٥١ - ٱلذَّارِيَات
51 - Adh-Dhariyat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
57
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه جواب سؤال وهو أن الخلق للغرض ينبىء عن الحاجة، فقال ما خلقتهم ليطعمون والنفع فيه لهم لا لي، وذلك لأن منفعة العبد في حق السيد أن يكتسب له، إما بتحصيل المال له أو بحفظ المال عليه، وذلك لأن العبد إن كان للكسب فغرض التحصيل فيه ظاهر، وإن كان للشغل فلولا العبد لاحتاج السيد إلى استئجار من يفعل الشغل له فيحتاج إلى إخراج مال، والعبد يحفظ ماله عليه ويغنيه عن الإخراج فهو نوع كسب فقال تعالى: {مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ } أي لست كالسادة في طلب العبادة بل هم الرابحون في عبادتهم، وفيه وجه آخر وهو أن يقال هذا تقرير لكونهم مخلوقين للعبادة، وذلك لأن الفعل في العرف لا بد له من منفعة، لكن العبيد على قسمين قسم منهم يكون للعظمة والجمال كمماليك الملوك يطعمهم الملك ويسقيهم ويعطيهم الأطراف من البلاد ويؤتيهم الطراف بعد التلاد، والمراد منهم التعظيم والمثول بين يديه، ووضع اليمين على الشمال لديه، وقسم منهم للانتفاع بهم في تحصيل الأرزاق أو لإصلاحها فقال تعالى إني خلقتهم فلا بد فيهم من منفعة فليتفكروا في أنفسهم هل هم من قبيل أن يطلب منهم تحصيل رزق وليسوا كذلك، فما أُريد منهم من رزق، أو هل هم ممن يطلب منهم إصلاح قوت كالطباخ والخواني الذي يقرب الطعام وليسوا كذلك فما أُريد أن يطعمون، فإذن هم عبيد من القسم الأول فينبغي أن لا يتركوا التعظيم، وفيه لطائف نذكرها في مسائل: المسألة الأولى: ما الفائدة في تكرار الإرادتين، ومن لا يريد من أحد رزقاً لا يريد أن يطعمه؟ نقول هو لما ذكرناه من قبل، وهو أن السيد قد يطلب من العبد الكسب له، وهو طلب الرزق منه، وقد يكون للسيد مال وافر يستغني عن الكسب لكنه يطلب منه قضاء حوائجه بماله من المال وإحضار الطعام بين يديه من ماله، فالسيد قال لا أُريد ذلك ولا هذا. المسألة الثانية: لم قدم طلب الرزق على طلب الإطعام؟ نقول ذلك من باب الارتقاء كقول القائل لا أطلب منك الإعانة ولا ممن هو أقوى ولا يعكس، ويقل فلان يكرمه الأمراء بل السلاطين ولا يعكس، فقال ههنا لا أطلب منكم رزقاً ولا ما هو دون ذلك وهو تقديم طعام بين يدي السيد فإن ذلك أمر كثير الطلب من العباد وإن كان الكسب لا يطلب منهم. المسألة الثالثة: لو قال ما أريد منهم أن يرزقون وما أريد منهم من الطعام هل تحصل هذه الفائدة؟ نقول على ما فصل لا وذلك لأن بالتكسب يطلب الغنى لا الفعل فإن اشتغل بشغل ولم يحصل له غنى لا يكون كمن حصل له غنى، وإن لم يشتغل، كالعبد المتكسب إذا ترك الشغل لحاجته ووجد مطلباً يرضى منه السيد إذا كان شغله التكسب، وأما من يراد منه الفعل لذات الفعل، كالجائع إذا بعث عبده لإحضار الطعام فاشتغل بأخذ المال من مطلب فربما لا يرضى به السيد فالمقصود من الرزق الغنى، فلم يقل بلفظ الفعل والمقصود من الإطعام الفعل نفسه فذكر بلفظ الفعل، ولم يقل وما أريد منهم من طعام هذا مع ما في اللفظين من الفصاحة والجزالة للتنويع. المسألة الرابعة: إذا كان المعنى به ما ذكرت، فما فائدة الإطعام وتخصيصه بالذكر مع أن المقصود عدم طلب فعل منهم غير التعظيم؟ نقول لما عمم في المطلب الأول اكتفى بقوله {مِن رّزْقِ } فإنه يفيد العموم، وأشار إلى التعظيم فذكر الإطعام، وذلك لأن أدنى درجات الأفعال أن تستعين السيد بعبده أو جاريته في تهيئة أمر الطعام، ونفي الأدنى يستتبعه نفي الأعلى بطريق الأولى فصار كأنه تعالى قال: ما أريد منهم من عين ولا عمل. المسألة الخامسة: على ما ذكرت لا تنحصر المطالب فيما ذكره، لأن السيد قد يشتري لعبد لا لطلب عمل منه ولا لطلب رزق ولا للتعظيم، بل تشتريه للتجارة والربح فيه، نقول عموم قوله {مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ } يتناول ذلك فإن من اشترى عبداً ليتجر فيه فقد طلب منه رزقاً. المسألة السادسة: ما أريد في العربية يفيد النفي في الحال، والتخصيص بالذكر يوهم نفي ما عدا المذكور، لكن الله تعالى لا يريد منهم رزقاً لا في الحال ولا في الاستقبال، فلم لم يقل لا أريد منهم من رزق ولا أريد؟ نقول ما للنفي في الحال، ولا للنفي في الاستقبال، فالقائل إذا قال فلان لا يفعل هذا الفعل وهو في الفعل لا يصدق، لكنه إذا ترك مع فراغه من قوله يصدق القائل، ولو قال ما يفعل لما صدق فيما ذكرنا من الصورة، مثاله إذا كان الإنسان في الصلاة وقال قائل إنه ما يصلي فانظر إليه فإذا كان نظر إليه الناظر وقد قطع صلاة نفسه صح أن يقول إنك لا تصلي، ولو قال القائل إنه ما يصلي في تلك الحالة لما صدق، فإذا علمت هذا فكل واحد من اللفظين للنافية فيه خصوص لكن النفي في الحال أولى لأن المراد من الحال الدنيا والاستقبال هو في أمر الآخرة فالدنيا وأمورها كلها حالية فقوله {مَا أُرِيدُ } أي في هذه الحالة الراهنة التي هي ساعة الدنيا، ومن المعلوم أن العبد بعد موته لا يصلح أن يطلب منه رزق أو عمل فكان قوله {مَا أُرِيدُ } مفيداً للنفي العام، ولو قال لا أريد لما أفاد ذلك.
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رِّزْقٍ } لي ولأنفسهم وغيرهم {وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ } ولا أنفسهم ولا غيرهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {مِّن رِّزْقٍ} أن يرزقوا عبادي ولا يطعموهم، أو يرزقوا أنفسهم ولا يطعموها، أو معونة ولا فضلاً.
ابو السعود
تفسير : {مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ} بـيانٌ لكَونِ شأنِه تعالَى معَ عبادهِ متُعالياً عنْ أنْ يكونَ كشأنِ السَّادِة معَ عبـيدِهم حيثُ يملكونَهُم ليستعينُوا بهمْ في تحصيلِ معايشهِم وتهيئةِ أرزاقِهم أيْ ما أريدُ أنْ أصرفَهُم في تحصيلِ رزْقي ولا رِزْقهم بلْ أتفضلُ عليهمْ برزقِهم وبَما يصلحُهم ويعيِّشَهم منْ عندِي فليشتغلُوا بمَا خُلِقوا لَهُ منْ عِبادِتي {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ} الذي يرزقُ كلَّ ما يفتقرُ إلى الرزقِ، وفيهِ تلويحٌ بأنَّه غنيٌّ عنْهُ وقُرِىءَ إنِّي أنَا الرزاقُ {ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ} بالرفعِ عَلى أنَّه نعتٌ للرزاقِ أوْ لذُو أَوْ خبرٌ بعدَ خبرٍ أوْ خبرٌ لمضمرٍ وقُرِىءَ بالجَرِّ عَلى أنَّه وصفٌ للقوةِ على تأويلِ الاقتدارِ أوِ الأيدِ. {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أيْ ظلُموا أنفسَهمُ بتعريضِها للعذابِ الخالدِ بتكذيبِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أوْ وضعُوا مكانَ التصديقِ تكذيباً وَهُم أهلُ مكةَ {ذَنُوباً} أيْ نصيباً وافراً منَ العَذَابِ {مّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَـٰبِهِمْ} مثلَ أنصباءِ نُظَرائِهم منَ الأممِ المحكيةِ وهُو مأخوذٌ من مقاسمةِ السُّقاةِ الماءَ بالذَنوبِ وهُوَ الدلُو العظيمُ المملوءُ {فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ} أيْ لا يطلُبوا منِّي أنْ أُعجِّلَ في المجىءِ بهِ يقالُ استعجَلهُ أيْ حثَّهُ عَلى العَجَلةِ وأمره بها ويقالُ استعجلَهُ أيْ طلبَ وقوعَهُ بالعجلةِ ومنْهُ قولُه تعالَى: { أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} تفسير : [سورة النحل، الآية 1] وهُو جوابٌ لقولِهم {أية : مَتَى هَذا الوعدُ إنْ كنُتم صادقينَ} تفسير : [سورة يونس، الآية 48] {فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ} وضعَ الموصولَ موضعَ ضميرِهم تسجيلاً عليهم بِمَا في حيزِ الصلةِ منَ الكُفر وإشعاراً بعلةِ الحكمِ. والفاءُ لترتيبِ ثبوتِ الويلِ لهُم عَلى أنَّ لَهُم عذاباً عظيماً كَما أنَّ الفاءَ الأُولى لترتيبِ النَّهي عنْ الاستعجالِ عَلى ذلكَ، ومَنْ في قولِه تعالَى: {مِن يَوْمِهِمُ ٱلَّذِى يُوعَدُونَ} للتعليلِ أيْ يوعدونَهُ منْ يومِ بدرٍ وقيلَ يومُ القيامةِ وهُو الأنسبُ بَما في صدرِ السورةِ الكريمةِ الآتيةِ والأولُ هُو الأوفقُ لما قبلَهُ منْ حيثُ إنَّهما منَ العذابِ الدنيويِّ. عنِ النبـي صلى الله عليه وسلم: « حديث : مَنْ قرأَ والذارياتِ أعطاهُ الله تعالَى عشرَ حسناتٍ بعددِ كُلِّ ريحٍ هبتْ وجرتْ في الدُّنيا".
اسماعيل حقي
تفسير : {ما اريد منهم} اى من الجن والانس فى وقت من الاوقات {من رزق} لى ولا لانفسهم ولا لغيرهم يحصلونه بكسبهم {ومااريد ان يطعمون} ولا انفسهم ولا غيرهم واصله أن يطعمونى بياء المتكلم وهو بيان لكونه شأنه تعالى مع عباده متعاليا عن ان يكون كسائر السادة مع عبيدهم حيث يملكونهم ليستعينوا بهم فى تحصيل معايشهم وتهيئة ارزاقهم فان منهم من يحتاج الى كسب عبده فى نيل الرزق ومنهم من يكون له مال وافر يستغنى به عن حمل عبده على الاكتساب لكنه يطلب من العبد قضاء حوآئجه من طبخ الطعام واصلاحه واحضاره بين يديه وهو تعالى مستغن عن جميع ذلك ونفع العباد وغيره انما يعود عليهم والمعنى ما اريد ان اصرفهم فى تحصيل رزقى ولارزقهم وفى تهيئة بل اتفضل عليهم برزقهم وبما يصلحهم ويعيشهم من عندى فليشتغلوا بما خلقوا له من عبادتى وفى الآية تعريض بأصنامهم فانهم كانوا يحضرون لها الماكل فربما اكلتها الكلاب ثم بالت على الاصنام ثم لايصدهم ذلك وفى هذه الآية دليل على ان الرزق اعم من الاكل كما فى تفسير المناسبات وقال بعضهم معنى ان يطعمون ان يطعموا احدا من خلقى وانما اسند الاطعام الى نفسه لان الخلق عيال الله ومن اطعم عيال احد فقد اطعمه كما جاء فى الحديث "حديث : يقول الله استطعتمك فلم تطعمنى"تفسير : اى لم تطعم عبدى وذلك ان الاستطعام وسؤال الرزق يستحيل فى وصف الله
الجنابذي
تفسير : {مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ} لى ولا لغيرى {وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: فما اراد من خلقهم رزقاً واعانةً.
