٥٢ - ٱلطُّور
52 - At-Tour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
35
Tafseer
الرازي
تفسير : ومن هنا لا خلاف أن {أَمْ } ليست بمعنى بل، لكن أكثر المفسرين على أن المراد ما يقع في صدر الكلام من الاستفهام، إما بالهمزة فكأنه يقول أخلقوا من غير شيء أو هل، ويحتمل أن يقال هو على أصل الوضع للاستفهام الذي يقع في أثناء الكلام وتقديره أما خلقوا، أم خلقوا من غير شيء، أم هم الخالقون؟ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ما وجه تعلق الآية بما قبلها؟ نقول لما كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم ونسبوه إلى الكهانة والجنون والشعر وبرأه الله من ذلك، ذكر الدليل على صدقه إبطالاً لتكذيبهم وبدأ بأنفسهم، كأنه يقول كيف يكذبونه وفي أنفسهم دليل صدقه لأن قوله في ثلاثة أشياء في التوحيد والحشر والرسالة ففي أنفسهم ما يعلم به صدقه، وبيانه هو أنهم خلقوا وذلك دليل التوحيد لما بينا أن في كل شيء له آية، تدل على أنه واحد، وقد بينا وجهه مراراً فلا نعيده. وأما الحشر فلأن الخلق الأول دليل على جواز الخلق الثاني وإمكانه، ويدل على ما ذكرنا أن الله تعالى ختم الاستفهامات بقوله {أية : أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ } تفسير : [الطور: 43]. المسألة الثانية: إذا كان الأمر على ما ذكرت فلم حذف قوله أما خلقوا؟ نقول: لظهور انتفاء ذلك ظهوراً لا يبقى معه للخلاف وجه، فإن قيل فلم لم يصدر بقوله أما خلقوا ويقول أم خلقوا من غير شيء؟ نقول ليعلم أن قبل هذا أمراً منفياً ظاهراً، وهذا المذكور قريب منه في ظهور البطلان فإن قيل قوله {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْء } أيضاً ظاهر البطلان، لأنهم علموا أنهم مخلوقون من تراب وماء ونطفة، نقول الأول أظهر في البطلان لأن كونهم غير مخلوقين أمر يكون مدعيه منكراً للضرورة فمنكره منكر لأمر ضروري. المسألة الثالثة: ما المراد من قوله تعالى: {مِنْ غَيْرِ شَىْء } نقول فيه وجوه المنقول منها أنهم خلقوا من غير خالق وقيل إنهم خلقوا لا لشيء عبثاً، وقيل إنهم خلقوا من غير أب وأم، ويحتمل أن يقال أم خلقوا من غير شيء، أي ألم يخلقوا من تراب أو من ماء، ودليله قوله تعالى: {أية : أَلَمْ نَخْلُقكُّم مّن مَّاء مَّهِينٍ } تفسير : [المرسلات: 20] ويحتمل أن يقال الاستفهام الثاني ليس بمعنى النفي بل هو بمعنى الإثبات قال الله تعالى: {أية : ءأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَـٰلِقُونَ } تفسير : [الواقعة: 59] و {أية : ءأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزرِعُونَ } تفسير : [الواقعة: 64] {أية : ءأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ } تفسير : [الواقعة: 72] كل ذلك في الأول منفي وفي الثاني مثبت كذلك ههنا قال الله تعالى: {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْء } أي الصادق هو هذا الثاني حينئذ، وهذا كما في قوله تعالى: {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَـٰنِ حِينٌ مّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً } تفسير : [الإنسان: 1] فإن قيل كيف يكون ذلك الإثبات والآدمي خلق من تراب؟ نقول والتراب خلق من غير شيء، فالإنسان إذا نظرت إلى خلقه وأسندت النظر إلى ابتداء أمره وجدته خلق من غير شيء، أو نقول المراد أم خلقوا من غير شيء مذكور أو معتبر وهو الماء المهين. المسألة الرابعة: ما الوجه في ذكر الأمور الثلاثة التي في الآية؟ نقول هي أمور مرتبة كل واحد منها يمنع القول بالوحدانية والحشر فاستفهم بها، وقال أما خلقوا أصلاً، ولذلك ينكرون القول بالتوحيد لانتفاء الإيجاد وهو الخلق، وينكرون الحشر لانتفاء الخلق الأول أم خلقوا من غير شيء، أي أم يقولون بأنهم خلقوا لا لشيء فلا إعادة، كما قال: {أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً } تفسير : [المؤمنون: 115]. وعلى قولنا إن المراد خلقوا لا من تراب ولا من ماء فله وجه ظاهر، وهو أن الخلق إذا لم يكن من شيء بل يكون إيداعياً يخفي كونه مخلوقاً على بعض الأغبياء، ولهذا قال بعضهم السماء رفع اتفاقاً ووجد من غير خالق وأما الإنسان الذي يكون أولاً نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم لحماً وعظماً لا يتمكن أحد من إنكاره بعد مشاهدة تغير أحواله فقال تعالى: {أَمْ خَلَقُواْ } بحيث يخفى عليهم وجه خلقهم بأن خلقوا ابتداء من غير سبق حالة عليهم يكونون فيها تراباً ولا ماء ولا نطفة ليس كذلك بل هم كانوا شيئاً من تلك الأشياء خلقوا منه خلقاً، فما خلقوا من غير شيء حتى ينكروا الوحدانية ولهذا قال تعالى: {أية : يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُـمْ خَلْقاً مّن بَعْدِ خَلْقٍ } تفسير : [الزمر: 6] ولهذا أكثر الله من قوله {أية : خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ } تفسير : [الإنسان: 2] وقوله {أية : أَلَمْ نَخْلُقكُّم مّن مَّاء مَّهِينٍ } تفسير : [المرسلات: 20] يتناول الأمرين المذكورين في هذا الموضع لأن قوله {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مّن مَّاء } يحتمل أن يكون نفي المجموع بنفي الخلق فيكون كأنه قال: أخلقتم لا من ماء، وعلى قول من قال المراد منه أم خلقوا من غير شيء، أي من غير خالق ففيه ترتيب حسن أيضاً وذلك لأن نفي الصانع، إما أن يكون بنفي كون العالم مخلوقاً فلا يكون ممكناً، وإما أن يكون ممكناً لكن الممكن لا يكون محتاجاً فيقع الممكن من غير مؤثر وكلاهما محال. وأما قوله تعالى: {أَمْ هُمُ ٱلْخَـٰلِقُونَ } فمعناه أهم الخالقون للخلق فيعجز الخالق بكثرة العمل، فإن دأب الإنسان أنه يعيا بالخلق، فما قولهم أما خلقوا فلا يثبت لهم إلٰه ألبتة، أم خلقوا وخفي عليهم وجه الخلق أم جعلوا الخالق مثلهم فنسبوا إليه العجز، ومثل قوله تعالى: {أية : أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ } تفسير : [قۤ: 15] هذا بالنسبة إلى الحشر وأما بالنسبة إلى التوحيد فهو رد عليهم حيث قالوا الأمور مختلفة واختلاف الآثار يدل على اختلاف المؤثرات وقالوا {أية : أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وٰحِداً } تفسير : [صۤ: 5] فقال تعالى: {أَمْ هُمُ ٱلْخَـٰلِقُونَ } حيث لا يقدر الخباز على الخياطة والخياط على البناء وكل واحد يشغله شأن عن شأن.