٥٢ - ٱلطُّور
52 - At-Tour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
44
Tafseer
الرازي
تفسير : وجه الترتيب فيه هو أنه تعالى لما بيّن فساد أقوالهم وسقوطها عن درجة الاعتبار أشار إلى أنه لم يبق لهم شيء من وجه الاعتذار، فإن الآيات ظهرت والحجج تميزت ولم يؤمنوا، وبعد ذلك {يَرَوْاْ كِسْفاً مّنَ ٱلسَّمَاء سَـٰقِطاً يَقُولُواْ سَحَـٰبٌ } أي ينكرون الآية لكن الآية إذا أظهرت في أظهر الأشياء كانت أظهر، وبيانه هو أن من يأتي بجسم من الأجسام من بيته وادعى فيه أنه فعل به كذا فربما يخطر ببال السامع أنه في بيته ولما يبدعه، فإذا قال للناس هاتوا جسماً تريدون حتى أجعل لكم منه كذا يزول ذلك الوهم، لكن أظهر الأشياء عند الإنسان الأرض التي هي مهده وفرشه، والسماء التي هي سقفه وعرشه، وكانت العرب على مذهب الفلاسفة في أصل المذهب، ولا يلتفت إلى قول الفلسفي نحن ننزه غاية التنزيه حتى لا نجوز رؤيته واتصافه بوصف زائد على ذاته ليكون واحداً في الحقيقة، فكيف يكون مذهبنا مذهب من يشرك بالله صنماً منحوتاً؟ نقول أنتم لما نسبتم الحوادث إلى الكواكب وشرعتم في دعوة الكواكب أخذ الجهال عنكم ذلك واتخذوه مذهباً وإذا ثبت أن العرب في الجاهلية كانت في الأصل على مذهب الفلاسفة وهم يقولون بالطبائع فيقولون الأرض طبعها التكوين والسماء طبعها يمنع الانفصل والانفكاك، فقال الله تعالى رداً عليهم في مواضع {أية : إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مّنَ ٱلسَّمَاء } تفسير : [سبأ: 9] إبطالاً للطبائع وإيثاراً للاختيار في الوقائع، فقال ههنا إن أتينا بشيء غريب في غاية الغرابة في أظهر الأشياء وهو السماء التي يرونها أبداً ويعلمون أن أحداً لا يصل إليها ليعدد بالأدوية وغيرها ما يجب سقوطها لأنكروا ذلك، فكيف فيما دون ذلك من الأمور، والذي يؤيد ما ذكرناه وأنهم كانوا على مذهب الفلاسفة في أمر السماء أنهم قالوا {أية : أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا } تفسير : [الإسراء: 92] أي ذلك في زعمك ممكن، فأما عندنا فلا، والكسفة القطعة يقال كسفة من ثوب أي قطعة، وفيه مباحث: البحث الأول: استعمل في السماء لفظة الكسف، واللغويون ذكروا استعمالها في الثوب لأن الله تعالى شبه السماء بالثوب المنشور، ولهذا ذكره فيما مضى فقال: {أية : وَٱلسَّمَـٰوٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌ } تفسير : [الزمر: 67] وقال تعالى: {أية : يَوْمَ نَطْوِى ٱلسَّمَاء } تفسير : [الأنبياء: 104]. البحث الثاني: استعمل الكسف في السماء والخسف في الأرض فقال تعالى: {أية : نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ } تفسير : [سبأ: 9] وهو يدل على قول من قال يقال في القمر خسوف، وفي الشمس كسوف ووجهه أن مخرج الخاء دون مخرج الكاف ومخرج الكاف فوقه متصل به فاستعمل وصف الأسفل للأسفل والأعلى للأعلى، فقالوا في الشمس والسماء الكسوف والكسف، وفي القمر والأرض الخسوف والخسف، وهذا من قبيل قولهم في الماتح والمايح إن ما نقطه فوق لمن فوق البئر وما نقطه من أسفل عند من يجوز نقطه من أسفل لمن تحت في أسفل البئر. البحث الثالث: قال في السحاب {أية : ويجعله كسفاً} تفسير : [الروم: 48] مع أنه تحت القمر، وقال في القمر {أية : وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ } تفسير : [القيامة: 8] وذلك لأن القمر عند الخسوف له نظير فوقه وهو الشمس عند الكسوف والسحاب اعتبر فيه نسبته إلى أهل الأرض حيث ينظرون إليه، فلم يقل في القمر خسف بالنسبة إلى السحاب وإنما قيل ذلك بالنسبة إلى الشمس وفي السحاب قيل بالنسبة إلى الأرض. المسألة الثانية: ساقطاً يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون مفعولاً ثانياً يقال رأيت زيداً عالماً وثانيهما: أن يكون حالاً كما يقال ضربته قائماً، والثاني أولاً لأن الرؤية عند التعدي إلى مفعولين في أكثر الأمر تكون بمعنى العلم، تقول أرى هذا المذهب صحيحاً وهذا الوجه ظاهراً وعند التعدي إلى واحد تكون بمعنى رأي العين في الأكثر تقول رأيت زيداً وقال تعالى: {أية : لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } تفسير : [غافر: 84]، وقال: {أية : فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً } تفسير : [مريم: 26] والمراد في الآية رؤية العين. المسألة الثالثة: في قوله {سَـٰقِطاً } فائدة لا تحصل في غير السقوط، وذلك لأن عندهم لا يجوز الانفصال على السمٰوات ولا يمكن نزولها وهبوطها، فقال ساقطاً ليكون مخالفاً لما يعتقدونه من وجهين أحدهما: الانفصال والآخر: السقوط ولو قال وإن يروا كسفاً منفصلاً أو معلقاً لما حصلت هذه الفائدة. المسألة الرابعة: في قوله {يَقُولُواْ } فائدة أخرى، وذلك لأنه يفيد بيان العناد الذي هو مقصود سرد الآية، وذلك لأنهم في ذلك الوقت يستخرجون وجوهاً حتى لا يلزمهم التسليم فيقولون سحاب قولاً من غير عقيدة، وعلى هذا يحتمل أن يقال {وَإِن يَرَوْاْ } المراد العلم ليكون أدخل في العناد، أي إذا علموا وتيقنوا أن السماء ساقطة غيروا وعاندوا، وقالوا هذا سحاب مركوم. المسألة الخامسة: قوله تعالى: {يَقُولُواْ سَحَـٰبٌ مَّرْكُومٌ } إشارة إلى أنهم حين يعجزون عن التكذيب ولا يمكنهم أن يقولوا لم يقع شيء على الأرض يرجعون إلى التأويل والتخييل وقوله {مَّرْكُومٌ } أي مركب بعضه على بعض كأنهم يدفعون عن أنفسهم ما يورد عليهم بأن السحاب كالهواء لا يمنع نفوذ الجسم فيه، وهذا أقوى مانع فيقولون إنه ركام فصار صلباً قوياً. المسألة السادسة: في إسقاط كلمة الإشارة حيث لم يقل: يقولوا هذا، إشارة إلى وضوح الأمر وظهور العناد فلا يستحسنون أن يأتوا بما لا يبقى معه مراء فيقولون {سَحَـٰبٌ مَّرْكُومٌ } مع حذف المبتدأ ليبقى للقائل فيه مجال فيقول عند تكذيب الخلق إياهم، قلنا {سَحَـٰبٌ مَّرْكُومٌ } شبهه ومثله، وأن يتمشى الأمر مع عوامهم استمروا، وهذا مجال من يخاف من كلام ولا يعلم أنه يقبل منه أو لا يقبل، فيجعله ذا وجهين، فإن رأى النكر على أحدهما فسّره بالآخرون وإن رأى القبول خرج بمراده.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً} قال ذلك جواباً لقولهم: {أية : فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [الشعراء: 187]، وقولهم: {أية : أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً} تفسير : [الإسراء: 92] فأعلم أنه لو فعل ذلك لقالوا: {سَحَابٌ مَّرْكُومٌ} أي بعضه فوق بعض سقط علينا وليس سماء؛ وهذا فعل المعاند أو فعل من ٱستولى عليه التقليد، وكان من المشركين القسمان. والكِسَف جمع كِسْفة وهي القطعة من الشيء؛ يقال: أعطني كِسْفة من ثوبك، ويقال في جمعها أيضاً: كِسْف: ويقال: الكِسْف والكِسْفة واحد. وقال الأخفش: من قرأ كِسْفاً جعله واحداً، ومن قرأ «كِسَفا» جعله جمعاً. وقد تقدم القول في هذا في «سبحان» وغيرها والحمد لله. قوله تعالى: {فَذَرْهُمْ} منسوخ بآية السيف. {حَتَّىٰ يُلاَقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ} بفتح الياء قراءة العامة، وقرأ ٱبن عامر وعاصم بضمها. قال الفرّاء: هما لغتان صَعِق وصُعق مثل سَعِد وسُعد. قال قتادة: يوم يموتون. وقيل: هو يوم بدر. وقيل: يوم النفخة الأولى. وقيل: يوم القيامة يأتيهم فيه من العذاب ما يزيل عقولهم. وقيل: «يُصْعَقُون» بضم الياء من أصعقه الله. قوله تعالى: {يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً} أي ما كادوا به النبيّ صلى الله عليه وسلم في الدنيا. {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} من الله. و«يَوْمَ» منصوب على البدل من {يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ}.