Verse. 4757 (AR)

٥٢ - ٱلطُّور

52 - At-Tour (AR)

وَاَمْدَدْنٰہُمْ بِفَاكِہَۃٍ وَّلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَہُوْنَ۝۲۲
Waamdadnahum bifakihatin walahmin mimma yashtahoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وأمددناهم» زدناهم في وقت بعد وقت «بفاكهة ولحم ما يشتهون» وإن لم يصرحوا بطلبه.

22

Tafseer

الرازي

تفسير : أي زدناهم مأكولاً ومشروباً، أما المأكول فالفاكهة واللحم، وأما المشروب فالكأس الذي يتنازعون فيها، وفي تفسيرها لطائف: اللطيفة الأولى: لما قال: {أية : أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذرياتهم} تفسير : [الطور: 21] بين الزيادة ليكون ذلك جارياً على عادة الملوك في الدنيا إذا زادوا في حق عبد من عبيدهم يزيدون في أقدار أخبازهم وأقطاعهم، واختار من المأكول أرفع الأنواع وهو الفاكهة واللحم فإنهما طعام المتنعمين، وجمع أوصافاً حسنة في قوله {مما يشتهون}، لأنه لو ذكر نوعاً فربما يكون ذلك النوع غير مشتهى عند بعض الناس فقال كل أحد يعطى ما يشتهي، فإن قيل الاشتهاء كالجوع وفيه نوع ألم، نقول ليس كذلك، بل الاشتهاء به اللذة والله تعالى لا يتركه في الاشتهاء بدون المشتهي حتى يتألم، بل المشتهي حاصل مع الشهوة والإنسان في الدنيا لا يتألم إلا بأحد أمرين، إما باشتهاء صادق وعجزه عن الوصول إلى المشتهي، وإما بحصول أنواع الأطعمة والأشربة عنده وسقوط شهوته وكلاهما منتف في الآخرة. اللطيفة الثانية: لما قال: {وَمَا أَلَتْنَـٰهُمْ } ونفي النقصان يصدق بحصول المساوي، فقال ليس عدم النقصان بالاقتصار على المساوي، بطريق آخر وهو الزيادة والإمداد، فإن قيل أكثر الله من ذكر الأكل والشرب، وبعض العارفين يقولون لخاصة الله بالله شغل شاغل عن الأكل والشرب وكل ما سوى الله، نقول هذا على العمل، ولهذا قال تعالى: {أية : جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } تفسير : [الواقعة: 24] وقال: {أية : بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } تفسير : [الطور: 16] وأما على العلم بذلك فذلك، ولهذا قال: {أية : لَهُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ * سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } تفسير : [يۤس: 57، 58] أي للنفوس ما تتفكه به، للأرواح ما تتمناه من القربة والزلفى.

البيضاوي

تفسير : {وَأَمْدَدْنَـٰهُم بِفَـٰكِهَةٍ وَلَحْمٍ مّمَّا يَشْتَهُونَ } أي وزدناهم وقتاً بعد وقت ما يشتهون من أنواع التنعم. {يَتَنَـٰزَعُونَ فِيهَا } يتعاطون هم وجلساؤهم بتجاذب. {كَأْساً } خمراً سماها باسم محلها ولذلك أنث الضمير في قوله: {لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ } أي لا يتكلمون بلغو الحديث في أثناء شربها، ولا يفعلوا ما يؤثم به فاعله كما هو عادة الشاربين في الدنيا، وذلك مثل قوله تعالى: {أية : لاَ فِيهَا غَوْلٌ } تفسير : [الصافات: 47] وقرأهما ابن كثير والبصريان بالفتح. {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ } أي بالكأس. {غِلْمَانٌ لَّهُمْ } أي مماليك مخصوصون بهم. وقيل هم أولادهم الذين سبقوهم. {كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ } مصون في الصدف من بياضهم وصفائهم. وعنه صلى الله عليه وسلم «حديث : والذي نفسي بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب»تفسير : {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ } يسأل بعضهم بعضاً عن أحواله وأعماله. {قَالُواْ إِنَّا كُنَّا قَبْلَ فِى أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ } خائفين من عصيان الله معتنين بطاعته، أو وجلين من العاقبة. {فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا } بالرحمة والتوفيق. {وَوَقَـٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ } عذاب النار النافذة في المسام نفوذ السموم، وقرىء «وَوَقَّـٰنَا» بالتشديد. {إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ } من قبل ذلك في الدنيا. {نَدْعُوهُ } نعبده أو نسأله الوقاية. {إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ } المحسن، وقرأ نافع والكسائي «أَنَّهُ» بالفتح. {ٱلرَّحِيمِ } الكثير الرحمة. {فَذَكّرْ } فاثبت على التذكير ولا تكترث بقولهم. {فَمَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبَّكَ } بحمد الله وإنعامه. {بِكَـٰهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ }، كما يقولون. {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ } ما يقلق النفوس من حوادث الدهر، وقيل {ٱلْمَنُونِ } الموت فعول من منه إذا قطعه. {قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنّى مَعَكُمْ مّنَ ٱلْمُتَرَبّصِينَ } أتربص هلاككم كما تتربصون هلاكي. {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَـٰمُهُمْ } عقولهم. {بِهَـٰذَا } بهذا التناقض في القول فإن الكاهن يكون ذا فطنة ودقة نظر، والمجنون مغطى عقله والشاعر يكون ذا كلام موزون متسق مخيل، ولا يتأتى ذلك من المجنون وأمر الأحلام به مجاز عن أدائها إليه. {أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ } مجاوزون الحد في العناد وقرىء «بل هم».

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأَمْدَدْنَٰهُم } زدناهم في وقت بعد وقت {بِفَٰكِهَةٍ وَلَحْمٍ مّمَّا يَشْتَهُونَ } وإن لم يصرحوا بطلبه.

النسفي

تفسير : {وَأَمْدَدْنَـٰهُم } وزدناهم في وقت بعد وقت {بِفَـٰكِهَةٍ وَلَحْمٍ مّمَّا يَشْتَهُونَ } وإن لم يقترحوا {يَتَنَـٰزَعُونَ فِيهَا كَأْساً } خمراً أي يتعاطون ويتعاورون هم وجلساؤهم من أقربائهم يتناول هذا الكأس من يد هذا وهذا من يد هذا {لاَّ لَغْوٌ فِيهَا } في شربها {وَلاَ تَأْثِيمٌ } أي لا يجري بينهم ما يلغي يعني لا يجري بينهم باطل ولا ما فيه إثم لو فعله فاعل في دار التكليف من الكذب والشتم ونحوهما كشاربي خمر الدنيا، لأن عقولهم ثابتة فيتكلمون بالحكم والكلام الحسن. {لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ } مكي وبصري. {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ } مملوكون لهم مخصوصون بهم {كَأَنَّهُمْ } من بياضهم وصفائهم {لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ } في الصدف لأنه رطباً أحسن وأصفى أو مخزون لأنه لا يخزن إلا الثمين الغالي القيمة، في الحديث: «حديث : إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه فيجيبه ألف ببابه لبيك لبيك» تفسير : {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ } يسأل بعضهم بعضاً عن أحواله وأعماله وما استحق به نيل ما عند الله {قَالُواْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ } أي في الدنيا {فِى أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ } أرقاء القلوب من خشية الله أو خائفين من نزع الإيمان وفوت الأمان، أو من رد الحسنات والأخذ بالسيئات {فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا } بالمغفرة والرحمة {وَوَقَـٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ } هي الريح الحارة التي تدخل المسام فسميت بها نار جهنم لأنها بهذه الصفة {إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ } من قبل لقاء الله تعالى والمصير إليه يعنون في الدنيا {نَدْعُوهُ } نعبده ولا نعبد غيره ونسأله الوقاية {إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ } المحسن {الرّحيم} العظيم الرحمة الذي إذا عبد أثاب وإذا سئل أجاب. {أَنَّهُ } بالفتح: مدني وعلي أي بأنه أو لأنه {فَذَكِّرْ } فاثبت على تذكير الناس وموعظتهم {فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبَّكَ} برحمة ربك وإنعامه عليه بالنبوة ورجاحة العقل {بِكَـٰهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ } كما زعموا وهو في موضع الحال والتقدير لست كاهناً ولا مجنوناً ملتبساً بنعمة ربك. {أَمْ يَقُولُونَ } هو {شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ } حوادث الدهر أي ننتظر نوائب الزمان فيهلك كما هلك من قبله من الشعراء زهير والنابغة. و«أم» في أوائل هذه الآي منقطعة بمعنى بل والهمزة {قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنّى مَعَكُمْ مّنَ ٱلْمُتَرَبّصِينَ } أتربص هلاككم كما تتربصون هلاكي {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَـٰمُهُمْ } عقولهم {بِهَـٰذَا } التناقض في القول وهو قولهم كاهن وشاعر مع قولهم مجنون وكانت قريش يدعون أهل الأحلام والنهي {أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ } مجاوزون الحد في العناد مع ظهور الحق لهم، وإسناد الأمر إلى الأحلام مجاز {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ } اختلقه محمد من تلقاء نفسه {بَلِ } رد عليهم أي ليس الأمر كما زعموا {لاَ يُؤْمِنُونَ } فلكفرهم وعنادهم يرمون بهذه المطاعن مع علمهم ببطلان قولهم وأنه ليس بمتقول لعجز العرب عنه وما محمد إلا واحد من العرب {فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ } مختلق {مّثْلِهِ } مثل القرآن {إِن كَانُواْ صَـٰدِقِينَ } في أن محمداً تقوله من تلقاء نفسه لأنه بلسانهم وهم فصحاء {أم خُلِقُواْ} أم أحدثوا وقدروا التقدير الذي عليه فطرتهم {مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ} من غير مقدر {أَمْ هُمُ ٱلخَالِقُونَ} أم هم الذين خلقوا أنفسهم حيث لا يعبدون