اطفيش
تفسير : {مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ} لي ولأنفسهم وغيرهم* {وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ} فاني الكافل بما يقيم الأنفس فتفرغوا لما تفلحون به وليس من شأنى الأكل والحاجة بخلاف سادات العبيد فانهم يملكونهم ليستعينوا بهم في الرزق وجميع المنافع والمقاصد. وقيل المعنى أن ينتفعوني وقيل إن المعنى أن يطعموا خلقي فحذف المضاف وأسند الاطعام لنفسه لان الخلق عياله ومن أطعم عيالك فقد أطعمك. يقول الله يوم القيامة: "حديث : مرضت فلم تعدني يا ابن آدم واستطعمتك فلم تطعمني واستسقيتك فلم تسقني فيقول يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين أي كيف تمرض فضلاً عن أن أعودك وكيف أطعمك وأنت رب العالمين وكيف أسقيك وأنت رب العالمين أي كيف تحتاج لطعام أو سقي فيقول مرض عبدي فلان فلم تعده ولو عدته لوجدتني عنده واستطتعمك عبدي فلان فلم تطعمه ولو أطعمته لوجدتني عنده واستسقاك عبدي فلان ولو سقيته لوجدتني عنده ". تفسير : ويجوز أن تكون ضمائر التكلم للنبي صلى الله عليه وسلم على تقدير القول أي قل ما أريد منهم الخ
اطفيش
تفسير : الرزق أعم من الطعام لشموله المنافع من لباسه وغيره، وليس تعالى كالناس يستعينون بعبيدهم فى أرزاقهم، ولم يخلقهم الله استعانة بهم، بل ليعبدوه وهو غنى عن عبادتهم، وهو منزه عن الأكل والحاجة، ويجوز أن يكون المعنى ما أريد منهم أن يرزقوا أنفسهم ولا غيرهم، ولا أن يطعموا خلقى، وأنا رازق الكل، ومطعم الكل، وروى هذا عن ابن عباس، والمراد بالاطعام ما يشمل السقى، وقد سمى الشرب طعاما فى سورة البقرة، وأسند الطعام الى نفسه، والمراد اطعام خلقه، وهم عياله، ومن أطعم عيال أحد كمن أطعمه، أى ولا أن يطعمونى باطعام عيالى، وفى الحديث القدسى: "حديث : يا عبدي مرضت فلم تعدني، وجعت فلم تطعمني أي مرض عبدي فلم تعده، وجاع عبدي فلم تطعمه ". تفسير : ولفظ مسلم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله: "حديث : إنَّ الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال، أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده أماهإنك لو عدته لوجدتني عنده، يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا استطعمك فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي" تفسير : ومعنى قولك: كيف أعودك، كيف تمرض فأعودك، وقيل بتقدير قل: أى وقل: ما اريد منكم من رزق وما أريد أن تطعمونى، أى قل فى شأنهم معك: ما أردت من هؤلاء أن يرزقونى، وما أريد أن يطعمونى كقوله: "أية : قل لا أسألكم عليه أجراً" تفسير : [الأنعام: 90، الشورى: 23] كما جاء: "أية : قل للذين كفروا ستغلبون" تفسير : [آل عمران: 12] بالتاء وجاء بالياء.
الالوسي
تفسير : وهو لبيان أن شأنه - تعالى شأنه - مع عباده ليس كشأن السادة مع عبيدهم لأنهم إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم وأرزاقهم، ومالك ملاك العبيد نفي عز وجل أن يكون ملكه إياهم لذلك فكأنه قال سبحانه: ما أريد أن أستعين بهم كما يستعين ملاك العبيد بعبيدهم فليشتغلوا بما خلقوا له من عبادتي. وذكر الإمام فيه وجهين: الأول أن يكون لدفع توهم الحاجة من خلقهم للعبادة، والثاني أن يكون لتقرير كونهم مخلوقين لها، وبين هذا بأن الفعل في العرف لا بد له من منفعة لكن العبيد على قسمين: قسم يتخذون لإظهار العظمة بالمثول بين أيادي ساداتهم وتعظيمهم إياهم كعبيد الملوك، وقسم يتخذون للانتفاع بهم في تحصيل الأرزاق أو لإصلاحها، فكأنه قال سبحانه: إني خلقتهم ولا بد فيهم من منفعة فليتفكروا في أنفسهم هل هم من قبيل أن يطلب منهم تحصيل رزق وليسوا كذلك فما أريد منهم من رزق، وهل هم ممن يطلب منهم إصلاح قوت كالطباخ ومن يقرّب الطعام؟ وليسوا كذلك فما أريد أن يطعمون فإذاً هم عبيد من القسم الأول، فينبغي أن لا يتركوا التعظيم. والظاهر أن المعنى ما أريد منهم من رزق لي لمكان قوله سبحانه: {وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ } وإليه ذهب الإمام، وذكر في الآية لطائف: الأولى أنه سبحانه كرر نفي الإرادتين لأن السيد قد يطلب من العبد التكسب له وهو طلب الرزق وقد لا يطلب حيث كان له مال وافر لكنه يطلب قضاء / حواجه من حفظ المال وإحضار الطعام من ماله بين يديه، فنفي الإرادة الأولى لا يستلزم نفي الإرادة الثانية فكرر النهي على معنى لا أريد هذا ولا أريد ذلك، الثانية أن ترتيب النفيين كما تضمنه النظم الجليل من باب الترقي في بيان غناه عز وجل كأنه قال سبحانه: لا أطلب منهم رزقاً ولا ما هو دون ذلك وهو تقديم الطعام بين يدي السيد فإن ذلك أمر كثيراً ما يطلب من العبيد إذا كان التكسب لا يطلب منهم، الثالثة أنه سبحانه قال: {مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ} دون ما أريد منهم أن يرزقون لأن التكسب لطلب العين لا الفعل، وقال سبحانه: {مَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ } دون ما أريد من طعام لأن ذلك للإشارة إلى الاستغناء عما يفعله العبد الغير المأمور بالتكسب كعبد وافر المال والحاجة إليه للفعل نفسه، الرابعة، أنه جل وعلا خص الإطعام بالذكر لأن أدنى درجات الاستعانة أن يستعين السيد بعبده في تهيئة أمر الطعام ونفي الأدنى يتبعه نفي الأعلى بطريق الأولى فكأنه قيل: ما أريد منهم من عين ولا عمل، الخامسة أن {مَا } لنفي الحال إلا أن المراد به الدنيا وتعرض له دون نفي الاستقبال لأن من المعلوم البين أن العبد بعد موته لا يصلح أن يطلب منه رزق أو إطعام انتهى فتأمله. ويفهم من ظاهر كلام الزمخشري أن المعنى ما أريد منهم من رزق لي ولهم، وفي «البحر» {مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ} أي أن يرزقوا أنفسهم ولا غيرهم {وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ } أي أن يطعموا خلقي فهو على حذف مضاف قاله ابن عباس انتهى، ونحوه ما قيل: المعنى ما أريد أن يرزقوا أحداً من خلقي ولا أريد أن يطعموه، وأسند الإطعام إلى نفسه سبحانه لأن الخلق كلهم عيال الله تعالى. ومن أطعم عيال أحد فكأنما أطعمه، وفي الحديث « حديث : يا عبدي مرضت فلم تعدني وجعت فلم تطعمني » تفسير : فإنه كما يدل عليه آخره على معنى مرض عبدي فلم تعده وجاع فلم تطعمه؛ وقيل: الآية مقدرة بقل فتكون بمعنى قوله سبحانه: { أية : قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً } تفسير : [الأنعام: 90] والغيبة فيها رعاية للحكاية إذ في مثل ذلك يجوز الأمران الغيبة والخطاب، وقد قرىء بهما في قوله تعالى: { أية : قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ } تفسير : [آل عمران: 12]، وقيل: المراد قل لهم وفي حقهم فتلائمه الغيبة في {مِنْهُمْ } و {يُطْعِمُونِ } ولا ينافي ذلك قراءة ـ إني أنا الرزاق ـ فيما بعد لأنه حينئذ تعليل للأمر بالقول، أو الائتمار لا لعدم الإرادة، نعم لا شك في أنه قول بعيد جداً.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَهُوَ يُطْعِمْ وَلاَ يُطْعَمُ}تفسير : {الأنعام: 14].
د. أسعد حومد
تفسير : (57) - وَاللهُ تَعَالى لا يُريدُ أنْ يَسْتَعِينَ بِالخَلْقِ لِجَلْبِ مَنْفَعةٍ لَهُ، وَلا لِدَفْعِ ضَرَرٍ عَنْهُ، وَلا يُصَرِّفهُمْ في تَحْصِيلِ الأرْزَاقِ وَالمَطَاعِمِ، كما يَفْعَلُ المَوالي مَعَ عَبِيدِهِمْ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):