٥٢ - ٱلطُّور
52 - At-Tour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
9
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: ما الناصب ليوم؟ نقول المشهور أن ذلك هو الفعل الذي يدل عليه واقع أي يقع العذاب {يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَاء مَوْراً } والذي أظنه أنه هو الفعل المدلول عليه بقوله {أية : مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ } تفسير : [الطور: 8] وإنما قلت ذلك لأن العذاب الواقع على هذا ينبغي أن يقع في ذلك اليوم، لكن العذاب الذي به التخويف هو الذي بعد الحشر، ومور السماء قبل الحشر، وأما إذا قلنا معناه {لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ } يوم تمور فيكون في معنى قوله {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } تفسير : [غافر: 85] كأنه تعالى يقول: ما له من دافع في ذلك اليوم وهو ما إذا صارت السماء تمور في أعينكم والجبال تسير، وتتحققون أن الأمر لا ينفع شيئاً ولا يدفع. المسألة الثانية: ما مور السماء؟ نقول خروجها عن مكانها تتردد وتموج، والذي تقوله الفلاسفة قد علمت ضعفه مراراً وقوله تعالى: {وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْراً } يدل على خلاف قولهم، وذلك لأنهم وفقوا على أن خروج الجبل العظيم من مكانه جائز وكيف لا وهم يقولون بأن زلزلة الأرض مع ما فيها من الجبال ببخار يجتمع تحت الأرض فيحركها، وإذا كان كذلك فنقول السماء قابلة للحركة بإخراجها خارجة عن السمتيات والجبل ساكن يقتضي طبعه السكون، وإذا قبل جسم الحركة مع أنها على خلاف طبعه، فلأن يقبلها جرم آخر مع أنها على موافقته أولى، وقولهم القابل للحركة المستديرة لا يقبل الحركة المستقيمة في غاية الضعف، وقوله {مَوْراً } يفيد فائدة جليلة وهي أن قوله تعالى: {وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ } يحتمل أن يكون بياناً لكيفية مور السماء، وذلك لأن الجبال إذا سارت وسيرت معها سكانها يظهر أن السماء كالسيارة إلى خلاف تلك الجهة كما يشاهده راكب السفينة فإنه يرى الجبل الساكن متحركاً، فكان لقائل أن يقول السماء تمور في رأي العين بسبب سير الجبال كما يرى القمر سائراً راكب السفينة، والسماء إذا مارت كذلك فلا يبقى مهرب ولا مفزع لا في السماء ولا في الأرض. المسألة الثالثة: ما السبب في مورها وسيرها؟ قلنا قدرة الله تعالى، وأما الحكمة فالإيذان والإعلام بأن لا عود إلى الدنيا، وذلك لأن الأرض والجبال والسماء والنجوم كلها لعمارة الدنيا والانتفاع لبني آدم بها، فإن لم يتفق لهم عود لم يبق فيها نفع فأعدمها الله تعالى. المسألة الرابعة: لو قال قائل كنت وعدت ببحث في الزمان يستفيد العاقل منه فوائد في اللفظ والمعنى وهذا موضعه، فإن الفعل لا يضاف إليه شيء غير الزمان فيقال يوم يخرج فلان وحين يدخل فلان، وقال الله تعالى: {أية : يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ } تفسير : [المائدة: 119] وقال: {وَيَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَاء } وقال: {أية : يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [التوبة: 36] وكذلك يضاف إلى الجملة فما السبب في ذلك؟ فنقول الزمان ظرف الأفعال كما أن المكان ظرف الأعيان، وكما أن جوهراً من الجواهر لا يوجد إلا في مكان، فكذلك عرض من الأعراض لا يتجدد إلا في زمان، وفيهما تحير خلق عظيم، فقالوا إن كان المكان جوهراً فله مكان آخر ويتسلسل الأمر، وإن كان عرضاً فالعرض لا بد له من جوهر، والجوهر لا بد له من مكان فيدور الأمر أو يتسلسل، وإن لم يكن جوهراً ولا عرضاً، فالجوهر يكون حاصلاً فيما لا وجود له أو فيما لا إشارة إليه، وليس كذلك، وقالوا في الزمان إن كان الزمان غير متجدد فيكون كالأمور المستمرة فلا يثبت فيه المضي والاستقبال، وإن كان متجدداً وكل متجدد فهو في زمان، فللزمان زمان آخر فيتسلسل الأمر، ثم إن الفلاسفة التزموا التسلسل في الأزمنة، ووقعوا بسبب هذا في القول بقدم العالم ولم يلتزموا التسلسل في الأمكنة وفرقوا بينهما من غير فارق وقوم التزموا التسلسل فيهما جميعاً، وقالوا بالقدم وأزمان لا نهاية لها وبالامتداد وأبعاد لا نهاية لها، وهم وإن خالفونا في المسألتين جميعاً والفلاسفة وافقونا في إحداهما دون الأخرى لكنهم سلكوا جادة الوهم ولم يتركوا على أنفسهم سبيل الالتزام في الأزمان، فإن قيل فالمتجدد الأول قبله ماذا؟ نقول ليس قبله شيء، فإن قيل فعدمه قبله أو قبله عدمه؟ نقول قولنا ليس قبله شيء أعم من قولك قبله عدمه، لأنا إذا قلنا ليس قبل آدم حيوان بألف رأس، صدقنا ولا يستلزم ذلك صدق قولنا آدم قبل حيوان بألف رأس أو حيوان بألف رأس بعد آدم، لانتفاء ذلك الحيوان أولاً وآخراً وعدم دخوله في الوجود أزلاً وأبداً، فكذلك ما قلنا، فإن قيل هذا لا يصح، لأن الله تعالى شيء موجود وهو قبل العالم، نقول قولنا ليس قبل المتجدد الأول شيء معناه ليس قبله شيء بالزمان، وأما الله تعالى فليس قبله بالزمان إذ كان الله ولا زمان، والزمان وجد مع المتجدد الأول، فإن قيل فما معنى وجود الله قبل كل شيء غيره؟ نقول معناه كان الله ولم يكن شيء غيره لا يقال ما ذكرتم إثبات شيء بشيء ولا يثبت ذلك الشيء إلا بما ترومون إثباته، فإن بداية الزمان غرضكم وهو مبني على المتجدد الأول والنزاع في المتجدد، فإن عند الخصم ليس في الوجود متجدد أول بل قبل كل متجدد، لأنا نقول نحن ما ذكرنا ذلك دليلاً، وإنما ذكرناه بياناً لعدم الإلزام، وأنه لا يرد علينا شيء إذا قلنا بالحدوث ونهاية الأبعاد واللزم والإلزام، فيسلم الكلام الأول، ثم يلزم ويقول: ألست تقول إن لنا متجدداً أولاً فكذلك قل له عدم، فنقول لا بل ليس قبله أمر بالزمان، فيكون ذلك نفياً عاماً، وإنما يكون ذلك لانتفاء الزمان، كما ذكرنا في المثال، إذا علمت هذا فصار الزمان تارة موجوداً مع عرض وأخرى موجوداً بعد عرض، لأن يومنا هذا وغيره من الأيام كلها صارت متميزة بالمتجدد الأول، والمتجدد الأول له زمان هو معه، إذا عرفت أن الزمان والمكان أمرهما مشكل بالنسبة إلى بعض الأفهام والأمر الخفي يعرف بالوصف والإضافة، فإنك إذا قلت غلام لم يعرف، فإذا