٥٢ - ٱلطُّور
52 - At-Tour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
32
Tafseer
الرازي
تفسير : وأم هذه أيضاً على ما ذكرنا متصلة تقديرها أنزل عليهم ذكر؟ أم تأمرهم أحلامهم بهذا؟ وذلك لأن الأشياء إما أن تثبت بسمع وإما أن تثبت بعقل فقال هل ورد أمر سمعي؟ أم عقولهم تأمرهم بما كانوا يقولون؟ أم هم قوم طاغون يغترون، ويقولون ما لا دليل عليه سمعاً ولا مقتضى له عقلاً؟ والطغيان مجاوزة الحد في العصيان وكذلك كل شيء ظاهره مكروه، قال الله تعالى: {أية : إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَاء } تفسير : [الحاقه: 11] وفيه مسائل: المسألة الأولى: إذا كان المراد ما ذكرت فلم أسقط ما يصدر به؟ تقول لأن كون ما يقولون به مسنداً إلى نقل معلوم عدمه لا ينفى، وأما كونه معقولاً فهم كانوا يدعون أنه معقول، وأما كونهم طاغين فهو حق، فخص الله تعالى بالذكر ما قالوا به وقال الله به، فهم قالوا نحن نتبع العقل، والله تعالى قال هم طاغون فذكر الأمرين اللذين وقع فيهما الخلاف. المسألة الثانية: قوله {تَأْمُرُهُمْ أَحْلَـٰمُهُمْ } إشارة إلى أن كل ما لا يكون على وفق العقل، لا ينبغي أن يقال، وإنما ينبغي أن يقال ما يجب قوله عقلاً، فهل صار (كل) واجب عقلاً مأموراً به. المسألة الثالثة: ما الأحلام؟ نقول جمع حلم وهو العقل وهما من باب واحد من حيث المعنى، لأن العقل يضبط المرء فيكون كالبعير المعقول لا يتحرك من مكانه، والحلم من الحلم وهو أيضاً سبب وقار المرء وثباته، وكذلك يقال للعقول النهى من النهي وهو المنع، وفيه معنى لطيف وهو أن الحلم في أصل اللغة هو ما يراه النائم فينزل ويلزمه الغسل، وهو سبب البلوغ وعنده يصير الإنسان مكلفاً، وكأن الله تعالى من لطيف حكمته قرن الشهوة بالعقل وعند ظهور الشهوة كمل العقل فأشار إلى العقل بالإشارة إلى ما يقارنه وهو الحلم، ليعلم أنه نذير كمال العقل، لا العقل الذي به يحترز الإنسان تخطىء الشرك ودخول النار، وعلى هذا ففيه تأكيد لما ذكرنا أن الإنسان لا ينبغي أن يقول كل معقول، بل لا يقول إلا ما يأمر به العقل الرزين الذي يصحح التكليف. المسألة الرابعة: هذا إشارة إلى ماذا؟ نقول فيه وجوه الأول: أن يكون هذا إشارة مهمة، أي بهذا الذي يظهر منهم قولاً وفعلاً حيث يعبدون الأصنام والأوثان ويقولون الهذيان من الكلام الثاني: هذا إشارة إلى قولهم هو كاهن هو شاعر هو مجنون الثالث: هذا إشارة إلى التربص فإنهم لما قالوا نتربص قال الله تعالى أعقولهم تأمرهم بتربص هلاكهم فإن أحداً لم يتوقع هلاك نبيه إلا وهلك. المسألة الخامسة: هل يصح أن تكون أم في هذا الموضع بمعنى بل؟ نقول نعم، تقديره يقولون: إنه شاعر قولاً بل يعتقدونه عقلاً ويدخل في عقولهم ذلك، أي ليس ذلك قولاً منهم من غير عقل بل يعتقدون كونه كاهناً ومجنوناً، ويدل عليه قراءة من قرأ بل هم قوم طاغون، لكن بل ههنا واضح وفي قوله بل تأمرهم أحلامهم خفي.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَٰمُهُمْ }؟عقولهم {بِهَٰذَا } أي قولهم له: ساحر كاهن شاعر مجنون؟ أي لا تأمرهم بذلك {أَمْ } بل {هُمْ قَوْمٌ طَٰغُونَ } بعنادهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ام تأمرهم احلامهم} اى دع تفوههم بهذه الاقوال الزآئغة المتناقضة وفيهم ماهو اقبح من ذلك وهو انهم سفهاء ليسوا من اهل التمييز والاحلام العقول قال الراغب وليس الحلم فى الحقيقة هو العقل لكن فسروه بذلك لكونه من مسببات العقل والحلم ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب {وبهذا} اى بهذا التناقض فى المقال فان الكاهن يكون ذا فطنة ودقة نظر فى الامور والمجنون مغطى عقله مختل فكره والشاعر ذو كلام موزون متسق مخيل فكيف يجتمع هؤلاء فى واحد وامر الاحلام بذلك مجاز عن ادآئها الى التناقض بعلاقة السببية كقوله {أية : اصلاتك تأمرك أن نترك مايعبد آباؤنا}تفسير : لا انه جعلت الاحلام آمرة على الاستعارة المكنية وفى الكواشى جعلت الحلوم آمرة مجازا ولضعفها جمعت جمع القلة قال فى القاموس الحلم بالضم وبضمتين الرؤيا والجمع احلام والحلم بالكسر الاناة والعقل والجمع احلام وحلوم ومنه ام تأمرهم احلامهم وهو حليم والجمع حلماء واحلام انتهى كان قريش يدعون اهل الاحلام والنهى فأزرى الله بعقولهم حين لم تثمرهم معرفة الحق من الباطل وقيل لعمرو بن العاص رضى الله عنه ما بال قومك لم يؤمنوا وقد وصفهم الله بالعقول فقال تلك عقول كادها الله اى لم يصحبها التوفيق وفى الخبر "حديث : ان الله لما خلق العقل قال له ادبر فأدبر ثم قال له اقبل فأقبل"تفسير : . يعنى كفت بوى بشت بركن بشت بركرد بس كفت روى بازكن روى بازكرد. فانى لم اخلق خلقا اكرم على منك بك اعبد وبك اعطى وبك آخذ قال ابو عبد الله المغربى لما قال له ذلك تداخله العجب فعوقب من ساعته فقيل له التفت فلما التفت نظر الى ماهو احسن منه فقال من انت قال أنا الذى لاتقوم الا بى قال ومن أنت قال التوفيق (وفى المثنوى) شعر : جز عنايت كى كشايد جشم را جز محبت نشاند خشم را جهد بى توفيق خود كس را مباد در جهان والله اعلم بالرشاد تفسير : روى ان صفوان بن امية فخر على رجل فقال أنا صفوان بن امية بن خلف ابن فلان فبلغ ذلك عمر رضى الله عنه فأرسل اليه وغضب فلما جاء قال ثكلتك امك ماقلت فهاب عمر ان يتكلم فقال عمر ان كان لك تقوى فان لك كرما وان كان لك عقل فان لك اصلا وان كان لك خلق حسن فان لك مروءة والا فأنت شر من الكلب {ام هم قوم طاغون} مجاوزون الحدود فى المكابرة والعناد مع ظهور الحق لايحومون حول الرشد والسداد ولذلك يقولون مايقولون من الاكاذيب الخارجة عن دائرة العقول والظنون قال ابن الشيخ ثم قيل لابل ذلك من طغيانهم لانه ادخل فى الذم من نقصان العقل وابلغ فى التسلية لان من طغى على الله فقد باء بغضبه
الجنابذي
تفسير : {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ} اى عقولهم {بِهَـٰذَآ} القول والانكار {أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} وطغيانهم يحملهم على ذلك لا عقولهم.
اطفيش
تفسير : {أَمْ} أي بل {تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ} أي عقولهم، {بِهَـذَا} التناقض في قول يقولون شاعر أو مجنون أو ساحر وكانت قريش تدعي اهل الاحلام فازرى بعقولهم حيث لم يتميز لهم الحق أي لا احلام لهم وقيل المراد لا تأمرهم أحلامهم بهذا وأمر الاحلام مجاز عن ادائها إلى ذلك واجاز بعضهم رجوع الإشارة إلى ما هم عليه من عبادة الأصنام. {أَمْ} بل، {هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} مجازوزن الحد بعنادهم في الكفر وقرىء بل هم.
