٥٢ - ٱلطُّور
52 - At-Tour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
25
Tafseer
الرازي
تفسير : إشارة إلى أنهم يعلمون ما جرى عليهم في الدنيا ويذكرونه، وكذلك الكافر لا ينسى ما كان له من النعيم في الدنيا، فتزداد لذة المؤمن من حيث يرى نفسه انتقلت من السجن إلى الجنة ومن الضيق إلى السعة، ويزداد الكافر ألماً حيث يرى نفسه منتقلة من الشرف إلى التلف ومن النعيم إلى الجحيم، ثم يتذكرون ما كانوا عليه في الدنيا من الخشية والخوف، فيقولون {إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِى أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ } وهو أنهم يكون تساؤلهم عن سبب ما وصلوا إليه فيقولون خشية الله كنا نخاف الله {فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَـٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ } وفيه لطيفة وهو أن يكون إشفاقهم على فوات الدنيا والخروج منها ومفارقة الإخوان ثم لما نزلوا الجنة علموا خطأهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} قال ٱبن عباس: إذا بعثوا من قبورهم سأل بعضهم بعضاً. وقيل: في الجنة {يَتَسَآءَلُونَ} أي يتذاكرون ما كانوا فيه في الدنيا من التعب والخوف من العاقبة، ويحمدون الله تعالى على زوال الخوف عنهم. وقيل: يقول بعضهم لبعض بم صرت في هذه المنزلة الرفيعة؟ {قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ} أي قال كل مسؤول منهم لسائله: {إِنَّا كُنَّا قَبْلُ} أي في الدنيا خائفين وجلين من عذاب الله. {فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا} بالجنة والمغفرة. وقيل: بالتوفيق والهداية. {وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ} قال الحسن: «السَّمُوم» ٱسم من أسماء النار وطبقة من طِباق جهنم. وقيل: هو النار كما تقول جهنم. وقيل: نار عذاب السَّمُوم. والسَّمُوم الريح الحارة تؤنث؛ يقال منه: سُمَّ يومُنَا فهو مسموم والجمع سَمَائم قال أبو عبيدة: السَّمُوم بالنهار وقد تكون بالليل، والحرور بالليل وقد تكون بالنهار؛ وقد تستعمل السَّمُوم في لفح البرد (وهو في لفح الحرّ) والشمس أكثر، قال الراجز:شعر : اليوم يومٌ باردٌ سَمُومُهُ مَنْ جَزِع اليومَ فلا أَلُومهْ تفسير : قوله تعالى: {إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ} أي في الدنيا بأن يمنّ علينا بالمغفرة عن تقصيرنا. وقيل: «نَدْعُوهُ» أي نعبده. {إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ ٱلرَّحِيمُ} وقرأ نافع والكسائي «أَنَّه» بفتح الهمزة؛ أي لأنه. الباقون بالكسر على الابتداء. و«الْبَرُّ» اللطيف؛ قاله ٱبن عباس. وعنه أيضاً: أنه الصادق فيما وعد. وقاله ٱبن جريج.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ } يسأل بعضهم بعضاً عما كانوا عليه وما وصلوا إليه تلذذاً واعترافاً بالنعمة.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} يسأَلُ بعضُهم بعضاً في الجنة. قال ابن عباس - (رضي الله عنهما) -: يتذاكرُون ما كانوا فيه من التَّعَب والخوف في الدنيا؛ فقوله: "يَتَسَاءَلُونَ" جملة حالية من "بَعْضُهُمْ". قوله: {قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ} أي خائفين. والمعنى أنهم يسألون عن سبب ما وصلوا إليه فيقولون: خَشْيَة اللَّهِ أي كنا نخاف الله "فَمَنَّ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ". قال الكلبي: عذاب النار. وقال الحسن: (- رضي الله عنه -): السموم اسمٌ من أسماء جهنم. والسَّمُوم في الأصل الرِّيحُ الحَارَّة التي تَتَخَلَّل المَسَامَّ، والجمع سَمَائِمُ. وسُمَّ يَوْمُنَا أي اشتدَ حَرُّهُ. وقال ثعلب: السموم شدة الحر أو شدة البرد في النَّهَار وقال أبو عبيدة: السموم بالنهار وقد يكون بالليل والحَرُور بالليل وقد يكون بالنهار وقد يستعمل السموم في لَفْحِ البَرد وهو في لفح الحر والشمس أكثر. وقد تقدم شيء من ذلك في سُورة "فاطر". وقرأ العامة: وَوَقَانَا بالتخفيف، وأبو حَيْوَة بالتَّشديد وقد تقدم. قوله: "إنَّا كُنَّا قَبْلُ" أي في الدنيا "نَدْعُوهُ" نُخْلِصُ له العبادة. وقوله: {إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ} قرأ نافعٌ والكسائيُّ بفتح الهمزة على التعليل أي لأنَّه والباقون بالكسر على الاستئناف الذي فيه معنى العلة فيتحد معنى القراءتين. وقوله: "هُوَ البَرُّ". قال ابن عباس: اللطيف. وقال الضحاك: الصادق فيما وعد الرحيم بعباده، (اللَّهُمَّ ارْحَمْنَا).