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ} «أَمْ» صلة زائدة والتقدير أخلقوا من غير شيء. قال ٱبن عباس: من غير ربّ خلقهم وقدّرهم. وقيل: من غير أمّ ولا أب؛ فهم كالجماد لا يعقلون ولا تقوم للَّهِ عليهم حجة؛ ليسوا كذلك! أليس قد خُلِقوا من نطفة وعلقة ومضغة؟ قاله ٱبن عطاء. وقال ٱبن كيسان: أم خُلِقوا عبثاً وتُرِكوا سُدًى «مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ» أي لغير شيء فـ«ـمن» بمعنى اللام. {أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ} أي أيقولون إنهم خَلَقوا أنفسهم فهم لا يأتمرون لأمر الله وهم لا يقولون ذلك، وإذا أقرّوا أن ثَمَّ خالقاً غيرهم فما الذي يمنعهم من الإقرار له بالعبادة دون الأصنام، ومن الإقرار بأنه قادر على البعث. {أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أي ليس الأمر كذلك فإنهم لم يخلقوا شيئاً {بَل لاَّ يُوقِنُونَ} بالحق {أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ} أَم عندهم ذلك فيستغنوا عن الله ويُعرِضوا عن أمره. وقال ٱبن عباس: خزائن ربك المطر والرزق. وقيل: مفاتيح الرحمة. وقال عكرمة: النبوة. أي أفبأيديهم مفاتيح ربك بالرسالة يضعونها حيث شاؤوا. وضرب المثل بالخزائن؛ لأن الخزانة بيت يهيأ لجمع أنواع مختلفة من الذخائر؛ ومقدورات الربّ كالخزائن التي فيها من كل الأجناس فلا نهاية لها. {أَمْ هُمُ ٱلْمُسَيْطِرُونَ} قال ٱبن عباس: المسلَّطون الجبّارون. وعنه أيضاً: المبطلون. وقاله الضحاك. وعن ٱبن عباس أيضاً: أم هم المتولّون. عطاء: أم هم أرباب قاهرون. قال عطاء: يقال تسيطرت عليّ أي ٱتخذتني خَوَلاً لك. وقاله أبو عبيدة. وفي الصحاح: المسيطر والمصيطر المسلّط على الشيء ليُشرِف عليه ويتعهدَ أحوالَه ويكتب عمله، وأصله من السَّطر؛ لأن الكتاب يُسَطَّر والذي يفعله مُسَطِّر ومُسَيْطِر. يقال سَيْطرتَ علينا. ٱبن بحر: {أَمْ هُمُ ٱلْمُسَيْطِرُونَ} أي هم الحفظة؛ مأخوذ من تسطير الكتاب الذي يحفظ ما كتب فيه؛ فصار المسيطر ها هنا حافظاً ما كتبه الله في اللوح المحفوظ. وفيه ثلاث لغات: الصاد وبها قرأت العامة، والسين وهي قراءة ٱبن مُحيصِن وحُميد ومجاهد وقُنْبُل وهشام وأبي حَيْوة، وبإشمام الصاد الزاي وهي قراءة حمزة كما تقدّم في {أية : الصِّراط} تفسير : [الفاتحة: 6]. قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ} أي أيدّعون أن لهم مُرتقىً إلى السماء ومصعداً وسبباً {يَسْتَمِعُونَ فِيهِ} أي عليه الأخبارَ ويَصِلون به إلى علم الغيب، كما يصل إليه محمد صلى الله عليه وسلم بطريق الوحي. {فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي بحجة بيّنة أن هذا الذي هم عليه حقّ. والسُّلم واحد السلالم التي يرتقى عليها. وربما سمي الغرز بذلك؛ قال أبو الرُّبَيْس الثعلبي يصف ناقته:شعر : مُطَارَةُ قَلْبٍ إن ثَنَى الرِّجْلَ ربُّها بِسُلَّمِ غَرْزٍ في مُنَاخٍ يُعاجلُه تفسير : وقال زهير:شعر : ومَنْ هابَ أسبابَ المنِيَّةِ يَلْقَها ولَوْ رَامَ أسبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ تفسير : وقال آخر:شعر : تَجَنَّيت لي ذنباً وما إِنْ جَنَيْتُه لِتَتَّخِذِي عُذْراً إلى الهَجْرِ سُلَّما تفسير : وقال ٱبن مُقبل في الجمع:شعر : لا تُحْرِزُ المرءَ أَحْجاءُ البِلاَدِ وَلاَ يُبْنَى له في السَّمَواتِ السَّلاَلِيمُ تفسير : الأحجاء النواحي مثل الأرجاء واحدها حَجّاً ورَجّاً مقصور. ويروى: أعْناء البلاد، والأعْناء أيضاً الجوانب والنواحي واحدها عِنْو بالكسر. وقال ٱبن الأعرابي: واحدها عَناً مقصور. وجاءنا أعناء من الناس واحدهم عِنْو بالكسر، وهم قوم من قبائل شتَّى. {يَسْتَمِعُونَ فِيهِ} أي عليه؛ كقوله تعالى: {أية : فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ} تفسير : [طه: 71] أي عليها؛ قاله الأخفش. وقال أبو عبيدة: يستمعون به. وقال الزجاج: أي ألهم كجبريل الذي يأتي النبيّ صلى الله عليه وسلم بالوحي. قوله تعالى: {أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ} سَفَّه أحلامهم توبيخاً لهم وتقريعاً. أي أتضيفون إلى الله البنات مع أَنَفَتكم منهن، ومن كان عقله هكذا فلا يُستبعد منه إنكار البعث. {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً} أي على تبليغ الرسالة. {فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ} أي فهم من المغرم الذي تطلبهم به «مُثْقَلُونَ» مجهدون لما كلفتهم به. {أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ} أي يكتبون للناس ما أرادوه من علم الغيوب. وقيل: أي أم عندهم علم ما غاب عن الناس حتى علموا ما أخبرهم به الرسول من أمر القيامة والجنة والنار والبعث باطل. وقال قتادة: لما قالوا نتربص به ريب المنون قال الله تعالى: {أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ} حتى علموا متى يموت محمد أو إلى ما يؤول إليه أمره. وقال ٱبن عباس: أم عندهم اللوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه ويخبرون الناس بما فيه. وقال القتبي: يكتبون يحكمون والكتاب الحكم؛ ومنه قوله تعالى: {أية : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} تفسير : [الأنعام: 54] أي حكم، وقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : والذي نفسي بيده لأحكمن بينكم بكتاب الله» تفسير : أي بحكم الله. قوله تعالى: {أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً} أي مكراً بك في دار النَّدْوة. {فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ} أي الممكور بهم {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} تفسير : [فاطر: 43] وذلك أنهم قتلوا ببدر. {أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ} يخلق ويرزق ويمنع. {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} نزّه نفسه أن يكون له شريك. قال الخليل: كل ما في سورة «والطور» من ذِكر «أَمْ» فكلمة ٱستفهام وليس بعطف.
