Verse. 4752 (AR)

٥٢ - ٱلطُّور

52 - At-Tour (AR)

اِنَّ الْمُتَّقِيْنَ فِيْ جَنّٰتٍ وَّنَعِيْمٍ۝۱۷ۙ
Inna almuttaqeena fee jannatin wanaAAeemin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن المتقين في جنات ونعيم».

17

Tafseer

الرازي

تفسير : على ما هو عادة القرآن من بيان حال المؤمن بعد بيان حال الكافر، وذكر الثواب عقيب ذكر العقاب ليتم أمر الترهيب والترغيب، وقد ذكرنا تفسير المتقين في مواضع، والجنة وإن كانت موضع السرور، لكن الناطور قد يكون في البستان الذي هو غاية الطيبة وهو غير متنعم، فقوله {وَنَعِيمٍ } يفيد أنهم فيها يتنعمون، كما يكون المتفرج لا كما يكون الناطور.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ} لما ذكر حال الكفار ذكر حال المؤمنين أيضاً {فَاكِهِينَ} أي ذوي فاكهة كثيرة؛ يقال: رجل فاكه أي ذو فاكهة، كما يقال: لابِنٌ وتامِرٌ؛ أي ذو لبن وتمر؛ قال:شعر : وغَرَرْتَنِي وزعمتَ أَنـ ـكَ لابِنٌ بالصَّيْفِ تَامِرْ تفسير : أي ذو لبن وتمر. وقرأ الحسن وغيره: «فَكِهِينَ» بغير ألف ومعناه معجبين ناعمين في قول ٱبن عباس وغيره؛ يقال: فَكِه الرجلُ بالكسر فهو فِكهٌ إذا كان طيّب النفس مزاحاً. والفكه أيضاً الأشِر البِطر. وقد مضى في «الدخان» القول في هذا. {بِمَآ آتَاهُمْ} أي أعطاهم {رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ}. {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} أي يقال لهم ذلك. {هَنِيئَاً} الهنيء ما لا تنغيص فيه ولا نكد ولا كدر. قال الزجاج: أي ليهنئكم ما صرتم إليه «هَنِيئاً». وقيل: أي مُتِّعتم بنعيم الجنة إمتاعاً هنيئاً. وقيل: أي كلوا وٱشربوا هنئتم «هَنِيئاً» فهو صفة في موضع المصدر. وقيل: «هَنِيئاً» أي حلالاً. وقيل: لا أذى فيه ولا غائلة. وقيل: «هَنِيئاً» أي لا تموتون؛ فإن ما لا يبقى أو لا يبقى الإنسان معه منغص غير هنيء. قوله تعالى: {مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ} سُرُر جمع سرير وفي الكلام حذف تقديره: متكئين على نمارق سرر. {مَّصْفُوفَةٍ} قال ٱبن الأعرابي: أي موصولة بعضها إلى بعض حتى تصير صفًّا. وفي الأخبار أنها تصفّ في السماء بطول كذا وكذا؛ فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت له، فإذا جلس عليها عادت إلى حالها. قال ٱبن عباس: هي سرر من ذهب مكلّلة بالزبرجد والدر والياقوت، والسرير ما بين مكة وأيلة. {وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} أي قرنَّاهم بهنّ. قال يونس بن حبيب: تقول العرب زوجته ٱمرأة وتزوّجت ٱمرأة؛ وليس من كلام العرب تزوّجت بامرأة. قال: وقول الله عز وجل: {وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} أي قرنَّاهم بهنّ؛ من قول الله تعالى: {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ} تفسير : [الصافات: 22] أي وقرناءهم. وقال الفرّاء: تزوّجت بامرأة لغة في أزد شنوءة. وقد مضى القول في معنى الحور العين.

ابن كثير

تفسير : أخبر الله تعالى عن حال السعداء فقال: { إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّـٰتٍ وَنَعِيمٍ} وذلك بضد ما أولئك فيه من العذاب والنكال {فَـٰكِهِينَ بِمَآ ءَاتَـٰهُمْ رَبُّهُمْ} أي: يتفكهون بما آتاهم الله من النعيم، من أصناف الملاذ؛ من مآكل ومشارب، وملابس ومساكن ومراكب، وغير ذلك {وَوَقَـٰهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ} أي: وقد نجاهم من عذاب النار، وتلك نعمة مستقلة بذاتها على حدتها، مع ما أضيف إليها من دخول الجنة التي فيها من السرور ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وقوله تعالى: { كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} كقوله تعالى: {أية : كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ} تفسير : [الحاقة: 24] أي: هذا بذاك؛ تفضلاً منه وإحساناً. وقوله تعالى: {مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ} قال الثوري عن حصين عن مجاهد عن ابن عباس: السرر في الحجال، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا صفوان بن عمرو: أنه سمع الهيثم بن مالك الطائي يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الرجل ليتكىء المتكأ مقدار أربعين سنة، ما يتحول عنه ولا يمله، يأتيه ما اشتهت نفسه، ولذت عينه»تفسير : . وحدثنا أبي، أخبرنا هدبة بن خالد عن سليمان بن المغيرة عن ثابت قال: بلغنا أن الرجل ليتكىء في الجنة سبعين سنة، عنده من أزواجه وخدمه، وما أعطاه الله من الكرامة والنعيم، فإذا حانت منه نظرة فإذا أزواج له لم يكن رآهن قبل ذلك، فيقلن: قد آن لك أن تجعل لنا منك نصيباً، ومعنى {مَّصْفُوفَةٍ} أي وجوه بعضهم إلى بعض؛ كقوله: {عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ} {وَزَوَّجْنَـٰهُم بِحُورٍ عِينٍ} أي: وجعلنا لهم قرينات صالحات وزوجات حساناً من الحور العين، وقال مجاهد: {وَزَوَّجْنَـٰهُم} أنكحناهم بحور عين، وقد تقدم وصفهن في غير موضع بما أغنى عن إعادته ههنا.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّٰتٍ وَنَعِيمٍ }.

