٥٣ - ٱلنَّجْم
53 - An-Najm (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : وقبل الشروع في التفسير نقدم مسائل ثم نتفرغ للتفسير وإن لم تكن منه: المسألة الأولى: أول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها لفظاً ومعنى، أما اللفظ فلأن ختم الطور بالنجم، وافتتاح هذه بالنجم مع واو القسم، وأما المعنى فنقول: الله تعالى لما قال لنبيّه صلى الله عليه وسلم {أية : ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم} تفسير : [الطور: 49] بيّن له أنه جزأه في أجزاء مكايدة النبي صلى الله عليه وسلم، بالنجم وبعده فقال: {أية : مَا ضَلَّ صَـٰحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ } تفسير : [النجم: 2]. المسألة الثانية: السورة التي تقدمت وافتتاحها بالقسم بالأسماء دون الحروف وهي الصافات والذاريات، والطور، وهذه السورة بعدها بالأولى فيها القسم لإثبات الوحدانية كما قال تعالى: {أية : إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ } تفسير : [الصافات: 4] وفي الثانية لوقوع الحشر والجزاء كما قال تعالى: {أية : إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَـٰدِقٌ * وَإِنَّ ٱلدّينَ لَوَاقِعٌ } تفسير : [الذاريات: 5، 6] وفي الثالثة لدوام العذاب بعد وقوعه كما قال تعالى: {أية : إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ لَوَاقِعٌ * مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ } تفسير : [الطور: 7، 8]. وفي هذه السورة لنبوة النبي صلى الله عليه وسلم لتكمل الأصول الثلاثة: الوحدانية، والحشر، والنبوة. المسألة الثالثة: لم يقسم الله على الوحدانية ولا على النبوة كثيراً، أما على الوحدانية فلأنه أقسم بأمر واحد في سورة الصافات، وأما على النبوة فلأنه أقسم بأمر واحد في هذه السورة وبأمرين في سورة الضحى وأكثر من القسم على الحشر وما يتعلق به فإن قوله تعالى: {أية : وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ } تفسير : [الليل: 1] وقوله تعالى: {أية : وَٱلشَّمْسِ وَضُحَـٰهَا } تفسير : [الشمس: 1] وقوله تعالى: {أية : وَٱلسَّمَاء ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ } تفسير : [البروج: 1] إلى غير ذلك، كلها فيها الحشر أو ما يتعلق به، وذلك لأن دلائل الوحدانية كثيرة كلها عقلية كما قيل:شعر : وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد تفسير : ودلائل النبوة أيضاً كثيرة وهي المعجزات المشهورة والمتواترة، وأما الحشر فإمكانه يثبت بالعقل، وأما وقوعه فلا يمكن إثباته إلا بالسمع فأكثر القسم ليقطع به المكلف ويعتقده اعتقاداً جازماً، وأما التفسير ففيه مسائل: الأولى: الواو للقسم بالنجم أو برب النجم ففيه خلاف قدمناه، والأظهر أنه قسم بالنجم يقال ليس للقسم في الأصل حرف أصلاً لكن الباء والواو استعملنا فيه لمعنى عارض، وذلك لأن الباء في أصل القسم هي الباء التي للإلصاق والاستعانة فكما يقول القائل: استعنت بالله، يقول: أقسمت بالله، وكما يقول: أقوم بعون الله على العدو، يقول: أقسم بحق الله فالباء فيهما بمعنى كما تقول: كتب بالقلم، فالباء في الحقيقة ليست للقسم غير أن القسم كثر في الكلام فاستغنى عن ذكره وغيره لم يكثر فلم يستغن عنه، فإذا قال القائل: بحق زيد فهم منه القسم لأن المراد لو كان هو مثل قوله: ادخل زيد، أو اذهب بحق زيد، أو لم يقسم بحق زيد لذكر كما ذكر في هذه الأشياء لعدم الاستغناء فلما لم يذكر شيء علم أن الحذف للشهرة والاستغناء، وذلك ليس في غير القسم فعلم أن المحذوف فعل القسم، فكأنه قال: أقسم بحق زيد، فالباء في الأصل ليس للقسم لكن لما عرض ما ذكرنا من الكثرة والاشتهار قيل الباء للقسم، ثم إن المتكلم نظر فيه فقال هذا لا يخلو عن التباس فإني إذا قلت بالله توقف السامع فإن سمع بعده فعلاً غير القسم كقوله: بالله استعنت وبالله قدرت وبالله مشيت وأخذت، لا يحمله على القسم، وإن لم يسمع حمله على القسم إن لم يتوهم وجود فعل ما ذكرته ولم يسمعه، أما إن توهم أني ذكرت مع قولي بالله شيئاً آخر وما سمعه هو أيضاً يتوقف فيه ففي الفهم توقف، فإذا أراد المتكلم الحكيم إذهاب ذلك مع الاختصار وترك ما استغنى عنه، وهو فعل القسم أبدل الباء بالتاء، وقال: تالله، فتكلم بها في كلمة الله لاشتهار كلمة الله والأمن من الالتباس فإن التاء في أوائل الكلمات قد تكون أصلية، وقد تكون للخطاب والتأنيث، فلو أقسم بحرف التاء بمن اسمه داعي أو راعي أو هادي أو عادي يقول تداعى أو تراعى أو تهادى أو تعادى فيلتبس، وكذلك فيمن اسمه رومان أو توران إذا قلت ترومان أو تتوران على أنك تقسم بالتاء تلتبس بتاء الخطاب والتأنيث في الاستقبال، فأبدلوها واواً لا يقال عليه إشكالان الأول: مع الواو لم يؤمن الالتباس، نقول ولى فتلتبس الواو الأصلية بالتي للقسم لأنا نقول ذلك لم يلزم فيما ذهبنا إليه، وإنما كان ذلك في الواو حيث يدل وينبىء عن العطف وإن لم يستعمل الواو للقسم، كيف وذلك في الباء التي هي كالأصل متحقق تقول برام في جمع برمة، وبهام في جمع بهمة، وبغال للبسية الباء الأصلية التي في البغال والبرام بالباء التي تلصقها بقولك مال ورأى فتقول بمال، وأما التاء لما استعملت للقسم لزم من ذلك الاستعمال الالتباس حيث لم يكن من قبل حرفاً من الأدوات كالباء والواو الإشكال الثاني: لم تركت مما لا التباس فيه كقولك: تالرحيم وتالعظيم؟ نقول: لما كانت كلمة الله تعالى في غاية الشهرة والظهور استعملت التاء فيها على خلاف الأصل، بمعنى لم يجز أن يقال عليها إلا ما يكون في شهرتها، وأما غيرها فربما يخفى عند البعض، فإن من يسمع الرحيم وسمع في الندرة تر بمعنى قطع ربما يقول ترحيم فعل وفاعل أو فعل ومفعول وإن كان ذلك في غاية البعد لكن الاستواء في الشهرة في المنقول منه والمنقول إليه لازم، ولا مشهور مثل كلمة الله، على أنا نقول لم قلت إن عند الأمن لا تستعمل ألا ترى أنه نقل عن العرب برب الكعبة والذي يؤيد ما ذكرنا أنت تقول أقسم بالله ولا تقول أقسم تالله لأن التاء فيه مخافة الالتباس عند حذف الفعل من القسم وعند الإتيان به لم يخف ذلك فلم يجز. المسألة الثانية: اللام في قوله تعالى: {وَٱلنَّجْمِ } لتعريف العهد في قول ولتعريف الجنس في قول، والأول قول من قال: {وَٱلنَّجْمِ } المراد منه الثريا، قال قائلهم:شعر : إن بدا النجم عشيا ابتغى الراعي كسياً تفسير : والثاني فيه وجوه أحدها: النجم هو نجم السماء التي هي ثابتة فيها للاهتداء وقيل لا بل النجم المنقضة فيها التي هي رجوم للشياطين ثانيها: نجوم الأرض وهي من النبات ما لا ساق له ثالثها: نجوم القرآن ولنذكر مناسبة كل وجه ونبيّن فيه المختار منها، أما على قولنا المراد الثريا فهو أظهر النجوم عند الرائي لأن له علامة لا يلتبس بغيره في السماء ويظهر لكل أحد والنبي صلى الله عليه وسلم تميز عن الكل بآيات بينات فأقسم به، ولأن الثريا إذا ظهرت من المشرق بالبكر حان إدراك الثمار، وإذا ظهرت بالعشاء أواخر الخريف نقل الأمراض والنبي صلى الله عليه وسلم لما ظهر قل الشك والأمراض القلبية وأدركت الثمار الحكمية والحلمية، وعلى قولنا المراد هي النجوم التي في السماء للاهتداء نقول النجوم بها الاهتداء في البراري فأقسم الله بها لما بينهما من المشابهة والمناسبة، وعلى قولنا المراد الرجوم من النجوم، فالنجوم تبعد الشياطين عن أهل السماء والأنبياء يبعدون الشياطين عن أهل الأرض، وعلى قولنا المراد القرآن فهو استدل بمعجزة النبي صلى الله عليه وسلم على صدقه وبراءته فهو كقوله تعالى: {أية : يس * وَٱلْقُرْءانِ ٱلْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } تفسير : [يۤس: 1 ـ 4] ما ضللت ولا غويت، وعلى قولنا النجم هو النبات، فنقول النبات به ثبات القوى الجسمانية وصلاحها والقوة العقلية أولى بالإصلاح، وذلك بالرسل وإيضاح السبل، ومن هذا يظهر أن المختار هو النجوم التي هي في السماء لأنها أظهر عند السامع وقوله {إِذَا هَوَىٰ } أدل عليه، ثم بعد ذلك القرآن أيضاً فيه ظهور ثم الثريا. المسألة الثالثة: القول في {وَٱلنَّجْمِ } كالقول في {وَٱلطُّورِ } حيث لم يقل والنجوم ولا الأطوار، وقال: {وَٱلذرِيَـٰتِ } {والمرسلات} وقد تقدم ذكره. المسألة الرابعة: ما الفائدة في تقييد القسم به بوقت هو به؟ نقول النجم إذا كان في وسط السماء يكون بعيداً عن الأرض لا يهتدي به الساري لأنه لا يعلم به المشرق من المغرب ولا الجنوب من الشمال، فإذا زال تبين بزواله جانب المغرب من المشرق والجنوب من الشمال كذلك النبي صلى الله عليه وسلم خفض جناحه للمؤمنين وكان على خلق عظيم كما قال تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ } تفسير : [القلم: 4] وكما قال تعالى: {أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } تفسير : [آل عمران: 159] إن قيل الاهتداء بالنجم إذا كان على أفق المشرق كالاهتداء به إذا كان على أفق المغرب فلم يبق ما ذكرت جواباً عن السؤال، نقول الاهتداء بالنجم وهو مائل إلى المغرب أكثر لأنه يهدي في الطريقين الدنيوي والديني، أما الدنيوي فلما ذكرنا، وأما الديني فكما قال الخليل {أية : لا أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ } تفسير : [الأنعام: 76] وفيه لطيفة، وهي أن الله لما أقسم بالنجم شرفه وعظمه، وكان من المشركين من يعبده فقرن بتعظيمه وصفاً يدل على أنه لم يبلغ درجة العبادة، فإنه هاوٍ آفل.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ} قال ٱبن عباس ومجاهد: معنى {وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ} والثُّرَيَّا إذَا سقطت مع الفجر؛ والعرب تسمي الثُّريَّا نجماً وإن كانت في العدد نجوماً؛ يقال: إنها سبعة أنجم، ستة منها ظاهرة وواحد خفيّ يَمتحِن الناس به أبصارهم. وفي «الشِّفا» للقاضي عياض: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يرى في الثُّريا أحد عشر نجماً. وعن مجاهد أيضاً أن المعنى والقرآن إذا نزل؛ لأنه كان ينزل نجوماً. وقاله الفرّاء. وعنه أيضاً: يعني نجوم السماء كلها حين تغرب. وهو قول الحسن قال: أقسم الله بالنجوم إذا غابت. وليس يمتنع أن يعبر عنها بلفظ واحد ومعناه جمْع؛ كقول الراعي:شعر : فَبَاتَتْ تَعُدُّ النَّجْمَ في مُسْتَحِيرةٍ سَرِيع بِأيدي الآكلِين جمُودُها تفسير : وقال عمر بن أبي ربيعة:شعر : أَحْسَنُ النَّجْمِ في السماءِ الثُّرَيَّا وَالثُّرَيَّا في الأرضِ زَيْنُ النِّساءِ تفسير : وقال الحسن أيضاً: المراد بالنجم النجوم إذا سقطت يوم القيامة. وقال السدّي: إن النجم ههنا الزُّهرَة لأن قوماً من العرب كانوا يعبدونها. وقيل: المراد به النجوم التي ترجم بها الشياطين؛ وسببه أن الله تعالى لما أراد بعث محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً كثر ٱنقضاض الكواكب قبل مولده، فذُعر أكثر العرب منها وفزعوا إلى كاهن كان لهم ضريراً، كان يخبرهم بالحوادث فسألوه عنها فقال: ٱنظروا البروج الاثني عشر فإن ٱنقضّ منها شيء فهو ذهاب الدنيا، فإن لم ينقضّ منها شيء فسيحدث في الدنيا أمر عظيم، فاستشعروا ذلك؛ فلما بُعِث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كان هو الأمر العظيم الذي ٱستشعروه، فأنزل الله تعالى: {وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ} أي ذلك النجم الذي هوى هو لهذه النبوّة التي حدثت. وقيل: النجم هنا هو النبت الذي ليس له ساق، وهَوَى أي سقط على الأرض. وقال جعفر بن محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم: «وَالنَّجْمِ» يعني محمداً صلى الله عليه وسلم «إِذَا هَوَى» إذا نزل من السماء ليلة المعراج. وعن عروة بن الزبير رضي الله عنهما: حديث : أن عُتبة بن أبي لهب وكان تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد الخروج إلى الشام فقال: لآتينّ محمداً فلأوذينّه، فأتاه فقال: يا محمد أنا كافر بالنجم إذا هوى، وبالذي دنا فتدلى. ثم تفل في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردّ عليه ٱبنته وطَلّقها؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«اللّهم سَلِّط عليه كلباً من كلابك» وكان أبو طالب حاضراً فوجم لها وقال: ما كان أغناك يا بن أخي عن هذه الدعوة، فرجع عتبة إلى أبيه فأخبره، ثم خرجوا إلى الشام، فنزلوا منزلاً، فأشرف عليهم راهب من الدير فقال لهم: إن هذه أرض مسبعة. فقال أبو لهب لأصحابه: أغيثونا يا معشر قريش هذه الليلة! فإني أخاف على ٱبني من دعوة محمد؛ فجمعوا جمالهم وأناخوها حولهم، وأحدقوا بعتبة، فجاء الأسد يتَشمَّم وجوههم حتى ضرب عُتْبة فقتلهتفسير : . وقال حسان:شعر : مَنْ يَرْجِعِ العام إِلى أَهْلِهِ فَمَا أَكِيلُ السَّبْع بالرَّاجِع تفسير : وأصل النَّجْم الطلوع؛ يقال: نَجَم السنُّ ونَجَم فلانٌ ببلاد كذا أي خرج على السلطان. والهُوِيّ النزول والسقوط؛ يقال: هَوَى يَهْوِي هُوِيّاً مثل مَضَى يَمْضِي مُضِيًّا؛ قال زهير:شعر : فَشَجَّ بِهَا الأماعِزَ وهْي تَهْوِي هُوِيَّ الدَّلْوِ أَسْلَمَها الرِّشَاءُ تفسير : وقال آخر:شعر : بَيْنَما نَحْنُ بالبَلاَكِثِ فالْقَا عِ سِرَاعاً والعِيسُ تَهْوِي هُوِيّاً خَطَرتْ خَطْرَةٌ على القَلْبِ مِن ذِكْـ ـرَاكِ وَهْناً فما ٱستطعْتُ مُضيًّا تفسير : الأصمعي: هَوَى بالفتح يَهْوِي هُوَيًّا أي سقط إلى أسفل. قال: وكذلك ٱنهوى في السير إذا مضى فيه، وهَوَى وٱنْهَوى فيه لغتان بمعنًى، وقد جمعهما الشاعر في قوله:شعر : وكَمْ مَنْزِلٍ لولايَ طِحْتَ كما هَوَى بأَجرامِهِ مِنْ قُلَّةِ النِّيقِ مَنْهَوِي تفسير : ويقال في الحُبّ: هَوِيَ بالكسر يَهْوَى هَوًى؛ أي أحبّ. قوله تعالى: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ} هذا جواب القسم؛ أي ما ضلّ محمد صلى الله عليه وسلم عن الحق وما حاد عنه. {وَمَا غَوَىٰ} الغيَّ ضد الرشد أي ما صار غاوياً. وقيل: أي ما تكلم بالباطل. وقيل: أي ما خاب مما طلب والغيّ الخيبة؛ قال الشاعر:شعر : فمن يَلْقَ خيراً يَحْمَدِ النَّاسُ أَمْرَهُ ومَنْ يَغْوَ لا يَعْدَمْ على الغَيِّ لائِمَا تفسير : أي مَن خاب في طلبه لامه الناس. ثم يجوز أن يكون هذا إخباراً عما بعد الوحي. ويجوز أن يكون إخباراً عن أحواله على التعميم؛ أي كان أبداً موحداً لله. وهو الصحيح على ما بيناه في «الشورى» عند قوله: {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ}. قوله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ. إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ}. فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ} قال قتادة: وما ينطق بالقرآن عن هواه {إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ} إليه. وقيل: «عَنِ الْهَوَى» أي بالهوى؛ قاله أبو عبيدة؛ كقوله تعالى: {أية : فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} تفسير : [الفرقان: 59] أي فٱسأل عنه. النحاس: قول قتادة أولى، وتكون «عن» على بابِها، أي ما يخرج نطقه عن رأيه، إنما هو بوحي من الله عز وجل؛ لأن بعده: {إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ}. الثانية: قد يحتج بهذه الآية من لا يجوّز لرسول الله صلى الله عليه وسلم الاجتهاد في الحوادث. وفيها أيضاً دلالة على أن السُّنة كالوحي المنزل في العمل. وقد تقدّم في مقدّمة الكتاب حديث المِقدام بن معدي كرب في ذلك والحمد لله. قال السجستاني: إن شئت أبدلت {إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ} مِن {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ} قال ٱبن الأنباري: وهذا غلط؛ لأن «إِنْ» الخفيفة لا تكون مبدلة من «ما» الدليل على هذا أنك لا تقول: والله ما قمت إِن أنا لقاعد. قوله تعالى: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ} يعني جبريل عليه السلام في قول سائر المفسرين؛ سوى الحسن فإنه قال: هو الله عز وجل، ويكون قوله تعالى: {ذُو مِرَّةٍ} على قول الحسن تمام الكلام، ومعناه ذو قوّة والقوة من صفات الله تعالى؛ وأصله من شدّة فتل الحبل، كأنه ٱستمر به الفتل حتى بلغ إلى غاية يصعب معها الحل. ثم قال: {فَٱسْتَوَىٰ} يعني الله عز وجل؛ أي ٱستوى على العرش. روي معناه عن الحسن. وقال الربيع بن أنس والفراء: {فَٱسْتَوَىٰ } {وَهُوَ بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ} أي ٱستوى جبريل ومحمد عليهما الصلاة والسلام. وهذا على العطف على المضمر المرفوع بـ «ـهو». وأكثر العرب إذا أرادوا العطف في مثل هذا الموضع أظهروا كناية المعطوف عليه؛ فيقولون: ٱستوى هو وفلان؛ وقلما يقولون ٱستوى وفلان؛ وأنشد الفرّاء:شعر : أَلَمْ تَرَ أَنّ النَّبْعَ يَصلُبُ عُودُهُ ولا يَسْتوِي والخِرْوَعُ المتقصِّفُ تفسير : أي لا يستوى هو والخِروع؛ ونظير هذا: {أية : أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ} تفسير : [النمل: 67] والمعنى أئذا كنا تراباً نحن وآباؤنا. ومعنى الآية: ٱستوى جبريل هو ومحمد عليهما السلام ليلة الإسراء بالأفق الأعلى. وأجاز العطف على الضمير لئلا يتكرر. وأنكر ذلك الزجاج إلا في ضرورة الشعر. وقيل: المعنى فٱستوى جبريل بالأفق الأعلى، وهو أجود. وإذا كان المستوي جبريل فمعنى «ذُوِ مرَّةٍ» في وصفه ذو منطق حسن؛ قاله ٱبن عباس. وقال قتادة: ذو خَلْق طويل حسن. وقيل: معناه ذو صحة جسم وسلامة من الآفات؛ ومنه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تحلّ الصدقة لغنيّ ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ»تفسير : . وقال امرؤ القيس:شعر : كنتُ فيهم أبداً ذا حِيلة مُحْكَمَ المِرَّةِ مأمُونَ الْعُقَد تفسير : وقد قيل: «ذُو مِرَّةٍ» ذو قوة. قال الكلبي: وكان من شدّة جبريل عليه السلام: أنه ٱقتلع مدائن قوم لوطٍ من الأرض السفلى، فحملها على جناحه حتى رفعها إلى السماء، حتى سمع أهل السماء نبح كلابهم وصياح ديكتهم ثم قلبها. وكان من شدّته أيضاً: أنه أبصر إبليس يكلم عيسى عليه السلام على بعض عقاب من الأرض المقدّسة فنفحه بجناحه نفحة ألقاه بأقصى جبل في الهند، وكان من شدّته: صيحته بثمود في عددهم وكثرتهم، فأصبحوا جاثمين خامدين. وكان من شدته: هبوطه من السماء على الأنبياء وصعوده إليها في أسرع من الطرف. وقال قُطْرُب: تقول العرب لكل جَزل الرأي حصيف العقل: ذُو مِرّةٍ. قال الشاعر:شعر : قد كنتُ قبلَ لِقاكُمُ ذا مِرَّةٍ عندي لِكلّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ تفسير : وكان من جزالة رأيه وحصَافة عقله: أن الله ٱئتمنه على وحيه إلى جميع رسله. قال الجوهري: والمِرَّة إحدى الطبائع الأربع، والمِرّة القوّة وشدّة العقل أيضاً. ورجل مرير أي قويّ ذوِ مرةٍ. قال:شعر : تَرى الرَّجُل النَّحيفَ فتزدريه وحَشْوُ ثِيابِه أسدٌ مَرِيرٌ تفسير : وقال لَقِيط:شعر : حتى ٱستمرّتْ على شَزْرٍ مَرِيرتهُ مُرُّ العزِيمةِ لا رَتًّا ولا ضَرَعَا تفسير : وقال مجاهد وقتادة: «ذُو مِرَّةٍ» ذو قوّة؛ ومنه قول خُفَاف بن نَدْبة:شعر : إِنيّ ٱمرؤٌ ذو مِرّةٍ فاستبقِنِي فِيما يَنُوبُ مِن الخُطُوبِ صَلِيبُ تفسير : فالقوة تكون من صفة الله عز وجل، ومن صفة المخلوق. {فَٱسْتَوَىٰ } يعني جبريل على ما بينا؛ أي ٱرتفع وعلا إلى مكان في السماء بعد أن علَّم محمداً صلى الله عليه وسلم، قاله سعيد بن المسيِّب وٱبن جبير. وقيل: {فَٱسْتَوَىٰ } أي قام في صورته التي خلقه الله تعالى عليها؛ لأنه كان يأتي إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم في صورة الأدميين كما كان يأتي إلى الأنبياء، فسأله النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يريه نفسه التي جبله الله عليها فأراه نفسه مرتين: مرة في الأرض ومرة في السماء؛ فأما في الأرض ففي الأفق الأعلى، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم بحراءٍ، فطلع له جبريل من المشرق فسد الأرض إلى المغرب، فخر النبيّ صلى الله عليه وسلم مغشيًّا عليه، فنزل إليه في صورة الآدميين وضمّه إلى صدره، وجعل يمسح الغبار عن وجهه؛ فلما أفاق النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يا جبريل ما ظننت أن الله خلق أحداً على مثل هذه الصورة»تفسير : . فقال: يا محمد إنما نشرت جناحين من أجنحتي وإن لي ستمائة جناح سَعَة كل جناح ما بين المشرق والمغرب. فقال: «إن هذا لعظيم» فقال: وما أنا في جنب ما خلقه الله إلا يسيراً، ولقد خلق الله إسرافيل له ستمائة جناح، كل جناح منها قدر جميع أجنحتي، وإنه ليتضاءل أحياناً من مخافة الله تعالى حتى يكون بقدر الوصَع. يعني العصفور الصغير؛ دليله قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ رَآهُ بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ} تفسير : [التكوير: 23] وأما في السماء فعند سِدرة المنتهى، ولم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة إلا محمداً صلى الله عليه وسلم. وقول ثالث أن معنى «فَاسْتَوَى» أي ٱستوى القرآن في صدره. وفيه على هذا وجهان: أحدهما في صدر جبريل حين نزل به عليه. الثاني في صدر محمد صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه. وقول رابع أن معنى «فَاسْتَوَى» فاعتدل يعني محمداً صلى الله عليه وسلم. وفيه على هذا وجهان: أحدهما فاعتدل في قوّته. الثاني في رسالته. ذكرهما الماوردي. قلت: وعلى الأوّل يكون تمام الكلام «ذُو مرَّةٍ»، وعلى الثاني «شَدِيدُ الْقُوَى». وقول خامس أن معناه فارتفع. وفيه على هذا وجهان: أحدهما أنه جبريل عليه السلام ٱرتفع إلى مكانه على ما ذكرنا آنفاً. الثاني أنه النبيّ صلى الله عليه وسلم ٱرتفع بالمعراج. وقول سادس «فَاسْتَوَى» يعني الله عز وجل، أي ٱستوى على العرش على قول الحسن. وقد مضى القول فيه في «الأعراف». قوله تعالى: {وَهُوَ بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ} جملة في موضع الحال، والمعنى فاستوى عالياً، أي ٱستوى جبريل عالياً على صورته ولم يكن النبيّ صلى الله عليه وسلم قبل ذلك يراه عليها حتى سأله إياها على ما ذكرنا. والأفق ناحية السماء وجمعه آفاق. وقال قتادة: هو الموضع الذي تأتي منه الشمس. وكذا قال سفيان: هو الموضع الذي تطلع منه الشمس. ونحوه عن مجاهد. ويقال: أفْق وأُفُق مثل عُسْر وعُسُر. وقد مضى في «حم السجدة». وفرس أُفُق بالضم أي رائع وكذلك الأنثى؛ قال الشاعر:شعر : أرجِّلُ لِمَّتِي وَأَجُرُّ ذَيْلِي وتَحمِلُ شِكَّتِي أُفُقٌ كُمَيْتُ تفسير : وقيل: «وَهُوَ» أي النبيّ صلى الله عليه وسلم {بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ} يعني ليلة الإسراء وهذا ضعيف؛ لأنه يقال: ٱستوى هو وفلان، ولا يقال ٱستوى وفلان إلا في ضرورة الشعر. والصحيح ٱستوى جبريل عليه السلام وجبريل بالأفق الأعلى على صورته الأصلية؛ لأنه كان يتمثل للنبيّ صلى الله عليه وسلم إذا نزل بالوحي في صورة رجل، فأحبّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يراه على صورته الحقيقية، فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق. قوله تعالى: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ} أي دنا جبريل بعد ٱستوائه بالأفق الأعلى من الأرض {فَتَدَلَّىٰ } فنزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم بالوحي. المعنى أنه لما رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم من عظمته ما رأى، وهاله ذلك ردّه الله إلى صورة آدمي حين قرب من النبيّ صلى الله عليه وسلم بالوحي، وذلك قوله تعالى: {فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ} يعني أوحي الله إلى جبريل وكان جبريل {قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ} قاله ٱبن عباس والحسن وقتادة والربيع وغيرهم. وعن ٱبن عباس أيضاً في قوله تعالى: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ} أن معناه أن الله تبارك وتعالى «دَنَا» من محمد صلى الله عليه وسلم {فَتَدَلَّىٰ }. وروى نحوه أنس بن مالك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. والمعنى دنا منه أمره وحكمه. وأصل التدلي النزول إلى الشيء حتى يقرب منه فوضع موضع القرب؛ قال لبِيد:شعر : فتَدَلَّيْت عليه قافِلاً وعلى الأرض غيَابَات الطَّفَل تفسير : وذهب الفرّاء إلى أن الفاء في «فَتَدَلَّى» بمعنى الواو، والتقدير ثم تدلى جبريل عليه السلام ودنا. ولكنه جائز إذا كان معنى الفعلين واحداً أو كالواحد قدمت أيهما شئت، فقلت فدنا فقرب وقرب فدنا، وشتمني فأساء وأساء فشتمني؛ لأن الشتم والإساءة شيء واحد. وكذلك قوله تعالى: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} تفسير : [القمر: 1] المعنى والله أعلم: ٱنشق القمر وٱقتربت الساعة. وقال الجرجاني: في الكلام تقديم وتأخير أي تدلى فدنا؛ لأن التدلّي سبب الدنوّ. وقال ٱبن الأنباري: ثم تدلّى جبريل أي نزل من السماء فدنا من محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ٱبن عباس: تدلّى الرفرف لمحمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج فجلس عليه ثم رفع فدنا من ربه. وسيأتي. ومن قال: المعنى فٱستوى جبريل ومحمد بالأفق الأعلى قد يقول: ثم دنا محمد من ربه دنوّ كرامة فتدلّى أي هَوَى للسجود. وهذا قول الضحاك. قال القشيري: وقيل على هذا تدلّى أي تَدلّلَ؛ كقولك تَظَنَّى بمعنى تَظَنَّنَ، وهذا بعيد؛ لأن الدلال غير مرضيّ في صفة العبودية. قوله تعالى: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ} أي «كان» محمد من ربه أو من جبريل {قَابَ قَوْسَيْنِ} أي قدر قوسين عربيتين. قاله ٱبن عباس وعطاء والفرّاء. الزمخشري: فإن قلت كيف تقدير قوله: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ} قلت: تقديره فكان مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين، فحذفت هذه المضافات كما قال أبو علي في قوله:شعر : وَقَدْ جَعَلَتْنِي مِن حَزِيمَةَ إِصْبِعَا تفسير : أي ذا مقدار مسافة إصبع «أَوْ أَدْنَى» أي على تقديركم؛ كقوله تعالى: {أية : أَوْ يَزِيدُونَ}تفسير : [الصافات: 174]. وفي الصحاح: وتقول بينهما قابُ قَوْس، وقِيبُ قَوْس وقادَ قَوْس، وقِيدُ قَوْس؛ أي قَدْر قَوْسٍ. وقرأ زيد بن علي «قَادَ» وقرىء «قِيدَ» و «قَدْرَ». ذكره الزمخشري. وألقابُ ما بين المَقْبِض والسِّيَة. ولكل قوس قابان. وقال بعضهم في قوله تعالى: {قَابَ قَوْسَيْنِ} أراد قابي قوس فقلبه. وفي الحديث: «حديث : ولَقابُ قوسِ أحدِكم من الجنة وموضع قِدّه خيرٌ من الدنيا وما فيها» تفسير : والقِدّ السوط. وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : ولَقابُ قوسِ أحدِكم في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها»تفسير : . وإنما ضرب المثل بالقوس، لأنها لا تختلف في القاب. والله أعلم. قال القاضي عِياض: ٱعلم أن ما وقع من إضافة الدنوّ والقرب من الله أو إلى الله فليس بدنوّ مكانٍ ولا قرب مَدًى، وإنما دنوّ النبيّ صلى الله عليه وسلم من ربه وقرْبه منه: إبانةُ عظيم منزلته، وتشريف رتبته، وإشراق أنوار معرفته، ومشاهدة أسرار غيبه وقدرته. ومِن الله تعالى له: مبرةٌ وتأنيس وبسط وإكرام. ويتأوّل في قوله عليه السلام: «حديث : ينزل ربنا إلى سماء الدنيا» تفسير : على أحد الوجوه: نزول إجمال وقبول وإحسان. قال القاضي: وقوله: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ} فمن جعل الضمير عائداً إلى الله تعالى لا إلى جبريل كان عبارة عن نهاية القرب، ولطف المحل، وإيضاح المعرفة، والإشراف على الحقيقة من محمد صلى الله عليه وسلم، وعبارةً عن إجابة الرغبة، وقضاء المطالب، وإظهار التحفِّي، وإنافة المنزلة والقرب من الله؛ ويتأوّل فيه ما يتأوّل في قوله عليه السلام: «حديث : من تقرّب مني شبراً تقرّبت منه ذراعاً ومن أتاني يمشي أتيته هرولةً» تفسير : قربٌ بالإجابة والقبول، وإتيان بالإحسان وتعجيل المأمول. وقد قيل: «ثُمَّ دَنَا» جبريل من ربه {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ} قاله مجاهد. ويدلّ عليه ما روي في الحديث: «حديث : إن أقرب الملائكة من الله جبريل عليه السلام»تفسير : . وقيل: «أو» بمعنى الواو أي قاب قوسين وأدنى. وقيل: بمعنى بل أي بل أدنى. وقال سعيد بن المسيّب: القاب صدر القوس العربية حيث يشدّ عليه السير الذي يتنكّبه صاحبه، ولكل قوس قاب واحد. فأخبر أن جبريل قرب من محمد صلى الله عليه وسلم كقرب قاب قوسين. وقال سعيد بن جبير وعطاء وأبو إسحاق الهَمْداني وأبو وائل شقيق بن سلمة: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ} أي قدر ذراعين، والقوس الذراع يقاس بها كل شيء، وهي لغة بعض الحجازيين. وقيل: هي لغة أزد شَنُوءة أيضاً. وقال الكسائي: قوله: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ} أراد قوساً واحداً؛ كقول الشاعر:شعر : ومَهْمَهَيْنِ قَذَفَيْن مَرْتَيْنِ قَطَعْتُهُ بالسَّمْتِ لا بالسَّمْتَيْنِ تفسير : أراد مهمهاً واحداً. والقوس تذكر وتؤنث فمن أنث قال في تصغيرها قويسة ومن ذكر قال قويس؛ وفي المثل هو من خيرِ قُوَيْسٍ سَهْماً، والجمع قِسِيّ وقُسِيّ وأقواس وقِياس؛ وأنشد أبو عبيدة:شعر : ووَتَّـرَ الأسـاورُ القِياسَـا تفسير : والقَوْس أيضاً بقية التّمْر في الجُلَّة أي الوعاء، والقَوْس برج في السماء. فأما القُوسُ بالضم فصومعة الراهب؛ قال الشاعر وذكر ٱمرأة:شعر : لاسْتَفْتَنَتْنِي وذَا المْسحَينِ في القُوسِ تفسير : قوله تعالى: {فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ} تفخيم للوحي الذي أوحى إليه. وتقدّم معنى الوحي وهو إلقاء الشيء بسرعة ومنه الوَحَاء الوَحَاء. والمعنى فأوحى الله تعالى إلى عبده محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى. وقيل: المعنى {فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ} جبريل عليه السلام «مَا أَوْحَى». وقيل: المعنى فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى إليه ربه. قاله الربيع والحسن وٱبن زيد وقتادة. قال قتادة: أوحى الله إلى جبريل وأوحى جبريل إلى محمد. ثم قيل: هذا الوحي هل هو مبهم؟ لا نَطَّلِع عليه نحن وتُعُبِّدْنَا بالإيمان به على الجملة، أو هو معلوم مفّسر؟ قولان. وبالثاني قال سعيد بن جبير، قال: أوحى الله إلى محمد: ألم أجدك يتيماً فآويتك! ألم أجدك ضالاًّ فهديتك! ألم أجدك عائلاً فأغنيتك! {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ }تفسير : [الشرح: 1 - 4]. وقيل: أوحى الله إليه أن الجنة حرام على الأنبياء حتى تدخلها يا محمد، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك.
البيضاوي
تفسير : مكية وآيها إحدى أو اثنتان وستون آية بسم الله الرحمن الرحيم {وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ } أقسم بجنس النجوم أو الثريا فإنه غلب فيها إذا غرب أو انتثر يوم القيامة أو انقض أو طلع فإنه يقال: هوى هوياً بالفتح إذا سقط وغرب، وهويا بالضم إذا علا وصعد، أو بالنجم من نجوم القرآن إذا نزل أو النبات إذا سقط على الأرض، أو إذا نما وارتفع على قوله: {مَا ضَلَّ صَـٰحِبُكُمْ } ما عدل محمد صلى الله عليه وسلم عن الطريق المستقيم، والخطاب لقريش. {وَمَا غَوَىٰ } وما اعتقد باطلاً والخطاب لقريش، والمراد نفي ما ينسبون إليه. {وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ } وما يصدر نطقه بالقرآن عن الهوى. {إِنْ هُوَ} ما القرآن أو الذي ينطق به. {إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَىٰ} أي إلا وحي يوحيه الله إليه، واحتج به من لم ير الاجتهاد له. وأجيب عنه بأنه إذا أوحي إليه بأن يجتهد كان اجتهاده وما يستند إليه وحياً، وفيه نظر لأن ذلك حينئذ يكون بالوحي لا الوحي. {عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ} ملك شديد قواه وهو جبريل عليه السلام فإنه الواسطة في إبداء الخوارق، روي أنه قلع قرى قوم لوط ورفعها إلى السماء ثم قلبها وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين. {ذُو مِرَّةٍ} حصافة في عقله ورأيه. {فَٱسْتَوَىٰ} فاستقام على صورته الحقيقية التي خلقه الله تعالى عليها. قيل ما رآه أحد من الأنبياء في صورته غير محمد عليه الصلاة والسلام مرتين، مرة في السماء ومرة في الأرض، وقيل استوى بقوته على ما جعل له من الأمر. {وَهُوَ بِٱلأَفُقِ ٱلاْعْلَىٰ} في أفق السماء والضمير لجبريل عليه السلام. {ثُمَّ دَنَا} من النبي عليه الصلاة والسلام. {فَتَدَلَّىٰ} فتعلق به وهو تمثيل لعروجه بالرسول صلى الله عليه وسلم. وقيل ثم تدلى من الأفق الأعلى فدنا فيكون من الرسول إشعاراً بأنه عرج به غير منفصل عن محله تقريراً لشدة قوته، فإن التدلي استرسال مع تعلق كتدلي الثمرة، ويقال دلى رجليه من السرير وأدلى دلوه، والدوالي الثمر المعلق. {فَكَانَ } جبريل عليه السلام كقولك: هو مني معقد إزار، أو المسافة بينهما. {قَابَ قَوْسَيْنِ } مقدارهما. {أَوْ أَدْنَىٰ } على تقديركم كقوله أو يزيدون، والمقصود تمثيل ملكة الاتصال وتحقيق استماعه لما أوحي إليه بنفي البعد الملبس. {فَأَوْحَىٰ } جبريل عليه السلام. {إِلَىٰ عَبْدِهِ } عبد الله واضماره قبل الذكر لكونه معلوماً كقوله: {أية : عَلَىٰ ظَهْرِهَا }تفسير : [فاطر: 45] {مَا أَوْحَىٰ } جبريل عليه السلام وفيه تفخيم للموحى به أو الله إليه، وقيل الضمائر كلها لله تعالى وهو المعني بشديد القوى كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ }تفسير : [الذاريات: 58] ودنوه منه برفع مكانته وتدليه جذبه بشراشره إلى جناب القدس. {مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ } ما رأى ببصره من صورة جبريل عليه السلام أو الله تعالى، أي ما كذب بصره بما حكاه له فإن الأمور القدسية تدرك أولاً بالقلب ثم تنتقل منه إلى البصر، أو ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك ولو قال ذلك كان كاذباً لأنه عرفه بقلبه كما رآه ببصره، أو ما رآه بقلبه والمعنى أنه لم يكن تخيلاً كاذباً. ويدل عليه «حديث : أنه عليه الصلاة والسلام سئل هل رأيت ربك؟ فقال رأيته بفؤادي».تفسير : وقرأ هشام ما كذب أي صدقه ولم يشك فيه. {أَفَتُمَـٰرُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ } أفتجادلونه عليه، من المراء وهو المجادلة واشتقاقه من مرى الناقة كأن كلا من المتجادلين يمري ما عند صاحبه. وقرأ حمزة والكسائي وخلف ويعقوب «أفتمرونه» أي أفتغلبونه في المراء من ماريته فمريته، أو أفتجحدونه من مراه حقه إذا جحده وعلى لتضمين الفعل معنى الغلبة فإن المماري والجاحد يقصدان بفعلهما غلبة الخصم. {وَلَقَدْ رَءاهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ } مرة أخرى فعلة من النزول أقيمت مقام المرة ونصبت نصبها إشعاراً بأن الرؤية في هذه المرة كانت أيضاً بنزول ودنو والكلام في المرئي والدنو ما سبق. وقيل تقديره ولقد رآه نازلاً نزلة أخرى، ونصبها على المصدر والمراد به نفي الريبة عن المرة الأخيرة. {عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ } التي ينتهي إليها أعمال الخلائق وعلمهم، أو ما ينزل من فوقها ويصعد من تحتها، ولعلها شبهت بالسدرة وهي شجرة النبق لأنهم يجتمعون في ظلها. وروي مرفوعاً أنها في السماء السابعة. {عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ } الجنة التي يأوي إليها المتقون أو أرواح الشهداء.