وصفته أو أضفته وقلت غلام صغير أو كبير، وأبيض أو أسود قرب من الفهم، وكذلك إذا قلت غلام زيد قرب، ولم يكن بد من معرفة الزمان، ولا يعرف الشيء إلا بما يختص به، فإنك إذا قلت في الإنسان حيوان موجود بعدته عن الفهم، وإذا قلت حيوان طويل القامة قربته منه، ففي الزمان كان يجب أن يعرف بما يختص به لأن الفعل الماضي والمستقبل والحال يختص بأزمنة، والمصدر له زمان مطلق، فلو قلت زمان الخروج تميز عن زمان الدخول وغيره، فإذا قلت يوم خرج أفاد ما أفاد قولك يوم الخروج مع زيادة هو أنه تميز عن يوم يخرج والإضافة إلى ما هو أشد تمييزاً أولى، كما أنك إذا قلت غلام رجل ميزته عن غلام امرأة، وإذا قلت غلام زيد زدت عليه في الإفادة وكان أحسن، كذلك قولنا يوم خرج لتعريف ذلك اليوم خير من قولك يوم الخروج، فظهر من هذا البحث أن الزمان يضاف إلى الفعل وغيره لا يضاف لاختصاص الفعل بالزمان دون غيره إلا المكان في قوله اجلس حيث يجلس، فإن حيث يضاف إلى الجمل لمشابهة ظرف المكان لظرف الزمان، وأما الجمل فهي إنما يصح بواسطة تضمنها الفعل، فلا يقال يوم زيد أخوك، ويقال يوم زيد فيه خارج. ومن جملة الفوائد اللفظية أن لات يختص استعمالها بالزمان قال الله تعالى: {أية : وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ } تفسير : [صۤ: 3] ولا يقال لات الرجل سوء، وذلك لأن الزمان تجدد بعد تجدد ولا يبقى بعد الفناء حياة أخرى وبعد كل حركة حركة أخرى وبعد كل زمان زمان وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ } تفسير : [الرحمٰن: 29] أي قبل الخلق لم يخلق شيئاً، لكنه يعد ما خلق فهو أبداً دائماً يخلق شيئاً بعد شيء فبعد حياتنا موت وبعد موتنا حياة وبعد حياتنا حساب وبعد الحساب ثواب دائم أو عقاب لازم ولا يترك الله الفعل فلما بعد الزمان عن النفي زيد في الحروف النافية زيادة، فإن قيل فالله تعالى أبعد عن الانتفاء فكان ينبغي أن لا تقرب التاء بكلمة لا هناك، نقول {لات حِينَ مَنَاصٍ } تأويل وعليه لا يرد ما ذكرتم وهو أن لا هي المشبهة بليس تقديره ليس الحين حين مناص، وهو المشهور، ولذلك اختص بالحين دون اليوم والليل لأن الحين أدوم من الليل والنهار فالليل والنهار قد لا يكون والحين يكون.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْراً} العامل في يوم قوله: «وَاقِعٌ» أي يقع العذاب بهم يوم القيامة وهو اليوم الذي تمور فيه السماء. قال أهل اللغة: مار الشيءُ يَمور مَوْراً، أي تحرّك وجاء وذهب كما تَتَكفَّأ النخلةُ العَيْدانة، أي الطويلة، والتُّمور مثله. وقال الضحاك: يموج بعضها في بعض. مجاهد: تدور دوراً. أبو عبيدة والأخفش: تكفأ، وأنشد للأعشى:شعر : كأنّ مِشْيَتها مِن بيتِ جارتِهَا مَوْرُ السَّحابةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ تفسير : وقيل تجري جرياً. ومنه قول جرير:شعر : وما زالتِ القَتْلَى تَمُورُ دِماؤُهَا بِدجلةَ حتَّى ماءُ دجلةَ أَشْكَلُ تفسير : وقال ٱبن عباس: تمور السماء يومئذ بما فيها وتضطرب. وقيل: يدور أهلها فيها ويموج بعضهم في بعض. والمور أيضاً الطريق. ومنه قول طَرفة:شعر : ... فَـوْقَ مَـوْرٍ مُعَبَّـدِ تفسير : والْمَوْرُ الموج. وناقة مَوَّارة اليد أي سريعة. والبعير يمور عضداه إذا ترددا في عَرْض جنبه، قال الشاعر:شعر : على ظَهْـرِ مَوَّارِ المِـلاَطِ حِصَـانِ تفسير : المِلاط الجنب. وقولهم: لا أدري أغارَ أم مَارَ؛ أي أتى غوراً أم دار فرجع إلى نجد. والمُور بالضم الغبار بالريح. وقيل: إن السماء هاهنا الفلك وموره ٱضطراب نظمه وٱختلاف سيره؛ قاله ٱبن بحر. {وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْراً} قال مقاتل: تسير عن أماكنها حتى تستوي بالأرض. وقيل: تسير كسير السحاب اليوم في الدنيا؛ بيانه {أية : وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ}تفسير : [النمل: 88]. وقد مضى هذا المعنى في «الكهف». {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} «وَيْلٌ» كلمة تقال للهالك، وإنما دخلت الفاء لأن في الكلام معنى المجازاة. {ٱلَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ} أي في تردد في الباطل، وهو خوضهم في أمر محمد بالتكذيب. وقيل: في خوض في أسباب الدنيا يلعبون لا يذكرون حساباً ولا جزاء. وقد مضى في «براءة». قوله تعالى: {يَوْمَ يُدَعُّونَ} «يَوْمَ» بدل من يومئذ. و«يُدَعُّونَ» معناه يدفعون إلى جهنم بشدّة وعنف، يقال: دَعَعْتُه أدعُّه دعًّا أي دفعته، ومنه قوله تعالى: {أية : فَذَلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ}تفسير : [الماعون: 2]. وفي التفسير: إن خزنة جهنم يَغلُّون أيديهم إلى أعناقهم، ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم، ثم يدفعونهم في النار دفعاً على وجوههم، وزَخًّا في أعناقهم حتى يرِدوا النار. وقرأ أبو رجاء العطاردي وٱبن السَّمَيْقَع «يَوْمَ يُدعَوْنَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً» بالتخفيف من الدعاء فإذا دنوا من النار قالت لهم الخزنة: {هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ} في الدنيا. قوله تعالى: {أَفَسِحْرٌ هَـٰذَا} ٱستفهام معناه التوبيخ والتقريع؛ أي يقال لهم: «أَفَسِحْرٌ هَذَا» الذي ترون الآن بأعينكم {أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ}. وقيل: «أَمْ» بمعنى بل؛ أي بل كنتم لا تبصرون في الدنيا ولا تعقلون. قوله تعالى: {ٱصْلَوْهَا} أي تقول لهم الخزنة ذوقوا حرّها بالدخول فيها. {فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ} أي سواء كان لكم فيها صبر أو لم يكن فـ«ـسواء» خبره محذوف، أي سواء عليكم الجزع والصبر فلا ينفعكم شيء، كما أخبر عنهم أنهم يقولون: {أية : سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا}تفسير : [إبراهيم: 21]. {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَوْمَ } معمول لواقع {تَمُورُ ٱلسَّمَاءُ مَوْراً } تتحرك وتدور.
ابن عبد السلام
تفسير : {تَمُورُ} تدور، أو تموج، أو تشقق "ع"، أو تكفأ، أو تنقلب، أو تجري جرياً، أو السماء هنا الفلك وموره اضطراب نظمه واختلاف سيره.
