٥٢ - ٱلطُّور
52 - At-Tour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : هذه السورة مناسبة للسورة المتقدمة من حيث الافتتاح بالقسم وبيان الحشر فيهما، وأول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها، لأن في آخرها قوله تعالى: {أية : فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [الذاريات: 60] وهذه السورة في أولها {أية : فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } تفسير : [الطور: 11] وفي آخر تلك السورة قال: {أية : فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوباً } تفسير : [الذاريات: 59] إشارة إلى العذاب وقال هنا {أية : إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ لَوَاقِعٌ } تفسير : [الطور: 7] وفيه مسائل: المسألة الأولى: ما الطور، وما الكتاب المسطور؟ نقول فيه وجوه: الأول: الطور هو جبل معروف كلم الله تعالى موسى عليه السلام الثاني: هو الجبل الذي قال الله تعالى: {أية : وَطُورِ سِينِينَ } تفسير : [التين: 2] الثالث: هو اسم الجنس والمراد القسم بالجبل غير أن الطور الجبل العظيم كالطود، وأما الكتاب ففيه أيضاً وجوه: أحدها: كتاب موسى عليه السلام ثانيها: الكتاب الذي في السماء ثالثها: صحائف أعمال الخلق رابعها: القرآن وكيفما كان فهي في رقوق، وسنبين فائدة قوله تعالى: {فِى رَقّ مَّنْشُورٍ } وأما البيت المعمور ففيه وجوه: الأول: هو بيت في السماء العليا عند العرش ووصفه بالعمارة لكثرة الطائفين به من الملائكة الثاني: هو بيت الله الحرام وهو معمور بالحاج الطائفين به العاكفين الثالث: البيت المعمور اللام فيه لتعريف الجنس كأنه يقسم بالبيوت المعمورة والعمائر المشهورة، {والسقف المرفوع} السماء، {والبحر المسجور}، قيل الموقد يقال سجرت التنور، وقيل هو البحر المملوء ماء المتموج، وقيل هو بحر معروف في السماء يسمى بحر الحيوان. المسألة الثانية: ما الحكمة في اختيار هذه الأشياء؟ نقول هي تحتمل وجوهاً: أحدها: إن الأماكن الثلاثة وهي: الطور، والبيت المعمور، والبحر المسجور، أماكن كانت لثلاثة أنبياء ينفردون فيها للخلوة بربهم والخلاص من الخلق والخطاب مع الله، أما الطور فانتقل إليه موسى عليه السلام، والبيت محمد صلى الله عليه وسلم، والبحر المسجور يونس عليه السلام، والكل خاطبوا الله هناك فقال موسى: {أية : أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِى مَن تَشَاء } تفسير : [الأعراف: 155] وقال: {أية : أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } تفسير : [الأعراف: 143] وأما محمد صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، لا أحصي ثناء عليك كما أثنيت على نفسك» تفسير : وأما يونس فقال: {أية : لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [الأنبياء: 87] فصارت الأماكن شريفة بهذه الأسباب، فحلف الله تعالى بها، وأما ذكر الكتاب فإن الأنبياء كان لهم في هذه الأماكن مع الله تعالى كلام والكلام في الكتاب واقترانه بالطور أدل على ذلك، لأن موسى عليه السلام كان له مكتوب ينزل عليه وهو بالطور، وأما ذكر السقف المرفوع ومعه البيت المعمور ليعلم عظمة شأن محمد صلى الله عليه وسلم ثانيها: وهو أن القسم لما كان على وقوع العذاب وعلى أنه لا دافع له، وذلك لأن لا مهرب من عذاب الله لأن من يريد دفع العذاب عن نفسه، ففي بعض الأوقات يتحصن بمثل الجبال الشاهقة التي ليس لها طرف وهي متضايقة بين أنه لا ينفع التحصن بها من أمر الله تعالى كما قال ابن نوح عليه السلام {أية : سآوِى إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ } تفسير : [هود: 43] حكاية عن نوح عليه السلام. المسألة الثالثة: ما الحكمة في تنكير الكتاب وتعريف باقي الأشياء؟ نقول ما يحتمل الخفاء من الأمور الملتبسة بأمثالها من الأجناس يعرف باللام، فيقال رأيت الأمير ودخلت على الوزير، فإذا بلغ الأمير الشهرة بحيث يؤمن الالتباس مع شهرته، ويريد الواصف وصفه بالعظمة، يقول: اليوم رأيت أميراً ما له نظير جالساً وعليه سيما الملوك وأنت تريد ذلك الأمير المعلوم، والسبب فيه أنك بالتنكير تشير إلى أنه خرج عن أن يعلم ويعرف بكنه عظمته، فيكون كقوله تعالى: {أية : ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ } تفسير : [الحاقة: 1- 3] فاللام وإن كانت معرفة لكن أخرجها عن المعرفة كون شدة هولها غير معروف، فكذلك ههنا الطور ليس في الشهرة بحيث يؤمن اللبس عند التنكير، وكذلك البيت المعمور، وأما الكتاب الكريم فقد تميز عن سائر الكتب، بحيث لا يسبق إلى أفهام السامعين من النبي صلى الله عليه وسلم لفظ الكتاب إلا ذلك، فلما أمن اللبس وحصلت فائدة التعريف سواء ذكر باللام أو لم يذكر قصداً للفائدة الأخرى وهي في الذكر بالتنكير، وفي تلك الأشياء لما لم تحصل فائدة التعريف إلا بآلة التعريف استعملها، وهذا يؤيد كون المراد منه القرآن وكذلك اللوح المحفوظ مشهور. المسألة الرابعة: ما الفائدة في قوله تعالى: {فِى رَقّ مَّنْشُورٍ } وعظمة الكتاب بلفظه ومعناه لا بخطه ورقه؟ نقول هو إشارة إلى الوضوح، وذلك لأن الكتاب المطوي لا يعلم ما فيه فقال هو في رق منشور وليس كالكتب المطوية وعلى هذا المراد اللوح المحفوظ فمعناه هو منشور لكم لا يمنعكم أحد من مطالعته، وإن قلنا بأن المراد كتاب أعمال كل أحد فالتنكير لعدم المعرفة بعينه وفي رق منشور لبيان وصفه كما قال تعالى: {أية : كِتَابًا يَلْقَـٰهُ مَنْشُوراً } تفسير : [الإسراء: 13] وذلك لأن غير المعروف إذا وصف كان إلى المعرفة أقرب شبهاً. المسألة الخامسة: في بعض السور أقسم بجموع كما في قوله تعالى: {وَٱلذرِيَـٰتِ } وقوله {وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ } وقوله {وَٱلنَّـٰزِعَـٰتِ } وفي بعضها بأفراد كما في هذه السورة حيث قال:{وَٱلطُّورِ } ولم يقل والأطوار والبحار، ولا سيما إذا قلنا المراد من الطور الجبل العظيم كالطود، كما في قوله تعالى: {أية : وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ } تفسير : [النساء: 154] أي الجبل فما الحكمة فيه؟ نقول في الجموع في أكثرها أقسم بالمتحركات والريح الواحدة ليست بثابتة مستمرة حتى يقع القسم بها، بل هي متبدلة بأفرادها مستمرة بأنواعها والمقصود منها لا يحصل إلا بالتبدل والتغير فقال: {وَٱلذرِيَـٰتِ } إشارة إلى النوع المستمر إلى الفرد المعين المستقر، وأما الجبل فهو ثابت قليل التغير والواحد من الجبال دائم زماناً ودهراً، فأقسم في ذلك بالواحد وكذلك قوله {وَٱلنَّجْمِ } والريح ما علم القسم به وفي الطور علم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلطُّورِ } الطور ٱسم الجبل الذي كلم الله عليه موسى؛ أقسم الله به تشريفاً له وتكريماً وتذكيراً لما فيه من الآيات، وهو أحد جبال الجنة. وروى إسماعيل بن إسحٰق قال: حدّثنا إسماعيل ابن أبي أويس، قال: حدّثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جدّه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أربعة أجبل من جبال الجنة وأربعة أنهار من أنهار الجنة وأربعة مَلاَحم من مَلاَحم الجنة» تفسير : قيل: فما الأجبل؟ قال: «حديث : جبل أُحُد يحبنا ونحبه والطُّور جبل من جبال الجنة ولُبْنان جبل من جبال الجنة والجودي جبل من جبال الجنة» تفسير : وذكر الحديث، وقد استوفيناه في كتاب «التذكرة». قال مجاهد: الطور هو بالسريانية الجبل والمراد به طور سينا. وقاله السدّي. وقال مقاتل بن حيان: هما طوران يقال لأحدهما طُورسينا والآخر طورزيتا؛ لأنهما ينبتان التين والزيتون. وقيل: هو جبل بمَدْيَن وٱسمه زَبير. قال الجوهري: والزَّبير الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام. قلت: ومدين بالأرض المقدّسة وهي قرية شعيب عليه السلام. وقيل: إن الطُّور كل جبل أنبت، وما لا ينبت فليس بطور؛ قاله ابن عباس. وقد مضى في «البقرة» مستوفى. قوله تعالى: {وَكِتَابٍ مُّسْطُورٍ} أي مكتوب؛ يعني القرآن يقرؤه المؤمنون من المصاحف، ويقرؤه الملائكة من اللوح المحفوظ؛ كما قال تعالى: {أية : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ}تفسير : [الواقعة: 77 - 78]. وقيل: يعني سائر الكتب المنزلة على الأنبياء، وكان كل كتاب في رَقّ ينشره أهله لقراءته. وقال الكلبي: هو ما كتب الله لموسى بيده من التوراة وموسى يسمع صرير القلم. وقال الفراء: هو صحائف الأعمال؛ فمن آخذ كتابه بيمينه، ومن آخذ كتابه بشماله؛ نظيره: {أية : وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً} تفسير : [الإسراء: 13] وقوله: {أية : وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتْ}تفسير : [التكوير: 10]. وقيل: إنه الكتاب الذي كتبه الله تعالى لملائكته في السماء يقرؤون فيه ما كان وما يكون. وقيل: المراد ما كتب الله في قلوب الأولياء من المؤمنين؛ بيانه: {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ} تفسير : [المجادلة: 22]. قلت: وفي هذا القول تَجوُّز؛ لأنه عبّر بالقلوب عن الرِّق. قال المبرّد: الرِّق ما رُقِّق من الجلد ليكتب فيه، والمنشور المبسوط. وكذا قال الجوهري في الصحاح، قال: والرَّق بالفتح ما يكتب فيه وهو جلد رقيق. ومنه قوله تعالى: {فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ} والرَّق أيضاً العظيم من السَّلاحِف. قال أبو عبيدة: وجمعه رُقُوق. والمعنى المراد ما قاله الفراء؛ والله أعلم. وكل صحيفة فهي رَقٌّ لرقة حواشيها؛ ومنه قول المتلمس:شعر : فكأنَّما هي من تَقَادُمِ عَهْدِها رَقٌّ أتيح كتابُها مَسطور تفسير : وأما الرِّق بالكسر فهو المِلك؛ يقال: عبد مرقوق. وحكى الماورديّ عن ٱبن عباس: أن الرَّق بالفتح ما بين المشرق والمغرب. قوله تعالى: {وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ} قال علي وٱبن عباس وغيرهما: هو بيت في السماء حِيَال الكعبة يدخله كل يوم سبعون ألف ملَك، ثم يخرجون منه فلا يعودون إليه. قال علي رضي الله عنه: هو بيت في السماء السادسة. وقيل: في السماء الرابعة؛ روى أنس بن مالك، عن مالك بن صَعْصَعَة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أوتي بي إلى السماء الرابعة فرفع لنا البيت المعمور فإذا هو حِيال الكعبة لو خَرَّ خَرَّ عليها يدخله كل يوم سبعون ألف مَلَك إذا خرجوا منه لم يعودوا إليه» تفسير : ذكره الماورديّ. وحكى القشيري عن ٱبن عباس أنه في السماء الدنيا. وقال أبو بكر الأنباري: سأل ٱبن الكواء عليًّا رضي الله عنه قال: فما البيت المعمور؟ قال: بيت فوق سبع سموات تحت العرش يقال له الضُّراح. وكذا في «الصحاح»: والضُّراح بالضم بيت في السماء وهو البيت المعمور عن ٱبن عباس. وعُمْرانه كثرة غاشيته من الملائكة. وقال المهدوي عنه: حذاء العرش. والذي في صحيح مسلم عن مالك بن صعصعة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في حديث الإسراء: «حديث : ثم رُفع إليّ البيت المعمور فقلت يا جبريل ما هذا قال هذا البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف مَلَك إذا خرجوا منه لم يعودوا إليه آخِرُ ما عليهم» تفسير : وذكر الحديث. وفي حديث ثابت عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أُتِيت بالبُرَاق» تفسير : الحديث؛ وفيه: «حديث : ثم عرج بنا إلى السابعة فٱستفتح جبريل عليه السلام فقيل من هذا قال جبريل قيل ومَن معك قال محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ قيل وقد بُعِث إليه قال قد بُعِث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام مسنداً ظهره إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كلَّ يوم سبعون ألف مَلَك لا يعودون إليه»تفسير : . وعن ابن عباس أيضاً قال: لله في السموات والأرضين خمسَة عشرَ بيتاً، سبعة في السموات وسبعة في الأرضين والكعبة، وكلها مقابلة للكعبة. وقال الحسن: البيت المعمور هو الكعبة، البيت الحرام الذي هو معمور من الناس، يعمره الله كل سنة بستمائة ألف، فإن عجز الناس عن ذلك أتمه الله بالملائكة، وهو أوّل بيت وضعه الله للعبادة في الأرض. وقال الربيع بن أنس: إن البيت المعمور كان في الأرض موضع الكعبة في زمان آدم عليه السلام، فلما كان زمان نوح عليه السلام أمرهم أن يحجُّوا فأبوا عليه وعصوه، فلما طغى الماء رفع فجعل بحذائه في السماء الدنيا، فيَعمرُه كلَّ يوم سبعونَ ألفَ ملَك، ثم لا يرجعون إليه حتى ينفخ في الصور، قال: فبوّأ الله جلّ وعز لإبراهيم مكان البيت حيث كان؛ قال الله تعالى: {أية : وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ}تفسير : [الحج: 26]. {وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ} يعني السماء سماها سقفاً؛ لأنها للأرض كالسقف للبيت؛ بيانه: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً}تفسير : [الأنبياء:32]. وقال ٱبن عباس: هو العرش وهو سقف الجنة. {وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ} قال مجاهد: الموقَد؛ وقد جاء في الخبر: «إن البحر يُسجَر يوم القيامة فيكون ناراً». وقال قتادة: المملوء. وأنشد النحويون للنَّمِر بن تَوْلَب:شعر : إذا شاء طالعَ مَسْجورةً تَرَى حَولَها النَّبْعَ السَّاسَمَا تفسير : يريد وَعْلاً يطالع عينا مسجورة مملوءة. فيجوز أن يكون المملوء ناراً فيكون كالقول المتقدّم. وكذا قال الضحاك وشمر بن عطية ومحمد بن كعب والأخفش بأنه المَوْقِد المحميّ بمنزلة التَّنُّور المسجور. ومنه قيل: للمِسْعَر مِسْجَر؛ ودليل هذا التأويل قوله تعالى: {أية : وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ} تفسير : [التكوير: 6] أي أوقدت؛ سَجَرت التَّنُّور أسجره سجراً أي أحميته. وقال سعيد بن المسيِّب: قال عليّ رضي الله عنه لرجل من اليهود: أين جهنم؟ قال: البحر. قال ما أُرَاك إلا صادقاً، وتلا: «والْبَحْرِ الْمَسْجُورِ». {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ} مخففة. وقال عبد الله بن عمرو: لا يتوضأ بماء البحر لأنه طبق جهنم. وقال كعب: يُسجَر البحر غداً فيزاد في نار جهنم؛ فهذا قول وقال ٱبن عباس: المسجور الذي ذهب ماؤه. وقاله أبو العالية. وروى عطية وذو الرُّمَّة الشاعر عن ٱبن عباس قال: خرجت أَمَة لتستقي فقالت: إن الحوض مسجور أي فارغ، قال ٱبن أبي داود: ليس لذي الرُّمة حديث إلا هذا. وقيل: المسجور أي المفجور؛ دليله: {أية : وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ} تفسير : [الانفطار: 3] أي تنشفها الأرض فلا يبقى فيها ماء. وقول ثالث قاله عليّ رضي الله عنه وعِكرمة. قال أبو مكين: سألت عِكرمة عن البحر المسجور فقال: هو بحر دون العرش. وقال عليّ: تحت العرش فيه ماء غليظ. ويقال له بحر الحيوان يمطر العباد منه بعد النفخة الأولى أربعين صباحاً فينبتون في قبورهم. وقال الربيع بن أنس: المسجور المختلط العذب بالملح. قلت: وإليه يرجع معنى {فُجِّرَتْ} في أحد التأويلين؛ أي فُجِّرَ عذبُها في مالحها: والله أعلم. وسيأتي. وروى عليّ ٱبن أبي طلحة عن ٱبن عباس قال: المسجور المحبوس. {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} هذا جواب القسم؛ أي واقع بالمشركين. قال جُبَير بن مُطْعِمٍ: قدمت المدينة لأسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسارى بدر، فوافيته يقرأ في صلاة المغرب {وَٱلطُّورِ } إلى قوله: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} {مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ} فكأنما صدع قلبي، فأسلمت خوفاً من نزول العذاب، وما كنت أظن أن أقوم من مقامي حتى يقع بي العذاب. وقال هشام بن حسان: ٱنطلقت أنا ومالك بن دينار إلى الحسن وعنده رجل يقرأ {وَٱلطُّورِ} حتى بلغ {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} {مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ} فبكى الحسن وبكى أصحابه؛ فجعل مالك يضطرب حتى غُشِي عليه. ولما وُلّي بكَّار القضاء جاء إليه رجلان يختصمان فتوجهت على أحدهما اليمين، فرغب إلى الصلح بينهما، وأنه يعطي خصمه من عنده عوضاً عن يمينه فأبى إلا اليمين، فأحلفه بأوّل «وَالطُّورِ» إلى أن قال له قل: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} إن كنت كاذباً؛ فقالها فخرج فكسر من حينه.
البيضاوي
تفسير : مكية وآيها تسع أو ثمان وأربعون آية بسم الله الرحمن الرحيم {وَٱلطُّورِ } يريد طور سنين، وهو جبل بمدين سمع فيه موسى عليه السلام كلام الله تعالى، {وَٱلطُّورِ } الجبل بالسريانية أو ما طار من أوج الإِيجاد إلى حضيض المواد، أو من عالم الغيب إلى عالم الشهادة. {وَكِتَـٰبٍ مُّسْطُورٍ } مكتوب، والسطر ترتيب الحروف المكتوبة. والمراد به القرآن أو ما كتبه الله في اللوح المحفوظ، أو ألواح موسى عليه السلام، أو في قلوب أوليائه من المعارف والحكم أو ما تكتبه الحفظة. {فِى رَقّ مَّنْشُورٍ } الرق الجلد الذي يكتب فيه استعير لما كتب فيه الكتاب، وتنكيرهما للتعظيم والإِشعار بأنهما ليسا من المتعارف فيما بين الناس. {وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ } يعني الكعبة وعمارتها بالحجاج والمجاورين، أو الضراح وهو في السماء الرابعة وعمرانه كثرة غاشيته من الملائكة، أو قلب المؤمن وعمارته بالمعرفة والإِخلاض. {وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ } يعني السماء. {وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ } أي المملوء وهو المحيط، أو الموقد من قوله: {أية : وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجّرَتْ } تفسير : [التكوير: 6] روي أنه تعالى يجعل يوم القيامة البحار ناراً يسجر بها نار جهنم، أو المختلط من السجير وهو الخليط. {إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ لَوَاقِعٌ } لنازل. {مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ } يدفعه، ووجه دلالة هذه الأمور المقسم بها على ذلك أنها أمور تدل على كمال قدرة الله تعالى وحكمته وصدق أخباره وضبطه أعمال العباد للمجازاة. {يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَاءُ مَوْراً } تضطرب، والمور تردد في المجيء والذهاب، وقيل تحرك في تموج و {يَوْمٍ } ظرف. {وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْراً } أي تسير عن وجه الأرض فتصير هباء. {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } أي إذا وقع ذلك فويل لهم. {ٱلَّذِينَ هُمْ فِى خَوْضٍ يَلْعَبُونَ } أي في الخوض في الباطل. {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا } يدفعون إليها دفعاً بعنف، وذلك بأن تغل أيديهم إلى أعناقهم وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم فيدفعون إلى النار. وقرىء « يَدَّعُونَ» من الدعاء فيكون دعا حالاً بمعنى مدعوين، و {يَوْمٍ } بدل من {يَوْمَ تَمُورُ } أو ظرف لقول مقدر محكية.
ابن كثير
تفسير : يقسم تعالى بمخلوقاته الدالة على قدرته العظيمة أن عذابه واقع بأعدائه، وأنه لا دافع له عنهم، فالطور هو الجبل الذي يكون فيه أشجار، مثل الذي كلم الله عليه موسى، وأرسل منه عيسى، وما لم يكن فيه شجر، لا يسمى طوراً إنما يقال له: جبل { وَكِتَـٰبٍ مُّسْطُورٍ} قيل: هو اللوح المحفوظ، وقيل: الكتب المنزلة المكتوبة التي تقرأ على الناس جهاراً، ولهذا قال: { فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ } ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث الإسراء بعد مجاوزته إلى السماء السابعة: «حديث : ثم رفع بي إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألفاً لا يعودون إليه آخر ما عليهم» تفسير : يعني: يتعبدون فيه، ويطوفون به كما يطوف أهل الأرض بكعبتهم، كذلك ذاك البيت المعمور هو كعبة أهل السماء السابعة، ولهذا وجد إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام مسنداً ظهره إلى البيت المعمور؛ لأنه باني الكعبة الأرضية، والجزاء من جنس العمل، وهو بحيال الكعبة، وفي كل سماء بيت يتعبد فيه أهلها، ويصلون إليه، والذي في السماء الدنيا يقال له: بيت العزة، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا روح بن جناح عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : في السماء السابعة بيت يقال له: المعمور، بحيال الكعبة، وفي السماء الرابعة نهر يقال له: الحيوان، يدخله جبريل كل يوم فينغمس فيه انغماسة، ثم يخرج فينتفض انتفاضة، يخر عنه سبعون ألف قطرة، يخلق الله من كل قطرة ملكاً يؤمرون أن يأتوا البيت المعمور، فيصلوا فيه، فيفعلون ثم يخرجون، فلا يعودون إليه أبداً، ويولى عليهم أحدهم، يؤمر أن يقف بهم من السماء موقفاً يسبحون الله فيه إلى أن تقوم الساعة» تفسير : هذا حديث غريب جداً، تفرد به روح بن جناح هذا، وهو القرشي الأموي مولاهم أبو سعد الدمشقي، وقد أنكر عليه هذا الحديث جماعة من الحفاظ، منهم الجوزجاني والعقيلي والحاكم أبو عبد الله النيسابوري وغيرهم، قال الحاكم: لا أصل له من حديث أبي هريرة ولا سعيد ولا الزهري. وقال ابن جرير: حدثنا هناد بن السري، حدثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة: أن رجلاً قال لعلي: ما البيت المعمور؟ قال: بيت في السماء يقال له: الضراح، وهو بحيال الكعبة من فوقها، حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة، ثم لا يعودون فيه أبداً، وكذا رواه شعبة وسفيان الثوري عن سماك، وعندهما أن ابن الكواء هو السائل عن ذلك. ثم رواه ابن جرير عن أبي كريب عن طلق بن غنام، عن زائدة عن عاصم عن علي بن ربيعة قال: سأل ابن الكواء علياً عن البيت المعمور، قال: مسجد في السماء يقال له: الضراح، يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة، ثم لا يعودون فيه أبداً. ورواه من حديث أبي الطفيل عن علي بمثله. وقال العوفي عن ابن عباس: هو بيت حذاء العرش تعمره الملائكة، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة ثم لا يعودون إليه. وكذا قال عكرمة ومجاهد وغير واحد من السلف. وقال قتادة والربيع بن أنس والسدي: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً لأصحابه: «حديث : هل تدرون ما البيت المعمور؟» تفسير : قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «حديث : فإنه مسجد في السماء بحيال الكعبة، لو خر، لخر عليها، يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا منه لم يعودوا آخر ما عليهم» تفسير : وزعم الضحاك أنه يعمره طائفة من الملائكة يقال لهم: الجن، من قبيلة إبليس، فالله أعلم. وقوله تعالى: { وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ} قال سفيان الثوري وشعبة وأبو الأحوص عن سماك عن خالد بن عرعرة عن علي: { وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ} يعني: السماء. قال سفيان: ثم تلا: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ ءَايَـٰتِهَا مُعْرِضُونَ} تفسير : [الأنبياء: 32] وكذا قال مجاهد وقتادة والسدي وابن جريج وابن زيد، واختاره ابن جرير. وقال الربيع ابن أنس: هو العرش، يعني: أنه سقف لجميع المخلوقات، وله اتجاه، وهو مراد مع غيره كما قاله الجمهور. وقوله تعالى: { وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ} قال الربيع بن أنس: هو الماء الذي تحت العرش الذي ينزل الله منه المطر، الذي تحيا به الأجساد في قبورها يوم معادها، وقال الجمهور: هو هذا البحر، واختلف في معنى قوله: المسجور، فقال بعضهم: المراد أنه يوقد يوم القيامة ناراً؛ كقوله: { وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ} أي أضرمت فتصير ناراً تتأجج محيطة بأهل الموقف. ورواه سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب، وروي عن ابن عباس، وبه يقول سعيد بن جبير ومجاهد وعبد الله بن عبيد بن عمير وغيرهم. وقال العلاء بن بدر: إنما سمي البحر المسجور لأنه لا يشرب منه ماء، ولا يسقى به زرع، وكذلك البحار يوم القيامة. كذا رواه عنه ابن أبي حاتم. وعن سعيد بن جبير: { وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ} يعني: المرسل. وقال قتادة: المسجور: المملوء، اختاره ابن جرير، ووجهه بأنه ليس موقداً اليوم، فهو مملوء. وقيل: المراد به الفارغ. قال الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء عن ذي الرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: { وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ} قال: الفارغ: خرجت أمة تستسقي، فرجعت فقالت: إن الحوض مسجور، يعني: فارغاً. رواه ابن مردويه في مسانيد الشعراء. وقيل: المراد بالمسجور: الممنوع المكفوف عن الأرض لئلا يغمرها فيغرق أهلها، قاله علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه يقول السدي وغيره، وعليه يدل الحديث الذي رواه الإمام أحمد، رحمه الله، في مسنده، فإنه قال: حدثنا يزيد، حدثنا العوام، حدثني شيخ كان مرابطاً بالساحل قال: لقيت أبا صالح مولى عمر بن الخطاب فقال: حدثنا عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ليس من ليلة إلا والبحر يشرف فيها ثلاث مرات، يستأذن الله تعالى أن ينفضخ عليهم، فيكفه الله عز وجل»تفسير : وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي: حدثنا الحسن بن سفيان عن إسحاق بن راهويه عن يزيد، وهو ابن هارون، عن العوام بن حوشب، حدثني شيخ مرابط قال: خرجت ليلة لمحرسي لم يخرج أحد من الحرس غيري، فأتيت الميناء فصعدت، فجعل يخيل إلي أن البحر يشرف يحاذي رؤوس الجبال، فعل ذلك مراراً وأنا مستيقظ، فلقيت أبا صالح فقال: حدثنا عمر بن الخطاب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من ليلة إلا والبحر يشرف ثلاث مرات، يستأذن الله تعالى أن ينفضخ عليهم، فيكفه الله عز وجل» تفسير : فيه رجل مبهم لم يسم. وقوله تعالى: { إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} هذا هو المقسم عليه، أي: لواقع بالكافرين؛ كما قال في الآية الأخرى: { مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ} أي: ليس له دافع يدفعه عنهم إذا أراد الله بهم ذلك. قال الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن داود عن صالح المري عن جعفر ابن زيد العبدي قال: خرج عمر يعس في المدينة ذات ليلة، فمر بدار رجل من المسلمين، فوافقه قائماً يصلي، فوقف يستمع قراءته، فقرأ: {وَٱلطُّورِ} حتى بلغ {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ} قال: قسم ورب الكعبة حق، فنزل عن حماره واستند إلى حائط، فمكث ملياً ثم رجع إلى منزله، فمكث شهراً يعوده الناس لا يدرون ما مرضه رضي الله عنه. وقال الإمام أبو عبيد في فضائل القرآن: حدثنا محمد بن صالح، حدثنا هشام بن حسان عن الحسن أن عمر قرأ: { إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ } فربا لها ربوة عيد منها عشرين يوماً. وقوله تعالى: { يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْراً} قال ابن عباس وقتادة: تتحرك تحريكاً. وعن ابن عباس: هو تشققها. وقال مجاهد: تدور دوراً. وقال الضحاك: استدارتها وتحركها لأمر الله، وموج بعضها في بعض. وهذا اختيار ابن جرير أنه التحرك في استدارة. قال: وأنشد أبو عبيدة معمر بن المثنى بيت الأعشى فقال:شعر : كَأَنَّ مِشْيَتَها منْ بيتِ جارتِها مَوْرُ السَّحابةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ تفسير : { وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْراً} أي: تذهب فتصير هباء منبثاً، وتنسف نسفاً { فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} أي: ويل لهم ذلك اليوم من عذاب الله، ونكاله بهم، وعقابه لهم { ٱلَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ} أي: هم في الدنيا يخوضون في الباطل، ويتخذون دينهم هزواً ولعباً {يَوْمَ يُدَعُّونَ} أي: يدفعون ويساقون {إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} وقال مجاهد والشعبي ومحمد بن كعب والضحاك والسدي والثوري: يدفعون فيها دفعاً { هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ} أي: تقول لهم الزبانية ذلك تقريعاً وتوبيخاً { أَفَسِحْرٌ هَـٰذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ ٱصْلَوْهَا} أي: ادخلوها دخول من تغمره من جميع جهاته، {فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ} أي: سواء صبرتم على عذابها ونكالها، أم لم تصبروا، لا محيد لكم عنها ولا خلاص لكم منها {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي ولا يظلم الله أحداً، بل يجازي كلاً بعمله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلطُّورِ } أي الجبل الذي كلم الله عليه موسى.