تدل على انتهاء حديث والشروع في غيره، أو الرجوع إلى حديث قبله أتى عليه الحديث الأخير. والتقدير: الأمر كذلك. والإِشارة إلى ما مضى من الحديث، ثم يورد بعده حديث آخر والسامع يردّ كُلاً إلى ما يناسبه، فيكون ما بعد اسم الإِشارة متصلاً بأخبار الأمم التي تقدم ذكرها من قوم لوط ومن عطف عليهم. أُعقب تهديد المشركين بأن يحل بهم ما حلّ بالأمم المكذبين لرسل الله من قبلهم بتنظيرهم بهم في مقالهم، وقد تقدم ورود {كذلك} فصلاً للخطاب عند قوله تعالى: {أية : كذلك وقد أحطنا بما لديه خبراً} تفسير : في سورة الكهف (91)، فقوله: {كذلك} فصل وجملة {ما أتى الذين من قبلهم من رسول} الآية مستأنفة استئنافاً ابتدائياً. ولك أن تجعل قوله: {كذلك ما أتى الذين من قبلهم} إلخ مبدأ استئناف عوداً إلى الإِنحاء على المشركين في قولهم المختلف بأنواع التكذيب في التوحيد والبعث وما يتفرع على ذلك. واسم الإِشارة راجع إلى قوله: {أية : إنكم لفي قول مختلف}تفسير : [الذاريات: 8] الآية كما علمت هنالك، أي مثل قولهم المختلف قال الذين من قبلهم لما جاءتهم الرسل، فيكون قوله {كذلك} في محل حال وصاحب الحال {الذين من قبلهم}. وعلى كلا الوجهين فالمعنى: إن حال هؤلاء كحال الذين سبقوهم ممن كانوا مشركين أن يصفوا الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر، أو مجنون فكذلك سيجيب هؤلاء عن قولك: «فِّروا إلى الله ولا تجعلوا مع الله إلهاً آخر» بمثل جواب من قبلهم فلا مطمع في ارعوائهم عن عنادهم. والمراد بــــ {الذين من قبلهم} الأمم المذكورة في الآيات السابقة وغيرهم، وضمير {قبلهم} عائد إلى مشركي العرب الحاضرين. وزيادة {مِن} في قوله: {من رسول} للتنصيص على إرادة العموم، أي أن كل رسول قال فيه فريق من قومه: هو ساحر، أو مجنون، أي قال بعضهم: ساحر، وقال بعضهم: مجنون، مثل قوم نوح دون السحر إذ لم يكن السحر معروفاً في زمانهم قالوا: {أية : إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين}تفسير : [المؤمنون: 25]. وقد يجمعون القولين مثل قول فرعون في موسى. وهذا العموم يفيد أنه لم يخْل قوم من الأقوام المذكورين إلا قالوا لرسولهم أَحَدَ القولين، وما حكي ذلك عن بعضهم في آيات أخرى بلفظه أو بمرادفه كقول قوم هود {أية : إن نقول إلا اعْتراك بعض آلهتنا بسوء}تفسير : [هود: 54]. وأول الرسل هو نوح كما هو صريح الحديث الصحيح في الشفاعة. فلا يرد أن آدم لم يكذبه أهله، وأن أنبياء بني إسرائيل مثل يوشع وأشعيا، لم يكذبهم قومهم، لأن الله قال: {من رسول}، والرسول أخص من النبي. والاستثناء في {إلا قالوا ساحر} استثناء من أحوال محذوفة. والمعنى: ما أتى الذين من قبلهم من رسول في حال من أحوال أقوالهم إلا في حال قولهم: ساحر أو مجنون. والقصر المستفاد من الاستثناء قصر ادعائي لأن للأمم أقوالاً غير ذلك وأحوالاً أخرى، وإنما قُصروا على هذا اهتماماً بذكر هذه الحالة العجيبة من البهتان، إذ يرمون أعقل الناس بالجنون وأقومهم بالسحر. وإسناد القول إلى ضمير الذين من قبل مشركي العرب الحَاضرين إسناد باعتبار أنه قول أكثرهم فإن الأمور التي تنسب إلى الأقوام والقبائل تجري على اعتبار الغالب.