اطفيش
تفسير : {أم تأمُرهم أحْلامهم بَهذا} بل أتأمرهم عقولهم، والعقل لا يأمر بهذا الكلام منكم المناقض، بل تأمرهم أهواؤهم فهذا تلويح بأن عقولهم كلا عقل، إذ لم تغلب الهوى، ألا ترى الى ركة قولهم، "له البنات" كما يأتى، وفيه رد على ما يزعم لهم من أن فى الآية مدحا لهم بأن عقولهم كاملة لملاقاتهم أقواما متغايرة فى أسفارهم وبلادهم، فلا تأمرهم أحلامهم بذلك لكمالها، لكن خالفوها عنادا، وبيان التناقض ان شأن الكاهن والشاعر جودة الفطنة والفكر، وشأن المجنون خلاف ذلك، وتعمدوا جمع ذلك فى رسول الله صلى الله عليه وسلم اضطرابا وعجزا عن وجود مسلك يصلون به الى تكذيبه، ومن لم يقل فيه شيئا من ذلك فقد رضى بقول قائله، أو يستأنفه، منهم أحد ويعاتبونه، واسناد الأمر بذلك الى الأحلام مجاز لعلاقة السببية والمسببية، أو شبه الأحلام بسلاطين مطاعة لعلاقة الاستيلاء ورمز الى ذلك بلازمه وهو الأمر، فذلك التشبيه استعارة مكنية، واثبات الأمر تخييلية. {أمْ هُم قَومٌ طاغون} بل هم، أو بل أهم قوم مبالغون فى العباد، والبعد عن الرشاد بأقاويلهم تلك.
ابن عاشور
تفسير : {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَـٰمُهُمْ بِهَـٰذَآ}. إضراب انتقال دعا إليه ما في الاستفهام الإِنكاري المقدّر بعد {أم} من معنى التعجيب من حالهم كيف يقولون مثل ذلك القول السابق ويستقر ذلك في إدراكهم وهم يدّعون أنهم أهل عقول لا تلتبس عليهم أحوال الناس فهم لا يجهلون أن محمداً صلى الله عليه وسلم ليس بحال الكهان ولا المجانين ولا الشعراء وقد أبى عليهم الوليد بن المغيرة أن يقول مثل ذلك في قصة معروفة. قال الزمخشري: وكانت قريش يُدعون أهل الأحلام والنُهى والمعنى: أم تأمرهم أحلامهم المزعومة بهذا القول. والإِشارة في قوله: {بهذا} إلى المذكور من القول المعرِّض به في قوله: {أية : فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون}تفسير : [الطور: 29]، والمُصرح به في قوله: {أية : أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون}تفسير : [الطور: 30]، وهذا كما يقول من يلوم عاقلاً على فعل فعله ليس من شأنه أن يجهل ما فيه من فساد: أعَاقِلٌ أنت؟ أو هذا لا يفعله عاقل بنفسه، ومنه ما حكى الله عن قوم شعيب من قولهم له: {أية : إنك لأنت الحليم الرشيد}تفسير : [هود: 87]. والحلم: العقل، قال الراغب: المانعُ من هيجان الغضب. وفي «القاموس» هو الأناة. وفي «معارج النور»: والحلم ملكة غريزية تُورث لصاحبها المعاملة بلطف ولين لمن أساء أو أزعج اعتدال الطبيعة. ومعنى إنكار أن تأمرهم أحلامهم بهذا أن الأحلام الراجحة لا تأمر بمثله، وفيه تعريض بأنهم أضاعوا أحلامهم حين قالوا ذلك لأن الأحلام لا تأمر بمثله فهم كمن لا أحلام لهم وهذا تأويل ما روي أن الكافر لا عقل له. قالوا وإنما للكافر الذهن والذهن يقبل العِلم جملة، والعقل يميز العلم ويقدر المقادير لِحدود الأمر والنهي. والأمر في {تأمرهم} مستعار للباعث، أي تبعثهم أحلامهم على هذا القول. {أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ}. إضرابُ انتقالي أيضاً متصل بالذي قبله انتقل به إلى استفهام عن اتصافهم بالطغيان. والاستفهام المقدر مستعمل: إما في التشكيك ليكون التشكيك باعثاً على التأمل في حالهم فيؤمن بأنهم طاغون، وإمّا مستعمل في التقرير لكل سامع إذ يجدهم طاغين. وإقحام كلمة {قوم} يمهّد لكون الطغيان من مقومات حقيقة القومية فيهم، كما قدمناه في قوله تعالى: {أية : لآيات لقوم يعقلون} تفسير : في سورة البقرة (164)، أي تأصل فيهم الطغيان وخالط نفوسهم فدفعهم إلى أمثال تلك الأقوال.