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن المشركين بالعناد والمكابرة للمحسوس: {وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَـٰقِطاً} أي: عليهم، يعذبون به، لما صدقوا، ولما أيقنوا، بل يقولون: هذا سحاب مركوم أي: متراكم، وهذا كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَـٰرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ } تفسير : [الحجر: 14 ــــ 15]. وقال الله تعالى {فَذَرْهُمْ} أي: دعهم يا محمد {حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِى فِيهِ يُصْعَقُونَ} وذلك يوم القيامة {يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً} أي: لا ينفعهم كيدهم ولا مكرهم الذي استعملوه في الدنيا، لا يجزي عنهم يوم القيامة شيئاً {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ}. ثم قال تعالى: {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ} أي: قبل ذلك في الدار الدنيا؛ كقوله تعالى: {أية : وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} تفسير : [السجدة: 21] ولهذا قال تعالى: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: نعذبهم في الدنيا، ونبتليهم فيها بالمصائب؛ لعلهم يرجعون وينيبون، فلا يفهمون ما يراد بهم، بل إذا جلى عنهم مما كانوا فيه، عادوا إلى أسوأ ما كانوا عليه؛ كما جاء في بعض الأحاديث: «حديث : إن المنافق إذا مرض وعوفي، مثله في ذلك كمثل البعير، لا يدري فيما عقلوه، ولا فيما أرسلوه» تفسير : وفي الأثر الإلهي: كم أعصيك ولا تعاقبني؟ قال الله تعالى: يا عبدي كم أعاقبك وأنت لا تدري؟ وقوله تعالى: {وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} أي: اصبر على أذاهم، ولا تبالهم؛ فإنك بمرأى منا وتحت كلاءتنا، والله يعصمك من الناس. وقوله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} قال الضحاك: أي إلى الصلاة. سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك. وقد روي مثله عن الربيع ابن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهما، وروى مسلم في صحيحه عن عمر أنه كان يقول: هذا في ابتداء الصلاة، ورواه أحمد وأهل السنن عن أبي سعيد وغيره، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول ذلك. وقال أبو الجوزاء: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} أي: من نومك من فراشك، واختاره ابن جرير، ويتأيد هذا القول بما رواه الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثني عمير بن هانىء، حدثني جنادة بن أبي أمية، حدثنا عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من تعارّ من الليل، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: رب اغفر لي ــــ أو قال: ثم دعا ــــ استجيب له، فإن عزم فتوضأ، ثم صلى، قبلت صلاته» تفسير : وأخرجه البخاري في صحيحه وأهل السنن من حديث الوليد بن مسلم به. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} قال: من كل مجلس. وقال الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} قال: إذا أراد الرجل أن يقوم من مجلسه، قال: سبحانك اللهم وبحمدك. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو النضر إسحاق بن إبراهيم الدمشقي، حدثنا محمد بن شعيب، أخبرني طلحة بن عمرو الحضرمي عن عطاء بن أبي رباح: أنه حدثه عن قول الله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} يقول: حين تقوم من كل مجلس، إن كنت أحسنت ازددت خيراً، وإن كنت غير ذلك، كان هذا كفارة له، وقد قال عبد الرزاق في جامعه: أخبرنا معمر عن عبد الكريم الجزري، عن أبي عثمان الفقير: أن جبريل علم النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من مجلسه أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، قال معمر: وسمعت غيره يقول: هذا القول كفارة المجالس، وهذا مرسل، وقد وردت أحاديث مسندة من طرق يقوي بعضها بعضاً بذلك، فمن ذلك حديث ابن جريج عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : من جلس في مجلس، فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر الله له ما كان في مجلسه ذلك» تفسير : رواه الترمذي، وهذا لفظه، والنسائي في اليوم والليلة، من حديث ابن جريج، وقال الترمذي: حسن صحيح، وأخرجه الحاكم في مستدركه، وقال: إسناده على شرط مسلم، إلا أن البخاري علله، قلت: علله الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني وغيرهم، ونسبوا الوهم فيه إلى ابن جريج، على أن أبا داود قد رواه في سننه من طريق غير ابن جريج إلى أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، ورواه أبو داود، واللفظ له، والنسائي والحاكم في "المستدرك" من طريق الحجاج بن دينار عن هاشم، عن أبي العالية عن أبي برزة الأسلمي، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بآخر عمره إذا أراد أن يقوم من المجلس: «حديث : سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك»تفسير : فقال رجل: يا رسول الله إنك لتقول قولاً ما كنت تقوله فيما مضى، قال: «حديث : كفارة لما يكون في المجلس» تفسير : وقد روي مرسلاً عن أبي العالية، فالله أعلم. وهكذا رواه النسائي والحاكم من حديث الربيع بن أنس عن أبي العالية عن رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله سواء، وروي مرسلاً أيضاً، فالله أعلم، وكذا رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو أنه قال: «حديث : كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات، إلا كفر بهن عنه، ولا يقولهن في مجلس خير ومجلس ذكر، إلا ختم له بهن كما يختم بالخاتم: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك» تفسير : وأخرجه الحاكم من حديث أم المؤمنين عائشة وصححه، ومن رواية جبير بن مطعم، ورواه أبو بكر الإسماعيلي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، كلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد أفردت لذلك جزءاً على حدة بذكر طرقه وألفاظه وعلله، وما يتعلق به، ولله الحمد والمنّة. وقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْهُ} أي: اذكره واعبده بالتلاوة والصلاة في الليل؛ كما قال تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا} تفسير : [الإسراء: 79]. وقوله تعالى: {وَإِدْبَـٰرَ ٱلنُّجُومِ} قد تقدم في حديث ابن عباس: أنهما الركعتان اللتان قبل صلاة الفجر، فإنهما مشروعتان عند إدبار النجوم، أي: عند جنوحها للغيبوبة. وقد روى ابن سيلان عن أبي هريرة مرفوعاً: «حديث : لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل»تفسير : يعني: ركعتي الفجر، رواه أبو داود. ومن هذا الحديث حكي عن بعض أصحاب أحمد القول بوجوبهما، وهو ضعيف لحديث: «حديث : خمس صلوات في اليوم والليلة» تفسير : قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «حديث : لا، إلا أن تطوع» تفسير : وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد تعاهداً منه على ركعتي الفجر، وفي لفظ لمسلم: «حديث : ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها»تفسير : آخر تفسير سورة الطور، ولله الحمد والمنّة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً } بعضاً {مّنَ ٱلسَّمَاء سَاقِطاً } عليهم كما قالوا « أية : فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ السَّمَآءِ » تفسير : أي تعذيباً لهم {يَقُولُواْ } هٰذا {سَحَٰبٌ مَّرْكُومٌ } متراكب نرتوي به ولا يؤمنون.
