٥١ - ٱلذَّارِيَات
51 - Adh-Dhariyat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
56
Tafseer
الرازي
تفسير : وهذه الآية فيها فوائد كثيرة، ولنذكرها على وجه الاستقصاء، فنقول أما تعلقها بما قبلها فلوجوه أحدها: أنه تعالى لما قال: {أية : وَذَكَرَ } تفسير : [الذاريات: 55] يعني أقصى غاية التذكير وهو أن الخلق ليس إلا للعبادة، فالمقصود من إيجاد الإنسان العبادة فذكرهم به وأعلمهم أن كل ما عداه تضييع للزمان الثاني: هو أنا ذكرنا مراراً أن شغل الأنبياء منحصر في أمرين عبادة الله وهداية الخلق، فلما قال تعالى: {أية : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ } تفسير : [الذاريات: 54] بين أن الهداية قد تسقط عند اليأس وعدم المهتدي، وأما العبادة فهي لازمة والخلق المطلق لها وليس الخلق المطلق للهداية، فما أنت بملوم إذا أتيت بالعبادة التي هي أصل إذا تركت الهداية بعد بذل الجهد فيها الثالث: هو أنه لما بيّن حال من قبله من التكذيب، ذكر هذه الآية ليبين سوء صنيعهم حيث تركوا عبادة الله فما كان خلقهم إلا للعبادة، وأما التفسير ففيه مسائل: المسألة الأولى: الملائكة أيضاً من أصناف المكلفين ولم يذكرهم الله مع أن المنفعة الكبرى في إيجاده لهم هي العبادة ولهذا قال: {أية : بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } تفسير : [الأنبياء: 26] وقال تعالى: {أية : لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } تفسير : [الأعراف: 206] فما الحكمة فيه؟ نقول: الجواب عنه من وجوه الأول: قد ذكرنا في بعض الوجوه أن تعلق الآية بما قبلها بيان قبح ما يفعله الكفرة من ترك ما خلقوا له، وهذا مختص بالجن والإنس لأن الكفر في الجن أكثر، والكافر منهم أكثر من المؤمن لما بينا أن المقصود بيان قبحهم وسوء صنيعهم الثاني: هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مبعوثاً إلى الجن، فلما قال وذكرهم ما يذكر به وهو كون الخلق للعبادة خص أمته بالذكر أي ذكر الجن والإنس الثالث: أن عباد الأصنام كانوا يقولون بأن الله تعالى عظيم الشأن خلق الملائكة وجعلهم مقربين فهم يعبدون الله وخلقهم لعبادته ونحن لنزول درجتنا لا نصلح لعبادة الله فنعبد الملائكة وهم يعبدون الله، فقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } ولم يذكر الملائكة لأن الأمر فيهم كان مسلماً بين القوم فذكر المتنازع فيه الرابع: قيل الجن يتناول الملائكة لأن الجن أصله من الاستتار وهم مستترون عن الخلق، وعلى هذا فتقديم الجن لدخول الملائكة فيهم وكونهم أكثر عبادة وأخصلها الخامس: قال بعض الناس كلما ذكر الله الخلق كان فيه التقدير في الجرم والزمان قال تعالى: {أية : خُلِقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ } تفسير : [الفرقان: 59] وقال تعالى: {أية : خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ } تفسير : [فصلت: 9] وقال: {أية : خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } تفسير : [صۤ: 75] إلى غير ذلك، وما لم يكن ذكره بلفظ الأمر قال تعالى: {أية : إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } تفسير : [يۤس: 82] وقال: {أية : قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى } تفسير : [الإسراء: 85] وقال تعالى: {أية : أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ } تفسير : [الأعراف: 54] والملائكة كالأرواح من عالم الأمر أوجدهم من غير مرور زمان فقوله {وَمَا خَلَقْتُ } إشارة إلى من هو من عالم الخلق فلا يدخل فيه الملائكة، وهو باطل لقوله تعالى: {أية : خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء } تفسير : [غافر: 62] فالملك من عالم الخلق. المسألة الثانية: تقديم الجن على الإنس لأية حكمة؟ نقول فيه وجوه الأول: بعضها مر في المسألة الأولى الثاني: هو أن العبادة سرية وجهرية، وللسرية فضل على الجهرية لكن عبادة الجن سرية لا يدخلها الرياء العظيم، وأما عبادة الإنس فيدخلها الرياء فإنه قد يعبد الله لأبناء جنسه، وقد يعبد الله ليستخبر من الجن أو مخافة منهم ولا كذلك الجن. المسألة الثالثة: فعل الله تعالى ليس لغرض وإلا لكان بالغرض مستكملاً وهو في نفسه كامل فكيف يفهم لأمر الله الغرض والعلة؟ نقول المعتزلة تمسكوا به، وقالوا أفعال الله تعالى لأغراض وبالغوا في الإنكار على منكري ذلك، ونحن نقول فيه وجوه الأول: أن التعليل لفظي ومعنوي، واللفظي ما يطلق الناظر إليه اللفظ عليه وإن لم يكن له في الحقيقة، مثاله إذا خرج ملك من بلاده ودخل بلاد العدو وكان في قلبه أن يتعب عسكر نفسه لا غير، ففي المعنى المقصود ذلك، وفي اللفظ لا يصح ولو قال هو أنا ما سافرت إلا لابتغاء أجر أو لأستفيد حسنة يقال هذا ليس بشيء ولا يصح عليه، ولو قال قائل في مثل هذه الصورة خرج ليأخذ بلاد العدو وليرهبه لصدق، فالتعليل اللفظي هو جعل المنفعة المعتبرة علة للفعل الذي فيه المنفعة، يقال إتجر للربح، وإن لم يكن في الحقيقة له، إذا عرفت هذا، فنقول الحقائق غير معلومة عند الناس، والمفهوم من النصوص معانيها اللفظية لكن الشيء إذا كان فيه منفعة يصح التعليل بها لفظاً والنزاع في الحقيقة في اللفظ الثاني: هو أن ذلك تقدير كالتمني والترجي في كلام الله تعالى وكأنه يقول العبادة عند الخلق شيء لو كان ذلك من أفعالكم لقلتم إنه لها، كما قلنا في قوله تعالى: {أية : لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ } تفسير : [طه: 44] أي بحيث يصير تذكرة عندكم مرجواً وقوله {أية : عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ } تفسير : [الأعراف: 129] أي يصير إهلاكه عندكم مرجواً تقولون إنه قرب الثاني: هو أن اللام قد تثبت فيما لا يصح غرضاً كما في الوقت قال تعالى: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ } تفسير : [الإسراء: 78] وقوله تعالى: {أية : فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } تفسير : [الطلاق: 1] والمراد المقارنة، وكذلك في جميع الصور، وحينئذ يكون معناه قرنت الخلق بالعبادة أي بفرض العبادة أي خلقتهم وفرضت عليهم العبادة، والذي يدل على عدم جواز التعليل الحقيقي هو أن الله تعالى مستغن عن المنافع فلا يكون فعله لمنفعة راجعة إليه ولا إلى غيره، لأن الله تعالى قادر على إيصال المنفعة إلى الغير من غير واسطة العمل فيكون توسط ذلك لا ليكون علة، وإذا لزم القول بأن الله تعالى يفعل فعلاً هو لمتوسط لا لعلة لزمهم المسألة، وأما النصوص فأكثر من أن تعد وهي على أنواع، منها ما يدل على أن الإضلال بفعل الله كقوله تعالى: {أية : يُضِلُّ مَن يَشَاء } تفسير : [الرعد: 27] وأمثاله ومنها ما يدل على أن الأشياء كلها بخلق الله كقوله تعالى: {أية : خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء } تفسير : [الرعد: 16] ومنها الصرايح التي تدل على عدم ذلك، كقوله تعالى: {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ } تفسير : [الأنبياء: 23] وقوله تعالى: {أية : وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَاء } تفسير : [إبراهيم: 27] {أية : يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } تفسير : [المائدة: 1] والاستقصاء مفوض فيه إلى المتكلم الأصولي لا إلى المفسر. المسألة الرابعة: قال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَـٰرَفُواْ } تفسير : [الحجرات: 13] وقال: {لِيَعْبُدُونِ } فهل بينها اختلاف؟ نقول ليس كذلك فإن الله تعالى علل جعلهم شعوباً بالتعارف، وههنا علل خلقهم بالعبادة وقوله هناك {أية : أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَـٰكُمْ } تفسير : [الحجرات: 13] دليل على ما ذكره ههنا وموافق له، لأنه إذا كان أتقى كان أعبد وأخلص عملاً، فيكون المطلوب منه أتم في الوجود فيكون أكرم وأعز، كالشيء الذي منفعته فائدة، وبعض أفراده يكون أنفع في تلك الفائدة، مثاله الماء إذا كان مخلوقاً للتطهير والشرب فالصافي منه أكثر فائدة في تلك المنفعة فيكون أشرف من ماء آخر، فكذلك العبد الذي وجد فيه ما هو المطلوب منه على وجه أبلغ. المسألة الخامسة: ما العبادة التي خلق الجن والإنس لها؟ قلنا: التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله، فإن هذين النوعين لم يخل شرع منهما، وأما خصوص العبادات فالشرائع مختلفة فيها بالوضع والهيئة والقلة والكثرة والزمان والمكان والشرائط والأركان، ولما كان التعظيم اللائق بذي الجلال والإكرام لا يعلم عقلاً لزم اتباع الشرائع فيها والأخذ بقول الرسل عليهم السلام فقد أنعم الله على عباده بإرسال الرسل وإيضاح السبل في نوعي العبادة، وقيل إن معناه ليعرفوني، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عن ربه «حديث : كنت كنزاً مخفياً فأردت أن أعرف».
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} قيل: إن هذا خاص فيمن سبق في علم الله أنه يعبده، فجاء بلفظ العموم ومعناه الخصوص. والمعنى: وما خلقت أهل السعادة من الجنّ والإنس إلا ليوحدون. قال القشيريّ: والآية دخلها التخصيص على القطع؛ لأن المجانين والصبيان ما أمروا بالعبادة حتى يقال أراد منهم العبادة، وقد قال الله تعالى: {أية : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} تفسير : [الأعراف: 179] ومن خُلق لجهنم لا يكون ممن خلق للعبادة، فالآية محمولة على المؤمنين منهم؛ وهو كقوله تعالى: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا} تفسير : [الحجرات: 14] وإنما قال فريق منهم. ذكره الضحاك والكلبي والفرّاء والقتبي. وفي قراءة عبد الله: {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} وقال عليّ رضي الله عنه: أي وما خلقت الجنّ والإنس إلا لآمرهم بالعبادة. وٱعتمد الزجاج على هذا القول، ويدل عليه قوله تعالى: {أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً}تفسير : [التوبة: 31]. فإن قيل: كيف كفروا وقد خلقهم للإقرار بربوبيته والتذلل لأمره ومشيئته؟ قيل: قد تذللوا لقضائه عليهم؛ لأن قضاءه جارٍ عليهم لا يقدرون على الامتناع منه، وإنما خالفهم من كفر في العمل بما أمره به، فأما التذلل لقضائه فإنه غير ممتنع منه. وقيل: {إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} أي إلا ليقروا لي بالعبادة طوعاً أو كرهاً؛ رواه عليّ بن أبي طلحة عن ٱبن عباس. فالكره ما يُرَى فيهم من أثر الصنعة. مجاهد: إلا ليعرفوني. الثعلبي: وهذا قول حسن؛ لأنه لو لم يخلقهم لما عرف وجوده وتوحيده. ودليل هذا التأويل قوله تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [الزخرف: 87] {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ} تفسير : [الزخرف: 9] وما أشبه هذا من الآيات. وعن مجاهد أيضاً: إلا لآمرهم وأنهاهم. زيد بن أسلم: هو ما جُبِلوا عليه من الشّقوة والسعادة؛ فخلق السعداء من الجنّ والإنس للعبادة، وخلق الأشقياء منهم للمعصية. وعن الكلبي أيضاً: إلا ليوحدون، فأما المؤمن فيوحده في الشدّة والرخاء، وأما الكافر فيوحده في الشدّة والبلاء دون النعمة والرخاء؛ يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} تفسير : [لقمان: 32] الآية. وقال عِكْرمة: إلا ليعبدون ويطيعون فأثيب العابد وأعاقب الجاحد. وقيل: المعنى إلا لأستعبدهم. والمعنى متقارب؛ تقول: عبد بيِّن العبودة والعبودية، وأصل العبودية الخضوع والذل. والتعبيد التذليل؛ يقال: طريق معبد. قال:شعر : وظِيفـاً وَظِيفاً فـوقَ مَـوْرٍ مُعَبَّـدِ تفسير : والتعبيد الاستعباد وهو أن يتخذه عبداً. وكذلك الاعتباد. والعبادة: الطاعة، والتَّعبُّد التَّنسك. فمعنى «لِيَعْبُدُونِ» ليذِلّوا ويخضعوا ويعبدوا. {مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ} «مِنْ» صلة أي رزقاً بل أنا الرزّاق والمعطي. وقال ٱبن عباس وأبو الجوزاء: أي ما أريد أن يرزقوا أنفسهم ولا أن يطعموها. وقيل: المعنى ما أريد أن يرزقوا عبادي ولا أن يطعموهم {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ} وقرأ ٱبن مُحيصِن وغيره «الرَّازِقُ». {ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ} أي الشديد القوي:. وقرأ الأعمش ويحيـى بن وثّاب والنّخعي «الْمَتِينِ» بالجر على النعت للقوّة. الباقون بالرفع على النعت لـ«الرزَّاق»، أو «ذُو» من قوله: {ذُو ٱلْقُوَّةِ} أو يكون خبر ٱبتداء محذوف؛ أو يكون نعتاً لاسم إنّ على الموضع، أو خبراً بعد خبر. قال الفراء: كان حقّه المتينة فذكَّره لأنه ذهب بها إلى الشيء المبرَم المحكم الفتل؛ يقال: حبل متين وأنشد الفرّاء:شعر : لِكُلِّ دَهْرٍ قَدْ لَبِسْتُ أَثْوُباً حَتَّى ٱكْتَسَى الرَّأْسُ قِنَاعاً أَشْيَبَا مِـن ريطـةٍ وَالْيُمْنَـةَ الْمُعَصَّبَـا تفسير : فذكَّر المعصَّب؛ لأن اليمنة صنف من الثياب؛ ومن هذا الباب قوله تعالى: {أية : فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ} تفسير : [البقرة: 275] أي وعظ {أية : وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ} تفسير : [هود: 67] أي الصياح والصوت. قوله تعالى: {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي كفروا من أهل مكة {ذَنُوباً مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ} أي نصيباً من العذاب مثل نصيب الكفار من الأمم السالفة. وقال ٱبن الأعرابي: يقال يوم ذَنُوب أي طويل الشر لا ينقضي. وأصل الذَّنُوب في اللغة الدَّلو العظيمة، وكانوا يستقون الماء فيقسمون ذلك على الأنصباء فقيل للذَّنُوب نصيب من هذا؛ قال الراجز:شعر : لَنَا ذَنُوبٌ وَلَكُمْ ذَنُوبُ فإنْ أَبَيْتُمْ فَلَنَا الْقَلِيبُ تفسير : وقال عَلْقمة:شعر : وفي كلِّ يومٍ قد خَبَطْتَ بِنِعْمةٍ فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِنْ نَدَاكَ ذَنُوبُ تفسير : وقال آخر:شعر : لعَمْرُكَ والمَنَايَا طارِقاتٌ لِكلِّ بَنِي أَبٍ منها ذَنُوبُ تفسير : الجوهري: والذَّنُوب الفرس الطويل الذَّنب، والذَّنُوب النصيب، والذَّنُوب لحم أسفل المَتْن، والذَّنُوب الدَّلو الملآى ماء. وقال ٱبن السكيت: فيها ماء قريب من الملء يؤنث ويذكر، ولا يقال لها وهي فارغة ذَنُوب؛ والجمع في أدنى العدد أَذْنِبة والكثير ذَنائِب، مثل قَلُوص وقَلاَئص. {فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ} أي فلا يستعجلون نزول العذاب بهم؛ لأنهم قالوا: يا محمد {أية : فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} تفسير : [الأعراف: 70] فنزل بهم يوم بدر ما حقق به وعده وعجّل بهم ٱنتقامه، ثم لهم في الآخرة العذاب الدائم، والخزي القائم، الذي لا ٱنقطاع له ولا نفاد، ولا غاية ولا آباد. تم تفسير سورة «والذاريات» والحمد لله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } ولا ينافي ذلك عدم عبادة الكافرين، لأن الغاية لا يلزم وجودها كما في قولك بريت هذا القلم لأكتب به، فإنك قد لا تكتب به.