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَحْلاَمُهُمْ} (32) - بَلْ تَأْمُرُهُمْ عُقُولُهُمْ بهذا الذِي يَقُولُونَ في الرَّسُولِ مِنَ الأَقَاوِيلِ البَاطِلةِ التي يَعْلَمُونَ في أَنْفُسِهِمْ أَنَّها كَذِبٌ، وَأَنَّها مُتَنَاقِضَةٌ فِيما بَيْنَها، فَالشَّاعرُ غَيْرُ الكَاهِنِ وَغَيْرُ المَجْنُونِ، وَلكِنَّهُمْ قَومٌ طَاغُونَ، ضَالَّونَ، مُعَانِدُونَ. طَاغُونَ - مُتَجَاوِزُونَ الحَدَّ في العِنَادِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : معنى الأحلام: العقول، والعقول حينما تأمرهم {بِهَـٰذَآ ..} [الطور: 32] أي: بهذا العناد ومصادمة دعوة الله دليلٌ على فساد هذه العقول وفساد هذا التفكير، لأن العقول لو تُركَتْ للفطرة التي جُبلَت عليها ولو تحرَّرتْ من الأهواء ما انتهتْ إلا إلى الإيمان بالله ورسوله، وما وقفت هذا الموقف. {أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الطور: 32] الحق سبحانه وتعالى كرر (أم) هنا في عدة مواضع ليعرض كلَّ المواقف والاحتمالات التي مرُّوا بها، ومعنى {طَاغُونَ} [الطور: 32] متجاوزون للحدِّ في الكفر وفي العناد ومصادمة الدعوة.
الجيلاني
تفسير : {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ} السخيفة المستمدة من أوهامهم الضعيفة {بِهَـٰذَآ} القول الباطل الزاهق الزائل {أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الطور: 32] بغون متناهون في العتو والعناد، صدر عن أمثال هذه، بلا تأمل وتدبر على مقتضى عتوهم وثروتهم وكبرهم وخيلائهم. {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ} واخلتقه من تلقاء نفسه، ونسبة إلى الوحي والإلهام تغيراً وترويجاً {بَل} معظم أمرهم وقصارى رأيهم أنهم {لاَّ يُؤْمِنُونَ} [الطور: 33] به وبك، فيتفوهون بأمثال هذه المطاعن والقوادح من شدة شكيمتهم، وغلظ غيظهم وضغينتهم معك يا أكمل الرسل. وبعدما بالغوا في القدح والطعن، وبلغوا غاية اللإنكار والإصرار، قل لهم يا أكمل الرسل على سبيل التعجيز والتبكيت: {فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ} أولئك المسرفون المفرطون {إِن كَانُواْ صَادِقِينَ} [الطور: 34] في زعمهم ومفترياتهم مع أنهم لم يأتوا بمثله، ولا يتأتى منهم الإتيان أيضاً، وإن يتظاهروا ويتعاونوا بجميع ما في الأرض؛ إذ هو خارج عن طور البشر ومشاعره. أيصرون على إنكار الخالق مع أنهم مخلوقون {أَمْ} اعتقدوا أنهم {خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ} وبلا فاعل موجد {أَمْ} اعتقدوا نفوسهم أنهم {هُمُ ٱلْخَالِقُونَ} [الطور: 35] المستقلون على إيجاد هياكلهم بلا مؤثر خارجي هو الله، أيحصرون حينئذ خالقيتهم لأنفسهم فقط؟! {أَمْ} اعتقدوا أنهم {خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أي: العلويات والسفليات والممتزجات؟! وبالجملة: لا ينكرون حدوث الأشياء، واستنادها المحدث المؤثر {بَل لاَّ يُوقِنُونَ} [الطور: 36] ولا يتصفون باليقين في إثبات الموجد القديم وتوحيده. أهم يثبتون مرتبة النبوة من تلقاء أنفسهم، ويختارون لها من يريدون {أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ} [الطور: 37] الغالبون المقتدرون على عموم مقاصدهم ومطالبهم، فيفعلون جميع ما يأملون ويشاءون، بالإدارة ولاختيار؟! {أَمْ} ادعوا علم الغيب بالاستماع من الملأ الأعلى؟! إذ {لَهُمْ سُلَّمٌ} مرقاة يصعدون بها إلى مكان من السماء {يَسْتَمِعُونَ فِيهِ} من الملائكة ما يظهرون من تكذيب الرسل، وقدح القرآن {فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [الطور: 38] أي: بحجة واضحة ومعجزة ساطعة، كما أتى بها الرسول صلى الله عليه وسلم. أأنتم العقلاء المتضرون بكمال الرشد