ابن عادل
تفسير : قوله: {يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ} يجوز أن يكون العامل فيه: "واقع" أي يقع في ذلك اليوم. وعلى هذا فتكون الجملة المنفية معترضة بين العامل ومعموله. ويجوز أن يكون العامل فيه "دافع". قاله الحَوْفِيُّ، وأبو البقاء. ومنعه مَكِّيٌّ. قال أبو حيان: ولم يذكر دليل المنع. قال شهاب الدين: وقد ذكر دليل المنع في الكشف إلا أنه ربما يكون غلطاً عليه فإنه وَهَمٌ، وعبارته قال: العامل فيه واقعٌ أي إن عذاب ربك لَوَاقِعٌ في يوم تَمُورُ السَّماء، ولا يعمل فيه "دافع"؛ لأن المنفي لا يعمل فيما قبل النّافي، لا يقول: طَعَامَكَ ما زَيْدٌ آكلاً، رفعت آكلاً أو نصبته أو أدخلت عليه الباء. فإن رفعت الطعام بالابتداء وأوقعت "آكلاً" على "هاء" جاز وما بعد الطعام خبراً. انتهى. وهذا كلام صحيح في نفسه، إلا أنه ليس في الآية شيءٌ من ذلك؛ لأن العامل - وهو دافع - والمعمول - وهو يوم - كلاهما بعد النافي وفي حَيِّزِهِ. وقوله: وأوْقَعْتَ آكلاً على هاء أي على ضمير يعود على الطعام فتقول: طَعَامَكَ مَا زيْدٌ آكِلُه. وقد يقال: إن وجه المنع من ذلك خوف الوَهَم أنه يفهم أن أحداً يدفع العذاب في غير ذلك اليوم. والغرض أن عذاب الله لا يدفع في كل وقت وهذا أمرٌ مناسب قد ذكر مثلهُ كثيرٌ، ولذلك منع بعضهم أن ينتصب {أية : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ} تفسير : [آل عمران: 30] بقوله: {أية : وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [آل عمران: 29] لئلا يفهم منه ما لا يليق. وهذا أبعد من هذا في الوَهَم كثير. وقال أبو البقاء: وقيل: يجوز أن يكون ظرفاً لما دل عليه "فَوَيْلٌ" انتهى. وقال ابن الخطيب: والذي أظنه أن العامل هو الفعل المدلول عليه بقوله: {أية : مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ} تفسير : [الطور: 8]؛ لأن العذاب الواقع على هذا ينبغي أن يقع في ذلك اليوم، لأن العذاب الذي به التخويف هو الذي بعد الحَشْر ومَوْر السَّماء لأنه في معنى قوله: {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} تفسير : [غافر: 85]. فصل والمَوْرُ الاضطراب والحركة. يقال: مَارَ الشيْءُ أي ذهب وجاء. وقال الأخفش وأبو عبيدةَ تَكْفَأُ وأنشد للأعشى: شعر : 4532- كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِنْ بَيْتِ جَارَتِهَا مَوْرُ السَّحَابَةِ لاَ رَيْثٌ وَلاَ عَجَلُ تفسير : وقال الزمخشري: وقيل: هو تحرك في تموج. وهو الشيء يتردد في عرض كالداغصة وهي الجلدة التي فوق قُفل الركبة. وقال الراغب: المَوْر: الجريان السريع ومَار الدَّمُ على وجهه والمُور - أي بالضم - التراب المتردد به الريح. وأكد بالمصدرية دفعاً للمجاز أي هذان الجرمان العظيمان مع كثافتهما يقع ذلك منهما حقيقة. وقال ابن الخطيب: فيه فائدة جليلة، وهي أن قوله: "وتَسِيرُ الجِبَالُ" يحتمل أن يكون بياناً لكيفية مور السماء؛ لأن الجبال إذا سارت وسيرت معها سكانها يظهر السماء كالسائرة إلى خلاف تلك الجهة، كما يشاهده راكب السفينة، فإنه يرى الجبلَ الساكن متحركاً فكان لقائل أن يقول: السماء تمُور في رأي العين بسبب سير الجبال كما يَرَى القمرَ سائراً راكبُ السفينة، والسماء إذا كانت كذلك فلا يبقى مَهْرَب ولا مَفْزَع لا في الأرض ولا في السماء. فصل لما ذكر أن العذاب واقع بين أنه متى يقع العذاب، فقال: يوم تمور السماء موراً، قال المفسرون: أي تَدُورُ كما يدور الرَّحَا وتَتَكفأ بأهلها تَكَفُّؤَ السَّفِينَةِ. قال عطاء الخُراسَانيّ: يختلف أجزاؤها بعضها في بعض. وقيل: تضطرب. {وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْراً} فتزول عن أماكنها، وتصير هباءً منثوراً، وهذا إيذان وإعلام بأن لا عود إلى السماء لأن الأرضَ والجبالَ والسماءَ والنجومَ كلها لعمارة الدنيا والانتفاع لبني آدم فإذا لم يبقَ فيها نفع فلذلك أعدمها الله تعالى. قوله: {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} يومئذ منصوب "بوَيلٍ" والخبر "للمكذبين". والفاء في قوله "فَوَيْلٌ" قال مكي: جواب الجملة المتقدمة وحسن ذلك، لأن في الكلام معنى الشرط، لأن المعنى إذا كان ما ذُكِرَ فَويْلٌ. قال ابن الخطيب: أي إذا علم أن عذاب الله واقع، وأنه ليس له دافع فويل إذَنْ للمكذبين؛ فالفاء لاتصال المعنى، ولمعنى آخر وهو الإيذان بأمان أهل الإيمان، لأنه لما قال: إن عذاب ربك لواقع وأنه ليس له دافع لم يبين موقعه بِمَنْ، فلما قال: {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} علم المخصوص (به) وهو المكذب. فإن قيل: إذا قلت بأن قوله: {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} بيان لمن يقع به العذاب فمن لا يكذب لا يعذب فأهل الكبائر لا يعذبون لأنهم لا يُكَذِّبون. فالجواب: أن ذلك العذاب لا يقع إلا على أهل الكبائر، وإنما هذا كقوله: {أية : كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا} تفسير : [الملك: 8 و 9] فالمؤمن لا يُلْقَى فيها إلقاء بهوان، وإنما يُدْخَلُ فيها للتطهير إدْخَالاً مع نوع إكرامٍ، والويل إنما هو للمكَذِّبِينَ. والويل ينبىء عن الشدة، لأن تركيب حروف الواو والياء واللام لا ينفك عن وُقُوع شدةٍ، ومنه لَوَى إذا دافع ولَوَاه يلويه إِذا فَتَلَهُ فَتْلاً قوياً. والوَلِيُّ فيه القوة على المُولَى عَلَيْهِ. وقد تقدم وجه