الماوردي

تفسير : {فَاكِهِينَ بِمَآ ءاتَاهُمْ رَبُّهُمْ} فيه خمسة أوجه: أحدها: معجبين، قاله ابن عباس. الثاني: ناعمين، قاله قتادة. الثالث: فرحين، قاله السدي. الرابع: المتقابلين بالحديث الذي يسر ويؤنس، مأخوذ من الفكاهة، قاله ابن بحر. الخامس: ذوي فاكهة كما قيل: لابن وتامر، أي ذو لبن وتمر، قاله عبيدة، ومعنى ذلك، أنهم ذوو بساتين فيها فواكه. {مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ} والسرر الوسائد، وفي المصفوفة ثلاثة أوجه: أحدها: المصفوفة بين العرش، قاله عكرمة. الثاني: هي الموصولة بالذهب. الثالث: أنها الموصولة بعضها إلى بعض حتى تصير صفاً، قاله ابن بحر. {وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ} والعين الواسعة الأعين في صفائها، وهو جمع عيناء، ومنه قول الشاعر: شعر : فحُور قد لهون وهن عين نواعم في المروط وفي الرياط تفسير : وفي تسميتهن حوراً وجهان: أحدهما: لأنه يحار فيهن الطرف، قاله مجاهد. الثاني: لبياضهن، قاله الضحاك، ومنه قيل للخبز حوار لبياضه.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَنَعِيمٍ...} الآية: يحتمل أَنْ يكونَ من خطاب أهل النار، فيكون إخبارُهم بذلك زيادةً في غَمِّهِمْ وسُوءِ حالهم، نعوذ باللَّه من سخطه! ويحتمل، وهو الأظهر، أَنْ يكون إخباراً للنبيِّ صلى الله عليه وسلم ومعاصريه، لما فَرَغَ من ذكر عذاب الكفار عَقَّبَ بذكر نعيم المتقين ـــ جعلنا اللَّه منهم بفضله ـــ ليبين الفرقَ، ويقعَ التحريضُ على الإيمان، والمتقون هنا: مُتَّقُو الشرك؛ لأَنَّهم لا بُدَّ من مصيرهم إلى الجنات، وكلما زادت الدرجة في التقوى قَوِيَ الحصولُ في حكم الآية، حَتَّى إنَّ المتقين على الإطلاق هم في هذه الآية قطعاً على اللَّه تعالى بحكم خبره الصادق، وقرأ جمهور الناس: «فاكهين» ومعناه: فَرِحِينَ مسرورين، وقال أبو عُبَيْدَةَ: هو من باب: «لاَبِنٌ» و«تَامِرٌ»، أي: لهم فاكهة، قال * ع *: والمعنى الأَوَّلُ أبرع، وقرأ خالد فيما روى أبو حاتم: «فَكِهِينَ» والفَكِهُ والفاكه: المسرور المتنعم. وقوله تعالى: {بِمَا ءَاتَـٰهُمْ رَبُّهُمْ} أي: من إنعامه ورضاه عنهم. وقوله تعالى: {وَوَقَـٰهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ} هذا متمكن في مُتَّقِي المعاصي، الذي لا يدخل النارَ {وَوَقَـٰهُمْ} مشتق من الوقاية، وهي الحائل بين الشيء وبين ما يضرُّه. وقوله: {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} أي: يقال لهم: كلوا واشربوا، و{هَنِيئَا} نُصِبَ على المصدر. وقوله: {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} معناه: أَنَّ رُتَبَ الجنة ونعيمها بحسب الأعمال، وأَمَّا نَفْسُ دخولها فهو برحمة اللَّه وفضلِهِ، وأعمالُ العباد الصالحاتُ لا تُوجِبُ على اللَّه تعالى التنعيمَ إيجاباً؛ لكِنَّهُ سبحانه قد جعلها أَمارةً على مَنْ سبق في علمه تنعيمه، وعَلَّقَ الثوابَ والعِقَابَ بالتكسب الذي في الأعمال، والحُورُ: جمع حَوْرَاءُ، وهي البيضاء القويةُ بياضِ بياضِ العَيْنِ وَسَوَادِ سَوَادِها، والعِينُ: جمع عَيْنَاءُ، وهي كبيرة العينين مع جمالهما، وفي قراءة ابن مسعود والنَّخَعِيِّ: «وَزَوَّجْنَاهُمْ بِعِيسٍ عِينٍ» قال أبو الفتح: العَيْسَاءُ: البيضاء.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ} يجوز أن يكون مستأنفاً، أخبر الله تعالى بذلك بشارة، ويجوز أن يكون من جملة المقول للكفار زيادة في غَمِّهِمْ وتَحَسُّرِهِم. والجنة هي موضع السرور لكن الناطُور قد يكون في البستان الذي هو في غاية الطيبة، فلما قال: "وَنَعِيمٍ" أفاد أنهم فيها متنعمون كما يكون المتفرج لا كما يكون الناطُور والعمال. وقوله: "فَاكِهِينَ" يريد في ذلك، لأن المتنعم قد يكون آثار النعيم عليه ظاهرة وقلبه مشغول، فلما قال: "فَاكِهينَ" دل على غاية الطيبة. قوله: "فَاكِهِينَ" هذه قراءة العامة نصب على الحال، والخبر الظرف، وصاحب الحال الضمير المستتر في الظرف. وقرأ خَالِدٌ: "فاكِهُونَ" بالرفع، فيجوز أن يكون الظرف لغواً، متعلقاً بالخبر ويجوز أن يكون خبراً آخر من عند من يجيز تعداد الخبر. وقرىء فَكِهينَ مقصوراً، وسيأتي أنه قرأ به في المُطَفِّفِينَ في المتواتر حفصٌ عن عَاصِمٍ. قوله: "بِمَا آتَاهُمْ" يجوز أن تكون الباء على أصلها وتكون: "ما" حينئذ واقعةً على "الفواكه" التي هي في الجنة أي متلذذين بفاكهةِ الجنة، ويجوز أن تكون بمعنى في أي فيما آتاهم من الثمار وغير ذلك. ويجوز أن تكون "ما" مصدريةً أيضاً. قوله: "وَوَقَاهُمْ" يجوز فيه أوجه: أظهرها: أنه معطوف على الصلة أي فَكِهينَ بإيتائِهِم رَبَّهُمْ وبِوقايَتِهِ لهم عذابَ الجَحِيم. والثاني: أن الجملة حال فتكون "قد" مقدرة عند من يشترط اقترانها بالماضي الواقع حالاً. الثالث: أن يكون معطوفاً على: "فِي جَنَّاتٍ". قاله الزمخشري يعني فيكون مخبراً به عن المتقين أيضاً فيكون المراد أنهم فاكهون بأمرين: أَحدِهِمَا: بما آتاهم، والثاني: بأنه وَقَاهُمْ. والعامة على تخفيف القاف من الوقاية. وأبو حيوة بتَشْدِيدِهَا. قوله: "كلوا واشربوا" أي يقال لهم كُلُوا واشربوا هنيئاً. وقد تقدم الكلام في: "هَنِيئاً" فِي النِّسَاء. قال الزمخشري: هنا يقال لهم كلوا واشربوا أكلاً وشُرْباً هنيئاً أو طعاماً وشرباً هنيئاً. وهو الذي لاَ تَنْغَيصَ فِيهِ. ويجوز أن يكون مثله في قوله: شعر : 4533- هَنِيئاً مَرِيئاً غَيْرَ دَاءٍ مُخَامِرٍ لِعَزَّةَ مِنْ أَعْرَاضِنَا مَا اسْتَحَلَّتِ تفسير : أعني صفةً استعملت استعمال المصدر القائم مقام الفعل، مرتفعاً به "ما اسْتَحَلَّت" كما يرتفع بالفعل كأنه قيل هَنّأ عَزَّةَ المُسْتَحَلُّ منْ أعْرَاضِنَا، فكذلك معنى "هنيئاً" هُنَا هنّأَكُمُ الأَكْلُ والشُّرْبُ، أو هَنَّأَكُمْ مَا كُنْتُم تَعْملونَ والباء مزيدة كما في "كَفَى بِاللَّهِ" والباء متعلقة بكُلُوا واشْرَبُوا إذا جعلت الفاعل الأكل والشرب. وهذا من محاسن كلامه. قال أبو حيان: أما تجويزه زيادة الباب فليست بمَقِيسةٍ في الفاعل إلا في فاعل "كَفَى" على خلافٍ فيها فتجويزها هنا لا يسوغ. وأما قوله: إنَّها تتعلق بـ "كُلُوا واشْرَبُوا" فلا يصح إلا على الإعمال فهي تتعلق بأحدهما. انتهى. وهذا قريب. قوله: "مُتَّكِئِينَ" فيه أوجه: أحدها: أنه حال من فاعل: "كُلُوا". الثاني: أنه حال من فاعل: "أَتَاهُمْ". الثالث: أنه حال من فاعل: "وَقَاهُمْ". الرابع: أنه حال من الضمير المُسْتَكِنِّ في الظرف. الخامس: أنه حال من الضمير في: "فَاكِهِينَ". وأحسنها أن يكون حالاً من ضمير الظرف لكونه عُمْدَةً. وقوله: "عَلَى سُرُرٍ" متعلق بـ "متَّكِئينَ". وقراءة العامة بضم الراء الأولى. وأبو السَّمَّال بفتحها. وقد تقدم أنها لغة لكَلْبٍ في المضعف يَفرونَ من تَوَالِي ضمتين في المضعف. قوله: {وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} قرأ عكرمةُ بحُورٍ عينٍ بإضافة الموصوف إلى صفته على التأويل المشهور. فصل اعلم أنه تعالى بين أسباب التنعيم على الترتيب، فأول ما يكون المَسْكَن وهو الجَنّات ثم الأكل والشرب، ثم الفرش والبسط ثم الأزواج، فهذه أمور أربعة ذكرها الله على الترتيب، وذكر في كل واحد منها ما يدل على كماله، فقوله: "جَنّات" إشارة إلى المسكن وقال: "فاكهين" إشارة إلى عدم التَّنغُّص وعلو المرتبة بكونه مما آتاهم الله، وقال: {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً} أي مأمون العاقبة من التَّخَم والسَّقَم، وترك ذكر المأكول والمشروب دلالة على تنوعهما وكثرتهما، وقوله: {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} إشارة إلى أنه تعالى يقول: إني مع كوني ربكم وخالقَكم وأدْخَلْتُكُم الجنة بفضلي فلا مِنَّة لي عليكم اليوم وإنما مِنَّتي عليكم كان في الدنيا هديتكم ووفقتكم للأعمال الصالحة كما قال: {أية : بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ} تفسير : [الحجرات: 17] وأما اليوم فلا مِنَّةَ عليكم لأن هذا إِنجازُ الوَعْدِ. فإن قيل: قال في حقّ الكفار: {أية : إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الطور: 16] وقال في حق المؤمنين: {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} فما الفرق بينهما؟. فالجواب من وجوه: الأول: أن كلمة "إنَّما" للحصر، أي لا يجزون إلا ذلك، ولم يذكر هذا في حق المؤمن، لأنه يجزيه أضعاف ما عَمِلَ، ويَزِيدُهُ من فضله. الثاني: قال هنا: "بِمَا كُنْتُمْ" وقال هناك: {أية : مَا كُنتُمْ} تفسير : [النمل: 90] أي تجزون عن أعمالكم. وهذا إشارة إلى المبالغة في المماثلة، كأنه يقول: هذا عينُ ما عملت. وقوله في حق المؤمن: بِمَا كُنتُمْ كأنَّ ذلك أمر ثابتٌ مستمرٌّ يفيدكم هذا. الثالث: أنه ذكر الجزاء هناك، وقال هنا: {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} لأَنَّ الجزاء يُنْبِىء عن الانقطاع، فإِن من أحسن إلى أحد فأتى بجزائه لا يتوقع المحسنُ منه شيئاً آخر. فإن قيل: فاللَّه تعالى قال في موضع آخر: {أية : بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [المرسلات: 43] في الثواب. فالجواب: أنه في تلك المواضعِ لَمَّا لم يخاطب المجزيَّ ولم يقل: بما كنت تفعل أتى بما يفيد العلم بالدوام وعدم الانْقِطَاع. وأما في السرر فذكر أموراً: أحدها: الاتّكاء فإنه هيئة مختصّة بالمنعم والفارغ الذي لا كُلْفَة عليه. وجمع السرر لأَمْرَيْنِ: أظهرهما: أن يكون لكل واحد سُرَرٌ؛ لأنه قوله: "مَصْفُوفة" يدل على أنه لواحدٍ، لأن سرر الكل لا تكون في موضع واحد مصطفَّة، ولفظ السَّرِير فيه حروف السُّرُور، بخلاف التَّخْتِ وغيره، وقوله: "مَصْفُوفَة" أي منتظمة بعضُها إلى جَنْبِ بعض فإِنها لو كانت متفرقة لقيل في كل موضع واحد يتكىء عليه صاحبه إذا حضر هذا الموضع. وقوله تعالى: {وَزَوَّجْنَاهُم} إِشارة إلى النِّعمة الرابعة، وفيها ما يدل على كمال الحال من وجوه: الأول: أنه هو المزوج وهو الولي الذي يلي الطرفين يُزوج عباده بإِمائه ومن يكون كذلك لا يفعل إلا ما فيه راحة العباد والإماء. الثاني: قال: "وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُور" ولم يقل: وَزَوَّجْنَاهُمْ حوراً مع أن لفظ التزويج يتعدى فعله إلى مفعولين بغير حرف، تقول زَوَّجْتُكَهَا، قال الله تعالى: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا} تفسير : [الأحزاب: 37] وذلك إشارة إلى أن المنفعة في التزويج لهم، وإنما زوجوا للذتهم بالحور لا لِلَذَّة الحور بهم. الثالث: عدم الاقتصار على الزوجات بل وصفهن بالحُسْن واختار الأحسن من الأحسن، فإِنَّ أحْسَنَ ما في صورة الآدميِّ وَجْهُهُ، وأحسنَ ما في الوجه العَيْنُ. قوله: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مبتدأ، والخبر الجملة من قوله: {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}، والذُّرِّيَّات هنا يصدق على الآباء، وعلى الأبناء، أي أن المؤمن إذا كان عمله أكثر أُلْحِقَ به مَنْ دُونَهُ في العمل ابناً كان أو أباً. وهو منقول عن ابنِ عَبَّاسٍ وغيره. الثاني: أنه منصوب بفعل مقدر، قال أبو البقاء على تقدير: وَأَكْرَمْنَا الَّذِينَ آمَنُوا. قال شهاب الدين: فيجوز أن يريد أنه من باب الاشتغال، وأن قوله: {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} مفسرٌ لذلك الفعل من حيثُ المعنى وأن يريد أنه مضمرٌ لدلالة السِّياق عليه، فلا تكون المسألة من الاشتغال في شَيْء. الثالث: قال ابن الخطيب: إنه معطوف على: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ} ثم قال: فإذا كان كذلك فَلِمَ أعَادَ لفظ "الَذين آمنوا" وكان المقصود يحصل بقوله تعالى: {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} بعد قوله {وَزَوَّجْنَاهُم} كان يصير التقديرُ: وزوَّجْنَاهم وألحقنا بهم؟ نقول: فيه فائدة وهي أن المتقين هم الذين اتقوا الشرك والمعصية وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فقال ههنا: الذين آمنوا بمجرد الإيمان يصير ولده من أهل الجنة، ثم إِن ارتكب الأب كبيرةً أو صغيرة لا يعاقب به ولده بل الوالد، وربما يدخل الجنةَ الابنُ قبل الأب، وقد ورد في الخبر أن الوَلَد الصغيرَ يشفع لأبيه، وذلك إشارة إلى الجزاء. وذكر الزمخشري أنه مجرورٌ عطفاً على "حُورٍ عينٍ" قال الزمخشري: "وَالَّذِينَ آمَنُوا" معطوف على "حُورٍ عينٍ" أي قَرَنَّاهُمْ بالحور وبالذين آمنوا أي بالرفقاء والجلساء منهم كقوله: {أية : إِخْوَاناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} تفسير : [الحجر: 47] فيتمتعون تارة بمُلاَعَبَةِ الحور، وتارةً بمُؤَانَسَةِ الإِخوان. ثم قال الزمخشري: ثم قال: "بإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ" أي بسبب إيمان عظيمٍ رفيعِ المحل وهو إيمان الآباء ألحقنا بدرجتهم ذُرِّيَّتَهُم وإن كانوا لا يستأهلونها تفضلاً عليهم. قال أبو حيان: ولا يتخيل أحد أن "وَالَّذِينَ آمَنُوا" معطوف على "بحُورٍ عِينٍ" غير هذا الرجل. وهو تخيُّلٌ أعجميّ، مخالف لفهم العربي القُحِّ ابن عباس وغيره. قال شهاب الدين: أما ما ذكره أبو القاسم من المعنى فلا شك في حُسْنِهِ ونضارته، وليس في كلام العربي القُحِّ ما يدفعه بل لو عرض على ابن عباس وغيره لأعجبهم، وأيُّ مانع مَعْنَويٍّ أو صناعيٍّ يمنعه؟!. قوله: "وَأَتْبَعْنَاهُمْ" يجوز أن يكون عطفاً على الصلة، ويكون "والذين آمنوا" مبتدأ ويتعلق "بإيمان" بالاتِّباع، بمعنى أن الله تعالى يلحق الأولاد الصّغار وإن لم يبلغوا الإيمان بأحكام الآباء المؤمنين. وهذا المعنى منقول عن ابن عباس والضَّحَّاك. ويجوز أن يكون معترضاً بين المبتدأ والخبر. قال الزمخشري ويجوز أن يتعلق "بإِيمَانٍ" بـ "أَلْحَقْنَا" كما تقدم. فإن قيل: قوله: أتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ يفيد قوله: "ألْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ". فالجواب: أن قوله: "أَلْحَقْنا بِهِمْ" أي في الدرجات والاتّباع إنما هو في حكم الإِيمان وإن لم يبلغوه كما تقدم. وقرأ أو عمرو: "وأتْبَعْنَاهُمْ" بإِسناد الفعل إلى المتكلم نفسه. والباقون واتَّبَعَتْهُمْ بإسناد الفعل إلى الذرية وإِلحاق تاء التأنيث. وقد تقدم الخلاف في إِفراد ذرياتهم وجَمْعِهِ في سورة الأَعْرَافِ. فصل اختلفوا في معنى الآية، فقيل معناها: والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان يعني أولادهم الصغار والكبار فالكبار بإيمانهم بأنفسهم، والصغار بإيمان آبائهم، فإن الولد الصغير يُحْكَمُ بإسلامه تبعاً لأحد الأبوين. وقوله: أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ، أي المؤمنين في الجنة بدرجاتهم وإن لم يبلغوا بأعمالهم درجات آبائهم تَكْرمَةً لآبائهم، لِتَقَرَّ بذلك أعينهم. وهي روايةُ سعيدِ بن جبير عن ابنِ عباس. وقيل: معناه {والَّذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم} البالغون {بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم} الصِّغار الذين لم يبلغوا الإِيمان بإيمان آبائهم. وهو قول الضَّحَّاك في رواية العوفيّ عن ابن عباس. أخبر الله عز وجل أنه يَجْمَع لعبده ذُرّيته في الجنة كما كان يحب في الدنيا أن يجتمعوا إليه يدخلهم الجنة بفضله ويلحقهم بدرجته بعمل أيديهم من غير أن يَنْقُصَ الآباء من أعمالهم شيئاً فذلك قوله: {وَمَآ أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ}. روي عن عليٍّ - رضي الله عنه - قال: حديث : سألت خديجة النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ولدين لها ماتا في الجاهلية فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هما في النار، فلما رأى الكراهية في وجهها قال: لَوْ رأيتِ مكانَهما لأَبْغَضْتِهِمَا. قالت يا رسول الله: فولدي منك قال: في الجنة. ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ المُؤْمِنِينَ وَأَوْلاَدَهُمْ فِي الجَنَّةِ وإِنَّ المُشْرِكِينَ وَأَوْلاَدَهُمْ فِي النَّارِ" ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وَالَّذِينَ آمَنُوا وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ بإيمَانٍ ألْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ" . تفسير : قوله: "وَمَا أَلَتْنَاهُمْ" قرأ ابن كثير ألِتْنَاهُمْ بِكَسْرِ اللام. والباقون بفتحها. فأما الأُولى فمن أَلِتَ يَأْلَتُ بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارغ كَعِلمَ يَعْلَمُ. وأما الثانية: فيحتمل أن تكون من أَلَتَ يَأْلِتُ كَضَرب يَضْرِبُ، وأن يكون من أَلاَتَ يُلِيتُ كَأَمَاتَ يُمِيتُ فألَتْنَاهُمْ كأَمَتْنَاهُمْ. وقرأ ابْنُ هُرْمُزَ آلَتْنَاهُمْ - بألف بعد الهمزة - على وزن أفْعَلْنَاهُمْ، يقال: آلَتَ يُؤْلِتُ كآمَنَ يُؤْمِنُ. وعبد الله وأُبيّ والأعْمش وطلحةُ - وتُرْوى عن ابن كثيرٍ - لِتْنَاهُمْ بكسر اللام. قال سهل: لا يجوز فتح اللام من غير ألف بحال، ولذلك أنكر آلَتْنَاهُمْ بالمد وقال: لا يدل عليها لغةٌ ولا تفسيرٌ. وليس كما زَعَمَ، بل نقلَ أهلُ اللغةِ آلَتَ يُؤْلِتُ. وقرىء:- وَلَتْنَاهُمْ - بالواو - كَوعَدْنَاهُمْ نقلها هارُون. قال ابن خَالَوَيْهِ: فيكون هذا الحرف من لاَتَ يَلِيتُ ووَلَتَ يَلِيت وأَلِتَ يأْلَتُ وأَلَت يأْلِتُ وأَلاَتَ يُلِيتُ، وكلها بِمَعْنَى نَقَصَ. ويقال: ألت بمعنى غلَّظَ وقام رجل إلى (أمير المؤمنين) عُمَرَ يَعِظُهُ فقال له رجل: لاَ تَأْلِتْ أَمِيرَ المؤمنين، أي لا تُغَلِّظْ عليه. قال شهابُ الدِّين: ويجوز أن يكون هذا الأثر على حاله والمعنى لا تَنْقُصْ أمير المؤمنين حقه؛ لأنه إذا أغلظ القول نقصه حقه. وفي الضمير في "أَلَتْنَاهُمْ" وَجْهَانِ: أظهرهما: أنه عائد على "المؤمنين". الثاني: أنه عائد على "أَلَتْنَاهُمْ". قيل: ويقويه قوله تعالى: {كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ}. قوله: {مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ} من شيء مفعول ثان لـ "ألتْنَاهُمْ" و "مِنْ" مزيدة؛ والأولى في محل نصب على الحال مِنْ (شَيْءٍ)؛ لأنها في الأصل صفةٌ له، فلما قدمت نصبت حالاً. وجوز أبو البقاء أن يتعلق بِأَلَتْنَاهُمْ. فصل في قوله: "وَمَا أَلَتْنَاهُمْ" تطييب لقلبهم، وإزالة وَهَم المتَوهِّم أن ثواب عمل الأب يوزع على الوَالِدِ والوَلَدِ بل للوالد أجْر عَمَلِهِ، ولأولاده مثل ذلك فضلاً من الله ورحمة. وقال: "مِنْ عملهم" ولم يقل: من أجرهم لأن قوله: وما ألتناهم من عملهم دليل على بقاء عملهم كما كان، والأجر على العمل مع الزيادة فيكون فيه إشارة إلى بقاء العمل الذي له الأجر الكبير الزائد عليه العظيم العائد إِليه، ولو قال: وَمَا أَلَتْنَاهُمْ من أجرهم لكان ذلك حاصلاً بأدنى شيء، لأن كل ما يعطي الله عبده على عمله فهو أجر كامل، ولأنه لو قال: مَا أَلَتْنَاهُمْ من أجرهم كان مع ذلك يحتمل أن يقال: إن الله تعالى يفضل عليه بالأجر الكامل على العمل الناقص، وأعطاه الأجر الجزيل مع أن عمله كان له ولولده جميعاً. فإِن قيل: ما الفائدة في تنكير الإيمان في قوله: "وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ بإِيمانٍ ألحقنا"؟. فالجواب: (هو) إما للتحقير أو للتكثير كأنه يقول أتبعناهم ذرياتهم بإِيمان مخلصٍ كاملٍ. أو نقول: أتبعناهم بإيمان ما أي شيء منه، فإِن الإِيمانَ كاملاً لا يوجد في الولد، بدليل أنَّ من آمنَ له ولدٌ صغيرٌ حكم بإِيمانه، فإِذا بلغ وصرح بالكفر وأنكر التَّبَعِيَّة قيل: بأنه لا يكون مرتداً وتبيين بقوله أنه لم يُتْبَعْ. وقيل: بأنه يكون مرتداً؛ لأنه كفر بعدما حكم بإِيمانه كولد المسلم الأصلي. فإِذن تبين بهذا الخلاف أنَّ إيمانَه ليس بقويٍّ. ذكر هذين الوجهين الزمخشري. ويحتمل أن يكون المراد أن يكون التنوينُ للتعويض عن المضاف إِليه كقوله تعالى: {أية : بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ} تفسير : [الإسراء: 88] و [الزخرف: 67] {أية : وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [الحديد: 10] لأن التقدير: أتبعناهم ذرياتهم بإيمان أي بسبب إيمانهم لأن الإِتباع ليس بإيمانٍ كَيْفَ كان وممَّنْ كَانَ وإِنما هو إِيمان الآباء، لكن الإِضافة تُنْبِىءُ عن تَقْييد، وعدم كون الإِيمان إيماناً على الإِطلاق، فإن قول القائل: ماءُ الشجر وماءُ الرمان فيصحّ، وإطلاق اسم "ماء" من غير إضافة لا يصح، فقوله: "بإيمانهم" يوهم أنه إيمان مضافٌ إليهم كقوله تعالى: {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} تفسير : [غافر: 85] حيث أثبت الإِيمان المضاف فلم يكن إيماناً فقطع الإِضافة مع إردتها ليعلم أنه إيمان صحيحٌ وعوض التنوين ليعلم أنه مضاف لا يوجب الإيمان في الدنيا إلا إيمان الآباء. قال ابن الخطيب: وهَذا وجهٌ حَسَنٌ. قوله: {كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ} قال مقاتل: كل امرىء كافر بما عمل من الشرك فهو مرتهن في النار والمؤمن لا يكون مرتهناً لقوله تعالى: {أية : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاَّ أَصْحَابَ ٱلْيَمِينِ} تفسير : [المدثر: 38 - 39]. قال الواحدي: هذا يعود إلى ذكر أهل النار. وهُو قولُ مُجَاهِدٍ أيْضاً. وقال الزمخشري: هذا عام في كل واحد أنه يكون مرهوناً عند الله بالكسب فإن كَسَبَ خيراً فك رقبته وإلا أغلق الرهن. قال ابن الخطيب: وفيه وجه آخر وهو أن يكون الرهينُ فَعِيلاً بمعنى الفاعل فيكون المعنى: كل امرىء بما كسب راهن أي دائم إن أحسن ففي الجنة مؤبداً، وإن أساء ففي النار مخلداً؛ لأن في الدنيا دوام الأعمال بدوام الأعيان فإن العَرَض لا يبقى إلا في جوهر فلا يوجد إلا فيه، وفي الآخرة دوام الأعيان بدوام الأعمال فإن الله يبقي أعمالهم لكونها عند الله تعالى من الباقيات الصالحات، وما عند الله باقٍ والباقي يبقى مع عمله. قوله تعالى: {وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ}، زيادة على ما كان لهم {وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ} من أنواع اللّحْمَانِ. والمعنى زدناهم مأكولاً ومشروباً فالمأكول الفاكهةُ واللحم، والمشروب الكأس. وفي هذا لطيفةٌ وهي أنه لما قال: مَا أَلَتْنَاهُمْ ونفي النقصان يصدق بحصول المساوىء، فقال: ليس عدم النقصان باقتصار على المساوىء؛ بل بالزيادة والإمداد. قوله: "يَتَنَازَعُونَ" في موضع نصب على الحال من مفعول: "أمْدَدْنَاهُمْ" ويجوز أن يكون مستأنفاً. وتقدم الخلاف في قوله: {لاَّ لَغْوٌ فِيهَا} في البقرة. والجملة في موضع نصب صفة لكأسٍ. وقوله: فِيهَا أي في شَرَابِهَا. وقيل: في الجَنَّة. ومعنى يتنازعون أي يَتَعَاطَوْن. ويحتمل أن يقال: التنازع التجاذب ويكون تجاذبهم تجاذب مُلاَعَبَةٍ لا تَجاذُبَ مُنَازَعَة. وفيه نوع لذَّةٍ، قال الشاعر: شعر : 4534- نَازَعْتُهُ طَيِّبَ الرَّاحِ الشَّمُولِ وَقَدْ صَاحَ الدَّجَاجُ وَحَانَتْ وَقْعَةُ السَّارِي تفسير : وقوله: {لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ} قال قتادة: اللَّغْو: الباطل. وقال مقاتل بن حيّان: لا فضولَ فيها. وقال سعيد بن المسيب: لاَ رَفَث فيها. وقال ابن زَيْد: لا سبابَ ولا تخاصُمَ فيها. وقال القُتَيْبِيُّ: لا يذهب عقولهم فيَلْغُوا أو يَرْفُثُوا "وَلاَ تَأْثيمٌ" أي لا يكون منهم ما يُؤْثِمُهُمْ. قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يكون المراد من التأثيم السُّكْر. وقال الزجاج: لا يجري منهم ما يُلْغَى ولا ما فيه إثم كما يجري في الدنيا لشَرَبَةِ الخَمْر. وقيل: لا يأثمون في شُرْبِهَا. قوله تعالى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ} أي يطوف عليهم بالخِدمة غلمانٌ لهم "كَأَنَّهُمْ" في الحسن والبياض والصَّفاء. قوله: {كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ} صفة ثانية "لِغِلْمَانٍ". والمعنى يطوف عليهم بالكُؤُوس غلمانٌ لهم. وهم الوِلْدَان المُخَلَّدُون {كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ} أي مخزون مَصُونٌ لم تَمَسَّهُ الأَيْدِي. قال سعيدُ بن جُبَيْر: يعني في الصِّدق، وقال عبد الله بن عمر: ما من أحد من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألفُ غلام وكل غلام على عمل ما عليه صاحبه. "حديث : وروي عن الحسن أنه لما تلا هذه الآية قال: قَالُوا يا رسول الله: الخادم كاللؤلؤ المكنون فكيف المخْدُوم؟ قال: فَضْلُ المَخْدُومِ عَلَى الْخَادِمِ كَفَضْلِ لَيْلَةَ البدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَواكِبِ ".