والرزانة أيها المسرفون المفرطون {أَمْ} سفهاء منحطون عن زمرة العقلاء مع أن دعواكم بأن {لَهُ} سبحانه {ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ} [الطور: 39] تدل على سفاهتكم وانحطاطكم عن متقضى العقل؟! إذ إثبات الولد مطلقاً للواحد الأحد الصمد، المنزه عن الأهل والولد بعيد بمراحل عن مقتضى العقل، فكيف إثبات أخس الأولاد سبحانه، تعالى عن ذلك علواً كبيراً. فثبت أن أولئك الحمقى سفهاء ساقطون عن رتبة العقلاء وأهل العبرة، فلا يسمع منهم مطلق الدعوى، سيما الأمور المتعلقة بالمعارف الإلهية. فكيف إنكارهم بك يا أكمل الرسل هذا، أينكرون رسالتك يا أكمل الرسل، ويظنون لحوق الضرر إياهم منك {أَمْ} أيظنون إنك بسبب تبليغك إياهم {تَسْأَلُهُمْ أَجْراً} جعلاً عظيماً {فَهُم} حينئذ {مِّن مَّغْرَمٍ} والتزام غرامة عظيمة {مُّثْقَلُونَ} [الطور: 40] متحملون الثقل، لذلك شق عليهم الأمر إلى حيث أنكروا لك، وانصرفوا عن تصديقك. وبالجملة: أينكرون رسالتك بمقتضى قرائحهم، ومن تلقاء أنفسهم {أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ} أي: لوح القضاء المثبت فيها جميع الأشياء {فَهُمْ يَكْتُبُونَ} [الطور: 41] المغيبات منها؟! {أَمْ يُرِيدُونَ} ويقصدون {كَيْداً} لرسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة {فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} مكروا عليه {هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ} [الطور: 42] المقصورون على كيدهم، لا يتعدى عنهم وباله. أينكرون توحيد الحق مكابرة {أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ} يعبدونه كعباده، ويطيعونه على نحو إطاعته ويستعينون منه في الخطوب والملمات، وبالجملة: {سُبْحَانَ ٱللَّهِ} وتعالى {عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الطور: 43] لهم من أدون مخلوقاته. {وَ} بعدما ألحقوا، واقترحوا بقولهم: فأسقط علينا كسفاً من السماء {إِن يَرَوْاْ كِسْفاً} قطعاً {مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً} عليهم وبمقتضى اقتراحهم {يَقُولُواْ} من شدة عنادهم، وفرط إنكارهم: هذا {سَحَابٌ مَّرْكُومٌ} [الطور: 44] تراكم بعضه على بعض فيسقط. وبالجملة: {فَذَرْهُمْ} يا أكمل الرسل، واتركهم على ماهم عليه من العدوان والطغيان {حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ} ويصلوا {يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ} [الطور: 45] يموتون، ويهلكون بالمرة، وهو عند النفخة الأولى، ثم يحشرون ويعذبون. {يَوْمَ} أي: يومئذ {لاَ يُغْنِي} ولا يدفع {عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ} الذي أتوا به في دار الندوة والابتلاء {شَيْئاً} من الدفع والإغناء في رد عذاب الله {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} [الطور: 46] ويمنعون حينئذ من بطشه وعذابه. وهم مع ذلك لا يمهلون إلى العذاب الآجل، بل يعذبون في العاج والبرزخ أيضاً، كما قال سبحانه: {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ} العذاب الأخروي الموعود لهم، وهو وقوعهم في نيران الإمكان بأنواع الخيبة والخسران، وتقيدهم بسلاسل الآمال وأغلال الأماني {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الطور: 47] ولا يفهمون ألمها، مع أنها من أشد العذاب إيلاماً، وأصعب الوبال والنكال انتقاماً، أعاذنا الله وعموم عباده منها. {وَ} بالجملة: {ٱصْبِرْ} يا أكمل الرسل {لِحُكْمِ رَبِّكَ} بإمهالهمم إلى قيام الساعة، وإبقائك فيما بينهم بأنواع التعب والعناء، ولا تستعجل لمقتهم وهلاكهم، ولا تخف من مكرهم معك وغدرهم عليك {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} وكنف حفظنا وحوزة حراستنا وحضانتنا، نكفيك نكف عنك مؤنة شرورهم، ولا تلتفت إليهم، ولا تبالِ بمكرهم وكيدهم، ولا تشتغل عنا بهمم وبمخاصمتهم {وَسَبِّحْ} أي: نزه ربك عن أن يعجز عن أخذهم وا نتقامهم أو عن إنجاز ما وعد لك من عذابهم ملتبساً {بِحَمْدِ رَبِّكَ} في جميع حلااتك وأوقاتك سيما {حِينَ تَقُومُ} [الطور: 48] من منامك. {وَمِنَ ٱللَّيْلِ} حين تستريح فيه للنوم {فَسَبِّحْهُ} لتكون على ذكر من ربك حين رقودك وغفلتك عن حواسك؛ ليكون ذكرك حينئذ توصية منك بمتخليلتك وإرشاداًلها وتعليماً إياها {وَ} سبحه أيضاً {إِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ} [الطور: 49] وقت دبور النجوم، وظهور ضياء الشمس، فإن كلا الوقتين وقت فراغ البال عن مطلق التشتت والأشغال العائقة عن التوجه، جعلنا الله ممن خلفف أثقاله وقلل آماله بمنِّه وجوده. خاتمة السورة عليك أيها المحمدي المتوجه نحو المقام المحمود الذي هو مرتبة الكشف والشهود - هداك الله إلى سواء السبيل، ووقاك عن مطلق التغيير والتبديل - أن تخلي خلدك عن الركون إلى ما سوى الحق، والالتفات إلى عموم ما يشغلك عن التوجه إليه، والتحنن نحوه. ولك الاشتغال بالتسبيح والتقديس في جميع أوقاتك، وحالاتك سيما في أثناء صلواتك في خلال خلواتك، إياك إياك الميل إلى مزخرفات الدنيا ولذاتها وشهواتها، والاختلاط مع أبنائها المنغمسين بقاذوراتها، فإن التلطخ بمزخرفات الدنيا بكلُّ الأبصار ويعمي القلوب التي في الصدور. خفف عنَّا بلطفك ثقل الأوزار، وأرزقنا بفضلك عيشة الأبرار، واصرف عنا بكرمك شر الأشرار.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وبقوله: {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ...} [الطور: 32]، إلى قوله: {أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الطور: 43]، يشير إلى سفه أحلامهم، وركاكة عقولهم، وخسة نفوسهم، وقصر نظرهم، وغلبة حسهم، واستغراقهم في الغفلة إلى غاية. تفسير عين الحياة {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ} [الطور: 32]؛ يعني: أيتها القوى المنكرة المكذبة، أتأمركم عقولكم بالإنكار على أهل الحق والتكذيب؛ لما يقولون صدقاً حقاً، {أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الطور: 32]، أم هذه القوى المنكرة الطاغية قوم طردهم الله عن حضرته؛ لما عرف من طغيان قواهم المكدرة بالهوى، المتلوثة بالحظوظ الباطلة. {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ} [الطور: 33]؛ يعني: أم تقول هذه القوى المنكرة: إنك تنشدت بفصاحتك، ويختلف هذا الوارد من عند نفسك، وتسحر قلوب المستمعين ببيانك؛ ليكونوا تبعاً لك، {بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ} [الطور: 33]، بما يقول أهل الحق من الحق بحكم الوارد الخفي الجلي. قل لهم: {فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ} [الطور: 34]، يعني: أيتها القوى القالبية والنفسية الغير مزكاة: إن كنتم تدعون أن اللطيفة الخفية تقول من عند نفسها مما تخير من حقيقة الطور، وبقاء النقش المسطور في الرق المنشور، والتنعم في البيت المعمور والسقف المرفوع، والمعالم في البحر المسجور وبعد البعث من القبور، فلتأتوا أنتم أيضاً من عند أنفسكم {بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ} في هذا الحديث. {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ} [الطور: 35]، يعني: أيتها القوى المنكرة أنتم تظنون أنكم خلقتم من غير خالق، {أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ} [الطور: 35]؛ يعني: أم أنتم