٥٢ - ٱلطُّور
52 - At-Tour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
16
Tafseer
الرازي
تفسير : أي إذا لم يمكنكم إنكارها وتحقق أنه ليس بسحر ولا خلل في أبصاركم فاصلوها. وقوله تعالى: {فَٱصْبِرُواْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ } فيه فائدتان إحداهما: بيان عدم الخلاص وانتفاء المناص فإن من لا يصبر يدفع الشيء عن نفسه إما بأن يدفع المعذب فيمنعه وإما بأن يغضبه فيقتله ويريحه ولا شيء من ذلك يفيد في عذاب الآخرة فإن من لا يغلب المعذب فيدفعه ولا يتلخص بالإعدام فإنه لا يقضي عليه فيموت، فإذن الصبر كعدمه، لأن من يصبر يدوم فيه، ومن لا يصبر يدوم فيه الثانية: بيان ما يتفاوت به عذاب الآخرة عن عذاب الدنيا، فإن المعذب في الدنيا إن صبر ربما انتفع بالصبر إما بالجزاء في الآخرة، وإما بالحمد في الدنيا، فيقال له ما أشجعه وما أقوى قلبه، وإن جزع يذم، فيقال يجزع كالصبيان والنسوان، وأما في الآخرة لا مدح ولا ثواب على الصبر، وقوله تعالى: {سَوَاء عَلَيْكُمْ } {سَوَآء } خبر، ومبتدأه مدلول عليه بقوله {فَٱصْبِرُواْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ } كأنه يقول: الصبر وعدمه سواء، فإن قيل يلزم الزيادة في التعذيب، ويلزم التعذيب على المنوي الذي لم يفعله، نقول فيه لطيفة، وهي أن المؤمن بإيمانه استفاد أن الخير الذي ينويه يثاب عليه، والشر الذي ينويه ولا يحققه لا يعاقب عليه، والكافر بكفره صار على الضد، فالخير الذي ينويه ولا يعمله لا يثاب عليه، والشر الذي يقصده ولا يقع منه يعاقب عليه ولا ظلم، فإن الله تعالى أخبره به، وهو اختار ذلك ودخل فيه باختياره، كأن الله تعالى قال: فإن من كفر ومات كافراً أعذبه أبداً فاحذروا، ومن آمن أثيبه دائماً، فمن ارتكب الكفر ودام عليه بعد ما سمع ذلك، فإذا عاقبه المعاقب دائماً تحقيقاً لما أوعده به لا يكون ظالماً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُواْ } عليها {أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ } صبركم وجزعكم {سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ } لأن صبركم لا ينفعكم {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أي جزاءه.
اسماعيل حقي
تفسير : {اصلوها} اى ادخلوها وقاسوا حرها وشدائدها {فاصبروا اولا تصبروا} فافعلوا ماشئتم من الصبر وعدمه فانه لاخلاص لكم منها وهذا على جهة قطع رجائهم {سواء عليكم} خبر مبتدأ محذوف دل عليه اصبروا اولا تصبروا وسوآء وان كان بمعنى مستوٍ لكنه فى الاصل مصدر بمعنى الاستوآء والمعنى سوآء عليكم الامر ان اجزعتم ام صبرتم فى عدم النفع لابدفع العذاب ولا بتخفيفه اذ لابد أن يكون الصبر حين ينفع وذلك فى الدنيا لاغير فمن صبر هنا على الطاعات لم يجزع هناك اذ الصبر وان كان مرا بصلا لكن آخره حلو عسل {انما تجزون ما كنتم تعملون} تعليل للاستوآء فان الجزآء على كفرهم واعمالهم القبيحة حيث كان واجب الوقوع حتما بحسب الوعيد لامتناع الكذب على الله كان الصبر وعدمه سوآء فى عدم النفع. وفى التأويلات النجمية انما تجزون ما كنتم تعملون فى الدنيا من الخير والشر لا الذى تعملون فى الآخرة من الصبر والخضوع والخشوع والتضرع والدعاء فانه لاينفع شىء منها والحاصل أن يقال اخسأوا فيها ولاتكلمون انتهى ثم النارناران النار الصورية لاهل الشرك الجلى ومن لحق بهم من العصاة والنار المعنوية