ابن عبد السلام
تفسير : {لِيَعْبُدُونِ} ليقروا بالعبودية طوعاً، أو كرهاً "ع"، أو لآمرهم وأنهاهم، أو لأجبلهم على الشقاء والسعادة، أو ليعرفون، أو للعبادة.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} قال ابن عباس وعليٌّ: المعنى: ما خلقت الجن والإنس إلاَّ لآمرهم بعبادتي، وليقرُّوا لي بالعبودِيَّةِ، وقال زيد بن أسلمَ وسفيان: هذا خاصٌّ، والمراد: ما خلقت الطائعين من الجن والإنس إلاَّ لعبادتي، ويؤَيِّدُ هذا التأويلَ أَنَّ ابن عباس رَوَى عَن النبي صلى الله عليه وسلم: أَنَّهُ قَرَأَ: «حديث : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ»تفسير : ، وقال ابن عباس أيضاً: معنى {لِيَعْبُدُونِ}: ليتذللوا لي ولقدرتي، وإنْ لم يكن ذلك على قوانينِ شرع، وعلى هذا التأويل فجميعهم من مُؤمن وكافر مُتَذَلِّلٌ للَّه عز وجل؛ أَلاَ تراهم عند القحوط والأمراض وغيرِ ذلك كيف يخضعون للَّه ويتذللون؟!. * ت *: قال الفخر: فإنْ قيل: ما العبادة التي خلق اللَّه الجن والإنسَ لها؟ قلنا: التعظيم لأمر اللَّه، والشفقةُ على خلق اللَّه؛ فإنَّ هذين النوعينِ لم يَخْلُ شرعٌ منهما، وأَمَّا خصوص العبادات فالشرائع مختلفة فيها: بالوضع والهيئة، والقِلَّةِ والكَثْرَةِ، والزَّمان والمكان، والشَّرَائِطِ والأركان، انتهى، ونقل الثعلبيُّ وغيره عن مجاهد: {إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} أي: ليعرفوني، قال صاحب «الكَلِمِ الفارقية»: المعرفة باللَّه تملأ القلبَ مَهَابَةً ومخافَةً، والعينَ عَبْرَةً وعِبْرةً وحياءً وخَجْلَةً، والصَّدْرَ خُشُوعاً وَحُرْمَةً، والجوارحَ استكانةً وذِلَّةً وطاعةً وخدمةً، واللسانَ ذكراً وحمداً، والسمعَ إصغاءً وَتفَهُّماً، والخواطِرَ في مواقف المناجات خموداً، والوساوِسَ اضمحلالاً، انتهى. وقوله سبحانه: {مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ} أي: أنْ يرزقوا أنفسهم ولا غيرهم. وقوله: {أَن يُطْعِمُونِ} أي: أنْ يطعموا خَلْقِيَ؛ قاله ابن عباس، ويحتمل أنْ يريد: أنْ ينفعوني، و{ٱلْمَتِينُ}: الشديد. * ت *: ورُوِّينَا في«كتاب التِّرْمِذِيِّ» عن أبي هريرةَ عنِ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: يَا بْنَ آدَمَ، تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلأْ صَدْرَكَ غِنًى، وأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإلاَّ تَفْعَلْ مَلأْتُ يَدَكَ شُغْلاً، وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ»تفسير : ، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، ورُوِّينَا فيه عن أنس قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ، جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ في قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهْ شَمْلَهُ، وأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ، جَعَل اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إلاَّ مَا قُدِّرَ لَهُ»تفسير : انتهى. وقوله سبحانه: {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ}: يريد أهل مَكَّةَ، والذّنوب: الحَظُّ والنصيب، وأصله من الدَّلْوِ؛ وذلك أَنَّ الذَّنُوبَ هو مِلْءُ الدَّلْوِ من الماء، وكذا قال أبو حيان: {ذَنُوبِ}، أي: نصيباً، انتهى و{أَصْحَـٰبِهِمْ}: يُرَادُ بهم مَنْ تقدم من الأمم المُعَذَّبَةِ، وباقي الآية وعيد بَيِّنٌ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}. هذا الجار متعلق "بخَلَقْتُ". واختلف في الجن والإنس، قيل: المراد بهم العموم والمعنى إلا لآمرهم بالعبادة وليقروا بها، وهذا منقول عن علي بن أبي طالب، ويؤيده: {أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً} تفسير : [التوبة: 31] أو يكون المعنى: ليطيعوني وينقادوا لقضائي، فالمؤمن يفعل ذلك طوعاً والكافر كرهاً، فكل مخلوق من الجِنّ والإنس خاضع لقضاء الله متذلّل لمشيئته، لا يملك أحد لنفسه خروجاً عما خلق عليه. أو يكون المعنى: إلا معدين للعبادة، ثم منهم من يتأتى منه ذلك، ومنهم من لا، كقولك: هَذَا القَلَمُ بَرَيْتُهُ لِلْكِتَابَةِ، ثم قد يكتب به، وقد لا يُكْتَب وقيل: المراد به الخصوص، أي ما خلقت السعداءَ من الجنِّ والإنس إلا لعبادتي، والأشقياء منهم إلا لمعصيتي. قاله زيد بن أسلم. قال: هو ما جُبلوا عليه من السعادة والشقاوة، ويؤيده قوله: {أية : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ} تفسير : [الأعراف: 179]. وقال مجاهدٌ: معناه إِلاَّ ليعْرفُون. قال البغوي: وهذا أحسن؛ لأنه لو لم يخلقهم لم يعرف وجوده وتوحيده، بدليل قوله: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [الزخرف: 87]، وقيل: إلا ليعبدون أي إلا ليوحدون، فأما المؤمن فيُوَحِّده في الشدة والرخاء، وأما الكافر فيوحده في الشّدة والبلاء دون النعمة والرخاء قال تعالى: {أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} تفسير : [العنكبوت: 65] وقيل: المراد وما خلقت الجِنَّ والإِنْسَ المؤمنين. وقيل: الطائعين. قال شهاب الدين: والأول أحسنُ. فصل في تعلق الآية بما قبلها أن بعثة الأنبياء منحصرة في أمرين عبادة الله وهداية الخلق، فلما قال تعالى: {أية : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ} تفسير : [الذاريات: 54] بين أن الهداية قد سقطت عند اليأس، وأمّا العبادة فهي لازمة للخلق المطلق وليس الخلق المطلق للهداية، وقيل: إنه لما بين حال من قبله فِي التكذيب ذكر هذه ليتبين سُوءَ صنيعهم، حيث تركوا عبادة الله الذي خلقهم للعبادة. فإِنْ قِيلَ: ما الحكمة في أنه لم يذكر الملائكة مع أنهم من أصناف المكلفين وعبادتهم أكثر من عبادة غيرهم من المكلَّفين، قال تعالى: {أية : بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} تفسير : [الأنبياء: 26] وقال: {أية : لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} تفسير : [الأعراف: 206]. فالجواب من وجوه: أحدها: أنه تقدم أن الآية سيقت لبيان قُبْح ما يفعله الكَفَرَةُ، من ترك ما خُلِقُوا له. وهذا مختص بالجِنِّ والإنس؛ لأن الكفر موجودٌ في الجنِّ والإنس بخلافِ الملائكة. الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مبعوثاً إلى الجنِّ والإنس، فلما قال: "وَذَكِّرْ" بين ما يذكر به وهو كون الخلق للعبادة، وخصص أمته بالذكر أي ذكر الإنس والجن. الثالث: أن عباد الأصنام كانوا يقولون: إن الله تعالى عظيم الشأن خلق الملائكة وجعلهم مقربين، فهُم يعبدون الله وخلقهم لعبادته ونحن لنزول درجتنا لا نصلح لعبادة الله فنعبد الملائكة وهم يعبدون الله كما قالوا: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} تفسير : [الزمر: 3] فقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} ولم يذكر الملائكة لأن الأمر فيهم كان مسلماً من القوم، فذكر المتنازع فيه. الرابع: فعل الجن يتناول الملائكة، لأن أصل الجن من الاستتار، وهم مُسْتَتِرُون عن الخلق فذكر الجن لدخول الملائكة فيهم. قوله: {مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ} أي يرزقوا أحداً من خَلْقِي، ولا أن يرزقوا أنفسهم {وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ} أي يطعموا أحداً من خلقي. وإنما أسند الإطعام إلى نفسه لأن الخلق عِيالُ الله ومن أطعم عيالَ أحدٍ فقد أطعمَهُ، قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي"تفسير : ، أي لم تطعم عبدي. فصل استدل المعتزلة بقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} على أن أفعال الله تعالى معلّلة بالأغراض وأجيبوا بوجوه تقدمت منها: أن اللام قد تثبت لغير الغرض كقوله تعالى: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ} تفسير : [الإسراء: 78] وقوله: {أية : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} تفسير : [الطلاق: 1] ومعناه المقارنة فمعناه: قرنت الخلق بالعبادة أي خلقتهم، وفرضت عليهم العبادة. ومنها: قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ} تفسير : [الزمر: 62] و [الرعد: 16]. ومنها: ما يدل على أن الإضلال بفعل الله كقوله تعالى: {أية : يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} تفسير : [النحل: 93] وأمثاله. ومنها: قوله تعالى: {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} تفسير : [الأنبياء: 23] وقوله: {أية : وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} تفسير : [إبراهيم: 27] و{أية : يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} تفسير : [المائدة: 1]. وقوله تعالى: {مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ} معناه: أن النفع يعود إليهم لا لي. فإن قيل: ما الفائدة في تكرير الإرادتين مع أن من لا يريد من أحدٍ رزقاً لا يريد أن يُطْعِمَهُ؟!. فالجواب: أن السيِّدَ قد يطلب من العبد المتكسّب له، فيطلب منه الرزق، وقد يكون للسَّيدِ مالٌ وافر يستغني به عن التكسب لكنه يطلب من العبد قضاءَ حوائجه وإحضار الطعام بين يديه، فقال: لا أريد ذلك ولا هذا. وقد طلب الرزق على طلب الإطعام من باب الارتقاء من الأدنَى إِلى الأعلى. فإن قيل: ما فائدة تخصيص الإطعام بالذكر مع أن المراد عدم طلب فعل منهم غير التعظيم؟!. فالجواب: أنه لما عمم النفي في الطلب الأول بقوله: "من رزق" وذلك إشارة إلى التعميم بذكر الإِطعام ونفي الأدنى يستتبعه نفي الأعلى بطريق الأولى، فكأنه قال: ما أريد منهم من غِنًى ولا عَمَلٍ. فإن قيل: المطالب لا تنحصر فيما ذكره فإن السيِّد قد يشتري العبد لا لطلب عمل منه، ولا لطلب رزق ولا للتعظيم، بل يشتريه للتجارة! فالجواب: أن عموم قوله: {مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ} يتناول ذلك. قوله: "أَنْ يُطْعِمُونِ" قيل: فيه حذف مضاف أي يطعموا خَلْقِي كما تقدم في التفسير. وقيل: المعنى أن يَنْفَعُون فعبر ببعض وجوه الانتفاعات لأن عادة السادة أن ينتفعوا بعبيدهم، والله مُسْتَغْنٍ عن ذلك. قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ} يعني لجميع خلقه، وهذا تقرير لعدم طلب الرزق، وقوله: "ذو القُوَّةِ" تقرير لعدم طلب العمل لأن من يطلب رزقاً يكون فقيراً محتاجاً، ومن يطلب عملاً يكون عاجزاً لا قوة له فكأنه يقول: ما أريدُ منهم من رزق فإني أنا الرزّاق، ولا العمل فإِني قَوِيّ. وروي أن النبي - عليه الصلاة والسلام - قرأ: إِنِّي أنا الرزَّاق، وقرأ ابن مُحَيْصِن: الرَّازق، كما تقدم في قراءته: {وَفي السَّمَاء رازِقُكمْ}. قوله: "المَتِينُ" العامة على رفعه، وفيه أوجه: إما النعت للرزَّاق، وإما النعت لِذُو، وإما النعت لاسم "إِنَّ" على الموضع. وهو مذهب الجَرْمِيِّ والفراء، وغيرهما. وإما خبر بعد خبر، وإما خبر مبتدأ مضمر. وعلى كل تقدير فهو تأكيد، لأن "ذو القوة" يفيد فائدتَهُ. وقرأ يَحْيَى بْنُ وَثَّاب والأعمشُ المَتِينِ - بالجر - فقيل: صفة "القوة"، وإنما ذكر وصفها لكوْن تأنيثِها غيرَ حَقِيقيٍّ. وقيل: لأنها في معنى الأيْدِ. وقال ابن جنِّي: هو خفض على الجوار كقولهم: "هَذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ" يعني أنه صفة للمرفوع، وإنما جر لما جاور مجروراً. وهذا مرجوحٌ لإمكان غيره، والجوار لا يصار إليه إلا عند الحاجة. فصل قال تعالى: "ما أريد" ولم يقل: إني رازق بل قال على الحكاية عن الغائب إن الله هو الرزّاق فما الحكمة فيه؟. قال ابن الخطيب: نقول: قد رُوِيَ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ: إنِّي أنا الرَّزَّاق. وأما على القراءة المشهورة فالمعنى: قُلْ يا محمد إن الله هو الرزَّاق، أو يكون من باب الالتفات من التكلم إلى الغيبة، أو يكون قل مضمراً عند قوله: "مَا أُرِيدُ" أي قل يا محمد: ما أريد منهم من رزق فيكون بمعنى قوله: {أية : قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} تفسير : [ص: 86] ويكون على هذا قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ}، ولم يقل: القوي، بل قال: ذُو القوة، لأن المقصود تقرير ما تقدم من عدم إرادة الرزق، وعدم الاستعانة بالغير لكن في عدم طلب الرزق لا يكفي كون المستغني بحيث يرزق واحداً، فإن كثيراً من الناس يرزق ولده وعبده ويسترزق والملك يرزق الجند، ويسترزق، فإذا كثر منه الرزق قل منه الطلب لأن المسترزِقَ منه يكثر الرزق، لا يسترزق من رزقه فلم يكن ذلك المقصود يحصل إلا بالمبالغة في وصف الرازق، فقال: الرزَّاق، وأما ما يُغني عن الاستعانة بالغير، فهو دون ذلك لأن القوي إذا كان في غاية القوة يعين الغير، فإذا كان دون ذلك لا يعين غيره ولا يستعين به استعانة قوية بل استعانة ما وتتفاوت بعد ذلك، ولما قال: {وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ} كفاه بيان نفس القوة فقال: "ذُو القوة"، لأن قولنا: ذُو القوة في إفادة معنى القوي دون إفادة القَوِيّ، لأن ذلك لا يقال في الوصف اللازم البين، يقال في الآدمي: ذُو مَال ومتمول، وذو جَمال، وجميل، وذو خلق حسن إلى غير ذلك مما (لا) يلزم لزوماً بيناً. ولا يقال في الثلاثة: ذات فردية، ولا في الأربعة: ذات زوجية، وهذا لم يرد في الأوصاف الحقيقية فلم يسمع ذو الوجود ولا ذو الحياة ولا ذو العِلم، ويقال في الإنسان: ذو علم، وذو حياة لأنها فيه عرض لا لازم بين. وفي صفات الفعل يقال: الله تعالى ذُو الفضل كثيراً (وذو الخلق قليلاً)؛ لأن "ذا كذا" بمعنى صاحب والصحبة لا يفهم منها اللزوم فضلاً عن اللزوم البين. ويؤيد هذا قوله تعالى: {أية : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} تفسير : [يوسف: 76] فجعل غيره ذا علم ووصف نفسه بالفعل فبين ذي العِلم والعليم فرق وكذلك بين ذي القوة والقويّ، ويؤيده أيضاً قوله تعالى: {أية : فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ} تفسير : [غافر: 22] وقوله: {أية : ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْقَوِيُّ} تفسير : [الشورى: 19] وقال: {أية : لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} تفسير : [المجادلة: 21] لأن هذه الصور كان المراد بها بيان القيام بالأفعال العظيمة وههنا المراد عدم الاحتياج ومن لا يحتاج إلى الغير يكفيه من القوة قدر (ما). ومن يقوم مستبداً بالفعل لا بد له من قوة عظيمة، لأن عدم الحاجة قد يكون بترك الفعل والاستغناء عَنْه. فصل قوله: "المَتِينُ"، لأن ذا القوة كما تقدم لا يدل إلا على أن له قوةً ما، فزاد في الوصف المتانة وهو الذي له ثبات لا يتزلزل وهو مع المتين من باب واحد لفظاً ومعنى، فإن معنى مَتْن الشيء هو أصله الذي عليه ثباته والمتن هو الظهر الذي عليه أساس البدن والمتانة مع القوة كالعزّة مع القوي حيث قرن العزة مع القوة في قوله: "قَوِيٌّ عَزِيزٌ" وقوله: "القَوِيّ العَزِيزُ". قوله تعالى: {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} قد تقدم الكلام على الفاء في وجه التعلق. والمراد بالذين ظلموا: كفار مكة. ومعنى ذنوباً أي نصيباً من العذاب {مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ} أي مثل نصيب أصحابهم الذين هلكوا من قوم نوح وعادٍ، وثمود. والذنوب: في الأصل الدلو العظيمة المملوءة ماء، وفي الحديث الشريف: "حديث : فَأُتي بذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ" تفسير : فإن لم تكن مَلأَى فهو الدَّلْو، ثم عبر به عن النَّصيب، قال علقمة: شعر : 4530- وَفِي كُلّ حَيٍّ قَدْ خَبَطْتُ بِنِعْمَةٍ فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِنْ نَدَاكَ ذَنُوبُ تفسير : ويجمع في القلة على أَذْنِبَةٍ، وفي الكثرة على ذَنَائِبَ. وقال المَلكُ لما أنشد هذا البيت نَعَمْ وأَذْنِبَة. وقال الزمخشري: الذَّنُوب الدلو العظيمة، وهذا تمثيل أصله في السّقاة يقتسمون الماء فيكون لهذا ذنوب ولهذا ذنوب قال الشاعر: شعر : 4531- لَنَا ذَنُوبٌ ولَكُم ذنُوبُ فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَلَنَا القَلِيبُ تفسير : وقال الراغب: الذنوب الدلو الذي له ذنب انتهى. فراعى الاشتقاق. والذنوب أيضاً الفَرَسُ الطّويل الذّنب وهو صفة على فَعُول. والذَّنوب لحم أسفل المَتْن. ويقال: يَوْم ذَنُوب أي طويل الشّر استعارة من ذلك. قوله: {فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ} أي بالعذاب. ووجه مناسبة الذنوب أن العذاب منصبّ عليهم كما يُصَبُّ الذَّنُوبُ، قال تعالى: {أية : يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ} تفسير : [الحج: 19] وقال تعالى: {أية : ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ} تفسير : [الدخان: 48] والذّنوب كذلك فكأنه قال: نصبّ فوق رؤوسهم ذَنُوباً من العذاب كذنوب صُبّ فوق رؤوس أولئك. ووجه آخر وهو أن العرب يستقون من الآبار على النَّوْبَة ذنوباً فذنوباً وذلك وقت عيْشِهم الطيب، فكأنه تعالى قال: {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} من الدنيا وطيباتها "ذَنُوباً" إذا ملأوه ولا يكون لهم في الآخرة من نصيب كما كان عليه حال أصحابهم استقوا ذنوباً وتركوها، وعلى هذا فالذنوب ليس بعذاب ولا هلاك وإنما هو رَغَدُ العيش. قال ابن الخطيب: وهو أليق بالعربية. قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ} يعني يوم القيامة. وقيل: يوم بدر، وحذف العائد لاستكمال شُرُوطه، أي يُوعدونه. روى الثعلبي عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : مَنْ قَرَأَ سُورَة "وَالذَّارِيَاتِ" أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ عَشْرَ حَسَنَاتِ بِعَدَدِ كُلّ رِيحٍ هَبَّتْ وَجَرَتْ فِي الدُّنْيَا" تفسير : (والله سبحانه وتعالى أعلم وأشفق وأرحم).