جواز التنكير في قوله: "وَيْلٌ" مع كونه مبتدأ؛ لأنه في تقدير المنصوب لأنه دعاء في تفسير قوله تعالى: {أية : قَالَ سَلاَمٌ} تفسير : [الذاريات: 25]. قوله: {ٱلَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ} الخَوْضُ: هو الاندفاع في الأباطيل، قال تعالى: {أية : وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ} تفسير : [التوبة: 69] وقال تعالى: {أية : وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ} تفسير : [المدثر: 45]. وتنكير الخوض يحتمل وجهين: الأول: أن يكون للتكثير أي في خوضٍ عظيم. الثاني: أن يكون التنوين عوضاً عن المضاف إليه، كقوله تعالى: {أية : وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ} تفسير : [هود: 111] والأصل في خوضهم المعْرُوف منهم. وقوله: يعلبون أي غافلون لاهون. واعلم أن قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ} ليس وصفاً للمكذبين بما يميزهم، وإنما هو للذم كقولك: "الشيطانُ الرجيمُ" ولا تُرِيدُ فَصْله عن الشيطان الذي ليس برجيم بخلاف قولك: أَكْرِمِ الرَّجُلَ العَالِمَ فالوصف بالرجيم للذم له لا للتعريف. وتقول في المدح: الله الذي خلق، والله العظيم للمدح لا للتمييز، ولا للتعريف عن إله لم يخلق أو إله ليس بعظيم، فإن الله واحد لا غير. قوله: {يَوْمَ يُدَعُّونَ} يجوز أن يكون ظرفاً "ليُقَالُ" المقدرة مع قوله: {هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ} [الطور: 14] يوم يدعون المكذبين؛ لأن معناه يوم يقع العذابُ ذلك اليوم وهو يوم يُدَعُّون فيه إِلى النار. والعامة على فتح الدال وتشديد العين من دَعَّهُ يَدُعُّهُ أي دفعه في صدره بعُنْفٍ وشِدَّةٍ. قال الراغب: وأصله أن يقال للعاثر: دع كما يقال له لَعاً. وهذا بعيد من معنى هذه اللفظة. وقرأ علي - رضي الله عنه - والسّلمي وأبو رجاء وزيد بن علي بسكون الدال وتخفيف العين مفتوحة من الدُّعَاءِ أي يُدْعَوْنَ إليها فيقال لهم: هَلُمُّوا فادخلوها. قوله: دَعًّا مصدر معناه تدفعهم الملائكة دفعاً على وجوههم بعُنْفٍ أي يُدْفَعُونَ إِلى النار، فإِذا دَنَوْا منها قال لهم خزنتها: هَذِهِ النَّار التي كنتم بها تكذبون في الدنيا. فإن قيل: قوله تعالى: {يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ} يدل على أن خزنتها يقذفونهم في النار وهم بعيداً عنها وقوله تعالى: {أية : يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ} تفسير : [القمر: 48] يدلّ على أنهم فيها. فالجواب من وجوه: الأول: أن الملائكة يَسْحَبُونَهُمْ في النار، ثم إذا قربوا من نار مخصوصة وهي نار جهنم يقذفونهم فيها من بعيد فيكون السحب في نار، والدفع في نار أشد وأقوى، بدليل قوله: {أية : يُسْحَبُونَ فِي ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ} تفسير : [غافر: 71 و 72]. أي يسحبون في حَمْوَةِ النار، ثم بعد ذلك يكون لهم إِدخالٌ. الثاني: يجوز أن يكون في كل زمان يتولى أمرهم ملائكة فإلى النار يدفعهم ملك وفي النار يَسْحَبُهُم آخر. الثالث: أن يكون السحبُ بسَلاَسِلَ أي يسحبون في النار، والساحب خارج النار. الرابع: أن يكون الملائكة يدفعونهم إِلى النار إهانةً لهم، واستخفافاً بهم ويدخلون معهم النار ويسحبونهم. قوله: "أَفَسِحْرٌ" خبر مقدم و "هذا" مبتدأ مؤخر. ودخلت الفاء قال الزمخشري: بمعنى كنتم تقولون للوحي: هذَا سِحرٌ فسحر هذا يريد هذا المِصْداق أيضاً سحر؛ ودخلت الفاء لهذا المعنى، وهذا تحقيقٌ للأمر؛ لأن من يرى شيئاً ولا يكون الأمر على ما يراه فذلك الخطأ يكون لأجل أحد أمرين: إما لأمر عائدٍ إلى المرئيّ، وإمَّا لأمرٍ عائد إلى الرائي، فقوله: "أَفَسحرٌ هَذَا" أي هل في الموت شكٌّ أمْ هل في بصركم خَلَل؟! فهو استفهام إنكار أي لا أمر مِنْهُمَا ثابتٌ فالذي تَرَوْنَهُ حق وقد كنتم تقولون: إنه ليس بحق، وذلك أنهم كانوا ينسبون محمداً - صلى الله عليه وسلم - إِلى السحر، وأنه يغطي الأبصار بالسِّحر، وانشقاق القمر وأمثاله سحر، فوبخوا به، وقيل لهم: أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون. قوله: اصْلَوْ(هَا) أي إذْ لم يمكنكم إنكارها، وتحقق أنه ليس بسحر ولا خَلَل في أبصاركم فاصْلَوْهَا؛ أي قاسوا شدتها. {فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ} أي الصبر وعدمه سواءٌ، وهذا بيان لعدم الخَلاص. قوله: "سَوَاءٌ" فيه وجهان: أحدهما: أنه خبر مبتدأ محذوف أي صبركم وتركه سواء. قاله أبو البقاء. والثاني: أنه مبتدأ والخبر محذوف أي سواء الصبرُ والجزعُ، قاله أبو حيان. قال شَهابُ الدِّين: والأول أحسن، لأن جعل النكرة خبراً أولى من جعلها مبتدأ وجعلِ المَعْرِفَةِ خبراً. ونحا الزمخشري مَنْحَى الوجه الثاني فقال: "سواء" خبره محذوف أي سواء عليكم الصَّبْرَانه الصبرُ وَعَدَمُهُ. قوله: {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} فيه لطيفة، وهي أن المؤمن بإِيمانه اسْتَفَادَ أن الخير الذي يَنْويهِ يُثَابُ عَلَيْه، والشَّرَّ الذي يقصِدُهُ ولا يقع منه لا يعاقَبُ عليه ولا ظلم، فإن الله تعالى أخبره به وهو اختار ذلك ودخل (فيه) باختياره، فإن الله تعالى قال بأن من كفر ومات كافراً عذبته أبداً فاحذَرُوا، ومن آمن أَثَبْتُهُ دائماً فمن ارتكب الكفر ودام عليه بعدما سمع ذلك فإذا عوقب دائماً فهو تحقيق لما أَوْعَدَ به فلا يكون ظلماً.