البقاعي

تفسير : ولما ذكر ما للمكذبين من العذاب المشار إليه بكلمات القسم، أتبعه ما لأضدادهم من الثواب المنبه عليه أيضاً بتلك الكلمات ليتم الخبر ترغيباً وترهيباً، فقال جواباً لمن كأنه قال: فما لمن عاداهم فيك؟ مؤكداً لما للكفار من التكذيب: {إن المتقين} أي الذين صارت التقوى لهم صفة راسخة {في جنات} أي بساتين دائماً في الدنيا حكماً وفي الآخرة. ولما كانت البساتين ربما يشقى داخلها أو صاحبها، نفى هذا بقوله: {ونعيم *} أي نعيم في العاجل، يعني بما هم فيه من الأنس، والآجل بالفعل، وزاد في تحقيق التنعم بقوله: {فاكهين} أي معجبين متلذذين {بما آتاهم ربهم} الذي تولى تربيتهم بعملهم بالطاعات إلى أن أوصلهم إلى ذهاب النعيم، فهو لأن عظمته من عظمته لا يبلغ كنه وصفه. ولما كان المتنعم قد تكون نعمته بعد عذاب، فبين أنهم ليسوا كذلك فقال: {ووقاهم} أي قبل ذلك {ربهم} أي المتفضل بتربيتهم بكفهم عن المعاصي والقاذورات {عذاب الجحيم *} أي النار الشديدة التوقد. ولما كان من باشر النعمة وجانب النقمة في هناء عظيم، قال مترجماً لذلك على تقدير القول: {كلوا} أي أكلاً هنيئاً {واشربوا} شرباً {هنيئاً} أي لا نقص فيه، وهو صفة في موضع المصدر أي هنأتم بمعنى أن كل ما تتناولونه مأمون العاقبة من التخمة والسقم ونحوها {بما كنتم} أي كوناً راسخاً {تعملون *} أي مجددين له على سبيل الاستمرار حتى كأنه طبع لكم. ولما كان النعيم لا يتم إلا بأن يكون الإنسان مخدوماً، نبه عليه بقوله: {متكئين} أي مستندين استناد راحة، لأنهم يخدمون فلا حاجة لهم إلى الحركة {على سرر مصفوفة} أي منصوبة واحداً إلى جنب واحد، مستوية كأنها السطور على أحسن نظام وأبدعه، قال الأصبهاني: والصفة: مد الشيء على الولاء. ولما كان السرور لا يتم إلا بالتنعم بالنساء قال: {وزوجناهم} أي تزويجاً يليق بما لنا من العظمة. ولما كانت تلك الدار غنية عن الأسباب، فكانوا غنيين عن العقد، قال مشيراً بالباء إلى صرف الفعل عن ظاهره فإنه إذا كان بمعنى النكاح تعدى بنفسه، وتضمين الفعل "قرناهم" أي جعلناهم أزواجاً مقرونين {بحور} أي نساء هن في شدة بياض العين وشدة سوادها واستدارة حدقتها ورقة جفونها في غاية لا توصف {عين *} أي واسعات الأعين في رونق وحسن. ولما وصف حال المتقين من أعداء المكذبين وبدأ بهم لشرفهم، أتبعهم من هو أدنى منهم حالاً لتكون النعمة تامة فقال: {والذين آمنوا} يعني أقروا بالإيمان ولم يبدلوا ولا بالغوا في الأعمال الصالحة. ولما كان من هؤلاء من لا يتبعه ذريته بسبب إيمانه لأنه يرتد عنه، عطف على فعلهم تمييزاً لهم واحترازاً عمن لم يثبت قوله: {واتّبعتهم} أي بما لنا من الفضل الناشىء عما لنا من العظمة {ذرياتهم} الصغار والكبار وإن كثروا، والقرار لأعينهم بالكبار بايمانهم والصغار بإيمانهم آبائهم {بإيمان} أي بسب إيمان حاصل منهم، ولو كان في أدنى درجات الإيمان، ولكنهم ثبتوا عليه إلى أن ماتوا، وذلك هو شرط إتباعهم الذريات، ويجوز أن يراد وهو أقرب: بسبب إيمان الذرية حقيقة إن كانوا كباراً، وحكماً إن كانوا صغاراً، ثم أخبر عن الموصول بقوله: {ألحقنا بهم} أي فضلنا لأجل عمل آبائهم {ذرياتهم} وإن لم يكن للذرية أعمال، لأنه قيل في المعنى: "ولأجل عين ألف عين تكرم" ويلحق بالذرية من النسب الذرية بالسبب وهو المحبة، فإن كان معها آخذ لعلم أو عمل كانت أجدر، فتكون ذرية الإفادة كذرية الولادة، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : المرء مع من أحب" تفسير : في جواب من سأل عمن يحب القوم ولم يلحق بهم. ولما كان ربما خيف أن ينقص الآباء بسبب إلحاق ذرياتهم بهم شيئاً من درجاتهم، قال: {وما ألتناهم} أي نقصنا الآباء وحبسنا عنهم {من عملهم} وأكد النفي بقوله: {من شيء} بسبب هذا الإلحاق وكان من فوق رتبتهم من الذين يؤمنون والمؤمنين والمتقين وغيرهم أولى منهم، وإنما فصلهم منهم لأن هؤلاء قد لا يوقنون قبل دخول الجنة العذاب، قال جامعاً للفريقين، أو يقال - ولعله أقرب - أنه لما ذكر اتباع الأدنى للأعلى في الخير فضلاً، أشفقت النفس من أن يكون إتباع في الشر فأجاب تعالى بأنه لا يفعل بقوله: {كل امرىء} أي من الذين آمنوا والمتقين وغيرهم {بما كسب} أي من ولد وغيره {رهين *} أي مسابق ومخاطر ومطلوب وآخذ شيئاً بدل كسبه وموفي على قدر ما يستحقه ومحتبس به إن كان عاصياً، فمن كان صالحاً كان آخذاً بسبب صلاح ولده لأنه كسبه، ولا يؤخذ به ذلاً وهو حسن في نفسه لأجل الحكم بإيمانه سواء كان حقيقة أو حكماً وكل حسن مرتفع، فلذلك يلتحق بأبيه، وأما الإساءة فقاصرة على صاحبها يؤخذ بها ويرهن بذنبه ولا يؤخذ بذنب غيره، والحاصل أن المعالي التي هي كالحياة تفيض من صاحبها على غيره فتحييه، والمساوئ التي هي كالموت لا يتعدى صاحبها، قال الرازي في اللوامع: اعلم أن الذوات بقاؤها ودوامها ببقاء صورها، فحيث ما كانت الصورة المقومة لها أدوم كانت الذوات بها أقوم، وأن النفوس الإنسانية ذوات وصورها علومها وأخلاقها، فحيث ما كانت العلوم حق اليقين ثم عين اليقين، والأخلاق مقومة على نهج الشرع المبين، كانت النفوس دائمة بدوامها غير مستحيلة، إذ لا تتطرق الاستحالة إلى اليقين والعمل الحق، وغير كائنة ولا فاسدة إذ ليس عن اليقين ولا العلوم الحقيقية من عالم الكون والفساد، وإن لم تبلغ النفس إلى كمال اليقين فتعلقت بدليل صاحبه كما انخرطت في سلكها حتى يخرط الإنسان في سلك محبته، لو أحب أحدكم حجراً لحشر معه، فإن الدين هو الحب في الله والبغض في الله، ولهذا اكتفى الشرع من المكلفين بالإسلام وتسليم وتفويض وتحكيم دون الوقوف على المسائل العويصة بالبراهين الواضحة الصحيحة، وما لم يبلغ الولد حد التكليف واخترم ألحقوا بآبائهم وحكم عليهم بحكم عقائدهم وآرائهم حتى يكون حكم آبائهم جارياً عليهم وحكم القيامة نافذاً فيهم، وأما إذا كانت الصورة القائمة بالذوات مستحيلة بأن كانت جهلاً وباطلاً ينقص أوله آخره وآخره أوله، كانت ذات النفس لا تنعدم ولا تفنى بل تبقى على حال لا يموت فيها ولا يحي، فإنها لو فنيت لاستراحت ولو بقيت لاستطابت، فهي على استحالة بين الموت والحياة، وهذه الاستحالة لا تكون إلا في أجساد وأبدان{أية : كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها}تفسير : [النساء:56] انتهى. وهو كما ترى في غاية النفاسة، ويؤيده "حديث : يحشر المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل"تفسير : ويجوز أن تكون الجملة تعليلاً لما قبلها من النفي، أي ما نقصناهم لأنه قد سبق في حكمنا بأن يكون "كل امرىء" قدرنا أن يرتهن بما قد ينقصه {بما كسب} أي لا يضر ما كسب ما كسبه غيره "رهين" أي معوق عن النعيم حتى يأتيه بما يطلق من العمل الصالح.