البقاعي
تفسير : ولما كان هذا ربما أوهم أن سواهم غير مقدور عليهم، قال مؤكداً بالحصر دالاًّ على أنه هو الذي قسم الناس إلى طاغين ومؤمنين بالعطف على ما تقديره: فما حكم عليهم بذلك الضلال والهدى غيري، وما أرسلت الرسل وأنزلت الكتب إلا لاستخلاص المؤمنين وإقامة الحجة على الضالين: {وما خلقت الجن والإنس} الذين أكثرهم كافرون {إلا ليعبدون *} أي لينجروا تحت أقضيتي على وجه ينفعون به أنفسهم أو يضرونها لا لشيء يلحقني أنا منه شيء من نفع أو ضرر، فإني بنيتهم على العجز وأودعتهم نوازع الهوى، وركبت فيهم غرائز فهيأتهم لاتباع الهدى، فمن أطاع عقله كان عابداً لي فارّاً إليّ مع جريه تحت الإرادة، عبادة شرعية أمرية يستفيد بها الثواب، ومن أطاع الهوى كان عابداً لي مع مخالفته أمري عبادة إرادية قسرية يستحق بها العقاب، وكل تابع لهواه إذا حقق النظر علم أن الخير في غير ما هو مرتكبه، فما ألزمه ما هو فيه مع علمه بأن غيره خير منه إلا قهر إرادتي، فهذه عبادة لغوية، وذاك عبادة شرعية، وقد مر في آخر هود ما ينفع هنا، وهذا كله معنى قول ابن عباس: إلا ليقروا لي بالعبادة طوعاً وكرهاً. ولما حصر سبحانه خلقهم في إرادة العبادة، صرح بهذا المفهوم بقوله: {ما أريد منهم} أي في وقت من الأوقات، وعم في النفي بقوله: {من رزق} أي شيء من الأشياء على وجه ينفعني من جلب أو دفع، لأني منزه عن لحاق نفع أو ضر، كما يفعل غيري من الموالي بعبيدهم من الاستكثار بغلاتهم والاستعانة بقواتهم لأني الغني المطلق وكل شيء مفتقر إليّ {وما أريد} أصلاً {أن يطعمون *} أي أن يرزقوني رزقاً خاصاً هو الإطعام، وفيه تعريض بأصنامهم فإنهم كانوا يعملون معها ما ينفعها ويحضرون لها الأكل، فربما أكلتها الكلاب ثم بالت على الأصنام. ثم لا يصدهم ذلك، وهذه الآية دليل على أن الرزق أعم من الأكل، والتعبير بالإرادة دالّ على ما قلت إنه مقصود بالعبادة. وهو الجري تحت الإرادة، تارة بموافقة الشرع وتارة بمخالفته. ولما كان الاهتمام بأمر الرزق - وقد ضمنه سبحانه - شاغلاً عن كثير من العبادة، وكان الإنسان يظن أن الذي حصل له ما حواه من الرزق سعيه، قال حاصراً ذلك مؤكداً إزالة لتلك الظنون معللاً لافتاً الكلام إلى سياق الاسم الأعظم الذي لم يتسم به غيره، نصاً على المراد وبالغاً من الإرشاد أقصى المراد: {إن الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال المنزه عن شوائب النقص {هو} أي لا غيره {الرزاق} أي على سبيل التكرار لكل حي وفي كل وقت. ثم وصفه بما يبين هوان ذلك فقال: {ذو القوة} أي التي لا تزول بوجه {المتين *} أي الشديد الدائم الشدة. ولما أقسم سبحانه على الصدق في وعيدهم، ودل على ذلك حتى بجميع قصد أحوالهم على إرادته. وختم بقوته التي لا حد لها، سبب عن ذلك إيقاعه بالمتوعدين، فقال مؤكداً لأجل إنكارهم: {فإن للذين ظلموا} أي الذين أوقعوا الأشياء في غير مواقعها. ولما كان القسم على ما يوعدون بما يحمل المطر، عبر عن نصيبهم الذي قدره عليهم من ذلك بقوله: {ذنوباً} أي خطاً من العذاب طويل الشر، كأنه من طوله صاحب ذنب وهو على ذنوبهم {مثل ذنوب أصحابهم} أي الذين تقدم ظلمهم بتكذيب الرسل وهو في مشابهته له كالدلو الذي يساجل به دلو آخر، وذلك دليل واضح على أن ما يوعدون صادق، وأن الدين واقع {فلا يستعجلون *} أي يطلبوا أن آتيهم به قبل أوانه اللاحق به، فإن ذلك لا يفعله إلا ناقص، وأنا متعال عن ذلك لا أخاف الفوت ولا يلحقني عجز ولا أوصف به، ولا بد أن أوقعه بهم في الوقت الذي قضيت به في الأزل، لأنه أحق الأوقات بعقابهم لتكامل ذنوبهم، وحينئذ تكون فيا له من تهديد ما أفظعه، ووعيد ما أعظمه وأوجعه، أمراً لا يدفعه دافع، ولا يمنع من وقوعه مانع، ولذلك سبب عنه قوله: {فويل} أي شر حال وعذاب يوجب الندب والتفجع {للذين كفروا} أي ستروا ما ظهر من هذه الأدلة التي لا يسع عاقلاً إنكارها {من يومهم} إضافة إليهم لأنه خاص بهم دون المؤمنين {الذي يوعدون *} في الدنيا والآخرة، وقد انطبق آخرها على أولها بصدق الوعيد، وثبت بالدليل القطعي لك القسم الأكيد - والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
السلمي
تفسير : قال محمد بن حامد: علامة العبودية خمسة: أولها: أن يقيم بجهده على صحة عزيمته. والثانى: أن لا يميل بقلبه عن صحة إرادته وحسن زينته. والثالث: أن يعرف ما فى ضميره من عيوبه فيداويها. والرابع: أن يفهم ما عاتبه ربه. فيرجع إلى ربه بما عاتب فى قوله: {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}. قال إلا ليعرفونِ ثم ليعبدون على بساط المعرفة ليتبرؤا من الرياء والسمعة. قال ابن عطاء: لا يعرفون ولا يعرفه حقيقةً من وصفه بما لا يليق به سمعت أبا بكر الرازى يقول: سمعت محمد بن موسى الواسطى رحمة الله عليه يقول: إن الله تعالى خلق الدنيا إظهاراً لقدرته وخلق الآخرة جزاء لخلقه ورفع السماء تبياناً لملكه ونصب الجبال تعظيماً لجبروته ومدّ الأرض إعلاماً ببطشه وأجرى الأنهار إخباراً برأفته وخلق الجنة لأوليائه بياناً لفضله وخلق النار لأعدائه إظهاراً لعدله وخلق الأنبياء تأكيداً لحجته وخلق ما فى الدنيا إظهاراً لبره ولطفه واستشهاداً لربوبيته وكبريائه ثم قال: {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}. وقال الجنيد رحمة الله عليه: ألزمهم دوام العبادة وضمن لهم عليها فى العاجل الكفاية وفى الآخرة جزيل الثواب.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ}. الذين اصطفْيتُهم في آزالي، وخصَصْتُهم - اليومَ - بحسْنِ إقبالي، ووعدْتُهم جزيلَ أفضالي - ما خَلَقْتُهم إِلاَّ ليعبدونِ. والذين سخطت عليهم في آزالي، وربطتهم - اليوم - بالخذلان فيما كلَّفتهم من أعمالي، وخَلَقْتُ النارَ لهم - بحُكْم إلهيتي ووجوب حُكْمي في سلطاني - ما خلقتهم إلا لعذابي وأنكالي، وما أَعْدَدْتُ لهم من سلاسلي وأغلالي. ما أريد منهم أَنْ يُطْعِموا أو يرزقوا أحداً من عبادي فإنَّ الرزَّاقَ أنا. وما أريد أن يطعمونِ فإِنني أنا اللَّهُ {ذُو ٱلْقُوَّةِ}: المتينُ القُوَى. قوله جلّ ذكره: {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوباً مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ}. لهم نصيبٌ من العذابِ مثلَ نصيبِ مَنْ سَلَفَ من أصحابهم من الكفار فلِمَ استعجالُ العذابِ - والعذابُ لن يفوتَهم؟. {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ}. وهو يوم القيامة.
البقلي
تفسير : فى هذه الأية اشارة عجيبة وهو انه تعالى اذا اراد خلق الجن والانس ابرز من عيون الربوبية عينا فاوجدهم برؤية العين فلما عكس عليهم سنأ لتنزيه باشر ذلك سنا وجودهم فى ايجادهم تلطفوا بلطفه واستلذوا تلك المباشرة وفرحوا بوجدانها وسكروا بحلاوتها فكادوا ان يدعوا الربوبية وذلك سر النصر التى سرته فى النفس الامارة وذلك ظهر الفراعنة فادعوا الربوبية لغلبتها على هواهم ومن لم يغلب عليه ذلك لم يدع ولكن ذلك السر مخفى فى نفسه فلما علم الحق منهم ذلك حذرهم منه بقوله وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون اعلمهم ان ما هو عليهم كسوة الربوبية العارية لهم فلما ارتفعت الكسوة بقوافى رق عبودية الخالق الفرد المنزه عن مباشرة الخليقة اى لا تظنوا انا لكم وذلك لى حقيقة ازلية الى ابد الابد كيف لا يكونوا عباديه وهم قبضة عزته تكونوا وما يجرى عليهم بغير اختيارهم وهم بذلك مجبرون فاذا صحت عبوديتهم لان حركاتهم وسكناهم تقع على وفق مشيئته الازلية فذلك منهم عين العبودية اذ لا ارادة لهم فى حركاتهم وسكناتهم ودخولهم وخروجهم وانفاسهم وخواطرهم فما يظهر منهم فهو محض ارادته القديمة ما اراد منهم فى الازل فيكون منهم يظهر وهذا عين العبودية اذ قامت بمشئيته الكائنات والحركات والسكنات لا بذواتها فمن عرف نفسه بالعبودية فقد عرف ربه بالربوبية ثم بعد ذلك لا يكون منهم نفس ولا حركة الا ويكون ساقطا فى مشاهد ربوبيته فبقى الحق هناك ولم يبق العبد فى البين قال الله سبحانه كل شئ هالك الا وجهه له الحكم واليه ترجعون يافهم اذ امر لسان الازل يكون الشئ فتكون بأمره واذا ناداه من بطنان الازل ودعاه من عيب العدم كيف لا يجيب المكون وهو تعالى سابق بعلمه فى الازل فوجود ذلك المكون فاذا اجابة المكون للمكون بكل ما دعاه اما مستحسنا فى الظاهر واما مستقبحا فان استقباحه واستحسانه يكون بالاضافة الى الخلق والا فى عين المشية كلها مستحسن تكون محض العبودية لربوبية الحق وان خرج فى لباس المخالفة من حيث الرسوم ومن عرف ما ذكرنا من عين التوحيد قد سقط عن عينه جهد الجاهدين وتكلف السالكين وتحير فى قبضة الجبروت واستغرق فى بحار الملكوت لا يكون منه نفس الا ويخرج بشرط الرضا ولا يتحرك الا بوفق الوفاء ولا ينظر الا بتحقيقة الصفا قال جعفر الا ليعرفوا فى على بساط المعرفة ليتبرؤوا من الرياء والسمعة وقال ابن عطا الا ليعرفونى ولا يعرفه حقيقة من وصفه بما لا يليق به قال الواحد مذهب اهل المعانى فى ذلك الا ليخضعوا الى ويتذللوا ومعنى العبادة فى اللغة الذل والانقياد وكل مخلوق من الجن والانس خاضع القضاء الله مذلل بمشيته خلقه على ما اراد ورزقه كما قضى لا يملك احد لنفسه خروجا عما خلق عليه.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون} قرأ يعقوب ليعبدونى وكذا يطعمونى ويستعجلونى كما سيأتى باثبات ياء المتكلم فيهن وصلا ووقفا وحذفها الباقون فى الحالين والعبادة ابلغ من العبودية لان العبودية اظهار التذلل والعبادة غاية التذلل ولايستحقها الا من له غاية الافضال قال بعض الكبار العبادة ذاتية للمخلوق لانها ذلة فى اللغة العربية وانما وقع التكليف بالافعال المخصوصة التى هى العبادة الوصفية للتنبيه على تلك الذلة الذاتية حتى يتذللوا ويتخضعوا لربهم وخالقهم بالوجه المشروع ولعل تقديم خلق الجن فى الذكر لتقدمه على خلق الانس فى الوجود ومعنى خلقهم لعبادته تعالى خلقهم مستعدين لها اتم استعداد ومتمكنين منها اكمل مع كونها مطلوبة منهم بتنزيل ترتيب الغاية على ماهى ثمرة له منزلة ترتب الفرض على ماهو غرض له فان استتباع افعاله تعالى لغايات جليلة مما لانزاع فيه قطعا كيف لا وهى رحمة منه تعالى وتفضل على عباده وانما الذى لايليق بجنابه تعالى تعليلها بالغرض بمعنى الباعث على الفعل بحيث لولاه لم يفعل لافضائه الى استكماله بفعل وهو الكامل بالفعل من كل وجه واما بمعنى نهاية كمالية يفضى اليها فعل الفاعل الحق فغير منفى من افعاله تعالى بل كلها جارية على ذلك المهاج وعلى هذا الاعتبار يدر وصفه تعالى بالحكمة ويكفى فى تحقق معنى التعليل على مايقوله الفقهاء ويتعارفه اهل اللغة هذا المقدار وبه يتحقق مدلول اللام واما ارادة الفاعل لها فليست من مقتضيات اللام حتى يلزم من عدم صدور العبادة عن البعض تخلف المراد عن الارادة فان تعوق البعض عن الوصول الى الغاية مع تعاضد المبادى وتأخر المقدمات الموصلة اليها لايمنع كونها غاية كما فى قوله تعالى {أية : كتاب أنزلناه اليك لتخرج الناس من الظلمات الى النور}تفسير : ونظائره كذا فى الارشاد قال سعدى المفتى فاللام حينئذ على حقيقتها فتأمل انتهى والحاصل ان قوله الا ليعبدون اثبات السبب الموجب للحق فهذه اللام لام الحكمة والسبب شرعا ولام العلة عقلا قال المولى رمضان فى شرح العقائد واستكماله تعالى بفعل نفسه جائز بل واقع فانه تعالى حين اوجد العالم قد استكمل بكمال الموجدية والمعروفية على مانطق به قوله تعالى{ وماخلقت الجن والانس الا ليعبدون} اى ليعرفون وهو كمال اضافى يجوز الخلو عنه انتهى مقصود الهى ازهمه كمال جلا واستجلاست كه درانسان كامل جمعا وتفصيلا بظهور آمد ودر عالم تفصيلا فقط سؤال طلب اين مقصودنه استكمالست كه مستدعى سبق نقصا نست جنانكه اهل كلام ميكويندكه افعال الله معلل بأغراض نشايد بودن جواب آنجه محذورست استكمال بغير است واين استكمال بصفات خوادست نه بغير كذا فى تفسير الفاتحة للشيخ صدر الدين القنوى قدس سره وكذا قال فى بعض شروح الفصوص ان للحق سبحانه كمالا ذاتيا وكمالا اسمائيا وامتناع استكماله بالغير انما هو فى الكمال الذاتى لا الا سمائى فان ظهور آثار الاسماء ممتنع بدون المظاهر الكونية انتهى (قال المولى الجامى) شعر : وجود قابل شرط كمال اسمائيست وكرنه ذات نباشد بغير مستكمل تفسير : (وقال ايضا) شعر : اى ذات رفيع تونه جوهرنه عرض فضل وكرمت نيست معلل بغرض تفسير : يعنى حق سبحانه وتعالى بحسب كمال ذاتى ازوجود عالم وعالميان مستغنيست كما قال تعالى والله هو الغنى وجون ظهور كما اسمائى موقوفست بروجود اعيان ممكنات بس آنرا ايجاد كرد شعر : تاخود كردد بجملة اوصاف عيان واجب باشدكه ممكن آيد بميان ورنه بكمال ذاتى از آدميان