ابن كثير
تفسير : قال الشعبي وغيره: الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا ينبغي له أن يقسم إلا بالخالق، رواه ابن أبي حاتم: واختلف المفسرون في معنى قوله: { وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ} فقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: يعني. بالنجم: الثريا إذا سقط مع الفجر، وكذا روي عن ابن عباس وسفيان الثوري، واختاره ابن جرير، وزعم السدي: أنها الزهرة، وقال الضحاك: { وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ} إذا رمى به الشياطين، وهذا القول له اتجاه. وروى الأعمش عن مجاهد في قوله تعالى: { وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ} يعني: القرآن إذا نزل، وهذه الآية كقوله تعالى: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ فِى كِتَـٰبٍ مَّكْنُونٍ لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} تفسير : [الواقعة: 75 ــــ 80] وقوله تعالى: { مَا ضَلَّ صَـٰحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ} هذا هو المقسم عليه، وهو الشهادة للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه راشد تابع للحق ليس بضال، وهو الجاهل الذي يسلك على غير طريق بغير علم، والغاوي: هو العالم بالحق، العادل عنه قصداً إلى غيره، فنزه الله رسوله وشرعه عن مشابهة أهل الضلال؛ كالنصارى وطرائق اليهود، وهي علم الشيء وكتمانه، والعمل بخلافه، بل هو، صلاة الله وسلامه عليه، وما بعثه به من الشرع العظيم، في غاية الاستقامة والاعتدال والسداد، ولهذا قال تعالى: { وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ} أي ما يقول قولاً عن هوى وغرض { إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ} أي: إنما يقول ما أمر به يبلغه إلى الناس كاملاً موفوراً، من غير زيادة ولا نقصان؛ كما رواه الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا جرير بن عثمان عن عبد الرحمن بن ميسرة عن أبي أمامة: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ليدخلنَّ الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثل الحيين ــــ أو مثل أحد الحيين ــــ ربيعة ومضر» تفسير : فقال رجل: يا رسول الله أو ما ربيعة من مضر؟ قال: «حديث : إنما أقول ما أقول»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن الأخنس، أخبرنا الوليد بن عبد الله عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش، فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا الحق» تفسير : ورواه أبو داود عن مسدد وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن يحيى بن سعيد القطان به. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث عن ابن عجلان عن زيد ابن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما أخبرتكم أنه من عند الله، فهو الذي لا شك فيه» تفسير : ثم قال: لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد. وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا ليث عن محمد بن سعيد ابن أبي سعيد عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا أقول إلا حقاً» تفسير : قال بعض أصحابه: فإنك تداعبنا يا رسول الله؟ قال: «حديث : إني لا أقول إلا حقاً».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلنَّجْمِ } الثريا {إِذَا هَوَىٰ } غاب.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ } التعريف للجنس، والمراد به: جنس النجوم، وبه قال جماعة من المفسرين، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:شعر : أحسن النجم في السماء الثريا والثريا في الأرض زين النساء تفسير : وقيل: المراد به: الثريا، وهو اسم غلب فيها، تقول العرب: النجم، وتريد به الثريا، وبه قال مجاهد، وغيره، وقال السديّ، النجم هنا: هو الزهرة؛ لأن قوماً من العرب كانوا يعبدونها، وقيل: النجم هنا: النبت الذي لا ساق له، كما في قوله: {أية : وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ } تفسير : [الرحمٰن: 6] قاله الأخفش. وقيل: النجم محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: النجم القرآن؛ وسمي نجماً لكونه نزل منجماً مفرّقاً، والعرب تسمي التفريق تنجيماً، والمفرّق: المنجم، وبه قال مجاهد، والفراء، وغيرهما، والأوّل أولى. قال الحسن: المراد بالنجم: النجوم إذا سقطت يوم القيامة. وقيل المراد بها: النجوم التي ترجم بها الشياطين، ومعنى هويه: سقوطه من علو، يقال: هوى النجم يهوي هوياً: إذا سقط من علو إلى سفل، وقيل: غروبه، وقيل: طلوعه، والأوّل أولى، وبه قال الأصمعي وغيره، ومنه قول زهير:شعر : تسيح بها الأباعر وهي تهوى هويّ الَّدلْوِ أسْلَمَها الرشَاءُ تفسير : ويقال: هوى في السير: إذا مضى؛ ومنه قول الشاعر:شعر : بينما نَحْنُ بالبِلاكثِ فالقا عِ سِراعاً والعِيسُ تَهْوِى هُويا خَطَرتْ خَطْرة على القلب من ذكـ ـرَاكِ وَهناً فما استطعت مُضيا تفسير : ومعنى الهوَي على قول من فسر النجم بالقرآن: أنه نزل من أعلا إلى أسفل، وأما على قول من قال إنه الشجر الذي لا ساق له، أو أنه محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يظهر للهويّ معنى صحيح، والعامل في الظرف فعل القسم المقدّر، وجواب القسم قوله: {مَا ضَلَّ صَـٰحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ } أي: ما ضلّ محمد صلى الله عليه وسلم عن الحق والهدى، ولا عدل عنه، والغيّ: ضدّ الرشد، أي: ما صار غاوياً ولا تكلم بالباطل، وقيل: ما خاب فيما طلب، والغَيّ: الخيبة، ومنه قول الشاعر:شعر : فمن يْلَق خيراً يحمِد النَّاسُ أَمْرَهُ وَمْن يَغْوَ لا يعدم على الغيِّ لائماً تفسير : وفي قوله: {صَـٰحِبُكُمْ } إشارة بأنهم المطلعون على حقيقة حاله، والخطاب لقريش {وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ } أي: ما يصدر نطقه عن الهوى لا بالقرآن ولا بغيره، فعن على بابها. وقال أبو عبيدة: إنّ عن بمعنى الباء أي: بالهوى. قال قتادة: أي: ما ينطق بالقراءة عن هواه {إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَىٰ } أي: ما هو الذي ينطق به إلاّ وحي من الله يوحيه إليه. وقوله: {يُوحَى } صفة لوحي تفيد الاستمرار التجددي، وتفيد نفي المجاز، أي: هو وحي حقيقة لا لمجرد التسمية {عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ } القوى جمع قوّة، والمعنى: أنه علمه جبريل الذي هو شديد قواه، هكذا قال أكثر المفسرين: إن المراد: جبريل. وقال الحسن: هو الله عزّ وجلّ، والأوّل أولى، وهو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف {ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ } المرّة: القوّة والشدّة في الخلق، وقيل: ذو صحة جسم وسلامة من الآفات، ومنه قول النبيّ: «حديث : لا تحل الصدقة لغنيّ ولا لذي مرّة سوي»تفسير : . وقيل: ذو حصانة عقل، ومتانة رأي. قال قطرب: العرب تقول لكلّ من هو جزل الرأي، حصيف العقل ذو مرّة، ومنه قول الشاعر:شعر : قد كنت قبلَ لِقائكُمُ ذا مِرّةٍ عندي لِكلُّ مخاصِمٍ مِيزانُهُ تفسير : والتفسير للمرّة بهذا أولى؛ لأن القوّة والشدّة قد أفادها قوله: {شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ } قال الجوهري: المرّة إحدى الطبائع الأربع، والمرّة: القوّة وشدّة العقل، والفاء في قوله: {فَٱسْتَوَىٰ } للعطف على علَّمه، يعني جبريل، أي: ارتفع وعاد إلى مكانه في السماء بعد أن علم محمداً صلى الله عليه وسلم، قاله سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وقيل: معنى استوى: قام في صورته التي خلقه الله عليها؛ لأنه كان يأتي النبي في صورة الآدميين، وقيل المعنى: فاستوى القرآن في صدره صلى الله عليه وسلم. وقال الحسن: - فاستوى يعني: الله عزّ وجلّ - على العرش {وَهُوَ بِٱلأفُقِ ٱلأعْلَىٰ } هذه الجملة في محل نصب على الحال أي: فاستوى جبريل حال كونه بالأفق الأعلى، والمراد بالأفق الأعلى: جانب المشرق، وهو فوق جانب المغرب، وقيل المعنى: فاستوى عالياً، والأفق: ناحية السماء، وجمعه آفاق، قال قتادة، ومجاهد: هو الموضع الذي تطلع منه الشمس، وقيل: هو يعني جبريل، والنبيّ صلى الله عليه وسلم بالأفق الأعلى ليلة المعراج، ويجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة. {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ } أي: دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى، أي: قرب من الأرض فتدلى، فنزل على النبيّ بالوحي، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: ثم تدلى فدنى، قاله ابن الأنباري، وغيره. قال الزجاج: معنى {دَنَا فَتَدَلَّىٰ } واحد، أي: قرب وزاد في القرب؛ كما تقول: فدنا مني فلان وقرب، ولو قلت: قرب مني ودنا جاز. قال الفراء: الفاء في فتدلى بمعنى الواو، والتقدير: ثم تدلى جبريل ودنا، ولكنه جائز إذا كان معنى الفعلين واحداً أن تقدّم أيهما شئت. قال الجمهور: والذي دنا فتدلى هو جبريل، وقيل: هو النبيّ صلى الله عليه وسلم، والمعنى: دنا منه أمره وحكمه، والأوّل أولى. قيل: ومن قال: إن الذي استوى هو جبريل ومحمد، فالمعنى عنده: ثم دنا محمد من ربه دنوّ كرامة، فتدلى، أي: هوى للسجود، وبه قال الضحاك {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ } أي: فكان مقدار ما بين جبريل ومحمد صلى الله عليه وسلم، أو ما بين محمد وربه قاب قوسين، أي: قدر قوسين عربيين. والقاب والقيب، والقاد والقيد: المقدار، ذكر معناه في الصحاح. قال الزجاج: أي: فيما تقدّرون أنتم، والله سبحانه عالم بمقادير الأشياء، ولكنه يخاطبنا على ما جرت به عادة المخاطبة فيما بيننا. وقيل: "أو" بمعنى الواو، أي: وأدنى، وقيل: بمعنى بل، أي: بل أدنى. وقال سعيد بن جبير، وعطاء، وأبو إسحاق الهمداني، وأبو وائل شقيق بن سلمة {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ }: قدر ذراعين، والقوس: الذّراع يقاس بها كل شيء، وهي لغة بعض الحجازيين، وقيل: هي لغة أزد شنوءة. وقال الكسائي: فكان قاب قوسين أراد قوساً واحدة. {فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ } أي: فأوحى جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى، وفيه تفخيم للوحي الذي أوحي إليه، والوحي: إلقاء الشيء بسرعة، ومنه الوحا وهو السرعة، والضمير في {عبده} يرجع إلى الله، كما في قوله: {أية : مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ } تفسير : [فاطر: 45] وقيل المعنى: فأوحى الله إلى عبده جبريل ما أوحى، وبالأوّل قال الربيع، والحسن، وابن زيد، وقتادة. وقيل: فأوحى الله إلى عبده محمد. قيل: وقد أبهم الله سبحانه ما أوحاه جبريل إلى محمد، أو ما أوحاه الله إلى عبده جبريل، أو إلى محمد ولم يبينه لنا، فليس لنا أن نتعرّض لتفسيره. وقال سعيد بن جبير: الذي أوحى إليه هو {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } تفسير : [الشرح: 1] إلخ، و {أية : أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ } تفسير : [الضحى: 6] إلخ. وقيل: أوحى الله إليه أن الجنة حرام على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك. وقيل: إن "ما" للعموم لا للإبهام، والمراد: كل ما أوحى به إليه، والحمل على الإبهام أولى لما فيه من التعظيم. {مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ } أي: ما كذب فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم ما رآه بصره ليلة المعراج، يقال: كذبه: إذا قال له الكذب، ولم يصدقه. قال المبرد: معنى الآية: أنه رأى شيئًا فصدق فيه، قرأ الجمهور: (ما كذب) مخففاً، وقرأ هشام، وأبو جعفر بالتشديد "وَمَا" في: {مَا رَأَىٰ } موصولة أو مصدرية في محل نص{ بكذب} مخففاً ومشدّداً {أَفَتُمَـٰرُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ }. قرأ الجمهور: {أفتمارونه} بالألف من المماراة، وهي المجادلة والملاحاة، وقرأ حمزة، والكسائي: (أفتمرونه) بفتح التاء وسكون الميم، أي: أفتجدونه، واختار أبو عبيد القراءة الثانية. قال: لأنهم لم يماروه، وإنما جحدوه، يقال: مراه حقه، أي: جحده، ومريته أنا: جحدته، قال: ومنه قول الشاعر:شعر : لأن هَجَوْتَ أَخَا صِدْق وَمْكرُمَة لَقَدْ مَرَيْتَ أخاً ما كان يَمْريكا تفسير : أي: جحدته. قال المبرد: يقال: أمرأه عن حقه، وعلى حقه: إذا منعه منه ودفعه. وقيل: على بمعنى عن، وقرأ ابن مسعود، والشعبي، ومجاهد، والأعرج: (أفتمرونه) بضم التاء من أمريت، أي: أتريبونه وتشكون فيه، قال جماعة من المفسرين: المعنى على قراءة الجمهور: أفتجادلونه، وذلك أنهم جادلوه حين أسري به، فقالوا: صف لنا مسجد بيت المقدس، أي: أفتجادلونه جدالاً ترومون به دفعه عما شاهده وعلمه، واللام في قوله: {وَلَقَدْ رَءاهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ } هي الموطئة للقسم، أي: والله لقد رآه نزلة أخرى، والنزلة: المرة من النزول، فانتصابها على الظرفية، أو منتصبة على المصدر الواقع موقع الحال، أي: رأى جبريل نازلاً نزلة أخرى، أو على أنه صفة مصدر مؤكد محذوف، أي: رآه رؤية أخرى. قال جمهور المفسرين: المعنى أنه رأى محمد جبريل مرّة أخرى، وقيل: رأى محمد ربه مرّة أخرى بفؤاده {عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ } الظرف منتصب بـ {رآه}، والسدر: هو شجر النبق، وهذه السدرة هي في السماء السادسة، كما في الصحيح، وروي أنها في السماء السابعة، والمنتهى: مكان الانتهاء، أو هو مصدر ميمي، والمراد به: الانتهاء نفسه، قيل: إليها ينتهي علم الخلائق، ولا يعلم أحد منهم ما وراءها، وقيل: ينتهي إليها ما يعرج به في الأرض، وقيل: تنتهي إليها أرواح الشهداء، وقيل غير ذلك. وإضافة الشجرة إلى المنتهى من إضافة الشيء إلى مكانه {عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ } أي: عند تلك السدرة جنة تعرف بجنة المأوى، وسميت جنة المأوى لأنه أوى إليها آدم، وقيل: إن أرواح المؤمنين تأوي إليها. قرأ الجمهور {جنة} برفع جنة على أنها مبتدأ، وخبرها الظرف المتقدّم. وقرأ عليّ، وأبو الدرداء، وأبو هريرة، وابن الزبير، وأنس، وزر بن حبيش، ومحمد بن كعب، ومجاهد، وأبو سبرة الجهني: (جنه) فعلاً ماضياً من جنّ يجن، أي: ضمه المبيت، أو سترة إيواء الله له، قال الأخفش: أدركه، كما تقول: جنه الليل أي: ستره وأدركه، والجملة في محل نصب على الحال {إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ } العامل في الظرف {رآه} أيضاً، وهو ظرف زمان، والذي قبله ظرف مكان، والغشيان بمعنى: التغطية والستر، وبمعنى الإتيان، يقال: فلان يغشاني كل حين أي: يأتيني، وفي الإبهام في قوله: {مَا يَغْشَىٰ } من التفخيم ما لا يخفى، وقيل: يغشاها جراد من ذهب، وقيل: طوائف من الملائكة. وقال مجاهد: رفرف أخضر، وقيل: رفرف من طيور خضر، وقيل: غشيها أمر الله، والمجيء بالمضارع لحكاية الحال الماضية استحضاراً للصورة البديعة، أو للدلالة على الاستمرار التجددي. {مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ } أي: ما مال بصر النبي صلى الله عليه وسلم عما رآه {وَمَا طَغَىٰ } أي: ما جاوز ما رأى، وفي هذا وصف أدب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام، حيث لم يلتفت، ولم يمل بصره، ولم يمده إلى غير ما رأى، وقيل: ما جاوز ما أمر به {لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ ءايَـٰتِ رَبّهِ ٱلْكُبْرَىٰ } أي: والله لقد رأى تلك الليلة من آيات ربه العظام ما لا يحيط به الوصف، قيل: رأى رفرفاً سدّ الأفق، وقيل: رأى جبريل في حلة خضراء قد ملأ ما بين السماء والأرض له ستمائة جناح، كذا في صحيح مسلم، وغيره، وقال الضحاك: رأى سدرة المنتهى، وقيل: هو كل ما رآه تلك الليلة في مسراه وعوده، و"من" للتبعيض، ومفعول رأى: الكبرى، ويجوز أن يكون المفعول محذوفاً، أي: رأى شيئًا عظيماً من آيات ربه، ويجوز أن تكون "من" زائدة. {أَفَرَءيْتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأخْرَىٰ } لما قصّ الله سبحانه هذه الأقاصيص قال للمشركين، موبخاً لهم ومقرّعاً {أَفَرَءيْتُمُ } أي: أخبروني عن الآلهة التي تعبدونها من دون الله هل لها قدرة توصف بها؟ وهل أوحت إليكم شيئًا، كما أوحى الله إلى محمد، أم هي جمادات لا تعقل ولا تنفع؟ ثم ذكر هذه الأصنام الثلاثة التي اشتهرت في العرب، وعظم اعتقادهم فيها. قال الواحدي وغيره: وكانوا يشتقون لها أسماء من أسماء الله تعالى، فقالوا: من الله اللات، ومن العزيز العزّى، وهي تأنيث الأعزّ بمعنى العزيزة، ومناة من منى الله الشيء: إذا قدّره. قرأ الجمهور {اللات} بتخفيف التاء، فقيل: هو مأخوذ من اسم الله سبحانه كما تقدّم، وقيل: أصله: لات يليت، فالتاء أصلية، وقيل: هي زائدة، وأصله لوى يلوي؛ لأنهم كانوا يلوون أعناقهم إليها، أو يلتون عليها، ويطوفون بها. واختلف القراء هل يوقف عليها بالتاء، أو بالهاء؟ فوقف عليها الجمهور بالتاء، ووقف عليها الكسائي بالهاء، واختار الزجاج، والفراء الوقف بالتاء؛ لاتباع رسم المصحف، فإنها تكتب بالتاء، وقرأ ابن عباس، وابن الزبير، ومجاهد، ومنصور بن المعتمر، وأبو الجوزاء، وأبو صالح، وحميد: (اللات) بتشديد التاء، ورويت هذه القراءة عن ابن كثير، فقيل: هو اسم رجل كان يلتّ السويق، ويطعمه الحاج، فلما مات عكفوا على قبره يعبدونه، فهو اسم فاعل في الأصل غلب على هذا الرجل. قال مجاهد: كان رجلاً في رأس جبل يتخذ من لبنها وسمنها حيساً، ويطعم الحاج، وكان ببطن نخلة فلما مات عبدوه. وقال الكلبي: كان رجلاً من ثقيف له صرمة غنم، وقيل: إنه عامر بن الظرب العدواني، وكان هذا الصنم لثقيف، وفيه يقول الشاعر:شعر : لا تنْصُروا اللاتَ إنَّ اللهَ مُهْلِكُها وَكَيْفَ يَنْصُرُكُمْ مَنْ لَيْسَ يَنْتَصِرُ تفسير : قال في الصحاح: و{اللات} اسم صنم لثقيف، وكان بالطائف، وبعض العرب يقف عليها بالتاء، وبعضهم بالهاء {وَٱلْعُزَّىٰ }: صنم قريش، وبني كنانة. قال مجاهد: هي شجرة كانت بغطفان، وكانوا يعبدونها، فبعث إليها النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد، فقطعها، وقيل: كانت شيطانة تأتي ثلاث سمرات ببطن نخلة. وقال سعيد بن جبير: العزى: حجر أبيض كانوا يعبدونه. وقال قتادة: هي بيت كان ببطن نخلة {وَمَنَوٰةَ }: صنم بني هلال. وقال ابن هشام: صنم هذيل وخزاعة. وقال قتادة: كانت للأنصار. قرأ الجمهور {مناة} بألف من دون همزة، وقرأ ابن كثير، وابن محيصن، وحميد، ومجاهد، والسلمي بالمدّ والهمز. فأما قراءة الجمهور، فاشتقاقها من منى يمنى، أي: صبّ؛ لأن دماء النسائك كانت تصب عندها يتقرّبون بذلك إليها. وأما على القراءة الثانية، فاشتقاقها من النوء، وهو المطر؛ لأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء، وقيل: هما لغتان للعرب، ومما جاء على القراءة الأولى قول جرير:شعر : أزيد مناة توعد يابن تيم تأمل أين تاه بك الوعيد تفسير : ومما جاء على القراءة الأخرى قول الحارثي:شعر : ألا هَلْ أتى التَّيْم بن عبد مناءة على السر فيما بيننا ابنُ تَمِيمِ تفسير : وقف جمهور القراء عليها بالتاء اتباعاً لرسم المصحف، ووقف ابن كثير، وابن محيصن عليها بالهاء. قال في الصحاح: ومناة اسم صنم كان بين مكة والمدينة، والهاء للتأنيث، ويسكت عليها بالتاء، وهي لغة. قوله: {ٱلثَّالِثَةَ ٱلأخْرَىٰ } هذا وصف لمناة، وصفها بأنها ثالثة، وبأنها أخرى، والثالثة لا تكون إلاّ أخرى. قال أبو البقاء: فالوصف بالأخرى للتأكيد، وقد استشكل وصف الثالثة بالأخرى، والعرب إنما تصف به الثانية، فقال الخليل: إنما قال ذلك لوفاق رؤوس الآي كقوله: {أية : مَآرِبُ أُخْرَىٰ } تفسير : [طه: 18] وقال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير، والتقدير: أفرأيتم اللات والعزّى الأخرى ومناة الثالثة. وقيل: إن وصفها بالأخرى لقصد التعظيم؛ لأنها كانت عند المشركين عظيمة، وقيل: إن ذلك للتحقير والذم، وإن المراد المتأخرة الوضيعة، كما في قوله: أية : قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأولَـٰهُمْ }تفسير : [الأعراف: 38] أي: وضعاؤهم لرؤسائهم. ثم كرّر سبحانه توبيخهم وتقريعهم بمقالة شنعاء قالوها، فقال: {أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأنثَىٰ } أي: كيف تجعلون لله ما تكرهون من الإناث، وتجعلون لأنفسكم ما تحبون من الذكور، قيل: وذلك قولهم: إن الملائكة بنات الله، وقيل: المراد: كيف تجعلون اللات، والعزّى ومناة، وهي إناث في زعمكم، شركاء لله، ومن شأنهم أن يحتقروا الإناث. ثم ذكر سبحانه أن هذه التسمية، والقسمة المفهومة من الاستفهام قسمة جائرة، فقال: {تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ } قرأ الجمهور {ضيزى} بياء ساكنة بغير همزة، وقرأ ابن كثير بهمزة ساكنة، والمعنى: أنها قسمة خارجة عن الصواب، جائرة عن العدل، مائلة عن الحق. قال الأخفش: يقال: ضاز في الحكم، أي: جار، وضازه حقه يضيزه ضيزاً، أي: نقصه وبخسه، قال: وقد يهمز، وأنشد:شعر : فإن تَنْأء عَنَّا نَنْتِقصْك وإِن تَغِبْ فحقك مضئؤوز وَأنفُكَ رَاغِمُ تفسير : وقال الكسائي: ضاز يضيز ضيزاً،ء وضاز يضوز ضوزاً: إذا تعدى وظلم وبخس وانتقص، ومنه قول الشاعر:شعر : ضازَتْ بنو أَسدٍ بِحُكمِهِم إِذْ يَجْعَلُون الرأسَ كالذَّنَبِ تفسير : قال الفراء: وبعض العرب يقول: "ضئزى" بالهمز، وحكى أبو حاتم عن أبي زيد أنه سمع العرب تهمز ضيزى، قال البغوي: ليس في كلام العرب فعلى بكسر الفاء في النعوت إنما تكون في الأسماء مثل ذكرى، قال المؤرج: كرهوا ضم الضاد في ضيزى، وخافوا انقلاب الياء واواً وهي من بنات الواو، فكسروا الضاد لهذه العلة، كما قالوا في جمع أبيض: بيض، وكذا قال الزجاج: وقيل: هي مصدر كذكرى، فيكون المعنى: قسمة ذات جور وظلم. ثم ردّ سبحانه عليهم بقوله: {إِنْ هِىَ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءآبَاؤُكُم } أي: ما الأوثان، أو الأصنام باعتبار ما تدعونه من كونها آلهة إلاّ أسماء محضة، ليس فيها شيء من معنى الألوهية التي تدعونها؛ لأنها لا تبصر ولا تسمع، ولا تعقل ولا تفهم، ولا تضر ولا تنفع، فليست إلاّ مجرّد أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم، قلد الآخر فيها الأول. وتبع في ذلك الأبناء الآباء، وفي هذا من التحقير لشأنها ما لا يخفى، كما تقول في تحقير رجل: ما هو إلاّ اسم إذا لم يكن مشتملاً على صفة معتبرة، ومثل هذه الآية قوله تعالى: {أية : مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا } تفسير : [يوسف: 40] يقال: سميته زيداً وسميته بزيد، فقوله: {سميتموها} صفة لأصنام، والضمير يرجع إلى الأسماء لا إلى الأصنام، أي: جعلتموها أسماء لا جعلتم لها أسماء. وقيل: إن قوله: {هِىَ } راجع إلى الأسماء الثلاثة المذكورة، والأوّل أولى {مَّا أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ } أي: ما أنزل بها من حجة ولا برهان. قال مقاتل: لم ينزل لنا كتاباً لكم فيه حجة، كما تقولون: إنها آلهة، ثم أخبر عنهم بقوله: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ } أي: ما يتبعون فيما ذكر من التسمية، والعمل بموجبها إلاَّ الظنّ الذي لا يغني من الحق شيئًا، والتفت من الخطاب إلى الغيبة إعراضاً عنهم وتحقيراً لشأنهم، فقال: {وَمَا تَهْوَى ٱلأنفُسُ} أي: تميل إليه، وتشتهيه من غير التفات إلى ما هو الحق الذي يجب الاتباع له. قرأ الجمهور {يتبعون} بالتحتية على الغيبة، وقرأ عيسى بن عمر، وأيوب، وابن السميفع بالفوقية على الخطاب، ورويت هذه القراءة عن ابن مسعود، وابن عباس، وطلحة، وابن وثاب {وَلَقَدْ جَاءهُم مّن رَّبّهِمُ ٱلْهُدَىٰ } أي: البيان الواضح الظاهر بأنها ليست بآلهة، والجملة في محل نصب على الحال من فاعل يتبعون، ويجوز أن يكون اعتراضاً، والأوّل أولى. والمعنى: كيف يتبعون ذلك، والحال أن قد جاءهم ما فيه هدًى لهم من عند الله على لسان رسوله الذي بعثه الله بين ظهرانيهم، وجعله من أنفسهم. {أَمْ لِلإنسَـٰنِ مَا تَمَنَّىٰ } "أم" هي المنقطعة المقدرة ببل، والهمزة التي للإنكار، فأضرب عن اتباعهم الظنّ الذي هو مجرّد التوهم، وعن اتباعهم هوى الأنفس، وما تميل إليه، وانتقل إلى إنكار أن يكون لهم ما يتمنون من كون الأصنام تنفعهم، وتشفع لهم. ثم علل انتفاء أن يكون للإنسان ما تمنى بقوله: {فَلِلَّهِ ٱلآخِرَةُ وٱلأولَىٰ } أي: أن أمور الآخرة والدنيا بأسرها لله عزّ وجلّ، فليس لهم معه أمر من الأمور، ومن جملة ذلك أمنياتهم الباطلة، وأطماعهم الفارغة، ثم أكد ذلك، وزاد في إبطال ما يتمنونه، فقال: {وَكَمْ مّن مَّلَكٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ لاَ تُغْنِى شَفَـٰعَتُهُمْ شَيْئاً } وكم هنا هي الخبرية المفيدة للتكثير، ومحلها الرفع على الابتداء، والجملة بعدها خبرها، ولما في {كم} من معنى التكثير، جمع الضمير في شفاعتهم مع إفراد الملك، والمعنى: التوبيخ لهم بما يتمنون، ويطمعون فيه من شفاعة الأصنام مع كون الملائكة مع كثرة عبادتها، وكرامتها على الله لا تشفع إلاّ لمن أذن أن يشفع له، فكيف بهذه الجمادات الفاقدة للعقل والفهم، وهو معنى قوله: {إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ } لهم بالشفاعة {لِمَن يَشَاء } أن يشفعوا له {وَيَرْضَىٰ } بالشفاعة له لكونه من أهل التوحيد، وليس للمشركين في ذلك حظّ، ولا يأذن الله بالشفاعة لهم ولا يرضاها؛ لكونهم ليسوا من المستحقين لها. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس {وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ } قال: إذا انصبّ. وأخرج ابن المنذر عنه قال: هو الثريا إذا تدلت. وأخرج عنه أيضاً قال: أقسم الله أن ما ضلّ محمد، ولا غوى. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {ذُو مِرَّةٍ } قال: ذو خلق حسن. وأخرج أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ في العظمة عن ابن مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ير جبريل في صورته إلاّ مرّتين، أما واحدة: فإنه سأله أن يراه في صورته فأراه صورته، فسدّ الأفق، وأما الثانية: فإنه كان معه حيث صعد، فذلك قوله: {وَهُوَ بِٱلاْفُقِ ٱلأعْلَىٰ }. {لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ ءايَـٰتِ رَبّهِ ٱلْكُبْرَىٰ } قال: خلق جبريل. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : رأيت جبريل عند سدرة المنتهى له ستمائة جناح»تفسير : ، وأخرجه أحمد عنه أيضاً. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس {وَهُوَ بِٱلاْفُقِ ٱلاْعْلَىٰ } قال: مطلع الشمس. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن مسعود في قوله: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ } قال: رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم جبريل له ستمائة جناح. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، وأبو الشيخ في العظمة، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عنه في قوله: {مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ } قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه حلة رفرف أخضر قد ملأ ما بين السماء والأرض. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ } قال: هو محمد صلى الله عليه وسلم دنا فتدلى إلى ربه. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، عنه قال: دنا ربه فتدلى. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ } قال: دنا جبريل منه حتى كان قدر ذراع أو ذراعين. وأخرج الطبراني، وابن مردويه، والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: القاب: القيد، والقوسين: الذراعين. وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: لما أسري بالنبيّ صلى الله عليه وسلم اقترب من ربه، فكان قاب قوسين أو أدنى، ألم ترى إلى القوس ما أقربها من الوتر. وأخرج النسائي، وابن المنذر، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس {فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ } قال: عبده محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج مسلم، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عنه في قوله: {مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ }. {وَلَقَدْ رَءاهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ } قال: رأى محمد ربه بقلبه مرّتين. وأخرج نحوه عنه عبد بن حميد، والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه. وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: رأى محمد ربه. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينه. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عنه قال: رأى محمد ربه مرّتين مرّة ببصره، ومرّة بفؤاده. وأخرج الترمذي وحسنه، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي عنه أيضاً قال: لقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه عزّ وجلّ. وأخرج النسائي، والحاكم وصححه، وابن مردويه عنه أيضاً قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد؟ وقد روي نحو هذا عنه من طرق. وأخرج مسلم، والترمذي، وابن مردويه عن أبي ذرّ قال:سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: «حديث : نور أنى أراه؟»تفسير : . وأخرج مسلم، وابن مردويه عنه: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال:«حديث : رأيت نوراً»تفسير : . وأخرج عبد بن حميد، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه بقلبه، ولم يره ببصره. وأخرج مسلم عن أبي هريرة في قوله: {وَلَقَدْ رَءاهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ } قال: جبريل. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، والترمذي، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن مسعود قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة ينتهي ما يعرج من الأرواح، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها، فيقبض منها {إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ } قال: فراش من ذهب. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن مسعود قال: الجنة في السماء السابعة العليا، والنار في الأرض السابعة السفلى. وأخرج البخاري، وغيره عن ابن عباس قال: كان اللات رجلاً يلتّ السويق للحاجّ. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عنه أن العزى كانت ببطن نخلة، وأن اللات كانت بالطائف، وأن مناة كانت بقديد. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {ضِيزَىٰ } قال: جائرة لا حقّ لها.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} فيه خمسة أقاويل: أحدها: نجوم القرآن إذا نزلت لأنه كان ينزل نجوماً، قاله مجاهد. الثاني: أنها الثريا، رواه ابن أبي نجيح، لأنهم كانوا يخافون الأمراض عند طلوعها. الثالث: أنها الزهرة، قاله السدي، لأن قوماً من العرب كانوا يعبدونها. الرابع: أنها جماعة النجوم، قاله الحسن، وليس بممتنع أن يعبر عنها بلفظ الواحد كما قال عمر بن أبي ربيعة: شعر : أحسن النجم في السماء الثريا والثريا في الأرض زين النساء تفسير : الخامس: أنها النجوم المنقضة، وسببه أن الله تعالى لما أراد بعث محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً، كثر انقضاض الكواكب قبل مولده، فذعر أكثر العرب منها، وفزعوا إلى كاهن لهم ضرير كان يخبرهم بالحوادث، فسألوه عنها، فقال انظروا البروج الاثني عشر، فإن انقض منها شيء، فهو ذهاب الدنيا، وإن لم ينقض منها شيء، فسيحدث في الدنيا أمر عظيم، فاستشعروا ذلك، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان هو الأمر العظيم الذي استشعروه، فأنزل الله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} أي ذلك النجم الذي هوى، هو لهذه النبوة التي حدثت. وفي قوله تعالى {إِذَا هَوى} ستة أقاويل: أحدها: النجوم إذا رقي إليها الشياطين، قاله الضحاك. الثاني: إذا سقط. الثالث: إذا غاب. الرابع: إذا ارتفع. الخامس: إذا نزل. السادس: إذا جرى، ومهواها جريها، لأنها لا تفتر في جريها في طلوعها وغروبها، وهذا قول أكثر المفسرين. وهذا قسم، وعلى القول الخامس في انقضاض النجوم خبر. {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم، وفيه وجهان: أحدهما: ما ضل عن قصد الحق ولا غوى في اتباع الباطل. الثاني: ما ضل بارتكاب الضلال، وما غوى بأن خاب سعيه، وألفى الخيبة كما قال الشاعر: شعر : فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائماً تفسير : أي: من خاب في طلبه لامه الناس، وهذا جواب القسم على قول الأكثرين، قال مقاتل: وهي أول سورة أعلنها رسول الله بمكة. {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى} فيه وجهان: أحدهما: وما ينطق عن هواه، وهو ينطق عن أمر الله، قاله قتادة. الثاني: ما ينطق بالهوى والشهوة، إن هو إلا وحي يوحى بأمر ونهي من الله تعالى له. {إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} أي يوحيه الله إلى جبريل ويوحيه جبريل إليه.
ابن عطية
تفسير : أقسم الله تعالى بهذا المخلوق تشريفاً له وتنبيهاً منه ليكون معتبراً فيه حتى تولى العبرة إلى معرفة الله تعالى. وقال الزهري، المعنى: ورب النجم، وفي هذا قلق مع لفظ الآية. واختلف المتأولون في تعيين النجم المقسم به فقال ابن عباس ومجاهد والفراء، وبينه منذر بن سعيد هو الجملة من القرآن إذا تنزلت، وذلك أنه روي أن القرآن نزل على محمد صلى الله عليه وسلم نجوماً أي أقداراً مقدرة في أوقات ما، ويجيء {هوى} على هذا التأويل بمعنى: نزل، وفي هذا الهوى بعد وتحامل على اللغة، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : فلا أقسم بمواقع النجوم} تفسير : [الواقعة: 75] والخلاف في هذا كالخلاف في تلك، وقال الحسن ومعمر بن المثنى وغيرهما: {النجم} هنا اسم جنس، أرادوا النجوم إذا هوت، واختلف قائلو هذه المقالة في معنى: {هوى} فقال جمهور المفسرين: {هوى} إلى الغروب، وهذا هو السابق إلى الفهم من كلام العرب، وقال الحسن بن أبي الحسن وأبو حمزة الثمالي {هوى} عند الإنكدار في القيامة فهي بمعنى. قوله: {أية : وإذا الكواكب انتثرت}. تفسير : [الانفطار: 2] وقال ابن عباس في كتاب الثعلبي هو في الانقضاض في أثر العفرية وهي رجوم الشياطين، وهذا القول تسعده اللغة، والتأويلات في {هوى} محتملة، كلها قوية ومن الشاهد في النجم الذي هو اسم الجنس قول الراعي: شعر : فتاقت تعد النجم في مستحيرة سريع بأيدي الآكلين جمودها تفسير : يصف إهالة صافية، والمستحيرة: القدر التي يطبخ فيها، قاله الزجاج. وقال الرماني وغيره: هي شحمة صافية حين ذابت، وقال مجاهد وسفيان: {النجم} في قسم الآية الثريا، وسقوطها مع الفجر هو هويها والعرب لا تقول النجم مطلقاً إلا للثريا، ومنه قول العرب [مجزوء الرمل] شعر : طلع النجم عشاء فابتغى الراعي كساء طلع النجم غدية فابتغى الراعي شكية تفسير : و {هوى} على هذا القول يحتمل الغروب ويحتمل الانكدار، و {هوى} في اللغة معناه: خرق الهوى ومقصده السفل أو مسيره إن لم يقصده إليه، ومنه قول الشاعر: [مجزوء الكامل] شعر : هوى ابني شفا جبل فزلّتْ رجله ويده تفسير : وقول الشاعر: [الطويل] شعر : وإن كلام المرء في غير كنهه لك النبل تهوي ليس فيها نصالها تفسير : وقول زهير: شعر : هَوِي الدلو أسلمها الرشاء تفسير : ومنه قولهم للجراد: الهاوي، ومنه هوى العقاب. والقسم واقع على قوله: {ما ضل صاحبكم وما غوى} والضلال أبداً يكون من غير قصد من الإنسان إليه. والغي كأنه شيء يكتسبه الإنسان ويريده، نفى الله تعالى عن نبيه هذين الحالين، و {غوى}: الرجل يغوي إذا سلك سبيل الفساد والعوج، ونفى الله تعالى عن نبيه أن يكون ضل في هذه السبيل التي أسلكه الله إياها، وأثبت له تعالى في الضحى أنه قد كان قبل النبوءة ضالاً بالإضافة إلى حاله من الرشد بعدها. وقوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى} يريد محمداً صلى الله عليه وسلم أنه ليس يستكلم عن هواه، أي بهواه وشهوته. وقال بعض العلماء: المعنى: وما ينطق القرآن المنزل عن هوى وشهوة، ونسب النطق إليه من حيث تفهم عنه الأمور كما قال: {أية : هذا كتابنا ينطق} تفسير : [الجاثية: 29] وأسند الفعل إلى القرآن ولم يتقدم له ذكر لدلالة المعنى عليه. وقوله: {إن هو إلا وحي يوحى} يراد به القرآن بإجماع، والوحي: إلقاء المعنى في خفاء، وهذه عبارة تعم الملك والإلهام والإشارة وكل ما يحفظ من معاني الوحي. والضمير في قوله: {علمه} يحتمل أن يكون للقرآن، والأظهر أنه لمحمد صلى الله عليه وسلم. وأما المعلم فقال قتادة والربيع وابن عباس: هو جبريل عليه السلام، أي علم محمداً القرآن. وقال الحسن المعلم الشديد القوى هو الله تعالى. و {القوى} جمع قوة، وهذا في جبريل مكتمن، ويؤيده قوله تعالى: {أية : ذي قوة عند ذي العرش مكين} تفسير : [التكوير: 20]. و {ذو مرة} معناه: ذو قوة، قاله قتادة وابن زيد والربيع، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي". تفسير : وأصل المرة من مرائر الحبل، وهي فتله وإحكام عمله، ومنه قول امرئ القيس: [الطويل] شعر : بكل ممر الفتل شد بيذبل تفسير : وقال قوم ممن قال إن ذا المرة جبريل. معنى: {ذو مرة} ذو هيئة حسنة وقال آخرون: بل معناه ذو جسم طويل حسن. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله ضعيف. و {استوى} مستند إلى الله تعالى في قول الحسن الذي قال: إنه لمتصف: بـ {شديد القوى}، وكذلك يجيء قوله: {وهو بالأفق الأعلى} صفة الله تعالى على معنى وعظمته وقدرته وسلطانه تتلقى نحو "الأفق الأعلى"، ويجيء المعنى نحو قوله تعالى: {أية : الرحمن على العرش استوى} تفسير : [طه: 5]، ومن قال إن المتصف بـ {شديد القوى} هو جبريل عليه السلام قال: إن {استوى} مستند إلى جبريل، واختلفوا بعد ذلك، فقال الربيع والزجاج: المعنى: {فاستوى} جبريل في الجو، وهو إذ ذاك، {بالأفق الأعلى} إذ رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراء قد سد الأفق، له ستمائة جناح، وحينئذ دنا من محمد حتى كان {قاب قوسين}، وكذلك هو المراد في هذا القول النزلة الأخرى في صفته العظيمة له ستمائه جناح عند السدرة وقال الطبري والفراء المعنى: {فاستوى} جبريل. وقوله: {وهو} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم ذكره في الضمير في {علمه}. وفي هذا التأويل العطف على المضمر المرفوع دون أن يؤكد، وذلك عند النحاة مستقبح، وأنشد الفراء على قوله: [الطويل] شعر : ألم تر أن النبع يصلب عوده ولا يستوي والخروع المتقصف تفسير : وقد ينعكس هذا الترتيب فيكون "استوى" لمحمد وهو لجبريل عليه السلام، وأما {الأعلى} فهو عندي لقمة الرأس وما جرى معه. وقال الحسن وقتادة: هو أفق مشرق الشمس وهذا التخصيص لا دليل عليه. واختلف الناس إلى من استند قوله. {ثم دنا فتدلى} فقال الجمهور: استند إلى جبريل عليه السلام، أي دنا إلى محمد في الأرض عند حراء. وقال ابن عباس وأنس في حديث الإسراء ما يقتضي أنه يستند إلى الله تعالى، ثم اختلف المتأولون، فقال مجاهد: كان الدنو إلى جبريل. وقال بعضهم: كان إلى محمد. و: {دنا فتدلى} على هذا القول معه حذف مضاف. أي دنا سلطانه ووحيه وقدره لا الانتقال، وهذه الأوصاف منتفية في حق الله تعالى. والصحيح عندي أن جميع ما في هذه الآيات هو مع جبريل، بدليل قوله: {أية : ولقد رآه نزلة أخرى} تفسير : [النجم: 13] فإن ذلك يقضي بنزلة متقدمة، وما روي قط أن محمداً رأى ربه قبل ليلة الإسراء، أما أن الرؤية بالقلب لا تمنع بحال و {دنا} أعم من: "تدلى"، فبين تعالى بقوله: {فتدلى} هيئة الدنو كيف كانت، و: {قاب} معناه: قدر. وقال قتادة وغيره: معناه من طرف العود إلى طرفه الآخر. وقال الحسن ومجاهد: من الوتر إلى العود في وسط القوس عند المقبض. وقرأ محمد بن السميفع اليماني: "فكان قيس قوسين"، والمعنى قريب من {قاب}، ومن هذه اللفظة قول النبي عليه السلام: "حديث : لقاب قوس أحدكم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها" تفسير : وفي حديث آخر: "حديث : لقاب قوس أحدكم في الجنة ". تفسير : وقوله: {أو أدنى} معناه: على مقتضى نظر البشر، أي لو رآه أحدكم لقال في ذلك قوسان أو أدنى من ذلك، وقال أبو زيد ليست بهذه القوس، ولكن قدر الذراعين أو أدنى، وحكى الزهراوي عن ابن عباس أن القوس في هذه الآية ذراع تقاس به الأطوال، وذكره الثعلبي وأنه من لغة الحجاز. وقوله تعالى: {فأوحى إلى عبده ما أوحى}، قال ابن عباس المعنى: {فأوحى} الله {إلى عبده} جبريل {ما أوحى}. وفي قوله: {ما أوحى} إبهام على جهة التفخيم والتعظيم، والذي عرف من ذلك فرض الصلاة، وقال الحسن المعنى: فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد ما أوحى كالأولى في الإبهام، وقال ابن زيد المعنى: فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد ما أوحى الله إلى جبريل. وقوله تعالى: {ما كذب الفؤاد ما رأى} قرأ جمهور القراء بتخفيف الذال على معنى لم يكذب قلب محمد الشيء الذي رأى، بل صدقه وتحققه نظراً، و {كذب} يتعدى، وقال أهل التأويل ومنهم ابن عباس وأبو صالح: رأى محمد الله تعالى بفؤاده. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : جعل الله نور بصري في فؤادي، فنظرت إليه بفؤادي". تفسير : وقال آخرون من المتأولين المعنى: ما رأى بعينه لم يكذب ذلك قلبه، بل صدقه وتحققه، ويحتمل أن يكون التقدير فيما رأى، وقال ابن عباس فيما روي عنه وعكرمة وكعب الأحبار إن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعيني رأسه. بسط الزهراوي هذا الكلام عنهم وأبت ذلك عائشة، وقالت:حديث : أنا سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآيات، فقال لي: "هو جبريل فيها كلها"تفسير : . وقال الحسن المعنى: ما رأى من مقدورات الله وملكوته.حديث : وسأل أبو ذر رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ربك؟ قال: "هو نور أنَّى أراه"تفسير : ، وهذا قول الجمهور، وحديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قاطع بكل تأويل في اللفظ، لأن قول غيرها إنما هو منتزع من ألفاظ القرآن. وقرأ ابن عامر فيما روى عنه هشام: "ما كذّب" بشد الذال، وهي قراءة أبي رجاء وأبي جعفر وقتادة والجحدري وخالد، ومعناه بين على بعض ما قلناه، وقال كعب الأحبار: إن الله تعالى قسم الكلام والرؤية بين موسى ومحمد، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين، وقالت عائشة رضي الله عنها: لقد وقف شعري من سماع هذا وتلت: {أية : لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار} تفسير : [الأنعام: 103]. وذهبت هي وابن مسعود وقتادة وجمهور العلماء إلى أن المرئي هو جبريل عليه السلام في المرتين: في الأرض وعند سدرة المنتهى ليلة الإسراء، وقد ذكرتها في سورة "سبحان" وهي مشهورة في الكتب الصحاح. وقرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر هذه السورة كلها بفتح أواخر آيها وأمال عاصم في رواية أبي بكر: "رأى". وقرأ نافع وأبو عمرو بين الفتح. وأمال حمزة والكسائي جميع ما في السورة، وأمال أبو عمرو فيما روى عنه عبيد: "الأعلى" و: "تدلى".
ابن عبد السلام
تفسير : {وَالنَّجْمِ} نجوم القرآن إذا نزلت، أو الثريا، أو الزهرة، أو جنس النجوم، أو النجوم المنقضة {هَوَى} رمى به الشياطين، أو سقط، أو غاب أو ارتفع، أو نزل، أو جرى ومهواها جريها لأنها لا تفتر في طلوعها ولا غروبها قاله الأكثرون.