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ}. لولا أَنهم قالوا: {فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا} لكانوا قد لاحظوا إشفاقَهم، ولكن الحقّ - سبحانه - اختطفهم عن شُهود إِشفاقهم؛ حيث أَشهدهم مِنَّتَه عليهم حتى قالوا: {فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ} {إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ ٱلرَّحِيمُ}.
اسماعيل حقي
تفسير : {واقبل بعضهم على بعض} وروى مى آرند بعض ازبهشتيان بربعض ديكر {يتساءلون} اى يسأل كل بعض منهم بعضا آخر عن احواله واعماله وما استحق به نيل ماعند الله من الكرامة وذلك تلذذا واعترافا بالنعمة العظيمة على حسب الوصول اليها على ماهو عادة اهل المجلس يشرعون فى التحادث ليتم به استئناسهم فيكون كل بعض سائلا ومسؤلا لا انه يسأل بعض معين منهم بعضا آخر معينا
الجنابذي
تفسير : {وأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ} اى كلّ بعضٍ منهم {عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} عن سبب تنعّمهم فى الجنّة بقرينة ما يأتى.
الهواري
تفسير : قوله عز وجل: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ} أي يسائل بعضهم بعضاً عن شفقتهم في الدنيا من عذاب الله.
اطفيش
تفسير : {وَأقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} حال من بعضهم قيل وبعض أي يسأل بعضهم بعضا عن أحواله واعماله وبما استوجب الثواب وعن ابن عباس: يتذاكرون ما كانوا فيه من تعب الدنيا وخوفها والخوف من النار وكم نال كل واحد.
اطفيش
تفسير : {وأقْبَل بعْضُهم عَلى بعض يتساءلون} حال من البعض فى الموضعين مقارنة على أن التساؤل من مبدأ الاقبال، كما اذا تكلمت أحدا من ابتداء التفاتك اليه، أو مقدرة ولو قرب الفصل، والأول أولى لأنه اذا قارب بين السؤال والاقبال كان أعجل، وقد يقال اذا فصل بقليل أو كثير كان أهنأ وأثبت، وكل واحد سائل مسئول لا بعض معين يسأل بعضا معينا كذا قيل، والأظهر أنه يسأل كل واحد من يناسب سؤاله، فيقول أحدهم للآخر مثلا: كيف تخلصت من ذنب كذا، أو كيف بلغت درجتك؟ وكيف سعد فلان؟ وكيف شفى فلان؟ وهكذا، وقد يقال:المراد بالتساؤل مطلق الكلام ويتداولونه بينهم اطلقا للخاص على العام، وعلى هذا يكون قوله تعالى: {قالُوا إنَّا كنَّا قَبْل في أهْلنا مُشْفقِين} إلخ تمثيلا لبعض ما يتكلمون به، وذلك التساؤل فى الجنة لا عقب البعث، لأنهم عقب البعث خائفون ذاهلون، لا يحضر لهم النجاة من عذاب السموم، اللهم الا شاذا من الناس، أو يؤمنون ثم يخافون، وفى ذلك ضعف فلا يفسر به، والمعنى إنا كنا قبل هذا الحال فى أهلنا، أى فى الدنيا خائفين من عصيان الله، معتنين بطاعته، أو معنى فى أهلنا نخاف على أنفسنا وعلى أهلنا، لأن أهل الإنسان تابعون له عادة، فحمدوا الله على اتباعهم لهم فى الخير، أو ذلك شكراً للنعمة على أنهم أطاعوا الله عز وجل فى أهلهم، وكيف فى غير أهلنا أو المعنى إنا من قبل على أهلنا مشفقين.
