٥١ - ٱلذَّارِيَات
51 - Adh-Dhariyat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
55
Tafseer
الرازي
تفسير : يعني ليس التولي مطلقاً، بل تول وأقبل وأعرض وادع، فلا التولي يضرك إذا كان عنهم، ولا التذكير ينفع إلا إذا كان مع المؤمنين، وفيه معنى آخر ألطف منه، وهو أن الهادي إذا كانت هدايته نافعة يكون ثوابه أكثر، فلما قال تعالى: {فَتَوَلَّ } كان يقع لمتوهم أن يقول، فحينئذ لا يكون للنبي صلى الله عليه وسلم ثواب عظيم، فقل بلى وذلك لأن في المؤمنين كثرة، فإذا ذكرتهم زاد هداهم، وزيادة الهدى من قوله كزيادة القوم، فإن قوماً كثيراً إذا صلّى كل واحد ركعة أو ركعتين، وقوماً قليلاً إذا صلّى كل واحد ألف ركعة تكون العبادة في الكثرة كالعبادة عن زيادة العدد، فالهادي له على عبادة كل مهتد أجر، ولا ينقص أجر المهتدي، قال تعالى: {أية : إِنَّ لَكَ لأَجْرًا } تفسير : [القلم: 3] أي وإن توليت بسبب انتفاع المؤمنين بل وحالة إعراضك عن المعاندين، وقوله تعالى: {فَإِنَّ ٱلذّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } يحتمل وجوهاً: أحدها: أن يراد قوة يقينهم كما قال تعالى: {أية : لِيَزْدَادُواْ إِيمَـٰناً } تفسير : [الفتح: 4] وقال تعالى: {أية : فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً } تفسير : [التوبة: 124] وقال تعالى: {أية : زَادَهُمْ هُدًى وَءاتَـٰهُمْ تَقُوَاهُمْ } تفسير : [محمد: 17] ثانيها: تنفع المؤمنين الذين بعدك فكأنك إذا أكثرت التذكير بالتكرير نقل عنك ذلك بالتواتر فينتفع به من يجيء بعدك من المؤمنين ثالثها: هو أن الذكرى إن أفاد إيمان كافر فقد نفع مؤمناً لأنه صار مؤمناً، وإن لم يفد يوجد حسنة ويزاد في حسنة المؤمنين فينتفعوا، وهذا هو الذي قيل في قوله تعالى: {أية : تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى أُورِثْتُمُوهَا } تفسير : [الزخرف: 72].
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَذَكِّرْ } عظْ بالقرآن {فَإِنَّ ٱلذّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } من عَلِم الله تعالى أنه يؤمن.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَذَكِّرْ} بالقرآن، أو بالموعظة.
السلمي
تفسير : قال جعفر الصادق: يعنى يا محمد ذكّر عبادى جودى وكرمى وآلائى ونعمى وما سبق من العناية القديمة بالإيمان والمعرفة واليقين والتوفيق للطاعة والعصمة عن المعاصى. قال جعفر: كل من ذكر الله فإذا نسى ذكره كان مجهولاً عن ذكره والله تعالى ذكّره أحديته وأزليته ومشيئه وقدرته وعلمه لا يقع عليه النسيان والجهل لأنهما من صفات البشرية وكل من ذكر الله فبذكره له يذكره. قال ابن عطاء: الذكرى لموعظة والموعظة للعوام والنصيحة للإخوان والتذكرة للخواص فرض افترضه الله على عقلاء المؤمنين ولولا ذاك لبطلت السنة وتعطلت الفرائض.
القشيري
تفسير : ذَكِّر العاصين عقوبتي ليرجعوا عن خالفةِ أمري، وذَكِّر المطيعين جزيلَ ثوابي ليزدادوا طاعةً وعبادةً، وذَكِّرْ العارفين ما صرَفْتُ عنهم من بلائي، وذكِّرْ الأغنياءَ ما أَتَحْتُ لهم من إحساني وعطائي، وذَكِّر الفقراء ما أوجبْتُ لهم من صَرْفِ الدنيا عنهم وأَعْدَدْتُ له من لقائي.