النسفي
تفسير : {وَٱلنَّجْمِ } أقسم بالثريا أو بجنس النجوم {إِذَا هَوَىٰ } إذا غرب أو انتثر يوم القيامة وجواب القسم {مَا ضَلَّ } عن قصد الحق {صَـٰحِبُكُمْ } أي محمد صلى الله عليه وسلم والخطاب لقريش {وَمَا غَوَىٰ } في اتباع الباطل. وقيل: الضلال نقيض الهدى والغي نقيض الرشد أي هو مهتد راشد وليس كما تزعمون من نسبتكم إياه إلى الضلال والغي {وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَىٰ } وما أتاكم به من القرآن ليس بمنطق يصدر عن هواه ورأيه إنما هو وحي من عند الله يوحى إليه. ويحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء عليهم السلام، ويجاب بأن الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد وقررهم عليه كان كالوحي لا نطقاً عن الهوى. {علَّمَهُِ} علم محمداً عليه السلام {شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ } ملك شديد قواه والإضافة غير حقيقية لأنها إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها، وهو جبريل عليه السلام عند الجمهور، ومن قوته أنه اقتلع قرى قوم لوط من الماء الأسود وحملها على جناحه ورفعها إلى السماء ثم قلبها وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين {ذُو مِرَّةٍ } ذو منظر حسن عن ابن عباس {فَٱسْتَوَىٰ } فاستقام على صورة نفسه الحقيقية دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي، وكان ينزل في صورة دحية وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب أن يراه في صورته التي جبل عليها فاستوى له في الأفق الأعلى وهو أفق الشمس فملأ الأفق. وقيل: ما رآه أحد من الأنبياء عليهم السلام في صورته الحقيقية سوى محمد صلى الله عليه وسلم مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء. {وَهُوَ } أي جبريل عليه السلام {بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ } مطلع الشمس {ثُمَّ دَنَا } جبريل من رسول الله صلى الله عليه وسلم {فَتَدَلَّىٰ } فزاد في القرب، والتدلي هو النزول بقرب الشيء {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ } مقدار قوسين عربيتين. وقد جاء التقدير بالقوس والرمح والسوط والذراع والباع ومنه: «لا صلاة إلى أن ترتفع الشمس مقدار رمحين»، وفي الحديث: «حديث : لقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع قده خير من الدنيا وما فيها»تفسير : والقد السوط وتقديره فكان مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين فحذفت هذه المضافات {أَوْ أَدْنَىٰ } أي على تقديركم كقوله: {أية : أَوْ يَزِيدُونَ }تفسير : [الصافات: 147] وهذا لأنهم خوطبوا على لغتهم ومقدار فهمهم وهم يقولون هذا قدر رمحين أو أنقص. وقيل: بل أدنى {فَأَوْحَىٰ } جبريل عليه السلام {إِلَىٰ عَبْدِهِ } إلى عبد الله وإن لم يجر لاسمه ذكر لأنه لا يلتبس كقوله {أية : مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا }تفسير : [فاطر: 45] {مَا أَوْحَىٰ } تفخيم للوحي الذي أوحي إليه. قيل: أوحي إليه إن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك {مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ } فؤاد محمد {مَا رَأَىٰ } ما رآه ببصره من صورة جبريل عليه السلام أي ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان كاذباً لأنه عرفه يعني أنه رآه بعينه وعرفه بقلبه ولم يشك في أن ما رآه حق. وقيل: المرئي هو الله سبحانه، رآه بعين رأسه وقيل بقلبه {أَفَتُمَـٰرُونَهُ } أفتجادلونه من المراء وهو المجادلة واشتقاقه من مرى الناقة كأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند صاحبه، {أَفَتُمَـٰرُونَهُ } حمزة وعلي وخلف ويعقوب، أفتغلبونه في المراء من ماريته فمريته ولما فيه من معنى الغلبة قال {عَلَىٰ مَا يَرَىٰ } فعدي بـ «على» كما تقول غلبته على كذا. وقيل: أفتمرونه أفتجحدونه يقال: مريته حقه إذا جحدته وتعديته بـ «على» لا تصح إلا على مذهب التضمين. {وَلَقَدْ رَءاهُ } رأى محمد جبريل عليهما السلام {نَزْلَةً أُخْرَىٰ } مرة أخرى من النزول نصبت النزلة نصب الظرف الذي هو مرة لأن الفعلة اسم للمرة من الفعل فكانت في حكمها أي نزل عليه جبريل عليه السلام نزلة أخرى في صورة نفسه فرآه عليها وذلك ليلة المعراج {عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ } الجمهور على أنها شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش. والمنتهى بمعنى موضع الانتهاء أو الانتهاء كأنها في منتهى الجنة وآخرها، وقيل: لم يجاوزها أحد وإليها ينتهي علم الملائكة وغيرهم ولا يعلم أحد ما وراءها. وقيل: تنتهي إليها أرواح الشهداء {عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ } أي الجنة التي يصير إليها المتقون. وقيل: تأوي إليها أرواح الشهداء {إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ } أي رآه إذ يغشى السدرة ما يغشى، وهو تعظيم وتكثير لما يغشاها، فقد علم بهذه العبارة أن ما يغشاها من الخلائق الدالة على عظمة الله تعالى وجلاله أشياء لا يحيط بها الوصف. وقد قيل: يغشاها الجم الغفير من الملائكة يعبدون الله تعالى عندها. وقيل: يغشاها فراش من ذهب {مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ} بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عدل عن رؤية العجائب التي أمر برؤيتها ومكن منها {وَمَا طَغَىٰ } وما جاوز ما أمر برؤيته. {لَقَدْ رَأَىٰ } والله لقد رأى {مِنْ ءايَـٰتِ رَبّهِ ٱلْكُبْرَىٰ } الآيات التي هي كبراها وعظماها يعني حين رقي به إلى السماء فأري عجائب الملكوت. {أَفَرَءيْتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ } أي أخبرونا عن هذه الأشياء التي تعبدونها من دون الله عز وجل هل لها من القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزة؟ اللات والعزى ومناة أصنام لهم وهي مؤنثات، فاللات كانت لثقيف بالطائف. وقيل: كانت بنخلة تعبدها قريش وهي فعلة من لوى لأنهم كانوا يلوون عليها ويعكفون للعبادة، والعزى كانت لغطفان وهي ثمرة وأصلها تأنيث الأعز وقطعها خالد بن الوليد، ومناة صخرة كانت لهذيل وخزاعة. وقيل: لثقيف وكأنها سميت مناة لأن دماء النسائك كانت تمنى عندها أي تراق {ومناءة} مكي مفعلة من النوء كأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبركاً بها {ٱلأَخْرَىٰ } هي صفة ذم أي المتأخرة الوضيعة المقدار، كقوله {أية : وَقَالَتِ أُخْرَاهُمْ لأُولَـٰهُمْ } تفسير : [الأعراف: 38] أي وضعاؤهم لرؤسائهم وأشرافهم، ويجوز أن تكون الأولية والتقدم عندهم للات والعزى كانوا يقولون: إن الملائكة وهذه الأصنام بنات الله وكانوا يعبدونهم ويزعمون أنهم شفعاؤهم عند الله مع وأدهم البنات وكراهتهم لهن فقيل لهم {أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنثَىٰ * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ } أي جعلكم لله البنات ولكم البنين قسمة ضيزى أي جائزة من ضازه يضيزه إذا ضامه. و {ضِيزَىٰ } فعلى إذ لا فعلى في النعوت فكسرت الضاد للياء كما قيل «بيض» وهو بوض مثل حمر وسود، {ضئزى} بالهمز: مكي من ضأزه مثل ضازه.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {والنجم إذا هوى} قال ابن عباس يعني الثريا إذا سقطت وغابت والعرب تسمي الثريا نجماً ومنه قولهم إذا طلع النجم عشاء ابتغى الراعي كساء وجاء في الحديث عن أبي هريرة مرفوعاً: "حديث : ما طلع النجم قط وفي الأرض من العاهة شيء إلا رفع" تفسير : أراد بالنجم الثريا، وقيل: هي نجوم السماء كلها وهويها غروبها فعلى هذا لفظه واحد ومعناه الجمع. وروي عن ابن عباس أنه الرجوم من النجوم وهي ما ترمى به الشياطين عند استراق السمع. وقيل: هي النجوم إذا انتثرت يوم القيامة. وقيل: أراد بالنجم القرآن سمي نجماً لأنه نزل نجوماً متفرقة في عشرين سنة وهو قول ابن عباس أيضاً. وقيل: النجم هو النبت الذي لا ساق له وهويه سقوطه إذا يبس على الأرض. وقيل: النجم هو محمد صلى الله عليه وسلم وهويه نزوله ليلة المعراج من السماء وجواب القسم قوله تعالى: {ما ضل صاحبكم} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم ما ضل عن طريق الهدى {وما غوى} أي ما جهل. وقيل: الفرق بين الضلال والغي أن الضلال هو أن لا يجد السالك إلى مقصده طريقاً أصلاً والغواية أن لا يكون له طريق إلى مقصده مستقيم وقيل: إن الضلال أكثر استعمالاً من الغواية {وما ينطق عن الهوى} أي بالهوى والمعنى لا يتكلم بالباطل وذلك أنهم قالوا: إن محمداً يقول القرآن من تلقاء نفسه {إن هو} أي ما هو يعني القرآن وقيل: نطقه في الدين {إلا وحي} من الله {يوحى} إليه.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {هوى} وسائر آياته بالإمالة اللطيفة: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو. وقرأ حمزة وعلي وخلف بالإمالة المفرطة كما سبق في "طه" {ما كذب} بالتشديد: يزيد وهشام {ما زاغ البصر} بالإمالة: حمزة ونصير {ومناة} بالمد: ابن كثير والشموني {أفتمرونه} ثلاثياً: يعقوب وحمزة وعلي وخلف {ضيزى} بالهمزة: ابن كثير في رواية {كبير الأثم} على التوحيد: حمزة وعلي وخلف والمفضل {إبراهام} هشام {عاداً لولي} مدغماً غير مهموز: أبو عمرو ويزيد ويعقوب والنجاري عن ورش. وقرأ إسماعيل والأصبهاني عن ورش وأبو نشيط عن قالوا بإظهار الغنة غير مهموز. وكذلك روي عن أبي عمرو فعلى مذهبهم إذا وقف القارىء على {عاد} ابتدأ {بلولي} ولو شاء الولي بتخفيف الهمزة والأول أحسن. وقرأ قالون غير أبي نشيط بالهمزة وإظهار الغنة، وإذا وقف على {عاد} ابتدأ {لولي} ولو شاء {الولي} والباقون {عاد الأولى} بالألف قبل اللام وبعد اللام في الحالين {وثمود} في الحالين بغير تنوين: حمزة وعاصم غير ابن غالب والبرجمي والمفضل وسهل ويعقوب {ربك تمارى} بتشديد التاء: رويس عن يعقوب. الوقوف: {هوى} ه لا {غوى} ه ج للآية مع العطف على جواب القسم {الهوى} ه ط {يوحى} ه لا {القوى} ه لا لذلك {ذو مرة} ط لتمام الصفة {فاستوى} ه لا لأن الواو للحال {الأعلى} ه ط {فتدلى} ه لا لأن ما بعده من تمام المقصود {أو أدنى} ه ج وإن اتفقت الجملتان لأن ضمير {فأوحى} لله لا للنبي {ما أوحى} ه ج {ما رأى} ه {أخرى} ه لا {المنتهى} ه {المأوى} ه لأن عامل {إذ زاغ البصر} فلا وقف على {ما يغشى} {طغى} ه {الكبرى} ه {والعزى} ه لا {الأخرى} ه {الأنثى} ه {ضيزى} ه {سلطان} ط {الأنفس} ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف {الهدى} ه ط لأن أم ابتداء استفهام إنكار {ما تمنى} ه ز لتناهى الاستفهام والوصل أولى للفاء واتصال المعنى {والأولى} ه {ويرضى} ه {الأنثى} ه {علم} ط {إلا الظن} ه ج لاختلاف الجملتين {شيئاً} ط لذلك {الدنيا} ه ط {من العلم} ط {اهتدى} ه {وما في الأرض} ط {بالحسنى} ه ج لأن {الذين} يصلح خبر مبتدأ محذوف وبدلاً من {الذين أحسنوا} {اللمم} ط {المغفرة} ط {أمهاتكم} ج {أنفسكم} ه ط {اتقى} ه {تولى} ج {وأكدى} ه {يرى} ه {موسى} ه {وفى} ه لا {أخرى} ه لا {سعى} ه لا {يرى} ه ص لوقوع العارض بين المعطوف على أن {الأوفى} ه لا {المنتهى} ه لا {وأبكى} ه لا {وأحيا} ه لا {والأنثى} ه {تمنى} ه ص لما مر {الأخرى} ه لا {وأقنى} ه لا {الشعرى} ه ط {الأولى} ه لا {أبقى} ه لا {وأطفى} ه ط لأن {المؤتفكة} منصوب بما بعده {هوى} ه لا {ما غشى} ه ج لابتداء الاستفهام مع الفاء {تتمارى} ه {الأولى} ه لا {الآزقة} ه للاستئناف والحال {كاشفةْ} ه {تعجبون} ه لا {ولا تبكون} ه لا {سامدون} ه لا {واعبدوا} ه سجدة. التفسير: لما ختم السورة المتقدمة بالنجوم خص الأقسام في أول هذه السورة بالنجم, واللام فيه للعهد أو للجنس. والأول قول من قال: إنه الثريا وهو اسم غالب لها وصورتها في السماء كعنقود عنب. وأظهر كواكبها سبعة وهي المنزل الثالث من منازل القمر. قال: إذا طلع النجم عشاء ابتغى الراعي كساء. وذلك أن الشمس تكون في أول العقرب حينئذ في مقابلتها فتطلع بغروبها. وعلى الثاني فيه وجوه أحدها. نجوم السماء وهويها غروبها. وفائدة هذا القيد أن النجم إذا كان في وسط السماء لم يهتد به الساري لأنه لا يعلم المغرب من المشرق والجنوب من الشمال، فإذا مال إلى الأفق عرف به هذه الجهات والميل إلى أفق المغرب أولى بالذكر من الناظر إليه حينئذ يستدل بغروبها على أفوله في حيز الإمكان فيتم له اهتداء الدين مع اهتداء الدنيا. وقيل: هويها انتثارها يوم القيامة. وثانيها النجم هو الذي يرجم به الشياطين وهويها انقضاضها. وثالثها النجم النبات إذا هوى إذا سقط على الأرض وهو غاية نشوة. ورابعها النجم أحد نجوم القرآن وقد نزل منجماً في عشرين سنة فيكون كقوله {أية : والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم} تفسير : [يس: 2 - 3] وعلى القول الآخر فالثريا أظهر النجوم عند الناظرين وأشهر المنازل للسائرين وأنها تطلع عشاء في وقت إدراك الثمار. والنبي صلى الله عليه وسلم تميز من سائر الأنبياء بالمعجزات الباهرات ولا سيما فإنه حين ظهر زال يبس الشوك وحرارة الحمية الجاهلية وإدراك الحكمة ورجم به شياطين الإنس المضلين لعباد الله في أرضه، ونبت بوجوده أصناف الأغذية الروحانية تامة كاملة. قال جار الله: الضلال نقيض الهدى، والغي نقيض الرشد، والخطاب لقريش. قلت: هذا صادق من حيث الاستعمال لقوله {أية : قد تبين الرشد من الغي}تفسير : [البقرة: 256] {أية : من يضلل الله فلا هادي له}تفسير : [الأعراف: 186] إلا أنه ينبغي أن يتبين لافرق بين الضلال والغواية. والظاهر أن الضلال أعم وهو أن لا يجد السالك إلى مقصده طريقاً أصلاً، والغواية أن لا يكون له إلى المقصد طريق مستقيم ولهذا لا يقال للمؤمن من إنه ضال أو غير مهتد ويقال له إنه غوي غير رشيد. قال عز من قائل {أية : فإن آنستم منهم رشداً} تفسير : [النساء: 6] فكأنه سبحانه نفى الأعم أولاً ثم نفى الأخص ليفيد أنه على الجادة غير منحرف عنها أصلاً. ويحتمل أن يكون قوله {ما ضل} نفياً لقولهم هو كاهن أو مجنون لأن الكهانة أيضاً من مسيس الجن. وقوله {وما غوى} نفي لقولهم هو شاعر والشعراء يتبعهم الغاوون. ويحتمل أن يكون الأول عبارة عند صلاحه في أمور المعاد، والثاني إشارة إلى رشده في أمور المعاش ومنه يعلم أن أقواله كلها على سنن الصواب إلا أنه كان يمكن أن تكون مستنبطة من العقل أو العرف أو العادة، فأسندها الله سبحانه إلى طريق أخص وأشرف وهو أن تكون مستندة إلى الوحي فقال بصيغة تفيد الاستمرار {وما ينطق عن الهوى} أي ليس كل ما ينطق به ولا بعضه بصادر عن الرأي والتشهي إنما وحي يوحى إليه من الله، واستدل به بعض من لا يرى الاجتهاد للأنبياء عليهم السلام، وأجيب بأن الله تعالى إذا سوغ له الاجتهاد كان لك من قبيل الوحي أيضاً. وأما من يخص النطق بالقرآن فلا اعتراض عليه. قال أهل اللغة: الهوى المحبة النفسانية، والتركيب يدل على النزول والسقوط ومنه الهاوية. ومبة النفس الأمارة لا أصل لها ولا تصدر إلا عن خسة ودناءة، وقوله {إن هو إلا وحي} أبلغ مما لو قيل هو "وحي" وهو ظاهر. وقوله {يوحى} لتحقيق الحقيقة كقوله {أية : ولا طائر يطير بجناحيه} تفسير : [الأنعام: 38] فإن الفرس الشديد العدو بما يقال إنه طائر، فإذا قيل يطير بجناحيه زال جواز ذلك المجاز فكذلك ههنا ربما يقال للكلام الصادق الفصيح هو وحي أو سحر حلال. فلما قيل {يوحى} اندفع التجوز. ثم بين طريق الوحي بقوله {علمه} أي الموحي أو محمداً {شديد القوى} وهو جبرائيل عليه السلام أي قواه العلمية والعملية كلها شديدة مدح المعلم ليلزم منه فضيلة المتعلم. ولو قال "علمه جبرائيل عليه السلام" لم يفهم منه فضل المتعلم ظاهراً. وفيه رد على من زعم أنه يعلمه بشر لأن الإنسان خلق ضعيفاً وما أوتي من العلم إلا قليلاً. وفيه أن جبرائيل عليه السلام أمين موثوق به من حيث قوته المدركة والحافظة ولو كان مختل الذهن أو الحفظ لم يوثق بروايته، وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم كيلا يضيق صدره حين علم بواسطة الملك فكأنه قيل له: ليس لك في ذلك نقص لأنه شديد القوى على أنه قال في موضع آخر {أية : وعلمك ما لم تكن تعلم}تفسير : [النساء: 113] وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن حاله فقال "حديث : أدبني ربي فأحسن تأديبي " تفسير : والمرة القوة. والظاهر أنها القوة الجسمانية كقوله {أية : وزاده بسطة في العلم والجسم}تفسير : [البقرة: 247] فمن قوته أنه قلع قريات قوم لوط وقلبها بجناحه، وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين، وكان ينزل إلى الأنبياء ويصعد في لمحة. ويجوز أن يراد بقوله {شديد القوى} قواه الجسمانية وبقوله {ذو مرة} القوى العقلية. والتنكير للتعظيم. قوله {فاستوى} المشهور أن فاعله جبرائيل عليه السلام أي فاستقام على صورته الحقيقية دون صورة دحية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب أن يراه في صورته التي جبل عليها فاستوى له في الأفق الأعلى أي الأشرف وهو الشرقي {ثم دنا} جبرائيل من الرسول صلى الله عليه وسلم على الصورة المعتادة {فتدلى} قيل: فيه تقديم وتأخير أي فتعلق عليه في الهواء ثم دنا منه. وقيل: دنا أي قصد القرب من محمد أو تحرك من المكان الذي كان فيه، فنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم. يقال: تدلت الثمرة ودلى رجليه من السرير وقد يقال: الدنو والتدلي بمعنى واحد فلا يفيد إلا التأكيد. ثم زاد تأكيداً بقوله {فكان قاب قوسين} قال أهل العربية. هو من باب حذف المضافات أي فكان مقدار مسافة قرب جبرائيل عليه السلام مثل "قاب قوسين". والقاب والقيب والقاد والقيد والقيس كلها المقدار. والعرب تقدر الأشياء بالقوس والرمح والسوط والذراع والباع وغيرها. وفي الحديث "حديث : لا صلاة إلى أن ترتفع الشمس مقدار رمحين "تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : لقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع قده خير من الدنيا وما فيها" تفسير : والقد السوط. وقوله {أو أدنى} أي في تقديركم كقوله {أية : مائة ألف أو يزيدون}تفسير : [الصافات: 147] وقال بعضهم: الضمير في {فاستوى} لمحمد صلى الله عليه وسلم وذلك أن تعليم جبرائيل إياه كان قبل كماله واستوائه، فحين تكاملت قواه النظرية والعلمية وصار بالأفق الأعلى أي بالرتبة العليا من المراتب الإنسانية دنا من الأمة فتدلى أي لان لهم ورفق بهم حتى قال {أية : إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ}تفسير : [الكهف: 110] فكان الفرق بينه وبين جبرائيل قليلاً جداً. وعلى هذا يمكن أن يكون الرجحان في الكمال للنبي صلى الله عليه وسلم كما يقول أكثر أهل السنة، أو بالعكس كما تزعم طائفة منهم ومن غيرهم، ويحتمل على هذا القول أن يكون الضمير في {دنا} لجبريل والمراد أن النبي صلى الله عليه وسلم وإن زال عن الصفات البشرية من الشهوة والغضب والجهل وبلغ الأفق الأعلى الإنساني، ولكن نوعيته لم تزل عنه وكذلك جبرائيل. وإن ترك اللطافة المانعة من الرؤية ونزل إلى الأفق الأدنى من الآفاق الملكية ولكن لم يخرج عن كونه ملكاً فلم يبقى بينهما إلا اختلاف حقيقتهما نظيره {أية : ولقد رآه بالأفق المبين}تفسير : [التكوير: 23] أي رأى جبرائيل وهو أي محمد بالأفق الفارق بين درجة الإنسان ومنزلة الملك كقول القائل: "رأيت الهلال على السطح" أي وأنا على السطح. وقد يجعل ذكر القوس عبارة عن معنى آخر هو أن العرب كانوا إذا عاهدوا فيما بينهم طرحوا قوساً أو قوسين لتأكيد العهد بين الاثنين، فأخبر الله سبحانه أنه كان بين جبرائيل ومحمد عليه الصلاة والسلام من المحبة وقرب المنزلة مثل ما تعرفونه فيما بينكم عند المعاقدة. وقيل: الضمير لمحمد صلى الله عليه وسلم أو لله والمراد قرب المكان بينهما. وهذا يشبه مذهب المجسمة إلا أن يقال: دنا دنو ألفة ولا دنو زلفة. دنا دنو إكرام لا دنو أجسام، دنا دنو أنس لا دنو نفس. والقوسان أحدهما صفة الحدوث والأخرى صفة القدم. أخبر بالقصة إكراماً وكتم الإسرار عظاماً. قوله {فأوحى إلى عبده ما أوحى} الضمير في الفعلين إما لله أو لجبرائيل، والمراد بالعبد إما محمد صلى الله عليه وسلم أو جبريل عليه السلام فيحصل تقديرات أحدها: فأوحى الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى وفيه تفخيم لشأن الوحي. وقيل: أوحى إليه الصلاة. وقيل: أوحى الله إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها. وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك. والظاهر أنها أسرار وحقائق ومعارف لا يعلمها إلا الله ورسوله. ثانيها فأوحى الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى أولاً جبرائيل يعني أن الوحي كان ينزل عليه أولاً بواسطة جبرائيل وقد ارتفعت الآن تلك الواسطة. وعلى هذا يحتمل أن يقال "ما" مصدرية أي أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم الإيحاء أي العلم بالإيحاء كي يفرق بين الملك والجن. أو كلمة أنه وحي أو خلق فيه علماً ضرورياً. ثالثها فأوحى الله إلى عبده جبريل ما أوحى. رابعها فأوحى الله إلى جبرائيل ما أوحى جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء قبله. وفيه إشارة إلى أن جبريل عليه السلام أمين لم يجن قط في شيء مما أوحى إلى الأنبياء. خامسها فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى الله إليه. سادسها فأوحى جبرائيل إلى عبد الله ما أوحى هو. وفي هذين الوجهين لا يمكن أن يراد بالعبد إلا محمد صلى الله عليه وسلم. قوله {ما كذب الفؤاد ما رأى} الأشهر أن اللام للعهد وهو فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم أي ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك. ولو قال ذلك لكان كاذباً لأنه عرفه. ومن قرأ بالتشديد فظاهر أي صدق فؤاده ما عاينه ولم يشك في ذلك. وقيل: اللام للجنس والمراد أن جنس الفؤاد لا ينكر ذلك وإن كان الوهم والخيال ينكره. والمقصود نفي الجواز لا نفي الوقوع كقوله {أية : لا تدركه الأبصار}تفسير : [الأنعام: 103] {أية : وما ربك بغافل}تفسير : [الأنعام: 132] بخلاف قوله {أية : إن الله لا يضيع أجر المحسنين} تفسير : [التوبة: 120] {أية : لا يغفر أن يشرك به}تفسير : [النساء: 48] فإنه لنفس الوقوع. والظاهر أن فاعل رأى محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: الفؤاد أو البصر أي ما رآه الفؤاد ولم يقل له إنه جن أو شيطان أو لم يكذب الفؤاد ما رآه بصر محمد صلى الله عليه وسلم. وما المرئي فيه أقوال: أحدها ما مر وهو أنه رأى جبريل في صورته بالأفق الشرقي. والثاني الآيات العجيبة الإلهية. والثالث الرب تعالى والمسألة مبنية على جواز الرؤية وقد تقدم البحث عن ذلك في قوله {أية : لا تدركه الأبصار}تفسير : [الأنعام: 103] ثم على وقوع الرؤية وقد تقدم خلاف الصحابة فيه في حديث معراج النبي صلى الله عليه وسلم وذلك في أول "سبحان الذي". ولعل القول الأول أصح. يروي أنه ما رأى جبريل أحد من الأنبياء في صورته الحقيقية غير محمد صلى الله عليه وسلم مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء، وإليه إشارة بقوله {أفتمارونه} من المراء أي أتجادلونه {على ما يرى} ومن قرأ {أفتمرونه} فمعناه أتغلبونه في المراء يقال: ماريته فمريته. ولما فيه من معنى الغلبة عدي بـ "على" وقيل: معناه افتجحدونه. ولا بد من تضمين معنى الغلبة. {ولقد رآه نزلة أخرى} أي مرة أخرى فانتصبت على الظرف لأن الفعلة صيغة المرة فكانت النزلة في حكم المرة أي نزل عليه جبريل في صورته تارة أخرى في ليلة المعراج ووجه الاستفهام الإنكاري أنه لما رآه وهو على بسيط الأرض احتمل أن يقال: إنه كان من الجن احتمالاً بعيداً فلما رآه {عند سدرة المنتهى} لم يحتمل أن يكون هناك جن ولا إنس فلم يبق للجدال مجال. أما القائل بالقول الثالث فزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بقلبه مرتين. والنزلة إما لله بمعنى الحركة والانتقال عند من يجوز ذلك، أبو بمعنى قرب الرحمة والإفضال، وإما للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه نزل عن متن الهوى ومركب النفس. وقيل: أراد بالنزلة ضدها وهي العرجة، واختير هذه العبارة ليعلم أن هذه عرجة تتبعها النزلة ليست عرجة لا نزلة لها وهي عرجة الآخرة. وعلى القول الأول أيضاً يحتمل أن تكون النزلة لمحمد صلى الله عليه وسلم وذلك أن جبرائيل تخلف عنه في مقام "لو دنوت أنملة لاحترقت" ثم عاد النبي صلى الله عليه وسلم إليه. ومعنى أخرى أنه صلى الله عليه وسلم تردد في أمر الصلاة مراراً فلعله كان ينزل إلى جبرائيل كل مرة لا أقل من نزلتين. أما السدرة فالأكثرون على أنها شجرة في السماء السابعة: وقيل: في السادسة. "حديث : نبقها كقلال هجر وورقها كآذان الفيلة، يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها"تفسير : وقد ورد الحديث بذلك. فعلى هذا {عند} ظرف مكان. ثم إن كان المرئي جبريل فلا إشكال، إن كان هو الله تعالى فكقول القائل "رأيت الهلال على السطح" وقد مر. وقال بعضهم {عند} ظرف زمان كما يقال: صليت عند طلوع الفجر. والمعنى رآه عند الحيرة القصوى أي في وقت تحارعقول العقلاء فيه ولكنه ما حار ولم يعرض له سدر. وإضافة سدرة إلى المنتهى إما من إضافة الشيء إلى مكانه كما يقال "أشجار البلدة الفلانية كذا" وأشجار الجنة لا تيبس ولا تخلو من الثمار. فالمنتهى حينئذ موضع لا يتعداه ملك ولا يعلم ما وراءه أحد وإليه ينتهي أرواح الشهداء. وإما من إضافة المحل إلى الحال كما يقال "ظرف المداد" أي سدرة هي محل انتهاء الجنة. وإما من إضافة الملك إلى مالكه كما يقال "دار زيد وأشجار عمرو" فيكون التقدير سدرة المنتهى إليه وهو الله سبحانه قال {وأن إلى ربك المنتهى} فالإضافة للتشريف "نحو بيت الله وناقة الله". وقال الحسن: {جنة المأوى} هي التي يصير إليها المتقون. وقيل: يأوي إليها أرواح الشهداء والظاهر أن الضمير في {عندها} للسدرة. وقيل: للنزلة من ذهب إلى أن سدرة المنتهى معناها الحيرة القصوى. قال {إذ يغشى السدرة ما يغشى} معناه ورود حالة على حالة أي طرأ على محمد حين ما يحار العقل ما طرأ من فضل الله ومن رحمته. والأكثرون قالوا فيه تعظيم وتكثير لما يغشى الشجرة من الخلائق الدالة على عظمة الله وجلاله مما لا يحيط بها الوصف. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : رأيت على كل ورقة من ورقها ملكاً قائماً يسبح الله" تفسير : وعنه عليه السلام"حديث : يغشاها رفرف من طير خضر" تفسير : والرفرف كل ما يبسط من أعلى إلى أسفل. وعن ابن مسعود وغيره: يغشاها فراش أو جراد من ذهب. والمحققون على أنها أنوار الله تعالى تجلى للسدرة كما تجلى للجبل لكن السدرة كانت أقوى من الجبل، ومحمد صلى الله عليه وسلم كان أثبت من موسى فلم تضطرب الشجرة ولم يصعق محمد صلى الله عليه وسلم. قوله {ما زاغ البصر} فيه وجهان: أشهرهما أنه بصر محمد صلى الله عليه وسلم أي لم يلتفت إلى ما يغشاها. فإن كان الغاشي هو الفراش أو الجراد من ذهب فمعناه ظاهر ويكون ذلك ابتلاء وامتحاناً لمحمد صلى الله عليه وسلم بالأمور الدنيوية، وإن كان الغاشي أنوار الله فالمراد أنه لم يلتفت إلى غير المقصود ولم يشتغل بالنور عن ذي النور. أو المراد ما زاغ البصر بالصعقة بخلاف موسى عليه السلام. وفي الأول بيان أدب محمد صلى الله عليه وسلم، وفي الثاني بيان مزيته. وذهب بعضهم إلى أن اللام للجنس أي ما زاغ بصره أصلاً في ذلك الموضع هيبة وإجلالاً. والظاهر أن الضمير في قوله {وما طغى} للبصر أي ما جاوز حده المعين المأمور برؤيته. ويحتمل أن يكون لمحمد صلى الله عليه وسلم أي ما زاغ بصره بالميل إلى غير المقصود، وما طغى محمد بسبب الالتفات. قال بعض العلماء: فيه بيان لوصول محمد صلى الله عليه وسلم إلى سدرة اليقين الذي لا يقين فوقه إذ لم ير الشيء على خلاف ما هو عليه بخلاف الناظر إلى عين الشمس فإنه إذا نظر إلى شيء آخر رآه أبيض أو أصفر أو أخضر. قوله {لقد رأى من آيات ربه الكبرى} الظاهر أن الكبرى صفة الآيات أي لقد رأى بعض آيات ربه الكبرى. وذلك البعض إما جبرائيل على صورته، وإما سائر عجائب الملكوت. ويحتمل أن يكون صفة لمحذوف أي لقد رأى من آيات ربه آية هي الكبرى. وعلى هذا لا تكون تلك الآية رؤية جبريل لما ورد في الاخبار أن الله ملائكمة أعظم منه كالملك الذي يسمى روحاً. نعم لو قيل: إنها رؤية الله الأعظم كان له وجه عند من يقول بأنه صلى الله عليه وسلم رأي الله ليلة المعراج. وفيه خلاف تقديم. قوله {أفرأيتم اللات والعزى} الخ. أي عقيب ما سمعتم من عظمة الله تعالى ونفاذ أمره في الملأ الأعلى، وأن الذي سد الأفق ببعض أجنحته تخلف عند سدره المنهتى، هل تنظرون إلى هذه الأصنام مع قلتها وفقرها حتى تعلموا فساد ما ذهبتم إليه وعولتم عليه؟ قال في الكشاف: اللات اسم صنم كان لثقيف بالطائف وأصله "فعلة" من لوى يلوي لأنهم كانوا يلوون عليها ويعكفون للعبادة، أو يتلوون عليها أي يطوفون فكأنه حذفت الياء تخفيفاً وحركت الواو فانقلبت ألفاً. والوقف عليه بالتاء كيلا يشبه اسم الله: وقيل: أصله اللات بالتشديد وقد قرىء به. زعموا أنه سمي برجل كان يلت عنده السمن بالزيت ويطعمه الحاج. وعن مجاهد: كان رجل يلت السويق بالطائف وكانوا يعكفون على قبره فجعلوه وثناً. والعزى تأنيث الأعز وكان لغطفان وهي شجرة سمرة بعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد ابن الوليد فقطعها فخرجت منها شيطانة مكشوفة الرأس ناشرة الشعر تضرب رأسها وتدعو بالويل والثبور فجعل خالد يضربها بالسيف حتى قتلها وهو يقول: شعر : يا عز كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك تفسير : فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بما فعل. فقال: تلك العزى ولن تعبد أبداً. وأما مناة فهي صخرة كانت لهذيل وخزاعة كأنها سميت بذلك لأن دماء النسائك كانت تمنى عندها أي تراق. ومن قرأ بالمد فلعلها "مفعلة" من النوء كأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبركاً بها. و {الأخرى} لا يطلق إلأا إذا كان الأول مشاركاً كالثاني فلا يقال: رأيت رجلاً وامرأة أخرى. وإنما يقال رأيت رجلاً ورجلاً آخر. وههنا ليست عزى ثالثة فكيف قال {ومناة الثالثة الأخرى}؟ وأجيب بأن الأخرى صفة ذم لها أي المتأخرة الوضيعة المقدار كقوله {أية : وقالت أخراهم لأولاهم} تفسير : [الأعراف: 38] أي وضعاؤهم لرؤسائهم. ويجوز أن تكون الأولية والتقدم عندهم للات والعزى وذلك أن الأول كان على صورة آدمي، والعزى كانت من النبات ومناة من الجماد. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير أي ومناة الأخرى. الثالثة. وقيل: إن الأصنام فيها كثرة فإذا أخذنا اللات والعزى مقدمين كانت لهما ثوالت كثيرة هذه ثالثة أخرى. وقيل: فيه حذف والتقدير أفرأيتم اللات والعزى المعبودتين. بالباطل ومناة الثالثة المعبودة الأخرى. ثم إنه تعالى حين وبخهم على الشرك فكأنهم قالوا نحن لا نشك في أن شيئاً منها ليس مثلاً لله تعالى ولكنا صورنا هذه الأشياء على صور الملائكة المعظمين الذين اعترف بهم الأنبياء وقالوا: إنهم يرتقون ويقفون عند سدرة المنتهى، ويرد عليهم الأمر والنهي ويصدر عنهم إلينا فوبخهم على قولهم إن هؤلاء الأصنام التي هي إناث أنداد الله تعالى، أو على قولهم الملائكة بنات الله فاستفهم منكراً {ألكم الذكر} الذي ترغبون فيه {وله الأنثى} التي تستنكفون عنها {تلك} القسمة {إذا} أي إذا صح ما ذكرتم {قسمة ضيزى} أي جائرة غير عادلة من ضازه يضيزه إذا ضامه، وهي "فعلى" بالضم، وكان يمكن أن تقلب الياء واواً لتسلم الضمة إلا أنه فعل بالعكس أي قبلت الضمة كسرة لتسلم الياء فإن إبقاء الحرف أولى من إبقاء الحركة. ومن قرأ بالهمزة فمن ضأزه بالهمزة والمعنى واحد ولكنها "فعلى" بالكسر. قال بعضهم: إنهم ما قسموا ولم يقولوا لنا البنون وله البنات ولكنهم نسبوا إلى الله البنات وكانوا يكرهونهن، فلزم من هذه النسبة قسمة جائرة، فتقدير الكلام تلك النسبة قسمة غير عادلة إذ العدالة تقتضي أن يكون الشريف للشريف والوضيع للوضيع {إن هي} يعني ليس الأصنام أو أسماؤها المذكورات {إلا أسما سميتموها} وقد مر في "الأعراف" وفي "يوسف". قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله: الم يتم بقوله {ما أنزل الله بها من سلطان} فإن إطلاق اللاسم على المسمى إنما يجوز إذا لم يتبعه مفسدة دينية. وههنا يمكن أن يكون مرادهم من قولهم "الملائكة بنات الله" أنهم أولاد الله من حيث إنه لا واسطة بينهم وبينه في الإيجاد كما تقوله الفلاسفة. والعرب قد تستعمل البنت مكان الولد كما يقال "بنت الجبل وبنت الشفة" لما يظهر منهما بغير واسطة خصوصاً إذا كان في اللفظ تاء التأنيث كالملائكة إلا أنه لم يجز في الشرع إطلاق هذا اللفظ على الملائكة لأنه يوهم النقص في حقه تعالى ثم قال: وهذا بحث يدق عن إدراك اللغوي إن لم يكن عنده من العلوم حظ عظيم. قلت: هذا البحث الدقيق يوجب أن يكون الذم راجعاً إلى ترك الأدب فقط. وليس الأمر كذلك فإن الذم إنما توجه إلى المشرك لأنه ادعى الإلهية لما هو أبعد شيء منها. وما أمكن له على تصحيح دعواه حجة عقلية ولا سمعية. ومعنى {ما أنزل الله بها} أي بسببها وصحتها. وقال الرازي: الباء للمصاحبه كقول القائل "ارتحل فلان بأهله ومتاعه" أي ارتحل ومعه الأهل والمتاع. ومن قرأ {إن تبعون} على الخطاب فظاهر، ومن قرأ على الغيبة فإما للالتفات، وأما لأن الضمر للآباء وصيغة الاستقبال حكاية الحال الماضية ويحتمل أن يكون المراد عامة الكفار. قوله {وما تهوى الأنفس} يجوز أن تكون "ما" مصدرية، وفائدة العدول عن صريح المصدر إلى العبارة الموجودة أن القاتل إذا قال: أعجبني صنعك. لم يعلم أن الإعجاب من أمر قد تتحقق أو من أمر هو فيه. وإذا قال: أعجبني ما تصنع. شمل الحال والاستقبال. ويجوز أن تكون "ما" موصولة والفرق أن المتبع في الأول الهوى وفي الثاني مقتضى الهوى. وقوله {الأنفس} من باب مقابلة الجمع بالجمع. والمعنى اتبع كل واحد منهم ما تهواه نفسه كقولك: خرج الناس بأهلهم أي كل واحد بأهله ولعل الظن يختص بالاعتقاد وهوى النفس بالعمل. ويجوز أن يكون الظن مقصوداً به كل ماله محمل مرجوح والهوى يراد به ما لا وجه له أصلاً. ويحتمل أن يراد بالظن ماله محمل راجح أيضاً وهو إن كان واجب العمل به في المسائل الاجتهادية إلا أنه مذموم عند القدرة على اليقين وإلى هذا أشار بقوله {ولقد جاءهم من ربهم الهدى} وهو القرآن أو الرسول أو المعجزة، وفي هذه الحالة لا يجوز البناء على الظن بل يجب التعويل على اليقين. قوله {أم للإنسان} أم منقطعة والهمزة فيها للإنكار والمراد تمنيهم شفاعة الآلهة وأن لهم عند الله الحسنى على تقدير البعث إذ تمنى أشرافهم أن يكونوا أنبياء دون محمد صلى الله عليه وسلم. قوله {فالله الآخرة والأولى} رد عليهم أي هو مالكها فهو المعطي والمانع ولا حكم لأحد عليه. ومعنى الفاء أنه إذا تقرر أن شيئاً من الأشياء ليس بتمني الإنسان فلا حكم إلا لله. ثم بين أن الشفاعة عند الله لا تكون إلا برضاه. وفيه أصناف من المبالغة من جهة أن "كم" للتكثير والعرب تستعمل الكثير وتريد الكل كما قد تستعمل الكل وتريد به الكثير كقوله {أية : تدمر كل شيء}تفسير : [الأحقاف: 25] ومن جهة لفظ الملك فإنهم أشرف المخلوقات سوى الأنبياء عند بعض، ومن قبل أنهم في السموات فإن ذلك يدل على علو مرتبتهم ودنو منزلتهم، ومن قبل اجتماعهم المدلول عليه بضمير الجمع في شفاعتهم وإذا كان حالهم هكذا فكيف يكون حال الجمادات؟ وقوله {لمن يشاء} أي لمن يريد الشفاعة له {ويرضى} أي ويراه أهلاً أن يشفع له فههنا أيضاً أنواع أخر من المبالغة. الأول توقيف الشفاعة على الإذن. والثاني تعليقها بالمشيئة فيهم منه أنه بعد أن يؤذن في مطلق الشفاعة يحتاج إلى الأذن في كل مرة معينة. والثالث رضا الله الشفاعة فقد يشاء ولكن لا يرضاه كقوله {أية : ولا يرضى لعباده الكفر}تفسير : [الزمر: 7] وهذا عند أهل السنة واضح. ثم صرح بالتوبيخ على قولهم الملائكة بنات الله فقال {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة} أي كل واحد منهم {تسمية الأنثى} لأنهم إذا جعلوا الكل بنات فقد جعلوا كل واحدة بنتاً وبالعكس. وههنا سؤالان: أحدهما: إن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعم من هؤلاء المسلمين فكان الأولى أن يقال: إن الذين يسمون لا يؤمنون. وثانيهما أنه كيف يلزم من عدم الإيمان بالآخرة هذه التسمية؟ والجواب عن الأول أن اللام للعهد وبه خرج الجواب عن الثاني أيضاً لأنه بخير عن جميع معهود أنهم يسمون. ولا يلزم من حمل شيء على شيء أن يكون بينهما ملازمة. ولو سلم أن اللام للعموم فالمراد بمثل هذا التركيب المبالغة والتوكيد كما تقول: الإنسان زيد. وعلى هذا فإن أريد بالحمل مجرد الإخبار فلا إشكال وإن أريد الملازمة فمعناه المبالغة أيضاً لأن غاية جهلهم بالآخرة وبالجزاء حملهم على ارتكاب مثل هذا الافتراء على الله، وإلى هذا أشار بقوله {ما لهم به من علم أن يتبعون إلا الظن} واعلم أن الإمام فخر الدين الرازي رضي الله عنه بحث مع هؤلاء المشركين الذين سموا الملائكة إناثاً بحثاً طويلاً بناء على ظنه بهم أنهم رأوا في لفظ الملائكة تاء فلذلك جعلوه مؤنثاً. وحاصل ذلك البحث يرجع إلى أن التاء لا يلزم أن تكون للتأنيث فقد تكون لتأكيد الجمع كحجارة وصقورة، أو لغير ذلك من المعاني، ونحن قد أسقطنا تلك البحوث لعدم فائدتها كما نبهناك عليه. ثم بين الله سبحانه قاعدة كلية فقال: {وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً} أي كل ما يجب أن يحصل منه المكلف على العلم واليقين فلا ينفع فيه الظن والتخمين، ومن جملته مسائل المبدأ والمعاد التي ينبني البحث فيها على البراهين العقلية والدلائل السمعية، ومن قنع في أمثالها بالوهم والظن لعدم الاستعداد أو لحفظ بعض المنافع الدنيوية وجب الإعراض عنه كما قال {فأعرض} أي إذا وقفت على قلة استعدادهم وعدم طلبهم للحق فأعرض يا محمد يا طالب الحق {عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا} ويجوز أن يكون هذا الإعراض متضمناً للأمر. بالقتال أي أعرض عن المقال وأقبل على القتال. وقوله {ذلك} أي الذي ذكر من التسمية أو من اعتقاد كون الأصنام شفعاء {مبلغهم من العلم} جملة معترضة. ثم بين علة الإعراض قائلاً {إن ربك هو أعلم} إلى آخره، وفيه بيان أنه تعالى يجازي كل فريق بحسب ما يستحقه، وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم كيلا يتعب نفسه في تحصيل ما ليس يرجى حصوله وهو إيمان أهل العناد الذين قنعوا بالظن بدل العلم ووقفوا لدى الباطل دون الحق. ثم قرر أنه سوى الملك والملكوت لغرض الجزاء والإثابة. والحسنى صفة المثوبة والأعمال، وإضافة الكبائر إلى الإثم إضافة النوع إلى الجنس لأن الإثم يشمل الكبائر والصغائر. واختلف في الكبائر وقد أشبعنا القول القول فيها في سورة النساء في قوله {أية : إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه}تفسير : [الآية: 31] والفواحش ام تزايد قبحه من الكبائر كأنها مع كبر مقدار عقابها قبيحة في الصورة كالشرك بالله. والمراد باللمم الصغائر، والتركيب يدل على القلة ومنه اللمم المس من الجنون وألم بالمكان إذا قل لبثه فيه قال: شعر : ألمت فحيث ثم قامت فودعت تفسير : وإلا صفة كأنه قيل: كبائر الإثم وفواحشه غير اللمم، أو استثناء منقطع لأن اللمم ليس من الفواحش. عن أبي سعيد الخدري: اللمم هي النظرة والغمزة والقبلة.عن السدي: الخطرة من الذنب. وعن الكلبي: كل ذنب لم يذكر الله عز وجل عليه حداً ولا عذاباً. وعن عطاء: هي ما تعتاده النفس حيناً بعد حين. قال جار الله: معنى قوله {إن ربك واسع المغفرة} أنه يكفر الصغائر باجتناب الكبائر ويكفر الكبائر بالتوبة. وأقول: فيه إشارة إلى أن اللمم ما لا يمكن فيه الاجتناب عنه لكل الناس أو لأكثرهم فالعفو عن ذلك يحتاج إلى سعة وكثرة، بل فيه بشارة أنه سبحانه يغفر الذنوب جميعاً سوى الشرك لأن غفران اللمم لا يوجب الوصف بسعة المغفرة وإنما يوجب ذلك أن لو غفر معها الكبائر. وقوله {هو أعلم بكم} إلى آخره. دليل على وجوب وقوع الغفران لأنه إذا كان عالماً بأصلهم وفرعهم كان عالماً بضعفهم ونقصهم فلا يؤاخذهم بما يصدر عنهم على مقتضى جبلتهم وطبعهم. فكل شيء يرجع إلى الأصل والأرض بطبعها تميل إلى الأسفل. والجنين أوله نطفة مذرة وآخره الاغتذاء بدماء قذرة، وإذا كان مبدأ حاله هكذا وهو في أوسط أمره متصف بالظلم والجهل والعاقبة غير معلومه وجب عليه أن لا يزكي نفسه فإن الله تعالى أعلم بالزكي والتقي أولاً وآخراً باطناً وظاهراً، وما أحسن نسق هذه الجمل. وقد أبعد بعض أهل النظم فقال لما ذكر أنه أعلم بمن ضل كان للكافر أن يقول: كيف يعلم الله أموراً نعلمها في البيت الخالي وفي جوف الليل المظلم؟ فأجاب الله تعالى بأنا نعلم ما هو أخفى من ذلك وهو أحوالكم وقت كونكم أجنة. وقوله {في بطون أمهاتكم} للتأكيد فإنه إذا خرج من بطن الأم يدعى سقطاً أو ولداً. وقيل: أراد أن الضال والمهتدي حصلا على ما هما عليه بتقدير الله وبأنه كتب عليهما في رحم أمهما أنه ضال أو مهتد. وقيل: فيه تقرير الجزاء وتحقيق الجزاء وتحقيق الحشر فإن العالم بأحوال المكلف وهو جنين القادر على إنشائه من الأرض أول مرة، عالم بأجزائه بعد التفرق، قادر على جمعه بعد التمزق. والعامل في "إذ" هو "اذكر" أو ما يدل عليه {أعلم} أي يعلمكم وقت الإنشاء. والخطاب للموجودين وقت نزول الآية وللآخرين بالتبعية. ويجوز أن يكون الإنشاء من الأرض إشارة إلى خلق أبينا آدم. وقوله {وإذ أنتم} يكون خطاباً لنا. قوله {أفرأيت الذي تولى} قال بعض المفسرين: نزل في الوليد بن المغيرة جلس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع وعظه وأثرت الحكمة فيه تأثيراً قوياً فقال له رجل: لم تترك دين آبائك؟ قال: أخاف. ثم قال له: لا تخف وأعطني كذا وأنا أتحمل عنك أوزارك فأعطاه ما ألزمه وتولى عن الوعظ واستماع كلام النبي صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم: نزل في عثمان بن عفان كان يعطي ماله عطاء فقال له أخوه من أمه عبد الله بن سعد بن أبي سرح. ويوشك أن يفنى مالك فأمسك فقال له عثمان: إن لي ذنوباً وخطايا وإني أرجو أن يغفر الله لي بسبب العطاء. فقال عبد الله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن الإعطاء ومعنى تولي ترك المركز يوم أحد فعاد عثمان إلى خير من ذلك. يقال: أكدى الحافر إذا لقيته كدية وهي أرض صلبة كالصخرة ونحوه "أجبل الحافر وأجبل الشاعر" إذا أفحم. ثم وبخه بأنه لا يعلم الغيب فكيف يعلم أن أوزاره محمولة عنه؟ وقيل: نزلت في أهل الكتاب وذلك أنه لما بين حال المشركين المعاندين شرع في قصة هؤلاء والمعنى: أفرأيت الذي تولى أي صار متولياً لكتاب الله وأعطى قليلاً من الزمان حق الله فيه، ولما بلغ عصر محمد صلى الله عليه وسلم أمسك عن العمل به. قالوا: يؤيد هذا التفسير قوله {أم لم ينبأ بما في صحف موسى} عينها أو جنسها وهو ما نبأهم به نبينا صلى الله عليه وسلم. وجمع الصحف إما لأن موسى له صحيفة وإبراهيم له صحيفة فذكر التثنية بصيغة الجمع، وإما لأن كل واحد منهما له صحف لقوله تعالى {أية : وألقى الألواح}تفسير : [الأعراف: 15] وكل لوح صحيفة. وتقديم صحف موسى إما لأنها أقرب وأشهر وأكثر وإما لأنه رتب وصف إبراهيم عليه، وإما لحسن رعاية الفاصلة وقد راعى في آخر "سبح اسم ربك" هذا المعنى مع ترتيب الوجود. والتشديد في قوله {وفي} للمبالغة في الوفاء، أو لأنه بمعنى وفر وأتم كقوله {أية : فأتمهن} تفسير : [البقرة: 124] وأطلق الفعل ليتناول كل وفاء وتوفية من ذلك تبليغه الرسالة واستقلاله بأعباء النبوة والصبر على ذبح الولد وعلى نار نمرود وقيامه بأضيافه بنفسه. يروى أنه كان يخرج كل يوم فيمشي فرسخاً يطلب ضيفاً فإن وافقه أكرمه وإلا نوى الصوم. وعن عطاء بن السائب: عهد أن لا يسأل مخلوقاً فلما رمي في النار قال له جبريل وميكائيل: ألك حاجة؟ فقال: أما إليكم فلا. قالا: فسل الله. قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي. وروي في الكشاف عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار وهي صلاة الفجر والضحى. وروي "ألا أخبركم لم سمى الله خليله الذي وفى؟ كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون إلى حين تظهرون" وعن الهزيل بن شرحبيل كان بين نوح وإبراهيم صلى الله عليه وسلم يؤخذ الرجل بجريرة غيره ويقتل الزوج بامرأته والعبد بسيده، وأول من خالفهم إبراهيم فلهذا قال سبحانه {ألا تزر وازرة} وهي مخففة من الثقيلة ولهذا لم ينصب الفعل وضمير الشأن محذوف ومحله الجر بدلاً مما في صحف موسى، أو الرفع كأن قائلاً قال: وما في صحف موسى وإبراهيم؟ فقيل: هو أنه لا تزر نفس من شأنها أن تزر وزر نفس أخرى إذا لم تحمل التي يتوقع منها ذلك فغيرها أولى بأن لا تحمل. ثم عطف على قوله {ألا تزر} قوله {وأن ليس} وحكمه حكم ما يتلوه من المعطوفات فيما مر. وفيه مباحث: الأول الإنسان عام وقيل: هو الكافر. وأورد عليه أن الله سبحانه قال {ليس للإنسان} ولو أراد الكافر لقال "ليس على الإنسان" وهذا بالحقيقة غير وارد فإن اللام قد تستعمل في مثل هذا المعنى قال تعالى {أية : وإن أسأتم فلها}تفسير : [الإسراء: 7] وورد على الأول أن الدعاء والصدقة والحج ينفع الميت كما ورد في الأخبار، وأيضاً قال تعالى {أية : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها}تفسير : [الأنعام: 160] والأضعاف فوق ما سعى. وأجاب بعضهم بأن قوله {ليس للإنسان إلا ما سعى} كان في شرع من تقدم ثم إنه تعالى نسخه في شريعتنا وجعل للإنسان ما سعى وما لم يسع. وقال المحققون: إن سعي غيره وكذا الأضعاف لما لم ينفعه إلا مبنياً على سعي نفسه وهو أن يكون مؤمناً صالحاً كان سعي غيره كأنه سعي نفسه. والثاني "ما" مصدرية والمضاف محذوف أي الأثواب أو جزاء سعيه. ويجوز أن تكون موصولة أي إلا الجزاء الذي سعى فيه. الثالث في صيغة المضي إشارة إلى أنه لا يفيد الإنسان إلا الذي قد حصل فيه ووجد، وأما مجرد النية مع التواني والتراخي فذلك مما لا اعتماد عليه ولعل ذلك من مكايد الشيطان يمنيه ويعده إلى أن يحل اوجل بغتة. قوله {وأن سعيه سوف يرى} إن كان من الرؤية فكقوله {أية : اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله}تفسير : [التوبة: 105] وإن كان من الإراءة فالفائدة في إراءته وعرضه عليه أن يفرح به هو ويحزن الكافر والله قادر على إعادة كل معدوم عرضاً كان أو جوهراً، والمراد أن يريه الله إياه على صورة جميلة إن كان عملاً صالحاً وبالضد إن كان بالضد. ويجوز أن يكون مجازاً عن الثواب كما يقال "سترى إحسانك عند الملك" أي جزاءه إلا أن القول الأول أقوى لقوله {ثم يجزاه الجزاء الأوفى} اللهم إلا أن يراد تراخي الرتبة والفائدة تعود إلى الوصف بالأوفى وهو الرؤية التي هي أوفى من كل وافٍ أي يجزى العبد بسعيه الجزاء الأتم. وجوز أن يكون الضمير للجزاء ثم فسره بقوله {الجزاء الأوفى} وأبدل عنه كقوله {أية : وأسروا النجوى الذين ظلموا}تفسير : [الأنبياء: 3] ومن لطائف الآية أنه قال في حق المسيء {لا تزر وارزة وزر أخرى} ولا يلزم منه أن يبقى الوزر على المذنب بل يجوز أن يسقط عنه بالمحو والعفو، ولو قال "كل وازرة تزر وزر نفسها" لم يكن بد من بقاء وزرها عليها. وقال في حق المحسن "ليس له ما سعى" ولم يقل "ليس له ما لم يسع" إذا العبارة الثانية لا يلزمها أن له ما سعى، والعبارة الأولى يلزمها ذلك لأنها في قوة كلامين إثبات ونفي والحاصل أنه قال هي حق المسيء بعبارة لا تقطع رجاءه، وفي حق المحسن بعبارة توجب رجاءه كل ذلك لأن رحمته سبقت غضبه. قوله {وأن إلى ربك المنتهى} المشهور أن فيه بيان المعاد كقوله عز من قائل {أية : وإلى الله المصير}تفسير : [آل عمران: 28] أي للناس بين يدي الله وقوف وفيه بيان وقت الجزاء. وقد يقال: المراد به التوحيد وهو تأويل أهل العرفان. والحكماء يستدلون به على وجود الصانع فإن الممكن لا بد أن ينتهي إلى الواجب. وقيل: أراد أن البحث والإدراك ينتهي عنده كما قيل: إذا بلغ الكلام إلى الله فأمسكوا. وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إذا ذكر الرب فانتهوا" تفسير : والخطاب عام لكل سامع مكلف وفيه تهديد للمسيء ووعد للمحسن: وقيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وفيه تسلية له. ثم بين غاية قدرته وهي إيجاده الضدين الضحك والبكاء والإماتة والإحياء في شخص واحد، وكذا الذكورة والأنوثة في مادة واحدة هي النطفة نطفت إذا تمنى تدفق في الرحم. يقال: منى وأمنى. وقال الأخفش: تخلق والمنى والتقدير وفيه إبطال قول الطبيعيين أن مبدأ الضحك قوة التعجب، ومبدأ الكباء رقة القلب، وإن الحياة مستندة إلى الطبيعة كالنبات، والموت أمر ضروري وهو تداعي الأجزاء العنصرية إلى الانفكاك بعد اجتماعها على سبيل الاتفاق أو لاقتضاء سبب سماوي من اتصال أو انفصال وذلك أن انتهاء كل ممكن إلى الواجب واجب. قوله {أمات وأحيي} إما لأجل الفاصلة أو لأنه اعتبر حالة كون الإنسان نطفة ميتة. قال الأطباء: الذكر أسخن وأجف والأنثى أبرد وأرطب. وقالوا في نبات شعر الرجل: إن الشعور تتكون من بخار دخاني منجذب إلى المسام فإذا كانت المسام في غاية الرطوبة والتحلل كما في مزاج الصبي والمرأة، لا ينبت الشعر لخروج تلك الأدخنة من المسام الرطبة بسهولة قبل أن يتكون شعراً. وإذا كانت في غاية اليبوسة والتكاثف لم ينبت لعسر خروجه من المخرج الضيق وإنما يندفع كثرة تلك الأبخرة إلى الرأس حتى رأس المرأة والصبي لأنه مخلوق كقبة فوق الأبخرة والأدخنة فيتصاعد إليها. وأما في الرجل فيندفع إلى صدره كثيراً لحرارة القلب. وإلى آلات التناسل لحرارة الشهوة، وإلى اللحيين لكثرة الحرارة بسبب الأكل والكلام ومع حرارة الأبخرة، ومن شأن الحرارة جذب الرطوبة كجذب السراج الزيت. هذا أقوى ما قالوا في هذا الباب. ويرد عليه أنه ما السبب لتلازم شعر اللحية وآلة التناسل فإنها لو قطعت لم تنبت اللحية، ولو سلم التلازم من حيث إن حرارة الخصيان تقل بسبب قطع آلة الشهوة فلا بد أن يعترفوا بانتهاء جميع الممكنات إلى الواجب بالذات. واعلم أنه سبحانه في هذه الآية وسط الفصل بين الاسم والخبر حيث كان توهم الحملية فيه أكثر وترك الفصل حيث لم يكن كذلك. ففي آيات الضحك والبكاء والإماتة والإحياء وسط الفصل للتوهمات المذكورة حتى قال نمرود {أية : أنا أحي وأميت}تفسير : [البقرة: 258] وأما خلق الذكر والأنثى فلم يتوهم أحد أنه بفعل المخلوقين فلم يؤكد بالفصل وعلى هذا القياس قوله {وأن عليه النشأة الأخرى} ظاهرة وجوب وقوع الحشر في الحكمة الإلهية للمجازاة على الإحسان والإساءة وقال في التفسير الكبير: هو كقوله {أية : ثم أنشأناه خلقاًً آخر} تفسير : [المؤمنون: 14] أي بعد خلقته ذكراً وأنثى نفخ فيه الروح الإنساني ثم أغناه بلبن الأم وبنفقة الأب في صغره، ثم أقناه بالكسب بعد كبره أي أعطاه القنية وهي المال الذي تأثلته وعزمت أن لا تخرجه من يدك، وبالجملة فالإغناء بكل ما تدفع به الحاجة والإقناء بما زاد عليه. وإنما وسط الفصل لأن كثيراً من الناس يزعم أن الفقر والغنى بكسب الإنسان واجتهاده، فمن كسب استغنى ومن كسل افتقر. وذهب بعضهم إلى أنه بالبخت أو النجوم فقال رداً عليهم {وأنه هو رب الشعرى} وهما شعريان شامية ويمانية وهذه أنورهما. وخصت بالذكر لأن أبا كبشة أحد أجداد رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل أمه قال: لا أرى شمساً ولا قمراً ولا نجماً تقطع السماء عرضاً غيرها فليس شيء مثلها فعبدها وعبدتها خزاعة فخالفوا قريشاً في عبادة الأوثان. وكانت قريش يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم "أبو كبشة" تشبيهاً له لمخالفته إياهم في دينهم. وحين ذكر أنه أغنى وأقنى وذلك كان بفضل المولى لا بعطاء الشعرى، ذكرهم حال الأقدمين الهلكى. وعاد الأولى قوم هود والأخرى، إرم ميزوا عن قوم كانوا بمكة. وقيل: أراد التقدم في الدنيا وأنهم كانوا أشرافاً قوله {وثمود} عطف على {عاد} أي ما رحم عليهم. ومن المفسرين من قال فما أبقى أي ما ترك أحداً منهم كقول {أية : فهل ترى لهم من باقية} تفسير : [الحاقة: 8] وبه تمسك الحجاج على من زعم أن ثقيفاً من ثمود. وإنما وصف قوم نوح بأنهم كانوا هم أظلم وأطغى فبالغ بتوسيط الفصل وبناء التفضيل لأن نوحاً عليه السلام كان أول الرسل إلى أهل الأرض، وكان قومه أول من سن التكذيب وإيذاء النبي والبادي أظلم. ومن سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها. ولأنهم كانوا مجاوزين حد الاعتدال يضربون نبيهم حتى لم يربه حراك وينفرون عنه الناس ويخوفون صبيانهم وما نجع فيهم وعظه ألف سنة إلا خمسين عاماً. وليس قوله {أنهم كانوا} تعليلاً للإهلاك حتى يرد عليه أن غيرهم من الظالمين والطاغين لا يلزم أن يهلكوا وإنما هي جملة معترضة بياناً لشدة طغيانهم وفرط ظلمهم. {والمؤتفكة} يعني قريات قوم لوط لأنها ائتفكت بأهلها أي انقلبت وقد مر في هود {أهوى} أي رفعها إلى السماء على جناح جبريل فأسقطها إلى الأرض {فغشاها ما غشي} من الحجار المسومة وفيه تهويل وتفخيم لما صب عليهم من العذاب. وجوز أن يكون "ما" فاعلاً كقوله {أية : والسماء وما بناها}تفسير : [الشمس: 5] هذا كله حكاية ما في الصحف إلا فيمن قرأ {وإن إلى ربك المنتهي} بالكسر على الابتداء وكذا ما بعده أما قوله {فبأي آلاء ربك تتمارى} فقد قيل: هو أيضاً مما في الصحف وقيل: هو ابتداء كلام، والخطاب لكل سامع ولرسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله {أية : لئن أشركت ليحبطن عملك} تفسير : [الزمر: 65] والمراد أنه لم يبق فيها إمكان الشك، وقد عد نعماً ونقماً وجعل كلها آلاء لأن النقم أيضاً نعم إن أراد أن يعتبر. ويحتمل أن يقال لما عد نعمه على الإنسان من خلقه وإغنائه وإقنائه. ثم ذكر أنه أهلك من كفر بها، وبخ الإنسان على جحد شيء من نعمة فيصيبه مثل ما أصاب المتمارين: أو يقال: لما حكى الإهلاك قال للشاك: أنت ما أصابك الذي أصابهم وذلك بحفظ الله إياك فبأي آلاء ربك تتمارى وسيجيء له مزيد بيان في سورة الرحمن {هذا} القرآن أو الرسول {نذير} أي إنذار أو منذر من جنس الإنذارات أو المنذرين. وقال {الأولى} على تأويل الجماعة. وحين فرغ من بيان التوحيد والرسالة ختم السورة بذكر اقتراب الحشر فقال {أزفت الآزفة} أي قربت الموصوفة بالقرب في قوله {أية : اقترب للناس حسابهم}تفسير : [الأنبياء: 1] {أية : وما يدريك لعل الساعة قريب}تفسير : [الشورى: 17] وفيه تنبيه على أن قرب الساعة يزداد كل يوم وأنها تكاد تقوم {ليس لها من دون الله} نفس {كاشفة} تكشف عن وقت مجيئها أو تقدر على كشفها ودفعها إذا وقعت، ولا يلزم من قدرة الله على دفعها وجوب وقوع الدفع فإن كل مقدور لا يلزم أن يكون واقعاً. والتاء في {كاشفة} للتأنيث كما مر، أو للمبالغة أي لا أحد يكشف حقيقتها، أو هي مصدر كالعافية، و"من" زائدة والتقدير ليس لها كاشفة دون الله، ويحتمل أن يراد لها في الوجود نفس تكشف عنها من غير الله بل إنما يكشفها من عند الله ومن قبل علمه وإخباره. ثم وبخهم على التعجب من القرآن ومن حديث القيامة وضحكهم من استهزاء وإنكاراً. وفي قوله {ولا تبكون} إلى آخره تنبيه على أن البكاء والخشوع وحضور القلب حق عليهم عند سماع القرآن كما قال {أية : إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً}تفسير : [مريم: 57] والسمود الغفلة وقد يكون مع اللهو. وعن مجاهد: كانوا يمرون بالنبي صلى الله عليه وسلم غضاباً مبرطمين. وقال: البرطمة الإعراض ثم إنهم كانوا أنصفوا من أنفسهم وقالوا: لا نعجب ولا نضحك ولا نسمد بل نبكي ونخشع فلا جرم قال {فاسجدوا} أي إذا اعترفتم لله بالعبودية فاخضعوا له وأقيموا وظائف العبادة. وقد مر في سورة الحج في قوله {أية : ألقى الشيطان في أمنيته}تفسير : {الآية: 52] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه السورة في الصلاة ثم سجد فسجد معه المؤمنون والمشركون والجن والإنس وذكرنا سببه.
