٥٢ - ٱلطُّور
52 - At-Tour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
21
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرّيَّتُهُم بِإِيمَـٰنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ } وفيه لطائف الأولى: أن شفقة الأبوة كما هي في الدنيا متوفرة كذلك في الآخرة، ولهذا طيب الله تعالى قلوب عباده بأنه لا يولههم بأولادهم بل يجمع بينهم، فإن قيل قد ذكرت في تفسير بعض الآيات أن الله تعالى يسلي الآباء عن الأبناء وبالعكس، ولا يتذكر الأب الذي هو من أهل الجنة الابن الذي هو من أهل النار، نقول الولد الصغير وجد في والده الأبوة الحسنة ولم يوجد لها معارض ولهذا ألحق الله الولد بالوالد في الإسلام في دار الدنيا عند الصغر وإذا كبر استقل، فإن كفر ينسب إلى غير أبيه، وذلك لأن الإسلام للمسلمين كالأب ولهذا قال تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } تفسير : [الحجرات: 10] جمع أخ بمعنى أخوة الولادة والإخوان جمعه بمعنى أخوة الصداقة والمحبة فإذن الكفر من حيث الحس والعرف أب، فإن خالف دينه دين أبيه صار له من حيث الشرع أب آخر، وفيه أرشاد الآباء إلى أن لا يشغلهم شيء عن الشفقة على الولد فيكون من القبيح الفاحش أن يشتغل الإنسان بالتفرج في البستان مع الأحبة الإخوان وعن تحصيل قوت الولدان، وكيف لا يشتغل أهل الجنة بما في الجنة من الحور العين عن أولادهم حتى ذكروهم فأراح الله قلوبهم بقوله {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذرياتهم } وإذا كان كذلك فما ظنك بالفاسق الذي يبذر ماله في الحرام ويترك أولاده يتكففون وجوه اللئام والكرام، نعوذ بالله منه وهذا يدل على أن من يورث أولاده مالاً حلالاً يكتب له به صدقة، ولهذا لم يجوز للمريض التصرف في أكثر من الثلث. اللطيفة الثانية: قوله تعالى: {وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرّيَّتُهُم } فهذا ينبغي أن يكون دليلاً على أنا في الآخرة نلحق بهم لأن في دار الدنيا مراعاة الأسباب أكثر. ولهذا لم يجر الله عادته على أن يقدم بين يدي الإنسان طعاماً من السماء، فما يتسبب له بالزراعة والطحن والعجن لا يأكله، وفي الآخرة يؤتيه ذلك من غير سعي جزاء له على ما سعى له من قبل فينبغي أن يجعل ذلك دليلاً ظاهراً على أن الله تعالى يلحق به ولده وإن لم يعمل عملاً صالحاً كما أتبعه، وإن لم يشهد ولم يعتقد شيئاً. اللطيفة الثالثة: في قوله تعالى: {بِإِيمَـٰنٍ } فإن الله تعالى أتبع الولد الوالدين في الإيمان ولم يتبعه أباه في الكفر بدليل أن من أسلم من الكفار حكم بإسلام أولاده، ومن ارتد من المسلمين والعياذ بالله لا يحكم بكفر ولده. اللطيفة الرابعة: قال في الدنيا {اتبعناهم} وقال في الآخرة {أَلْحَقْنَا بِهِمْ } وذلك لأن في الدنيا لا يدرك الصغير التبع مساوات المتبوع، وإنما يكون هو تبعاً والأب أصلاً لفضل الساعي على غير الساعي، وأما في الآخرة فإذا ألحق الله بفضله ولده به جعل له من الدرجة مثل ما لأبيه. اللطيفة الخامسة: في قوله تعالى: {وَمَا أَلَتْنَـٰهُمْ } تطييب لقلبهم وإزالة وهم المتوهم أن ثواب عمل الأب يوزع على الوالد والولد بل للوالد أجر عمله بفضل السعي ولأولاده مثل ذلك فضلاً من الله ورحمة. اللطيفة السادسة: في قوله تعالى: {مّنْ عَمَلِهِم } ولم يقل من أجرهم، وذلك لأن قوله تعالى: {وَمَا أَلَتْنَـٰهُمْ مّنْ عَمَلِهِم } دليل على بقاء عملهم كما كان والأجر على العمل مع الزيادة فيكون فيه الإشارة إلى بقاء العمل الذي له الأجر الكبير الزائد عليه العظيم العائد إليه، ولو قال: ما ألتناهم من أجرهم، لكان ذلك حاصلاً بأدنى شيء لأن كل ما يعطي الله عبده على عمله فهو أجر كامل ولأنه لو قال تعالى ما ألتناهم من أجرهم، كان مع ذلك يحتمل أن يقال إن الله تعالى تفضل عليه بالأجر الكامل على العمل الناقص، وأعطاه الأجر الجزيل، مع أن عمله كان له ولولده جميعاً، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } عطف على ماذا؟ نقول على قوله {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ } تفسير : [الطور: 17]. المسألة الثانية: إذا كان كذلك فلم أعاد لفظ {ٱلَّذِينَ آمنواْ } وكان المقصود يحصل بقوله تعالى: {وألحقنا بهم ذرياتهم} بعد قوله {أية : وَزَوَّجْنَـٰهُم } تفسير : [الطور: 20] وكان يصير التقدير وزوجناهم وألحقنا بهم؟ نقول فيه فائدة وهو أن المتقين هم الذين اتقوا الشرك والمعصية وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقال ههنا {ٱلَّذِينَ آمنواْ } أي بوجود الإيمان يصير ولده من أهل الجنة، ثم إن ارتكب الأب كبيرة أو صغيرة على صغيرة لا يعاقب به ولده بل الوالد وربما يدخل الجنة الابن قبل الأب، وفيه لطيفة معنوية، وهو أنه ورد في الأخبار أن الولد الصغير يشفع لأبيه وذلك إشارة إلى الجزاء. المسألة الثالثة: هل يجوز غير ذلك؟ نقول نعم يجوز أن يكون قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } عطفاً على {أية : بِحُورٍ عِينٍ } تفسير : [الطور: 20] تقديره: زوجناهم بحور عين، أي قرناهم بهن، وبالذين آمنوا، إشارة إلى قوله تعالى: {أية : إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ } تفسير : [الحجر: 47] أي جمعنا شملهم بالأزواج والإخوان والأولاد بقوله تعالى: {وَأَتْبَعْنَـٰهُم } وهذا الوجه ذكره الزمخشري والأول أحسن وأصح، فإن قيل كيف يصح على هذا الوجه الإخبار بلفظ الماضي مع أنه سبحانه وتعالى بعد ما قرن بينهم؟ قلنا صح في وزوجناهم على ما ذكر الله تعالى من تزويجهن منا من يوم خلقهن وإن تأخر زمان الاقتران. المسألة الرابعة: قرىء {ذرياتهم} في الموضعين بالجمع وذريتهم فيهما بالفرد، وقرىء في الأول {ذرياتهم} وفي الثانية {ذُرّيَّتُهُم } فهل للثالث وجه؟ نقول نعم معنوي لا لفظي وذلك لأن المؤمن تتبعه ذرياته في الإيمان، وإن لم توجد على معنى أنه لو وجد له ألف ولد لكانوا أتباعه في الإيمان حكماً، وأما الإلحاق فلا يكون حكماً إنما هو حقيقة وذلك في الموجود فالتابع أكثر من الملحوق فجمع في الأول وأفرد الثاني. المسألة الخامسة: ما الفائدة في تنكير الإيمان في قوله {وأتبعنـاهم ذُرياتهم بِإيمـان }؟ نقول هو إما التخصيص أو التنكير كأنه يقول: أتبعناهم ذرياتهم بإيمان مخلص كامل أو يقول أتبعناهم بإيمان ما أي شيء منه فإن الإيمان كاملاً لا يوجد في الولد بدليل أن من له ولد صغير حكم بإيمانه فإذا بلغ وصرّح بالكفر وأنكر التبعية قيل بأنه لا يكون مرتداً وتبين بقول إنه لم يتبع وقيل بأنه يكون مرتداً لأنه كفر بعد ما حكم بإيمانه كالمسلم الأصلي فإذن بهذا الخلاف تبين أن إيمانه يقوى وهذان الوجهان ذكرهما الزمخشري، ويحتمل أن يكون المراد غير هذا وهو أن يكون التنوين للعوض عن المضاف إليه كما في قوله تعالى: {أية : بَعْضَهُم بِبَعْضٍ } تفسير : [البقرة: 251] وقوله تعالى: {أية : وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ } تفسير : [النساء: 95] وبيانه هو أن التقدير أتبعناهم ذرياتهم بإيمان أي بسبب إيمانهم لأن الاتباع ليس بإيمان كيف كان وممن كان، وإنما هو إيمان الآباء لكن الإضافة تنبىء عن تقييد وعدم كون الإيمان إيماناً على الإطلاق، فإن قول القائل ماء الشجر وماء الرمان يصح وإطلاق اسم الماء من غير إضافة لا يصح فقوله {بِإِيمَـٰنٍ } يوهم أنه إيمان مضاف إليهم، كما قال تعالى: {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } تفسير : [غافر: 85] حيث أثبت الإيمان المضاف ولم يكن إيماناً، فقطع الإضافة مع إرادتها ليعلم أنه إيمان صحيح وعوض التنوين ليعلم أنه لا يوجب الأمان في الدنيا إلا إيمان الآباء وهذا وجه حسن. ثم قال تعالى: {كُلُّ ٱمْرِىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ } قال الواحدي: هذا عود إلى ذكر أهل النار فإنهم مرتهنون في النار، وأما المؤمن فلا يكون مرتهناً قال تعالى: {أية : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلاَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْيَمِينِ } تفسير : [المدثر: 38، 39] وهو قول مجاهد وقال الزمخشري {كُلُّ ٱمْرِىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ } عام في كل أحد مرهون عند الله بالكسب فإن كسب خيراً فك رقبته وإلا أربق بالرهن والذي يظهر منه أنه عام في حق كل أحد، وفي الآية وجه آخر وهو أن يكون الرهين فعيلاً بمعنى الفاعل، فيكون المعنى، والله أعلم كل امرىء بما كسب راهن أي دائم، إن أحسن ففي الجنة مؤبداً، وإن أساء ففي النار مخلداً، وقد ذكرنا أن في الدنيا دوام الأعمال بدوام الأعيان فإن العرض لا يبقى إلا في جوهر ولا يوجد إلا فيه، وفي الآخرة دوام الأعيان بدوام الأعمال فإن الله يبقي أعمالهم لكونها عند الله تعالى من الباقيات الصالحات وما عند الله باق والباقي يبقى مع عامله.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم} قرأ العامة {وَٱتَّبَعَتْهُمْ} بوصل الألف وتشديد التاء وفتح العين وإسكان التاء. وقرأ أبو عمرو «وَأَتْبَعْنَاهُمْ» بقطع الألف وإسكان التاء والعين ونون؛ ٱعتباراً بقوله: «أَلْحَقْنَا بِهِمْ»؛ ليكون الكلام على نسق واحد. فأما قوله: {ذُرِّيَّتُهُم} الأولى فقرأها بالجمع ٱبن عامر وأبو عمرو ويعقوب ورواها عن نافع إلا أن أبا عمرو كسر التاء على المفعول وضم باقيهم. وقرأ الباقون «ذُرِّيَّتُهُم» على التوحيد وضم التاء وهو المشهور عن نافع. فأما الثانية فقرأها نافع وٱبن عامر وأبو عمرو ويعقوب بكسر التاء على الجمع. الباقون «ذُرِّيَّتَهُمْ» على التوحيد وفتح التاء. وٱختلف في معناه؛ فقيل عن ٱبن عباس أربع روايات: الأولى أنه قال: إن الله ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته في الجنة وإن كانوا دونه في العمل لتقَرَّ بهم عينه، وتلا هذه الآية. ورواه مرفوعاً النحاس في «الناسخ والمنسوخ» له عن سعيد بن جبير عن ٱبن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عز وجل ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته في الجنة وإن كان لم يبلغها بعمله لتقرَّ بهم عينه» ثم قرأ {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْوَأَتْبَعْنَـٰهُم ذُرِّيَّاتِهِم بِإِيمَـٰنٍ} الآية. قال أبو جعفر: فصار الحديث مرفوعاً عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وكذا يجب أن يكون؛ لأن ٱبن عباس لا يقول هذا إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه إخبار عن الله عز وجل بما يفعله وبمعنى أنه أنزلها جل ثناؤه. الزمخشري: فيجمع الله لهم أنواع السرور بسعادتهم في أنفسهم، وبمزاوجة الحور العين، وبمؤانسة الإخوان المؤمنين، وبٱجتماعِ أولادهم ونسلهم بهم. وعن ٱبن عباس أيضاً أنه قال: إن الله ليلحِق بالمؤمن ذرّيته الصّغار الذين لم يبلغوا الإيمان؛ قاله المهدوي. والذرية تقع على الصغار والكبار، فإن جعلت الذرية ها هنا للصغار كان قوله تعالى: «بِإِيمَانٍ» في موضع الحال من المفعولين، وكان التقدير «بِإِيمَانٍ» من الآباء. وإن جعلت الذرية للكبار كان قوله: «بِإِيمَانٍ» حالاً من الفاعلين. القول الثالث عن ٱبن عباس: أن المراد بالذين آمنوا المهاجرون والأنصار والذرية التابعون. وفي رواية عنه: إن كان الآباء أرفع درجة رفع الله الأبناء إلى الآباء، وإن كان الأبناء أرفع درجة رفع الله الآباء إلى الأبناء؛ فالآباء داخلون في ٱسم الذريّة؛ كقوله تعالى: {أية : وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ}تفسير : [يسۤ: 41]. وعن ٱبن عباس أيضاً يرفعه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا دخل أهل الجنة الجنة سأل أحدهم عن أبويه وعن زوجته وولده فيقال لهم إنهم لم يدركوا ما أدركت فيقول يا ربّ إني عملت لي ولهم فيؤمر بإلحاقهم به» حديث : وقالت خديجة رضي الله عنها: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ولدين لي ماتا في الجاهلية فقال لي: «هما في النار» فلما رأى الكراهية في وجهي قال: «لو رأيتِ مكانهما لأبغضتِهما» قالت: يا رسول الله فولدي منك؟ قال: «في الجنة» ثم قال «إن المؤمنين وأولادهم في الجنة والمشركين وأولادهم في النار» ثم قرأ: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ} تفسير : الآية. {وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ} أي ما نقصنا الأبناء من ثواب أعمالهم لقصر أعمارهم، وما نقصنا الآباء من ثواب أعمالهم شيئاً بإلحاق الذريات بهم. والهاء والميم راجعان إلى قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ}. وقال ٱبن زيد: المعنى {وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ} ألحقنا بالذّرية أبناءهم الصغار الذين لم يبلغوا العمل؛ فالهاء والميم على هذا القول للذرّية. وقرأ ٱبن كثير «وَمَا أَلِتْنَاهُمْ» بكسر اللام. وفتح الباقون. وعن أبي هريرة «آلَتْنَاهُمْ» بالمدّ؛ قال ٱبن الأعرابي: أَلَتَه يألِته أَلْتاً، وآلَته يُؤْلته إِيلاَتاً، ولاَتَه يَلِيته لَيْتاً كلها إذا نَقَصه. وفي الصحاح: ولاَتَه عن وجهه يَلُوته ويَليته أي حبسه عن وجهه وصرفه، وكذلك ألاَته عن وجهه فَعَل وأَفْعَل بمعنى، ويقال أيضاً: ما أَلاَته من عمله شيئاً أي ما نَقَصه مثل أَلَته وقد مضى بـ«ـالحجرات». {كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ} قيل: يرجع إلى أهل النار. قال ٱبن عباس: ٱرتهن أهل جهنم بأعمالهم وصار أهل الجنة إلى نعيمهم؛ ولهذا قال: {أية : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ. إِلاَّ أَصْحَابَ ٱلْيَمِينِ}تفسير : [المدثر: 38 - 39]. وقيل: هو عام لكل إنسان مُرْتَهن بعمله فلا ينقص أحد من ثواب عمله، فأما الزيادة على ثواب العمل فهي تفضل من الله. ويحتمل أن يكون هذا في الذرّية الذين لم يؤمنوا فلا يلحقون آباءهم المؤمنين بل يكونون مُرْتَهنين بكفرهم. قوله تعالى: {وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ} أي أكثرنا لهم من ذلك زيادة من الله، أمدّهم بها غير الذي كان لهم. قوله تعالى: {يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً} أي يتناولها بعضهم من بعض وهو المؤمن وزوجاته وخدمه في الجنة. والكأس: إناء الخمر وكل إناء مملوء من شراب وغيره؛ فإذا فرغ لم يسم كأساً. وشاهد التنازع والكأس في اللغة قول الأخطل:شعر : وشَارِب مُرْبِح بالكأس نَادَمَنِي لا بالْحَصُور ولا فيها بسَوَّارِ نَازَعْتُه طَيِّبَ الرَّاحِ الشَّمُولِ وَقَدْ صَاحَ الدَّجَاجُ وحَانَتْ وَقْعَةُ السَّارِي تفسير : وقال ٱمرؤ القيس:شعر : فَلَمَّا تَنَازَعْنَا الحديثَ وأَسْمَحَتْ هَصَرْتُ بغصنٍ ذِي شَمَارِيخَ مَيَّالِ تفسير : وقد مضى هذا في «والصافات». {لاَّ لَغْوٌ فِيهَا} أي في الكأس أي لا يجري بينهم لغو {وَلاَ تَأْثِيمٌ} ولا ما فيه إثم. والتأثيم تفعيل من الإثم؛ أي تلك الكأس لا تجعلهم آثمين لأنه مباح لهم. وقيل: «لاَ لَغْوٌ فِيهَا» أي في الجنة. قال ٱبن عطاء: أيُّ لغوٍ يكون في مجلس محلّه جنة عدن، وسقاتهم الملائكة، وشربهم على ذكر الله، وريحانهم وتحيتهم من عند الله، والقوم أضياف الله! {وَلاَ تَأْثِيمٌ} أي ولا كذب؛ قاله ٱبن عباس. الضحاك: يعني لا يكذب بعضهم بعضاً. وقرأ ٱبن كثير وٱبن محيصن وأبو عمرو: «لاَ لَغْوَ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمَ» بفتح آخره. الباقون بالرفع والتنوين. وقد مضى هذا في «البقرة» عند قوله تعالى: {أية : وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ} تفسير : [البقرة: 254] والحمد لله. قوله تعالى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ} أي بالفواكه والتُّحف والطعام والشراب؛ ودليله: {أية : يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ} تفسير : [الزخرف: 71]، {أية : يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ}تفسير : [الصافات: 45]. ثم قيل: هم الأطفال من أولادهم الذين سبقوهم، فأقرّ الله تعالى بهم أعينهم. وقيل: إنهم من أخدمهم الله تعالى إياهم من أولاد غيرهم. وقيل: هم غلمان خلقوا في الجنة. قال الكلبي: لا يكبرون أبداً {كَأَنَّهُمْ} في الحسن والبياض {لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ} في الصَّدَف، والمكنون المصون. وقوله تعالى: {أية : يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ}تفسير : . قيل: هم أولاد المشركين وهم خدم أهل الجنة. وليس في الجنة نَصَب ولا حاجة إلى خدمة، ولكنه أخبر بأنهم على نهاية النعيم. وعن عائشة رضي الله عنها: أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدمه فيجيبه ألفٌ كلّهم لبّيك لبّيك»تفسير : . وعن عبد الله بن عمر قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من أحد من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام كل غلام على عمل ليس عليه صاحبه»تفسير : . وعن الحسن أنهم قالوا: يا رسول الله إذا كان الخادم كاللؤلؤ فكيف يكون المخدوم؟ فقال: «حديث : ما بينهما كما بين القمر ليلة البدر وبين أصغر الكواكب»تفسير : . قال الكسائي: كننت الشيء سترته وصنته من الشمس، وأكننته في نفسي أسررته. وقال أبو زيد: كننته وأكننته بمعنًى في الْكِنّ وفي النفس جميعاً؛ تقول: كننت العلم وأكننته فهو مكنون ومُكَنّ. وكننت الجارية وأكننتها فهي مكنونة ومُكَنَّة.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن فضله وكرمه وامتنانه ولطفه بخلقه وإحسانه: أن المؤمنين إذا اتبعتهم ذرياتهم في الإيمان، يلحقهم بآبائهم في المنزلة، وإن لم يبلغوا عملهم؛ لتقر أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه؛ بأن يرفع الناقص العمل بكامل العمل، ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته؛ للتساوي بينه وبين ذاك، ولهذا قال: {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَـٰهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ} قال الثوري عن عمر بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إن الله ليرفع ذرية المؤمن في درجته، وإن كانوا دونه في العمل؛ لتقرّ بهم عينه، ثم قرأ: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَـٰنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَـٰهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ} ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري به، وكذا رواه ابن جرير من حديث شعبة عن عمرو بن مرة به، ورواه البزار عن سهل بن بحر عن الحسن بن حماد الوراق، عن قيس بن الربيع عن عمرو بن مرة عن سعيد عن ابن عباس مرفوعاً، فذكره، ثم قال: وقد رواه الثوري عن عمرو بن مرة عن سعيد عن ابن عباس موقوفاً، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا العباس بن الوليد بن مَزْيد البيروتي، أخبرني محمد بن شعيب، أخبرني شيبان، أخبرني ليث عن حبيب بن أبي ثابت الأسدي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قول الله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَـٰنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} قال: هم ذرية المؤمن يموتون على الإيمان، فإن كانت منازل آبائهم أرفع من منازلهم، ألحقوا بآبائهم، ولم ينقصوا من أعمالهم التي عملوها شيئاً. وقال الحافظ الطبراني: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن غزوان، حدثنا شريك عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، أظنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا دخل الرجل الجنة، سأل عن أبويه وزوجته وولده، فيقال: إنهم لم يبلغوا درجتك، فيقول: يا رب قد عملت لي ولهم، فيؤمر بإلحاقهم به» تفسير : وقرأ ابن عباس: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَـٰنٍ} الآية. وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية يقول: والذين أدرك ذريتهم الإيمان، فعملوا بطاعتي، ألحقتهم بإيمانهم إلى الجنة، وأولادهم الصغار تلحق بهم، وهذا راجع إلى التفسير الأول، فإن ذلك مفسر أصرح من هذا، وهكذا يقول الشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم وقتادة وأبو صالح والربيع بن أنس والضحاك وابن زيد، وهو اختيار ابن جرير. وقد قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل عن محمد ابن عثمان عن زاذان عن علي قال: سألت خديجة النبي صلى الله عليه وسلم عن ولدين ماتا لها في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هما في النار» تفسير : فلما رأى الكراهية في وجهها قال: «حديث : لو رأيت مكانهما لأبغضتهما» تفسير : قالت: يا رسول الله فولدي منك؟ قال: «حديث : في الجنة» تفسير : قال: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار» تفسير : ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَـٰنٍ} الآية، هذا فضله تعالى على الأبناء ببركة عمل الآباء، وأما فضله على الآباء ببركة دعاء الأبناء، فقد قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا رب أنى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك» تفسير : إسناده صحيح، ولم يخرجوه من هذا الوجه، ولكن له شاهد في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»تفسير : وقوله تعالى: {كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ} لما أخبر عن مقام الفضل، وهو رفع درجة الذرية إلى منزلة الآباء من غير عمل يقتضي ذلك، أخبر عن مقام العدل، وهو أنه لا يؤاخذ أحداً بذنب أحد، فقال تعالى: {كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ} أي: مرتهن بعمله، لا يحمل عليه ذنب غيره من الناس، سواء كان أباً أو ابناً؛ كما قال تعالى: {أية : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْيَمِينِ فِي جَنَّـٰتٍ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ} تفسير : [المدثر: 38 ــــ 41] وقوله: { وَأَمْدَدْنَـٰهُم بِفَـٰكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ} أي: وألحقناهم بفواكه ولحوم من أنواع شتى مما يستطاب ويشتهى. وقوله: {يَتَنَـٰزَعُونَ فِيهَا كَأْساً} أي: يتعاطون فيها كأساً، أي: من الخمر، قاله الضحاك {لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ} أي: لا يتكلمون فيها بكلام لاغ، أي: هذيان، ولا إثم أي: فحش كما يتكلم به الشربة من أهل الدنيا، قال ابن عباس: اللغو: الباطل، والتأثيم: الكذب، وقال مجاهد: لا يستبون ولا يؤثمون. وقال قتادة: كان ذلك في الدنيا مع الشيطان، فنزه الله خمر الآخرة عن قاذورات خمر الدنيا وأذاها؛ كما تقدم، فنفى عنها صداع الرأس، ووجع البطن، وإزالة العقل بالكلية، وأخبر أنها لا تحملهم على الكلام السيىء الفارغ عن الفائدة المتضمن هذياناً وفحشاً، وأخبر بحسن منظرها، وطيب طعمها، ومخبرها، فقال: {أية : بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّـٰرِبِينَ لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ } تفسير : [الصافات: 46 ــــ 47] وقال: {أية : لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ} تفسير : [الواقعة: 19] وقال ههنا: { أية : يَتَنَـٰزَعُونَ فِيهَا كَأْساً لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ} تفسير : [الطور: 23]. وقوله تعالى: { وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ} إخبار عن خدمهم وحشمهم في الجنة، كأنهم اللؤلؤ الرطب المكنون، في حسنهم وبهائهم ونظافتهم وحسن ملابسهم؛ كما قال تعالى: {أية : يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَٰنٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ } تفسير : [الواقعة: 17 ــــ 18] وقوله تعالى: { وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} أي: أقبلوا يتحادثون ويتساءلون عن أعمالهم وأحوالهم في الدنيا، وهذا كما يتحدث أهل الشراب على شرابهم إذا أخذ فيهم الشراب بما كان من أمرهم { قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ} أي: كنا في الدار الدنيا، ونحن بين أهلينا، خائفين من ربنا، مشفقين من عذابه وعقابه { فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَـٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ} أي: فتصدق علينا، وأجارنا مما نخاف {إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ} أي: نتضرع إليه، فاستجاب لنا، وأعطانا سؤالنا {إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ ٱلرَّحِيمُ}. وقد ورد في هذا المقام حديث رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده فقال: حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا سعيد بن دينار، حدثنا الربيع بن صبيح عن الحسن عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا دخل أهل الجنة الجنة، اشتاقوا إلى الإخوان، فيجيء سرير هذا حتى يحاذي سرير هذا، فيتحدثان، فيتكىء هذا ويتكىء هذا، فيتحدثان بما كان في الدنيا، فيقول أحدهما لصاحبه: يا فلان تدري أي يوم غفر الله لنا؟ يوم كنا في موضع كذا وكذا، فدعونا الله عز وجل، فغفر لنا» تفسير : ثم قال البزار: لا نعرفه يروى إلا بهذا الإسناد. قلت: وسعيد بن دينار الدمشقي؟ قال أبو حاتم: هو مجهول، وشيخه الربيع بن صبيح، وقد تكلم فيه غير واحد من جهة حفظه، وهو رجل صالح ثقة في نفسه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا وكيع عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عائشة: أنها قرأت هذه الآية: { فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَـٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ ٱلرَّحِيمُ } فقالت: اللهم مُنَّ علينا، وقنا عذاب السموم، إنك أنت البر الرحيم. قيل للأعمش: في الصلاة؟ قال: نعم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } مبتدأ {وَٱتَّبَعَتْهُمْ } معطوف على آمنوا ذُرِّيَّتُهُمْ} الصغار والكبار وفي قراءة (ذرياتهم)، { بِإِيمَٰنٍ } من الكبار ومن أولادهم الصغار. والخبر {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُم} المذكورين في الجنة، فيكونون في درجتهم وإن لم يعملوا بعملهم تكرمة للآباء باجتماع الأولاد إليهم {ْ وَمَا أَلَتْنَٰهُمْ } بفتح اللام وكسرها نقصناهم {مِّنْ عَمَلِهِم مِّن } زائدة {شَىْءٍ } يزاد في عمل الأولاد {كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ } من عمل خير أو شر {رَهَينٌ } مرهون يؤاخذ بالشر ويجازى بالخير.
الشوكاني
تفسير : لما فرغ سبحانه من ذكر أهل الجنة على العموم ذكر حال طائفة منهم على الخصوص، فقال: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرّيَّتُهُم بِإِيمَـٰنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ } والموصول مبتدأ، وخبره {أَلْحَقْنَا بِهِمْ } ويجوز أن يكون منصوباً بفعل مقدّر، أي: وأكرمنا الذين آمنوا، ويكون ألحقنا مفسراً لهذا الفعل المقدّر. قرأ الجمهور: {واتبعتهم} بإسناد الفعل إلى الذرّية. وقرأ أبو عمرو (أتبعناهم) بإسناد الفعل إلى المتكلم، كقوله: {ألحقنا}. وقرأ الجمهور: (ذرّيتهم) بالإفراد. وقرأ ابن عامر، وأبو عمرو، ويعقوب بالجمع، إلاّ أن أبا عمرو قرأ بالنصب على المفعولية لكونه قرأ (وأتبعناهم)، ورويت قراءة الجمع هذه عن نافع، والمشهور عنه كقراءة الجمهور. وقرأ الجمهور: {ألحقنا بهم ذرّيتهم} بالإفراد. وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو عمرو، ويعقوب على الجمع، وجملة: {وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرّيَّتُهُم } معطوف على {آمنوا} أو معترضة، و{بإيمان} متعلق بالاتباع، ومعنى هذه الآية: أن الله سبحانه يرفع ذرّية المؤمن إليه، وإن كانوا دونه في العمل؛ لتقر عينه، وتطيب نفسه بشرط أن يكونوا مؤمنين، فيختصّ ذلك بمن يتصف بالإيمان من الذرّية وهم البالغون دون الصغار، فإنهم وإن كانوا لاحقين بآبائهم، فبدليل آخر غير هذه الآية. وقيل: إن الذرّية تطلق على الكبار والصغار، كما هو المعنى اللغوي، فيلحق بالآباء المؤمنين صغار ذرّيتهم وكبارهم، ويكون قوله: {بِإِيمَـٰنٍ } في محل نصب على الحال، أي: بإيمان من الآباء. وقيل: إن الضمير في {بِهِمُ } راجع إلى الذرّية المذكورة أوّلاً، أي: ألحقنا بالذرّية المتبعة لآبائهم بإيمان ذرّيتهم. وقيل: المراد بالذين آمنوا: المهاجرون والأنصار فقط، وظاهر الآية العموم، ولا يوجب تخصيصها بالمهاجرين والأنصار كونهم السبب في نزولها إن صحّ ذلك، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب {وَمَا أَلَتْنَـٰهُمْ مّنْ عَمَلِهِم مّن شَىْء } قرأ الجمهور بفتح اللام من: "ألتنا" وقرأ ابن كثير بكسرها، أي: وما نقصنا الآباء بإلحاق ذرّيتهم بهم من ثواب أعمالهم شيئًا، فضمير المفعول عائد إلى الذين آمنوا. وقيل: المعنى: وما نقصنا الذرية من أعمالهم شيئًا لقصر أعمارهم، والأول أولى، وقد قدمنا تحقيق معنى لاته، وألاته في سورة الحجرات. وقرأ ابن هرمز (آلتناهم) بالمدّ، وهو لغة. قال في الصحاح: يقال: ما آلته من عمله شيئًا،أي: ما نقصه {كُلُّ ٱمْرِىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ } رهين بمعنى مرهون، والظاهر أنه عامّ، وأن كل إنسان مرتهن بعمله، فإن قام به على الوجه الذي أمره الله به فكه، وإلاّ أهلكه. وقيل: هو بمعنى راهن، والمعنى: كلّ امرىء بما كسب دائم ثابت. وقيل: هذا خاصّ بالكفار لقوله: {أية : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلاَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْيَمِينِ }تفسير : [المدثر: 38، 39]. ثم ذكر سبحانه ما أمدّهم به من الخير، فقال: {وَأَمْدَدْنَـٰهُم بِفَـٰكِهَةٍ وَلَحْمٍ مّمَّا يَشْتَهُونَ } أي: زدناهم على ما كان لهم من النعيم بفاكهة متنوّعة، ولحم من أنواع اللحمان مما تشتهيه أنفسهم، ويستطيبونه {يَتَنَـٰزَعُونَ فِيهَا كَأْساً } أي: يتعاطون ويتناولون كأساً، والكأس: إناء الخمر، ويطلق على كل إناء مملوء من خمر، أو غيره، فإذا فرغ لم يسم كأساً {لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ } قال الزجاج: لا يجري بينهم ما يلغي، ولا ما فيه إثم، كما يجري بين من يشرب الخمر في الدنيا، والتأثيم تفعيل من الإثم، والضمير في: {فِيهَا } راجع إلى الكأس، وقيل: لا لغو فيها، أي: في الجنة، ولا يجري فيها ما فيه إثم، والأوّل أولى. قال ابن قتيبة: لا تذهب بعقولهم فيلغوا، كما يكون من خمر الدنيا، ولا يكون منهم ما يؤثمهم. وقال الضحاك: لا تأثيم أي: لا كذب. قرأ الجمهور: {لا لغو فيها ولا تأثيم} بالرفع، والتنوين فيهما. وقرأ ابن كثير، وابن محيصن بفتحهما من غير تنوين. قال قتادة: اللغو: الباطل. وقال مقاتل بن حيان: لا فضول فيها. وقال سعيد بن المسيب: لا رفث فيها. وقال ابن زيد: لا سباب ولا تخاصم فيها. والجملة في محل نصب على الحال صفة لـ {كأساً} {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ } أي: يطوف عليهم بالكأس، والفواكه، والطعام، وغير ذلك مماليك لهم، وقيل: أولادهم {كَأَنَّهُمْ } في الحسن والبهاء {لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ } أي: مستور مصون في الصدف لم تمسه الأيدي. قال الكسائي: كننت الشيء: سترته وصنته من الشمس، وأكننته: جعلته في الكنّ، ومنه كننت الجارية، وأكننتها فهي مكنونة. {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ } أي: يسأل بعضهم بعضاً في الجنة عن حاله، وما كان فيه من تعب الدنيا وخوف العاقبة، فيحمدون الله الذي أذهب عنهم الحزن والخوف والهمّ، وما كانوا فيه من الكد، والنكد بطلب المعاش، وتحصيل ما لا بدّ منه من الرّزق. وقيل: يقول بعضهم لبعض: بم صرتم في هذه المنزلة الرفيعة؟ وقيل: إن التساؤل بينهم عند البعث من القبور. والأوّل أولى، لدلالة السياق على أنهم قد صاروا في الجنة، وجملة {قَالُواْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِى أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ } مستأنفة جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل: ماذا قال بعضهم لبعض عند التساؤل؟ فقيل: قالوا: إنا كنا قبل، أي: قبل الآخرة، وذلك في الدنيا في أهلنا خائفين وجلين من عذاب الله، أو كنا خائفين من عصيان الله. {فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا } بالمغفرة والرحمة، أو بالتوفيق لطاعته {وَوَقَـٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ } يعني: عذاب جهنم، والسموم من أسماء جهنم، كذا قال الحسن، ومقاتل. وقال الكلبي، وأبو عبيدة: هو عذاب النار. وقال الزجاج: سموم جهنم: ما يوجد من حرّها. قال أبو عبيدة: السموم بالنهار، وقد يكون بالليل، والحرور بالليل، وقد يكون بالنهار، وقد يستعمل السموم في لفح البرد، وفي لفح الشمس، والحرّ أكثر، ومنه قول الشاعر:شعر : اليوم يوم بارد سمومه من جزع اليوم فلا ألومه تفسير : وقيل: سميت الريح سموماً؛ لأنها تدخل المسام: {إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ } أي: نوحد الله ونعبده، أو نسأله أن يمنّ علينا بالمغفرة والرّحمة {إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ ٱلرَّحِيمُ } قرأ الجمهور بكسر الهمزة على الاستئناف، وقرأ نافع، والكسائي بفتحها، أي: لأنه. والبرّ: كثير الإحسان، وقيل: اللطيف، والرحيم: كثير الرحمة لعباده {فَذَكّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبّكَ بِكَـٰهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ } أي: اثبت على ما أنت عليه من الوعظ والتذكير، والباء متعلقة بمحذوف هو حال، أي: ما أنت متلبساً بنعمة ربك التي أنعم بها عليك من رجاحة العقل والنبوّة بكاهن، ولا مجنون، وقيل: متعلقة بمحذوف يدل عليه الكلام، أي: ما أنت في حال إذكارك بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون، وقيل: الباء سببية متعلقة بمضمون الجملة المنفية، والمعنى: انتفى عنك الكهانة والجنون بسبب نعمة الله عليك، كما تقول: ما أنا بمعسر بحمد الله. وقيل: الباء للقسم متوسطة بين اسم "ما" وخبرها، والتقدير: ما أنت - ونعمة الله - بكاهن ولا مجنون، والكاهن: هو الذي يوهم أنه يعلم الغيب من دون وحي، أي: ليس ما تقوله كهانة، فإنك إنما تنطق بالوحي الذي أمرك الله بإبلاغه. والمقصود من الآية ردّ ما كان يقوله المشركون: إنه كاهن، أو مجنون. {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ } "أم" هي المنقطعة، وقد تقدّم الخلاف هل هيّ مقدّرة ببل والهمزة، أو ببل وحدها؟ قال الخليل: هي هنا للاستفهام. قال سيبويه: خوطب العباد بما جرى في كلامهم. قال النحاس: يريد سيبويه أن "أم" في كلام العرب للخروج من حديث إلى حديث، ونتربص في محل رفع صفة لشاعر، وريب المنون: صروف الدهر، والمعنى: ننتظر به حوادث الأيام فيموت كما مات غيره، أو يهلك كما هلك من قبله، والمنون يكون بمعنى الدهر، ويكون بمعنى المنيّة. قال الأخفش: المعنى نتربص إلى ريب المنون، فحذف حرف الجرّ، كما تقول: قصدت زيداً، وقصدت إلى زيد، ومن هذا قول الشاعر:شعر : تربص بها ريب المنون لعلها تطلق يوماً أو يموت خليلها تفسير : وقول أبي ذؤيب الهذلي: شعر : أمن المنون وريبها تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع تفسير : قال الأصمعي: المنون واحد لا جمع له. قال الفرّاء: يكون واحداً وجمعاً. وقال الأخفش: هو جمع لا واحد له. ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عنهم، فقال: {قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنّى مَعَكُمْ مّنَ ٱلْمُتَرَبّصِينَ } أي: انتظروا موتي، أو هلاكي، فإني معكم من المتربصين لموتكم، أو هلاككم. قرأ الجمهور {نتربص} بإسناد الفعل إلى جماعة المتكلمين. وقرأ زيد بن عليّ على البناء للمفعول. {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَـٰمُهُمْ بِهَـٰذَا } أي: بل أتأمرهم عقولهم بهذا الكلام المتناقض، فإن الكاهن: هو المفرط في الفطنة والذكاء، والمجنون: هو ذاهب العقل فضلاً عن أن يكون له فطنة وذكاء. قال الواحدي: قال المفسرون: كانت عظماء قريش توصف بالأحلام والعقول، فأزرأ الله بحلومهم حين لم تثمر لهم معرفة الحقّ من الباطل {أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ } أي: بل أطغوا وجاوزوا الحدّ في العناد، فقالوا ما قالوا، وهذه الإضرابات من شيء إلى شيء مع الاستفهام، كما هو مدلول "أم" المنقطعة، تدل على أن ما تعقبها أشنع مما تقدّمها، وأكثر جرأة وعناداً {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ } أي: اختلق القرآن من جهة نفسه وافتعله، والتقوّل لا يستعمل إلاّ في الكذب في الغالب، وإن كان أصله تكلف القول، ومنه اقتال عليه، ويقال: اقتال عليه بمعنى: تحكم عليه، ومنه قول الشاعر:شعر : ومنزلة في دار صدق وغبطة وما اقتال في حكم عليّ طبيب تفسير : ثم أضرب سبحانه عن قولهم: {تَقَوَّلَهُ } وانتقل إلى ما هو أشدّ شناعة عليهم فقال: {بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ } أي: سبب صدور هذه الأقوال المناقضة عنهم كونهم كفاراً لا يؤمنون بالله، ولا يصدقون ما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم. ثم تحدّاهم سبحانه، وألزمهم الحجة فقال: {فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مّثْلِهِ } أي: مثل القرآن في نظمه، وحسن بيانه، وبديع أسلوبه {إِن كَانُواْ صَـٰدِقِينَ } فيما زعموا من قولهم: إن محمداً صلى الله عليه وسلم تقوّله، وجاء به من جهة نفسه مع أنه كلام عربيّ، وهم رؤوس العرب وفصحاؤهم، والممارسون لجميع الأوضاع العربية من نظم ونثر. وقد أخرج سعيد بن منصور، وهناد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، والبيهقي عن ابن عباس قال: إن الله ليرفع ذرّية المؤمن معه في درجته في الجنة، وإن كانوا دونه في العمل؛ لتقرّ به عينه. ثم قرأ: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرّيَّتُهُم } الآية. وأخرجه البزار، وابن مردويه عنه مرفوعاً. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عنه أيضاً أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه، وزوجته، وولده، فيقال: إنهم لم يبلغوا درجتك وعملك، فيقول: يا ربّ قد عملت لي ولهم، فيؤمر بإلحاقهم به»تفسير : ، وقرأ ابن عباس {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرّيَّتُهُم } الآية. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار»تفسير : ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } الآية وإسناده هكذا. قال عبد الله بن أحمد: حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا محمد بن فضيل، عن محمد بن عثمان، عن زاذان، عن عليّ بن أبي طالب قال: سألت خديجة النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ولدين ماتا لها في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« حديث : هما في النار»تفسير : ، فلما رأى الكراهة في وجهها قال: "حديث : لو رأيت مكانهما لأبغضتهما"تفسير : ، قالت: يا رسول الله فولديّ منك. قال: "حديث : في الجنة"تفسير : ، قال: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار»تفسير : ، ثم قرأ: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } الآية. وقال الإمام أحمد في المسند: حدّثنا يزيد، حدّثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يا ربّ من أين لي هذا؟ فيقول: باستغفار ولدك لك»تفسير : وإسناده صحيح. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، والحاكم عن ابن عباس: {وَمَا أَلَتْنَـٰهُمْ } قال: ما نقصناهم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه {لاَّ لَغْوٌ فِيهَا } يقول: باطل {وَلاَ تَأْثِيمٌ } يقول: كذب. وأخرج البزار عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إحديث : ذا دخل أهل الجنة الجنة اشتاقوا إلى الإخوان، فيجيء سرير هذا حتى يحاذي سرير هذا، فيتحدّثان، فيتكىء ذا، ويتكىء ذا، فيتحدّثان بما كانوا في الدنيا، فيقول أحدهما: يا فلان تدري أيّ يوم غفر الله لنا؟ يوم كنا في موضع كذا وكذا، فدعونا الله فغفر لنا»تفسير : . وأخرج ابن المنذر عن عائشة قالت: لو فتح الله على أهل الأرض من عذاب السموم قدر الأنملة لأحرقت الأرض ومن عليها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ } قال: اللطيف. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير عنه أن قريشاً لما اجتمعوا إلى دار الندوة في أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم قال قائل منهم: احبسوه في وثاق، وتربصوا به المنون حتى يهلك، كما هلك من قبله من الشعراء: زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم، فأنزل الله في ذلك: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {رَيْبَ ٱلْمَنُونِ } قال: الموت.
الماوردي
تفسير : {وَالَّذِينَ ءَآمَنُواْ وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانِ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أن الله يدخل الذرية بإيمان الأباء الجنة، قاله ابن عباس. الثاني: أن الله تعالى يعطي الذرية مثل أجور الآباء من غير أن ينقص الآباء من أجورهم شيئاً، قاله إبراهيم. الثالث: أنهم البالغون عملوا بطاعة الله مع آبائهم فألحقهم الله بآبائهم، قاله قتادة. الرابع: أنه لما أدرك أبناؤهم الأعمال التي عملوها تبعوهم عليها فصاروا مثلهم فيها، قاله ابن زيد. {وَمآ أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِمِ مِّن شَيْءٍ} فيه تأويلان: أحدهما: ما نقصناهم، قاله ابن عباس، قال رؤبة: شعر : وليلة ذات سرى سريت ولم يلتني عن سراها ليت تفسير : أي لم ينقصني، ومعنى الكلام: ولم ينقص الآباء بما أعطينا الأبناء. الثاني: معناه وما ظلمناهم، قاله ابن جبير، قال الحطيئة: شعر : أبلغ سراة بني سعد مغلغلة جهد الرسالة لا ألتاً ولا كذباً تفسير : أي لا ظلماً، ولا كذباً. ومعنى الكلام: لم نظلم الآباء بما أعطينا الأبناء، وإنما فعل تعالى ذلك بالأبناء كرمة للآباء. {كُلُّ امْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} فيه وجهان: أحدهما: مؤاخذة كما تؤخذ الحقوق من الرهون. الثاني: أنه يحبس، ومنه الرهن لاحتباسه بالحق قال الشاعر: شعر : وما كنت أخشى أن يكون رهينة لأحمر قبطي من القوم معتق تفسير : {يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً} أي، يتعاطون ويتساقون بأن يناول بضعهم بعضاً، وهو المؤمن وزوجاته وخدمه في الجنة. والكأس إناء مملوء من شراب وغيره فهو كأس، فإذا فرغ لم يسم كاساً، وشاهد التنازع والكأس في اللغة قول الأخطل: شعر : وشارب مربح بالكأس نادمني لا بالحضور ولا فيها بسوار نازعته طيب الراح السمول وقد صاح الدجاج وحانت وقعه الساري. تفسير : {لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ} فيها أربعة أوجه: أحدها: لا باطل في الخمر ولا مأثم، قاله ابن عباس وقتادة، وإنما ذلك في الدنيا من الشيطان. الثاني: لا كذب فيها ولا خلف، قاله الضحاك. الثالث: لا يتسابون عليها ولا يؤثم بعضهم بعضاً، قاله مجاهد. الرابع: لا لغو في الجنة ولا كذب، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً. واللغو ها هنا فحش الكلام كما قال ذو الرمة: شعر : فلا الفحش فيه يرهبون ولا الخنا عليهم ولكن هيبة هي ما هيا بمستحكم جزل المروءة مؤمن من القوم لا يهوى الكلام اللواغيا تفسير : {وَيَطُوفُ عَلَيْهُمْ غِلُمَانٌ لَّهُمْ} ذكر ابن بحر فيه وجهين: أحدهما: ان يكون الأطفال من أولادهم الذين سبقوهم، فأقَرَّ الله بهم أعينهم. الثاني: أنهم من أخدمهم الله إياهم من أولاد غيرهم. {كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ} أي مصون بالكن والغطاء، ومنه قول الشاعر: شعر : قد كنت أعطيهم مالاً وأمنعهم عرضي، وودهم في الصدر مكنون تفسير : قال قتادة: بلغني أنه قيل يا رسول الله هذا الخدم مثل اللؤلؤ المكنون فكيف المخدوم؟ قال: "حديث : والذي نفسي بيده لفضل ما بينهم، كفضل القمر ليلة البدر على النجوم ". تفسير : {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا} يحتمل وجهين: أحدهما: بالجنة والنعيم. الثاني: بالتوفيق والهداية. {وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه عذاب النار، قاله ابن زيد. وقال الأصم: السموم اسم من أسماء جهنم. الثاني: أنه وهج جهنم، وهو معنى قول ابن جريج. الثالث: لفح الشمس والحر، وقد يستعمل في لفح البرد، كما قال الراجز: شعر : اليوم يوم بارد سمومه من جزع اليوم فلا نلومه تفسير : {إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن البر الصادق، قاله ابن جريج. الثاني: اللطيف، قاله ابن عباس. الثالث: أنه فاعل البر المعروف به، قاله ابن بحر.