اسماعيل حقي
تفسير : {وذكر} اى افعل التذكير والموعظة ولاتدعهما بالكلية او فذكرهم وقد حذف الضمير لظهور الامر {فان الذكرى تنفع المؤمنين} اى الذين قدر الله ايمانهم او الذين آمنوا بالفعل فانها تزيدهم بصيرة وقوة فى اليقين يعنى بعناد كافران وجحود ايشان دست از تربيت مسلمانان بازمدار وهمجنان بر تذكير خود ثابت باش كه وعظرا فوآئد بسيارست ومنافع بى شمار فان النصيحة تلين القلوب القاسية وفى الحديث "حديث : مامن مؤمن الا وله ذنب قد اعتاده الفينة بعد الفينة"تفسير : اى الساعة بعد الساعة والحين بعد الحين "حديث : ان المؤمن خلق مفتونا ناسيا فاذا ذكر ذكر"تفسير : وقال بعضهم ذكر المطيعين جزيل ثوابى وذكر العارفين ماصرفت عنهم من بلائى وقال بعضهم ذكر العاصين منهم عقوبتى ليرجعوا عن مخالفة امرى وذكر المطيعين جزيل ثوابى ليزداد واطاعة وعبادة لى وذكر المحبين ماشاهدوا من انوار جمالى وجلالى فى الغيب وغيب الغيب ليزيد وافى بذل الوجود وطلب المفقود. ودر فصول آورده كه كلام مذكور بايدكه برده خير مشتمل باشد تاسلمعانرا سودمند بود او نعمت خداى باياد مردم دهد تاشكر كزارى نمايند يدوم ثوابى محنت وبلا ذكر كند تادران شكيبايى ورزند سوم عقوبت كناهان برشمرد تاازان باز ايستند وتوبه كنند جهارم مكائد ووساوس شيطانى بيان فرمايدتازان حذر نمايند بنجم فنا وزوال وبى اعتبارى دنيابر ايشان روشن كرداند تادل درونه بندند ششم مركرا بيوسته ياد كند تارفتن را آماده شوند هفتم قيامت را آماده ونذك آن بسيار كويد تاكرا آنروز بسازند هشتم دركات دوزخ وانواع عقوبتهاى آن بيان كندتا ازآن بترسند نهم درجات بهشت واقسام نعمتهاى آنرابر شمارد تابدان راغب كردند دهم بناى كلام برخوف ورجانهت يعنى كاهى از عظمت وكبريا وهيبت الهى سخن راند تااوزى بترسند ووقتى از رحمت ومغفرت مهربانى او تقرير كند تابوى اميدوار شوند بس هر موعظه كه مشتمل برين سخنانست منفعت مؤمنا نست خصوصا اذا كان المذكر عاملا بما ذكرهم به غير ناس نفسه فان تأثيره اشد من تأثير تذكير الغافلين شعر : عالم كه كامرانى وتن برورى كند اوخويشتن كم است وكرا رهبرى كند تفسير : وانما قلنا من تأثيره فانهم قالوا شعر : مرد بايدكه كيرداندر كوش ورنوشتست بند برديوار تفسير : فلا كلام الا فى الاستعداد والتهيىء للاستماع ولذا قال تعالى {أية : ان فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب او ألقى السمع وهو شهيد }
الجنابذي
تفسير : {وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} وان لم يتذكّر بها الكافرون والمنافقون فى اخبارٍ عديدةٍ انّ النّاس لمّا كذّبوا رسول الله (ص) همّ الله تعالى باهلاك اهل الارض الاّ عليّاً (ع) فما سواه بقوله: فتولّ عنهم فما انت بملومٍ ثمّ بدا له فرحم المؤمنين ثمّ قال لنبيّه: وذكّر فانّ الذّكرى تنفع المؤمنين، وعن علىٍّ (ع) لمّا نزلت: فتولّ عنهم لم يبق احدٌ منّا الاّ ايقن بالهلكة فلمّا نزل وذكّر طابت انفسنا.