ابو السعود

تفسير : {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَنَعِيمٍ} أيْ فِي آية جناتٍ وأيِّ نعيمٍ عَلى أنَّ التنوينَ للتفخيمِ أوْ في جناتٍ ونعيمٍ مخصوصةٍ بالمتقينَ عَلى أنَّه للتنويعِ {فَـٰكِهِينَ} ناعمينَ متلذذينَ {بِمَا ءاتَـٰهُمْ رَبُّهُمْ} وَقُرِىءَ فكهينَ وفاكهونَ على أنَّه الخبرُ والظرفُ لغوٌ متعلقٌ بالخبرِ أوْ خبرٌ آخرُ {وَوَقَـٰهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ} عطفٌ عَلى آتاهُم عَلى أنَّ مَا مصدريةٌ أوْ عَلى خبرِ إنَّ، أوْ حالٌ بإضمارِ قَدْ إمَّا منَ المستكن في الخبرِ أو في الحال وإمَّا من فاعلِ أَتي أوْ منْ مفعولِه أو منهُما، وإظهارُ الربِّ في موقعِ الإضمارِ مضافاً إلى ضميرِهم للتشريفِ والتعليلِ {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} أيْ يقالُ لَهُم كُلوا واشربُوا أكلاً وشرباً {هَنِيئَاً} أوْ طعاماً وشراباً هنيئاً وهُو الذَّي لا تنغيضَ فيهِ {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} بسببِه أو بمقابلتِه، وقيلَ: الباءُ زائدةٌ ومَا فاعلُ هنيئاً أيْ هَناكُم مَا كنتُم تعملونَ أي جزاؤُه {مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ} مصطّفةٍ {وَزَوَّجْنَـٰهُم بِحُورٍ عِينٍ} وقُرِىءَ بحورِ عينٍ على إضافةِ الموصوفِ إلى صفتِه بالتأويلِ المشهورِ وقُرِىءَ بعينٍ عينٍ، والباءُ معَ أن التزويجَ مما يتعدى إلى مفعولينِ لما فيهِ من مَعْنى الوصلِ والإلصاقِ أو للسببـيةِ إذْ المَعْنى صيَّرناهُم أزواجاً بسببِهن فإنَّ الزوجيةَ لا تتحققُ بدونِ انضمامِهن إليهمْ وقولُه تعالَى: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} إلخ كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبـيانِ حالِ طائفةٍ من أهلِ الجنةِ إثرَ بـيانِ حالِ الكُلِّ وهُم الذينَ شاركتْهم ذريتُهم في الإيمانِ وهُوَ مبتدأٌ خبرُه ألحقنا بِهم وقولُه تعالَى: {وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرّيَّتُهُم} عطفٌ على آمنُوا وقيل: اعتراضٌ وقولُه تعالَى: {بِإِيمَـٰنٍ} متعلقٌ بالاتّباعِ أيْ اتبعتْهم ذريتُهم بإيمانٍ في الجُملةِ قاصرٍ عن رتبةِ إيمانِ الآباءِ، واعتبارُ هذا القيدِ للإيذانِ بثبوتِ الحكمِ في الإيمانِ الكامل أصالةً لا إلحاقاً وقُرِىءَ ذرياتُهم للمبالغةِ في الكثرةِ وذِرياتهم بكسرِ الذالِ وقُرِىءَ وأتبعناهُم ذرياتِهم أي جعلناهُم تابعينَ لهم في الإيمانِ وقُرِىءَ أتبعْتُهم {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ} أيْ في الدرجةِ كَما رُوي أنَّه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: « حديث : إنَّه تعالَى يرفعُ ذريةَ المؤمنِ في درجتهِ وإنْ كانُوا دونَهُ لتقرَّ بهم عينُه ثم تلاَ هذهِ الآيةَ » تفسير : {وَمَا أَلَتْنَـٰهُمْ} وما نقصنَا الآباءَ بهذَا الإلحاقِ {مّنْ عَمَلِهِم} منْ ثوابِ عملهم {مِن شَىْء} بأنْ أعطينَا بعضَ مثوباتِهم أبناءَهُم فتنقصَ مثوبتُهم وتنحطَّ درجتُهم وإنما رفعناهُم إلى منزلتِهم بمحضِ التفضلِ والإحسانِ وقُرِىءَ ألِتْنَاهُم بكسرِ اللامِ من ألِتَ يألَتُ كعِلم يعلمَ والأولُ كضرَبَ يضرِبُ ولِتناهُم منْ لاَت يليتُ وآلتناهُم من آلَتَ يُؤُلِتُ ووَلَتْناهُم منْ وَلَتْ يَلِتُ والكلُّ بمَعْنى واحدٍ. هَذا وقدْ قيلَ الموصولُ معطوفٌ على حُورٍ، والمَعْنى قرنَّاهُم بالحورِ وبالذينَ آمنُوا أيْ بالرفقاءِ والجلساءِ منُهم فيتمتعونَ تارةً بملاعبة الحُورِ وأُخرى بؤانسةِ الإخوانِ المؤمنينَ. وقولُه تعالَى واتبعتُهم عطفٌ على زوجناهُم وقولُه تعالى بإيمانٍ متعلقٌ بما بعدَهُ أي بسببِ إيمانٍ عظيمٍ رفيعِ المحلِّ وهو إيمانُ الآباءِ ألحقنا بدرجاتِهم ذريَّتهم وإنْ كانُوا لا يستأهلونَها تفضلاً عليهم وعلى آبائِهم ليتِمَّ سرورُهم ويكملَ نعيمُهم أو بسببِ إيمانٍ دانِي المنزلةِ وهو إيمانُ الذريةِ كأنه قيلَ: بشيءٍ من الإيمانِ لا يؤهلُهم لدرجةِ الآباءِ ألحقناهُم بهمْ {كُلُّ ٱمْرِىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ} قيلَ: هو فعيلٌ بمَعْنى مفعولٍ والمَعْنى كلُّ امرىءٍ مرهونٌ عندَ الله تعالى بالعملِ الصالحِ فإنْ عمِلَه فكَّه وإلا أهلكه وقيلَ: بمعنى الفاعلِ والمَعْنى كلُّ امرىءِ بما كسبَ راهنٌ أيْ دائمٌ ثابتٌ وهَذا أنسبُ بالمقامِ فإن الدوامَ يقتضِي عدمَ المفارقةِ بـينَ المرءِ وعمله ومن ضرورتِه أنْ لا ينقصَ من ثوابِ الآباءِ شيءٌ فالجملةُ تعليلٌ لما قَبْلها.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان المتقين} عن الكفر والمعاصى {فى جنات نعيم} النعيم الخفض والدعة والتنعم الترفه والاسم النعمة بالفتح قال الراغب النعيم النعمة الكثيرة وتنعم تناول مافيه النعمة وطيب العيش ونعمه تنعيما جعله فى نعمة اى لين عيش وفى البحر التنعم استعمال مافيه النعومة واللين من المأكولات والملبوسات والمعنى فى جنات ونعيم اى فى اية جنات واى نعيم بمعنى الكامل فى الصفة على ان التنوين للتخفيم او فى جنات ونعيم مخصوصة بالمتقين على انه للتنويع والجنة مع كونها أشرف المواضع قد يتوهم ان من يدخلها انما يدخلها ليعمل فيها ويصلحها ويحفظها لصاحبها كما هو شأن ناطور الكرم اى مصلحه وحافظه كما قال فى القاموس الناطور اى بالطاء المهملة حافظ الكرم والنخل اعجمى انتهى فلما قال ونعيم افادانهم فيها متنعمون كما هو شأن المتفرج بالبستان لا كالناطور والعمال