الثعالبي
تفسير : قوله عز وجل: {وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ * مَا ضَلَّ صَـٰحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ * وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ} الآية، قال الحسن وغيره: النجم المُقْسَمُ به هنا: اسمُ جنس، أراد به النجوم، ثم اختلفوا في معنى {هَوَىٰ} فقال جمهور المفسرين: هَوَى للغروب، وهذا هو السابق إلى الفهم من كلام العرب، وقال ابن عباس في كتاب الثعلبيِّ: هوى في الانقضاض في إثر العفريت عند استراق السمع، وقال مجاهد وسفيان: النجم في قسم الآية: الثُّرَيَّا، وسُقُوطُهَا مع الفجر هو هوِيُّها، والعرب لا تقول: النجم مطلقاً إِلاَّ للثُّرَيَّا، والقسم واقع على قوله: {مَا ضَلَّ صَـٰحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ}. * ص *: {إِذَا هَوَىٰ} أبو البقاء: العامل في الظرف فِعْلُ الَقَسَمِ المحذوفِ، أي: أقسم بالنجم وَقْتَ هَوِيِّهِ، وجوابُ القَسَمِ: {مَا ضَلَّ}، انتهى، قال الفخر: أكثر المفسرين لم يُفَرِّقُوا بين الغَيِّ والضلال، وبينهما فرق؛ فالغيُّ: في مقابلة الرُّشْدِ، والضلال أَعَمُّ منه، انتهى. {وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ}: يريد محمداً صلى الله عليه وسلم أَنَّه لا يتكلم عن هواه، أي: بهواه وشهوته، وقال بعض العلماء: وما ينطقُ القرآنَ المُنَزَّلَ عن هوى. * ت *: وهذا تأويل بعيد من لفظ الآية كما ترى.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ} قال ابن عباس (رضي الله عنهما) في رواية الوالبيِّ العَوْفِيِّ يعني الثُّرَيَّا إذَا سقطت وغابت. وهُوِيُّهُ مَغِيبُهُ. والعرب تسمي "الثُّرَيَّا" نَجْماً قال قائلهم: شعر : 4538- إِذَا طَلَعَ النَّجْمُ عِشَاءَا ابْتَغَى الرَّاعِي كِسَاءَا تفسير : وجاء في الحديث عن أبي هريرة مرفوعاً: مَا طَلَعَ النَّجْمُ قَطّ وَفِي الأَرْضِ مِنَ العَاهَةِ شَيْءٌ إِلاَّ رُفِعَ. وأراد بالنجم الثريا. قال شهاب الدين: وهذا هو الصحيح لأن هذا صار علماً بالغلبة ومنه قول العرب: شعر : 4539- طَلَعَ النَّجْم غُدَيَّهْ فَابْتَغَى الرَّاعِي كُسَيَّهْ تفسير : وقال عمر بن أبي ربيعة: شعر : 4540- أحْسَنُ النَّجْم فِي السَّمَاءِ الثُّرَيَّا وَالثُّرَيَّا فِي الأَرْضِ زَيْنُ النِّسَاءِ تفسير : يقال: إنها سبعة أنجم ستةٌ منها ظاهرة وواحدٌ خفي يمتحن الناس به أبصارهم. وروى القاضي عِياضٌ في "الشِّفا" أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرى الثريا أحد عشر نجماً. وقال مجاهد: هي نجوم السماء كلها حين تغرب. لفظه واحد ومعناه الجمع. سمي الكوكب نجماً لطلوعه، وكل طالع نجم، يقال: نَجَم السِّنُّ والقَرْن والنَّبْتُ إذا طَلَعَ. وروى عكرمة عن ابن عباس - (رضي الله عنهما) - أنها ما يرمى به الشياطين عند استراقهم السمع. وقال أبو حمزة الثُّماليُّ: هي النجوم إِذا اسْتَتَرَتْ يوم القيامة. وقيل المراد بالنجم هنا الجِنْس. قال الشاعر - (رحمة الله عليه -): شعر : 4541- فَبَاتَتْ تَعُدُّ النَّجْم فِي مُسْتَحِيرَةٍ سِرِيع بِأَيْدِي الآكِلينَ جُمُودُهَا تفسير : أي تَعُدُّ النجوم. وهذا هو معنى قول مجاهد المتقدم. وقيل: المراد بالنجم الشِّعْرَى؛ لقوله: {أية : وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعْرَىٰ} تفسير : [النجم: 49]. وقيل: الزهرة؛ لأنها كانت تُعْبَدُ. وقيل: أراد بالنجم القرآن، لأنه نزل نجوماً متفرقاً في عشرين سنة. وسمي التفريق تنجيماً والمفرق منجماً. قاله الكلبي ورواه عطاء عن ابن عباس. والهويُّ النزول من أعلى إلى أسفل. وقال الأخفش: النجم هو النبت الذي لا ساق له ومنه قوله - عَزَّ وجَلَ - {أية : وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} تفسير : [الرحمن: 6]. وهُوِيُّهُ سقوطه على الأرض. وقال جعفر الصادق: يعني محمداً - صلى الله عليه وسلم - إِذ نزل من السماء ليلة المعراج. والهويُّ النزول، يقال هَوَى يَهْوِي هُوِيًّا. والكلام في قوله: "والنجم" كالكلام في قوله: "والطُّورِ" حيث لم يقل: وَالنُّجُوم ولا الأَطْوَار وقال: {أية : وَٱلذَّارِيَاتِ} تفسير : [الذاريات: 1] {أية : وَٱلْمُرْسَلاَتِ} تفسير : [المرسلات: 1] كما تقدم. فصل السور التي تقدمت وافتتاحها بالقسم بالأشياء دون الحروف هي "الصَّافَّات"، و "الذَّارِيَات" و "الطُّور" وهذه السورة بعدها فالأولى أن يقسم لإثبات الوحدانية كما قال: {أية : إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ} تفسير : [الصافات: 4] وفي الثانية أقسم لوقوع الحشر والجزاء كما قال تعالى: {أية : إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَاقِعٌ} تفسير : [الذاريات: 5 و 6] وفي الثالثة لدوام العذاب بعد وقوعه كما قال تعالى: {أية : إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ} تفسير : [الطور: 7 و 8] وفي هذه أقسم لإثبات النبوة لتكمل الأصول الثلاثة الوحدانية، والحشر، والنبوة. واعلم أنه تعالى لم يقسم على الوحدانية ولا على النبوة كثيراً، لأنه أقسم على الوحدانية في سورة واحدة وهي "وَالصَّافَّاتِ"، وأما النبوة فأقسم عليها بأمر واحد في هذه السورة وبأمرين في سورة (وَالضُّحَى) وأكثر من القسم على الحشر وما يتعلق به فقال: {أية : وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ} تفسير : [الليل: 1] {أية : وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا} تفسير : [الشمس: 1] {أية : وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ} تفسير : [البروج: 1] إلى غير ذلك وكلها في الحشر أو ما يتعلق به، وذلك لأن دلائل الوحدانية كثيرة كلها عقلية كما قيل: شعر : 4542- وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى أنَّهُ الوَاحِدُ تفسير : ودلائل النبوة أيضاً كثيرة وهي المعجزات المشهورة وأما الحشر ووقوعه فلا يمكن إثباته إلاَّ بالسمع فأكثر فيه القسم ليقطع بها المكلف ويعتقده اعتقاداً جازماً. فصل قال ابن الخطيب: والفائدة في تقييد القسم به بوقت هويه إذا كان في وسط السماء بعيداً عن الأرض لا يهتدي إليه السَّارِي لأنه لا يعلم به المَشْرِق من المَغْرِب ولا الجنوب من الشّمال. فإِذا زال عن وسط السماء تبين بزواله جانب المغرب من المشرق والجنوب عن الشمال. وخص الهويَّ دون الطلوع لعموم الاهتداء به في الدين والدنيا كما قال الخليل - عليه الصلاة والسلام - {أية : لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ} تفسير : [الأنعام: 76]. وفيه لطيفة وهي أن القسم بالنجم يقتضي تعظيمه وقد كان منهم من يعبده فنبه بهُوِيِّه على عدم صلاحيته للإِلهيَّة بأُفُولِهِ. فصل أول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها لفظاً ومعنى، أما لفظاً فقوله: "وَإِدْبَارَ النُّجُومِ" وافتتح هذه بالنجم مع واو القسم، وأما معنًى فلأنه تعالى لما قال لنبيه: {أية : وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ} تفسير : [الطور: 49] بين له أنه (جزأه في أجزاء مكابدة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنجم) وبعده (عما لا يجوز له) فقال: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ}. قوله: "إذَا هَوَى" في العامل في هذا الظرف أوجه وعلى كل منها إِشْكَال. أحدها: أنه منصوب بفعل القسم المحذوف تقديره: أُقْسِمُ بالنجم وقْتَ هُويه. قاله أبو البقاء. وهو مشكِل؛ فإن فعل القسم إنشاء والإنشاء حال و "إذا" لما يستقبل من الزمان فكيف يتلاقيان؟!. الثاني: أن العامل فيه مقدر على أنه حال من (النَّجْمِ) أقْسَمَ به حال كونه مستقراً في زمان هُوِيِّهِ. وهو مشكلٌ من وجهين: أحدهما: أن النجم جثّة والزمان لا يكون حالاً كما لا يكون خبراً. والثاني: أن (إِذَا) للمستقبل فيكف يكون حالاً؟!. وقد أجيب عن الأول بأن المراد بالنَّجم القطعة من القرآن والقرآن قد نزل منجماً في عشرين سنة. وهذا تفسير عن ابن عباس وعن غيره. وعن الثاني بأنها حال مقدرة. الثالث: أن العامل فيه نفس النجم إذا أريد به القرآن. قاله أبو البقاء. وفيه نَظَرٌ؛ لأن القرآن لا يعمل في الظرف إذا أريد أنه اسم لهذا الكتاب المخصوص. وقد يقال: إِنَّ النجم بمعنى المنجَّمِ كأنه قيل والقرآن المُنَجَّم في هَذَا الوَقْتِ. وهذا البحث وارد في مواضع منها: {أية : وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا} تفسير : وما بعده [الشمس: 1 - 5] وقوله: {أية : وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ} تفسير : [الليل: 1] {أية : وَٱلضُّحَىٰ وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ} تفسير : [الضحى: 1 و 2] وسيأتي في الشمس بحث أخص من هذا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. والهوِيُّ قال الراغب: سقوطٌ من عُلوٍّ ثم قال: "والهَوِيُّ ذهاب في انحدار والهُوِيّ ذهاب في ارْتفاع"، وأنشد: شعر : 4543-......................... يَهْوِي مَخَارِمُهَا هُوِيَّ الأَجْدَلِ تفسير : وقيل: هَوَى في اللغة خرق الهواء، ومقصده السّفْل أو مصيره إليه وإن لم يقْصِدْه قال - ( رحمةُ اللَّهِ عليه -): شعر : 4544-......................... هُوِيَّ الدَّلْوِ أَسْلَمَهَا الرِّشَاءُ تفسير : وقال أهل اللغة: هَوَى يَهْوِي هُويًّا أي سقط من علُوٍّ، وهَوِيَ يَهْوَى هَوًى أي صَبَا. وقد تقدم الكلام في هذا مُشبعاً. قوله: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ} هذا جواب القسم، والمعنى: ما ضل صاحبكم يعني محمداً - صلى الله عليه وسلم - ما ضل عن طريق الهدى "وَمَا غَوَى" ذهب أكثر المفسرين إلى أن الضلال والغي بمعنى واحد. وفرق بعضهم بينهما قال: الضلال في مقابلة الهدى والغي في مقابلة الرشد، قال تعالى: {أية : وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} تفسير : [الأعراف: 146] وقال تعالى: {أية : قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ} تفسير : [البقرة: 256]. قال ابن الخطيب: وتحقيق القول فيه أن الضلال أعمّ استعمالاً في الوضع، تقول: ضَلَّ بَعِيرِي ورَحْلِي ولا تقول غيَّ؛ فالمراد من الضلال أن لا يجد السالك إلى مقصده طريقاً أصلاً، والغواية أن لا يكون له طريق إِلَى القصد مسقيم، ومما يدل على هذا قولك للمؤمن الذي ليس على طريق السداد: إنَّه سَفِيهٌ غير رشيدٍ ولا تقول: إنه ضال فالضال كالكافر والغَاوي كالفاسق كأنه تعالى قال: ما ضَلَّ أي ما كفر ولا أقلّ من ذلك فما فسق أو يقال: الضلال كالعدم والغواية كالوجود الفاسد في الدرجة والمرتبة. قال: ويحتمل أن يكون المراد معنى قوله "مَا ضلَّ" أي ما جُنَّ فإنَّ المجنون ضالٌّ وعلى هذا فهو كقوله: {أية : وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} تفسير : [القلم: 1 و 2]. ومعنى صاحبكم إما سيدكم أو وصاحبكم (مَا غَوَى) أي ما تكلم بالباطل. وقيل: ما خاب والغَيّ الخيبة. قوله: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ} أي ما يصدر عن الهوى نُطْقُهُ (فعن) على بابها. وقيل: بمعنى الباء، أي ما ينطق بالهوى يريد لا يتكلم بالباطل، وذلك أنهم قالوا: إنَّ محمداً يقول القرآن من تِلْقَاءِ نَفْسِهِ. وفي فاعل (يَنطِقُ) وجهان: أحدهما: هو ضمير النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو الظاهر. والثاني: أنه ضمير القرآن كقوله تعالى: {أية : هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الجاثية: 29]. واعلم أن في قوله تعالى: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ} بصيغة الماضي وفي قوله: "وَمَا يَنطِقُ" بصيغة المستقبل ترتيب في غاية الحسن أي ما ضل حين اعتزلكم وما تبعدون في صِغَرِهِ "وَمَا غَوَى" حين اختلى بنفسه ورأى في منامه ما رأى وما ينطق عن الهوى الآن يحث أُرْسِلَ إليكم وجعل رسولاً شاهداً عليكم فلم يكن أولاً ضالاً ولا غاوياً وصار الآن منقذاً من الضلالة مرشداً وهادياً. قوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ} إن هو أي إن الذي ينطق به. وقيل: إن القرآن إلا وحي من الله. وقوله: "يُوحَى" صفة لوحي. وفائدة المجيء بهذا الوصف أنه ينفي المجاز أي هو وحي حقيقة لا بمجرد تسمية كقولك: هَذَا قَوْلٌ يُقَالُ. وقيل: تقديره يُوحَى إليه. ففيه مزيدُ فَائدةٍ. نقل القُرْطُبِيُّ عن السِّجِسْتَانِيِّ أنه قال: إن شئت أبدلت {إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ} من {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ}. قال ابن الأنباريّ: وهذا غلط، لأن "إنْ" الحقيقية لا تكون مبدلة من "ما"؛ بدليل أنك لا تقول وَاللَّهِ مَا قُمْتُ إِنْ أنا لَقَاعِدٌ. فصل والوحي قد يكون اسماً ومعناه الكتاب، وقد يكون مصدراً وله معان منها الإِرسال والإلهام والكتابة والكلام والإشارَة والإفهام، وهذه الآية تدل على أنه عليه الصلاة والسلام لم يجتهد، وهو خلافُ الظَّاهر فإِنَّه اجتهد في الحروب وأيضاً حرم في قوله تعالى: {أية : لِمَ تُحَرِّمُ} تفسير : [التحريم: 1] وأذن قال تعالى: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} تفسير : [التوبة: 43]. قوله "عَلَّمَهُ" يجوز أن تكون هذه الهاء للرسول وهو الظاهر فيكون المفعول الثاني محذوفاً أي عَلَّم الرسولَ الوحيَ أي الموحَى، ويجوز أن يكون للقرآن والوحي فيكون المفعول الأول محذوفاً أي علمه الرسولَ، والوحي إن كان هو الكتاب فظاهر وإن كان الإِلهام فهو كقوله تعالى: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ} تفسير : [الشعراء: 193 و 194]. وقوله: "شَدِيدُ القُوَى" قيل: هو جبريل: وهو الظاهر. وقيل: الباري تعالى لقوله: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} تفسير : [الرحمن: 1 و 2] و "شَدِيدُ القُوَى" من إضافة الصفة المشبهة لمرفوعها فهي غير حقيقية. والقُوَى جمع القُوَّة. قوله: "ذُو مِرَّة" المرة القوة والشدة. ومنه: أَمْرَرْتُ الحَبْلَ أي أحكمت فَتْلَهُ. والمَرِيرُ: الحَبْلُ، وكذلك المَمَرُّ كأنه كرّر فَتْلَهُ مرةً بعد أُخْرَى. وقال قطرب - (رحمه الله) -: "العرب تقول لكل جزل الرأي حَصِيف العَقْلِ: ذُو مِرَّةٍ" وأنشد - (رحمه الله) -: شعر : 4545- وَإِنِّي لَذُو مِرَّةٍ مُرَّةٍ إِذَا رَكِبَتْ خَالَةٌ خَالَهَا تفسير : وقال: شعر : 4546- قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقَائِكمْ ذُو مِرَّةٍ عندي لِكُلِّ مُخَاصِمٍ مِيزانُهُ تفسير : وقال الجوهري: والمِّرة أحد الطبائع الأربع. والمرة: القوة وشدة العقل أيضاً. ورجل مرير أي قريب ذو مرة قال: شعر : 4547- تَرَى الرَّجُلَ النَّحِيفَ فَتَزْدَرِيهِ وَحَشْوُ ثِيَابِهِ أَسَدٌ مَرِيرُ تفسير : وقال لقيط: شعر : 4548- حَتَّى اسْتَمَرَّتْ عَلَى شَزْرٍ مَرِيرَتُهُ مُرَّ العَزِيمَةِ لاَ رَتًّا وَلاَ ضَرعَا تفسير : فصل ذو مرة ذو قوة وشدة في خلقه يعني جبريل قال ابن عباس: ذو مِرّة أي ذو منظر حسن. وقال مقاتل: وقيل: ذو كمال في العقل والدين ذو خلق طويل حسن. وقيل: ذو كمال في العقل والدين جميعاً. وقيل: ذو منظر وهيئة عظيمة. فإن قيل: قد تبين كونه ذا قوة بقوله: "شَدِيدُ القُوَى" فكيف قال بعده: ذو مرة إذا فسرنا المرَّة بالقوة؟!. قال ابن الخطيب: وقوله هنا: ذُو قُوة بدل من "شَدِيدُ القُوَى" وليس وصفاً له تقديره: ذو قوة عظيمة. ووجه آخر وهو أن إفراد "قُوَى" بالذكر ربّما يكون لبيان أن قواه المشهورة شديدة وله قوة أخرى خَصَّه الله بها، يقال فلانٌ كثيرُ المال وله مال لا يعرفه أحدٌ أي أمواله الظاهرة كثيرة وله مال باطن. ثم قال: على أنَّا نَقُول: المراد ذو شدة وهي غير القوة وتقديره علمه من قواه شديدة وفي ذاته أيضاً شدة فإن الإنسان رُبَّمَا تكون قواه شديدةً وفي جسمه حقارةٌ. ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "شديد القوى" قوته في العلم وبقوله: "ذو مرة" أي شدة في جسمه فقدم العِلْميَّة على الجِسْمِيَّة كقوله تعالى: {أية : وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ} تفسير : [البقرة: 247]. وقوله: "فَاسْتَوَى" يعني جبريل في خلقه. قال مكي: اسْتَوَى يقع للواحد وأكثر ما يقع من اثنين ولذلك جعل الفَرَّاءُ الضمير لاثنين. قوله: {وَهُوَ بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ} في الضمير وجهان: أظهرهما: أنه مبتدأ و "بِالأُفُقِ" خبره. والضمير لجبريل أو للنبي - صلى الله عليه وسلم -. ثم في هذه الجملة وجهان: أحدهما: أن هذه الجملة حال من فاعل "استوى". قاله مكي. والثاني: أنها مستأنفة. أخبر الله تعالى بذلك. والثالث: أن "وَهُوَ" معطوف على الضمير المستتر في "اسْتَوَى" وضمير "اسْتَوَى" و "هُوَ" إما أن يكونا لله تعالى. وهو قول الحسن. وقيل: ضمير استوى لجبريل و "هُوَ" لمحمد - صلى الله عليه وسلم -. قال البغوي في توجيه هذا القول: أكثر كلام العرب إذا أرادوا العطف في مثل هذا أن يظهروا كناية المعطوف فيه فيقولون: اسْتَوَى هُوَ وَفُلانٌ وقَلَّ ما يقولون: اسْتَوَى وفُلاَنٌ. ونظير هذا قوله عز وجل: {أية : أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ} تفسير : [النمل: 67] عطف "الآباء"على المكنيّ في "كُنَّا" من غير إظهار "نَحْنُ". ومعنى الآية استوى جبريل ومحمد - عليهما الصلاة والسلام - ليلة المعراج "بالأُفُقِ الأَعْلَى"، وهو أقصى الدنيا عند مطلع الشمس. وقيل: ضمير "استوى" لمحمد و "هو" لجبريل. وهذا الوجه الثاني يتمشى على قول الكوفيين لأن فيه العطف على الضمير المرفوع المتصل من غير تأكيد، ولا فاصل. وهذا الوجه منقول عن الفراء والطبري. وإذَا قِيلَ: بأن الضميرين أعني "اسْتَوَى" و "هُوَ" لجبريل فمعناه قام في صورته التي خلقه الله فيها {وهو بالأفق الأعلى}، وذلك أن جبريل كان يأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صورة الآدميين كما كان يأتي النبيين، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُرِيهُ نفسه في صورته التي جُبِلَ عليها فأراه نفسه مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء فأما في الأرض ففي الأفق الأعلى وهو جانب المشرق وذلك أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - كان بِحرَاءَ فطلع له جبريلُ من المَشْرِق فسدَّ الأرض من المَغْرِب، فخر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مَغْشِيًّا عليه فنزل جبريل في صورة الآدميين فضمه إلى نفسه، وجعل يمسح التراب عن وجهه وهو قوله: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ}. وأما في السماء فعند سدرة المنتهى، ولم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة إلاَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم -. وقيل: معنى: "فَاسْتَوَى" أي استوى القرآن في صدره. وعلى هذا فيه وجهان: أحدهما: فاستوى أي فاعتدل في قوته. الثاني: في رسالته. نقله القرطبي عن المَاوَرْدِي. قال: وعلى هذا يكون تمام الكلام ذو مرة، وعلى الثاني شَدِيد القوى. وقيل: اسْتَوَى أي ارتفع. وفيه على هذا وجهان: أحدهما: أنه جبريل - عليه الصلاة والسلام - أي ارتفع إلى مكانه. الثاني: أنه النبي - عليه الصلاة والسلام - أي ارتفع بالمعراج. وقيل: معناه استوى أي الله عز وجل استوى على العرش. قاله الحسن. قوله: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ} التدلي: الامتداد من علو إلى سفل، فيستعمل في القرب من العلو قاله الفراء، وابن الأعرابي. وقال الهذلي: شعر : 4549- تَدَلَّى عَلَيْنَا وَهْوَ زَرْقُ حَمَامَةٍ لَه طِحْلِبٌ فِي مُنْتَهَى القَيْظِ هَامِدُ تفسير : وقال الشاعر: شعر : 4550-....................... تَدَلَّى عَلَيْنَا بَيْنَ سِبٍّ وَخَبْطَةٍ تفسير : ويقال: هُوَ كَالقِرِلَّى إنْ رأى خيراً تدلَّى وإن لم يَرَه تَوَلَّى. فصل في قوله: "دَنَا فَتَدَلَّى" وجوه: أشهرها: أن جبريل - صلى الله عليه وسلم - دنا من النبي - صلى الله عليه وسلم - أي بعد ما مد جَنَاحَهُ "وهو بالأفق" عاد إلى الصورة التي كان يعتاد النزول عليها وقَرُب من النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى هذا ففي "تَدَلَّى" وجوه: الأول: فيه تقديم وتأخير أي تدلى من الأفق الأعلى فدنا من النبي - صلى الله عليه وسلم -. الثاني: أن الدُّنُوَّ والتَّدلِّي بمعنًى واحد فكأنه قال: دَنَا فَقَرُبَ. وذهب الفراء إلى أن الفاء في قوله: (فَـ) ـتدلى بمعنى الواو، والتقدير: ثم تدلى جبريل - عليه الصلاة والسلام - ودنا ولكنه جائزٌ إذا كان معنى الفعلين واحداً قدمتَ أيَّهُمَا شئتَ، فقلت: فَدَنَا فقرب، وقرب فدنا، وشتمني فأساء، وأَسَاءَ فَشَتَمَني؛ لأن الإساءة والشتم شيءٌ واحد وكذلك قوله: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} تفسير : [القمر: 1] أي انشق القمر واقْتَرَبَت الساعة. الثالث: دنا أي قصد القرب من محمد - عليه الصلاة والسلام - وتحول عن المكان الذي كان فيه فتدلّى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. الوجه الثاني: أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - دنا من الخلق والأمة وَلان لهم وصار كواحد منهم فتدلى أي تدلى إِليهم بالقول اللّين والدعاء بالرفق فقال: {أية : قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ} تفسير : [الكهف: 110]. الوجه الثالث: دَنَا منه ربه فقرب منه منزلته كقوله - عليه الصلاة والسلام - حكاية عن ربه تعالى: "حديث : مَنْ تَقَرَّبَ إِليَّ شِبْراً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً، وَمَنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِرَاعاً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعاً وَمَنْ مَشَى إِلَيَّ أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً" تفسير : وهذا إشارة إلى المنع المجازي. قوله: "فَكان قَابَ" ها هنا مضافان محذوفان يُضْطَرُّ لتقديرهما أي فكان مقدارُ مسافةِ قربه منه مقدارَ مسافةِ قَاب. وقد فعل أبو علي هذا في قول الشاعر: شعر : 4551-....................... وَقَدْ جَعَلَتْنِي مِنْ خَزِيمَةَ إصْبَعَا تفسير : أي ذا مقدار مسافة إصبع. والقابُ القَدْرُ؛ يقول: هذا قاب هذا أي قَدْرُهُ. ومثله القِيبُ والقَادُ والقِيدُ والقِيسُ. قال الزمخشري: وقد جاء التقدير بالقوْس والرّمح والسَّوْط والذّراع والباع والخُطْوة، والشّبر، والفَتْر، والإصبع ومنه: "لاَ صَلاةَ إلَى أَنْ تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ مِقْدَارَ رُمْحَيْنِ" وفي الحديث: "حديث : مِقْدَارُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ وَمَوْضِع قِدِّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا"تفسير : ، والقِدُّ السَّوْط. وألف "قاب" عن واو. نص عليه أبو البقاء. وأما قِيبٌ فلا دلالة فيه على كونها ياء لأن الواو إذا انكسر ما قبلها قلبت ياء كدِيمَةٍ وقِيمَةٍ. وذكره الراغب أيضاً في مادة "قوب" إلا أنه قال في تفسيره: هو ما بين المِقْبض والسِّيَة من القَوس. فعلى هذا يكون مقدار نصف القوس، لأن المقبض في نصفه والسّية هي العَرضة التي يحط فيها الوَتَر. وفيما قاله نظرٌ لا يخفى. ويروى عن مجاهد أنه من الوتر إلى مقبض القوس في وسطه. وقيل: إن القوس ذراعٌ يقاس به. نُقل ذلك عن ابن عباس (- رضي الله عنهما -) وأنه لغة للحجازيين (والشَّنُوئيّينَ) والقوس معروفةٌ وهي مؤنثة وشذوا في تصغيرها فقالوا: قُوَيْسٌ من غير تأنيث كعُرَيْبٍ وحُرَيْبٍ ويجمع على قِسِيٍّ. وهو مقلوب من قُوُوس. والقَوْسُ برج في السماء، فأما القُوسُ - بالضم - فصَوْمَعَةُ الرَّاهِبِ قال الشاعر: شعر : 4552- لاسْتَفْتَنَتْنِي وَذَا المِسْحَيْنِ فِي القُوسِ تفسير : قوله: "أَوْ أَدْنَى" هي كقوله: "أَوْ يَزِيدُونَ"؛ لأن المعنى فكان يأخذ هذين المقدارين في رأي الرائي أي لتقارب ما بينهما يشك الرائي في ذلك. و "أَدْنَى" أفعل تفضيل والمفضل عليه محذوف أي أو أَدْنَى مِنْ قَابِ قَوْسَيْنِ. فصل روى الشيبانيّ قال: سألت زِرًّا عن قوله تعالى: {قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ} قال: أخبرنا عبد الله يعني ابن مسعود أن محمداً رأى جبريل له ستمائة جَناح. فمعنى الآية: ثم دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض فتدلى فنزل إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - فكان منه قابَ قَوْسَيْن أو أدنى بل أدنى؛ وبهذا قال ابن عباس، والحسنُ، وقتادة. وقال آخرون: دَنَا الربُّ من محمد - صلى الله عليه وسلم - فتدلى فقرب منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى. قال البغوي: وروينا في قصة المعراج عن شريك بن عبد الله عن أنس: ودنا الجبَّار ربُّ العزة فتدلى حتى كان قاب قوسي أو أدنى. وهذه رواية ابن سلمة عن ابن عباس. وقال مجاهد: دنا جبريل من ربه. وقال الضحاك: دنا محمد من ربه. فتدلى فأهوى للسجود فكان منه قاب قوسين أو أدنى. وتقدم الكلام على القاب. والقوس ما يرمى به في قول مجاهد، وعكرمة، وعطاء عن ابن عباس فأخبر أنه كان بين جبريل وبين محمد - عليهما الصلاة والسلام - مقدارُ قَوْسَيْن. وقال مجاهد: معناه حيث الوتر من القوس وهذا إشارة إلى تأكيد القرب، والأصل فيه أن الخَلِيفَتَيْن من العرب كانا إذا تعاقدا على الصفاء والعهد خرجا بقوسهما فألصقاهُ بينهما يريدان بذلك أنهما متظاهران يُحَامِي كل واحد منهما عن صاحبه. وقال عبد الله بن مسعود: قاب قوسين قَدْرَ ذراعين. وهو قول سعيدِ بنِ جبير، وشقيقِ بنِ سلمة، والقوس الذراع يقاس بها كل شيء "أو أدنى" بل أقْرَبُ. وإنما ضرب المثل بالقوس لأنها لا تختلف بالقاب. قوله: "فَاَوْحَى" أي أوحى الله وإن لم يَجْرِ له ذكر لعدم اللبس "إلى عبده" محمد. وقوله "مَا أَوْحَى" أبهمَ تعظيماً له ورفعاً من شأنه. وبهذه الآية استدل ابن مالك على أنه لا يشترط في الصلة أن تكون معهودة عند المخاطب. ومثله: {أية : فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} تفسير : [طه: 78] إلا أن هذا الشرط هو المشهور عند النحويين. والوحي هو إِلقاء الشيء بسرعة ومنه: الوحاء الوحاء. فصل في فاعل (أوحى) الأول وجهان: أحدهما: أن الله تعالى أوحى. وعلى هذا ففي "عبده" وجهان: أحدهما: أنه جبريل أي أوحى الله إلى جبريلَ، وعلى هذا (أيضاً) ففي فاعل أوحى "الأخير" وجهان: أحدهما: أنه الله تعالى أيضاً. والمعنى حينئذ فأوحى الله تعالى إلى جبريل الذي أوحاه (الله) أبهمه تفخيماً وتعظيماً للموحِي. ثانيهما: فاعل (أوحى) الثاني جبريل أي أوحى إلى جبريل ما أوحى جبريلُ. وعلى هذا فالمراد من الذي أوحى جبريل - عليه (الصلاة) والسلام - يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون مبنياً وهو الذي أوحى جبريل إلى محمد (صلى الله عليه وسلم). وثانيهما: أن يكون عاماً أي أوحى الله إلى جبريل ما أوحى إلى كل رسول. الوجه الثاني في (عبده) على قولنا: الموحِي هو الله: أنه محمد عليه الصلاة والسلام أي أوحى الله إلى محمد ما أوحى إليه (للتفخيم والتعظيم. الوجه الثاني في فاعل أوحى الأول: هو أنه جبريل أوحى إلى عبده أي عبد الله يعني محمداً ما أوحى إليه) ربه عز وجل؛ قاله ابن عباس في رواية عطاء والكلبي والحسن والربيع وابن زيد. وعلى هذا ففي فاعل "أوحى" الثاني وجهان: أحدهما: أنه جبريل أي أوحى جبريل إلى عبد الله ما أوحى جبريل للتفخيم. وثانيهما: أن يكون هو الله تعالى أي أوحى جبريل إِلى محمد ما أوحى الله إليه. فصل وفي الذي أوحى وجوه: الأول: قال سعيد بن جبير أوحى الله إليه: {أية : أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ} تفسير : [الضحى: 6] إلى قوله: {أية : وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} تفسير : [الشرح: 4]. الثاني: أوحى إليه الصلاة. الثالث: أن أحداً من الأنبياء لا يدخل الجنة قبلك وأنَّ أمة من الأمم لا تدخلها قبل أمتك. الرابع: أنه مبهم لا يطلع عليه أحد وتعبدنا به على الجملة. الخامس: أن ما للعموم والمراد كل ما جاء به جبريل. قوله: "مَا كَذَبَ" قرأ هشامٌ وأبو جَعْفَر بتشديد الذال والباقون بتخفيفها. فأما الأولى فإن معناها أن ما رآه محمد بعينه صدَّقه قلبهُ ولم ينكره أي لم يقل: لم أعرفْكَ و(ما) مفعول به موصولة والعائد محذوف ففاعل (رأى) ضمير يعود على النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأما قراءة التخفيف فقيل كذلك. و "كَذَبَ" يتعدى بنفسه وقيل: هو على إسقاط الخافض أي فيما رآه قاله مكي وغيره فأسقط حرف الصفة، قال حسان: شعر : 4553- لَوْ كُنْتِ صَادِقَة الَّذِي حَدَّثْتِنِي لَنَجوْتُ مَنْجَى الحَارِثِ بْنِ هِشَامِ تفسير : أي في الذي حدثتني. وجوز في (ما) وجهين آخرين: أحدهما: أن يكون بمعنى الذي. والثاني: أن تكون مصدرية ويجوز أن يكون فاعل (رأى) ضميراً يعود على الفؤاد أي لم يشك قلبه فيما رآه بعَيْنِهِ. فصل قال الزمخشري معناه: أن قلبه لم يكذب وما قال إن من يراه بصرك ليس بصحيح ولو قال فؤاده ذلك لكان كاذباً فيما قاله فما كذب الفؤاد. هذا على قراءة التخفيف، يقال: كَذَبَهُ إِذَا قال له الكَذِبَ. وأما قراءة التشديد فمعناه ما قال: إن المرئيَّ خيالٌ لا حقيقةٌ. وأما الرائي فقيل: هو الفؤاد كأنه تعالى قال: ما كذب الفؤادُ ما رآه الفؤاد أي لم يقل: إنه هاجس شيطان بل تيقن أن ما رآه بفؤاده صدق صحيح. وقيل: الرائي هو البصر أي ما كذب الفؤاد ما رآه البصر خيال. وقيل: ما كذب الفؤاد وما رأى محمد - عليه الصلاةُ والسلامُ - وعلى هذا فالمراد بالفؤاد الجنس؛ أي القلوب شهدت بصحة ما رآه محمد - صلى الله عليه وسلم -. وأمَّا المرئي فقيل: هو الرب تعالى. وقيل: جبريل - عليه الصلاة والسلام - وقيل: الآيات العجيبةُ الإلهيَّة. فالقائل بأن المرئي جبريل - عليه الصلاة والسلام - هو ابنُ مسعودٍ وعائشةُ - رضي الله عنهما - ومن قال بأن المرئيَّ هو الله تعالى اختلفوا في معنى الرؤية، فقال بعضهم: جعل بصره في فؤاده فرآه بفؤاده. وهو قول ابن عباس، قال: رآه بفؤاده مرتين {مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ} {أية : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ} تفسير : [النجم: 13]. وقال أنس والحسن وعكرمة: رأى محمدٌ ربَّه بعينيه. وروى عكرمة عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: "إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى إبْرَاهيمَ بالخلَّةِ، واصْطَفَى مُوسَى بالكَلاَم، واصْطَفَى مُحَمَّداً بالرُّؤْيَةِ - صلى الله عليه وسلم". وكانت عائشة - رضي الله عنها - تقول: لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم - ربه. وتحمل الرؤية على رؤية جبريل. وقال مسروق: قلت لعائشة: يا أمَّتاه هل رأى محمدٌ رَبَّه؟ فقالت: لقد قفَّ شعري لما قلت أين أنت من ثلاث من حَدَّثَكَهُنَّ فَقَدْ كَذَبَ، من حَدَّثَكَ أنَّ محمداً رأى ربه فقد كذب، ثم قرأتْ: {أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} تفسير : [الأنعام: 103] {أية : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} تفسير : [الشورى: 51] ومن حَدَّثَك أنه يَعْلم مَا في غَدٍ فقد كَذَب ثم قرأت: {أية : وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً} تفسير : [لقمان: 34] ومن حدّثك أَنَّهُ كَتَم شيئاً مما أنْزل الله فقد كذب ثم قرأت: {أية : يَـۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} تفسير : الآية [المائدة: 67] ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين. وروى أبو ذر قال: "حديث : سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هل رأيت ربك قط؟ قال: نُورٌ أنَّى أَرَاهُ ". تفسير : قوله: "أَفَتُمَارُونه" قرأ الأخوان أَفَتَمْرُونَهُ بفتح التاء وسكون الميم، والباقون تُمَارُونَهُ. وعبد الله الشعبي أَفَتُمْرونه بضم التاء وسكون الميم. فأما الأولى ففيها وجهان: أحدهما: أنها من مَرَيْتُهُ حَقَّه إذا علمته وجَحَدتَهُ إياه، وعدي بعلى لتضمنه معنى الغلبة. وأنشد: شعر : 4554- لَئِنْ هَجَوْتَ أَخَا صِدْقٍ ومَكْرُمَةٍ لَقَدْ مَرَيْتَ أَخاً مَا كَانَ يَمْرِيكَا تفسير : لأنه إذا جحده حقه فقد غلبه عليه. وقال المبردُ يقال: مَرَاهُ عَنْ حَقِّه وعَلَى حَقِّه إذا مَنَعَهُ منه، قال: ومثلُ "على" بمعنى "عن" قول بني كعب بن ربيعة: "رَضِيَ اللَّه عَليكَ"؛ أي: عَنْكَ. والثاني: أنها من مَرَأَهُ على كذا أي غلبه عليه، فهو من المِرَاءِ وهو الجِدَالُ. وأما الثانية: فهي من مَارَاه يُمَارِيه مراءً أي جَادَلَهُ. واشتقاقه من مَرْي الناقة لأن كل واحد من المُتَجادِلَيْنِ يَمْرِي ما عند صاحبه. وكان من حقه أن يتعدى بفي كقولك: جَادَلْتهُ فِي كذا. وإنّما ضُمِّن معنى الغلبة. وأما قراءة عبد الله فمن أَمْراهُ رباعيًّا. فصل المعنى أفتجادلونه أي كيف تجادلونه على ما يرى، وذلك أنهم جادلوه حين أُسْرِيَ به فقالوا: صِفْ لنا بيتَ المقدس وأخبرنا عن عيرنا في الطريق وغير ذلك مما جادلوه والمعنى أفتجادلونه جدالاً ترومون به دفعه عما رآه وعلمه وتيقَّنه. فإن قيل: هلا قيل: أفتمارونه على ما رأى بصيغة الماضي لأنهم إنما جادلوه حين أسري به كما تقدم وما الحكمة في إبرازه بصيغة المضارع؟ فالجواب: أن التقدير أفتُمَارُونَه على ما يرى فكيف وهو قد رآه في السماء فماذا تقولون فيه؟.