الخالق. وقيل: أخلقوا من أجل لا شيء من جزاء ولا حساب أم هم الخالقون فلا يأتمرون {أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ} فلا يعبدون خالقهما {بَل لاَّ يُوقِنُونَ } أي لا يتدبرون في الآيات فيعلموا خالقهم وخالق السماوات والأرض. {أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبّكَ } من النبوة والرزق وغيرهما فيخصوا من شاءوا بما شاءوا {أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ} الأرباب الغالبون حتى يدبروا أمر الربوبية ويبنوا الأمور على مشيئتهم. وبالسين: مكي وشامي. {أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ } منصوب يرتقون به إلى السماء {يَسْتَمِعُونَ فِيهِ } كلام الملائكة وما يوحى إليهم من علم الغيب حتى يعلموا ما هو كائن من تقدم هلاكه على هلاكهم وظفرهم في العاقبة دونه كما يزعمون. قال الزجاج: يستمعون فيه أي عليه {فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ } بحجة واضحة تصدق استماع مستمعهم {أَمْ لَهُ ٱلْبَنَـٰتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ } ثم سفه أحلامهم حيث اختاروا لله ما يكرهون وهم حكماء عند أنفسهم {أَمْ تَسْـئَلُهُمْ أَجْراً } على التبليغ والإنذار {فَهُم مّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ } المغرم أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه أي لزمهم مغرم ثقيل فدحهم فزهدهم ذلك في اتباعك {أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ } أي اللوح المحفوظ {فَهُمْ يَكْتُبُونَ } ما فيه حتى يقولوا لا نبعث وإن بعثنا لم نعذب {أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً } وهو كيدهم في دار الندوة برسول الله وبالمؤمنين {فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } إشارة إليهم أو أريد بهم كل من كفر بالله تعالى {هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ } هم الذين يعود عليهم وبال كيدهم ويحيق بهم مكرهم وذلك أنهم قتلوا يوم بدر، أو المغلوبون في الكيد من كايدته فكدته {أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ } يمنعهم من عذاب الله {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مّنَ ٱلسَّمَاء سَـٰقِطاً يَقُولُواْ سَحَـٰبٌ } والكسف القطعة وهو جواب قولهم: {أية : أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا } تفسير : [الإسراء: 92] يريد أنهم لشدة طغيانهم وعنادهم لو أسقطناه عليهم لقالوا هذا سحاب {مَّرْكُومٌ } قدركم أي جمع بعضه على بعض يمطرنا ولم يصدقوا أنه كسف ساقط للعذاب. {فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِى فِيهِ يُصْعَقُونَ } بضم الياء: عاصم وشامي. الباقون بفتح الياء، يقال: صعقه فصعق وذلك عند النفخة الأولى نفخة الصعق {يَوْمَ لاَ يُغْنِى عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ * وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ } وإن لهؤلاء الظلمة {عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ } دون يوم القيامة وهو القتل ببدر والقحط سبع سنين وعذاب القبر {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } ذلك. ثم أمره بالصبر إلى أن يقع بهم العذاب فقال {وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ } بإمهالهم وبما يلحقك فيه من المشقة {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا } أي بحيث نراك ونكلؤك. وجمع العين لأن الضمير بلفظ الجماعة ألا ترى إلى قوله {أية : وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِى }تفسير : [طه: 39] {وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ حِينَ تَقُومُ } للصلاة وهو ما يقال بعد التكبير سبحانك اللهم وبحمدك، أو من أي مكان قمت أو من منامك {وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَسَبّحْهُ وَإِدْبَـٰرَ ٱلنُّجُومِ } وإذا أدبرت النجوم من آخر الليل وأدبار زيد أي في أعقاب النجوم وآثارها إذا غربت، والمراد الأمر بقول سبحان الله وبحمده في هذه الأوقات. وقيل: التسبيح الصلاة إذا قام من نومه، ومن الليل صلاة العشاءين، وإدبار النجوم صلاة الفجر، وبالله التوفيق.