اطفيش
تفسير : {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} فطابت نفوسهم أي عظ الكفار بالقرآن فينتفع به من كان مؤمناً في علم الله وتقطع حجة الشقاة وقيل ذكر من آمن فان الذكرى تزيده ايماناً والفاء للتعليل
اطفيش
تفسير : {وذَكِّر} لا مفعول له، لأن المعنى دم على التذكير هكذا أو له مفعول محذوف، أى ذكرهم بلا جدال ولا هم، أو ذكر الناس مطلقا، وقد أمر عمر رضى الله عنه تميما الدارى أن يعظ الناس فى كل سبت، بعد طلب تميم ذلك، وقال: عظ واعلم أنه الذبح، وينبغى للقاص أن لا يطيل فيملوا فتذهب بركة العلم، وعن ابن مسعود: للقلوب نشاط واقبال وادبار، فحدث القوم ما أقبلوا عليك، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : روحوا القلب ساعة" تفسير : وينبغى لمن يطيل أن يذكر لهم فى مجلسه ما يتبسمون به ترويحا لهم، وقد روى أن الخليل بن أحمد يذكر بعض الأضاحيك تنشيطا بذلك، ويأمر به، وكان عمر يذكر الزهد ويخوف، وإذا رآهم كسلوا ذكر الغرس والبناء، واذا نشطوا رجع الى الوعظ، وينبغى للمستمع أن يقول للواعظ أو المعلم كلما حدثه بحديث أن يقول له: صدقت أو أحسنت، ليكون راغبا، ولا بد من حذر الرياء. {فإنَّ الذكْرى} التذكير {تنْفَع المؤمِنين} من قضى الله عز وجل له بالايمان، أو تزيد من كان مؤمنا إيمانا، وتثبته، ومثل الآية فى القرآن كثير من المواعدة، يقال: انه منسوخ بآية القتال، وليس كذلك، فان التذكير لا ينسخ فلا حاجة الى دعوى النسخ، وعن ابن عباس: "فتول عنهم" أمر بالتولى عنهم ليعذبهم، ونسخه بذكر الخ، ولا يصح هذا عنه لان قصد التعذيب لا ينسخ، وانما النسخ فى الأحكام، وإن صح فمراده إظهار خلاف ما فهموا، وعن على لما نزل: "فتول" الخ لم يبق منا أحد إلا أيقن بالعذاب، فنزل: "وذكر" الخ فطابت انفسنا، وظننا أن من الكفار من يؤمن، وعن قتادة ظنوا أن الوحى قد انقطع، وأن العذاب قد حضر، فنزل: "وذكر" وظاهر كلام على أن المؤمنين خافوا عموم العذاب فى الدنيا والافهام عنهم للكفار فقط، والتذكر عام وقيل ذكر المؤمنين فان الذكرى تنفع المؤمنين، أى يزدادون بها خيرا.
الالوسي
تفسير : {وَذَكِّرْ} أَدِمْ على فعل التذكير والموعظة ولا تدع ذلك؛ فالأمر بالتذكير للدوام عليه والفعل منزل منزلة اللازم، وجوز أن يكون المفعول محذوفاً أي فذكرهم وحذف لظهور الأمر {فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي الذين قدر الله تعالى إيمانهم، أو المؤمنين بالفعل فإنها تزيدهم بصيرة وقوة في اليقين. وفي "البحر": يدل ظاهر الآية على الموادعة وهي منسوخة بآية السيف. وأخرج أبو داود في «ناسخه»، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله تعالى: {أية : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} تفسير : [الذاريات: 54] الخ، قال: أمره الله تعالى أن يتولى عنهم ليعذبهم وعذر محمداً صلى الله عليه وسلم ثم قال سبحانه: {وَذَكِّرْ} الخ فنسختها. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في «الشعب» والضياء في «المختارة» وجماعة من طريق مجاهد عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: لما نزلت {أية : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ} تفسير : [الذاريات: 54] لم يبق منا أحد إلا أيقن بالهلكة إذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتولى عنا فنزلت {وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} فطابت أنفسنا، وعن قتادة أنهم ظنوا أن الوحي قد انقطع وأن العذاب قد حضر فأنزل الله تعالى {وَذَكِّرْ} الخ.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك، أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يجعل الله شيئاً لحكم متعددة، فيذكر بعض حكمه في بعض المواضع، فإنا نذكر بقية حكمه، والآيات الدالة عليها، وقد قدمنا أمثلة ذلك. ومن ذلك القبيل هذه الآية الكريمة، فإنها تضمنت واحدة من حكم التذكير وهي رجاء انتفاع المذكر به، لأن تعالى قال هنا: {وَذَكِّرْ}، ورتب عليه قوله {فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. ومن حكم ذلك أيضاً خروج المذكر من عهدة التكليف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد جمع الله هاتين الحكمتين في قوله:{أية : قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}تفسير : [الأعراف: 164]. ومن حكم ذلك أيضاً النيابة عن الرسل في إقامة