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَٱلطُّورِ } قال الجوهري: هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى. قال مجاهد، والسديّ: الطور بالسريانية الجبل، والمراد به طور سيناء. قال مقاتل بن حيان: هما طوران، يقال لأحدهما: طور سيناء، وللآخر: طور زيتا؛ لأنهما ينبتان التين والزيتون. وقيل: هو جبل مدين، وقيل: إن الطور كل جبل ينبت، وما لا ينبت فليس بطور، أقسم الله سبحانه بهذا الجبل تشريفاً له وتكريماً. {وَكِتَـٰبٍ مُّسْطُورٍ } المسطور: المكتوب، والمراد بالكتاب: القرآن، وقيل: هو اللوح المحفوظ، وقيل: جميع الكتب المنزلة، وقيل: ألواح موسى، وقيل: ما تكتبه الحفظة، قاله الفراء، وغيره، ومثله: {أية : وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَابًا يَلْقَـٰهُ مَنْشُوراً }تفسير : [الإسراء: 13] وقوله: {أية : وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتْ }تفسير : [التكوير: 10] {فِى رَقّ مَّنْشُورٍ } متعلق بمسطور، أي: مكتوب في رقّ. قرأ الجمهور {في رق} بفتح الراء، وقرأ أبو السماك بكسرها. قال الجوهري: الرقّ بالفتح ما يكتب فيه، وهو جلد رقيق، ومنه قوله تعالى: {فِى رَقّ مَّنْشُورٍ } قال المبرد: الرقّ ما رقّ من الجلد ليكتب فيه، والمنشور: المبسوط. قال أبو عبيدة: وجمعه رقوق، ومن هذا قول المتلمس:شعر : فكأنما هي من تقادم عهدها رقّ أتيح كتابها مسطور تفسير : وأما الرقّ بالكسر، فهو المملوك، يقال: عبد رقّ، وعبد مرقوق. {وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ } في السماء السابعة. وقيل: في سماء الدنيا، وقيل: هو الكعبة، فعلى القولين الأوّلين يكون وصفه بالعمارة باعتبار من يدخل إليه من الملائكة، ويعبد الله فيه. وعلى القول الثالث، يكون وصفه بالعمارة حقيقة أو مجازاً باعتبار كثرة من يتعبد فيه من بني آدم {وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ } يعني: السماء، سماها سقفاً لكونها كالسقف للأرض، ومنه قوله: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَاء سَقْفاً مَّحْفُوظاً }تفسير : [الأنبياء: 32] وقيل: هو العرش {وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ } أي: الموقد، من السجر: وهو إيقاد النار في التنور، ومنه قوله: {أية : وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجّرَتْ } تفسير : [التكوير: 6] وقد روي أن البحار تسجر يوم القيامة فتكون ناراً، وقيل: المسجور: المملوء، قيل: إنه من أسماء الأضداد، يقال: بحر مسجور أي: مملوء، وبحر مسجور، أي: فارغ، وقيل: المسجور: الممسوك، ومنه ساجور الكلب لأنه يمسكه. وقال أبو العالية: المسجور: الذي ذهب ماؤه، وقيل: المسجور: المفجور، ومنه: {أية : وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجّرَتْ }تفسير : [الإنفطار: 3] وقال الربيع بن أنس: هو الذي يختلط فيه العذب بالمالح. والأوّل أولى، وبه قال مجاهد، والضحاك، ومحمد بن كعب، والأخفش، وغيرهم. {إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ لَوَاقِعٌ } هذا جواب القسم، أي: كائن لا محالة لمن يستحقه {مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ } يدفعه ويرده عن أهل النار، وهذه الجملة خبر ثان لإن، أو صفة لواقع، و"من" مزيدة للتأكيد. ووجه تخصيص هذه الأمور بالإقسام بها أنها عظيمة دالة على كمال القدرة الربانية. {يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَاء مَوْراً } العامل في الظرف {لواقع}، أي: إنه لواقع في هذا اليوم، ويجوز أن يكون العامل فيه {دافع}. والمور: الاضطراب والحركة. قال أهل اللغة: مار الشيء يمور موراً: إذا تحرك وجاء وذهب، قاله الأخفش، وأبو عبيدة: وأنشدا بيت الأعشى:شعر : كأن مشيها من بيت جارتها مشي السحابة لا ريث ولا عجل تفسير : وليس في البيت ما يدلّ على ما قالاه إلاّ إذا كانت هذه المشية المذكورة في البيت يطلق المور عليها لغة. وقال الضحاك: يموج بعضها في بعض، وقال مجاهد: تدور دوراً، وقيل: تجرى جرياً، ومنه قول الشاعر:شعر : وما زالت القتلى تمور دماؤها بدجلة حتى ماء دجلة أشكل تفسير : ويطلق المور على الموج، ومنه: ناقة موارة اليد، أي: سريعة تموج في مشيها موجاً، ومعنى الآية: أن العذاب يقع بالعصاة، ولا يدفعه عنهم دافع في هذا اليوم الذي تكون فيه السماء هكذا، وهو يوم القيامة. وقيل: إن السماء ها هنا الفلك، وموره: اضطراب نظمه واختلاف سيره. {وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْراً } أي: تزول عن أماكنها، وتسير عن مواضعها كسير السحاب، وتكون هباءً منبثاً، قيل: ووجه تأكيد الفعلين بالمصدر الدالة على غرابتها، وخروجهما عن المعهود، وقد تقدّم تفسير مثل هذا في سورة الكهف. {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } ويل: كلمة تقال للهالك، واسم واد في جهنم، وإنما دخلت الفاء لأن في الكلام معنى المجازاة، أي: إذا وقع ما ذكر من مور السماء، وسير الجبال فويل لهم. ثم وصف المكذبين بقوله: {ٱلَّذِينَ هُمْ فِى خَوْضٍ يَلْعَبُونَ } أي: في تردّد في الباطل، واندفاع فيه يلهون لا يذكرون حساباً، ولا يخافون عقاباً. والمعنى: أنهم يخوضون في أمر محمد صلى الله عليه وسلم بالتكذيب والاستهزاء، وقيل: يخوضون في أسباب الدنيا، ويعرضون عن الآخرة. {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا } الدعّ: الدفع بعنف وجفوة، يقال: دععته أدعه دعًّا، أي: دفعته، والمعنى: أنهم يدفعون إلى النار دفعاً عنيفاً شديداً. قال مقاتل: تغلّ أيديهم إلى أعناقهم، وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم، ثم يدفعون إلى جهنم دفعاً على وجوههم. قرأ الجمهور بفتح الدال وتشديد العين. وقرأ عليّ والسلمي، وأبو رجاء، وزيد بن عليّ، وابن السميفع بسكون الدال وتخفيف العين مفتوحة أي: يدعون إلى النار من الدعاء. ويوم إما بدل من {يوم تمور}، أو متعلق بالقول المقدر في الجملة التي بعد هذه، وهي {هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذّبُونَ } أي: يقال لهم ذلك يوم يدعون إلى نار جهنم دعًّا، أي: هذه النار التي تشاهدونها هي النار التي كنتم تكذبون بها في الدنيا، والقائل لهم بهذه المقالة هم خزنة النار، ثم وبخهم سبحانه، أو أمر ملائكته بتوبيخهم، فقال: {أَفَسِحْرٌ هَـٰذَا } الذي ترون وتشاهدون، كما كنتم تقولون لرسل الله المرسلة، ولكتبه المنزلة، وقدّم الخبر هنا على المبتدأ لأنه الذي وقع الاستفهام عنه، وتوجه التوبيخ إليه {أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ } أي: أم أنتم عمي عن هذا، كما كنتم عمياً عن الحقّ في الدنيا {ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُواْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ } أي: إذا لم يمكنكم إنكارها، وتحققتم أن ذلك ليس بسحر، ولم يكن في أبصاركم خلل، فالآن ادخلوها وقاسوا شدّتها، فاصبروا على العذاب أو لا تصبروا، وافعلوا ما شئتم، فالأمران {سَوَاء عَلَيْكُمْ } في عدم النفع، وقيل: أيضاً تقول لهم الملائكة هذا القول، {وَسَوَآء } خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمران سواء، ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر محذوف، أي: سواء عليكم الصبر وعدمه، وجملة: {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تعليل للاستواء، فإن الجزاء بالعمل إذا كان واقعاً حتماً كان الصبر، وعدمه سواء. {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَنَعِيمٍ } لما فرغ سبحانه من ذكر حال المجرمين ذكر حال المتقين، وهذه الجملة يجوز أن تكون مستأنفة، ويجوز أن تكون من جملة ما يقال للكفار زيادة في غمهم وحسرتهم، والتنوين في {جَنَّـٰتٍ وَنَعِيمٍ } للتفخيم {فَـٰكِهِينَ بِمَا ءاتَـٰهُمْ رَبُّهُمْ } يقال: رجل فاكه، أي: ذو فاكهة، كما قيل: لابن وتامر. والمعنى: أنهم ذوو فاكهة من فواكه الجنة، وقيل: ذوو نعمة وتلذّذ بما صاروا فيه مما أعطاهم الله عزّ وجلّ مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وقد تقدّم بيان معنى هذا. قرأ الجمهور: {فاكهين} بالألف والنصب على الحال. وقرأ خالد: (فاكهون) بالرفع على أنه خبر بعد خبر. وقرأ ابن عباس (فكهين) بغير ألف، والفكه: طيب النفس، كما تقدم في الدخان، ويقال: للأشر والبطر، ولا يناسب التفسير به هنا {وَوَقَـٰهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ } معطوف على آتاهم، أو على خبر إنّ، أو الجملة في محل نصب على الحال بإضمار قد. {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً } أي: يقال لهم ذلك، والهنيء: ما لا تنغيص فيه ولا نكد ولا كدر. قال الزجاج: أي: ليهنئكم ما صرتم إليه هناء، والمعنى: كلوا طعاماً هنيئًا، واشربوا شراباً هنيئًا، وقد تقدم تفسير هنيئًا في سورة النساء، وقيل: معنى {هنيئاً}: أنكم لا تموتون. {مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ } انتصابه على الحال من فاعل كلوا، أو من مفعول آتاهم، أو من مفعول وقاهم، أو من الضمير المستكنّ في الظرف، أو من الضمير في {فاكهين}. قرأ الجمهور: {على سرر} بضم الراء الأولى. وقرأ أبو السماك بفتحها، والسرر: جمع سرير. والمصفوفة المتصل بعضها ببعض حتى تصير صفاً {وَزَوَّجْنَـٰهُم بِحُورٍ عِينٍ } أي: قرناهم بها. قال يونس بن حبيب: تقول العرب: زوّجته امرأة، وتزوّجت بامرأة، وليس من كلام العرب زوّجته بامرأة. قال: وقول الله تعالى: {وَزَوَّجْنَـٰهُم بِحُورٍ عِينٍ } أي: قرناهم بهنّ. وقال الفرّاء: زوّجته بامرأة، لغة أزدشنوءة، وقد تقدم تفسير الحور العين في سورة الدخان. قرأ الجمهور: {بحور عين} من غير إضافة. وقرأ عكرمة بإضافة الحور إلى العين. وقد أخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس: {وَٱلطُّورِ } قال: جبل. وأخرج ابن مردويه عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الطور جبل من جبال الجنة» تفسير : وكثير ضعيف جدًّا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {فِى رَقّ مَّنْشُورٍ } قال: في الكتاب. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : البيت المعمور في السماء السابعة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه حتى تقوم الساعة»تفسير : ، وفي الصحيحين وغيرهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث الإسراء بعد مجاوزته إلى السماء السابعة: «حديث : ثم رفع إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه»تفسير : . وأخرج عبد الّرزّاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف عن أبي الطفيل أن ابن الكوّاء سأل علياً عن البيت المعمور فقال: ذلك الضراح، بيت فوق سبع سمٰوات تحت العرش يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون إليه أبداً إلى يوم القيامة. وأخرج ابن جرير نحوه عن ابن عباس. وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن عمر ورفعه، قال: إن البيت المعمور، لجيال الكعبة لو سقط منه شيء لسقط عليها، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفاً، ثم لا يعودون إليه. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس نحوه، وضعف إسناده السيوطي. وأخرج ابن راهويه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن عليّ بن أبي طالب في قوله: {وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ } قال: السماء. وأخرج عبد الرّزّاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن عليّ بن أبي طالب في قوله: {وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ } قال: بحر في السماء تحت العرش. وأخرج ابن جرير عن ابن عمر مثله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: المسجور: المحبوس. وأخرج ابن المنذر عنه قال: المسجور: المرسل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً {يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَاء مَوْراً } قال: تحرك، وفي قوله: {يَوْمَ يُدَعُّونَ } قال: يدفعون. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضاً {يوم يدعون إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا } قال: يدفع في أعناقهم حتى يردوا النار. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً } أي: لا تموتون فيها، فعندها قالوا: {أية : أَفَمَا نَحْنُ بِمَيّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلاْولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ}تفسير : [الصافات: 58، 59].
الماوردي
تفسير : قوله تعالى {وَالطُّورِ} فيه وجهان: أحدهما: أنه اسم للجبل بالسريانية، قاله مجاهد. قال مقاتل: يسمى هذا الطور زبير. الثاني: أن الطور ما أنبت، وما لا ينبت فليس بطور، قاله ابن عباس، وقال الشاعر: شعر : لو مر بالطور بعض ناعقة ما أنبت الطور فوقه ورقة تفسير : ثم في هذا الطور الذي أقسم الله به ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه طور سيناء، قاله السدي. الثاني: أنه الطور الذي كلم الله عليه موسى، قاله ابن قتيبة. الثالث: أنه جبل مبهم، قاله الكلبي. وأقسم الله به تذكيراً بما فيه من الدلائل. وقال بعض المتعمقة: إن الطور ما يطوى على قلوب الخائفين. {وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ} أي مكتوب، وفي أربعة أقاويل: أحدها: أنه الكتاب الذي كتب الله لملائكته في السماء يقرؤون فيه ما كان وما يكون. الثاني: أنه القرآن مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ. الثالث: هي صحائف الأعمال فمن أخذ كتابه بيمينه، ومن آخذ كتابه بشماله، قاله الفراء. الرابع: التوراة قاله ابن بحر. {فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: الصحيفة المبسوطة وهي التي تخرج للناس أعمالهم، وكل صحيفة فهي رق لرقة حواشيها، قال المتلمس: شعر : فكأنما هي من تقادم عهدها رق أتيح كتابها مسطور تفسير : الثاني: هو ورق مكتوب، قاله أبو عبيدة. الثالث: هو ما بين المشرق والمغرب، قاله ابن عباس. {وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ} فيه أربعة أوجه: أحدها: ما روى قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أُتِيَ بِيَ إِلَى السَّمَاءِ فَرُفِعَ لَنَا الْبَيتُ المَعْمُورُ، فَإِذَا هُوَ حِيالُ الكَعْبَةِ، لَوْ خَرَّ خَرَّ عَلَيهَا، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَومٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِذَا خَرَجُوا مِنهُ لَمْ يَعُودُوا إِلَيهِ" تفسير : قاله علي وابن عباس. الثاني: ما قاله السدي: أن البيت المعمور، هو بيت فوق ست سموات، ودون السابعة، يدعى الضراح، يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك من قبيلة إبليس لا يرجعون إليه أبداً، وهو بحذاء البيت العتيق. الثالث: ما قاله الربيع بن أنس، أن البيت المعمور كان في الأرض في موضع الكعبة في زمان آدم، حتى إذا كان زمان نوح أمرهم أن يحجوا، فأبوا عليه وعصوه، فما طغى الماء رفع فجعل بحذائه في السماء الدنيا، فيعمره، فبوأ الله لإبراهيم الكعبة البيت الحرام حيث كان، قاله الله تعالى: {وَإِِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيْمَ مَكَانَ الْبَيْتِ} الآية. الرابع: ما قاله الحسن أن البيت المعمور هو البيت الحرام. وفي {الْمَعْمُورِ} وجهان: أحدهما: أنه معمور بالقصد إليه. الثاني: بالمقام عليه، قال الشاعر: شعر : عمر البيـــت عامــر إذ أتـتـــه جــآذر مــن ظبــاء روائـــح وظبـــاء تبــاكــر تفسير : وتأول سهل أنه القلب، عمارته إخلاصه، وهو بعيد. {وَالسَّقْفِ المَرْفُوعِ} فيه وجهان: أحدهما: أنه السماء، قاله علي. الثاني: أنه العرش، قاله الربيع. {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه جهنم، رواه صفوان بن يعلى عن النبي صلى الله عليه وسلم. الثاني: هو بحر تحت العرش، رواه أبو صالح عن علي رضي الله عنه. الثالث: هو بحر الأرض، وهو الظاهر. وفي قوله: {الْمَسْجُورِ} سبعة تأويلات: أحدها: المحبوس، قاله ابن عباس والسدي. الثاني: أنه المرسل، قاله سعيد بن جبير. الثالث: الموقد ناراً، قاله مجاهد. الرابع: أنه الممتلىء، قاله قتادة. الخامس: أنه المختلط، قاله ابن بحر. السادس: أنه الذي قد ذهب ماؤه ويبس، رواه ابن أبي وحشية عن سعيد بن جبير. السابع: هو الذي لا يشرب من مائه ولا يسقى به زرع، قاله العلاء بن زيد. هذا آخر القسم، وجوابه: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لوَاقِعٌ} روى الكلبي: أن جبير بن مطعم قدم المدينة ليفدي حريفاً له يقال له مالك أسر يوم بدر، فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة [المغرب] يقرأ {وَالطُّورِ} فجلس مستمعاً، حتى بلغ قوله تعالى: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} فأسلم جبير خوفاً من العذاب، وجعل يقول: ما كنت أظن أن أقوم من مقامي، حتى يقع بي العذاب. {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَآءُ مَوْراً} فيه سبعة تأويلات: أحدها: معناه تدور دوراً، قاله مجاهد، قال طرفة بن العبد: شعر : صهابية العثنون موجدة القرا بعيدة وخد الرجل موارة اليد . تفسير : الثاني: تموج موجاً، قاله الضحاك. الثالث: تشقق السماء، قاله ابن عباس لقوله تعالى {فَإِذَا بُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً} الآية. الرابع: تجري السماء جرياً، ومنه قول جرير: شعر : وما زالت القتلى تمور دماؤها بدجلة حتى ماء دجلة أشكل تفسير : الخامس: تتكفأ بأهلها، قاله أبو عبيدة وأنشد بيت الأعشى: شعر : كأن مشيتها من بيت جارتها مور السحابة لا ريث ولا عجل تفسير : السادس: تنقلب انقلاباً. السابع: أن السماء ها هنا الفلك، وموره اضطراب نظمه واختلاف سيره، قاله ابن بحر. {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً} فيه تأويلان: أحدهما: يدفعون دفعاً عنيفاً ومنه قول الراجز: شعر : يدعه بصفحتي حيزومه دع الوصي جانبي يتيمه تفسير : قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي وابن زيد. الثاني: يزعجون إزعاجاً، قاله قتادة. ويحتمل ثالثاً: أن يدعهم زبانيتها بالدعاء عليهم.
ابن عطية
تفسير : هذه مخلوقات أقسم الله بها تنبيهاً منها وتشريفاً، وليكون ذلك سبب النظر فيها والاعتبار بها، وذلك يؤول إلى التوحيد والمعرفة بحقوق الله. {والطور} قال بعض أهل اللغة: كل جبل: طور، فكأنه أقسم بالجبال، إذ هو اسم جنس وقال آخرون: "الطور" كل جبل أجرد لا ينبت شجراً. وقال مجاهد في كتاب الطبري: "الطور" الجبل بالسريانية، وهذا ضعيف، لأن ما حكاه في العربية يقضي على هذا، ولا خلاف أن في الشام جبلاً يسمى بـ "الطور"، وهو طور سيناء. وقال نوف البكالي: إنه الذي أقسم الله به لفضله على الجبال. إذ قد روي أن الله تعالى أوحى إلىالجبال إني مهبط على أحدكم أمري. يريد رسالة موسى عليه السلام، فتطاولت كلها إلا الطور فإنه استكان لأمر الله وقال حسبي الله، فأهبط الله الأمر عليه. ويقال إنه بمدين. وقال مقاتل بن حيان هما طوران. والكتاب المسطور: معناه بإجماع: المكتوب أسطاراً. واختلف الناس في هذا المكتوب المقسم به، فقال بعض المفسرين: هو الكتاب المنتسخ من اللوح المحفوظ للملائكة لتعرف منه ما تفعله وتصرفه في العالم. وقال آخرون: بل أقسم الله تعالى بالقرآن، فإنه قد كان علم أنه يتخلد {في رق منثور}. وقال آخرون: أقسم بالكتب القديمة المنزلة: الإنجيل والتوراة والزبور. وقال الفراء فيما حكى الرماني: أقسم بالصحف التي تعطى وتؤخذ يوم القيامة بالأيمان والشمائل. وقال قوم: أقسم بالكتاب الذي فيه أعمال الخلق، وهو الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. وكتب بعض الناس، "مصطوراً" بالصاد. والقصد بذلك تشابه النطق بالحروف، والجمهور على السين. والرق: الورق المعدة للكتب وهي مرققة فلذلك سميت رقاً، وقد غلب الاستعمال على هذا الذي هو من جلود الحيوان. والمنشور: خلاف المطوي، وقد يحتمل أن يكون نشره بمعنى بشره وترقيقه وصنعته. وقرأ أبو السمال: "في رِق" بكسر الراء. واختلف الناس في {البيت المعمور} فقال الحسن بن أبي الحسن البصري: هي الكعبة. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس وعكرمة: هو بيت في السماء يقال له الضراح، وهو بحيال الكعبة، ويقال الضريح، ذكر ذلك الطبري وهو الذي ذكر في حديث الإسراء. قال جبريل عليه السلام: هذا البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما عليهم وبهذا عمارته. ويروى أنه في السماء السابعة. وقيل في السادسة وقيل إنه مقابل الكعبة لو خر لسقط عليها. وقال مجاهد وقتادة وابن زيد: في كل سماء بيت معمور، وفي كل أرض كذلك. وهي كلها على خط مع الكعبة. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: {والسقف المرفوع}: السماء {والسقف} طول في انحناء، ومنه أسقف النصارى، ومنه السقف، لأن الجدار وسقفه فيهما طول في انحناء. واختلف الناس في معنى: {المسجور} فقال مجاهد وشمر بن عطية معناه: الموقد ناراً. وروي أن البحر هو جهنم. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليهودي: أين جهنم؟ فقال هي البحر، فقال علي: ما أظنه إلا صادقاً، وقرأ: {والبحر المسجور}، ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أن البحر طبق جهنم". تفسير : قال الثعلبي: وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يركبن البحر إلا حاج أو معتمر أو مجاهد فإن تحت البحر ناراً ". تفسير : وفي حديث آخر: "حديث : فإن البحر نار في نار". تفسير : وقال قتادة: {المسجور} المملوء. وهذا معروف في اللغة. ورجحه الطبري بوجود نار البحر كذلك، وإلى هذا يعود القول الأول لأن قولهم: سجرت التنور معناه: ملأتها بما يحترق ويتقد و: {البحر المسجور} المملوء ماء، وهكذا هو معرض للعبرة، ومن هذا قول النمر بن تولب: [المتقارب] شعر : إذا شاء طالع مسجورة ترى حولها النبع والسماسما سقتها رواعد من صيـ ــف وإن من خريف فلن يعدما تفسير : يصف ثوراً أو عيناً مملوءة ماء، وقال ابن عباس: هو الذي ذهب ماؤه فـ {المسجور}: الفارغ، ويروى أن البحار يذهب ماؤها يوم القيامة وقيل يوقد البحر ناراً يوم القيامة فذلك هو سجره. وقال ابن عباس أيضاً: {المسجور}: المحبوس، ومنه ساجور الكلب: وهو القلادة من عود أو حديد التي تمسكه، وكذلك لولا أن البحر يمسك لفاض على الأرض. وقال علي بن أبي طالب أيضاً وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: البحر المقسم به هو في السماء تحت العرش، والجمهور على أنه بحر الدنيا، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {أية : وإذا البحار سجرت} تفسير : [التكوير: 6]. وقال منذر بن سعيد: إن المعنى هو القسم بجهنم وسماها بحراً لسعتها وتموجها كما قال صلى الله عليه وسلم في الفرس: "حديث : وإن وجدناه لبحر" تفسير : والقسم واقع على قوله: {إن عذاب ربك لواقع} ويريد عذاب الآخرة للكفار. قال قتادة: والعامل في: {يوم} "واقع" ويجوز أن يكون العامل فيه {دافع}، والأول أبين. وقال مكي: لا يعمل فيه {دافع}. و: {تمور} معناه: تذهب وتجيء بالرياح متقطعة متفتتة، والغبار الموار: الذي يجتمع ويذهب ويجيء بالريح، ثم هو كله إلى الذهاب، ومنه قول الأعرابي: شعر : وغادرت التراب مورا تفسير : يصف سنة قحط. وأنشد معمر بن المثنى بيت الأعشى: [البسيط] شعر : مور السحابة لا ريث ولا عجل تفسير : أراد مضيها، وقال الضحاك: {تمور} تموج. وقال مجاهد: تدور. وقال ابن عباس: تشقق، وهذه كلها تفاسير بالمعنى، لأن السماء العلو يعتريها هذا كله، وسير الجبال هو في أول الأمر، ثم تتفتت أثناء السير حتى تصير آخراً كالعهن المنفوش والفاء في قوله: {فويل} عاطفة جملة على جملة وهي تتضمن ربط المعنى وتأكيده وإثبات الويل للمكذبين. والويل: السوء والمشقة والهم الأطول، ويروى أن في جهنم وادياً يسمى: ويلاً والخوض التخبط في الأباطيل، يشبه بخوض الماء، ومنه قوله تعالى: {أية : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا} تفسير : [الأنعام: 68] و: {يوم} الثاني بدل من: {يومئذ} و: {يدعون} قال ابن عباس معناه: يدفعون في أعناقهم بشدة وإهانة وتعتعة، ومنه قوله تعالى: {أية : يدع اليتيم} تفسير : [الماعون: 2] وفي الكلام محذوف مختصر تقديره: يقال لهم هذه النار، وإخبارهم بهذا على جهة التوبيخ والتقريع وقرأ أبو رجاء العطاردي: "يوم يدْعَون إلى نار جهنم" من الدعاء بسكون الدال وفتح العين.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَالطُّورِ} الجبل بالسريانية، أو اسم لما ينبت من الجبال دون ما لا ينبت "ع" وهو هنا طور سيناء، أو الذي كلم عليه موسى عليه الصلاة والسلام، أو جبل مبهم.