الماوردي
تفسير : {وَإِن يَرَواْ كِسْفاً مِّنَ السَّمَآءِ سَاقِطاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني قطعاً من السماء، قاله قتادة. الثاني: جانباً من السماء. الثالث: عذاباً من السماء، قاله المفضل. وسمي كسفاً لتغطيته، والكسف: التغطية، ومنه أخذ كسوف الشمس والقمر. {يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ} في مركوم وجهان: أحدهما: أنه الغليظ، قاله ابن بحر. الثاني: أنه الكثير المتراكب، قاله الضحاك. ومعنى الآية: أنهم لو رأو سقوط كسف من السماء عليهم عقاباً لهم لم يؤمنوا ولقالوا إنه سحاب مركوم بعضه على بعضه. {فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاَقُواْ يَوْمَهُمُ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يوم يموتون، قاله قتادة. الثاني: النفخة الأولى، حكاه ابن عيسى. الثالث: يوم القيامة يغشى عليهم من هول ما يشاهدونه، ومنه قوله تعالى: {وَخَرَّ مُوْسَى صَعِقاً} أي مغشياً عليه. {وَإِنَّ لِلَّذِينَ صَعِقاً} أي مغشياً عليه. {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: عذاب القبر، قاله علي. الثاني: الجوع، قاله مجاهد. الثالث: مصابهم في الدنيا، قاله الحسن. وفي المراد بالذين ظلموا ها هنا قولان: أحدهما: أنهم أهل الصغائر من المسلمين. الثاني: أنهم مرتكبو الحدود منهم. {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} فيه وجهان: أحدهما: لقضائه فيما حملك من رسالته. الثاني: لبلائه فيما ابتلاك به من قومك. {فَإِنَّكَ بأَعْيُنِنَا} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بعلمنا، قاله السدي. الثاني: بمرأى منا، حكاه ابن عيسى. الثالث: بحفظنا وحراستنا، ومنه قوله تعالى لموسى: {أية : وَلتُصنَعَ عَلَى عَيْنِي} تفسير : [طه: 39] بحفظي وحراستي، قاله الضحاك. {وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أن يسبح الله إذا قام من مجلسه، قاله أبو الأحوص، ليكون تكفيراً لما أجرى في يومه. الثاني: حين تقوم من منامك، ليكون مفتتحاً لعمله بذكر الله، قاله حسان بن عطية. الثالث: حين تقوم من نوم القائلة لصلاة الظهر، قاله زيد بن أسلم. الرابع: أنه التسبيح في الصلاة، إذا قام إليها. وفي هذا التسبيح قولان: أحدهما: هو قول: سبحان ربي العظيم، في الركوع، وسبحان ربي الأعلى، في السجود. الثاني: التوجه في الصلاة بقوله: سبحانك اللهم وبحمدك [وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك]، قاله الضحاك. {وَمِنَ الِّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها صلاة الليل. الثاني: التسبيح فيها. الثالث: أنه التسبيح في صلاة وغير صلاة. وأما {وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها ركعتان قبل الفجر، رواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : رَكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ، إِدْبَارُ النُّجومِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ المَغْرِبِ إِدْبَارُ السُّجُودِ". تفسير : الثاني: أنها ركعتا الفجر قبل الغداة. الثالث: أنه التسبيح بعد الصلاة، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً، وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر.
ابن عبد السلام
تفسير : {كِسْفاً} قطعاً، أو جانباً، أو عذاباً سمي كسفاً لتغطيته والكسف التغطية ومنه كسوف الشمس {مَّرْكُومٌ} غليظ، أو كثير متراكب.
الثعالبي
تفسير : وقوله: {وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً} أي: قطعةً يقولون لشدة معاندتهم هٰذَا {سَحَـٰبٌ مَّرْكُومٌ}: بعضُه على بعض، وهذا جوابٌ لقولهم: {أية : فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ} تفسير : [الشعراء:187] وقولهم: {أية : أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا } تفسير : [الإسراء:92] يقول: لو فعلنا هذا بهم لما آمنوا، ولقالوا: سحاب مركوم. وقوله تعالى: {فَذَرْهُمْ}، وما جرى مَجْرَاهُ من الموادعة ـــ منسوخٌ بآية السيف، والجمهورُ أَنَّ يومهم الذي فيه يُصْعَقُونَ، هو يوم القيامة، وقيل: هو موتهم واحداً واحداً، ويحتمل أَنْ يكون يومَ بدر؛ هو لأَنَّهُمْ عُذِّبُوا فيه، والصعق: التعذيب في الجملة، وإنْ كان الاستعمالُ قد كَثُرَ فيما يصيب الإنسانَ من الصَّيْحَةِ المُفْرِطَةِ ونحوه، ثُمَّ أخبر تعالى بِأَنَّ لهم دُونَ هذا اليوم، أي: قبله {عَذَاباً} واخْتُلِفَ في تعيينه، فقال ابن عباس وغيره: هو بدر ونحوه، وقال مجاهد: هو الجُوعُ الذي أصابهم، وقال البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وابن عباس أيضاً: هو عذاب القبر، وقال ابن زيد: هي مصائب الدنيا، إذْ هي لهم عذاب. * ت *: ويحتمل أَنْ يكونَ المراد الجميع؛ قال الفخر: إنْ قلنا إنَّ العذابَ هو بدر فالذين ظلموا هم أهل مَكَّةَ، وإنْ قلنا: العذابُ هو عذابُ القبر، فالذين ظلموا عامٌّ في كل ظالم، انتهى. ثم قال تعالى لنبيِّهِ: {وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} أي: بمرأى ومنظر، نرى ونَسْمَعُ ما تقول، وأَنَّك في حفظنا وحيطتنا؛ كما تقول: فلان يرعاه المَلِكُ بعين، وهذه الآية ينبغي أَنْ يُقَرِّرَهَا كُلُّ مؤمن في نفسه؛ فإنها تُفَسِّحُ مضايق الدنيا. وقوله سبحانه: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} قال أبو الأحوص: هو التسبيح المعروف، يقول في كل قيام: سبحان اللَّهِ وبحمدِهِ، وقال عطاء: المعنى حين تقومُ من كُلِّ مجلس. * ت *: وفي تفسير أحمدَ بن نصر الداوودِيِّ قال: وعن ابن المُسَيِّبِ قال: حَقٌّ على كل مسلم أنْ يقول حين يقومُ إِلى الصلاة: سبحان اللَّهِ وبحمده؛ لقولِ اللَّه سبحانه لِنَبِيِّهِ {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ}، انتهى، وقال ابن زيد: هي صلاة النوافل، وقال الضَّحَّاكُ: هي الصلوات المفروضة، وَمَنْ قال هي النوافل جعلَ أدبار النجوم رَكْعَتَيِ الفجر، وعلى هذا القول جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين، وقد رُوِيَ مرفوعاً، ومَنْ جعله التسبيحَ المعروفَ جعل قوله: {حِينَ تَقُومُ} مثالاً، أي: حين تقومُ وحينَ تَقْعُدُ، وفي كل تَصَرُّفِكَ، وحكى منذر عن الضَّحَّاكِ أَنَّ المعنى: حين تقومُ في الصلاة [بعد] تكبيرة الإحرام، فقل: «حديث : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ» تفسير : الحديثَ.