الخازن

تفسير : {وأمددناهم بفاكهة} يعني زيادة عما كان لهم {ولحم مما يشتهون} أي من أنواع اللحوم {يتنازعون} أي يتعاطون ويتناولون {فيها} أي في الجنة {كأساً لا لغو فيها} أي لا باطل فيها ولا رفث ولا تخاصم ولا تذهب عقولهم فيلغوا ويرفثوا {ولا تأثيم} أي لا يكون فيها ما يؤثمهم ولا يجري بينهم ما فيه لغو وإثم كما يجري بين شربة الخمر في الدنيا. وقيل: لا يأثمون في شربها.

البقاعي

تفسير : ولما جمعهم في إلحاق الذرية بهم لأنهم من أعظم النعيم، وأمنهم مما قد يخشى من نقصهم بنقصه غيرهم، وعلل ذلك ليكون أرسخ في النفس، أتبعه بما يشاكله فقال: {وأمددناهم} أي آمنوا والمتقين ومن ألحق بهم من ذرياتهم بما لنا من العظمة زيادة على ما تقدم {بفاكهة}. ولما كانت الفاكهة ظاهرة فيما يعرفونه في الدنيا وإن كان عيش الجنة بجميع الأشياء تفكها ليس فيه شيء يقصد به حفظ البدن قال: {ولحم مما يشتهون *} ليس فيه شيء منه مما لا يعجبهم غاية الإعجاب. ولما كان هذا النعيم العظيم المقيم يدعو إلى المعاشرة، بالقرينة العاطرة، بين أن ذلك حالهم اللازمة الظاهرة، من الخصال اللائقة الطاهرة، فقال: {يتنازعون} أي يشربون متجاذبين مجاذبة الملاعبة لفرط المحبة والسرور وتحلية المصاحبة {فيها كأساً} أي خمراً من رقة حاشيتها تكاد أن لا ترى في كأسها. ولما كان في خمر الدنيا غوائل نفاها عنها فقال: {لا لغو} أي سقط مما يضر ولا ينفع {فيها} أي في تنازعها ولا بسبها لأنها لا تذهب بعقولهم ولا يتكلمون إلا بالحسن الجميل {ولا تأثيم *} أي ولا شيء فيها مما يلحق شرَّابها إثما ولا يسوغ نسبه. ولما كانت المعاطاة لا يكمل بسطها ولا يعظم إلا بخدم وسقاة قال: {ويطوف عليهم} أي بالكؤوس وغيرها من أنواع التحف {غلمان} ولما كان أحب ما إلى الإنسان ما يختص به قال: {لهم} ولم يضفهم لئلا يظن أنهم الذين كانوا يخدمونهم في الدنيا فيشفق كل من خدم أحد في الدنيا بقول أو فعل أن يكون خادماً له في الجنة فيحزن بكونه لا يزال تابعاً، وأفاد التنكير أن كل من دخل الجنة وجد له خدماً لم يعرفهم قبل ذلك {كأنهم} في بياضهم وشدة صفائهم {لؤلؤ مكنون *} أي مصون في الصدف لم تغيره العوارض، هذا حال الخادم فما ظنك بالمخدوم. ولما كان ألذ ما إلى الحبيب وأعظم ما يكون من أربه ذكر محبوبه والثناء عليه بما منّ به، قال تعالى شارحاً لذلك عاطفاً على ما تقديره: فأقبلوا على تعاطي ما ذكر من النعم: {وأقبل بعضهم} لما ازدهاهم من السرور، وراقهم من اللذة والحبور {على بعض يتساءلون *} أي يسأل بعضهم بعضاً عن السبب الموصل له إلى هذا النعيم الذي لا يقدر مخلوق على وصفه حق وصفه، ثم استأنف شرح ذلك بقوله: {قالوا} أي قال كل منهم مؤكداً استلذاذاً بما أداهم إلى ما هم فيه لأنه لا يكاد يصدق، مسندين النعمة بفعل الكون إلى الله الذي جبلهم جبلة خير، مسقطين الجار إشارة إلى دوام خوفهم، تنبيهاً على أن الخوف الحامل على الكف عن المعاصي يشترط فيه الدوام، بخلاف الرجاء الحامل على الطاعات، فإنه يكفي فيه ما تيسر كما تأتي الإشارة إليه بإثبات الجار: {إنا كنا قبل} أي في دار العمل {في أهلنا} على ما لهم من العدد والعدد والنعمة والسعة، ولنا بهم من جوالب اللذة والدواعي إلى اللعب {مشفقين *} أي عريقين في الخوف من الله لا يلهينا عنه شيء مع لزومنا لما نقدر عليه من طاعته لعلمنا بأنا لا نقدره لما له من العظمة والجلال والكبرياء والكمال حق قدره، وأنه لو واخذنا بأصغر ذنوبنا أهلكنا، قال الرازي: والإشفاق: دوام الحذر مقروناً بالترحم، وهو أن يشفق على النفس قبل أن تجمح إلى العناد، وله أقسام: إشفاق على العمل أن يصير إلى الضياع، وإشفاق على الخليقة لمعرفة مقاديرها، وإشفاق على الوقت أن يشوبه تفرق وعلى القلب أن يمازجه عارض وعلى النفس أن يداخلها - انتهى. ولما حكى عنهم سبحانه أنهم أثبتوا لأنفسهم عملاً تدريباً لمن أريدت سعادته، فكان بحيث يظن أنهم رأوه هو السبب لما وصلوا إليه، قالوا نافين لهذا الظن، مبينين أن ما هم فيه إنما هو ابتداء تفضل من الله تعالى لأن إشفاقهم منه سبحانه لكيلا يعتمد الإنسان على شيء من عمله فلا يزال معظماً لربه خائفاً منه: {فمنّ الله} الذي له جميع الكمال بسب إشفاقنا منه {علينا} بما يناسب كماله فأمّننا {ووقانا} أي وجنبنا بما سترنا به {عذاب السموم *} أي الحر النافذ في المسام نفوذ السم.