ابو السعود
تفسير : وقولُه تعالَى: {يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَاء مَوْراً} ظرفٌ لواقعٌ مبـينٌ لكيفيةِ الوقوعِ منبىءٌ عنْ كمالِ هولِه وفظاعتِه، والمَوْرُ الاضطرابُ والترددُ في المجيءِ والذهابِ وقيلَ هُو تحركٌ في تموجٍ قيلَ تدورُ السماءُ كما تدورُ الرَّحَا وتتكّفأُ بأهلِها تكفؤَ السفينةِ وقيلَ تختلفُ أجزاؤُها {وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْراً} أيْ تزولُ عن وَجْه الأرضِ فتصيرُ هباءً، وتأكيدُ الفعلينِ بمصدريِهما للإيذانِ بغرابتهِما وخروجهِما عنِ الحدودِ المعهودةِ أيْ موراً عجيباً وسيراً بديعاً لا يُدركُ كُنْهُهما. {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ} أيْ إذَا وقعَ ذلكَ أوْ إذَا كانَ الأمرُ كَما ذكرَ فويلٌ يومَ إذْ يقعُ ذلكَ لَهُم {ٱلَّذِينَ هُمْ فِى خَوْضٍ} أي اندفاعِ عجيبٍ في الأباطيلِ والأكاذيبِ {يَلْعَبُونَ} يلهوُن {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} أيْ يدفعونَ إليَها دفعاً عنيفاً شديداً بأَنْ تغلَّ أيديهمْ إلى أعناقِهم وتجمعَ نواصيهِم إلى أقدامِهم فيدُفعُوا إِلى النارِ وَقُرِىءَ يُدْعَوْنَ منَ الدُّعاءِ فيكونُ دعَّا حالاً بمَعْنى مدعوعينَ. ويومَ إمَّا بدلٌ منْ يومَ تمورُ أَوْ ظرفٌ لقولٍ مقدرٍ قبلَ قولِه تعالَى: {هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذّبُونَ} أيْ يُقالُ لَهُم ذلكَ ومَعنْى التكذيبِ بَها تكذيبُهم بالوحِي الناطقِ بَها وقولُه تعالَى: {أَفَسِحْرٌ هَـٰذَا} توبـيخٌ وتقريعٌ لَهُم حيثُ كانُوا يسمُّونَهُ سِحْراً كأنَّه قيلَ كُنتم تقولونَ للقرآنِ الناطقِ بهذا سحرٌ فهَذا أَيْضاً سحرٌ. وتقديمُ الخبرِ لأنَّه محطُّ الإنكارِ ومدارُ التوبـيخِ {أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ} أيْ أَمْ أنتُم عُمْيٌ عنِ المُخبَر عَنْه كما كُنتم عمياً عن الخبرِ، أو أمْ سُدَّتْ أبصارُكم كما سُدَّتْ في الدُّنيا على زعمكِم حيثُ كُنْتم تقولونَ {أية : إنَّما سكّرتْ أبصارُنَا بَلْ نحنُ قومٌ مسحورونَ} تفسير : [سورة الحجر، الآية 15] {ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُواْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ} أي ادْخلُوهَا وقاسُوا شدائدَهَا فافعلُوا ما شئِتُم منَ الصَّبرِ وعدمِه {سَوَاء عَلَيْكُمْ} أي الأمرانِ في عدمِ النفعِ لاَ بدفعِ العذابِ ولا بتخفيفهِ وقولُه تعالَى: {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تعليلٌ للاستواءِ فإنَّ الجزاءَ حيثُ كانَ واجبَ الوقوعِ حتماً كان الصبرُ وعدمُه سواءً في عَدمِ النَّفعِ.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْراً وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْراً}. {تَمُورُ}: أي تدور بما فيها، وتسير الجبالُ عن أماكنها، فتسير سيراً. {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ}. الويلُ كلمة تقولها العرب لمن وقع في الهلاك. {فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ}: في باطل التكذيب يخوضون. {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هَـٰذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ}. يومَ يُدْفَعون إلى النارِ دَفْعاً، ويقال لهم: هذه هي النار التي كنتم بها تُكذِّبون... ثم يسألون: أهذا من قبيل السحر على ما قلتم أم غُطِّيَ على أبصاركم؟! قوله جلّ ذكره: {ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. والصبرُ على الجزاء في العاقبة لا قيمة له، لأنَّ عذابَهم عقوبةٌ لهم: قوله جلّ ذكره: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ فَاكِهِينَ بِمَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ}. المتقون في جنات ونعيم عاجلاً وآجلاً. {فَاكِهِينَ} أي مُعْجَبِين بما آتاهم ربهم وما أعطاهم. ويقال: فاكهون: أي ذوو فاكهة: كقولهم رجل تامر أي ذو تمر، ولابنٌ أي ذو لَبن.
اسماعيل حقي
تفسير : {يوم تمور السماء مورا} ظرف لواقع مبين لكيفية الوقوع منبىء عن كمال هوله وفظاعته لا لدافع لانه يوهم ان احدا يدفع عذابه فى غير ذلك اليوم والغرض ان عذاب الله لايدفع فى كل وقت والمور الاضطراب والتردد فى المجيىء والذهاب والجريان السريع اى تضطرب وتجيىء وتذهب وبالفارسية دراضطراب آيد آنكاه بشكافد. قيل تدور السماء كما تدور الرحى وتتكفأ بأهلها تكفأ السفينة وقيل يختلج اجزآؤها بعضها فى بعض ويموج اهلها بعضهم فى بعض ويختلطون وهم الملائكة وذلك من الخوف
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: واذكر {يومَ تَمورُ} أو: لواقع يوم تمور {السماءُ} أي: تدور كالرحى مضطربة {موراً} عظيماً تتكفأ بأهلها كالسفينة، {وتسير الجبالُ سيراً} أي: تزول عن وجه الأرض، فتصير في الهواء كالهباء. وتأكيد الفعل بمصدريهما للإيذان بغرابتهما وخروجهما عن الحدود المعهودة، أي: مَوراً عجيباً وسيراً بديعاً، لا يُدرك كنههما. {فويل يومئذٍ للمكذبين} إذا وقع ذلك، أو: إذا كان الأمر كما ذكر، فويل لهم إذا وقع ذلك، أو: إذا كان الأمر كما ذكر، فويل لهم إذا وقع ذلك، {الذين هم في خوضٍ} أي: في اندفاع عجيب في الأباطيل والأكاذيب {يلعبون}. يلهون، فالخوض غلب بإطلاقه في الاندفاع في الباطل والكذب، ومنه قوله:{أية : وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَآئِضِينَ}تفسير : [المدثر: 45]. {يوم يُدَعُّون إِلى نار جهنم دعّاً} أي: يُدفعون إليها دفعاً عنيفاً شديداً، بأن تُغلّ أيديهم إلى أعناقهم، وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم، فيُدفعون إلى النار على وجوههم، ويقال لهم: {هذه النارُ التي كنتم بها تُكّذِّبون} في الدنيا. {أَفَسِحْرٌ هذا} توبيخ وتقريع لهم، حيث كانوا يُسمون الوحي الناطق بذلك العذاب سحراً، كأنه قيل: كنتم تقولون للقرآن الناطق بهذا سحراً، أفهذا أيضاً سحر؟ وتقديم الخبر لأنه محط الإنكار ومدار التوبيخ. {أم أنتم لا تُبصرون} أم أنتم عُميٌ عن المخبر عنه، كما كنتم عُمياً عن الخبر؟ وهذا تقريع وتهكُّم، {اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا} أي: ادخلوها وقاسوا شدائدها فافعلوا ما شئتم من الصبر وعدمه، {سواءٌ عليكم} الأمران: الصبر وعدمه، فـ"سواء": مبتدأ حُذف خبره. وعلل استواء الصبر وعدمه بقوله: {إِنما تُجْزون ما كنتم تعملون} من الكفر والمعاصي، فالصبر إنما يكون له مزية على الجزع لنفعه في العاقبة؛ بأن يُجازى عليه الصابر جزاءَ الخير، وأما الصبر على العذاب، الذي هو الجزاء، ولا عاقبة له ولا منفعة، فلا مزيّة له على الجزع. نعوذ بالله من موارد الهوان. الإشارة: يوم تمور سماء الأرواح، أي: تتحرك الأرواح وتهيج بالواردات الإلهية، شوقاً إلى اللقاء، فإذا حصل اللقاء وقع لها السكون والطمأنينة، ولذلك قيل: "المحبة أولها جنون، ووسطها فنون، وآخرها سكون". وسبب هذا الاضطراب الذي يظهر على المريد في أول بدايته: أنَّ جند الأنوار إذا أراد أن يدخل على جند الأغيار، ويُخرجه من وطنه - الذي هو باطن العبد - وقع بينهما تجارب وتضارب، فجند الأنوار يريد أن يقلع جند الأغيار من باطن العبد، ويسكن هو، وجند الأغيار يريد المقام في وطنه، فلا يزال القتال بينهما، حتى يغلب واحد منهما، فإذا غلب جند الأنوار سكن في الباطن، وسكن الظاهر، ولم تقع فكرة العبد إلا في التوحيد، أو ما يقرب إلى الحق تعالى، وإذا غلب جند الأغيار، ولم يترك جند الأنوار يدخل إلى الباطل، سكن الظاهر أيضاً، ويبقى باطن البعد محشوّاً بالخواطر والوساوس الدنيوية كما كان، ورجع العبد إلى مقام العمومية. وقوله تعالى: {وتسير الجبال سيراً} أي: تزول جبال وجود العبد عند إشراق أنوار الحقائق، {فويل يومئذ للمكذِّبين} أي: بُعْدٌ لأهل الإنكار عن حضرة الأسرار، حين ظفر الطالب بالمطلوب، ووصل المحب إلى المحبوب، الذين هم في خوض الدنيا وشهواتها وزخارفها يلعبون، لا حديث لهم إلا عليها، ولا فكرة إلا فيها. يوم يُدَعّون إلى النار القطيعة والبُعد، دعّاً، لا خلاص منها، ولا رجوع، فتناديهم عزةُ الحق تعالى: {هذه النار التي كنتم بها تُكذِّبون} وتقولون: لا يقطعنا عن الله شيء من الدنيا، وترمون أهلَ التربية بالسحر، أفسحر هذا أم أنتم لا تُبصرون حقائق هذه المعاني؟ اصْلَوا نار القطيعة، فاصبروا على غم الحجاب، {أو لا تصبروا} إذ لم تصبروا على مخالفة النفوس حين ينفعكم الصبر، سواء عليكم أجزعتم أم صبرتم، {إنما تُجْزَون ما كنتم تعملون} في الدنيا، من إيثار الهوى والحظوظ، على مجاهدة النفوس. ثم ذكر أضدادهم، فقال: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ}.