الالوسي
تفسير : {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ } أي يسأل كل بعض منهم بعضاً آخر عن أحواله وأعماله فيكون / كل بعض سائلاً ومسؤولاً لا أنه يسأل بعض معين منهم بعضاً آخر معيناً. ثم هذا التساؤل في الجنة كما هو الظاهر، وحكى الطبري عن ابن عباس أنه إذا بعثوا في النفخة الثانية، ولا أراه يصح عنه لبعده جداً.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : يتنازعون فيها كأساً}تفسير : [الطور: 23]. والتقدير: وقد أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، أي هم في تلك الأحوال قد أقبل بعضهم على بعض يتساءلون. ولما كان إلحاق ذرياتهم بهم مقتضياً مشاركتهم إياهم في النعيم كما تقدم آنفاً عند قوله: {أية : ألحقنا بهم ذريتهم}تفسير : [الطور: 21] كان هذا التساؤل جارياً بين الجميع من الأصول والذريات سائلين ومسؤولين. وضمير {بعضهم} عائد إلى {أية : المتقين}تفسير : [الطور: 17] وعلى {أية : ذريتهم}تفسير : [الطور: 21]. وجملة {قالوا} بيان لجملة {يتساءلون} على حد قوله تعالى: {أية : فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد ومُلك لا يبلى}تفسير : [طه: 120] ضمير {قالوا} عائد إلى البعضين، أي يقول كل فريق من المتسائلين للفريق الآخر هذه المقالة. والإِشفاق: توقع المكروه وهو ضد الرجاء، وهذا التوقع متفاوت عند المتسائلين بحسب تفاوت ما يوجبه من التقصير في أداء حق التكليف، أو من العصيان. ولذلك فهو أقوى في جانب ذريات المؤمنين الذين أُلحقوا بأصولهم بدون استحقاق. ولعله في جانب الذريات أظهر في معنى الشكر لأن أصولهم من أهلهم فهم يعلمون أن ذرياتهم كانوا مشفقين من عقاب الله تعالى أو بمنزلة من يعلم ذلك من مشاهدة سَيرهم في الوفاء بحقوق التكليف، وكذلك أصولهم بالنسبة إلى من يعلم حالهم من أصحابهم أو يسمع منهم إشفاقهم واستغفارهم. وحذف متعلق {مشفقين} لأنه دل عليه {ووقانا عذاب السموم}. وعلى هذا الوجه يكون معنى (في) الظرفية. ويتعلق {في أهلنا} بــــ {كُنّا}، أي حين كنا في ناسنا في الدنيا. فــــ {أهلنا} هنا بمعنى آلنَا. ويجوز أن تكون المقالة صادرة من الذين آمنوا يخاطبون ذرياتهم الذين ألحقوا بهم ولم يكونوا يحسبون أنهم سيلحقون بهم: فالمعنى: إنا كنا قبل مشفقين عليكم، فتكون (في) للظرفية المجازية المفيدة للتعليل، أي مشفقين لأجلكم. ومعنى {فمنّ الله علينا} من علينا بالعفو عنكم فأذهب عنا الحزن ووقانا أن يعذبكم بالنار. فلما كان عذاب الذريات يحزن آباءهم جعلت وقاية الذريات منه بمنزلة وقاية آبائهم فقالوا: {ووقانا عذاب السموم} إغراقاً في الشكر عنهم وعن ذرياتهم، أي فمنّ علينا جميعاً ووقانا جميعاً عذاب السموم. والسَموم بفتح السين، أصله اسم الريح التي تهبّ من جهة حارّة جداً فتكون جافّة شديدة الحرارة وهي معروفة في بلاد العرب تهلك من يتنشقها. وأطلق هنا على ريح جهنم على سبيل التقريب بالأمر المعروف، كما أطلقت على العنصر الناري في قوله تعالى: {أية : والجانّ خلقناه من قبل من نار السموم} تفسير : في سورة الحجر (27) وكل ذلك تقريب بالمألوف. وجملة {إنا كنا من قبل ندعوه} تعليل لمنة الله عليهم وثناء على الله بأنه استجاب لهم، أي كنا من قبل اليوم ندعوه، أي في الدنيا. وحذف متعلق {ندعوه} للتعميم، أي كنا نبتهل إليه في أمورنا، وسبب العموم داخل ابتداء، وهو الدعاء لأنفسهم ولذرياتهم بالنجاة من النار وبنوال نعيم الجنة. ولما كان هذا الكلام في دار الحقيقة لا يصدر إلا عن إلهام ومعرفة كان دليلاً على أن دعاء الصالحين لأبنائهم وذرياتهم مرجو الإِجابة، كما دل على إجابة دعاء الصالحين من الأبناء لآبائهم على ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم حديث : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث» فذكر «وولد صالح يدعو له بخير»تفسير : . وقوله: {إنه هو البر الرحيم} قرأه نافع والكسائي وأبو جعفر بفتح همزة (أنه) على تقدير حرف الجر محذوفاً حذفاً مطّرداً مع (أَنَّ) وهو هنا اللام تعليلاً لــــ {ندعوه}، وقرأه الجمهور بكسر همزة (إن) وموقع جملتها التعليل. والبَر: المُحسن في رفق. والرحيم: الشديد الرحمة وتقدم في تفسير سورة الفاتحة. وضمير الفصل لإِفادة الحصر وهو لقصر صفتي {البر} و{الرحيم} على الله تعالى وهو قصر ادعائي للمبالغة لعدم الاعتداد ببرور غيره ورحمة غيره بالنسبة إلى برور الله ورحمته باعتبار القوة فإن غير الله لا يبلغ بالمبرة والرحمة مبلغ ما لله وباعتبار عموم المتعلق، وباعتبار الدوام لأن الله بر في الدنيا والآخرة، وغير الله برّ في بعض أوقات الدنيا ولا يملك في الآخرة شيئاً.