ابو السعود

تفسير : {وَأَمْدَدْنَـٰهُم بِفَـٰكِهَةٍ وَلَحْمٍ مّمَّا يَشْتَهُونَ} وزدناهُم عَلى ما كانَ لَهُم منْ مبادِي التنعمِ وقتاً فوقتاً ما يشتهونَ من فنونِ النعماءِ وألوانِ الآلاءِ {يَتَنَـٰزَعُونَ فِيهَا} أي يتعاطَون فيها هُم وجلساؤُهم بكمالِ رغبةٍ واشتياقٍ كما ينبىءُ عنه التعبـيرُ عن ذلكَ بالتنازع {كَأْساً} أي خمراً تسميةً لَها باسمِ محلِّها {لاَّ لَغْوٌ فِيهَا} أيْ في شُربها حيثُ لا يتكلمونَ في أثناءِ الشربِ بلغوِ الحديثِ وسقَطِ الكلامِ {وَلاَ تَأْثِيمٌ} ولا يفعلونَ ما يؤثمُ به فاعلُه أي ينسبُ إلى الإثمِ لو فعَلُه في دارِ التكليفِ كما هو ديدنُ المنادمينَ في الدُّنيا وإنما يتكلمونَ بالحِكمِ وأحاسنِ الكلامِ ويفعلونَ ما يفعلُه الكرامُ، وقرىءَ لا لغوَ فيها ولا تأثيمَ بالفتح {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ} أي بالكأسِ {غِلْمَانٌ لَّهُمْ} أي مماليكُ مخصوصونَ بهم وقيلَ: هم أولادُهم الذين سبقوهُم {كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ} مصونٌ في الصَّدفِ من بـياضِهم وصفائِهم أو مخزونٌ لأنه لا يخزنُ إلا الثمينُ الغالِي القيمةِ. قيلَ لقَتَادة: هذا الخادمُ فكيفَ المخدومُ؟ فقالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذي نفسي بـيدهِ إنَّ فضلَ المخدومِ على الخادمِ كفضلِ القمرِ ليلةَ البدرِ على سائرِ الكواكبِ"تفسير : . وعنه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: "حديث : إنْ أدنى أهلِ الجنةِ منزلةً منْ يُنادي الخادمَ من خدامِه فيجيبُهُ ألفٌ ببابِه لبـيكَ لبـيكَ"تفسير : {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ} أيْ يسألُ كلُّ بعضٍ منهم بعضاً آخرَ عنْ أحوالِه وأعمالِه فيكونُ كلُّ بعضٍ سائلاً ومسؤولاً لا أنه يسألُ بعضٌ معينٌ منهم بعضاً آخرَ معيناً.

القشيري

تفسير : أي لا يجري بينهم باطلٌ ولا يؤثمهم كما يجري بين الشَّربِ في الدنيا، ولا يَذْهبُ الشُّرْبُ بعقولهم فيجري بينهم ما يُخْرِِجهم عن حَدِّ الأدبِ والاستقامة. وكيف لا يكون مجلسهم بهذه الصفة ومِن المعلوم من يسقيهم، وهم بمشهد منه وعلى رؤية منه؟.

اسماعيل حقي

تفسير : {وامددناهم} اصل المد الجر واكثر ماجاء الامداد فى المحبوب والمد فى المكروه والامداد بالفارسية مدد كردن مدد دادن. وفى القاموس الامداد تأخير الاجل وان تنصر الاجناد بجماعة غيرك والاعطاء والاغاثة {بفاكهة} هى الثمار كلها {ولحم مما يشتهون} وان لم يصر حوا بطلبه والمعنى وزدناهم على ما كان من مبادى التنعم وقتا فوقتا مما يشتهون من فنون النعماء وضروب الآلاء وذلك انه تعالى لما قال {أية : وما ألتناهم}تفسير : ونفى النقصان يصدق بايصال المساوى دفع هذا الاحتمال بقوله امددناهم اى ليس عدم النقصان بالاقتصار على المساوى بل بالزيادة على ثواب اعمالهم والامداد وتنوين فاكهة للتكثير اى بفاكهة لاتنقطع كلما اكلوا ثمرة عاد مكانها مثلها وما فى مايشتهون للعموم لانواع اللحمان وفى الخبر "حديث : انك لتشتهى الطير فى الجنة فيخرجن بين يديك مشويا"تفسير : وقيل يقع الطائر بين يدى الرجل فى الجنة فيأكل منه قديدا ومشويا ثم يطير الى النهر

الجنابذي

تفسير : {وَأَمْدَدْنَاهُم} يعنى اعطيناهم على التّدريج والاستمرار {بِفَاكِهَةٍ} شريفة لا يمكن تعريفها {وَلَحْمٍ} غير معروفٍ ليس من جنس لحوم الدّنيا حتّى يمكن تعريفها {مِّمَّا يَشْتَهُونَ} اى من لحم او من ذى لحم يشتهونه من لحم الطّيور وغير الطّيور.