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه ما أتى نبي قوماً إلا قالوا ساحر أو مجنون، ثم قال: {أَتَوَاصَوْاْ بِهِ}، ثم أضرب عن تواصيهم بذلك إضراب إبطال، لأنهم لم يجمعوا في زمن حتى يتواصوا فقال: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} أي الموجب الذي جمع على اتفاقهم جميعاً على تكذيب الرسل ونسبتهم للسحر والجنون، واتحاد في الطغيان الذي هو مجاوزة الحد في الكفر. وهذا يدل على أنهم إنما اتفقوا لأن قلوب بعضهم تشبه قلوبهم بعض في الكفر والطغيان، فتشابهت مقالاتهم للرسل لأجل تشابه قلوبهم. وقد أوضح تعالى هذا المعنى في سورة البقرة: {أية : كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ}تفسير : [البقرة: 118].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول: أي الأمر كذلك ما أتى الذين من قبل قومك يا محمد من رسول. إلا قالوا ساحر أو مجنون: أي اتواصت الأمم كل أمة توصى التي بعدها بقولهم للرسول هو ساحر أو مجنون، والجواب، لا أي لم يتواصوا بل هم قوم طاغون يجمعهم على قولهم هذا الطغيان. فتول عنهم فما أنت بملوم: أي أعرض عنهم يا رسولنا فما أنت بملوم لأنك بلغتهم فأبرأت ذمتك. وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين: أي عظ بالقرآن يا رسولنا فإن الذكرى بمعنى التذكير ينفع المؤمنين أي من علم الله أنه يؤمن. وما خلقت الجن والإِنس: أي خلقتهم لأجل أن يعبدوني فمن عبدني أكرمته ومن ترك عبادتي أهنته. وما أريد منهم من رزق: أي لا لي ولا لأنفسهم ولا لغيرهم. وما أريد أن يطعمون: أي لا أريد منهم ما يريد أربابُ العبيد من عبيدهم هذا يجمع المال وهذا يعد الطعام، فالله هو الذي يرزقهم. ذو القوة المتين: أي صاحب القوة المتين الشديد الذي لا يعجزه شيء. ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم: أي نصيباً من العذاب مثل نصيب أصحابهم الذين ماتوا على الكفر. فلا يستعجلون: أي فلا يطالبوني بالعذاب فإن له موعداً لا يُخْلَفونه. من يومهم الذي يوعدون: أي يوم القيامة. معنى الآيات: بعد عرض تلك الأدلة المقررة للتوحيد والبعث والمستلزمة للرسالة المحمدية والمشركون ما زالوا في إصرارهم على الكفر والتكذيب قال تعالى مسلياً رسوله مخففاً عنه ما يجده من إعراضٍ وتكذيب: {كَذَلِكَ} أي الأمر والشأن كذلك وهو أنه ما أتى الذين من قبلهم أي من قبل قومك من رسول إلا قالوا فيه هو ساحر أو مجنون كما قال قومك لك اليوم. ثم قال تعالى: {أَتَوَاصَوْاْ بِهِ} أي بهذا القول كل أمة توصي التي بعدها بأن تقول لرسولها: ساحر أو مجنون. بل هم قوم طاغون أي لم يتواصوا به وإنما جمعهم على هذا القول الطغيان الذي هو وصف عام لهم فإن الطاغي من شأنه أن ينكر ويكذب ويتهم بأبعد أنواع التهم والحامل له على ذلك طغيانه. وما دام الأمر هكذا فتول عنهم