الطوسي
تفسير : ثمان آيات كوفي وشامي، وسبع في ما عداهما، عد الكوفيون والشاميون {دعاً} ولم يعده الباقون. قوله {يوم تمور السماء موراً} يعني يوم القيامة، وهو متعلق بقوله {إن عذاب ربك لواقع.. يوم تمور السماء موراً} والمور تردد الشيء بالذهاب والمجيء كما يتردد الدخان ثم يضمحل، مار يمور موراً فهو مائر. وقيل: يمور موراً بمعنى يدور دوراً - فى قول مجاهد - وقال الضحاك: معناه يموج موجاً قال الاعشى انشده أبو عبيدة: شعر : كان مشيتها من بيت جارتها مور السحابة لا ريث ولا عجل تفسير : ورواه غيره مر السحابة {وتسير الجبال سيراً فويل يومئذ للمكذبين} الذين ينكرون اخبار الله تعالى فهؤلاء الجهال أنكروا ما اخبر به الانبياء بأن نسبوه إلى الكذب {الذين هم في خوض يلعبون} فالخوض الدخول فى الماء بالقدم وشبه به الدخول فى الأمر بالقول، يقال خاض يخوض خوضاً، فهو خائض. وخوضه فى الشراب تخويضاً، ومنه المخوض. واللعب طلب الفرح بمثل حال الصبي فى إنتفاء العمل على مقتضى العقل، لعب لعباً فهو لاعب، ودخلت الفاء في {فويل} لما فيه من معنى الجزاء، لان تقديره إذا كان كذا وكذا فويل، ومعنى الآية إني سأعلمهم بكفرهم وتصير عاقبتهم العذاب. وقوله {يوم يدعون إلى نار جهنم دعاً} معناه يوم يدعون إلى نار جهنم للعذاب فيها، دعه يدعه دعاً إذا دفعه. ومثله صكه يصكه صكاً، والداع الدافع وقيل: الدع الدفع بانزعاج وإرهاق - في قول قتادة والضحاك -. وقوله {هذه النار التي كنتم بها تكذبون} أي يقال لهم على وجه التوبيخ: هذه النار التي كنتم تكذبون بها في دار التكليف حين جحدتم الثواب والعقاب والنشور. ويقال لهم على وجه الانكار عليهم {أفسحر هذا} قد غطى على ابصاركم {أم أنتم لا تبصرون} ثم يقال لهم {اصلوها} يعني النار {فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم} كونكم في العقاب صبرتم أو لم تصبروا، فانه لا يحيف عليكم {إنما تجزون ما كنتم} أي جزاء ما كنتم {تعملون} في الدنيا من المعاصي والصلي لزوم النار المعذب بها صلى يصلي صلياً، ومنه الصلاة للزوم الدعاء فيها، ومنه: شعر : صلى على دنها وارتسم تفسير : أي لزم، والمصلي الذي يجيء في اثر السابق على لزوم أثره والأصل لزوم الشيء، والصبر حبس النفس على الأمر بالعمل فكأنه قال: احبسوا أنفسكم على النار لتعاملوا بالحق او لا تحبسوا سواء عليكم في ان الجزاء لا محالة واقع بكم ولا حق لكم. والجزاء مقابلة العمل بما يقتضيه في العقل من خير او شر. والسواء والاستواء والاعتدال بمعنى واحد. والاستواء إمتناع كل واحد من المقدارين من ان يكون زائداً على الآخر او ناقصاً عنه، فالصبر وترك الصبر لا ينفع واحد منهما في رفع العذاب عن أهل النار.
اطفيش
تفسير : {يَوْمَ} متعلق بواقع {تَمُوُر السَّمَآءُ مَوْراً} تدور كالرحاء وقيل: تذهب وتجيء بالرياح منتظمة، وقيل: تتحرك وتموج وقيل: تتحرك وتتخلف أجزائها بعضها عن بعض، وقيل: كالسفينة بأهلها.
اطفيش
تفسير : {يَوم} متعلق بواقع، وهذا أولى من أن يعلق بدافع أو بما، ووجه تعلقه بما أنها حرف نفى، وكأنه قيل انتفى الدفع يوم تمور، وانما كان الأول أولى لأنه صريح فى أنه يقع العذاب يوم القيامة، والأصل عدم التعليق بالحرف، ولوجهان الأخيران يدلان على وقوع العذاب يوم القيامة ضمنا، لأن الشىء ينتفى دفعه وقت حضوره {تَمُور السماءُ مَوراً} تضطرب فى مكانها، وتميل بأهلها كالسفينة، أو تختلف أجزاؤها أو فى سيرها، أو تنتقل سريعا، ويترتب على ذلك انشقاقها، كما روى عن ابن عباس تفسيره بتنشق.