النسفي
تفسير : {وَٱلطُّورِ} هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى وهو بمدين {وَكِتَـٰبٍ مُّسْطُورٍ } هو القرآن ونُكِّر لأنه كتاب مخصوص من بين سائر الكتب أو اللوح المحفوظ أو التوراة {فِى رَقّ } هو الصحيفة أو الجلد الذي يكتب فيه {مَّنْشُورٍ } مفتوح لا ختم عليه أو لائح {وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ } أي الضراح وهو بيت في السماء حيال الكعبة وعمرانه بكثرة زواره من الملائكة. رُوي أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ويخرجون ثم لا يعودون إليه أبداً. وقيل: الكعبة لكونها معمورة بالحجاج والعمار {وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ } أي السماء أو العرش {وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ } المملوء أو الموقد، والواو الأولى للقسم والبواقي للعطف، وجواب القسم {إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ } أي الذي أوعد الكفار به {لَوَاقِعٌ } لنازل. قال جبير بن مطعم: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلمه في الأسارى فلقيته في صلاة الفجر يقرأ سورة الطور، فلما بلغ {إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ لَوَاقِعٌ } أسلمت خوفاً من أن ينزل العذاب {مَالَهُ مِن دَافِعٍ } لا يمنعه مانع والجملة صفة لـ «واقع» أي واقع غير مدفوع. والعامل في {يَوْمٍ } {لَوَاقِعٌ } أي يقع في ذلك اليوم، أو اذكر {يَوْمَ تَمُورُ } تدور كالرحى مضطربة {ٱلسَّمَاء مَوْراً * وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْراً } في الهواء كالسحاب لأنها تصير هباء منثوراً {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ فِى خَوْضٍ يَلْعَبُونَ } غلب الخوض في الاندفاع في الباطل والكذب ومنه قوله {أية : وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَائِضِينَ }تفسير : [المدثر: 45] ويبدل {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا } من {يَوْمَ تَمُورُ } والدع: الدفع العنيف وذلك أن خزنة النار يغلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم ويدفعونهم إلى النار دفعاً على وجوههم وزخاً في أقفيتهم فيقال لهم {هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذّبُونَ } في الدنيا {أَفَسِحْرٌ هَـٰذَا } {هَـٰذَا } مبتدأ و{سِحْرٌ} خبره يعني كنتم تقولون للوحي هذا سحر أفسحر هذا يريد أهذا المصداق أيضاً سحر ودخلت الفاء لهذا المعنى {أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ } كما كنتم لا تبصرون في الدنيا يعني أم أنتم عمي عن المخبر عنه كما كنتم عمياً عن الخبر وهذا تقريع وتهكم. {ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُواْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَاء عَلَيْكُمْ } خبر {سَوَآء } محذوف أي سواء عليكم الأمران الصبر وعدمه بقوله {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } لأن الصبر إنما يكون له مزية على الجزع لنفعه في العاقبة بأن يجازي عليه الصابر جزاء الخير، فأما الصبر على العذاب الذي هو الجزاء ولا عاقبة له ولا منفعة فلا مزية له على الجزع. {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ } في أية جنات {وَنَعِيمٍ } أي وأي نعيم بمعنى الكمال في الصفة أو في جنات ونعيم مخصوصة بالمتقين خلقت لهم خاصة {فَـٰكِهِينَ } حال من الضمير في الظرف والظرف خبر أي متلذذين {بِمَا ءاتَـٰهُمْ رَبُّهُمْ } وعطف قوله {وَوَقَـٰهُمْ رَبُّهُمْ } على {فِي جَنَّـٰتِ } أي إن المتقين استقروا في جنات... ووقاهم ربهم، أو على {آتاهم ربهم} على أن تجعل «ما» مصدرية والمعنى فاكهين بإيتائهم ربهم ووقايتهم {عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ } أو الواو للحال و«قد» بعدها مضمرة يقال لهم {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أكلاً وشرباً هنيئاً أو طعاماً وشراباً هنيئاً وهو الذي لا تنغيص فيه {مُتَّكِئِينَ } حال من الضمير في {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ } {عَلَىٰ سُرُرٍ } جمع سرير {مَصْفُوفَةٌ } موصول بعضها ببعض {وَزَوَّجْنَـٰهُم } وقرناهم {بِحُورٍ } جمع حوراء {عِينٌ } عظام الأعين حسانها {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } مبتدأ و{أَلْحَقْنَا بِهِمْ } خبره {وَٱتَّبَعَتْهُمْ } {وَأَتْبَعْنَـٰهُم } أبو عمرو {ذُرّيَّتُهُم } أولادهم {بِإِيمَـٰنٍ } حال من الفاعل {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ } أي نلحق الأولاد بإيمانهم وأعمالهم درجات الآباء وإن قصرت أعمال الذرية عن أعمال الآباء. وقيل: إن الذرية وإن لم يبلغون مبلغاً يكون منهم الإيمان استدلالاً وإنما تلقنوا منهم تقليداً فهم يلحقون بالآباء. {ذُرّيَّتُهُم } {ذرياتهم} مدني {ذرياتهم} {ذرياتهم} أبو عمرو {ذرياتهم} {ذرياتهم} شامي {وَمَا أَلَتْنَـٰهُمْ مّنْ عَمَلِهِم مّن شَىْء} وما نقصناهم من ثواب عملهم من شيء. {أَلَتْنَـٰهُمْ } مكي ألت يألِت ألتِ يألَت لغتان من الأولى متعلقة بألتناهم والثانية زائدة {كُلُّ ٱمْرِىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ } أي مرهون فنفس المؤمن مرهونة بعمله وتجازى به.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {والطور} أراد به الجبل الذي كلم الله موسى عليه الصلاة والسلام بالأرض المقدسة وقيل: بمدين {وكتاب مسطور} أي مكتوب {في رق} يعني الأديم الذي يكتب فيه المصحق {منشور} أي مبسوط. واختلفوا في الكتاب، فقيل: هو ما كتب الله بيده لموسى من التوراة وموسى يسمع صرير الأقلام. وقيل: هو اللوح المحفوظ. وقيل: هو دواوين الحفظة يخرج إليهم يوم القيامة منشوراً فآخذ بيمينه وآخذ بشماله. وقيل: هو القرآن.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {فكهين} مقصوراً: يزيد {وأتبعناهم} من باب الأفعال: أبو عمرو {وذريتهم} على التوحيد مرفوعاً {ذرياتهم} على الجمع: أبو جعفر ونافع. وقرأ أبو عمرو على الجمع فيهما منصوباً. وقرأ {ذريتهم} ابن عامر وسهل ويعقوب على الجمع أيضاً ولكن برفع الأول. الباقون: على التوحيد فيهما الأول مرفوعاً والثاني منصوباً {ألتناهم} بكسر اللام ثلاثياً. ابن كثير {لؤلؤ} بتليين الهمزة الأولى: شجاع ويزيد وأبو بكر وحماد وحمزة في الوقف كما مر في الحج {أنه هو البر} بفتح الهمزة: أبو جعفر ونافع وعلي {أنا كنا ندعوه} {لأنه} {المسيطرون} بالسين: ابن كثير في رواية. وابن عامر والآخرون: بالصاد. وقرأ حمزة في رواية بإشمام الراء {يصعقون} مبنياً للمفعول: ابن عامر وعاصم {وإدبار النجوم} بالفتح: زيد عن يعقوب. الوقوف: {والطور} ه لا {مسطور} ه لا {منشور} ه لا {المعمور} ه لا {المرفوع} ه لا {المسجور} ه لا {لواقع} ه لا {من دافع} ه لا {موراً} ه لا {سيراً} ط {للمكذبين} ه لا {يلعبون} ه م {دعا} ط لأن التقدير يقال لهم هذه النار {تكذبون} ه {لا تبصرون} ه {تصبروا} ه لاختلاف الجملتين مع اتفاق المعنى {عليكم} ط {تعملون} ه {ونعيم} ه لا {آتاهم ربهم} ج لاحتمال العطف واتضاح وجه الحال أي وقد وقاهم {الجحيم} ه {تعملون} ه لا {مصفوفة} ج {عين} ه {شيء} ه {رهين} ه {يشتهون} ه {ولا تأثيم} ه {مكنون} ه {يتساءلون} ه {مشفقين} ه {السموم} ه ط لمن قرأ {إنه} بالكسر {الرحيم} ه {مجنون} ه لأن "أم" ابتداء استفهام وتوبيخ {المنون} ه {المتربصين} ه ط لما قلنا {طاغون} ه ج لاحتمال ابتداء الاستفهام والجواب بقوله بل {لا يؤمنون} ه ج للآية مع الفاء {صادقين} ه ط {الخالقون} ه ط {والأرض} ج لأن "بل" للإضراب مع العطف {لا يوقنون} ه {المسيطرون} ه ط {فيه} ج لتناهي الاستفهام مع فاء التعقيب {مبين} ه ط {البنون} ه ط {مثقلون} ه {يكتبون} ط {كيداً} ط {المكيدون} ه ط والضابط فيما تقدم أن كلما وصل "أم" فهو للجواب وما قطع فهو بمعنى ألف الاستفهام {غير الله} ط {يشركون} ه {مركوم} ه {يصعقون} ه لا لأن {يوم} بدل ما تقدمه {ينصرون} ه ط {لا يعلمون} ه {تقوم} ه لا {النجوم} ه. التفسير: لما ختم السورة المتقدمة بوقوع اليوم الموعود أقسم على ذلك بالطور وهو الجبل الذي مر ذكره مراراً في قصة موسى. والكتاب المسطور التوراة ظاهراً لأنه هو المناسب للطور. وقيل: اللوح المحفوظ. وقيل: صحيفة الأعمال. والرق الصحيفة أو الجلد الذي يكتب عليه. والمنشور خلاف المطوي كقوله {أية : ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً} تفسير : [الإسراء: 13] وقيل: هو القرآن ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين جنس الكتب {والبيت المعمور} الكعبة أو الضراح في السماء السابعة سمي معموراً لكثرة زواره من الحجاج أو الملائكة {والسقف المرفوع} السماء {والبحر المسجور} المملوء أو الموقد من قوله {أية : وإذا البحار سجرت} تفسير : [الأنفطار: 3] وقد سبق في "المؤمن" في قوله {أية : ثم في النار يسجرون}تفسير : [الآية: 72] عن جبير بن مطعم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلمه في الأساري فألفيته في صلاة الفجر يقرأ سورة {والطور} فلما بلغ {إن عذاب ربك لواقع} أسلمت خوفاً من أن ينزل العذاب {يوم تمور} تضطرب وتجيء وتذهب وقد يقال: المور تحرك في تموج كحركة الزئبق ونحوه. قلت: لأهل التأويل أن يقولوا: الطور القوة العقلية، وكتاب مسطور هي الجلايا القدسية والمعارف الإلهية الثابتة فيها كالحرف في الرق، والبيت المعمور بيت القلب، والسقف المرفوع الرأس، والبحر المسجور الدماغ المملوء من الخيالات والأوهام. {إن عذاب ربك} بالحرمان عن الإكرام لازدحام ظلم الآثام لواقع يوم القيامة الصغرى إذ تمور سماء الأرواح حين قطع العلائق وحيلولة العوائق موراً، وتسير جبال النفوس الحيوانية الأمارة التي أثقلت ظهر صاحبها لانتهاء سيرانها وانقضاء سلطانها سيراً. والدع الدفع العنيف. قال المفسرون: إن خزنة النار يغلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم ويدفعونهم إلى النار دفعاً على وجوههم وزجاً في أقفيتهم. والاستفهام في قوله {أفسحر} للتقريع والتهكم، والفاء مؤكد له أي كنتم تقولون للوحي إنه سحر فهذا أيضاً سحر {أم أنتم لا تبصرون} هذا المخبر عنه في الآخرة كما كنتم لا تصدقون الخبر عنه في الدنيا. وقوله {فاصبروا أو لا تصبروا} كقوله {سواء علينا لا تصدقون الخبر عنه في الدنيا. وقوله {فاصبروا أو لا تصبروا} كقوله {أية : سواء علينا أجزعنا أم صبرنا}تفسير : [إبراهيم: 21] ثم علل الاستواء بقوله {إنما تجزون} يعني أن الجزاء لا بد من حصوله فلا مزية للصبر على عدمه. قوله {ووقاهم} معطوف على متعلق قوله {في جنات} أي استقروا في جنات ونعيم ووقاهم العذاب. وجوز أن يعطف على {آتاهم} على أن "ما" مصدرية أي فاكهين بالإيتاء والوقاية {كلوا} على إرادة القول أي يقال لهم كلوا {واشربوا} أكلاً وشرباً {هنيئاً} أو طعاماً وشراباً هنيئاً لا تنغيص فيه. وقد مر في أول "النساء". وجوز جار الله أن يكون صفة في معنى المصدر القائم مقام الفعل أي هنأكم الأكل والشرب بسبب ما عملتم، أو الباء مزيدة أي هنأكم جزاء ما عملتم. قوله {والذين آمنوا} ظاهره أنه مبتدأ خبره {ألحقنا} قال جار الله: هو معطوف على {حور عين} أي قرناهم بحور عين والذين آمنوا من رفقائهم وجلسائهم وأتبعناهم ذرياتهم كي يجتمع لهم أنواع السرور بملاعبة الحور وبمؤانسة الإخوان المؤمنين وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم. وقوله {بإيمان} أي بسبب إيمان عظيم رفيع المحل وهو إيمان الآباء. {ألحقنا} بدرجاتهم {ذريتهم} ويجوز أن يراد إيمان الذرية الداني المحل كما جاء في الحديث "حديث : إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه لتقر بهم عينه ثم تلا هذه الآية"تفسير : {وما ألتناهم} أي وما نقصنا من ثوابهم شيئاً بعطية الأبناء ولا بسبب غيرها ولكن وفرنا عليهم جميع ما ذكرنا تفضلاً وإحساناً. ثم بين أن الجزاء بمقدار العمل فقال {كل امرىء بما كسب رهين} أي مرهون. قال جار الله: كأن نفس العبد رهن عند الله بالعمل الصالح الذي هو مطالب به كما يرهن الرجل عبده بدين عليه. فإن عمل صالحاً فكها وخلصها وإلا أوبقها. وقيل: هذا يعود إلى الكفار. والرهين المرهون المأخوذ المحبس على أمر يؤدي عنه. وقيل: بمعنى راهن وهو المقيم أي كل إنسان مقيم في جزاء ما يقدم. {وأمددناهم} وزدناهم وقتاً بعد وقت {يتنازعون} يتعاطون هم وقرناؤهم {لا لغو فيها} أي لا حديث باطل في أثناء شربها. ونفى اللغو لانتفاء الغول الذي هو من تعاكسيه {ولا تأثيم} أي لا يفعلون ما ينسب صاحبه إلى الإثم لو فعله في دار التكليف، وإنما يتكلمون بالكلام الحسن المفيد وذلك أنهم حكماء علماء. والغلمان الخدام المختصمون بهم، واللؤلؤ المكنون المستور في الصدف أو في الدرج وذلك أنه أصفى وأرطب وأثمن. وقيل لقتادة: هذا هو الخادم فكيف المخدوم؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : والذي نفس بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب" تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه فيجيب ألف ببابه لبيك لبيك"تفسير : {يتساءلون} يتحادثون {مشفقين} أرقاء القلوب من خشية الله وعذاب السموم عذاب النار لأنها تدخل المسام ومنه الريح السموم {من قبل} أي في الدنيا {فذكر} فأثبت على ما أنت عليه من التذكير والدعوة العامة {فما أنت بنعمة ربك} أي بسبب حمد الله وإنعامه عليك {بكاهن} كما يزعمون {ولا مجنون} فلعله كان لهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوال، فبعضهم ينسبونه إلى الكهانة نظراً إلى إخباره عن المغيبات، وبعضهم يرمونه بالجنون حيث لا يسمعون منه ما يوافق هواهم ويطابق مغزاهم، وبعضهم يرون أن تأثير كلامه فيهم من باب التخييل لا الإعجاز كما قال {أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون} وهو ما يقلق النفوس ويزعجها من حوادث الدهر، وقيل: المنون الموت "فعول" من منه إذا قطعه لأن الموت قطوع ولذلك سمي شعوب. وقد قالوا: ننتظر به نوائب الزمان فيهلك كما هلك الشعراء قبله. والأحلام العقول وكانت قريش يدعون أنهم أهل النهي والأحلام. وكون الأحلام أمرتهم مجاز لأدائها إلى تلك الأقوال الفاسدة، وفيه تقريع وتوبيخ إذ لو كان لهم عقل لميزوا بين الحق والباطل والمعجز وغيره {تقوَّله} اختلقه من تلقاء نفسه {بل لا يؤمنون} جحوداً وعناداً وقد صح عندهم إعجاز القرآن وإلا {فليأتوا بحديث مثله}. ثم وبخهم على إنكار الصانع بقوله {أم خلقوا من غير شيء} من غير خالق {أم هم الخالقون} أنفسهم. وقيل: أخلقوا من أجل لا شيء من جزاء وحساب. والأول أقوى لقوله {أم خلقوا السموات والأرض} ثم احتج عليهم بالأنفس ثم بالآفاق ثم قال {بل لا يوقنون} وذلك أنه حكى عنهم {أية : ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله}تفسير : [لقمان: 25] فتبين أنهم في هذا الاعتراف شاكون إذ لو عرفوه حق معرفته لم يثبتوا له نداً ولم يحسدوا من اختاره للرسالة كما وبخهم عليه بقوله {أم عندهم خزائن ربك} حتى يختاروا للنبوة من أرادوه {أم هم المسيطرون} المسلطون الغالبون حتى يدبروا أمر العالم على حسب مشيئتهم {أم لهم سلم يستمعون} الوحي صاعدين {فيه} إلى السماء عالمين بالمحق والمبطل ومن له العاقبة. والمغرم أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه {أم عندهم الغيب} المحفوظ في اللوح {فهم يكتبون} ما فيه من أحوال المبدأ والنبوة والمعاد فيحكمون بحسبها {أم يريدون كيداً} وهو كيدهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة وفي غيرها {فالذين كفروا} اللام لهؤلاء أو للجنس فيشملهم {هم المكيدون} المغلوبون الذين يعود وبال الكيد عليهم فقتلوا ببدر وأظهر الله دين الإسلام. ثم صرح بالمقصود الكلي فوبخهم على إشراكهم ونزه نفسه عن ذلك بقوله {سبحان الله} ثم أجاب عن بعض مقترحهم وهو قولهم {أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً} والمراد أنهم لفرط عنادهم لا يفيد معهم شيء من الدلائل فلو أسقطنا عليهم قطعة من السماء لقالوا هذا سحاب مركوم بعضه فوق بعض. ومعنى يصعقون يموتون وذلك عند النفخة الأولى. قوله {عذاباً دون ذلك} أي قبل يوم القيامة وهو القتل ببدر القحط سبع سنين وعذاب القبر {فأصبر لحكم ربك} بإمهالهم وتبليغ الرسالة {فإنك} محفوظ {بأعيننا} وهو مجاز عن الكلاءة التامة والجمع للتعظيم والمبالغة و {حين تقوم} أي من أي مكان قمت أو من منامك. وإدبار النجوم بالكسر غروبها آخر الليل وهو بالحقيقة تلاشي نورها في ضوء الصبح، وبالفتح أعقابها. والمعنى مثل ما قلنا. وقيل: التسبيح التهجد. ومن الليل صلاة العشاءين، وإدبار النجوم صلاة الفجر. أمره بالإقبال على طاعته بعد الفراغ عن دعوة الأمة فليس له شأن إلا هذين.
الثعالبي
تفسير : قوله عز وجل: {وَٱلطُّورِ * وَكِتَـٰبٍ مُّسْطُورٍ...} الآية، هذه مخلوقات أقسم اللَّه ـــ عز وجل ـــ بها؛ تنبيهاً على النظر والاعتبارِ بها، المؤَدِّي إلى توحيد اللَّه والمعرفة بواجب حَقِّه سبحانه؛ قال بعض اللغويين: كُلُّ جبلٍ طُورٌ، فكأَنَّه سبحانه أقسم بالجبال، وقال آخرون: الطور: كُلُّ جبل أجردَ لا ينبت شجراً، وقال نوف البكاليُّ: المراد هنا جبل طُورِ سَيْنَاءَ، وهو الذي أقسم اللَّه به؛ لفضله على الجبال، والكتاب المسطور: معناه بإجماع: المكتوبُ أسطاراً، واخْتَلَفَ الناس في هذا الكتاب المُقْسَمِ به، فقال بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هو الكتاب المُنْتَسَخُ من اللوح المحفوظ للملائكة؛ لتعرفَ منه جميعَ ما تفعله وتصرفه في العالم، وقيل: هو القرآن؛ إذ قد علم تعالى أَنَّه يتخلد في رَقٍّ منشور، وقيل: هو الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، وقيل: هو الكتاب الذي فيه أعمال الخلق، وهو الذي لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً، والرَّقُّ: الورق المُعَدَّةُ للكتب، وهي مُرَقَّقَةٌ؛ فلذلك سُمِّيَتْ رَقًّا، وقد غلب الاستعمال على هذا الذي هو من جلود الحيوان، والمنشور خلاف المَطْوِيِّ، {وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ}: هو الذي ذُكِرَ في حديث الإسراء؛ قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: هَذَا الْبَيْتُ المَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لاَ يَعُودُونَ إلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ، وبهذا هي عمارته، وهو في السماء السابعة، وقيل: في السادسة، وقيل: إنَّه مقابلٌ للكعبة، لو وَقَعَ حجر منه، لَوَقَعَ علَىٰ ظهر الكعبة، وقال مجاهد، وقتادة، وابن زيد: في كل سماء بيت معمور، وفي كل أرض كذلك، وهي كُلُّها على خط من الكعبة، وقاله علي بن أبي طالب، قال السُّهَيْلِيُّ: والبيت المعمور اسمه «عريباً»، قال وهب بن مُنَبِّهٍ: مَنْ قال: سبحانَ اللَّهِ وبحمده، كان له نور يملأ ما بين عريباً وحريباً، وهي الأرض السابعة، انتهى. {وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ}: هو السماء، واختلف الناس في {وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ} فقال مجاهد وغيره: المُوْقَدُ ناراً، ورُوِيَ أَنَّ البحرَ هو جَهَنَّمُ، وقال قتادة: {ٱلْمَسْجُورِ}: المملوء، وهذا معروف من اللغة، ورَجَّحَهُ الطبريُّ، وقال ابن عباس: هو الذي ذهب ماؤه، فالمسجور الفارغ، ورُوِيَ أَنَّ البحار يذهب ماؤها يومَ القيامة، وهذا معروف في اللغة، فهو من الأضداد، وقيل: يوقد البحر ناراً يَوْمَ القيامة، فذلك سجره، وقال ابن عباس أيضاً: {ٱلْمَسْجُورِ}: المحبوس؛ ومنه ساجور الكلب، وهي القلادة من عود أو حديد تمسكه، وكذلك لولا أَنَّ البحر يُمْسِكُ لفاض على الأرض، والجمهور على أَنَّه بحر الدنيا، وقال منذر بن سعيد: المُقْسَمُ به جهنم، وسمَّاها بحراً؛ لِسَعَتِها وتموجها؛ كما قال صلى الله عليه وسلم في الفرس: «حديث : وَإنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْراً»تفسير : ، والقسم واقع على قوله: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} يريد: عذاب الآخرة واقع للكافرين؛ قاله قتادة، قال الشيخ عبد الحق في «العاقبة»: وَيُرْوَى أَنَّ عمر بن الخطاب ـــ رضي اللَّه عنه ـــ سَمِعَ قارئاً يقرأ: {وَٱلطُّورِ * وَكِتَـٰبٍ مَّسْطُورٍ} قال: هذا قَسَمٌ حَقٌّ، فلمَّا بلغ القارىء إلى قوله ـــ عز وجل ـــ: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} ظنَّ أَنَّ العذاب قد وقع به فَغُشِيَ عليه، انتهى، و{تَمُورُ} معناه: تذهب وتجيء بالرياح متقطعةً مُتَفَتِّتَةً، وسير الجبال: هو في أَوَّلِ الأمر، ثم تتفتَّتُ حتى تصيرَ آخراً كالعِهْنِ المنفوش، و{يُدَعُّونَ} قال ابن عباس وغيره: معناه: يُدْفَعُونَ في أعناقهم بشدة وإهانة وتَعْتَعَةٍ، ومنه: {أية : يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ}تفسير : [الماعون:2]، وفي الكلام محذوف، تقديره: يقال لهم: هذه النار التي كنتم بها تكذبون؛ توبيخاً وتقريعاً لهم، ثم وقفهم سبحانه بقوله: {أَفَسِحْرٌ هَـٰذَا..} الآية: ثم قيل لهم على جهة قطع رجائهم: اصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا سواء عليكم، أي: عذابكم حتم، فسواء جَزَعُكُمِ وَصَبْرُكُمْ، لا بُدَّ من جزاء أعمالكم.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلطُّورِ} وما بعده أقسام جوابها {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} والواوات التي بعد الأولى عواطف لا حروف قسم كما تقدم في أول هذا الكتاب عن الخليل. ونكر الكتابَ تفخيماً وتعظيماً. فصل مناسبة هذه السورة لما قبلها من حيث الافتتاح بالقسم وبيان الحشر فيهما، وأول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها، لأن في آخرها قوله تعالى: {أية : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ} تفسير : [الذاريات: 60] وفي أول هذه السورة {أية : فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} تفسير : [الطور: 11] وفي آخر تلك السورة قوله: {أية : فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوباً} تفسير : [الذاريات: 59]؛ وذلك إشارة إلى العذاب، وقال هَهُنَا: إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ. فصل قيل: المراد بالطور الجبل الذي كلم الله عليه موسى - عليه الصلاة والسلام - بالأرض المقدسة، أقسم الله به. وقيل: هو الجبل الذي قال الله تعالى: {أية : وَطُورِ سِينِينَ} تفسير : [التين: 2]. وقيل: هو اسم جنس، والمراد بالكتاب المسطور كتاب موسى عليه الصلاة والسلام، وهو التوراة. وقيل: الكتاب الذي في السماء، وقيل: صحائف أعمال الخلق، وقال تعالى: {أية : وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً} تفسير : [الإسراء: 13]. وقيل: الفرقان. والمراد بالمسطور المكتوب. قوله: فِي رَقِّ يجوز أن يتعلق "بمَسْطُورٍ"؛ أي مكتوب في رَقٍّ. وجوَّز أبو البقاء أن يكون نعتاً آخر لكتاب وفيه نظر؛ لأنه يشبه تَهْيئَةَ العَامِلِ للعَمَلِ وقطْعِهِ منْهُ. والرَّقُّ - بالفتح - الجلد الرقيق يكتب فيه. وقال الرَّاغِب: الرق ما يكتبُ فيه شبه كاغد. انتهى فهو أعم من كونه جلداً أو غيرَهُ. ويقال فيه: رِقٌّ بالكسر. فأما مِلْكُ العبيد فلا يقال إلا رِقٌّ بالكسر. وقال الزَّمخشري: والرَّقُّ الصحيفة. وقيل: الجلد الذي يكتب فيه. انتهى. وقد غلط بعضهم من يقول: كَتَبْتُ في الرِّقّ بالكسر؛ وليس بغلط لثبوته به لُغَةً. وقد قرأ أبو السَّمَّال: في رِقٍّ، بالكسر. فإِن قيل: ما الفائدة في قوله تعالى: {فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ} وعظمة الكتاب بلفظه ومعناه لا بخطِّه ورقه؟!. فالجواب: أن هذا إِشارة إلى الوضع لأن الكتاب المطويَّ لا يعلم ما فيه فقال: في رق منشور أي ليس كالكتب المطويّة أي منشورٌ لكم لا يمنعكم أحدٌ من مُطَالَعتِهِ. (قوله: "والبيت المعمور" قيل: هو بيت في السماء العليا تحت العرش بِحيَالِ الكَعْبَةِ يقال له: الصّراح حُرْمَتُهُ في السماء كحُرْمَةِ الكعبة في الأرض يدخله كُلَّ يوم سبعونَ ألفاً من الملائكة يطُوفُونَ به ويُصَلُّون فيه، ثم لا يعودون إليه أبداً. ووصفه بالعمارة لكثرة الطائفين به من الملائكة. وقيل: هو بيت الله الحرام وهو معمورٌ بالحُجَّاج الطائفين به. وقيل: اللام في "البيت المعمور" لتعريف جنس كأنه يُقْسِمُ بالبيوتِ المَعْمُورة والعمائر المشهورة). قوله: "والسَّقْفِ المَرْفُوعِ" يعني السماء. ونظيرِه: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً} تفسير : [الأنبياء: 32]. قوله: "والبَحْر المَسْجُور" قيل: هو من الأضداد، يقال: بَحْرٌ مَسْجُورٌ أي مملوء، وبَحْرٌ مَسْجُورٌ أي فارغٌ. وروى ذو الرمة الشاعر عن ابن عباس - (رضي الله عنهما) - أنه قال: خرجت أُمةٌ لتَسْتَقي فَقَالَتْ: إِن الحَوْضَ مَسْجُورٌ؛ أي فارغ. ويؤيد هذا أن البحار يذهب ماؤها يومَ القيامة. وقيل: المسجور الممسوك، ومنه ساجُور الكلب لأنه يمسكه ويحبسه. وقال محمد بن كعب القرظيّ والضَّحَّاكُ: يعني الموقَد المحمّى بمنزلة التَّنُّور المُحَمَّى، وهو قول ابن عباس (- رضي الله عنهما -)؛ لما روى أن الله تعالى يجعل البحار كلها يوم القيامة ناراً فيزاد بها في نار جهنم كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ} تفسير : [التكوير: 6]. وروى عَبْدُ اللَّهِ بْن عُمَرَ - (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : لاَ يَرْكَبَنَّ رَجُلٌ بَحْراً إلاَّ غَازِياً أَوْ مُعْتَمِراً أَوْ حَاجًّا، فَإِنَّ تَحْتَ البَحْرِ نَاراً وتَحْتَ النَّارِ بَحْراً"تفسير : . وقال الربيع بن أنس: المسجور المختلط العذب بالمالح. وروى الضحاك عن النّزّال بن سَبْرَةَ عن علي أنه قال: البحر المسجور: هو بحر تحت العرش، كما بين سبع سموات إلى سبع أرضين فيه ماءٌ غليظٌ، يقال له: بحرُ الحيوان يمطر العباد منه بعد النفخة الأولى أربعين صباحاً فينبتون في قبورهم. وهذا قول مقاتل. فصل قيل: الحكمة في القسم بهذه الثلاثة أشياء أن هذه الأماكن الثلاثة وهي: الطور، والبيت المعمور، والبحر المسجور كانت لثلاثة أنبياء للخلوة بربهم والخلاص من الخلق وخطابهم مع الله. أما الطور فانتقل إليه موسى - عليه الصلاة والسلام - وخاطب الله تعالى هناك وأما البيت المعمور فانتقل إليه محمد - عليه الصلاة والسلام - وقال لربه: "سَلاَمٌ عَلَيْنَا وعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحينَ، لاَ أُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيتَ على نَفسك". وأما البحر المسجور فانتقل إليه يونسُ - عليه الصلاة والسلام -، ونادى في الظلمات: {أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} فصارت هذه الأماكن شريفة بهذه الأسباب فأقسم الله تعالى بها. وأما ذكر الكتاب فلأن الأنبياء كان لهم في هذه (الأماكن) مع الله تعالى كلام والكلام في الكتاب (واقترانه بالطور أدل على ذلك؛ لأن موسى - عليه السلام - كان له مكتوبٌ ينزل عليه وهو بالطُّور). فصل أقسم في بعض السور بجموع كقوله: {أية : وَٱلذَّارِيَاتِ} تفسير : [الذاريات: 1] {أية : وَٱلْمُرْسَلاَتِ} تفسير : [المرسلات: 1] {أية : وَٱلنَّازِعَاتِ} تفسير : [النازعات: 1] وفي بعضها بأفراد كقوله: "والطُّورِ" ولم يقل: والأَطوار والبِحار. قال ابن الخطيب: والحكمة فيه: أن في أكثر الجموع أقسم عليها بالمتحركات والريح الواحدة ليست بثابتة بل هي متبدِّلة بأفرادها مستمرة بأنواعها، والمقصود مِنْهَا لا يحصل إلا بالبَدَل والتَّغَيُّر، فقال: "والذاريات" إشارة إلى النوع المستمر، لا الفرد المعين المستقر، وأما الجبل فهو ثابت غير متغير عادة فالواحد من الجبال دائمٌ زماناً ودهراً، فأقسم في ذلك بالواحد، وكذلك في قوله: {أية : وَٱلنَّجْمِ} تفسير : [النجم: 1]، ولو قال: "والريح" لما علم المقسَمُ به، وفي الطور عُلِمَ. قوله: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} نازل وكائن. وقوله: "مِنْ دَافِعٍ" يجوز أن تكون الجملة خبراً ثانياً، وأن تكون صفة لواقع أي واقع غير مدفوع. قال أبو البقاء. و "مِن دَافِعٍ" يجوز أن يكون فاعلاً، وأن يكون مبتدأ و "مِن" مزيدة على الوجهين. فصل قال جُبَيْرُ بْنُ مُطْعمٍ: قدمت المدينة لأكلمَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - في أُسَارَى بدر فدفعت إليه وهي يصلي بأصحابه المغرب وصوته يخرج من المسجد فسمعته يقرأ "والطور" إلى قوله: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ} فكأنما صُدِّع قلبي حين سمعتـ (ـه) ولم أَكُن أُسْلِمُ يومئذ قال: فأسلمتُ خوفاً من نزول العذاب وما كنت أظن أن أقومَ من مكاني حتى يقع بي العذاب.