الهواري

تفسير : قوله عز وجل: {وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ} ذكروا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : والذي نفسي بيده إن أهل الجنة ليتناولون قطوفها وهم متكئون على فرشهم، فما تصل إلى فيّ أحدهم حتى يبدّل الله مكانها أخرى . تفسير : قوله عز وجل: {وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ} وقال في آية أخرى: (أية : وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ) تفسير : [الواقعة:21]. ذكر الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : والذي نفسي بيده إن في الجنة لطيراً أمثال البخت تفسير : . فقال أبو بكر: يا رسول الله؛ إن ذلك الطير لناعم، فقال: حديث : والذي نفسي بيده إن الذي يأكل منها أنعم منها، وأرجوا أن تأكل منها يا أبا بكر . تفسير : قال بعضهم: تصف الطير بين يدي الرجل، فإذا اشتهى أحدها اضطرب ثم صار بين يديه نضيجاً. قال علي بن أبي طالب: إذا اشتهوا الطعام جاءتهم طير بيض فترفع أجنحتها فيأكلون من جنوبها أي الألوان شاءوا، وفيها من كل لون، يأكلون، ثم تطير فتذهب. قال بعضهم: بلغنا أن الطير تصفّ بين يديه فرسخاً في فرسخ، والطير أمثال الإبل، فيقول الطائر: يا ولي الله، أما أنا فرعيت في وادي كذا وكذا، وأكلت من ثمار كذا وكذا، وشربت من عين كذا وكذا، وسِمَني كذا وكذا، وريحي كذا وكذا، فكُلْ مني، فإذا اشتهى حسن الطير واشتهى صفته فوقع ذلك في نفسه قبل أن يتكلم به، وقع على مائدته، نصفه قدير، ونصفه شِواء، فيأكل أربعين سنة، كلما شبع ألقي عليه ألف باب من الشهوة. قالها: ثلاث مرات. ثم يؤتى بالشراب على برد الكافور، وليس بهذا الكافور، وطعم الزنجبيل، وليس بهذا الزنجبيل، وريح المسك، وليس هذا المسك، فإذا شرب هضم ما أكل من الطعام. وتوضع المائدة بين يديه قدر عمره في الدنيا، ويعطى قوة مائة رجل في الجماع؛ يجامع مقدار أربعين سنة لكل يوم مائة عذراء. ذكروا عن مالك بن مالك بن حميد قال: قال لي أبو هريرة: أَحْسِن إلى غنمك: أوسط رعاها، وأطب مراحها، وصل صانعها، فإنها من دواب الجنة.

اطفيش

تفسير : {وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مّمَّا يَشْتَهُونَ} زدناهم في وقت بعد وقت ما يشتهون من فاكهة ولحم فمما يشتهون عائد إلى فاكهة ولحم لا للحم فقط وقيل له وعلق الزيادة بالاشتهاء فلهم ما اشتهوا ولو لم يطلبوه قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذي نفسي بيده إِن أهل الجنة ليتناولون قطوفها وهو متكئون على فرشهم فما تصل إلى في احدهم حتى تبدل أخرى والذي نفسي بيده إِن في الجنة لطيرا أَمثال البخت" فقال أبو بكر يا رسول الله ان ذلك الطير لناعم فقال "والذي نفسي بيده إن الذي يأكل منها أَنعم منها وإِني أَرجوا أن تأكل منها يا أبا بكر"تفسير : . قال بعضهم: تقف الطير بين يدي الرجل فإذ اشتهى احدها اضطرب ثم صار بين يديه نضجا ولا ذلج ولا سلخ ولا طبخ ولا كلفة بل كل ما أرادوا حضر. وعن علي إذ اشتهوا الطعام جاءتهم طير بيض فترفع اجنحتها فيأكلون من جنوبها أي الالوان شاءوا وفيها من كل لون ياكلون ثم يطير فيذهب وعن بعض تصف الطير بين يديه فرسخا في فرسخ والطير امثال الابل فيقول الطائر يا ولي الله اما انا فقد رعيت في واد كذا واكلت من ثمار كذا وشربت من عين كذا وسمني كذا وريحي كذا فكل مني فإذا اشتهى حسن الطير واشتهى صفته وقع ذلك في نفسه قبل ان يتكلم به فيقع على مائدته نصفه قدير ونصفه شواء فيأكل اربعين سنة كلما شبع القى عليه الف باب من الشهوة ثم يؤتى بالشراب على برد الكافور وليس بهذا الكافور وطعم الزنجبيل وليس بهذا الزنجبيل وريح المسك وليس بهذا المسك فإذا شرب هضم ما اكل من الطعام وتوضع المائدة بين يديه قدر عمره في الدنيا ويعطى قوة مائة رجل شاب في الجماع والطعام والشراب يجامع مقدار اربعين سنة كل يوم مائة عذارء وروي احسن إلى غنمك فانها من دواب الجنة.

اطفيش

تفسير : {وأمْددناهم} أى عملنا لهم الزيادة منه بعد أخرى كما تقول: عملت له الثياب بالصوف، وسميت مدة لامتدادها، وغلب الامداد فى المحبوب، والمدة فى المكروه، عكس أو عدو وعد، لكن يستعمل أيضا وعد فى الشر كما فى الخير، وقد يستعمل أيضا مد فى الخير، وما لم يمتد من الزمان لا يسمى مدة الا مجازا بما قدر لك مقدر كذا {بفاكهة ولحم مما يشْتَهُونَ} أى ثابتين مما يشتهون، أو متعلق بأمددناهم، ومن للابتداء، ويجوز التبعيض على الأول.

الالوسي

تفسير : أي وزدناهم على ما كان لهم من مبادي التنعم وقتاً فوقتاً مما يشتهون من فنون النعماء وألوان الآلاء، وأصل المدّ الجر، ومنه المدّة للوقت الممتد ثم شاع في الزيادة، وغلب الإمداد في المحبوب، والمدّ في المكروه وكونه وقتاً بعد وقت مفهوم المدّ نفسه.