البقاعي
تفسير : ولما كان التقدير تسكيناً لقلب من يريد إجابتهم إلى الآيات المقترحات طمعاً في إيمانهم: فلقد تلونا عليهم في هذه السورة وغيرها من الآيات، وخلونا من المعجزات البينات، وأتينا من تناقضهم في هذه التقسيمات، بما يهد الجبال الشامخات، وبينا من فضائحهم بحسن سوقها وحلاوة ذوقها، وصحة معانيها وإحكام مبانيها، ما يزلزل الراسيات، ويحل العزمات، ويفرج الأزمات، ويصد ذوي المروات عن أمثال هذه النقائص الفاضحات، لما لها من الأدلة الواضحات، ولكنهم لما ألزمناهم به من العكس لا يؤمنون، وكدناهم بما أعمينا من بصائرهم فهم لا يعلمون أنهم المكيدون، عطف عليه قوله: {وإن يروا} أي معاينة {كسفاً} قطعة، وقيل: قطعاً واحدتها كسفة مثل سدرة وسدر {من السماء} نهاراً جهاراً {ساقطاً يقولوا} لدداً وتجلداً في البغي إصراراً، وتعلقهم بما أمكنهم من الشبه تخييلاً على العقول وإيقافاً لذوي الآراء والفهوم دأب الأصيل في نصر الباطل ومكابرة الحق لما لهم من العراقة في عمى القلوب بما لنا من القدرة على صرفهم عن وجوه الأمر: هذا {سحاب} فإن قيل لهم: هو مخالف للسحاب بصلابته، قالوا: {مركوم *} أي تراكم بعضه على بعض فتصلب، ولذلك سبب عن هذا الحال الدال على أنهم وصلوا في عمى البصائر إلى أنه لو جاءتهم كل آية لا يؤمنون، قوله لنبيه صلى الله عليه وسلم ومن تبعه: {فذرهم} أي اتركهم على شر أحوالهم {حتى يلاقوا} سعياً بسوء أعمالهم {يومهم} كما أنه هو يسعى إليهم لاستحقاقهم لما فيه {الذي فيه} لا في غيره لأن ما حكمنا به لا يتقدم ولا يتأخر {يصعقون *} بالموت من شدة الأهوال وعظيم الزلزال كما صعق بنو إسرائيل في الطور، ولكنا لانقيمهم كما أقمنا أولئك إلا عند النفخ في الصور لنحشرهم إلى الحساب الذي يكذبون به، والظاهر أن هذا اليوم يوم بدر فإنهم كانوا قاطعين بالنصرة فيها فما أغنى أحد منهم عن أحد شيئاً كما قال أبو سفيان بن الحارث: ما هو إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاؤوا ويأسروننا كيف شاؤوا. {يوم لا يغني} أي بوجه من الوجوه {عنهم كيدهم} الذي يرمونه بهذه الأقوال المتناقضة {شيئاً} أي من الإغناء في دفع شيء يكرهونه من الموت ولا غيره كما يظنون أنه يغني عنهم في غير ذلك من أحوال هذه الدار بتثبيط الناس عن اتباع القرآن بما يصفونه به من البهتان {ولا هم ينصرون *} أي لا يتجدد لهم نصر من أحد ما في ساعة ما. ولما أفهم هذا الكلام السابق أن التقدير: فإن لكل ظالم في ذلك اليوم عذاباً لا يحيط به الوصف، فإن الإصعاق من أشد ما يكون من العذاب، عطف عليه قوله مؤكداً لما لهم من الإنكار أي ينصر عليهم المؤمنون وهم من الكثرة والقوة بحيث لا مطمع فيهم لأحد لا سيما لمن هم مثل في الضعف والقلة {وإن} وكان الأصل لهم، ولكنه أظهر تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال: {للذين ظلموا} أي أوقعوا الأشياء في غير مواقعها كما يقولونه في القرآن، ويفعلونه من العصيان ويعتقدون من الشرك والبهتان {عذاباً دون ذلك} أي غير عذاب ذلك اليوم الصعب المرير، أو أدنى رتبة منه، إن كان المراد بالعصق ما يكون بعد البعث فبعذاب البزرخ في القبور، وإن كان المراد به الموت فيما يلقونه في الدنيا من عذابي بواسطتكم مثل تحيزكم إلى الأنصار في دار الهجرة ومعدن النصرة وصيرورتكم في القوة بحيث تناصبونهم الحرب، وتعاطونهم الطعن والضرب، فتكونوا بعد أن كنتم طوع أيديهم قذى في أعينهم وشجاً في حلوقهم ودحضاً لأقدامهم ونقضاً لإبرامهم، ومثل القحط الذي حصل لهم والسرايا التي لقيتموها فيها مثل سرية حمزة أسد الله وأسد رسوله، وعبيدة بن الحارث وعبيد الله بن جحش التي كانت مقدمة لغزوة بدر. ولما كان بعضهم يبصر هذا مثل عتبة بن ربيعة والوليد بن مغيرة والنضر بن الحارث ويقولون: والله ما هو شاعر ولا كاهن ولا ساحر ولا مجنون، وليكونن لقوله الذي يقول نبأ، قال: {ولكن أكثرهم} بسبب ما يرون من كثرتهم وحسن حالهم في الدنيا وقوتهم {لا يعلمون *} أي يتجدد لهم علم بتقويتكم عليهم لأنهم لا علم لهم أصلاً حتى يروا ذلك معاينة. ولما كان العلم المحيط من الملك القاهر أعظم مسل للولي وأكبر مخيف للعدو، قال عاطفاً على {فذرهم} أو على ما تقديره: فكن أنت العلماء بذلك ليكون فيه لك أعظم تسلية: {واصبر} أي أوجد هذه الحقيقة لتصبر على ما أنت فيه من أداء الرسالة وما لها من الكلف من أذى الناس وغيره ولكونه في مقام الإعراض عن الكفار وكون إعراضه عنهم أصعب عليه من مقاساة إنذاره وإن نشأ عنها تكذيبهم واستهزاؤهم، اشتدت العناية هنا بالصبر فقدم، وأيضاً فإن الإعراض عنهم مقتض لعدهم فانين، وذلك هو مقام الجمع، والجمع لا يصلح إلا بالفرق، فلذلك قدم الأمر بالصبر، وذكر الحكم إشارة إلى أنه متمكن في مقام الفرق كما أنه عريق في مقام الجمع بخلاف المدثر، فإن سياقها للإنذار الناشىء عنه غاية الأذى فاشتدت العناية هناك بتقديم ذكر الإله نظراً إلى الفناء عن الفانين وإن كان مباشراً لدعائهم، وعبر بما يذكر بحسن التربية زيادة في التعزية فاقتضى هذا السياق أن رغبه سبحانه بقوله: {لحكم ربك} أي المحسن إليك فإنه هو المريد لذلك ولو لم يرده لم يكن شيء منه، فهو إحسان منه إليك وتدريب لك وترقية في معارج الحكم، وسبب عن ذلك قوله لما يغلب على الطبع البشري في بعض أوقات الامتحان من نوع نسيان: {فإنك بأعيننا} جمع لما اقتضته نون العظمة التي هذا سياقها، وهي ظاهرة في الجمع وإشارة إلى أنه محفوف بالجنود الذين رؤيتهم من رؤيته سبحانه فهو مكلوء مرعى به وبجنوده وفاعل في حفظه فعل من له أعين محيطة بمحفظه