ابن كثير
تفسير : هذا المقام في إثبات الربوبية وتوحيد الألوهية، فقال تعالى: {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَـٰلِقُونَ} أي: أوجدوا من غير موجد؟ أم هم أوجدوا أنفسهم، أي: لا هذا ولا هذا، بل الله هو الذي خلقهم وأنشأهم بعد أن لم يكونوا شيئاً مذكوراً، قال البخاري: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان قال: حدثني عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَـٰلِقُونَ أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ} كاد قلبي أن يطير، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من طرق عن الزهري به. وجبير بن مطعم كان قد قدم على النبي صلى الله عليه وسلم بعد وقعة بدر في فداء الأسارى، وكان إذ ذاك مشركاً، فكان سماعه هذه الآية من هذه السورة من جملة ما حمله على الدخول في الإسلام بعد ذلك. ثم قال تعالى: {أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ} أي أهم خلقوا السموات والأرض؟ وهذا إنكار عليهم في شركهم بالله، وهم يعلمون أنه الخالق وحده لا شريك له، ولكن عدم إيقانهم هو الذي يحملهم على ذلك، {أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ} أي: أهم يتصرفون في الملك، وبيدهم مفاتيح الخزائن {أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ} أي: المحاسبون للخلائق، ليس الأمر كذلك، بل الله عز وجل هو المالك المتصرف الفعال لما يريد. وقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ} أي: مرقاة إلى الملأ الأعلى {فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ} أي: فليأت الذي يستمع لهم بحجة ظاهرة على صحة ما هم فيه من الفعال والمقال، أي وليس لهم سبيل إلى ذلك، فليسوا على شيء، وليس لهم دليل، ثم قال منكراً عليهم فيما نسبوه إليه من البنات وجعلهم الملائكة إناثاً، واختيارهم لأنفسهم الذكور على الإناث، بحيث إذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم، هذا وقد جعلوا الملائكة بنات الله، وعبدوهم مع الله فقال: { أَمْ لَهُ ٱلْبَنَـٰتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ} وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد {أَمْ تَسْـئَلُهُمْ أَجْراً} أي: أجرة إبلاغك إياهم رسالة الله، أي: لست تسألهم على ذلك شيئاً، {فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ} أي: فهم من أدنى شيء يتبرمون منه، ويثقلهم ويشق عليهم، { أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ} أي ليس الأمر كذلك؛ فإنه لا يعلم أحد من أهل السموات والأرض الغيب إلا الله {أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ} يقول تعالى: أم يريد هؤلاء بقولهم هذا في الرسول وفي الدين غرور الناس، وكيد الرسول وأصحابه؟ فكيدهم إنما يرجع وباله على أنفسهم، فالذين كفروا هم المكيدون { أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} وهذا إنكار شديد على المشركين في عبادتهم الأصنام والأنداد مع الله، ثم نزه نفسه الكريمة عما يقولون ويفترون ويشركون فقال: {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ } من غير خالق {أَمْ هُمُ ٱلْخَٰلِقُونَ } أنفسهم؟ ولا يُعْقَلُ مخلوق بغير خالق ولا معدوم يخلق فلا بد لهم من خالق هو الله الواحد فلم لا يوحدونه ويؤمنون برسوله وكتابه؟
الشوكاني
تفسير : قوله: {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْء } "أم" هذه هي المنقطعة، كما تقدّم فيما قبلها، وكما سيأتي فيما بعدها، أي: بل أخلقوا على هذه الكيفية البديعة، والصنعة العجيبة من غير خالق لهم؟ قال الزجاج: أي: أخلقوا باطلاً لغير شيء لا يحاسبون، ولا يؤمرون، ولا ينهون؟ وجعل "مِنْ" بمعنى اللام. قال ابن كيسان: أم خلقوا عبثاً، وتركوا سدًى لا يؤمرون، ولا ينهون؟ وقيل المعنى: أم خلقوا من غير أب ولا أمّ، فهم كالجماد لا يفهمون، ولا تقوم عليهم حجة؟ {أَمْ هُمُ ٱلْخَـٰلِقُونَ } أي: بل أيقولون هم الخالقون لأنفسهم، فلا يؤمرون ولا ينهون مع أنهم يقرّون أن الله خالقهم؟ وإذا أقرّوا لزمتهم الحجة {أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } وهم لا يدّعون ذلك، فلزمتهم الحجة، ولهذا أضرب عن هذا، وقال {بَل لاَّ يُوقِنُونَ } أي: ليسوا على يقين من الأمر، بل يخبطون في ظلمات الشك في وعد الله ووعيده {أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبّكَ } أي: خزائن أرزاق العباد، وقيل: مفاتيح الرحمة. قال مقاتل: يقول: أبأيديهم مفاتيح ربك بالرسالة، فيضعونها حيث شاءوا؟ وكذا قال عكرمة: وقال الكلبي: خزائن المطر والرزق {أَمْ هُمُ المصيطرون} أي: المسلطون الجبارون، قال في الصحاح: المسيطر: المسلط على الشيء، ليشرف عليه، ويتعهد أحواله، ويكتب عمله، وأصله من السطر؛ لأن الكتاب يسطر. وقال أبو عبيدة: سطرت عليّ: اتخذتني خولاً لك. قرأ الجمهور: {المصيطرون} بالصاد الخالصة، وقرأ ابن محيصن، وحميد، ومجاهد، وقنبل، وهشام بالسين الخالصة، ورويت هذه القراءة عن حفص، وقرأ خلاد بصاد مشمة زاياً. {أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ } أي: بل أيقولون: إن لهم سلماً منصوباً إلى السماء يصعدون به، ويستمعون فيه كلام الملائكة، وما يوحى إليهم، ويصلون به إلى علم الغيب، كما يصل إليه محمد صلى الله عليه وسلم بطريق الوحي، وقوله: {فِيهِ } صفة لسلم، وهي للظرفية على بابها، وقيل: هي بمعنى على، أي: يستمعون عليه كقوله: {أية : وَلأصَلّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ }تفسير : [طه: 71] قاله الأخفش. وقال أبو عبيدة: يستمعون به. وقال الزجاج: المعنى: أنهم كجبريل الذي يأتي النبيّ صلى الله عليه وسلم بالوحي، وقيل: هي في محلّ نصب على الحال، أي: صاعدين فيه {فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم } إن ادّعى ذلك {بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ } أي: بحجة واضحة ظاهرة {أَمْ لَهُ ٱلْبَنَـٰتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ } أي: بل أتقولون لله البنات ولكم البنون، سفه سبحانه أحلامهم، وضلل عقولهم ووبخهم، أي: أيضيفون إلى الله البنات وهي أضعف الصنفين، ويجعلون لأنفسهم البنين، وهم أعلاهما، وفيه إشعار بأن من كان هذا رأيه، فهو بمحلّ سافل في الفهم والعقل، فلا يستبعد منه إنكار البعث وجحد التوحيد. ثم رجع سبحانه إلى خطاب رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: {أَمْ تَسْـئَلُهُمْ أَجْراً } أي: بل أتسألهم أجراً يدفعونه إليك على تبليغ الرسالة {فَهُم مّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ } أي: من التزام غرامة تطلبها منهم مثقلون، أي: مجهودون بحملهم ذلك المغرم الثقيل. قال قتادة: يقول: هل سألت هؤلاء القوم أجراً فجهدهم، فلا يستطيعون الإسلام؟ {أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ } أي: بل أيدّعون أن عندهم علم الغيب؟ وهو ما في اللوح المحفوظ فهم يكتبون للناس ما أرادوا من علم الغيب. قال قتادة: هذا جواب لقولهم: {نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ} يقول الله: أم عندهم الغيب حتى علموا أن محمداً يموت قبلهم، فهم يكتبون؟ قال ابن قتيبة: معنى يكتبون: يحكمون بما يقولون {أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً } أي: مكراً برسول الله صلى الله عليه وسلم، فيهلكونه بذلك المكر {فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ } أي: الممكور بهم المجزيون بكيدهم، فضرر كيدهم يعود عليهم {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيّىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ }تفسير : [فاطر: 43] وقد قتلهم الله في يوم بدر، وأذلهم في غير موطن، ومكر سبحانه بهم {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ }تفسير : [آل عمران: 54] {أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ } أي: بل أيدّعون أن لهم إلٰهاً غير الله يحفظهم ويرزقهم وينصرهم؟! ثم نزّه سبحانه نفسه عن هذه المقالة الشنعاء فقال: {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي: عن شركهم به، أو عن الذين يجعلونهم شركاء له. ثم ذكر سبحانه بعض جهالاتهم، فقال: {وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مّنَ ٱلسَّمَاء سَـٰقِطاً يَقُولُواْ سَحَـٰبٌ مَّرْكُومٌ } الكسف جمع كسفة: وهي القطعة من الشيء، وانتصاب ساقطاً على الحال، أو على أنه المفعول الثاني، والمركوم: المجعول بعضه على بعض. والمعنى: أنهم إن يروا كسفاً من السماء {ساقطاً} عليهم لعذابهم، لم ينتهوا عن كفرهم بل يقولون: هو سحاب متراكم بعضه على بعض، وقد تقدّم اختلاف القرّاء في {كسفاً}، قال الأخفش: من قرأ {كسفاً}، يعني: بكسر الكاف وسكون السين جعله واحداً، ومن قرأ "كسفاً"، يعني: بكسر الكاف وفتح السين جعله جمعاً. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتركهم، فقال: {فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِى فِيهِ يُصْعَقُونَ } أي: اتركهم وخلّ عنهم حتى يلاقوا يوم موتهم، أو يوم قتلهم ببدر، أو يوم القيامة. قرأ الجمهور: {يلاقوا} وقرأ أبو حيوة (يلقوا) وقرأ الجمهور: "يصعقون" على البناء للفاعل، وقرأ ابن عامر، وعاصم على البناء للمفعول، والصعقة: الهلاك على ما تقدّم بيانه {يَوْمَ لاَ يُغْنِى عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً } هو بدل من يومهم، أي: لا ينفعهم في ذلك اليوم كيدهم الذي كادوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } أي: ولا يمنع عنهم العذاب النازل بهم مانع، بل هو واقع بهم لا محالة {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ } أي: لهؤلاء الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي عذاباً في الدنيا دون عذاب يوم القيامة، أي: قبله، وهو قتلهم يوم بدر. وقال ابن زيد: هو مصائب الدنيا من الأوجاع، والأسقام، والبلايا، وذهاب الأموال والأولاد. وقال مجاهد: هو الجوع، والجهد سبع سنين، وقيل: عذاب القبر، وقيل: المراد بالعذاب: هو القحط، وبالعذاب الذي يأتي بعده: هو قتلهم يوم بدر {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } ما يصيرون إليه من عذاب الله، وما أعدّه لهم في الدنيا والآخرة. {وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ } إلى أن يقع لهم العذاب الذي وعدناهم به {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا } أي: بمرأى ومنظر منا، وفي حفظنا وحمايتنا، فلا تبال بهم. قال الزجاج: إنك بحيث نراك ونحفظك، ونرعاك فلا يصلون إليك {وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ حِينَ تَقُومُ } أي: نزّه ربك عما لا يليق به متلبساً بحمد ربك على إنعامه عليك حين تقوم من مجلسك. قال عطاء، وسعيد بن جبير، وسفيان الثوري، وأبو الأحوص: يسبح الله حين يقوم من مجلسه فيقول: سبحان الله وبحمده، أو سبحانك اللَّهمّ وبحمدك، عند قيامه من كل مجلس يجلسه. وقال محمد بن كعب، والضحاك، والربيع بن أنس: حين تقوم إلى الصلاة. قال الضحاك: يقول: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، وفيه نظر؛ لأن التكبير يكون بعد القيام لا حال القيام، ويكون التسبيح بعد التكبير، وهذا غير معنى الآية، فالأوّل أولى. وقيل المعنى: صلّ لله حين تقوم من منامك، وبه قال أبو الجوزاء، وحسان بن عطية. وقال الكلبي: واذكر الله باللسان حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل الصلاة، وهي صلاة الفجر. {وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَسَبّحْهُ } أمره الله سبحانه أن يسبّحه في بعض الليل. قال مقاتل: أي: صلّ المغرب والعشاء، وقيل: ركعتي الفجر {وَإِدْبَـٰرَ ٱلنُّجُومِ } أي: وقت إدبارها من آخر الليل، وقيل: صلاة الفجر، واختاره ابن جرير، وقيل: هو التسبيح في إدبار الصلوات، قرأ الجمهور {إدبار} بكسر الهمزة على أنه مصدر، وقرأ سالم بن أبي الجعد، ومحمد بن السميفع، ويعقوب، والمنهال بن عمر بفتحها على الجمع، أي: أعقاب النجوم وأدبارها: إذا غربت، ودبر الأمر: آخره، وقد تقدّم الكلام على هذا في سورة «قۤ». وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أَمْ هُمُ المصيطرون} قال: المسلطون، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه قال: أم هم المنزلون. وأخرجا عنه أيضاً {عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ } قال: عذاب القبر قبل يوم القيامة. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو داود، والنسائي، والحاكم، وابن مردويه عن أبي برزة الأسلمي قال:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بآخرة إذا قام من المجلس يقول: «حديث : سبحانك اللَّهم وبحمدك، أشهد أن لا إلٰه إلاّ أنت، أستغفرك وأتوب إليك»تفسير : . فقال رجل: يا رسول الله إنك لتقول قولاً ما كنت تقوله فيما مضى، قال: «حديث : كفارة لما يكون في المجلس»تفسير : . وأخرجه النسائي، والحاكم من حديث الربيع بن أنس عن أبي العالية، عن رافع بن خديج، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وأخرج الترمذي، وابن جرير عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : من جلس في مجلس، فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللَّهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إلٰه إلاّ أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلاّ غفر له ما كان في مجلسه ذلك»تفسير : . قال الترمذي: حسن صحيح. وفي الباب أحاديث مسندة ومرسلة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ حِينَ تَقُومُ } قال: حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل في الصلاة. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَسَبّحْهُ } قال:«حديث : الركعتان قبل صلاة الصبح»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {وَإِدْبَـٰرَ ٱلنُّجُومِ } قال: ركعتي الفجر.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ} قال الثعلبيُّ: قال ابن عباس: من غير أَبٍ ولا أُمٍّ، فهم كالجماد لا يعقلون، ولا تقوم للَّه عليهم حُجَّةٌ، أليسوا خُلِقُوا من نطفة وعلقة، وقال ابن كَيْسَانَ: أَمْ خلقوا عَبَثاً، وَتُرِكُوا سُدًى من غير شيء، أي: لغير شيء لا يؤمرون ولا يُنْهَوْنَ {أَمْ هُمُ ٱلْخَـٰلِقُونَ}: لأَنفسهم، فلا يأتمرون لأمر اللَّه، انتهى، وعَبَّرَ * ع *: عن هذا بأَنْ قال: وقال آخرون: معناه: أمْ خُلِقُوا لغير عِلَّةِ ولا لغاية عقاب وثواب؛ فهم لذلك لا يسمعون ولا يتشرَّعون. * ت *: وقد يحتمل أَنْ يكونَ المعنى: أم خُلِقُوا من غير شيء خَلَقَهُمْ، أي: من غير مُوجِدٍ أَوْجَدَهُمْ، ويَدُلُّ عليه مقابلته بقوله: {أَمْ هُمُ ٱلْخَـٰلِقُونَ} وهكذا قال الغَزَّاليُّ في «الإِحياء»، قال: وقوله عز وجل: {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ} أي: من غير خالق، انتهى بلفظه من كتاب «آداب التلاوة» قال الغَزَّالِيُّ: ولا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الآيةَ تَدُلُّ أَنَّه لا يُخْلَقُ شَيْءٌ إلاَّ من شيء! انتهى، وقال الفخر: قوله تعالى: {مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ} فيه وجوه، المنقول منها: أم خُلِقُوا من غير خالق، [وقيل: أَمْ خُلِقُوا لا لغير شيء عَبَثاً]، وقيل: أم خلقوا من غير أَبٍ وأُمِّ، انتهى، وأحسنها الأَوَّلُ؛ كما قال الغَزَّالِيُّ، واللَّه أعلم بما أراد سبحانه، وفي الصحيح عن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قال: «حديث : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ في الْمَغْرِبِ بالطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ هٰذِهِ الآيَةَ: {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَـٰلِقُونَ} إلى قَوْلِهِ: {ٱلْمُصَيْطِرُونَ} ـــ كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ» تفسير : ، وفي رواية: «حديث : وَذَلِكَ أَوَّلُ مَا وَقَرَ الإِيمَانُ في قَلْبِي»تفسير : انتهى، وأسند أبو بكر ابن الخطيب في تاريخه عن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قال: «أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في فِدَاءِ أَهْلِ بَدْرٍ، فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ في الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ، فَكَأَنَّمَا تَصَدَّعَ قَلْبِي حِينَ سَمِعْتُ الْقُرْآنَ» انتهى.
