٥٢ - ٱلطُّور
52 - At-Tour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
29
Tafseer
الرازي
تفسير : وتعلق الآية بما قبلها ظاهر لأنه تعالى بيّن أن في الوجود قوماً يخافون الله ويشفقون في أهليهم، والنبي صلى الله عليه وسلم مأمور بتذكير من يخاف الله تعالى بقوله {أية : فَذَكّرْ بِٱلْقُرْءانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ } تفسير : [قۤ: 45] فحقق من يذكره فوجب التذكير، وأما الرسول عليه السلام فليس له إلا الإتيان بما أمر به، وفيه مسائل: المسألة الأولى: في الفاء في قوله {فَذَكّرْ } قد علم تعلقه بما قبله فحسن ذكره بالفاء. المسألة الثانية: معنى الفاء في قوله {فَمَا أَنتَ } أيضاً قد علم أي أنك لست بكاهن فلا تتغير ولا تتبع أهواءهم، فإن ذلك سيرة المزور فذكر فإنك لست بمزور، وذلك سبب التذكير. المسألة الثالثة: ما وجه تعلق قوله {نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ } بقوله {شَاعِرٌ }؟ نقول فيه وجهان الأول: أن العرب كانت تحترز عن إيذاء الشعراء وتتقي ألسنتهم، فإن الشعر كان عندهم يحفظ ويدون، وقالوا لا نعارضه في الحال مخافة أن يغلبنا بقوة شعره، وإنما سبيلنا الصبر وتربص موته الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول إن الحق دين الله، وإن الشرع الذي أتيت به يبقى أبد الدهر وكتابي يتلى إلى قيام الساعة، فقالوا ليس كذلك إنما هو شاعر، والذي يذكره في حق آلهتنا شعر ولا ناصر له وسيصيبه من بعض آلهتنا الهلاك فنتربص به ذلك. المسألة الرابعة: ما معنى ريب المنون؟ نقول قيل هو اسم للموت فعول من المن وهو القطع والموت قطوع، ولهذا سمي بمنون، وقيل المنون الدهر وريبه حوادثه، وعلى هذا قولهم {نَتَرَبَّصُ } يحتمل وجهاً آخر، وهو أن يكون المراد أنه إذا كان شاعراً فصروف الزمان ربما تضعف ذهنه وتورث وهنه فيتبين لكل فساد أمره وكساد شعره. المسألة الخامسة: كيف قال: {تَرَبَّصُواْ } بلفظ الأمر وأمر النبي صلى الله عليه وسلم يوجب المأمور (به) أو يفيد جوازه، وتربصهم ذلك كان حراماً؟ نقول ذلك ليس بأمر وإنما هو تهديد معناه تربصوا ذلك فإنا نتربص الهلاك بكم على حد ما يقول السيد الغضبان لعبده افعل ما شئت فإني لست عنك بغافل وهو أمر لتهوين الأمر على النفس، كما يقول القائل لمن يهدده برجل ويقول أشكوك إلى زيد فيقول اشكني أي لا يهمني ذلك وفيه زيادة فائدة، وذلك لأنه لو قال لا تشكني لكان ذلك دليل الخوف وينافيه معناه، فأتى بجواب تام من حيث اللفظ والمعنى، فإن قيل لو كان كذلك لقال تربصوا أو لا تربصوا كما قال: {أية : فَٱصْبِرُواْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ } تفسير : [الطور: 16] نقول ليس كذلك لأنه إذا قال القائل فيما ذكرناه من المثال اشكني أو لا تشكني يكون ذلك مفيداً عدم خوفه منه، فإذا قال اشكني يكون أدل على عدم الخوف، فكأنه يقول أنا فارغ عنه، وإنما أنت تتوهم أنه يفيد فافعل حتى يبطل اعتقادك. المسألة السادسة: في قوله تعالى: {فَإِنّى مَعَكُمْ مّنَ ٱلْمُتَرَبّصِينَ } وهو يحتمل وجوهاً أحدها: إني معكم من المتربصين أتربص هلاككم وقد أهلكوا يوم بدر وفي غيره من الأيام هذا ما عليه الأكثرون والذي نقوله في هذا المقام هو أن الكلام يحتمل وجوهاً وبيانها هو أن قوله تعالى: {نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ } إن كان المراد من المنون الموت فقوله {إِنّى مَعَكُم مّنَ ٱلْمُتَرَبّصِينَ } معناه إني أخاف الموت ولا أتمناه لا لنفسي ولا لأحد، لعدم علمي بما قدمت يداه وإنما أنا نذير وأنا أقول ما قال ربي {أية : أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ } تفسير : [آل عمران: 144] فتربصوا موتي وأنا متربصه ولا يسركم ذلك لعدم حصول ما تتوقعون بعدي، ويحتمل أن يكون كما قيل تربصوا موتي فإني متربص موتكم بالعذاب، وإن قلنا المراد من ريب المنون صروف الدهر فمعناه إنكار كون صروف الدهر مؤثرة فكأنه يقول أنا من المتربصين حتى أبصر ماذا يأتي به دهركم الذي تجعلونه مهلكاً وماذا يصيبني منه، وعلى التقديرين فنقول النبي صلى الله عليه وسلم يتربص ما يتربصون، غير أن في الأول: تربصه مع اعتقاد الوقوع، وفي الثاني: تربصه مع اعتقاد عدم التأثير، على طريقة من يقول أنا أيضاً أنتظر ما ينتظره حتى أرى ماذا يكون منكراً عليه وقوع ما يتوقع وقوعه، وإنما هذا لأن ترك المفعول في قوله {إِنّى مَعَكُم مّنَ ٱلْمُتَرَبّصِينَ } لكونه مذكوراً وهو ريب المنون أولى من تركه وإرادة غير المذكور وهو العذاب الثاني: أتربص صروف الدهر ليظهر عدم تأثيرها فهو لم يتربص بهم شيئاً على الوجهين، وعلى هذا الوجه يتربص بقاءه بعدهم وارتفاع كلمته فلم يتربص بهم شيئاً على الوجوه التي اخترناها فقال: {إِنّى مَعَكُم مّنَ ٱلْمُتَرَبّصِينَ }.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَذَكِّرْ} أي فذكر يا محمد قومك بالقرآن. {فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ} يعني برسالة ربك {بِكَاهِنٍ} تبتدع القول وتخبر بما في غد من غير وَحْي. {وَلاَ مَجْنُونٍ} وهذا ردّ لقولهم في النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فعقبة بن أبي مُعَيْط قال: إنه مجنون، وشيبة بن ربيعة قال: إنه ساحر، وغيرهما قال: كاهن؛ فأكذبهم الله تعالى وردّ عليهم. ثم قيل: إن معنى «فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ» القسم؛ أي وبنعمة الله ما أنت بكاهن ولا مجنون. وقيل: ليس قسماً، وإنما هو كما تقول: ما أنت بحمد الله بجاهل؛ أي قد برأك الله من ذلك. قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ} أي بل يقولون محمد شاعر. قال سيبويه: خوطب العباد بما جرى في كلامهم. قال أبو جعفر النحاس: وهذا كلام حسن إلا أنه غير مبيّن ولا مشروح؛ يريد سيبويه أن «أَمْ» في كلام العرب لخروج من حديث إلى حديث؛ كما قال:شعر : أَتَهْجُـر غَانيـةً أَمْ تُلِـمْ تفسير : فتم الكلام ثم خرج إلى شيء آخر فقال:شعر : أَمِ الْحَبْـلُ وَاهٍ بهـا مُنْجَـذِمْ تفسير : فما جاء في كتاب الله تعالى من هذا فمعناه التقرير والتوبيخ والخروج من حديث إلى حديث، والنحويون يمثلونها ببل. {نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ} قال قتادة: قال قوم من الكفار تربصوا بمحمد الموت يكفيكموه كما كفى شاعر بني فلان. قال الضحاك: هؤلاء بنو عبد الدار نسبوه إلى أنه شاعر؛ أي يهلك عن قريب كما هلك مَنْ قبلُ من الشعراء، وأن أباه مات شابًّا فربما يموت كما مات أبوه. وقال الأخفش: نتربص به إلى ريب المنون فحذف حرف الجر، كما تقول: قصدت زيداً وقصدت إلى زيد. والمنون: الموت في قول ٱبن عباس. قال أبو الغَوِل الطُّهوِي:شعر : هُم مَنَعُوا حِمَى الْوَقَبَى بِضَرْبٍ يُؤَلِّف بين أَشْتَاتِ الْمَنُونِ تفسير : أي المنايا؛ يقول: إن الضرب يجمع بين قوم متفرّقي الأمكنة لو أتتهم مناياهم في أماكنهم لأتتهم متفرقة، فاجتمعوا في موضع واحد فأتتهم المنايا مجتمعة. وقال السدّي عن أبي مالك عن ٱبن عباس: «رَيْبَ» في القرآن شكٌّ إلا مَكاناً واحداً في الطور «رَيْبَ الْمَنُونِ» يعني حوادث الأمور؛ وقال الشاعر:شعر : تَرَبَّصْ بها رَيْبَ الْمَنُونِ لَعَلَّها تُطَلَّقُ يوماً أو يَموتُ حَلِيلُها تفسير : وقال مجاهد: {رَيْبَ ٱلْمَنُونِ} حوادث الدهر، والمنون هو الدهر؛ قال أبو ذُؤَيْب:شعر : أَمِنَ الْمَنُونِ ورَيْبِه تَتَوجَّعُ والدَّهْرُ لَيس بمُعْتِبٍ مَنْ يَجزَعُ تفسير : وقال الأعشى:شعر : أَأَنْ رَأَتْ رجلاً أَعْشَى أَضَرَّ بِهِ رَيْب المنونِ ودَهرٌ مُتْبِلٌ خَبِل تفسير : قال الأصمعي: المنون الليل والنهار؛ وسميا بذلك لأنهما ينقصان الأعمار ويقطعان الآجال. وعنه: أنه قيل للدهر منون، لأنه يذهب بمُنَّة الحيوان أي قوتِه وكذلك المنِيَّة. أبو عبيدة: قيل للدهر منون؛ لأنه مُضْعِف، من قولهم حَبْلٌ منِين أي ضعيف، والمنين الغبار الضعيف. قال الفراء: والمنون مؤنثة وتكون واحداً وجمعاً. الأصمعي: المنون واحد لا جماعة له. الأخفش: هو جماعة لا واحد له، والمنون يذكر ويؤنّث؛ فمن ذكّره جعله الدهر أو الموت، ومن أنّثه فعلى الحمل على المعنى كأنه أراد المنية. قوله تعالى: {قُلْ تَرَبَّصُواْ} أي قل لهم يا محمد تربصوا أي ٱنتظروا. {فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ} أي من المنتظرين بكم العذاب؛ فعُذِّبوا يوم بدر بالسيف. قوله تعالى: {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ} أي عقولهم {بِهَـٰذَآ} أي بالكذب عليك. {أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} أي أم طَغَوْا بغير عقول. وقيل: «أَمْ» بمعنى بل؛ أي بل كفروا طغياناً وإن ظهر لهم الحق. وقيل لعمرو بن العاص: ما بال قومك لم يؤمنوا وقد وصفهم الله بالعقل؟ فقال: تلك عقول كادها الله؛ أي لم يصحبها بالتوفيق. وقيل: «أَحْلاَمُهُمْ» أي أذهانهم؛ لأن العقل لا يُعطَى للكافر ولو كان له عقل لآمن. وإنما يعطى الكافر الذهن فصار عليه حجة. والذِّهن يقبل العلم جملةً، والعقل يميّز العلم ويقدر المقادير لحدود الأمر والنهي. وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم حديث : أن رجلاً قال: يا رسول الله، ما أعقل فلاناً النصراني! فقال: «مَهْ إنّ الكافر لا عقل له أما سمعت قول الله تعالى: {وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ}»تفسير : . وفي حديث ٱبن عمر: حديث : فزجره النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «مَهْ فإن العاقل من يعمل بطاعة الله« تفسير : ذكره الترمذي الحكيم أبو عبد الله بإسناده. {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ} أي ٱفتعله وٱفتراه، يعني القرآن. والتقوّل تكلُّف القول، وإنما يستعمل في الكذب في غالب الأمر. ويقال قوّلتني ما لم أقل! وأقْوَلتني ما لم أقل؛ أي ٱدّعيته عليّ. وتَقَوَّل عليه أي كذب عليه. وٱقتال عليه تحكَّم قال:شعر : ومَنْزِلةٌ في دارِ صِدْقٍ وغِبْطَةٍ ومَا ٱقْتالَ مِن حُكْمٍ عَلَيَّ طَبِيبُ تفسير : فأم الأولى للإنكار والثانية للإيجاب أي ليس كما يقولون. {بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ} جَحداً وٱستكباراً. {فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ} أي بقرآن يشبهه من تلقاء أنفسهم {إِن كَانُواْ صَادِقِينَ} في أن محمداً ٱفتراه. وقرأ الجحدري {فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ} بالإضافة. والهاء في «مثله» للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وأضيف الحديث الذي يراد به القرآن إليه لأنه المبعوث به. والهاء على قراءة الجماعة للقرآن.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يبلغ رسالته إلى عباده، وأن يذكرهم بما أنزل الله عليه، ثم نفى عنه ما يرميه به أهل البهتان والفجور فقال: { فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَـٰهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ} أي: لست بحمد الله بكاهن كما تقوله الجهلة من كفار قريش، والكاهن الذي يأتيه الرئي من الجان بالكلمة يتلقاها من خبر السماء {وَلاَ مَجْنُونٍ} وهو الذي يتخبطه الشيطان من المس. ثم قال تعالى منكراً عليهم في قولهم في الرسول صلى الله عليه وسلم: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ} أي: قوارع الدهر، والمنون: الموت، يقولون: ننتظره ونصبر عليه حتى يأتيه الموت، فنستريح منه ومن شأنه، قال الله تعالى: { قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ} أي: انتظروا، فإني منتظر معكم، وستعلمون لمن تكون العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة. قال محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما: إن قريشاً لما اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم قال قائل منهم: احتبسوه في وثاق، وتربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء: زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم، فأنزل الله تعالى ذلك من قولهم: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ}. ثم قال تعالى: {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَـٰمُهُمْ بِهَـٰذَآ} أي: عقولهم تأمرهم بهذا الذي يقولونه فيك من الأقاويل الباطلة التي يعلمون في أنفسهم أنها كذب وزور {أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} أي: ولكن هم قوم طاغون ضلال معاندون، فهذا هو الذي يحملهم على ما قالوه فيك. وقوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ} أي: اختلقه وافتراه من عند نفسه، يعنون: القرآن، قال الله تعالى: {بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ} أي: كفرهم هو الذي يحملهم على هذه المقالة { فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَـٰدِقِينَ} أي: إن كانوا صادقين في قولهم تقوله وافتراه، فليأتوا بمثل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من هذا القرآن، فإنهم لو اجتمعوا هم وجميع أهل الأرض من الجن والإنس ما جاؤوا بمثله، ولا بعشر سور من مثله، ولا بسورة من مثله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَذَكِّرْ } دم على تذكير المشركين ولا ترجع عنه لقولهم لك كاهن مجنون {فَمَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ } أي بإنعامه عليك {بِكَاهِنٍ } خبر ما {وَلاَ مَجْنُونٍ } معطوف عليه.