فردست وغنى جنانكه خود كرد بيان تفسير : والا شاعرة أنكروا صحة توجيه تعليل افعال الله تعالى معنى وان كان واقعا لفظا تمسكا بأن الله تعالى مستغن عن المنافع فلا يكون فعله لمنفعة راجعة اليه ولا الى غيره لانه تعالى قادر على ايصال تلك المنفعة من غير توسيط العمل فلا يصلح أن يكون غرضا فعندهم لام التعليل يكون استعارة تبعية تشبيها لعبادة العباد بما يفرض علة لخلقه فى الترتب عليه واكثر الفقهاء والمعتزلة قالوا بصحته لمنفعة عائدة على عباده تمسكا بأن الفعل الخالى عن الغرض عبث والعبث من الحكيم محال كما فى شرح المشارق لابن الملك رحمه الله قال ابن الشيخ استدلت المعتزلة بقوله تعالى {وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون} على ان افعال الله معللة بالاغراض على ان مراد الله جائزان يتخلف عن ارادته اذا كان المراد من الافعال الاختيارية للعباد وجه دلالته عليها هو ان وضع اللام لأن تدخل على ماهو غرض من الفعل فتكون العبادة غرضا من خلق الجن والانس والغرض يكون مرادا فينتج ان العبادة غرض من جميع الجن والانس وظاهر ان بعضا منهم لم يعبده فتخلف مراده عن ارادته وهو المطابق والجواب عن الاول انه لما دل الدليل القطعى على انه تعالى لايفعل فعلا لغرض وجب أن يؤول اللام فى مثل هذه المواضع بأن يقال ان الحكم والمصالح التى تترتب على فعله تعالى وتكون هى غاية له لما كانت بحيث لو صدر ذلك الفعل من غيره تعالى لكانت هى عرضا لفعله شبهت بالغرض الحقيقى فدخلت عليها اللام الدالة على الغرض لاجل ذلك التشبيه واطلق عليها اسم الغرض لذلك حتى قيل الغرض من خلق مافى الارض انتفاع الناس به لقوله تعالى {أية : هو الذى خلق لكم مافى الارض جميعا}تفسير : وهذا الجواب انما يتأتى فى اللام الداخلة على ماهو غاية مترتبة على الفعل ولا ينفع فى قوله تعالى {الا ليعبدون} لان العبادة لم تكن غاية مترتبة على خلق كثير من الجن والانس حتى يقال انها شبهت بالغرض من حيث كون الفعل مؤديا اليها وكونها مترتبة عليه فاطلق عليها اسم الغرض ودخل عليها لام الغرض لذلك ولكنه لو تم لكان جوابا عن الاستدلال الثانى لانه مبنى على كون مدلول اللام غرضا وفى نفس الامر وما كان غرضا على طريق التشبيه لايكون مرادا فلا يلزم من عدم ترتبه على الفعل تخلف المراد عن الارادة فلا يتم الاستدلال واشار المصنف الى جوابه بقوله لما خلقهم على صورة متوجهة الى العبادة مستعدة لها جعل خلقهم مغيا بها وتقريره ان العبادة ليست غاية مترتبة على خلقهما فضلا عن أن تكون عرضا ومرادا حتى يلزم من عدم ترتبتها على خلقهما تخلف المراد عن الارادة وانما دخلت عليها اللام التى حقها ان تدخل على الغرض او على ماشبه به فى كونه مترتبا على الفعل وحاملا عليه فى الجملة تشبيها لها بالغاية المترتبة من حيث ان الجن والانس خلقوا على صورة متوجهة الى العبادة اى صالحة قابلة لها مغلبة اى قادرة عليها متمكنة منها وقد انضم الى خلقهم على تلك الصورة ان هدوا الى العبادة بالدلائل السمعية والعقلية فصاروا بذلك كأنهم خلقوا للعبادة وانها غاية مترتبة على خلقهم فلذلك اطلق عليها اسم الغاية ودخلت عليها لام الغاية مبالغة فى خلقهما على تلك الصورة ولما وجه الآية باخراج اللام عن ظاهر معناها بجعلها للمبالغة فى خلقهم بحيث تتأتى منهم العبادة أشار الى و جه العدول عن الظاهر بقوله ولو حمل على ظاهره لتطرق اليه المنع والابطال وللزم تعارض الآيتين لان من خلق منهم لجهنم لايكون مخلوقا للعبادة انتهى مافى حواشى ابن الشيخ وقال فى بحر العلوم اى وما خلقت هذين الفريقين الا لاجل العبادة وهى قيام العبد بما تعبد به وكلف من امتثال الاوامر والنواهى او الا لأطلب العبادة منهم وقد طلب من الفريقين العبادة فى كتبه المنزلة على انبيائه وهذا التقدير صحيح لاتقدير الارادة لان الطلب لايستلزم المطلوب بخلاف الارادة كما تقرر فى موضعه فيكون حاصله ماقال بعضهم فى تصوير المعنى ليؤمروا بعبادتى كما فى قوله تعالى {أية : وماأمروا الا ليعبدوا الها واحدا}تفسير : وهذا مستمر على مذهب اهل السنة فلو انهم خلقوا للعبادة ماعصموا طرفة عين لكنهم خلقوا للامر التكليفى الطلبى دون الامر الارادى والا لم يتخلف المراد عن الارادة ولما كان لعين العاصى الثابتة فى الحضرة العلمية استعداد التكليف توجه اليها الامر التكليفى ولما لم يكن لتلك العين استعداد الاتيان بالمأمور به لم يتحقق منها المأمور به ولهذا تقع المخالفة والمعصية فان قلت مافائدة التكليف والامر بما يعلم عدم وقوعه قلت فائدة تمييز من له استعداد القبول ممن ليس له استعداد ذلك لتظهر السعادة والشقاوة واهلهما وقيل المراد سعدآء الجنسين كما ان المراد بقوله تعالى {أية : ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس}تفسير : اشقياؤهما ويعضده قرآءة من قرأ وماخلقت الجن والانس المؤمنين بدليل ان الصبيان والمجانين مستثنون من عموم الآية بدليل قوله تعالى {أية : ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس}تفسير : قال ابن الملك فان قلت كيف تكون العبادة علة للخلق ولم تحصل تلك فى اكثر النفوس قلنا يجوز أن يراد من النفوس نفوس المؤمنين لقرآءة ابن عباس رضى الله عنهما وما خلقت الجن والانس من المؤمنين الا ليعبدون وأن يراد مطلقها بأن يكون المراد بالعبادة قابلية تكليفها كما قال عليه السلام "حديث : مامن مولود يولد الا على الفطرة"تفسير : واما ان أريد منها المعرفة فلا اشكال لانها حاصلة للكفرة ايضا كما قال الله تعالى {أية : ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله}تفسير : انتهى وقال مجاهد واختاره البغوى معناه الا ليعرفون ومداره قوله عليه السلام فيما يحكيه عن رب العزة "حديث : كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف"تفسير : ولعل السر فى التعبير عن المعرفة بالعبادة على طريق اطلاق اسم السبب على المسبب التنبيه على ان المعتبر هى المعرفة الحاصلة بعبادته تعالى لا مايحصل بغيرها كمعرفة الفلاسفة كما فى الارشاد وقال بعضهم لم أخلقهم الا لاجل العبادة باختيارهم لينالوا الشرف والكرامة عندى ولم اقسرهم عليها اذلو قسرتهم عليها لوجدت منهم وأنا غنى عنهم وعن عبادتهم والحاصل انهم خلقوا للعبادة تكليفا واختيارا لاجبلة واجبارا فمن وفقه وسدده واقام العبادة التى خلق لها ومن خذله وطرده حرمها وعمل بما يخلق له وفى الحديث "حديث : اعملوا فكل ميسر لما خلق له"تفسير : كما فى عين المعانى وقال الشيخ نجم الدين دايه فى تأويلاته {وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون} لان درة معرفتى مودعة فى صدف عبوديتى وان معرفتى تنقسم قسمين معرفة صفة جمالى ومعرفة صفة جلالى ولكل واحد منهما مظهر والعبودية مشتملة على المظهرين بالانقياد لها والتمرد عنها فمن انقاد لها بالتسليم والرضى كماأمر به فهو مظهر صفات جمالى ولطفى ومن تمرد عليها بالاباء والاستكبار فهو مظهر صفات جلالى وقهرى فحقيقة معنى قوله {وما خلقت الجن والانس الا ليبعدون} اى خلقت المقبولين منهم ليعبدو الله فيكونوا مظهر صفات لطفه وخلقت المردودين منهم ليعبدوا الهوى فيكونوا مظهر صفات قهره هذا المعنى الذى أردت من خلقهم انتهى والحكمة لاتقتضى اتفاق الكل على التوحيد والعبادة والاخلاص والاقبال الكلى على الله فان ذلك مما يخل بأمر المعاش ولذلك قيل لولا الحمقى لخربت الدنيا ولا بد من الغضب لتكميل مرتبة قبضة الشمال فانه وان كان كلتا يديه يمينا مباركة لكن حكم كل واحدة يخالف الاخرى فالارض جميعا قبضته والسموات مطويات بيمينه فاقتضت الحكمة الالهية ظهور ما أضيف اليه كل من اليدين فللواحدة المضاف اليها عموم السعدآء الرحمة والجنان والاخرى القهر والغضب ولوازمهما وقد وجد كلا المقتضيين والمقصود الاصلى وجود الانسان الكامل الذى هو مرآة جماله تعالى وكماله وقد وجد والسواد الاعظم هو الواحد على الحق وقال الواحدى مذهب أهل المعانى فى الآية الا ليخضعوا لى ويتذللوا ومعنى العبادة فى اللغة الذل والانقياد وكل مخلوق من الجن والانس خاضع لقضاء الله تعالى مذلل لمشيئته خلقه على ما أراد ورزقه كما قضى لايملك احد لنفسه خروجا عما خلق عليه وقال ابن عباس رضى الله عنهما الا ليقروا بالعبودية طوعا او كرها يعنى ان المؤمنين يقرون له طوعا والكافرون يقرون له بما جبلهم عليه من الخلقة الدالة على وحدانية الله وانفراده بالخلق واستحقاق العبادة دون غيره فالخلق كلهم بهذا له عابدون وعلى هذا قوله تعالى {أية : وله مافى السموات والارض كل له قانتون}تفسير : على معنى مايوجد منهم من دلائل الحدوث الموجبة لكونها مربوبة مخلوقة مسخرة كما فى التيسير فهذه جملة الاقوال فى هذا الباب وفى خلقهم للعبادة بطريق الحصر اشارة الى ان الربوبية الله تعالى ان العبودية للمخلوقين وهى أخص اوصافهم حتى قالوا انها افضل من الرسالة ولذا قال تعالى {أية : اسرى بعبده}تفسير : لا برسوله وقدم العبد فى أشهد أن محمد عبده ورسوله فمن ادعى الربوبية من المخلوق فليحذر من تهديد الآية وجميع الكمالات لله تعالى وان ظهرت من العبد فالعبد مظهر فقط والظاهر هو الله وكماله والعبادات عشرة اقسام الصلاة والزكاة والصوم والحج وقرءآة قرءآن وذكر الله فى كل حال وطلب الحلال والقيام بحقوق المسلمين وحقوق الصحبة والتاسع الامر بالمعروف والنهى عن المنكر والعاشر اتباع السنة وهو مفتاح السعادة وامارة محبة الله كما قال تعالى {أية : قل ان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله}تفسير : (قال المولى الجامى) شعر : يانبى الله السلام عليك انما الفوز والفلاح لديك كرنرفتم طريق سنت تو هستم از عاصيان امت تو مانداه ام زير با عصيان بست افتم ازباى اكر نيكرى دست تفسير : فينبغى للعبد أن يعبد ربه ويتذلل لخالقه بأى وجه كان من الفراض الواجبات والسنن والمستحبات على الوجه الذى أمره ان يقوم فيه فاذا كملت فرآئضه وكمالها فرض عليه فيتفرغ فيما بين الفرضين لنوافل الخيرات كانت ما كانت ولايحقر شيأ من عمله فان الله ما احتقره حين خلقه واوجبه فان الله ما كلفك بأمر الا وله بذلك الامر اعتناء وعناية حتى كلفك به واذا واظب على ادآء الفرآئض فانه يتقرب الى الله بأحب الامور المقربة اليه ورود فىالخبر الصحيح عن الله تعالى "حديث : ما تقرب الى عبد بشىء احب الى مما افترضته ومايزال العبد يتقرب الى بالنوافل حتى احبه فاذا احببته كنت سمعه الذى به يسمع وبصره الذى به يبصر ويده التى بها يبطش ورجله التى بها يمشى ولئن سألنى لأعطينه ولئن استعاذنى لأعيذنه وماترددت عن شىء انا فاعله ترددى عن قبض نفس عبدى المؤمن يكره الموت وانا اكره مساءته"تفسير : فالقرب الاول هو قرب الفرآئض والقرب الثانى هو قرب النوافل فانظر الى ماتنتجه محبة الله من كون الحق تعالى قوى العبد من السمع والبصر واليد والرجل فواظب على ادآء مايصح به وجود هذه المحبة الالهية من الفرآئض والنوافل ولايصح نفل الا بعد تكملة الفرآئض وفى النفل عينه فروض ونوافل فيما فيه من الفروض تكمل الفرآئض ورود فى الخبر الصحيح انه تعالى يقول "حديث : انظروا فى صلاة عبدى أتمها أم نقصها فان كانت تامة كتبت له تامة وان كان انتقص منها شىء قال انظروا هل لعبدى من تطوع فان كان له تطوع قال الله تعالى اكملوا لعبدى فريضته من تطوعه"تفسير : ثم يؤخذ الاعمال على ذاكم وليست النوافل الا مالها اصل فى الفرآئض ومالا اصل له فى فرض فذلك انشاء عبادة مستقلة يسميها علماء الظاهر بدعة قال الله تعالى {أية : ورهبانية ابتدعوها}تفسير : وسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة حسنة والذى سنها له اجرها واجر من عمل بها الى يوم القيامة من غير ان ينقص من اجورهم شىء ولما لم يكن فى قوة النفل أن يسد مسد الفرض جعل فى نفس النفل فروض ليجبر الفرائض بالفرائض كصلاة النفل بحسب حكم الاصل ثم انها تشتمل على فرآئض من ذكر وركوع وسجود مع كونها فى الاصل نافلة هذه الاقوال والافعال فرآئض فيها ثم اعلم ان امرنا بالاقتداء بالنبى سنة حسنة فان لنا أجرها وأجر من عمل بها واذا تركنا تسنينها اتباعا لكون رسول الله عليه السلام لم يسنها فان اجرك فى اتباعك له فى ترك التسنين اعظم من اجرك فى التسنين فان النبى عليه السلام كان يكره كثرة التكليف على امته ومن سن فقد كلف وكان النبى عليه السلام اولى بذلك ولكن تركه تخفيفا فلهذا قلنا الاتباع فى الترك اولى واعظم اجرا من التسنين فاجعل حالك كما ذكرنا لك ولقد روى عن الامام احمد بن حنبل رحمه الله انه ما اكل البطيخ فقيل له فى ذلك فقال مابلغنى كيف كان رسول الله عليه السلام يأكله فلما لم تبلغ اليه الكيفية فى ذلك تركه وبمثل هذا يقدم علماء هذه الامة على علماء سائر الامم فهذا الامام علم وتحقق قوله تعالى عن نبيه عليه السلام {أية : فاتبعونى يحببكم الله}تفسير : وقوله {أية : لقد كان لكم فى رسول الله اسوة حسنة}تفسير : والاشتغال بما سن من فعل وقول وحال اكثر من أن نحيطه به ونحصيه فيكف ان نتفرغ لنسن فلا تكلف الامة اكثر مما ورد