البقاعي
تفسير : ولما ختمت الطور بأمره صلى الله عليه وسلم بالتسبيح والتحميد، وكان أمره تكويناً لا تكليفاً، فكان فاعلاً لا محالة، وذاك بعد تقسيمهم القول في النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كاهن وساحر ومجنون، وكان لذلك تعلق بالشياطين، وكانت الشياطين مباينة للقرآن بختلها وبمنعها بالرجوم من النجوم كما بين آخر الشعراء، افتتحت هذه بالحث على الاهتداء بهدية والاستدلال بدله واتباع أثره، ولما كان من ذلك تسبيحه بالحمد في إدبار النجوم أقسم أول هذه بالنجم على وجه أعم مما في آخر تلك فعبر بعبارة تفهم عروجه وصعوده لأنه لا يغيب في في الأفق الغربي واحد من السيارة إلا وطلع من الأفق الشرقي في نظير له منها لما يكون عند ذلك من تلك العبارة العالية، والأذكار الزاكية، مع ما فيه من عجيب الصنع الدال على وحدانية مبدعه من زينة السماء التي فيها ما توعدون والحراسة من المردة حفظاً لنجوم الكتاب والاهتداء به الدين والدنيا، وغير ذلك من الحكم التي يعرفها الحكماء، فقال تعالى: {والنجم} أي هذا الجنس من نجوم السماء أو القرآن لنزوله منجماً مفرقاً وهم يسمون التفريق تنجيماً - أو النبات، قال البغوي: سمي النجم نجماً لطلوعه وكل طالع نجم. {إذا هوى} أي نزل للأفول أو لرجم الشياطين عند الاستراق كما رواه عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما إن كان المراد السمائي، فكانت عنده العبادة والاستغفار والدعاء للملك الجبار بالأسحار، أو صعد فكان به اهتداء المصلي والقارئ والساري، فإنه يقال: هوى هوياً - بالفتح إذا سقط، وبالضم - إذا علا وصعد، أو نزل به الملك للإصعاد وللإبعاد إن كان المراد القرآني لما يحصل من البركات في الدين والدنيا والشرح للصدور، والاطلاع على عجائب المقدور، أو إذا سقط منبسطاً على الأرض أو ارتفع عنها إن كان المراد النبات، لما فيه من غريب الصنعة وجليل التقدير الدال على عام القدرة وكمال العلم والتوحد بالملك والغنى المطلق. ولما أقسم بهذا القسم الجليل، أجابه بقوله معبراً بالماضي نفياً لما كانوا رموه به وليسهل ما قبل النبوة فيكون ما بعدها بطريق الأولى: {ما ضل} أي عدل عن سواء المحجة الموصلة إلى غاية المقصود أي أنه ما عمل الضالين يوماً من الأيام فمتى تقول القرآن عنده ولا علم فيه عمل المجانين ولا غيرهم ما رموه به وأما{أية : وجدك ضالاً}تفسير : [الضحى: 7] فالمراد غير عالم، وعبر بالصحبة مع كونها أدل على القصد مرغبة لهم فيها ومقبلة بهم إليه ومقبحة عليهم اتهامه في إنذاره وهم يعرفون طيب أعرافه وطهارة شمائله وأخلاقه فقال: {صاحبكم} أي في إنذاره لكم في القيامة فلا وجه لكم في اتهامه. ولما كان الهدى قد يصحبه ميل لا يقرب الموصول إلى القصد وإن حصل به نوع خلل في القرب أو نحوه فقد يكون القصد مع غير صالح قال: {وما غوى *} وما مال أدنى ميل ولا كان مقصوده مما يسوء فإنه محروس من أسبابه التي هي غواية الشياطين وغيرها، وقد دفع سبحانه عن نبينا صلى الله عليه وسلم، وأما بقية الأنبياء فدفعوا أنفسهم{أية : ليس بي ضلالة}تفسير : [الأعراف: 61]{أية : ليس بي سفاهة}تفسير : [الأعراف: 67]، ونحو ذلك - قاله القشيري. ولما كان قد يكون مع الهدى مصادفة قال: {وما ينطق} أي يجاوز نطقه فمه في وقت من الأوقات لا في الحال ولا في الاستقبال، نطقاً ناشئاً {عن الهوى} أي من أمره كالكاهن الذين يغلب كذبهم صدقهم والشعراء وغيرهم، وما تقول هذا القرآن من عند نفسه. ولما أكد سبحانه في نفسه ذلك عند التأكيد تنزيهاً له عما نسب إليه، فكان ذلك مظنة السؤال عن أصل ما تقوله، أجاب بالحصر والآية أصرح وأدفع لإنكارهم البالغ فقال: {إن} أي ما {هو} أي الذي يتكلم به من القرآن وبيانه، وكل أقواله وأفعاله وأحواله بيانه {إلا وحي} أي من الله تعالى، وأكده بقوله: {يوحى *} أي يجدد إليه إيحاؤه منا وقتاً بعد وقت، ويجوز أن يجتهد صلى الله عليه وسلم، فإذا استقر اجتهاده على شيء أوحي مع أن من يرد ما يجتهد فيه إلى ما أوحي إليه بريء من الهوي. وقال أبو جعفر ابن الزبير في برهانه: لما قطع سبحانه تعليقهم بقوله: ساحر وشاعر ومجنون - إلى ما هو به مما علموا أنه لا يقوم على ساق، ولكن شأن المنقطع المبهوت أن يستريح إلى ما أمكنه وإن لم يغن عنه، أعقب الله سبحانه بقسمة على تنزيه نبيه وصفيه من خلقه عما تقوله وتوهمه الضعفاء فقال تعالى: {والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى} ثم أتبع سبحانه هذا القسم ببسط الحال في تقريبه عليه السلام وإدنائه وتلقيه لما يتلقاه من ربه وعظيم منزلته لديه، وفي إبداء ذلك يحركهم عزّ وجلّ ويذكرهم ويوبخهم على سوء نكاياتهم بلطف واستدعاء كريم منعم فقال تعالى: {أفرأيتم اللات والعزى} والتحمت الآي على هذه الأغراض إلى الإعلام بانفراده سبحانه بالإيجاد والقهر والإعزاز والانتقام، لا يشاركه في شيء من ذلك غيره فقال: {وأن إلى ربك المنتهى وأنه هو أضحك وأبكى}. ولما بين ذلك فقال: {فبأي آلاء ربك تتمارى} أي في أيّ نعمة تشكون أم بأي آية تكذبون؟ ثم قال: {هذا نذير من النذر الأولى} وإذا كان عليه الصلاة والسلام... فشأن مكذبيه شأن مكذبي غيره - انتهى. ولما كان الوحي ظاهراً فيما بواسطة الملك، تشوف السامع إلى بيان ذلك فقال مبيناً له بأوصافه لأن ذلك أضخم في حقه وأعلى لمقداره: {علمه} أي صاحبكم الوحي الذي أتاكم به {شديد القوى *} أفلا تعجبون من هذه البحار الزاخرة التي فأقكم بها وهو أمي فإن معلمه بهذه الصفة التي هو بها بحيث ينفذ كل ما أمره الله به {ذو مرة} أي جزم في قوة وقدرة عظيمة على الذهاب فيما أمر به والطاقة لحمله في غير آية النشاط والحدة كأنه ذو مزاج غلبت عليه الحدة فهو صعب المراس ماض في مراوته على طريقة واحدة على غاية من الشدة لا توصف لا التفات له بوجه إلى غير ما أمر به، فهو على غاية الخلوص فهو مجتمع القوى مستحكم الشأن شديد الشكيمة، لا بيان في شيء بزواله ومن جملة ما أعطى من القوة والقدرة على التشكل، وإلى ذلك كله أشار بما سبب عن هذا من قوله: {فاستوى *} فاستقام واعتدل بغاية ما يكون من قوته على أكمل حالاته في الصورة التي فطر عليها {وهو} أي والحال أن جبرائيل عليه السلام، وجوزوا أن يكون الضمير المنفصل للنبي صلى الله عليه وسلم أي استوى جبرائيل عليهما السلام معه {بالأفق الأعلى *} أي الناحية التي هي النهاية في العلو والفضل من السماوات مناسبة لحالة هذا الاستواء، وذلك حين رآه النبي صلى الله عليه وسلم جالساً على كرسي بين السماء والأرض قد سد الأفق.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {والنجم إذا هوى} قال: الثريا إذا غابت، وفي لفظ إذا سقطت مع الفجر، وفي لفظ قال: الثريا إذا وقعت. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما {والنجم إذا هوى} قال: الثريا إذا تدلت. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما {والنجم إذا هوى} قال: إذا انصب. وأخرج عبد الرزاق عن الحسن رضي الله عنه {والنجم إذا هوى} قال: إذا غاب. وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه {والنجم إذا هوى} قال: القرآن إذا نزل. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن معمر عن قتادة رضي الله عنه {والنجم إذا هوى} قال: حديث : قال عتبة بن أبي لهب: إني كفرت برب النجم، قال معمر: فأخبرني ابن طاووس عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال، له: أما تخاف أن يسلط الله عليك كلبه؟ فخرج ابن أبي لهب مع الناس في سفر حتى إذا كانوا ببعض الطريق سمعوا صوت الأسد، فقال: ما هو إلا يريدني، فاجتمع أصحابه حوله وجعلوه في وسطهم حتى إذا ناموا جاء الأسد فأخذ هامته . تفسير : وأخرج أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني عن عكرمة رضي الله عنه قال: حديث : لما نزلت {والنجم إذا هوى} قال عتبة بن أبي لهب للنبي صلى الله عليه وسلم: إني كفرت برب النجم إذا هوى فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم أرسل عليه كلباً من كلابك" قال: فقال ابن عباس رضي الله عنهما: فخرج إلى الشام في ركب فيهم هبار بن الأسود حتى إذا كانوا بوادي الغاضرة وهي مسبعة نزلوا ليلاً فافترشوا صفاً واحداً، فقال عتبة: أتريدون أن تجعلوا حجزة؟ لا والله لا أبيت إلا وسطكم فما انبهني إلا السبع يشم رؤوسهم رجلاً رجلاً حتى انتهى إليه فالتفت أنيابه في صدغيه . تفسير : وأخرج أبو نعيم في الدلائل وابن عساكر من طريق عروة عن هبار بن الأسود قال: حديث : كان أبو لهب وابنه عتبة قد تجهزا إلى الشام وتجهزت معهما فقال ابن أبي لهب: والله لأنطلقن إلى محمد فلأوذينه في ربه، فانطلق حتى أتاه، فقال: يا محمد هو يكفر بالذي {دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم أبعث عليه كلبا من كلابك" . تفسير : وأخرج أبو نعيم عن طاووس قال: حديث : لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {والنجم إذا هوى} قال عتبة بن أبي لهب: كفرت برب النجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سلط الله عليه كلباً من كلابه" . تفسير : وأخرج أبو نعيم حديث : عن أبي الضحى رضي الله عنه قال: قال ابن أبي لهب: هو يكفر بالذي قال {والنجم إذا هوى} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عسى أن يرسل عليه كلباً من كلابه" فبلغ ذلك أباه فأوصى أصحابه إذا نزلتم منزلاً فاجعلوه وسطكم، ففعلوا حتى إذا كان ليلة بعث الله عليه سبعاً فقتله . تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {والنجم إذا هوى ما ضل} قال: أقسم الله أنه ما ضل محمد وما غوى. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {والنجم إذا هوى} قال: أقسم الله لك بنجوم القرآن ما ضل محمد صلى الله عليه وسلم وما غوى. أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله {وما ينطق عن الهوى} قال: ما ينطق عن هواه! {إن هو إلا وحي يوحى} قال: يوحي الله إلى جبريل ويوحي جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن مردويه عن أبي الحمراء وحبة العرني قالا: حديث : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسد الأبواب التي في المسجد، فشق عليهم، قال حبة: إني لأنظر إلى حمزة بن عبد المطلب وهو تحت قطيفة حمراء وعيناه تذرفان، وهو يقول: أخرجت عمك وأبا بكر وعمر والعباس، وأسكنت ابن عمك؟ فقال رجل يومئذ: ما يألوا يرفع ابن عمه، قال: فعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد شق عليهم، فدعا الصلاة جامعة، فلما اجتمعوا صعد المنبر فلم يسمع لرسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة قط كان أبلغ منها تمجيداً وتوحيداً، فلما فرغ قال:يا أيها الناس ما أنا سددتها ولا أنا فتحتها ولا أنا أخرجتكم وأسكنته، ثم قرأ {والنجم إذا هوى ما ضلّ صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} . تفسير : وأخرج أحمد والطبراني والضياء عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : "ليدخلن الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثل الحيين أو مثل أحد الحيين ربيعة ومضر" فقال رجل: يا رسول الله وما ربيعة من مضر؟ قال: "إنما أقول ما أقول" . تفسير : وأخرج البزار عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما أخبرتكم أنه من عند الله فهو الذي لا شك فيه ". تفسير : وأخرج أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لا أقول إلا حقّاً، قال بعض أصحابه: فإنك تداعبنا يا رسول الله، قال: إني لا أقول إلا حقّاً ". تفسير : وأخرج الدارمي عن يحيى بن أبي كثير قال: كان جبريل ينزل بالسنّة كما ينزل بالقرآن.
ابو السعود
تفسير : سورة والنجم مكية وآيُها إحدى أو اثنتان وستون {وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ} المرادُ بالنجمِ إمَّا الثُّريَّا فإنَّه اسمٌ غالبٌ لَهُ، أو جنسُ النجومِ. وبهَوِيّه غروبُه، وقيلَ: طلوعُه، يقالُ هَوَى هَوِيا بوزن قبول إذا غربَ وهُوِيّا بوزنِ دخول إذا علا وصعِد. وأما النجمُ من نجومِ القُرآنِ فهَوِيَّهُ نزولُه، والعاملُ في إذَا فعلُ القسمِ فإنَّه بمعنى مطلقِ الوقتِ منسلخٌ من مَعْنى الاستقبالِ كَما في قولِك آتيكَ إذَا احمرَّ البُسْرُ. وفي الإقسامِ بذلكَ على نزاهتِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عن شائبِه الضلال والغَوايةِ من البراعةِ البديعةِ وحسنِ الموقعِ ما لا غايةَ وراءَهُ، أما على الأولينِ فلأنَّ النجمَ شأنُه أنُ يهتدِيَ بهِ السَّارِي إلى مسالكِ الدُّنيا كأنَّه قيلَ والنجمِ الذي يَهتدِي به السابلةُ إلى سواءِ السبـيلِ. {مَا ضَلَّ صَـٰحِبُكُمْ} أيْ ما عدَلَ عن طريقِ الحقِّ الذي هُو مسلكُ الآخرةِ. {وَمَا غَوَىٰ} أيْ وما اعتقدَ باطلاً قطُّ أيْ هُو في غايةِ الهُدى والرُّشدِ وليسَ مما تتوهمونَهُ من الضلالِ والغوَايةِ في شىءٍ أَصلاً، وأما على الثالثِ فلأنَّه تنويهٌ بشأنِ القُرآنِ كما أشيرَ إليه في مطلعِ سورةِ يس وسورةِ الزخرفِ وتنبـيهٌ على مناطِ اهتدائِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ومدارِ رشادِه، كأنَّه قيلَ والقرآنِ الذي هُو عَلَمٌ في الهدايةِ إلى مناهجِ الدِّينِ ومسالكِ الحقِّ ما ضلَّ عنَها محمدٌ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما غَوى. والخطابُ لقريشٍ، وإيرادُه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بعنوانِ صاحبـيتِه لهم للإيذانِ بوقوفِهم على تفاصيلِ أحوالِه الشريفةِ وإحاطتِهم خُبراً ببراءتِه عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ مما نُفي بالكليةِ وباتصافِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بغايةِ الهُدَى والرشادِ فإنَّ طولَ صُحبتهِم له عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومشاهدتَهم لمحاسنِ شؤونِه العظيمةِ مقتضيةٌ لذلكَ حتْمَاً. وتقيـيدُ القسمِ بوقت الهَوِيِّ على الوجهِ الأخيرِ ظاهرٌ وأمَّا على الأولينِ فلأنَّ النجمَ لا يهتدِي به السَّارِي عندَ كونِه في وسطِ السماءِ ولا يعلمُ المشرقَ من المغربِ ولا الشمالِ من الجنوبِ وإنما يهتدِي بهِ عندَ هبوطِه أو صعودِه معَ ما فيهِ من كمالِ المناسبةِ لما سيُحكى من تدلِّي جبريلَ من الأفقِ الأَعْلى ودنوِّه منْهُ عليهما السَّلامُ، هذا هو اللائقُ بشأنِ التنزيلِ الجليلِ. وأما حملُ هَويّهِ انتثارِه يومَ القيامةِ أو على انقضاضِ النجمِ الذي يرجمُ بهِ أو حملُ النجمِ على النباتِ وحملُ هويهِ على سقوطِه على الأرضِ أو على ظهورِه منها فمما لا يناسبُ المقامَ.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ}[1] يعني ومحمد صلى الله عليه وسلم إذا رجع من السماء.
السلمي
تفسير : قال ابن عطاء رحمة الله عليه: أقسم بنجوم المعرفة وضيائها وتجليها ونورها والاهتداء بها. قال جعفر: هو محل التجلى والاستتار من قلوب أهل المعرفة. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم الإسكندرانى يقول: سمعت أبا جعفر الملطى يقول عن على بن موسى الرضى عن أبيه جعفر بن محمد رضى الله عنهم فى قوله: {وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ} أسرح منه الأنوار {وَٱلنَّجْمِ} قلب محمد صلى الله عليه وسلم {إِذَا هَوَىٰ} انقطع عن جميع ما سوى الله عز وجل.
القشيري
تفسير : والثريا إذا سقط وغرب. ويقال: هو جِنْسُ النجوم أقسم بها. ويقال: هي الكواكب. ويقال: أقسم بنجوم القرآن عَلَى النبي صلى الله عليه وسلم ويقال هي الكواكب التي تُرمَى بها الشياطين. ويقال أقسم بالنبي صلى الله عليه وسلم عند مُنَصَرفهِ من المعراج. ويقال: أقسم بضياء قلوب العارفين ونجوم عقولِ الطالبين. وجوابُ القسَم قوله: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ}: أي ما ضَلَّ عن التوحيد قط، {وَمَا غَوَىٰ}: الغَيُّ: نقيضُ الرُّشد.. وفي هذا تخصيصٌ للنبي صلى الله عليه وسلم حيث تولّى - سبحانه - الذّبَ عنه فيما رُميَ به، بخلاف ما قال لنوح عليه السلام وأذِنَ له حتى قال: {أية : لَيْسَ بِي ضَلَـٰلَةٌ}تفسير : [الأعراف: 61]، وهود قال:{أية : لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ}تفسير : [الأعراف: 67]. وغير ذلك، وموسى قال لفرعون: {أية : وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً}تفسير : [الإسراء: 102]. وقال لنبينا صلى الله عليه وسلم: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ}: معناه ما ضلَّ صاحبُكم، ولا غَفَل عن الشهود طَرْفَةَ عينٍ.
البقلي
تفسير : {وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ} اقسم الله بالنجم وذلك النجم الهام قلوب الملهمين حين يسقط من صحائف الغيوب الى معادن القلوب وايضا اى بانوار تجلى جماله وجلاله اذا وقع على ارواح العاشقين وايضا بألحان بلابل علومه اللدنية التى تترنم بحقائق ما كنز الحق فى كنوز القدم اذا جلست على اغصان ورد بساتين اسرار العارفين فتكلموا واخبروا بها من مكنون غرائب علوم الصفات والذات وايضا اى بواردات الجذبية التى تبدو بانوارها من الغيوب لفهوم المحبين وتسقط على اسرار الواصلين وتزعجها الى الى مشاهدة رب العالمين حقايقها المواجيد والحالات والكشف والمشاهدات وايضا اى بالارواح العاشقة الشائفة اذا صعدت الى ملكوت الغيب ويسقط الى بحر جبروت الرب وتحمل مياه حيوة القدم من بحر البقاء وتاتى سكرى الى معادن الاشباح وتتضوع نفخاتها فى بساتين العقول ورياض القلوب وايضا بما نبت فى باستين قلوب الاولياء من عجائب اصناف ازهار الحكم والمعارف والعلوم والفهوم اى بهذه المقسمات الشريفة والنيرات الواضحة ما ضل حبيبى عن لمحت وما احتجب بشئ دون لحظة وما اوعوج عن طريق استقامته قط وذلك قوله {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ } وايضا ما ضل عنى بى فى ميادين عظمتى حيث لا يدرى الموحدين هو هو كان عالما بى بحيث سلك وما غوى ما ستر بما وجد منى فيشتغل به عنى قال ابن عطا اقسم بنجوم المعرفة وضيائها وتجليها ونورها والاهتداء بها وسكون العارفين الى انوارها وسلوكهم بالاهتداء بها وقال جعفر هو محل التجلى والاستتار من قلوب اهل المعرفة وقال جعفر بن محمد الصادق النجم محمد صلى الله عليه وسلم اذا هوى انشرح من الانوار وقال ايضا قلب محمد صلى الله عليه وسلم اذا هوى اذا انقطع عن جميع ما سوى الله عز وجل وقال ايضا ما ضل عن قربه طرفة عين وقال ابن عطا ما ضل عن الرؤية طرفة عين وقال سهل ما ضل عن حقيقة التوحيد قط ولا اتبع الشيطان بحال وقال الشبلى ما رجع عنا منذ وصل الينا.
اسماعيل حقي
تفسير : {والنجم} سورة النجم اول سورة اعلن بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهر بقرءآتها فى الحرم والمشركون يستمعون نزلت فى شهر رمضان من السنة الخامسة من النبوة ولما بلغ عليه السلام السجدة سجد معه المؤمنون والمشركون والجن والانس غير ابى لهب فى رواية فانه رفع حفنة من تراب الى جبهته وقال يكفينى هذا فى رواية كان ذلك الوليد بن المغيرة فانه رفع ترابا الى جبهته فسجد عليه لانه كان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود وفى رواية وصححت امية بن خلف وقد يقال لامانع أن يكونوا فعلوا ذلك جميعا بعضهم فعل ذلك تكبرا وبعضهم فعل ذلك عجزا وممن فعل ذلك تكبرا ابو لهب ولا يخالف ذلك مانقل عن ابن مسعود رضى الله عنه ولقد رأيت الرجل اى الفاعل لذلك قتل كافرا لانه يجوز أن يكون المراد بقتل مات وانما سجد المشركون لان النبى عليه السلام لما بلغ الى قوله أفرأيتم اللات والعزى ومنات الثالثة الاخرى الحق الشيطان به قوله تلك الغرانيق العلى وان شفاعتهن لترتجى كما سبق فى سورة الحج فسمعه المشركون وظنوا انه من القرءآن فسجدوا لتعظيم آلهتهم ومن ثم عجب المسلمون من سجود المشركين من غير ايمان اذهم لم يسمعوا ماالقى الشيطان فى آذان المشركين وأرادوا بالغرانيق العلى الاصنام شبهت الاصنام بالغرانيق التى هى طائر الماء جمع غرنوق بكسر الغين المعجمة اسكان الرآء ثم النون المفتوحة او غرنوق بضم الغين والنون ايضا او غرنيين بضم الغين وفتح النون وهو طير طويل العنق وهو الكركى او مايشبهه ووجه الشبه بين الاصنام وتلك الطيور ان تلك الطيور تعلو وترفع فى السماء فالاصنام مشبهة بها فى علو القدر وارتفاعه قال بعضهم والنجم اول سورة نزلت جملة كاملة فيها سجدة فلا ينافى ان اقرأ باسم ربك اول سورة نزلت فيها سجدة لان النازل منها او آئلها ولامجموعها دفعة والواو للقسم. اصحاب معانى كفتند قسم درقرآن بردرو وجه است يكى قسم بذات وصفات خالق جل جلاله جنانكه فوربك فبعزتك والقرءآن المجيد وهمجنين حروف تهجى در اوائل سور هر حرفى اشارتست بصفتى از صفات حق وقسم بران ياد كرد، وجه دوم قسمست بمخلوقات وآن برجهار ضربست بكى اظهار قدرت راجنانكه والذاريات والمرسلات والنازعات هذا وامثاله نبه العباد على معرفة القدرة فيها ديكر قسم برستاخبز اظهار هيبت را كقوله {أية : لا اقسم بيوم القيامة}تفسير : أقسم بها ليعلم هيبته فيها سوم قسم باد ميكند اضهار نعمت را تا بندكان نعمت خود ازالله بشناسند وشكر آن بكذارند كقوله {أية : والتين والزيتون}تفسير : جهارم قسم است ببعض مخلوقات بيان تشريف را تا خلق عز وشرف آن جيز بداننكه قسم بودى ياد كرده كقوله {أية : لا أقسم بهذا البلد}تفسير : يعنى مكة وكذلك قوله {أية : وطور سينين وهذا البلد الامين}تفسير : ومن ذلك قوله للمصطفى عليه السلام لعمرك وهذا على عادة العرب فانها تقسم بكل ماتستعظمه وتريد اظهار تعظيمه وقيل كل موضع أقسم فيه بمخلوق فالرب فيه مضمر كقوله والنجم ورب النجم ورب الذاريات واشباه ذلك والمراد بالنجم اما الثريا فانه اسم غالب عليها ومنه قوله عليه السلام "حديث : ماطلع النجم قط وفى الارض من العاهة شىء الا رفع"تفسير : يريد بالنجم الثريا باتفاق العلماء وقال السهيلى رحمه الله وتعرف الثريا بالنجم ايضا وبألية الحمل لانها تطلع بعد بطن الحمل وهى سبعة كواكب ولايكاد السابع منها لخفائه وفى الحقيقة انها اثنا عشر كوكبا وان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يراها كلها القوة جعلها الله فى بصره وقال فى عين المعانى وهى سبعة انجم ظاهرة والسابع تمتحن به الابصار وكانت قريش تبجلها وتقول احسن النجم فى السماء الثريا والثريا فى الارض زين السماء و كانت رحلتاها عند طلوعها و سقوطها فاذا طلعت بالغداة عدوها من الصيف واذا طلعت بالعشى عدوها من الشتاء قال الشاعر شعر : طلع النجم غديه ابتغى الراعى شكيه تفسير : واما جنس النجم وهويه كما قال تعالى {اذا هوى} غربه وطلوعه يقال هوى يهوى من الثانى هويا بوزن قبول اذا غرب فان الهوى سقوط من علو الى اسفل وهويا بوزن دخول اذا علا وصعد والعامل فى اذا القسم اى أقسم فانه بمعنى مطلق الوقت منسلخ عن معنى الاستقبال كما فى قولك آتيتك اذا احمر البسر فلا يلزم عمل فعل الحال فى المستقبل يعنى ان فعل القسم انشاء والانشاء حال واذا لما يستقبل من الزمان فيكون المعنى أقسم الآن بالنجم وقت هوى بعد هذا الزمان ثم ان الله تعالى أقسم بالنجم حين هوى اى وقت هويه لان شأنه أن يهتدى به السارى الى مسالك الدنيا كأنه قيل والنجم الذى يهتدى به السابلة فى البر والجارية فى البحر الى سوآء السبيل والسمت
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {والنجم} أي: الثريا، أو: جنس النجم {إِذا هَوَى} إذا غرب، أو: انتثر يوم القيامة، أو طلع، يقال: هَوَى هَوِياً، بوزن "قَيول" إذا غرب، وهَوى هُوياً، بوزن دُخول: إذا طلع. والعامل في {إذا} فعل القسم، أي: أقسم بالنجم وقت غروبه أو طلوعه. وجواب القسم: {ما ضلَّ} عن قصد الحق {صاحِبكُم} أي: محمد صلى الله عليه وسلم، والخطاب لقريش. {وما غَوَى} في اتباع الباطل، أو: ما اعتقد باطلاً قط، أي: هو في غاية الهدى والرشد، وليس مما تتوهموه من الضلالة والغواية في شيء. فالضلال، نقيض الهدى، والغي نقيض الرشد، ومرجعهما لشيء واحد، وهو عدم اتباع طريق الحق. وقال الفخر: أكثر المفسرين لم يُفرقوا بين الغي والضلال، والفرق بينهما: أنَّ الغي في مقابلة الرشد، والضلال أعم منه، والاسم من الغي: الغَواية - بالفتح - والحاصل: أنّ الغي أقبح من الضلال، إذ لا يرجى فلاحه. وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان صاحبهم للإيذان بوقوفهم على تفاصيل أحواله الشريفة، وإحاطتهم خُبراً ببراءته - عليه الصلاة والسلام - مما نفى عنه بالكلية، وباتصافه - عليه الصلاة والسلام - بغاية الهدى والرشد؛ فإنَّ كون صحبتهم له صلى الله عليه وسلم، ومشاهدتهم لمحاسن شؤونه العظيمة مقتضية لذلك حتماً. وتقييد القسم بوقت الهُوى؛ لأن النجم لا يهتدي به الساري إلا عند هبوطه أو صعوده، وأما ما دام في وسط السماء فلا يهتدي به، ولا يعرف المشرق من المغرب، ولا الشمال من الجَنوب. ثم قال: {وما ينطق عن الهوى} أي: وما يصدر نطقه بالقرآن أو غيره عن هواه ورأيه أصلاً، {إنْ هو إِلا وحيٌ} من الله تعالى {يُوحَى} إليه، وهي صفة مؤكدة لوَحْي، لرفع المجاز، مفيدة لاستمرار التجدُّد للوحي، واحتج بهذه الآية مَن لا يرى الاجتهاد للأنبياء - عليه السلام - ويُجاب بأن الله تعالى إذا سوّغ لهم الاجتهاد وقررهم عليه كان كالوحي، لا نُطقاً عن الهوى. {علَّمه شديدُ القوى} أي: مَلكٌ شديد قواه، وهو جبريل عليه السلام: فإنه الواسطة في إيراد الوحي إلى الأنبياء، ومَن قوته أنه خلع قُرى قوم لوط من الماء الأسود الذي تحت الثرى، وحملها على جناحه، ورفعاه إلى السماء ثم قلبها، وصاح صيحةً بثمود، فأصبحوا جاثمين، وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده أسرع من لحظة. {ذو مِرَّةٍ} أي: ذو خصابة في عقله، ورزانة ومتانة في دينه. وأصل المِرة: الشدّة، من مراير الحبل، وهو فتله فتلاً شديداً، أو: ذو حُسن في منظره، {فاستوى}: عطفٌ على "علَّمه" بطريق التفسير، فإنه إلى قوله: {ما أوحى} بيان لكيفية التعليم، أو: فاستقام على صورته التي خلقه الله عليها، دون الصورة التي كان يتمثّل بها كلما هبط بالوحي، وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبّ أن يراه في الصورة التي خلقه اللّهُ عليها، وكان صلى الله عليه وسلم بحراء، فطلع له جبريلُ من المشرق، وسدّ الأرض من المغرب، وملأ الأفق، فخرَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فنزل في صورة الأدمي، فضمّه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه. قيل: ما رآه أحد من الأنبياء في صورته الأصلية إلا النبي صلى الله عليه وسلم فإنه رآه فيها مرتين؛ مرة في الأرض، ومرة في السماء، وقيل: استوى بقوته على ما جعل له من الأمر. {وهو} أي: جبريل {بالأُفق الأعلى} أفق الشمس، أي: مطلعها، {ثم دنا} جبريلُ من النبي صلى الله عليه وسلم {فتدلَّى} أي: زاد في القرب، أو: استرسل من الأفق مع تعلُّق به. يقال: تدلت الشجرة، ودلّى رجله من السرير، ودلّى دلوه، والدوالي: الثمر المُعلّق. {فكان قابَ قوسين} أي: مقدار قوسين عربيين. والقاب: المقدار. قال قتادة وغيره: معناه: من طرف العود إلى طرفه الآخر. وقال مجاهد والحسن: من الوتر إلى العود في وسط القوس، أي: فكان بين جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم مقدار قوسين، {أو أدنى} في تقديركم، كقوله:{أية : أَوْ يَزِيدُونَ}تفسير : [الصافات: 147] وهذا لأنهم خُوطبوا على لغتهم وفهمهم، وهم يقولون: هذا مقدار قوسين أو أدنى. {فأَوْحَى إلى عبده ما أَوْحَى} أي: فأوحى الله تعالى إلى عبده بواسطة تجلّي جبريل {ما أوحى} من الأمور العظيمة التي لا تفي بها العبارة، وقيل: أوحى إليه: "أنَّ الجنة مُحرّمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك" ويمكن حمل الآية على قصة المعراج، أي: {علَّمه شديد القوى} وهو الله تعالى، {ذُو مِرة} أي: شدة ومتانة، ومنه: أسمه "المتين"، {فاستوى} بنوره أي: تجلّى بنور ذاته من ناحية الأُفق، أي: العلو (فتدلّى) ذلك النور {فكان قاب قوسين أو أدنى} وفي البخاري:"حديث : فدنا ربُّ العزة دنو يليق بجلاله ومجده"تفسير : ويرجع لتجلّيه لنبيه، وتنزُّله له، وتعرّفه له، وفي حديث الإسراء عنه - عليه الصلاة والسلام -:"حديث : سمع النداء من العلي الأعلى: أُدن يا خير البرية، أُدن يا محمد، فأدناني ربي حتى كنتُ كما قال تعالى: {ثم دنا فتدلّى فكان قاب قوسين أو أدنى} "تفسير : . قال القشيري: ويُقال: كان بينه وبين ربه قَدْر قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى. {ما كَذَبَ الفؤادُ} أي: فؤاد محمد عليه السلام {ما رأى} أي: ما رآه ببصره من صورة جبريل على تلك الكيفية، أو: من نور الحق تعالى الذي تجلّى له، أي: ما قال فؤاده لَمَّا رآه: لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان كاذباً؛ لأنه عرفه بقلبه، كما عرفه ببصره، وقيل: على إسقاط الخافض، أي: ما كذب القلب فيما رآه البصر، بل ما رآه ببصره حققه، وفي الحديث: سئل صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال:"حديث : رأيت ربي بفؤادي مرتين"تفسير : ، حديث آخر:"حديث : جعل نور بصري في فؤادي، فنظرتُ إليه بفؤادي"تفسير : ، يعني أنه انعكس نور البصر إلى نور البصيرة فرأى ببصره ما رأته البصيرة، وجاء أيضاً: أنه لما انتهى إلى العرش صار كله بصراً، وبهذا يرتفع الخلاف، وأنه رآه ببصر رأسه؛ وقوله عليه السلام حين سأله أبو ذر: هل رأيت ربك؟ فقال"حديث : نورَاني أراه"تفسير : وفي رواية:"حديث : نورٌ أَنَّى أراه"تفسير : ؟ بالاستفهام، وفي طريق آخر:"حديث : رأيت نوراً"تفسير : وحاصلها: أنه رأى ذات الحق متجلية بنور من نور جبروته؛ إذ لا يمكن أن ترى الذات إلا بواسطة التجليات، كما هو مقرر عند محققي الصوفية، كما قال الشاعر: شعر : وليستْ تُنال الذاتُ من غير مَظهرٍ ولو هُتك الإنسانُ من شدةِ الحرصِ تفسير : وقال كعب لابن عباس: إنَّ الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلَّم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين. وقيل لابن عباس: ألم يقل الله:{أية : لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}تفسير : [الأنعام: 103]، قال: ذلك إذا تجلّى بنوره. الذي هو نوره الأصلي، يعني أن الله تعالى يتجلّى لخلقه على ما يطيقون، ولو تجلّى بنوره الأصلي لتلاشى الخلق، كما قال في الحديث:"حديث : حجابه النور، لو كشفه لأحرقت تجليات وجهه ما أدركه من بصره " تفسير : {أَفتُمارونه} أي: أفتجادلونه، من: المراء، وهو المجادلة، واشتقاقه من: مَرْي الناقة، وهو استخراج لبنها، كأنَّ كل واحد من المتجادلين يَمْري ما عند صاحبه، أي: يستخرجه. وقُرئ في التواتر: "أَفَتَمْرُونه" أي: أفتغلبونه. ولما فيه من معنى الغلبة، قال تعالى: {على ما يرى} فعدّى بعلى، كما تقول: غلبته على كذا، وقيل: أفتمرونه: أفتجحدونه، يقال: مريته حقّه: جحدته، وتعديته بـ"على" على مذهب التضمين، والمعنى: أفتُخاصمونه على ما يرى معانيةً، وحققه باطناً. {ولقد رآه} أي: رأى محمدٌ جبريلَ على صورته الأصلية، أو: رأى ربه على تجلٍّ خاص وتعرفٍ تام، {نزلةً أخرى} مرةً أخرى، والحاصل: أنه عليه السلام رأى ربه بتجلٍّ خاص جبروتي مرتين، عند خرق الحُجب العلوية فوق العرش، عند السدرة، وأما رؤيته عليه السلام لله تعالى في مظاهر الكائنات ففي كل حين، لا يغيب عنه طرفة عين. والنزلة: فعلة من النزول، نُصب نَصبَ الظرف الذي هو "مرّة". {عند سِدرة المنتهى} الجمهور: أنها شجرة النبق في السماء السابعة، عن يمين العرش، وتسميتها المنتهى؛ إما لأنها في منتهى الجنة وآخرها، أو: لأنها لم يُجاوزها أحد، وإليها ينتهي علم الخلائق، ولا يعلم أحدٌ ما وراءها، أو: إليها ينتهي أرواح الخلائق، أو: أرواح الشهداء، وفي الحديث: "حديث : أنها شجرة يسير الراكب في ظلها ألف عام، لا يقطعها، والورقة منها تُظل الأُمّة، وتمرها كالقِلال الكبار ". تفسير : {عندها جنةُ المأوى} أي: الجنة التي يصير إليها المتقون ويأوون إليها، أو: تأوي إليها أرواح الشهداء والصدّيقين والأنبياء. قال ابن جُزي: يعني أن الجنة التي وَعَدَ اللّهُ بها عبادَه هي عند سدرة المنتهى، وقيل: هي جنة أخرى، والأول أظهر وأشهر. هـ. ويؤيده ما في الحديث:"حديث : إن النيل والفرات يخرجان من أصلها"تفسير : وهما من الجنة، كما في الصحيح. {إِذ يغشى السدرةَ ما يغشى} ظرف للرؤية، أي: لقد رآه عند السدرة وقت ما غشيها ما غشيها، مما لا يكتنهه الوصف، ولا يفي به البيان، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية، استحضاراً لصوتها البديعة، أو للإيذان باستمرار الغشيان وتجدُّده، وقيل: يغشاها الجمُّ الغفير من الملائكة، يعبدون الله تعالى عندها، وقيل: يزورونها متبركين بها، كما يزور الناسُ الكعبة، وقيل: يغشاها فَراش من ذهب، والفَراش - بفتح الفاء - ما يطير ويضطرب. {ما زاغ البصرُ} أي: بصر محمدٍ صلى الله عليه وسلم، أي: ما عدل عن رؤية العجائب التي مُكِّنَ من رؤيتها، {وما طغى} وما جاوز ما أمر برؤيته، {لقد رأى من آيات ربه الكبرى} أي: والله لقد رأى من عجائب الملكوت وأسرار الجبروت وما لا يفي به نطاق العبارة وقد دُوِّنَتْ هنا كُتبٌ في عجائب ما رآه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج. الإشارة: أقسم اللّهُ تعالى بنجم العلم إذا طلع في أفق سماء القلوب الصاحية، إنَّ هذا القلب الذي طلع فيه نجم العلم بالله، وأشرقت عليه شمسُ الحقائق، لا يَضل صاحبُه ولا يغوى، وما ينطق عن الهوى؛ لأنه مستغرق في شهود الحق، لا يتجلى فيه إلا الحق، {إن هو} أي: ما يتجلى فيه إلا وحي يُوحى من قِبل الإلهام الإلهي، علّمه شديدُ القوى، وهو الوارد الرباني، ذو مِرةٍ وشدة؛ لأنه من حضرة قهّار، ولا يُصادم شيئاً إلا دفعه، فاستوى وهو بالأفق الإعلى على من سماء الغيوب، ثم دنا من القلب فتدلّى، فكان من القلب قاب قوسين أو أدنى، فأوحى اللّهُ تعالى بواسطة ذلك الوارد إلى عبده ما أوحى من علوم الحقائق والأسرار، ومن مكاشفات غيوب الأقدار، ما كذب الفؤادُ فيما رأى لأنه حق، لكن قهرية العبودية غيَّبت عنه تعيين وقت وقوعه. ولقد رآه، أي: رأى القلبُ أسرارَ ذات الحق، نزلةً أخرى في عالم الجبروت، الخارج عن دائرة التجليات الكونية، وهي الأسرار اللطيفة، المحيطة في الأنوار الملكوتية والملكية، عند سِدرة المنتهى، وهي شجرة القبضة المحمدية، التي انتهى إليها علم العلماء، وأرواح الشهداء، إذ لا يخرج عن دائرتها أفكار العارفين. عندها جنة المأوى التي يأوي إليها أفكار العارفين وأسرار الراسخين، إذا يغشى السدرة - أي: شجرة الكون - ما يغشى من الفناء والتلاشي عند سطوع شمس الحقائق، ما زاغ بصرُ البصيرة عن شهود تلك الأسرار، وما حجبه عنها أرض، ولا سماء، ولا عرش، ولا كرسي؛ لتلطُّف تلك العوالم في نظر العارف، وما طغى: وما جاوز العبودية حتى يطمع في الإحاطة بعظمة كنه الربوبية، فإنَّ الإحاطة لا تُمكن، لا في هذه الدار، ولا في تلك الدار، بل يبقى الترقي في الكشوفات، والمزيد من حلاوة الشهود أبداً سرمداً، لقد رأى هذا القلب الصافي من عجائب ربه الكبرى، حيث وسع مَن لم تسعه أرضه ولا سماؤه. وقال الروتجبي بعد كلام: في هذه الآية بيان كمال شرف حبيبه، إذ رآه نزلةً أخرى، عند سدرة المنتهى، ظنَّ صلى الله عليه وسلم أنَّ ما رآه في الأول لا يكون في الكون - أي: في مظهر الكون - لكمال علمه بتنزيه الحق، فلما رآه ثانياً علم أنه لا يحجبه شيء من الحدثان، وعادة الكُبراء إذا زارهم أحد يأتون معه إلى باب الدار إذا كان عليهم كريمً، فهذا منه سبحانه إظهار كمال حُبه لحبيبه. وحقيقة الإشارة: أنه سبحانه أراد أن يعرف حبيبه مقام الالتباس، فلبس الأمر، وظهرَ المكرُ، وبان الحقُّ من شجرة سدرة المنتهى، كما بان من شجرة العِناب لموسى، ليعرفَهُ حبيبُه بكمال المعرفة، إذ ليس بعارف مَن لم يعرف حبيبه في لباس مختلفة، وبيان ذلك في قوله: {إذ يغشى السدرة ما يغشى} وأبهم ما غشيه؛ لأن العقول لا تُدرك حقائق ما يغشاها، وكيف يغشاها، والقِدم منزّه عن الحلول في الأماكن؟! كان ولا شجرة، وكانت الشجرة مرآه لظهوره سبحانه، ما ألطف ظهوره، لا يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يؤمنون به بعد عرفانهم به. هـ. ولمّا فرغ من ذكر عظمة الله وكبريائه، ذكر حقارة مَنْ عُبد مِن دونه، ترهيباً وترغيباً، فقال: {أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ}.
الطوسي
تفسير : قوله {والنجم} قسم من الله تعالى. وقد بينا أن الله تعالى له أن يقسم بما يشاء من خلقه، وليس للعباد أن يحلفوا إلا به. وقال قوم: معناه ورب النجم فحذف المضاف وأقام المضاف اليه مقامه، وفى معنى {النجم} ها هنا ثلاثة أقوال: احدها - قال مجاهد: المراد به الثريا إذا سقطت مع الفجر. الثاني - في رواية أخرى عن مجاهد أن المراد به القرآن إذا نزل. الثالث - قال الحسن: معناه جماعة النجوم. {إذا هوى} أي إذا سقط يوم القيامة كقوله - عز وجل - {أية : وإذا الكواكب انتثرت} تفسير : وقيل: النجم على طريق الجنس، كما قال الراعى: شعر : وباتت تعد النجم فى مستحيرة سريع بأيدي الآكلين جمودها تفسير : (مستحيرة) شحمة مذابة صافية فى إهالة، لانها من شحم سمين. وقوله {إذا هوى} قيل: معناه إذا هوى للمغيب ودل على ما فيه من العبرة بتصريف من يملك طلوعه وغروبه، ولا يملك ذلك إلا الله تعالى. وقيل: كان القرآن ينزل نجوماً، وبين أول نزوله وأخره عشرون سنة - ذكره الفراء وغيره - والنجم هو الخارج عن الشيء بخروج المنتشيء عنه. والهوى ميل الطباع إلى ما فيه الاستمتاع، وهو مقصور وجمعه أهواء، والهواء الذي هو الجو ممدود وجمعه أهوية. وقوله {ما ضل صاحبكم} يعني النبي صلى الله عليه وآله ما ضل عن الحق {وما غوى} أي وما خاب عن إصابة الرشد، يقال: غوى يغوي غياً إذا خاب، وقال الشاعر: شعر : فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائما تفسير : أي من يخب {وما ينطق عن الهوى} أي ليس ينطق عن الهوى أي بالهوى، يقال: رميت بالقوس وعن القوس. والمعنى إنه لا يتكلم فى القرآن وما يؤديه اليكم عن الهوى الذي هو ميل الطبع {إن هو إلا وحي يوحى} معناه ليس الذي يتلوه عليكم من القرآن إلا وحي أوحاه الله اليه، فالوحي القاء المعنى إلى النفس فى خفى إلا أنه صار كالعلم في ما يلقيه الملك إلا النبي صلى الله عليه وآله من البشر عن الله تعالى، ومنه قوله {أية : فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعيشاً} تفسير : وقوله {أية : وأوحى ربك إلى النحل}تفسير : أي ألهمها مراشدها، وهو راجع إلى ما قلناه من إلقاء المعنى إلى النفس فى خفى. وقوله {علمه شديد القوى} فى نفسه وعلمه. والقوة هي القدرة. وقد تستعمل القوة بمعنى الشدة التي هي صلابة العقد كقوى الحبل. وقوله {ذو مرة} صفة لجبرائيل عليه السلام أي صاحب مرة، وهي القوة. واصل المرة شدة الفتل، وهو ظاهر فى الحبل الذي يستمر به الفتل حتى ينتهي إلى ما يصعب به الحل. ثم تجري المرة على القدرة، لانه يتمكن بها من الفعل، كما يتمكن من الفعل بالآلة، فالمرة والقوة والشدة نظائر. وقوله {فاستوى} معناه استولى بعظم القوة، فكأنه استوت له الامور بالقوة على التدبير. ومنه قوله {أية : استوى على العرش} تفسير : أي استولى عليه بالسلطان والقهر. وقال ابن عباس وقتادة: معنى {ذو مرة} ذو صحة بخلق حسن. وقال مجاهد وسفيان وابن زيد والربيع: ذو قوة، وهو جبرائيل. والمرة واحدة المرر، ومنه قوله عليه السلام "حديث : لا تحل الصدقة لغني ولا لذى مرة سوي"تفسير : وقيل {فاستوى} جبرائيل ومحمد عليهما السلام {بالأفق الأعلى} أي سماء الدنيا عند المعراج. وقيل فى "هو" قولان: احدهما - انه مبتدأ وخبره فى موضع الحال، وتقديره ذو مرة فاستوى فى حال كونه بالافق الاعلى. الثاني - إنه معطوف على الضمير فى (استوى) وحسن ذلك كي لا يتكرر (هو) وانشد الفراء: شعر : ألم تر ان النبع تصلب عوده ولا يستوي والخروع المتقصف تفسير : وقال الزجاج: لا يجوز عطف (هو) على الضمير من غير تأكيد إلا فى الشعر وقال تعالى {أية : أئذا كنا تراباً وآباؤنا } تفسير : فرد الآباء على المضمر. وقال الربيع: واستوى يعني جبرائيل عليه السلام (وهو) كناية عنه على هذا. وفي الوجه الأول (هو) كناية عن النبي صلى الله عليه وآله. وقال قتادة: الافق الأعلى الذي يأتي منه النهار. وقيل: هو مطلع الشمس {شديد القوى} فى أمر الله {ذو مرة} أي ذو قوة في جسمه. وقيل: فاستوى جبرائيل على صورته التي خلقه الله، لان جبرائيل كان يظهر قبل ذلك للنبي صلى الله عليه وآله فى صورة رجل. وقوله {ثم دنا فتدلى} قال الحسن وقتادة والربيع: يعني جبرائيل عليه السلام وفيه تقديم وتأخير والتقدير ثم تدلى فدنا. وقال الزجاج: معنى دنا وتدلى واحد، لأن المعنى إنه قرب وتدلى زاد فى القرب، كما يقال: دنا فلان وقرب. والمعنى ثم دنا جبرائيل إلى محمد صلى الله عليه وآله، فتدلى اليه من السماء {فكان قاب قوسين أو أدنى} معناه كان بينه وبين جبرائيل مقدار قاب قوسين من القسى العربية أو أقرب بل أقرب منه. وقيل: معنى (او) في الآية معنى (الواو) كقوله {أية : وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون } تفسير : ومعناه ويزيدون. وقيل: إنه رأى جبرائيل عليه السلام في صورته له ستمائة جناح - فى قول ابن مسعود - ومعنى {قاب قوسين} قدر الوتر من القوس مرتين {أو أدنى} منه وأقرب. وقوله {فأوحى إلى عبده ما أوحى} قيل اوحى جبرائيل إلى عبد الله محمد ما أوحى. وقيل أوحى الله إلى عبده محمد ما أوحى. ويحتمل ان تكون (ما) مع ما بعدها بمنزلة المصدر والتقدير فأوحى إلى عبده وحياً. ويحتمل ان يكون بمعنى الذي وتقديره فأوحى إلى عبده الذي أوحى اليه. والمعنى أوحى جبرائيل إلى محمد ما أوحى اليه ربه - وهو قول ابن زيد - وقوله {ما كذب الفؤاد ما رأى} قال ابن عباس رأى ربه بقلبه وهو معنى قوله {علمه} وإنما علم ذلك بالآيات التي رآها. وقال ابن مسعود وعائشة وقتادة: رآى محمد جبرائيل على صورته. وقال الحسن: يعني ما رأى من مقدورات الله تعالى وملكوته. وقال الحسن: عرج بروح محمد صلى الله عليه وآله إلى السماء وجسده فى الأرض. وقال اكثر المفسرين - وهو الظاهر من مذهب اصحابنا والمشهور في اخبارهم - أن الله تعالى صعد بجسمه حياً سليماً حتى رأى - ملكوت السموات وما ذكره الله - بعيني رأسه، ولم يكن ذلك فى المنام بل كان فى اليقظة. وقد بيناه فى سورة بني إسرائيل.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلنَّجْمِ} اقسم بالنّجم المراد به القرآن فانّه نزّل نجوماً اى متفرّقاً فى طول ثلاث وعشرين سنةً، او اقسم بالثّريّا فانّ النّجم علم بالغلبة لها، او اقسم بمطلق النّجوم، او اقسم بالنّجم الّذى يرجم به الشّيطان عن استراق السّمع، او اقسم بالنّبات اذا سقط على الارض او ارتفع منها ونما، وقيل: اقسم بمحمّدٍ (ص) فانّه النّجم الّذى نزل من السّماء السّابعة ليلة المعراج، وعن ابن عبّاسٍ انّه قال: صلّينا العشاء الآخرة ذات ليلةٍ مع رسول الله (ص) فلمّا سلّم اقبل علينا بوجهه ثمّ قال: "حديث : انّه سينقضّ كوكب من السّماء مع طلوع الفجر فيسقط فى دار احدكم، فمن سقط ذلك الكوكب فى داره فهو وصيّى وخليفتى والامام بعدى"تفسير : ، فلمّا كان قرب الفجر جلس كلّ واحدٍ منّا فى داره ينتظر سقوط الكوكب فى داره وكان اطمع القوم فى ذلك ابى العبّاس، فلمّا طلع الفجر انقضّ الكوكب من الهواء فسقط فى دار علىّ بن ابى طالبٍ (ع) فقال رسول الله (ص) لعلىٍّ (ع): "حديث : يا علىّ والّذى بعثنى بالنّبوّة لقد وجب لك الوصيّة والخلافة والامامة بعدى"تفسير : ، فقال المنافقون عبد الله بن اُبىٍّ واصحابه: لقد ضلّ محمّد فى محبّة ابن عمّه وغوى، وما ينطق فى ساعته الاّ بالهوى، فأنزل الله هذه الآية (الى آخر الحديث) {إِذَا هَوَىٰ} سقط وغرب، او اذا صعد وارتفع، فانّه يستعمل فيهما.
فرات الكوفي
تفسير : قال: حدثني جعفر [بن أحمد معنعناً]: عن عائشة قالـت: حديث : بينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم جالس إذ قال له بعض أصحابه: من أخير الناس بعدك يا رسول الله؟ فأشار إلى نجم في السماء فقال: من سقط هذا النجم في داره. فقال القوم: فما برحنا حتى سقط النجم في دار علي بن أبي طالب عليه السلام فقال بعض أصحابه ما قالوا: ما رفع ضبع [ر: بضبع] ابن عمهتفسير : ، فأنزل الله [تعالى. ر]: {والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى} محمد صلى الله عليه وآله وسلم {وما ينطق عن الهوى} في علي بن أبي طالب {إن هو إلا وحيٌ يوحى} أنا أوحيته إليه. قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن صالح الهمداني معنعناً: عن عبد الله بن بريدة الأسلمي عن أبيه [رضي الله عنه. ر] قال: حديث : انقض نجم على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال النبي من وقع هذا النجم في داره فهو الخليفة فوقع النجم في دار علي [بن أبي طالب عليه السلام. أ، ب] فقالت قريش: ضل محمد، فأنزل الله [تبارك و. أ، ب] تعالى: {والنجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} . تفسير : فرات قال: حدثني [ب: ثنا] علي بن أحمد بن [خلف. أ، ب] الشيباني معنعناً: عن نوف البكالي حديث : عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: جاءت جماعة من قريش إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا رسول الله انصب لنا علماً يكن [ر: يكون] لنا من بعدك لنهتدي ولا نضل كما ضلت بنو إسرائيل بعد موسى بن عمران فقد قال ربك: {إنك ميت وإنهم ميتون} [30/ الزمر] ولسنا نطمع أن تعمر فينا ما عمر نوح في قومه وقد عرفت منتهى أجلك ونريد أن نهتدي ولا نضل. قال [ب: فقال]: إنكم قريبوا عهدٍ بالجاهلية وفي قلوب أقوامٍ أضغان وعسيت إن فعلت أن لا تقبلوا [أ: يقبلوا] ولكن من كان في منزله الليلة آية من غير ضير فهو صاحب الحق. قال: فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العشاء وانصرف إلى منزله سقط في منزلي نجم أضاءت له المدينة وما حولها وانفلق بأربع فلق انشعبت في كل شعبة فلقة من غير ضير . تفسير : قال نوف: قال لي جابر بن عبد الله: إن القوم أصروا على ذلك وأمسكوا حديث : فلما أوحى الله إلى نبيه أن ارفع ضبع ابن عمك قال: يا جبرئيل أخاف من تشتت قلوب القوم فأوحى الله [تعالى. ب] إليه: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} [67/ المائدة] قال: فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلالاً [أن. ر] [ينادي. ر، ب] بالصلاة جامعة فاجتمع المهاجرون والأنصار فصعد المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: يا معشر قريش لكم اليوم الشرف صفوا صفوفكم. ثم قال: يا معشر العرب لكم اليوم الشرف صفوا صفوفكم. ثم قال: يا معشر الموالي لكم اليوم الشرف صفوا صفوفكم. ثم دعا بدواة وطرس [ب: قرطاس] فأمر فكتب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله محمد رسول الله. قال: شهدتم؟ قالوا: نعم. قال: أفتعلمون أن الله [ب: أني] مولاكم؟ قالوا: اللهم نعم. قال: فقبض على ضبع علي بن أبي طالب فرفعه للناس حتى تبين بياض إبطيه ثم قال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه. [ثم قال. ر]: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذلهتفسير : ، فيه! كلام فأنزل الله تعالى: {والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} فأوحى إليه: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك}. قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كنت جالساً مع فئة [خ: فتية] من بني هاشم عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ انقضّ كوكب فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : من انقض هذا النجم في منزله فهو الوصي من بعدي تفسير : فقام فئة [خ: فتية] من بني هاشم فإذا الكوكب قد انقض في منزل [أمير المؤمنين. ر] علي بن أبي طالب عليه السلام قالوا: يا رسول الله كل هذا قد رويت في علي!! فأنزل الله [تعالى. ر]: {والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}. قال: حدثنا [أ: ثني] محمد بن عيسى بن زكريا معنعناً: عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال:حديث : لما أقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يوم غدير خم - فذكر كلاماً - فأنزل الله [تعالى. ر] على لسان جبرئيل [عليه السلام. ر] فقال له: يا محمد إني منزل غداً ضحوة نجماً من السماء يغلب ضوءه على ضوء الشمس فأعلم أصحابك [انه. أ، ب] من سقط ذلك النجم في داره فهو الخليفة من بعدك. فأعلمهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه غداً يسقط من السماء نجم يغلب ضوءه ضوء الشمس فمن سقط ذلك النجم في داره فهو الخليفة من بعدي، فجلسوا كلهم كل في منزله [ب: داره] يتوقع أن يسقط النجم في منزلة فما لبثوا أن سقط النجم في منزل [أمير المؤمنين. ر] علي بن أبي طالب وفاطمة عليهما السلام [والتحية والاكرام. أ]، واجتمع القوم وقالوا: والله ما تكلم فيه إلا بالهوىتفسير : . فأنزل الله [تعالى. ر] على نبيه: {والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم} [في علي. أ] {وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} إلى {أفتمارونه على ما يرى}.