الماوردي
تفسير : {فَذَكِّرْ} يعني بالقرآن. {فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ} يعني برسالة ربك. {بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ} تكذيباً لعتبة بن ربيعة حيث قال إنه ساحر، وتكذيباً لعقبة بن معيط، حيث قال: إنه مجنون. {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} قال قتادة: قال ناس من الكفار: تربصوا بمحمد الموت يكفيكموه، كما كفاكم شاعر بني فلان، وشاعر بني فلان، قال الضحاك: هؤلاء بنو عبد الدار، نسبوه إلا أنه شاعر. وفي {ريب المنون} وجهان: أحدهما: الموت، قاله ابن عباس. الثاني: حوادث الدهر، قاله مجاهد. المنون: الدهر، قال أبو ذؤيب: شعر : أمن المنون وريبها تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع
ابن عطية
تفسير : هذا أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعاء إلى الله ومتابعة نشر الرسالة، ثم قال مؤنساً له: {فما أنت} بإنعام الله عليك أو لطفه بك {بكاهن ولا مجنون}. وكانت العرب قد عهدت ملابسة الجن والإنس بهذين الوجهين، فنسبت محمداً صلى الله عليه وسلم إلى ذلك فنفى الله تعالى عنه ذلك. وقوله تعالى: {أم يقولون شاعر} الآية، روي أن قريشاً اجتمعت في دار الندوة فكثرت آراؤهم في محمد صلى الله عليه وسلم حتى قال قائل منهم: {تربصوا به ريب المنون} فإنه شاعر سيهلك كما هلك زهير والنابغة والأعشى وغيرهم، فافترقوا على هذه المقالة فنزلت الآية في ذلك، والتربص: الانتظار ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : تربص بها ريب المنون لعلها تطلق يوماً أو يموت حليلها تفسير : وأنشد الطبري: [الطويل] شعر : لعلها سيهلك عنها زوجها أو ستجنح تفسير : وقوله تعالى: {قل تربصوا} وعيد في صيغة أمر، و: {المنون} من أسماء الموت، وبه فسر ابن عباس، ومن أسماء الدهر أيضاً، وبه فسر مجاهد وقال الأصمعي: {المنون} واحد لا جمع له وقال الأخفش: هو جمع لا واحد له. قال القاضي أبو محمد: والريب هنا: الحوادث والمصائب، لأنها تريب من نزلت به ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في أمر ابنته فاطمة حين ذكر أن علياً يتزوج بنت أبي جهل: "حديث : إنما فاطمة بضعة مني، يريبني ما أرابها". تفسير : يقال أراب وراب، ومنه: [الطويل] شعر : فقد رابني منها الغداة سفورها تفسير : وقوله الآخر: [المتقارب] شعر : وقد رابني قولها يا هناه تفسير : وأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بتوعدهم بقوله: {قل تربصوا فإني معكم من المتربصين} وقوله تعالى: {بهذا} يحتمل أن يشير إلى هذه المقالة: هو شاعر، ويحتمل أن يشير إلى ما هم عليه من الكفر وعبادة الأصنام. والأحلام: العقول. و: {أم} المتكررة في هذه الآية قدرها بعض النحاة بألف الاستفهام، وقدرها مجاهد بـ "بل". والنظر المحرر في ذلك أن منها ما يتقدر ببل، والهمزة على حد قول سيبويه في قولهم: إنها لا بل أم شاء، ومنها ما هي معادلة، وذلك قوله: {أم هم قوم طاغون}. وقرأ مجاهد: "بل هم قوم طاغون" وهو معنى قراءة الناس، إلا أن العبارة بـ {أم} خرجت مخرج التوقيف والتوبيخ. وحكى الثعلبي عن الخليل أنه قال: ما في سورة "الطور" من {أم} كله استفهام وليست بعطف. و: {تقوله} معناه: قال عن الغير إنه قاله. فهي عبارة عن كذب مخصوص. ثم عجزهم تعالى بقوله: {فليأتوا بحديث مثله} والمماثلة المطلوبة منهم هي في النظم والرصف والإيجاز. واختلف الناس هل كانت العرب قادرة على الإتيان بمثل القرآن قبل مجيء محمد صلى الله عليه وسلم، فقال شداد: يسمون أهل الصرفة كانت قادرة وصرفت، وقال الجمهور: لم تكن قط قادرة ولا في قدرة البشر أن يأتي بمثله. لأن البشر لا يفارق النسيان والسهو والجهل والله تعالى محيط علمه بكل شيء. فإذا ترتبت اللفظة في القرآن، علم بالإحاطة التي يصلح أن تليها ويحسن معها المعنى وذلك متعذر في البشر، والهاء في {مثله} عائدة على القرآن. وقرأ الجحدري "بحديثِ مثلِه" بإضافة الحديث إلى مثل. فالهاء على هذا عائدة على محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {أم خلقوا من غير شيء} قال الطبري معناه: أم خلقوا خلق الجماد من غير حي فهم لا يؤمرون ولا ينهون كما هي الجمادات عليه. وقال آخرون معناه: خلقوا لغير علة ولا لغير عقاب ولا ثواب. فهم لذلك لا يسمعون ولا يتشرعون. وهذا كما تقول: فعلت كذا وكذا من غير علة، أي لغير علة. ثم وقفهم على جهة التوبيخ على أنفسهم: أهم الذين خلقوا الأشياء؟ فهم لذلك يتكبرون، ثم خصص من الأشياء {السماوات والأرض} لعظمها وشرفها في المخلوقات، ثم حكم عليهم بأنهم {لا يوقنون} ولا ينظرون نظراً يؤديهم إلى اليقين.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَذَكِّرْ} بالقرآن {بِنِعْمَتِ رَبِّكَ} برسالته {بِكَاهِنٍ} بساحر تكذيباً لشيبة بن ربيعة {وَلا مَجْنُونٍ} تكذيباً لعقبة بن أبي معيط.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {فَذَكِّرْ} أمر لنبيِّه ـــ عليه السلام ـــ بإدامة الدعاء إلى اللَّه عز وجل، ثم قال مؤنساً له: {فَمَا أَنتَ}: بإِنعام اللَّه عليك ولُطْفِهِ بك ـــ كاهِنٌ ولا مجنون. وقوله سبحانه: {أَمْ يَقُولُونَ} أي: بل {يَقُولُونَ شَاعِرٌ...} الآية: رُوِيَ أَنَّ قريشاً اجتمعت في دار النَّدْوَةِ، فَكَثُرَتْ آراؤُهم في النبيِّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى قال قائل منهم: تَرَبَّصُوا به رَيْبَ المَنُونِ، أي: حوادِثَ الدهر، فَيَهْلِكَ كما هَلَكَ من قبله من الشُّعَرَاءِ: زُهَيْرٌ، والنَّابِغَةُ، وَالأَعْشَى، وغيرُهم، فافترقوا على هذه المقالة، فنزلت الآية في ذلك، والتَّرَبُّصُ: الانتظار، والمنون: من أسماء الموت، وبه فسر ابن عباس، وهو أيضاً من أسماء الدهر، وبه فَسَّرَ مجاهد، والرَّيْبُ هنا: الحوادث والمصائب: ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إِنَّما فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا»تفسير : الحديثَ. وقوله: {قُلْ تَرَبَّصُواْ} وعيد في صيغة أمر. وقوله سبحانه: {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَـٰمُهُمْ بِهَـٰذَا} الأحلام: العقول، وقوله: {بِهَـٰذَا} يحتمل أنْ يشيرَ إلى هذه المقالة: هو شاعر، ويحتمل أَنْ يشير إلى ما هم عليه من الكُفْرِ وعِبَادَةِ الأصنام، و{تَقَوَّلَهُ} معناه: قال عن الغير أَنَّهُ قاله، فهي عبارة عن كَذِبٍ مخصوص، ثم عَجَّزَهُمْ سبحانه بقوله: {فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ} والضمير في {مِّثْلِهِ} عائد على القرآن. وقوله: {إِن كَانُواْ صَـٰدِقِينَ} * ت *: أي: في أَنَّ محمداً تَقَوَّلَهُ؛ قاله الثعلبيُّ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ} لما بين تعالى أن في الوجود قوماً يخافون الله، ويشفقون في أهلهم والنبي - عليه الصلاة والسلام - مأمور بتذكير من يخاف الله تعالى لقوله تعالى: {أية : فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} تفسير : [ق: 45] فوجب التذكير فلذلك ذَكَرَهُ بالفاء. قوله: "بِنِعْمَةِ رَبِّكَ" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مقسم به متوسط بين اسم "ما" وخبرها. ويكون الجواب حينئذ محذوفاً لدلالة هذا المذكور عليه والتقدير: "وَنِعْمَةَ رَبّكَ مَا أَنْتَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ". الثاني: أن الباء في موضع نصب على الحال، والعامل فيها: "بِكَاهِنٍ أوْ مَجْنُون" والتقدير: ما أنت كاهناً ولا مجنوناً ملتبساً بنعمة ربك. قاله أبو البقاء. وعلى هذا فهي حالٌ لازمة؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يفارق هَذِهِ الحَالَ. الثالث: أن الباء متعلقة بما دل عليه الكلام وهو اعتراض بين اسم "ما" وخبرها والتقدير: ما أنت في حال أذْكَارِك بنعمةِ ربك بكاهنٍ ولا مجنون. قاله الحوفيّ. قال شهاب الدين: ويظهر وجه رابع وهو أن تكون الباء سببية وتتعلق حينئذ بمضمون الجملة المنفية. وهذا هو مقصود الآية الكريمة. والمعنى انتفى عنك الكَهَانَةُ والجنونُ بسبب نعمةِ الله عليك كما تقول: مَا أَنْتَ بمُعْسِرٍ بحمْدِ اللَّهِ وَغِنائِهِ. فصل المعنى "فَذَكِّرْ" يا محمد أهل مكة بالْقُرْآنِ {فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ} أي برحمته وعصمته "بِكَاهِنٍ" مبتدع القول ومخبر بما في غد من غير وحي "وَلاَ مَجْنُونٍ" نزلت في الذين اقتسموا عِقَابَ مكة يرمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالكَهانةِ والسِّحر والجُنُون والشِّعر. قوله: "أَمْ يَقُولُونَ" قال الثعلبي: قال الخليل: كل ما في سورة الطور من "أم" فاسْتِفْهَامٌ وليس بِعَطْفٍ. وقال أبو البقاء: "أم" في هذه الآيات منقطعة. وتقدم الخلاف في المنقطعة هل تقدر بِبَلْ وحدَها أو بِبَلْ والهمزة أو بالهمزة وحدها. والصحيحُ الثاني. وقال مجاهد في قوله: "إنْ تَأمُرهُمْ" تقديره بَلْ تَأمُرُهُمْ. وقرأ: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} يدل: أم هُمْ قَوْمٌ. قوله: "نَتَرَبَّصُ" في موضع رفع صفة لـ "شَاعِرٌ" والعامة على "نَتَرَبَّص" بإسناد الفعل لجماعة المتكلمين "رَيْبَ" بالنصب. وزيد بن علي: يُتَرَبَّصُ - بالياء من تحت - على البناء للمفعول "رَيْبُ" بالرفع. و "رَيْبُ المَنُونِ": حَوَادِثُ الدَّهْر، وتَقَلُّبَات الزَّمان؛ لأنها لا تدوم على حال كالريب وهو الشك فإنه لا يبقى بل هو متزلزل. قال الشاعر: شعر : 4535- تَرَبَّصْ بِهَا رَيْبَ الْمَنُونِ لَعَلَّهَا تُطَلَّقُ يَوْماً أَوْ يَمُوتُ خَلِيلُهَا تفسير : وقال أبو ذُؤَيْب: شعر : 4536- أَمِنَ الْمَنُونَ وَرَيْبِهِ تَتَوَجَّعُ وَالدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ تفسير : والمنون في الأصل الدهر. وقال الراغب: المَنُونُ: المنيّة؛ لأنها تَنْقُصُ العَدَدَ، وتَقْطَعُ الْمَدَدَ. وجَعَلَ من ذلك قوله: {أية : أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} تفسير : [القلم:3] و [الانشقاق:25] و [التين:6] و [فصّلت:8] أي غير منقطع. وقال الزمخشري: وهو في الأصل: فعول من منه إذا قطعه لأن الموت قطوع، ولذلك سميت شعوب. و "رَيْبَ" وريبة مفعول به أي ننتظر به حوادث الدهر أو المنية. فصل المعنى: بل يقولون يعني هؤلاء المقتسمين الخَرَّاصين شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ به رَيْبَ المنون حوادث الدهر وصروفه وذلك أن العرب كانت تحترز عن إيذاء الشعراء، فإن الشعر كان عندهم يحفظ ويدون فقالوا: لا نعارضه في الحال مخافة أن يغلبنا بقوة شِعْره وإنما نصبر وَنَتَربَّصُ موتَهُ ويَهْلِك كما هلك من قبله من الشعراء ويتفرق أصحابه وإنّ أباه مات شاباً ونحن نرجو أن يكون موته كموت أبيه. والمنون يكون بمعنى الدهر فيكون بمعنى الموت سُمِّيَا بذلك لأنَّهما يقطعان الأجل. أو يقال: إنه - عليه الصلاة والسلام - كان يقول: إن الحَقَّ دين الله، وإنَّ الشرع الذي أتيت به يبقى أبد الدهر، وكتابي يُمْلَى إلى قيام الساعة فقالوا: ليس كذلك إنما هو شاعر والذي يذكره شعر ولا ناصر له وسيصيبه من بعض آلهتنا الهَلاَك فنتربص به ذلك. وَرَيْبُ المَنُون: هو اسم للموت فَعُولٌ من المَنِّ، وهو القطع. ويحتمل وجهاً آخر وهو أن يكون المراد أنه إذا كان شاعراً فصروف الزمان ربما تضعف ذِهْنَهُ وتُورثُ وَهَنَهُ فيتبين لكل أحد فساد أمره وكساد شعره. قوله: "قُلْ تَرَبَّصُوا" أي انتظروا بي الموت. فإن قيل: هذا أمر للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولفظ الأمر يوجب المأمور به أو يُبِيحُه ويجوزه وتربصتم كان حراماً. فالجواب: ليس ذلك بأمر وإنما هو تهديد أي تربصوا فإني متربصٌ الهلاك بكم كقول الغَضْبَانِ لعبده: افْعَلْ مَا شِئْتَ فإني لَسْتُ عَنْكَ بغافلٍ. فإن قيل: لو كان كذلك لقال: تَرَبَّصوا أو لا تَتَرَبَّصُوا كما قال: {أية : ٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ} تفسير : [الطور: 16]. فالجواب: ليس كذلك، لأن ذلك يفيد عدم الخوف أكثر. قوله: {فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ} أي أتربصُ هَلاَكَكُمْ، وقد أهلكوا يوم بدر وغيره من الأيَّام. قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يكون معناه إذا قلنا: (إن) ريب المنون صروفُ الدهر فمعناه إنكار كَوْن صروف الدهر مؤثرة فكأنه يقول: أَنَا مِنَ المتربِّصين حتى أُبْصِرَ ماذا يأتي به الذي تجعلونه مهلكاً وماذا يُصِيْبُنِي منه. قوله: {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ} عقولهم {بِهَـٰذَآ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} والإشارة بقوله: "بِهَذَا" إلى ما ظهر منهم عقلاً ونقلاً. وهو عبادة الأوثان وقولهم الهَذَيَان. وقيل: إشارة إلى قولهم: كَاهنٌ وشاعرٌ ومجنونٌ. وقيل إشارة إلى التربص وذلك أن الأشياء إما أن تَثْبُتَ بعقلٍ أو نقلٍ فقال: هل ورد أمرٌ سَمْعِيّ أم عقولهم تأمرهم بما كانوا يقولون أم هم قوم طاغون مُفْتَرُونَ ويَقُولُونَ ما لا دليل عليه سمعاً ولا مقتضى له عقلاً؟ والطُّغْيَان مُجَاوَزَةُ الحَدِّ في العِصْيَانِ وكذلك كل شيء مكروهٌ ظاهرٌ، قال تعالى: {أية : لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ} تفسير : [الحاقة: 11]. واعلم أن قوله: "أَمْ تَأمُرُهُمْ" متصل تقديره: أنزل عليهم ذكر أم تأمرهم أحلامهم بهذا. وفي هذه الآية إشارة إلى أن كل ما لا يكون على وَفْق العقل لا ينبغي أن يقال؛ وإنما ينبغي أن يقال ما يجب قولهُ عقلاً. والأحلام جمع حِلم وهو العقل فهما من باب واحد من حيث المعنى لأن العقل يضبط المرء فيكون كالبعير المَعْقُول لا يتحرك عن مكانه والحِلْم من الاحتلام، وهو أيضاً سبب وقار المرء وثباته لأن الحُلم في أصل اللغة هو ما يراه النائم فينزل ويلزمه الغسل الذي هو سبب البلوغ وعنده يصير الإنسان مكلّفاً، فالله تعالى من لطيفِ حِكمته قَرَن الشهوة بالعقل وعند ظهور الشهوة يكمل العقل ويكلف صاحبه فأشار تعالى إلى العقل بالإشارة إلى ما يقارنه وهو الحِلْم ليعلم أنه يريد به كمال العقل. قوله: {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ} أي يخلق القرآن من تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، والتَّقَوُّلُ تكلّف القول ولا يستعمل إلا في الكذب وهذا أيضاً متصل بقوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ} تقديره: كاهن أم يقولون تقوله بالمعنى ليس الأمر كما زَعَمُوا بل لا يؤمنون بالقرآن استكباراً. ثم ألزمهم الحُجَّة وأبطل جميع الأقسام فقال: {فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ} أي القُرْآنِ ونظمه {إِن كَانُواْ صَادِقِينَ} أنَّ محمداً تقوَّلهُ من قِبَلِ نفسه، ولما امتنع ذلك كَذَّبوا في الكُلّ. قوله: "فَلْيأتُوا" الفاء للتعقيب أي إذا كان كذلك فيجب عليهم أن يأتوا بمثل ما أتى بهِ لِيَصحَّ كلامُهُم ويبطل كلامه. قال بعض العلماء: وهذا أمر تعجيزٍ قال ابن الخطيب: والظاهر أن الأَمر ههنا على حقيقته لأنه لم يقل: إيتوا مطلقاً بل قال: إيتوا إن كنتم صادقين فهو أمر معلق على شرط إذا وجد ذلك الشرط يَجِبُ الإتيان به وأمر التعجيز كقوله تعالى: {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ} تفسير : [البقرة: 258] وليس هذا بحثاً يورث خللاً في كلامهم. قوله: "بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ" العامة على تنوين "حَدِيثٍ" وَوَصْفِهِ بـ "مِثْلِهِ". والجَحْدَرِيُّ وأبو السَّمَّال "بحَدِيثِ مِثْلِهِ" بإضافة حديث إلى "المِثْل" على حذف موصوف أي بحديثِ رجلٍ مِثْلِهِ من جِنْسِهِ. فصل قالت المعتزلة: الحديث مُحْدَث، والقرآن سماه حديثاً فيكون مُحْدَثاً. وأجيبوا: بأن الحديث اسمٌ مشترك يقال للمُحْدَث والمنقول وهذا يصح أن يقال: هذا حديث قديم أي متقادم العَهْد، لا بمعنى سبب الأزلية وذلك لاَ نِزَاع فِيهِ. فإن قيل: الصّفة تتبع الموصوف في التعريف والتنكير والموصوف هنا: "حَدِيث" وهو مُنَكَّر، و "مِثْلِهِ" مضاف إلى "القرآن" والمضاف إلى القرآن مُعَرَّف فكيف هذا؟ فالجواب: أن "مِثْلاً" و "غَيْراً" لا يتعرَّفان بالإضافة، وكذلك كل ما هو مثله كشِبْهٍ، وذلك أن "غَيْراً ومِثْلاً" وأمثالهما في غاية التنكير؛ لأنك إذا قلت: "مِثْلُ زَيْدٍ" يتناول كل شيء، فإن كل شيء مثل زيد في شيء فالحِمار مثله في الجسم والحجم والإمكان والنباتُ مثله في النُّشُوء والنَّمَاء والذّبُول والفَنَاء، والحَيَوَان مثله في الحركة والإدراك وغيرها من الأوصاف. وأما "غَيْرُ" فهو عند الإضافة ينكَّر وعند قطع الإضافة ربَّما يَتَعرَّف؛ فإنك إذا قلت: غَيْر زيدٍ صار في غاية الإبهام، فإنه يتناول أموراً لا حصر لها، وأما إذا قطعتَ "غير" عن الإضافة فربَّما يكون الغَيْرُ والمُغَايَرَةُ من بابٍ واحد وكذلك التَّغيُّر فتجعل الغير كأسماء الجنس وتَجْعَلُهُ مبتدأ أو تريد به معنى معيَّناً. قوله: "أَمْ خُلِقُوا" لا خلاف أن "أم" هنا ليست بمعنى بل لكن أكثر المفسرين على أن المراد ما وقع في صدر الكلام من الاستفهام بالهمزة كأنه يقول: "أَخُلِقُوا مِنْ غير شيء". قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يقال: هو على أصل الوضع للاستفهام الذي يقع في أثناء الكلام وتقديره: أَم خُلِقُوا من غير شيء أم هم الخالقون؟ قوله: {مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ} يجوز أن تكون "من" لابْتِدَاء الغاية على معنى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شيء حَيٍّ كالجَمَادِ فهم لا يُؤْمَرُون ولا يُنْهَوْنَ كما الجَمَادَات، وقيل: هي للسَّبَبِيَّة على معنى من غير عِلَّةٍ، ولاَ لِغَايَةِ ثوابٍ ولا عقابٍ. فصل وجه تعلق الآية بما قبلها أنهم لما كذبوا النبي - عليه الصلاة والسلام - ونسبوه إلى الكَهَانَةِ والشِّعْر والجُنُونِ وبرأه الله من ذلك ذكر الدليل على صِدْقِهِ إبطالاً لتكذيبهم وبدأ بأنفسهم فكأنه يقول: كيف تكذبونَهُ وفي أنفسكم دليل صدقه، لأن قوله كانَ في ثلاثة أشياء، في التوحيدِ، والحَشْرِ، والرسالة ففي أنفسهم ما يعلم صدقه وهو أنهم خلقوا وذلك دليل التوحيد لما تقدم أنَّ: شعر : فِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الوَاحِدُ؟ تفسير : وأما الحشر فلأن الخلق الأول دليل على جواز الخلق الثاني. فصل قال المفسرون: معنى الآية: أم خلقوا من غير شَيْءٍ فوُجِدُوا بلا خالق وذلك مما لا يجوز أن يكون {أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ} لأنفسهم وذلك في البُطْلاَن أشدُّ؛ لأن ما لا وجودَ له كيف يخلق فإذا بَطَلَ الوجهان قامت الحجة عليهم بأن لهم خالقاً فليؤمنوا به. قال هذا المعنى أبو سليمان الخَطَّابِيُّ. وقال الزجاج: معناه أَخُلِقُوا باطلاً لا يُحَاسَبُون ولا يُؤْمِنُون وقال ابْنُ كَيْسَانَ: أخلقوا عبثاً وتركوا سُدًى لا يُؤْمَرُون ولا يُنهَوْن كقول القائل فعلت كذا وكذا (وقوله): {مِنْ غير شيء} لغير شيء {أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ} لأنفسهم فلا يجب عليهم لله أمر. وقيل: معناه أخلقوا من غير أبٍ وأُمٍّ. قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يقال: أم خلقوا من غير شيء أي أَلَمْ يُخْلَقُوا من ترابٍ أو من ماء لقوله تعالى: {أية : أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} تفسير : [المرسلات: 20] ويحتمل أن يقال: الإستفهام ليس بنفي بل هو بمعنى الإثبات كقوله تعالى: {أية : أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ} تفسير : [الواقعة: 59] و{أية : أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ} تفسير : [الواقعة: 64] و{أية : أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ} تفسير : [الواقعة: 72] كل ذلك في الأول منفي وفي الثاني مثبت كذلك ههنا قال تعالى: {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ} أي إنَّ الصادقَ هو الثاني وهذا حينئذ كقوله تعالى: {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} تفسير : [الإنسان: 1]. فإن قيل: كيف يكون ذلك الإثبات والآدمي خلق من تراب؟ نقول: والتراب خلق من غير شيء، فالإنسان إذا نظرت إلى خلقه ونظرت إلى ابتداء أمره تجده مخلوقاً من غير شيء. أو نقول: المراد أم خلقوا من غير شيء مذكوراً أو متغيراً وهو الماء المَهِينُ؟ قوله: {أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ} قال الزمخشري: "لا يوقنون بأنهم خُلِقُوا" وهو في معنى قوله: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [لقمان: 25] أي هم معترفون بأنه خلق الله وليس خلق أنفسهم. وقيل: بل لا يوقنون بأن الله خالقٌ واحدٌ أي ليس الأمر كذلك وما خلقوا وإنما لا يوقنون بوَحْدَةِ الله. وقيل المعنى لا يوقنون أصلاً من غير ذكر مفعول كَقْولِكَ: فُلانٌ لَيْسَ بمُؤْمِنٍ وفُلاَنٌ كَافِرٌ لبيان مذهبه وإن لم يَنْوِ مفعولاً. والمعنى أنهم ما خلقوا السموات والأرض ولا يوقنون بهذه الدلائل، بل لا يوقنون أصلاً وإن جئتهم بكل آية بدليل قوله تعالى بعد ذلك: {وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ}. وهذه الآية دليل الآفاق وقوله من قَبْلُ دَليلُ الأنفس. قوله: {أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ} قال عكرمة: يعني النبوة، وقال مقاتل: أَبِأَيْديهم مفاتيحُ ربك بالرسالة فيضعونها حيث شاؤوا؟ وقال الكلبي: خَزَائِنُ المَطَر والرِّزق. وقيل: خزائن الرحمة. قوله: {أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ} وهذه تَتِمَّةُ الردِّ عليهم؛ لأنه لما (قَا) ل: {أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ} أشار على أنهم ليسوا بخزنة الله فعلموا خزائن الله لكن بمجرد انتفاء كونهم خزنة (لا) ينتفي العلم لجواز أن يكون مشرفاً على الخَزَنَةِ، فإن العلم بالخَزَائنِ عند الخازن والكاتب بالخِزَانَة فقال: لستم بخَزَنَةٍ ولا بِكَتَبة الخزانة المسلطين عليها. قال ابن الخطيب: ولا يبعد تفسير: "المُسَيْطِرِين" بكَتَبَةِ الخزائن؛ لأن التركيب يدل على السَّطْر وهو يستعمل في الكِتَابة. قال أهل اللغة: المُسَيْطِرُ الغالب القاهر من سَيْطَرَ عليه إذا راقبه وَحَفظَهُ أو قَهَرَهُ. قال المفسرون: المسيطرون المسلطون الجَبَّارُون. وقال عطاء: أربابٌ قاهرونَ، فلا يكونوا تحت أمرٍ أو نهي يفعلون ما شَاؤُوا. ويجوز بالسين والصاد جميعاً. وقرأ العامة: المُصَيْطِرُون بصاد خالصة من غير إشْمَامِها زاياً لأجل الطاء كما تقدم في: "صراط" [الفاتحة: 7]. وقرأ هشامٌ وقُنْبُلٌ من غير خلاف عنهما بالسين الخالصة التي هي الأصل وحفصٌ بخلافٍ عنه. وقرأ خلاَّدٌ بصاد مشمَّةٍ زاياً من غير خلاف عنه. وقرأ خلادٌ بالوجهين أعني كخَلَفٍ والعامَّةِ. وتوجيه هذه القراءات واضحٌ مما تقدم في أول الفاتحة، ولم يأتِ على "مُفَيْعِلٍ" إلا خمسة ألفاظ، أربعةٌ صفةٌ اسمُ فاعل نحن مُهَيْمِن ومُبَيْقِر، ومُسَيْطرِ ومُبَيْطر وواحد اسم جبل - وقيل: اسم أرضٍ لبني فِزارة - وهو المُجَيْمِر قال امرؤ القيس: شعر : 4537- كَأَنَّ ذُرَى رَأسِ المُجَيْمِرِ غُدْوَةً مِنَ السَّيْلِ والغُثَّاءِ فَلْكَةُ مِغْزَلِ تفسير : قوله: {أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ} أي مِرْقَاةٌ ومِصْعَد إلى السماء "يَسْتَمِعُونَ فِيهِ". وهذا أيضاً تتميم الدليل، فإن مَنْ لا يكون خازناً ولا كاتباً قد يطلع على الأمر بالسماع من الخازن أو الكاتب فقال: أنتم لستم بخزنة ولا كَتَبَةٍ ولا اجتمعتم بهم، لأنهم ملائكة ولا صعود لكم. قوله: "يَسْتَمِعُونَ فِيهِ" صفة "لسُلَّمٍ" و "فِيهِ" على بابه من الظرفية. وقيل: هي بمعنى "عَلَى". قاله الواحدي، كقوله تعالى: {أية : وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ} تفسير : [طه: 71]. ولا حاجة إلَيْهِ. وقدَّره الزمخشري متعلقاً بحال محذوفة تقديرها: صَاعِدِينَ فيه. ومفعول "يَسْتَمِعُونَ" محذوف فقدره الزمخشري يستمعون ما يوحى إلى الملائكة من عِلْم الغيب. وقدره غيره يستمعون الخبر بصحة ما يدعون من أنه شاعر، وأنَّ لِلَّهِ شركاءَ. والظاهر أنه لا يقدر له مفعول بل المعنى يوقعون الاستماع أي هل لهم قوة الاستماع من السماء حتى يعلموا أنه ليس برسول. قوله: "فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ" إن ادَّعَوْا ذلك "بسلطان مبين" أي حجة وبينة. فإن قيل كيف قال: "فَلْيَأتِ مُسْتَمِعُهُمْ" ولم يقل: فَلْيَأتُوا كما قال تعالى: {أية : فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ} تفسير : [الطور: 34]؟ فالجواب: أنه طلب منهم الأهون على تقدير صدقهم ليكون امتناعُه عليهم أدلَّ على بُطْلان قولهم، وقال هناك: فَلْيَأتوا أي اجتمعوا عليه وتعاونوا وأتوا بمثله، فإن ذلك عند الاجتماع أهون وأما الارْتِقَاءُ في السلم بالاجتماع فمتعذِّر، لأنه يرتقي واحدٌ بعد واحد فلا يحصل في الدرجة العليا إلا واحد فقال: فَلْيَأتِ ذَلك الواحد بما سَمِعَهُ. وفيه لطيفة وهي أنه لو طلب منهم ما سمعوه لكان الواحد أن يفتري ويقول: سَمِعْتُ كذا فقال: لاَ بل الواجب أن يأتي بدليل يَدُلُّ عليه. قوله: {أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ} وهذا إنكار عليهم حين جعلوا لله ما يكرهون كقوله تعالى: {أية : فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ} تفسير : [الصافات: 149]. {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً} جعلاً على ما جئتهم به ودعوتهم إليه {فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ} أي أثقلهم ذلك المَغْرَم الذي يسألهم، فيمنعهم ذلك عن الإسلام. فإن قيل: ما الفائدة في سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: أَمْ تَسْأَلَهُمْ ولم يقل: أَمْ تُسْأَلُونَ أجراً كما قال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ} {أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً} إلى غير ذلك؟ فالجواب: أنَّ فيه فائدتين: إحداهما: تسلية قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنهم امتنعوا عن الاستماع صَعُبَ على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له ربه: أَنْتَ أتيتَ بما عليك فلا يَضيقُ صدرُك حيث لم يُؤْمنوا، فأنت غير مُلْزَم، وإنما كنت تُلاَمُ إن كنت طلبت منهم أجراً فهل طلبت ذلك فأَثْقَلْتَهُمْ فلا حَرَجَ عليك إذَنْ. الثانية: لو قال: أَمْ تُسْأَلُونَ ففي طلب الأجر مطلقاً وليس كذلك لأنهم كانوا مشركين مطالبين بالأجر من رؤسائهم وأما النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أنتَ لا تسألهم أجراً فهم لا يَتَّبِعُونَك وغيرهُم يسألهم وهم يسألون ويتَّبِعون السائلين هذا غاية الضَّلاَل. قوله: {أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ} أي علم ما غاب عنهم حتى علموا أن ما يخبرهم من أمر القيامة والبعث باطل. قال قتادة: هذا جواب لقوله: {نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ} يقول: أعندهم الغيب حتى علموا أن محمداً يموت قبلهم فهم يكتبون. قال ابن الخطيب: وهذا ضعيف لبعد ذكره، أو لأن قوله تعالى: {قُلْ تَرَبَّصُواْ} متصل به وذلك يمنع اتصال هذا بذاك. قال القُتَيْبِيّ: أي يحكمون والكِتَاب الْحُكم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للرجلين اللذين تخاصما إليه: أقضي بينكما بكِتَاب الله أي بحُكْمِ الله. وقال ابن عباس - ( رضي الله عنهما ) - معناه: أم عِنْدهُمُ اللَّوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه ويُخْبِرُون الناس به. والألف واللام في {ٱلْغَيْبُ} لا للْعَهْد ولا لتعريف الجنس بل المراد نوع الغيب، كما تقول: اشْتَرِ اللَّحْمَ تريد بيان الحقيقة لا كلّ لحم ولا لحماً معيناً. قوله {أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً} أي مكراً بك {فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ} أي المَخْزِيُّونَ بِكَيْدِهِمْ، أي إن ضَرَرَ ذلك يعود عليهم ويحيق مكرهم بهم لأنهم مكروا به في دَار الندوة فقُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ. فصل وجه التعلق إذا قيل بأن قوله: {أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ} متصل بقوله تعالى: {نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ} فالمعنى أنهم لما قالوا: نتربص به ريب المنون قيل لهم: أتعلمون الغيب فتعلمون أنه يموت قبلكم أَمْ تُرِيدُون كيداً فتقولون نقتله فيموت فقيل لهم: إن كنتم تدعون الغيب فأنتم كاذبون وإن كنتم تظنُّون أنّكم تقدرون عليه فأنتم غالِطُون فإن الله يَصُونُه ويَنْصُره عليكم. وإن قيل بأن المراد أنه عليه الصلاة والسلام لا يسألكم عن الهداية مالاً وأنتم لا تعلمون ما جاء به لكونه من الغُيُوبِ ففي المراد بقوله: {أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً} وجهان: الأول: أن المعنى أم يريدون أي من الشيطان فكأنه تعالى قال: أنتَ لا تَسْألهم أجراً وهم لا يعلمون الغيب فهم محتاجون إليك وأعرضوا فقد اختاروا كَيْدَ الشيطان، وارتَضَوْا بإزاغَتِهِ. والإرادة بمعنى الاختيار كقوله تعالى: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ} تفسير : [الشورى: 20] وقوله: {أية : أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ} تفسير : [الصافات: 86] وقوله: {أية : إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} تفسير : [المائدة: 29]. الثاني: أن المراد أم يريدون كيداً، فهو واصل إليهم وهم عن قريب مكيدونَ والمعنى أنه لم يبق لهم حجةٌ في الإعراض فهم يريدون نُزُول العذاب والله أرسل إليهم رسولاً لا يسألهم أجراً ويَهْدِيهم إلى ما لاَ عِلْمِ لَهم به ولا كتابَ عندهم وهم معرضون فهم يريدون إذَنْ أن يهلكهم ويكيدهم، لأن الاستدراجَ كيدٌ، والإملاء لازدياد الإثْم كذلك ولا يقال: هذا فاسد، لأن الكيد والإساءة لا تطلق على فعل الله تعالى إلا بطريق المقابلة وكذلك المكر فلا يقال: أسَاءَ اللَّهُ إلى الكافر ولا اعتدى الله إلا إذا ذكر أولاً منهم شيء من ذلك، ثم يقال بعده مثله لفظاً في حق الله تعالى، كقوله تعالى: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} تفسير : [الشورى: 40]، {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} تفسير : [البقرة: 194] {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران: 54] {أية : يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً} تفسير : [الطارق: 15 - 16]؛ لأنا نقول: الكيد (ما) يسُوءُ مَنْ نَزَلَ به، وإن حسن ممن وجد منه كقول إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - {أية : لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} تفسير : [الأنبياء: 57] من غير مقابلة. ونكر الكيد، إشارةً إلى وقوع العذاب من حيث لا يشعرُون، فكأنه قال: يأتيهم بَغْتة ولا يكون لهم علم بِعظمِهِ. قوله: "فَالَّذِينَ كَفَرُوا" هذا من وقوع الظاهر موقع المضمر تنبيهاً على اتِّصافهم بهذه الصفة القبيحة، والأصل أَم يُريدُونَ كَيْداً فَهُم المكيدون، أو حكم على جنس هم نوع منه فيندرجون اندراجاً أوَّلِيًّا لتوغلهم في هذه الصفة. قوله: {أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ} يرزقهم وينصرهم {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ}. قال الخليل: ما في هذه السورة من ذكر "أَمْ" كلمةُ استفهام وليس بعطف. فصل قَالَ أَهْلُ اللُّغَة: "سُبْحَانَ اللَّهِ" اسم علم على التسبيح، و "مَا" في قوله "عَمَّا يُشْرِكُونَ" يحتمل أن تكون مصدرية أي عن إشراكهم، ويحتمل أن تكون خبريةً أي عن الذين يشركون. وعلى هذا يحتمل أن يكون عن الولد لأنهم كانوا يقولون: لَهُ البَنَاتُ فقال: "سُبْحَانَ اللَّهِ عن البنات والبنين". ويحتمل أن يكون عن مثل الآلهة أي سبحانه الله عن مِثْل ما يعبدونه. قوله تعالى: {وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً} "إنْ" هذه شرطية على بابها. وقيل: هي بمعنى "لو". وليس بِشَيءٍ. وقوله: "سَحَابٌ" خبر مبتدأ مضمر أي هذا سَحَابٌ، والجملة نَصْبٌ بالقول. فصل لما بين فَسَاد أقوالهم وسقوطها أشار إلى أنه لم يبق لهم عُذْرٌ، فإن الآيات والحُجَج قد ظهرت ولم يؤمنوا فبعد ذلك {وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً} أي قطعةً {مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ} أي ينكرون كونه آية. ومعنى الآية لو عذبناهم بسقوط بعض من السماء عليهم لم يَنْتَهُوا عن كفرهم ويقولوا لمعاندتهم: هَذَا سَحَابٌ مَرْكُومٌ أي بعضه على بعض. قوله: "سَاقِطاً" يحتمل أن يكون مفعولاً ثانياً كقولك: رَأَيْتُ زيداً عَالِماً، وأن يكون حالاً كقولك: ضربته قائماً. والثاني أولى؛ لأن الرؤية عند التعدي إلى مفعولين في أكثر الأمر تكونُ بمعنى العلم، تقول: رَأَيْتُ هَذَا المَذْهَبَ صَحِيحاً وهذا الوجه ظاهراً وعند التعدي إلى واحد تكون بمعنى "رأي العين" في الأكثر، تقول: رأيت زيداً؛ قال تعالى: {أية : فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} تفسير : [غافر: 84] وقال: {أية : فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً} تفسير : [مريم: 26]. والمراد من الآية رؤية العين. فصل قولهم: "سَحَابٌ مَرْكومٌ" إشارة إلى أنهم حين يعجزون عن التكذيب ولا يمكنهم أن يعقلوا وقوع شيء على الأرض يَرْجِعون إلى التأويل والتَّخْييل، وقالوا: سَحَابٌ ولم يقولوا: هذا سحاب إشارة إلى وضوح الأمر وظهور العِنَاد فأتوا بما لا شك فيه. وقالوا: "سحاب مركوم" وحذفوا المبتدأ ليبقى للقائل فيه مجال فيقولون عند تكذيب الخلق إيّاهم: قُلْنَا سَحَابٌ مَرْكُومٌ شبهة أو مثلة. وإن مشى الأمر على عوامِّهم استمروا. وهذه طريق من يخاف من كلام لا يعلم هل يقبل منه أم لا فيجعل كلامه ذَا وَجْهَيْنِ. فإن رأى القبول صرح بمرادهِ، وإن أنكر عليه أحدهما فَسَّره بالآخَر.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ}. أي أنهم يعلمون أَنَّكَ ليست بك كَهَانةٌ ولا جُنونٌ، وإنما قالوا ذلك على جهة التسفيه؛ فالسّفيهُ يبسط لسانُه فيمن يَسُبُّه بما يعلم أنه منه بريء. {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ}. نتربص به حوادث الأيام؛ فإنّ مِثْل هذا لا يدوم، وسيموت كما مات مِنْ قبْله كُهّانٌ وشعراء. ويقال: قالوا: إنَّ أباه مات شابّاً، ورَجَوْا أَنْ يموت كما مات أبوه، فقال تعالى: {قُلْ تَرَبَّصُواْ...} فإننا منتظرون، وجاء في التفسير أَنّ جميعَهم ماتوا. فلا ينبغي لأحدٍ أن يُؤمِّلَ موتَ أحدٍ. فَقَلّ مَن تكون هذه صَنعتُه إلاّ سَبَقَتْه المَنيَّةُ - دون أَنْ يُدْرِكَ ما يتمنّاه مِنْ الأمنيّة. قوله جلّ ذكره: {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ}. أتأمرهم عقولهم بهذا؟ أَم تحملهم مجَاوزة الحدّ في ضلالهم وطغيانهم عَلَى هذا؟ قوله جلّ ذكره: {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ}. إذا كانوا يزعمون أنك تقول هذا القول من ذاتِ نَفْسك فليأتوا بحديثٍ مثلِه إنْ كانوا صادقين فيما رَمَوْك به!