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّ المتقين} الشرك والمعاصي {في جناتٍ} عظيمة {ونعيمٍ} أيّ نعيم، فالتنكير للتفخيم، أو: للتنوع، أي: جناتٍ مخصوصة بهم، ونعيمٍ مخصوص، {فاكهين} ناعمين متلذذين {بما آتاهم ربُّهم} بما أتحفهم، {ووقاهم رَبُّهم عذابَ الجحيم} عطف على "آتاهم" على أن "ما" مصدرية، أي: فاكهين بإتياهنم وبوقايتهم، أو: على "في جنات النعيم" أي: استقروا في جنات ووقاهم، أو: حال، إما من المستكن في الخبر، أو: من فاعل "آتى"، أو: مفعوله بإضمار "قد". وإظهار الرب في موضع الإضمار مضافاً إلى ضمير {هم} لتشريفهم، ويُقال لهم: {كُلوا واشربوا} ما شئتم {هنيئاً} أي: أكلاً وشرباً هنيئاً، أو: طعاماً وشراباً هنيئاً، لا تنغيص فيه بخوف انقطاعه أو فواته، {بما كنتم} أي: عوض ما كنتم {تعملون} في الدنيا من الخير، أو جزاءه. {متكئين على سُررٍ مصفوفةٍ} مصطفة، وهو حال من الضمير في {كلوا واشربوا}، {وزوَّجناهم} أي: قرنّاهم {بحُورٍ} جمع حوراء {عينٍ}: جمع عيناء، أي: عظام الأعين حِسانها. وفي الكشّاف: وإنما دخلت الباء في {بِحُورٍ} لتضمن معنى زوجناهم قرناهم. هـ. وقال الهروي: {زوَّجناهم} أي: قرناهم، والأزواج: الأشكال والقرناء، وليس في الجنة تزويج. هـ. والمنفي: تحمل مؤنة التزويج والمعاقدة، وإنما يقع التمليك والإقران. {والذين آمنوا} مبتدأ، {واتَّبعتهم ذريتُهم} عطف على {آمنوا}، و {بإِيمان} متعلق بالاتباع، والخبر: {ألحقنا بهم ذرياتهم} أي: تلحق الأولاد بدرجات الآباء؛ إذ شاركوهم في الإيمان، وإن قصرت أعمال الذرية عن أعمال الآباء، وكذلك الآباء تلحق بدرجة الأبناء؛ لتقرّ بذلك أعينهم، فيلحق بعضهم ببعض، إذا اجتمعوا في الإيمان من غير أن ينقص أجر مَنْ هو أحسن عملاً شيئاً، بزيادته في درجة الأنقص، ولا فرق بين مَنْ بلغ مِن الذرية، أو لم يبلغ، إذا كان الآباء مؤمنين. انظر الثعلبي. وفي حديث ابن عباس:"حديث : إذا دخل أهلُ الجنة الجنة، يسأل الرجلُ عن أبويه، وزوجته، وولده، فيُقال: إنهم لم يُدركوا ما أدركتَ، فيقول: لقد عملتُ لي ولهم أجمعين، فيؤمر بإلحاقهم به"تفسير : . قال القشيري: ليكمل عليهم سرورهم بذلك؛ فإنّ الانفراد بالنعمة والقلب مشتغل بالأهل والذرية ينغص العيش، وكذلك مَن يلاحظ قلباً من صديق وقريب ووليّ وخادم، قال تعالى في قصة يوسف:{أية : وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [يوسف: 93].هـ. قال في الحاشية: وربما يستأنس بما ذُكر في الجملة بقوله:{أية : وَمَن يُطِعِ اللَّهِ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم...}تفسير : [النساء: 69] الآية، وما قيل في سبب نزولها، وكذلك حديث: "حديث : المرء مع مَن أحب"تفسير : ، وحال الجنة مما لا يخطر على بال، فيجوز أن يكون الأدنى مع الأعلى بمنازلته معه، مع مباينته له بحقيقته، كما أنّ حَيطة الحق تعالى شاملة للكل، وكل يتعرّف له على قدره، فالكل معه بمطلق التعرُّف، مع تحقُّق التفاوت، وأهل الجنة فيها على حكم الأرواح، وأحكامها لا تكيف، واعتبر بالفروع مع الأصول، مع تفاوتها. والله أعلم. هـ. والحاصل: أنهم يلحقون بهم في الطبقة، ويتفاوتون في نعيم الأرواح والأشباح، وفي الرؤية والزيادة. والله تعالى أعلم. {وما أَلتناهم} أي: ما نقصنا الآباء بهذا الإلحاق {مِن عملهم} من ثواب عملهم {من شيءٍ} بأن أعطينا بعض مثوباتهم لأبنائهم، فتنقص مثوبتهم، وتنحط درجتهم، وإنما رفعناهم إلى منزلتهم بمحض التفضُّل والإحسان. والألت: البخس. وقرأ المكي: (أَلِتناهم) بكسر اللام، من: ألِت يألَت، كعلم يعلم، و"مِن" الأولى متعلقة بـ"ألتناهم"، والثانية زائدة لتأكيد النفي. {كُلُّ امرئ بما كسب رهينٌ} أي: كل امرئ مرهون عند الله بعمله، فإن كان صالحاً فله، وإلا أهلكه. والجملة: استئناف بياني، كأنه لمّا قال: ما نقصناهم من عملهم شيئاً نعطيه الأبناء حتى يلحقو بهم على سبيل التفضُّل، قيل: لِمَ كان الإلحاق تفضُّلاً؟ قال: لأن كل امرىءٍ بما كسب رهين، وهؤلاء لم يكن لهم عمل يلحقوا بسببه بهم، فأُلحقوا تفضُّلاً. {وأمددناهم} أي: وزوّدناهم في وقت بعد وقت {بفاكهةٍ ولحم مما يشتهون} من فنون النعماء وألوان اللآلئ، وإن لم يطلبوا ذلك. {يتنازعون فيها كأساً} أي: يتعاطون ويتعاورون هم وجلساؤهم من أقربائهم كأساً فيها خمر، يتناول هذا الكأسَ من يد هذا، وهذا من يد هذا، بكمال رغبة واشتياق، {لا لغوٌ فيها} أي: في شربها، فلا يتكلمون في أثناء الشراب إلا بكلام طيب، فلا يجري بينهم باطل، {ولا تأثيمٌ} أي: لا يفعلون ما يُوجب إثماً لصاحبه لو فعله في دار التكليف، كما هو شأن المُنادمين في الدنيا، وإنما يتكلمون بالحِكَم واحاسِن الكلام، ويفعلون ما يفعله الكرام. قال القشيري: {لا لغوٌ فيها ولا تأثيم} لا يجري بينهم باطل ولا ما فيه لوم، كما يجري من الشَّرْب اليوم في الدنيا، ولا تذهب عقولهم، فيجري بينهم ما يُخرج عن حدّ الأدب والاستقامة، وكيف لا يكون مجلسهم بهذه الصفة، على المعلوم مَن يسقيهم بمشهد من مجلوسهم، وعلى رؤية من شربهم، والقوم عن الدار وعن ما فيها مختطفون باستيلاء ما يستغرقهم، فالشراب يؤنسهم، ولكن لا يمر بحاستهم. هـ. وقرأ المكي والبصري بالفتح فيها على إعمال "لا" النافية للجنس. الإشارة: إنَّ المتقين ما سوى الله في جنات المعارف عاجلاً، وجنات الزخارف والمعارف آجلاً، ونعيم المشاهدات والمكاشفات والمناجاة، فاكهين، معجبين، متلذذين بما آتاهم ربهم من أصناف ألطافه، وتقريبه، ووقاهم ربُّهم عذابَ الجحيم، أي: نار شهوة نفوسهم، فبردت عنهم، وسَلِموا منها، كُلوا من طعام المشاهدات، واشربوا من أمداد الزيادات والترقيات، هنيئاً بما كنتم تعملون من المجاهدات والمكابدات، متكئين على سُرر المقامات، والدرجات، مصفوفة في منازل العبودية، وزوجناهم بحُورٍ عين من أبكار الحقائق، وثيبات العلوم، والذين آمنوا بهذه الطريق وسلكوها، واتبعتهم ذريتهم ومَنْ تعلق بهم من طلاب الحق، ألحقنا بهم ذريتهم ومَنْ تعلق بهم، وإن لم يبلغوا صفاء مشربهم من الوصال والاتصال، فيكونون معهم في الدرجة، مع تفاوتهم في نعيم المشاهدة، وما ألتناهم من عملهم من شيء، بل ألحقناهم بهم فضلاً وكرماً، مع توفُّر ثواب عمل الملحق بهم، كل امرئ بما كسب رهين، لا يزيد نعيم روحه على سعيه في الدنيا ومجاهدته، وإن تساوى في الدرجة مع غيره. وأمددناهم بفاكهةٍ من حلاوة المعاملة، ولحم مما يشتهون من لذائذ المشاهدة، يتنازعون فيها؛ في جنة المعارف، كأس خمر المحبةً والفناء، فيفنون عن وجودهم في شهود محبوبهم. يتناولون ذلك من أشياخهم واحداً بعد واحد، وقد يجتمعون في كأس واحدة، لا لغو فيها، أي: لا حديث للنفس في حال شربها، بل الهم كله مجموع يها، كما قال القائل: شعر : وإذا جلستَ إلى المُدام وشُربِه فاجعلْ حديثكَ كلّه في الكأس تفسير : فالخمرة التي يشوبها شيء من حديث النفْس ليس بصافية من الأكدار. ولا تأثيم بنزوع الروح إلى طبع النفس، وإذا نزلت إلى سماء الحقوق، أو أرض الحظوظ، بل تكون في ذلك بالله، ومن الله، وإلى الله، تنزل بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين، جلعنا الله من ذلك القبيل بمنّه وكرمه. وقال الورتجبي: {يتنازعون...} الآية: وصفهم الله في شربهم كاسات شراب الوصلة بالمسارعة والشوق إلى مزيد القُربة، ثم وصف شرابَهم أنه يورثهم التمكين والاستقامة في السُكْر، لا يزول حالهم إلى الشطح والعربدة، وما يتكلم به سكارى المعرفة في الدنيا عند الخلق، ولا يشابِهُ حالُ أهل الحضرة حالَ أهل الدنيا من جميع المعاني. هـ. ثم قال تعالى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ}.

الطوسي

تفسير : لما اخبر الله تعالى عن حال الكفار وما أعد لهم من أليم العقاب، اخبر أيضاً بما أعده للمؤمنين المتقين من أنواع الثواب فقال {إن المتقين} الذين يجتنبون معاصي الله خوفاً من عقابه {في جنات} أي بساتين تجنها الاشجار {ونعيم فاكهين بما آتاهم ربهم} أي متنعمين بما أعطاهم ربهم من أنواع النعم وقال الزجاج: معنى {فاكهين} معجبين بما آتاهم. وقال الفراء: مثل ذلك {وقاهم ربهم} أي منع عنهم عذاب الجحيم. والفاكه الكثير الفاكهة، كقولهم لابن وتامر أي ذو لبن وذو تمر. والفكه المسرور بأحواله كسرور آكل الفاكهة بفاكهته. وقوله {متكئين على سرر مصفوقة} قيل متكئين على النمارق وهي الوسائد إلا انه حذف ذكرها. والمعنى (عليه)، لأنه أصل الاتكاء، وتقديره متكئين على النمارق الموضوعة على السرر، وهو جمع سرير. وقوله {مصفوقة} أي مصطفة. وقوله {وزوجناهم بحور عين} فالحور البيض النقيات البياض في حسن وكمال، والعين الواسعة الأعين في صفاء وبهاء، والمعنى قرنا هؤلاء المتقين بالحور العين على وجه التنعيم لهم والتمتيع.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ} عن تكذيب الله ورسوله (ص) فى ولاية علىٍّ (ع) بالاقرار له والبيعة معه بيعة خاصّة ولوية {فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ} تنكير الجنّات والنّعيم للتّفخيم.