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وما خلقتُ الجنَّ والإِنس إِلا ليعبدون} أي: إلا لنأمرهم بالعبادة والخضوع لربوبيتي، لا لنستعين بهم على شأن من شؤوني، كما هي عادة السادات في كسب العبيد، ليستعينوا بهم على أمر الرزق والمعاش، ويدلّ على هذا التأويل: قوله تعالى {وما أريد منهم من رزق...} الخ، قال ابن المنير، إلا لأمرهم بعبادته، لا لطلب رزقٍ لأنفسهم، ولا إطعام لي، كما هو حال السادات من الخلق مع عبيدهم، بل الله هو الذي يرزق، وإنما على عباده العبادة له؛ لأنهم مُكلَّفون، ابتلاءً وامتحاناً، أما الإرادة فكما تعلقت بالعبادة تعلقت بما يخالفها، لقوله:{أية : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ}تفسير : [الأعراف: 179]. هـ. وقيل المعنى: ما خلقهم إلا مستعدين للعبادة، متمكنين منها أتم استعداد، وأكمل تمكُّن، فمنهم مَن أطاع، ومنهم مَن كفر، وهو كقولهم: البقرة مخلوقة للحرث، أي: قابلة لذلك، وقد يكون فيها مَن لا يحرث. والحاصل: أنه لا يلزم من كون الشيء مُعدّاً لشيءٍ أن يقع منه جميع ذلك. أو: ما خلقتهم إلا ليتذللوا لي، ولقدرتي، وإن لم يكن ذلك على قواعد شرع، وهذا عام في الكل، طوعاً أو كرهاً؛ إذ كل ما خلق مُنقاد لقدرته وقهريته، عابد له بهذا المعنى. وفي البخاري: وما خلقت أهل السعادة من الفريقين إلا ليُوحِّدون. وقال بعضهم: خلقهم ليفْعلوا، ففعل بعضٌ وترك بعضٌ. وليس فيه حجة لأهل القدر. هـ. منه، والمراد بأهل القدر: المعتزلة، القائلون بأن الله تعالى لم يُرد الكفر والمعاصي، وهو باطل، وسيأتي في الإشارة بقية تحقيق إن شاء الله. {ما أُريد منهم من رزقٍ} أي: ما خلقتهم ليَرزقوا أنفسهم، أو واحداً من عبادي، {وما أُريد أن يُطعمون} قال ثعلب: أن يُطعموا عبادي، وهو إضافة تخصيص، كقوله عليه السلام:"حديث : مَن أكرم مؤمناً فقد أكرمني ومَن آذى مؤمناً فقد آذاني"تفسير : ، والحاصل: أنه تعالى بيَّن أن شأنه مع عباده متعالياً عن أن يكون كشأن السادات مع عبيدهم، حيث يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم، وتهيئة أرزاقهم، أي: ما أريد أن أصرفهم في تحصيل رزقي ولا رزقهم، بل أتفضّل عليهم برزقهم، وبما يصلحهم ويعيشهم من عندي، فليشتغلوا بما خُلقوا له من عبادتي. {إِنَّ الله هو الرزَّاق} أي: يرزق كل مَن يفتقر إلى الرزق، وفيه تلويح بأنه غني عنه، {ذو القوة} ذو الاقتدار، {المتينُ} أي: الشديد الصلب. وقرأ الأعمش "المتِين" بالجر، نعت للقوة، أي: ذو القوة المتينة، وإنما ذكّره لتأول القوة بالاقتدار. {فإِنَّ للذين ظلموا} أنفسهم، بتعريضها للعذاب، حيث كذّبوا الرسولَ صلى الله عليه وسلم، أو: وضعوا التكذيب مكان التصديق، وهم أهل مكة، {ذنوباً} أي: نصيباً وافراً من العذاب، {مثل ذنوب أصحابهم} مثل عذاب نظائرهم من الأمم المحكية. قال الزجاج: الذَنوب في اللغة، النصيب، مأخوذ من مقاسمة السُقاة الماءَ بالذنوب، وهو الدلو العظيم المملوء. {فلا يستعجلون} ذلك النصيب، فإنه لاحق بهم، وهذا جواب النضر وأصحابه حين استعجلوا العذاب. {فويلٌ للذين كفروا} وضع الموصول موضع ضميرهم تسجيلاً عليهم بالكفر، أي: فويلٌ لهم {من يومهِمُ الذي يُوعَدون} أي: من يوم القيامة، أو يوم بدر، والأول أنسب لما في صدر السورة الآتية. الإشارة: اعلم أن الحق - جلّ جلاله - إنما بعث الرسلَ بإظهار الشرائع، ليحوّشوا العباد إلى الله، ويدعوهم إليه كافة، ويأمروهم بالتبتُّل والانقطاع، من غير التفات لمَن سبق له السعادة والشقاء؛ لأن ذلك من سر القدر، وغيب المشيئة لا يجوز كشفه في حالة الدعوة، فقوله تعالى: {وما خلقتُ الجن والإنس إلا ليعبدون} هذا ما يمكن الأمر به في ظاهر الأمر، ويُؤمر بإظهاره في حالة الدعوة، وكون الحق الحق تبارك وتعالى أراد من قوم الكفر والمعاصي من غيب المشيئة، وسر القدر لا يقدح في عموم الدعوة التي تعلقت بالظواهر؛ لأنه من قبيل الحقيقة، وما جاءت الرسل إلا بالشريعة، فالدعاة إلى الله يُعممون الدعوة، ويُحرِّضون على التبتُّل والأنقطاع إلى الله، وينظرون إلى ما يبرز من غيب المشيئة. وقال الورتجبي: عن جعفر الصادق {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} أي: ليعرفوني. هـ. ومداره قوله صلى الله عليه وسلم فيما يحكيه عن رب العزة:"حديث : كنت كنزاً مخفياً لم أُعرف، فأحببتُ أن أُعرف، فخلقت الخلق لأُعرف"تفسير : أي: ما أظهرت الخلق إلا لأُعرف بهم، فتجليت بهم في قوالب العبودية، لتظهر ربوبيتي في قوالب العبودية، فتظهر قدرتي وحكمتي، فسبحان الحكيم العليم. قال أبو السعود: ولعل السر في التعبير عن المعرفة بالعبادة للتبيه على أن المعتَبر هي المعرفة الحاصلة بعبادته تعالى، لا ما يحصل بغيرها، كمعرفة الفلاسفة. هـ. قلت: وكل معرفة وحقيقة لا تصحبها شريعة لا عبرة بها، بل هي زندقة أو دعوى. وبالله التوفيق. وقوله تعالى: {إِن الله هو الرزّاقُ ذو القوة المتين} هذه الآية وأمثالها هي التي غسلت الأمراض والشكوك من قلوب الصدِّيقين، حتى حصل لهم اليقين الكبير، فسكنت نفوسُهم، واطمأنت قلوبهم، فهم في روح وريحان. والأحاديث في ضمان الرزق كثيرة، وأقوال السلف كذلك، وفي حديث أبي سعيد الخدري عنه صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : لو فَرَّ أحدُكم من رِزْقه لتبعه كما يَتْبعه الموتُ"تفسير : وقال أيضاً عن الله عزّ وجل:"يقول:حديث : يا ابن آدم تفرَّغْ لعبادتي، املأ صدرك غِنىً، وأسُد فقرك، وإلا تفعل ملأت يدك شُغلاً"تفسير : ، وقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : مَن كانت الآخرة هَمَّه، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شَمْلَه، وأتته الدنيا وهي صاغرة، ومَن كانت الدنيا همه؛ جعل الله فقرّه بين عينيه، وفرَّق عليه شملَه، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّر له ". تفسير : وقال المحاسبي: قلت لشيخنا: من أين وقع الاضطراب في القلوب، وقد جاء الضمان من الله عزّ وجل؟ قال: من وجهين: من قلة المعرفة وقلة حسن الظن. ثم قال: قلت: شيء غيره؟ قال: نعم، إن الله عزّ وجل وَعَدَ الأرزاق وضمِنها، وغيّب الأوقات، ليختبر أهل العقول، ولولا ذلك لكان كل المؤمنين راضين، صابرين، متوكلين، لكن الله - عزّ وجل - أعلمهم أنه رازقهم، وحلف لهم، وغيّب عنهم أوقات العطاء، فمِن هنا عُرف الخاص من العام، وتفاوت العباد، فمنهم ساكن، ومنهم متحرك، ومنهم ساخط، ومنهم جازع، فعلى قدر ما تفاوتوا في المعرفة تفاوتوا في اليقين. هـ. مختصراً. وبالله التوفيق. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.
الطوسي
تفسير : هذا اخبار من الله تعالى أنه لم يخلق الجن والإنس إلا لعبادته، فاذا عبدوه أستحقوا الثواب، واللام لام الغرض ولا يجوز أن يكون لام العاقبة لحصول العلم بأن كثيراً من الخلق لا يعبدون الله. وفي الآية دلالة على بطلان مذهب المجبره القائلين: بأن الله خلق كثيراً من خلقه للكفر به والضلال عن دينه وخلقهم ليعاقبهم بالنيران، لأنه لا يجوز أن يكون في كلام الله تعالى تناقض، ولا إختلاف وقوله {أية : ولقد ذرأنا لجهنم} تفسير : قد بينا في ما مضى أن اللام لام العاقبة. والمعنى إنه خلق الخلق كلهم لعبادته وتصير عاقبة كثير منهم إلى جهنم بسوء اختيارهم من الكفر بالله وإرتكاب معاصيه. فان قيل: أليس قد خلق الله كثيراً من خلقه لطفاً لغيرهم، فكيف يكون خلقهم لعبادته؟!. قلنا: ما خلقه الله تعالى على ضربين: مكلف، وغير مكلف، فما ليس بمكلف خلقه للطف المكلفين، جماداً كان او حيواناً. وما هو مكلف خلقه لعبادته وإن كان فى خلقه أيضاً لطف للغير، وكأنه يكون خلقه للأمرين ويكون بمنزلة ما خلقته إلا ليعبد مع عبادة غيره لأن عبادة غيره مما هو غرض فى خلقه، ولولا ذلك لم يكن في خلق النبي عليه لطف لغيره، فالتقدير ما خلقته إلا لعبادته مع عبادة غيره به، وهو بمنزلة قول القائل ما أدبت ولدي إلا ليصلح جميعهم أي بتأديبي له مع تأديب غيره الذي يدعوه إلى خلافه، وليس المعنى ما خلقت كل مكلف إلا ليعبد هو فقط. وفى الآية دلالة على انه تعالى لا يريد المباح، لانه ليس من العبادة. وقوله {ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون} معناه نفي الايهام عن خلقهم لعبادته ان يكون ذلك لفائدة تقع وتعود عليه تعالى، فبين انه لفائدة النفع العائد على الخلق دونه تعالى لاستحالة النفع عليه ودفع المضار، لانه غني بنفسه لا يحتاج إلى غيره، وكل الناس محتاجون اليه. ومن زعم ان التأويل ما اريد ان يرزقوا عبادي ولا أن يطعموهم، فقد ترك الظاهر من غير ضرورة. وقال ابن عباس: معنى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} الا ليتقربوا لي بالعبودية طوعاً وكرهاً. ثم بين تعالى انه - جل وعز - هو الرزاق لعباده فقال {إن الله هو الرزاق} والخلق لا يرزقونه {ذو القوة} صاحب القدرة {المتين} ومعناه انه القوي الذي يستحيل عليه العجز والضعف، لانه ليس بقادر بقدرة، بل هو قادر لنفسه، ولانه ليس بجسم، والجسم هو الذي يحلقه ضعف. ومن خفض {المتين} - وهو يحيى ابن وثاب - جعله صفة للقوة، وذكره لانه ذهب إلى الحبل والشيء المفتون يريد القوة، قال الشاعر: شعر : لكل دهر قد لبست أثوبا من ريطة واليمنية المعصبا تفسير : فذكر لان اليمنية ضرب من الثياب وصنف منها، ومن فسر (المتين) بالشديد فقد غلط، لأن الشديد هو الملتف بما يصعب معه تفكيكه. ووصف القوة بأنها أشد يؤذن بالمجاز، وانه بمعنى أعظم. ثم اخبر تعالى بأن {للذين ظلموا} نفوسهم بارتكاب المعاصي {ذنوباً} أي نصيباً وأصله الدّلو الممتلىء ماء، كما قال الراجز: شعر : لنا ذنوب ولكم ذنوب فان ابيتم فلنا القليب تفسير : وقال علقمة: شعر : وفي كل حي قد خبطت بنعمة فحق لشاش من نداك ذنوب تفسير : أي نصيب، وإنما قيل الدّلو: ذنوب، لانها فى طرف الحبل، كأنها في الذنب. وقيل: معناه لهم بلاء وويل. والذنوب الدلو العظيمة يؤنث ويذكر، وقوله {مثل ذنوب أصحابهم} أي مثل نصيب اصحابهم من الكفار الذين تقدموهم {فلا تستعجلون} قل لهم لا تستعجلون بانزال العذاب عليهم، فانهم لا يفوتون. ثم قال {فويل للذين كفروا} وحدانيتي وجحدوا نبوة رسولي {من يومهم الذي يوعدون} فيه بانزال العذاب بالعصاة وهو يوم القيامة، والويل كلمه تقولها العرب لكل من وقع فى مهلكة.
الجنابذي
تفسير : {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}. اعلم، انّ الله تعالى كان غيباً مطلقاً لم يكن منه خبر ولا اسم ولا رسم فأحبّ ان يتجلّى فيعرف كما فى القدسىّ: كنت كنزاً مخفيّاً فأحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكى اعرف، فخلق الخلق لان يتجلّى عليهم فيألفوه، ولا يتجلّى عليهم الاّ اذا صاروا خارجين من انانيّاتهم، ولا يخرجون من انانيّاتهم الاّ بارتياض النّفوس بما قرّره الله تعالى لذلك وليس الاّ العبادات الشّرعيّة، وايضاً لا يخرجون من انانيّاتهم الاّ اذا صاروا عبيداً له تعالى خارجين من عبوديّة انفسهم وليس المقصود من العبادات ولا من العبديّة الاّ ان يصيروا عارفين له متّصلين به منتهين اليه، فالمقصود من قوله الاّ ليعبدون الاّ ليعرفون لكنّه ادّاه بهذه العبارة للاشعار بانّ المعرفة لا تحصل الاّ بالعبادة او بالعبديّة، عن الصّادق (ع) قال: خرج علىّ بن الحسين (ع) على اصحابه فقال: ايّها النّاس انّ الله جلّ ذكره ما خلق العباد الاّ ليعرفوه، فاذا عرفوه عبدوه، واذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه، فقال له رجل: يا بن رسول الله (ص) بابى انت وامّى، فما معرفة الله؟ - قال: معرفة اهل كلّ زمانٍ امامهم الّذى يجب عليهم طاعته، وقوله تعالى {أية : وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ} تفسير : [هود: 118 - 119] ولا يزالون مختلفين الاّ من رحم ربّك ولذلك خلقهم، المستفاد منه انّ خلقهم للاختلاف، وعبادة بعضهم وتمرّد بعضهم لا ينافى ذلك، فانّ الغاية المقصودة والمنظور اليها والمترتّب عليها فعل الفاعل عبادتهم ومعرفتهم ولكن لمّا لم يكن خلق البشر فى عالم الكون من الاضداد الاّ بان يكونوا مختلفين وكان غاية تلك الخلقة المنتهى اليها خلقتهم اختلافهم قال:{أية : وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ} تفسير : [هود: 119] ولذلك خلقهم فلا منافاة بينهما، فانّ العبادة علّة غائيّة لخلقهم والاختلاف غاية مترتّبة عليه.