اسماعيل حقي
تفسير : {فذكر} قال ابن الشيخ لما بين الله ان فى الوجود قوما يخافون الله ويشفقون فى أهلهم والنبى عليه السلام مأمور بتذكير من يخاف الله فرع عليه قوله فذكر بالفاء (وقال الكاشفى) آورده اندكه جماعتى مقتسمان برعقبات مكه حضرت رسول را عليه السلام نزد قبائل عرب بكهانت وجنون وسحر وشعر منسوب ميساختند وآن حضرت اندوهناك ميشد آيت آمدكه فذكر اى فاثبت على ماأنت عليه من تذكير المشركين بما أنزل اليك من الآيات والذكر الحكيم ولا تكترث بما يقولون مما لاخير فيه من الاباطيل {فما انت بنعمت ربك} نعمت رسمت بالتاء ووقف عليها بالهاء ابن كثير وابو عمرو والكسائى ويعقوب اى بسبب انعامه بصدق النبوة وزيادة العقل (وقال الكاشفى) بانعام بروردكار خود يعنى بحمد الله ونعمته او ما أنت بكاهن حال كونك منعما عليك به فهو حال لازمة من المنوى فى كاهن لانه عليه السلام لم يفارق هذه الحال فتكون الباء للملابسة والعامل هو معنى النفى ويجوز أن يجعل الباء للقسم {بكاهن} كما يقولون قاتلهم الله وهو من يبتدع القول وخبر عما سيكون فى غد من غير وحى وفى المفردات الكاهن الذى يخبر بالاخبار الماضية الخفية بضرب من الظن كالعراف الذى يخبر بالاخبار المستقبلية على نحو ذلك ولكن هاتين الصناعتين مبنيتين على الظن الذى يخطىء ويصيب قال عليه السلام "حديث : من أتى عرافا او كاهنا فصدقه بما قال فقد كفر بما أنزل الله على محمد"تفسير : ويقال كهن فلان كهانة اذا تعاطى ذلك وكهن اذا تخصص بذلك وتكهن تكلف ذلك وفى القاموس كهن له كجعل ونصر وكرم كهانه بالفتح وتكهن تكهنا وتكهينا قضى له بالغيب فهو كاهن والجمع كهنة وكهان وحرفته الكهانة بالكسر انتهى قال ابن الملك فى قوله عليه السلام "حديث : من سأل عرافا لم تقبل صلاته اربعين ليلة"تفسير : العراف من يخبر بما اخفى من المسروق أو الكاهن واما من سألهم لاستهزآئهم او لتكذيبهم فلا يلحقه ماذكر فى الحديث بقرينة حديث آخر من صدق كاهنا لم تقبل منه صلاة اربعين ليلة فان قلت هذا مخالف لقوله عليه السلام "حديث : من صدق كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد"تفسير : قلت اللائح لى فى التوفيق أن يقال مصدق الكاهن يكون كافرا اذا اعتقد انه عالم بالغيب واما اذا اعتقد انه ملهم من الله او ان الجن يلقون مما يسمعون من الملائكة فصدقه من هذه فلا يكون كافرا انتهى كلام ابن الملك وفى هدية المهديين من قال اعلم المسروقات يكفر وقال انا اخبر عن اخبار الجن يكفر ايضا لان الجن كالانس لايعلم غيبا {ولا مجنون} وهو من به جنون وهو زوال العقل او فساده. وفى المفردات الجنون الحائل بين النفس والعقل وفى التعريفات الجنون هو اختلال العقل بحيث يمنع جريان الافعال والاقوال على نهج العقل الا نادرا وهو عند ابى يوسف ان كان حاصلا فى اكثر السنة فمطبق وما دونه فغير مطبق. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان طبيعة الانسان متنفرة من حقيقة الدين مجبولة على حب الدنيا وزينتها وشهواتها وزخارفها والجوهر الروحانى الذى جبل على فطرة الاسلام فى الانسان مودع بالقوة كالجوهر فى المعدن فلا يستخرج الى الفعل الا بجهد جهيد وسعى تام على قانون الشريعة ومتابعة النبى عليه السلام وارشاده وبعده بارشاد ورثة علمه وهم العلماء الربانيون الراسخون فى العلم من المشايخ المسلكين وفى زمان كل واحد منهم والخلق مع دعوى اسلامهم ينكرون على سيرهم فى الاغلب ويستبعدون ترك الدنيا والعزلة والانقطاع عن الخلق والتبتل الى الله وطلب الحق الا من كتب الله فى قلبهم الايمان وأيدهم بروح منه وهو الصدق فى الطلب وحسن الارادة المنتجة من بذر يحبهم ويحبونه وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والا فمن خصوصية طبيعة الانسان أن يمرق من الدين كما يمرق السهم من الرمية وان كانوا يصلون ويصومون ويزعمون انهم مسلمون ولكن بالتقليد لا بالتحقيق اللهم الا من شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه انتهى. يقول الفقير فى الآية تشريف للنبى عليه السلام جدا حيث ان الله تعالى ناب عنه فى الجواب ورد الكافرين بنفسه وهو ايضا تصريح بما علم التزاما فان الامر بالتذكير الذى هو متعلق بالوحى وان كان مقتضاء كمال العقل والصدق فى القول يقتضى ان لايكون عليه السلام كاهنا ولا مجنونا فهذا النفى بالنسبة الى ظا هر الحال فانه لايخلو من دفع الوهم وتمكين التصديق ونظيره كلمة الشهادة فان قوله لا اله نفى للوجود المتوهم الذى يتوهمونه والا فلا شىء غير الاثبات فافهم والله المعين شعر : سيدى كزو هم قد رش برترست خاك بايش جرخ را تاج سرست
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {فذكِّرْ} أي: فاثبت على ما أنت عليه من تذكير الناس وموعظتهم، {فما أنت بنعمتِ ربك} أي: بحمده وإنعامه عليك بالنبوة ورجاحة العقل {بكاهنٍ ولا مجنونٍ} كما زعموا، قاتلهم الله أنَّى يؤفكون، {أم يقولون شاعرٌ نتربصُ به رَيْبَ المَنونِ} أي: حوادث الدهر، أي: ننتظر به نوائب الزمان حتى يهلك كما هلك الشعراء من قبله، زهير والنابغة. و"أم" في هذه الآي منقطعة بمعنى "بل". {قل تربصوا فإِني معكم من المتربصين} أتربّص هلاككم، كما تتربصون هلاكي. وفيه عِدة كريمة بإهلاكهم، وقد جرب أنّ مَن تربص موت أحد لِينال رئاسته، أو ما عنده، لا يموت إلا قبله. {أم تأمرهم أحلامُهم} أي: عقولهم {بهذا} التناقض في المقالات، فإنَّ الكاهن يكون ذا فطنة ودقة نظر في الأمور، والمجنون مُغطى عقله، مختل فكره، والشاعر يقول ما لا يفعل، فكيف يجتمع أوصاف هؤلاء في واحد؟ وكانت قريش يُدْعَون أهل الأحلام والنُهي، فكذبهم ما صدر منهم من هذه المقالات المضطربة، {أم هم قوم طاغُون} يجُازون الحدودَ في المكابرة والعناد، ولا يحومون حول الرشد والسداد. وإسناد الأمر إلى الأحلام مجاز. {أم يقولون تَقوَّله} اختلقته من تلقاء نفسه، {بل لا يؤمنون} ردّ عليهم، أي: ليس الأمر كما زعموا، بل لكفرهم وعنادهم يقذفون بهذه الأباطيل، التي لا يخفى بطلانها على أحد، فكيف يقدر البشر أن يأتي بما عجز عنه كافة الأمم من العرب والعجم، {فليأتوا بحديثٍ مِثْلِه} أي: مثل القرآن في البلاغة والإعجاز {إِن كانوا صادقين} في أن محمداً تقوّله من تلقاء نفسه؛ لأنه بلغاتهم، وهم فصحاء، مشاركون له صلى الله عليه وسلم في العربية والبلاغة، مع ما لهم من طُول الممارسة للخطب والأشعار، وكثرة المقاولة للنظم والثر، والمبالغة في حفظ الوقائع والأيام، ولا ريب في أن القدرة على الشيء من موجبات الإتيان به مع دواعي الأمر بذلك من تعجيزهم وإفحامهم وطلب معارضتهم. {أم خُلقوا من غير شيءٍ} أي: أم أُحدثوا وقُدّروا هذا التقدير البديع، الذي عليه فطرتهم، من غير محدث ومقدّر. أو: أم خُلقوا من غير شيء من الحكمة، بأن خُلقوا عبثاً، فلا يتوجه عليهم حساب ولا عقاب؟ {أم هم الخالقون} المُوجدون لأنفسهم؟ فيلزم عليه الدور، وهو تقدُّم الشيء على نفسه وتأخُّره عنها، {أم خَلقوا السماوات والأرض} فلا يعبدون خالقِهما {بل لا يُوقنون} لا يتدبرون في الآيات، فيعلمون خالقهم، وخالق السموات والأرض، فيُفردونه بالعبادة. {أم عندهم خزائنُ ربك} من النبوة والرزق وغيرهما، فيخصُّوا بما شاؤوا مَن شاؤوا، {أم هم المصَيْطِرون} أي: الأرباب الغالبون، المُسلَّطون على الأمور يدبرونها كيف شاؤوا، حتى يُدبروا أمر الربوبية، ويبنوا الأمور على إرادتهم ومشيئتهم. وقرأ المكي والشامي بالسين على الأصل. {أم لهم سُلَّمٌ} منصوب يرتقون به إلى السماء، {يستمعون فيه} كلامَ الملائكة، وما يُوحى إليهم من علم الغيب، حتى يعلموا أن ما هم عليه حق، وما عليه غيرهم باطل، أو ما هو كائن من الأمور التي يتفوّهون بها رجماً بالغيب، ويعلّقون بها أطماعهم الفارغة من هلاكه صلى الله عليه وسلم قبلهم، وانفرادهم بالرئاسة. و"في": سببية، أي: يستمعون بسبب حصولهم فيه، أو: ضمّن "يستمعون" يعرجون. وقال الزجاج: {يستمعون فيه} أي: عليه، {فليأت مُستمعهم بسلطانٍ مبين} بحجة واضحة، تصدق استماع مستمعهم. ثم سفَّه أحلامهم بقوله: {أم له البناتُ ولكم البنونَ} حيث اختاروا لله ما يكروهون وهم حكماء في زعمهم، {أم تسألُهم أجراً} على التبليغ والإنذار {فهم} لأجل ذلك {من مَغْرَم مُثقلون} أي: من التزام غرامة فادحة محمّلون الثقل، فلذلك لا يتبعونك. والمغرم: أن يُلزم الإنسان ما ليس عليه. {أم عندهم الغيبُ} أي: اللوح المحفوظ، المكتوب فيه الغيوب، {فهم يكتبون} ما فيه، حتى يتكلمون في ذلك بنفي أو إثبات. {أم يُريدون كيداً} هو كيدهم برسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة، {فالذين كفروا} وهم المذكورون، ووضع الموصول موضع ضميرهم؛ للتسجيل عليهم بالكفر، أي: فـ {هم المكِيدُونَ} الذين يحيق بهم كيدّهم، ويعود عليه وبالُه، لا مَن أرادوا أن يكيدوه وهو ما أصابهم يوم بدر وغيره. {أَم لهم إِلهٌ غيرُ الله} يمنعهم من عذابه، {سبحان الله عما يُشركون} أي: تنزيهاً له عن إشراكهم، أو: عن شركة ما يُشركونه به. وحاصل ما ذكر الحق وتعالى من الإضرابات: أحد عشر، ثمانية طعنوا بها في جانب النبوة، وثلاثة في جانب الربوبية، وهو قوله: {أم خُلقوا من غير شيء}، {أم خَلقوا السماوات والأرض}، {أم لهم إله غير الله} ذكرها الحق تعالى تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي: كما طعنوا في جنابك طعنوا في جانبي، فاصبر حتى نأخذهم. الإشارة: فذكِّر أيها الخليفة للرسول، فما أنت بحمد الله بكاهنٍ ولا مجنونٍ، وإن رموك بشيء من ذلك. قال القشيري: قد علموا أنه صلى الله عليه وسلم بريء من الكهانة والجنون، ولكنهم قالوه على جهة الاشتفاء، كالسفيه إذا بسط لسانه فيمن يشنأُه، بما يعلم أنه بريء مما يقوله. هـ. وكل ما قيل في جانب النبوة يُقال مثله في جانب الولاية، سُنَّة ماضية.قال القشيري: طبع الإنسان متنفرة من حقيقة الدين، مجبولة على حب الدنيا والحظوظ، لا يمكن الخروج منها إلا بجهد جهيد، على قانون الشريعة، ومتابعة الرسول عليه السلام وخلفائه، وهم العلماء الربانيون، الراسخون في العلم بالله، من المشايخ المُسلِّكين في كل زمان، والخلق مع دعوى إسلامهم يُنكرون على سيرهم في الأغلب، ويستبعدون ترك الدنيا والعزلة، والانقطاع عن الخلق، والتبتُّل إلى الله، وطلب الأمن. كتب الله في قلوبهم الإيمان، وأيَّدهم بروح منه، وهو الصدق في الطلب، وحسن الإرادة المنتجَة من بذر {يُحبهم ويُحبونه} وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. هـ. مختصراً. وقوله تعالى: {قل تربصوا...} الآية، قال القشيري: ولا ينبغي لأحد أن يتمنى نفاق سوقه بموت أحد، لتنتهي النوبة إليه، قَلَّ ما تكون هذه صفته إلا سَبَقَته منيتُه، ولا يدرك ما تمناه. هـ. وقال في مختصره: الآية تُشير إلى التصبُّر في الأمور، ودعوة الخلق إلى الله، والتوكُّل على الله فيما يجري على يد عباده، والتسليم لأحكامه في المقبولين والمردودين. هـ. وقوله: {أم تأمرهم أحلامُهم بهذا}... إلى قوله: {عما يشركون} هذه صفة أهل الانتقاد على أهل الخصوصية في كل زمان، وهي تدلّ على غاية حمقهم وسفههم، نجانا الله من جميع ذلك. ثم هدّدهم بعد تبيين عنادهم، فقال: {وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}.
الجنابذي
تفسير : {فَذَكِّرْ} يعنى اذا كان الامر هكذا فذكّر ولا تبال بردّهم وقبولهم فانّه ينفع بعضهم ان لم ينفع كلّهم، او ينفع آخراً ان لم ينفع اوّل الامر {فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ} الباء للقسم او للسّببيّة، والنّعمة هى الولاية والنّبوّة والرّسالة صورتها {بِكَاهِنٍ} الكهانة الاخبار بالغيب بطريق خدمة الجنّ، والفعل كمنع ونصر وكرم {وَلاَ مَجْنُونٍ} كما يقولون ويصفونك بهما.
الأعقم
تفسير : {فذكر} أي عظهم ولا تترك دعوتهم وإن أساؤوا قولهم {فما أنت بنعمة ربك} أي برحمته وعظمه {بكاهن} هو من قولهم أنه يعلم الغيب ينظر نفسه حصل خدمة الجن والكهانة ويزعم أنه يعلم الغيب كذباً {ولا مجنون} {أم يقولون شاعر نتربّص به ريب المنون} أي ننتظر حوادث الدهر، وقيل: الموت، والآية نزلت في رؤساء مكة أبو جهل والوليد بن المغيرة وغيرهم فأجابهم الله تعالى فقال: {قل} يا محمد {تربّصوا فإني معكم من المتربصين} وفيه وعده بالنصر {أم تأمرهم أحلامهم} أي عقولهم {بهذا} وهذا إنكار عليهم وقرئ: {بل هم قومٌ طاغون} وقيل: تأمرهم أحلامهم بعبادة الأوثان وهي حجر لا ينفع ولا يضر {أم يقولون تقوله} يعني يقول محمد القرآن من عند نفسه {بل لا يؤمنون} استكباراً {فليأتوا بحديث مثله} أي مثل القرآن {إن كانوا صادقين} أن محمد يقوله من تلقاء نفسه {أم خلقوا من غير شيء} قيل: من غير خالق ورب، وقيل: خلقوا من غير أب {أم هم الخالقون} لأنفسهم {أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون} أي لا يعلمون لقلة تدبيرهم {أم عندهم خزائن ربك} قيل: المطر والرزق، وقيل: علم ما يكون {أم هم المصيطرون} الأرباب الغالبون حتى يدبروا أمر الربوبية وسو الأمور على إرادتهم، وقيل: المالكون للناس المسلطون عليهم القاهرون لهم {أم لهم سلّم} إلى السماء {يستمعون} صاعدين {فيه} إلى كلام الملائكة وما يوحى إليهم من علم الغيب حتى يعلموا ما هو كائن من تقدم هلاكه على هلاكهم {فليأت مستمعهم بسلطان مبين} بحجة ظاهرة {أم له البنات ولكم البنون} أي لو جاز عليه اتخاذ الواحد لما اختار البنات على البنين {أم تسألهم أجراً} أي جُعلاً على ما أديت من الرسالة {فهم من مغرم مثقلون} حمل مجهودون ليس عليهم ذلك العرم {أم عندهم الغيب} اللوح المحفوظ {فهم يكتبون} ما فيه حتى يقولوا لا نبعث {أم يريدون كيداً} أي مكراً بك على ما دبروه في دار الندوة {فالذين كفروا هم المكيدون} الممكور بهم بتدمير الله عليهم فيأتيهم من حيث لا يحتسبون ويعود الضرر عليهم، قيل: خرجوا يوم بدر فقتلوا، وقيل: نعاقبهم يوم القيامة {أم لهم إله غير الله} أي من يستحق العبادة {سبحان الله عما يشركون} براءة له عن شركهم {وإن يروا كسفاً من السماء} والكسف القطعة وهو جواب قولهم أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا يريد أنهم لشدة طغيانهم وعنادهم لو أسقطنا عليهم لقالوا هذا {سحاب مركوم} بعضه فوق بعض يمطرنا ولم يصدقوا.
اطفيش
تفسير : {فَذَكِّرْ} دم على التذكير ولا تكترث بقولهم كاهن مجنون شاعر لبطلانه أو تناقضه لان الكاهن يحتاج في كهانته الى فطنه ودقة نظر والمجنون مغطى على عقله والشاعر كلامه موزون وانت بخلاف ذلك ولا يتأتى ذلك من مجنون. {فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ} بنعمة متعلق بما أي انتفى بحمد الله وانعامه ورحمته وعصمته عنك التكهن والجنون لست مجنونا ولا كاهنا كما يقولونه بل نبي وراجح عقل وعن بعض ان النعمة النبوة والكاهن الذي يدعي علم ما غاب باخبار الجن او غير اخبار كذا قيل والمشهور انه باخبارهم وانها نزلت في المقتسمين وما ذكرت من التعلق بما هو مذهب ابن الحاجب قال ولو علق بمجنون لأفاد نفي جنون خاص وهو الجنون الذي يكون من نعمة الله وليس في الوجود جنون هو نعمة ولا المراد نفي جنون خاص وللزوم تقديم معمول المعطوف على العاطف قال ابن هشام: وهو كلام بديع إلا ان جمهور النحويين لا يوافقون على صحة التعليق بالحرف فنبغي على قولهم ان يعلق بانتفى محذوفا.