من كل جهة من جهاته. ولما كانت الطاعة أعظم ناصر وأكبر معز، وكانت الصلاة أعظمها قال: {وسبح} أي أوقع التنزيه عن شائبة كل نقص بالقلب واللسان والأركان، متلبساً {بحمد ربك} أي المحسن إليك، فأثبت له كل كمال مع تنزيهه له عن كل نقص، فلا يكون في ملكه ما لا يريد ولا يريد إلا ما هو حكمة بالغة {حين تقوم *} أي من الليل في جميع الأوقات التي هي مظنة القيام على الأمور الدنيوية والأشغال النفسانية، وهي أوقات النهار الذي هو للانتشار بصلاة الصبح والظهر والعصر، وتحتمل العبارة التسبيح عند كل قيام بكفارة المجلس وهو "سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله أنت أستغفرك وأتوب إليك" فإنها تكفر ما كان في المجلس - كما رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح غريب والنسائي وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم {ومن الليل} الذي هو محل السكون والراحة {فسبحه} كذلك بالنية والقول كلما انتبهت وبالفعل بصلاة المغرب والعشاء وصلاة الليل، ولتعظيمه صرح بذلك وقدمه على الفعل، والضمير يعود على المضاف إليه، وأشار إلى التهجد بعد دخوله فيما قبله بقوله: {وإدبار النجوم *} أي وسبحه في وقت إدبارهم أي إذا أدبرت، وذلك من آخر الليل في نصفه الثاني: وكلما قارب الفجر كان أعلى وبالإجابة أولى، وإلى قرب الفجر تشير قراءة الفتح جمع دابر أي في أعقابها عند خفائها أو أفولها، وذلك بصلاة الفجر سنة وفرضاً أحق وأولى لأنه وقت إدبارها حقيقة، فصارت عبادة الصبح محثوثاً عليها مرتين تشريفاً لها وتعظيماً لقدرها فإن ذلك ينجي من العذاب الواقع، وينصر على العدو الدارع، من المجاهر المدافع، والمنافق المخادع، وقد رجع آخرها على أولها، ومقطعها على موصلها، بحلول العذاب على الظالم، وبعده عن الطائع السالم - والله الموفق.
القشيري
تفسير : أي إِنْ رأوْا قطعةً من السماء ساقطةً عليهم قالوا: إنه سحابٌ مركوم رُكم بعضه عَلَى بعض والمقصود أنهم مهما رَأَوْا من الآيات لا يُؤمِنون. ولو فتحنا عليهم باباً من السماء حتى شاهدوا بالعين لقالوا: إنما سُكرَتْ أبصارنا، وليس هذا عياناً ولا مشاهدةً.
اسماعيل حقي
تفسير : {وان يروا كسفا} اى قطعة {من السماء ساقطا} عليهم لتعذيبهم وفى عين المعانى قطعة من العذاب او من السماء او جانبا منها من الكسف وهو التغطية كالكسوف وفى القاموس الكسفة بالكسر القطعة من الشىء والجمع كسف وكسف وفى المختار وقيل الكسف والكسفة واحد {يقولوا} من فرط طغيانهم وعنادهم {سحاب مركوم} غليظ ومتراكم اى هم فى طغيان بحيث لو اسقطناه عليهم حسبما قالوا او تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا لقالوا هذا سحاب تراكم اى القى بعضها على بعض يمطرنا ولم يصدقوا انه كسف ساقط للعذاب وفى التأويلات النجمية يعنى انهم وان يروا كل آية لايؤمنوا بها كما قال تعالى {أية : ولو فتحنا عليهم بابا من السماء}تفسير : حتى شاهدوا بالعين لقالوا انما سكرت ابصارنا وليس هذا عيانا ومشاهدة
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وإِن يَرَوا كِسْفاً} قطعة {من السماء ساقطاً} عليهم لتعذيبهم، {يقولوا} من فرط طغيانهم وعنادهم: هذا {سَحَابٌ مركومٌ} أي: تَرَاكَم بعضها على بعض لمطرنا، ولم يُصدقوا أنه ساقط عليهم لعذابهم، يعني: أنهم بلغوا في الطغيان بحث لو أسقطناه عليهم حسبنا قالوا:{أية : أَوْ تُسْقِطَ السَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً}تفسير : [الإسراء: 92] لعاندوا وقالوا سحاب مركوم. {فذرهم حتى يُلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون}، وهو اليوم الذي صُعقوا فيه بالتقل يوم بدر، لا عند النفخة الأولى، كما قيل؛ إذ لا يصعق بها إلا مَن كان حيّاً حينئذ. وقرأ عاصم والشامي بضم الياء، يقال: صعقه، فصُعق، أو: من أصعقه. {يوم لا يُغني عنهم كيدُهم شيئاً} من الإغناء، بدل من "يومهم" ولا يخفى أن التعرُّض لبيان عدم نفع كيدهم يستدعي استعمالهم له في الانتفاع به، وليس ذلك إلا ما دبّروه في أمره صلى الله عليه وسلم من الكيد يوم بدر، من مناشبتهم القتال، وقصد قتله خفية، وليس يجري في نفخة الصعق شيء من الكيد والحيل، فلا يليق حمله عليه. {ولا هم يُنصرون} من جهة الغير في دفع العذاب عنهم. {وإِنَّ للذين ظلموا} أي: لهم، ووضع الموصول موضع الضمير تسجيلاً عليهم بالظلم، أي: وإنَّ لهؤلاء الظلمة {عذاباً} آخر {دون ذلك} دون ما لاقوه من القتل، أي: قبله، وهو القحط الذي أصابهم، حتى أكلوا الجلود الميتة. أو: وإنَّ لهم عذاباً دون ذلك، أي: وراءه، وهو عذاب القبر وما بعده من فنون عذاب الآخرة. {ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون} أن الأمر كما ذكر، وفيه إشارة إلى أن فيهم مَن يعلم ذلك، وإنما يصر على ذلك عناداً: أو لا يعلمون شيئاً أصلاً؛ إذ هم جاهلية جهلاء. الإشارة: أهل الحسد والعناد لا ينفعهم ما يرونه من المعجزات والكرامات، أو الحسد يُغطي نور البصيرة، فذرهم في غفلتهم وحيرتهم، وكثافة حجابهم، حتى يُصعقوا بالموت؛ فيعرفون الحق، حين لا تنفع المعرفة فيقع الندم والتحسُّر، وإنَّ لهم عذاباً دون ذلك، وهو عيشهم في الدنيا عيش ضنك في هَم وغم وجزع وهلع، ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون ذلك؛ لأنهم لا يرون إلا مَن هو مثلهم. ومَن توسعت دائرة معرفته، فعاش في روح وريحان، فهو غائب عنهم، لا يعرفون مقامه، ولا منزلته. ثم أمر بالصبر، الذي هو عنوان الظفر بكل مطلوب، فقال: {وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ}.