البقاعي
تفسير : لما ختمت الذاريات بتحقيق الوعيد، افتتحت هذه بإثبات العذاب الذي هو روح الوعيد، فقال تعالى: {والطور *} وذلك أنهم لما كانوا يقولون عما أتاهم به الرسول صلى الله عليه وسلم: إنه سحر خيال لا حقيقة له، أقسم بالجبل - الذي هو عندهم وعند غيرهم من ذوي العقول - أثبت الأرض وأشدها وأصلبها، وعبر عنه بالطور الذي هو مشترك بين مطلق الجبل وبين المضاف إلى سينا الذي كان فيه نبوة موسى عليه السلام وإنزال كثير من كتابه وغير ذلك - آيات تعلمها بنو إسرائيل الذين يستنصحونهم ويسألونهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ويرضون بقولهم فيه فمن آياته أنه كانت فيه الرحمة بمناجاة موسىعليه السلام وما كتب له فيه على ألواح الجوهر وما أنزل عليه من الناموس الذي جعله هدى ورحمة وموعظة وذكراً وتفصيلاً لكل شيء وكان فيه مع الرحمة العذاب بما أتاهم من الصاعقة التي أماتتهم ثم أحياهم الله وبما كانوا يشهدون من السحاب الذي تخلله فيكون كقتار الأتون، وفيه بروق كأعظم ما يشاهد من النار، وأبواق تزعق بصوت هائل، ولما شوهد من اندكاك لجبل عند التجلي وصعق موسى عليه السلام إلى غير ذلك من الآيات التي تكشف الظلمات، وأيضاً فالطور كل جبل ينبت، وإنبات الجبل عجيب، فإن نباته لا يكون إلا بسبب، وسبب النبات الماء، والماء منبث في الأرض لتركبها عليه وهو مواز لما انكشف منه من ماء البحار، وكلما علت الأرض بعدت عن الماء، والجبال أبعدها منه، فسبب إنباته خفي جداً لا يعلمه إلا الله ومن فهمه إياه. ولما كانت الأرض لوح السماء التي منها الوعيد، وكانت الجبال أشدها، فذكر أعظمها آية، وكان الكتاب لوح الكاتب، وكانت الكتب الإلهية أثبت الكتب، وكان طور سينا قد نزل كتاب إلهي قال: {وكتاب} وحقق أمره بقوله: {مسطور *} أي متفق الكتابة بسطور مصفوفة من حروف مرتبة جامعة لكلمات متفقة ككتاب موسى عليه السلام الذي أنزله عليه وكلمه بكثير منه في الطور وتنكيره للتعظيم لأنه إن كان المراد به الكتب الإلهية فهو أثبت الأشياء، وإن كان المراد صحيفة قريش فقد كانوا ظنوها أثبت العهود، وذكر أمتن ما يكتب فيه وأشده وأتقنه فقال: {في رق} أي في جلد مهيأ بالقشر للكتابة {منشور *} أي مهيأ للقراءة والاتعاظ بما فيه، ويمكن أن يكون أراد به جميع الكتب المنزلة عاماً بعد خاص، قال الرازي: قال الصادق: إن الله تجلى لعبده بكتابه كما تجلى بالطور لما كان محلاً للتجلي خلقاً، والكتاب لما كان محلاً للتجلي أمراً، أجراهما في قرن - انتهى. ويجوز أن يكون أراد به سبحانه صحيفة الظلم التي كتبوها بما تعاقدوا عليه من أنهم لا يعاشرون بني هاشم ولا يكلمونهم ولا يبايعونهم ولا يشاورونهم ولا يناكحونهم ولا يؤازرونهم ولا يعاملونهم حتى يسلموا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلقوها في جوف الكعبة فانحاز بنو هاشم إلى شعب أبي طالب خلف أبي قبيس وتبعهم بنو المطلب رهط إمامنا الشافعي رضي الله عنه، فتحيزوا معهم من بين بني عبد مناف، فكان ذلك سبب شرفهم على مدى الدهر، فأرسل الله على الصحيفة - بعد أن مضى على ذلك سنتان حين جهدهم العيش ومضّهم الزمان وزلزلتهم القوارع زلزالاً شديداً وهم ثابتون ليظهر الله بذلك شرف من شاء من عباده - الأرضة، فأبقت ما فيها من أسماء الله تعالى ومحت ما كان من ظلمهم وقطيعتهم، فكان ذلك سبباً لأن قام في نقضها معشر منهم، فنقضها الله بهم، وكانوا إذا ذاك كفرة كلهم ليظهر الله قدرته سبحانه على كل من النقض والإبرام بما شاء ومن شاء {والبيت المعمور *} الذي هو قيام للناس كما كانت قبة الزمان قياماً لبني إسرائيل، هذا إن كان تعالى أراد به الكعبة التي علقوا فيها الصحيفة بعد أن كانوا لما عمروها اختلفوا فيمن يضع الحجر الأسود في موضعه، وزاد بهم الاختلاف حتى تهيؤوا للقتال وتحالفوا عليه، فكان منهم لعقة الدم، ومنهم المطيبون كما هو مشهور في السير، ثم وفقوا لأن رضوا أن يحكم بينهم أو داخل من باب عينوه، فكان أول داخل منه النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا بأجمعهم: هذا محمد هذا الأمين، رضينا بحكمه، فحكم صلى الله علي وسلم بأن يوضع الحجر الشريف في ثوب ويأخذ رئيس كل قبيلة بطرف من أطرافه ويرفعوه كلهم، فلما وازى موضعه أخذه هو صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة فوضعه في موضعه، فكان الفخر له مضاعفاً بحكمه وإصلاحه بينهم، واختصاصه بوضعه وهو معمور بالزوار والخدمة وكثرة الحاشية. ولما كان البيت لا بد في مسماه من السقف قال: {والسقف المرفوع *} يريد سقف الكعبة إشارة إلى أنه محكم البناء مغلق الباب متقن السقف إتقاناً هو أعظم من إتقان سقف قبة الزمان التي شاهد فيها بنو إسرائيل من العظمة الإلهية والجلال ما إن سألتموهم عنه أخبروكم به، ومع ذلك سلط على الصحيفة - التي في جوفه، ولعلها كانت في سقفه بحيث لا يصل إليها أحد - ما أفسدها تحقيقاً لثبوت ما أراد من أمره تحذيراً مما توعد به، ويمكن أن يراد به مع ذلك السماء التي فيها ما توعدون، ومن المعلوم أن لكل ذي عقل أن أقل السقوف لا يرتفع توعدون، ومن المعلوم أن لكل ذي عقل أن أقل السقوف لا يرتفع بغير عمد إلا بأسباب لا ترى، فكيف بالسماء التي لها من السعة والعظمة والثخن وما فيها من الكواكب ما لها مما لا يسع العقول شرحه، وهم لا ينظرون أسبابه كما قال تعالى{أية : بغير عمد ترونها}تفسير : [الرعد: 2] ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إنه العرش وهو سقف الجنة. ولما كان الماء أقوى من كل ما تقدم، ختم به فقال: {والبحر المسجور *} أي الذي فيه من الماء أكثر من ملئه وهو ساجره أي مانعه - كما يمنع الكلب بساجوره عن الانسباح، ولو أراد خلاه فاندفق فجرى فأهلك ما مر عليه من جبل وكتاب وبيت كما شوهد لما شجره سبحانه لبني إسرائيل فانفلق، ونشفت أرضه ثم لما أراد سببه أن فرعون فعذبهم به فأهلكهم حتى لم يبق منهم أحد. ولما أقسم بما يدل على نبوة موسى عليه السلام وثلث بما أشار إلى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وثنى بما هو مشترك بينهما، وكان الأول مع ذلك دالاً على استقرار الأرض، والثالث على صلاحيتها للسكنى، والثاني على الحافظ في ذلك، وربع بما كمل المنافع، وحذر من السقوط كما خوف بالأول من الخسف، وخمس بما دل على ما أريد بالأول من الاستقرار لأنه لو كان ميل لانطلق البحر إلى جهته، أجاب القسم بقوله: {إن عذاب} ولما كان سبحانه عظيم الإكرام له صلى الله عليه وسلم، أضاف العذاب إلى صفة الإحسان والتربية الخاصة به، وأضاف الصفة إلى ضميره إيذاناً بأنه يريه في أمته ما يسره، وإن مماثلة "ذنوبهم كذنوب أصحابهم" الماضين إنما هي في مجرد الإذلال، لا في أنه يستأصلهم كما استأصل أولئك فقال: {ربك} أي الذي تولى تربيتك أي عذاب أراده بكل من أراد به لا سيما المعادي لأوليائه سبحانه {لواقع *} أي ثابت نازل بمن أراد نزول ما هو ثقيل من مكان عال كما أنه لو أراد لقلب الأرض التي ثبتها وأوقع السقف الذي رفع، وأطلق البحر الذي سجر، كما علم من إطلاقه البحر فلقه على آل فرعون حتى أغرقهم به {ما له من دافع *} لأنه لا شريك لموقعه لما دلت عليه هذه الأقسام من كمال قدرته وجلال حكمته وضبط أعمال العباد للمجازاة سواء قلنا: إن الكتاب هو الذي يكتبه الحفظة أو الذي يضبط الدين، فلما أوقع الجزاء بهم في الصحيفة، ونقض معاقدتهم، وفض جمعهم، أخرج معاشرك من ذلك الضيق فكذلك يؤيدك حتى توقع بهم وتنقض جمعهم وتكسر شوكتهم ونقتل سرواتهم ويظهر دينك على دينهم، ويصير من بقي منهم من حزبك وأنصار دينك، قال البغوي: قال جبير بن مطعم رضي الله عنه: قدمت المدينة لأكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسارى بدر، فدفعت إليه وهو يصلي بأصحابه المغرب وصوته يخرج من المسجد فسمعته يقرأ {والطور} - إلى قوله - {إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع} فكأنما صدع قلبي حين سمعته، ولم أكن أسلمت يومئذ، فأسلمت خوفاً من نزول العذاب ما كنت أظن أن أقوم من مقامي حتى يقع بي العذاب. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما توعد تعالى كفار قريش ومن كان على طريقتهم من سائر من كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم سيصيبهم ما أصاب غيرهم من مكذبي الأمم، المنبه على ذكرهم في السورة قبل، ثم أشار سبحانه إلى عظيم ما ينالهم من الخزي وأليم العذاب بقوله:{أية : فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون}تفسير : [الذاريات:60] أقسم سبحانه على صحة ذلك ووقوعه - والعياذ به سبحانه من سخطه وأليم عذابه - فقال تعالى: {والطور} - إلى قوله - {إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع} ثم أومأ سبحانه إلى مستحقيه ومستوجبيه فقال {فويل يومئذ للمكذبين} ثم ذكر ما يعنفون به ويوبخون على ما سلف منهم من نسبته عليه الصلاة والسلام إلى السحر فقال تعالى {أية : ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون}تفسير : [سبأ: 42] {أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون} ثم أعقب بذكر حال المؤمنين المستجيبين، ثم ذكر إثر إعلامه بحال الفريقين - نعمته على نبيه عليه الصلاة والسلام وعصمته ووقايته مما يقول المفترون فقال تعالى {فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون} ثم جرت الآي على توبيخهم في مقالتهم ووهن انتقالاتهم، فمرة يقولون: كاهن، ومرة يقولون: مجنون، ومرة يقولون: شاعر يترقب موته. فوبخهم على ذلك كله وبين كذبهم وأرغمهم وأسقط ما بأيديهم بقوله {فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين} وهذا هو المسقط لما تقولوه أولاً وآخراً، وهذا الذي لم يجدوا عنه جواباً، ورضوا بالسيف والجلاء، لم يتعرضوا لتعاطي معارضته، وهذا هو الوارد في قوله تعالى في صدر سورة البقرة{أية : وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله}تفسير : [البقرة: 23] الآيات، فما نطقوا في جوابه ببنت شفة{أية : قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله} تفسير : [الإسراء: 88] فتبارك من جعله آية باهرة وحجة قاهرة - انتهى. ولما أثبت وقوع العذاب، تشوفت نفس الموقن إلى وقته، قال مستأنفاً لبيان أنه واقع على تلك الصفة: {يوم تمور} أي تتحرك وتضطرب وتجيء وتذهب وتتكفأ تكفأ السفينة وتدور دوران الرحى، ويموج بعضها في بعض، وتختلف أجزاؤها بعضها في بعض، ولا تزول عن مكان؛ قال البغوي: والمور يجمع هذه المعاني فهو في اللغة الذهاب والمجيء والتردد والدوران والاضطراب، قال الرازي: وقيل: تجيء وتذهب كالدخان ثم تضمحل. {السماء} التي هي سقف بيتكم الأرض {موراً *} أي اضطراباً شديداً {وتسير الجبال} أي تنتقل من أمكنتها انتقال السحاب، وحقق معناه بقوله: {سيراً} فتصير هباء منثوراً وتكون الأرض قاعاً صفصفاً.
السيوطي
تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {والطور} قال: جبل. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الطور من جبال الجنة ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الطور جبل من جبال الجنة ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه {والطور} قال: هو الجبل بالسريانية {وكتاب مسطور} قال: صحف {في رق منشور} قال: الصحيفة. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {وكتاب} قال: الذكر {مسطور} قال: مكتوب. وأخرج عبد الرزاق والبخاري في خلق أفعال العباد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن قتادة رضي الله عنه في قوله {والطور وكتاب مسطور} قال: مكتوب {في رق منشور} قال: هو الكتاب. وأخرج آدم بن أبي اياس والبخاري في خلق أفعال العباد وابن جرير والبيهقي عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وكتاب مسطور} قال: صحف مكتوبة {في رق منشور} قال: في صحف. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما {في رق منشور} قال: في الكتاب. أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : البيت المعمور في السماء السابعة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه حتى تقوم الساعة ". تفسير : وأخرج ابن المنذر والعقيلي وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : في السماء بيت يقال له المعمور بحيال الكعبة، وفي السماء الرابعة نهر يقال له الحيوان يدخله جبريل كل يوم فينغمس انغماسة ثم يخرج، فينتفض انتفاضة يخر عنه سبعون ألف قطرة يخلق الله من كل قطرة ملكاً يؤمرون أن يأتوا البيت المعمور فيصلون فيفعلون، ثم يخرجون فلا يعودون إليه أبداً، ويولي عليهم أحدهم يؤمر أن يقف بهم في السماء موقفاً يسبحون الله فيه إلى أن تقوم الساعة ". تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : البيت المعمور في السماء يقال له الضراح على مثل البيت الحرام بحياله، لو سقط لسقط عليه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لم يردوه قط، وإن له في السماء حرمة على قدر حرمة مكة ". تفسير : وأخرجه عبد الرزاق في المصنف عن كريب مولى ابن عباس رضي الله عنهما مرسلاً. وأخرج اسحق بن راهويه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن خالد بن عرعرة أن رجلاً قال لعليّ رضي الله عنه: ما البيت المعمور؟ قال: بيت في السماء يقال له الضراح، وهو بحيال مكة من فوقها حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة لا يعودون إليه أبداً. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن جرير وابن الأنباري في المصاحف عن أبي الطفيل أن ابن الكوّا سأل عليّاً رضي الله عنه عن البيت المعمور ما هو؟ قال: ذلك الضراح بيت فوق سبع سموات تحت العرش يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {والبيت المعمور} قال: هو بيت حذاء العرش يعمره الملائكة يصلي فيه كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة ثم لا يعودون إليه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في قوله {والبيت المعمور} قال: أنزل من الجنة فكان يعمر بمكة، فلما كان الغرق رفعه الله فهو في السماء السادسة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك من قبيلة إبليس ثم لا يرجع إليه أحد يوماً واحداً أبداً. وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن عمرو رفعه قال: إن البيت المعمور بحيال الكعبة لو سقط شيء منه لسقط عليها يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك والحرم حرم بحياله إلى العرش، وما من السماء موضع إهاب إلا وعليه ملك ساجد أو قائم. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن في السماء بيتاً يقال له الضراح، وهو فوق البيت من حياله حرمته في السماء كحرمة هذا في الأرض يلجه كل ليلة سبعون ألف ملك يصلون فيه لا يعودون إليه أبداً غير تلك الليلة. وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة فأرادت عائشة أن تدخل البيت فقال لها بنو شيبة: إن أحداً لا يدخله ليلاً ولكن نخليه لك نهاراً، فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم، فشكت إليه أنهم منعوها أن تدخل البيت، فقال: "حديث : إنه ليس لأحد أن يدخل البيت ليلاً إن هذه الكعبة بحيال البيت المعمور الذي في السماء يدخل ذلك المعمور سبعون ألف ملك لا يعودون إليه إلى يوم القيامة لو وقع حجر منه لوقع على ظهر الكعبة ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله {والبيت المعمور} قال: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً لأصحابه: "حديث : هل تدرون ما البيت المعمور؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه مسجد في السماء بحيال الكعبة لو خرَّ خرَّ عليها يصلي كل يوم فيه سبعون ألف ملك، إذا خرجوا منه لم يعودوا آخر ما عليهم ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما عرج بي الملك إلى السماء السابعة انتهيت إلى بناء فقلت للملك ما هذا؟ قال: هذا بناء بناه الله للملائكة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك يسبحون الله ويقدسونه لا يعودون إليه ". تفسير : وأخرج ابن راهويه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه البيهقي في شعب الإِيمان عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله {والسقف المرفوع} قال: السماء. وأخرج أبو الشيخ عن الربيع بن أنس في قوله {والسقف المرفوع} قال: العرش {والبحر المسجور} قال: هو الماء الأعلى الذي تحت العرش. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه {والسقف} قال: السماء. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله {والبحر المسجور} قال: بحر في السماء تحت العرش. وأخرج ابن جرير عن ابن عمرو مثله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {والبحر المسجور} قال: المحبوس. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {والبحر المسجور} قال: المرسل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن سعيد بن المسيب قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لرجل من اليهود: أين جهنم؟ قال: هي البحر، فقال عليّ: ما أراه إلا صادقاً وقرأ {والبحر المسجور} {أية : وإذا البحار سجرت}تفسير : [التكوير: 6]. وأخرج أبو الشيخ في العظمة والبيهقي في البعث والنشور عن علي بن أبي طالب قال: ما رأيت يهودياً أصدق من فلان زعم أن نار الله الكبرى هي البحر، فإذا كان يوم القيامة جمع الله فيه الشمس والقمر والنجوم ثم بعث عليه الدبور فسعرته. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله {والبحر المسجور} قال: الموقد. وأخرج أبو الشيخ عن كعب في قوله {والبحر المسجور} قال: البحر يسجر فيصير جهنم. وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله {والبحر المسجور} قال: المملوء. وأخرج الشيرازي في الألقاب من طريق الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء عن ذي الرمة عن ابن عباس في قوله {والبحر المسجور} قال: الفارغ، خرجت أمة تستقي فرأت الحوض فارغاً فقالت: الحوض مسجور.
ابو السعود
تفسير : سورة الطور مكية وآيها تسع أو ثمان وأربعون آية {وَٱلطُّورِ} الطُّورُ بالسُّريانية الجبلُ والمرادُ بهِ طورُ سينينَ وهُو جبلٌ بمدينَ سمعَ فيهِ مُوسى عليهِ السَّلامُ كلامَ الله تعالَى {وَكِتَـٰبٍ مُّسْطُورٍ} مكتوبٍ على وَجْهِ الانتظامِ فإنَّ السطرَ ترتيبُ الحروفِ المكتوبةِ والمرادُ بهِ القرآنُ أوْ ألواحُ مُوسى عليهِ السَّلامُ وهُو الأنسبُ بالطُّورِ أو مَا يكتبُ في اللوحِ أو ما يكتبُهُ الحفظةُ {فِى رَقّ مَّنْشُورٍ} الرقُّ الجلدُ الذي يكتبُ فيه استعيرَ لما يكتبُ فيهِ الكتابُ منَ الصحيفةِ، وتنكيرُهُمَا للتفخيمِ أوْ للإشعارِ بأنَّهما ليسَا مما يتعارفُه النَّاسُ {وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ} أي الكعبةِ وعمارتُها بالحُجَّاجِ والعُمَّارِ والمجاورينَ أو الضراحُ وهوَ في السماءِ الرابعةِ وعُمرانُه كثرةُ غاشيتِه منَ الملائكةِ {وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ} أي السماءِ ولاَ يَخفْى حسنُ موقعِ العُنوانِ المذكورِ {وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ} أي المملوءِ وهُو البحرُ المحيطُ أو الموقدُ منْ قولِه تعالَى: { أية : وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجّرَتْ} تفسير : [التكوير، الآية 6] فالمرادُ بهِ الجنسُ رُوي أنَّ الله تعالَى يجعلُ البحارَ يومَ القيامةِ نَاراً يسجرُ بَها نارَ جهنمَ. {إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ لَوَاقِعٌ} أَيْ لنازلٌ حَتْماً جَوابٌ للقسمِ وَقولُه تعالَى: {مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ} إِمَّا خبرٌ ثانٍ لأنَّ أَوْ صفةٌ لواقع وَمِنْ دافعٍ إمَّا مبتدأُ للظرفِ أوْ مرتفعٌ بهِ عَلى الفاعليةِ ومنْ مزيدةٌ للتأكيدِ. وتخصيصُ هذهِ الأمورِ بالإقسامِ بها لِمَا أنَّها أمُورٌ عظِامٌ تنبىءُ عنْ عِظمِ قدرةِ الله تعالَى وكمالِ علمهِ وحكمتِه الدالَّةِ عَلى إحاطتِه تعالَى بتفاصيلِ أعمالِ العبادِ وضبطِها الشاهدةِ بصدقِ أخبارِه التي مْن جُملتِها الجملةُ المقسمُ عَليها.
السلمي
تفسير : قال جعفر: ما يطوى على قلب أحبابى من الأنس بذكرى والالتذاذ بحبى {وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ} وهو ما كتب الحق على نفسه لهم من الاقتراب والقربة.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَٱلطُّورِ وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ}. أقسم الله بهذه الأشياء (التي في مطلع السورة)، وجواب القَسَم قوله: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ}. والطورُ هو الجبلُ الذي كُلِّم عليه موسى عليه السلام؛ لأنه مَحَلُّ قَدَم الأحباب وقتَ سماع الخطاب. ولأنه الموضعُ الذي سَمِعَ فيه موسى ذِكْرَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وذِكْرَ أُمَّته حتى نادانا ونحن في أصلاب آبائنا فقال: أعطيتكم قبل أن تَسألوني {وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ} مكتوب في المصاحف، وفي اللوح المحفوظ. وقيل: كتاب الملائكة في السماء يقرؤون منه ما كان وما يكون. ويقال: ما كتب على نفسه من الرحمة لعباده. ويقال ما كتب من قوله: "حديث : سبقت رحمتي غضبي ". تفسير : ويقال: هو قوله: {أية : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ}تفسير : [الأنبياء: 105]. ويقال: الكتاب المسطور فيه أعمال العباد يُعْطَى لعباده بأَيْمانهم وشمائلهم يوم القيامة. {فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ} يرجع إلى ما ذكرنا من الكتاب. {وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ}. في السماء الرابعة ويقال: هو قلوب العابدين العارفين المعمورة بمحبته ومعرفته. ويقال: هي مواضع عبادتهم ومجالس خلواتهم. وقيل: الكعبة. {وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ}. هي السماء. وقيل سماء هِمَمِهم في الملكوت. {وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ}. البحار المملوءة. أقسم بهذه الأشياء: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} وعذابُه في الظاهر ما توعَّدَ به عبادَه العاصين، وفي الباطن الحجابُ بعد الحضور، والسترُ بعد الكشف، والردُّ بعد القبول. {مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ}. إذا رَدَّ عَبْداً أَبرمَ القضاءَ بردِّه: شعر : إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكن إليه بوجه آخَر - الدهر - تُقْبِلُ
البقلي
تفسير : {وَٱلطُّورِ وَكِتَابٍ مُّسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ} اقسم الله ها هنا بذاته وصفاته وفعله الطور ذاته القديم والكتاب المسطور صفاته القديمة والرق المنشور افعاله اللطيفة وايضا الطور قلب محمد صلى الله عليه وسلم والكتاب المسطور رموز ما ارواح والرق المنشور واسراره المنقوشة بانوار وحيد والها من غرائب علومه الدنية ظاهر قسمه على الطور الذى تجلى له الحق فاذا كان ذلك محصل قسمه بتجلى واحد فما تقول فى طور لا ينفك انوار تجليه منه وهو قلب محمد صلى الله عليه وسلم سماه طور العظمة واستقامية فى موازاة سطوات عزته وسمى قلب غيره من الانبياء والاولياء بالبيت المعمور الذى عمره بنور القربة والمشاهدة والعلم والحكمة والمعرفة والوجد والحال والمكاشفة ويمكن ان تعالى اراد به صورة محمد صلى الله عليه وسلم او صورة ابيه ادم الذى خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وجعله مرأة ظهوره وجعل روحه ورق اسرار علومه التى ذكرها بقوله {أية : وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا}.
اسماعيل حقي
تفسير : {والطور} الواو للقسم والطور بالسريانية الجبل وقال بعضهم هو عربى فصيح ولذا لم يذكره الجو اليقى فى المعربات وقال ابن عباس رضى الله عنهما الطور كل جبل ينبت قال شعر : لو مر بالطور بعض ناعقة ماانبت الطور فوقه ورقه تفسير : كويند مراد انيجا مطلق كوهست كه اوتاد ارض اند. وفيه منابع ومنافع وقيل بل هو جبل محيط بالارض والاظهر الاشهر انه اسم جبل مخصوص هو طور سينين يعنى الجبل المبارك وهو جبل بمدين واسمة زبير سمع فيه موسى عليه السلام كلام الله تعالى ولذا اقسم الله تعالى به لانه محل قدم الاحباب وقت سماع الخطاب وورد على محل القدم كثير من الاولياء فظهر عليهم الحال تلك الساعة وقال فى خريدة العجائب جبل طور سينا هو بين الشأم ومدين قيل انه بالقرب من ايلة وهو المكلم عليه موسى عليه السلام كان اذا جاءه موسى للمناجاة ينزل عليه غمام فيدخل فى الغمام ويكلم ذا الجلال والاكرام وهو الجبل الذى دك عند التجلى وهناك خر موسى صعقا هذا الجبل اذا كسرت حجارته يخرج من وسطها شجرة العوسج على الدوام وتعظيم اليهود لشجرة العوسج لهذا المعنى ويقال لشجرة العوسج شجرة اليهود انتهى كلام الخريدة والعوسج جمع عوسجة وهى شوك كما فى القاموس
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {والطورِ} هو الجبل الذي كلّم الله عليه موسى بمَدين، {وكتابٍ مسطور} وهو القرآن العظيم، ونكّر لأنه كتاب مخصوص من بين سائر الكتب، أو: اللوح المحفوظ، أو: التوراة، كتبه الله لموسى، وهو يسمع صرير القلم، {في رَقٍّ منشور} الرَق: الجلد الذي يُكتب فيه، والمراد: الصحيفة، وتنكيره للتخفيم والإشعار بأنها ليست مما يتعارفه الناس، والمنشور: المفتوح لا ختم عليه، أو: الظاهر للناس، {والبيت المعمور} وهو بيت في السماء السابعة، حِيَال الكعبة، ويقال له: الضُراح، وعُمرانه بكثرة زواره من الملائكة، رُوي: أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، يطوفون به، ويخرجون، ومَن دخله لا يعود إليه أبداً، وخازنه ملَك يُقال له: "رَزين". وقيل الكعبة، وعمارته بالحجاج والعُمَّار والمجاورين. {والسقفِ المرفوع} أي: السماء، أو: العرش، {والبحر المسجُورٍ} أي: المملوء، وهو البحر المحيط، أو الموقد، من قوله تعالى:{أية : وَإِذَا الْبِحَارُ سًجِّرَت}تفسير : [التكوير: 6] والمراد الجنس، رُوي "أن الله تعالى يجعل البحار يوم القيامة ناراً، تسجر بها نار جهنم، كما يسجر التنوير بالحطب" وعن ابن عباس: المسجور: المحبوس، أي: المُلْجَم بالقدرة. والواو الأولى للقسم، والتوالي للعطف، والمقسم عليه: {إِنَّ عذاب ربك لواقعٌ} لنازل حتماً، {ما له من دافع} أي: لا يمنعه مانع، والجملة: صفة لواقع، أي: وقع غير مدفوع. و"من" مزيدة للتأكيد، وتخصيص هذه الأمور بالإقسام بها؛ لأنها أمور عظام، تُنبئ عن عِظم قدرة الله تعالى، وكمال علمه، وحكمته الدالة على إحاطته تعالى بتفاصيل أعمال العباد، وضطبها، الشاهدة بصدق أخباره، التي من جملتها: الجملة المُقسَم عليها. الإشارة: أقسم الله تعالى بجبل العقل، الذي أرسى به النفس أن تميل إلى ما فيه هلاكها، وبما كتب في قلوب أوليائه من اليقين، والعلوم، والأسرار، قال تعالى:{أية : أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإِيمانُ}تفسير : [المجادلة: 22] وذلك حين رقَّت وَصَفَت من الإغيار، ثم أقسم أيضاً بذلك القلب، وهو البيت المعمور؛ لأن القلب بيت الرب،"حديث : يا داوود طَهرّ بيتاً أَسْكُنه..." تفسير : الحديث، وهو معمور بالمعارف والأنوار، وأقسم بسماء الأرواح المرفوعة عن خوض عالم الأشباح، وهو سقف بيت القلب، وبحر الأحدية الذي عمر كلَّ شيء، وأحاط بكل شيء، وأفنى كلَّ شيء، فالوجود كله بحر متصل، أوله وآخره، وظاهره وباطنه. إنَّ عذاب ربك لأهل العذاب، وهم أهل الحجاب، لواقع، وأعظم العذاب: غم الحجاب وسوء الحساب، ومن دعاء السري السقطي: اللهم مهما عذبتني فلا تعذبني بذل الحجاب. اهـ. ماله من دافع؛ لا يدفعه أحد من الخلق، إلا مَن رحم الله، أو: مَن أهّله الله لذلك من أهل التربية النبوية. ثم ذكر وقت ما أقسم عليه، فقال: {يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْراً}.
الطوسي
تفسير : سبع آيات حجازي وثمان في ما عداه، عدّ الكوفيون والشاميون {والطور} ولم يعده الحجازيون. الوجه فى القسم بالطور هو ما قدمناه فى قوله {والذاريات} وغير ذلك، وهو أن الله تعالى له أن يقسم بما يشاء من خلقه، وليس للعباد ان يقسموا إلا به. وقيل: الطور هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى. وقال مجاهد: الطور جبل. وقال المبرد: يقال لكل جبل طور. فاذا ادخلت عليه الألف واللام كان معرفة لشيء بعينه. ومنه قوله {أية : ورفعنا فوقهم الطور}تفسير : وقيل: إنه سرياني {وكتاب مسطور} أي مكتوب - فى قول قتادة والضحاك - قال رؤية: شعر : إني واسطار سطرن سطرا تفسير : وقيل: الكتاب المسطور: هو الذي كتبه الله على خلقه من الملائكة في السماء يقرؤن فيه ما كان ويكون. وقيل: هو القرآن مكتوب عند الله فى اللوح المحفوظ، وهو الرق المنشور. وقال الفراء: الكتاب المسطور صحائف الاعمال فمن أخذ كتابه بيمينه، ومن أخذ كتابه بشماله. والسطر ترتيب الحروف. والمسطور المرتب الحروف على وجه مخصوص، سطرته أسطره سطراً، فأنا ساطر وذلك مسطور {في رق منشور} فالرق جلد رقيق يصلح للكتابة. وقال ابو عبيدة: الرق هو الورق. وقيل: إنما ذكر الرق، لانه من أحسن ما يكتب عليه، فذكر لهذه العلة، فاذا كتبت الحكمة في ما هو على هذه الصفة كان أبهى وأولى. والمنشور المبسوط. وإنما قيل: منشور، لانه أبهى في العيون. وقوله {والبيت المعمور} قيل: هو بيت في السماء الرابعة بحيال الكعبة، تعمره الملائكة بما يكون منها فيه من العبادة. وروي ذلك عن علي عليه السلام وابن عباس ومجاهد. قال على عليه السلام يدخل كل يوم سبعون الف ملك ثم لا يعودون فيه. وقال الحسن البيت المعمور: البيت الحرام. وقال أمير المؤمنين عليه السلام ومجاهد وقتادة وابن زيد {والسقف المرفوع} هو السماء. وقوله {والبحر المسجور} فالبحر المجري الواسع العظيم من مجاري الماء، واصله الاتساع. والبحيرة الناقة التي يوسع شق أذنها وتخلى في المرع. وتبحر فلان في العلم إذا اتسع فيه، والمسجور المملؤ. ومنه سجرت التنور إذا ملأته ناراً. وعين سجراء ممتلئة فيها حمرة كأنها احمرت مما هو لها كسجار التنور. وقال مجاهد وابن زيد: البحر المسجور الموقد. وقال قتادة: هو المملوء قال لبيد: شعر : فتوسطا عرض السري وصدعا مسجورة متجاوز أقدامها تفسير : وروي في الحديث ان البحر يسجر، فيكون ناراً في جهنم. وقوله {إن عذاب ربك لواقع} جواب القسم، أقسم الله تعالى بالاشياء التي تقدم ذكرها ليتحقق عند العباد أن عذابه واقع لا محالة لمن وافى على الصفة التي يستحق بها العقوبة، وأن لا يطمع أن ينفعه سؤال حميم او قريب منه قال النمر ابن تولب العكلي: شاهداً فى المسجور: شعر : إذا شاء طالع مسجورة ترى حولها النبع والسما سما تفسير : وإنما هي بقعة مملوة شجراً.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلطُّورِ} اقسم بالجبل الّذى كلّم الله عليه موسى (ع)، او اقسم بمطلق الجبل لما فيه من انواع البركات والخيرات ولما ينبع من تحته الماء الّذى هو اصل جميع البركات وباطنه الامام الّذى به وجود العالم وبقاؤه وبركاته، او المراد جهة النّفس العليا الّتى اذا بلغ الانسان هناك قرب من الله اذا كان على الجانب الايمن منها.