اطفيش
تفسير : {فذكِّر} اثبت على التذكير، أى اذا كان الأمر كذلك فذكِّر من أمكن تذكيره بما أنزل اليك من قرآن وغيره، والآيات التكوينية والعقلية، ولا يردك عن التذكير تكذيبهم {فما أنْت بنعْمة ربِّك بكاهنٍ} كما قال شيبة بن ربيعة {ولا مْجنُونٍ} كما قال عقبة ابن أبى معيط، والفاء للتعليل، والباء متعلق بما، لأن المعنى انتفى الكهانة عنك بسبب نعمة ربك فيما تقوله من الوحى، ولست قائلا بكهانة، والنعمة الإنعام، وزعم بعض أن الياء للملابسة، وأنها متعلقة بمحذوف حال من المستتر فى كاهن، ويقدر مثله لمجنون، وبعض أنها للقسم، وأغنى عن جوابه قوله: ما أنت بكاهن ولا مجنون، كقولك ما زيد والله بقائم، والكهانة الاخبار عن الجن بالتلقى منهم، سواء ما مضى أو حضر أو استقبل، ويطلق أيضا على الاخبار بالغيب للظن، وقيل: الكاهن المخبر عما مضى بالظن، والعراف المخبر عما يستقبل بالظن، والباء الثانية صلة فى خبره.
الالوسي
تفسير : {فَذَكّرْ } فاثبت على ما أنت عليه من التذكير بما أنزل عليك من الآيات والذكر الحكيم ولا تكترث بما يقولون مما لا خير فيه من الأباطيل. {فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبّكَ بِكَـٰهِنٍ } هو الذي يخبر بالغيب بضرب من الظن، وخص الراغب الكاهن بمن يخبر بالأخبار الماضية الخفية كذلك، والعرّاف بمن يخبر بالأخبار المستقبلة كذلك، والمشهور في الكهانة الاستمداد من الجن في الإخبار عن الغيب. والباء في {بِكَـٰهِنٍ } مزيدة للتأكيد أي ما أنت كاهن {وَلاَ مَجْنُونٍ } واختلف في باء {بنعمة } فقال أبو البقاء: للملابسة؛ والجار والمجرور في موضع الحال والعامل فيه (كاهن) أو (مجنون)، والتقدير ما أنت كاهن ولا مجنون ملتبساً بنعمة ربك وهي حال لازمة لأنه عليه الصلاة والسلام ما زال ملتبساً بنعمة ربه عز وجل، وقيل: للقسم فنعمة ربك مقسم به، وجواب القسم ما علم من الكلام وهو ـ ما أنت بكاهن ولا مجنون ـ وهذا كما تقول: ما زيد والله بقائم وهو بعيد، والأقرب عندي أن الباء للسببية / وهو متعلق بمضمون الكلام، والمعنى انتفى عنك الكهانة والجنون بسبب نعمة الله تعالى عليك، وهذا كما تقول ما أنا معسر بحمد الله تعالى وإغنائه، والمراد الرد على قائل ذلك، وإبطال مقالتهم فيه عليه الصلاة والسلام وإلا فلا امتنان عليه صلى الله عليه وسلم بانتفاء ما ذكر مع انتفائه عن أكثر الناس، وقيل: الامتنان بانتفاء ذلك بسبب النعمة المراد بها ما أوتيه صلى الله عليه وسلم من صدق النبوة ورجاحة العقل التي لم يؤتها أحد قبله، والقائلون بذلك هم الكفرة قاتلهم الله تعالى أنى يؤفكون، وممن قال كاهن: شيبة بن ربيعة، وممن قال مجنون: عقبة بن أبـي معيط.
ابن عاشور
تفسير : تفريع على ما تقدم كله من قوله: {أية : إن عذاب ربك لواقع}تفسير : [الطور: 7] لأنه تضمن تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عن تكذيب المكذبين والافتراء عليه، وعقب بهذا لأن من الناس مؤمنين به متيقنين أن الله أرسله مع ما أعد لكلا الفريقين فكان ما تضمنه ذلك يقتضي أن في استمرار التذكير حكمة أرادها الله، وهي ارعواء بعض المكذبين عن تكذيبهم وازدياد المصدقين توغلاً في إيمانهم، ففرع على ذلك أن أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالدوام على التذكير. فالأمر مستعمل في طلب الدوام مثل {أية : يا أيها الذين آمنوا آمنوا باللَّه ورسوله}تفسير : [النساء: 136]. ولما كان أثر التذكير أَهمَّ بالنسبة إلى فريق المكذبين ليهتدي من شرح قلبه للإِيمان رُوعي ما يَزيد النبي صلى الله عليه وسلم ثباتاً على التذكير من تبرئته مما يواجهونه من قولهم له: هو كاهن أو هو مجنون، فربط الله جَأش رسوله صلى الله عليه وسلم وأعلمه بأن براءته من ذلك نعمة أنعم بها عليه ربه تعالى ففرع هذا الخبر على الأمر بالتذكير بقوله: {فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون}. والباء في {بنعمت ربك} للملابسة وهي في موضع الحال من ضمير {أنت}. ونفي هاذين الوصفين عنه في خطاب أمثاله ممن يستحق الوصف بصفات الكمال يدل على أن المراد من النفي غرض آخر وهو هنا إبطال نسبة من نسبه إلى ذلك كما في قوله تعالى: {أية : وما صاحبكم بمجنون}تفسير : [التكوير: 22]، ولذلك حسن تعقيبه بقوله: {أية : أم يقولون شاعر}تفسير : [الطور: 30] مصرحاً فيه ببعض أقوالهم، فعلم أن المنفي عنه فيما قبله مقالة من مقالهم. وقد اشتملت هاته الكلمة الطيبة على خصائص تناسب تعظيم من وجهت إليه وهي أنها صيغت في نظم الجملة الاسمية فقيل فيها «ما أنت بكاهن» دون: فلست بكاهن، لتدل على ثبات مضمون هذا الخبر. وقدم فيها المسند إليه مع أن مقتضى الظاهر أن يقدم المسند وهو {كاهن} أو {مجنون} لأن المقام يقتضي الاهتمام بالمسند ولكن الاهتمام بالضمير المسند إليه كان أرجح هنا لما فيه من استحضار معاده المشعر بأنه شيء عظيم وأفاد مع ذلك أن المقصود أنه متصف بالخبر لا نفس الإِخبار عنه بالخبر كقولنا: الرسول يأكل الطعام ويتزوج النساء. وأفاد أيضاً قصراً إضافياً بقرينة المقام لقلب ما يقولونه أو يعتقدونه من قولهم: هو كاهن أو مجنون، على طريقة قوله تعالى: {أية : وما أنت علينا بعزيز}تفسير : [هود: 91]. وقرن الخبر المنفي بالباء الزائدة لتحقيق النفي فحصل في الكلام تقويتان، وجيء بالحال قبل الخبر، أو بالجملة المعترضة بين المبتدأ والخبر، لتعجيل المسرة وإظهار أن الله أنعم عليه بالبراءة من هذين الوصفين. وعدل عن استحضار الجلالة بالاسم العلم إلى تعريفه بالإِضافة وبوصفه الرب لإِفادة لطفه تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم لأنه ربه فهو يربُّه ويدبر نفعه، ولتفيد الإضافة تشريف المضاف إليه. وقوله تعالى: {فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون} ردّ على مقالة شَيبة بن ربيعة قال في رسول الله صلى الله عليه وسلم هو كاهن، وعلى عقبة بن أبي معيط إذ قال: هو مجنون، ويدل لكونه رداً على مقالة سبقت أنه أتبعه بقوله: {أية : أم يقولون شاعر}تفسير : [الطور: 30] ما سيكون وما خفي مما هو كائن. والكاهن: الذي ينتحل معرفة ما سيحدث من الأمور وما خفي مما هو كائن ويخبر به بكلام ذي أسْجاع قصيرة. وكان أصل الكلمة موضوعة لهذا المعنى غير مشتقة، ونظيرها في العبرية (الكوهين) وهو حافظ الشريعة والمفتي بها، وهو من بني (لاوي)، وتقدم ذكر الكهانة عند قوله تعالى: {أية : وما تنزلت به الشياطين} تفسير : في سورة الشعراء (210). وقد اكتُفي في إبطال كونه كاهناً أو مجنوناً بمجرد النفي دون استدلال عليه، لأن مجرد التأمل في حال النبي صلى الله عليه وسلم كافٍ في تحقق انتفاء ذينك الوصفين عنه فلا يحتاج في إبطال اتصافه بهما إلى أكثر من الإِخبار بنفيهما لأن دليله المشاهدة.
الشنقيطي
تفسير : نفى الله جل وعلا عن نبيه صلى الله عليه وسلم في هاتين الآيتين الكريمتين ثلاث صفات قبيحة عن نبيه صلى الله عليه وسلم رماه بها الكفار، وهي الكهانة والجنون والشعر، أما دعواهم أنه كاهن أو مجنون، فقد نفاها صريحاً بحرف النفي الذي هو ما في قوله: {فَمَآ أَنتَ} وأكد النفي بالباء في قوله: {بِكَاهِنٍ} وأما كونه شاعراً فقد نفاه ضمناً بأم المنقطعة في قوله: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ}، لأنها تدل على الإضراب والإنكار المتضمن معنى النفي. وقد جاءت آيات أخر بنفي هذه الصفات عنه صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى في نفي الجنون عنه في أول القلم: {أية : مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}تفسير : [القلم: 2] وقوله في التكوير {أية : وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ}تفسير : [التكوير: 22] وكقوله في نفي الصفتين الأخيرتين أعني الكهانة والشعر: {أية : وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ}تفسير : [الحاقة: 41-42] وقد قدمنا بعض الكلام على هذا في سورة الشعراء وغيرها. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ} أي ننتظر به حوادث الدهر، حتى يحدث له منها الموت، فالمنون: الدهر، وريبه: حوادثه التي يطرأ فيها الهلاك والتغيير، والتحقيق أن الدهر هو المراد في قول أبي ذؤيب الهذلي: شعر : أمن المنون وريبه تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع تفسير : لأن الضمير في قوله: وريبه يدل على أن المنون الدهر، ومن ذلك أيضاً قول الآخر: شعر : تربص بها ريب المنون لعلها تطلق يوماً أو يموت حليلها تفسير : وقال بعض العلماء: المنون في الآية الموت، وإطلاق المنون على الموت معروف في كلام العرب، ومنه قول أبي الغول الطهوي: شعر : هم منعوا حمى الوقبي بضرب يؤلف بين أشتات المنون تفسير : لأن الذين ماتوا عند ذلك الماء المسمى بالوقبا، جاءوا من جهات مختلفة، فجمع الموت بينهم في محل واحد، ولو ماتوا في بلادهم لكانت مناياهم في بلاد شتى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: فذكر فما أنت بنعمة ربك: أي فذكر بالقرآن وعظ من أرسلت إليهم من قومك وغيرهم فلست بنعمة ربك عليك بالعقل وكمال الخلق والوحي إليك. بكاهن ولا مجنون: أي بمتعاطٍ للكهانة فتخبر عن الغيب بواسطة رئي من الجن ولا أنت بمجنون. نتربص به ريب المنون: أي تنظر به حوادث الدهر من موت وغيره. أم تأمرهم أحلامهم بهذا: أي أتأمرهم أحلامهم أي عقولهم بهذا وهو قولهم إنك كاهن ومجنون لم تأمرهم عقولهم به. أم هم قوم طاغون: أي بل هم قوم طاغون متجاوزون لكل حد تقف عنده العقول. أم يقولون تقوله؟: أي اختلق القرآن وكذبه من تلقاء نفسه. فليأتوا بحديث مثله: أي فليأتوا بقرآن مثله يختلقونه بأنفسهم. إن كانوا صادقين: أي في أن محمداً صلى الله عليه وسلم اختلق القرآن. معنى الآيات: بعد ذلك العرض لأحوال أهل النار وأهل الجنة فلم يبق إلا التذكير يا رسولنا فذكر أي قومك ومن تصل إليهم كلمتك من سائر الناس بالقرآن وما يحمل من وعد ووعيد؛ وما يدعو إليه من هدىً وطريق مستقيم، فما أنت بنعمة ربك أي بما أولاك ربك من رجاحة العقل وكمال الخلق وكرم الفعال وشرف النبوة بكاهن تقول الغيب بواسطة رئيّ من الجن، ولا مجنون تخلط القول وتقول بما لا يفهم عنك ولا يعقل. وقوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ} أي بل يقولون هو شاعر كالنابغة وزهير نتربص به حوادث الدهر حتى يهلك كما هلك من قبله من الشعراء ولا ندخل معه في خصومة وجدل قد يغلبنا. وقوله تعالى قل تربصوا أي ما دمتم قد رأيتهم التربص بي فتربصوا فإني معكم من المتربصين، وقوله تعالى: {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ} والاستفهام للنفي والتوبيخ والجواب لم تأمرهم عقولهم بهذا بل هم قوم طاغون أي إن طغيانهم هو الذي يأمرهم بما يقولون ويفعلون من الباطل والشر والفساد وقوله أم يقولون تقوَّله والجواب وإن قالوا تقوله فإن قولهم لم ينبع من عقولهم ولم يصدر من أحلامهم بل عن كفرهم وتكذيبهم بل لا يؤمنون، والدليل على صحة ذلك تحدى الله تعالى لهم بالإِتيان بحديث مثله وعجزهم عن ذلك فلذا هم لا يعتقدون ولا يرون أن الرسول تقول القرآن من عنده، وإنما لما لم يؤمنوا به لا بد أن يقولوا كلمة يدفعون بها عن أنفسهم فقالوا تقوله فقال تعالى {بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ} أي مثل القرآن {إِن كَانُواْ صَادِقِينَ} في قولهم إن الرسول تقوله. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب التذكير والوعظ والإرشاد على أهل العلم بالكتاب والسنة لأنهم خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم في أمته. 2- ذم الكهانة بل حرمتها لأنها من أعمال الشياطين، والكاهن من يقول بالغيب. 3- ذم الطغيان فانه منبع كل شر ومصدر كل فتنة وضلال. 4- حرمة الكذب مطلقا وعلى الله ورسوله بخاصة لما ينشأ عنه من فساد الدين والدنيا.