يا رسولنا أي أعرض عنهم ولا تلتفت إلى أقوالهم وأعمالهم فما أنت بملوم في هذا القول لأنك قد بلغت رسالتك وأديت أمانتك ولا يمنعك هذا التولي عنهم أن تذكر أي عِظْ بالقرآن بل عظ وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين الذين علم الله تعالى أنهم يؤمنون ممن هم غير مؤمنين الآن كما تنفع المؤمنين حالياً بزيادة إيمانهم وصبرهم على طاعة الله ربهم. وقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} أي لم يخلقهما للهو ولا للعب ولا لشيء وإنهما خلقهما ليعبدوه بالإِذعان له والتسليم لأمره ونهيه. وقوله تعالى {مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ} أي إن شأني معهم ليس كشأن السادة مالكي العبيد الذين يتعبدونهم بالقيام بحاجاتهم. هذا يجمع المال وهذا يُعِدَ الطعام بل خلقتهم ليعبدوني أي يوحدوني في عبادتي، إذ عبادتهم لي مع عبادة غيري لا أقبلها منهم ولا أثيبهم عليها بل أعذبهم على الطاعة حيث عبدوا من لا يستحق أن يعبد من سائر المخلوقات. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ} قرر به غناه عن خلقه، وأعلم أنه ليس في حاجة إلى أحدٍ وذلك لغناه المطلق، وقدرته التي لا يعجزها في الأرض ولا في السماء شيء. وقوله {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوباً مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ} أي إذا عرفت حال من تقدم من قوم عاد وثمود وغيرهم فإن لهؤلاء المشركين ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم أي نصيباً من العذاب وعبر بالذنوب التي هي الدلو الملأى بالماء عن العذاب لأن العذاب يصب عليهم كما يصب الماء من الدلو ولأن الدلاء تأتي واحداً بعد واحد فكذلك. الهلاك يتم لأمة بعد أمة حتى يسقوا كلهم مرّ العذاب، وقوله {فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ} أي ما هناك حاجة بهم إلى استعجال العذاب فإنه آت في إبّانه ووقته المحدد له لا محالة. وقوله تعالى {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي بالله ولقائه والنبي وما جاء به ويل لهم من يومهم الذي يوعدون أي العذاب الشديد لهم من يومهم الذي أوعدهم الله تعالى به وهو يوم القيامة والويل وادٍ في جهنم يسيل بصديد أهل النار والعياذ بالله. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان سنة بشرية وهي التكذيب والاتهام بالباطل وقلب الحقائق لكل من جاءهم يدعوهم إلى خلاف مألوفيهم وما اعتادوه من باطلٍ وشرٍ فيدفعون بالقول فإذا أعياهم ذلك دفعوا بالفعل وهي الحرب والقتال. 2- بيان أن طغيان النفس يتولد عنه كل شر والعياذ بالله. 3- مشروعية التذكير، وإنه ينتفع به مَنْ أراد الله إيمانه ممن لم يؤمن، ويزداد به إيمان المؤمنين الحاليين. 4- بيان علة خلق الإِنس والجن وهي عبادة الله وحده. 5- بيان غنى الله تعالى عن خلقه، وعدم احتياجه اليهم بحال من الأحوال. 6- توعد الرب تبارك وتعالى الكافرين وأن نصيبهم من العذاب نازل بهم لا محالة.