البقاعي
تفسير : ولما مضت فضيحتهم بالتحدي، وكانت عندهم فضيحة التناقض دون فضيحة المعارضة، فكانوا يقدمونها عليها، فلم يحدث أحد منهم يوماً من الأيام بشيء مما يعارضه به علماً منهم بأنهم يصيرون بذلك إلى خزي لا يمكن أن يغسل عاره كما صار مسيلمة، لأنهم كانوا أعقل العرب وكان التقدير كما هدى إليه السياق: فإنك مستوٍ معهم بالنسبة إلى إيجاد الله لكم، هو سبحانه خالقهم كما أنه خالقك، ولا خصوصية لك منه على زعمهم: أهو خالقهم كما هو خالقك فيلزمهم أن يأتوا بمثل ما تأتي به، وكان ذلك على تقدير إقرارهم بالله وادعائهم لكذبه صلى الله عليه وسلم، عادله سبحانه تبكيتاً لهم وإظهاراً لفضائح هي أشنع مما فروا منه من المعارضة بقوله على تقدير أن يكونوا منكرين للإله أو مدعين لأن يكونوا آلهة: {أم خلقوا} أي وقع خلقهم على هذه الكيفية المتقنة {من غير شيء} فيكونوا مخالفين لصريح العقل إذ تعلق الخلق بالخالق من ضرورة الاسم كتعلقه بالمخلوق ليسلم لهم أنك تأتي بما لا يقدرون على معارضته لأنك أقوى منهم بكونك مستنداً إلى خالق وهم ليسوا مستندين إلى شيء أو ليكونوا لذلك أقوى منك وأعلى، فيكون لهم التكبر عليك {أم هم الخالقون *} أي الذين لهم هذا الوصف فيكونون قد خلقوا أنفسهم ليكونوا بذلك شركاء فيكون الخالق والمخلوق واحداً، وهو مثل القسم الذي قبله في عدم الاستناد إلى شيء أو يكون ثبوت هذا الوصف لهم موجباً لأن يكونوا على ثقة مما يقولون وللتكبر عليك، فإن ادعوا ذلك حكم أدنى الخلق بجنونهم؛ {أم خلقوا} أي على وجه الشركة {السماوات والأرض} فهم لذلك عالمون بما فيها على وجه الإحاطة واليقين حتى علموا أنك تقولته ليصير لهم رده والتهكم عليه. ولما كان التقدير: لم يكن شيء من ذلك ليكون لهم شبهة في الكلام فيك، عطف عليه قوله: {بل لا يوقنون *} أي ليس لهم نوع يقين ليسكنوا إلى شيء واحد لكونه الحق أو ليعلموا أن هذه الملازم الفاضحة تلزمهم فيكفوا عن أمثالهم {أم عندهم} أي خاصة دون غيرهم {خزائن} ولما كان ذكر الرحمة لا يقتضيه مقصود السورة الذي هو العذاب، لم تذكر كما في ص وسبحان فقيل: {ربك} المحسن إليك بإرسالك بهذا الحديث فيعلموا أن هذا الذي أثبت به ليس من قوله لأنه لا تصرف له في الخزائن إلا بهم، فيصح قولهم: إنك تقولته وحينئذ يلزمهم فضائح لا آخر لها، منها أن يأتوا بحديث مثله بل أحسن منه من تلك الخزائن {أم هم} لا غيرهم {المسيطرون *} أي الرقباء الحافظون والجبارون والمسلطون الرؤساء الحكماء الكتبة، ليكونوا ضابطين للأشياء كلها كما هو شأن كتّاب السر عند الملوك فيعلموا أنك تقولت هذا الذكر لأنهم لم يكتبوا به إليك {أم لهم سلّم} يصعدون به إلى السماء {يستمعون} أي يتعمدون السمع لكل ما يكون فيها ومنها {فيه} أي في ذلك السلم وبسببه كما يكون بعض من يحضر مجالس الملوك في الدنيا ويعلم ما يقع فيها ليكونوا ضابطين لما يأتي من الملك فيعلموا أن ما قالوه فيك حق ولما كان من يكون هكذا متمكناً من الإتيان منها بالعجائب، سبب عنه قوله: {فليأت مستمعهم} إن ادعوا ذلك {بسلطان مبين *} أي حجة قاهرة بينة في نفسها، موضحة لأنها من السماء على صحة ما يرمونك به.
السلمي
تفسير : قال الواسطى رحمة الله عليه: القلوب مختلفة قلب ممتحن بقوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ}تفسير : [الحجرات: 3] وقلب مستشف طالع أحواله فى أوائله فلم يكن شيئاً مذكوراً فى المملكة {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ} وقلب مظلم عن معاينة طالع الحق بحقائقه فانقطع عن الصفات والذات ولزمه الخرس فانقمع كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا أحصى ثناء عليك ".
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ}. كلاَ ليس الأمرُ كذلك، بل اللَّهُ هو الخالق وهم المخلوقون. أم هم الذين خلقوا السماواتِ والأرضَ؟ {أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ}. -أي خزائن أرزاقه ومقدوراته؟ {أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ} المُتَسلِّطون عَلَى الناس؟. أم لهم سُلّمٌ يرتقون فيه فيستمعون ما يجري في السماوات؟ {فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} ثم إنه سفّهَ أحلامهم فقال: {أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ}. أم تسألهم عَلَى تبليغ الرسالة أجراً فهم مثقلون من الغُرم والإلزام في المال (بحيث يزهدهم ذلك في اتباعك؟). {أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ} ذلك؟ {أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً} أي أن يمكروا بك مكراً {فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ}. {أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ} يفعل شيئاً مما يفعل الله؟ تنزيهاً له عن ذلك!.