القطان
تفسير : الكاهن: الذي يوهم الناسَ أنه يعلم الغيب عن طريق اتصاله بالجنّ. نتربص: ننتظر. المنون: المنية، والدهر. ريب المنون: حوادثُ الدهر وصروفه. أحلامهم: عقولهم. قومٌ طاغون: ظالمون تجاوزوا حد المكابرة والعناد. تقوّله: اختلقه من عند نفسه. من غير شيء: من غير خالق. خزائن ربك: خزائن رزقه. المصيطرون: بالصاد وبالسين: القاهرون، المسلَّطون، سيطر عليه: تسلط عليه. بسلطان مبين: بحجة واضحة. من مَغرم مثقلون: من غرامة ثقيلة عليهم. كيداً: شراً. مَكيدون: يحيق بهم الشر ويعود عليهم وباله. كسفا: جمع كسفة وهي القطعة من الشيء. مركوم: متراكم بعضه فوق بعض. يأمر الله تعالى رسوله الكريم أن يداوم على التذكير والموعظة، وعدم المبالاة بما يكيد المشركون، فما أنت ايها الرسول، بفضل ما أنعم الله به عليك من النبوة ورجاحة العقل بكاهن، ولا بمجنون كما يزعمون، ولا انت شاعرٌ كما يقولون حتى يتربّصوا بك حوادثَ الدهر ونكباته. {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ} روي ان عدداً من زعماء قريش اجتمعوا في دارِ النَّدوة وتداولوا أمر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، فقال قائل منهم: تربَّصوا به رَيْبَ المنون، فانه شاعر وسيهلِك كما هلك النابغةُ والأعشى وغيرهما، فابتعدوا عنه، واتقوا لسانه، مخافةَ ان يَغلِبكم بشِعره، فنزلت هذه الآية: {قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ} قل لهم ايها الرسول: انتظِروا، فإني معكم من المنتظرين. ثم سفّه أحلامَهم بقوله تعالى: {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} هل تأمرهم عقولهم بهذا القول المتناقِض، فالكاهنُ والشاعر من أهلِ الفطنة والعقل والذكاء، والمجنونُ لا عقل له، فكيف يكون شاعراً أو مجنوناً!؟، بل الحقّ أنهم قومٌ طاغون، يفتَرون الأقاويل دون دليل عليها. ثم زادوا في الإنكار ونسَبوا الى النبيِّ الكريم أنه اختلق القرآن من عنده، بل هم بمكابرتهم لا يؤمنون. فإن صحَّ ما يقولون فليأْتوا بحديثٍ مثل القرآن، ان كانوا صادقين في قولهم ان محمداً اختلقه. ثم انتقل الكتابُ الى الردّ عليهم في إنكارهم وجودَ الخالق كما هو شأن الدهرِيين فقال: {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ} هل خُلقوا من غير إله، ام هم الّذين خلَقوا أنفسَهم، فلا يعترفون بخالقٍ يعبدونه. وهل هم الذين خلَقوا السماواتِ والأرضَ على هذا الصنع البديع؟ بل حقيقةُ أمرهم أنهم لا يوقنون بما يقولون. وهل عندهم خزائنُ ربّك يتصرفون بها، {أَمْ هُمُ ٱلْمُسَيْطِرُونَ} القادرون المدبِّرون للأمور كما يشاؤون. الحقيقة ان الأمرَ ليس كذلك، بل اللهُ هو المالكُ المتصرف الفعال لما يريد. قراءات: قرأ ابن كثير وابن عامر والكسائي المسيطرون بالسين. والباقون بالصاد. يقال: سيطر وصيطر. روى البخاري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه جبير قال: سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة المغرِب بالطّور، فلما بلغ قوله تعالى: {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ ٱلْمُسَيْطِرُونَ} قال: كادَ قلبي يطير، وأثّرت فيه هذه الآياتُ وكان ذلك من أسباب دخوله الاسلام. وكان جبير من الذين وفَدوا على النبي الكريم بعد وقعةِ بدرٍ في فداء أسرى قريش. فاذا كانت أقوالُهم هذه غيرَ صحيحة فهل يدَّعون انهم ارتقوا بمصعَدٍ إلى السماء وسمعوا شيئاً من الله؟ {فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} فليأتِ الذي استمع شيئاً بحجّة واضحةٍ تصدِّق دعواه. ثم رد على الذين قالوا ان الملائكة بناتُ الله، وسفّه احلامهم، اذ اختاروا له البناتِ ولأنفسِهم البنينَ فقال: {أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ} كما تشاؤون وتحبّون؟ ولماذا يكذِّبون رسول الله؟ هل طلبَ منهم أجرة باهظة تُثقل كواهلهم {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ}؟ أم عندَهم عِلم الغيب، فهم يكتبون منه ما يشاؤن؟ بل يريد هؤلاء المشركون بقولهم هذا وافترائهم كيداً في رسول الله وفي الناس. فإن كان هذا ما يريدون فكيدُهم راجعٌ إليهم ووبالُه على أنفسهم. ام لهم الهٌ يعبدونه غير الله يمنعهم من عذاب الله؟ {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ}. {وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ}. ان هؤلاء القوم معانِدون مكابرون، فحتى لو رأَوا بعضَ ما سألوه من الآيات، فعاينوا بعضَ السماءِ ساقطاً لكذّبوا وقالوا: هذا سحابٌ بعضُه فوق بعض. وذلك لأن الله ختم على قلوبهم، وأعمى أبصارَهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِنِعْمَةِ} (29) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالى رَسُولَهُ الكَرِيمَ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يُبَلِّغَ رِسَالَتَهُ إِلى النَّاسِ، وَبِأَنْ يُذَكِّرَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ عَليهِ وَيَقُولُ لَهُ تَعَالى: إِنَّكَ لَسْتَ، بِحَمْدِ اللهِ وَنِعْمَتِهِ عَلَيكَ، بِكَاهِنٍ مِنَ الكُهَّانِ، الذِينَ يَدَّعُونَ أَنَّهُم يَتَّصِلُونَ بِالجِنِّ، وَيَأْتُون بِأَسْرارِ الغَيبِ مِنْهُم، وَلَسْتَ بِمَجْنُونٍ يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ المَسِّ. (كَانَ مُشْرِكُوا قُريشٍ لا يَجِدُونَ مَا يَرُدُّونَ بِهِ الحَقَّ الذِي جَاءَهُم بِهِ رَسُولُ اللهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ إِلاَّ القَوْلَ تَارةً إِنَّهُ كَاهِنٌ، وَتَارةً إِنَّهُ مَجْنُونٌ يَهْذي بِكَلامٍ لا مَعْنًى لَهُ، وَقَدْ رَدَّ اللهُ تَعَالى عَلَيهِم قَوْلَهم هذا نافياً ما يَتَّهِمُونَ بِهِ الرَّسُولَ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذا أمر لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ يُذكِّر قومه، والتذكير أنْ تعيد ما أخبرت به وتكرره مراراً، والتذكير لا يكون إلا للنسيان، وهذه طبيعة البشر التي جبلهم الله عليها. والتذكير ينفع من وجوه عدة: أولاًَ ينفع المذكّر لأنه حين يُكرِّر التذكرة لا يُحرَم ثوابها، ثم ينفع المؤمن الذي تُذكره {أية : وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الذاريات: 55]. فأحداث الحياة تمر على المؤمن، ويمكن أنْ تُضبِّب عنده صفاء العقيدة، فالتذكير يزيل هذا الضباب ويمسح غبار الغفلة والنسيان. لذلك كان سيدنا معاذ كثيراً ما يسأل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسائل الفائتة. فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : تُعرَض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأيّما قلب أنكرها نُكتت فيه نكتة بيضاء، وأيّما قلب أُشْرِبها نُكتتْ فيه نكتة سوداء، حتى تكون على قلبين: أبيض مثل الصفا لا تضرُّه فتنة ما دامت السماوات والأرض، وآخر كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً ". تفسير : كذلك التذكير لا مانعَ أنْ ينفع الكافر بدليل أن صناديد الكفر في مكة آمنوا بالتذكير، المهم أنْ يصادف التذكيرُ قلباً صافياً ليطفىء فيه حمية الجاهلية. وقد رأينا هذه المسألة في قصة إسلام سيدنا عمر، وكان جباراً في الجاهلية، ومع ذلك لما سمع القرآن تأثر به ورقَّ له قلبه، لأنه لما لطم أخته حتى سال الدم من وجهها تحركتْ عنده عاطفةُ الأخوة وما يلزمها من الحنان ورقة القلب، فلما انفتح قلبه دخله نور الهدى فأسلم، إذن: نفعه التذكير. وقوله سبحانه: {فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ} [الطور: 29] الحق سبحانه ينفي عن رسوله هذه التهمة التي اتهموه بها، وأكد هذا النفي باستخدام أسلوب الخطاب. {فَمَآ أَنتَ ..} [الطور: 29] واستخدام الباء في {بِكَاهِنٍ ..} [الطور: 29] يعني: ما فيك شيء من الكهانة أبداً، والكاهن هو العرّاف الذي يدَّعي علم الغيب، وكانوا كثيرين في هذا الوقت. وكانت لهم خِلْقة شاذة عن الخلق، فمثلاً كان منهم (شِقّ أَنْمار) له نصف عين، ونصف أنف، ونصف فم، ونصف يد، ونصف رِجْل. ومثل هذا ربنا رضي له شيئاً من الصفاء، فكان الشياطين ينزلون عليه ويُوحون إليه بأشياء من استراق السمع قبل بعثته صلى الله عليه وسلم، وقيل أنْ تُغلَق السماء في وجوههم، فكانوا يغرُّون الناس بأشياء فيها قليل من الحقيقة وكثير من الباطل يزيدونه من عندهم فيضلونهم. وهؤلاء الكهان كانت لهم كلمة مسموعة، وكان الناس يستشيرونهم ويأخذون برأيهم في كلِّ أمور دينهم ودنياهم. وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبعد ما يكون عن هذه الصفة، كذلك نفى عنه صفة الجنون، والمجنون الذي لا عقلَ له، ولا يستطيع أنْ يُرتِّب الأشياء ولا أنْ يُدبر حركة حياته. فهل شاهدتم شيئاً من هذا على رسول الله، وقد عُرِفَ بينكم برجاحة العقل وحُسْن التصرف والصدق والأمانة؟ كيف وقد مدحه الله بقوله {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}تفسير : [القلم: 4]. وقوله سبحانه: {فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ ..} [الطور: 29] أي: أن نعم الله عليك كثيرة، ومنها أنك لستَ كما يقول، لا كاهن ولا مجنون، أو ذكِّر بنعمة ربك لا بنعمة الكاهن ولا بنعمة المجنون، ثم ينفي عنه تهمة أخرى، فيقول: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما تقدم إِقسام الله تعالى على وقوع العذاب بالكافرين، وذكر أشياء من أحوال المعذبين والناجين، أمر تعالى رسوله بالتذكير، إِنذاراً للكافرين وتبشيراً للمؤمنين، وختم السورة الكريمة ببيان عاقبة المكذبين، وحفظ الله ورعايته لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم. اللغَة: {رَيْبَ ٱلْمَنُونِ} حوادث الدهر وصروفه، والمنون هو الدهر قال أبو ذؤيب: شعر : أمنَ المنونِ وريْبه تتوجَّع والدَّهر ليس بمعتب من يجزع تفسير : والمنون أيضاً الموتُ من المنِّ بمعنى القطع لأنه يقطع الأعمار {أَحْلاَمُهُمْ} عقولهم جمع حُلم وهو العقل {ٱلْمُصَيْطِرُونَ} المسيطر: المتسلط على الشيء {كِسْفاً} قطعة يقال: كسف بسكون السين وكسفة أي قطعة وجمعه كسف بفتح السين {مَّرْكُومٌ} متجمع ومتراكم بعضه فوق بعض. التفسِير: {فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ} أي فذكّر يا محمد بالقرآن قومك وعظهم به، فما أنت بإِنعام الله عليك بالنبوة وإِكرامه لك بالرسالة {بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ} أي لست كاهناً تخبر بالأمور الغيبية من غير وحي، ولا مجنوناً كما زعم المشركون، إِنما تنطق بالوحي.. ثم أنكر عليهم مزاعمهم الباطلة في شأن الرسول فقال {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ} أي بل أيقول المشركون هو شاعر ننتظر به حوادث الدهر وصروفه حتى يهلك فنستريح منه؟ قال الخازن: وريبُ المنون حوادث الدهر وصروفه، وغرضهم أنه يهلك ويموت كما هلك من كان قبله من الشعراء، والمنون اسم للموت وللدهر وأصله القطع، سميا بذلك لأنهما يقطعان الأجل {قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ} أي قل لهم يا محمد: انتظروا بي الموت فإِني منتظر هلاككم كما تنتظرون هلاكي، وهو تهكم بهم مع التهديد والوعيد {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ}؟ أي أم تأمرهم عقولهم بهذا الكذب والبهتان؟ قال الخازن: وذلك أن عظماء قريش كانوا يوصفون بالأحلام والعقول، فأزرى الله بعقولهم حين لم تثمر لهم معرفة الحق من الباطل، وهو تهكم آخر بالمشركين {أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} أي بل هم قوم مجاوزون الحد في الكفر والطغيان، والمكابرة والعناد {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ} أي أم يقولون إن محمداً اختلق القرآن وافتراه من عند نفسه قال القرطبي: والتقوُّل تكلف القول، وإِنما يستعمل في الكذب في غالب الأمر، يقال: قوَّلتني ما لم أقل أي ادعيته عليَّ، وتقوَّل عليه أي كذب عليه {بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ} أي ليس الأمر كما زعموا بل لا يصدقون بالقرآن استكباراً وعناداً ثم ألزمهم تعالى الحجة فقال {فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ} أي فليأتوا بكلامٍ مماثلٍ للقرآن في نظمه وحسنه وبيانه، إِن كانوا صادقين في قولهم إِن محمداً افتراه، وهو تعجيزٌ لهم مع التوبيخ {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ} أي هل خُلقوا من غير ربٍ ولا خالق؟ قال ابن عباس: من غير ربٍ خلقهم وقدَّرهم {أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ} أي أم هم الخالقون لأنفسهم، حتى تجرءوا فأنكروا وجود الله جل وعلا؟ {أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أي أم هم خلقوا السماوات والأرض؟ وإِنما خصَّ السماواتِ والأرض بالذكر من بين سائر المخلوقات لعظمها وشرفها، ثم بيَّن تعالى السبب في إِنكارهم لوحدانية الله فقال {بَل لاَّ يُوقِنُونَ} أي بل لا يصدقون ولا يؤمنون بوحدانية الله وقدرته على البعث ولذلك ينكرون الخالق قال الخازن: ومعنى الآية هل خُلقوا من غير شيءٍ خلقهم فوجدوا بلا خالق وذلك مما لا يجوز أن يكون، لأن تعلق الخلق بالخالق ضروري، فإِن أنكروا الخالق لم يجز أن يوجدوا بلا خالق، أم هم الخالقون لأنفسهم؟ وذلك في البطلان أشدُّ، لأن ما لا وجود له كيف يخلق؟ فإِذا بطل الوجهان قامت الحجة عليهم بأن لهم خالقاً فليؤمنوا به، وليوحدوه، ولْيعبدوه، ولْيوقنوا أنه ربهم وخالقهم {أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ}؟ أي أعندهم خزائن رزق الله ورحمته حتى يعطوا النبوة من شاءوا ويمنعوها عمن شاءوا؟ قال ابن عباس: {خَزَآئِنُ رَبِّكَ} المطر والرزقُ وقال عكرمة: النبوة {أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ}؟ أي أم هم الغالبون القاهرون حتى يتصرفوا في الخلق كما يشاءون؟ لا بل الله عز وجل هو الخالق المالك المتصرف وقال عطاء {أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ} أم هم الأرباب فيفعلون ما يشاءون ولا يكونون تحت أمر ولا نهي؟ {أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ}؟ أي أم لهم مرقى ومصعد إِلى السماء يستمعون فيه كلام الملائكة والوحي فيعلمون أنهم على حقٍّ فهم به مستمسكون؟ {فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي فليأت من يزعم ذلك بحجة بينة واضحة على صدق استماعه كما أتى محمد بالبرهان القاطع.. ثم وبخهم تعالى على ما هو أشنع وأقبح من تلك المزاعم الباطلة وهو نسبتهم إِلى الله البنات، وجعلهم لله جل وعلا ما يكرهون لأنفسهم فقال {أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ}؟ أي كيف تجعلون لله البنات - مع كراهتكم لهن - وتجعلون لأنفسكم البنين؟ أهذا هو المنطق والإِنصاف؟ قال القرطبي: سفَّه أحلامهم توبيخاً لهم وتقريعاً والمعنى أتضيفون إِلى الله البنات مع أنفتكم منهن، ومن كان عقله هكذا لا يُستبعد منه إِنكار البعث وقال أبو السعود: تسفيهٌ لهم وتركيكٌ لعقولهم، وإِيذانٌ بأن من هذا رأيه لا يكاد يُعد من العقلاء، فضلاً عن الترقي إِلى عالم الملكوت، والاطلاع على الأسرار الغيبية، والالتفات إِلى الخطاب لتشديد الإِنكار والتوبيخ {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً} أي هل تسألهم يا محمد أجراً على تبليغ الرسالة وتعليم أحكام الدين؟ {فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ} أي فهم بسبب ذلك الأجر والغُرم الثقيل الذي أوجبته عليهم مجهدون ومتعبون فلذلك يزهدون في اتباعك، ولا يدخلون في الإِسلام؟ فإِن العادة أن من كلف إِنساناً مالاً وضربَ عليه جُعلاً يصير مثقلاً وغارماً بسببه فيكرهه ولا يسمع قوله ولا يمتثله {أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ}؟ أي أعندهم علم الغيب حتى يعلموا أنَّ ما يخبرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم من أمور الآخرة والحشر والنشر باطلٌ فلذلك يكتبون هذه المعلومات عن معرفةٍ ويقين؟ قال قتادة: هو ردٌّ لقولهم {شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ} والمعنى أعَلموا أن محمداً يموتُ قبلهم حتى يحكموا بذلك؟ وقال ابن عباس: أم عندهم اللوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه، ويُخبرون الناس بما فيه؟ ليس الأمر كذلك فإِنه لا يعلم أحدٌ من أهل السماوات والأرض الغيب إِلا الله {أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً}؟ أي أيريد هؤلاء المجرمون أن يتآمروا عليك يا محمد؟ قال المفسرون: والآية إِشارة إِلى كيدهم في دار الندوة وتآمرهم على قتل الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ}تفسير : [الأنفال: 30] {فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ} أي فالذين جحدوا رسالة محمد هم المجزيون بكيدهم لأن ضرر ذلك عائد عليهم، ووباله راجع على أنفسهم كقوله {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ}تفسير : [فاطر: 43] قال الصاوي: وأوقع الظاهر {فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} موقع المضمر تشنيعاً وتقبيحاً عليهم بتسجيل وصف الكفر {أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ}؟ أي ألهم إِله خالق رازق غير الله تعالى حتى يلجأوا إِليه وقت الضيق والشدة؟ ويستنجدوا به لدفع الضُّرِّ والعذاب عنهم؟ {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي تنزَّه وتقدَّس الله عما يشركون به من الأوثان والأصنام قال الإِمام الجلال: والاستفهام بـ"أم" في مواضعها الخمسة عشر للتوبيخ والتقريع والإِنكار.. ثم أخبر تعالى عن شدة طغيانهم وفرط عنادهم فقال {وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً} أي لو عذبناهم بسقوط قطع من السماء نزلت عليهم لم ينتهوا ولم يرجعوا، ولقالوا في هذا النازل عناداً واستهزاءً: إِنه سحاب مركوم {يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ} أي إِنه سحاب متراكم بعضُه فوق بعض قد سقط علينا قال أبو حيان: كانت قريشٌ قد اقترحت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما اقترحت من قولهم {أية : أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً}تفسير : [الإِسراء: 92] فأخبر تعالى أنهم لو رأوا ذلك عياناً حسب اقتراحهم لبلغ بهم عتوهم وجهلهم أن يغالطوا أنفسهم فيما عاينوه ويقولوا: هو سحابٌ مركوم أي سحاب تراكم بعضه فوق بعض ممطرنا، وليس بكسفٍ ساقطٍ للعذاب {فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلاَقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ} أي اتركهم يا محمد يتمادون في غيهم وضلالهم، حتى يلاقوا ذلك اليوم الرهيب - يوم القيامة - الذي يأتيهم فيه من العذاب ما يزيل عقولهم ويسلب ألبابهم {يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً} أي يوم لا ينفعهم كيدهم ولا مكرهم الذي استعملوه في الدنيا ولا يدفع عنهم شيئاً من العذاب {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} أي ولا هم يُمنعون من عذاب الله في الآخرة {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ} أي وإِن للذين كفروا عذاباً شديداً في الدنيا قبل عذاب الآخرة قال ابن عباس: هو عذاب القبر وقال مجاهد: هو الجوع والقحط سبع سنين {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي لا يعلمون أن العذاب نازل بهم {وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} أي اصبرْ يا محمد على قضاء ربك وحكمه، فيما حمَّلك به من أعباء الرسالة {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} أي فإِنك بحفظنا وكلاءتنا نحرسك ونرعاك {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} أي ونزِّه ربك عما لا يليق به من صفات النقص حين تقوم من منامك ومن كل مجلس بأن تقول: سبحان الله وبحمده قال ابن عباس: أي صلِّ للهِ حين تقومُ من منامك {وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ} أي ومن الليل فاذكره واعبده بالتلاوة والصلاة والناسُ نيام كقوله {أية : وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ}تفسير : [الإِسراء: 79] {وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ} أي وصلِّ له في آخر الليل حين تدبر وتغيب النجوم بضوء الصبح قال ابن عباس: هما الركعتان اللتان قبل صلاة الفجر وفي الحديث "حديث : ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها ". تفسير : البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- جناس الاشتقاق {أية : تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْراً}تفسير : [الطور: 9] و{أية : تَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْراً}تفسير : [الطور: 10]. 2- الإِهانة والتوبيخ {أية : ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ}تفسير : [الطور: 16] وبين قوله {ٱصْبِرُوۤاْ} وقوله {أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ} طباق السلب وهو من المحسنات البديعية. 3- التشبيه المرسل المجمل {أية : كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ}تفسير : [الطور: 24] حذف منه وجه الشبه فهو مجمل. 4- الاستعارة التبعية {رَيْبَ ٱلْمَنُونِ} شبهت حوادث الدهر بالريب الذي هو الشك بجامع التحير وعدم البقاء على حالة واحدة في كلٍ منهما واستعير لفظ الريب لصروف الدهر ونوائبه بطريق الاستعارة التبعية. 5- الأسلوب التهكمي {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ}؟ هذا بطريق التهكم والسخرية بعقولهم. 6- الالتفات من الغيبة إِلى الخطاب لزيادة التوبيخ والتقريع لهم {أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ}؟. 7- أسلوب الفرض والتقدير {وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً} أي لو رأوا ذلك لقالوا ما قالوا. 8- السجع الرصين غير المتكلف مثل {أية : وَٱلطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ}تفسير : [الطور: 1-3] ومثل {أية : إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ}تفسير : [الطور: 7-8] وهلم جراً. فَائِدَة: عن جبير بن مطعم قال: قدمتُ المدينة لأسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسارى بدر، فوافيتُه يقرأ في صلاة المغرب {أية : وَٱلطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ}تفسير : [الطور: 1-2] فلما قرأ {أية : إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ}تفسير : [الطور: 7-8] فكأنما صُدع قلبي، فأسلمتُ خوفاً من نزول العذاب، فلما انتهى إِلى هذه الآية {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ} كاد قلبي أن يطير.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يأمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يذكر الناس، مسلمهم وكافرهم، لتقوم حجة الله على الظالمين، ويهتدي بتذكيره الموفقون، وأنه لا يبالي بقول المشركين المكذبين وأذيتهم وأقوالهم التي يصدون بها الناس عن اتباعه، مع علمهم أنه أبعد الناس عنها، ولهذا نفى عنه كل نقص رموه به فقال: { فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ } أي: منه ولطفه، { بِكَاهِنٍ } أي: له رئي من الجن، يأتيه بأخبار بعض الغيوب، التي يضم إليها مائة كذبة، { وَلا مَجْنُونٍ } فاقد للعقل، بل أنت أكمل الناس عقلا وأبعدهم عن الشياطين، وأعظمهم صدقا، وأجلهم وأكملهم، وتارة { يَقُولُونَ } فيه: إنه { شَاعِرٌ } يقول الشعر، والذي جاء به شعر، والله يقول: {أية : وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ }. تفسير : { نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ } أي: ننتظر به الموت فسيبطل أمره، [ونستريح منه]. { قُلْ } لهم جوابا لهذا الكلام السخيف: { تَرَبَّصُوا } أي: انتظروا بي الموت، { فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ } نتربص بكم، أن يصيبكم الله بعذاب من عنده، أو بأيدينا. { أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ } أي: أهذا التكذيب لك، والأقوال التي قالوها؟ هل صدرت عن عقولهم وأحلامهم؟ فبئس العقول والأحلام، التي أثرت ما أثرت، وصدر منها ما صدر. فإن عقولا جعلت أكمل الخلق عقلا مجنونا، وأصدق الصدق وأحق الحق كذبا وباطلا لهي العقول التي ينزه المجانين عنها، أم الذي حملهم على ذلك ظلمهم وطغيانهم؟ وهو الواقع، فالطغيان ليس له حد يقف عليه، فلا يستغرب من الطاغي المتجاوز الحد كل قول وفعل صدر منه. { أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ } أي: تقول محمد القرآن، وقاله من تلقاء نفسه؟ { بَلْ لا يُؤْمِنُونَ } فلو آمنوا، لم يقولوا ما قالوا. { فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ } أنه تقوله، فإنكم العرب الفصحاء، والفحول البلغاء، وقد تحداكم أن تأتوا بمثله، فتصدق معارضتكم أو تقروا بصدقه، وأنكم لو اجتمعتم، أنتم والإنس والجن، لم تقدروا على معارضته والإتيان بمثله، فحينئذ أنتم بين أمرين: إما مؤمنون به، مهتدون بهديه، وإما معاندون متبعون لما علمتم من الباطل. { أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ } وهذا استدلال عليهم، بأمر لا يمكنهم فيه إلا التسليم للحق، أو الخروج عن موجب العقل والدين، وبيان ذلك: أنهم منكرون لتوحيد الله، مكذبون لرسوله، وذلك مستلزم لإنكار أن الله خلقهم. وقد تقرر في العقل مع الشرع، أن الأمر لا يخلو من أحد ثلاثة أمور: إما أنهم خلقوا من غير شيء أي: لا خالق خلقهم، بل وجدوا من غير إيجاد ولا موجد، وهذا عين المحال. أم هم الخالقون لأنفسهم، وهذا أيضا محال، فإنه لا يتصور أن يوجدوا أنفسهم. فإذا بطل [هذان] الأمران، وبان استحالتهما، تعين [القسم الثالث] أن الله الذي خلقهم، وإذا تعين ذلك، علم أن الله تعالى هو المعبود وحده، الذي لا تنبغي العبادة ولا تصلح إلا له تعالى. وقوله: { أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ } وهذا استفهام يدل على تقرير النفي أي: ما خلقوا السماوات والأرض، فيكونوا شركاء لله، وهذا أمر واضح جدا. ولكن المكذبين { لا يُوقِنُونَ } أي: ليس عندهم علم تام، ويقين يوجب لهم الانتفاع بالأدلة الشرعية والعقلية. { أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ } أي: أعند هؤلاء المكذبين خزائن رحمة ربك، فيعطون من يشاءون ويمنعون من يريدون؟ أي: فلذلك حجروا على الله أن يعطي النبوة عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، وكأنهم الوكلاء المفوضون على خزائن رحمة الله، وهم أحقر وأذل من ذلك، فليس في أيديهم لأنفسهم نفع ولا ضر، ولا موت ولا حياة ولا نشور. {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا }. تفسير : { أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ } أي: المتسلطون على خلق الله وملكه، بالقهر والغلبة؟ ليس الأمر كذلك، بل هم العاجزون الفقراء { أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ } أي: ألهم اطلاع على الغيب، واستماع له بين الملأ الأعلى، فيخبرون عن أمور لا يعلمها غيرهم؟ { فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ } المدعي لذلك { بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ } وأنى له ذلك؟ والله تعالى عالم الغيب والشهادة، فلا يظهر على غيبه [أحدا] إلا من ارتضى من رسول يخبره بما أراد من علمه. وإذا كان محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الرسل وأعلمهم وإمامهم، وهو المخبر بما أخبر به، من توحيد الله، ووعده، ووعيده، وغير ذلك من أخباره الصادقة، والمكذبون هم أهل الجهل والضلال والغي والعناد، فأي المخبرين أحق بقبول خبره؟ خصوصا والرسول صلى الله عليه وسلم قد أقام من الأدلة والبراهين على ما أخبر به، ما يوجب أن يكون خبره عين اليقين وأكمل الصدق، وهم لم يقيموا على ما ادعوه شبهة، فضلا عن إقامة حجة. وقوله: { أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ } كما زعمتم { وَلَكُمُ الْبَنُونَ } فتجمعون بين المحذورين؟ جعلكم له الولد، واختياركم له أنقص الصنفين؟ فهل بعد هذا التنقص لرب العالمين غاية أو دونه نهاية؟ { أَمْ تَسْأَلُهُمْ } يا أيها الرسول { أَجْرًا } على تبليغ الرسالة، { فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ } ليس الأمر كذلك، بل أنت الحريص على تعليمهم، تبرعا من غير شيء، بل تبذل لهم الأموال الجزيلة، على قبول رسالتك، والاستجابة [لأمرك و] دعوتك، وتعطي المؤلفة قلوبهم [ليتمكن العلم والإيمان من قلوبهم]. { أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ } ما كانوا يعلمونه من الغيوب، فيكونون قد اطلعوا على ما لم يطلع عليه رسول الله، فعارضوه وعاندوه بما عندهم من علم الغيب؟ وقد علم أنهم الأمة الأمية، الجهال الضالون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي عنده من العلم أعظم من غيره، وأنبأه الله من علم الغيب على ما لم يطلع عليه أحدا من الخلق، وهذا كله إلزام لهم بالطرق العقلية والنقلية على فساد قولهم، وتصوير بطلانه بأحسن الطرق وأوضحها وأسلمها من الاعتراض. وقوله: { أَمْ يُرِيدُونَ } بقدحهم فيك وفيما جئتهم به { كَيْدًا } يبطلون به دينك، ويفسدون به أمرك؟ { فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ } أي: كيدهم في نحورهم، ومضرته عائدة إليهم، وقد فعل الله ذلك -ولله الحمد- فلم يبق الكفار من مقدورهم من المكر شيئا إلا فعلوه، فنصر الله نبيه ودينه عليهم وخذلهم وانتصر منهم. { أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ } أي: ألهم إله يدعى ويرجى نفعه، ويخاف من ضره، غير الله تعالى؟ { سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ } فليس له شريك في الملك، ولا شريك في الوحدانية والعبادة، وهذا هو المقصود من الكلام الذي سيق لأجله، وهو بطلان عبادة ما سوى الله وبيان فسادها بتلك الأدلة القاطعة، وأن ما عليه المشركون هو الباطل، وأن الذي ينبغي أن يعبد ويصلى له ويسجد ويخلص له دعاء العبادة ودعاء المسألة، هو الله المألوه المعبود، كامل الأسماء والصفات، كثير النعوت الحسنة، والأفعال الجميلة، ذو الجلال والإكرام، والعز الذي لا يرام، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الكبير الحميد المجيد.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):