اطفيش
تفسير : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونَ} عام أريد به الخصوص أي ما خلقت بعضهم الا للعبادة بدليل ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً ومن خلق لجهنم لا يكون للعبادة ويدل له قراءة ابن عباس ما خلقت الجن والانس من المؤمنين الا ليعبدون وقال عليّ الا لأمرهم بالعبادة وقيل ليكونوا عبادي وقيل الا ليعرفوني وقيل الا ليخضعوا لي وقيل الا ليوحدوني وهذه الثلاثة تحتاج الى التأويل المذكور أيضاً فان منهم من لم يعرفه ومن لم يخضع ومن لم يوحده والمراد خضوع الذوات فان كل ذات خاضعة لا تخرج عما أريد بها أو بعضهم يعرفه ويخضع ويوحد حيث ينفعه وهم المؤمنون وبعضهم في الشدة فقط أو عند الموت أو المراد ما خلقتهم الا كما يعبدونني بأن جعلت لهم العقول وأوضحت لهم الشرائع فمنهم من عبد ومنهم من عصى وهذا كما تبري أقلاماً كلها تصلح للكتابة وتكتب ببعض دون بعض وقد لا تكتب بواحد لكن الله عالم بأهل العبادة وأهل المعصية لم يزل وذلك ان الغاية وهى هنا ما يفعل الشيء لأجله لا يلزم وجودها وهذا كما روي عن الحسن ان المعنى بينت لهم سبل العبادة كقوله {أية : إِنَّا هَدَيناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً} تفسير : ولو أراد العبادة منهم على سبيل القهر والالجاء لوجدت من جميع الناس والجن وقالت الروافض المعنى ما خلقتهم الا قاصداً أن يعبدوني جميعاً وعبده بعضهم دون بعض كما تقاتل الناس فبعضهم يذعن ويطيع وبعض لا وهذا منهم كفر قبحهم الله و (اللام) لام المآل أو لام التعليل الحقيقي ان أجزنا تعليل أفعال الله بالأغراض أما الغرض فلا يوصف به الله حقيقة نعم يوصف بأنه فعل كذا الحكمة كذا عند كثير. وذكر صاحب المواهب ان أفعاله لا تعلل بالأغراض وان ما أوهم ذلك فتعليل لحكم ومنافع هى غايات وان معنى {مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونَ} أي قرنتهم بالعبادة وحذفت الياء من يعبدوني ويطعموني ويستعجلوني ويوقف باسكان النون
اطفيش
تفسير : كيف يكفر قومك بى، وما خلقتهم والجن وسائر الناس الا للعبادة، واستدل بعض بالآية على أن الاشتغال بالعبادة والتفرغ اليها أفضل من الكسب للمال ولو على وجه الانتفاع للآخرة، وكذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أوحى الله تعالى إليَّ بأن أجمع المال، أو أكون من التاجرين، ولكنه أوحى إليَّ أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" تفسير : ولا شك أن قدر الكفاية يجب والزائد مباح، وقيل ترك الكسب هو الأولى، فيشتغل بالعبادة حتى اذا احتاج كسب وما تقدم أولى. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : تبايعوا بالبزِّ إنَّ أباكم إبراهيم كان بزازاً" تفسير : قال الله عز وجل: "أية : فإذا قضيت الصلاة" تفسير : [الجمعة: 10] الخ، ويقال: لا ذو الفقر إذا خالطه الكسل، ولا للمرض إذا خالطه الهرم، ولا للعداوة إذا خالطها الحسد، ومن أفضل العبادة الصلاة والسلام على رسوله صلى الله عليه وسلم اذا سمع ذكره فى قراءة الجماعة للقرآن، يصلى عليه كل واحد، لأنه سمعه من أصحابه ومن نفسه اذا قرأه وأهل نفوسة وجربة إذا قرءوه صلوا عليه وسلموا، ومسحوا وجوههم وقالوا: هذا قديم عندنا، وقد يكون من زمان الشيخ عامر أو قبله أو بعده، وسواء ذلك كله لأنه حق يقبل متى قيل به، ومن أى قائل، وكتابتها فى أول لوح القرآن أو غيره جائزة، وقد اعتيدت بعد كتابة البسملة ليفصل بين البسلمة وما يكتب فيه من القرآن، وفى شرح دلائل الخيرات الاجماع على كتابة الصلاة والسلام والبسملة أول الكتاب. وقدم الجن لتقدمهم خلقه على الانس، وللمبالغة فى ايجاب العبادة بالتأكيد والتعميم أمرت الجن بالعبادة فكيف أنتم وأنتم أنسب وأقوى لها، ولم يأمر الملائكة لأن المشركين سلموا أن الملائكة تعبد الله سبحانه وتعالى، ولأنهم لا يصدر منهم العصيان، والكلام مع أهل التكذيب، وفى شأن من يصدر منه الذنب، ولأنهم مستغنون عن التذكير والوعظ إذ طبعوا على أن لا يعصوا، لكن يعبدون الله عز وجل اختيارا، وأما ما قيل لأنه صلى الله عليه وسلم لم يبعث اليهم، فلا نص لأنه مبعوث اليهم والى كل أحد، بل قيل الى كل ذى روح، قيل والى الجمادات، نعم بعث اليهم بمعنى ايجاب الايمان به صلى الله عليه وسلم عليهم، وقد آمنوا به، ومضوا فى سبيلهم، ولم يبعث اليهم من يأمرهم وينهاهم، ولا يعارض بما وقع من هذا شاذا فصح أن يقال بهذا الاعتبار، أنهم لم يذكروا، لأنه لم يبعث اليهم، وقيل دخلوا فى لفظ الجن، لأن مادة الجن للاستتار، وهم كالجن مستترون، وهو غير متبادر، وأل فى الجن والانس للجنس، فلا يشكل بمن لم يكلف كالأطفال، ومن لم يميز، وكالمجنون ومن لا عقل له، وشهر أنها للاستغراق، وعليه فالمراد بالانس والجن والمكلفون، لأن المقام لمن عذر له. وقيل أل للعهد، والمراد المؤمنون، ويدل له: "أية : فإن الذكرى تنفع المؤمنين" تفسير : [الذاريات: 55] وما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قرأ: وما خلفت الجن والانس من المؤمنين إلا ليعبدون، وهو قراءة لابن عباس مروية عنه، والمشهور أن أفعال الله لا تعلل بالأغراض، والحق جواز تعللها بالأغراض، مع بقاء الغنى الذاتى وعلى المنع، فمعنى التعليل باللام أنه خلقهم على وجه يتوصل به من كلف منهم الىعبادته، وتكون غاية لذلك الوجه، وليس المراد أنه أراد منهم كلهم العبادة، أعنى المكلفين لأن لو أرادها لم تتخلف، وعبدوه كلهم، والموجود غير ذلك "أية : ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس"تفسير : [الأعراف: 179] وانما الذى يمكن تخلفه أمره ونهيه، بمعنى أنه أمرهم فلم يأتمروا كلهم، ونهاهم ولم ينتهوا كلهم، بل بعضهم، لمجاورة تعليل أفعاله بالأغراض قيل: اللام للعاقبة تقول: خلق البقر للحرث وليست كلها تحرث، وزعم بعض العبادة، التذلل أى ليذلوا لى، فكل ما سوى الله قد عبده بمعنى خضع له، أى لم نتعاص عنه، أو العبادة الدلالة عليه تعالى: شعر : وفى كل معبود سواك دلائل من الصنع تنبى أنه لك عابد وهل فى التى طاعوا لها وتعبدوا لأمرك عاص أو لحقك جاحد تفسير : وقد قيل: العبادة التوحيد،عن ابن عباس: كل عبادة فى القرآن توحيد، وكلهم وحدوا إلا أن المؤمن يوحد فى الرخاء والشدة والمشرك فى الشدة اذا ركبوا السفينة قالوا: أخلصوا، يوم القيامة يقولون: "أية : والله ربنا ما كنا مشركين" تفسير : [الأنعام: 23] وتفسير الآية بذلك خلاف الظاهر، وعن على وابن عباس: المراد ما خلقهم الا لأمرهم بالعبادة، فعبر عن المسبب أو اللازم وهو العبادة عن السبب، أو الملزوم، وهو المعرفة، وروى أنه تعالى قال: "حديث : كنت كنزاً فخلقت الخلق لأعرف وقد عرفوه يوم الست" تفسير : وكل مولود يولد عن الفطرة ولا يعرف قوله: "كنت كنزا" إلخ حديثا.
الالوسي
تفسير : استئناف مؤكد للأمر مقرر لمضمون تعليله فإن خلقهم لما ذكر سبحانه وتعالى مما يدعوه صلى الله عليه وسلم إلى تذكيرهم ويوجب عليهم التذكر والاتعاظ. ولعل تقديم الجن في الذكر لتقدم خلقهم على خلق الإنس في الوجود، والظاهر أن المراد من يقابلون بهم وبالملائكة عليهم السلام ولم يذكر هؤلاء قيل: لأن الأمر فيهم مسلم، أو لأن الآية سيقت لبيان صنيع المكذبين حيث تركوا عبادة الله تعالى وقد خلقوا لها؛ وهذا الترك مما لا يكون فيهم بل هم عباد مكرمون لا يستكبرون عن عبادته عز وجل، وقيل: لأنه صلى الله عليه وسلم ليس مبعوثاً إليهم فليس ذكرهم في هذا الحكم مما يدعوه عليه الصلاة والسلام إلى تذكيرهم، وأنت تعلم أن الأصح عموم البعثة فالأولى ما قيل بدله لاستغنائهم عن التذكير والموعظة، وقيل: المراد بالجن ما يتناولهم من الاستتار وهم مستترون عن الإنس، وقيل: لا يصح ذكرهم في حيز الخلق لأنهم كالأرواح من عالم الأمر المقابل لعالم الخلق، وقد أشير إليهما بقوله تعالى: { أية : لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ } تفسير : [الأعراف: 54] ورد بقوله سبحانه: { أية : خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْء } تفسير : [الأنعام: 102] و {لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ } ليس كما ظن. والعبادة غاية التذلل، والظاهر أن المراد بها ما كانت بالاختيار دون التي بالتسخير الثابتة لجميع المخلوقات وهي الدلالة المنبهة على كونها مخلوقة وأنها خلق فاعل حكيم، ويعبر عنها بالسجود كما في قوله تعالى: { أية : وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ } تفسير : [الرحمٰن: 6]. وأل في الجن والإنس على المشهور للاستغراق، واللام قيل: للغاية والعبادة وإن لم تكن غاية مطلوبة من الخلق لقيام الدليل على أنه عز وجل لم يخلق الجن والإنس لأجلها أي لإرادتها منهم إذ لو أرادها سبحانه منهم لم يتخلف ذلك لاستلزام / الإرادة الإلۤهية للمراد كما بين في الأصول مع أن التخلف محقق بالمشاهدة، وأيضاً ظاهر قوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنْسِ } تفسير : [الأعراف: 179] يدل على إرادة المعاصي من الكثير ليستحقوا بها جهنم فينافي إرادة العبادة لكن لما كان خلقهم على حالة صالحة للعبادة مستعدة لها حيث ركب سبحانه فيهم عقولاً وجعل لهم حواس ظاهرة وباطنة إلى غير ذلك من وجوه الاستعداد جعل خلقهم مغياً بها مبالغة بتشبيه المعدّ له الشيء بالغاية ومثله شائع في العرف، ألا تراهم يقولون للقوي جسمه: هو مخلوق للمصارعة، وللبقر: هي مخلوقة للحرث. وفي «الكشف» أن أفعاله تعالى تنساق إلى الغايات الكمالية واللام فيها موضوعها ذلك، وأما الإرادة فليست من مقتضى اللام إلا إذا علم أن الباعث مطلوب في نفسه وعلى هذا لا يحتاج إلى تأويل فإنهم خلقوا بحيث يتأتى منهم العبادة وهدوا إليها وجعلت تلك غاية كمالية لخلقهم، وتعوّق بعضهم عن الوصول إليها لا يمنع كون الغاية غاية، وهذا معنى مكشوف انتهى. فتأمل. وقيل: المراد بالعبادة التذلل والخضوع بالتسخير، وظاهر أن الكل عابدون إياه تعالى بذلك المعنى لا فرق بين مؤمن، وكافر، وبر، وفاجر، ونحوه ما قيل: المعنى ما خلقت الجن والإنس إلا ليذلوا لقضائي، وقيل: المعنى ما خلقتهم إلا ليكونوا عباداً لي، ويراد بالعبد العبد بالإيجاد وعموم الوصف عليه ظاهر لقوله تعالى: { أية : إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ أَتِى ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً } تفسير : [مريم: 93] لكن قيل عليه: إن عبد بمعنى صار عبداً ليس من اللغة في شيء، وقيل: العبادة بمعنى التوحيد بناءاً على ما روي عن ابن عباس أن كل عبادة في القرآن فهو توحيد فالكل يوحدونه تعالى في الآخرة أما توحيد المؤمن في الدنيا هناك فظاهر، وأما توحيد المشرك فيدل عليه قوله تعالى: { أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } تفسير : [الأنعام: 23] وعليه قول من قال: لا يدخل النار كافر، أو المراد كما قال الكلبـي: إن المؤمن يوحده في الشدة والرخاء والكافر يوحده سبحانه في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء، كما قال عز وجل: { أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِى ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } تفسير : [العنكبوت: 65] ولا يخفى بعد ذلك عن الظاهر والسياق. ونقل عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما خلقتهم إلا لآمرهم وأدعوهم للعبادة فهو كقوله تعالى: { أية : وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ } تفسير : [البينة: 5] فذكر العبادة المسببة شرعاً عن الأمر أو اللازمة له، وأريد سببها أو ملزومها فهو مجاز مرسل، وأنت تعلم أن أمر كل من أفراد الجن وكل من أفراد الإنس غير متحقق لا سيما إذا كان غير المكلفين كالأطفال الذين يموتون قبل زمان التكليف داخلين في العموم. وقال مجاهد: إن معنى {لِيَعْبُدُونِ } ليعرفون وهو مجاز مرسل أيضاً من إطلاق اسم السبب على المسبب على ما في «الإرشاد»، ولعل السر فيه التنبية على أن المعتبر هي المعرفة الحاصلة بعبادته تعالى لا ما يحصل بغيرها كمعرفة الفلاسفة قيل: وهو حسن لأنهم لو لم يخلقهم عز وجل لم يعرف وجوده وتوحيده سبحانه وتعالى، وقد جاء « حديث : كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف » تفسير : وتعقب بأن المعرفة الصحيحة لم تتحقق في كل بل بعض قد أنكر وجوده عز وجل كالطبيعيين اليوم فلا بد من القول السابق في توجيه التعليل، ثم الخبر بهذا اللفظ ذكره سعد الدين سعيد الفرغاني في «منتهى المدارك»، وذكر غيره كالشيخ الأكبر في الباب المائة والثمانية والتسعين من «الفتوحات» بلفظ آخر وتعقبه الحفاظ فقال ابن تيمية: إنه ليس من كلام النبـي صلى الله عليه وسلم ولا يعرف له سند صحيح ولا ضعيف، وكذا قال الزركشي والحافظ ابن حجر وغيرهما. ومن / يرويه من الصوفية معترف بعدم ثبوته نقلاً لكن يقول: إنه ثابت كشفاً، وقد نص على ذلك الشيخ الأكبر قدس سره في الباب المذكور، والتصحيح الكشفي شنشنة لهم، ومع ذلك فيه إشكال معنى إلا أنه أجيب عنه ثلاث أجوبة ستأتي إن شاء الله تعالى. وقيل: أل في {ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ } للعهد، والمراد بهم المؤمنون لقوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا } تفسير : [الأعراف: 179] الآية أي بناءاً على أن اللام فيها ليست للعاقبة، ونسب هذا القول لزيد بن أسلم وسفيان، وأيد بقوله تعالى قبل: { أية : فَإِنَّ ٱلذّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الذاريات: 55] وأيده في «البحر» برواية ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين » تفسير : ورواها بعضهم قراءة لابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ومن الناس من جعلها للجنس، وقال: يكفي في ثبوت الحكم له ثبوته لبعض أفراده وهو هنا المؤمنون الطائعون وهو في المآل متحد مع سابقه، ولا إشكال على ذلك في جعل اللام للغاية المطلوبة حقيقة وكذا في جعلها للغرض عند من يجوز تعليل أفعاله تعالى بالأغراض مع بقاء الغنى الذاتي وعدم الاستكمال بالغير كما ذهب إليه كثير من السلف والمحدثين، وقد سمعت أن منهم من يقسم الإرادة إلى شرعية تتعلق بالطاعات وتكوينية تتعلق بالمعاصي وغيرها، وعليه يجوز أن يبقي {ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ } على شمولها للعاصين، ويقال: إن العبادة مرادة منهم أيضاً لكن بالإرادة الشرعية إلا أنه لا يتم إلا إذا كانت هذه الإرادة لا تستلزم وقوع المراد كالإرادة التفويضية القائل بها المعتزلة. هذا وإذا أحطت خبراً بالأقوال في تفسير هذه الآية هان عليك دفع ما يتراءى من المنافاة بينها وبين قوله تعالى: { أية : وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ } تفسير : [هود: 118-119] على تقدير كون الإشارة إلى الاختلاف بالتزام بعض هاتيك الأقوال فيها، ودفعه بعضهم بكون اللام في تلك الآية للعاقبة والذي ينساق إلى الذهن أن الحصر إضافي أي خلقتهم للعبادة دون ضدها أو دون طلب الرزق والإطعام على ما يشير إليه كلام بعضهم أخذاً من تعقيب ذلك بقوله سبحانه: {مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ}.