اسماعيل حقي
تفسير : {ام خلقوا من غير شىء} من لابتدآء الغاية اى ام احدثوا وقدروا هذا من عبادة وجزآء فمن للسببية (قال الكاشفى) آيا أفريده شده اندايشان بى حيزى يعنى بى بدر ومادر مراد آنست كه ايشان آدمى انداز آدميان زاده شده نه جمادندكه تعقل خود نكند {ام هم الخالقون} لأنفسهم فلذلك لايعبدون الله تعالى
الجنابذي
تفسير : {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ} بل أخُلقوا من غير غايةٍ لخلقتهم؟ كما يقول المعطّلون للعالم وخلقه عن الغاية، او من غير مبدءٍ؟ كما يقول الدّهريّة والطّبيعيّة والقائلون بالبخت والاتّفاق، او من غير امرٍ ونهىٍ ووعظٍ ونصحٍ لهم؟ حتّى يكونوا مهملين، او من غير سبق مادّةٍ واستعدادٍ؟ حتّى يقولوا بالجبر للعباد من دون اختيارٍ لهم، او من غير سبق صورةٍ مثاليّةٍ لهم فى مراتب علمنا؟ فيكون خلقنا لهم من غير علمٍ لنا بهم سابقاً {أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ} لانفسهم فلم يكن لهم مبدء آخر فلم يكن لغيرهم حقّ عليهم.
اطفيش
تفسير : {أَمْ} بل، {خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ} من غير محدث فلذلك لا يعبدون الله أو من غير أمر ونهي وعليه ابن كيسان وقيل: لغير ثواب وعقاب وعلى الاول الغزالي والفخر ونسب لابن عباس وروي عنه أنه قال من غير أب وأم فهم كالجماد غير مكلفين وعن جبير بن مطعم سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ المغرب بالطور ولما بلغ أم خلقوا من غير شيء إلا المسيطرون كاد قلبي يطير وذلك أول ما وقر الايمان في قلبي وعنه اتيت النبي صلى الله عليه وسلم في فداء اهل بدر فسمعته يقرأ فى المغرب بالطور فكانما تصدع قلبي حين سمعت القرآن. {أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} لانفسهم فلا يعبدون الله وهذا يؤيد لتفسير الأول وهذا أشد في البطلان لانهم لم يكونوا ثم كانوا والمعدوم لا يفعل شيئا ولا يخلق نفسه فلا بد لهم من خالق فلم لا يعبدونه ويؤمنون وللتاييد المذكور عقب ذلك بقوله {أَمْ خَلَقُواْ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} أم في الآيات السابقة والاتية بمعنى بل وهمزة الانكار ولا يقدر على خلقهن إلا الله كما اقروا فلم لا يبعدونه {بَل لاَّ يُوقِنُونَ} بالله وإلا لصدقوا نبيه وما يقول من القرآن والبعث وأطاعوه.
اطفيش
تفسير : {أمْ خُلِقوا مِن غَيْر شيءٍ} من غير خالق كذا قيل، وفيه أنه متناقض تناقضاً ظاهرا لا يقولونه، فان قول خلقوا مناقض لقول من غير خالق، ويجاب بأنهم يقولون مثل هذا الكلام المتناقض فى البطلان، وقال ابن جرير أم خُلفوا من غير شىء حيى، وقد كلفهم الله عز وجل وآدم خلق من غير حى، وقد كلفه الله عز وجل، ومن للابتداء فى ذلك كله، وقيل: المعنى أم خلقوا بلا علة تكليف وجزاء، فمن سببية ويناسبه قوله: {أمْ هُم الخالقون} لأنفسهم، فلا يجرى عليهم تكليف لاحق لله تعالى عليهم، والمعدوم لا فعل له، ويناسبه أيضا قوله عز وجل: {أم خلقُوا السَّماوات والأرض} فيأهلون للعظمة والألوهية، ويتكبرون عن اتباعه صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن يكون ذكر السماوات والأرض اشارة الى خلق الأشياء كلها {بل لا يُوقِنُون} أن الله عز وجل خلق السموات والأرض، ولو قالوا بألسنتهم وبادى قلوبهم خلقهن الله، إذ لو قالوا ذلك عن ايقان لم يعدلوا عن عبادته الى عبادة غيره.
الالوسي
تفسير : {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْء } أي أم أحدثوا وقدروا هذا التقدير البديع من غير مقدر وخالق، وقال الطبري: المراد أم خلقوا من غير شيء حي فهم لا يؤمرون ولا ينهون كالجمادات، وقيل: المعنى أم خلقوا من غير علة ولا لغاية ثواب وعقاب فهم لذلك لا يسمعون، و {مِنْ } عليه للسببية، وعلى ما تقدم لابتداء الغاية والمعول عليه من الأقوال ما قدمنا، وسيأتي إن شاء الله تعالى زيادة إيضاح له، ويؤيده قوله سبحانه: {أَمْ هُمُ ٱلْخَـٰلِقُونَ } أي الذين خلقوا أنفسهم فلذلك لا يعبدون الله عز وجل ولا يلتفتون إلى رسوله صلى الله عليه وسلم إذ على القولين لا يظهر حسن المقابلة، وإرادة خلقوا أنفسهم يشعر به قوله تعالى: {أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } إذ لو أريد العموم لعدم ذكر المفعول لم يظهر حسن المقابلة أيضاً، وقال ابن عطية: المراد أهم الذين خلقوا الأشياء فهم لذلك يتكبرون ثم خص من تلك الأشياء السمٰوات والأرض لعظمهما وشرفهما في المخلوقات وفيه ما سمعته. {بَل لاَّ يُوقِنُونَ } أي إذا سئلوا من خلقكم وخلق السمٰوات والأرض؟ قالوا: الله وهم غير موقنين بما قالوا إذ لو كانوا موقنين لما أعرضوا عن عبادته تعالى فإن من عرف خالقه وأيقن به امتثل أمره وانقاد له.