الأعقم
تفسير : {والطور} الجبل الذي كلم الله عليه موسى (عليه السلام)، قال مجاهد: أقسم الله به لعجيب خلقه وما أودع فيه من عجيب خلقته وأنواع نعمته وهو بالأرض المقدسة واسمه رأس وهو بمدين {وكتاب مسطور} قيل: هو الكتاب الذي فيه الأعمار، والمسطور المكتوب، قال الله تعالى: {أية : ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً} تفسير : [الإسراء: 13] وقيل: ما كتب الله لموسى وهو يسمع صرير القلم، وقيل: اللوح المحفوظ، وقيل: القرآن {في رقٍّ منشور} مبسوط {والبيت المعمور} قيل: بيت في السماء حيال الكعبة يعمر بكثرة صلاة الملائكة، عن أمير المؤمنين وابن عباس قيل: هو في السماء الرابعة، وقيل: في السماء السابعة يعمره الملائكة بالعبادة، وقيل: يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه، وقيل: هذا البيت أنزل مع آدم من الجنة، ثم حمل أيام الطوفان إلى السماء، وقيل: هي الكعبة معمورة بالحج والعمرة وهو أول مسجد وضع للعبادة في الأرض {والسقف المرفوع} يعني السماء {والبحر المسجور} المملوء، وقيل: الموقد من قوله: {أية : وإذا البحار سجرت}تفسير : [التكوير: 6]، وروي أن الله تعالى يجعل يوم القيامة البحار كلها ناراً يسجر بها نار جهنم، وعن علي (عليه السلام) أنه سأل يهودياً: "أين تكون النار في كتابكم؟" قال: في البحر، قال علي: "ما أراه إلا صادقاً، لقوله: {والبحر المسجور}" {إن عذاب ربك لواقع} جواب القسم لواقع أي نازل بأهله {ما له من دافع} يدفعه ويمنعه {يوم تمور السماء موراً} قيل: تدور دوراناً، وقيل: تحرك، وقيل: تموج، وقيل: تضطرب {وتسير الجبال سيراً} أي تمور عن أماكنها وتصير هباء منبثاً، وكل ذلك من أشراط القيامة {فويل يومئذ للمكذبين} أي العذاب يومئذ للمكذبين {الذين هم في خوض يلعبون} أي في كلام باطل يخوضون ويلعبون، وقيل: غافلين عن ذلك {يوم يدعون إلى نار جهنم} أي يدفعون إليها ارعاباً، قيل: إن الخزنة يغلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم، ثم يدفعون إلى النار على وجوههم فإذا قربوا عاينوا العذاب على ما أخبر به، قيل لهم: {هذه النار التي كنتم بها تكذبون} {أفسحر هذا} يعني كنتم تقولون للوحي سحراً فهذا سحراً المصادف، وجعلت الفاء لهذا المعنى {أم أنتم لا تبصرون} كما كنتم لا تبصرون في الدنيا وهذا تقريع وتهكم {اصلوها} أي أخلوها فالزموها {فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم} قيل: مستوي صبركم وجزعكم لا محيص لكم {إنما تجزون ما كنتم تعملون} من المعاصي بالدنيا.
الهواري
تفسير : تفسير سورة الطور، وهي مكية كلها. {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرًَّحِيمِ} قوله: {وَالطُّورِ} أي: الجبل {وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ} أي مكتوب. {فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ} تفسير الحسن: إنه القرآن في أيدي السفرة. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: سألت كعباً عن {رَقٍّ مَّنشُورٍ} فقال: ينزل من السماء السابعة فيُكتب فيه اسمُ المؤمن ثم يُرفع، وهو كتاب يكتب في الرَّق ثم يُصعد به، يشهده المقرّبون، أي يشهدون كتابه في الرق. قال بعضهم: أظنه عمل المؤمن. وقال مجاهد: هو رَقٌّ منشور، صحيفة. ذكروا عن عون بن عبد الله قال: سبحان الله وبحمده كتب في الرَّق ثم ختم عليها ثم رفعت إلى يوم القيامة. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : كل ميت يختم على عمله إلا الذي يموت مرابطاً في سبيل الله فإنه يجري عليه ما كان الرباط .
اطفيش
تفسير : {واَلطُّورِ} الجبل الذي كلم الله عليه موسى وهو بمدين وهو طور سينين، أقسم لفضله على الجبال عند بعض وقيل: الجبل الذي كلم عليه موسى وهو بالأرض المقدسة، والطور بالسريانية الجبل قال بعض اللغويين كل جبل طور، أقسم الله بالجبال وقال آخرون كل جبل أجرد لا ينبت شجراً أو ما طار من لوج الايجاد إلى حضيض المواد ومن عالم الغيب الى عالم الشهادة.
اطفيش
تفسير : جبل الطور، وهو الذى كلم الله تعالى عليه موسى، ويسمى طور سيناء، وطور سينين، قرب التيه بين مصر والعقبة، ودع عنك القول بأنه جبل محيط بالدنيا، والقول بأنه جبل من جبال الجنة، لكنه رواية عن أبى هريرة مرفوعة، غير أيها لم تصح، والقول بأنه جنس الجبال، ولو قال به أبو حيان والكلبى ومجاهد، ولو قال بعض المتلقبين بأهل السنة اذا جاء التفسير عن مجاهد كفى، وأهل السنة فى عرف هؤلاء هم الأشاعرة الماتردية، وما ذكرته أولا هو قول للجمهور والمشهور، ويقويه ذكر هذا الفظ فى قوله: "أية : وطور سينين" تفسير : [التين: 2] وهور سيناء، وتفسير القرآن بالقرآن، أولى، ويقال: هو بمدين أو بالقدس، ولا ينافى أنه قرب التيه.
الالوسي
تفسير : الطور اسم لكل جبل على ما قيل في اللغة العربية عند الجمهور، وفي اللغة السريانية عند بعض، ورواه ابن المنذر وابن جرير عن مجاهد، والمراد به هنا طور سينين الذي كلم الله تعالى موسى عليه السلام عنده، ويقال له: طور سيناء أيضاً، والمعروف اليوم بذلك ما هو بقرب التيه بين مصر والعقبة، وقال أبو حيان في تفسير سورة { أية : وَٱلتّينِ } تفسير : [التين: 1]: لم يختلف في طور سيناء أنه جبل بالشام وهو الذي كلم الله تعالى عليه موسى عليه الصلاة والسلام، وقال في تفسيره هذه السورة في الشام جبل يسمى الطور وهو طور سيناء فقال نوف البكالي: إنه الذي أقسم الله سبحانه به لفضله على الجبال، قيل: وهو الذي كلم الله تعالى عليه موسى عليه السلام انتهى فلا تغفل، وحكى الراغب أنه جبل محيط بالأرض ولا يصح عندي، وقيل: جبل من جبال / الجنة، وروى فيه ابن مردويه عن أبـي هريرة، وعن كثير بن عبد الله حديثاً مرفوعاً ولا أظن صحته، واستظهر أبو حيان أن المراد الجنس لا جبل معين، وروي ذلك عن مجاهد والكلبـي، والذي أعول عليه ما قدمته.
سيد قطب
تفسير : هذه السورة تمثل حملة عميقة التأثير في القلب البشري. ومطاردة عنيفة للهواجس والشكوك والشبهات والأباطيل التي تساوره وتتدسس إليه وتختبئ هنا وهناك في حناياه. ودحض لكل حجة وكل عذر قد يتخذه للحيدة عن الحق والزيغ عن الإيمان.. حملة لا يصمد لها قلب يتلقاها، وهي تلاحقه حتى تلجئه إلى الإذعان والاستسلام! وهي حملة يشترك فيها اللفظ والعبارة، والمعنى والمدلول، والصور والظلال، والإيقاعات الموسيقية لمقاطع السورة وفواصلها على السواء. ومن بدء السورة إلى ختامها تتوالى آياتها كما لو كانت قذائف، وإيقاعاتها كما لو كانت صواعق، وصورها وظلالها كما لو كانت سياطاً لاذعة للحس لا تمهله لحظة واحدة من البدء إلى الختام! وتبدأ السورة بقسم من الله سبحانه بمقدسات في الأرض والسماء. بعضها مكشوف معلوم! وبعضها مغيب! مجهول: {والطور. وكتاب مسطور. في رق منشور. والبيت المعمور. والسقف المرفوع}.. القسم على أمر عظيم رهيب، يرج القلب رجاً، ويرعب الحس رعباً. في تعبير يناسب لفظه مدلوله الرهيب؛ وفي مشهد كذلك ترجف له القلوب: {إن عذاب ربك لواقع، ما له من دافع، يوم تمور السماء موراً، وتسير الجبال سيراً}.. وفي وسط المشهد المفزع نرى ونسمع ما يزلزل ويرعب، من ويل وهول، وتقريع وتفزيع: {فويل يومئذ للمكذبين، الذين هم في خوض يلعبون. ويوم يُدعُّون إلى نار جهنم دعَّا. هذه النار التي كنتم بها تكذبون. أفسحر هذا؟ أم أنتم لا تبصرون؟ اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا، سواء عليكم، إنما تجزون ما كنتم تعملون}.. هذا شوط من حملة المطاردة. يليه شوط آخر من لون آخر. شوط في إطماع القلوب التي رأت ذلك الهول المرعب - إطماعها في الأمن والنعيم. بعرض صورة المتقين وما أعد لهم من تكريم. وما هيئ لهم من نعيم رخي رغيد، يطول عرضه، وتكثر تفصيلاته، وتتعدد ألوانه. مما يستجيش الحس إلى روْح النعيم وبرده؛ بعد كرب العذاب وهوله: {إن المتقين في جنات ونعيم. فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم. كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون. متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين. والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم، وما ألتناهم من عملهم من شيء، كل امرئ بما كسب رهين. وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون. يتنازعون فيها كأساً لا لغو فيها ولا تأثيم. ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون. وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون. قالوا: إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين. فمنّ الله علينا ووقانا عذاب السموم. إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم}.. والآن وقد أحس القلب البشري سياط العذاب في الشوط الأول؛ وتذوق حلاوة النعيم في الشوط الثاني.. الآن يجيء الشوط الثالث يطارد الهواجس والوساوس؛ ويلاحق الشبهات والأضاليل؛ ويدحض الحجج والمعاذير. ويعرض الحقيقة بارزة واضحة بسيطة عنيفة. تتحدث بمنطق نافذ لا يحتمل التأويل، مستقيم لا يحتمل اللف والدوران. يلوي الأعناق ليَّاً ويلجئها إلى الإذعان والتسليم.. ويبدأ هذا الشوط بتوجيه الخطاب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليمضي في تذكيره لهم، على الرغم من سوء أدبهم معه؛ وليقرعهم بهذا المنطق النافذ القوي المستقيم: {فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون. أم يقولون: شاعر نتربص به ريب المنون؟ قل: تربصوا فإني معكم من المتربصين. أم تأمرهم أحلامهم بهذا؟ أم هم قوم طاغون؟ أم يقولون تقوّله؟ بل لا يؤمنون. فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين. أم خلقوا من غير شيء؟ أم هم الخالقون؟ أم خلقوا السماوات والأرض؟ بل لا يوقنون. أم عندهم خزائن ربك؟ أم هم المسيطرون؟ أم لهم سُلّم يستمعون فيه؟ فليأت مستمعهم بسلطان مبين. أم له البنات ولكم البنون؟ أو تسألهم أجراً فهم من مغرم مثقلون؟ أم عندهم الغيب فهم يكتبون؟ أم يريدون كيداً؟ فالذين كفروا هم المكيدون. أم لهم إله غير الله؟سبحان الله عما يشركون}.. وعقب هذه الأسئلة المتلاحقة. بل هذه القذائف الصاعقة. التي تنسف الباطل نسفاً، وتحرج المكابر والمعاند، وتخرس كل لسان يزيغ عن الحق أو يجادل فيه.. عقب هذا يصور تعنتهم وعنادهم في صورة الذي يكابر في المحسوس: {وإن يروا كسفاً من السمآء ساقطاً يقولوا: سحاب مركوم}. والفرق بين قطعة السماء تسقط وبين السحاب واضح، ولكنهم هم يتلمسون كل شبهة ليعدلوا عن الحق الواضح. هنا يلقي عليهم بالقذيفة الأخيرة. قذيفة التهديد الرعيب، بملاقاة ذلك المشهد المرهوب، الذي عرض عليهم في مطلع السورة: {فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون. يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئاً ولا هم ينصرون}.. كما يهددهم بعذاب أقرب من ذلك العذاب: {وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك، ولكن أكثرهم لا يعلمون}.. ثم تختم السورة بإيقاع رضي رخي.. إنه موجه إلى الرسول الكريم الذي يقولون عنه: {شاعر نتربص به ريب المنون}.. ويقولون: كاهن أو مجنون. موجه إليه من ربه يسليه ويعزيه في إعزاز وتكريم. في تعبير لا نظير له في القرآن كله؛ ولم يوجه من قبل إلى نبي أو رسول: {واصبر لحكم ربك، فإنك بأعيننا، وسبح بحمد ربك حين تقوم، ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم}. إنه الإيقاع الذي يمسح على العنت والمشقة اللذين يلقاهما الرسول الكريم، من أولئك المتعنتين المعاندين، الذين اقتضت مواجهتهم تلك الحملة العنيفة من المطاردة والهجوم.. {والطور. وكتاب مسطور. في رق منشور. والبيت المعمور. والسقف المرفوع. والبحر المسجور. إن عذاب ربك لواقع. ما له من دافع. يوم تمور السماء موراً. وتسير الجبال سيراً. فويل يومئذ للمكذبين الذين هم في خوض يلعبون. يوم يدعُّون إلى نار جهنم دعَّا. هذه النار التي كنتم بها تكذبون. أفسحر هذا؟ أم أنتم لا تبصرون؟ اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا، سواء عليكم، إنما تجزون ما كنتم تعملون}.. هذه الآيات القصيرة، والفواصل المنغمة، والإيقاعات الفاصلة، تصاحب السورة من مطلعها. وهي تبدأ كلمة واحدة. حتى تصبح كلمتين. ثم تطول شيئاً فشيئاً حتى تبلغ في نهاية المقطع اثنتي عشرة كلمة. مع المحافظة الكاملة على قوة الإيقاع. والطور: الجبل فيه شجر. والأرجح أن المقصود به هو الطور المعروف في القرآن، المذكور في قصة موسى - عليه السلام - والذي نزلت فوقه الألواح. فالجو في جو مقدسات يقسم بها الله سبحانه على الأمر العظيم الذي سيجيء. والكتاب المسطور في رق منشور. الأقرب أن يكون هو كتاب موسى الذي كتب له في الألواح. للمناسبة بينه وبين الطور. وقيل. هو اللوح المحفوظ. تمشياً مع ما بعده: البيت المعمور، والسقف المرفوع. ولا يمتنع أن يكون هذا هو المقصود. والبيت المعمور: قد يكون هو الكعبة. ولكن الأرجح أن يكون بيت عبادة الملائكة في السماء لما ورد في الصحيحين في حديث الإسراء: "حديث : ثم رفع بي إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألفاً لا يعودون إليه آخر ما عليهم"تفسير : .. يعني يتعبدون فيه ويطوفون به كما يطوف أهل الأرض بكعبتهم! والسقف المرفوع: السماء. قاله سفيان الثوري وشعبة وأبو الأحوص عن سماك بن خالد بن عرعرة عن علي - كرم الله وجهه - قال سفيان: ثم تلا: {أية : وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً وهم عن آياتها معرضون }.. تفسير : والبحر المسجور: المملوء. وهو أنسب شيء يذكر مع السماء في مشهد. في انفساحه وامتلائه وامتداده. وهو آية فيها رهبة ولها روعة. تؤهلانه للذكر مع هذه المشاهد المقسم بها على الأمر العظيم. وقد يكون معنى المسجور: المتقد. كما في سورة اخرى: {أية : وإذا البحار سجرت} تفسير : أي توقدت نيراناً. كما أنه قد يشير إلى خلق آخر كالبيت المرفوع يعلمه الله. يقسم الله سبحانه بهذه الخلائق العظيمة على أمر عظيم. بعد أن يتهيأ الحس بهذه الإيقاعات لاستقبال ذلك الأمر العظيم: {إن عذاب ربك لواقع، ما له من دافع}.. فهو واقع حتماً، لا يملك دفعه أحد أبداً. وإيقاع الآيتين والفاصلتين حاسم قاطع. يلقي في الحس أنه أمر داهم قاصم، ليس منه واق ولا عاصم. وحين يصل هذا الإيقاع إلى الحس البشري بلا عائق فإنه يهزه ويضعضعه ويفعل به الأفاعيل.. قال الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن داود، عن صالح المري، عن جعفر بن زيد العبدي قال: خرج عمر يعس بالمدينة ذات ليلة، فمر بدار رجل من المسلمين، فوافقه قائماً يصلي، فوقف يستمع قراءته فقرأ: {والطور.. حتى بلغ: إن عذاب ربك لواقع، ما له من دافع}.. قال: قسم ورب الكعبة حق. فنزل عن حماره. واستند إلى حائط، فمكث ملياً، ثم رجع إلى منزله، فمكث شهراً يعوده الناس لا يدرون ما مرضه. رضي الله عنه. وعمر - رضي الله عنه - سمع السورة قبل ذلك، وقرأها، وصلى بها، فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بها المغرب. وعمر يعلم. ويتأسى. ولكنها في تلك الليلة صادفت منه قلباً مكشوفاً، وحساً مفتوحاً، فنفذت إليه وفعلت به هذا الذي فعلت. حين وصلت إليه بثقلها وعنفها وحقيقتها اللدنية المباشرة؛ التي تصل إلى القلوب في لحظات خاصة، فتتخللها وتتعمقها، في لمسة مباشرة كهذه اللمسة، تلقى فيها القلب الآية من مصدرها الأول كما تلقاها قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأطاقها لأنه تهيأ لتلقيها. فأما غيره فيقع لهم شيء مما وقع لعمر - رضي الله عنه - حين تنفذ إليهم بقوة حقيقتها الأولى.. ويعقب هذا الإيقاع الرهيب مشهد مصاحب له رهيب: {يوم تمور السماء موراً، وتسير الجبال سيراً}.. ومشهد السماء الثابتة المبنية بقوة وهي تضطرب وتتقلب كما يضطرب الموج في البحر من هنا إلى هناك بلا قوام. ومشهد الجبال الصلبة الراسية التي تسير خفيفة رقيقة لا ثبات لها ولا استقرار. في أمر مذهل مزلزل. يدل ضمناً على الهول الذي تمور فيه السماء وتسير منه الجبال. فكيف بالمخلوق الإنساني الصغير الضعيف في ذلك الهول المذهل المخيف؟! وفي زحمة هذا الهول الذي لا يثبت عليه شيء؛ وفي ظل هذا الرعب المزلزل لكل شيء، يعالج المكذبين بما هو أهول وأرعب. يعاجلهم بالدعاء عليهم بالويل من العزيز الجبار: {فويل يومئذ للمكذبين. الذين هم في خوض يلعبون}.. والدعاء بالويل من الله حكم بالويل وقضاء. فهو أمر لا محالة واقع، ما له من دافع. وهو كائن حتماً، يوم تمور السماء موراً وتسير الجبال سيراً. فيتناسب هذا الهول مع ذلك الويل، وينصبّ كله على المكذبين.. { الذين هم في خوض يلعبون}.. وهذا الوصف ينطبق ابتداء على أولئك المشركين ومعتقداتهم المتهافتة، وتصوراتهم المهلهلة؛ وحياتهم القائمة على تلك المعتقدات وهذه التصورات، التي وصفها القرآن وحكاها في مواضع كثيرة. وهي لعب لا جد فيه. لعب يخوضون فيه كما يخوض اللاعب في الماء، غير قاصد إلى شاطئ أو هدف، سوى الخوض واللعب! ولكنه يصدق كذلك على كل من يعيش بتصور آخر غير التصور الإسلامي.. وهذه حقيقة لا يدركها الإنسان إلا حين يستعرض كل تصورات البشر المشهورة - سواء في معتقداتهم أو أساطيرهم أو فلسفاتهم - في ظل التصور الإسلامي للوجود الإنساني ثم للوجود كله.. إن سائر التصورات - حتى لكبار الفلاسفة الذين يعتز بهم تاريخ الفكر الإنساني - تبدو محاولات أطفال يخبطون ويخوضون في سبيل الوصول إلى الحقيقة. تلك الحقيقة التي تعرض في التصور الإسلامي - وبخاصة في القرآن - عرضاً هادئاً ناصعاً قوياً بسيطاً عميقاً. يلتقي مع الفطرة التقاء مباشراً دون كد ولا جهد ولا تعقيد. لأنه يطالعها بالحقيقة الأصيلة العميقة فيها. ويفسر لها الوجود وعلاقتها به، كما يفسر لها علاقة الوجود بخالقه تفسيراً يضاهي ما استقر فيها ويوافقه. وطالما عجبت وأنا أطالع تصورات كبار الفلاسفة؛ وألاحظ العناء القاتل الذي يزاولونه، وهم يحاولون تفسير هذا الوجود وارتباطاته؛ كما يحاول الطفل الصغير حل معادلة رياضية هائلة.. وأمامي التصور القرآني واضحاً ناصعاً سهلاً هيناً ميسراً طبيعياً، لا عوج فيه ولا لف ولا تعقيد ولا التواء. وهذا طبيعي. فالتفسير القرآني للوجود هو تفسير صانع هذا الوجود لطبيعته وارتباطاته.. أما تصورات الفلاسفة فهي محاولات أجزاء صغيرة من هذا الوجود لتفسير الوجود كله. والعاقبة معروفة لمثل هذه المحاولات البائسة! إنه عبث. وخلط. وخوض.. حين يقاس إلى الصورة المكتملة الناضجة، المطابقة، التي يعرضها القرآن على الناس، فيدعها بعضهم إلى تلك المحاولات المتخبطة الناقصة، المستحيلة الاكتمال والنضوج! وإن الأمور لتظل مضطربة في حس الإنسان وتصوره، متأثرة بالتصورات المنحرفة، وبالمحاولات البشرية الناقصة.. ثم يسمع آيات من القرآن في الموضوع الذي يساوره. فإذا النور الهادئ. والميزان الثابت. وإذا هو يجد كل شيء في موضعه، وكل أمر في مكانه، وكل حقيقة هادئة مستقرة لا تضطرب ولا تمور. ويحس بعدها أن نفسه استراحت، وأن باله هدأ، وأن عقله اطمأن إلى الحق الواضح، وقد زال الغبش والقلق واستقرت الأمور. كذلك يبدو أن الناس في خوض يلعبون من ناحية اهتماماتهم في الحياة. حين تقاس بالاهتمامات التي يثيرها الإسلام في النفس، ويعلق بها القلب، ويشغله بتدبرها وتحقيقها. وتبدو تفاهة تلك الاهتمامات وضآلتها، والمسلم ينظر إلى اشتغال أهلها بها، وانغماسهم فيها، وتعظيمهم لها، وحديثهم عنها كأنها أمور كونية عظمى! وهو ينظر إليهم كما ينظر إلى الأطفال المشغولين بعرائس الحلوى وبالدمى الميتة، يحسبونها شخوصاً؛ ويقضون أوقاتهم في مناغاتها واللعب معها وبها!!! إن الإسلام يرفع من اهتمامات البشر بقدر ما يرفع من تصورهم للوجود الإنساني وللوجود كله وبقدر ما يكشف لهم عن علة وجودهم وحقيقته ومصيره؛ وبقدر ما يجيب إجابة صادقة واضحة عن الأسئلة التي تساور كل نفس: من أين جئت؟ لماذا جئت؟ إلى أين أذهب؟ وإجابة الإسلام عن هذه الأسئلة تحدد التصور الحق للوجود الإنساني وللوجود كله. فإن الإنسان ليس بدعاً من الخلائق كلها. فهو واحد منها. جاء من حيث جاءت. وشاركها علة وجودها. ويذهب إلى حيث تقتضي حكمة خالق الوجود كله أن يذهب. فالإجابة على تلك الأسئلة تشمل كذلك تفسيراً كاملاً للوجود كله، وارتباطاته وارتباطات الإنسان به. وارتباط الجميع بخالق الجميع. وهذا التفسير ينعكس على الاهتمامات الإنسانية في الحياة؛ ويرفعها إلى مستواه. ومن ثم تبدو اهتمامات الآخرين صغيرة هزيلة في حس المسلم المشغول بتحقيق وظيفة وجوده الكبرى في هذا الكون، عن تلك الصغائر والتفاهات التي يخوض فيها اللاعبون! إن حياة المسلم حياة كبيرة - لأنها منوطة بوظيفة ضخمة، ذات ارتباط بهذا الوجود الكبير، وذات أثر في حياة هذا الوجود الكبير. وهي أعز وأنفس من أن يقضيها في عبث ولهو وخوض ولعب. وكثير من اهتمامات الناس في الأرض يبدو عبثاً ولهواً وخوضاً ولعباً حين يقاس إلى اهتمامات المسلم الناشئة من تصوره لتلك الوظيفة الضخمة المرتبطة بحقيقة الوجود. وويل لأولئك الخائضين اللاعبين: {يوم يدعون إلى نار جهنم دعّا}.. وهو مشهد عنيف. فالدعّ: الدفع في الظهور. وهي حركة غليظة تليق بالخائضين اللاعبين، الذين لا يجدّون، ولا ينتهبون إلى ما يجري حولهم من الأمور. فيساقون سوقاً ويدفعون في ظهورهم دفعاً. حتى إذا وصل بهم الدفع والدع إلى حافة النار قيل لهم: {هـذه النار التي كنتم بها تكذبون!}.. وبينما هم في هذا الكرب، بين الدع والنار التي تواجههم على غير إرادة منهم. يجيئهم الترذيل والتأنيب، والتلميح إلى ما سبق منهم من التكذيب: {أفسحر هذا؟ أم أنتم لا تبصرون؟}. فقد كانوا يقولون عن القرآن: إنه سحر. فهل هذه النار التي يرونها كذلك سحر؟! أم إنه الحق الهائل الرعيب؟ أم إنهم لا يبصرون هذه النار كما كانوا لا يبصرون الحق في القرآن الكريم؟! وحين ينتهي هذا التأنيب الساخر المرير يعاجلهم بالتيئيس البئيس. {اصلوها. فاصبروا أو لا تصبروا. سواء عليكم. إنما تجزون ما كنتم تعملون}.. وليس أقسى على منكوب بمثل هذه النكبة. من أن يعلم أن الصبر وعدم الصبر سواء. فالعذاب واقع، ما له من دافع. وألمه واحد مع الصبر ومع الجزع. والبقاء فيه مقرر سواء صبر عليه أم هلع.. والعلة أنه جزاء على ما كان من عمل. فهو جزاء له سببه الواقع فلا تغيير فيه ولا تبديل! وبذلك ينتهي هذا المشهد الرعيب؛ كما ينتهي الشوط الأول بإيقاعه العنيف. أما الشوط الثاني فهو مثير للحس، ولكن بما فيه من رخاء ورغد، وهتاف بالمتاع لا يقاوم، وخاصة بعد مشهد العذاب البئيس: {إن المتقين في جنات ونعيم. فاكهين بما آتاهم ربهم، ووقاهم ربهم عذاب الجحيم. كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون. متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين. والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم، وما ألتناهم من عملهم من شيء، كل امرئ بما كسب رهين. وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون. يتنازعون فيها كأساً لا لغو فيها ولا تأثيم. ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون. وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون. قالوا: إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين. فمنّ الله علينا ووقانا عذاب السموم. إنا كنا من قبل ندعوه، إنه هو البر الرحيم}.. والمشهد أقرب إلى مشاهد النعيم الحسي، الذي يخاطب المشاعر في أول العهد، والذي يجتذب النفوس بلذائذ الحس في صورتها المصفاة. وهو مقابل لذلك العذاب الغليظ الذي تواجه به القلوب الجاسية والقلوب اللاهية كذلك: {إن المتقين في جنات ونعيم. فاكهين بما آتاهم ربهم، ووقاهم ربهم عذاب الجحيم}.. ومجرد الوقاية من عذاب الجحيم الذي عرضت مشاهده في هذه السورة فضل ونعمة. فكيف ومعه {جنات ونعيم}؟ وهم يلتذون ما آتاهم ربهم ويتفكهون؟ ومع النعيم ولذته التهنئة والتكريم: {كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون}.. وهذا بذاته متاع أكرم. وهم ينادون هذا النداء العلوي، ويعلن استحقاقهم لما هم فيه: {متكئين على سرر مصفوفة}.. منسقة يجدون فيها لذة التجمع بإخوانهم في هذا النعيم: {وزوجناهم بحور عين}.. وهذه تمثل أمتع ما يجول في خواطر البشر من متاع جميل. ويمضي التكريم خطوة فإذا ذريتهم المؤمنة تجتمع إليهم في هذا النعيم، زيادة في الرعاية والعناية. ولو كانت أعمال الذرية أقل من مستوى مقام المتقين، ما دامت هذه الذرية مؤمنة. وذلك دون أن ينقص شيء من أعمال الآباء ودرجاتهم. ودون إخلال بفردية التبعة وحساب كل بعمله الذي كسبه، إنما هو فضل الله على الجميع: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم. وما ألتناهم من عملهم من شيء. كل امرئ بما كسب رهين}.. ويستطرد المشهد يعرض ألوان المناعم واللذائذ في ذلك النعيم. فإذا فاكهة ولحم مما يشتهون. وإذا هم يتعاطون فيها كأساً ليست كخمر الدنيا تطلق اللغو والهذر من الشفاه والألسنة، وتشيع الإثم والمعصية في الحس والجوارح. إنما هي مصفاة مبرأة {لا لغو فيها ولا تأثيم} وهم يتجاذبونها بينهم ويتعاطونها مجتمعين، زيادة في الإيناس واللذة والنعيم. في حين يقوم على خدمتهم ويطوف بالكأس عليهم غلمان صباح أبرياء، فيهم نظافة، وفيهم صيانة، وفيهم نداوة: {كأنهم لؤلؤ مكنون} مما يضاعف إيناس المجلس اللطيف في الجوارح والقلوب. واستكمالاً لجو المشهد المأنوس يعرض سمرهم فيما بينهم، وتذاكرهم ماضيهم، وأسباب ما هم فيه من أمن ورضى ورخاء ورغد وأنس ونعيم. فيكشف للقلوب عن سر هذا المتاع، ويشير إلى الطريق المؤدي إلى هذا النعيم: {وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون. قالوا: إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين. فمنّ الله علينا ووقانا عذاب السموم. إنا كنا من قبل ندعوه، إنه هو البر الرحيم}.. السر إذن أنهم عاشوا على حذر من هذا اليوم. عاشوا في خشية من لقاء ربهم. عاشوا مشفقين من حسابه. عاشوا كذلك وهم في أهلهم، حيث الأمان الخادع. ولكنهم لم ينخدعوا. وحيث المشغلة الملهية. ولكنهم لم ينشغلوا. عندئذ منَّ الله عليهم ووقاهم عذاب السموم، الذي يتخلل الأجسام كالسم الحار اللاذع! وقاهم هذا العذاب منة منه وفضلاً، لما علم من تقواهم وخشيتهم وإشفاقهم. وهم يعرفون هذا. ويعرفون أن العمل لا يدخل صاحبه الجنة إلا بمنة من الله وفضل. فما يبلغ العمل أكثر من أن يشهد لصاحبه أنه بذل جهده، ورغب فيما عند الله. وهذا هو المؤهل لفضل الله. وقد كانوا مع الإشفاق والحذر والتقوى يدعون الله: {إنا كنا من قبل ندعوه}.. وهم يعرفون من صفاته البر بعباده والرحمة بعبيده: {إنه هو البر الرحيم}.. وكذلك ينكشف سر الوصول في تناجي هؤلاء الناجين المكرمين في دار النعيم. والآن وقد تلقى الحس سياط العذاب العنيف في الشوط الأول؛ وتلقى هتاف النعيم الرغيد في الشوط الثاني؛ وتوفزت بهذا وذلك حساسيته لتلقي الحقائق.. فإن السياق يعاجله بحملة سريعة الإيقاعات. يطارده فيها بالحقائق الصادعة، ويتعقب وساوسه في مسارب نفسه في صورة استفهامات استنكارية، وتحديات قوية، لا يثبت لها الكيان البشري حين تصل إليه من أي طريق: {فذكر. فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون. أم يقولون: شاعر نتربص به ريب المنون؟ قل: تربصوا فإني معكم من المتربصين. أم تأمرهم أحلامهم بهذا؟ أم هم قوم طاغون؟ أم يقولون: تقوله؟ بل لا يؤمنون. فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين. أم خلقوا من غير شيء؟ أم هم الخالقون؟ أم خلقوا السماوات والأرض؟ بل لا يوقنون. أم عندهم خزائن ربك؟ أم هم المسيطرون؟ أم لهم سُلَّم يستمعون فيه؟ فليأت مستمعهم بسلطان مبين. أم له البنات ولكم البنون؟ أم تسألهم أجراً فهم من مغرم مثقلون؟ أم عندهم الغيب فهم يكتبون؟ أم يريدون كيداً؟ فالذين كفروا هم المكيدون. أم لهم إله غير الله؟سبحان الله عما يشركون. وإن يروا كسفاً من السماء ساقطاً يقولوا: سحاب مركوم}.. {فذكر}.. والخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - ليظل في تذكيره لا يثنيه سوء أدبهم معه، وسوء اتهامهم له. وقد كانوا يقولون عنه مرة: إنه كاهن. ويقولون عنه مرة: إنه مجنون. ويجمع بين الوصفين عندهم ما كان شائعاً بينهم أن الكهان يتلقون عن الشياطين. وأن الشيطان كذلك يتخبط بعض الناس، فيصابون بالجنون. فالشيطان هو العامل المشترك بين الوصفين: كاهن أو مجنون! وكان يحملهم على وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا الوصف أو ذاك، أو بقولهم إنه شاعر أو ساحر. كان يحملهم على هذا كله موقفهم مبهوتين أمام القرآن الكريم المعجز الذي يبدههم بما لم يعهدوا من القول، وهم أهل القول! ولما كانوا لا يريدون - لعلة في نفوسهم - أن يعترفوا أنه من عند الله، فقد احتاجوا أن يعللوا مصدره المتفوق على البشر. فقالوا: إنه من إيحاء الجن أو بمساعدتهم. فصاحبه إما كاهن يتلقى من الجن، أو ساحر يستعين بهم، أو شاعر له رئيٌّ من الجن، أو مجنون به مس من الشيطان ينطقه بهذا القول العجيب! وإنها لقولة فظيعة شنيعة. فالله - سبحانه - يسلي رسوله عنها، ويصغر من شأنها في نفسه. وهو يشهد له أنه محوط بنعمة ربه، التي لا تكون معها كهانة ولا جنون: {فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون}.. ثم يستنكر قولهم: إنه شاعر: {أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون؟}.. وقد قالوها. وقال بعضهم لبعض: اصبروا عليه، واثبتوا على ما أنتم فيه، حتى يأتيه الموت، فيريحنا منه! وتواصوا أن يتربصوا به الموت المريح. ومن ثم يلقن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم في تهديد ملفوف: {قل: تربصوا. فإني معكم من المتربصين}.. وستعلمون من تكون له العاقبة، ومن ينتهي به التربص إلى النصر والظهور. ولقد كان شيوخ قريش يلقبون بذوي الحلوم. أو ذوي الأحلام. إشارة إلى رجاحة عقولهم وحكمتهم في تصريف الأمور. فهو يتهكم بهم وبأحلامهم تجاه الإسلام. وموقفهم منه ينافي الحكمة والعقل، فيسأل في تهكم: أهذه الأوصاف التي يصفون بها محمداً - صلى الله عليه وسلم - وتلك المواقف التي يقفونها من رسالته كانت من وحي أحلامهم؟ أم أنهم طغاة ظالمون لا يقفون عند ما تمليه الأحلام والعقول: {أم تأمرهم أحلامهم بهذا؟ أم هم قوم طاغون}! وفي السؤال الأول تهكم لاذع. وفي السؤال الثاني اتهام مزر. وواحد منهما لا بد لاحق بهم في موقفهم المريب! ولقد تطاولت ألسنتهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاتهموه بافتراء ما يقول. فهو هنا يسأل في استنكار: إن كانوا يقولون: تقوَّله: كأن هذه الكلمة لا يمكن أن تقال. فهو يسأل عنها في استنكار: {أم يقولون تقوَّله؟}.. ويبادر ببيان علة هذا القول الغريب: {بل لا يؤمنون}. فعدم استشعار قلوبهم للإيمان، هو الذي ينطقهم بمثل هذا القول؛ بعد أن يحجبهم عن إدراك حقيقة هذا القرآن. ولو أدركوها لعلموا أنه ليس من صنع بشر؛ وأنه لا يحمله إلا صادق أمين. وما دامت قلوبهم لا تستشعر حقيقة هذا التنزيل؛ فهو يتحداهم إذن ببرهان الواقع الذي لا يقبل المراء {فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين}. وقد تكرر هذا التحدي في القرآن الكريم؛ وتلقاه المنكرون عاجزين، ووقفوا تجاهه صاغرين. وكذلك يقف أمامه كل أحد إلى يوم الدين. إن في هذا القرآن سراً خاصاً، يشعر به كل من يواجه نصوصه ابتداء، قبل أن يبحث عن مواضع الإعجاز فيها. إنه يشعر بسلطان خاص في عبارات هذا القرآن. يشعر أن هنالك شيئاً ما وراء المعاني التي يدركها العقل من التعبير. وأن هنالك عنصراً ما ينسكب في الحس بمجرد الاستماع لهذا القرآن. يدركه بعض الناس واضحاً ويدركه بعض الناس غامضاً، ولكنه على كل حال موجود. هذا العنصر الذي ينسكب في الحس، يصعب تحديد مصدره: أهو العبارة ذاتها؟ أهو المعنى الكامن فيها؟ أهو الصور والظلال التي تشعها؟ أهو الإيقاع القرآني الخاص المتميز من إيقاع سائر القول المصوغ من اللغة؟ أهي هذه العناصر كلها مجتمعة؟ أم إنها هي وشيء آخر وراءها غير محدود؟! ذلك سر مودع في كل نص قرآني، يشعر به كل من يواجه نصوص هذا القرآن ابتداء.. ثم تأتي وراءه الأسرار المدركة بالتدبر والنظر والتفكير في بناء القرآن كله: في التصور الكامل الصحيح الذي ينشئه في الحس والقلب والعقل. التصور لحقيقة الوجود الإنساني، وحقيقة الوجود كله، وللحقيقة الأولى التي تنبع منها كل حقيقة. حقيقة الله سبحانه. وفي الطريقة التي يتبعها القرآن لبناء هذا التصور الكامل الصحيح في الإدراك البشري. وهو يخاطب الفطرة، خطاباً خاصاً، غير معهود مثله في كلام البشر أجمعين؛ وهو يقلب القلب من جميع جوانبه ومن جميع مداخله، ويعالجه علاج الخبير بكل زاوية وكل سر فيه. وفي الشمول والتوازن والتناسق بين توجيهاته كلها، والاستواء على أفق واحد فيها كلها. مما لا يعهد إطلاقاً، في أعمال البشر، التي لا تستقر على حال واحدة، ولا تستقيم على مستوى واحد، ولا تحيط هكذا بجميع الجوانب، ولا تملك التوازن المطلق الذي لا زيادة فيه ولا نقص، ولا تفريط فيه ولا إفراط، والتناسق المطلق الذي لا تعارض فيه ولا تصادم سواء في ذلك الأصول والفروع.. فهذه الظواهر المدركة.. وأمثالها.. مع ذلك السر الخافي الذي لا سبيل إلى انكاره.. مما يسبغ على هذا الكتاب سمة الإعجاز المطلق في جميع العصور. وهي مسألة لا يماري فيها إنسان يحترم حسه، ويحترم نفسه، ويحترم الحقيقة التي تطالعه بقوة وعمق ووضوح، حيثما واجه هذا القرآن بقلب سليم.. {فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين}.. والاستفهام التالي عن حقيقة وجودهم، هم أنفسهم، وهي حقيقة قائمة لا مفر لهم من مواجهتها، ولا سبيل لهم إلى تفسيرها بغير ما يقوله القرآن فيها، من أن لهم خالقاً أوجدهم هو الله سبحانه. وهو موجود بذاته. وهم مخلوقون. {أم خلقوا من غير شيء؟ أم هم الخالقون؟}.. ووجودهم هكذا من غير شيء أمر ينكره منطق الفطرة ابتداء؛ ولا يحتاج إلى جدل كثير أو قليل. أما أن يكونوا هم الخالقين لأنفسهم فأمر لم يدّعوه ولا يدّعيه مخلوق. وإذا كان هذان الفرضان لا يقومان بحكم منطق الفطرة، فإنه لا يبقى إلا الحقيقة التي يقولها القرآن. وهي أنهم جميعاً من خلق الله الواحد الذي لا يشاركه أحد في الخلق والإنشاء؛ فلا يجوز أن يشاركه أحد في الربوبية والعبادة.. وهو منطق واضح بسيط. كذلك يواجههم بوجود السماوات والأرض حيالهم. فهل هم خلقوها؟ فإنها لم تخلق نفسها بطبيعة الحال كما أنهم لم يخلقوا أنفسهم: {أم خلقوا السماوات والأرض؟ بل لا يوقنون}.. وهم - ولا أي عقل يحتكم إلى منطق الفطرة - لا يقولون: إن السماوات والأرض خلقت نفسها، أو خلقت من غير خالق. وهم كذلك لا يدّعون أنهم خلقوها.. وهي قائمة حيالهم سؤالاً حياً يتطلب جواباً على وجوده! وقد كانوا إذا سئلوا عمن خلق السماوات والأرض قالوا الله.. ولكن هذه الحقيقة لم تكن تتضح في إدراكهم إلى درجة اليقين الذي ينشىء آثاره في القلب، ويحركه إلى اعتقاد واضح دقيق.. {بل لا يوقنون}.. ثم يهبط بهم درجة عن درجة الخلق والإبداع لأنفسهم أو للسماوات والأرض. فيسألهم: هل هم يملكون خزائن الله، ويسيطرون على القبض والبسط، والضر والنفع: {أم عندهم خزائن ربك؟ أم هم المسيطرون؟}. وإذا لم يكونوا كذلك، ولم يدعوا هذه الدعوى. فمن ذا يملك الخزائن، ومن ذا يسيطر على مقاليد الأمور؟ القرآن يقول: إنه الله القابض الباسط، المدبر المتصرف. وهذا هو التفسير الوحيد لما يجري في الكون من قبض وبسط وتصريف وتدبير. بعد انتفاء أن يكونوا هم المالكين للخزائن المسيطرين على تصريف الأمور! ثم يهبط بهم درجة أخرى فيسألهم إن كانت لهم وسيلة للاستماع إلى مصدر التنزيل: {أمل لهم سُلَّم يستمعون فيه؟ فليأت مستمعهم بسلطان مبين}. إن محمداً - صلى الله عليه وسلم - يقول لهم: إنه رسول يوحى إليه، وإن هذا القرآن يتنزل عليه من الملأ الأعلى. وهم يكذبونه فيما يقول. فهل لهم سلم يستمعون فيه، فيعلموا أن محمداً لا يوحى إليه، وأن الحق غير ما يقول؟: {فليأت مستمعهم بسلطان مبين}. أي ببرهان قوي يحمل في ذاته سلطاناً على النفوس يلجئها إلى التصديق. وفي هذا التلميح إلى سلطان القرآن الذي يطالعهم في آياته وحججه، وهم يكابرون فيها ويعاندون! ثم يناقش إحدى مقولاتهم المتهافتة عن الله سبحانه. تلك التي ينسبون إليه فيها بنوة الملائكة، الذين يتصورونهم، إناثاً؛ موجهاً الخطاب مباشرة إليهم، زيادة في التخجيل والترذيل: {أم له البنات ولكم البنون؟}. وهم كانوا يعتبرون البنات في درجة أقل من درجة البنين، إلى حد أن تسود وجوههم من الكمد والكظم حين يبشرون بالأنثى. وكانوا مع هذا لا يستحيون من نسبة البنات إلى الله! فهو هنا يأخذهم بعرفهم وتقاليدهم، ليخجلهم من هذا الادعاء. وهو في ذاته متهافت لا يستقيم! وهم كانوا يستثقلون دعوة النبي لهم إلى الهدى؛ وهو يقدمه لهم خالصاً بريئاً، لا يطلب عليه أجراً، ولا يفرض عليهم إتاوة. وأيسر ما يقتضيه هذا العرض البريء أن يستقبل صاحبه بالحسنى، وأن يرد بالحسنى إذا لم يقبلوا ما يقدمه لهم ويعرضه عليهم. وهو هنا يستنكر مسلكهم الذي لا داعي له يقول: {أم تسألهم أجراً فهم من مغرم مثقلون؟}.. أي مثقلون من الغرم تكلفهم إياه في صورة الأجر على ما تقول! فإذا كان الواقع أن لا أجر ولا غرامة. فكم يبدو عملهم مسترذلاً قبيحاً، يخجلون منه حين يواجهون به؟ ويعود يواجههم بحقيقة وجودهم ووضعهم في هذا الوجود. فهم عبيد لهم حدود. مكشوف لهم من هذا الوجود بقدر. محجوب عنهم ما وراءه، مما يختص به صاحب هذا الوجود. فهنالك غيب من اختصاص الله يقف دونه العبيد، لا علم لهم به، لأنهم عبيد: {أم عندهم الغيب فهم يكتبون؟}.. وهم يعلمون أن ليس عندهم الغيب، وأن ليس لهم به علم، وأن ليس لهم عليه قدرة. وأنهم لا يكتبون في سجل الغيب شيئاً، إنما يكتب الله فيه ما يريد، مما يقدره للعبيد. والذي يملك أمر الغيب وما يقدر فيه وما يدبر، هو الذي يملك أن يدبر فيه وأن يكيد. فما لهم وهم عن الغيب محجوبون، وفي سجله لا يكتبون يكيدون لك ويدبرون، ويحسبون أنهم قادرون على شيء من أمر المستقبل: فيقولون: شاعر نتربص به ريب المنون؟! {أم يريدون كيداً؟ فالذين كفروا هم المكيدون}! وهم الذين يحيق بهم ما يقدره صاحب الغيب لهم، وهم الذين يقع عليهم كيده ومكره. والله خير الماكرين. {أم لهم إله غير الله؟}.. يقيهم ويتولاهم ويرد عنهم كيد الله.. {سبحان الله عما يشركون} وتنزه - سبحانه - عن تصورهم الباطل السقيم! وبهذا التنزيه لله سبحانه عن الشرك والشركاء تختم هذه الحملة المتلاحقة الخطى، القوية الإيقاع. وقد انكشفت كل شبهة، ودحضت كل حجة، ووقف القوم أمام الحقيقة العارية مجردين من كل عذر ومن كل دليل. عندئذ يقدمهم على حقيقتهم معاندين مكابرين يمارون في الحق الواضح، متمسكين بأدنى شبهة من بعيد: {وإن يرو كسفاً من السماء ساقطاً يقولوا: سحاب مركوم}.. أي إنه إذا أرسل عليهم العذاب في صورة قطعة من السماء تسقط عليهم وفيها الهلاك، قالوا وهم يرونها تسقط: {سحاب مركوم}.. فيه الماء والحياة! عناداً منهم أن يسلموا بالحق، ولو كان السيف على رقابهم كما يقولون! ولعله يشير بهذا إلى قصة عاد. وقولهم حين رأوا سحابة الموت والدمار: {أية : عارض ممطرنا}.. تفسير : حيث كان الرد: {أية : بل هو ما استعجلتم به: ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها }.. تفسير : وعند هذا الحد من تصوير عنادهم ومكابرتهم في الحق، ولو كان فوق رؤوسهم الهلاك، يتجه بالخطاب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لينفض يده من أمرهم، ويدعهم لليوم الذي ورد ذكره ووصفه في أول السورة. وللعذاب الذي ينتظرهم من قبله. وأن يصبر لحكم ربه الذي يعزه ويرعاه ويكلؤه. وأن يسبح بحمد ربه في الصباح حين يقوم، ومن الليل، وعند إدبار النجوم: {فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون. يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئاً ولا هم ينصرون. وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك، ولكن أكثرهم لا يعلمون. واصبر لحكم ربك، فإنك بأعيننا، وسبح بحمد ربك حين تقوم، ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم}.. وهو شوط جديد في الحملة يبدأ بالتهديد، بذلك اليوم الرعيب، يوم ينفخ في الصور فيصعقون. - قبيل البعث والنشور - يوم لا ينفعهم تدبير ولا ينصرهم نصير. فإذا كانوا اليوم يكيدون ويدبرون، فهم في ذلك اليوم لا يغني عنهم كيد ولا تدبير. على أن لهم قبل ذلك اليوم عذاباً - يتركه مجهولاً ولكن أكثرهم لا يعلمون. ويفرغ بهذا التهديد الأخير من أمر المكذبن الظالمين، الذين طاردهم هذه المطاردة الطويلة العنيفة، لينتهي بهم إلى الموقف المهدد الذي ينتظره العذاب من بعيد ومن قريب.. يفرغ منه ليلتفت إلى النبي الكريم الذي تطاول عليه المتطاولون، وتقوّل عليه المتقولون، يلتفت إليه - صلى الله عليه وسلم - يوجهه إلى الصبر على هذا العناء، وهذا التكذيب، وهذا التطاول؛ والصبر على طريق الدعوة الشاق الطويل. تاركاً الأمر لحكم الله يفعل به ما يشاء: {واصبر لحكم ربك}.. ومع التوجيه إلى الصبر إيذان بالإعزاز الرباني، والعناية الإلهية، والأنس الحبيب الذي يمسح على مشقات الطريق مسحاً، ويجعل الصبر عليها أمراً محبباً، وهو الوسيلة إلى هذا الإعزاز الكريم: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا}.. ويا له من تعبير! ويا له من تصوير! ويا له من تقدير! إنها مرتبة لم يبلغها قط إنسان. هذه المرتبة التي يصورها هذا التعبير الفريد في القرآن كله. حتى بين التعبيرات المشابهة. لقد قيل لموسى عليه السلام: {أية : وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى}.. تفسير : وقيل له: {أية : وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني}.. تفسير : وقيل له: {أية : واصطنعتك لنفسي }.. تفسير : وكلها تعبيرات تدل على مقامات رفيعة. ولكنه قيل لمحمد - صلى الله عليه وسلم -: {أية : فإنك بأعيننا}تفسير : وهو تعبير فيه إعزاز خاص، وأنس خاص. وهو يلقي ظلاً فريداً أرق وأشف من كل ظل.. ولا يملك التعبير البشري أن يترجم هذا التعبير الخاص. فحسبنا أن نشير إلى ظلاله، وأن نعيش في هذه الظلال. ومع هذا الإيناس هداية إلى طريق الصلة الدائمة به: {وسبح بحمد ربك حين تقوم. ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم}.. فعلى مدار اليوم. عند اليقظة من النوم. وفي ثنايا الليل. وعند إدبار النجوم في الفجر. هنالك مجال الاستمتاع بهذا الإيناس الحبيب. والتسبيح زاد وأنس ومناجاة للقلوب. فكيف بقلب المحب الحبيب القريب؟؟؟
ابن عاشور
تفسير : القَسَم للتأكيد وتحقيق الوعيد. ومناسبة الأمور المقسم بها للمقسم عليه أن هذه الأشياء المقسم بها من شؤون بعثه موسى عليه السلام إلى فرعون وكان هلاك فرعون ومن معه من جراء تكذيبهم موسى عليه السلام. و{الطور}: الجبل باللغة السريانيّة قاله مجاهد. وأدخل في العربية وهو من الألفاظ المعربة الواقعة في القرآن. وغلب علَماً على طور سينا الذي ناجى فيه موسى عليه السلام، وأنزل عليه فيه الألواح المشتملة على أصول شريعة التوراة. فالقسم به باعتبار شرفه بنزول كلام الله فيه ونزول الألواح على موسى وفي ذكر الطور إشارة إلى تلك الألواح لأنها اشتهرت بذلك الجبل فسميت طور المعرّب بتوراة. وأما الجبل الذي خوطب فيه موسى من جانب الله فهو جبل حُوريب واسمه في العربية (الزّبير) ولعله بجانب الطور كما في قوله تعالى: {أية : آنس من جانب الطور ناراً}، تفسير : وتقدم بيانه في سورة القصص (29)، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : ورفعنا فوقكم الطور} تفسير : في سورة البقرة (63). والقَسَم بالطور توطئة للقسم بالتوراة التي أنزل أولها على موسى في جبل الطور. والمراد بـ {كتاب مسطور في رَقّ منشور} التوراةُ كلها التي كتبها موسى عليه السلام بعد نزول الألواح، وضمَّنها كل ما أوحَى الله إليه مما أمر بتبليغه في مدة حياته إلى ساعات قليلة قبل وفاته. وهي الأسفار الأربعة المعروفة عند اليهود: سفر التكوين، وسفر الخروج، وسفر العَدد، وسفر التثنية، وهي التي قال الله تعالى في شأنها: {أية : ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون} تفسير : في سورة الأعراف (154). وتنكير {كتاب} للتعظيم. وإجراء الوصفين عليه لتمييزه بأنه كتاب مشرف مراد بقاؤه مأمور بقراءته إذ المسطور هو المكتوب. والسطر: الكتابة الطويلة لأنها تجعل سطوراً، أي صفوفاً من الكتابة قال تعالى: {أية : وما يسطرون}تفسير : [القلم: 1]، أي يكتبون. والرَّق (بفتح الراء بعدها قاف مشددة) الصحيفة تُتّخذ من جلد مرقق أبيض ليكتب عليه. وقد جمعها المتلمِس في قوله:شعر : فكأنما هِي مِن تقادُمِ عهدها رَقّ أُتيح كتابُها مسطور تفسير : والمنشور: المبسوط غير المطوي قال يزيد بن الطثرية:شعر : صحائف عندي للعتاب طويتُها ستنشر يوماً مَا والعتاب يطول تفسير : أي: أقسم بحال نشره لقراءته وهي أشرف أحواله لأنها حالة حصول الاهتداء به للقارىء والسامع. وكان اليهود يكتبون التوراة في رقوق ملصق بعضها ببعض أو مخيط بعضها ببعض، فتصير قطعة واحدة ويطوونها طيّاً اسطوانياً لتحفظ فإذا أرادوا قراءتها نشروا مطويها، ومنه ما في حديث الرجم «حديث : فنشروا التوراة»تفسير : . وليس المراد بكتاب مسطور القرآن لأن القرآن لم يكن يومئذٍ مكتوباً سطوراً ولا هو مكتوباً في رَق. ومناسبة القسم بالتوراة أنها الكتاب الموجود الذي فيه ذكر الجزاء وإبطال الشرك وللإِشارة إلى أن القرآن الذي أنكروا أنه من عند الله ليس بدعاً فقد نزلت قبله التوراة وذلك لأن المقْسَم عليه وقوع العذاب بهم وإنما هو جزاء على تكذيبهم القرآن ومن جاء به بدليل قوله بعد ذكر العذاب {أية : فويل يومئذٍ للمكذبين الذين هم في خوض يلعبون}تفسير : [الطور: 11، 12]. والقسم بالتوراة يقتضي أن التوراة يومئذٍ لم يكن فيها تبديل لما كتبه موسى: فإمّا أن يكون تأويل ذلك على قول ابن عباس في تفسير معنى قوله تعالى: {أية : يحرفون الكلم عن مواضعه}تفسير : [المائدة: 13] أنه تحريف بسوء فهم وليس تبديلاً لألفاظ التوراة، وإمّا أن يكون تأويله أن التحريف وقع بعد نزول هذه السورة حين ظهرت الدعوة المحمدية وجَبَهت اليهودَ دلالةُ مواضع من التوراة على صفات النبي محمد صلى الله عليه وسلم أو يكون تأويله بأن القسم بما فيه من الوحي الصحيح. والبيت المعمور: عن الحسن أنه الكعبة وهذا الأنسب بعطفه على الطور، ووصفه بــــ{المعمور} لأنه لا يخلو من طائف به، وعمران الكعبة هو عمرانها بالطائفين قال تعالى: {أية : إنما يعمر مساجد اللَّه من آمن باللَّه واليوم الآخر}تفسير : [التوبة: 18] الآية. ومُناسبة القسم سبق القسم بكتاب التوراة فعقب ذلك بالقسم بمواطن نزول القرآن فإن ما نزل به من القرآن أنزل بمكة وما حولها مثل جبل حِراء. وكان نزوله شريعة ناسخة لشريعة التوراة، على أن الوحي كان ينزل حَول الكعبة. وفي حديث الإِسراء «حديث : بينا أنا نائم عند المسجد الحرام إذ جاءني الملكان» تفسير : الخ، فيكون توسيط القسم بالكعبة في أثناء ما أقسم به من شؤون شريعة موسى عليه السلام إدماجاً. وفي «الطبري»: أن علياً سئل: ما البيت المعمور؟ فقال: «بيت في السماء يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه أبداً، يقال: له الضُراح» (بضم الضاد المعجمة وتخفيف الراء وحاء مهملة)، وأن مجاهداً والضحاك وابن زيد قالُوا مثل ذلك. وعن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : هل تدرون ما البيت المعمور؟ قال: فإنه مسجد في السماء تحته الكعبة» تفسير : إلى آخر الخبر. وثمة أخبار كثيرة متفاوتة في أن في السماء موضعاً يقال له: البيت المعمور، لكن الروايات في كونه المرادَ من هذه الآية ليست صريحة. وأما السقف المرفوع: ففسروه بالسماء لقوله تعالى: {أية : وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً}تفسير : [الأنبياء: 32] وقوله: {أية : والسماء رفعها}تفسير : [الرحمٰن: 7] فالرفع حقيقي ومناسبة القسَم بها أنها مصدر الوحي كله التوراة والقرآن. وتسمية السماء على طريقة التشبيه البليغ. والبحر: يجوز أن يراد به البحر المحيط بالكرة الأرضية. وعندي: أن المراد بحر القلزم، وهو البحر الأحمر ومناسبة القَسَم به أنه به أُهلك فرعون وقومه حين دخله موسى وبنو إسرائيل فلحق بهم فرعون. و{المَسجور}: قيل المملوءُ، مشتقاً من السَّجر، وهم الملء والإِمداد. فهو صفة كاشفة قصد منها التذكير بحال خلق الله إياه مملوءاً ماء دون أن تملأه أودية أو سيول، أو هي للاحتراز عن إرادة الوادي إذ الوادي ينقص فلا يبقى على ملئه وذلك دال على عظم القدرة. والظاهر عندي: أن وصفه بالمسجور للإِيماء إلى الحالة التي كان بها هلاك فرعون بعد أن فَرق الله البحر لموسى وبني إسرائيل ثم أسجره، أي أفاضه على فرعون وملئه. وعذاب الله المُقْسَم على وقوعه هو عذاب الآخرة لقوله: {أية : يوم تمور السماء موراً} تفسير : [الطور: 9] إلى قوله: {أية : تكذبون}تفسير : [الطور: 14]. وأما عذاب المكذبين في الدنيا فسيجيء في قوله تعالى: {أية : وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك}تفسير : [الطور: 47]. وتحقيق وقوع عذاب الله يوم القيامة إثبات للبعث بطريق الكناية القريبة، وتهديد للمشركين بطريق الكناية التعريضية. والواوات التي في هذه الآية كلها واوات قسم لأن شأن القسم أن يعاد ويكرر، ولذلك كثيراً ما يُعيدون المقسم به نحو قول النابغة:شعر : والله والله لنعــم الفتــى تفسير : وإنما يعطفون بالفاء إذا أرادُوا صفات المقسم به. ويجوز صرف الواو الأولى للقسم واللاتي بعدها عاطفات على القسم، والمعطوف على القسم قسم. والوقوع: أصله النزول من علوّ واستعمل مجازاً للتحقق وشاع ذلك، فالمعنى: أن عذاب ربك لمتحقق. وحذف متعلق {لواقع}، وتقديره: على المكذبين، أو بالمكذبين، كما دل عليه قوله بعدُ {أية : فويل يومئذ للمكذبين}تفسير : [الطور: 11]، أي المكذبين بك بقرينة إضافة رب إلى ضمير المخاطب المشعر بأنه معذبهم لأنه ربك وهم كذّبُوك فقد كذبوا رسالة الرب. وتضمن قوله: {إن عذاب ربك لواقع} إثبات البعث بعد كون الكلام وعيداً لهم على إنكار البعث وإنكارهم أن يكونوا معذبين. وأتبع قوله: {لواقع} بقوله: {ما له من دافع}، وهو خبر ثان عن {عذاب} أو حال منه، أي: ما للعذاب دافع يدفعه عنهم. والدفع: إبعاد الشيء عن شيء باليد وأطلق هنا على الوقاية مجازاً بعلاقة الإِطلاق ألا يقيهم من عذاب الله أحد بشفاعة أو معارضة. وزيدت {من} في النفي لتحقيق عموم النفي وشموله، أي نفي جنس الدافع. روى أحمد بن حنبل عن جبير بن مطعم قال: «قدمت المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأُكلمه في أُسارى بدر فدُفعت إليه وهو يصلِّي بأصحابه صلاة المغرب فسمعته يقرأ {والطور} إلى {إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع} فكأنما صُدع قلبي»، وفي رواية «فأسلمت خوفاً من نزول العذاب وما كنت أظن أن أقوم من مقامي حتى يقع بي العذاب».