الأعقم

تفسير : {إن المتقين في جناتٍ ونعيم} أي بساتين فيها أشجار ونعيم {فاكهين} قيل: مسرورين، وقيل: ناعمين {بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم} ويقال لهم على سبيل الإِكرام: {كلوا واشربوا} من نعيم الجنة {هنيئاً} وهو الذي لا تنغيص فيه {بما كنتم تعملون} أي جزاء أعمالكم في فعل الواجبات واجتناب المعاصي {متكئين} قيل: فيه حذف، أي على نمارق وهي الوسائد {على سرر مصفوفة وزوّجناهم بحور عين} قيل: بيض البشر وسواد العين، وقيل: شدة بياض العين وسواد سوادها {والذين آمنوا واتبعتهم ذرّيتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم} قيل: هم الأطفال الحقوا بآبائهم من بعد إيمان الآباء ليتم سرورهم، وقيل: هم البالغون الحقوا بدرجة آبائهم وإن قصرت أعمالهم، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه" تفسير : ثم تلا الآية يجمع لهم أنواع السرور بسعادتهم في أنفسهم ومزاوجة الحور العين ومؤانسة الأخوان المؤمنين بأولادهم، ثم قال: {بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم} أي بسبب إيمان عظيم رفيع وهو إيمان الآباء {وما ألتناهم} وما نقصناهم، يعني وفرنا عليهم جميع ما ذكرنا من الثواب والتفصيل وما نقصناهم من ثواب {مِنْ عملهم من شيء كل امرء بما كسب رهين} يعني كل مرهون بعمله وأخذ به {وأمددناهم} أعطيناهم حالاً بعد حال {بفاكهة ولحم مما يشتهون} {يتنازعون فيها} قيل: يتعاطون ويتناولون، وقيل: سقى بعضهم {كأساً} من خمر {لا لغو فيها ولا تأثيم} قيل: لا يذهب عقولهم فيها فيلغوا ويرفثوا خلاف خمر الدنيا، ولا تأثيم فعل ما يأثم به، وقيل: لا يكذب بعضهم بعضاً {ويطوف عليهم غلمان لهم} قيل: ولدانهم وأطفالهم يطوفون ليزدادون قرة عين، وقيل: هو الحور العين، وقيل: أطفال المشركين، ومتى قيل: هل يلحقهم مشقة بتلك الخدمة؟ قلتُ: لا بل يتلذذون، وعنه (عليه السلام): "إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه فيجيبُه ألف لبيك لبّيك" {كأنهم} يعني الغلمان {لؤلؤ مكنون} يعني في الحسن والملاحة والصلاحة كالدر المصون المخزون، وقيل: مكنون في الصدف، حديث : وروى الحسن قال: قالوا: يا رسول الله الخادم كاللؤلؤة فكيف المخدوم؟ قال: "كالقمر ليلة البدر" تفسير : {وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} يسأل بعضهم بعضاً، قيل: عن أحوالهم في الدنيا وذلك من عظم سرورهم {قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين} أي خائفين من عذاب الله {فمنَّ الله علينا} أنعم علينا بقبول طاعتنا وغفران سيئاتنا {ووقانا عذاب السموم} أي منعنا، والسموم اسم من أسماء جهنم {إنّا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر} المحسن {الرحيم} العظيم الرحمة.

اطفيش

تفسير : {إنَّ المُتَقِينَ فِي جَنَاتِ وَنَعِيمٍ} عظام مخصوصة بهم كاملة.

اطفيش

تفسير : معنى كونهم فيهما ملابستهم لهما،وذلك مجاز فى الحرف، فشمل الكون فى الجنات، ومجاورة سائر النعيم، وذلك كلام مستأنف من الله عز وجل، وضعف أن يكون مما يقال للكفار، فيدخل فى القول المقدر، ووجهه أن خطابهم بما هو فوز لأعدائهم غم لهم، والنتكير للتعظيم أو التنويع أى فى جنات عظيمات، ونعيم عظيم، أو مخصومات بهم، ولا يقبل ما أجيز من أن التنوين عوض عن المضاف اليه، لأن ذلك معروف فيما يلزم الإضافة ككل وبعض، ولأنه لا فائدة فى قولك: جناتهم ونعيمهم إلا باعتبار فى جناتهم ونعيمهم المعهودة لهم، ولا دليل على قصد هذا التأويل.

الالوسي

تفسير : شروع في ذكر حال المؤمنين بعد ذكر حال الكافرين كما هو عادة القرآن الجليل في الترهيب والترغيب، وجوز أن يكون من جملة المقول للكفار إذ ذاك زيادة في غمهم وتنكيدهم والأول أظهر. والتنوين في الموضعين للتعظيم أي في جنات عظيمة ونعيم عظيم، وجوز أن يكون للنوعية أي نوع من الجنات، ونوع من النعيم مخصوصين بهم وكونه عوضاً عن المضاف إليه أي جناتهم ونعيمهم ليس بالقوي كما لا يخفى.

ابن عاشور

تفسير : استئناف بياني بعد أن ذكر حال المكذبين وما يقال لهم، فمن شأن السامع أن يتساءل عن حال أضدادهم وهم الفريق الذين صدقوا الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به القرآن وخاصة إذ كان السامعون المؤمنين وعادة القرآن تعقيب الإِنذار بالتبشير وعكسه، والجملة معترضة بين ما قبلها وجملة {أية : أم يقولون شاعر}تفسير : [الطور: 30]. وتأكيد الخبر بــــ (إن) للاهتمام به وتنكير {جنات ونعيم} لتعظيم، أي في أيَّة جنات وأيّ نعيم. وجمع {جنات} تقدم في سورة الذاريات. والفاكه: وصف من فكِه كفرح، إذا طابت نفسه وسرّ. وقرأ الجمهور {فاكهين} بصيغة اسم الفاعل، وقرأه أبو جعفر {فكهين} بدون ألف. والباء في {بما آتاهم ربهم} للسببية، والمعنى: أن ربهم أرضاهم بما يحبون. واستحضار الجلالة بوصف {ربهم} للإِشارة إلى عظيم ما آتاهم إذ العطاء يناسب حال المعطي، وفي إضافة (رب) إلى ضميرهم تقريب لهم وتعظيم وجملة {ووقاهم ربهم عذاب الجحيم} في موضع الحال، والواو حالية، أو عاطفة على {فاكهين} الذي هو حال، والتقدير: وقد وقاهم ربهم عذاب الجحيم، وهو حال من المتقين. والمقصود من ذكر هذه الحالة: إظهار التباين بين حال المتقين وحال المكذبين زيادة في الامتنان فإن النعمة تزداد حسن وقع في النفس عند ملاحظة ضدها. وفيه أيضاً أن وقايتهم عذاب الجحيم عدل، لأنهم لم يقترفوا ما يوجب العقاب. وأما ما أعطوه من النعيم فذلك فضل من الله وإكرام منه لهم. وفي قوله: {ربهم} ما تقدم قُبَيْله. وجملة {كلوا واشربوا} إلى آخرها مقول قول محذوف في موضع الحال أيضاً، تقديره: يقال لهم، أو مقولاً لهم. وهذا القول مقابل ما يقال للمكذبين {أية : اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون}تفسير : [الطور: 16]. وحذف مفعول {كلوا واشربوا} لإِفادة النعيم، أي كلوا كل ما يؤكل واشربوا كلّ ما يشرب، وهو عموم عرفي، أي مما تشتهون. و{هنيئاً} اسم على وزن فعيل بمعنى مفعول وقع وصفاً لمصدرين لفعلي {كلوا واشربوا}، أكلاً وشرباً، فلذلك لم يؤنث الوصف لأن فعيلاً إذا كان بمعنى مفعول يلزم الإِفراد والتذكير. وتقدم في سورة النساء لأنه سالم مما يكدر الطعام والشراب. و(ما) موصولة، والباء سببية، أي بسبب العمل الذي كنتم تعملونه وهو العمل الصالح الذي يومىء إليه قوله: {المتقين} وفي هذا القول زيادة كرامة لهم بإظهار أن ما أوتوه من الكرامة عوض عن أعمالهم كما آذنت به باء السببية وهو نحو قول من يسدي نعمة إلى المنعم عليه: لا فضل لي عليك وإنما هو مالك، أو نحو ذلك.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إن المتقين: أي الذين اتقوا ربهم فعبدوه وحده بما شرع لهم فأدوا الفرائض واجتنبوا النواهي. فاكهين: أي متلذذين بأكل الفواكه الكثيرة التي آتاهم ربهم. ووقاهم عذاب الجحيم: أي وحفظهم من عذاب الجحيم عذاب النار. على سرر مصفوفة: أي بعضها إلى جنب بعض. وزوجناهم بحور عين: أي قرناهم بنساء عظام الأعين حِسانها. معنى الآيات: لما ذكر تعالى حال أهل النار ذَكر حال أهل الجنة وهذا أسلوب الترغيب والترهيب الذي أمتاز به القرآن الكريم فقال تعالى مخبراً عن حال أهل الجنة: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ} أي الذين اتقوا في الدنيا الشرك والمعاصي {فِي جَنَّاتٍ} أي بساتين ونعيم مقيم يحوى كل ما لذّ وطاب مما تشتهيه الأنفس وتلذه الأعين. فاكهين بما آتاهم ربُّهم أي متلذذين بأكل الفواكه الكثيرة الموصوفة بقول الله تعالى: لا معطوعة ولا ممنوعة. {وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ} أي حفظهم من عذاب النار. ويقال لهم: {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي بسبب ما كُنتم تعملونه من أعمال البر والإِصلاح بعد الفرائض واجتناب الشرك والمعاصي. وقوله {مُتَّكِئِينَ} أي حال كونهم وهم في نعيمهم متكئين على سرر مصفوفة قد صُف بعضها إلى جنب بعض. وقوله تعالى {وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} أي قرناهم بزوجات من الحور العين والحور جمع حوراء وهي التي يغلب بياض عينها على سوادها والْعِين جمع عَينْاء وهي الواسعة العينين. جعلنا الله ممن يُزوجّون بهن إنه كريم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- فضل التقوى وكرامة أهلها. 2- بيان منة الله وفضله على أهل الإِيمان والتقوى وهم أولياء الله تعالى. 3- مشروعية الدعاء بكلمة هنيئا لمن أكل أو شرب ائتساء بأهل الجنة. 4- الإِيمان والأعمال الصالحة سبب في دخول الجنة وليست ثمنا لها لأن الجنة أغلى من عمل الإنسان، وإنما العمل الصالح يزكى النفس فيؤهل صاحبها لدخول الجنة فالباء في قوله {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} سببية وليست للعوض كما في قولك بعتك الدار بألف مثلا.