الجنابذي
تفسير : {وَإِن يَرَوْاْ} والحال انّهم ليسوا فى شيءٍ على حالة اليقين فانّهم ان يروا {كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً} مع انّه من المشهودات الّتى هى ثوانى البديهيّات ينكروا و {يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ} فاذا كان الامر هكذا.
اطفيش
تفسير : {وَإن يَرَوْاْ كِسْفاً} قطعة {مِّنَ الْسَّمَآءِ سَاقِطاً} عليهم تعذيبا لهم كما قالوا: ما سقط علينا كسفا من السماء، يقولون لشدة طغيانهم وعنادهم هذا. {سَحَابٌ مَّرْكُومٌ} متراكب يرتوي به ولا يؤمنوا.
اطفيش
تفسير : {وإنْ يَروا كِسْفاً مِن السماءِ} قطعة عظيمة من جهة السماء، أو هى بعض السماء، ومن للابتداء فى الوجهين، أو فى الثانى للتبعيض متعلق بما بعد أو نعت لكسفا على أنها للتبعيض والتعظيم، جاء من التنكير لا من مادة ك س ف، فإنها للقطعة الكبيرة ولغيرها، ويدل للثانى قوله تعالى: "أية : أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً"تفسير : [الإسراء: 92] {ساقطاً} عد للسقوط عليهم وتعذيبهم به، وقيل لهم: انه يسقط عليكم لكفركم {يقُولوا سَحابٌ مركُومٌ} هو سحاب مركب بعض على بعض من الماء ليس لتعذيبنا، أو المعنى ان رأوا كسفا وسقط عليهم وعذبوا به، يقولوا قبل موتهم: هو سحاب مركوم أصابنا، لا لتكذيبنا لفرط عنادهم، وفى الآية الأخرى "أية : أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً" تفسير : [الإسراء: 92] أى قطعا تقطع من نفس السماء، أو قطعا من السحاب.
الالوسي
تفسير : {وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً } قطعة فهو مفرد وقد قرىء في جميع القرآن كسفاً وكسفاً جمعاً وإفراداً إلا هنا فإنه على الإفراد وحده، وتنوينه للتفخيم أي وإن يروا كسفاً عظيما {مّنَ ٱلسَّمَاء سَـٰقِطاً } لتعذيبهم {يَقُولُواْ } من فرط طغيانهم وعنادهم {سَحَابٌ } أي هو سحاب {مَّرْكُومٌ } متراكم ملقى بعضه على بعض أي هم في الطغيان بحيث لو أسقطناه عليهم حسبما قالوا، أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً لقالوا هو سحاب متراكم يمطرنا ولم يصدقوا أنه كسف ساقط لعذابهم.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : أم يقولون شاعر}تفسير : [الطور: 30] وما بعدها من الجمل الحالية لأقوالهم بمناسبة اشتراك معانيها مع ما في هذه الجملة في تصوير بهتانهم ومكابرتهم الدالة على أنهم أهل البهتان فلو أُرُوا كسفاً ساقطاً من السماء وقيل لهم: هذا كسف نازل كابروا وقالوا هو سحاب مركوم. فيجوز أن يكون {كِسْفاً} تلويحاً إلى ما حكاه الله عنهم في سورة الإِسراء (90) {أية : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً} تفسير : إلى قوله: {أية : أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً}. تفسير : في سورة الإِسراء (92) وظاهر ما حكاه الطبري عن ابن زيد أن هذه الآية نزلت بسبب قولهم ذلك، وإذ قد كان الكلام على سبيل الغرض فلا توقف على ذلك. والمعنى: إن يروا كسفاً من السماء مما سألوا أن يكون آية على صدقك لا يذعنوا ولا يؤمنوا ولا يتركوا البهتان بل يقولوا: هذا سحاب، وهذا المعنى مروي عن قتادة. وهو من قبيل قوله تعالى: {أية : ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلُّوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون}تفسير : [الحجر: 14، 15]. والكِسف بكسر الكاف: القطعة، ويقال: كسفة. وقد تقدم في سورة الإِسراء. و{من السماء} صفة لــــ {كسفاً}، و{من} تبعيضية، أي قطعة من أجزاء السماء مثل القطع التي تسقط من الشهب. والمركوم: المجموع بعضه فوق بعض يقال: ركمه ركماً، وهو السحاب الممطر قال تعالى: {أية : ثم يجعله ركاماً}تفسير : [النور: 43]. والمعنى: أن يقع ذلك في المستقبل يقولوا سحاب، وهذا لا يتقضي أنه يقع لأن أداة الشرط إنما تقتضي تعليق وقوع جوابها على وقوع فعلها لو وقع. ووقع {سحاب مركوم} خبراً عن مبتدأ محذوف، وتقديره: هو سحاب وهذا سحاب. والمقصود: أنهم يقولون ذلك عناداً مع تحققهم أنه ليس سحاباً. ولِكَوْنِ المقصود أن العناد شيمتهم فرع عليه أن أمر الله رسول صلى الله عليه وسلم بأن يتركهم، أي يترك عرض الآيات عليهم، أي أن لا يسأل الله إظهار ما اقترحوه من الآيات لأنهم لا يقترحون ذلك طلباً للحجة ولكنهم يكابرون، قال تعالى: {أية : إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يرَوُا العذاب الأليم}تفسير : [يونس: 96، 97]. وليس المراد ترك دعوتهم وعرض القرآن عليهم. ويجوز أن يكون الأمر في قوله: {فذرهم} مستعملاً في تهديدهم لأنهم يسمعونه حين يقرأُ عليهم القرآن كما يقال للذي لا يرعوي عن غيه: دعه فإنه لا يقلع. وأفادت الغاية أنه يتركهم إلى الأبد لأنهم بعد أن يصعقوا لا تُعاد محاجتهم بالأدلة والآيات. وقرأ الجمهور {يلاقوا}. وقرأه أبو جعفر {يَلْقوا} بدون ألف بعد اللام. و «اليوم الذي فيه يصعقون» هو يوم البعث الذي يصعق عنده من في السماوات ومن في الأرض. وإضافة اليوم إلى ضميرهم لأنهم اشتهروا بإنكاره وعرفوا بالذين لا يؤمنون بالآخرة. وهذا نظير النسب في قول أهل أصول الدين: فلان قدري، يريدون أنه لا يؤمن بالقدر. فالمعنى بنسبته إلى القدر أنه يخوض في شأنه، أو لأنه اليوم الذي أوعدوه، فالإِضافة لأدنى ملابسة. ونظيره قوله تعالى: {أية : وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون}تفسير : [الأنبياء: 103]. والصعق: الإِغماء من خوف أو هلع قال تعالى: {أية : وخر موسى صعقاً}تفسير : [الأعراف: 143]، وأصله مشتق من الصاعقة لأن المصاب بها يُغمى عليه أو يموت، يقال: صَعِق، بفتح فكسر، وصُعِق بضم وكسر. وقرأه الجمهور {يصعَقون} بفتح المثناة التحتية، وقرأه ابن عامر وعاصم بضم المثناة. وذلك هو يوم الحشر قال تعالى: {أية : ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللَّه}تفسير : [الزمر: 68]، وملاقاتهم لليوم مستعارة لوقوعه، شُبه اليوم وهو الزمان بشخص غائب على طريقة المكنية وإثباتُ الملاقاة إليه تخييل. والملاقاة مستعارة أيضاً للحلول فيه، والإتيان بالموصول للتنبيه على خطئهم في إنكاره. و{يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئاً} بدل من {أية : يومهم}تفسير : [الطور: 45] وفتحته فتحة إعراب لأنه أضيف إلى مُعرب. والإِغناء: جعل الغير غنياً، أي غير محتاج إلى ما تقوم به حاجياته، وإذا قيل: أغنى عنه. كان معناه: أنه قام مقامه في دفع حاجة كان حقه أن يقوم بها، ويتوسع فيه بحذف مفعوله لظهوره من المقام. والمراد هنا لا يغني عنهم شيئاً عن العذاب المفهوم من إضافة {يوم} إلى ضميرهم ومن الصلة في قوله: {الذي فيه يصعقون}. و{كيدهم} من إضافة المصدر إلى فاعله، أي ما يكيدون به وهو المشار إليه بقوله: {أية : أم يريدون كيداً}تفسير : [الطور: 42]، أي لا يستطيعون كيداً يومئذٍ كما كانوا في الدنيا. فالمعنى: لا كيد لهم فيغني عنهم على طريقة قول امرىء القيس:شعر : على لاَحِبٍ لا يُهتدَى بمناره تفسير : أي لا منار له فيهتدي به. وهذا ينفي عنهم التخلص بوسائل من فعلهم، وعطف عليه {ولا هم ينصرون} لنفي أن يتخلصوا من العذاب بفعل من يخلصهم وينصرهم فانتفى نوعا الوسائل المنجية.