الالوسي
تفسير : قوله سبحانه: {يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَاء مَوْراً } منصوب على الظرفية وناصبه {واقع } أو {دافع } أو معنى النفي وإيهام أنه لا ينتفي دفعه في غير ذلك اليوم بناءاً على اعتبار المفهوم لا ضير فيه لعدم مخالفته للواقع لأنه تعالى أمهلهم في الدنيا وما أهملهم، ومنع مكي أن يعمل فيه {واقع } ولم يذكر دليل المنع ولا دليل له فيما يظهر. ومعنى {تَمُورُ } تضطرب كما قال ابن عباس أي ترتج وهي في مكانها، وفي رواية عنه تشقق، وقال مجاهد: تدور، وأصل المور التردد في المجيء والذهاب، وقيل: التحرك في تموج، وقيل: الجريان السريع، ويقال للجري مطلقاً وأنشدوا للأعشى: شعر : كأن مِشْيتها من بيت جارتها مورُ السحابةِ لا ريثٌ ولا عَجَلُ
ابن عاشور
تفسير : يجوز أن يتعلق {يوم تمور السماء} بقوله: {أية : لواقع}تفسير : [الذاريات: 7] على أنه ظرف له فيكون قوله: {فويل يومئذٍ للمكذبين} تفريعاً على الجملة كلها ويكون العذاب عذاب الآخرة. ويجوز أن يكون الكلام قد تم عند قوله: {أية : إن عذاب ربك لواقع}تفسير : [الذاريات: 7]، فيكون {يوم} متعلقاً بالكون الذي بين المبتدأ والخبر في قوله: {فويل يومئذٍ للمكذبين} وقدم الظرف على عامله للاهتمام، فلما قدم الظرف اكتسب معنى الشرطية وهو استعمال متبع في الظروف والمجرورات التي تُقدم على عواملها فلذلك قرنت الجملة بعده بالفاء على تقدير: إن حَلَّ ذلك اليوم فويل للمكذبين. وقوله: {يومئذٍ} على هذا الوجه أريد به التأكيد للظرف فحصل تحقيق الخبر بطريقين طريق المجازاة، وطريق التأكيد في قوله: {يوم تمور السماء موراً} الآية، تصريح بيوم البعث بعد أن أشير إليه تضمناً بقوله: {إن عذاب ربك لواقع} فحصل بذلك تأكيده أيضاً. والمور بفتح الميم وسكون الواو: التحرك باضطراب، ومور السماء هو اضطراب أجسامها من الكواكب واختلال نظامها وذلك عند انقراض عالم الحياة الدنيا. وسيْر الجبال: انتقالها من مواضعها بالزلازل التي تحدث عند انقراض عالم الدنيا، قال تعالى: {أية : إذا زلزلت الأرض زلزالها} تفسير : [الزلزلة: 1] إلى قوله: {أية : يومئذٍ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم}تفسير : [الزلزلة: 6]. وتأكيد فعلي {تمور} و{تسير} بمصدري {مَوْراً} و{سَيْراً} لرفع احتمال المجاز، أي هو مور حقيقي وتنقل حقيقي. والويل: سوء الحال البالغ منتهى السوء، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم} تفسير : في سورة البقرة (79) وتقدم قريباً في آخر الذاريات. والمعنى: فويل يومئذٍ للذين يكذبون الآن. وحذف متعلق للمكذبين لعلمه من المقام، أي الذين يكذبون بما جاءهم به الرسول من توحيد الله والبعث والجزاء والقرآن فاسم الفاعل في زمن الحال. والخوض: الاندفاع في الكلام الباطل والكذب. والمراد خوضهم في تكذيبهم بالقرآن مثل ما حكى الله عنهم: {أية : وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} تفسير : [فصلت: 26] وهو المراد بقوله تعالى: {أية : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره}تفسير : [الأنعام: 68]. و{في} للظرفية المجازية وهي الملابسة الشديدة كملابسة الظرف للمظروف، أي الذين تمكن منهم الخوض حتى كأنه أحاط بهم. و{يلعبون} حاليّة. واللعب: الاستهزاء، قال تعالى: {أية : ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أباللَّه وآياته ورسوله كنتم تستهزئون}تفسير : [التوبة: 65].
د. أسعد حومد
تفسير : (9) - وَيَقَعُ عَذَابُ اللهِ تَعَالى بالكَافِرينَ، وَلاَ يَدْفَعُهُ عَنْهُمْ دَافعٌ، في يَوْمِ القِيَامةِ الذِي تَتَحَرَّكُ فِيهِ السَّماءُ، وَتَدُورُ دَوَرانا وَهِي في مَكانِها كما تَدُورُ الرَّحَى. تَمُورُ مَوْراً - تَتَحَرَّكُ وَتَدُورُ وَهِيَ في مَكَانِها.
الثعلبي
تفسير : {يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْراً} أي تدور كدوران الرحى، وتتكفّأ بأهلها تكفّأ السفينة، ويموج بعضها في بعض. واختلفت عبارات المفسرين فيها: قال ابن عباس: تدور دوراناً. قتادة: تتحرك. الضحاك: تحرك. عطاء الخراساني: تختلف إحداها بعضها في بعض. قطرب: تضطرب. عطية: تختلف. المؤرخ: يتحول بعضهم تحولا. الأخفش: تتكفّأ، وكلّها متقاربة. وأصل المَوْر الاختلاف والاضطراب، قال رؤبة: شعر : مسودّة الأعضاد من وشم العرق مائرة الضبعين مصلات العنق تفسير : أي مضطربة العضدين. {وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْراً} فتزول عن أماكنها وتصير هباءً منبثّاً. {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} وإنّما أدخل الفاء في قوله {فَوَيْلٌ} ؛ لأن في الكلام معنى المجاراة مجازه: إذا كان هذا فويل يومئذ للمكذبين. {ٱلَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ} باطل {يَلْعَبُونَ} غافلين جاهلين ساهين لاهين. {يَوْمَ يُدَعُّونَ} يُدفعون {إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} دفعاً ويُزعجون إليها إزعاجاً، وذلك أنّ خزنة النار يغلّون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم ثم يدفعونهم إلى النار دفعاً على وجوههم، وتجافى أقفيتهم حتى يردوا النار. وقرأ أبو رجاء العطاردي {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} بالتخفيف من الدعاء. قالوا: فاذا دَنَوْا من النار قالت لهم الخزنة: {هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَـٰذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ}. {ٱصْلَوْهَا} ادخلوها {فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ} ذوي فاكهة كثيرة، وفكهين: معجبين ناعمين. {بِمَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ} ثم يقال لهم: {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ} قد صفّ بعضها إلى بعض، وقوبل بعضها ببعض {وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ * وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ} قرأ أبو عمرو «وأتبعناهم» بالنون والألف «ذرياتهم» بالألف فيهما، وكسر التائين لقوله: {أَلْحَقْنَا} {وَمَآ أَلَتْنَاهُم} ليكون الكلام على نسق واحد، وقرأ الآخرون {وَٱتَّبَعَتْهُمْ} بالتاء من غير ألف ثم اختلفوا في قوله: {ذُرِّيَّتُهُم}، وقرأ أهل المدينة الأُولى بغير ألف وضم التاء، والثانية بالألف وكسر التاء، وقرأ أهل الشام بالألف فيهما وكسر تاء الثانية، وهو اختيار يعقوب وأبي حاتم، وقرأ الآخرون بغير ألف فيهما وفتح تاء الثانية، وهو اختيار أبي عبيد. واختلف المفسّرون في معنى الآية، فقال قوم: معناها والذين آمنوا واتّبعتهم ذريّتهم التي بلغت الإيمان {بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} الصغار الذين لم يبلغوا الإيمان، وهو قول الضحّاك ورواية العوفي عن ابن عباس. فأخبر الله سبحانه وتعالى أنّه يجمع لعبده المؤمن ذرّيته في الجنة كما كان يحب في الدنيا أن يجتمعوا له، ويدخلهم الجنة بفضله ويلحقهم بدرجته، بعمل الأب من غير أن ينقص الآباء من أجور أعمالهم شيئاً فذلك قوله سبحانه: {وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ} يعني الآباء، والهاء والميم راجعان إلى قوله: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ}، والألت: النقص والبخس. أخبرني الحسن بن محمد بن عبد الله الحديثي، قال: حدّثنا سعيد بن محمد بن إسحاق الصيرفي قال: حدّثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال: حدّثنا جنادة بن المفلس، قال: حدّثنا قيس بن الربيع، قال: حدّثنا عمرو بن المسرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إنّ الله يرفع ذرية المؤمن معه في درجته في الجنة وإن كانوا دونه في العمل لتقرّ بهم عينه" ثم قرأ {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ} قال: "ما نقصنا الآباء بما أعطينا (البنين) ". تفسير : وأخبرنا الحسن بن محمد قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن علي بن الحسن الهمداني، قال: حدّثنا أبو عبد الله عمر بن نصر البغدادي ببردعة، قال: حدّثنا محمد بن عبد الرَّحْمن بن غزوان، قال: حدّثنا شريك بن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: أظنّه ذكره عن النبىّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا دخل أهل الجنة الجنة فسأل عن أبويه وزوجته وولده، فيقال: إنّهم لم يدركوا ما أدركت، فيقول: عملت لي ولهم، فيؤمر بإلحاقهم به" تفسير : وتلا ابن عباس: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ }. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا القطيعي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثني عثمان بن أبي شيبة، قال: حدّثنا محمد بن فضيل عن محمد بن عثمان عن زاذان عن علي قال: حديث : سألتْ خديجة النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ولدين ماتا في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هما في النار" قال: فلمّا رأى الكراهية في وجهها قال: "لو رأيت مكانهما لأبغضتِهما" قالت: يا رسول الله فولداي منك؟ قال: "في الجنة" . تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أية : إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار» تفسير : ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ} {كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ} من الخير والشر {رَهَينٌ} مرهون فيؤخذ بذنبه ولا يؤخذ بذنب غيره. {وَأَمْدَدْنَاهُم} وأعطيناهم {بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ} من أنواع اللحمان {يَتَنَازَعُونَ} يتعاطون فيتناولون ويتداولون {فِيهَا كَأْساً} إناءً فيها خمر {لاَّ لَغْوٌ فِيهَا} وهو الباطل. عن قتادة. مقاتل بن حيان: لا فضول فيها. سعيد بن المسيّب: لا رفث فيها. ابن زيد: لا سباب ولا تخاصم فيها. القتيبي: لا يذهب بعقولهم فيلغوا ويرفثوا، وقال ابن عطاء: أي لغو يكون في مجلس محلّه جنة عدن، والساقي فيه الملائكة، وشربهم على ذكر الله، وريحانهم تحية من عند الله مباركة طيبة، والقوم أضياف الله {وَلاَ تَأْثِيمٌ} أي فعل يؤثمهم، وهو تفعيل من الإثم، يعني: إنّهم لا يأثمون في شربها. وقال ابن عباس: يعني ولا كذب، وقال الضحّاك: يعني لا يكذب بعضهم بعضاً. {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ} بالخدمة {غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ} من بياضهم وصفاء لونهم {لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ} مخزون مصون، قال سعيد بن جبير: يعني في الصدف. أخبرني الحسن بن محمد، قال: حدّثنا أحمد بن علي بن عمر بن خنيس، قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن عصام، قال: حدّثنا عمر بن عبدالعزيز المصري، قال: حدّثنا يوسف بن أبي طيبة عن وكيع بن الجراح عن هشام عن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنه قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدمه فيجيبه ألف، يناديه كلّهم: لبيك ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو علي المقرئ، قال: حدّثنا محمد بن عمران قال: حدّثنا هاني بن المسري، قال: حدّثنا عبيده بن سعيد عن قتادة بن عبد الله بن عمر قال: ما من أحد من أهل الجنة إلاّ سعى له ألف غلام، كل غلام على عمل ما عليه صاحبه. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن إبراهيم بن أيوب المنوي قال: حدّثنا الحسن ابن الكميت الموصلي قال: حدّثنا المعلى بن مهدي، قال: أخبرنا مسكين عن حوشب عن الحسن أنّه كان إذا تلا هذه الآية {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ} قالوا: يا رسول الله الخادم كاللؤلؤ فكيف بالمخدوم؟ قال"حديث : ما بينهما كما بين القمر ليلة البدر وبين أصغر الكواكب ".
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحديث هنا عن يوم القيامة، وفيه تمور السماء موراً، فهذه السماء وهذا السقف المرفوع المحفوظ، وهذا البناء المحكم الذي قال الله فيه {أية : وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَٰهَا بِأَييْدٍ ..}تفسير : [الذاريات: 47] أي: بقوة وإحكام، وقال: {أية : وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً}تفسير : [النبأ: 12]. هذه السماء تمور يعني: تتحرك وتضطرب أو تتقطع، كما يحدث للقماش القديم المهترىء، وفي موضع آخر عبَّر عن هذا المعنى بقوله سبحانه: {أية : يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ}تفسير : [المعارج: 8]. وهذا يعني أن بناء السماء تهدَّم وتفككتْ أوصاله كما تهدَّم كل شيء في الكون، حيث لم يَعُدْ لها مهمة، فمهمة السماء في الدنيا أنها كانت من أسباب الحياة الدنيا. أما في الآخرة فلا حاجة للأسباب، لأننا هناك نعيش بالمسبِّب سبحانه، لا حاجة لنا في هذه الأسباب التي نحيا بها. لذلك يقول سبحانه في هذا اليوم: {أية : وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ..}تفسير : [الزمر: 69] يعني: لسنا في حاجة إلى الشمس، لأننا نستضيء بنور ربِّ الشمس ومسبِّبها سبحانه. وقوله تعالى: {وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْراً} [الطور: 10] كما قال: {أية : وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيِّرَتْ}تفسير : [التكوير: 3] هذه الرواسي الثابتة كالأوتاد على ضخامتها تسير وتتحرك، ثم تتفتتْ وتتناثر. قال سبحانه: {أية : وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ}تفسير : [المعارج: 9] أي: الصوف المندوف المتناثر، نعم فلم يَعُدْ لها مهمة، كانت مهمتها تثبيت الأرض، والآن تهدَّم كلُّ هذا النظام وتفكك. {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} [الطور: 11] ويل لهم، لأنهم أخذوا بالأسباب وانتفعوا بها ونسوا المسبب، فها هي الأسباب تفنى ولم يَبْقَ إلا مُسبِّبها الله الذي كفرتم به وكذَّبتم رسله، والآن لا يأخذ خير المسبب إلا من آمن به وصدق رسله ساعة بقاء الأسباب. لذلك نقول: إياك أنْ تغترَّ بالأسباب مهما طاوعتك ومهما أعطتْك، واعلم أن وراء الأسباب مُسبِّبها. تذكرون أن باكستان في فترة من الفترات خططتْ لزراعة مساحات واسعة من القمح، وجاءت دراسة الجدوى تُبشِّرهم بالاكتفاء الذاتي ثم التصدير حتى لأمريكا، وفعلاً زرعوا الفمح حتى قارب على الاستواء، فنزلتْ عليه آفة أفسدته، وفي هذا العام استوردوا القمح لأنهم اعتمدوا على الأسباب ونسُوا المسبِّب سبحانه. أيضاً في قصة قارون: {أية : قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ ..}تفسير : [القصص: 78] فلما اغتر بعلمه وفَهْمه تركه الله وقال: احفظ مالك أيضاً بعلمك، ثم جاءته الطامة التي لا يستطيع أنْ يدفعها {أية : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ ..}تفسير : [القصص: 81] فأين عنديتك الآن؟ نعم {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} [الطور: 11] الذين كذَّبوا بالله الموجد الأعلى وكذَّبوا رسله، وظنوا أن الحياة الدنيا هي الغاية، وهي نهاية المطاف كما يقول الذين يؤمنون بالطبيعة ويكفرون بالله. لذلك زاد في تعريفهم، فقال: {ٱلَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ} [الطور: 12] وفي موضع آخر قال: {أية : فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ ..}تفسير : [المعارج: 42]. والخوض يكون في الماء، وفيه إشارة إلى التخبُّط وعدم الهدى، فأنت مثلاً حينما تسير على قدميك على الأرض تستطيع أنْ تتحسسَّ مواضع قدمِك، وتشعر بأماكن الخطر في الطريق لأنك تسير فيه على هدى وبصيرة. لكن حينما تسير في الماء فأنت لا تعرف أين تضع قدميك ولا تأمن العطب، لذلك حين نتأمل القرآن الكريم نجده لم يستخدم الخوض إلا في الباطل، فقال: {أية : ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ}تفسير : [الأنعام: 91] وقال: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ..}تفسير : [الأنعام: 68]. وقد عبَّر القرآن عن هذا المعنى، فقال: {أية : ٱلَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ}تفسير : [الذاريات: 11] كأنهم في ماء يغمرهم ويتخبطون فيه.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْراً} معناه تَدُورُ بما فيهَا.
همام الصنعاني
تفسير : 3006- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ٱلسَّمَآءُ مَوْراً}: [الآية: 9]، قال: مَوْرُها، تَحَرُّكُهَا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):