ابن عاشور

تفسير : عطف على {أية : في جنات ونعيم}تفسير : [الطور: 17] الخ. والإِمداد: إعطاء المَدَد وهو الزيادة من نوع نافع فيما زيد فيه، أي زدناهم على ما ذكر من النعيم والأكل والشرب الهنيء فاكهةً ولحماً مما يشتهون من الفواكه واللحوم التي يشتهونها، أي ليوتي لهم بشيء لا يرغبون فيه فلكل منهم ما اشتهى. وخص الفاكهة واللحم تمهيداً لقوله: {يتنازعون فيها كأساً لا لغو فيها ولا تأثيم} منحهم الله في الآخرة لذة نشوة الخمر والمنادمة على شربها لأنها من أحسن اللذات فيما ألفتْهُ نفوسهم، وكان أهل الترف في الدنيا إذا شربوا الخمر كَسروا سورة حدتها في البطن بالشِواء من اللحم قال النابغة يصف قرن الثور:شعر : سفُّود شَرْب نَسُوه عند مُفْتَأد تفسير : ويدفعون لذغ الخمر عن أفواههم بأكل الفواكه ويسمونها النُّقْل (بضم النون وفتحها) ويكون من ثمار ومقاث. ولذلك جيء بقوله: {يتنازعون} حالاً من ضمير الغائب في {أمددناهم بفاكهة} الخ. والتنازع أطلق على التداول والتعاطي. وأصله تفاعل من نزع الدلو من البئر عند الاستقاء فإن الناس كانوا إذا وردوا للاستقاء نزع أحدهم دلواً من الماء ثم ناول الدلو لمن حوله وربما كان الرجل القوي الشديد ينزع من البئر للمستقين كلهم يكفيهم تعب النزع، ويسمى الماتح بمثناة فوقية. وقد ذكر الله تعالى نزع موسى عليه السلام لابنتي شعيب لما رأى انقباضهما عن الاندماج في الرعاء. وذكر النبي صلى الله عليه وسلم في رؤياه نَزْعَه على القليب ثم نَزْعَ أبي بكر رضي الله عنه ثم نزع عمر رضي الله عنه. ثم استعير أو جعل مجازاً عن المداولة والمعاورة في مناولة أكؤس الشراب، قال الأعشى:شعر : نازعتهم قُضب الريحان متكئاً وخمرةً مُزَّة راووقها خَضل تفسير : والمعنى: أن بعضهم يصبّ لبعضضٍ الخمرَ ويناوله إيثاراً وكرامة. وقيل: تنازعهم الكأس مجاذبة بعضهم كأس بعض إلى نفسه للمداعبة كما قال امرؤ القيس في المداعبة على الطعام:شعر : فظل العذارى يرتَمينَ بلَحْمِها وشحم كهُدَّاب الدمقس المفتَّل تفسير : والكأس: إناء تشربَ فيه الخمر لا عروة له ولا خرطوم، وهو مؤنث، فيجوز أن يكون هنا مراداً به الإِناء المعروف ومراداً به الجنس، وتقدم قوله في سورة الصافات (45) {أية : يطاف عليهم بكأس من معين}، تفسير : وليس المراد أنهم يشربون في كأس واحدة بأخذ أحدهم من آخر كأسه. ويجوز أن يراد بالكأس الخمر، وهو من إطلاق اسم المحل على الحالّ مثل قولهم: سَال الوادي وكما قال الأعشى:شعر : نازعتُهم قضُب الريحان متكئاً تفسير : وجملة {لا لغو فيها ولا تأثيم} يجوز أن تكون صفة لــــ«كأس» وضمير {لا لغو فيها} عائداً إلى «كأس» ووصف الكأس بــــ {لا لغو فيها ولا تأثيم}. إن فُهم الكأس بمعنى الإِناء المعروف فهو على تقدير: لا لغو ولا تأثيم يصاحبها، فإن (في) للظرفية المجازية التي تؤوّل بالملابسة، كقوله تعالى: {أية : وجاهدوا في اللَّه حق جهاده}تفسير : [الحج: 78] وقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : ففيهما ـــ أي والديك ـــ فجاهد»تفسير : ، أي جاهد ببرهما، أو تُأوَّل (في) بمعنى التعليل كقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : دخلت امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت جوعاً»تفسير : . وإن فهم الكأس مراداً به الخمر كانت (في) مستعارة للسببية، أي لا لغو يقع بسبب شربها. والمعنى على كلا الوجهين أنها لا يخالط شاربيها اللغوُ والإِثم بالسباب والضرب ونحوه، أي أن الخمر التي استعملت الكأس لها ليست كخمور الدنيا، ويجوز أن تكون جملة {لا لغو فيها ولا تأثيم} مستأنفة ناشئة عن جملة {يتنازعون فيها كأساً}، ويكون ضمير {فيها} عائداً إلى {جنات} من قوله: {أية : إن المتقين في جنات}تفسير : [الطور: 17] مثل ضمير {فيها كأساً}، فتكون في الجملة معنى التذييل لأنه إذا انتفى اللغو والتأثيم عن أن يكونا في الجنة انتفى أن يكونا في كأس شُرب أهل الجنة. ومثل هذين الوجهين يأتي في قوله تعالى: {أية : إن للمتقين مفازاً حدائق وأعناباً} تفسير : في سورة النبأ (31- 32) إلى قوله: {أية : لا يسمعون فيها لغواً ولا كذاباً} تفسير : في سورة النبأ (35). واللغو: سِقْط الكلام والهذيان الذي يصدر عن خلل العقل. والتأثيم: ما يؤثَّم به فاعله شَرعاً أو عادة من فعل أو قول مثل الضرب والشتم وتمزيق الثياب وما يشبه أفعال المجانين من آثار العربدة مما لا يخلو عنه الندامى غالباً، فأهل الجنة منزهون عن ذلك كله لأنهم من عالم الحقائق والكمالات فهم حكماء علماء، وقد تمدَّحَ أصحاب الأحلام من أهل الجاهلية بالتنزه عن مثل ذلك، ومنهم من اتقى ما يعرض من الفلتات فحرَّم على نفسه الخمر مثل قيس بن عاصم. وقرأ الجمهور {لا لغو فيها ولا تأثيم} برفعهما على أن (لا) مشبهَّة بــــ (ليس). وقرأه ابن كثير وأبو عمرو بفتحهما على أن (لا) مشبهة بــــ (إنَّ) وهما وجهان في نفي النكرة إذا كانت إرادة الواحد غيرَ محتمَلة ومثله قولها في حديث أم زرع: «زوجي كَلَيلِ تهامة لا حَرّ ولا قرّ ولا مخافة ولا سآمة» رُويت النكرات الأربع بالرفع وبالنصب.