د. أسعد حومد
تفسير : (25) - وَأَقْبَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً عَنْ أَحْوالِهِمْ وَمَا كَانُوا فيهِ فِي الحَيَاةِ الدُّنيا، وَعَنْ سَبَبِ مَا أَكْرَمَهُمْ بِهِ رَبُّهُمْ مِنَ نَعِيمٍ.
الثعلبي
تفسير : {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} يسأل بعضهم بعضاً قال ابن عباس: إذا بعثوا من قبورهم، وقال غيره: في الجنة وهو الأصوب لقوله سبحانه {قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ} خائفين من عذاب الله {فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ} قال الحسن: السَّموم: اسم من أسماء جهنم. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن مالك، قال: حدّثنا عبدالله، قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا أنس بن عياض، قال: حدّثني شيبة بن نصاح عن القاسم بن محمد قال: غدوت يوماً وكنت إذا غدوت بدأت بعائشة رضي الله عنها أُسلّم عليها، فوجدتها ذات يوم تصلّي السبحة وهي تقرأ {فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ} وتردّدها وتبكي، فقمت حتى مللت ثم ذهبت إلى السوق بحاجتي ثم رجعت فإذا هي تقرأ وترددها وتبكي وتدعو. {إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ} في الدنيا {نَدْعُوهُ} نخلص له العبادة {إِنَّهُ} قرأ الحسن وأبو جعفر ونافع والكسائي بفتح الألف، أي لأنّه، وهو اختيار أبي حاتم، وقرأ الآخرون بالكسر على الابتداء، وهو اختيار أبي عبيدة {هُوَ ٱلْبَرُّ} قال ابن عباس: اللطيف، وقال الضحاك: الصادق فيما وعد {ٱلرَّحِيمُ}. {فَذَكِّرْ} يا محمد {فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ} أي برحمته وعصمته {بِكَاهِنٍ} يبتدع القول ويخبر بما في غد من غير وحي، والكاهن: الذي يقول: إنّ معي قريناً من الجن. { وَلاَ مَجْنُونٍ} نزلت هذه الآية في الخرّاصين الذين اقتسموا عقاب مكة، يصدون الناس عن الإيمان، ويرمون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكهانة والجنون والسحر والشعر. فذلك قوله سبحانه: {أَمْ يَقُولُونَ} يعني هؤلاء المقتسمين الخرّاصين {شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ} حوادث الدهر فيكفينا أمره بموت أو حادثة متلفة فيموت ويتفرق أصحابه، وذلك أنهم قالوا: ننتظر به ملك الموت فيهلك كما هلك من قبله من الشعراء زهير والنابغة وفلان وفلان، إنّما هو كأحدهم، وإنّ أباه توفي شاباً، ونحن نرجو أن يكون موته كموت أبيه. والمنون يكون بمعنى الدهر، ويكون بمعنى الموت، سمّيا بذلك لأنّهما ينقصان ويقطعان الأجل، قال الأخفش: لأنّهما يمنيان قوى الانسان ومنيه أي ينقصان، وأنشد ابن عباس: شعر : تربّص بها ريب المنون لعلّها تطلّق يوما أو يموت حليلها تفسير : {قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ} حتى يأتي أمر الله فيكم. {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ} عقولهم {بِهَـٰذَآ} وأنّهم كانوا يُعدون في الجاهلية أهل الاحلام ويوصَفون بالعقل، وقيل لعمرو بن العاص: ما بال قومك لم يؤمنوا وقد وصفهم الله سبحانه بالعقول؟. فقال: تلك عقول كادها الله، أي لم يصحبها التوفيق. {أَمْ هُمْ} بل هم {قَوْمٌ طَاغُونَ}. {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ} استكباراً. {فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ} أي مثل هذا القرآن يشبهه {إِن كَانُواْ صَادِقِينَ} أنّ محمداً تقوّله من تلقاء نفسه، فإنّ اللسان لسانهم، وهم مستوون في البشرية واللغة والقوة. {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ} قال ابن عباس: من غير ربّ، وقيل: من غير أب ولا أم، فهم كالجماد لا يعقلون، ولا يقوم لله عليهم حجة، أليسوا خلقوا من نطفة ثم علقة ثم مضغة؟ قاله ابن عطاء، وقال ابن كيسان: أم خُلقوا عبثاً وتركوا سُدىً لا يؤمرون ولا يُنهون، وهذا كقول القائل: فعلت كذا وكذا من غير شيء يعني لغير شيء. {أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ} لأنفسهم. {أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ * أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ} قال ابن عباس: المطر والرزق، وقال عكرمة: يعني النبوّة، وقيل: علم ما يكون {أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ} المسلطون الجبّارون. قاله أكثر المفسّرين، وهي رواية الوالبي عن ابن عباس، وقال عطاء: أرباب قاهرون، وقال أبو عبيدة: يقال: خولاً تسيطرت عليّ: اتّخذتني، وروى العوفي عن ابن عباس: أم هم المنزلون. {أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ} [يدّعون أن لهم] مصعداً ومرقاة يرتقون به إلى السماء { يَسْتَمِعُونَ فِيهِ} الوحي فيدّعون أنّهم سمعوا هناك أنّ الذي هم عليه حق، فهم مستمسكون به لذلك. {فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم} إن ادّعوا ذلك {بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} حجة بيّنة. {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً} جعلاً على ما جئتهم به ودعوتهم إليه {فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ} غرم {مُّثْقَلُونَ} مجهودون. {أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ} أي علم ما غاب عنهم حتى علموا أنّ ما يخبرهم الرسول من أمر القيامة والبعث والحساب والثواب والعقاب باطل غير كائن، وقال قتادة: لمّا قالوا {نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ} أنزل الله سبحانه {أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ} فهم يعلمون حتى بموت محمد، وإلى ماذا يؤول أمره؟ وقال ابن عباس: يعني أم عندهم اللوح المحفوظ {فَهُمْ يَكْتُبُونَ} ما فيه، ويخبرون الناس به، وقال القتيبي {فَهُمْ يَكْتُبُونَ} أي يحكمون. والكتاب: الحكم، حديث : ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجلين اللذين تخاصما "لأقضين بينكم بكتاب الله"تفسير : . أي بحكم الله. {أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً} مكراً في دار الندوة {فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ} الممكور بهم يعود الضرر عليهم، ويحيق المكر بهم، وكل ذلك أنّهم قتلوا ببدر. {أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} قال الخليل بن أحمد: ما في سورة الطور من ذكر {أَمْ} كلّه استفهام وليس بعطف. {وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً} كسفاً قطعة وقيل: قطعاً واحدتها كسفة مثل سدرة وسدر {مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً} ذكره على لفظ الكسف {يَقُولُواْ} بمعاندتهم وفرط غباوتهم ودرك شقاوتهم هذا {سَحَابٌ مَّرْكُومٌ} موضوع بعضه على بعض. هذا جواب لقولهم: {أية : فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [الشعراء: 187] وقولهم: {أية : أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً} تفسير : [الإسراء: 92] فقال: لو فعلنا هذا لقالوا: سحاب مركوم. {فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلاَقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ} أي يموتون، وقرأ الاعمش وعاصم وابن عامر {يُصْعَقُونَ} بضم الياء وفتح العين، أي يهلكون، وقال الفرّاء: هما لغتان مثل سَعْد وسُعْد. {يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ * وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} كفروا {عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ} قال البراء بن عازب: هو عذاب القبر، وقال ابن عباس: هو القتل ببدر، وقال مجاهد: الجوع والقحط سبع سنين، وقال ابن زيد: المصايب التي تصيبهم من الاوجاع وذهاب الأموال والأولاد. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} إن العذاب نازل بهم. {وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} بمرأى ومنظر منا {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} قال أبو الأحوص عوف بن مالك وعطاء وسعيد بن جبير: قل سبحانك اللّهم وبحمدك حين تقوم من مجلسك، فإن كان المجلس خيراً ازددت احتساباً، وإن كان غير ذلك كان كفارة له. ودليل هذا التأويل ما أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن صقلاب، قال: حدّثنا ابن الحسن أحمد بن عيسى بن حمدون الناقد بطرطوس. قال: حدّثنا أبو أُمية، قال: حدّثنا حجاج، قال: حدّثنا ابن جريج، قال: أخبرني موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من جلس في مجلس كثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك غُفر له ما كان في مجلسه ذلك ". تفسير : وقال ابن زيد: (سبّح) بأمر ربّك حين تقوم من منامك، وقال الضحاك والربيع: إذا قمت إلى الصلاة فقل: سبحانك اللّهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدّك: ولا إله غيرك، وعن الضحاك أيضاً يعني: قل حين تقوم إلى الصلاة: (الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلا)، وقال الكلبي: يعني ذكر الله باللسان حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل الصلاة، وقيل: هي صلاة الفجر. {وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ} أي وصلِّ له، يعني صلاتي العشاء، {وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ}. قال علي بن أبي طالب وابن عباس وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك يعني: ركعتي الفجر. انبأني عقيل، قال: أخبرنا المقابي، قال: أخبرنا ابن جرير، قال: أخبرنا بسر قال: حدّثنا سعيد بن قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعيد بن هشام عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ركعتي الفجر "حديث : هما خير من الدنيا جميعاً ". تفسير : وقال الضحاك وابن زيد: هي صلاة الصبح الفريضة. قرأ سالم بن أبي الجعد (وأدبار) بفتح الألف، ومثله روى زيد عن يعقوب يعني: بعد غروب النجوم.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الكلام هنا ما يزال عن أهل الجنة {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} [الطور: 25] يتسامرون، أو يسأل بعضهم بعضاً {قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ ..} [الطور: 26] أي: في الدنيا {فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ} [الطور: 26] الإشفاق الخوف، والخوف يكون بكراهية المخوف منه، ويكون هيبة وتعظيماً لمن تخاف منه. والمراد هنا خوف الهيبة والتعظيم لأنهم خائفون من الله، لكن لماذا؟ قالوا: يخافون التقصير في عبادة الله، نعم أطاعوا وأدّوا حَقَّ الله لكن ما عبدوا الله حقَّ عبادته، فهو يستحق أكثر من هذا. إذن: خوفهم فيه رجاء وفيه أمل في الله أنْ يتدارك هذا التقصير، لذلك قال الله تعالى عن الملائكة: {أية : بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ}تفسير : [الأنبياء: 26] وهم {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}تفسير : [التحريم: 6]، ومع ذلك قال عنهم: {أية : يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ..}تفسير : [النحل: 50] أي: خوفَ مهابة وتعظيم. أو يكون المعنى {فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ} [الطور: 26] أي: يخافون الموت أنْ يُفرقهم ويُشتِّت شملهم بعد اجتماع، فإذا بهم في الآخرة أحسن مما كانوا فيه في الدنيا. أو خائفين من عذاب الله في الآخرة. ومعنى {فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا ..} [الطور: 27] أي: تفضّل علينا وأعطانا فوق ما نستحق فضلاً منه تعالى وتكرُّماً، منَّ علينا منّاً لا يعقبه ضرر، ولا يعقبه عذاب {وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ} [الطور: 27] السموم والعياذ بالله هي اللهب الخالص، وسُمِّيَ السَّموم لأنه ينفذ من مسامّ الجسم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):