الأعقم
تفسير : {والنجم إذا هوى} قيل: إن المشركين قالوا: ضل محمد عن الدين وغوى فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأقسم بأنه ما ضلَّ وما غوى {والنجم إذا هوى} الثريا إذا سقطت وغابت مع الفجر أو انتثرت يوم القيامة، أو النجم إذا رجم، إذا هوى إذا انقض، أو النجم من نجوم القرآن وقد نزل نجوماً في عشرين سنة، إذا هوى إذا نزل، يعني أن القرآن نزل ثلاث آيات وأربع آيات وسورة وكان بين أوله وآخره ثلاث وعشرين سنة {ما ضلَّ صاحبكم} يعني محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والخطاب لقريش، وهو جواب القسم، والضلال نقيض الهدى والغي نقيض الرشد، أي هو مهتد راشد وليس كما تزعمون {وما ينطق عن الهوى} لا يتكلم عن جهة نفسه في أمور الشرع {إن هو إلاَّ وحي يوحى} {علّمه شديد القوى} قيل: هو جبريل وهو القوي في نفسه، ومن قوته أنه اقتلع قرى قوم لوط من الماء الأسود وحملها على جناحه ورفعها إلى السماء ثم قلبها، وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده في الوحي من رجعة الطرف، ورأى ابليس يكلم عيسى في بعض عقاب الأرض المقدسة فنفخه نفخة فألقاه في أقصى جبل بالهند {ذو مرة} حدّة، وقيل: ذو مرة شديد حفظه لما يحمله الله من الوحي {فاستوى} فاستقام على صورة نفسه الحقيقة دون الصورة التي كان عليها كلما هبط بالوحي، وكان ينزل في صورة دحية، وروي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أحب أن يراه على صورته، وقيل: ما رآه أحد على صورته غير محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء {فكان قاب قوسين} يعني دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى {فتدلى} قيل: إلى محمد بالوحي وكان بينهما قاب قوسين وكان بينهما {قاب قوسين أو أدنى} قيل: بل أدنى، وقيل: أراد مقدار قوسين عربتين، وقيل: أراد الوتر، وقيل: أراد تأكيد القرب {فأوحى} الله {إلى عبده} وقيل: أوحى جبريل إلى عبده {ما أوحى} وقيل: ما أوحى إليه من كلامه وأمره ونهيه، وقيل: أوحى اليه أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها أنت وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك.
الهواري
تفسير : تفسير سورة النجم، وهي مكية كلها. {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} أي: والوحي إذا نزل، في تفسير ابن عباس. ذكروا عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزل القرآن إلى السماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة: ثم جعل بعد ذلك ينزل نجوماً: ثلاث آيات، وأربع آيات، وخمس آيات وأقل من ذلك وأكثر؛ ثم تلا هذه الآية: (أية : فَلآ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) تفسير : [الواقعة:75]. وقال بعضهم: الثريا إذا غابت. وتفسير الحسن: يعني الكواكب إذا انتثرت. والنجم جماعة النجوم، كقوله عز وجل: (أية : وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَآئِهَا) تفسير : [الحاقة:17] يعني جماعة الملائكة. وكقوله: (أية : وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ) تفسير : [النور:41] يعني جماعة الطير. وقوله: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} قسم أقسم به. {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} أي محمد. {إِنْ هُوَ} إن القرآن الذي ينطق به محمد {إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}. {عَلَّمَهُ} أي علم محمداً {شَدِيدُ الْقُوَى} أي جبريل، شديد الخلق. {ذُو مِرَّةٍ} وهو من شدة الخلق أيضاً. وتفسير الحسن: استمر على أمر الله. قال تعالى: {فَاسْتَوَى} أي: استوى جبريل عند محمد. أي: رآه في صورته. {وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى} أي: جبريل بالأفق الأعلى، وهو المشرق، فسدّ ما بين الأُفقين، في تفسير الحسن. وكان محمد يرى جبريل في غير صورته، أي التي هي صورته، فرآه يومئذ في صورته. ذكروا عن مسروق عن عائشة قالت: ثلاث من قالهن فقد أعظم على الله الفرية: من زعم أن محمد رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، لأن الله يقول: (أية : لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ) تفسير : [الأنعام:103]، ومن زعم أن محمداً قد نقص شيئاً من الوحي لم يخبر به فقد أعظم على الله الفرية، لأن الله يقول: (أية : يَآأَيُّهَا الرَّسُولُ بلِّغْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)تفسير : [المائدة:67]، ومن زعم أنه يعلم ما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، لأن الله يقول: (أية : إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) تفسير : [لقمان: 34]. قال: فقلت: يا أم المؤمنين: ألا تخبرينني عن قوله: (أية : وقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ)تفسير : [التكوير:23]. قالت: رأى جبريلَ في صورته قد سدّ ما بين السماء والأرض.
اطفيش
تفسير : {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} يعني الثريا اذا غربت وغابت والعرب تسمي الثريا نجماً وفي الحديث "حديث : ما طلع النجم وفي الأرض شيء من العاهات إلا رفع"تفسير : يعني الثريا ويقولون اذا طلع النجم عشاء ابتغى الراعي كساء وهو علم بالغلبة عليها اذا أطلق وكذا قال ابن عباس وسفيان ومجاهد وقيل للجنس فالمراد النجوم وهويها وغروبها او غيوبها أو وقوعها على مسترق السمع قال بعضهم قال الجمهور هويا غروبها وقال ابن عباس انقضاضها وقيل طلوعها وقيل انتثارها يوم القيامة وممن قال بان النجم الجنس الحسن وقيل المراد نجم القرآن أي القطعة النازلة منه لأنه نزل نجوماً، وقيل القرآن لنزوله نجوماً، والهوي النزول، ونسب لابن عباس حديث : روي أن عتبة بن ابي لهب زوج بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد الخروج إلى الشام فقال لأتين محمداً فلأوذينه فأتاه فقال يا محمد أنا كافر بالنجم إذا هوى وبالذي دنا فتدلى ثم تفل في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد عليه بنته وطلقها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم سلط عليه من كلابك،تفسير : وكان أبو طالب حاضرا فاشتد حزنه وامسك عن الكلام ثم قال ما كان اغناك يا ابن اخي عن هذه الدعوة فرجع إلى ابيه فاخبره ثم خرج إلى الشام فنزلوا منزلا فاشرف عليهم راهب من الدير فقال لهم ان هذه ارض مسبعة فقال ابو لهب لاصحابه اغيثونا يا معشر قريش هذه الليلة فاني اخاف على ابني دعوة محمد فجمعوا جمالهم واناخوهم حولهم واحدقوا بعتبة فجاء الاسد لتشمم وجوههم حتى ضرب عتبة فقتله قال حسان: شعر : من يرجع العام إلى اهله فما اكيل السبع بالراجع تفسير : وقيل النجم الوحي ونسب لابن عباس ايضا وقيل النجم محمد صلى الله عليه وسلم وهويه نزوله ليلة المعراج من السماء بروحه وقيل بجسده ولا باس به سوى قولهم رأى ربه فمنكر عظيم وقيل النبات لذي لا ساق له وهويه سقوطه اذا يبس على الارض وارتفاعه ونموه قال ابو البقاء ناصب اذا فعل القسم المحذوف وهذا منه اخراج {إذا} عن الشرط وإلا لم يعمل ما قبلها فيها إلا ان اراد فعل القسم المقدر بعدها جوابا لها للدلول عليه بالقسم قبلها والتحقيق خروجها عن الشرط. وقد نص ابن هشام على انها خارجة بعد القسم نحو والليل اذا يغشى والنجم اذا هوى قال ولو كانت شرطية كان ما قبلها جوابا فى المعنى واقسمت لا يكون جواباً لانه انشاء لا يقبل التعليق لان الانشاء ايقاع والمعلق يحتمل الوقوع وعد منه وان قدرنا فعل القسم بعدها جوابا خبريا لم يدل عليه الانشائي المقدر سابقا لتباين حقيقة الاخبار والانشاء واما ان جاء فوالله لاكرمه فالجواب في الحقيقة فعل الاكرام والقسم انما جاء تأكيد وفعل الاكرام هو المسبب عن الشرط وجواب النجم هنا ماض مستمر الانتفاء فلا يتسبب عن المستقبل وهو فعل الشرط والحق عندي ان الطلب لا يمتنع العليق معه وإنما يمتنع مع الانشاء الذي هو كفعل القسم والاستفهام فلا يرد عليه وقوع الجواب طلبا في القرآن وغره كثيرا.
اطفيش
تفسير : {والنَّجم} جنس النجم {إذا هَوى} انتثر يوم القيامة، أو أثر مسترقى السمع، وبه قال ابن عباس، أو النجم الثريا كما هو علم بالغلبة عليها، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا طلع النجم صباحاً ارتفعت العاهة" تفسير : ولفظ أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما طلع النجم قط وفي الأرض من العاهة شىء إلاَّ رفع" تفسير : أراد بالنجم الثريا، وهوى ظهر من المشرق منخفضا، وقيل: هوى غرب منخفضا، وقيل: المراد اذا غربت مع الفجر، وقيل النجم الشعرى، قال عز وجل: "أية : وأنه هو رب الشعرى" تفسير : [النجم: 49] الكهان يتكلمون على الغيب عند ظهورها. ومعنى هوى، طلع أو غرب، وكذا عند من قال: النجم الزهرة، وكانت تعبد، وقيل المقدار من القرآن إذا نزل، كما ورد فى الأثر: "أن القرآن نزل نجوما" وهو رواية عن ابن عباس، أو النجم النبات بلا ساق، وهويه يبسه، وقيل: النجم محمد صلى الله عليه وسلم، وهويه نزوله ليلة المعراج.
الالوسي
تفسير : أقسم سبحانه بجنس النجم المعروف على ما روي عن الحسن ومعمر بن المثنى، ومنه قوله: شعر : فباتت تعد النجم في مستحيرة سريع بأيدي الآكلين جمودها تفسير : ومعنى {هَوَىٰ } غرب، وقيل: طلع يقال هوى يهوي كرمى يرمي هَوياً بالفتح في السقوط والغروب لمشابهته له؛ وهُوياً بالضم للعلو والطلوع، وقيل: الهوي بالفتح للإصعاد والهوى بالضم للانحدار؛ وقيل: الهوي بالفتح والضم السقوط ويقال أهوى بمعنى هوى، وفرق بعض اللغويين بينهما بأن هوى إذا انقض لغير صيد، وأهوى / إذا انقض له، وقال الحسن وأبو حمزة الثمالي: أقسم سبحانه بالنجوم إذا انتثرت في القيامة، وعن ابن عباس في رواية أقسم عز وجل بالنجوم إذا انقضت في إثر الشياطين. وقيل: المراد بالنجم معين فقال مجاهد وسفيان: هو الثريا فإن النجم صار علماً بالغلبة لها، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إذا طلع النجم صباحاً ارتفعت العاهة » تفسير : وقول العرب: طلع النجم عشاءاً فابتغى الراعي كساء، طلع النجم غدية فابتغي الراعي كسية، وفسر هويها بسقوطها مع الفجر، وقيل: هو الشعرى المرادة بقوله تعالى: { أية : وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعْرَىٰ } تفسير : [النجم: 49] والكهان يتكلمون على المغيبات عند طلوعها، وقيل: الزهرة وكانت تعبد، وقال ابن عباس ومجاهد والفراء ومنذر بن سعيد: {ٱلنَّجْمُ } المقدار النازل من القرآن على النبـي صلى الله عليه وسلم، {وَإِذَا هَوَىٰ } بمعنى إذا نزل عليه مع ملك الوحي جبريل عليه والسلام، وقال جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه: هو النبـي صلى الله عليه وسلم وهويه نزوله من السماء ليلة المعراج، وجوز على هذا أن يراد بهويه صعوده وعروجه عليه الصلاة والسلام إلى منقطع الأين، وقيل: هو الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وقيل: العلماء على إرادة الجنس، والمراد بهويهم قيل: عروجهم في معارج التوفيق إلى حضائر التحقيق، وقيل: غوصهم في بحار الأفكار لاستخراج درر الأسرار. وأظهر الأقوال القول بأن المراد بالنجم جنس النجم المعروف فإن أصله اسم جنس لكل كوكب، وعلى القول بالتعيين فالأظهر القول بأنه الثريا، ووراء هذين القولين القول بأن المراد به المقدار النازل من القرآن. وفي الإقسام بذلك على نزاهته عليه الصلاة والسلام عن شائبة الضلال والغواية من البراعة البديعة وحسن الموقع ما لا غاية وراءه، أما على الأولين فلأن النجم شأنه أن يهتدي به الساري إلى مسالك الدنيا كأنه قيل: والنجم الذي تهتدي به السابلة إلى سواء السبيل.
سيد قطب
تفسير : هذه السورة في عمومها كأنها منظومة موسيقية علوية، منغمة، يسري التنغيم في بنائها اللفظي كما يسري في إيقاع فواصلها الموزونة المقفاة. ويلحظ هذا التنغيم في السورة بصفة عامة؛ ويبدو القصد فيه واضحاً في بعض المواضع؛ وقد زيدت لفظة أو اختيرت قافية، لتضمن سلامة التنغيم ودقة إيقاعه - إلى جانب المعنى المقصود الذي تؤديه في السياق كما هي عادة التعبير القرآني - مثل ذلك قوله: {أفرأيتم اللات والعزى. ومناة الثالثة الأخرى}.. فلو قال ومناة الأخرى ينكسر الوزن. ولو قال: ومناة الثالثة فقط يتعطل إيقاع القافية. ولكل كلمة قيمتها في معنى العبارة. ولكن مراعاة الوزن والقافية كذلك ملحوظة. ومثلها كلمة {إذن} في وزن الآيتين بعدها: {ألكم الذكر وله الأنثى؟ تلك إذن قسمة ضيزى!} فكلمة {إذن} ضرورية للوزن. وإن كانت - مع هذا - تؤدي غرضاً فنياً في العبارة... وهكذا ذلك الإيقاع ذو لون موسيقي خاص. لون يلحظ فيه التموج والانسياب. وبخاصة في المقطع الأول والمقطع الأخير من السورة. وهو يتناسق بتموجه وانسيابه مع الصور والظلال الطليقة المرفرفة في المقطع الأول. ومع المعاني واللمسات العلوية في المقطع الأخير. وما بينهما مما هو قريب منهما في الجو والموضوع. والصور والظلال في المقطع الأول، تشع من المجال العلوي الذي تقع فيه الأحداث النورانية والمشاهد الربانية التي يصفها هذا المقطع. ومن الحركات الطليقة للروح الأمين وهو يتراءى للرسول الكريم.. والصور والظلال والحركات والمشاهد والجو الروحي المصاحب، تستمد وتمد ذلك الإيقاع التعبيري وتمتزج به، وتتناسق معه، وتتراءى فيه، في توافق منغم عجيب. ثم يعم ذلك العبق جو السورة كله، ويترك آثاره في مقاطعها التالية، حتى تختم بإيقاع موح شديد الإيحاء مؤثر عميق التأثير. ترتعش له كل ذرة في الكيان البشري وترف معه وتستجيب. وموضوع السورة الذي تعالجه هو موضوع السور المكية على الإطلاق: العقيدة بموضوعاتها الرئيسية: الوحي والوحدانية والآخرة. والسورة تتناول الموضوع من زاوية معينة تتجه إلى بيان صدق الوحي بهذه العقيدة ووثاقته، ووهن عقيدة الشرك وتهافت أساسها الوهمي الموهون! والمقطع الأول في السورة يستهدف بيان حقيقة الوحي وطبيعته، ويصف مشهدين من مشاهده، ويثبت صحته وواقعيته في ظل هذين المشهدين؛ ويؤكد تلقي الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن جبريل - عليه السلام - تلقي رؤية وتمكن ودقة، واطلاعه على آيات ربه الكبرى. ويتحدث المقطع الثاني عن آلهتهم المدعاة: اللات والعزى ومناة. وأوهامهم عن الملائكة. وأساطيرهم حول بنوتها لله. واعتمادهم في هذا كله على الظن الذي لا يغني من الحق شيئاً. بينما الرسول - صلى الله عليه وسلم - يدعوهم إلى ما دعاهم إليه عن تثبت ورؤية ويقين. والمقطع الثالث يلقن الرسول - صلى الله عليه وسلم - الإعراض عمن يتولى عن ذكر الله ويشغل نفسه بالدنيا وحدها، ويقف عند هذا الحد لا يعلم وراءه شيئاً. ويشير إلى الآخرة وما فيها من جزاء يقوم على عمل الخلق، وعلى علم الله بهم، منذ أنشأهم من الأرض، ومنذ كانوا أجنة في بطون أمهاتهم. فهو أعلم بهم من أنفسهم، وعلى أساس هذا العلم المستيقن - لا الظن والوهم - يكون حسابهم وجزاؤهم، ويصير أمرهم في نهاية المطاف. والمقطع الرابع والأخير يستعرض أصول العقيدة - كما هي منذ أقدم الرسالات - من فردية التبعة، ودقة الحساب، وعدالة الجزاء. ومن انتهاء الخلق إلى ربهم المتصرف في أمرهم كله تصرف المشيئة المطلقة. ومع هذا لفتة إلى مصارع الغابرين المكذبين. تختم بالإيقاع الأخير: {هذا نذير من النذر الأولى. أزفت الآزفة. ليس لها من دون الله كاشفة. أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون، ولا تبكون، وأنتم سامدون؟ فاسجدوا لله واعبدوا}.. حيث يلتقي المطلع والختام في الإيحاء والصور والظلال والإيقاع العام. {والنجم إذا هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى. علَّمه شديد القوى. ذو مرة فاستوى. وهو بالأفق الأعلى. ثم دنا فتدلى. فكان قاب قوسين أو أدنى. فأوحى إلى عبده ما أوحى. ما كذب الفؤاد ما رأى. أفتمارونه على ما يرى؟ ولقد رآه نزلة أخرى. عند سدرة المنتهى. عندها جنة المأوى. إذ يغشى السدرة ما يغشى. ما زاغ البصر وما طغى. لقد رأى من آيات ربه الكبرى}.. في هذا المطلع نعيش لحظات في ذلك الأفق الوضيء الطليق المرفرف الذي عاش فيه قلب محمد - صلوات الله وسلامه عليه - ونرف بأجنحة النور المنطلقة إلى ذلك الملأ الأعلى؛ ونستمع إلى الإيقاع الرخي المناسب، في جرس العبارة وفي ظلالها وإيحائها على السواء. نعيش لحظات مع قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - مكشوفة عنه الحجب، مزاحة عنه الأستار. يتلقى من الملأ الأعلى. يسمع ويرى، ويحفظ ما وعى. وهي لحظات خص بها ذلك القلب المصفى؛ ولكن الله يمن على عباده، فيصف لهم هذه اللحظات وصفاً موحياً مؤثراً. ينقل أصداءها وظلالها وإيحاءها إلى قلوبهم. يصف لهم رحلة هذا القلب المصفى، في رحاب الملأ الأعلى. يصفها لهم خطوة خطوة، ومشهداً مشهداً، وحالة حالة، حتى لكأنهم كانوا شاهديها. ويبدأ الوصف الموحي بقسم من الله سبحانه: {والنجم إذا هوى}.. وحركة تلألؤ النجم ثم هويه ودنوه. أشبه بمشهد جبريل المقسم عليه: { وهو بالأفق الأعلى. ثم دنا فتدلى. فكان قاب قوسين أو أدنى. فأوحى إلى عبده ما أوحى} وهكذا يبدأ التناسق والتوافق في المشهد والحركة والظل والإيقاع منذ اللحظة الأولى. {والنجم إذا هوى}.. وقد رويت تفسيرات مختلفة للنجم المقصود في هذا القسم. وأقرب ما يرد على الذهن إنها إشارة إلى الشعرى، التي كان بعضهم يعبدها. والتي ورد ذكرها في السورة فيما بعد في قوله: {وأنه هو رب الشعرى}.. وقد كان للشعرى من اهتمام الأقدمين حظ كبير. ومما هو معروف أن قدماء المصريين كانوا يوقتون فيضان النيل بعبور الشعرى بالفلك الأعلى. ويرصدونها من أجل هذا ويرقبون حركاتها. ولها شأن في أساطير الفرس وأساطير العرب على السواء. فالأقرب أن تكون هذه الإشارة هنا إليها. ويكون اختيار مشهد هويّ النجم مقصوداً للتناسق الذي أشرنا إليه. ولمعنى آخر هو الإيحاء بأن النجم مهما يكن عظيماً هائلاً فإنه يهوي ويتغير مقامه. فلا يليق أن يكون معبوداً. فللمعبود الثبات والارتفاع والدوام. ذلك هو القسم. فأما المقسم عليه، فهو أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الوحي الذي يحدثهم عنه: {ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى}.. فصاحبكم راشد غير ضال. مهتد غير غاو. مخلص غير مغرض. مبلغ بالحق عن الحق غير واهم ولا مفتر ولا مبتدع. ولا ناطق عن الهوى فيما يبلغكم من الرسالة. إن هو إلا وحي يوحى. وهو يبلغكم ما يوحى إليه صادقاً أميناً. هذا الوحي معروف حامله. مستيقن طريقه. مشهودة رحلته. رآه الرسول - صلى الله عليه وسلم - رأي العين والقلب، فلم يكن واهماً ولا مخدوعاً: {علّمه شديد القوى. ذو مرة فاستوى. وهو بالأفق الأعلى. ثم دنا فتدلى. فكان قاب قوسين أو أدنى. فأوحى إلى عبده ما أوحى. ما كذب الفؤاد ما رأى. أفتمارونه على ما يرى؟}.. والشديد القوي ذو المرة "أي القوة"، هو جبريل - عليه السلام - وهو الذي علم صاحبكم ما بلغه إليكم. وهذا هو الطريق، وهذه هي الرحلة، مشهودة بدقائقها: استوى وهو بالأفق الأعلى. حيث رآه محمد - صلى الله عليه وسلم - وكان ذلك في مبدأ الوحي. حين رآه على صورته التي خلقه الله عليها، يسد بالأفق بخلقه الهائل. ثم دنا منه فتدلى نازلاً مقترباً إليه. فكان أقرب ما يكون منه. على بعد ما بين القوسين أو أدنى - وهو تعبير عن منتهى القرب - فأوحى إلى عبد الله ما أوحى. بهذا الإجمال والتفخيم والتهويل. فهي رؤية عن قرب بعد الترائي عن بعد. وهو وحي وتعليم ومشاهدة وتيقن. وهي حال لا يتأتى معها كذب في الرؤية، ولا تحتمل مماراة أو مجادلة: {ما كذب الفؤاد ما رأى. أفتمارونه على ما يرى؟}.. ورؤية الفؤاد أصدق وأثبت، لأنها تنفي خداع النظر. فلقد رأى فتثبت فاستيقن فؤاده أنه الملك، حامل الوحي، رسول ربه إليه، ليعلمه ويكلفه تبليغ ما يعلم. وانتهى المراء والجدال، فما عاد لهما مكان بعد تثبت القلب ويقين الفؤاد. وليست هذه هي المرة الوحيدة التي رآه فيها على صورته. فقد تكررت مرة أخرى: {ولقد رآه نزله أخرى. عند سدرة المنتهى. عندها جنة المأوى. إذ يغشى السدرة ما يغشى. ما زاغ البصر وما طغى. لقد رأى من آيات ربه الكبرى}. وكان ذلك في ليلة الإسراء والمعراج - على الراجح من الروايات - فقد دنا منه - وهو على هيئته التي خلقه الله بها مرة أخرى {عند سدرة المنتهى}.. والسدرة كما يعرف من اللفظ شجرة. فأما أنها سدرة المنتهى. فقد يعني هذا أنها التي ينتهي إليها المطاف. فجنة المأوى عندها. أو التي انتهت إليها رحلة المعراج. أو التي انتهت إليها صحبة جبريل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث وقف هو وصعد محمد - صلى الله عليه وسلم - درجة أخرى أقرب إلى عرش ربه وأدنى.. وكله غيب من غيب الله، أطلع عليه عبده المصطفى، ولم يرد إلينا عنه إلا هذا. وكله أمر فوق طاقتنا أن ندرك كيفيته. فلا يدركها الإنسان إلا بمشيئة من خالقه وخالق الملائكة، العليم بخصائص الإنسان وخصائص الملائكة.. ويذكر ما لابس هذه الرؤية عند سدرة المنتهى. زيادة في التوكيد واليقين: {إذ يغشى السدرة ما يغشى}.. مما لا يفصله ولا يحدده. فقد كان أهول وأضخم من الوصف والتحديد. وكان ذلك كله حقاً يقيناً: {ما زاغ البصر وما طغى}..فلم يكن زغللة عين، ولا تجاوز رؤية. إنما هي المشاهدة الواضحة المحققة، التي لا تحتمل شكاً ولا ظناً. وقد عاين فيها من آيات ربه الكبرى، واتصل قلبه بالحقيقة عارية مباشرة مكشوفة. فالأمر إذن - أمر الوحي - أمر عيان مشهود. ورؤية محققة. ويقين جازم. واتصال مباشر. ومعرفة مؤكدة. وصحبة محسوسة. ورحلة واقعية. بكل تفصيلاتها ومراجعها.. وعلى هذا اليقين تقوم دعوة {صاحبكم} الذي تنكرون عليه وتكذبونه وتشككون في صدق الوحي إليه. وهو صاحبكم الذي عرفتموه وخبرتموه وما هو بغريب عنكم فتجهلوه. وربه يصدقه ويقسم على صدقه. ويقص عليكم كيف أوحى إليه. وفي أي الظروف. وعلى يد من وكيف لاقاه. وأين رآه! ذلك هو الأمر المستيقن، الذي يدعوهم إليه محمد - صلى الله عليه وسلم - فأما هم فعلام يستندون في عبادتهم وآلهتهم وأساطيرهم؟ علام يستندون في عبادتهم للات والعزى ومناة؟ وفي ادعائهم الغامض أنهن ملائكة، وأن الملائكة بنات الله؟ وأن لهن شفاعة ترتجى عند الله؟ إلى أي بينة؟ وإلى أي حجة؟ وإلى أي سلطان يرتكنون في هذه الأوهام؟ هذا ما يعالجه المقطع الثاني في السورة: {أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى. ألكم الذكر وله الأنثى؟ تلك إذاً قسمة ضيزى! إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ أنزل الله بها من سلطان. إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس. ولقد جآءهم من ربهم الهدى. أم للإنسان ما تمنى؟فلله الآخرة والأولى. وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً، إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشآء ويرضى. إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى. وما لهم به من علم، إن يتبعون إلا الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً}.. وكانت {اللات} صخرة بيضاء منقوشة، وعليها بيت بالطائف له أستار وسدنة، وحوله فناء معظّم عند أهل الطائف وهم ثقيف ومن تابعها، يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب عدا قريش لأن عندهم الكعبة بيت إبراهيم عليه السلام. ويظن أن اسمها {اللات} مؤنث لفظ الجلالة {الله}. سبحانه وتعالى. وكانت {العزى} شجرة عليها بناء وأستار بنخلة - وهي بين مكة والطائف - وكانت قريش تعظمها. كما قال أبو سفيان يوم أحد. لنا العزى ولا عزى لكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم -: "حديث : قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم"تفسير : . ويظن أن اسمها {العزى} مؤنث {العزيز}.. وكانت {مناة} بالمشلل عند قديد بين مكة والمدينة. وكانت خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتهم يعظمونها ويهلون منها للحج إلى الكعبة. وكان بالجزيرة كثير من هذه المعبودات تعظمها القبائل المختلفة. ولكن هذه الثلاثة كانت أعظمها. والمظنون أن هذه المعبودات كانت رموزاَ لملائكة يعتبرهن العرب إناثاً ويقولون: إنهن بنات الله. ومن هنا جاءت عبادتها، والذي يقع غالباً أن ينسى الأصل، ثم تصبح هذه الرموز معبودات بذاتها عند جمهرة العباد. ولا تبقى إلا قلة متنورة هي التي تذكر أصل الأسطورة! فلما ذكر الله هذه المعبودات الثلاثة معجِّباً منها ومن عبادتها كما تفيد صيغة السؤال ولفظه: {أفرأيتم اللات والعزى. ومناة الثالثة الأخرى؟}.. والتعجيب والتشهير واضح في افتتاح السؤال: {أفرأيتم؟} وفي الحديث عن مناة.. الثالثة الأخرى.. لما ذكر الله هذه المعبودات عقب عليها باستنكار دعواهم أن لله الإناث وأن لهم الذكور: {ألكم الذكر وله الأنثى؟ تلك إذاً قسمة ضيزى}.. مما يوحي بأن لهذه المعبودات صلة بأسطورة أنوثة الملائكة، ونسبتها إلى الله سبحانه. مما يرجح ما ذكرناه عنها. وقد كانوا هم يكرهون ولادة البنات لهم. ومع هذا لم يستحيوا أن يجعلوا الملائكة إناثاً - وهم لا يعلمون عنهم شيئاً يلزمهم بهذا التصور. وأن ينسبوا هؤلاء الإناث إلى الله! والله - سبحانه - يأخذهم هنا بتصوراتهم وأساطيرهم؛ ويسخر منها ومنهم: {ألكم الذكر وله الأنثى؟}.. إنها إذن قسمة غير عادلة قسمتكم بين أنفسكم وبين الله! {تلك إذاً قسمة ضيزى!}.. والمسألة كلها وهم لا أساس له من العلم ولا من الواقع. ولا حجة فيها ولا دليل: { إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ أنزل الله بها من سلطان. إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس. ولقد جآءهم من ربهم الهدى}! هذه الأسماء. اللات. العزى. مناة.. وغيرها. وتسميتها آلهة وتسميتها ملائكة. وتسمية الملائكة إناثاً. وتسمية الإناث بنات الله... كلها أسماء لا مدلول لها، ولا حقيقة وراءها. ولم يجعل الله لكم حجة فيها. وكل ما لم يقرره الله فلا قوة فيه ولا سلطان له. لأنه لا حقيقة له. وللحقيقة ثقل. وللحقيقة قوة. وللحقيقة سلطان فأما الأباطيل فهي خفيفة لا وزن لها. ضعيفة لا قوة لها. مهينة لا سلطان فيها. وفي منتصف الآية يتركهم وأوهامهم وأساطيرهم، ويترك خطابهم، ويلتفت عنهم كأنهم لا وجود لهم، ويتحدث عنهم بصيغة الغائب: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس}.. فلا حجة ولا علم ولا يقين. إنما هو الظن يقيمون عليه العقيدة، والهوى يستمدون منه الدليل. والعقيدة لا مجال فيها للظن والهوى؛ ولا بد فيها من اليقين القاطع والتجرد من الهوى والغرض.. وهم لم يتبعوا الظن والهوى ولهم عذر أو علة: {ولقد جاءهم من ربهم الهدى}.. فانقطع العذر وبطل التعلل! ومتى انتهى الأمر إلى شهوة النفس وهواها فلن يستقيم أمر. ولن يجدي هدى؛ لأن العلة هنا ليست خفاء الحق، ولا ضعف الدليل. إنما هي الهوى الجامح الذي يريد، ثم يبحث بعد ذلك عن مبرر لما يريد! وهي شر حالة تصاب بها النفس فلا ينفعها الهدى، ولا يقنعها الدليل! ومن ثم يسأل في استنكار: {أم للإنسان ما تمنى؟}.. فكل ما يتمنى يتحول إلى حقيقة وكل ما يهوى ينقلب إلى واقع! والأمر ليس كذلك. فإن الحق حق والواقع واقع. وهوى النفس ومناها لا يغيران ولا يبدلان في الحقائق. إنما يضل الإنسان بهواه. ويهلك بمناه. وهو أضعف من أن يغير أو يبدل في طبائع الأشياء. وإنما الأمر كله لله يتصرف فيه كما يشاء في الدنيا وفي الآخرة سواء: {فلله الآخرة والأولى}.. ولا ننسى أن نلحظ هنا تقديم الآخرة على الأولى. لمراعاة قافية السورة وإيقاعها. إلى جانب النكتة المعنوية المقصودة بتقديم الآخرة على الأولى. كما هي طبيعة الأسلوب القرآني في الجمع بين أداء المعنى وتنغيم الإيقاع. دون إخلال بهذا على حساب ذاك! شأنه شأن كل ما هو من صنع الله. فالجمال في الكون كله يتناسق مع الوظيفة ويؤاخيها! وإذا خلص الأمر كله لله في الآخرة والأولى. فإن أوهام المشركين عن شفاعة الآلهة المدعاة - من الملائكة - لهم عند الله. كما قالوا: {ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى}.. إن هذه الأوهام لا أصل لها. فالملائكة الحقة في السماء لا تملك الشفاعة إلا حين يأذن الله في شيء منها: {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً. إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى}.. ومن ثم تسقط دعواهم من أساسها، فوق ما فيها من بطلان تولى تفنيده في الآيات السابقة. وتتجرد العقيدة من كل غبش أو شبهة. فالأمر لله في الآخرة والأولى. ومنى الإنسان لا تغير من الحق الواقع شيئاً. والشفاعة لا تقبل إلا بإذن من الله ورضى. فالأمر إليه في النهاية. والاتجاه إليه وحده في الآخرة والأولى. وفي نهاية الفقرة يناقش للمرة الأخيرة أوهام المشركين - الذين لا يؤمنون بالآخرة - عن الملائكة؛ ويكشف عن أساسها الواهي، الذي لا ينبغي أن تقوم عليه عقيدة أصلاً: {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى. وما لهم به من علم. إن يتبعون إلا الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً}.. وهذا التعقيب الأخير يوحي بعلاقة اللات والعزى ومناة بأسطورة أنوثة الملائكة ونسبتهم إلى الله سبحانه! وهي أسطورة واهية، لا يتبعون فيها إلا الظن. فليس لهم من وسيلة لأن يعلموا شيئاً مستيقناً عن طبيعة الملائكة. فأما نسبتهم إلى الله. فهي الباطل الذي لا دليل عليه إلا الوهم الباطل! وكل هذا لا يغني من الحق، ولا يقوم مقامه في شيء. الحق الذي يتركونه ويستغنون عنه بالأوهام والظنون! وحين يبلغ إلى هذا الحد من بيان وهن عقيدة الشرك وتهافتها عند الذين لا يؤمنون بالآخرة، ويشركون بالله، وينسبون له البنات ويسمون الملائكة تسمية الأنثى! يتجه بالخطاب إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليهمل شأنهم ويعرض عنهم، ويدع أمرهم لله الذي يعلم المسيء والمحسن، ويجزي المهدي والضال، ويملك أمر السماوات والأرض، وأمر الدنيا والآخرة، ويحاسب بالعدل لا يظلم أحداً، ويتجاوز عن الذنوب التي لا يصر عليها فاعلوها. وهو الخبير بالنوايا والطوايا، لأنه خالق البشر المطلع على حقيقتهم في أطوار حياتهم جميعاً: {فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا. ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى. ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش - إلا اللمم - إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض، وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم. فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى}.. هذا الأمر بالإعراض عمن تولى عن ذكر الله، ولم يؤمن بالآخرة، ولم يرد إلا الحياة الدنيا. موجه ابتداء إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليهمل شأن أولئك المشركين الذين سبق الحديث في السورة عن أساطيرهم وأوهامهم وعدم إيمانهم بالآخرة. وهو موجه بعد ذلك إلى كل مسلم يواجهه من يتولى عن ذكر الله ويعرض عن الإيمان به؛ ويجعل وجهته الحياة الدنيا وحدها، لا ينظر إلى شيء وراءها، ولا يؤمن بالآخرة ولا يحسب حسابها. ويرى أن حياة الإنسان على هذه الأرض هي غاية وجوده، لا غاية بعدها؛ ويقيم منهجه في الحياة على هذا الاعتبار، فيفصل ضمير الإنسان عن الشعور بإله يدبر أمره، ويحاسبه على عمله، بعد رحلة الأرض المحدودة، وأقرب من تتمثل فيه هذه الصفة في زماننا هذا هم أصحاب المذاهب المادية. والمؤمن بالله وبالآخرة لا يستطيع أن يشغل باله - فضلاً على أن يعامل أو يعايش - من يعرض عن ذكر الله، وينفي الآخرة من حسابه. لأن لكل منهما منهجاً في الحياة لا يلتقيان في خطوة واحدة من خطواته، ولا في نقطة واحدة من نقاطه، وجميع مقاييس الحياة، وجميع قيمها، وجميع أهدافها. تختلف في تصور كل منها فلا يمكن إذن أن يتعاونا في الحياة أي تعاون، ولا أن يشتركا في أي نشاط على هذه الأرض. مع هذا الاختلاف الرئيسي في تصور قيم الحياة وأهدافها ومناهج النشاط فيها، وغاية هذا النشاط. وما دام التعاون والمشاركة متعذرين فما داعي الاهتمام والاحتفال؟ إن المؤمن يعبث حين يحفل شأن هؤلاء الذين يعرضون عن ذكر الله ولا يريدون إلا الحياة الدنيا. وينفق طاقته التي وهبه الله إياها في غير موضعها. على أن للإعراض اتجاهاً آخر، هو التهوين من شأن هذه الفئة. فئة الذين لا يؤمنون بالله؛ ولا يبتغون شئياً وراء الحياة الدنيا. فمهما كان شأنهم فهم محجوبون عن الحقيقة، قاصرون عن إدراكها، واقفون وراء الأسوار. أسوار الحياة الدنيا.. {ذلك مبلغهم من العلم}. وهو مبلغ تافه مهما بدا عظيماً. قاصر مهما بدا شاملاً. مضلل مهما بدا هادياً. وما يمكن أن يعلم شيئاً ذا قيمة من يقف بقلبه وحسه وعقله عند حدود هذه الأرض. ووراءها - حتى في رأي العين - عالم هائل لم يخلق نفسه. ووجوده هكذا أمر ترفضه البداهة. ولم يوجد عبثاً متى كان له خالق. وإنه لعبث أن تكون الحياة الدنيا هي نهاية هذا الخلق الهائل وغايته.. فإدراك حقيقة هذا الكون من أي طرف من أطرافها كفيل بالإيمان بالخالق. وكفيل كذلك بالإيمان بالآخرة. نفياً للعبث عن هذا الخالق العظيم الذي يبدع هذا الكون الكبير. ومن ثم يجب الإعراض عمن يتولى عن ذكر الله ويقف عند حدود الدنيا، الإعراض على سبيل صيانة الاهتمام أن يبذل في غير موضعه والإعراض على سبيل التهوين والاحتقار لمن هذا مبلغ علمه. ونحن مأمورون بهذا إن أردنا أن نتلقى أمر الله لنطيعه. لا لنقول كما قالت يهود: سمعنا وعصينا.. والعياذ بالله من هذا! {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى}.. وقد علم أن هؤلاء ضالون. فلم يرد لنبيه ولا للمهتدين من أمته أن يشغلوا أنفسهم بشأن الضالين. ولا أن يصاحبوهم. ولا أن يحفلوهم. ولا أن يخدعوا في ظاهر علمهم المضلل القاصر، الذي يقف عند حدود الحياة الدنيا. ويحول بين الإدراك البشري والحقيقة الخالصة، التي تقود من يدركها إلى الإيمان بالله، والإيمان بالآخرة، وتتخطى به حدود هذه الأرض القريبة، وهذه الحياة الدنيا المحدودة. وإن العلم الذي يبلغه هؤلاء القاصرون الضالون ليبدو في أعين العوام وأشباههم، عوام القلب والإدراك والحس، شيئاً عظيماً ذا فاعلية وأثر في واقع الحياة الدنيا. ولكن هذا لا ينفي صفة الضلال عنهم في النهاية، ولا صفة الجهل والقصور. فحقيقة الارتباط بين هذا الوجود وخالقه. وحقيقة الارتباط بين عمل الإنسان وجزائه. هاتان الحقيقتان ضروريتان لكل علم حق. وبدونهما يبقى العلم قشوراً لا تؤثر في حياة الإنسان ولا ترقيها ولا ترفعها. وقيمة كل علم مرهونة بأثره في النفس وفي ارتباطات البشر الأدبية. وإلا فهو تقدم في الآلات وانتكاس في الآدميين. وما أبأسه من علم هذا الذي ترتقي فيه الآلات على حساب الآدميين!!! وشعور الإنسان بأن له خالقاً خلقه وخلق هذا الكون كله، وفق ناموس واحد متناسق. يغير من شعوره بالحياة، وشعوره بما حوله وبمن حوله؛ ويجعل لوجوده قيمة وهدفاً وغاية أكبر وأشمل وأرفع، لأن وجوده مرتبط بهذا الكون كله؛ فهو أكبر من ذاته المعدودة الأيام. وأكبر من أسرته المعدودة الأفراد وأكبر من قومه، وأكبر من وطنه وأكبر من طبقته التي يطنطن بها أصحاب المذاهب المادية الحديثة. وأرفع من اهتمامات هذه التشكيلات جميعاً! وشعور الإنسان بأن خالقه محاسبه في الآخرة ومجازيه. يغير من تصوراته ومن موازينه ومن حوافزه ومن أهدافه. ويربط الحاسة الأخلاقية في نفسه بمصيره كله، فيزيدها قوة وفاعلية. لأن هلاكه أو نجاته مرهونة بيقظة هذه الحاسة وتأثيرها في نيته وعمله. ومن ثم يقوى "الإنسان" ويسيطر على تصرفات هذا الكائن. لأن الرقيب الحارس قد استيقظ! ولأن الحساب الختامي ينتظره هناك. ومن الناحية الأخرى فهو مطمئن إلى الخير واثق من انتصاره في الحساب الختامي. حتى لو رآه ينهزم في الأرض في بعض الجولات! وهو مكلف دائماً أن ينصر الخير ويكافح في سبيله سواء هزم في هذه الأرض أم انتصر لأن الجزاء النهائي هناك! إنها مسألة كبيرة هذا الإيمان بالله والإيمان بالآخرة. مسألة أساسية في حياة البشر. إنها حاجة أكبر من حاجات الطعام والشراب والكساء. وإنها إما أن تكون فيكون "الإنسان" وإما ألا تكون فهو حيوان من ذلك الحيوان! وحين تفترق المعايير والأهداف والغايات وتصور الحياة كلها هذا الاختلاف، فلا مجال حينئذ إلى مشاركة أو تعامل أو حتى تعارف ينشأ عنه قسط من الاهتمام. ومن ثم لا يمكن أن تقوم علاقة أو صحبة أو شركة أو تعاون، أو أخذ وعطاء، أو اهتمام واحتفال بين مؤمن بالله. وآخر أعرض عن ذكره ولم يرد إلا الحياة الدنيا. وكل قول غير هذا فهو محال ومراء، يخالف عن أمر الله: {فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا}.. {ولله ما في السماوات وما في الأرض. ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى}.. وهذا التقرير لملكية الله - وحده - لما في السماوات وما في الأرض، يمنح قضية الآخرة قوة وتأثيراً. فالذي جعل الآخرة وقدرها هو الذي يملك ما في السماوات وما في الأرض وحده، فهو القادر على الجزاء، المختص به، المالك لأسبابه. ومن شأن هذه الملكية أن تحقق الجزاء الكامل العادل:{ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى}.. ثم يحدد الذين أحسنوا هؤلاء، والذين يجزيهم بالحسنى.. فهم: {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش. إلا اللمم}.. وكبائر الإثم هي كبار المعاصي. والفواحش كل ما عظم من الذنب وفحش. واللمم تختلف الأقوال فيه. فابن كثير يقول: وهذا استثناء منقطع لأن اللمم من صغار الذنوب ومحقرات الأعمال. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : إن الله تعالى إذا كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة. فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرْج يصدق ذلك أو يكذبه ". تفسير : وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن ثور، حدثنا معمر، عن الأعمش، عن أبي الضحى أن ابن مسعود قال: زنا العين النظر، وزنا الشفتين التقبيل، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين المشي. ويصدق الفْرج أو يكذبه. فإن تقدم بفرجه كان زانياً وإلا فهو اللمم. وكذا قال مسروق والشعبي. وقال عبد الرحمن بن نافع الذي يقال له ابن لبابة الطائفي، قال: سألت أبا هريرة عن قول الله: {إلا اللمم} قال: القبلة والنظرة والغمزة والمباشرة. فإذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل. وهو الزنا. فهذه أقوال متقاربة في تعريف اللمم. وهناك أقوال أخرى: قال علي بن طلحة عن ابن عباس: {إلا اللمم} إلا ما سلف. وكذا قال زيد بن أسلم. وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة بن منصور، عن مجاهد، أنه قال في هذه الآية: {إلا اللمم} قال: الذي يلم بالذنب ثم يدعه. وقال ابن جرير: حدثنا سليمان بن عبد الجبار: حدثنا أبو عاصم، حدثنا زكريا عن ابن إسحاق، عن عمر بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس: {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم}.. قال هو الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب. وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شعر : إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك ما ألما؟ تفسير : وهكذا رواه الترمذي عن أحمد بن عثمان البصري عن أبي عاصم النبيل. ثم قال: هذا حديث صحيح حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق. وكذا قال البزار لا نعلمه يروى متصلاً إلا من هذا الوجه. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيع. حدثنا يزيد بن زريع. حدثنا يونس، عن الحسن، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - (أراه رفعه) في {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم}. قال: اللمة من الزنا ثم يتوب ولا يعود. واللمة من السرقة ثم يتوب ولا يعود. واللمة من شرب الخمر ثم يتوب ولا يعود. قال: فذلك الإلمام.. وروي مثل هذا موقوفاً على الحسن. فهذه طائفة أخرى من الأقوال تحدد معنى اللمم تحديداً غير الأول. والذي نراه أن هذا القول الأخير أكثر تناسباً مع قوله تعالى بعد ذلك: {إن ربك واسع المغفرة}.. فذكر سعة المغفرة يناسب أن يكون اللمم هو الإتيان بتلك الكبائر والفواحش، ثم التوبة. ويكون الاستثناء غير منقطع. ويكون الذين أحسنوا هم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش. إلا أن يقعوا في شيء منها ثم يعودوا سريعاً ولا يلجوا ولا يصروا. كما قال الله سبحانه: {أية : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون}تفسير : وسمى هؤلاء "المتقين" ووعدهم مغفرة وجنة عرضها السماوات والأرض.. فهذا هو الأقرب إلى رحمة الله ومغفرته الواسعة. وختم الآية بأن هذا الجزاء بالسوءى وبالحسنى مستند إلى علم الله بحقيقة دخائل الناس في أطوارهم كلها. {هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض، وإذْ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم}.. فهو العلم السابق على ظاهر أعمالهم. العلم المتعلق بحقيقتهم الثابتة، التي لا يعلمونها هم، ولا يعرفها إلا الذي خلقهم. علم كان وهو ينشئ أصلهم من الأرض وهم بعد في عالم الغيب. وكان وهم أجنة في بطون أمهاتهم لم يروا النور بعد. علم بالحقيقة قبل الظاهر. وبالطبيعة قبل العمل. ومن كانت هذه طبيعة علمه يكون من اللغو - بل من سوء الأدب - أن يعرّفه إنسان بنفسه، وأن يعلمه - سبحانه - يحقيقته! وأن يثني على نفسه أمامه يقول له: أنا كذا وأنا كذا: {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى}.. فما هو بحاجة إلى أن تدلوه على أنفسكم، ولا أن تزنوا له أعمالكم؛؛ فعنده العلم الكامل. وعنده الميزان الدقيق. وجزاؤه العدل. وقوله الفصل. وإليه يرجع الأمر كله. بعد ذلك يجيء المقطع الأخير في السورة. في إيقاع كامل التنغيم، أشبه بإيقاع المقطع الأول. يقرر الحقائق الأساسية للعقيدة كما هي ثابتة منذ إبراهيم صاحب الحنيفية الأولى. ويعرف البشر بخالقهم، بتعليمهم بمشيئته الفاعلة المبدعة المؤثرة في حياتهم ويعرض آثارها واحداً واحداً بصورة تلمس الوجدان البشري وتذكره وتهزه هزاً عميقاً.. حتى إذا كان الختام وكان الإيقاع الأخير تلقته المشاعر مرتجفة مرتعشة متأثرة مستجيبة: {أفرأيت الذي تولى، وأعطى قليلاً وأكدى؟ أعنده علم الغيب فهو يرى؟ أم لم ينبأ بما في صحف موسى، وإبراهيم الذي وفَّى. ألاّ تزر وازرة وزر أخرى. وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. وأن سعيه سوف يرى. ثم يجزاه الجزآء الأوفى. وأن إلى ربك المنتهى. وأنه هو أضحك وأبكى. وأنه هو أمات وأحيا. وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى. وأن عليه النشأة الأخرى، وأنه هو أغنى وأقنى. وأنه هو رب الشعرى. وأنه أهلك عاداً الأولى. وثمود فمآ أبقى. وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى. والمؤتفكة أهوى. فغشاها ما غشى. فبأي آلاء ربك تتمارى؟ {هـذا نذير من النذر الأولى. أزفت الآزفة. ليس لها من دون الله كاشفة. أفمن هـذا الحديث تعجبون، وتضحكون ولا تبكون، وأنتم سامدون؟ {فاسجدوا لله واعبدوا}.. وذلك {الذي تولى، وأعطى قليلاً وأكدى}.. الذي يعجِّب الله من أمره الغريب، تذكر بعض الروايات أنه فرد معين مقصود، وأنفق قليلاً في سبيل الله، ثم انقطع عن البذل خوفاً من الفقر. ويحدد الزمخشري في تفسيره "الكشاف" شخصه، أنه عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ويذكر في ذلك قصة، لا يستند فيها إلى شيء، ولا يقبلها من يعرف عثمان - رضي الله عنه - وطبيعته وبذله الكثير الطويل في سبيل الله بلا توقف وبلا حساب كذلك؛ وعقيدته في الله وتصوره لتبعة العمل وفرديته. وقد يكون المقصود شخصاً بذاته. وقد يكون نموذجاً من الناس سواء. فالذي يتولى عن هذا النهج، ويبذل من ماله أو من نفسه لهذه العقيدة ثم يكدي - أي يضعف عن المواصلة ويكف - أمره عجيب، يستحق التعجيب ويتخذ القرآن من حاله مناسبة لعرض حقائق العقيدة وتوضيحها. {أعنده علم الغيب فهو يرى؟}.. والغيب لله. لا يراه أحد سواه. فلا يأمن الإنسان ما خبئ فيه؛ وعليه أن يواصل عمله وبذله، وأن يعيش حذراً موفياً طوال حياته؛ وألا يبذل ثم ينقطع، ولا ضمان له في الغيب المجهول إلا حذره وعمله ووفاؤه، ورجاؤه بهذا كله في مغفرة الله وقبوله. {أم لم ينبأ بما في صحف موسى، وإبراهيم الذي وفَّى...}.. وهذا الدين قديم، موصولة أوائله وأواخره، ثابتة أصوله وقواعده، يصدّق بعضه بعضاً على توالي الرسالات والرسل، وتباعد المكان والزمان. فهو في صحف موسى. وهو في ملة إبراهيم قبل موسى. إبراهيم الذي وفَّى. وفَّى بكل شيء. وفَّى وفاء مطلقاً استحق به هذا الوصف المطلق. ويذكر الوفاء هنا في مقابل الإكداء والانقطاع، ويذكر بهذه الصيغة {وفَّى} بالتشديد تنسيقاً للإيقاع المنغم وللقافية المطردة. فماذا في صحف موسى، وإبراهيم الذي وفَّى؟ فيها: {ألا تزر وازرة وزر أخرى}.. فلا تحمل نفس حمل أخرى؛ لا تخفيفاً عن نفس ولا تثقيلاً على أخرى. فلا تملك نفس أن تتخفف من حملها ووزرها. ولا تملك نفس أن تتطوع فتحمل عن نفس شيئاً! {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}.. كذلك. فما يحسب للإنسان إلا كسبه وسيعه وعمله. لا يزاد عليه شيء من عمل غيره. ولا ينقص منه شيء ليناله غيره. وهذه الحياة الدنيا هي الفرصة المعطاة له ليعمل ويسعى: فإذا مات ذهبت الفرصة وانقطع العمل. إلا ما نص عليه حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله: "حديث : إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من ولد صالح يدعو له. أو صدقة جارية من بعده. أو علم ينتفع به"تفسير : .. وهذه الثلاثة في حقيقتها من عمله. ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي - رحمه الله - ومن اتبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى، لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم. ولهذا لم يندب إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمته، ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة - رضي الله عنهم - ولو كان خيراً لسبقونا إليه. وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء. فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما ومنصوص من الشارع عليهما.. {وأن سعيه سوف يرى. ثم يجزاه الجزاء الأوفى}.. فلن يضيع شيء من السعي والعمل والكسب؛ ولن يغيب شيء عن علم الله وميزانه الدقيق. وسينال كل امرئ جزاء سعيه وافياً كاملاً لا نقص فيه ولا ظلم. وكذلك يتحدد مبدأ فردية التبعة، إلى جانب عدالة الجزاء. فتتحقق للإنسان قيمته الإنسانية. القائمة على اعتباره مخلوقاً راشداً مسؤولاً مؤتمناً على نفسه؛ كريماً تتاح له الفرصة للعمل ثم يؤخذ بما عمل وتتحقق له كذلك الطمأنينة على عدالة الجزاء. عدالة مطلقة لا يميل بها الهوى، ولا يقعد بها القصور، ولا ينقص منها الجهل بحقائق الأمور. {وأن إلى ربك المنتهى}.. فلا طريق إلا الطريق الذي ينتهي إليه. ولا ملجأ من دونه. ولا مأوى إلا داره: في نعيم أو جحيم.. ولهذه الحقيقة قيمتها وأثرها في تكييف مشاعر الإنسان وتصوره فحين يحس أن المنتهى إلى الله منتهى كل شيء وكل أمر. وكل أحد. فإنه يستشعر من أول الطريق نهايته التي لا مفر منها ولا محيص عنها. ويصوغ نفسه وعمله وفق هذه الحقيقة؛ أو يحاول في هذا ما يستطيع. ويظل قلبه ونظره معلقين بتلك النهاية منذ أول الطريق! وبعدما يصل السياق بالقلب البشري إلى نهاية المطاف يكر راجعاً به إلى الحياة، يريه فيها آثار مشيئة الله. في كل مرحلة، وفي كل حال: {وأنه هو أضحك وأبكى}.. وتحت هذا النص تكمن حقائق كثيرة. ومن خلاله تنبعث صور وظلال موحية مثيرة.. أضحك وأبكى.. فأودع هذا الإنسان خاصية الضحك وخاصية البكاء. وهما سر من أسرار التكوين البشري لا يدري أحد كيف هما، ولا كيف تقعان في هذا الجهاز المركب المعقد، الذي لا يقل تركيبه وتعقيده النفسي عن تركيبه وتعقيده العضوي. والذي تتداخل المؤثرات النفسية والمؤثرات العضوية فيه وتتشابكان وتتفاعلان في إحداث الضحك وإحداث البكاء. وأضحك وأبكى.. فأنشأ للإنسان دواعي الضحك ودواعي البكاء. وجعله - وفق أسرار معقدة فيه - يضحك لهذا ويبكي لهذا. وقد يضحك غداً مما أبكاه اليوم. ويبكي اليوم مما أضحكه بالأمس. في غير جنون ولا ذهول إنما هي الحالات النفسية المتقلبة. والموازين والدواعي والدوافع والاعتبارات التي لا تثبت في شعوره على الحال! وأضحك وأبكى.. فجعل في اللحظة الواحدة ضاحكين وباكين. كل حسب المؤثرات الواقعة عليه. وقد يضحك فريق مما يبكي منه فريق. لأن وقعه على هؤلاء غير وقعه على أولئك.. وهو هو في ذاته. ولكنه بملابساته بعيد من بعيد! وأضحك وأبكى. من الأمر الواحد صاحبه نفسه. يضحك اليوم من الأمر ثم تواجهه عاقبته غداً أو جرائره فإذا هو باك. يتمنى أن لم يكن فعل وأن لم يكن ضحك وكم من ضاحك في الدنيا باك في الآخرة حيث لا ينفع البكاء! هذه الصور والظلال والمشاعر والأحوال.. وغيرها كثير تنبثق من خلال النص القصير، وتتراءى للحس والشعور. وتظل حشود منها تنبثق من خلاله كلما زاد رصيد النفس من التجارب؛ وكلما تجددت عوامل الضحك والبكاء في النفوس - وهذا هو الإعجاز في صورة من صوره الكثيرة في هذا القرآن. {وأنه هو أمات وأحيا}.. وكذلك تنبثق من هذا النص صور لا عداد لها في الحس. أمات وأحيا.. أنشأ الموت والحياة، كما قال في سورة أخرى: {أية : الذي خلق الموت والحياة}تفسير : وهما أمران معروفان كل المعرفة بوقوعهما المتكرر. ولكنهما خافيان كل الخفاء حين يحاول البشر أن يعرفوا طبيعتهما وسرهما الخافي على الأحياء.. فما الموت؟ وما الحياة؟ ما حقيقتهما حين يتجاوز الإنسان لفظهما وشكلهما الذي يراه؟ كيف دبت الحياة في الكائن الحي؟ ما هي؟ ومن أين جاءت؟ وكيف تلبست بهذا الكائن فكان؟ وكيف سارت في طريقها الذي سارت فيه بهذا الكائن أو بهذه الكائنات الأحياء؟ وما الموت؟ وكيف كان.. قبل دبيب الحياة. وبعد مفارقتها للأحياء؟ إنه السر الخافي وراء الستر المسبل، بيد الله! أمات وأحيا.. وتنبثق ملايين الصور من الموت والحياة. في عوالم الأحياء كلها. في اللحظة الواحدة. في هذه اللحظة. كم ملايين الملايين من الأحياء ماتت. وكم ملايين الملايين بدأت رحلة الحياة. ودب فيها هذا السر من حيث لا تعلم ومن حيث لا يعلم أحد إلا الله! وكم من ميتات وقعت فإذا هي ذاتها بواعث حياة! وكم من هذه الصور يتراءى على مدار القرون، حين يستغرق الخيال في استعراض الماضي الطويل، الذي كان قبل أن يكون الإنسان كله على هذا الكوكب. وندع ما يعلمه الله في غير هذا الكوكب من أنواع الموت والحياة التي لا تخطر على بال الإنسان! إنها حشود من الصور وحشود، تطلقها هذه الكلمات القلائل، فتهز القلب البشري من أعماقه. فلا يتمالك نفسه ولا يتماسك تحت إيقاعاتها المنوعة الأصداء! {وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تُمنى}.. وهي الحقيقة الهائلة الواقعة المتكررة في كل لحظة. فينساها الإنسان لتكرارها أمام عينيه، وهي أعجب من كل عجيبة تبدعها شطحات الخيال! نطفة تمنى.. تراق.. إفراز من إفرازات هذا الجسد الإنساني الكثيرة كالعرق والدمع والمخاط! فإذا هي بعد فترة مقدورة في تدبير الله.. إذا هي ماذا؟ إذا هي إنسان! وإذا هذا الإنسان ذكر وأنثى! كيف؟ كيف تمت هذه العجيبة التي لم تكن - لولا وقوعها - تخطر على الخيال؟ وأين كان هذا الإنسان المركب الشديد التركيب، المعقد الشديد التعقيد؟ أين كان كامناً في النقطة المراقة من تلك النطفة. بل في واحد من ملايين من أجزائها الكثيرة؟ أين كان كامناً بعظمه ولحمه وجلده، وعروقه وشعره وأظافره. وسماته وشياته وملامحه. وخلائقه وطباعه واستعداداته؟! أين كان في هذه الخلية الميكروسكوبية السابحة هي وملايين من أمثالها في النقطة الواحدة من تلك النطفة التي تمنى؟! وأين على وجه التخصيص كانت خصائص الذكر وخصائص الأنثى في تلك الخلية. تلك التي انبثقت وأعلنت عن نفسها في الجنين في نهاية المطاف؟! وأي قلب بشري يقف أمام هذه الحقيقة الهائلة العجيبة. ثم يتمالك أو يتماسك. فضلاً على أن يجحد ويتبجح، ويقول: إنها وقعت هكذا والسلام! وسارت في طريقها هكذا والسلام! واهتدت إلى خطها المرسوم هكذا والسلام! أو يتعالم فيقول: إنها سارت هذه السيرة بحكم ما ركب فيها من استعداد لإعادة نوعها، شأنها شأن سائر الأحياء المزودة بهذا الاستعداد! فهذا التفسير يحتاج بدوره إلى تفسير. فمن ذا أودعها هذا الاستعداد؟ من ذا أودعها الرغبة الكامنة في حفظ نوعها بإعادته مرة أخرى؟ ومن ذا أودعها القدرة على إعادته وهي ضعيفة ضئيلة؟ ومن ذا رسم لها الطريق لتسير فيه على هدى، وتحقق هذه الرغبة الكامنة؟ ومن ذا أودع فيها خصائص نوعها لتعيدها؟ وما رغبتها هي وما مصلحتها في إعادة نوعها بهذه الخصائص؟ لولا أن هنالك إرادة مدبرة من ورائها تريد أمراً، وتقدر عليه، وترسم له الطريق؟! ومن النشأة الأولى. وهي واقعة مكرورة لا ينكرها منكر، يتجه مباشرة إلى النشأة الأخرى. {وأن عليه النشأة الأخرى}.. والنشأة الأخرى غيب. ولكن عليه من النشأة الأولى دليل. دليل على إمكان الوقوع. فالذي خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى، قادر - ولا شك - على إعادة الخلق من عظام ورفات. فليست العظام والرفات بأهون من الماء المراق! ودليل على حكمة الوقوع. فهذا التدبير الخفي الذي يقود الخلية الحية الصغيرة في طريقها الطويل الشاق حتى تكون ذكراً أو أنثى. هذا التدبير لا بد أن يكون مداه أبعد من رحلة الأرض التي يتم فيها شيء كامل؛ ولا يجد المحسن جزاء إحسانه كاملاً، ولا المسيء جزاء إساءته كاملاً كذلك. لأن في حساب هذا التدبير نشأة أخرى يبلغ فيها كل شيء تمامه. فدلالة النشأة الأولى على النشأة الأخرى مزدوجة. ومن هنا جاء ذكرها هكذا قبل النشأة الأخرى.. وفي النشأة الأولى. وفي النشأة الأخرى. يغني الله من يشاء من عباده ويُقنيه: {وأنه هو أغنى وأقنى}.. أغنى من عباده من شاء في الدنيا بأنواع الغنى وهي شتى. غنى المال. وغنى الصحة. وغنى الذرية. وغنى النفس. وغنى الفكر. وغنى الصلة بالله والزاد الذي ليس مثله زاد. وأغنى من عباده من شاء في الآخرة من غنى الآخرة! وأقنى من شاء من عباده. من كل ما يقتنى في الدنيا كذلك وفي الآخرة! والخلق فقراء ممحلون. لا يغتنون ولا يقتنون إلا من خزائن الله. فهو الذي أغنى. وهو الذي أقنى. وهي لمسة من واقع ما يعرفون وما تتعلق به أنظارهم وقلوبهم هنا وهناك. ليتطلعوا إلى المصدر الوحيد. ويتجهوا إلى الخزائن العامرة وحدها، وغيرها خواء! {وأنه هو رب الشعرى}.. والشعري نجم أثقل من الشمس بعشرين مرة، ونوره خمسون ضعف نور الشمس. وهي أبعد من الشمس بمليون ضعف بعد الشمس عنا. وقد كان هناك من يعبد هذا النجم. وكان هناك من يرصده كنجم ذي شأن. فتقرير أن الله هو رب الشعرى له مكانه في السورة التي تبدأ بالقسم بالنجم إذا هوى؛وتتحدث عن الرحلة إلى الملأ الأعلى؛ كما تستهدف تقرير عقيدة التوحيد، ونفي عقيدة الشرك الواهية المتهافتة. وبهذا تنتهي تلك الجولة المديدة في الأنفس والآفاق، لتبدأ بعدها جولة في مصارع الغابرين، بعدما جاءتهم النذر فكذبوا بها كما يكذب المشركون. وهي جولة مع قدرة الله ومشيئته وآثارها في الأمم قبلهم واحدة واحدة. {وأنه أهلك عاداً الأولى. وثمود فمآ أبقى. وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى. والمؤتفكة أهوى. فغشاها ما غشى. فبأي آلاء ربك تتمارى؟} إنها جولة سريعة. تتألف من وقفة قصيرة على مصرع كل أمة، ولمسة عنيفة تخز الشعور وخزاً. وعاد وثمود وقوم نوح يعرفهم قارئ القرآن في مواضع شتى! والمؤتفكة هي أمة لوط. ومن الإفك والبهتان والضلال.. وقد أهواها في الهاوية وخسف بها {فغشاها ما غشى}.. بهذا التجهيل والتضخيم والتهويل، الذي تتراءى من خلاله صور الدمار والخسف والتنكيل، الذي يشمل كل شيء ويغشاه فلا يبين! {فبأي آلاء ربك تتمارى؟}.. فلقد كانت إذن تلك المصارع آلاء لله وأفضالاً. ألم يهلك الشر؟ ألم يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق؟ ألم يترك فيها آيات لمن يتدبر ويعي؟ أليست هذه كلها آلاء. فبأي آلاء ربك تتمارى! الخطاب لكل أحد. ولكل قلب، ولكل من يتدبر صنع الله فيرى النعمة حتى في البلوى! وعلى مصارع الغابرين المكذبين بالنذر - بعد استعراض مظاهر المشيئة وآثارها في الأنفس والآفاق - يلقي بالإيقاع الأخير قوياً عميقاً عنيفاً. كأنه صيحة الخطر قبيل الطامة الكبرى: {هذا نذير من النذر الأولى. أزفت الآزفة. ليس لها من دون الله كاشفة}.. هذا الرسول الذي تتمارون في رسالته وفي نذارته. هذا نذير من النذر الأولى التي أعقبها ما أعقبها! وقد ازفت الآزفة. واقتربت كاسحة جارفة. وهي الطامة والقارعة التي جاء هذا النذير يحذركم إياها أو هو هول العذاب الذي لا يعلم إلا الله نوعه وموعده. ولا يملك إلا الله كشفه ودفعه: {ليس لها من دون الله كاشفة}.. وبينما الخطر الداهم قريب. والنذير الناصح يدعوكم إلى النجاة. إذا أنتم سادرون لاهون لا تقدرون الموقف ولا تفيقون. {أفمن هذا الحديث تعجبون؟ وتضحكون ولا تبكون؟ وأنتم سامدون...}.. وهذا الحديث جد عظيم يلقي على كاهل الناس واجبات ضخمة وفي الوقت ذاته يقودهم إلى المنهج الكامل. فهم يعجبون؟ ومم يضحكون؟ وهذا الجد الصارم، وهذه التبعات الكبيرة، وما ينتظر الناس من حساب على حياتهم في الأرض.. كله يجعل البكاء أجدر بالموقف الجد، وما وراءه من الهول والكرب.. وهنا يرسلها صيحة مدوية، ويصرخ في آذانهم وقلوبهم، ويهتف بهم إلى ما ينبغي أن يتداركوا به أنفسهم، وهم على حافة الهاوية: {فاسجدوا لله واعبدوا}. وإنها لصيحة مزلزلة مذهلة في هذا السياق، وفي هذه الظلال، وبعد هذا التمهيد الطويل، الذي ترتعش له القلوب: ومن ثم سجدوا. سجدوا وهم مشركون. وهم يمارون في الوحي والقرآن. وهم يجادلون في الله والرسول! سجدوا تحت هذه المطارق الهائلة التي وقعت على قلوبهم والرسول - صلى الله عليه وسلم - يتلو هذه السورة عليهم. وفيهم المسلمون والمشركون. ويسجد فيسجد الجميع. مسلمين ومشركين. لا يملكون أن يقاوموا وقع هذا القرآن؛ ولا أن يتماسكوا لهذا السلطان.. ثم أفاقوا بعد فترة فإذا هم في ذهول من سجودهم كذهولهم وهم يسجدون! بهذا تواترت الروايات. ثم افترقت في تعليل هذا الحادث الغريب. وما هو في الحقيقة بالغريب. فهو تأثير هذا القرآن العجيب ووقعه الهائل في القلوب! هذا الحادث الذي تواترت به الروايات. حادث سجود المشركين مع المسلمين. كان يحتاج عندي إلى تعليل. قبل أن تقع لي تجربة شعورية خاصة عللته في نفسي، وأوضحت لي سببه الأصيل. وكنت قد قرأت تلك الروايات المفتراة عما سمي بحديث الغرانيق، الذي أورده ابن سعد في طبقاته، وابن جرير الطبري في تاريخه. وبعض المفسرين عند تفسيرهم لقوله تعالى: {أية : ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان، ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم.. الخ}تفسير : وهي الروايات التي قال فيها ابن كثير - جزاه الله خيراً - "ولكنها من طرق كلها مرسلة. ولم أرها مسندة من وجه صحيح". وأكثر هذه الروايات تفصيلاً وأقلها إغراقاً في الخرافة والافتراء على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رواية ابن أبي حاتم. قال: حدثنا موسى بن ابي موسى الكوفي، حدثنا محمد بن اسحاق الشيبي، حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب. قال: أنزلت سورة النجم، وكان المشركون يقولون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه؛ ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر. وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قد اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم، وأحزنه ضلالهم؛ فكان يتمنى هداهم. فلما أنزل الله سورة النجم قال: {أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى؟} ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر الله الطواغيت فقال: وإنهن لهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى.. وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته.. فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة. وزلت بها ألسنتهم. وتباشروا بها. وقالوا: إن محمداً قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه.. فلما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آخر النجم سجد، وسجد كل من حضره من مسلم أو مشرك. غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلاً كبيراً فرفع ملء كفه تراباً فسجد عليه. فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود لسجود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأما المسلمون فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين. ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان في مسامع المشركين.. فاطمأنت أنفسهم - أي المشركون - لما ألقى الشيطان في أمنية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحدثهم به الشيطان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قرآها في السورة، فسجدوا لتعظيم آلهتهم. ففشت تلك الكلمة في الناس وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين: عثمان بن مظعون وأصحابه. وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، وصلوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبلغهم سجود الوليد بن المغيرة على التراب على كفه، وحدثوا أن المسلمين قد أمنوا بمكة، فأقبلوا سراعاً، وقد نسخ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته، وحفظه من الفرية. وقال: {أية : ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي.. الخ}تفسير : فلما بين الله قضاءه وبرأه من سجع الشيطان، انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم على المسلمين، واشتدوا عليهم".. انتهى وهناك روايات أخرى أجرأ على الافتراء تنسب قولة الغرانيق.. تلك.. إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتعلل هذا برغبته - حاشاه صلى الله عليه وسلم - في مراضاة قريش ومهادنتها!!! وقد رفضت منذ الوهلة الأولى تلك الروايات جميعاً.. فهي فضلاً عن مجافاتها لعصمة النبوة وحفظ الذكر من العبث والتحريف، فإن سياق السورة ذاته ينفيها نفياً قاطعاً. إذ أنه يتصدى لتوهين عقيدة المشركين في هذه الآلهة وأساطيرهم حولها. فلا مجال لإدخال هاتين العبارتين في سياق السورة بحال. حتى على قول من قال: إن الشيطان ألقى بهما في أسماع المشركين دون المسلمين. فهؤلاء المشركون كانوا عرباً يتذوقون لغتهم. وحين يسمعون هاتين العبارتين المقحمتين ويسمعون بعدهما: {ألكم الذكر وله الأنثى؟ تلك إذاً قسمة ضيزى. إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم، مآ أنزل الله بها من سلطان.. الخ}. ويسمعون بعد ذلك {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى وما لهم به من علم. إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً}.. ويسمعون قبله: {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشآء ويرضى}.. حين يسمعون هذا السياق كله فإنهم لا يسجدون مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأن الكلام لا يستقيم. والثناء على آلهتهم وتقرير أن لها شفاعة ترتجى لا يستقيم. وهم لم يكونوا أغبياء كغباء الذين افتروا هذه الروايات، التي تلقفها منهم المستشرقون مغرضين أو جاهلين! لغير هذا السبب إذن سجد المشركون. ولغير هذا السبب عاد المهاجرون من الحبشة ثم عادوا إليها بعد حين مع آخرين. وليس هنا مجال تحقيق سبب عودة المهاجرين، ثم عودتهم إلى الحبشة مع آخرين.. فأما أمر السجود فهو الذي نتصدى له في هذه المناسبة.. لقد بقيت فترة أبحث عن السبب الممكن لهذا السجود. ويخطر لي احتمال أنه لم يقع؛ وإنما هي رواية ذكرت لتعليل عودة المهاجرين من الحبشة بعد نحو شهرين أو ثلاثة. وهو أمر يحتاج إلى التعليل. وبينما انا كذلك وقعت لي تلك التجربة الشعورية الخاصة التي أشرت إليها من قبل.. كنت بين رفقة نسمر حينما طرق أسماعنا صوت قارئ للقرآن من قريب، يتلو سورة النجم. فانقطع بيننا الحديث، لنستمع وننصت للقرآن الكريم. وكان صوت القارئ مؤثراً وهو يرتل القرآن ترتيلاً حسناً. وشيئاً فشيئاً عشت معه فيما يتلوه. عشت مع قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - في رحلته إلى الملأ الأعلى. عشت معه وهو يشهد جبريل - عليه السلام - في صورته الملائكية التي خلقه الله عليها. ذلك الحادث العجيب المدهش حين يتدبره الإنسان ويحاول تخيله! وعشت معه وهو في رحلته العلوية الطليقة. عند سدرة المنتهى. وجنة المأوى. عشت معه بقدر ما يسعفني خيالي، وتحلق بي رؤاي، وبقدر ما تطيق مشاعري وأحاسيسي.. وتابعته في الإحساس بتهافت أساطير المشركين حول الملائكة وعبادتها وبنوتها وأنوثتها.. إلى آخر هذه الأوهام الخرفة المضحكة، التي تتهاوى عند اللمسة الأولى ووقفت أمام الكائن البشري ينشأ من الأرض، وأمام الأجنة في بطون الأمهات. وعلم الله يتابعها ويحيط بها. وارتجف كياني تحت وقع اللمسات المتتابعة في المقطع الأخير من السورة.. الغيب المحجوب لا يراه إلا الله. والعمل المكتوب لا يند ولا يغيب عن الحساب والجزاء. والمنتهى إلى الله في نهاية كل طريق يسلكه العبيد. والحشود الضاحكة والحشود الباكية. وحشود الموتى. وحشود الأحياء. والنطفة تهتدي في الظلمات إلى طريقها، وتخطو خطواتها وتبرز أسرارها فإذا هي ذكر أو أنثى. والنشأة الأخرى. ومصارع الغابرين. والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى! واستمعت إلى صوت النذير الأخير قبل الكارثة الداهمة: {هذا نذير من النذر الأولى. أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة}.. ثم جاءت الصيحة الأخيرة. واهتز كياني كله أمام التبكيت الرعيب: {أفمن هذا الحديث تعجبون. وتضحكون ولا تبكون. وأنتم سامدون؟}. فلما سمعت: {فاسجدوا لله واعبدوا}.. كانت الرجفة قد سرت من قلبي حقاً إلى أوصالي. واستحالت رجفة عضلية مادية ذات مظهر مادي، لم أملك مقاومته. فظل جسمي كله يختلج، ولا أتمالك أن أثبته، ولا أن أكفكف دموعاً هاتنة، لا أملك احتباسها مع الجهد والمحاولة! وأدركت هذه اللحظة أن حادث السجود صحيح، وأن تعليله قريب. إنه كامن في ذلك السلطان العجيب لهذا القرآن، ولهذه الإيقاعات المزلزلة في سياق هذه السورة. ولم تكن هذه أول مرة أقرأ فيها سورة النجم أو أسمعها. ولكنها في هذه المرة كان لها هذا الوقع، وكانت مني هذه الإستجابة.. وذلك سر القرآن.. فهناك لحظات خاصة موعودة غير مرقوبة تمس الآية أو السورة فيها موضع الإستجابة؛ وتقع اللمسة التي تصل القلب بمصدر القوة فيها والتأثير. فيكون منها ما يكون! لحظة كهذه مست قلوب الحاضرين يومها جميعاً. ومحمد - صلى الله عليه وسلم - يقرأ هذه السورة يقرؤها بكيانه كله. ويعيش في صورها التي عاشها من قبل بشخصه. وتنصب كل هذه القوة الكامنة في السورة من خلال صوت محمد - صلى الله عليه وسلم - في أعصاب السامعين. فيرتجفون ويسمعون: {فاسجدوا لله واعبدوا} ويسجد محمد والمسلمون.. فيسجدون.. ولقد يقال: إنك تقيس على لحظة مرت بك، وتجربة عانيتها أنت. وأنت مسلم. تعتقد بهذا القرآن. وله في نفسك تأثير خاص.. وأولئك كانوا مشركين يرفضون الإيمان ويرفضون القرآن! ولكن هنالك اعتبارين لهما وزنهما في مواجهة هذا الذي يقال: الاعتبار الاول: أن الذي كان يقرأ السورة كان هو محمد - صلى الله عليه وسلم - النبي. الذي تلقى هذا القرآن مباشرة من مصدره. وعاشه وعاش به. وأحبه حتى لكان يثقل خطاه إذا سمع من يرتله داخل داره، ويقف إلى جانب الباب يسمع له حتى ينتهي! وفي هذه السورة بالذات كان يعيش لحظات عاشها في الملأ الأعلى. وعاشها مع الروح الأمين وهو يراه على صورته الأولى.. فأما أنا فقد كنت أسمع السورة من قارئ. والفارق ولا شك هائل! والاعتبار الثاني: أن أولئك المشركين لم تكن قلوبهم ناجية من الرعشة والرجفة، وهم يستمعون إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - إنما كان العناد المصطنع هو الذي يحول بينهم وبين الإذعان.. والحادثان التاليان شاهد على ما كان يخالج قلوبهم من الارتعاش. روى ابن عساكر في ترجمة عتبة بن أبي لهب، من طريق محمد بن اسحاق، عن عثمان بن عروة، ابن الزبير، عن أبيه، عن هناد بنت الأسود، قال: "حديث : كان أبو لهب وابنه عتبة قد تجهزوا إلى الشام، فتجهزت معهما، فقال ابنه عتبة: والله لأنطلقن إلى محمد، ولأوذينه في ربه (سبحانه وتعالى). فانطلق حتى أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا محمد. هو يكفر بالذي دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم سلط عليه كلباً من كلابك".. ثم انصرف عنه، فرجع إلى أبيه، فقال: يا بني، ما قلت له؟ فذكر له ما قاله. فقال: فما قال لك؟ قال: اللهم سلط عليه كلباً من كلابك. قال: يا بني والله ما آمن عليك دعاءه! فسرنا حتى نزلنا أبراه - وهي في سدة - ونزلنا إلى صومعة راهب. فقال الراهب: يا معشر العرب، ما أنزلكم هذه البلاد؟ فإنها يسرح فيها الأسد كما تسرح الغنم! فقال أبو لهب: إنكم قد عرفتم كبر سني وحقي؛ وإن هذا الرجل قد دعا على ابني دعوة والله ما آمنها عليه، فاجمعوا متاعكم إلى هذه الصومعة، وافرشوا لابني عليها، ثم افرشوا حولها. ففعلنا. فجاء الأسد فشم وجوهنا، فلما لم يجد ما يريد تقبض فوثب وثبة فوق المتاع، فشم وجهه، ثم هزمه هزمة ففسخ رأسه. فقال: أبو لهب: قد عرفت أنه لا ينفلت عن دعوة محمد! " تفسير : هذا هو الحادث الأول صاحبه أبو لهب. أشد المخاصمين لمحمد - صلى الله عليه وسلم - المناوئين له، المؤلبين عليه هو وبيته. المدعو عليه في القرآن هو وبيته: {أية : تبت يدآ أبي لهب وتب. مآ أغنى عنه ماله وما كسب. سيصلى ناراً ذات لهب. وامرأته حمالة الحطب. في جيدها حبل من مسد}تفسير : وذلك شعوره الحقيقي تجاه محمد وقول محمد. وتلك ارتجافة قلبه ومفاصله أمام دعوة محمد - صلى الله عليه وسلم - على ابنه. والحادث الثاني: صاحبه عتبة بن أبي ربيعة. وقد أرسلته قريش إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - يفاوضه في الكف عن هذا الذي فرق قريشاً وعاب آلهتهم، على أن يكون له منهم ما يريد من مال أو رياسة أو زواج. فلما انتهى من عرضه قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : أفرغت يا أبا الوليد"تفسير : قال: نعم. قال: "حديث : فاستمع مني"تفسير : . قال: أفعل. قال: {أية : بسم الله الرحمن الرحيم. حم. تنزيل من الرحمن الرحيم. كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون. بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون}تفسير : ثم مضى حتى قوله تعالى: {أية : فإن أعرضوا فقل: أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود}تفسير : عندئذ هب عتبة يمسك بفم النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذعر وهو يقول: ناشدتك الرحم أن تكف.. وعاد إلى قريش يقص عليهم الأمر. ويعقب عليه يقول: وقد علمتم أن محمداً إذ قال شيئاً لم يكذب، فخشيت أن ينزل بكم العذاب. فهذا شعور رجل لم يكن قد أسلم. والارتجاف فيه ظاهر. والتأثر المكبوت أمام العناد والمكابرة ظاهر. ومثل هؤلاء إذا استمعوا إلى سورة النجم من محمد - صلى الله عليه وسلم - فأقرب ما يحتمل أن تصادف قلوبهم لحظة الاستجابة التي لا يملكون أنفسهم إزاءها. وأن يؤخذوا بسلطان هذا القرآن فيسجدوا مع الساجدين.. بلا غرانيق ولا غيرها من روايات المفترين!
ابن عاشور
تفسير : كلام موجه من الله تعالى إلى المشركين الطاعنين في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم و{النجم}: الكوكب أي الجرم الذي يبدو للناظرين لامعاً في جو السماء ليلاً. أقسم الله تعالى بعظيم من مخلوقاته دال على عظيم صفات الله تعالى. وتعريف {النجم} باللام، يجوز أن يكون للجنس كقوله: {أية : وبالنجم هم يهتدون}تفسير : [النحل: 16] وقوله:{أية : والنجمُ والشجر يسجدان}تفسير : [الرحمٰن: 6]، ويحتمل تعريف العهد. وأشهر النجوم بإطلاق اسم النجم عليه الثريّا لأنهم كانوا يوقتون بأزمان طلوعها مواقيت الفصول ونضج الثمار، ومن أقوالهم: طلع النَّجم عِشاءَ فابتغى الراعي كمساءَ طَلع النجم غُذَيَّة وابتغى الراعي شُكَية (تصغير شَكْوة وعاءٍ من جلد يوضع فيه الماء واللبن) يعنون ابتداء زمن البرد وابتداء زمن الحرّ. وقيل {النجم}: الشعرى اليمانية وهي العبورُ وكانت معظمة عند العرب وعَبدتْها خُزاعة. ويجوز أن يكون المراد بـــ {النجم}: الشهاب، وبهُويه: سقوطه من مكانه إلى مكان آخر، قال تعالى: {أية : إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظاً من كل شيطان مارد}تفسير : [الصافات: 6، 7] وقال: {أية : ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين}تفسير : [الملك: 5]. والقَسَم بــــ {النجم} لما في خَلقه من الدلالة على عظيم قدرة الله تعالى، ألا ترى إلى قول الله حكاية عن إبراهيم {أية : فلما جَنّ عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي}تفسير : [الأنعام: 76]. وتقييد القَسَم بالنجم بوقت غروبه لإِشعار غروب ذلك المخلوق العظيم بعد أَوْجه في شرف الارتفاع في الأفق على أنه تسخير لقدرة الله تعالى، ولذلك قال إبراهيم: {أية : لا أحب الآفلين}تفسير : [الأنعام: 76]. والوجه أن يكون {إذا هوى} بدل اشتمال من النجم، لأن المرَاد من النجم أحواله الدالة على قدرة خالقه ومصرفه ومن أعظم أحواله حال هُويِّه، ويكون {إذا} اسم زمان مجرداً عن معنى الظرفية في محل جر بحرف القسم، وبذلك نتفادى من إشكال طَلب متعلق {إذَا} وهو إشكال أورده العلامة الجَنْزِي على الزمخشري، قال الطيبي وفي «المقتبس» قال الجَنْزِي: «فاوضتُ جارَ الله في قوله تعالى: {والنجم إذا هوى} ما العامل في {إذا}؟ فقال: العامل فيه ما تعلّق به الواو، فقلت: كيف يعمل فعل الحال في المستقبل وهذا لأن معنا أُقسم الآن، وليس معناه أُقسم بعد هذا فرجع وقال: العامل فيه مصدر محذوف تقديره: وهُوِيّ النجم إذا هَوَى، فعرضته على زين المشائخ فلم يستحسن قوله الثاني. والوجه أن {إذا} قد انسلخ عنه معنى الاستقبال وصار للوقت المجرد، ونحوه: آتيك إذا احمرّ البسر، أي وقت احمراره فقد عُرّي عن معنى الاستقبال لأنه وقعت الغنية عنه بقوله: آتيك اهــــ. كلام الطيبي، فقوله: فالوجه يحتمل أن يكون من كلام زين المشائخ أو من كلام صاحب «المقتبس» أو من كلام الطيبي، وهو وجيه وهو أصل ما بنينا عليه موقع {إذَا} هنا، وليس تردد الزمخشري في الجواب إلا لأنه يلتزم أن يكون {إذَا} ظرفاً للمستقبل كما هو مقتضى كلامه في «المفصَّل» مع أن خروجها عن ذلك كثير كما تواطأت عليه أقوال المحققين. والهُوِيّ: السقوط، أطلق هنا على غروب الكوكب، استعير الهُوِيُّ إلى اقتراب اختفائه ويجوز أن يراد بالهوِيّ: سقوط الشهاب حين يلوح للناظر أنه يجري في أديم السماء، فهو هويّ حقيقي فيكون قد استعمل في حقيقته ومجازه. وفي ذكر {إذا هوى} احتراس من أن يتوهم المشركون أن في القسم بالنجم إقراراً لعبادة نجم الشعرى، وأن القسم به اعتراف بأنه إله إذ كان بعض قبائل العرب يعبدونها فإن حالة الغروب المعبر عنها بالهُوِيِّ حالة انخفاض ومغيب في تخيّل الرّائي لأنهم يعُدُّون طلوع النجم أوجاً لشرفه ويعدون غروبه حَضيضاً، ولذلك قال الله تعالى: {أية : فلما أفل قال لا أحب الآفلين}تفسير : [الأنعام: 76]. ومَن مناسبات هذا يجيء قوله: {أية : وأنه هو رب الشعرى} تفسير : في هذه السورة (49)، وتلك اعتبارات لهم تخيلية شائعة بينهم فمن النافع موعظة الناس بذلك لأنه كاف في إقناعهم وصولاً إلى الحق. فيكون قوله: {إذا هوى} إشعاراً بأن النجوم كلها مسخرة لقدرة الله مسيّرة في نظام أوْجدها عليه ولا اختيار لها فليست أهلاً لأن تعبد فحصل المقصود من القسم بما فيها من الدلالة على القدرة الإِلهية مع الاحتراس عن اعتقاد عبادتها. وقال الراغب: قيل أراد بذلك أي بـــ {النجم} القرآن المنزل المنجم قدراً فقدراً، ويعني بقوله: {هوى} نزوله اهــــ. ومناسبة القسم بـــ {النجم إذا هَوَى}، أن الكلام مسوق لإثباتِ أن القرآن وحي من الله منزل من السماء فشابَه حالُ نزوله الاعتباريِّ حال النجم في حالة هويِّه مشابهة تمثيلية حاصلة من نزول شيء منيرٍ إنارة معنوية نازل من محل رفعة معنوية، شبه بحالة نزول نجم من أعلى الأفق إلى أسفله وهو من تمثيل المعقول بالمحسوس، أو الإِشارة إلى مشابهة حالة نزول جبريل من السماوات بحالة نزول النجم من أعلى مكانه إلى أسفله، أو بانقضاض الشهاب تشبيه محسوس بمحسوس، وقد يشبهون سرعة الجري بإنقضاض الشهاب، قال أوس بن حجر يصف فرساً:شعر : فانقضّ كالدُريّ يتبعه نقع يثور تخاله طُنبا تفسير : والضلال: عدم الاهتداء إلى الطريق الموصل إلى المقصود، وهو مجاز في سلوك ما ينافي الحق. والغواية: فساد الرأي وتعلقه بالباطل. والصاحب: الملازم للذي يضاف إليه وصف صاحب، والمراد بالصاحب هنا: الذي له ملابسات وأحوال مع المضاف إليه، والمراد به محمد صلى الله عليه وسلم وهذا كقول أبي مَعبد الخزاعي الوارد في أثناء قصة الهجرة لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم بيته وفيها أمُّ معبد وذكرت له معجزة مسحه على ضرع شاتها: «هذا صاحب قريش»، أي صاحب الحوادث الحادثة بينه وبينهم. وإيثار التعبير عنه بوصف {صاحبكم} تعريض بأنهم أهل بهتان إذ نسبوا إليه ما ليس منه في شيء مع شدة إطلاعهم على أحواله وشؤونه إذ هو بينهم في بلد لا تتعذر فيه إحاطة علم أهله بحال واحد معين مقصود من بينهم. ووقع في خطبة الحجاج بعد دَير الجماجم قوله للخوارج «ألستم أصحابي بالأهواز حين رُمتم الغدر واستبطنتم الكفر» يريد أنه لا تخفى عنه أحوالهم فلا يحاولون التنصل من ذنوبهم بالمغالطة والتشكيك. وهذا رد من الله على المشركين وإبطال لقولهم في النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم قالوا: مجنون، وقالوا: ساحر، وقالوا: شاعر، وقالوا في القرآن: إنْ هذا إلا اختلاق. فالجنون من الضلال لأن المجنون لا يهتدي إلى وسائل الصواب، والكذبُ والسحر ضلال وغواية، والشعر المتعارف بينهم غواية كما قال تعالى: {أية : والشعراء يتبعهم الغاوون}تفسير : [الشعراء: 224] أي يحبذون أقوالهم لأنها غواية. وعُطف على جواب القسم {ما ينطق عن الهوى} وهذا وصف كمال لذاته. والكلام الذي ينطق به هو القرآن لأنهم قالوا فيه: {أية : إن هذا إلا إفك افتراه}تفسير : [الفرقان: 4] وقالوا: {أية : أساطير الأولين اكتتبها}تفسير : [الفرقان: 5] وذلك ونحوه لا يعدُو أن يكون اختراعه أو اختياره عن محبة لما يُخترع وما يُختار بقطع النظر عن كونه حقاً أو باطلاً، فإن من الشعر حكمة، ومنه حكاية واقعات، ومنه تخيلات ومفتريات. وكله ناشىء عن محبة الشاعر أن يقول ذلك، فأراهم الله أن القرآن داععٍ إلى الخير. و(ما) نافية نفت أن ينطق عن الهوى. والهوى: ميل النفس إلى ما تحبه أو تحب أن تفعله دون أن يقتضيه العقل السليم الحكيم، ولذلك يختلف الناس في الهوى ولا يَختلفون في الحق، وقد يحب المرء الحق والصواب. فالمراد بالهوى إذا أطلق أنه الهوى المجرد عن الدليل. ونفي النطق عن هَوى يقتضي نفي جنس ما يَنْطق به عن الاتصاف بالصدور عن هوى سواء كان القرآن أو غيره من الإِرشاد النبوي بالتعليم والخطابة والموعظة والحكمة، ولكن القرآن هو المقصود لأنه سبب هذا الرد عليهم. واعلم أن تنزيهه صلى الله عليه وسلم عن النطق عن هوى يقتضي التنزيه عن أن يفعل أو يحكم عن هوى لأن التنزه عن النطق عن هوى أعظم مراتب الحكمة. ولذلك ورد في صفة النبي صلى الله عليه وسلم «أنه يمزح ولا يقول إلا حقًّا». وهنا تم إبطال قولهم فحسن الوقف على قوله: {وما ينطق عن الهوى}. وبين {هوى} و{الهوى} جِناس شبه التام.
الشنقيطي
تفسير : اختلف العلماء في المراد بهذا النجم الذي أقسم الله به في هذه الآية الكريمة، فقال بعضهم: المراد به النجم إذا رجمت به الشياطين، وقال بعضهم: إن المراد به الثريا، وهو مروي عن ابن عباس وغيره، ولفظة النجم علم للثريا بالغلبة، فلا تكاد العرب تطلق لفظ النجم مجرداً إلا عليها، ومنه قول نابغة ذبيان: شعر : أقول والنجم قد مالت أواخره إلى المغيب تثبت نظرة حار تفسير : فقوله: {وَالنَّجْمِ}: يعني الثريا. وقوله تعالى: {إِذَا هَوَى}: أي سقط مع الصبح، وهذا اختيار ابن جرير: وقيل النجم: الزهرة، وقيل المراد بالنجم نجوم السماء، وعليه فهو من إطلاق المفرد وإرادة الجمع كقوله: {أية : وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ}تفسير : [القمر: 45] يعني الأدبار. وقوله: {أية : وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً}تفسير : [الفجر: 22] أي والملائكة. وقوله:{أية : أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ}تفسير : [الفرقان: 75] أي الغرف. وقد قدمنا أمثلة كثيرة لهذا في القرآن، وفي كلام العرب في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: {أية : ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً}تفسير : [الحج: 5]، وإطلاق النجم مراداً به النجوم معروف في اللغة، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: شعر : ثم قالوا تحبها قلت بهرا عدد النجم والحصى والتراب تفسير : وقول الراعي: شعر : فباتت تعد النجم في مستحيرة سريع بأيدي الآكلين جمودها تفسير : وعلى هذا القول، فمعنى هوى النجوم سقوطها إذا غربت أو انتثارها يوم القيامة. وقيل: النجم النبات الذي لا ساق له. وقال بعض أهل العلم: المراد بالنجم الجملة النازلة من القرآن، فإنه نزل على النبي صلى الله عليه وسلم أنجماً منجماً في ثلاث وعشرين سنة، وكل جملة منه وقت نزولها يصدق عليها اسم النجم صدقاً عربياً صحيحاً كما يطلق على ما حان وقته من الدية المنجمة على العاقلة، والكتابة المنجمة على العبد المكاتب. وعلى هذا فقوله: {إِذَا هَوَى}، أي نزل به الملك من السماء إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله {هَوَى} يهوي هُوياً إذا اخترق الهوى نازلاً من أعلا إلى أسفل. اعلم أولاً أن القول بأنه الثريا وأن المراد بالنجم خصوصها، وإن اختاره ابن جرير وروي عن ابن عباس وغير واحد، ليس بوجيه عندي. والأظهر أن النجم يراد به النجوم. وإن قال ابن جرير بأنه لا يصح، والدليل على ذلك جمعه تعالى للنجوم في القسم في قوله تعالى: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ}تفسير : [الواقعة: 75]، لأن الظاهر أن المراد بالنجم إذا هوى هنا، كالمراد بمواقع النجوم في الواقعة. وقد اختلف العلماء أيضاً في المراد بمواقع النجوم فقال بعضهم: هي مساقطها إذا غابت. وقال بعضهم انتثارها يوم القيامة. وقال بعضهم: منازلها في السماء، لأن النازل في محل واقع فيه. وقال بعضهم: هي مواقع نجوم القرآن النازل بها الملك إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر الأقوال عندي وأقربها للصواب في نظري، أن المراد بالنجم إذا هوى هنا في هذه السورة، وبمواقع النجوم في الواقعة هو نجوم القرآن التي نزل بها الملك نجماً فنجماً، وذلك لأمرين أحدهما أن هذا الذي أقسم الله عليه بالنجم إذا هوى الذي هو أن النبي صلى الله عليه وسلم على حق وأنه ما ضل وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى موافق في المعنى لما أقسم عليه بمواقع النجوم، وهو قوله {أية : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ}تفسير : [الواقعة: 77-78] - إلى قوله - {أية : تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الواقعة: 80]. والإقسام بالقرآن على صحة رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وعلى صدق القرآن العظيم وأنه منزل من الله جاء موضحاً في آيات من كتاب الله كقوله تعالى: {أية : يسۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ}تفسير : [يس: 1-5] وقوله تعالى: {أية : حـمۤ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ}تفسير : [الزخرف: 1-4] وخير ما يفسر به القرآن القرآن. والثاني: أن كون المقسم به المعبر عنه بالنجوم، هو القرآن العظيم أنسب لقوله بعده: {أية : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ}تفسير : [الواقعة: 76]، لأن هذا التعظيم من الله يدل على أن هذا المقسم به في غاية العظمة. ولا شك أن القرآن الذي هو كلام الله أنسب لذلك من نجوم السماء ونجم الأرض. والعلم عند الله تعالى. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى}،قال بعض العلماء: الضلال يقع من الجهل بالحق، والغيي هو العدول عن الحق مع معرفته، أي ما جهل الحق وما عدل عنه، بل هو عالم بالحق متبع له. وقد قدمنا إطلاقات الضلال في القرآن بشواهدها العربية في سورة الشعراء في الكلام على قوله تعالى:{أية : قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ}تفسير : [الشعراء: 20] وفي سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى {أية : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ}تفسير : [الكهف: 103-104] الآية. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كونه صلى الله عليه وسلم على هدى مستقيم، جاء موضحاً في آيات كثيرة، من كتاب الله كقوله تعالى:{أية : فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ}تفسير : [النمل: 79] وقوله تعالى {أية : فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي ٱلأَمْرِ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [الحج: 67] وقوله تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [الشورى: 52]. وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى:{أية : فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِيۤ أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [الزخرف: 43]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {أية : إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ}تفسير : [النجم: 4] استدل به علماء الأصول على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يجتهد، والذين قالوا إنه قد يقع منه الاجتهاد، استدلوا بقوله تعالى:{أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُم}تفسير : [التوبة: 43] الآية. وقوله تعالى:{أية : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْض}تفسير : [الأنفال: 67] الآية. وقوله تعالى:{أية : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِين}تفسير : [التوبة: 113] الآية. قالوا: فلو لم يكن هذا عن اجتهاد، لما قال {عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} الآية. ولما قال: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ}، ولا منافاة بين الآيات، لأن قوله: {إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ} معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يبلغ عن الله إلا شيئاً أوحى الله إليه أن يبلغه، فمن يقول: إنه شعر أو سحر أو كهانة، أو أساطير الأولين هو أكذب خلق الله وأكفرهم، ولا ينافي ذلك أنه أذن للمتخلفين عن غزة تبوك، وأسر الأسارى يوم بدر، واستغفر لعمه أبي طالب من غير أن ينزل عليه وحي خاص في ذلك، وقد أوضحنا هذا في غير هذا الموضع.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1، 2- أقسم بالنجم إذا هوى للغروب: ما عدل محمد عن طريق الحق وما اعتقد باطلا. 3- وما يصدر نطقه - فيما يتكلم به من القرآن - عن هوى نفسه. 4- ما القرآن - الذى ينطق به - إلا وحى من الله يوحيه إليه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: والنجم إذا هوى: أي والثريا إذا غابت بعد طلوعها. ما ضل صاحبكم: أي ما ضل محمد صلى الله عليه وسلم عن طريق الهدى. وما غوى: أي وما لابس الغي وهو جهل من اعتقاد فاسد. وما ينطق عن الهوى: أي عن هوى نفسه أي ما يقوله عن الله تعالى لم يصدر فيه عن هوى نفسه. إن هو إلا وحي يوحى: أي ما هو إلا وحي إلهي يوحى إليه. علّمه شديد القوى: أي علمه ملك شديد القوى وهو جبريل عليه السلام. ذو مِرَّةِ: أي لسلامة في جسمه وعقله فكان بذلك ذا قوة شديدة. فاستوى وهو بالأفق الأعلى: أي استقر وهو بأفق الشمس عند مطلعها على صورته التي خلقه الله عليها فرآه النبي صلى الله عليه وسلم وكان بجياد قد سد الأفق إلى المغرب وكان النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي طلب من جبريل أن يريه نفسه في صورته التي خلقه الله عليها. ثم دنا فتدلى: أي وقرب منه فتدلى أي زاد في القرب. فكان قاب قوسين أو أدنى: أي فكان في القرب قاب قوسين أي مقدار قوسين. فأوحى إلى عبده ما أوحى: أي فأوحى الله تعالى إلى عبده جبريل ما أوحاه جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ما كذب الفؤاد ما رأى: أي ما كذب فؤاد النبي ما رأى ببصره من صورة جبريل عليه السلام. أفتمارونه على ما يرى: أي أفاتجادلونه أيها المشركون على ما يرى من صورة جبريل. ولقد رأه نزلة أخرى: أي على صورته مرة أخرى وذلك في السماء ليلة أسرى به. عند سدرة المنتهى: وهي شجرة نبق عن يمين العرش لا يتجاوزها أحد من الملائكة. عندها جنة المأوى: أي تأوي إليها الملائكة وأرواح الشهداء والمتقين أولياء الله. إذ يغشى السدرة ما يغشى: أي من نور الله تعالى ما يغشى. ما زاغ البصر وما طغى: أي ما مال بصر محمد يميناً ولا شمالاً، ولا ارتفع عن الحد الذي حدد له. لقد رآى من آيات ربه الكبرى: أي رأى جبريل في صورته ورأى رفرفاً أخضر سد أفق السماء. معنى الآيات: قوله تعالى {وَٱلنَّجْمِ} إلى قوله {مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ} يقرر به تعالى نبوة محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وقد أقسم بالنجم إذا هوى وهو نجم الثريا إذا غاب عن الأفق على أنه ما ضل محمد صاحب قريش الذي صاحبته منذ ولادته ولم يغب عنها ولم تغب عنه مدة تزيد على الأربعين سنة فهي صحبة كاملة ما ضل عن طريق الهدى وهم يعرفون هذا، وما غوى أيضاً أية غواية وما لابسه جهل في قول ولا عمل فغوى به. وما ينطق بالقرآن وغيره مما يقوله ويدعو إليه عن هوى نفسه كما قد يقع من غيره من البشر إن هو إلا وحي يوحى أي ما هو أي الذي ينطق به ويدعو إليه ويعمله إلا وحي يُوحى إليه. علمه إياه ملك شديد القوى ذو مرة أي سلامة عقل وبدن فكان بذلك قوياً روحياً وعقلياً وذاتياً وهو جبريل عليه السلام وقوله: {فَٱسْتَوَىٰ} أي جبريل {وَهُوَ بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ} ومعنى استوى استقر {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ} أي تدلى فدنا أي قرب شيئاً فشيئاً حتى كان من الرسول صلى الله عليه وسلم قاب قوسين أي قدر قوسين والقوس معروف آلة للرمي {أَوْ أَدْنَىٰ} أي من قاب قوسين. وقوله تعالى {فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ} أي فَأَوْحى الله تعال إلى جبريل ما أوحى إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وقوله {مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ} أي ما كذب فؤادُ محمد صلى الله عليه وسلم ما رآه محمد ببصره وهو جبريل في صورته التي خلقه الله تعالى عليها ذات الستمائة جناح طول الجناح ما بين المشرق والمغرب. وقوله تعالى: {أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ} هذا خطاب للمشركين المنكرين لرؤية النبي صلى الله عليه وسلم ينكر تعالى ذلك عليهم بقوله {أَفَتُمَارُونَهُ} أي تجادلونه وتغالبونه أيها المشركون على ما يرى ببصره. {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ} أي مرة أخرى {عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ} وذلك ليلة أسرى به صلى الله عليه وسلم، ووصفت هذه السدرة وهي شجرة النبق بأن أوراقها كآذان الفيلة وأن ثمرها كغلال هجر قال فلما غشيها من أمر الله تعالى ما غشيها تغيَّرت فما أحد من خلق الله تعالى يقدر أن ينعتها من حسنها، وسميت سدرة المنتهى لانتهاء علم كل عالم من الخلق إليها أو لكونها عن يمين العرش لا يتجاوزها أحد من الملائكة، وقوله {عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ} أي الجنة التي تأوي إليها الملائكة وأرواح الشهداء، والمتقين أولياء الله تعالى. وقوله تعالى: {إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ} أي من نور الله تعالى، والملائكة من حب الله مثل الغربان حين تقفز على الشجر كذلك روى ابن جرير الطبري. وقوله {مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ} أي ما مال بصر محمد يميناً ولا شمالاً ولا ارتفع فوق الحد الذي حدد له. {لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ} أي رأى جبريل في خلقه الذي يكون فيه في السماء ورأى رفرفاً أخضر قد سد الأفق ورأى من عجائب خلق الله ومظاهر قدرته وعلمه ما لا سبيل إلى إدراكه والحديث عنه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير النبوة لمحمد وإثباتها بما لا مجال للشك والجدال فيه. 2- تنزيه الرسول صلى الله عليه وسلم عن القول بالهوى أو صدور شيء من أفعاله أو أقواله من اتباع الهوى. 3- وصف جبريل عليه السلام. 4- إثبات رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل وعلى صورته التي يكون في السماء عليها مرتين. 5- تقرير حادثة الإِسراء والمعراج وإثباتها للنبي صلى الله عليه وسلم. 6- بيان حقيقة سدرة المنتهى.