الشنقيطي

تفسير : لم يذكر هنا شيء من صفات هذه الفاكهة ولا هذا اللحم إلا أنه مما يشتهون. وقد بين صفات هذه الفاكهة في مواضع أخر كقوله تعالى:{أية : وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ}تفسير : [الواقعة: 32-33] وبين أنها أنواع في مواضع أخر كقوله: {أية : وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَات}تفسير : [محمد: 15] الآية. وقوله تعالى:{أية : كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً}تفسير : [البقرة: 25] الآية. وقوله تعالى: {أية : أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ}تفسير : [الصافات: 41-42] إلى غير ذلك من الآيات. ووصف اللحم المذكور بأنه من الطير، والفاكهة بأنها مما يتخيرونه على غيره، وذلك في قوله: {أية : وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ}تفسير : [الواقعة: 20-21].

د. أسعد حومد

تفسير : {أَمْدَدْنَاهُم} {بِفَاكِهَةٍ} (22) - وَيَأْمرُ اللهُ بِأَنْ تُوَجَّهَ إِليهِم الفَوَاكِهُ واللحومُ التي تَشْتَهِيهَا أَنْفُسُهُم، دُونَ أَنْ يَطْلُبُوا هُمْ ذلِكَ، وَدُونَ أَنْ يَقْتَرِحُوهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَمْدَدْنَاهُم ..} [الطور: 22] يعني: أن هذا عطاء جديد فوق ما سبق وزيادة عليه {يَتَنَازَعُونَ فِيهَا ..} [الطور: 23] أي: في الجنة يتنازعون الكأس أي: يتجاذبونه. وهذا التجاذب ليس عن خلاف أو بغضاء، إنما عن موادعة وملاطفة وأنْس، فكأنهم يشربون في متعة وانسجام وتدلُّل. {يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً ..} [الطور: 23] الكأس هو الوعاء الذي يُشرب فيه الخمر، ولا يسمى كأساً إلا إذا كان ممتلئاً فإنْ كان فارغاً فهو كوب. ومعنى {لاَّ لَغْوٌ فِيهَا ..} [الطور: 23] اللغو: العمل الذي لا فائة منه، وهو الكلام الساقط الذي لا معنى له لكن لا إثم فيه {وَلاَ تَأْثِيمٌ} [الطور: 23] لا إثم فيه ولا يجرّك إلى محرم. وهذه ميزة خمر الآخرة، والفرق بينها وبين خمر الدنيا، أن خمر الدنيا تذهب العقل وتحمل شاربها على الهذيان وفقدان العقل، وبالتالي يحدث منه اللغو، ويحدث منه الإثم. أما خمر الآخرة فمنزّهة عن هذا، لذلك وصفها الحق سبحانه بقوله: {أية : وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ..}تفسير : [محمد: 15] إذن: صفَّاها الحق سبحانه من عيوبها، فليس لها من خمر الدنيا إلا الاسم، وإذا رأيتَ الذي يشرب الخمر تراه (يدلقها) في خلقه هكذا مرة واحدة لماذا؟ لأنها كريهة الطعم والرائحة. أما في الآخرة فيتذوقها ويتمتع بلذتها، فإذا كانت خمر الدنيا بهذه الصفة فلماذا يشربونها؟ حين تسأل يقول لك: لأنسى همومي وأحزاني ومشاكلي. وهذا عجيب لأن الله تعالى لا يريد منَّا أنْ ننسى الهموم والأحزان ونفر منها، إنما يريد منا أنْ نُعايشها ونعرف أسبابها، ونحاول التغلب عليها. إذن: لا فائدة من نسيانها وسترها.