ابن عطية
تفسير : وقرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي وابن مسعود وابن عباس ومجاهد وطلحة والحسن وقتادة وأهل مكة: "واتبعتهم ذريتهم" "بهم ذريتهم". وقرأ نافع وأبو جعفر وابن مسعود بخلاف عنه وشيبة والجحدري وعيسى، "وأتبعناهم ذريتهم" "بهم ذرياتهم". وروى خارجة عنه مثل قراءة حمزة. وقرأ ابن عامر وابن عباس وعكرمة وابن جبير والضحاك: "واتبعتهم ذريتهم" "بهم ذريتهم". وقرأ أبو عمرو والأعرج وأبو رجاء والشعبي وابن جبير والضحاك: "وأتبعناهم ذريتهم" "بهم ذريتهم". فكون الذرية جمعاً في نفسه حسن الإفراد في هذه القراءات، وكون المعنى يقتضي انتشار أن كثرة حسن جمع الذرية في قراءة "ذرياتهم". واختلف الناس في معنى الآية، قال ابن عباس وابن جبير والجمهور: أخبر الله تعالى أن المؤمنين تتبعهم ذريتهم في الإيمان. فيكونون مؤمنين كآبائهم. وإن لم يكونوا في التقوى والأعمال كالآباء، فإنه يلحق الأبناء بمراتب أولئك الآباء كرامة للآباء. وقد ورد في هذا المعنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم فجعلوا الحديث تفسير الآية وكذلك وردت أحاديث تقتضي "أن الله تعالى يرحم الآباء رعياً للأبناء الصالحين". وذهب بعض الناس إلى إخراج هذا المعنى من هذه الآية، وذلك لا يترتب إلا بأن يجعل اسم الذرية بمثابة نوعهم على نحو قوله تعالى {أية : أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون} تفسير : [يس: 41] وفي هذا نظر. وقال ابن عباس أيضاً والضحاك معنى هذه الآية: أن الله تعالى يلحق الأبناء الصغار بأحكام الآباء المؤمنين. يعني في الوراثة والدفن في قبور الإسلام وفي أحكام الآخرة في الجنة. وحكى أبو حاتم عن الحسن أنه قال: الآية في الكبار من الذرية وليس فيها من الصغار شيء. وقال منذر بن سعيد هي في الصغار لا في الكبار. وحكى الطبري قولاً معناه أن الضمير في قوله: {بهم} عائد على ذرية، والضمير الذي بعده في: {ذريتهم} عائد على {الذين} أي اتبعتهم الكبار وألحقنا نحن الكبار الصغار. وهذا قول مستكره. وقوله: {بإيمان} هو في موضع الحال. فمن رأى أن الآية في الأبناء الصغار. فالحال من الضمير في قوله: {اتبعتهم} فهو من المفعولين، ومن رأى أن الآية في الأبناء الكبار فيحتمل أن تكون الحال من المفعولين، ويحتمل أن تكون من المتبعين الفاعلين، وأرجح الأقوال في هذه الآية القول الأول. لأن الآيات كلها في صفة إحسان الله تعالى إلى أهل الجنة فذكر من جملة إحسانه أنه يرعى المحسن في المسيء. ولفظة {ألحقنا} تقتضي أن للملحق بعض التقصير في الأعمال. وقرأ جمهور القراء: "أَلتناهم" بفتح الألف من ألَت. وقرأ ابن كثير وأبو يحيى وشبل: "ألِتناهم" من ألِت بكسر اللام. وقرأ الأعرج: "ألتناهم" على وزن أفعلناهم. وقرأ أبيّ بن كعب وابن مسعود: "لتناهم" من لات، وهي قراءة ابن مصرف. ورواها القواس عن ابن كثير، وتحتمل قراءة من قرأ: "أَلَتناهم" بالفتح أن تكون من ألات، فإنه قال: ألات يليت إلاتة. ولات يليت ليتاً. وآلت يولت إيلاتاً، وألت يألت. وولت يلت ولتاً. وكلها بمعنى نقص ومعنى هذه الآية: أن الله يلحق المقصر بالمحسن، ولا ينقص المحسن من أجره شيئاً وهذا تأويل ابن عباس وابن جبير والجمهور، ويحتمل قوله تعالى: {وما ألتناهم من عملهم من شيء} بأن يريد من عملهم المحسن والقبيح، ويكون الضمير في {عملهم} عائد على الأبناء، وهذا تأويل ابن زيد، ويحسن هذا الاحتمال قوله تعالى: {كل امرئ بما كسب رهين}، والرهين المرتهن، وفي هذه الألفاظ وعيد. وحكى أبو حاتم عن الأعمش أنه قرأ: "وما لَتناهم" بغير ألف وفتح اللام. قال أبو حاتم: لا تجوز هذه القراءة على وجه من الوجوه. وأمددت الشي: إذا سربت إليه شيئاً آخر يكثره أو يكثر لديه. وقوله: {مما يشتهون} إشارة إلى ما روي من أن المنعم إذا اشتهى لحماً نزل ذلك الحيوان بين يديه على الهيئة التي اشتهاه فيها، وليس يكون في الجنة لحم يخزن ولا يتكلف فيه الذبح والسلخ والطبخ. وبالجملة: لا كلفة في الجنة، و: {يتنازعون} معناه: يتعاطون، ومنه قول الأخطل: [البسيط] شعر : نازعته طيب الراح الشمول وقد صاح الدجاج وحانت وقعة الساري تفسير : والكأس: الإناء وفيه الشراب. ولا يقال في فارغ كأس، قاله الزجاج. وقرأ جمهور من السبعة وغيرهم "لا لغوٌ" بالرفع "ولا تأثيمٌ" كذلك. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والحسن: "لا لغوَ ولا تأثيمَ" بالنصب على التبرية وعلى الوجهين. فقوله {فيها} هو في موضع الخبر، وأغنى خبر الأولين عن ذكر خبر الثاني. واللغو: السقط من القول. والتأثيم: يلحق خمر الدنيا في نفس شربها وفي الأفعال التي تكون من شرابها، وذلك كله مرتفع في الآخرة. و: "اللؤلؤ المكنون" أجمل اللؤلؤ لأن الصون والكن يحسنه. وقال ابن جبير: أراد أنه الذي في الصدف لم تنله الأيدي،حديث : وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إذا كان الغلمان كاللؤلؤ المكنون، فكيف المخدومون؟ قال: "هم كالقمر ليلة البدر"تفسير : . ثم وصف عنهم أنهم في جملة تنعمهم يتساءلون عن أحوالهم وما قال كل أحد منهم، وأنهم يتذكرون حال الدنيا وخشيتهم فيها عذاب الآخرة. وحكى الطبري عن ابن عباس قال: تساؤلهم إذا بعثوا في النفخة الثانية. والإشفاق أشد الخشية ورقة القلب. وقرأ أبو حيوة: "ووقّانا" بشد القاف. وقراءة الجمهور بتخفيفها. وأمال عيسى الثقفي: "ووقَانا" بتخفيف القاف. و: {السموم} الحار. قال الرماني: هو الذي يبلغ مسام الإنسان، وهو النار في هذه الآية. وقد يقال في حر الشمس وفي الريح سموم. وقال الحسن: {السموم} اسم من أسماء جهنم و: {ندعوه} يحتمل أن يريد نعبده، ويحسن هذا على قراءة من قرأ: "أنه" بفتح الألف. وهي قراءة نافع. بخلاف والكسائي وأبي جعفر والحسن وأبي نوفل أي من أجل أنه. وقرأ باقي السبعة والأعرج وجماعة "أنه" على القطع والاستئناف، ويحسن مع هذه القراءة أن يكون {ندعوه} بمعنى نعبده. أو بمعنى الدعاء نفسه، ومن رأى: {ندعوه} بمعنى الدعاء نفسه فيحتمل أن يجعل قوله: "أنه" بالفتح هو نفس الدعاء الذي كان في الدنيا. و: {البر} هو الذي يبر ويحسن، ومنه قول ذي الرمة: [البسيط] شعر : جاءت من البيض زعر لا لباس لها إلا الدهاس وأم برة وأب
ابن عبد السلام
تفسير : {وأَتْبَعْنَاهم} يدخل الله تعالى الذرية بإيمان الآباء الجنة، أو نعطيهم مثل أجور الآباء من غير نقص في أجور الآباء، أو البالغون أطاعوا الله تعالى فألحقهم الله بآبائهم، أو لما أدركوا أعمال آبائهم تابعوهم عليها فصاروا مثلهم فيها {أَلَتْنَاهُم} ظلمناهم أو نقصناهم أي لم ننقص أجور الآباء، بما أعطيناه الأبناء فضلاً منا وإكراماً للآباء {رَهِينٌ} مؤاخذ كما يؤخذ الحق من الرهن أو محتبس كاحتباس الرهن بالحق.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} اخْتُلِفَ في معنى الآية، فقال ابن عباس، وابن جبير، والجمهور: أخبر اللَّه تعالى أَنَّ المؤمنين الذين اتبعتهم ذريتهم في الإيمان يلحق الأبناء في الجنة بمراتب الآباء، وإنْ لم يكن الأبناء في التقوى والأعمال كالآباء؛ كرامةً للآباء، وقد ورد في هذا المعنى حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فجعلوا الحديثَ تفسيراً للآية، وكذلك وردت أحاديث تقتضي أَنَّ اللَّه تعالى يرحم الآباء؛ رعياً للأبناء الصالحين، وقال ابن عباس أيضاً والضَّحَّاكُ. معنى الآية: أَنَّ اللَّه تعالى يلحق الأبناء الصغار بأحكام الآباء المؤمنين، يعني في الموارثة والدفن في مقابر المسلمين، وفي أحكام الآخرة في الجنة، وقال منذر بن سعيد: هي في الصغار لا في الكبار؛ قال * ع *: وأرجح الأقوال في هذه الآية القول الأَوَّل؛ لأَنَّ الآياتِ كلَّها في صفة إحسان اللَّه تعالى إلى أهل الجنة، فذكر من جملة إحسانِهِ سبحانه أَنَّه يرْعَى المحسنَ في المسيء، ولفظة {أَلْحَقْنَا} تقتضي أَنَّ لِلْمُلْحَقِ بعضَ التقصير في الأعمال. * ت *: وأظهرُ مَنْ هذا ما أشار إليه الثعلبيُّ في بعض أنقاله: أَنَّ اللَّه تعالى يجمع لعبده المؤمن ذُرِّيَّتَهُ في الجنة، كما كانوا في الدنيا، انتهى، ولم يتعرَّضْ لذكر الدرجات في هذا التأويل، وهو أحسن؛ لأَنَّهُ قد تقرَّرَ أَنَّ رفع الدرجات هي بأعمال العاملين، والآياتُ والأحاديث مُصَرِّحَةٌ بذلك، ولما يلزم على التأويل الأَوَّلِ أَنْ يكونَ كُلُّ مَنْ دخل الجنةَ مع آدم ـــ عليه السلام ـــ في درجةٍ واحدة؛ إذ هم كُلُّهم ذرِّيَّتُهُ، وقد فتحتُ لك باباً للبحث في هذا المعنى منعني من إتمامه ما قصدته من الاختصار، وباللَّه التوفيق. وقوله: {وَمَا أَلَتْنَـٰهُمْ} أي: نقصناهم، ومعنى الآية أَنَّ اللَّه سبحانهُ يُلْحِقُ الأبناء بالآباء، ولا يُنْقِصُ الآباء من أجورهم شيئاً، وهذا تأويل الجمهور، ويحتمل أَنْ يريدَ: مِنْ عمل الأَبناء من شيء من حسن أو قبيح، وهذا تأويل ابن زيد، ويُؤيِّدُهُ قوله سبحانه: {كُلُّ ٱمْرِىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ} والرهين: المُرْتَهِنُ، وفي هذه الألفاظ وعيد، وأمددتُ الشيءَ: إذا سرّبْتُ إليه شيئاً آخر يكثره أو يكثر لديه. وقوله: {مِّمَّا يَشْتَهُونَ} إشارة إلى ما رُوِيَ من أَنَّ المُنَعَّمَ إذا اشتهى لحماً نزل ذلك الحيوان بين يديه على الهيئة التي اشتهاه فيها، وليس يكون في الجنة لحم يحتز، ولا يُتَكَلَّفُ فيه الذبح، والسلخ، والطبخ، وبالجملة لا كَلَفَةَ في الجنة، و{يَتَنَـٰزَعُونَ} معناه: يتعاطون؛ ومنه قول الأخطل: [البسيط] شعر : نَازَعْتُهُ طَيِّبَ الَّراحِ الشَّمُولِ وَقَد صَاحَ الدَّجَاجُ وَحَانَتْ وَقْعَةُ السَّارِي تفسير : قال الفخر: ويحتمل أنْ يقال: التنازع: التجاذُبُ، وحينئذ يكون تجاذُبُهُمْ تجاذبَ مُلاَعَبَةٍ، لا تجاذب منازعة، وفيه نوعُ لَذَّةٍ، وهو بيان لما عليه حال الشُرَّابِ في الدنيا؛ فإنَّهم يتفاخرون بكثرة الشرب، ولا يتفاخرون بكثرة الأكل، انتهى، والكأس: الإِناء فيه الشراب، ولا يقال في فارغ كأس؛ قاله الزَّجَّاج، واللغو: السَّقَطُ من القول، والتأثيم: يلحق خَمْرَ الدنيا في نفس شُرْبِهَا وفي الأفعال التي تكون من شاربيها، وذلك كُلُّه مُنْتَفٍ في الآخرة. * ت *: قال الثعلبيُّ: وقال ابن عطاء: أيُّ لغوٍ يكون في مجلس: مَحَلُّهُ جَنَّةُ عدن، والساقي فيه الملائكة، وشربُهم على ذكر اللَّه، ورَيحانُهم تحيَّةٌ من عند اللَّه، والقومُ أضياف اللَّه. {وَلاَ تَأْثِيمٌ} أي: فعل يُؤْثِمُهُمْ، وهو تفعيل من الإثم، أي: لا يأثمونَ في شربها، انتهى واللؤلؤ المكنون أجملُ اللؤلؤ؛ لأَنَّ الصون والكَنُّ يُحَسِّنُهُ، قال ابن جبير: أراد الذي في الصّدَفِ لم تنله الأيدي، وقيل للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذَا كَانَ الْغِلْمَانُ كَاللُّؤْلُؤ المَكْنُونِ فَكَيْفَ المَخْدُومُونَ؟ قال: هُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ». تفسير : * ت *: وهذا تقريب للأفهام، وإلاَّ فجمال أهلِ الجَنَّةِ أَعْظَمُ من هذا، يَدُلُّ على ذلك أحاديث صحيحة؛ ففي «صحيح مسلم» من حديث أبي هريرةَ ـــ رضي اللَّه عنه ـــ قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ - وفي رِوَايَةٍ: «مِنْ أُمَّتِي» عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَىٰ أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ في السَّمَاءِ إضَاءَةً» تفسير : ، وفي رواية: «حديث : ثُمَّ هُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنَازِلُ»تفسير : الحديثَ، وفي «صحيح مسلم» أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنَّ في الجَنَّةَ لَسُوقاً يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمْعَةٍ، فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ، فَتَحْثُو في وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ، وَيَزْدَادُونَ حُسْناً وَجَمَالاً، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: واللَّهِ، لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْناً وَجَمَالاً! فَيَقُولُونَ: وَأَنْتُمْ واللَّهِ، لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْناً وَجَمَالاً»تفسير : ، انتهى، وقد أشار الغَزَّاليُّ وغيره إلى طَرَفٍ من هذا المعنى، لَمَّا تكلَّم على رؤية العارفين للَّه سبحانه في الآخرة، قال بعد كلام: ولا يَبْعُدُ أَنْ تكونَ ألطاف الكشف والنظر في الآخرة متواليةً إلى غير نهاية، فلا يزالُ النعيمُ واللَّذَّةُ متزايداً أبَدَ الآبادِ، وللشيخ أبي الحسن الشاذلي هنا كلام حسن قال: لو كُشِفَ عن نور المؤمن لعبد من دون اللَّه، ولو كُشِفَ عن نور المؤمن العاصي لطبق السماء والأرض، فكيف بنور المؤمن المطيع؟! نقل كلامه هذا ابن عطاء اللَّه وابن عَبَّاد، انظره. ثم وصف تعالى عنهم أَنَّهُم في جملة تنعمهم {يَتَسَاءَلُونَ} أي: عن أحوالهم وما نال كُلَّ واحد منهم، وأَنَّهم يتذكرون حالَ الدنيا وخشيتَهم عذابَ الآخرة، والإشفاقُ أَشَدُّ الخشية ورِقَّةُ القلب، {ٱلسَّمُومِ}: الحارُّ، و{نَدْعُوهُ}: يحتمل أَنْ يريد: الدعاءَ على بابه، ويحتمل أنْ يريد نعبده، وقرأ نافع والكسائيُّ: «أَنَّهُ» ـــ بفتح الهمزة ـــ، والباقون بكسرها و{ٱلْبَرُّ} الذي يَبرُّ ويُحْسِنُ.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}. يُكْملُ عليهم سرورهم بأَنْ يُلْحِق بهم ذُرِّياتِهم؛ فإنَّ الانفرادَ بالنعمة عَمَّنْ القلبُ مشتغِلٌ به من الأهل والولد والذرية يوجِب تَنَغص العيش. وكذلك كلُّ مْن قلبُ الوليِّ يلاحِظه من صديق وقريب، ووليٍّ وخادم، قال تعالى في قصة يوسف: {أية : وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [يوسف: 93]. وفي هذا المعنى قالوا: شعر : إنيِّ علـــى جفــواتــها - فبربِّها وبكلِّ مُتَّصلٍ بها متـــوسِّلِ لأحُّبها، وأُحِبُّ منزلَها الذي نزلــت به وأحـب أهل المنـــزلِ تفسير : {وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ}. أي ما أنقصنا من أجورهم من شيءٍ بل وفينا ووفَّرنا. وفي الابتداء نحن أَوْليْنا وزدنا على ما أعطينا. {كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ} مُطَالَبٌ بعمله، يوفىَّ عليه أَجره بلا تأخير، وإنْ كان ذنباً فالكثيرُ منه مغفور، كما أنه اليوم مستور.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} هذا اذا وقع فطرة الذرية من العدم سليمة طيبة ظاهرة لقبول معرفة الله تأثير صحبته الاضداد لقوله عليه الصلاة والسلام حديث : كل مولود يولد على الفطرة فابواه يهودانه او ينصارنه او يمجسانه تفسير : فاذا بقيت على نعت الاول ووصل اليها فيض مباشرة نور الحق ولم يتم عليها الاعمال والاعمار يوصلها الله الى درجة أبائهم واماتهم الكبار من المؤمنين اذ هناك يتم ارواحهم وعقولهم وقلوبهم ومعرفتهم وعلمهم بالله عند كشف مشاهدته وبروز انوار جلاله ووصاله وكذلك حال المريدين عند العارفين يبلغون الى درجات كبرائهم وشيوخهم ما داموا امنوا باحوالهم وقبلوا كلامهم كما قال روئم قدس الله روحه من أمن بكلامنا هذا من وراء سبعين حجابا فهو من اهله وقال النبى صلى الله عليه وسلم حديث : من احب قوما فهو منهم تفسير : وقال سبحانه ومن يطع الله والرسول فاولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين الشهداء والصالحين ولا تعجب من ذلك فانه تعالى مبلغهم الى اعلى الدرجات فاذا كانوا معهم فى منازل الوحشة يصلون الى الدرجات العلية فكيف لا يصلون اليها فى مقام الوصلة.