حجة الله على خلقه في أرضه لأن الله تعالى يقول {أية : رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ}تفسير : [النساء: 165]. وقد بين هذه الحجة في آخر طه في قوله {أية : وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ}تفسير : {طه: 134] الآية. وأشار لها في القصص في قوله{أية : وَلَوْلاۤ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتِّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }تفسير : [القصص: 47]. وقد قدمنا هذه الحكم في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى {أية : عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ}تفسير : [المائدة: 105].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 55- ودم على التذكير، فإن الذكرى تزيد المؤمنين بصيرة وقوة يقين. 56- وما خلقت الجن والإنس لشئ يعود علىّ بالنفع، وإنما خلقتهم ليعبدونى، والعبادة نفع لهم. 57- ما أريد منهم من رزق - لأنى غنى عن العالمين - وما أريد أن يطعمونى لأنى أُطْعِم ولا أُطْعَم. 58- إن الله - وحده - هو المتكفل برزق عباده، وهو ذو القوة الشديد الذى لا يعجز. 59- فإن للذين ظلموا أنفسهم بالكفر والتكذيب نصيباً من العذاب مثل نصيب أصحابهم من الأمم الماضية، فلا يستعجلونى بإنزال العذاب قبل أوانه. 60- فهلاك للذين كفروا من يومهم الذى يوعدونه، لما فيه من الشدائد والأهوال.
د. أسعد حومد
تفسير : (55) - وَثَابِرْ عَلَى دَعْوةِ النَّاسِ إلى اللهِ، وَذَكِّرْهُمْ بِهذا القُرآنِ، فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ القُلُوبَ المُوقِنَةَ التي فِيها اسْتِعْدَادٌ للهِدَايةِ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَذَكِّرْ} [الذاريات: 55]، فإن حرفتك أن تكون مذكراً، كما قال تعالى: {أية : فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ}تفسير : [الغاشية: 21]، {فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55]، الذين منَّ الله عليهم أن هداهم للإيمان، فذكر العاصين منهم عقوبتي؛ ليرجعوا عن مخالفة أمري، وذكر المطيعين جزيل نوالي؛ ليزدادوا طاعةً وعبادةً لي، وذكر المحبين ما شاهدوا من أنوار جمالي وجلالي في الغيب وغيب الغيب؛ ليزدادوا في بذل الوجود وطلب المفقود. {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]؛ لأن ذرة معرفتي مودعة في صدق عبوديتي، وإن معرفتي تنقسم قسمين: معرفة صفات جمالي ومعرفة صفات جلالي، ولكل واحدة منهما مظهر، والعبودية مشتملة على المظهرين بالانقياد لها والتمرد عنها، فمن انقاد لها بالتسليم والرضاء كما أمر به، فهو مظهر صفات جمالي ولطفي، ومن تمرد عنها بالإباء والاستكبار، فهو مظهر صفات جلالي وقهري، فحقيقة قوله: {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]؛ أي: خلقت المقبولين منهم؛ ليعبدوا الله فيكونوا مظهر صفات لطفه، وخلقت المردودين منهم؛ ليعبدوا الهوى فيكونوا مظهر صفات قهره، هذا المعنى الذي أردت من خلقهم {مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ} [الذاريات: 57] يحصلونه بكسبهم {وَمَآ أُرِيدُ} [الذاريات: 57] منهم {أَن يُطْعِمُونِ} [الذاريات: 57]؛ يعني: ما خلقتهم لمصلحة من مصالح الدنيا يختص بها؛ وإنما خلقتهم مختصين بأن يكونوا مظاهر صفات لطفي وقهري ومظهرهما. {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ} [الذاريات: 58] بجميع الخلائق، {ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ} [الذاريات: 58] في خلق الأرزاق المرزوقين، {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} [الذاريات: 59]، من أهل القلوب على قلوبهم، بأن جعلوها ملوثة بحب الدنيا بعد أن كانت معدن محبة الله مع {ذَنُوباً مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ} [الذاريات: 59] من أرباب النفوس بجميع صفاتها؛ لأن القلب إن صَلَحَ صَلُحَ به سائر الجسد، وإذا فَسَدَ فَسَدَ به سائر الجسد {فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ} [الذاريات: 59] في إفساد القلب {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} [الذاريات: 60] بنعمة ربهم في إفساد القلب، {مِن يَوْمِهِمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ} [الذاريات: 60] بإفساد سائر صفات الجسد.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):