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى {أية : وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ}تفسير : [الأنعام: 7] الآية، وفي غير ذلك من المواضع.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وإن يروا كسفا من السماء ساقطا: أي وإن يَرَ هؤلاء المشركون قطعة من السماء تسقط عليهم. يقولوا سحاب مركوم: أي يقولوا في القطعة سحاب متراكم يمطرنا ولا يؤمنوا. فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون: أي فاتركهم إذاً يجاحدون ويعاندون حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون وهو يوم موتهم. يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون: أي اتركهم إلى ما ينتظرهم من العذاب ما داموا مصرين على الكفر وذلك يوم لا يغني عنهم مكرهم بك شيئاً من الإِغناء. وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك: أي وإن لهؤلاء المشركين الظلمة عذاباً في الدنيا دون عذاب يوم القيامة وهو عذاب القحط سبع سنين وعذاب القتل في بدر. ولكن أكثرهم لا يعلمون: أي أن العذاب نازل بهم في الدنيا قبل يوم القيامة. واصبر لحكم ربك: أي بإمهالهم ولا يضق صدرك بكفرهم وعنادهم وعدم تعجيل العذاب لهم. فإنك بأعيننا: أي بمرأىً منا نراك ونحفظك من كيدهم لك ومكرهم بك. وسبح بحمد ربك حين تقوم: أي واستعن على الصبر بالتسبيح الذي هو الصلوات الخمس والذكر بعدها والضراعة والدعاء صباح مساء. معنى الآيات: يذكر تعالى من عناد المشركين أنهم لو رأوا العذاب نازلاً من السماء في صورة قطعة كبيرة من السماء ككوكب مثلا لما أذعنوا ولا آمنوا بل قالوا في ذلك العذاب سحاب مركوم الآن يسقى ديارنا فنرتوي وترتوي أراضينا وبهائمنا. إذاً فلما كان الأمر هكذا فذرهم يا رسولنا في عنادهم وكفرهم حتى يلاقوا وجهاً لوجه يومهم الذي فيه يصعقون أي يموتون يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون. فيذهب كيدهم ولا يجدون له أي أثر بحيث لا يغني عنهم أدنى إغناء من العذاب النازل بهم ولا يجدون من ينصرهم، وذلك يوم القيامة. وقوله تعالى: {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي أنفسهم أي بالكفر والتكذيب والشرك والمعاصي عذاباً دون ذلك المذكور من عذاب يوم القيامة وهو ما أصابهم به من سِنِي القحط والمجاعة وما أنزله بهم من هزيمة في بدر حيث قتل صناديدهم وذلوا وأهينوا ولكن أكثرهم لا يعلمون ذلك، ولو علموا لما أصروا على العناد والكفر. وقوله تعالى: {وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} وقضائه بتأخير العذاب عن هؤلاء المشركين، ولا تخف ولا تحزن فإنك بأعيننا أي بمرأىً منا نراك ونحفظك، وجمع لفظ العين. على أعين مراعاة لنون العظمة وهو المضاف إليه "بأعيننا". وقوله {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} أي قل سبحان الله وبحمده حين تقوم من نومك ومن مجلسك ومن الليل أيضاً فسبحه بصلاة المغرب والعشاء والتهجد وكذا إدبار النجوم أي بعد طلوع الفجر فسبح بصلاة الصبح وغيرها. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان عناد كفار قريش ومكابرتهم في الحق ومجاحدتهم فيه. 2- تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وهي للدعاة بعده أيضا. 3- تقرير وخامة عاقبة الظلم في الدنيا قبل الآخرة. 4- وجوب الصبر على قضاء الرب وعدم الجزع. 5- مشروعية التسبيح عند القيام من النوم بنحو: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يُحيى ويُميت وهو على كل شيء قدير والحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني وإليه النشور.
د. أسعد حومد
تفسير : (44) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالى في هذِه الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنْ عِنَادِ المُشْرِكِينَ وَمُكَابَرَتِهِمْ لِلْمَحْسُوسِ، فَيَقُولُ تَعَالى: إِنَّهم لَوْ رَأَوا بَعْضَ مَا سَألُوا مِنَ الآيَاتِ فَعَاينُوا السَّماءَ تَسْقُطُ قِطعاً عَلَيهِمْ، كَمَا طَلَبُوا، لَكَذَّبُوا ذلكَ، وَلَقَالُوا إِنَّهُ سَحَابٌ تَرَاكَمَ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ. كِسْفاً - قِطَعاً عَظِيمَةً. مَرْكُومٌ - مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ وَأَنَّهُ سَيُمْطِرُهُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {كِسْفاً ..} [الطور: 44] جمع كسفة، وهي القطعة العظيمة من السحاب، ومعنى {مَّرْكُومٌ} [الطور: 44] يعني: مجموع بعضه فوق بعض، كما قال تعالى في موضع آخر: {أية : ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ ..}تفسير : [النور: 43]. انظر كيف تخدعهم الظواهر الكونية، حيث يظنونها نعمة فإذا بها نقمة وعذاب، فحينما يروْنَ قطع السحاب تمرّ بهم يظنون أنها تحمل المطر والخير، فإذا بها تسقط عليهم عذاباً. وهذا المعنى واضح في قوله سبحانه: {أية : فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ..}تفسير : [الأحقاف: 24] أي: سحاب يسقينا {أية : بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ ..}تفسير : [الأحقاف: 24-25]. وهذا يقول الحق سبحانه: {فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً} معناه قِطعٌ واحدُها كِسفةٌ. وقوله تعالى: {سَحَابٌ مَّرْكُومٌ} معناه قَدْ جُعلَ بَعضُهُ على بَعضٍ. وقوله تعالى: {أية : فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ} تفسير : [الزخرف: 83] معناه يُكذبُوا.