الشنقيطي
تفسير : هذه الأقسام التي أقسم الله بها تعالى في أول هذه السورة الكريمة أقسم ببعضها بخصوصه، وأقسم بجميعها في آية عامة لها ولغيرها. أما الذي أقسم به منها إقساماً خاصاً فهو الطور، والكتاب المسطور، والسقف المرفوع، والأظهر أن الطور الجبل الذي كلم الله عليه موسى، وقد أقسم الله تعالى بالطور في قوله:{أية : وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ}تفسير : [التين: 1-2]. والأظهر أن الكتاب المسطور هو القرآن العظيم، وقد أكثر الله من الإقسام به في كتابه كقوله تعالى: {أية : حـمۤ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ}تفسير : [الزخرف: 1-2] وقوله تعالى: {أية : يسۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ}تفسير : [يس: 1-2] وقيل هو كتاب الأعمال، وقيل غير ذلك،{وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوع}: هو السماء، وقد أقسم الله بها في كتابه في آيات متعددة كقوله: {أية : وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ}تفسير : [الذاريات: 7] وقوله: {أية : وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ}تفسير : [البروج: 1] وقوله تعالى: {أية : وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا}تفسير : [الشمس: 5]، والرق بفتح الراء كل ما يكتب فيه من صحيفة وغيرها، وقيل هو الجلد المرقق ليكتب فيه. وقوله: {مَّنشُورٍ} أي مبسوط، ومنه قوله: {أية : كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً}تفسير : [الإسراء: 13]. وقوله: {أية : بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً}تفسير : [المدثر: 52] {وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ}. "هو البيت المعروف في السماء المسمى بالضراح بضم الضاد، وقيل فيه معمور، لكثرة ما يغشاه من الملائكة المتعبدين، فقد جاء الحديث أنه يزوره كل يوم سبعون ألف ملك، ولا يعودون إليه بعدها". وقوله: {وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ} فيه وجهان من التفسير للعلماء. أحدهما أن المسجور هو الموقد ناراً. قالوا: وسيضطرم البحر يوم القيامة ناراً، من هذا المعنى قوله تعالى:{أية : ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ}تفسير : [غافر: 72] الوجه الثاني: هو أن المسجور بمعنى المملوء، لأنه مملوء ماء، ومن إطلاق المسجور على المملوء قول لبيد بن ربيعة في معلقته: شعر : فتوسطا عرض السرى وصدعا مسجورة متجاوراً قلامها تفسير : فقوله: مسجورة أي عيناً مملوءة ماء، وقول النمر بن تولب العكلي: شعر : إذا شاء طالع مسجورة ترى حولها النبع والساسما تفسير : وهذان الوجهان المذكوران في معنى المسجور هما أيضاً في قوله {أية : وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ}تفسير : [التكوير: 6]، وأما الآية العامة التي أقسم فيها تعالى بما يشمل جميع هذه الأقسام وغيرها، فهي قوله تعالى:{أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ}تفسير : [الحاقة: 38-39]، لأن الإقسام في هذه الآية عامة في كل شيء. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ}، قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول الذاريات، وفي غير ذلك من المواضع.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1، 2، 3، 4، 5، 6- أقسم بجبل طور سيناء الذى كلَّم الله عليه موسى، وبكتاب منزل من عند الله مكتوب فى صحف ميسرة للقراءة، وبالبيت المعمور بالطائقين والقائمين والركع السجود، وبالسماء المرفوعة بغير عمد، وبالبحر المملوء. 7، 8- إن عذاب ربك الذى توعد به الكافرين لنازل بهم لا محالة، ليس له من دافع يدفعه عنهم. 9، 10- يوم تضطرب السماء اضطراباً شديداً، وتنتقل الجبال من مقارها انتقالاً ظاهراً. 11، 12- فهلاك شديد فى هذا اليوم للمكذبين بالحق، والذين هم فى باطل يلهون. 13- يوم يُدْفعون إلى نار جهنم دفعاً عنيفاً. 14- يقال لهم: هذه النار التى كنتم بها تكذبون فى الدنيا. 15- أبقيتم على إنكاركم، فهذا الذى تشاهدونه من النار سحراً؟ أم أنتم لا تبصرون!. 16- ادخلوها وذوقوا حرَّها، فاصبروا على شدائدها أو لا تصبروا، فصبركم وعدمه سواء عليكم، إنما تلاقون اليوم جزاء ما كنتم تعملون فى الدنيا. 17- إن المتقين فى جنات فسيحات، لا يحاط بوصفها، ونعيم عظيم كذلك.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: والطور: أي والجبل الذي كلم الله عز وجل عليه موسى عليه السلام. وكتاب مسطور: أي وقرآن مكتوب. في رق منشور: أي في جلد رقيق أو ورق منشور. والبيت المعمور: أي بالملائكة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون أبداً والسقف المرفوع: أي السماء التي هي كالسقف المرفوع للأرض. والبحر المسجور: أي المملوء المجموع ماؤه بعضه في بعض. يوم تمور السماء موراً: أي تتحرك وتدور. في خوض يلعبون: أي في باطل يلعبون أي يتشاغلون بكفرهم. يدعون إلى نار جهنم دعا: أي يدفعون بعنف دفعاً. أفسحر هذا: أي العذاب الذي ترون كما كنتم تقولون في القرآن. أم أنتم لا تبصرون: أي أم عدمتم الأبصار فأنتم لا تبصرون. اصلوها: أي اصطلوا بحرها. فاصبروا أو لا تصبروا: أي صبركم وعدمه عليكم سواء. معنى الآيات: قوله تعالى {وَٱلطُّورِ وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ} هذه خمسة أشياء عظام أقسم الله تعالى بها، وبالتتبع لما يقسم الله تعالى به يُرى أنه إذا أقسم بشيء إنما يقسم به إما لكونه مظهراً من مظاهر القدرة الإِلهية، كالسماء مثلا، وإما لكونه معظما نحو لعمرك إِذْ هو إقسام بحياة النبي صلى الله عليه وسلم. وإما لكونه ذا فائدة للإِنسان ونفع خاص به كالتين والزيتون وقوله تعالى {وَٱلطُّورِ} وهو جبل الطور الذي كلم تعالى عليه موسى وهو مكان مقدس، وقوله {وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ} أي منشور في ورق أو جلد رقيق وهو التوراة أو القرآن والإِقسام به لما فيه من حرمة وقدسية عند الله تعالى، والبيت المعمور وهو بيت في السماء تغشاه الملائكة كل يوم وتعمره بالعبادة وهو بحيال الكعبة بحيث لو وقع لوقع فوقها والسقف المرفوع وهو السماء وهي كالسقف للأرض وهي مظهر من مظاهر قدرة ا لله تعالى وعلمه ومثلها البحر والمسجور أي المملوء بكميات المياه الهائلة فإنه مظهر من مظاهر القدرة والعلم والحكمة الإِلهية هذا القسم الضخم جوابه أو المقسم عليه هو قوله إِن عذاب ربك يا رسولنا لواقع ماله من دافع ليس له من دافع يدفعه أبداً، وإن له وقتاً محدداً يقع فيه، وعلامات تدل عليه وهي قوله تعالى {يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْراً} أي تتحرك بشدة وتدور وتسير الجبال سيراً فتكون كالهباء المنبث هنا وهناك فويل يومئذ للمكذبين والويل واد في جهنم مملوء بقيح وصديد أهل النار، والمكذبون هم الكافرون بالله وبما جاءت به رسله عنه من أركان الإِيمان وقواعد الإِسلام وقوله: {ٱلَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ} أي في باطلهم وكفرهم يتشاغلون به عن الإِيمان الحق والعمل الصالح المزكى للنفس المطهر لها. وقوله {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} أي يوم يدفعون بشدة وعنف إلى جهنم ويقال لهم توبيخاً وتقريعاً لهم هذه النار التي كنتم بها تكذبون. أخبرونا: أفسحر هذا أي العذاب الذي أنتم فيه الآن تعذبون أم أنتم لا تبصرون فلا تعاينونه. ويُقال لهم أيضا تبكيتاً وتقريعاً فاصبروا على عذاب النار أو لا تصبر سواء عليكم أي صبركم وعدمه عليكم سواء. إنما تجزون ما كنتم تعلمون أي في الدنيا من الشرك والمعاصي. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير البعث والجزاء. 2- لله تعالى أن يقسم بما يشاء من خلقه وليس للعبد أن يقسم بغير الله تعالى. 3- عرض سريع لأهوال القيامة وأحوال المكذبين فيها. 4- تقرير قاعدة الجزاء من جنس العمل.
القطان
تفسير : الطور: هو طور سيناء، والطور في اللغة: الجبلُ، وفناء الدار، وجبلٌ قرب العقبة يضاف الى سيناء وسينين، وجبلٌ بالقدس عن يمين المسجد، وجبلٌ مطلّ على طبرية. "القاموس". ويقال لجميع بلاد الشام الطور. "معجم البلدان". كتاب مسطور: كل كتاب نزل من عند الله، مسطور: مكتوب بسطور منتظمة. ورَقٍّ منشور: الرق بفتح الراء: جلدٌ رقيق يكتب فيه. منشور: مفتوح للناس. البيت المعمور: الكعبة المعمورة بالحجّاج والطائفين. والسقف المرفوع: السماء وما فيها من عجائب. والبحر المسْجور: المملوء، يقال: سجر النهر ملأه، والمسجور: البحر الذي ماؤه اكثر منه "القاموس". تمور: تضطرب وترتج. في خوضٍ يلعبون: الذي يلْهون بالباطل، وأصل الخوض: السيرُ في الماء، ثم غلبَ على الخوض في الباطل. يدعّون: يدفعون دفعا عنيفا. اصلَوها: ذوقوا حرها. اقسم الله تعالى بخمسة مقدَّسات في الأرض والسماء، بعضُها مكشوفٌ معلوم وبعضُها مغيَّب مجهول، بطورِ سيناء الذي كلّم الله عليه موسى، وبالكتُب المنزلة من عنده (وعبر عنها بكتابِ، بالإفراد، لأنها وحدةٌ واحدة تدعو الى نهجٍ واحد) في صحفٍ ميسّرة للقراءة، وبالبيت المعمور بالعبادةِ ليلَ نهار، وبالسماء وما فيها من عجائب الكون، وبالبحر المملوء بالمخلوقات. اقسم الله تعالى بهذه المقدسات أن عذابه لا بدّ أن يقع بالكافرين لا يستطيع أحدٌ دفعه عنهم، وذلك يوم القيامة، يوم تضطربُ السماء اضطراباً شديداً بما فيها، وتسير الجبال سيراً شديداً وتمرُّ مر السحاب. {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} اعداءِ الله الذين يخوضون في الباطل ويتخذون الدينَ لَهواً ولعبا. ففي ذلك اليوم يُدفعون الى النار دفعاً شديدا ويقال لهم: {هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ} فادخلوها وقاسوا حَرَّها وعذابها. وسواء عليكم أصبرتم ام لم تصبروا، فليس لكم منها مَهرب، وأنتم تلاقون اليوم ذلك الجزاء الذي كنتم توعَدون به على أعمالكم السيئة في الدنيا.
د. أسعد حومد
تفسير : (1) - يُقسِمُ اللهُ تَعَالى بِجَبَلِ الطُّورِ فِي سِينَاءَ، وَهُوَ الجَبَلُ الذِي كَلَّمَ اللهُ فَوْقَهُ مُوسَى، عَلَيهِ السَّلامُ، وَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِ عَلَيهِ التَّورَاةَ. الطُّورِ - جَبَلٍ في طُورِ سِينَاءَ. وَقِيلَ إِنَّهُ الجَبَلُ المَكْسُوُّ بالشَّجَرِ. وَقِيلَ إِنَّهُ الجَبَلُ عَامَّةً فِي السِّريَانيَّةِ.
الثعلبي
تفسير : {وَٱلطُّورِ} كل جبل طور، لكنّه سبحانه عنى بالطور هاهنا الجبل الذي كلّم عليه موسى بالأرض المقدّسة، وهي بمدين واسمه زبير، وقال مقاتل بن حيان: هما طوران يقال لأحدهما: طور تينا، وللآخر طور زيتونا؛ لأنهما ينبتان التين والزيتون. {وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ} مكتوب. {فِي رَقٍّ} جلد {مَّنْشُورٍٍ} وهو الصحيفة، واختلفوا في هذا الكتاب ما هو؟ فقال الكلبي: هو كتاب الله سبحانه بيد موسى عليه السلام من التوراة، وموسى يسمع صرير القلم، وكان كلّما مرّ القلم بمكان خرقه إلى الجانب الآخر، فكان كتاباً له وجهان، وقيل: اللوح المحفوظ (وهو) دواوين الحفظة، تخرج إليهم يوم القيامة منشورة؛ فآخذٌ بيمينه وآخذٌ بشماله، دليله ونظيره قوله سبحانه: {أية : وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً} تفسير : [الإسراء: 13] وقوله سبحانه: {أية : وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتْ} تفسير : [التكوير: 10]، وقيل: هو ما كتب الله تعالى في قلوب أوليائه من الإيمان، بيانه: اولئك كتب في قلوبهم الإيمان، وقيل: هو ما كتب الله تعالى للخلق من السابقة والعاقبة. {وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ} بكثرة الحاشية والأهل، وهو بيت في السماء السابعة، حذاء العرش، حيال الكعبة، يقال له: الضراح، حرمته في السماء كحرمة الكعبة في الأرض، يدخله كل يوم سبعون ألف من الملائكة، يطوفون به ويصلون فيه، ثم لا يعودون إليه أبداً، وخازنه ملك يقال له: [الجن]. وقيل: كان البيت المعمور من الجنّة، حُمل إلى الأرض لأجل آدم عليه السلام، ثم رفع إلى السماء أيام الطوفان. أخبرنا الحسين بن محمد، قال: حدّثنا هارون بن محمد بن هارون، قال: حدّثنا إبراهيم ابن الحسين بن دربل، قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدّثني سفيان بن نسيط عن أبي محمد عن الزبير عن عائشة أنّ النبىّ صلى الله عليه وسلم قدم مكة فأرادت عائشة أن تدخل البيت يعني ليلا فقال لها بنو شيبة: أنّ أحداً لا يدخله ليلا ولكنا نخليه لك نهاراً، فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فشكت إليه أنّهم منعوها أن تدخل البيت، فقال: "حديث : إنّه ليس لأحد أن يدخل البيت ليلا، إن هذه الكعبة بحيال البيت المعمور الذي في السماء، يدخل ذاك المعمور سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه أبداً الى يوم القيامة، لو وقع حجر منه لوقع على ظهر الكعبة، ولكن انطلقي أنتِ وصواحبك فصلّين في الحجر " تفسير : ففعلت فأصبحت وهي تقول: قد دخلت البيت على رغم من رغم. وأخبرنا الحسين بن محمد، قال: حدّثنا هارون بن محمد، قال: حدّثنا محمد بن عبدالعزيز، قال: حدّثنا كثير بن يحيى بن كثير، قال: حدّثنا أبي عن عمر وعن الحسن في قوله سبحانه: {وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ} قال: هو الكعبة البيت الحرام الذي هو معمور من الناس، يعمره الله كلّ سنة، أوّل مسجد وضع للعبادة في الأرض. {وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ} يعني السماء، سمّاها سقفاً؛ لأنها للأرض كالسقف للبيت، دليله ونظيره قوله سبحانه: {وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً}. {وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ} قال مجاهد والضحاك وشمر بن عطية ومحمد بن كعب والأخفش: يعني الموقد المحمي بمنزلة التنور المسجور، ومنه قيل للمسعر مسجر، ودليل هذا التأويل ما روي أنّ النبىّ صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا يركبنّ البحر إلاّ حاجّ أو معتمر أو مجاهد في سبيل الله، فإنّ تحت البحر ناراً وتحت النار بحراً، وتحت البحر ناراً ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : البحر نار في نار"تفسير : ، وروى سعيد بن المسيب أنّ علياً كرم الله وجهه قال لرجل من اليهود: أين جهنم؟ فقال: البحر. فقال: ما أراه إلاّ صادقاً ثم قرأ { وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ} {أية : وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ} تفسير : [التكوير: 6] مخفّفة. وتفسير هذه الأخبار ما روي في الحديث: "حديث : إنّ الله تعالى يجعل يوم القيامة البحار كلّها ناراً فيسجر بها نار جهنم ". تفسير : وقال قتادة: المسجور: المملوء. ابن كيسان: المجموع ماؤه بعضه إلى بعض، ومنه قول لبيد: شعر : فتوسّطا عرض السرى وصدّعا مسجورة متجاور أقلامها تفسير : وقال النمر بن تولب: شعر : إذا شاء طالع مسجورة ترى حولها النبع والسماسما تفسير : وقال أبو العالية: هو اليابس الذي قد ذهب ماؤه ونضب، وفي رواية عطية وذي الرمّة الشاعر: أخبرنيه أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الحسن الدينوري. قال: حدّثنا عبيد الله بن أبي سمرة، قال: حدّثنا أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الاشعث، قال: حدّثنا السدوسي أبو جعفر، قال: حدّثنا الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء عن ذي الرمّة عن ابن عباس {وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ} الفارغ. قال: خرجت أَمة تسقي فرجعت فقالت: إنّ الحوض مسجور. تعني فارغاً. قال ابن أبي داود: ليس لذي الرمّة حديث غير هذا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: المسجور: المحبوس، وقال الربيع بن أنس: المختلط العذب بالملح. وأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا مخلد بن جعفر، قال: حدّثنا الحسن بن علوية، قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى، قال: حدّثنا إسحاق بن بسر، قال: أخبرني جويبر عن الضحاك، ومقاتل بن سليمان عن الضحاك عن النزال بن سبرة، عن علي بن أبي طالب أنّه قال في البحر المسجور: "حديث : هو بحر تحت العرش، غمره كما بين سبع سماوات إلى سبع أرضين، وهو ماء غليظ يقال له: بحر الحيوان، يمطر العباد بعد النفخة الأُولى أربعين صباحاً فينبتون من قبورهم ". تفسير : {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} نازل { مَّا لَهُ مِن دَافِع} مانع. قال جبير بن مطعم: قدمت المدينة لأكلم رسول الله في أسارى بدر [فذهبت] إليه وهو يصلّي بأصحابه المغرب، وصوته يخرج من المسجد، فسمعته يقرأ {وَٱلطُّورِ} الى قوله: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَّا لَهُ مِن دَافِع} فكأنما صدع قلبي، وكان أوّل ما دخل قلبي الإسلام، فأسلمت خوفاً من نزول العذاب، وما كنت أظن أني أقوم من مكاني حتى يقع بي العذاب. وأخبرني أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن مالك، قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: أخبرت عن [محمد] بن الحرث المكي، عن عبد الله بن رجاء المكي، عن هشام بن حسان، قال: انطلقت أنا ومالك بن دينار إلى الحسن فانتهينا إليه وعنده رجل يقرأ، فلمّا بلغ هذه الآية {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَّا لَهُ مِن دَافِع} بكى الحسن وبكى أصحابه، وجعل مالك يضطرب حتى غشي عليه.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نلاحظ أن مطلع سورة (الطور) يتشابه ومطلع سورة (الذاريات) قبلها، ففي الذاريات يُقسم الحق سبحانه: {أية : وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً * فَٱلْحَامِلاَتِ وِقْراً * فَٱلْجَارِيَاتِ يُسْراً * فَٱلْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً}تفسير : [الذاريات: 1-4] وجواب القسم {أية : إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَٰقِعٌ}تفسير : [الذاريات: 5-6]. وهنا يقسم الحق سبحانه: {أية : وَٱلطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ * وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ * وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ * وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ} تفسير : [الطور: 1-6] وجواب القسم {أية : إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ}تفسير : [الطور: 7-8] فكلاهما يقسم على صدق الإخبار بيوم القيامة، وما فيه من العذاب الذي لا يُرد ولا يُدفع. وحينما نتأمل المقسَم به في الموضعين نجده في سورة الذاريات أقسم بأشياء مادية، أقسم بالرياح والسُّحب التي تحمل الماء الذي يُحيي الأرض. وفي الطور أقسم بأشياء روحية قيمية، فالمادة تسعدك في الدنيا، والقيم تُسعدك في الدنيا والآخرة، والدنيا مهما طالتْ تنتهي إلى الآخرة الباقية التي لا نفادَ لنعيمها. لذلك خاطبنا الحق سبحانه بقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ..}تفسير : [الأنفال: 24] يخاطبهم وهم أحياء يُرزقون، إذن: يقصد حياة أخرى غير هذه الحياة، يقصد حياة القيم، حياة النعيم الدائم الذي لا يزول. وهذا معنى قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}تفسير : [العنكبوت: 64] الحيوان أي: الحياة الحقيقية التي لا يُهدِّدها فناء. لكن لماذا أقسم الحق سبحانه هنا بالطور؟ قالوا: لأن الرسل كُلّموا بالوحي، أما موسى عليه السلام فكلَّمه الله مباشرة بالكلام المباشر من على هذا الجبل، ومن هنا كانت لجبل الطور منزلة خاصة. ذلك لأن بني إسرائيل قوم عندهم لدد وعناد في الخصومة، ويميلون إلى المادية في كل شيء حتى في الدين، لذلك قالوا لموسى: {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً ..}تفسير : [البقرة: 55] فلو قال لهم: إن الوحي أتاني سِراً ما صدّقوه. قوله تعالى: {وَٱلطُّورِ} [الطور: 1] الواو هنا واو القسم، فالحق سبحانه يقسم بالطور أي جبل الطور، وقلنا: إن الحق سبحانه يقسم بما يشاء من مخلوقاته، والطور وردتْ في القرآن عشر مرات لِعظم هذه المكان عند الله. ومن على جبل الطور كلم الله سيدنا موسى {وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ} [الطور: 2] كتاب أي مكتوب وهو التوراة وفيها الألواح. ومسطور يعني: كتابة منظمة في سطور (مش منعكش). وقوله: {فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ} [الطور: 3] الرقّ: كل ما يُكتب فيه من جلد، وهو أول ما كتبوا فيه أو عظم أو غيره {مَّنْشُورٍ} [الطور: 3] مبسوط غير مطوي أو مُغلق، مثل تاجر القماش ينشر لك الثوب ويعرضه عليك، وهذا يعني أنه ثوبٌ جيد لا عيبَ فيه ولو كان فيه عيب ما نشره، وما أعطاك الفرصة لتتفقده. فالحق سبحانه نشر كتابه وعرضه على الخَلْق ليقرؤوه، وهذا يعني أنه كتاب مُحكم دقيق، لا عيبَ فيه ولا خلل.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَٱلطُّورِ} [الآية: 1]. قال: الطور الجبل بالسريانية. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: حدثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ} [الآية: 2]. /75 و/ يعني: صحفا مكتوبة. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: حدثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ} [الآية: 3]. يعني: في صحف.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {رَقٍّ} الرَّق بالفتح والكسر جلد رقيق يكتب فيه وقال أبو عبيدة: الرقُّ الورق وفي الصحاح: الرقُّ بالفتح ما يكتب فيه وهو جلد رقيق {ٱلْمَسْجُورِ} الموقد ناراً يقال: سجرت النار أي أوقدتها {تَمُورُ} مار الشيء يمور موراً إِذ تحرك واضطرب، وجاء وذهب، قال جرير: شعر : وما زالت القتلى تمور دماؤها بدجلة حتى ماء دجلة أشكل تفسير : {يُدَعُّونَ} يدفعون بشدة وعنف، والدَّع: الدفع بشدة وإِهانة {أَلَتْنَاهُمْ} أنقصناهم {رَهَينٌ} محبوس {ٱلسَّمُومِ} الريح الحارة النافذة في المسام التفسِير: {وَٱلطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ} أقسم تعالى بجبل الطور الذي كلَّم الله عليه موسى، وأقسم بالكتاب الذي أنزله على خاتم رسله وهو القرآن العظيم المكتوب {فِي رَقٍّ} أي في أديمٍ من الجلد الرقيق {مَّنْشُورٍ} أي مبسوط غير مطوي وغير مختوم عليه قال القرطبي: أقسم الله تعالى بالطور - وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى - تشريفاً له وتكريماً، وتذكيراً لما فيه من الآيات، وأقسم بالكتاب المسطور أي المكتوب وهو القرآن يقرأه المؤمنون من المصاحف، ويقرأه الملائكة من اللوح المحفوظ، وقيل يعني بالكتاب سائر الكتب المنزلة على الأنبياء لأن كل كتاب في رقٍّ ينشره أهله لقراءته، والرقُّ ما رُقّق من الجلد ليكتب فيه {وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ} أي وأُقسم بالبيت المعمور الذي تطوف به الملائكة الأبرار، وهو لأهل السماء كالكعبة المشرفة لأهل الأرض، وفي حديث الإِسراء "حديث : ثم رفع إِليَّ البيت المعمور، فقلت يا جبريل ما هذا؟ قال: هذا البيت المعمور، يدخله كلَّ يوم سبعون ألف ملك، إِذا خرجوا منه لم يعودوا إِليه آخر ما عليهم"تفسير : وقال ابن عباس: هو بيت في السماء السابعة حيال الكعبة - أي مقابلها وحذاءها - تعمره الملائكة، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة ثم لا يعودون إِليه {وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ} أي والسماء العالية المرتفعة، الواقفة بقدرة الله بلا عمد، سمَّى السماء سقفاً لأنها للأرض كالسقف للبيت ودليله {أية : وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً}تفسير : [الأنبياء: 32] وقال ابن عباس: هو العرش وهو سقف الجنة {وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ} أي والبحر المسجور الموقد ناراً يوم القيامة كقوله {أية : وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ} تفسير : [التكوير: 6] أي أضرمت حتى تصير ناراً ملتهبة تتأجج تحيط بأهل الموقف {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} هذا جواب القسم أي إِن عذاب الله لنازل بالكافرين لا محالة قال ابن الجوزي: أقسم تعالى بهذه الأشياء الخمسة للتنبيه على ما فيها من عظيم قدرته على أن عذاب المشركين حق {مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ} أي ليس له دافع يدفعه عنهم قال أبو حيان: والواو الأولى للقسم وما بعدها للعطف، والجملة المقسم عليها هي {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} وفي إِضافة العذاب للرب لطيفة إِذ هو المالك والناظر في مصلحة العبد، فإِضافته إِلى الرب وإِضافته لكاف الخطاب أمانٌ له صلى الله عليه وسلم وأن العذاب واقع بمن كذبه، ولفظ واقع أشد من كائن، كأنه مهيأ في مكان مرتفع فيقع على من حلَّ به {يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْراً} أي تتحرك السماء وتضطرب اضطراباً شديداً من هول ذلك اليوم {وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْراً} أي تنسف نسفاً عن وجه الأرض فتكون هباءً منثوراً كقوله {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً}تفسير : [طه: 105] قال الخازن: والحكمة في مور السماء وسير الجبال، الإِنذارُ والإِعلام بأن لا رجوع ولا عود إِلى الدنيا، وذلك لأن الأرض والسماء وما بينهما من الجبال والبحار وغير ذلك إِنما خلقت لعمارة الدنيا وانتفاع بني آدم بذلك، فلما لم يبق لهم عودٌ إِليها أزالها الله تعالى وذلك لخراب الدنيا وعمارة الآخرة {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} أي هلاك ودمار وشدة عذاب للمكذبين أرسلَ الله في ذلك اليوم الرهيب {ٱلَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ} أي الذين هم في الدنيا يخوضون في الباطل غافلون ساهون عما يراد بهم {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} أي يوم يُدفعون إِلى نار جهنم دفعاً بشدة وعنف قال في البحر: وذلك أن خزنة جهنم يغلون أيدي الكفار إِلى أعناقهم، ويجمعون نواصيهم إِلى أقدامهم، ويدفعون بهم دفعاً إِلى النار على وجوههم وزجاً في أقفيتهم حتى يردوا إِلى النار، فإِذا دنوا منها قال لهم خزنتها {هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ} أي هذه نار جهنم التي كنتم تهزءون وتكذبون بها في الدنيا {أَفَسِحْرٌ هَـٰذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ} أي وتقول لهم الزبانية تقريعاً وتوبيخاً: هل هذا الذي ترونه بأعينكم من العذاب سحرٌ، أم أنتم اليوم عميٌ كما كنتم في الدنيا عمياً عن الخير والإِيمان؟ قال أبو السعود: وقوله تعالى {أَفَسِحْرٌ هَـٰذَا} توبيخ لهم وتقريع حيث كانوا يسمون القرآن الناطق بالحق سحراً فكأنه قيل لهم: كنتم تقولون عن القرآن إِنه سحر أفهذا العذاب أيضاً سحر أم سُدَّت أبصاركم كما سدَّت في الدنيا؟ {ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ} أي قاسوا شدتها فاصبروا على العذاب أو لا تصبروا، وهو توبيخ آخر {سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ} أي يتساوى عليكم الصبر والجزع لأنكم مخلدون في جهنم أبداً {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي إِنما تنالون جزاء أعمالكم القبيحة من الكفر والتكذيب، ولا يظلم ربك أحداً.. ولما ذكر حال الكفرة الأشقياء ذكر حال المؤمنين السعداء على عادة القرآن الكريم في الجمع بين الترهيب والترغيب فقال {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ} أي إن الذين اتقوا ربهم في الدنيا بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، هم في الآخرة في بساتين عظيمة ونعيم مقيم خالد {فَاكِهِينَ بِمَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ} أي متنعمين ومتلذذين بما أعطاهم ربهم من الخير والكرامة وأصناف الملاذ من مآكل ومشارب، وملابس ومراكب، وغير ذلك من ملاذ الجنة {وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ} أي وقد نجاهم ربهم من عذاب جهنم وصرف عنهم أهوالها قال ابن كثير: وتلك نعمة مستقلة بذاتها مع ما أضيف إِليها من دخول الجنة، التي فيها من السرور ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي يقال لهم: كلوا واشربوا أكلاً وشرباً هنيئاً، لا تنغيص فيه ولا كدر، بسبب ما قدمتم من صالح الأعمال.. ثم أخبر تعالى عن حالهم عند أكلهم وشربهم فقال {مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ} أي جالسين على هيئة المضطجع على سرر من ذهب مكلَّلة بالدر والياقوت، مصطفة بعضها إِلى جانب بعض، قال ابن كثير: {مَّصْفُوفَةٍ} أي وجوه بعضهم إِلى بعض كقوله {أية : عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ}تفسير : [الحجر: 47] وفي الحديث "حديث : إن الرجل ليتكىء المتكأ مقدار أربعين سنةً ما يتحول عنه ولا يملُّه، يأتيه ما اشتهت نفسه ولذت عينه"تفسير : {وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} أي وجعلنا لهم قرينات صالحات، وزوجات حساناً من الحور العين، وهنَّ نساء بيض واسعات العيون - من الحَوَر وهو شدة البياض، والعينُ جمع عيناء وهي كبيرة العين - والبياضُ مع سعة العين نهاية الحسن والجمال {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ} أي كانوا مؤمنين وشاركهم أولادهم في الإِيمان {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} أي ألحقنا الأبناء بالآباء لتقرَّبهم أعينهم وإِن لم يبلغوا عملهم قال ابن عباس: إِن الله عز وجل ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته في الجنة وإن كان لم يبلغها بعمله لتقرَّبهم عينه وتلا الآية قال الزمخشري: فيجمع الله لأهل الجنة أنواع السرور بسعادتهم في أنفسهم، وبمزاوجة الحور العين، وبمؤانسة الإِخوان المؤمنين، وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم {وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ} أي وما نقصنا الآباء من ثواب عملهم شيئاً قال في البحر: المعنى أنه تعالى يُلحق المقصِّر بالمحسن ولا ينقص المحسن من أجره شيئاً {كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ} أي كل إِنسان مرتهن بعمله لا يُحمل عليه ذنب غيره سواء كان أباً أو إِبناً وقال ابن عباس: ارتهن أهل جهنم بأعمالهم، وصار أهل الجنة إِلى نعيمهم وقال الخازن: المراد بالآية الكافر أي كل كافر بما عمل من الشرك مرتهن بعمله في النار، والمؤمن لا يكون مرتهناً بعمله لقوله تعالى {أية : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلاَّ أَصْحَابَ ٱلْيَمِينِ}تفسير : [المدثر: 38-39].. ثم ذكر ما وعدهم به من الفضل والنعمة فقال {وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ} أي وزدناهم - فوق ما لهم من النعيم - بفواكه ولحوم من أنواع شتى مما يستطاب ويُشتهى {يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً} أي يتعاطون في الجنة كأساً من الخمر، يتجاذبها بعضهم من بعض تلذذاً وتأنساً قال الألوسي: أي يتجاذبونها تجاذب ملاعبة كما يفعل ذلك الندامى في الدنيا لشدة سرورهم {لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ} أي لا يقع بينهم بسبب شربها هذيان حتى يتكلموا بساقط الكلام، ولا يلحقهم إِثم كما يلحق شارب الخمر في الدنيا قال قتادة: نزّه الله خمر الآخرة عن قاذورات خمر الدنيا وأذاها، فنفى عنها صُداع الرأس، ووجع البطن، وإِزالة العقل، وأخبر أنها لا تحملهم على الكلام الفارغ الذي لا فائدة فيه، المتضمن للهذيان والفحش، ووصفها بحسن منظرها وطيب طعمها، فقال {أية : بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ * لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ}تفسير : [الصافات: 46-47] ثم قال تعالى {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ} أي ويطوف عليهم للخدمة غلمان مماليك خصصهم تعالى لخدمتهم {كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ} أي كأنهم في الحسن، والبياض، والصفاء اللؤلؤ المصون في الصدف قال القرطبي: وهؤلاء الغلمان قيل هم أولاد المشركين وهم خدم أهل الجنة، وليس في الجنة نصب ولا حاجة إِلى خدمة، ولكنه أخبر بأنهم على غاية النعيم {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} أي أقبل أهل الجنة يسأل بعضهم بعضاً عن أعمالهم وأحوالهم في الدنيا، تلذذاً بالحديث، واعترافاً بالنعمة {قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ} أي قال المسئولون: إِنا كنا في دار الدنيا خائفين من ربنا، مشفقين من عذابه وعقابه {فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ} أي فأكرمنا الله بالمغفرة والجنة، وأجارنا مما نخاف، وحمانا من عذاب جهنم النافذة في المسام نفوذ الريح الحارة الشديدة وهي التي تسمى {ٱلسَّمُومِ} قال الفخر الرازي: والآية إِشارة إِلى أن أهل الجنة يعلمون ما جرى عليهم في الدنيا ويذكرونه، وكذلك الكافر لا ينسى ما كان له من النعيم في الدنيا، فتزداد لذة المؤمن حيث يرى نفسه انتقلت من الضيق إِلى السعة، ومن السجن إِلى الجنة، ويزداد الكافر ألماًَ حيث يرى نفسه انتقلت من النعيم إِلى الجحيم {إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ} أي قال أهل الجنة: إِنا كنا في الدنيا نعبد الله ونتضرع إِليه، فاستجاب الله لنا فأعطانا سؤلنا {إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ ٱلرَّحِيمُ} أي إِنه تعالى هو المحسن، المتفضل على عباده بالرحمة والغفران، وهو كالتعليل لما سبق، عن مسروق أن عائشة رضي الله تعالى عنها قرأت هذه الآية {فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ ٱلرَّحِيمُ} فقالت: اللهم مُنَّ علينا وقنا عذاب السموم إِنك أنت البر الرحيم.