اسماعيل حقي
تفسير : {والذين آمنوا} مبتدأ خبره الحقنا بهم {واتبعتهم ذريتهم} عطف على آمنوا اى نسلهم {بايمان} متعلق بالاتباع والتنكير للتقليل اى بشىء من الايمان وتقليل الايمان ليس مبنيا على دخول الاعمال فيه بل المراد قلة ثمراته ودناءة قدره بذلك فالتقليل فيه بمعنى التحقير والمعنى واتبعتهم ذريتهم بايمان فى الجملة قاصرين عن رتبة ايمان الآباء واعتبار هذا القيد للايذان بثبوت الحكم فى الايمان الكامل اصالة لا الحاقا {الحقنا بهم ذريتهم} اى اولادهم الصغار والكبار فى الدرجة كما روى انه عليه السلام قال "حديث : انه تعالى يرفع ذرية المؤمن فى درجته وان كانوا دونه لتقربهم عينه"تفسير : اى يكمل سروره ثم تلا هذه الآية وفيها دلالة بينة على ان الولد الصغير يحكم بايمانه تبعا لاحد ابويه وتحقيقا للحوقة به فانه تعالى اذا جعلهم تابعين لآبائهم ولاحقين بهم فى احكام الآخرة فينبغى أن يكونوا تابعين لهم ولاحقين بهم فى احكام الدنيا ايضا قال فى فتح الرحمن ان المؤمنين اتبعتهم اولادهم الكبار والصغار بسبب ايمانهم فكبارهم بايمانهم بأنفسهم وصغارهم بأن اتبعوا فى الاسلام بآبائهم بسبب ايمانهم لان الولد يحكم باسلامه تبعا لاحد ابويه اذا أسلم وهو مذهب ابى حنيفة والشافعى واحمد وقال مالك يحكم باسلامه تبعا لاسلام ابيه دون امه واما اذا مات احد ابويه فى دار الاسلام فقال احمد يحكم باسلامه وهو من مفردات مذهبه خلافا للثلاثة واختلفوا فى اسلام الصبى المميز وردته فقال الثلاثة يصحان منه وقال الشافعى لايصحان وفى هدية المهديين اسلام الصبى العاقل وهو من كان فى البيع سالبا وفى الشرآء جالبا صحيح استحسانا حتى لايرث من اقاربه الكفار ويصلى عليه اذا مات وارتداده ارتداد استحسانا فى قول ابى حنيفة ومحمد الا انه يجبر على احسن الوجوه ولا يقتل لانه ليس من اهل العقوبة وفى الاشباه ان قيل اى مرتد لايقتل فقل من كان اسلامه تبعا او فيه شبهة واى رضيع يحكم باسلامه بلا تبعية فقل لقيط فى دار الاسلام وفى الهدية ايضا صبى وقع من الغنمية فى سهم رجل فى دار الحرب او بيع به فمات يصلى عليه لانه يصير مسلما حكما تبعا لمولاه بخلاف ماقبل القسمة فانه حنيئذ يكون على دين ابويه وفى الفتوحات المكية الطفل المسبى فى دار الحرب اذا مات ولم يحصل منه تمييز ولا عقل يصلى عليه فانه الى فطرة الاسلام وهذا اولى ممن قال لايصلى عليه لان الطفل مأخوذ من الطفل وهو ماينزل من السماء غدوة وعشية وهو اضعف من الرش والوبل فلما كان بهذا الضعف كان مرحوما والصلاة رحمة فالطفل يصلى عليه اذا مات بكل وجه انتهى وان دخل الصبى فى دار الاسلام فان كان معه ابواه او احدهما فهو على دينهما وان مات الابوان بعد ذلك فهو على ماكان كما فى الهدية وان لم يكن معه واحد منهما حين دخل الاسلام يصير مسلما تبعا للدار وللمولى ولو اسلم احد الابوين فى دار الحرب يصير الصبى مسلما باسلامه وكذا لو اسلم احد الابوين فى دار الاسلام ثم سبى الصبى بعده من دار الحرب فصار فى دار الاسلام كان مسلما باسلامه {وما التناهم} وما نقصنا الآباء بهذا الالحاق وال الأبغضوهم فى الدنيا شحا كما فى عين المعانى من ألت يألت كضرب يضرب قال فى القاموس ألته حقا يألته نقصه كآلته ايلاتا {من عملهم} من ثواب عملهم {من شىء} من الاولى متعلقة بألتناهم والثانية زآئدة والمعنى ما نقصناهم من عملهم شيأ بأن اعطينا بعض مثوباتهم ابناءهم فتنتقص مثوبتهم وتنحط درجتهم وانما رفعناهم الى درجتهم ومنزلتهم بمحض التفضل والاحسان. يعنى بلكه بفضل وكرم خود اولاد را رفعت درجة ارزانى فرمودم شيخ الاسلام حسين مروزى ازاستاد خود احمد بن ابى على سرخسى رحمهما الله نقل ميكند كه ايمان وعمل جز بفضل لم يزلى نيست شعر : در فضل خدا بند دل خويش مدام تافضل نباشد نبود كار تمام تفسير : وسألت خديجة رضى الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ولدين لها ماتا فى الجاهلية فقال عليه السلام "حديث : هما فى النار"تفسير : فكرهت فقال عليه السلام "حديث : لو رأيت مكانهما لابغضتهما"تفسير : قالت فالذى منك قال "حديث : فى الجنة ان المؤمنين واولادهم فى الجنة وان المشركين واولادهم فى النار"تفسير : كما فى عين المعانى وقال الامام محمد ان الامام الاعظم توقف فى اطفال المشركين والمسلمين والمختار ان اطفال المسلمين فى الجنة واما ماروى انه توفى صبى من الانصار فدعى النبى عليه السلام الى جنازته فقالت عائشة رضى الله عنها طوبى له عصفور من عصافير الجنة فقال عليه السلام "حديث : او غير ذلك اتعتقدين ماقلت"تفسير : والحق غير الجزم به ان الله خلق الجنة وخلق النار فخلق لهذه اهلا فانما نهاها عن الحكم على معين بدخول الجنة كما فى شرح المشارق لابن الملك وقال موسى رمضان فى شرح العقائد ولا يشهد بالجنة والنار لاحد بعينه بل يهشد بأن المؤمنين من اهل الجنة والكافرين من اهل النار وكذا اطفالهم تبعا لهم وقيل هم فى الجنة اذلا اثم لهم وقيل هم فى الاعراف و وجهه ان عدم التيقن لعدم العلم بخاتمته واذا مات ولد المؤمن طفلا فخاتمته الايمان لامحالة تبعا لأبيه الا أن يكون تابعا الخاتمة أبيه وهى غير معلومة انتهى واختار البعض فى اطفال المشركين كونهم خدام اهل الجنة كما فى هدية المهديين والاكثرون على انهم فى النار تبعا لآبائهم وقال آخرون انهم فى الجنة لكونهم غير مكلفين وتوقف فيه طائفة وهو الظاهر كما فى شرح المشارق لابن الملك وبقى قول آخر وهو ان الصبيان المجانين واهل الفترة يرسل اليهم يوم القيامة رسول من جنسهم ويدعون الى الايمان ويمتحن المؤمن بايقاع نفسه فى نار هناك فمن قبل الدعوة ولم يمتنع عن الايقاع المذكور خلص لانها ليست بنار حقيقة والادخل النار اى جهنم وقال الشيخ روز بهان البقلى فىعرآئس البيان عند الآية هذا اذا وقعت فطرة الذرية من العدم سليمة طيبة طاهرة صالحة لقبول معرفة الله ولم تتغير من تأثير صحبة الاضداد لقوله عليه السلام "حديث : كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه"تفسير : فاذا بقيت على النعت الاول ووصل اليها فيض مباشرة نور الحق ولم تتم عليها الاعمال يوصلها الله الى درجة آبائهم وامهاتهم الكبار من المؤمنين اذ هناك تتم ارواحهم وعقولهم وقلوبهم ومعرفتهم بالله عند كشف مشاهدته وبروز انوار جلاله ووصاله وكذلك حال المريدين عند العارفين يبلغون الى درجات كبرآئهم وشيوخهم ما آمنوا بأحوالهم وقبلوا كلامهم كما قال رويم قدس سره من آمن بكلامنا هذا من ورآء سبعين حجابا فهو من اهلنا وقال عليه السلام {حديث : من احب قوما فهو منهم}تفسير : وقال تعالى {أية : ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين}تفسير : ولا تعجب من ذلك فانه تعالى مبلغهم الى اعلى الدرجات فاذا كانوا فى منازل الوحشة يصلون الى الدرجات العلية فكيف لايصلون اليها فى مقام الوصلة انتهى. يقول الفقير يظهر من هذا ان لحوق الابناء الصورية والمعنوية بالآباء فى درجاتهم مشروط بالايمان الشرعى والتوحيد العقلى وليس لاطفال المشركين شىء من ذلك فكيف يلتحقون بأهل الجنة مطلقا فانما يلتحق المؤمن بالمؤمن لمجانستهما واما الايمان الفطرى فلا يعتبر فى دار التكليف وكذا فى دار الجزآء والله اعلم بالاسرار ومنه نرجو الالتحاق بالاخبار {كل امرىء} هرمردى بالغ عاقل مكلف {بما كسب} بانجه كرده باشد ازخير وشر {رهين} دركروست روز قيامت يعنى وابست است بياداش كردار خود وزان رهايى ندارد ويعمل ديكرى مؤاخذه نيست وزن مكلفه نيز همين حكم دارد. كما فى تفسير الكاشفى والرهن مايوضع وثيقه للدين ولما كان الرهن يتصور منه حبسه استعير ذلك للمحتبس اى شىء كان وقال ابن الشيخ ما مصدرية والفعيل بمعنى المفعول العمل الصالح بمنزلة الدين الثابت على المرء من حيث انه مطالب به ونفس العبد مرهونة به فكما ان المرتهن مالم يصل اليه الدين لاينفك منه الرهن كذلك العمل الصالح مالم يصل الى الله لاتتخلص نفس العبد المرهونة فالمعنى كل امرىء مرهون عند الله بالعمل الصالح الذى هو دين عليه فان عمله واداه كما هو المطلوب منه فك رقبته من الرهن والا اهلكها وفى هذا المعنى قال عليه السلام لكعب ابن عجرة رضى الله عنه "حديث : لايدخل الجنة لحم نبت من السحت النار اولى به ياكعب بن عجرة الناس صنفان فمبتاع نفسه فمعتقها وبائع نفسه فموبقها"تفسير : وقال مقاتل كل امرىء كافر بما عمل من الشرك مرهون فى النار والمؤمن لايكون مرتهنا لقوله تعالى {أية : كل نفس بما كسبت رهينة الا اصحاب اليمين}تفسير : وفى الآية وجه آخر وهو أن يكون الرهين فعيلا بمعنى الفاعل فيكون المعنى كل امرىء بما كسب راهين اى دآئم ثابت مقيم ان احسن ففى الجنة مؤيد او ان اساء ففى النار مخلدا لائن فى الدنيا دوام الاعمال بدوام الاعيان فان العرض لايبقى الا فى جوهر ولا يوجد الا فيه وفى الآخرة دوام الاعيان بدوام الاعمال فان الله يبقى اعمالهم لكونها عند الله من الباقيات الصالحات وما عند الله باق والباقى من الاعيان يبقى ببقاء عمله قال فى الارشاد وهذا المعنى انسب بالمقام فان الدوام يقتضى عدم المفارقة بين المرء وعمله ومن ضرورته أن لاينقص من ثواب الآباء شىء فالجملة تعليل لما قبلها انتهى
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير وأهل الكوفة {واتبعتهم} بالتاء {ذريتهم} على واحدة {بهم ذريتهم} على واحدة ايضاً. وقرأ نافع {واتبعتهم} بالتاء {ذريتهم} على واحدة {بهم ذرياتهم} على الجمع. وقرأ ابن عامر {واتبعتهم ذرياتهم} بالتاء على الجمع {بهم ذرياتهم} جماعة ايضاً. وقرأ ابو عمرو {أتبعناهم} بالنون {ذرياتهم} جماعة {ألحقنا بهم ذرياتهم} جماعة ايضاً. وقرأ ابن كثير وحده {وما ألتناهم} بفتح الألف وكسر اللام. الباقون - بفتح الألف واللام - وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {لا لغوا فيها ولا تأثيم} نصباً. الباقون بالرفع والتنوين. قال الزجاج: فمن رفع فعلى ضربين: احدهما - على الابتداء و (فيها) الخبر، والثاني - أن تكون (لا) بمعنى ليس رافعة وانشد سيبويه: شعر : من فر عن نيرانها فأنا ابن قيس لا براح تفسير : ومن نصب بنى كقوله {أية : لا ريب فيه}تفسير : والاختيار عند النحويين إذا كررت (لا) الرفع. والنصب جائز حسن. يقول الله تعالى {والذين آمنوا} بالله وأقروا بتوحيده وصدقوا رسله {واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم} من قرأ بالنون معناه، وألحقنا بهم ذرياتهم أي ألحق الله بهم ذرياتهم يعني حكم لهم بذلك. ومن قرأ {واتبعتهم} نسب الاتباع إلى الذرية. والمعنى إنهم آمنوا كما آمنوا، فمن جمعه فلاختلاف اجناس الذرية، ومن وحد، فلانه يقع على القليل والكثير، وإنما قرأ ابو عمرو {أتبعناهم} بالنون لقوله بعد ذلك {ألحقنا} وقال البلخي: معنى الآية إن ثواب الذرية إذا عملوا مثل أعمال الاباء يثابون مثل ثواب الاباء، لان الثواب على قدر الاعمال. ولما قال {واتبعناهم ذرياتهم} بين أن ذلك يفعل بهم من غير ان ينقص من أجورهم، لئلا يتوهم انه يلحقهم نقص أجر. وقال الزجاج: معنى الآية إن الابناء إذا كانوا مؤمنين فكانت مراتب آبائهم فى الجنة أعلا من مراتبهم ألحق الابناء بالآباء، ولم ينقص الآباء من أعمالهم، وكذلك إن كان اعمال الآباء انقص ألحق الآباء بالابناء. والاتباع إلحاق الثاني بالاول فى معنى عليه الأول، لانه لو ألحق به من غير أن يكون فى معنى هو عليه لم يكن إتباعاً، وكان إلحاقاً. وإذا قيل: اتبعه بصره فهو الادراك، وإذا قيل: تبعه فهو يصرف البصر بتصرفه. وقوله {ألحقنا بهم ذرياتهم} قال ابن عباس والضحاك وابن زيد: الحقوا الأولاد بالاباء إذا آمنوا من أجل إيمان الأباء. وفى رواية أخرى عن ابن عباس: أن التابعين الحقوا بدرجة آبائهم، وإن قصرت اعمالهم تكرمة لآبائهم والاول هو الوجه. وإنما وجب بالايمان إلحاق الذرية بهم مع أنهم قد يكون ليس لهم ذرية لانه إنما يستحق ذلك السرور على ما يصح ويجوز مع أنه إذا اتبع الذرية على ما أمر الله به استحق الجزاء فيه، فان أبطلته الذرية عند البلوغ بسوء عمل، وِّفي سروره فى أمر آخر كما أن اهل الجنة من سرورهم ما ينزل باعدائهم فى النار، فلو عفى عنهم لوفوا سرورهم بأمر آخر. وقوله {وما ألتناهم} معناه ما نقصناهم يقال: ألته يألته ألتاً، وألاته يلته إلاتة، ولاته يليته ثلاث لغات - ذكرها ابو عبيدة: إذا نقصه، فبين - عز وجل - أنه لا يجوز عليه نقصان شيء من جزاء عمله، لانه لا يجوز عليه الظلم لا قليله ولا كثيره ولا صغيره ولا كبيره، وقال ابن عباس ومجاهد والربيع {وما ألتناهم} ما نقصناهم قال الشاعر: شعر : ابلغ بني ثعل عني مغلغلة جهد الرسالة لا ألتاً ولا كذبا تفسير : وقوله {كل امرىء بما كسب رهين} أي كل إنسان يعامل بما يستحقه ويجازى بحسب ما عمله إن عمل طاعة أيثب عليها وإن عمل معصية عوقب بها لا يؤاخذ احد بذنب غيره. والرهين والمرهون والمرتهن هو المحتبس على أمر يؤدى عنه بحسب ما يجب فيه، فلما كان كل مكلف محتبساً على عمله، فان صح له اداؤه على الواجب فيه تخلص، وإلا هلك، فلهذا قال {كل امرىء بما كسب رهين}. قوله {وأمددناهم بفاكهة} فالامداد هو الاتيان بالشيء بعد الشيء يقال: مد الجرح وأمد النهر، والفاكهة هي الثمار {ولحم مما يشتهون} أي وامددناهم ايضاً بلحم من الجنس الذي يشتهونه. وقوله {يتنازعون فيها كأساً} أي يتعاطون كأس الخمر، قال الاخطل: شعر : نازعتهم طيب الراح الشمول وقد صاح الدجاج وحانت وقعة الساري تفسير : والكأس الأناء المملوء بالشراب، فان كان فارغاً فلا يسمى كأساً - ذكره الفراء - وقوله {لا لغو فيها ولا تأثيم} معناه لا يجري بينهم باطل ولا ما يلغى فيه ولا ما فيه أثم كما يجري فى الدنيا عند شرب الخمر. وقوله {ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون} يعني فى صفائه وبياضه وحسن منظره، والمكنون المصون. وقيل: ليس على الغلمان مشقة فى خدمة أهل الجنة، بل لهم فى ذلك لذة، لأنه ليس هناك دار محنة. وقوله {وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} أي يسأل بعضهم بعضاً عن حاله، وما هو فيه من انواع النعيم فيسرون بذلك ويزداد فرحهم وقيل: يسأل بعضهم بعضاً عما فعلوه في دار الدنيا مما استحقوا به المصير إلى الثواب والكون فى الجنان بدلالة قوله {إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين}.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالبيعة العامّة او بالبيعة الخاصّة {وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ} الذّرّيّة تقع على الواحد والكثير وهى الصّغار من اولاد الرّجل او مطلق الاولاد، والباء بمعنى مع، او بمعنى فى، او للسّببيّة وتنكير الايمان للاشعار بكفاية ايمانٍ ما للالحاق ولو كان ايماناً حكميّاً فانّ صغار اولاد المسلمين فى حكم الاسلام وان لم يحكم عليهم بالاسلام الحقيقىّ لعدم تعلّق التّكليف بهم بعدُ {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} والمراد انّه تعالى يلحق اولاد المؤمنين المكلّفين منهم القاصرين عن درجة آبائهم بآبائهم تشريفاً لايمان آبائهم، وغير المكلّفين منهم بمحض ايمان الآباء يلحقون بالآباء تشريفاً لهم كما فى الاخبار انّ الصّغار من الاولاود تهدى فى الجنّة للآباء {وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ} بواسطة الحاق الاولاد {كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ} حاليّة او معترضة جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ.