ابن عاشور
تفسير : {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ}. إضراب انتقالي إلى إبطال ضرب آخر من شبهتهم في إنكارهم البعث، وقد علمت في أول السورة أن من أغراضها إثبات البعث والجزاءِ على أن ما جاء بعده من وصف يوم الجزاء وحال أهله قد اقتضته مناسبات نشأت عنها تلك التفاصيل، فإذْ وُفّي حقُّ ما اقتضته تلك المناسبات ثُنِي عِنان الكلام إلى الاستدلال على إمكان البعث وإبطال شبهتهم التي تعللوا بها من نحو قولهم: {أية : أإذا كنا عظاماً ورفاتاً أإنا لمبعوثون خلقاً جديداً}تفسير : [الإسراء: 49]. فكان قوله تعالى: {أم خلقوا من غير شيء} الآيات أدلةً على أن ما خلقه الله من بَدْء الخلق أعظم من إعادة خلق الإِنسان. وهذا متصل بقوله آنفاً {أية : إن عذاب ربك لواقع}تفسير : [الطور: 7] لأن شبهتهم المقصود ردها بقوله: {إن عذاب ربك لواقع هي قولهم: {أية : أإذا كنا عظاماً ورفاتاً أإنا لمبعوثون}تفسير : [الإسراء: 49]، ونحو ذلك. فحرف (مِن) في قوله: {من غير شيء} يجوز أن يكون للابتداء، فيكون معنى الاستفهام المقدر بعد (أم) تقريرياً. والمعنى: أيقرُّون أنهم خلقوا بعد أن كانوا عَدماً فكلما خلقوا من عدم في نشأتهم الأولى يُنْشأون من عدم في النشأة الآخرة، وذلك إثبات لإِمكان البعث، فيكون في معنى قوله تعالى: {أية : فلينظر الإنسان ممَّ خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب إنه على رجعه لقادر}تفسير : [الطارق: 5 ـــ 8] وقوله: {أية : كما بدأنا أول خلق نعيده}تفسير : [الأنبياء: 104] ونحو ذلك من الآيات. ومعنى {شيء} على هذا الوجه: الموجودُ فغير شَيء: المعدومُ، والمعنى: اخُلقوا من عدم. ويجوز أن تكون (مِن) للتعليل فيكون الاستفهام المقدر بعد (أم) إنكارياً، ويكون اسم {شيء} صادقاً على ما يصلح لمعنى التعليل المستفاد من حرف (مِن) التعليلية، والمعنى: إنكار أن يكون خلقهم بغير حكمة، وهذا إثبات أن البعث واقع لأجل الجزاء على الأعمال، بأن الجزاء مقتضى الحكمة التي لا يخلو عنها فعل أحكم الحكماء، فيكون في معنى قوله تعالى: {أية : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون}تفسير : [المؤمنون: 115] وقوله: {أية : ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية}تفسير : [الحجر: 85]. ولحرف (مِن) في هذا الكلام الوَقْع البديع إذ كانت على احتمال معنييها دليلاً على إمكان البعث وعلى وقوعه وعلى وجوب وقوعه وجوباً تقتضيه الحكمة الإِلهية العليا. ولعل العدول عن صوغ الكلام بالصيغة الغالبة في الاستفهام التقريري، أعني صيغة النفي بأن يقال: أما خلقوا من غير شيء؛ والعدولَ عن تعيين ما أضيف إليه {غَير} إلى الإِتيان بلفظٍ مبهم وهو لفظ شيء، روعي فيه الصلاحية لاحتمال المعنيين وذلك من منتهى البلاغة. وإذ كان فرض أنهم خلقوا من غير شيء واضح البطلان لم يحتج إلى استدلال على إبطاله بقوله: {أَمْ هُمُ ٱلْخَـٰلِقُونَ * أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْض}. وهو إضراب انتقال أيضاً، والاستفهام المقدر بعد {أم} إنكاري، أي ما هم الخالقون وإذ كانوا لم يدّعوا ذلك فالانكار مرتب على تنزيلهم منزلة من يزعمون أنهم خالقون. وصيغت الجملة في صيغة الحصر الذي طريقهُ تعريف الجُزأَيْن قصراً إضافياً للرد عليهم بتنزيلهم منزلة من يزعم أنهم الخالقون لا الله، لأنهم عدُّوا من المحال ما هو خارج عن قدرتهم، فجعلوه خارجاً عن قدرة الله، فالتقدير: أم هم الخالقون لا نحن. والمعنى: نحن الخالقون لا هم. وحذف مفعول {الخالقون} لقصد العموم، أي الخالقون للمخلوقات وعلى هذا جرى الطبري وقدره المفسرون عدا الطبري: أم هم الخالقون أنفسَهم كأنهم جعلوا ضمير {أم خلقوا من غير شيء} دليلاً على أن المحذوف اسم مَعاد ذلك الضمير ولا افْتراء في انتفاء أن يكونوا خالقين، فلذلك لم يُتصدّ إلى الاستدلال على هذا الانتفاء. وجملة {أم خلقوا السمٰوات والأرض} يظهر لي أنها بدل من جملة {أم هم الخالقون} بدلَ مفصَّل من مُجمل إن كان مفعول {الخالقون} المحذوفُ مراداً به العمومُ وكان المراد بالسماء والأرضِ ذاتيهما مع من فيهما، أو بَدل بعض من كل أن المراد ذاتي السماوات والأرض، فيكون تخصيص السماوات والأرض بالذكر لعظم خلقهما. وإعادة حرف {أم} للتأكيد كما يُعاد عامل المبدَل منه فِي البدل، والمعنى: أم هم الخالقون للسماوات والأرض. والاستفهام إنكاري والكلام كناية عن إثبات أن الله خالق السماوات والأرض. والمعنى: أن الذي خلق السماوات والأرض لا يُعجزه إعادة الأجساد بعد الموت والفناء. وهذا معنى قوله تعالى: {أية : أو لم يروا أن اللَّه الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم}تفسير : [الإسراء: 99] أي أن يخلق أمثال أجسادهم بعد انعدامهم. {بَل لاَّ يُوقِنُون}. إضراب إبطال على مضمون الجملتين اللتين قبله، أي لم يُخلقوا من غير شيء ولا خَلقوا السماوات والأرض، فإن ذلك بينّ لهم فما إنكارهم البعث إلا ناشىء عن عدم إيقانهم في مظانّ الإِيقان وهي الدلائل الدالة على إمكان البعث وأنه ليس أغرب من إيجاد المخلوقات العظيمة، فما كان إنكارهم إياه إلا عن مكابرة وتصميم على الكفر. والمعنى: أن الأمر لا هَذا ولا ذلك ولكنهم لا يُوقنون بالبعث فهم ينكرونه بدون حجة ولا شبهة بل رانَتْ المكابرة على قلوبهم.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الكلام عليه وعلى الآيات المشابهة له في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى:{أية : أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً}تفسير : [مريم: 78].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أم خلقوا من غير شيء؟: أي من غير خالقٍ خلقهم وهذا باطل. أم هم الخالقون؟: أي لأنفسهم وهذا محال إذا الشيىء لا يسبق وجوده. أم خلقوا السماوات والأرض؟: أي لم يخلقوهما لأن العجز عن خلق أنفسهم دال على عجزهم عن خلق غيرهم. بل لا يوقنون: أي أن الله خلقهم وخلق السماوات والأرض كما يقولون إذ لو كانوا موقنين لما عبدوا غير الله ولآمنوا برسوله صلى الله عليه وسلم. أم عندهم خزائن ربك: أي من الرزق والنبوة وغيرهما فيخصوا من شاءوا بذلك من الناس. أم هم المسيطرون: أي المتسلطون الغالبون فيتصرفون كيف شاءوا. أم لهم سلم يستمعون فيه: أي ألهم مرقىً إلى السماء يرقون فيه فيسمعون كلام الملائكة فيأتون به ويعارضون الرسول في كلامه. فليأتوا بسلطان مبين: أي بحجة بينة تدل على صدقه وليس لهم في ذلك كله شيء. أم له البنات ولكم البنون؟