زيد بن علي
تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السَّلامُ: في قولهِ: {وَٱلطُّورِ وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ} معنى الطُّور: الجبلُ. والمَسطورُ: المَكتوبُ.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * وَٱلطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ} هذه السورة مكية ومناسبتها لآخر ما قبلها ظاهرة إذ في آخرها فإِن للذين ظلموا ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم وقال هنا ان عذاب ربك لواقع الطور الجبل والظاهر أنه إسم جنس لا جبل معين وفي الشام جبل يسمى الطور وهو طور سيناء وقال نوف البكالي انه الذي أقسم الله تعالى به لفضله على الجبال قيل وهو الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام والكتاب المسطور القرآن والكتب الإِلٰهية. {فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ} أي مبسوط وقيل مفتوح لا ختم عليه. {وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ} قال علي كرم الله وجهه وابن عباس: هو بيت في السماء مسامت للكعبة يقال له الضراح والضريح أيضاً وهو الذي ذكر في حديث الإِسراء قال جبريل عليه السلام: حديث : هذا البيت يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما عليهم . تفسير : {وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ} السماء وقال ابن عباس: هو العرش وهو سقف الجنة. {وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ} قال مجاهد وشمر بن عطية: هو البحر الموقد نار أو روي أن البحر هو جهنم والواو الأولى واو القسم وما بعدها للعطف والجملة المقسم عليها هي قوله إن عذاب ربك لواقع في إضافة العذاب لقوله: ربك لطيفة إذ هو المالك والناظر في مصلحة العبد فبالإِضافة إلى الرب وإضافة لكاف الخطاب أمان له عليه السلام وأن العذاب الواقع هو بمن كذبه ولواقع يدل على الشدة وهو أول عليها من لكائن ألا ترى إلى قوله {أية : إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ} تفسير : [الواقعة: 1] قوله {أية : وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ} تفسير : [الشورى: 22] كأنه مهيأ في مكان مرتفع فيقع على من حل به وعن جبير بن مطعم قال: قدمت المدينة لأسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسارى بدر فوافيته يقرأ في صلاة المغرب والطور إلى قوله: إن عذاب ربك لواقع ماله من دافع فكأنما صرع قلبي فأسلمت خوفاً من نزول العذاب وما كنت أظن أن أقوم من مقامي حتى يقع العذاب وانتصب يوم بدافع ويجوز أن ينتصب بقوله: لواقع والجملة بعدها اعتراض بين العامل والمعمول. {يَوْمَ تَمُورُ} قال ابن عباس: تضطرب. {وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ} هذا في أول الأمر ثم تنسف حتى تصير آخراً كالعهن المنفوش. {فَوَيْلٌ} عطف جملة على جملة تتضمن ربط المعنى وتأكيده والخوض التخبط في الباطل وغلب باستعماله في الاندفاع في الباطل. {يَوْمَ يُدَعُّونَ} وذلك أن خزنة جهنم يغسلون أيدي الكفار إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم ويدفعونهم إلى النار دفعاً على وجوههم وزجاً في أقفيتهم يقال لهم هذه النار التي كنتم بها تكذبون ثم قيل لهم على قطع رجائهم. {ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ} عذابكم حتم فسواء صبركم وجزعكم لا بد من جزاء أعمالكم. {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ} لما ذكر حال الكفار ذكر حال المؤمنين ليقع الترهيب والترغيب وهو اخبار عما يؤول إليه حال المؤمنين أخبروا بذلك خبران. {فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ} وانتصب فاكهين على الحال والعامل فيها العامل في الجار والمجرور. {فَاكِهِينَ} مسرورين فرحين وقيل من التفكه وما في قوله بما موصولة بمعنى الذي والعائد عليها محذوف تقديره آتاهموه أن تكون مصدرية ومفعول آتاهم محذوف أي بإِيتائهم ربهم الجنة. {هَنِيئَاً} تقدم الكلام عليه في النساء والمعنى هنا هنأكم النعيم بسبب عملكم وانتصب. {مُتَّكِئِينَ} على الحال. {عَلَىٰ سُرُرٍ} متعلق به. {وَزَوَّجْنَاهُم} قرناهم والتزويج كناية عن ذلك لما قال تعالى {أية : وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ} تفسير : [البقرة: 25] وقال الزمخشري: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} معطوف على حور عين أي قرناهم بالحور العين وبالذين آمنوا أي بالرفقاء بالجلساء منهم كقوله {أية : إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ} تفسير : [الحجر: 47] فيتمتعون تارة بملاعبة الحور وتارة بمؤانسة الإِخوان المؤمنين وأتبعناهم ذريتهم ثم ذكر حديث ابن عباس ثم قال: فيجمع الله لهم أنواع السرور بسعادتهم في أنفسهم وبمزاوجة الحور العين وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم ثم قال: بإِيمان ألحقنا بهم ذرياتهم أي بسبب إيمان عظيم رفيع المحل وهو إيمان الآباء ألحقنا بدرجاتهم ذريتهم وإن كانوا لا يستأهلونها تفضلاً عليهم وعلى آبائهم لنتم سرورهم ونكمل نعيمهم فإِن قلت: ما معنى تنكير الإِيمان قلت: معناه الدلالة على أنه إيمان خاص عظيم المنزلة ويجوز أن يراد إيمان الذرية الداني المحل كأنه قال بشىء من الإِيمان لا يؤهلهم لدرجة الآباء ألحقنا بهم "انتهى". ولا يتخيل أحد أن والذين آمنوا معطوف على بحور عين غير هذا الرجل وهو تخيل أعجمي مخالف لفهم العربي القح ابن عباس وغيره والأحسن من هذه الأقوال قول ابن عباس ويعضده الحديث الذي رواه لأن الآيات كلها في صفة إحسان الله تعالى إلى أهل الجنة فذكر من جملة إحسانه أنه يرعى المحسن في المسيء ولفظة ألحقنا تقتضي أن للملحق بعض التقصير في الأعمال فيكون إعراب والذين مبتدأ وأتبعناهم معطوف على آمنوا وبإِيمان متعلق بقوله: واتبعناهم ونكره اكتفاء بحصول الإِيمان وإن كان الإِنسان مقصراً في العمل وميز والذين قوله ألحقنا بهم. {وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ} أي نقصناهم والظاهر أن الضمير التناهم عائد على المؤمنين والمعنى أنه تعالى يلحق المقصر بالمحسن ولا ينقص المحسن من أجره شيئاً وهذا تأويل ابن عباس. {بِمَا كَسَبَ} متعلق برهين. {وَأَمْدَدْنَاهُم} أي يسرنا لهم شيئاً فشيئاً حتى يكثر ولا ينقطع. {يَتَنَازَعُونَ فِيهَا} أي يتعاطون فيها والتنازع التجاذب ملاعبة إذ أهل الدنيا لهم في ذلك لذة فكذلك في الجنة. {لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ} قرىء برفعهما واللغو السقط من الكلام كما يجري بين شراب الخمر في الدنيا والتأثيم الإِثم الذي يلحق شارب الخمر في الدنيا. {غِلْمَانٌ لَّهُمْ} أي مماليك. {مَّكْنُونٌ} أي من الصدف لم تنله إلا يرى وهو إذ ذاك رطب فهو أحسن وأصفى والظاهر أن التساؤل هو في الجنة إذ هذه كلها معاطيف بعضها على بعض أي يتساءلون عن أحوالهم وما نال كل واحد منهم ويدل عليه فمنَّ الله علينا أي بهذا النعيم الذي نحن فيه. {مُشْفِقِينَ} أي رقيقي القلوب خاشعين لله تعالى والسموم هنا النار، وقال الحسن إسم من أسماء جهنم. {مِن قَبْلُ} أي من قبل لقاء الله تعالى والمصير إليه. {نَدْعُوهُ} نعبده ونسأله الوقاية من عذابه. {إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ} المحسن. {ٱلرَّحِيمُ} الكثير الرحمة إذا عبد أثاب وإذا سئل أجاب. {فَذَكِّرْ} الآية أمره بالتذكير إنذاراً للكفار وتبشير للمؤمن ونفي عنه ما كان الكفار ينسبونه إليه من الكهانة والجنون إذ كانا طريقين للإِخبار ببعض المغيبات وكان للجن بهما ملابسة للإِنسان وممن كان ينسبه إلى الكهانة شيبة بن ربيعة وممن كان ينسبه إلى الجنون عقبة بن أبي معيط والمعنى أن عليه السلام انتفت عنه صفات النقص من الكهانة والجنون بسبب ما أنعم الله به عليه من النبوة والرسالة. {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ} روي أن قريشاً اجتمعت في دار الندوة وكثر آراؤهم فيه صلى الله عليه وسلم حتى قال قائل منهم وهم بنو عبد الدار قاله الضحاك. {نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ} فإِنه شاعر سيهلك كما هلك زهير والنابغة والأعشى فافترقوا على هذه المقالة فنزلت الآية في ذلك. {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ} أي عقولهم بهذا أي بقولهم كاهن وشاعر ومجنون وهو قول متناقض وكانت قريش تدعى أهل الأحلام والنهي وقيل لعمرو بن العاص ما بال قومك لم يؤمنوا وقد وصفهم الله بالعقل فقال: تلك عقول كادها الله تعالى أي لم يصحبها التوفيق والهمزة في أم تأمرهم قيل أم بمعنى الهمزة أي أتأمرهم وقدرها مجاهد ببل والصحيح أنها تقدر ببل والهمزة. {أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} أي مجاوزون الحد في العناد مع ظهور الحق لهم.
الجيلاني
تفسير : {وَٱلطُّورِ} [الطور: 1] أي: وحق المقدس عن الظهور والبطون، المنزه عن البروز والكمون. {وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ} [الطور: 2] هو حضرة العلم الإلهي الذي سطر بالقلم. {فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ} [الطور: 3] هو لوح القضاء المحفوظ من التباهي والانقضاء، المحروس عن مطلق التغير ومطلق الانمحاء. {وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ} [الطور: 4] الإلهي الذي هو قلب العارف المحقق، المتحقق بقمام الفناء عن الفناء، وبالبقاء ببقاء العظمة والكبرياء، المعبر بها عن عالم العمى اللاهوتي الذي هو سواد أعظم الفقر، وبيت المعمور الأكبر. {وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ} [الطور: 5] الذي هو سماء الأسمناء والصفات عن مطلق التعدد الأصفياء. {وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ} [الطور: 6] الذي هو مطلق الوجود المحيط بالكل بمقتضى الجود. {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ} يا أكمل الرسل لعصاة عباده {لَوَاقِعٌ} [الطور: 7] نازل لهم في يوم الجزاء. {مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ} [الطور: 8] لأن من قدر على أمثال هذه المقدورات، واتصف بهذه الأسماء والصفات بالأصالة والاستحقاق، لا يعارض حكمه ولا يدفع قضاءه. اذكر يا أكمل الرسل للمكذبين المنكرين للحشر والنشر كيف حالهم {يَوْمَ تَمُورُ} تتحرك وتضطرب {ٱلسَّمَآءُ مَوْراً} [الطور: 9] اضطراباً غريباً وتحركاً لا على وجه المعتاد إلى حيث طويت {أية : كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ}تفسير : [الأنبياء: 104]. {وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ} الرواسى الرواسخ {سَيْراً} [الطور: 10] فتصير الأرض {أية : فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً}تفسير : [طه: 106-107]. {فَوَيْلٌ} عظيم وعذاب أليم {يَوْمَئِذٍ} واقع {لِّلْمُكَذِّبِينَ} [الطور: 11] المسرفين المصرين. {ٱلَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ} في الأباطيل الزائغة {يَلْعَبُونَ} [الطور: 12] بآيات الله الدالة على وحدة ذاته وكمال أسمائه وصفاته، وكذا يحلقهم أيضاً ويل عظيم. {يَوْمَ يُدَعُّونَ} يطرحون ويدفعون {إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} [الطور: 13] طرحاً على وجه العنف، مشدودين بالسلاسل والأغلال. فيقال لهم حينئذ تفضيحاً وتوبيخاً: {هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ} [الطور: 14] وتنكرون الآيات والنذر الواردة في شأنها، وتنسبونها إلى السحر والكهانة، وغير ذلك من الخرافات والجزافات.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَٱلطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ} [الطور: 1-2]، يشير إلى طور النفس الذي كلم الله عليه موسى القلب؛ لشرف استماع كلام الحق عليه صار محل القسم، فأقسم الله به وبكتاب كتبه الله تعالى {فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ} [الطور: 3]؛ أي: في قلوب منسوبة إلى الرقة يدل عليه قوله: {أية : كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ} تفسير : [المجادلة: 22]. {وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ} [الطور: 4]، وهو سر قلوب العارفين معمور بأسرار الحق تعالى، {وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ} [الطور: 5]، وهو الروح المرفوع درجاته إلى الحضرة، وهو سقف بيت الغلبة. {وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ} [الطور: 6]؛ أي: بحر قلب سُجر بنار المحبة ما قسم لعزة هذه الأشياء، {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} [الطور: 7]؛ أي: العذاب لأهل العذاب واقع بالنقد؛ لأن أشد العذاب ذل الحجاب كان من دعاء سري السقطى: اللهم مهما عذبتني فلا تعذبني بذل الحجاب والحجاب واقع؛ فإن أعظم الحجاب حجاب النفس {مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ} [الطور: 8] من قبل العبد؛ بل دافع حجاب النفس وهو رحمة الله تعالى، كما قال تعالى: {أية : ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ إِنَّ رَبِّي} تفسير : [يوسف: 53]. وبقوله: {يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْراً} [الطور: 9]، يشير إلى سماء القلب ومورة توجهه للحق تعالى بصدق الطلب، {وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ} [الطور: 10] جبال النفس {سَيْراً} [الطور: 10] إلى عالم القلب، ومنه إلى عالم الأرواح، ومنه بجذبة: {أية : ٱرْجِعِي} تفسير : [الفجر: 28] إلى حضرة الربوبية، {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ} [الطور: 11] حين ظفر الطالب بالمطلوب، ووصل المحب إلى المحبوب، {لِّلْمُكَذِّبِينَ} [الطور: 11] بهذا الحديث، من ينزل الحسرات الموقدة التي قطعت على الأفئدة من فوات هذه السعادة العظمى، والحرمان عن ما وعدناكم من عذاب خوضكم في الدنيا، ولعبكم بها من الغفلة ونيران الحسرات [الزفرات] {ٱلَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ} [الطور: 12] الدنيا وشهواتها وزخارفها {يَلْعَبُونَ} [الطور: 12]. {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} [الطور: 13] دعاء لا خلاص منها ولا رجوع، يناديهم عزة الحق تعالى: {هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَـٰذَا} [الطور: 14-15]؛ يعني الذي {أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ} [الطور: 15] حقائق هذه المعاني. تفسير عين الحياة. اعلم يا طالب النور على الطور والعلم في الكتاب المسطور، والحكمة على الرق المنشور، والحقيقة في البيت المعمور، والحق على السقف المرفوع، وسر الباطن في البحر المسجور، أن هذه لطائف أودعها الله في وجودك؛ لتعرف أسرارها، ويحصل لك بها السرور والحبور في القبور، ويتنعم بتلك اللطائف بعد النشور في مرر الحور، المنكبة على أريكة المعرفة فوق القصور، ويتقن بأن قالبك هو الطور، وسرك هو الكتاب المسطور، وقلبك هو الرق المنشور، وروحك هو البيت المعمور، وصفتك هي السقف المرفوع، ونفسك هي البحر المسجور في عالم الأنفس. والله تعالى أقسم بما في الآفاق، كما فسره المفسرون بقوله تعالى: {وَٱلطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ * وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ * وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ * وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ} [الطور: 1-6]، وعالم الآفاق ملك عالم الأنفس مظهر لصفة باطنية الحق، كما أن عالم الآفاق مظهر لصفة ظاهرية الحق تعالى، وهو تعالى عالم الغيب والشهادة، ويجوز أن يقسم بمظاهر ظاهريته وباطنيته، ولكن الطور الآفاقي لا يتعلق بك، وكل ما هو كائن في الآفاق إذا أخرجت من عالم بَذْلِك الآفاقي بقي في عالمه، ويكون بينك وبين ما فيه بعد المشرقين؛ فاطلب طوراً يكون معك بعد خروجك من عالم الآفاق، وهو طور قالبك الباقي بعد الحشر معك إما متنعماً في الجنة وإما متألماً في النار، واجتهد اليوم أن تجعله نوراً لا ظلمانياً؛ ليكون قبرك منوراً لا مظلماً مكدراً في البرزخ، ويكون مأواك الجنة لا جهنم بعد خلاصك من البرزخ، وإن لم تنوِّر طور اليوم، ولم تسكن البحر المسجور الذي سجر بنيران الشهوة والغضب والكبر، بماء الذكر والثلج والرياضة وبرد الأخلاق الحميدة. {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} [الطور: 7]، ولكل لطيفة عذاب يختص بما دون غيرها، وأشد العذاب ذل الحجاب وهو أن ليس له واقع بعد الوقوع، كما يقول: {مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ} [الطور: 8]، ولا حيلة للسالك في دفعة خاصته. {يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ} [الطور: 9]، سماء الصدر، {مَوْراً}، {وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ} [الطور: 10]، جبال قوى معدنيته {سَيْراً} [الطور: 10]، عند مشاهدته قوته القابضة النازعة، التي هي عزرائيل تقبض قوى روحانيته السارية في عودته، وينزع من ذرات وجوده اللطيفة الحيوانية، التي هي من خصائص صفات روحانيته. {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ} [الطور: 11-12]؛ أي: يخوضون في غمرات البحر اللجي الدنيوي، ويلعبون فيها يزيدها الباطل ومتاعها القليل، ويكذبون اللطائف المستخلصة عن الأكدار المتحلية بالأنوار المرسلة إليهم بالإنذار والإيثار؛ لا شتغالهم بالدنيا الفانية، ومتاع الغرور وغفلتهم عن الآخرة الباقية، التي هي دار السرور. {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا * هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ} [الطور: 13-14]؛ أي: تكذبون اللطائف المرسلة إليكم الداعية لكم إلى الحق، فهذه النار التي كانت فيكم، وأنتم أشعلتموها في وجودكم، وأوقدتموها بنيران الحسد والحقد والكبر والغضب والبغض، وجمعتم لها حطب الحطام الدنيوي من الدراهم والدنانير والأموال والأملاك والمواشي، فصار المجموع حطمتكم مما تكوي جباهكم وجنوبكم. {أَفَسِحْرٌ هَـٰذَا} [الطور: 15]، الذي يدفعكم خزية نيرانكم إليها دفعاً، ويقولون معكم: {هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ} [الطور: 14] دار الكسب خلف الأستار، وتنكرون اللطائف المنذرة غاية الإنكار، ويستهزئون بالإنذار، فسحر هذا الذي تبصرونه اليوم، الذي كشفنا عنكم فيه الغطاء ورفعنا الأستار، أتظنون أن الذي تشاهدونه ليس حقيقة أم سحر أعينكم، {أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ} [الطور: 15]، حقيقة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقسم تعالى بهذه الأمور العظيمة، المشتملة على الحكم الجليلة، على البعث والجزاء للمتقين والمكذبين، فأقسم بالطور الذي هو الجبل الذي كلم الله عليه نبيه موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام، وأوحى إليه ما أوحى من الأحكام، وفي ذلك من المنة عليه وعلى أمته، ما هو من آيات الله العظيمة، ونعمه التي لا يقدر العباد لها على عد ولا ثمن. { وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ } يحتمل أن المراد به اللوح المحفوظ، الذي كتب الله به كل شيء، ويحتمل أن المراد به القرآن الكريم، الذي هو أفضل كتاب أنزله الله محتويا على نبأ الأولين والآخرين، وعلوم السابقين واللاحقين. وقوله: { فِي رَقٍّ } أي: ورق { مَنْشُورٍ } أي: مكتوب مسطر، ظاهر غير خفي، لا تخفى حاله على كل عاقل بصير. { وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ } وهو البيت الذي فوق السماء السابعة، المعمور مدى الأوقات بالملائكة الكرام، الذي يدخله كل يوم سبعون ألف ملك [يتعبدون فيه لربهم ثم] ، لا يعودون إليه إلى يوم القيامة وقيل: إن البيت المعمور هو بيت الله الحرام، والمعمور بالطائفين والمصلين والذاكرين كل وقت، وبالوفود إليه بالحج والعمرة. كما أقسم الله به في قوله: {أية : وَهَذَا الْبَلَدِ الأمِينِ } تفسير : وحقيق ببيت أفضل بيوت الأرض، الذي قصده بالحج والعمرة، أحد أركان الإسلام، ومبانيه العظام، التي لا يتم إلا بها، وهو الذي بناه إبراهيم وإسماعيل، وجعله الله مثابة للناس وأمنا، أن يقسم الله به، ويبين من عظمته ما هو اللائق به وبحرمته. { وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ } أي: السماء، التي جعلها الله سقفا للمخلوقات، وبناء للأرض، تستمد منها أنوارها، ويقتدى بعلاماتها ومنارها، وينزل الله منها المطر والرحمة وأنواع الرزق. { وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ } أي: المملوء ماء، قد سجره الله، ومنعه من أن يفيض على وجه الأرض، مع أن مقتضى الطبيعة، أن يغمر وجه الأرض، ولكن حكمته اقتضت أن يمنعه عن الجريان والفيضان، ليعيش من على وجه الأرض، من أنواع الحيوان وقيل: إن المراد بالمسجور، الموقد الذي يوقد [نارا] يوم القيامة، فيصير نارا تلظى، ممتلئا على عظمته وسعته من أصناف العذاب. هذه الأشياء التي أقسم الله بها، مما يدل على أنها من آيات الله وأدلة توحيده، وبراهين قدرته، وبعثه الأموات، ولهذا قال: { إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ } أي: لا بد أن يقع، ولا يخلف الله وعده وقيله. { مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ } يدفعه، ولا مانع يمنعه، لأن قدرة الله تعالى لا يغالبها مغالب، ولا يفوتها هارب، ثم ذكر وصف ذلك اليوم، الذي يقع فيه العذاب، فقال: { يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا } أي: تدور السماء وتضطرب، وتدوم حركتها بانزعاج وعدم سكون، { وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا } أي: تزول عن أماكنها، وتسير كسير السحاب، وتتلون كالعهن المنفوش، وتبث بعد ذلك [حتى تصير] مثل الهباء، وذلك كله لعظم هول يوم القيامة، وفظاعة ما فيه من الأمور المزعجة، والزلازل المقلقة، التي أزعجت هذه الأجرام العظيمة، فكيف بالآدمي الضعيف!؟ { فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ } والويل: كلمة جامعة لكل عقوبة وحزن وعذاب وخوف. ثم ذكر وصف المكذبين الذين استحقوا به الويل، فقال: { الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ } أي: خوض في الباطل ولعب به. فعلومهم وبحوثهم بالعلوم الضارة المتضمنة للتكذيب بالحق، والتصديق بالباطل، وأعمالهم أعمال أهل الجهل والسفه واللعب، بخلاف ما عليه أهل التصديق والإيمان من العلوم النافعة، والأعمال الصالحة. { يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا } أي: يوم يدفعون إليها دفعا، ويساقون إليها سوقا عنيفا، ويجرون على وجوههم، ويقال لهم توبيخا ولوما: { هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ } فاليوم ذوقوا عذاب الخلد الذي لا يبلغ قدره، ولا يوصف أمره. { أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ } يحتمل أن الإشارة إلى النار والعذاب، كما يدل عليه سياق الآية أي: لما رأوا النار والعذاب قيل لهم من باب التقريع: " أهذا سحر لا حقيقة له، فقد رأيتموه، أم أنتم في الدنيا لا تبصرون " أي: لا بصيرة لكم ولا علم عندكم، بل كنتم جاهلين بهذا الأمر، لم تقم عليكم الحجة؟ والجواب انتفاء الأمرين: أما كونه سحرا، فقد ظهر لهم أنه أحق الحق، وأصدق الصدق، المخالف للسحر من جميع الوجوه، وأما كونهم لا يبصرون، فإن الأمر بخلاف ذلك، بل حجة الله قد قامت عليهم، ودعتهم الرسل إلى الإيمان بذلك، وأقامت من الأدلة والبراهين على ذلك، ما يجعله من أعظم الأمور المبرهنة الواضحة الجلية. ويحتمل أن الإشارة [بقوله: { أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ } ] إلى ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الحق المبين، والصراط المستقيم أي: هذا الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم سحر أم عدم بصيرة بكم، حتى اشتبه عليكم الأمر، وحقيقة الأمر أنه أوضح من كل شيء وأحق الحق، وأن حجة الله قامت عليهم. { اصْلَوْهَا } أي: ادخلوا النار على وجه تحيط بكم، وتستوعب جميع أبدانكم وتطلع على أفئدتكم. { فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ } أي: لا يفيدكم الصبر على النار شيئا، ولا يتأسى بعضكم ببعض، ولا يخفف عنكم العذاب، وليست من الأمور التي إذا صبر العبد عليها هانت مشقتها وزالت شدتها. وإنما فعل بهم ذلك، بسبب أعمالهم الخبيثة وكسبهم، [ولهذا قال] { إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }.
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم سورة والطور 548 - أخبرنا عُبيدُ الله بن سعيدٍ، قال: حدثنا عبد/ الرحمنِ، عن مالكٍ، عن أبي الأسود، عن عروة، عن زينب ابنة أبي سلمة، عن أُم سلمة، حديث : أنها قدمت مكَّة وهي مريضةٌ، فذكرت ذلك للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: طوفي من وراء المصلين وأنت راكبةٌ، قالت فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو عندَ الكعبة يقرأُ بالطورِ . تفسير : 549 - أخبرنا قُتيبة بن سعيدٍ، عن مالكٍ، عن الزهري [ح] والحارثُ بن مسكينٍ قراءةً عليه (وأنا أسمعُ)، عن ابنِ القاسمِ، قال: حدثني مالكٌ/، عن ابن شهابٍ، عن محمد بن جبير بن مطعمٍ، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأُ في المغرب بالطورِ.
همام الصنعاني
تفسير : 2998- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، وعمن سمع عِكْرِمة يقولان في: {وَٱلطُّورِ}: [الآية: 1]، قالا: جبل يقال له الطُّورُ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):