فرات الكوفي
تفسير : { والذين آمَنوا واتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَتُهُمْ بإيمانٍ الْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} قال: حدثنا أبو القاسم العلوي الحسني [قال: حدثنا فرات. أ، ب] معنعناً [عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام]: عن ابن عباس رضي الله عنه [عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال]: حديث : إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ يا معشر الخلائق غضوا أبصاركم حتى تمر فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم فتكون أول من تكسى ويستقبلها من الفردوس اثنى عشر ألف حوراء لم يستقبلن أحداً قبلها ولا أحداً بعدها على نجائب من ياقوت أجنحتها وأزمتها اللؤلؤ، عليها رحائل من در، على كل رحالة منها نمرقة من سندس، وركابها زبرجد، فيجزن [ر: فيجوزون. أ: فتجوز] بها الصراط حتى ينتهين [ر: ينتهون] بها إلى الفردوس فيتباشر بها أهل الجنان، وفي بطنان الفردوس قصور بيض وقصور صفر من اللؤلؤ [ر: لؤلؤة] من غرز [أ: عرق] واحد، إن في القصور البيض لسبعين ألف دار منازل محمد وآله صلى الله عليه وآله وسلم، وإن في القصور الصفر لسبعين ألف دار مساكن إبراهيم وآله عليهم الصلاة والسلام، فتجلس على كرسي من نور ويجلسن [ب، ر: يجلسون] حولها ويبعث إليها ملك لم يبعث إلى أحدٍ قبلها ولا يبعث إلى أحدٍ بعدها فيقول: إن ربك يقرؤك السلام ويقول: سليني [ب: سلي] أعطك، فتقول: قد أتم علي نعمته وهناني [ب: وهيأ لى] كرامته أبا حني جنته أسأله ولدي وذريتي ومن ودهم بعدي وحفظهم من بعدي، فيوحي الله إلى الملك من غير أن يزول من مكانه أن سرها وبشرها أني قد شفعتها في ولدها ومن ودهم بعدها وحفظهم فيها، فتقول: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن وأقر بعيني . تفسير : قال جعفر: كان أبي يقول: كان ابن عباس رضي الله عنه إذا ذكر هذا الحديث تلا هذه اللآية: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم [وما ألتناهم}. ب] [الآية. أ، ب]. فرات قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي معنعناً: عن جعفر بن محمد [عليهما السلام. ب] عن أبيه قال: إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من لدن العرش: غضوا أبصاركم حتّى تمر فاطمة بنت محمد [صلى الله عليه وآله وسلم. أ] وتستقبلها عشرة آلاف حوراء لم يستقبلن أحداً قبلها ولا يستقبلن أحداً بعدها ومعهن عشرة آلاف ملك ومعهم حراب النور على نجائب [من. أ (خ ل)] ياقوت، أجنحتها وأزمتها لؤلؤ رطب، عليها رحائل من در، على كل رحل منهم (منها) نمرقة من سندس، ركابها، ركابها زبرجد، فيجزن بها [على. ب] الصراط حتى ينتهين بها إلى الفردوس، ويتباشرها أهل الجنة، وفي بطنان الفردوس قصران: قصر أبيض وقصر أصفر من لؤلؤ من عرق [خ: غرزٍ] واحد وإن في القصر الأبيض سبعين ألف دار منازل محمد [ وآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ب] وإن في القصر الأصفر لسبعين [ب: سبعين] ألف دار منازل إبراهيم وآل إبراهيم عليه وآله الصلاة والسلام فتجلس على كرسي من نور ويقعدون حولها ويبعث إليها ملكاً [ب: ملك] لم يبعث إلى أحد قبلها ولا يبعث إلى أحدٍ بعدها فيقول: إن ربك يقرء عليك السلام ويقول: سليني أعطك، فتقول: قد أنالنى نعمته وهناني كرامته وأباحني جنته وفضلني على نساء خلقه أسأله ولدي وذريتي ومن ودهم بعدي وحفظهم بعدي فيوحي الله إلى الملك من غير أن يتحرك من مكانه أني قد أعطيتها ما سألت في ولدها وذريتها ومن ودهم بعدها وحفظهم فيها فتقول: الحمد لله الذي أقر عيني [أ: بعيني] وأذهب عني الحزن. قال جعفر: كان أبي يقول: كان ابن عباس إذا ذكر هذا الحديث تلا هذه الآية: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم} الآية. قال: حدثنا سليمان بن محمد بن أبي العطوس معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: سمعت [أمير المؤمنين. ر] علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: حديث : دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم على فاطمة عليها السلام وهي حزينة فقال لها: ما حزنك يا بنية؟ قالت: يا أبه ذكرت المحشر ووقوف الناس عراة يوم القيامة. قال: يا بنية إنه ليوم عظيم ولكن قد أخبرني جبرئيل [عليه السلام ر] عن الله عز وجل [أنه. أ، ر] قال: أول من تنشق [ر: ينشق] عنه الأرض يوم القيامة أنا ثم [أ: و] أبي إبراهيم ثم بعلك علي بن أبي طالب [عليه السلام. ب، ر] ثم يبعث الله إليك جبرئيل في سبعين ألف ملك فيضرب على قبرك سبع قباب من نور ثم يأتيك إسرافيل بثلاث حلل من نور فيقف عند رأسك فيناديك: يا فاطمة ابنة محمّد قومي إلى محشرك [فتقومين. ر، خ] آمنة روعتك مستورة عورتك فيناولك إسرافيل الحلل فتلبسينها ويأتيك روفائيل ببنجيببة من نور زمامها من لؤلؤٍ رطب عليها محفة من ذهب فتركبينها ويقود روفائيل بزمامها وبين يديك سبعون ألف ملك بأيديهم ألوية التسبيح فإذا جدبك السير استقبلتك [ب: استقبلك] سبعون ألف حوراء يستبشرون بالنظر إليك بيد كل واحدة منهن مجمرة من نور يسطع [أ: تسطع] منها ريح العود من غير نارٍ، وعليهن أكاليل الجوهر مرصع بالزبرجد الأخضر فيسرن عن يمينك، فإذا مثل الذي سرت من قبرك إلى أن لقيتك استقبلتك مريم بنت عمران في مثل من معك من الحور فتسلم عليك وتسير هي ومن معها عن يسارك، ثم استقبلتك أمك خديجة بنت خويلد أول المؤمنات بالله ورسوله [ب: برسوله] ومعها سبعون ألف ملك بأيديهم ألوية التكبير فإذا قربت من الجمع استقبلتك حواء في سبعين ألف حوراء ومعها آسية بنت مزاحم فتسير هي ومن معها معك فإذا توسطت الجمع وذلك أن الله يجمع الخلائق في صعيد واحد فيستوي بهم الأقدام. ثم ينادي منادٍ من تحت العرش يسمع الخلائق: غضوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة الصديقة ابنة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن معها. فلا ينظر إليك يومئذ إلا إبراهيم خليل الرحمان [صلوات الله وسلامه عليه. أ، ر] وعلي بن أبي طالب عليه السلام، ويطلب آدم حوّاء فيراها مع أمك خديجة أمامك ثم ينصب لك منبر من نور [ر، أ: النور] فيه سبع مراق [ر: مرقاة] بين المرقاة إلى المرقاة صفوف الملائكة بأيديهم ألوية النور، وتصطف الحور العين عن يمين المنبر وعن يساره، وأقرب النساء منك [ر: معك] عن يسارك حواء وآسية بنت مزاحم، فإذا صرت في أعلا المنبر أتاك جبرئيل عليه السلام فيقول [ب: فقال] لك: يا فاطمة سلي حاجتك، فتقولين: يا رب أرني الحسن والحسين فياتيانك وأوداج الحسين تشخب دماً وهو يقول: يا رب خذلي اليوم حقي ممن ظلمني، فيغضب عند ذلك الجليل ويغضب [ب: تغضب] لغضبه جهنم والملائكة أجمعون فتزفر جهنم عند ذلك زفرة ثمّ يخرج فوج من النار فيلتقط [ر: ويلتقط] قتلة الحسين وأبناءهم وأبناء أبناءهم [و. ب، ر] يقولون: يا رب إنا لم نحضر الحسين [عليه السلام. أ، ب] فيقول الله لزبانية جهنم: خذوهم بسيماهم بزرقة الأعين وسواد الوجوه، خذوا بنواصيهم فألقوهم في الدرك الأسفل من النار فإنهم كانوا أشد على أولياء الحسين من آبائهم الذي حاربوا الحسين فقتلوه، فيسمع شهيقهم في جهنم. ثم يقول جبرئيل عليه السلام: يا فاطمة سلي حاجتك؟ فتقولين: يا رب شيعتي، فيقول الله: قد غفرت لهم، فتقولين: يا رب شيعة ولدي، فيقول الله: قد غفرت لهم، فتقولين: يا رب شيعة شيعتي، فيقول الله: انطلقي فمن اعتصم بك فهو معك في الجنة، فعند ذلك يود الخلائق أنهم كانوا فاطميين، فتسيرين ومعك شيعتك وشيعة ولدك وشيعة أمير المؤمنين آمنة روعاتهم مستورة عوراتهم قد ذهبت عنهم الشدائد وسهلت لهم الموارد، يخاف الناس وهم لا يخافون ويظمأ الناس وهم لا يظمأون فإذا بلغت باب الجنة تلقتك اثنى عشر ألف حوراء لم يتلقين [ر: يلتقين] أحداً [كان. ب] قبلك ولا يتلقين [ر: يلتقين] أحداً [كان. ر، ب] بعدك، بأيديهم حراب من نور على نجائب من نور رحائلها [أ: حمائلها] من الذهب الأصفر والياقوت، أزمتها من لؤلؤ رطب، على كل نجيبة نمرقة من سندس منضود فإذا دخلت الجنة تباشر بك أهلها ووضع لشيعتك موائد من جوهر على أعمدة من نور، فيأكلون منها والناس في الحساب وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون، فإذا استقر أولياء الله في الجنة زارك آدم ومن دونه من النبيين، وإن في بطنان الفردوس للؤلؤتان من عرق واحد، لؤلؤة بيضاء ولؤلؤة صفراء فيها قصور ودور في كل واحدة سبعون ألف دار، البيضاء منازل لنا ولشيعتنا والصفراء منازل لابراهيم وآل إبراهيم. قالت: يا أبة فما كنت أحب أن أرى يومك وأبقى بعدك. قال: [ب: فقال] يا بنيه لقد أخبرني جبرئيل عليه السلام عن الله انك أول من يلحقني من أهل بيتي فالويل كله لمن ظلمك والفوز العظيم لمن نصرك . تفسير : قال عطاء: وكان ابن عباس رضي الله عنه إذا ذكر هذا الحديث تلا هذه الآية: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرىءٍ بما كسب رهين}.
الهواري
تفسير : قوله عز وجل: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}. [.... عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال]: إن الله يرفع إلى المؤمن ولده في درجته في الجنة وإن كانوا دونه في العمل لتقر بذلك عينه، وكذلك الآباء يرفعون إلى الأبناء إذا كانت الآباء دون الأبناء في العمل. ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم . تفسير : ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لأن أقدم سقطاً خير من أن أخلف مائة فارس كلهم يجاهدون في سبيل الله . تفسير : قال: {وَمَا أَلَتْنَاهُم} أي: وما نقصناهم {مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} يعني أهل النار. كل امرىء بما كسب، أي بما عمل، رهين، أي غلِق الرهن. مثل قوله: (أية : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ) تفسير : [المدثر: 38-39] استثنى المؤمنين، وعامة الناس مشركون. قال عزّ وجل: {إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ}، وهم أهل الجنة، وهم المقتصدون.
اطفيش
تفسير : {الَّذِينَ آمَنُوا} عطف على حواري قرناهم بحور عين وبالذين آمنوا فتارة يتمتعون بملاعبة الحور وتارة بمأنسة الاخوان فالمراد بالتزويج مجرد القرن وجملة ألحقنا مستأنفة، والذين مبتدأ وألحقنا خبر، وما بينهما اعتراضي ويجوز جعل اتبعتهم ذريتهم معطوفا، فالواو عاطفة أو حالا فالواو حالية وعلى كل فجملة اتبعتهم ذريتهم لبيان الواقع لان المراد بالذرية من لم يبلغ ومن لم يبلغ مؤمن على كل حال كلا مولود يولد على الفطرة ولا سيما اولاد المؤمنين ولكن اصحابنا لا يؤلون إلا ولد المؤمن ويقفون فى ولد غيرهم وبسط المسألة فى الفقه ولك ان تقول العطف والحال للتقييد لا لبيان الواقع أي شرط الحاق الذرية بهم ايمانها بان تموت غير بالغة فلا يصدق عليها اسم الكفر أو يموت من يموت وهو بالغ مؤمن وللحق بأبيه إيناسا لا ستحقاقا لضعف علمه عن درجة أبيه هذا ما يلحق من التقرير بمذهب الاصحاب فشد عليه يديك وقد تقرر عندنا كغيرنا أن الوليد بحكم باسلامه تبعا لاحد ابويه وممن قال المراد بالذرية من لم يبلغ ابن عباس يجمع له ذريته فى الجنة كما يجب جمعها في الدنيا ويلحقهم بدرجته من غير ان ينقص من درجته وفي الحديث "حديث : إِن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإِن كانوا دونه لتقر بها عينه"تفسير : ثم قرأ {الَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُم ذُرِّيَّتُهُم بِإيَمانِ أَلحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتُهُمْ}. وكذلك الآباء ترفع إلى الأبناء إذا كانوا ابنائهم وفي الحديث "حديث : ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحلم إلا أدخله الله الجنة برحمته"تفسير : فافهم وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لان أقدم سقطا خير من أَن أخلف مائة فارس كلهم يجاهدون فى سبيل الله"تفسير : . واستدل بعضهم على ان اولاد المشركين فى النار بان خديجة رضي الله عنها حديث : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ولديها ماتا في الجاهلية فقال "في النار" فرأى الكارهية في وجهها فقال "لو رايت مكانهما لابغضتهما" قالت: يا رسول الله فولدي منك قال: "فى الجنة ان المشركين واولادهم فى النار والمؤمنين وأولادهم فى الجنة"تفسير : وقرأ الآية والله أعلم بصحة هذا الحديث. عنه صلى الله عليه وسلم الحديث الصحيح قوله "حديث : الله أعلم باولاد المنافقين والمشركين كيف يعملون"تفسير : لو عملوا والظاهر انهم للجنة اقرب منهم إلى النار لانه تعالى يمن بالرحمة ولا يظلم بالعذاب ولولادتهم على الفطرة والقول باختيارهم باقتحام نار توضع لهم يوم القيامة ضعف وبايمان متعلق بالحقنا وقدم للحصر والاهتمام والتنكير للتعظيم والمراد ايمان الاباء او متعلق باتبعتهم فهو ايمان الذرية ويجوز ان يعلق بالحقنا ويكون المراد ايمان الذرية فالتقديم لما مر والتنكير للتوهين اي بإيمان ضعيف. وقرأ ابن عامر ويعقوب واتبعتهم ذرياتهم بتشديد تاء اتبع وجمع الذرية والرفع مبالغة فى كثرتهم والتصريح بان الذرية تقع على الواحد والكثير وقرأ ابو عمرو واتبعناهم ذرياتهم بقطع الهمزة واسكان التاء ونصب الذريات بالكسر مجموعا وقرأ ذرياتهم بكسر الذال وضم التاء بعد اتبعتهم بتشديد التاء الاولى وقيل: بايمان حال من الضمير والذرية او منهما قيل وتنكير ايمان بانه يكفي للالحاق المتابعة فى اصل الايمان واعترض بجملة اتبعتهم للتعليل وعن بعضهم الحقنا بهم ذرياتهم فى المواراة والدفن في مقابر الاسلام وفي الجنة. {وَمَا أَلَتْنَاهُم} نقصانهم؛ {مَّن} ثواب؛ {عَمَلِهِم مِّن شَيءٍ} بهذا الالحاق لانه الحاق تفضل على الاباء والابناء وقيل: المعنى لم ينقص من ثواب عملهم شيئاً لا بالحاق ولا بغيره والمضارع يألت بالكسر أو من ألات يليت حذف الألف للساكن بعده وقرأ ابن كثير التنا بكسر اللام والمضارع بفتحها وروي عنه لتنا بكسر اللام من لات يليت والتنا بالمد والفتح والمضارع يولت بضم الياء وكسر اللام ولتنا بفتح اللام والمضارع يلت كوعد يعد والمعنى واحد. {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} كل واحد مرهون عند الله بعمله فان فك نفسه بالعمل الصالح وإلا اهلكها وقيل الكسب الشرك اي كل امرىء كافر مرهون فى النار بما كسب من الشرك.