: أي ألهُ تعالى البنات ولكم البنون إن أقوالكم كلها من هذا النوع لا واقع لها أبداً إنها افتراءات. أم تسألهم أيها الرسول أجراً: أي على إبلاغ دعوتك. فهم من مغرم مثقلون: أي فهم من فداحة الغرم مغتمون ومتعبون فكرهوا ما تقول لذلك. أم عندهم الغيب فهم يكتبون: أي علم الغيب فهم يكتبون منه لينازعوك ويجادلوك به. أم يريدون كيداً: أي مكراً وخديعة بك وبالدين. فالذين كفروا هم المكيدون: أي فالكافرون هم المكيدون المغلوبون. أم لهم إله غير الله: أي ألهم معبود غير الله والجواب: لا. سبحان الله عما يشركون: أي تنزه الله عما يشركون به من أصنام وأوثان. معنى الآيات: بعد أن أمر تعالى رسوله بالتذكير وأنه أهل لذلك لما أفاض عليه من الكمالات وما وهبه من المؤهلات. أخذ تعالى يلقن رسوله الحجج فيذكر له باطلهم موبخاً إياهم به ثم يدمغه بالحق في أسلوب قرآني عجيب لا يقدرعليه إلا الله سبحانه وتعالى. ومنه قوله: {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ} أي أخلقوا من غير خالق {أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ} والجواب لم يُخلقوا من غير خالق، ولا هم خلقوا أنفسهم إذ الأول باطل فما هناك شيء موجود وجد بغير مُوجد؟! والثاني محال؛ إن المخلوق لا يوجد قبل أن يخلق فكيف يخلقون أنفسهم وهم لم يخلقوا بعد؟! ويدل على جهلهم وعمي قلوبهم ما رواه البخاري عن جبير بن مطعم أنه ذكر أنه لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وقعة بدر في شأن فداء الأسرى سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة المغرب بسورة الطور قال فلما بلغ في القراءة عند هذه الآية {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ} كاد قلبي يطير. سمعها وهو مشرك فكانت سبباً في إسلامه فلو فتح القوم قلوبهم للقرآن لأنارها وأسلموا في أقصر مدة. وقوله تعالى: {أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} والجواب: لا، إذ العاجز عن خلق ذبابة فما دون عن خلق السماوات والأرض وما فيهما أعجز. وقوله تعالى {بَل لاَّ يُوقِنُونَ} أن الله هو الذي خلقهم وخلق السماوات والأرض فقولهم عند سؤال من خلقهم: الله، وعن خلق السماوات والأرض: الله لم يكن عن يقين إذ لو كان عن يقين منهم لما عبدوا الأصنام ولما أنكروا البعث ولما كذبوا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ} أي من الأرزاق والخيرات والفواضل والفضائل فيخصوا من شاءوا منها ويحرموا من شاءوا والجواب ليس لهم ذلك فلم إذاً ينكرون على الله ما أتى رسوله من الكمال والإِفضال؟ أم هم المسيطرون أي الغالبون القاهرون المتسلطون فيتصرفون كيف شاءوا في الملك؟ والجواب: لا، إذاً فلم هذا التحكم الفاسد. وقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي ألهم مرقى يرقون فيه إلى السماء فيستمعون إلى الملائكة فيسمعون منهم ما يمكنهم أن ينازعوا فيه رسولنا محمداً صلى الله عليه وسلم فليأت مستمعهم بحجة واضحة ظاهرة على دعواه ومن أين له ذلك وقد حجبت الشياطين والجن عن ذلك فكيف بغير الجن والشياطين. وقوله: {أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ} أي لله تعالى البنات ولكم البنون إن جميع ما تقولونه من هذا النوع هو كذب ساقط بارد، وافتراء ممقوت ممجوج إن نسبتهم البنات لله كافية في رد كل ما يقولون ومبطلة لكل ما يدعون فإنهم كذبة مفترون لا يتورعون عن قول ما تحيله العقول، وتتنزه عنه الفُهُوم. وقوله: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ} أي أتسألهم يا رسولنا عما تبلغهم عنا أجراً فهم لذلك مغتمون ومتعبون فلا يستطيعون الإِيمان بك ولا يقدرون على الأخذ عنك. وقوله: {أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ} أي أعندهم علم الغيب فهم منهمكون في كتابته لينازعوك فيما عندك ويحاجوك بما عندهم، والجواب من أين لهم ذلك، وقوله: {أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً} أي أيريدون بك وبدينك كيداً؛ ليقتلوك ويبطلوا دينك فالذين كفروا هم المكيدون ولست أنت ولا دينك. ولم يمض عن نزول هذه الآيات طويلُ زمن حتى هلك أولئك الكائدون ونصر الله رسوله وأعز دينه والحمد لله رب العالمين. وقوله: {أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ} أي ألهم إلهٌ أي معبود غير الله يعبدونه والحال أنه لا إله إلا الله {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي تنزه الله وتقدس عما يشركونه به من أصنام وأوثان لا تسمع ولا تبصر فضلا عن أن تضر أو تنفع. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير التوحيد بذكر دلائله. 2- تقرير النبوة المحمدّية. 3- تسفيه أحلام المشركين. 4- عدم مشروعية أخذ أجرٍ على إبلاغ الدعوة. 5- لا يعلم الغيب إلا الله. 6- صدق القرآن في أخباره آية أنه وحي الله وكلامه صدقاً وحقاً إنه لم يمض إلا قليل من الوقت أي خمسة عشر عاماً حتى ظهر مصداق قول الله تعالى فالذين كفروا هم المكيدون.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْخَالِقُونَ} (35) - بَعْدَ أَنْ أَثْبَتَ اللهُ تَعَالى أَنَّ رِسَالَة مُحَمَّدٍ حَقٌّ، وأَنَّهُ مُرْسَلٌ إِليهم مِنْ رَبِّهِ، شَرَعَ هُنا في إِثْبَاتِ وُجُودِهِ تَعَالى، وَإِثْباتِ وَحْدَانِيَّتِهِ، وَقُدْرتِهِ البَالِغةِ، فَقَالَ هُنَا: أَوُجِدُوا هُمْ مِنْ غَيرِ مُوجِدٍ؟ أَمْ أَنَّهُمْ هُمُ الذِين أَوْجَدُوا أَنْفُسَهُمْ؟ وَبِمَا أَنَّهُ لاَ يُوجَدُ شيءٌ مِنْ غَيرِ مُوجِدٍ، وَبِمَا أَنَّهم غَيْرُ قَادِرِينَ هُمْ عَلَى خَلْقِ أَنْفُسِهِمْ، وَلا عَلَى خَلْقِ شيءٍ، فَيَكُونُ اللهُ تَعَالى هُوَ الذِي خَلَقَهُمْ وَأَوْجَدَهم بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُونوا شَيْئاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه وتعالى يسوق لهم البراهين العقلية التي تثبت صدق رسوله في البلاغ عن الله، ويتعجب من فعلهم، وكيف يكفرون بالله ويعاندون دعوة رسوله. لذلك يسأل: {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ..} [الطور: 35] كيف والخَلق إيجاد من عدم، فهل جاءوا إلى الكون هكذا دون خالق؟ والعقل يقول: إنه لا يمكن أنْ يوجد شيء إلا بموجد حتى في أتفه الأشياء. في هذا الكوب الذي نشرب فيه الآن كوب كريستال شفاف بعد أنْ كنَّا نشرب في الصاج أو الفخار، هل يعقل أن نقول إن هذا الكوب وُجِد هكذا بدون مُوجد؟ إذن: لابد لهذا الخَلْق من خالق. ثم ينتقل إلى جزئية أخرى في مسألة الخلق: {أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ} [الطور: 35] أي: الخالقون لهذا الخَلْق، وفي موضع آخر قال تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ..}تفسير : [الزخرف: 87]. نعم لا يستطيعون أنْ يقولوا غير هذا، لأن الإنسان طرأ على كون بديع فيه شمس وقمر ونجوم وأرض وماء وهواء وسماء وجبال، فكيف يقول: أنا الذي خلقته وهو أقدم منه، ولا يستطيع أنْ يقول خلقتُ نفسي، ولو قالها فمن الذي خلق أباك وسلسلها إلى أن تصل إلى آدم عليه السلام. إذن: هذا التسلسل المنطقي لا بدَّ أنْ يصل بنا إلى خالق خلق ولم يُخلق، هو الحق سبحانه وتعالى. لذلك قال بعدها: {أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ} [الطور: 36] فإذا لم يستطيعوا خَلْق أنفسهم فهم من باب أَوْلى ما خلقوا السماوات والأرض. وسبق أن قلنا: إن مسألة الخَلْق هذه لم يدَّعها أحد لنفسه، والقضية تسلم لمن ادعاها إلى أنْ يظهر له معارض، ولم يقُلْ أحد أنه خلق السماوات والأرض.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):