القطان

تفسير : فاكهين: نفوسُهم طيبة متمتعين بما أعطاهم الله من نعيم الجنة. وقاهم: حفظهم. وزوّجناهم بحورٍ عين: الحور: نساء الجنة. وما ألَتناهم من عملهم: ما أنقصناهم. رهين: مرهون بعمله عند الله. يتنازعون: يتعاطَون ويتجاذبون. لا لغو فيها ولا تأثيم: ان خمر الجنة لا تذهبُ بعقل الشارب، فيلغو ويأثمُ في كلامه. غلمان: مماليك مختصون بهم. مكنون: مصون. مشفِقين: خائفين. السّموم: النار. البر: الواسع الاحسان. بعد ان بيّن ما يصيب الكافرين الكذّابين من العذاب، ذكَر هنا بالمقابل ما أعدّ الله للمؤمنين وما يتمتعون به في جنّات النعيم من مختلِفِ أنواع الملذّات في المسكَن والمأكل والأزواج هم وذريّاتهم الطيبة، لا ينقُصُهم شيئاً من ثواب أعمالهم، وكل انسان يعطى على قدْر ما قدّم من عمل صالح. ويُنعم الله عليهم بأنواع الفاكهة واللّحم ومما يشتهون، ويجلسون على الأسرّة يتجاذبون أطراف الاحاديث، ويشربون من شراب الجنة {كَأْساً لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ} فيها شرابٌ لا يَعْبَث بالعقل، ولا يدع شاربها يتكلم باللغو او الباطل. ويقوم على خدمتهم غلمانٌ غاية في الحسن والجمال {كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ} من حيث الصفاء والبياض وحُسن الرونق. ثم يُقبل بعضهم على بعض يتساءلون ويتحدّثون في أخبار الدنيا وما مرّ عليهم، ويقولون: كنا في دار الدنيا خائفين من عذاب الآخرة، {فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ}، اذ تفضّل برحمته لنا، ووقانا عذاب النار. {إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ ٱلرَّحِيمُ} انا كنّا نعبده في الدنيا، ونسأله ان يمنَّ علينا بالمغفرة والرحمة، فاستجابَ لنا وأعطانا مآلنا، انه هو المُحسِن الواسعُ الرحمة والفضل. قراءات: قرأ ابو عمرو: واتبعناهم ذرياتهم بجمع ذريات. وقرأ ابن عامر ويعقوب: واتبعتهم ذرياتهم بالجمع. والباقون: واتبعتهم ذريتهم بالإفراد وكلمة ذرية تقع على الواحد والجمع.

د. أسعد حومد

تفسير : {جَنَّاتٍ} (17) - بَعْدَ أَنْ بيَّنَ اللهُ تَعَالى حَالَ الكَفَرةِ الأَشْقِياءِ في الآخِرةِ ثَنَّى بِبَيَانِ حَالِ المُؤْمِنينَ السُّعَداءِ فَأَخْبرَ أَنَّ المُتَّقِينَ الذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَخَافُوهُ، وَأَخْلَصُوا العِبَادَةَ لَهُ، يَجْزِيهِمْ رَبُّهمْ، عَلَى إِيمَانِهِمْ وَأَعْمالِهِم الصَّالحةِ، بِإِدْخَالِهمْ جَنَّاتٍ يَنْعَمُونَ فِيها، لاَ يَحُولُونَ عَنْها ولا يَزُولُونَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ذِكْر المتقابلات سمة من سمات الأسلوب القرآني، ومظهر من مظاهر عظمته، فكما قلنا: الضد يظهر حُسْنه الضد، لذلك كثيراً ما نقرأ هذه المتقابلات كما في قوله سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ}تفسير : [الانفطار: 13-14]. وهنا بعد أنْ تكلَّم عن الكافرين وجزائهم في جهنم والعياذ بالله يُحدِّثنا سبحانه عن المتقين وما ينتظرهم من النعيم. فساعة نقرأ هذه الآيات ونستحضر الصورتين المتقابلتين يقول المؤمن: الحمد لله أن إيماني أنقذني من هذا المصير المخزي. ويقول الكافر: يا حسرتي لقد أبعدني الكفر وحرمني هذا النعيم. فالمقابلة تُفرح المؤمن وتُحزن الكافر، تُعِز المؤمن وتُذل الكافر، لذلك قال تعالى: {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ..}تفسير : [آل عمران: 185]. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ ..} [الطور: 17] معنى التقوى أنْ تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية، وقلنا: إن الحق سبحانه قال: {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ..}تفسير : [البقرة: 278] وقال: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ..}تفسير : [البقرة: 24] والمعنى واحد هو أنْ تجعلَ بينك وبين صفات الجلال لله وقاية، وحين تقي نفسك من النار فإنك تقي نفسك من الله، لأنها جُند من جنود الله. وتلاحظ هنا {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ} [الطور: 17] (المتقين) جمع و(جنات) جمع. وهذا يعني أن لكلِّ مُتَّق جنة خاصة به، كما لو قلنا للتلاميذ: أخرجوا كتبكم. أي: ليُخرج كلُّ واحد منكم كتابه، فمقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحاداً. لذلك قلنا في آية الرحمن: {أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}تفسير : [الرحمن: 46] فكيف نجمع بينهما؟ قالوا: جنتان، لأن الحديث هنا عن الإنس والجن الثقلان {أية : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ}تفسير : [الرحمن: 31]. فالمراد: مَنْ خاف مقام ربه من الجن له جنة، ومن خاف مقام ربه من الإنس له جنة. وحرف الجر {فِي جَنَّاتٍ ..} [الطور: 17] يعني: أن الجنات ظرف والمتقين مظروف، الجنة محيطة بالمتقي، ثم قال: {وَنَعِيمٍ} [الطور: 17] لأن مَنْ في الجنة ليس بالضرورة أنْ يكون في نعيم. كما نرى مثلاً الباشا يجلس في حديقة منزله، وفيها الأشجار والزهور والثمار، وعنده العامل يقصف الأشجار يُقلِّمها ويرويها، فالحديقة نعيم فقط لصحابها، لكنها لستْ نعيماً لمَنْ يعمل فيها. أما هؤلاء المتقون فهم في جنات وفي نعيم، فهم يتنعَّمون فيها، لذلك أكّد الحق سبحانه هذا المعنى، فقال بعدها: {فَاكِهِينَ بِمَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ..} [الطور: 18] أي: فاكهين بما هم فيه من النعيم، وفاكهين يعني: فرحين. هذه إضافة أخرى لأن الإنسان قد يكون في جنة وفي نعيم لكنه غير فرح بما هو فيه. وهذه المسألة رأيناها مثلاً في مصر بعد الثورة، حيث رأينا الباشا فلان عنده الحدائق والبساتين وفيها ألوان الفاكهة والثمار ويأكل منها، لكنه غير فرح بها ويُنغِّصها عليه خوفُ التأميم، لأنهم كانوا يأخذون الأرض منهم ويُؤممونها للدولة، فهو في جنة، وفي نعيم، لكنه غير فاكه بها. ومعنى {بِمَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ..} [الطور: 18] أي: بالمسبِّب لا بالأسباب. فالمتقون في جنات وفي نعيم وهم فرحون به فاكهون بما آتاهم ربهم، وفوق ذلك وقبله: {وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ} [الطور: 18] وهذا من تمام النعمة، فيمكن بعد أنْ يدخل الجنة يخاف أنْ يخرج منها النار. فيقول له: لا لأن الذي يدخلها يبقى فيها لا يخرج منها، أو وقاهم عذاب الجحيم بداية قبل أنْ يدخلوا الجنة كما قال سبحانه: {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ..}تفسير : [آل عمران: 185]. وقوله تعالى: {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطور: 19] وفي آية آخرى قال تعالى: {أية : فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً}تفسير : [النساء: 4] أي: في الجنة كلوا منها واشربوا هنيئاً مريئاً. فالهنيء هو الطعام أو الشراب تتناوله فتجد له طعماً ولذة تمتعك لحظة تأكل أو تشرب، لكن ربما أحسسْتَ بعدها بآثار غير مرغوب فيها، كأنَّ بعده حموضة في المعدة مثلاً أو غازات وانتفاخات وغير ذلك. فهو إذن هنيء لكن ليس مريئاً، فالله يصف طعام الجنة وشرابها بأنه هنيء ومريء. يعني: يمري عليك ولا تجد له آثاراً ضارة. وإنْ كان طعام الجنة وشرابها ليس فيه شيء من هذا لأن الإنسان هناك لا يأكل عن جوع، بل يأكل تفكُّهاً، وحتى لو لم يأكل لا فرق. ثم يذكر سبحانه ألواناً أخرى من ألوان النعيم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر تعالى عقوبة المكذبين، ذكر نعيم المتقين، ليجمع بين الترغيب والترهيب، فتكون القلوب بين الخوف والرجاء، فقال: { إِنَّ الْمُتَّقِينَ } لربهم، الذين اتقوا سخطه وعذابه، بفعل أسبابه من امتثال الأوامر واجتناب النواهي. { فِي جَنَّاتِ } أي: بساتين، قد اكتست رياضها من الأشجار الملتفة، والأنهار المتدفقة، والقصور المحدقة، والمنازل المزخرفة، { وَنَعِيمٍ } [وهذا] شامل لنعيم القلب والروح والبدن، { فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ } أي: معجبين به، متمتعين على وجه الفرح والسرور بما أعطاهم الله من النعيم الذي لا يمكن وصفه، ولا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين، ووقاهم عذاب الجحيم، فرزقهم المحبوب، ونجاهم من المرهوب، لما فعلوا ما أحبه الله، وجانبوا ما يسخطه ويأباه. { كُلُوا وَاشْرَبُوا } أي: مما تشتهيه أنفسكم، من [أصناف] المآكل والمشارب اللذيذة، { هَنِيئًا } أي: متهنئين بتلك المآكل والمشارب على وجه الفرح والسرور والبهجة والحبور. { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } أي: نلتم ما نلتم بسبب أعمالكم الحسنة، وأقوالكم المستحسنة. { مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ } الاتكاء: هو الجلوس على وجه التمكن والراحة والاستقرار، والسرر: هي الأرائك المزينة بأنواع الزينة من اللباس الفاخر والفرش الزاهية. ووصف الله السرر بأنها مصفوفة، ليدل ذلك على كثرتها، وحسن تنظيمها، واجتماع أهلها وسرورهم، بحسن معاشرتهم، ولطف كلام بعضهم لبعض فلما اجتمع لهم من نعيم القلب والروح والبدن ما لا يخطر بالبال، ولا يدور في الخيال، من المآكل والمشارب [اللذيذة]، والمجالس الحسنة الأنيقة، لم يبق إلا التمتع بالنساء اللاتي لا يتم سرور بدونهن فذكر الله أن لهم من الأزواج أكمل النساء أوصافا وخلقا وأخلاقا، ولهذا قال: { وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ } وهن النساء اللواتي قد جمعن من جمال الصورة الظاهرة وبهاءها، ومن الأخلاق الفاضلة، ما يوجب أن يحيرن بحسنهن الناظرين، ويسلبن عقول العالمين، وتكاد الأفئدة أن تطيش شوقا إليهن، ورغبة في وصالهن، والعين: حسان الأعين مليحاتها، التي صفا بياضها وسوادها.