د. أسعد حومد
تفسير : (52) - يُسَلِّي اللهُ تَعَالى رَسُولَهُ الكَرِيمَ صلى الله عليه وسلم وَيُعْلِمُهُ أنَّ مَا قالَه هؤُلاءِ المُشْرِكُونَ المُكَذِّبُونَ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، وَهُوَ سَاحِرٌ.. أوْ مَجْنُونٌ، سَبَقَ أنْ قَالَهُ المُكَذِّبُونَ مِنَ الأمَمِ الأخْرى الخَالِيَةِ لِرُسُلِهِمْ، فَصَبَرُوا عَلَى إِيذاءِ أقوامِهِمْ، حَتَّى جَاءَ نَصْرُ اللهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {كَذَلِكَ ..} [الذاريات: 52] أي: كما حدث لمَنْ تقدم، وحصل لهم ما حصل من نزول العذاب بهم بالصاعقة وبالريح العقيم فانتظر أنْ ينزل بهم مثل هذا، فما هم عنه ببعيد، ولا تحزن فلستَ أول رسول يُكذِّبه قومه {كَذَلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} [الذرايات: 52]. وسبق أن اتهموا رسل الله بالسحر وبالجنون، فاصبر {أية : فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ}تفسير : [غافر: 77]. يعني: إن لم ينزل بهم العذاب في الدنيا فهو ينتظرهم في الآخرة. وقد رحم الله هؤلاء المكذِّبين لرسوله رغم كفرهم وعنادهم تقديراً لوجود رسول الله بينهم، وهذا هو معنى قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}تفسير : [الأنفال: 33]. وقد كان سيدنا رسول الله حريصاً على هداية قومه مهما حدث منهم، وكان يناجي ربه دائماً يقول: أمتي أمتي. وسبق أنْ بيَّنا بطلان هذا الاتهام، فالنبي لا يكون أبداً ساحراً ولا مجنوناً، فهاتان الصفتان أبعد ما تكونان عن وصف النبي، لأنه قدوة في السلوك وما شاهدتم عليه أبداً علامة من علامات السحر أو الجنون. ولو كان ساحراً لسحركم فآمنتم به كما آمن غيركم، ولو كان مجنوناً لما استطاع ترتيب الأمور على هذه الصورة ولما بلَّغكم رسالة ربه، ثم إن الاتهام بالسحر ينافي الاتهام بالجنون، فكيف جمعتم عليه هاتين الصفتين؟ لذلك يقول تعالى بعدها: {أَتَوَاصَوْاْ بِهِ ..} [الذاريات: 53] كأن الأمم المكذِّبة على مَرِّ التاريخ أوصى بعضهم بعضاً بهذا القول: قولوا للنبي ساحر ومجنون، وكأنه اتفاق مسبق بينهم وإصرار منهم على تكذيب الرسل، والتمادي في اللدد والعناد. لذلك يُضرب الله عنهم وعن اتهاماتهم، ويقول: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الذاريات: 53] أي: دعْكَ من هؤلاء، فهم قوم طاغون. أي: متجاوزون للحدود.
الجيلاني
تفسير : {كَذَلِكَ} أي: الأمر والحكم مثل ذلك أنذرهم، وبلغهم بلا مبالاة بإعراضهم واستهزائهم؛ إذ {مَآ أَتَى} الضالين المسرفين {ٱلَّذِينَ} مضوا {مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ} من الرسل الكرام {إِلاَّ قَالُواْ} حين دعوتهم إلى الإيمان والتوحيد {سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} [الذاريات: 52] مثل ما يقول هؤلاء الحمقى في شأنك يا أكمل الرسل. ثم قال على سبيل التعجب والإنكار: {أَتَوَاصَوْاْ بِهِ} أي: أوصى بعضهم بعضاً؛ أي: أسلافهم لأخلاقهم بهذا القول والتكذيب، فتواطئوا عليه جميعاً، مع أنه لا يمكنهم هذه التوصية في الأزمنة الطويلة {بَلْ هُمْ} أي: هؤلاء الأخلاف {قَوْمٌ طَاغُونَ} [الذاريات: 53] مشاركون في الغي والضلال والعدوان مع أسلافهم في أهل فطرتهم وجبلتهم؛ لذلك اتصفوا بما اتصفوا لاشتراك السبب بينهم. وبعدما أصروا على ما هم عليه من العناد، ولم تنفعهم الآيات والنذر: {فَتَوَلَّ} واعرض {عَنْهُمْ} يا أكمل لرسل بعدما بذلت وسعك في إرشادهم وإهدائهم {فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ} [الذارايتت: 54] على إعراضك عنهم، وانصرافك عن إرشادهم ودعوتهم بعد المبالغة. {وَذَكِّرْ} للقوابل والمستحقين {فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ} والعظمة {تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55] الموفقين من لدنَّا على الإيمان، المجبولين على فطرة اليقين