اطفيش
تفسير : {والَّذينَ آمنُوا واتَّبعتْهُم ذُريَّتُهُم} أولادهم الأطفال ذكوراً أو اناثا، وقيد الاتباع احترازا عن ان يبلغ الطفل فيكفر، وعطف اتبعتهم الخ على آمنوا صحيح بلا ضعف، فلا داعى الى جعله حالا مع تقدير قد، بناءعلى وجوب قرن الماضى المثبت بقد إذا كان من جملة الحال، أو بدون تقديرها، لأن الأصل القرن بها، والأصل عدم التقدير، والأصل فى الواو العطف لا الحالية {بإيمان ألحقنا بِهِم ذُرِّيتَهم} فى درجاتهم، والمعنى اتبعتهم ذريتهم بايمان ما قوى أو ضعيف، فان الايمان يتفاوت على الصحيح، وايمان الطفل قد يقوى كما سمعت فى القصص عن بعض الأطفال، فالتنكير للتعميم، وان شئت فقل للتنويع. وقيل: يتفاوت الايمان بالأعمال، ويجوز أن يكون للتعظيم، لأنه ايمان على أصل الفطرة لم تحدث عليه معصية ولا مكروه، وعلى كل حال تكون عبادته دون عبادته أبيه، لأنه غير مكلف الا أنه يجمع بأبويه ليزداد سُرورا به، وقد قال بعض العلماء يتولى الطفل بولاية أمه، ولو كان أبوه فى البراءة، وعن ابن عباس روايتان فى الحلق البالغ بأبيه فى درجته، لو لم يكن فى درجة عمل أبيه لتقر به عينه، والذكر والأنثى سواء فى ذلك كله، ورواية البغوى أن أولاد المشركين فى النار مع آبائهم كاذبة، وأن صحت فأولادهم البالغون المشركون ليتأذوا بهم. قال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده فيقال له إنهم لم يبلغوا درجة عملك، فيقول: يا رب قد عملت لي ولهم، فيؤمر بإلحاقهم به، أي فيسكنون معه أبداً" تفسير : ومعنى عمله لهم أنه كان يدعو لهم، وهذا يكفى ولا سيما أنه قد يهب لهم عملا صالحا فى حياته، وأقول لا مانع من أن تشمل الآية والحديث البالغ القريب من الطفولية المطيع لله، ويلحق ابن أمه أمه فى درجتها ان تابت، وكذا من لمن يثبت له الشرع أباً، وإن شقى الأب وسعدت الأم رفع اليها، وسواء فى ذلك كله المهاجرون الصحابة وغيرهم، ولم يضمر للغربة فى قواه: "ألحقنا" الخ للبيان، وولد الموحد يحكم عليه بالتوحيد، وولد المشرك لا يحكم عليه بالشرك، بل يبطل الشرك، وقيل: ان أسلمت أمه دون أبيه حكم له بحكم التوحيد، وأما أولاد المشرك والفاسق ففى الجنة خدم لأهل الجنة، لأنهم ولدوا على الفطرة، ولحديث سألت ربى فى اللاهين فأعطانيهم، وأخطأ من قال: هم فى النار، إذ لا معصية لهم، وأخطأ من قال: توقد لهم نار، فمن دخلها نجا، لأن الآخرة ليست دار تكليف. وأما ما روى أن خديجة رضى الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد لها من غيره صلى الله عليه وسلم، ماتوا فى الجاهلية فقال: "حديث : إنْ شئت أسمعتك أصواتهم في النار، وإنْ شئت أريتك تقلبهم في النار" تفسير : فأولاد بلَّغ، ولو سمتهم أطفالا لقلنا: المراد بلغ قربوا من الطفولية، وأما قوله تعالى: "أية : ولا يلدوا إلاَّ فاجراً كفاراً" تفسير : [نوح: 27] فمعناه لا يلدوا إلا من يبلغ ويكفر أو إلا من يكفر أن بلغ، كما قال لعائشة فى طفل قالت: انه من أهل الجنة: "حديث : ما يدريك ما يفعل إن بلغ" تفسير : وأما ما روى ان غلام الخضر كافر فان المراد أنه شاب بالغ. {ومَا ألتناهُم} نقصناهم لأجل إلحاق ذريتهم بهم {مِن عَمَلهم} مِن للابتداء، أو متعلقة بمحذوف حال من المفعول به المجرور بمن التى هى صلة فى قوله: {مِن شَىءٍ} والنقص من العمل إسقاط بعضه، فيلزم عليه اسقاط ثواب ذلك البعض، أو يقدر مضاف أى من ثواب عملهم {كُلٌّ امْرىء بمَا كَسَب رَهينٌ} مرهون بذنوبه، فان تاب منها فك بدنه من اليار كشىء مرهون فى دين يفك اذا قضى الدين، وان مات غير تائب من ذنوبه دخل النار، وهذا كقوله تعالى: "أية : كل نفس بما كسبت رهينة * إلاَّ أصحاب اليمين"تفسير : [المدثر: 38 - 39] فان أصحاب اليمين فكوا رقابهم من النار بما أطابوا من أعمالهم، وقيل رهين بمعنى راهن، أى دائم لأن الدوام يقتضى عدم المفارقة بين المرء وعمله، ومن ضرورته ان لا يُنْقص من ثواب الآباء شىء، وأنا أعجب من مثل هذا التكلف.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } الخ كلام مستأنف مسوق لبيان حال طائفة من أهل الجنة إثر بيان حال الكل وهم الذي شاركتهم ذريتهم في الإيمان، والموصول مبتدأ خبره {أَلْحَقْنَا بِهِمْ}، وقوله تعالى: {وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرّيَّتُهُم } عطف على {ءامَنُواْ}، وقيل اعتراض للتعليل، وقوله تعالى: {بِإِيمَـٰنٍ } متعلق بالاتباع أي أتبعتهم ذريتهم بإيمان في الجملة قاصر عن رتبة إيمان الآباء إما بنفسه بناءاً على تفاوت مراتب نفس الإيمان، وإما باعتبار عدم انضمام أعمال مثل أعمال الآباء إليه، واعتبار هذا القيد للإيذان بثبوت الحكم في الإيمان الكامل أصالة لا إلحاقاً قيل: هو حال من الذرية، وقيل: من الضمير وتنوينه للتعظيم، وقيل: منهما وتنوينه للتنكير والمعول عليه ما قدمنا. {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ } في الدرجة. أخرج سعيد بن منصور وهناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم والحاكم والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس قال: «إن الله تعالى ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته في الجنة وإن كانوا دونه في العمل لتقرّ بِهِم عينه ثم قرأ الآية» وأخرجه البزار وابن مردويه عنه مرفوعاً إلى النبـي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية ابن مردويه والطبراني عنه أنه قال: إن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده فيقال له: إنهم لم يبلغوا درجتك وعملك فيقول: يا رب قد عملت لي ولهم فيؤمر بإلحاقهم به » تفسير : وقرأ ابن عباس الآية. وظاهر الأخبار أن المراد بإلحاقهم بهم إسكانهم معهم لا مجرد رفعهم إليهم واتصالهم بهم أحياناً ولو للزيارة، وثبوت ذلك على العموم لا يبعد من فضل الله عز وجل، وما قيل: لعله مخصوص ببعض دون بعض تحجير لإحسانه الواسع جل شأنه، وقد يستأنس للتخصيص بما روى عن ابن عباس أن الذين آمنوا المهاجرون والأنصار، والذرية التابعون لكن لا أظن صحته. {وَمَا أَلَتْنَـٰهُمْ } أي وما نقنصا الآباء بهذا الإلحاق {مّنْ عَمَلِهِم } أي من ثواب عملهم {مِن شَىْء } أي شيئاً بأن أعطينا بعض مثوباتهم أبناءهم فتنقص مثوباتهم وتنحط درجتهم وإنما رفعناهم إلى منزلتهم بمحض التفضل والإحسان، وقال ابن زيد: الضمير عائد على الأبناء أي وما نقصنا الأبناء الملحقين من جزاء عملهم الحسن والقبيح شيئاً بل فعلنا ذلك بهم بعد مجازاتهم بأعمالهم كملاً ـ وليس بشيء وإن قال أبو حيان: يحسن هذا الاحتمال قوله تعالى: {كُلُّ ٱمْرِىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ } وإلى الأول ذهب ابن عباس وابن جبير والجمهور. والآية على ما ذهب إليه المعظم في الكبار من الذرية، وقال منذر بن سعيد: هي في الصغار. وروى عن الحبر والضحاك أنهما قالا: إن الله تعالى يلحق الأبناء الصغار وإن لم يبلغوا زمن الإيمان بآبائهم / المؤمنين، وجعل {بِإِيمَانٍ} عليه متعلقاً بألحقنا أي ألحقنا بسبب إيمان الآباء بهم ذريتهم الصغار الذين ماتوا ولم يبلغوا التكليف فهم في الجنة مع آبائهم قيل: وكأن من يقول بذلك يفسر {ٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرّيَّتُهُم } بماتوا ودرجوا على أثرهم قبل أن يبلغوا الحلم، وجوز أن يتعلق {بِإِيمَانٍ} باتبعتهم على معنى اتبعوهم بهذا الوصف بأن حكم لهم به تبعاً لآبائهم فكانوا مؤمنين حكماً لصغرهم وإيمان آبائهم، والصغير يحكم بإيمانه تبعاً لأحد أبويه المؤمن والكل كما ترى. وقيل: الموصول معطوف على { أية : حُورٌ } تفسير : [الطور: 20]، والمعنى قرناهم بالحور وبالذين آمنوا أي بالرفقاء والجلساء منهم فيتمتعون تارة بملاعبة الحور؛ وأخرى بمؤانسة الإخوان المؤمنين، وقوله تعالى: {وَٱتَّبَعَتْهُمْ } عطف على { أية : زَوَّجْنَاهُم } تفسير : [الطور: 20]، وقوله سبحانه: {بِإِيمَانٍ} متعلق بما بعده أي بسبب إيمان عظيم رفيع المحل، وهو إيمان الآباء ألحقنا بدرجاتهم ذريتهم وإن كانوا لا يستأهلونها تفضلاً عليهم وعلى آبائهم ليتم سرورهم ويكمل نعيمهم، أو بسبب إيمان داني المنزلة وهو إيمان الذرية كأنه قيل: بشيء من الإيمان لا يؤهلهم لدرجة الآباء ألحقناهم بهم، وصنيع الزمخشري ظاهر في اختيار العطف على {حُورٌ} فقد ذكره وجهاً أول، وتعقبه أبو حيان بأنه ((لا يتخيل ذلك أحد غير هذا الرجل، وهو تخيل أعجمي مخالف لفهم العربـي القح كابن عباس وغيره))، وقيل عليه: إنه تعصب منه، والإنصاف أن المتبادر الاستئناف، وإن أحسن الأوجه في الآية وأوفقه للمقام ما تقدم. وقرأ أبو عمرو {وَأَتْبَعْنَـٰهُم } بقطع الهمزة وفتحها وإسكان التاء، ونون بعد العين وألف بعدها أي جعلناهم تابعين لهم في الإيمان، وقرأ أيضاً (ذرياتهم) جمعاً نصباً، وابن عامر كذلك رفعاً، وقرأ (ذرياتهم) بكسر الذال {وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرّيَّتُهُم } بتاء الفاعل، ونصب (ذريتهم) على المفعولية، وقرأ الحسن وابن كثير ـ ألتناهم ـ بكسر اللام من ألت يألت كعلم يعلم، وعلى قراءة الجمهور من باب ضرب يضرب، وابن هرمز (آلتناهم) بالمد من آلت يؤلت، وابن مسعود وأبـيّ (لتناهم) من لات يليت وهي قراءة طلحة والأعمش، ورويت عن شبل وابن كثير، وعن طلحة والأعمش أيضاً ـ لتناهم ـ بفتح اللام، قال سهل: لا يجوز فتح اللام من غير ألف بحال وأنكر أيضاً (آلتناهم) بالمد، وقال: لا يروى عن أحد ولا يدل عليه تفسير ولا عربية وليس كما قال بل نقل أهل اللغة آلت بالمد كما قرأ هرمز، وقرىء (وما ولتناهم) من ولت يلت، ومعنى الكل واحد، وجاء ألت بمعنى غلظ يروى أن رجلاً قام إلى عمر رضي الله تعالى عنه فوعظه فقال: لا تألت على أمير المؤمنين أي لا تغلظ عليه. {كُلُّ ٱمْرِىء بِمَا كَسَبَ } أي بكسبه وعمله {رَهَينٌ } أي مرهون عند الله كأن الكسب بمنزلة الدين ونفس العبد بمنزلة الرهن ولا ينفك الرهن ما لم يؤدّ الدين فإن كان العمل صالحاً فقد أدى لأن العمل الصالح يقبله ربه سبحانه ويصعد إليه عز وجل وإن كان غير ذلك فلا أداء فلا خلاص إذ لا يصعد إليه سبحانه غير الطيب، ولذا قال جل وعلا: { أية : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلاَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْيَمِينِ } تفسير : [المدثر: 38-39] فإن المراد كل نفس رهن بكسبها عند الله تعالى غير مفكوك إلا أصحاب اليمين فإنهم فكوا عنه رقابهم بما أطابوه من كسبهم. ووجه الاتصال على هذا أنه سبحانه لما ذكر حال المتقين وأنه عز وجل وفر عليهم ما أعده لهم من الثواب والتفضل عقب بذلك الكلام ليدل على أنهم فكوا رقابهم وخلصوها وغيرُهم بقي معذباً لأنه لم يفك رقبته، وكان موضعه من حيث الظاهر أن يكون عقيب قوله تعالى: { أية : هُوَ ٱلْبَرُّ ٱلرَّحِيمُ } تفسير : [الطور: 28] ليكون كلاماً راجعاً إلى حال الفريقين ـ المدعوعين والمتقين ـ وإنما جعل متخللاً بين أجزية المتقين عقيب ذكر توفير ما أعدّ لهم، قال في «الكشف»: / ليدل على أن الخلاص من بعض أجزيتهم أيضاً ويلزم أن عدم الخلاص جزاء المقابلين من طريق الإيماء وموقعه موقع الاعتراض تحقيقاً لتوفير ما عدد لأنه إنما يكون بعد الخلاص، وفيه إيماء إلى أن إلحاق الأبناء إنما كان تفضلاً على الآباء لا على الأبناء ابتداءاً لأن التفضل فرع الفك وهؤلاء هم الذين فكوا فاستحقوا التفضل، وجعله استئنافاً بيانياً لهذا المعنى كما فعل الطيبـي بعيد. وقيل: {رَهَينٌ } فعيل بمعنى الفاعل والمعنى كل امرىء بما كسب راهن أي دائم ثابت، وفي «الإرشاد» ((أنه أنسب بالمقام فإن الدوام يقتضي عدم المفارقة بين المرء وعمله، ومن ضرورته أن لا ينقص من ثواب الآباء شيء، فالجملة تعليل لما قبلها))، وأنت تعلم أن فعيلاً بمعنى المفعول أسرع تبادراً إلى الذهن فاعتباره أولى ووجه الاتصال عليه أوفق وألطف كما لا يخفى.