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ} [الطور: 44] من غباوتهم وسفههم إنه {سَحَابٌ مَّرْكُومٌ} [الطور: 44]؛ يعني: أنهم وإن رأوا كل آية لا يؤمنون، كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ} تفسير : [الحجر: 14]، حتى شاهدوا باليقين {لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا} [الحجر: 15]، وليس هذا عياناً ولا مشاهدة {فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ} [الطور: 45]؛ أي: فأعرض عنهم حتى يلاقوا يومهم الذي يتجلى لهم الحق، فيصعقون عن أنانيتهم كما صعق موسى إذ تجلى ربه للجبل {يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً} [الطور: 46]؛ لأنه من صفات النفس، وقد ماتت النفس عن صفاتها بصعقة التجلي، {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} [الطور: 46]، بشيء من الأوصاف البشرية. {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} [الطور: 47] أنفسهم بإفساد الاستعداد الأصلي في قابلية الفيض الإلهي، {عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ} [الطور: 47]؛ أي: من صفات القهر دون صفات اللطف، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الطور: 47]، اللطف من القهر ولا القهر من اللطف. ثم أخبر عن الصبر أنه دافع للقهر بقوله تعالى: {وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} [الطور: 48]؛ أي: فاصبر لما حكم به لك في الأزل؛ فإنه لا يتغير حكمنا الأزلي إن صبرت وإن لم تصبر، ولكن إن صبرت على قضائه؛ فقد جزيت ثواب الصابرين بغير حساب. وفيه إشارة أخرى فاصبر لحكم ربك، {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور: 48] نعينك على الصبر لأحكامنا الأزلية، كما قال تعالى: {أية : وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ}تفسير : [النحل: 127]، {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ} [الطور: 48-49]، به يشير إلى مداومته على الذكر وملازمته بالليل والنهار. تفسير عين الحياة. {وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً} [: الطور: 44]؛ أي: عذاباً من سماء الصدر، نازلاً عن القوى الروحية المنوطة في النفس والقالب، يقولون قبل أن يصل إليهم أنهم {يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ} [الطور: 44] بعضه ببعض؛ لتسقينا من مطر الرحمة. {فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ} [الطور: 45]؛ يعني: اتركهم حتى يلاقوا، ويعاينوا يوم كشف الغطاء العذاب الواصل إليهم بعين العيان، ويصعقون من هيبة العذاب ولا صراخ لهم {يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} [الطور: 46]؛ لأنهم ضيعوا الاستعدادات التي أعطيناهم من الآلات والأدوات الجسمانية والروحانية عارية؛ ليكتسبوا بها في دار الكسب النعيم الأخروي الباقي، واستعملوها في تحصيل نعيمهم الدنيوي الفاني، وحصلوا بتلك الآلات والأوقات والإنكار والأغلال والعذاب الأليم الدائم، فليس لهم صريخ، ولا نصير. {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} [الطور: 47]؛ أي: القوى التي ظلمت على اللطيفة الخفيفة، يمنعها عنها حقها من الحظوظ النفسانية المزكاة، {عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ} [الطور: 47]، وهو عذاب يحصل لهم من عملهم بأن اللطيفة كانت معهم في جميع الأحوال، رقيبة لهم مطلعة عليهم، وهم قصروا في خدمتها وكادوا بها كيداً عظيماً، وظلموا عليها بمنع الخلق الحظي عنها، وهذا من أشد العذاب، وفي دار المقام للقوى الظالمة الكافرة الباقية العارفة بما ضيعت وقصرت، ولا سبيل لها إلى الرجوع للتدارك، ولا تنسى أبد الدهر تقصيرها. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الطور: 47]؛ يعني: لا يعلم أكثر الخلق اليوم ما يدخر لهم من مكتسباتهم غداً في دار المقامة؛ لكثافة حجب جهلهم بأجر الآخرة، وقصور نظرهم عن اللذات الآجلة، مقصورة همتهم على الشهوة العاجلة، وغلظ أستار ظلمهم من ظلام وجودهم. {وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} [الطور: 48] يا صاحب اللطيفة الخفية، {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور: 48]؛ أي: بحفظنا [وأمننا] وأنت عزيز عندنا، {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} [الطور: 48]؛ أي: نزهه عن الشريك وتيقن أن تنزيهك وتسبيحك له من توفيقه، واحمده حمد العاجز عن أداء حق حمده؛ ليكون هذا العجز منك محموداً عند ربك {حِينَ تَقُومُ} [الطور: 48]، مقام العبودية على عتبة العبدية. {وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ} [الطور: 49]، يعني: فسبحه عند نزول السكينة عليك؛ ليدخلك في دار الحرية ويجلسك على سرير الكرامة، {وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ} [الطور: 49]؛ أي: إدبار نجوم اللطائف عند ظهور نجم اللطيفة الخفية، وأيضاً وقت هلاك النجوم عند ظهور قوى شمس الوجه، كما بقوله تعالى: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}تفسير : [القصص: 88]. فينبغي أن يسبح السالك له عند ظهور نور الوجه بلسانه، ويتحرز عن إثبات وجود غير وجوده؛ لأنه شرك مطلق في ذلك المقام، وبدوّ نجوم القوى الروحانية أيضاً دليل قاطع على طلوع شمس الوجه على سبيل الجذبة والسر، الذي به صارت اللطائف القالبية والنفسية والقلبية والسرية والروحية والخفية محلاً للقسم. وذكر البحر المسجور بعد ذكر اللطائف القالبية والقلبية والسرية والروحية والخفية في القسم الملكوتي والسر، الذي سلك القلب في سلك السر في القسم، وإن القسم بقاف القلب مدرج في قاف والقرآن، و الخصوصية التي بها ما أقسم بين قسمه باللطائف الخمسة، باللطيفة القلبية والخفية، وأقسم منهما منفرداً في سورة قاف والنجم، وسورة النجم مكية وهي اثنا وثلاثون آية من حدود القرآن، ولا يمكن لأحد أن يفسر حد القرآن برأيه الملكوتي؛ لأنه يتعلق بأسرار عالم الجبروت، ومطلع القرآن يتعلق بأسرار عالم اللاهوت، فأما بطن القرآن من أسرار عالم الملكوت، والذي أشرت إليه في تفسير هذه السورة كان من بطن القرين مما ينبغي للسالك أن يعرفه؛ ليمكن له السلوك ويصح له التوجه إلى مالك الملوك، فالواجب على مفسر ظاهر القرآن ألاَّ يفسر إلا بالسماع، وعلى المحقق ألاَّ يفسر البطن إلا بإلهام، وعلى الموحد ألاَّ يفسر الحد إلا بإذن، وعلى المطلع على سر الذات أن يصير ألكن، وأبكم في مطلع القرآن؛ ليكون هو المبين، والله المستعان وعليه التكلان.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى في [ذكر] بيان أن المشركين المكذبين بالحق الواضح، قد عتوا [عن الحق] وعسوا على الباطل، وأنه لو قام على الحق كل دليل لما اتبعوه، ولخالفوه وعاندوه، { وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا } أي: لو سقط عليهم من السماء من الآيات الباهرة كسف أي: قطع كبار من العذاب { يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ } أي: هذا سحاب متراكم على العادة أي: فلا يبالون بما رأوا من الآيات ولا يعتبرون بها، وهؤلاء لا دواء لهم إلا العذاب والنكال، ولهذا قال: { فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ } وهو يوم القيامة الذي يصيبهم [فيه] من العذاب والنكال، ما لا يقادر قدره، ولا يوصف أمره. { يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا } أي: لا قليلا ولا كثيرا، وإن كان في الدنيا قد يوجد منهم كيد يعيشون به زمنا قليلا فيوم القيامة يضمحل كيدهم، وتبطل مساعيهم، ولا ينتصرون من عذاب الله { وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):