والعرفان. {وَ} اعلم أني {مَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ} وما أظهرت أشباحهم وأظلالهم على هذه الهياكل والهويات، وما صوَّرتهم على هذه الصور البديعة، ما أودعت فيهم ما أودعت من جوهر العقل المفاض {إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ويعرفوني، ويتحققوا بوحدتي واستقلالي في وجودي، وفي عموم تصرفاتي، وباستحقاقي للإطاعة والعبودية مطلقاً بلا شوب شركة ومظاهرة من أحد. وإلا {مَآ أُرِيدُ مِنْهُم} وبخلقهم وإظهارهم {مِّن رِّزْقٍ} أي: تحصيل رزق صوري أو معنوي أرزق به عبادي؛ إذ خزائن أرزاقي مملوءة، وذخائر رحمتي متسعة {وَ} أيضاً {مَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ} [الذاريات: 57] أي: على الفقراء الذين هم عيالي طلباً لمرضاتي. كما جاء في الحديث صلوات الله على قائله: "حديث : يقول الله عز وجل: استطعمتك فلم تطعمني"تفسير : أي: لم تطعم عبدي الجائع. وكيف أريد منهم أمثال هذا {إِنَّ ٱللَّهَ} المتوحد بالأوهية والربوبية {هُوَ ٱلرَّزَّاقُ} المنحصر المخوص في ترزيق عموم العباد، لا رازق لهم سواه {ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ} [الذاريات: 58] والطول العظيم المقتدر الحاكم، الغالب على عموم مراداته ومقدوراته على وجه الإحكام من الإنعام والانتقام. وبالجملة: {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} على الرسول صلى الله عليه وسلم بأنواع التكذيب والإنكار والاستهزاء والاستحقار {ذَنُوباً} حظاً وافراً ونصيباً كاملاً من العذاب الآجل العاجل {مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ} أي: مثل نصيب أسلافهم من الكفرة المكذبين للرسل الماضين، وسليحقهم مثل ما لحقهم، بل بأضعافه وآلافه {فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ} [الذاريات: 59] لحوقه وحلوله. وبالجملة: {فَوَيْلٌ} عظيم، وعذاب شديد هائل نازل {لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} ستروا الحق، وأعرضوا عنه، وأظهروا الباطل، وأصروا عليه {مِن يَوْمِهِمُ} الفظيع الفجيع {ٱلَّذِي يُوعَدُونَ} [الذاريات: 60] في النشأة الأخرى، وهو يوم القيامة المعدة لتعذيب العصاة والغواة وتفضيحهم فيه. جعلنا الله من الآمنين فيه، الناجين من عذاب بفضله ولطفه. خاتمة السورة عليك أيها الموحد المجبول على فطرة المعرفة واليقين، أن تتفكر في حكمة ظهورك ومصلحة بروزك من كتم العدم في معرفة نفسك في عموم أحوالك؛ لينكشف لك من التأمل فيها الإطلاع على موجدها ومظهرها واتصافه بالأوصاف الكاملة والأسماء الشاملة. ثم منها إلى توحيده واستقلاله في الوجود، وعموم الآثار المترتبة عليها، حتى تفوز إلى غاية قصواك ومبتغاك من اليقين والإيمان، ونهاية ما يترتب على ظهورك من التوحيد والعرفان، والله المستعان وعليه التكلان.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول الله مسليًا لرسوله صلى الله عليه وسلم عن تكذيب المشركين بالله، المكذبين له، القائلين فيه من الأقوال الشنيعة، ما هو منزه عنه، وأن هذه الأقوال، ما زالت دأبًا وعادة للمجرمين المكذبين للرسل فما أرسل الله من رسول، إلا رماه قومه بالسحر أو الجنون. يقول الله تعالى: هذه الأقوال التي صدرت منهم -الأولين والآخرين- هل هي أقوال تواصوا بها، ولقن بعضهم بعضًا بها؟ فلا يستغرب -بسبب ذلك- اتفاقهم عليها: { أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ } تشابهت قلوبهم وأعمالهم بالكفر والطغيان، فتشابهت أقوالهم الناشئة عن طغيانهم؟ وهذا هو الواقع، كما قال تعالى: {أية : وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ } تفسير : وكذلك المؤمنون، لما تشابهت قلوبهم بالإذعان للحق وطلبه، والسعي فيه، بادروا إلى الإيمان برسلهم وتعظيمهم، وتوقيرهم، وخطابهم بالخطاب اللائق بهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):