ابن عاشور
تفسير : الأظهر أن هذا معطوف على جملة {أية : كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول}تفسير : [الذاريات: 52] الآية التي هي ناشئة عن قوله: {أية : ففروا إلى الله} تفسير : [الذاريات: 50] إلى {أية : ولا تجعلوا مع الله إلٰهاً آخر}تفسير : [الذاريات: 51] عَطْفَ الغرض على الغرض لوجود المناسبة. فبعد أن نظَّر حالهم بحال الأمم التي صممت على التكذيب من قبلهم أَعقبه بذكر شنيع حالهم من الانحراف عما خلقوا لأجله وغُرز فيهم. فقوله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} خبر مستعمل في التعريض بالمشركين الذين انحرفوا عن الفطرة التي خُلقوا عليها فخالفوا سنتها اتباعاً لتضليل المضلين. والجن: جنس من المخلوقات مستتر عن أعين الناس وهو جنس شامل للشياطين قال تعالى عن إبليس: {أية : كان من الجن}تفسير : [الكهف: 50]. والإِنس: اسم جمعٍ واحدُه إنسي بياء النسبة إلى اسم جمعِه. والمقصود من هذا الإِخبارِ هو الإِنس وإنما ذُكر الجن إدماجاً وستعرف وجه ذلك. والاستثناء مفرغ من علل محذوفة عامة على طريقة الاستثناء المفرغ. واللام في {ليعبدون} لام العلة، أي ما خلقتهم لعلة إلا علة عبادتهم إياي. والتقدير: لإِرادتي أن يعبدون، ويدل على هذا التقدير قوله في جملة البيان: {ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون}. وهذا التقدير يلاحظ في كل لامٍ ترد في القرآن تعليلاً لفعلِ الله تعالى، أي ما أرضَى لوجودهم إلا أن يعترفوا لي بالتفرد بالإِلهية. فمعنى الإِرادة هنا: الرضى والمحبة، وليس معناها الصفةَ الإِلهية التي تخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه على وفق العلم، التي اشتق منها اسمُه تعالى: المريد لأن إطلاق الإِرادة على ذلك إطلاق آخر، فليس المراد هنا تعليل تصرفات الخلق الناشئة عن اكتسابهم على اصطلاح الأشاعرة، أو عن قُدرتهم على اصطلاح المعتزلة على تقارب ما بين الاصطلاحين لظهور أن تصرفات الخلق قد تكون مناقضة لإِرادة الله منهم بِمعنى الإِرادة الصفةِ، فالله تعالى خلق الناس على تركيب يقتضي النظر في وجود الإِله ويسوق إلى توحيده ولكن كسب الناس يجرّف أعمالهم عن المهيع الذي خلقوا لأجله، وأسبابُ تمكُّنِهم من الانحراف كثيرة راجعة إلى تشابك الدواعي والتصرفات والآلات والموانع. وهذا يغني عن احتمالات في تأويل التعليل من قوله: {ليعبدون} من جعل عموم الجن والإِنس مخصوصاً بالمؤمنين منهم، أو تقديرِ محذوف في الكلام، أي إلا لآمُرهم بعبادتي، أو حَمل العبادة بمعنى التذلل والتضرع الذي لا يخلو منه الجميع في أحوال الحاجة إلى التذلل والتضرع كالمرض والقحط وقد ذكرهَا ابن عطية. ويرد على جميع تلك الاحتمالات أن كثيراً من الإِنس غير عابدٍ بدليل المشاهدة، وأن الله حكى عن بعض الجن أنهم غير عابدين. ونقول: إن الله خلق مخلوقات كثيرة وجعل فيها نظماً ونواميس فاندفع كلُّ مخلوق يعمل بما تدفعه إليه نواميس جبلته، فقد تعُود بعض المخلوقات على بعض بنقض ما هُيِّءَ هُوَ لَه ويعود بعضها على غيره بنقض ما يسعى إليه، فتشابكت أحوال المخلوقات ونواميسها، فربما تعاضدت وتظاهرت وربما تناقضت وتنافرت فحدثت من ذلك أحوال لا تُحصى ولا يحاط بها ولا بطرائقها ولا بعواقبها، فكثيراً ما تسفر عن خلاف ما أُعدّ له المخلوق في أصل الفطرة فلذلك حاطها الله بالشرائع، أي فحصل تناقض بين الأمر التكويني والأمر التشريعي. ومعنى العبادة في اللغة العربية قبل حدوثِ المصطلحات الشرعية دقيق الدلالة، وكلمات أيمة اللغة فيه خفية والذي يُستخلص منها أنها إظهار الخضوع للمعبود واعتقاد أنه يملك نفع العابد وضُرّه مِلكاً ذاتياً مستمراً، فالمعبود إله للعابد كما حكى الله قول فرعون {أية : وقومهما لنا عابدون}تفسير : [المؤمنون: 47]. فالحصر المستفاد من قوله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} قصرُ علةِ خلق الله الإِنسَ والجنَّ على إرادته أن يعبدوه، والظاهر أنه قصر إضافي وأنه من قبيل قصر الموصوف على الصفة، وأنه قصر قلب باعتبار مفعول {يعبدون}، أي إلا ليعبدوني وحدي، أي لا ليشركوا غيري في العبادة، فهو ردّ للإِشراك، وليس هو قصراً حقيقياً فإنا وإن لم نطلع على مقادير حِكَم الله تعالى من خَلق الخلائق، لكنَّا نعلم أن الحكمة من خلقهم ليست مُجردَ أن يعبدوه، لأن حِكَم الله تعالى من أفعاله كثيرة لا نُحيط بها، وذكر بعضها كما هنا لما يقتضي عدم وجود حكمة أخرى، ألاَ ترى أن الله ذكر حِكماً للخلق غير هذه كقوله: {أية : ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم}تفسير : [هود: 118، 119] بَلْهَ ما ذكره من حكمة خلق بعض الإِنس والجن كقوله في خلق عيسى {أية : ولنجعله آية للناس ورحمةً منّا}تفسير : [مريم: 21]. ثم إن اعتراف الخلقِ بوحدانية الله يَقْشَع تكذيبهم بالرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم ما كذَّبوه إلا لأنه دعاهم إلى نبذ الشرك الذي يزعمون أنه لا يسع أحداً نبذُه، فإذا انقشع تكذيبهم استتبع انقشاعُه امتثالَ الشرائع التي يأتي بها الرسول صلى الله عليه وسلم إذا آمنوا بالله وحده أطاعوا ما بلَّغهم الرسول صلى الله عليه وسلم عنه، فهذا معنى تقتضيه عبادةُ الله بدلالة الالتزام، وذلك هو ما سُمي بالعبادة بالإطلاق المصطلح عليه في السُنَّة في نحو قوله: «حديث : أن تعبد اللَّه كأنك تراه»تفسير : ؛ وليس يليق أن يكون مراداً في هذه الآية لأنه لا يطرد أن يكون علةً لخلق الإنسان فإن التكاليف الشرعية تظهر في بعض الأمم وفي بعض العصور وتتخلف في عصور الفترات بين الرسل إلى أن جاء الإِسلام، وأحسب أن إطلاق العبادة على هذا المعنى اصطلاح شرعي وإنْ لم يرد به القرآن لكنه ورد في السنة كثيراً وأصبح متعارفاً بين الأمة من عهد ظهور الإِسلام. وأن تكاليف الله للعباد على ألسنة الرسل ما أراد بها إلا صلاحَهم العاجل والآجل وحصولَ الكمال النفساني بذلك الصلاح، فلا جَرم أَنَّ الله أراد من الشرائع كمال الإِنسان وضبطَ نظامه الاجتماعي في مختِلف عصوره. وتلك حكمة إنشائه، فاستتبع قولُه: {إلا ليعبدون} أنه ما خلقهم إلا لينتظم أمرهم بوقوفهم عند حدود التكاليف التشريعية من الأوامر والنواهي، فعبادة الإِنسان ربَّه لا تخرج عن كونها محقِّقة للمقصد من خَلقه وعلَّةً لحصوله عادةً. وعن مجاهد وزيد بن أسلم تفسير قوله: {إلا ليعبدون} بمعنى: إلاّ لآمرهم وأنهاهم. وتَبع أبو إسحاق الشاطبي هذا التأويل في النوع الرابع من كتاب المقاصد من كتابه عنوان التعريف «الموافقات» وفي محمل الآية عليه نظر قد علمتَه فحققْهُ. وما ذكر الله الجن هنا إلا لتنبيه المشركين بأن الجن غير خارجين عن العبودية لله تعالى. وقد حكى الله عن الجن في سورة الجن قول قائلهم: {أية : وأنه كان يقول سفيهنا على اللَّه شططاً}تفسير : [الجن: 4]. وتقديم الجن في الذكر في قوله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} للاهتمام بهذا الخبر الغريب عند المشركين الذين كانوا يعبدون الجن، ليعلموا أن الجن عباد لله تعالى، فهو نظير قوله: {أية : وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه بل عباد مكرمون}تفسير : [الأنبياء: 26]. وجملة {ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يُطعمون} تقرير لمعنى {إلا ليعبدون} بإبطال بعض العلل والغايات التي يقصدها الصانعون شيئاً يصنعونه أو يتخذونه، فإن المعروف في العرف أن من يتخذ شيئاً إنما يتخذه لنفع نفسه، وليست الجملة لإِفادة الجانب المقصور دُونَه بصيغة القصر لأن صيغة القصر لا تحتاج إلى ذكر الضد. ولا يَحسن ذكر الضد في الكلام البليغ. فقوله: {ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يُطعمون} كناية عن عدم الاحتياج إليهم لأن أشد الحاجات في العرف حاجة الناس إلى الطعام واللباس والسكن وإنما تحصل بالرزق وهو المال، فلذلك ابتدىء به ثم عطف عليه الإِطعام، أي إعطاء الطعام لأنه أشد ما يحتاج إليه البشر، وقد لا يَجده صاحب المال إذا قحط الناس فيحتاج إلى من يسلفه الطعامَ أو يُطعمه إياه، وفي هذا تعريض بأهل الشرك إذ يُهدون إلى الأصنام الأموال والطعام تتلقاه منهم سدنة الأصنام. والرزق هنا: المال كقوله تعالى: {أية : فابتغوا عند الله الرزق}تفسير : [العنكبوت: 17] وقوله: {أية : اللَّه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر}تفسير : [الرعد: 26] وقوله: {أية : ومن قُدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه اللَّه}تفسير : [الطلاق: 7]، ويطلق الرزق على الطعام كقوله تعالى: {أية : ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً}تفسير : [مريم: 62] ويمنع من إرادته هنا عطف {وما أريد أن يطعمون}.
الشنقيطي
تفسير : اختلف العلماء في معنى قوله {لِيَعْبُدُونِ}، فقال بعضهم المعنى ما خلقتهم إلا ليعبدني السعداء منهم ويعصيني الأشقيا، فالحكمة المقصودة من إيجاد الخلق التي هي عبادة الله حاصلة بفعل السعداء منهم كما يدل عليه قوله تعالى:{أية : فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ}تفسير : [الأنعام: 89]، وهذا القول نقله ابن جرير عن زيد بن أسلم وسفيان. وغاية ما يلزم على هذا القول أنه أطلق فيها المجموع وأراد بعضهم. وأمثال ذلك كثيرة في القرآن، ومن أوضحها قراءة حمزة والكسائي، فإن قتلوكم فاقتلوهم، من القتل لا من القتال، وقد بينا هذا في مواضع متعددة، وذكرنا أن من شواهده العربية قول الشاعر: شعر : فسيف بني عبس وقد ضربوا به نبا من يَدَيْ ورقاء عن رأس خالد تفسير : فتراه نسب الضرب لبني عبس مع تصريحه أن الضارب الذي نبا بيده السيف عن رأس خالد يعني ابن جعفر الكلابي، هو ورقاء يعني ابن زهير العبسي. وقد قدمنا في الحجرات أن من ذلك قوله تعالى {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا}تفسير : [الحجرات: 14] الآية بدليل قوله: {أية : وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِر}تفسير : [التوبة: 99] - إلى قوله - {أية : سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [التوبة: 99]. وقال بعض العلماء: معنى قوله: {إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}: أي "إلا ليقروا لي بالعبودية طوعاً أو كرهاً" لأن المؤمن يطيع باختياره والكافر مذعن منقاد لقضاء ربه جبراً عليه، وهذا القول رواه ابن جرير عن ابن عباس واختاره، ويدل له قوله تعالى: {أية : وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً}تفسير : [الرعد: 15] الآية، والسجود والعبادة كلاهما خضوع وتذلل لله جل وعلا، وقد دلت الآية على أن بعضهم يفعل ذلك طوعاً وبعضهم يفعله كرهاً. وعن مجاهد أنه قال: {إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}: أي إلا ليعرفوني. واستدل بعضهم لهذا القول بقوله:{أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ}تفسير : [الزخرف: 87] ونحو ذلك من الآيات. وهو كثير في القرآن، وقد أوضحنا كثرته فيه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}تفسير : [الإسراء: 9]. وقال بعض أهل العلم: وهو مروي عن مجاهد أيضاً معنى قوله: {إلاَّ لِيَعْبُدُونِ}: أي إلا لآمرهم بعبادتي فيعبدني من وفقته منهم لعبادتي دون غيره، وعلى هذا القول: فإرادة عبادتهم المدلول عليهم باللام في قوله: {لِيَعْبُدُونِ} إرادة دينية شرعية وهي الملازمة للأمر، وهي عامة لجميع من أمرتهم الرسل لطاعة الله الا إرادة كونية قدرية، لأنها لو كانت كذلك لعبده جميع الإنس والجن، والواقع خلاف ذلك بدليل قوله تعالى{أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ}تفسير : [الكافرون: 1-3] إلى آخر السورة. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق إن شاء الله في معنى هذه الآية الكريمة {إلاَّ لِيَعْبُدُونِ} في إلا لآمرهم بعبادتي وأبتليهم أي أختبرهم بالتكاليف ثم أجازيهم على أعمالهم، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وإنما قلنا إن هذا هو التحقيق في معنى الآية، لأنه تدل عليه آيات محكمات من كتاب الله، فقد صرح تعالى في آيات من كتابه أنه خلقهم ليبتليهم أيهم أحسن عملاً، وأنه خلقهم ليجزيهم بأعمالهم. قال تعالى في أول سورة هود: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ }تفسير : [هود: 7]، ثم بين الحكمة في ذلك فقال:{أية : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}تفسير : [هود: 7]. وقال تعالى في أول سورة الملك:{أية : ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}تفسير : [الملك: 2]. وقال تعالى في أول سورة الكهف:{أية : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً}تفسير : [الكهف: 7]الآية. فتصريحه جل وعلا في هذه الآيات المذكورة بأن حكمة خلقه للخلق، هي ابتلاؤهم أيهم أحسن عملاً، يفسر قوله {لِيَعْبُدُونِ}. وخير ما يفسر به القرآن القرآن. ومعلوم أن نتيجة العمل المقصود منه لا تتم إلا بجزاء المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ولذا صرح تعالى بأن حكمة خلقهم أولاً وبعثهم ثانياً، هو جزاء المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وذلك في قوله تعالى في أول يونس:{أية : إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ}تفسير : [يونس: 4]، وقوله في النجم:{أية : وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى}تفسير : {النجم: 31]. وقد أنكر تعالى على الإنسان حسبانه وظنه أنه يترك سدى، أي مهملاً، لم يؤمر ولم ينه، وبين أنه ما نقله من طور إلى طور حتى أوجده إلا ليبعثه بعد الموت أي ويجازيه على عمله، قال تعالى:{أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ}تفسير : [القيامة: 36-37] - إلى قوله - {أية : أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ }تفسير : [القيامة: 40]. والبراهين على البعث دالة على الجزاء، وقد نزه تعالى نفسه عن هذا الظن الذي ظنه الكفار به تعالى، وهو أنه لا يبعث الخلق ولا يجازيهم منكراً ذلك عليهم في قوله: {أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ}تفسير : [المؤمنون: 115-116]. وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في أول سورة الأحقاف في الكلام على قوله تعالى: {أية : مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًى}تفسير : [الأحقاف: 3]. تنبيه اعلم أن الآيات الدالة على حكمة خلق الله للسماوات والأرض وأهلهما وما بينهما قد يظن غير المتأمل أن بينهما اختلافاً، والواقع خلاف ذلك. لأن كلام الله لا يخالف بعضه بعضاً، وإيضاح ذلك أن الله تبارك وتعالى ذكر في بعض الآيات أن حكمة خلقه للسماوات والأرض هي إعلام خلقه بأنه قادر على كل شيء، وأنه محيط بكل شيء علماً، وذلك في قوله تعالى في آخر الطلاق:{أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِّتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمَا}تفسير : [الطلاق: 12]. وذكر في مواضع كثيرة من كتابه أنه خلق الخلق ليبين للناس كونه هو المعبود وحده، كقوله تعالى {أية : وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ}تفسير : [البقرة: 163]، ثم أقام البرهان على أنه إله واحد بقوله بعده {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ}تفسير : [البقرة: 164] - إلى قوله - {أية : لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}تفسير : [البقرة: 164] ولما قال:{أية : يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُم}تفسير : [البقرة: 21] بين أن خلقهم برهان على أنه المعبود وحده بقوله بعده {أية : ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}تفسير : [البقرة: 21] الآية. والاستدلال على أن المعبود واحد بكونه هو الخالق كثير جداً في القرآن، وقد أوضحنا الآيات الدالة عليه في أول سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى:{أية : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً}تفسير : [الفرقان: 2-3]الآية، وفي سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى {أية : أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}تفسير : [الرعد: 16] الآية، وفي غير ذلك من المواضع. وذكر في بعض الآيات أنه خلق السماوات والأرض ليبتلي الناس، وذلك في قوله:{أية : وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً }تفسير : [هود: 7]. وذكر في بعض الآيات أنه خلقهم ليجزيهم بأعمالهم وذلك في قوله:{أية : إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ}تفسير : [يونس: 4] الآية، وذكر في آية الذاريات هذه أنه ما خلق الجن والإنس إلا ليعبدوه، فقد يظن غير العالم أن بين هذه الآيات اختلافاً مع أنها لا اختلاف بينها، لأن الحكم المذكور فيها كلها راجع إلى شيء واحد، وهو معرفة الله وطاعته ومعرفة وعده ووعيده، فقوله:{أية : لِّتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}تفسير : [الطلاق: 12] وقوله: {أية : ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم}تفسير : [البقرة: 21] راجع إلى شيء واحد هو العلم بالله، لأن من عرف الله أطاعه ووحده. وهذا العلم يعلمهم الله إياه ويرسل لهم الرسل بمقتضاه ليهلك من هلك عن بينة، ويحيي من حيي عن بينه، فالتكليف بعد العلم، والجزاء بعد التكليف، فظهر بهذا اتفاق الآيات لأن الجزاء لا بد له من تكليف، وهو الابتلاء المذكور في الآيات والتكليف لا بد له من علم، ولذا دل بعض الآيات على أن حكمة الخلق للمخلوقات هي العلم بالخالق، ودل بعضها على أنها الابتلاء، ودل بعضها على أنها الجزاء، وكل ذلك حق لا اختلاف فيه، وبعضه مرتب على بعض. وقد بينا معنى {إلاَّ لِيَعْبُدُونَ} في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في سورة هود في الكلام على قوله تعالى:{أية : وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُم}تفسير : [هود: 119] وبينا هناك أن الإرادة المدلول عليها باللام في قوله {وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ} أي ولأجل الاختلاف إلى شقي وسعيد خلقهم، وفي قوله: {أية : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْس}تفسير : [الأعراف: 179] إرادة كونية قدرية، وأن الإرادة المدلول عليها باللام في قوله: {إلاَّ لِيَعْبُدُونَ}، إرادة دينية شرعية. وبينا هناك أيضاً الأحاديث الدالة على أن الله خلق الخلق منقسماً إلى شقي وسعيد، وأنه كتب ذلك وقدره قبل أن يخلقهم. وقال تعالى:{أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ}تفسير : [التغابن: 2]: وقال: {أية : فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ}تفسير : [الشورى: 7]. والحاصل: أن الله دعا جميع الناس على ألسنة رسله إلى الإيمان به وعبادته وحده وأمرهم بذلك وأمره بذلك مستلزم للإرادة الدينية الشرعية، ثم إن الله جل وعلا يهدي من يشاء منهم ويضل من يشاء بإرادته الكونية القدرية، فيصيرون إلى ما سبق به العلم من شقاوة وسعادة، وبهذا تعلم وجه الجمع بين قوله:{أية : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْس}تفسير : [الأعراف: 179]. وقوله:{أية : وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُم}تفسير : [هود: 119]، وبين قوله {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وإنما ذكرنا أن الإرادة قد تكون دينية شرعية، وهي ملازمة للأمر والرضا، وقد تكون كونية قدرية وليست ملازمة لهما، لأن الله يأمر الجميع بالأفعال المرادة منهم ديناً، ويريد ذلك كوناً وقدراً من بعضهم دون بعض، كما قال تعالى:{أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ أِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}تفسير : [النساء: 64]، فقوله: إلا ليطاع: أي فيما جاء به من عندنا، لأنه مطلوب مراد من المكلفين شرعاً وديناً، وقوله: بإذن الله يدل على أنه لا يقع من ذلك إلا ما أراده الله كوناً وقدراً، والله جل وعلا يقول:{أية : وَٱللَّهُ يَدْعُوۤ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍِ}تفسير : [يونس: 25] والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:"حديث : كلٌّ ميسر لما خلق له"تفسير : . والعلم عند الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : (56) - وَاللهُ تَعَالى لَمْ يَخْلُقِ الإِنْسَ وَالجِنَّ إلاَّ لِيَعْرِفُوهُ، وَيَقُومُوا بِعِبَادَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَحَمْدِهِ عَلَى أنْعُمِهِ التي لا تُحصَى. لِيَعْبُدونِ - لِيَعْرِفُوني أوْ لِيَخْضَعُوا لِي وَيَتَذَلَّلُوا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ ..} [الذاريات: 56] الخَلْق هو إيجاد المادة من عدم وتصويرها على غير مثال سابق، والخَلْق بهذه الصورة لا يكون إلا لله وحده، ومع ذلك لم يحرم خَلْقه من هذه الصفة، فأعطاهم صفة الخَلْق على قدرهم. وقال سبحانه عن نفسه: {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}تفسير : [المؤمنون: 14] فأنت خالق حينما تبرز للوجود شيئاً جديداً لم يكُنْ من قبل، كالذي يصنع الكوب مثلاً من الرمل يُسمَّى خالق لأنه أوجده، نعم هو خالق ولم يُحرم ثمرة جهده. أما الحق سبحانه فهو أحسن الخالقين، ومعلوم أن البشر يخلقون من مادة موجودة، أما الحق سبحانه فيخلق من غير موجود، البشر يخلقون مادة جامدة لا حياةَ فيها، أما الخالق سبحانه فيخلق خَلْقاً حياً مُتجدداً ينمو ويكبر، إلى غير ذلك من الوجوه في هذه المسألة، فنحن نخلق لكن الله أحسنُ الخالقين. ثم إن الحق سبحانه خَصَّ هنا الجنَّ والإنس في مسألة العبادة، ولم يذكر خَلْقاً آخر أعظم هم الملائكة، قالوا: لم يذكر الملائكة في هذا المقام لأنهم خُلِقوا للعبادة وليس لهم اختيار فيها، فهم مخلوقون بدايةً، ومُهيَّئون لعبادة الله، وجُبِلوا على ذلك {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}تفسير : [التحريم: 6]. والحديث هنا عن الخَلْق المختار الذي ينتظر منه الطاعة، وينتظر منه العصيان. فإنْ قلتَ: فلماذا قدَّم الجن على الإنس في هذه المسألة؟ قال بعض العلماء: قدَّم الجن على الإنس، لأن العبادة إما سرية وإما جهرية، وعبادة الجن سِرية لأننا لا نراهم، والعبادة السرية أفضل لأنها لا يدخلها الرياء، أما عبادة الإنس فجهرية في الغالب ويدخلها الرياء. وهذا القول يمكن الردّ عليه بأن عبادة الجن سرية بالنسبة لنا، لأننا لا نراهم لكن جهرية بالنسبة لجنسه، ويمكن أيضاً أنْ يدخلها الرياء، فهم يرى بعضهم بعضاً. لكن يمكن توجيه المسألة توجيهاً آخر، فنقول: لو أنك قرأتَ القرآن باستيعاب لوجدتَ أن الجن خُلِقوا قبلنا {أية : وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ}تفسير : [الحجر: 27] فقدَّمه على الإنس لأنه خُلِق قبلهم. ثم إن معظم انصراف الإنس عن العبادة بسبب الشيطان وهو من الجن {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ..}تفسير : [الكهف: 50] ولهذا قدِّموا علينا في مسألة العبادة. والأسلوب في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] أسلوب قصر. أي: قصر خَلْق الإنس والجن على العبادة، فهي العلة الوحيدة لهذا الخَلْق، ما خلقهم لشيء آخر سوى عبادته سبحانه. والعبادة تعني طاعة العابد للمعبود في أمره ونهيه، وهذه العبادة بهذا المعنى هي العبادة الحق، وهي مطلوب الله من العباد، لذلك لا يقبل الله إلا ما كان له خالصاً. وهذه العبادة الحق لا يأتي بها كُلُّ الخلق، بل يأتي كُلٌّ منهم على قدر روحه وعلى قدْر نظره للإله الحق الذي يعبده. والناس كبشر متفاوتون في هذه المسألة، وأعلاهم فيها هم الرسل، وأفضل الرسل خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، فهو الذي حقَّق العبادة على وفْق مراد الحق سبحانه منها. لذلك البعض يغالي فيقول: ما خُلق الكون كله إلا من أجل محمد صلى الله عليه وسلم، ونقول، يكفي أنه صلى الله عليه وسلم أحسنُ عابد لله، لأن العبادة معنى، والمعنى لا يتحقق إلا بعابد حَقٍّ، وهو الذي يؤدي المراد لله. وهذا العابد الحق لا يأتي من الناس العاديين، إنما يأتي من الأنبياء وسيد الأنبياء وخاتمهم سيدنا رسول الله، فهو خير مَنْ حقق العبادة لله. إذن: علَّة الخَلْق هي العبادة، والله تعالى مُنزَّه في أفعاله عن العلة، فهو سبحانه يفعل ما شاء لما شاء فيما شاء. والعلة الممنوعة في أفعاله تعالى العلة التي تعود عليه سبحانه. أما العِلة التي تعود على غيره فلها تعليل، فالعبادة ليستْ له سبحانه إلا لمصلحة الخَلْق جميعاً، لأنها هي التي تسعدهم في الدنيا وتُنجيهم في الآخرة، ولا يعود على الله منها شيء، لأنه سبحانه الغني عن خَلْقه، فلا تنفعه طاعتهم ولا تضره معصيتهم. فقد خلق الخَلْق بكامل صفات الكمال فيه، فلم يزدد بهذا الخلق صفة لم تكُنْ له من قبل، فهو خالق قبل أنْ يخلق، ورازقٌ قبل أن يرزق، ومُسبَّح قبل أنْ يُوجد ما يُسبِّحه. وإذا كانت العبادة كما قلنا طاعة العابد للمعبود في أمره افعل ولا تفعل، فهي بهذا المعنى تشمل حركة الحياة كلها، ولا تقتصر على الصلاة والصيام والزكاة كما يريدها البعض من الذين يعزلون الدين عن حركة الحياة. يقولون: لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة. وهذا قول باطل وغير صحيح، والذين فعلوا ذلك يريدون أنْ يجعلوا لأنفسهم سلطة زمنية تخضع لأهوائهم ليفعلوا ما يريدون. لقد تعمدوا عدم الارتباط بمنهج السماء في إدارة شئون الأرض، لأن منهم السماء يقيد حركتهم، ونسُوا أنه أيضاً يقيد حركة المحكومين لمصالحهم. إذن: منهج الله شمل الحياة كلها، من قمة لا إله إلا الله إلى إماطة الأذى عن الطريق، ولو كان الأمر كما يقولون أنترك القاتل فلا يُقتل، ونترك الزاني فلا نقيم عليه الحد، ونترك شارب الخمر، ونترك المفسدين يفسدون، ونترك الناس لا يتناهون عن منكر فعلوه؟ إذن: ماذا يريدون من تعطيل شرع الله وعزله عن حركة الحياة، الحق سبحانه جعل العبادة لصالح الخلق، تنظم حركة حياتهم وتسعدهم. ودائماً في هذه المسألة نذكر الحديث القدسى: "حديث : يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في مُلكى شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً ". تفسير : فكيف نُقصي دين الله عن حركة حياتنا، وقد تدخل في أبسط الأمور، حديث : فدخل رجل عاصٍ الجنة لأنه سقى كلباً، ودخلتْ امرأة النار في هرة حبستهاتفسير : ، فما بالك بالإنسان الذي كرَّمه الله، أنهتم بسياسة الكلاب ونترك سياسة البشر؟ وورد أيضاً في الحديث القدسي: "حديث : يا بن آدم، خلقتُك لعبادتي فلا تلعب"تفسير : يعني جدّ في حركة الحياة، لأن اللعب حركة بلا فائدة وبلا مغزى، والله يريد لحركة العباد أنْ تكون حركة نافعة ذات مغزى. فلو أنك أخذت جانب العبادة وأهمها الصلاة مثلاً، ألستَ تحتاج لإقامة هذا الواجب إلى ستر العورة كيف؟ ثياب تلبسها، كيف تصل إليك هذه الثياب؟ تأمل من أول زراعة القطن إلى أنْ يصلك ثوب تلبسه، إنها رحلة طويلة من السعي والعمل والجد، يشترك فيها آلاف يخدمونك في هذه المسألة. إذن: حركة الحياة ليست هي الصلاة فحسب، بل كل ما يعينني على أداء الصلاة وكل ما يعينني على أداء الزكاة والصوم والحج. إذن: العبادة أمر شائع في كل حركة الحياة، فكيف نفصل الدين عن حركة الحياة كلها، فضلاً عن أنْ نفصله عن سياسة أمر الخَلْق وتدبير شئونهم؟ وقوله سبحانه: {مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ} [الذاريات: 57]. أي: ما أريد من خَلْقي أنْ يرزقوني، نعم لأنه هو سبحانه الرزاق المتكفّل بأرزاق كُلِّ الخلق، فكيف ينتظر منهم رزقاً، وهو يرزق مؤمنهم، ويرزق كافرهم؟ كيف وهو موجود سبحانه قبل أنْ يُوجدوا، وله صفات الكمال كلها قبل أنْ يخلقهم. ومن باطن هذا الرزق يرزق الناسُ بعضهم بعضاً، فرزق هذا من يد هذا، والحق سبحانه وتعالى يشجع العبد على أنْ يعطي فيقول له: حينما ترزق عبدي فكأنك رزقتني، وحينما تعطيه كأنك أعطيتني. ذلك لأنه تعالى هو الذي خلق الناس واستدعاهم إلى الوجود، وتكفَّل لهم بالرزق، فيد الله ممدودة لخَلْقه بخَلْقه، لذلك سمَّى الصدقة على الفقير قرضاً، فقال: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ..}تفسير : [البقرة: 245]. وفي الحديث القدسي: "حديث : يا بن آدم مرضتُ فلم تعدني، فيقول العبد: يا رب كيف أعودك وأنتَ رَبُّ العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عُدْتَه لوجدتني عنده. يا بن ادم استطعمتك فلم تطعمني، فيقول: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول: لقد استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمتَ أنك لو أطعمته لوجدتَ ذلك عندي ... ". تفسير : إذن: فعل الخير يقع في يد الله قبل أنْ يقع في يد العبد، والحق سبحانه وتعالى لو أراد لأنزلَ رزقه إلى عباده مباشرة، لكن جعله من أيدي الناس لأيدي الناس ليزرع بينهم الألفة والمودة والمحبة، ويشيع بينهم التراحم وعدم الاستكبار، فالله يريد المجتمع أنْ تكاتف وأنْ يتعاون. وقوله تعالى: {وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ} [الذاريات: 57] فعطف الطعام على الرزق، لماذا؟ سبق أنْ بيَّنا أن الرزق هو كلّ ما يُنتفع به، وعلى هذا فالعلم رزق، والحلم رزق، والكرم رزق، والصحة رزق وهكذا، فالرزق هنا الرزق العام لذلك خَصَّ بعده الطعام لأنه أظهر شيء في الرزق، وبه تقوم الحياة وتستبقي. قالوا: ولم يذكر الشراب لأنه داخل في الطعام. {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ} [الذاريات: 58] السياق هنا يؤكد على هذه الحقيقة ليرسخها في الأذهان، ليطمئن كلٌّ منا على أن رزقه مضمون {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ..} [الذاريات: 58] فاستخدم إن ثم ضمير المنفصل هو {ذُو ٱلْقُوَّةِ ..} [الذاريات: 58] أي: صاحب القوة. وهذا يعني أن الذات شيء، والقوة شيء منفصل عنها. وفي موضع آخر يتكلم عن القوة والغلبة فيقول: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}تفسير : [المجادلة: 21] فالقوة هنا في الذات، فلم يقل هنا ذو قوة. لأن المقام مقام بيان للغلبة في وجه المعاندين. لذلك قال {أية : قَوِيٌّ ..}تفسير : [المجادلة: 21] والقوي هو الذي يغلب، لكن قد تتكاتف عليه قوى أخرى تغلبه، فقال {أية : عَزِيزٌ}تفسير : [المجادلة: 21] يعني: غالب لا يُغلب أبداً. وهنا قال: {ٱلْمَتِينُ} [الذاريات: 58] أي: الشديد في قوته، لأن القوة قد يصيبها الوهن فتضعف.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} معناه الا لِيُقرّوا بالوحدانيةِ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذه الغاية، التي خلق الله الجن والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته، المتضمنة لمعرفته ومحبته، والإنابة إليه والإقبال عليه، والإعراض عما سواه، وذلك يتضمن معرفة الله تعالى، فإن تمام العبادة، متوقف على المعرفة بالله، بل كلما ازداد العبد معرفة لربه، كانت عبادته أكمل، فهذا الذي خلق الله المكلفين لأجله، فما خلقهم لحاجة منه إليهم. فما يريد منهم من رزق وما يريد أن يطمعوه، تعالى الله الغني المغني عن الحاجة إلى أحد بوجه من الوجوه، وإنما جميع الخلق، فقراء إليه، في جميع حوائجهم ومطالبهم، الضرورية وغيرها، ولهذا قال: { إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ } أي: كثير الرزق، الذي ما من دابة في الأرض ولا في السماء إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها، { ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ } أي: الذي له القوة والقدرة كلها، الذي أوجد بها الأجرام العظيمة، السفلية والعلوية، وبها تصرف في الظواهر والبواطن، ونفذت مشيئته في جميع البريات، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يعجزه هارب، ولا يخرج عن سلطانه أحد، ومن قوته، أنه أوصل رزقه إلى جميع العالم، ومن قدرته وقوته، أنه يبعث الأموات بعد ما مزقهم البلى، وعصفت بترابهم الرياح، وابتلعتهم الطيور والسباع، وتفرقوا وتمزقوا في مهامه القفار، ولجج البحار، فلا يفوته منهم أحد، ويعلم ما تنقص الأرض منهم، فسبحان القوي المتين.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 909 : 5 : 3 - سفين عن بن جريج عن زيد بن أسلم في قوله {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} قال، ما جبلوا عليه من الشقاء والسعادة. [الآية 56].
همام الصنعاني
تفسير : 2997- حدثنا عبد الرزاق، عن الثَّوري، عن ابن جُرَيْج، عن زيل بن أ سلم في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَآ أُرِيدُ مِنْهُم}: [الآية: 56-57]، قال: ما جُبِلُوا عليه من الطَّاعة والمعصية.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):