ابن عاشور
تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَـٰنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ}. اعتراض بين ذِكر كرامات المؤمنين، والواو اعتراضية. والتعبير بالموصول إظهار في مقام الإِضمار لتكون الصلة إيماء إلى أن وجه بناء الخبر الوارد بعدها، أي أن سبب إلحاق ذرياتهم بهم في نعيم الجنة هو إيمانهم وكونُ الذريات آمنوا بسبب إيمان آبائهم لأن الآباء المؤمنين يلقِّنون أبناءهم الإِيمان. والمعنى: والمؤمنون الذين لهم ذرياتٌ مؤمنون ألحقنا بهم ذرياتهم. وقد قال تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً}تفسير : [التحريم: 6]، وهل يستطيع أحد أن يقي النار غيره إلا بالإِرشاد. ولعل ما في الآية من إلحاق ذرياتهم من شفاعة المؤمن الصالح لأهله وذريته. والتنكير في قوله: {بإيمان} يحتمل أن يكون للتعظيم، أي بإيمان عظيم، وعظمتُه بكثرة الأعمال الصالحة، فيكون ذلك شرطاً في إلحاقهم بآبائهم وتكون النعمة في جعلهم في مكان واحد. ويحتمل أن يكون للنوعية، أي بما يصدق عليه حقيقة الإِيمان. وقرأ الجمهور {واتبعتهم} بهمزة وصل وبتشديد التاء الأولى وبتاء بعد العين هي تاء تأنيث ضمير الفعل. وقرأه أبو عمرو وحده {وأتبعناهم} بهمزة قطع وسكون التاء. وقوله: {ذريتهم} الأول قرأه الجمهور بصيغة الإِفراد. وقرأه أبو عمرو "ذرياتُهم" بصيغة جمع ذرية فهو مفعول {أتبعناهم}. وقرأه ابن عامر ويعقوب بصيغة الجمع أيضاً لكن مرفوعاً على أنه فاعل {أتبعتهم}، فيكون الإِنعام على آبائهم بإلحاق ذرياتهم بهم وإن لم يعملوا مثل عملهم. وقد روى جماعة منهم الطبري والبزار وابن عديّ وأبو نعيم وابن مردويه حديثاً مسنداً إلى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه (أي في العمل كما صرح به في رواية القرطبي) لتقرّ بهم عينُه ثم قرأ: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان} إلى قوله: {من شيء}»تفسير : . وعلى الاحتمالين هو نعمة جمع الله بها للمؤمنين أنواع المسرّة بسعادتهم بمزاوجة الحور وبمؤانسة الإِخوان المؤمنين وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم، وذلك أن في طبع الإنسان التأنس بأولاده وحبه اتصالهم به. وقد وصف ذلك محمد بن عبد الرفيع الجعفري المُرسي الأندلسي نزيل تونس سنة 1013 ثلاث عشرة وألف في كتاب له سمّاه «الأنوار النبوية في آباء خير البرية» قال في خاتمة الكتاب «قد أطلعني الله تعالى على دين الإِسلام بواسطة والدي وأنا ابن ستة أعوام مع أني كنت إذّاك أروح إلى مكتب النصارى لأقرأ دينهم ثم أرجعُ إلى بيتي فيعلمني والدِي دينَ الإِسلام فكنت أتعلم فيهما (كذا) معاً وسني حين حُملت إلى مكتَبهم أربعة أعوام فأخذ والدي لوحاً من عود الجوز كأني انظر الآن إليه مملّساً من غير طَفَل (اسم لطين يابس وهو طين لزج وليست بعربية وعربيتُه طُفَال كغراب)، فكتب لي فيه حروف الهجاء وهو يسألني عن حروف النصارى حرفاً حرفاً تدريباً وتقريباً فإذا سميتُ له حرفاً أعجمياً يكتب لي حرفاً عربياً حتى استوفى جميع حروف الهجاء وأوصاني أن أكتم ذلك حتى عن والدتي وعَمِّي وأخي مع أنه رحمه الله قد ألقى نفسه للهلاك لإِمكان أن أخبر بذلك عنه فيُحْرَق لا محالة وقد كان يُلقِّنني ما أقوله عند رؤيتي الأصنام، فلما تحقق والدي أني أكتم أمور دين الإِسلام أمرني أن أتكلم بإفشائه لوالدتي وبعض الأصدقاء من أصحابه وسافرت الأسفار من جِيَّان لأجتمع بالمسلمين الأخيار إلى غرناطة وإشبيلية وطليطلة وغيرها من مدن الجزيرة الخضراء، فتخلص لي من معرفتهم أني ميزت منهم سبعة رجال كانوا يحدثونني بأحوال غرناطة وما كان بها في الإِسلام وقد مروا كلهم على شيخ من مشائخ غرناطة يقال له الفقيه الأوطوري...» الخ. وإيثار فعل {ألحقنا} دون أن يقال: أدخلنا معهم، أو جعلنا معهم لعله لما في معنى الإِلحاق من الصلاحية للفَور والتأخير، فقد يكون ذلك الإِلحاق بعد إجراء عقاب على بعض الذرية استحقوه بسيئاتهم على ما في الأعمال من تفاوت في استحقاق العقاب والله أعلم بمراده من عباده. وفعل الإِلحاق يقتضي أن الذريات صاروا في درجات آبائهم. وفي المخالفة بين الصيغتين تفنن لدفع إعادة اللفظ. و{ألتناهم} نقصناهم، يقال: آلته حقه، إذا نقصه إياه، وهو من باب ضرب ومن باب علم. فقرأه الجمهور بفتح لام {ألتناهم}. وقرأه ابن كثير بكسر لام {ألِتناهم}، وتقدم عند قوله تعالى:{أية : لا يلتكم من أعمالكم شيئاً} تفسير : في سورة الحجرات (14). والواو للحال وضمير الغيبة عائد إلى {الذين آمنوا}. والمعنى: أن الله ألحق بهم ذرياتهم في الدرجة في الجنة فضلاً منه على الذين آمنوا دون عوض احتراساً من أن يحسبوا أن إلحاق ذرياتهم بهم بعد عطاء نصيب من حسناتهم لذرياتهم ليدخلوا به الجنة على ما هو متعارف عندهم في فك الأسير، وحَمالة الديات، وخلاص الغارمين، وعلى ما هو معروف في الانتصاف من المظلوم للظالم بالأخذ من حسناته وإعطائها للمظلوم، وهو كناية عن عدم انتقاص حظوظهم من الجزاء على الأعمال الصالحة. و{من عملهم} متعلق بــــ{ما ألتناهم} و(من) للتبعيض، و(من) التي في قوله: {من شيء} لتوكيد النفي وإفادة الإِحاطة والشمول للنكرة. {كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ}. جملة معترضة بين جملة {وما ألتناهم من عملهم} وبين جملة {أية : وأمددناهم بفاكهة}تفسير : [الطور: 22]، قصد منها تعليل الجملة التي قبلها وهي بما فيها من العموم صالحة للتذييل مع التعليل، و{كل امرىء} يعمّ أهل الآخرة كلهم. وليس المراد كل امرىء من المتقين خاصة. والمعنى: انتفى إنقاصُنا إياهم شيئاً من عملهم لأن كل أحد مقرون بما كسب ومرتهَن عنده والمتقون لمّا كَسَبوا العمل الصالح كان لازماً لهم مقترناً بهم لا يُسلبون منه شيئاً، والمراد بما كسبوا: جزاء ما كسبوا لأنه الذي يقترن بصاحب العمل وأما نفس العمل نفسه فقد انقضى في إبانه. وفي هذا التعليل كنايتان: إحداهما: أن أهل الكفر مقرونون بجزاء أعمالهم، وثانيتهما: أن ذريات المؤمنين الذين ألحقوا بآبائهم في النعيم ألحقوا بالجنة كرامة لآبائهم ولولا تلك الكرامة لكانت معاملتهم على حسب أعمالهم. وبهذا كان لهذه الجملة هنا وقع أشد حسناً مما سواه مع أنها صارت من حسن التتميم. والكسب: يطلق على ما يحصله المرء بعمله لإِرادة نفع نفسه. ورهين: فعيل بمعنى مفعول من الرهن وهو الحبس.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ}. ظاهر هذه الآية الكريمة العموم في جميع الناس، وقد بين تعالى في آيات أخر أن أصحاب اليمين خارجون من هذا العموم، وذلك في قوله تعالى: {أية : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاَّ أَصْحَابَ ٱلْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ}تفسير : [المدثر: 38-41]. ومن المعلوم أن التخصيص بيان، كما تقرر في الأصول.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: والذين آمنوا: أي حق الإِيمان المستلزم للإِسلام والإِحسان. واتبعتهم ذريتهم بإيمان: أي كامل مستوفٍ لشرائطه ومنها الإِسلام. ألحقنا بهم ذريَّتَهُم: أي وإن لم يعملوا عملهم بل قصروا في ذلك. وما ألتناهم من عملهم من شيء: أي وما نقصناهم من أجور أعمالهم شيئاً. كل امرىء بما كسب رهين: أي كل إنسان مرهون أي محبوس بكسبه الباطل. يتنازعون فيها كأساً: أي يتعاطون بينهم فيها أي في الجنة كأساً من خمر. لا لغو فيها ولا تأثيم: أي لا يقع لهم بسبب شربها لغو وهو كل كلام لا خير فيه ولا إثم. ويطوف عليهم غلمان: أي ويدور بهم خدم لهم. كأنهم لُؤلُؤ مكنون: أي مَصُونْ. وأقبل بعضهم على بعض: أي يسأل بعضهم بعضاً عما كانوا عليه في الدنيا وما وصلوا إليه في الآخرة. قالوا إنا كنا قبل: أي قالوا مشيرين إلى علة سعادتهم إنا كنا قبل أي في الدنيا. في أهلنا مشفقين: أي بين أهلنا وأولادنا مشفقين أي خائفين من عذاب الله تعالى. فمن الله علينا: أي بالمغفرة. ووقانا عذاب السموم: أي وحفظنا من عذاب النار التي يدخل حرها في مسام الجسم. إنا كنا ندعوه: أي في الدنيا نعبده موحدين له. إنه هو البر الرحيم: أي المحسن الصادق في وعده الرحيم العظيم الرحمة. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ذكر أفضال الله تعالى وإنعامه على أوليائه في الجنة إذ قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي حق الإِيمان الذي هو عقد بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان واتبعتهم ذريتهم بإيمان كامل صحيح إلا أنهم لم يبلغوا من الأعمال الصالحة ما بلغه آباؤهم ألحقنا بهم ذريتهم لتقر بذلك أعينهم وتعظم مسرتهم وتكمل سعادتهم باجتماعهم مع ذريتهم. وقوله تعالى: {وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ} أي وما نقصنا الآباء من عملهم الصالح من شيء بل وفيناهموه كاملاً غير منقوص ورفعنا إليهم أبناءهم بفضلٍ منا ورحمة. وقوله تعالى: {كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ} إخبار منه تعالى أن كل نفس عنده يوم القيامة مرتهنة بعملها تجزى به إلا أنه تعالى تفضل على أولئك الآباء فرفع إلى درجاتهم أبناءهم تفضيلا وإحسانا. وقوله عز وجل: {وَأَمْدَدْنَاهُم} أي الآباء والأبناء من سكان الجنة بفاكهة ولحم مما يشتهون من اللحمان. هذا طعامهم أما الشراب فإنهم يتنازعون أي يتعاطون في الجنة كأساً من خمر لا لغو فيها. أي لا تسبب هذياناً من الكلام إذ اللغو الكلام الذي لا فائدة منه. وقوله: {وَلاَ تَأْثِيمٌ} أي وليس في شربها إثم وقوله تعالى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ} أي خدم لهم كأنهم في جمالهم وحسن منظرهم لؤلؤ مكنون في أصدافه. وقوله تعالى: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} أي عما كان لهم في الدنيا، وما انتهوا إليه في الآخرة من هذا النعيم المقيم. وقالوا مشيرين إلى سبب نعيمهم في الآخرة إنا كنا أي في الدنيا في أهلنا مشفقين أي خائفين من عذاب ربنا فترتب على ذلك أن منَّ الله علينا بدخول الجنة ووقانا عذاب السموم الذي هو عذاب النار الذي ينفذ إلى المسام والعياذ بالله تعالى. إنا كنا من قبل أي في الدنيا قبل الآخرة ندعوه ونتضرع إليه أن يجيرنا من النار ويدخلنا الجنة إنه هو تعالى البر بأولياءه الرحيم بعباده المؤمنين. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وصف كامل لأهل الجنة وهو تقرير في نفس الوقت للبعث والجزاء بذكر ما يكون فيه. 2- فضل الإِيمان وكرامة أهله عند الله بإلحاق الابناء قليل العمل الصالح بآبائهم الكثيري العمل الصالح. 3- تقرير قاعدة أن المرء يوم القيامة يكون رهين كسبه لا يفكه إلا الله عز وجل فمن استطاع أن يفك رقبته فليفعل وذلك بالإِيمان والإِسلام والإِحسان. 4- فضيلة الإِشفاق في الدنيا من عذاب الآخرة. 5- فضل الدعاء والتضرع إلى الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {بِإِيمَانٍ} {أَلَتْنَاهُمْ} (21) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالى العِبَادَ عَمَّا يَتَفَضَّلُ بهِ عَلَى المُؤْمِنينَ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِهِ، فَإِنَّهُ تَعَالى يُلحِقُ بِهِمْ مَنْ آمَنَ مِنْ ذُرِّيتهِم، في المَنْزِلةِ، لِتَقرَّ بِهِمْ عُيونُهُمْ فِي الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ عَمَلُ هؤُلاءِ لا يُبَلِّغُهُمْ هذِهِ المَنْزِلَةَ، فَيتَفَضَّلُ اللهُ تَعَالى بِرَفْعِ نَاقِصِي العَمَلِ إِلى مَرْتَبةِ الكَامِلي العَمَلِ، تَكرُّماً مِنْهُ، وَتَفَضُّلاً عَلَى هؤُلاءِ الكِرامِ البَرَرَةِ، وَلاَ يُنْقِصُ اللهُ تَعَالى دَرجَاتِ الآباءِ بِسَببِ ذُنُوبِ أبْنَائِهِمْ بَلْ يَرْفَعُ مَنْزلةَ الأَبْنَاءِ. ثُمَّ يُخْبِرُ تَعَالى بِأَنَّ العَدْلَ يَقْضِي بِأَلاَّ يُؤاخَذَ أَحَدٌ بِذَنْبِ أَحَدٍ، وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُرْتَهنٌ بِعَمَلِهِ، وَلاَ يُحمَلُ عَليهِ ذَنْبُ غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ. مَا أَلَتْنَاهُمْ - مَا نَقصْنا الآباءَ بِهذا الإِلْحَاقِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ..} [الطور: 21] أي: آمنوا بالله وحده لا شريك له، وأنه واحد أحد، واعتقدوا ذلك، واحد أي ليس معه غيره، وأحدٌ أي في ذاته، وأحد ليس له أجزاء {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص: 1]. والإيمان لا يكون كاملاً إلا إذا صحبه عملٌ بمقتضى هذا الإيمان، عمل بالمنهج الذي وضعه لك مَنْ آمنت به، لذلك قرن في مواضع كثيرة بين الإيمان والعمل الصالح، فقال: {أية : آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ..}تفسير : [الطلاق: 11]. وقوله تعالى: {وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ ..} [الطور: 21] فالرجل آمن وعمل صالحاً واتبعتْه في هذا ذريته من بعده، آمن مثله، لكن عمله دون عمل أبيه وأقلّ منه، فالحق سبحانه بكرمه ورحمته بالذرية، وكرامةً للأب المؤمن يرفع إليه ابنه إلى المرتبة الأعلى. {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ..} [الطور: 21] ما نقصناهم شيئاً، زدنا الأبناء ولم ننقص الآباء، لأن شرط الإيمان متوفر في الاثنين، أما العمل فإنْ قَلَّ يُجبر تفضّلاً من الله وتكرّماً. معنى ذرية هي النسل المتسلسل، فذرية الرجل أولاده وأولاد أولاده، فالأب من الذرية، والابن من الذرية ففيها تسلسل النسب، والذرية قسمان: ذرية قبل التكليف وذرية بعد التكليف. والمراد هنا الذرية المكلَّفة والمطلوب منها الإيمان والعمل الصالح. وكلمة {وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ..} [الطور: 21] أي: أيّ شيء مهما كان صغيراً. وقوله تعالى: {كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ} [الطور: 21] رهين صيغة مبالغة على وزن فعيل، وهذا الوزن يأتي فعيل بمعنى فاعل مثل رحيم أي: راحم. وتأتي فعيل بمعنى مفعول مثل قتيل أي: مقتول. وهنا رهين بمعنى مرهون من الرهن، والرهن كما تعرفون شيء عيني يجعله المحتاج للمال عند صاحب المال ضماناً له حتى يقضي دَيْنه، فالرهن موقوف على المال حتى يعود إلى صاحبه، كذلك العبد يوم القيامة مرهون بعمله محبوس عليه. أو نقول: رهين بمعنى راهن فاعل أي: راهن عمله إنْ خيراً وجده خيراً. وإنْ شراً وحده شراً.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} معناه أَعطينا الأَبناءَ ما أَعطينا الأَباءَ في المماثلةِ من الكَرامةِ. وقوله تعالى: {وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ} معناه ما نَقَصناهم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذا من تمام نعيم أهل الجنة، أن ألحق الله [بهم] ذريتهم الذين اتبعوهم بإيمان أي: الذين لحقوهم بالإيمان الصادر من آبائهم، فصارت الذرية تبعا لهم بالإيمان، ومن باب أولى إذا تبعتهم ذريتهم بإيمانهم الصادر منهم أنفسهم، فهؤلاء المذكورون، يلحقهم الله بمنازل آبائهم في الجنة وإن لم يبلغوها، جزاء لآبائهم، وزيادة في ثوابهم، ومع ذلك، لا ينقص الله الآباء من أعمالهم شيئا، ولما كان ربما توهم متوهم أن أهل النار كذلك، يلحق الله بهم أبناءهم وذريتهم، أخبر أنه ليس حكم الدارين حكما واحدا، فإن النار دار العدل، ومن عدله تعالى أن لا يعذب أحدا إلا بذنب، ولهذا قال: { كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ } أي: مرتهن بعمله، فلا تزر وازرة وزر أخرى، ولا يحمل على أحد ذنب أحد. هذا اعتراض من فوائده إزالة الوهم المذكور. وقوله: { وَأَمْدَدْنَاهُمْ } أي: أمددنا أهل الجنة من فضلنا الواسع ورزقنا العميم، { بِفَاكِهَةٍ } من العنب والرمان والتفاح، وأصناف الفواكه اللذيذة الزائدة على ما به يتقوتون، { وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ } من كل ما طلبوه واشتهته أنفسهم، من لحم الطير وغيرها. { يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا } أي: تدور كاسات الرحيق والخمر عليهم، ويتعاطونها فيما بينهم، وتطوف عليهم الولدان المخلدون بأكواب وأباريق وكأس { لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ } أي: ليس في الجنة كلام لغو، وهو الذي لا فائدة فيه ولا تأثيم، وهو الذي فيه إثم ومعصية، وإذا انتفى الأمران، ثبت الأمر الثالث، وهو أن كلامهم فيها سلام طيب طاهر، مسر للنفوس، مفرح للقلوب، يتعاشرون أحسن عشرة، ويتنادمون أطيب المنادمة، ولا يسمعون من ربهم، إلا ما يقر أعينهم، ويدل على رضاه عنهم [ومحبته لهم]. { وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ } أي: خدم شباب { كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ } من حسنهم وبهائهم، يدورون عليهم بالخدمة وقضاء ما يحتاجون إليه وهذا يدل على كثرة نعيمهم وسعته، وكمال راحتهم. { وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ } عن أمور الدنيا وأحوالها. { قَالُوا } في [ذكر] بيان الذي أوصلهم إلى ما هم فيه من الحبرة والسرور: { إِنَّا كُنَّا قَبْلُ } أي: في دار الدنيا { فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ } أي: خائفين وجلين، فتركنا من خوفه الذنوب، وأصلحنا لذلك العيوب. { فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا } بالهداية والتوفيق، { وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ } أي: العذاب الحار الشديد حره. { إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ } أن يقينا عذاب السموم، ويوصلنا إلى النعيم، وهذا شامل لدعاء العبادة ودعاء المسألة أي: لم نزل نتقرب إليه بأنواع القربات وندعوه في سائر الأوقات، { إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ } فمن بره بنا ورحمته إيانا، أنالنا رضاه والجنة، ووقانا سخطه والنار.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 911 : 2 : 1 - سفين عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال، إن الله (تبارك وتعالى ليرفع ذرية المؤمن في درجته، وان كانوا دونه في العمل لتقر بهم أعينهم. ثم قرأ {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ} -). [الآية 21].
همام الصنعاني
تفسير : 3008- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي، في قوله: {وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ}: [الآية: 21]، قال: بإيمان الذُّرِّيَة. 3009- عبد الرزاق، عن الثَّوْري عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ}: [الآية: 21]، قال: إن الله يرفع ذرية المؤمن معه في درجته في الجنَّةِ وإن كانوا دونه في العمل ثم قرأ: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ}: [الآية: 21]، قال: ما نَقصناهم. 3010- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ}: [الآية: 21]، قال: ومَا ظلمناهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):