خلقتم أنفسكم، {أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} [الطور: 36]؛ يعني: أأنتم خلقتم سماوات روحانيتكم وأرض بشريتكم، وأنتم عاجزون عن جذب نفع أنفسكم، ودفع ضر عن أنفسكم، فكيف تقدرون على خلق أنفسكم وخلق سماوات روحانيتكم وأرض بشريتكم؟! {بَل لاَّ يُوقِنُونَ} [الطور: 36]، بهذه المعارف لغلظة غلظاء غفلتهم، وكثافة حجاب جهلهم، ولا تعلمون أن هذه المعارف من مواهب الحق، لا يمكن لأحد من المخلوقين أن يتكلم بها إلا بإلهامه. {أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ} [الطور: 37] رحمة {رَبِّكَ} [الطور: 37]، يعطونها لمن يشاءون ويمنعونها ممن يشاءون، {أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ} [الطور: 37]، أم هم المسلطون على خزائن مواهب الرب ودفائن معارفه، يعملون بها ما يشاءون، ويتصرفون فيها كما يريدون. {أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ} [الطور: 38]؛ يعني: أم لهم استعداد الإشراف على [الوحي] {فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [الطور: 38]؛ يعني: لم يكن لأحد أن يجعل من استعداده سلماً باختياره وقوته، ويسمع من الحق تعالى الحقيقة أو من أهل الغيب اللطائف الغيبية، وبقدر إتيان مثل هذه الحكمة التي نحن نلهم اللطيفة الخفية. {أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ} [الطور: 39]؛ يعني: تقول القوى الروحية الأنسية بالهوى المدنية بالنفس أن القوى الفاعلة منهم والقوى القابلة من اللطائف، لا يعرفون أن جميع القوى من اللطيفة الفائضية من الحق طارت، ووصلت إلى كل ذرة من ذرات الموجودات وقت مد بحرها في عالم التفرقة، ثم جمعتها عند الحرز في عالم الجمع، فالقوى التي أنتم تجدون في نفوسكم، هي: القوى المودعة فيكم وقت المد الذي أنتم بها قائمون باقون. {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ} [الطور: 40]؛ أي: تسألهم اللطيفة المرسلة أجراً بإرسالها إليكم المعاني الواردة الهادية لكم إلى الصراط المستقيم، فيثقل عنكم من الأجر، فأنتم تنكرونها ولا تقبلون هديها. {أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ} [الطور: 41]، يعني: أم تعلم القوى الروحية المدنسة بشهوات النفس، المستأنسة بطبيعة الهوى علم الغيب؛ فيكتبون ما يجري في الغيب بأن يحكموا على أن اللطيفة المرسلة تحتهم على هذا الطريق من تلقاء نفسها، وتهديكم إلى سبيل الرشاد؛ ليكثر أتباعها. {أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً} [الطور: 42]، يعني: بكيد القوى الروحية الدنسية الأنسية لغاية حسدها للطيفة الفائضة من الحق، وجهلها باشتقاق اللطيفة عليه؛ لقصور علمهم على شهواتهم العاجلة وينكرون اللطيفة، {فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ} [الطور: 42]؛ يعني: إذا خرجوا من عالم الخيال وعاينوا ما وعدتهم اللطيفة، وأوعدتهم في الغيب تحسروا من إنكارهم وكفرهم، ولا ينفعهم إلا العذاب الأليم الدائم؛ فكانوا في الحقيقة مكيدين بإعطاء اختيارهم وقوتهم التي بها كادوا اللطيفة وبإمهالهم زمان الإنكار. {أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ} [الطور: 43]؛ أي: هم يقولون: إن إله اللطيفة إله آخر، وإلهنا إله آخر يأمرنا إلهنا بما نحن فيه، {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الطور: 43]، إن الله منزه عن الشرك مقدس عن النظير والتشبيه، متعالٍ عن أن يكون له ضد ولا ند في الملك والملكوت، وله فيهما ملكاً وطلقاً وملكاً حقاً من الشقائق والدقائق المتصلة بدقائق الجبروت، المربوطة بحقائق اللاهوت.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):