لاهل الشرك الخفى ومن اتصل بهم من اهل الحجاب فويل لكل من الطائفتين يوم يظفر الطالب بالمطلوب ويصل المحب الى المحبوب من عذاب جهنم وعذاب العبد والقطيعة والحرمان من السعادة العظمى والرتبة العليا فليحذر العاقل من الخوض فى الدنيا واللعب بها فان الغفلة عن خالق البريات توقد نيران الحسرات وفى الآية اشارة الى مرتبة الخوف كما ان الآية التى تليها اشارة الى مرتبة الرجاء فان الامن والقنوط كفر. زيراكه امن ازعاجزان يود واعتقاد عجز در الله كفرست وقنوط ازلئيمان بود واعتقاد لؤم در الهل كفرست جزاغى كه درو روغن نباشد روشنايى ندهد وجون روغن باشد وآتش نباشد ضياندهد بس خوف بر مثال آتش است ورجا مجتمع كشت جراغى حاصل آمدكه دروى هم روغن است كه مدد بقاست هم آتش است كه ماده ضياست آنكه ايمان ازميان هردو مدد ميكير دازيكى ببقا وازيكى بضيا ومؤمن ببدرقه ضباراه ميرود وبمدد بقا قدم مى زند والله ولى التوفيق
الجنابذي
تفسير : {ٱصْلَوْهَا} يعنى يقال لهم: اصلوها {فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ} لفظة او للتّسوية ولذلك اكّد المفهوم بالتّصريح فقال: {سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} جوابٌ لسؤالٍ كأنّه قيل: لم نعذّب هذا العذاب؟
اطفيش
تفسير : {اصْلَوْهَا} قاسوا شدة النار وادخلوا النار. {فَاصْبِرُواْ} عليها أو لا تصبروا صبركم وجزعكم. {سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ} لا ينفع الصبر اليوم لأنه صبر على الجزاء فى العاقبة كما علل بقوله على الاستئناف {إنَّمَا تُجْزَونَ ما كُنتُمْ تَعْمَلون} في الدنيا لا ما تعملون اليوم لأنه يوم العقاب الذي لا بد من وقوعه فلا يكشفه الصبر.
اطفيش
تفسير : {اصْلَوها} ادخلوها أى النار، ولاقوا حرها لا تخفف عنكم ولا ترحمون {فاصْبِروا أو لا تَصْبروا} على شدتها، لا يبالى بكم، وما يروى أنهم يقولون تعالوا نصبر، كما أن الصبر فى الدنيا نافع فيصبرون خمسمائة عام فينطقون، لعله تمثيل بكون الله عز وجل يخرسهم تلك المدة، بحيث يكونون كهيئة الصابر بلا شكوى {سواءٌ عليْكم} خبر لمحذوف، أى الصبر وعدمه مستويان فى عدم النفع لكم، والأصل سواء فى شأنكم، ولكن جىء بعلى اشعار بالضرر، فان صبرهم وعدمه كليهما ضرران عليهم، وأفرد لأنه فى الأصل مصدر، وعلل التسوية بقوله: {إنَّما تُجزون ما كُنتم تعْملون} أى استوايا عليكم لقضاء الله عز وجل بالجزاء، فلا يتخلف بالصبر.
الالوسي
تفسير : { ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ} أي ادخلوها وقاسوا شدائدها فافعلوا ما شئتم من الصبر وعدمه. {سَوَاء عَلَيْكُمْ } أي الأمران سواء عليكم في عدم النفع إذ كل لا يدفع العذاب ولا يخففه ـ فسواء ـ خبر مبتدأ محذوف وصح الإخبار به عن المثنى لأنه مصدر في الأصل، وجوز كونه مبتدأ محذوف الخبر وليس بذاك، وقوله تعالى: {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تعليل للاستواء فإن الجزاء حيث كان متحتم الوقوع لسبق الوعيد به وقضائه سبحانه إياه بمقتضى عدله كان الصبر وعدمه مستويين في عدم النفع.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار معذبون في النار لا محالة، سواء صبروا أو لم يصبروا، فلا ينفعهم في ذلك صبر ولا جزع، وقد أوضح هذا المعنى في قوله: {أية : قَالُواْ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ}تفسير : [إبراهيم: 21].
د. أسعد حومد
تفسير : (16) - فَادْخُلُوا الآنَ نَارَ جَهَنَّمَ لِتَصْطَلُوا بِنَارِها التِي تَغْمُرُكُمْ مِنْ كُلِّ جَانِب، وَسواءٌ عَليكُم أَصَبَرتُمْ عَلَى عَذَابِهَا وَنَكَالِها، أمْ لَمْ تَصْبِروا فَلاَ مَحِيدَ لُكُم عَنْها، وَلا خَلاَصَ لَكُم مِنْها، وَهذا الذِي نَزَلَ بِكُمْ مِنَ العَذابِ هُوَ مَا تَسْتَحِقُّونَه جَزَاءً لَكُم عَلَى أَعْمَالِكُمْ في الحَيَاةِ الدُّنيا. اصْلوها - ادْخُلُوها، أو قَاسُوا حَرَّها.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {ٱصْلَوْهَا} [الطور: 16] أدخلوها لتذقوا عذابها، {فَٱصْبِرُوۤاْ} [الطور: 16] في هذا البلاء {أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ} [الطور: 16] حين لا ينفعهم الصبر؛ إذ لم تصبروا حين ينفعكم الصبر، {سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ} [الطور: 16] أجزعتم أم صبرتم؛ {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطور: 16] في الدنيا من الخير والشر الذي تعملون في الآخرة من الصبر والخضوع والخشوع والتضرع والدعاء، فإنه لا ينفع شيء منها، والحاصل أن يقال: {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} تفسير : [المؤمنون: 108]. ثم أخبر عن التقى وأرباب هذه الدرجات العلا بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ} [الطور: 17]، يشير إلى أنهم في جنات القرب ونعيم المشاهدة في العاجل والآجل؛ إذ اتقوا بالله سواه. {فَاكِهِينَ} [الطور: 18]، متعجبين {بِمَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ} [الطور: 18] من أصناف ألطافه، {وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ} [الطور: 18] جحيم نفوسهم وعذابها وشهواتها. {كُلُواْ} [الطور: 19] من طعام المشاهدات، {وَٱشْرَبُواْ} [الطور: 19]، من شراب المكاشفات، {هَنِيئَاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطور: 19] من أنواع المجاهدات ورعاية آداب الرياضات، فإن المجاهدات تورث المشاهدات: شعر : فاشرب على وجهها كَغُرَّتِها مُدامةً في الكؤوس كالشَّررِ تفسير : {مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ} [الطور: 20]، سرر الدرجات والقربات المفيضة في العبودية، {وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} [الطور: 20]، من إنكار الحقائق الغيبية {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [الطور: 21] بهذا الحديث في طلب الحق تعالى من القلب والروح، {وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم} [الطور: 21] من النفس وصفاتها {بِإِيمَانٍ} [الطور: 21] بهذا الحديث {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الطور: 21]، وإن لم يكونوا مستعدين لنيل هذه الكمالات من الوصول والوصال بالاستقلال، {وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم} [الطور: 21]؛ أي: ما ينقص من جزاء عمل القلب والروح {مِّن شَيْءٍ} [الطور: 21]، بسبب إلحاق النفس وصفاتها بهم في المقام. {كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ * وَأَمْدَدْنَاهُم} [الطور: 21-22]؛ يعني: القلب والروح {بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ} [الطور: 22]؛ يعني: بما هو من مشارب النفس الحيوانية؛ تقوية للروحانية وإمداداً للسير في الصفات الربانية. {يَتَنَازَعُونَ} [الطور: 23]؛ يعني: يتعاطون القلب والروح والنفس وصفاتها، {فِيهَا} [الطور: 23]؛ أي: في مقامات السير {كَأْساً} [الطور: 23] من مشارب الروح والقلب للنفس، وكأساً من مشارب النفس للروح والقلب، {لاَّ لَغْوٌ} [الطور: 23] من أوصاف البشرية {فِيهَا} [الطور: 23] في الكاسات؛ لينزله إلى مقام النفس {وَلاَ تَأْثِيمٌ} [الطور: 23] من أوصاف الروحانية؛ لعده بطبع الروحانية في الروحانية. تفسير عين الحياة {ٱصْلَوْهَا إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطور: 16]؛ يعني: صلوا الستار التي أنتم أوقدتموها، وأشعلتم حطب الحطام بنيرانها، {فَٱصْبِرُوۤاْ} وهو أمر على طريق الظن والاستهزاء بهم، {أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ} وهو كلام يتكلم المتكلم به على طريق عدم الالتفات إلى حال المجرمين، { سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ} أن تصبروا على هذه النار {أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ}؛ لأن إخراجكم من هذه النار التي أنتم أشعلتموها في دار الكسب محال غير ممكن، هذا جزاؤكم على ما كسبتم من حطب الحطام، واجتهدتم في إيقاد النار، وبالغتم في اشتعالها بريح القوى. {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ} [الطور: 17] الذين اتقوا متاع الدنيا، وهو ما عده الله تعالى في كلامه؛ حيث بيَّن ما زينه الشيطان للإنسان بقوله عز وجل: {أية : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ}تفسير : [آل عمران: 14]، {أية : قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا}تفسير : [آل عمران: 15] عن هذه الأمتعة التي ذكرناها، وعن نيران الشهوة والغضب والكبر والحسد عند ربهم جنات، كما يقول في هذه السورة {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ} [الطور: 17-18]، من العلم النافع، الذي حملهم على التقوى من متابعة الهوى والاشتغال باللعب واللهو في جميع أمتعة الدنيا، التي هي الحطمة في العقبى. {وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ} [الطور: 18]؛ يعني: بعد أن يلهيهم الله بالعلم النافع وقاهم من العذاب بالتوفيق الذي أعطاهم الله؛ ليجتهدوا في إطفاء نيران الشهوة والغضب والكبر، وإخمادها بالماء والثلج والبرد. {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطور: 19]؛ يعني: {كُلُواْ} من ثمرات المعارف المختصة باللطيفة النفسية، {وَٱشْرَبُواْ} من العيون المختصة باللطيفة القلبية، {هَنِيئَاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} من الأعمال الصالحة الظاهرة على الجوارح، والإخلاص والصدق الباطن المختص بالقلب. {مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ} [الطور: 20] بما صفوا أسرارهم مستريحين بمشاهدة أنوارهم، {وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} [الطور: 20]، بما تركوا في البحر المسجور وهو النفوس، زوجنا لطيفة حورية روحانيتهم بمعاينة صورة الذكر الخالص عن الخواطر الودية. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [الطور: 21]، من قوى لطائفهم باللطيفة المرسلة الخفية، وما مضى عليهم من الأمور الغيبية، {وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم} [الطور: 21]؛ أي: قوى قالبيتهم ونفسيتهم {بِإِيمَانٍ} [الطور: 21]؛ يعني: ما عملوا بالجوارح الظاهرة والقوى الباطنة شيئاً ينقص حقيقة إيمانهم، من ارتكاب المناهي والاشتغال بالملاهي، والاجتراء على المعاصي مما يؤخذ صابحه وقت كشف الغطاء بالنواهي، {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الطور: 21]؛ يعني: ألحقنا باللطائف قواهم المزكاة في التمتع بالأكل والشرب وما تشتهي أنفسهم، {وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ} [الطور: 21]؛ أي: ما نقصنا من آبائهم بما أعطينا ذرياتهم، {كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ} [الطور: 21]، هذه إشارة إلى أن اللطائف أجور خاصة مما يليق بحالها من معارف الحقيقة الإلهية، وللقوة المذكورة أجوراً خاصة من المعارف الحقيقة والروحية والسرية والقلبية، وللجوارح أجوراً خاصة مما يليق بها من التنعم بالنعيم المقيم، والحور العين، وما اشتهت أنفسهم في الجنة، فكل جارحة من الجوارح أو قوة من القوى أو لطيفة من اللطائف بحسب سعيها في طاعة الله تعالى في دار الكسب، يجزيها الله في دار الجزاء بمثل ما كسبت وسعت وادخرت لنفسها، كما يقول تعالى: {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ}تفسير : [النجم: 39]، {أية : وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ}تفسير : [النجم: 40] خيراً كانا أو شراً. {وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ} [الطور: 22]، هذه أيضاً لقوى نفوسهم الباطنة، وجوارحهم الظاهرة المتحلية بالطاعة، {يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ} [الطور: 23]؛ يعني: يكون كؤوس استعدادات اللطائف مملوءة من شراب المشاهدة متنزهّاً من كل باطل من كل شيء يأثم به شاربه، وهذه مدخرة لهم في دار الجزاء، ينظرهم كؤوس استعداداتهم من اللغو والتأثيم والرفث والكذب والغيبة والكبر والحسد وأمثالها في دار الكسب، يتناولون في دار الجزاء كؤوس استعداداتهم المطهرة المملوءة من شراب المعرفة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):