القطان
تفسير : النجم: جنس النجوم. هوى: سقطَ وغرب. ما ضلّ: ما حادَ عن الطريق المستقيم. صاحبكم: هو محمد صلى الله عليه وسلم. وما غوى: ما اعتقد باطلا، ولا حاد عن الهدى. وما ينطِق عن الهوى: وما يقول عن هوى نفسه. شديد القوى: الملَكُ جبريل. ذو مِرة: ذو حصافة عقل وقوة عارضة. فاستوى: فاستقام، واستوى لها عدة معان اخرى. وهو بالأفق الأعلى: وهو بالجهة العليا من السماء. ثم دنا: ثم قرب. فتدلّى: فنزل. فكان قاب قوسين أو أدنى: فكان قربُه قَدْرَ قوسين أو أقرب، والقابُ: المقدار. أفتمارونه: افتجادلونه على ما يراه. نزلةٌ اخرى: مرة أخرى. سِدرة المنتهى: شجرة عظيمة مباركة. جنة المأوى: جنة الخلد التي تؤوي المؤمنين. يغشى: يستر ويغطي. ما زاغ البصرُ: ما مال بصر محمد عما رآه. وما طغى: وما تجاوز ما أُمر به. آيات ربه الكبرى: عجائب ملكوته. لقد أقسَم الله تعالى بخلْق من مخلوقاته العظيمة التي لا يعلم حقيقتَها الا هو، وهي نجومُ السماء، بأن محمّداً، صاحبَكم يا معشرَ قريش وتعرفونه حقَّ المعرفة، وهو محمد الأمين كما سمَّيتموه - ما عَدَلَ عن طريق الحق، وما اعتقدَ باطلا، ولا يتكلّم إلا بوحيٍ من الله تعالى. وقد نقل إليه هذا الوحيَ من ربه الأعلى وعلّمه إياه جبريلُ الأمين، شديدُ القوى، ذو حصافة عقل ورأي سديد، فاستقام على صورته الحقيقية. ولقد رآه النبيُّ عليه الصلاة والسلام مرَّتَين: مرةً على الأرض في غارِ حِراء، ومرةً أخرى ليلةَ المعراج. ورأى من عجائبِ صنع الله ما رأى، مما استطاعَ أن يخبركم به. وقد اوحى الله الى عبدهِ ما أوحى، {مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ}، بل لقد رأى جبريلَ ببصرِه حقيقةً، فلا العينُ اخطأت فيما رأت، ولا القلبُ شكّ فيما رأت العين بل أيقنَ وجزم بصدقها. {أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ} وبعد هذا كلّه تجادِلونه على ما يراه وتكذّبونه!! كذلك رآه مرةً أخرى عند سِدرة المنتهى بقرب الجنة، {إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ} من فضلِ الله ما لا يحيط به وصف.. لقد رأى من عجائب آياتِ ربه الكبرى ما يَبْهَرُ الفؤاد ويجِلُّ عن الوصف. قراءات: قرأ هشام: ما كذّب بتشديد الدال. والباقون: ما كذَب بدون تشديد. وقرأ حمزة والكسائي وخلف ويعقوب: افتَمرونه بفتح التاء، اي تغلبونه. والباقون: افتمارونه.
د. أسعد حومد
تفسير : (1) - يُقسِمُ اللهُ تَعَالى بِالنَّجْمِ حِينَما يَمِيلُ إِلى الغُرُوبِ. هَوَى - مَالَ إِلى الغُُرُوبِ.
الثعلبي
تفسير : {وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ} قال ابن عباس في رواية الوالبي والعوفي ومجاهد برواية ابن أبي نجيح: يعني والثريّا إذا سقطت وغابت، والعرب تسمّي الثريّا نجماً، وإن كانت في العدد نجوماً. قال أبو بكر محمد بن الحسن الدربندي: هي سبعة أنجم، ستة منها ظاهرة، وواحد منها خفي، يختبر الناس به أبصارهم، ومنه قول العرب إذا طلع النجم عشاءً: ابتغى الراعي كساءً وعن مجاهد أيضاً: يعني نجوم السماء كلها حتى تغرب، لفظه واحد ومعناه الجمع، كقول الراعي: شعر : فباتت تعدّ النجم في مستحيره سريع بأيدي الآكلين جمودها تفسير : وسمّي الكوكب نجماً لطلوعه، وكلّ طالع نجم، ويقال: نجمَ السر والقرب والندب إذا طلع. وروى عكرمة عن ابن عباس أنّه الرجم من النجوم، يعني ما يرمى به الشياطين عند استراقهم السمع، وقال الضحاك: يعني القرآن إذا نزل ثلاث آيات وأربع وسورة، وكان بين أوله وآخره ثلاث وعشرون سنة، وهي رواية الأعمش عن مجاهد وحيان عن الكلبي، والعرب تسمّي التفريق تنجيماً والمفرق نجوماً ومنه نجوم الدَّيْن. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن خلف قال: حدّثنا إسحاق بن محمد قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا إبراهيم بن عيسى قال: حدّثنا علي بن علي قال: حدّثني أبو حمزة الثمالي {وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ} قال: يقال: هي النجوم إذا انتثرت يوم القيامة، وقال الأخفش هي النبت، ومنه قوله: {أية : وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} تفسير : [الرحمن: 6] وهويّه: سقوطه على الأرض، لأنه ما ليس له ساق، وقال جعفر الصادق: يعني محمداً صلى الله عليه وسلم إذا نزل من السماء ليلة المعراج. فالهويّ: النزول والسقوط، يقال: هوى يهوى هويّاً: مضى يمضي مضيّاً، قال زهير: شعر : يشج بها الأماعز وهي تهوي هوي الدلو أسلمها الرشاء تفسير : وروى عروة بن الزبير عن رجال من أهل بيته قالوا: حديث : كانت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند عتبة بن أبي لهب فأراد الخروج إلى الشام فقال: الأبتر محمد فلأوذينّه في ابنته فأتاه فقال: يا محمد هو يكفر بالنجم إذا هوى وبالذي دنا فتدلى، ثم تفل في وجهه ورد عليه ابنته وطلّقها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اللهم سلّط عليه كلباً من كلابك" قال: وأبو طالب حاضر فوجم لها وقال: ما كان أغناك يا ابن أخي عن هذه الدعوة. فرجع عتبة إلى أبيه فأخبره بذلك ثم خرجوا إلى الشام، فنزلوا منزلا فأشرف عليهم راهب من الدير فقال لهم: هذه أرض مسبعة، فقال أبو لهب لأصحابه: أعينونا يا معشر قريش هذه الليلة فإني أخاف على ابني دعوة محمد، فجمعوا أحمالهم وفرشوا لعتبة في أعلاها وناموا حوله، فجاء الأسد فجعل يتشمم وجوههم ثم ثنى ذنبه فوثب وضرب عتبة بيده ضربة، وأخذه فخدشه، فقال: قتلني ومات مكانهتفسير : . فقال في ذلك حسان بن ثابت: شعر : سائل بني الأصغر إنْ جئتهم ما كان أنباءُ أبي واسع لا وسّع الله له قبره بل ضيّق الله على القاطع رمى رسول الله من بينهم دون قريش رمية القاذع واستوجب الدعوة منه بما بُيّن للنّاظر والسامع فسلّط الله به كلبه يمشي الهوينا مشية الخادع حتى أتاه وسط أصحابه وفد عليهم سمة الهاجع فالتقم الرأس بيافوخه والنحر منه قفرة الجائع ثم علا بعدُ بأسنانه منعفراً وسط دم ناقع قد كان هذا لكمُ عبرة للسيّد المتبوع والتابع من يرجعِ العامَ إلى أهله فما أكيل السبع بالراجع تفسير : {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ} محمد {وَمَا غَوَىٰ} وهذا جواب القسم. {وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ} أي بالهوى يعاقب بين عن وبين الباء، فيقيم أحدهما مكان الآخر. {إِنْ هُوَ} ما ينطقه في الديّن {إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ} إليه. {عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ} وهو جبريل. {ذُو مِرَّةٍ} قوة وشدّة، ورجل ممرّ أي قوي، قال الشاعر: شعر : ترى الرجل النحيف فتزدريه وفي أثوابه رجل مرير تفسير : وأصله من أمررت الحبل إذا أحكمت فتله، ومنه قول النبىّ صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرّة سويّ ". تفسير : قال الكلبي: وكانت شدّته أنّه اقتلع قريات قوم لوط من الماء الأسود، وحملها على جناحه ورفعها إلى السماء ثم قلبها، وكانت شدّته أيضاً أنّه أبصر إبليس وهو يكلّم عيسى على بعض عقاب الأرض المقدّسة فنفحه بجناحه نفحة ألقاه في أقصى جبل بالهند، وكانت شدّته أيضاً صيحته بثمود فأصبحوا جاثمين خامدين، وكانت شدّته أيضاً هبوطه من السماء على الأنبياء وصعوده إليها في أسرع من الطرف، وقال قطرب: يقول العرب لكل حرك الرأي حصف العقل: ذو مرة، قال الشاعر: شعر : قد كنت قبل لقائكم ذا مِرّة عندي لكل مخاصم ميزانه تفسير : وكان من جزالة رأيه وحصافة عقله أن الله تعالى ائتمنه على تبليغ وحيه إلى جميع رسله. وقال ابن عباس: ذو مِرّة، أي ذو منظر حسن، وقال قتادة: ذو خَلق طويل حسن. {فَٱسْتَوَىٰ} يعني جبريل {وَهُوَ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم وأكثر كلام العرب إذا أرادوا العطف في مثل هذا الموضع أن يظهروا كناية المعطوف عليه فيقولون: استوى هو وفلان، ما يقولون: استوى وفلان، وأنشد الفرّاء: شعر : ألم تر أنّ النبع يصلب عوده ولا يستوي والخروع المتقصف تفسير : والمعنى: لا يستوي هو والخروع. ونظير هذه الآية قوله سبحانه: {أية : أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ} تفسير : [النمل: 67] فعطف بالآباء على الكنى في {كُنَّا} من غير إظهار نحن، ومعنى الآية: استوى جبريل ومحمد ليلة المعراج {بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ} وهو أقصى الدنيا عند مطلع الشمس في السماء، وقيل: استويا في القوة والصعود إلى السماء، وقيل: استويا في العلم بالوحي، وقال بعضهم: معنى الآية: استوى جبريل أي ارتفع وعلا في السماء بعد أن علّم محمداً، عن سعيد بن المسيب، وقيل: فاستوى أي قام في صورته التي خلقه الله سبحانه عليها، وذلك أنه كان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة الآدميين كما كان يأتي النبيين، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريه نفسه على صورته التي يُجبِلَ عليها، وأراه نفسه مرّتين: مرة في الأرض، ومرّة في السماء فأمّا في الأرض ففي الأُفق الأعلى، وذلك أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان بحراء فطلع له جبريل من المشرق فسدّ الأفق إلى المغرب، فخرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مغشياً عليه، ونزل جبريل في صورة الآدميين وضمّه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه. يدل عليه قوله سبحانه: {أية : وَلَقَدْ رَآهُ بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ} تفسير : [التكوير: 23]، وأما في السماء فعند سدرة المنتهى، ولم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة إلاّ محمد المصطفى صلوات الله عليه. {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ} اختلف العلماء في معنى هذه الآية فقال بعضهم: معناها ثم دنا جبرئيل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض، فتدلّى فنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم بالوحي وهوى عليه {فَكَانَ} منه {قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ} أي: بل أدنى، وبه قال ابن عباس والحسن وقتادة والربيع. قال أهل المعاني: في الكلام تقديم وتأخير، تقديره: ثم تدلّى فدنا؛ لأن التدلّي: الدنوّ، ولكنه سامع حسن؛ لأن التدلّي يدل على الدنوّ، والدنو يدل على التدلّي، وإنمّا تدلى للدنوّ ودنا للتدلّي، وقال آخرون: معناه ثم دنا الرب سبحانه من محمد صلى الله عليه وسلم فتدلّى فقرب منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى، وأصل التدلىّ: النزول إلى الشيء حتى يقرب منه، فوضع موضع القرب، قال لبيد: شعر : فتدلّيت عليه قافلا وعلى الأرض غيابات الطفل تفسير : وهذا معنى قول أنس ورواية أبي سلمة عن ابن عباس. وأخبرني عقيل بن محمد أنّ أبا الفرج البغدادي، أخبرهم عن محمد بن جرير قال: حدّثنا الربيع قال: حدّثنا ابن وهب عن سليمان بن بلال عن شريك بن أبي نمر قال: سمعت أنس بن مالك يحدّثنا عن ليلة المسرى أنّه عرج جبريل برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماء السابعة، ثم علا به بما لا يعلمه إلاّ الله (عز وجل) حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار ربّ العزة فتدلّى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إليه ما شاء، ودنوّ الله من العبد ودنوّ العبد منه بالرتبة والمكانة والمنزلة وإجابة الدعوة وإعطاء المنية، لا بالمكان والمسافة والنقلة، كقوله سبحانه: {أية : فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} تفسير : [البقرة: 186]. وقال بعضهم: معناه: ثم دنا جبريل من ربّه عزّوجل فكان منه قاب قوسين أو أدنى، وهذا قول مجاهد، يدلّ عليه ما روي في الحديث: "حديث : إنه أقرب الملائكة من جبرائيل الى الله سبحانه ". تفسير : وقال الضحاك: ثم دنا محمد من ربّه عز وجل فتدلّى فأهوى للسجود، فكان منه قاب قوسين أو أدنى، وقيل: ثم دنا محمد من ساق العرش فتدلّى، أي: جاور الحجب والسرادقات، لا نقلة مكان، وهو قائم بإذن الله كالمتعلق بالشيء لا يثبت قدمه على مكان، وهذا معنى قول الحسين بن الفضل. ومعنى قوله {قَابَ قَوْسَيْنِ} قدر قوسين عربيتين عن ابن عباس وعطاء، والقاب والقيب والقاد والقيد عبارة عن مقدار الشيء، ونظيره من الكلام زير وزار. قال صلى الله عليه وسلم "حديث : لقاب قوس أحدكم من الجنة خير من الدينا وما فيها ". تفسير : وقال مجاهد: معناه حيث الوتر من القوس، وقال سعيد بن المسيب: القاب صدر القوس العربية حيث يشدّ عليه السير الذي يتنكّبه صاحبه، ولكل قوس قاب واحد، فأخبر أنّ قرب جبرئيل من محمد صلى الله عليه وسلم عند الوحي كقرب قاب قوسين. وقال أهل المعاني: هذا إشارة إلى تأكيد المحبة والقربة ورفع المنزلة والرتبة، وأصله أنّ الحليفَين والمحبَّين في الجاهلية كانا إذا أرادا عقد الصفاء والعهد والوفاء خرجا بقوسيهما والصفا بينهما يريدان بذلك أنّهما متظاهران متحاميان يحامي كل واحد منهما عن صاحبه. وقيل: هذا تمثيل في تقريب الشيء من الشيء، وهو مستعمل في أمثال العرب وأشعارهم، وقال سفيان بن سلمة وسعيد بن جبير وعطاء وابن إسحاق الهمداني: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ} قدر ذراعين، والقوس: الذراع يقاس بها كل شيء، وهي لغة بعض أهل الحجاز. {أَوْ أَدْنَىٰ} بل أقرب. وقال بعض: إنّما قال {أَوْ أَدْنَىٰ} ؛ لأنه لم يردْ أن يجعل لذلك حدّاً محصوراً. وسئل أبو العباس بن عطاء عن هذه الآية فقال: كيف أصف لكم مقاماً انقطع عنه جبريل وميكائيل وإسرافيل، ولم يكن إلاّ محمد وربّه؟ وقال الكسائي: { فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ} أراد قوساً واحداً كقول الشاعر: شعر : ومَهْمَهَيْنِ قَذَقَيْنِ مَرْتَيْنْ قطعته بالسّمْتِ لا بالسّمْتَيْنْ تفسير : أراد مهمهاً واحداً. وقال بعض أهل المعاني: معنى قوله: {فتدلّى} فتدلّل من الدلال كقولهم: (تظني بمعنى تظنن) وأملى وأملل بمعنى واحد. {فَأَوْحَىٰ} يعني فأوحى الله سبحانه وتعالى {إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ} محمد صلى الله عليه وسلم {مَآ أَوْحَىٰ} قال الحسن والربيع وابن زيد: معناه فأوحى جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أوحى إليه ربّه، قال سعيد: أوحى إليه {أية : أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً} تفسير : [الضحى: 6] إلى قوله {أية : وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} تفسير : [الشرح: 4]، وقيل: أوحى إليه أن الجنة محرّمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأُمم حتى تدخلها أُمّتك، وسئل أبو الحسن الثوري عنه فقال: أوحى إليه سرّاً بسرّ من سرّ في سرّ وفي ذلك يقول القائل: شعر : بين المحبين سر ليس يفشيه قول ولا قلم للخلق يحكيه سرُّ يمازجه أنس يقابله نور تحيّر في بحر من التِّيه تفسير : {مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ} قرأ الحسن وأبو جعفر (والحجدري) وقتادة (كذّب) بتشديد الذال، أي: ما كذّب قلب محمد ما رآى بعينه تلك الليلة، بل صدّقه وحقّقه، وقرأ الباقون بالتخفيف، أي ما كذب فؤاد محمد محمداً الذي رآى بل صدّقه، ومجاز الآية: ما كذب الفؤاد فيما رأى، فأسقط الصفة، كقول الشاعر: شعر : لو كنت صادقة الذي حدثتني لنجوت منجى الحارث بن هشام تفسير : أي: في التي حدّثتني، وقال بندار بن الحسن: الفؤاد وعاء القلب فيما ارتاب الفؤاد فيما أرى الأصل وهو القلب. واختلفوا في الذي رآه.فقال قوم: رأى جبريل، وإليه ذهب ابن مسعود، وقال آخرون: هو الله سبحانه، ثم اختلفوا في معنى الرؤية، فقال بعضهم: جعل بصرهُ في فؤاده، فرآه في فؤاده ولم يره بعينه، وقال قوم: بل رآه بعينه. ذكر من قال: إنّه رآه بعينه أخبرني الحسن بن الحسين قال: حدّثنا الفضل بن الفضل، قال: حدّثنا أبو يعلى محمد بن زهير الإبلي، قال: حدّثنا بن نحويه، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثنا عبدالرزاق، قال: حدّثنا ابن التيمي عن المبرك بن فضالة، قال: كان الحسن يحلف بالله عز وجل لقد رأى محمد ربّه. وانبأني عقيل بن محمد قال: أخبرنا المعافي بن زكريا قال: حدّثنا محمد بن جرير قال: حدّثنا ابن حميد قال: حدّثنا مهران عن سفيان عن أبي إسحاق عمّن سمع ابن عباس يقول: {مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ} قال: رأى محمد ربّه. وبإسناده عن ابن حميد قال: حدّثنا يحيى بن واضح قال: حدّثنا عيسى بن عبيد سمعت عكرمة و[قد] سئل: هل رأى محمد ربّه؟ فقال: نعم، قد رأى ربّه. وبه عن ابن حميد قال: حدّثنا حكام عن أبي جعفر عن الربيع {مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ} قال: رأى ربّه عز وجل. ذكر من قال: لم يره أخبرنا أبو عبيد الله الحسين بن محمد الحافظ بقراءتي عليه في داري قال: حدّثنا موسى ابن محمد بن علي، قال: حدّثنا إبراهيم بن زهير، قال: حدّثنا مكي بن إبراهيم، قال: حدّثنا موسى بن عبيده عن محمد بن كعب قال: حديث : قال بعض أصحاب رسول الله: يا رسول الله، أرأيت ربّك؟ قال: "رأيته مرّتين، بفؤادي ولم أره بعيني" تفسير : ثم تلا هذه الآية {مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ} ومثله روي عن ابن الحنفية عن أبيه، وأبو العالية عن ابن عباس. وأخبرني الحسن، قال: حدّثنا أبو القاسم عن بن محمد بن عبد الله بن حاتم الترمذي، قال: حدّثنا جدي لأمي محمد بن عبدالله بن مرزوق، قال: حدّثنا عفان بن مسلم قال: حديث : حدّثنا همان بن عبد الله بن شفيق قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لسألته، قال: وعما كنت تسأله؟ قلت: كنت أسأله: هل رأى ربّه عز وجل؟ قال: فإني قد سألته فقال: "قد رأيت نوراً، أنى أراه؟" . تفسير : وكذلك روي عن أبي سعيد الخدري أنّه قال: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} قال: "رأيت نوراً"تفسير : ، ومثله روى مجاهد وعكرمة عن ابن عباس. وقد ورد في هذا الباب حديث جامع وهو ما أخبرني الحسين بن الحسن، قال: حدّثنا ابن حبش، قال: أخبرنا علي بن زنجويه، قال: حدّثنا سلمة بن عبدالرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة عن مجالد عن سعيد عن الشعبي عن عبد الله بن الحرث قال: اجتمع ابن عباس وكعب فقال ابن عباس: أمّا نحن بنو هاشم فنقول: إنّ محمداً رأى ربّه مرتين، وقال ابن عباس يحبّون أن تكون الخِلّة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد. قال: فكبّر كعب حتى جاوبته الجبال، ثم قال: إن الله سبحانه قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى عليه السلام، فكلّمه موسى ورآه محمد. قال مجالد: وقال الشعبي: فأخبرني مسروق أنّه قال لعائشة رضي الله عنها: يا أمتاه، هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربّه تعالى قط؟، قالت: إنك لتقول قولاً، إنّه ليقف منه شعري، قال: قلت: رويداً فقرأت عليها: { وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ} حتى {قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ} . فقالت: رويداً، أين يُذهب بك؟ إنّما رأى جبريل في صورته. من حدّثك أن محمداً رأى ربّه فقد كذب، والله عز وجل يقول: {أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ} تفسير : [الأنعام: 103]، ومن حدّثك أنّه يعلم الخمس من الغيب فقد كذب، والله سبحانه يقول: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} تفسير : [لقمان: 34] الآية، ومن حدّثك أنّ محمداً كتم شيئاً من الوحي فقد كذب، والله عز وجلّ يقول: {أية : بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} تفسير : [المائدة: 67] الآية. قال عبدالرزاق: فذكرت هذا الحديث لعمر، فقال: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس. {أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ} أي: رأى. قرأ علي وابن مسعود وابن عباس وعائشة ومسروق والنخعي وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب {أَفَتُمَارُونَهُ} بفتح الباء من غير ألف على معنى أفتجحدونه، واختاره أبو عبيد، قال: لأنهم لم يماروه وإنّما يجحدونه، يقول العرب: مريت الرجل حقّه إذا جحدته. قال الشاعر: شعر : لئن هجرتَ أخا صدق ومكرمة لقد مريتَ أخاً ما كان يمريكا تفسير : أي جحدته. وقرأ سعيد بن جبير وطلحة بن مسرف {أَفَتُمَارُونَهُ} بضم التاء بلا ألف، أي تريبونه وتشككونه، وقرأ الباقون {أَفَتُمَارُونَهُ} بالألف وضم التاء على معنى أفتجادلونه، وهو اختيار أبي حاتم، وفي الحديث "حديث : لا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر ".
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه وتعالى يقسم بما يشاء من مخلوقاته وهنا يقسم بالنجم، فالواو واو القسم (النجم) مُقسَم به، والنجم يُطلق في اللغة على معنيين: النجم الذي في السماء كالشمس والقمر. وقد قال الله فيه {أية : وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ}تفسير : [النحل: 16] أي: في سيرهم ليلاً، والنجم هو العُشْب الذي لا ساقَ له وترعاه الإبل في الصحراء. وقد جمع الحق سبحانه المعنيين في قوله تعالى: {أية : ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ}تفسير : [الرحمن: 5-6]. وجمعهما الشاعر فقال: شعر : أرَاعِي النجْمَ فِي سَيْري إليْهَا وَيَرْعَاهُ مِنَ البيدا جَوَادِيَ تفسير : وتأمل هنا دقة الأداء القرآني، فالشمس والقمر دلَّتْ على نجم السماء، والشجر دَلَّ بالمصاحبة على نجم الأرض، والجميع يسجد لله ويخضع له أعظم شيء وأدنى شيء، الكل في الانقياد سواء. وفي موضع آخر قال سبحانه: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ}تفسير : [الواقعة: 75-76] فالقسم بالنجم قسَم بآية عظيمة من آيات الله، والقسَم بالنجم هنا يخصُّ حالة من حالاته. {وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ} [النجم: 1] أي: سقط، فالنجم علامة في السماء تهدي السائر وتدلُّه، فإذا سقط امتنعتْ الهداية، وامتنعت الفائدة، لكن محمداً صلى الله عليه وسلم ما ضَلَّ وما غوى. {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ} [النجم: 2] وهذا هو جواب القسم، وكأنه سبحانه يقول: وإنْ سقط النجم الذي يهدي السائرين، فنجم محمد لا يسقط أبداً، نجم السماء يهدي للماديات وهي موقوتة، ونجم محمد يهدي للقيم وللمعنويات وهي باقية دائمة. ومعنى {مَا ضَلَّ ..} [النجم: 2] أي: ما حاد عن الحق ولا مال عنه، ولا عدل عن سبيل الهدى {صَاحِبُكُمْ ..} [النجم: 2] هو محمد صلى الله عليه وسلم، وصاحب القوم واحد منهم مُحبَّب إليهم ذو مكانة بينهم {وَمَا غَوَىٰ} [النجم: 2] الغواية هي الاعتقاد الباطل، فما اعتقد محمد اعتقاداً باطلاً أبداً حتى قبل بعثته.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : /75 ظ/ أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ} [الآية: 1]. يعني: الثريا إِذا سقط مع الفجر. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {ذُو مِرَّةٍ} [الآية: 6] يعني ذا قوة، يعني جبريل، عليه السلام. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا شيبان عن عاصم بن أَبي النجود، عن أَبن رزين قال: "القاب" [الآية: 9]: القيد والقوس. يقول: قيد ذراعين. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد:{فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ} [الآية: 9]. يقول: حيث الوتر من القوس. يعني: ربه من جبريل، عليه السلام.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {هَوَىٰ} هوى يهوي إذا سقط إِلى أسفل {مِرَّةٍ} المِرَّة بكسر الميم القوة قال قطرب: تقول العرب لكل جزل الرأي حصيف العقل: ذو مرَّة {تَدَلَّىٰ} التدلي: الامتداد من أعلى إِلى أسفل يقال: تدلّى الغصن إِذا امتد نحو الأسفل {قَابَ} قدر قال في البحر: القابُ والقاد والقيد: المقدار {ضِيزَىٰ} جائرة مائلة عن الحق يقال: ضاز في الحكم أي جار، وضازه حقه أي بخسه قال الشاعر: شعر : ضازت بنو أسدٍ بحكمهم إِذْ يجعلون الرأس كالذَنب تفسير : {ٱللَّمَمَ} الصغائر من الذنوب قال الزجاج: أصل اللَّمم ما يعمله الإِنسان المرَّة بعد المرة ولا يقيم عليه يقال: مافعلتُه إِلا لمماً ولِماماً {أَجِنَّةٌ} جمع جنين وهو الولد ما دام في البطن سمي جنيناً لاستتاره. التفسِير: {وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ} أي أقسمُ بالنجم وقت سقوطه من علو قال ابن عباس: أقسم سبحانه بالنجوم إِذا انقضَّت في إِثر الشياطين حين استراقها السمع وقال الحسن: المراد في الآية النجوم إِذا انتثرت يوم القيامة كقوله {أية : وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ}تفسير : [الإنفطار: 2] قال ابن كثير: الخالق يُقسم بِما شاء من خلقه، والمخلوق لا ينبغي أن يُقسم إِلا بالخالق {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ} أي ما ضلَّ محمدٌ عن طريق الهداية، ولا حاد عن نهج الاستقامة {وَمَا غَوَىٰ} أي وما اعتقد باطلاً قط بل هو في غاية الهدى والرشد قال أبو السعود: والخطاب لكفار قريش، والتعبير بلفظ {صَاحِبُكُمْ} للإِيذان بوقوفهم على تفاصيل أحواله، فإِن طول صحبتهم له، ومشاهدتهم لمحاسن أوصافه العظيمة مقتضيةٌ ذلك {وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ} أي لا يتكلم صلى الله عليه وسلم عن هوى نفسي ورأي شخصي {إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ} أي لا يتكلم إِلا عن وحيٍ من الله عزَّ وجل قال البيضاوي: أي ما القرآن إِلا وحيٌ يوحيه الله إِليه {عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ} أي علَّمه القرآن ملكٌ شديدٌ قواه وهو جبريل الأمين قال المفسرون: ومما يدل على شدة قوته أنه قلع قرى قوم لوط وحملها على جناحه حتى بلغ بها السماء ثم قلبها، وصاح بثمود فأصبحوا خامدين، وكان هبوطه بالوحي على الأنبياء أو صعوده في أسرع من رجعة الطرف {ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ} أي ذو حصافة في العقل، وقوةٍ في الجسم، فاستقرَّ جبريل على صورته الحقيقية {وَهُوَ بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ} أي وهو بأفق السماء حيث تطلع الشمس جهة المشرق قال ابن عباس: المراد بالأفق الأعلى مطلع الشمس قال الخازن: كان جبريل يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة الآدميين كما كان يأتي الأنبياء قبله، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريه نفسه على صورته التي جُبل عليها، فأراه نفسه مرتين مرةً في الأرض، ومرة في السماء، فأما التي في الأرض فبالأفق الأعلى أي جانب المشرق حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراء فطلع عليه جبريل من ناحية المشرق وفتح جناحيه فسدَّ ما بين المشرق والمغرب، فخرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مغشياً عليه، فنزل جبريل في صورة الآدميين فضمَّه إِلى نفسه وجعل يمسح الغبار عن وجهه وهو قوله {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ} وأما التي في السماء فعند سدرة المنتهى، ولم يره أحدٌ من الأنبياء على صورته الملكية التي خُلق عليها إِلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ} أي ثم اقترب جبريل من محمد وزاد في القرب منه {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ} أي فكان منه على مقدار قوسين أو أقل قال الألوسي: والمراد إِفادة شدة القرب فكأنه قيل: فكان قريباً منه {فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ} أي فأوحى جبريل إِلى عبد الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى إِليه من أوامر الله عز وجل {مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ} أي ما كذب قلب محمد ما رآه ببصره من صورة جبريل الحقيقية قال ابن مسعود: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته وله ستمائة جناح، كل جناحٍ منهما قد سدَّ الأفق، يسقط من جناحه من التهاويل والدر والياقوت ما اللهُ به عليم {أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ}؟ أي أفتجادلونه يا معشر المشركين على ما رأى ليلة الإِسراء والمعراج؟ قال في البحر: كانت قريش حين أخبرهم صلى الله عليه وسلم بأمره في الإِسراء كذبوا واستخفوا حتى وصف لهم صلى الله عليه وسلم بيت المقدس، والجمهور على أن المرئي مرتين هو جبريل، وعن ابن عباس وعكرمة أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعيني رأسه، وأنكرت ذلك عائشة وقالت إِنه رأى جبريل في صورته مرتين ثم قال أبو حيان: والصحيح أن جميع ما في هذه الآيات هو مع جبريل بدليل قوله تعالى {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ} فإِنه يقتضي مرة متقدمة {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ} أي رأى الرسول جبريل في صورته الملكية مرةً أُخرى {عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ} أي عند سدرة المنتهى التي هي في السماء السابعة قرب العرش قال المفسرون: والسِدرة شجرة النَّبق تنبع من أصلها الأنهار، وهي عن يمين العرش، وسميت سدرة المنتهى لأنه ينتهي إِليها علم الخلائق وجميع الملائكة، ولا يعلم أحدٌ ما وراءها إِلا الله جل وعلا وفي الحديث "حديث : ثم صُعد بي إلى السماء السابعة، ورفعت إِليَّ سدرة المنتهى، فإِذا نبقها - أي ثمرها - مثل قلال هجر، وإِذا أوراقها كآذان الفيلة.."تفسير : {عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ} أي عند سدرة المنتهى الجنة التي تأوي إليها الملائكة وأرواح الشهداء والمتقين {إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ} أي رآه وقت ما يغشى السدرة ما يغشى من العجائب قال الحسن: غشيها نور رب العالمين فاستنارت وقال ابن مسعود: غشيها فراش من ذهب وفي الحديث "حديث : لما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيَّرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن يصفها من حسنها"تفسير : قال المفسرون: رأى عليه السلام شجرة سدرة المنتهى وقد غشيتها سبحات أنوار الله عز وجل، حتى ما يستطيع أحد أن ينظر إِليها، وغشيتها الملائكة أمثال الطيور يعبدون الله عندها، يجتمعون حولها مسبِّحين وزائرين كما يزور الناس الكعبة وفي الحديث "حديث : رأيت السدرة يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة ملكاً قائماً يسبح الله تعالى"تفسير : {مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ} أي ما مال بصر النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام وفي تلك الحضرة يميناً وشمالاً {وَمَا طَغَىٰ} أي وما جاوز الحدَّ الذي رأى قال القرطبي: أي لم يمدَّ بصره إِلى غير ما رأى من الآيات، وهذا وصف أدب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام إِذ لم يلتفت يميناً ولا شمالاً وقال الخازن: لما تجلَّى رب العزة وظهر نوره، ثبت صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام العظيم الذي تحار فيه العقول، وتزلُّ فيه الأقدام، وتميل فيه الأبصار {لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ} أي والله لقد رأى محمد - ليلة المعراج - عجائب ملكوت الله، رأى سدرة المنتهى، والبيت المعمور، والجنة والنار، ورأى جبريل في صورته التي يكون عليها في السماوات له ستمائة جناحٍ، ورأى رفرفاً أخضر من الجنة قد سدَّ الأفق، وغير ذلك من الآيات العظام قال الفخر: وفي الآية دليلٌ على أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ليلة المعراج آياتِ الله ولم يرَ الله كما قال البعض، ووجهه أن الله ختم قصة المعراج برؤية الآيات، وقال في الإِسراء {أية : لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ}تفسير : [الإِسراء: 1] ولو كان رأى ربه لكان ذلك أعظم ما يمكن ولأخبر تعالى به {أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ} أي أخبرونا يا معشر الكفار عن هذه الآلهة التي تعبدونها "اللات والعزة ومناة" هل لها من القدرة والعظمة التي وُصف بها رب العزة شيء حتى زعمتم أنها آلهة؟ قال الخازن: هذه أسماء أصنام اتخذوها آلهة يعبدونها، واشتقوا لها أسماء من أسماء الله عز وجل فقالوا من الله اللات، ومن العزيز العُزَّى، وكانت اللات بالطائف، والعُزَّى بغطفان وقد حطمها خالد بن الوليد، ومناة صنم لخزاعة يعبده أهل مكة {أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ}؟ توبيخٌ وتقريع أي ألكم يا معشر المشركين النوع المحبوب من الأولاد وهو الذكر، وله تعالى النوع المذموم بزعمكم وهو الأنثى؟ {تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ} أي تلك القسمة قسمة جائرة غير عادلة حيث جعلتم لربكم ما تكرهونه لأنفسكم قال الرازي: إِنهم ما قالوا لنا البنون وله البنات، وإِنما نسبوا إِلى الله البنات وكانوا يكرهونهن كما قال تعالى {أية : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ}تفسير : [النحل: 62] فلما نسبوا إِلى الله البنات حصل من تلك النسبة قسمة جائرة {إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم} أي ما هذه الأوثان إِلا أسماء مجردة لا معنى تحتها لأنها لا تضر ولا تنفع، سميتموها آلهة أنتم وآباؤكم وهي مجرد تسميات ألقيت على جمادات {مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} أي ما أنزل الله بها من حجة ولا برهان {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ} أي ما يتبعون في عبادتها إلا الظنون والأوهام، وما تشتهيه أنفسهم مما زينه لهم الشيطان {وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ} أي والحال أنه قد جاءهم من ربهم البيان الساطع، والبرهان القاطع على أن الأصنام ليست بآلهة، وأن العبادة لا تصلح إِلا لله الواحد القهار قال ابن الجوزي: وفيه تعجيبٌ من حالهم إِذ لم يتركوا عبادتها بعد وضوح البيان {أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ} أي ليس للإِنسان كل ما يشتهي حتى يطمع في شفاعة الأصنام قال الصاوي: والمراد بالإِنسان الكافر، وهذه الآية تجر بذيلها على من يلتجىء لغير الله طلباً للفاني، ويتبع هوى نفسه فيما تطلبه فليس له ما يشتهي، واتباعُ الهوى هوان {فَلِلَّهِ ٱلآخِرَةُ وٱلأُولَىٰ} أي فالملك كله لله يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، لأنه مالك الدنيا والآخرة، وليس الأمر كما يشتهي الإِنسان، بل هو تعالى يعطي من اتبع هداه وترك هواه.. ثم أكَّد هذا المعنى بقوله {وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي وكثير من الملائكة الأبرار الأطهار المنبثين في السماوات {لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً} أي أن الملائكة مع علو منزلتهم ورفعة شأنهم لا تنفع شفاعتهم أحداً إِلا بإِذن الله، فكيف تشفع الأصنام مع حقارتها؟! {إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىٰ} أي إِلا من بعد أن يأذن تعالى في الشفاعة لمن يشاء من أهل التوحيد والإِيمان ويرضى عنه كقوله تعالى: {أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ}تفسير : [الأنبياء: 28] قال ابن كثير: فإِذا كان هذا في حق الملائكة المقربين، فكيف ترجون أيها الجاهلون شفاعة الأصنام والأنداد عند الله تعالى؟ ثم أخبر تعالى عن ضلالات المشركين فقال {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} أي لا يصدقون بالبعث والحساب {لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنْثَىٰ} أي ليزعمون أنهم إناثٌ وأنهم بناتُ الله {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ} أي لا علم لهم بما يقولون أصلا، لأنهم لم يشاهدوا خلق الملائكة، ولا جاءهم عن الله حجة أو برهان {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ} أي ما يتبعون في هذه الأقوال الباطلة إِلا الظنون والأوهام {وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً} أي وإِن الظنَّ لا يجدي شيئاً، ولا يقوم أبداً مقام الحق {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا} أي فأعرض يا محمد عن هؤلاء المشركين الذين استنكفوا عن الإِيمان والقرآن {وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} أي وليس له همٌ إِلا الدنيا وما فيها من النعيم الزائل، والمتعة الفانية قال أبو السعود: والمراد النهيُ عن دعوة المعرض عن كلام الله وعدم الاعتناء بشأنه، فإِن من أعرض عما ذكر، وانهمك في الدنيا بحيث صارت منتهى همته وقصارى سعيه، لا تزيده الدعوة إِلا عناداً وإِصراراً على الباطل {ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ} أي ذلك نهاية علمهم وغاية إِدراكهم أن آثروا الدنيا على الآخرة {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ} أي هو عالم بالفريقين: الضالين والمهتدين ويجازيهم بأعمالهم {وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي له كل ما في الكون خلقاً وملكاً وتصرفاً ليس لأحدٍ من ذلك شيء أصلاً {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ} أي ليجازي المسيء بإساءته {وَيِجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى} أي وليجازي المحسن بالجنة جزاء إِحسانه قال ابن الجوزي: والآية إِخبارٌ عن قدرته وسعة ملكه، وهو كلام معترض بين الآية الأولى وبين قوله {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ} لأنه إِذا كان أعلم بالمسيء وبالمحسن جازى كلاً بما يستحقه، وإِنما يقدر على مجازاة الفريقين إِذا كان واسع الملك.. ثم ذكر تعالى صفات المتقين المحسنين فقال {ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ} أي يبتعدون عن كبائر الذنوب كالشرك والقتل وأكل مال اليتيم {وَٱلْفَوَاحِشَ} أي ويبتعدون عن الفواحش جمع فاحشة وهي ما تناهى قبحها عقلاً وشرعاً كالزنى ونكاح زوجة الأب لقوله تعالى {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً}تفسير : [الإِسراء: 32] وقوله {أية : وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً}تفسير : [النساء: 22] {إِلاَّ ٱللَّمَمَ} أي إِلا ما قلَّ وصغر من الذنوب قال القرطبي: وهي الصغائر التي لا يسلم من الوقوع فيها إِلا من عصمه الله كالقبلة والغمزة والنظرة وفي الحديث "حديث : إِن الله عز وجل كتب على ابن آدم حظه من الزنى، أدرك ذلك لا محالة، فزنى العينين النظر، وزنى اللسانِ النطقُ، والنفسُ تتمنى وتشتهي، والفرج يصدِّق ذلك أو يكذبه"تفسير : فإذا اجتنب العبد كبائر الذنوب غفر الله بفضله وكرمه الصغائر لقوله تعالى {أية : إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}تفسير : [النساء: 31] يعني الصغائر {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ} أي هو تعالى غفار الذنوب ستار العيوب، يغفر لمن فعل ذلك ثم تاب قال ابن كثير: أي رحمته وسعت كل شيء، ومغفرته تسع الذنوب كلها لمن تاب منها قال البيضاوي: ولعله عقَّب به وعيد المسيئين ووعد المحسنين، لئلا ييأس صاحب الكبيرة من رحمته، ولا يتوهم وجوب العقاب على الله تعالى {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ} أي هو جل وعلا أعلم بأحوالكم منكم قبل أن يخلقكم، ومن حين أن خلق أباكم آدم من التراب {وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} أي ومن حين أن كنتم مستترين في أرحام أُمهاتكم، فهو تعالى يعلم التقيَّ والشقي، والمؤمن والكافر، والبرَّ والفاجر، علم ما تفعلون وإِلى ماذا تصيرون {فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ} أي لا تمدحوها على سبيل الإِعجاب، ولا تشهدوا لها بالكمال والتقى، فإِن النفس خسيسة إِذا مُدحت اغترت وتكبَّرت قال أبو حيان: أي لا تنسبوها إِلى الطهارة عن المعاصي، ولا تثنوا عليها، فقد علم الله منكم الزكيَّ والتقي قبل إِخراجكم من صلب آدم، وقبل إِخراجكم من بطون أُمهاتكم {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ} أي هو تعالى العالم بمن أخلص العمل، واتقى ربه في السر والعلن.
زيد بن علي
تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ} معناه نُجومُ القُرآنِ كان يَنزلُ بِهِ جبريل عليهِ السّلامُ على النبي صلى الله عليهِ وعلى آلهِ وسلَّمَ خمسَ آياتٍ أو أكثرَ أو أقلَّ.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ} هذه السورة مكية ومناسبتها لآخر ما قبلها ظاهرة لأنه قال أم يقولون تقوله أي اختلق القرآن ونسبوه إلى الشعر وقالوا: هو كاهن هو مجنون فأقسم تعالى أنه عليه السلام ما ضل وأن ما يأتي به هو وحي من الله تعالى وهي أول سورة أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقراءتها في الحرم والمشركون يسمعون وفيها سجد وسجد معه المؤمنون والمشركون والجن والإِنس غير أبي لهب فإِنه رفع حفنة من التراب إلى جبهته وقال: يكفي هذا وسبب نزولها قول المشركين ان محمداً يختلق القرآن وأقسم تعالى بالنجم وهو هنا إسم جنس والمراد النجوم إذا هوت أي غربت وقيل النجم معين وهو الثريا وهويها سقوطها مع الفجر وهو علم عليها بالغلبة ولا تقول العرب النجم مطلقاً إلا للثريا وإذا ظرف زمان والعامل فيه محذوف تقديره كائناً إذا هوى وكائناً منصوب على الحال أقسم تعالى بالنجم في حال هويه. {مَا ضَلَّ} جواب القسم. و{صَاحِبُكُمْ} هو محمد صلى الله عليه وسلم. {وَمَا يَنطِقُ} أي الرسول عليه السلام. {عَنِ ٱلْهَوَىٰ} أي عن هوى نفسه. {إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ} من عند الله. {يُوحَىٰ} إليه. {عَلَّمَهُ} الضمير عائد على الرسول عليه السلام فالمفعول الثاني محذوف أي علمه الوحي أو على القرآن فالمفعول الأول محذوف أي علمه الرسول. {شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ} هو جبريل عليه السلام وهو مناسب للأوصاف التي بعده. {ذُو مِرَّةٍ} أي ذو قوة ومنه لا تحل الصدقة لغنى ولا لذي مرة سوي. {فَٱسْتَوَىٰ} أي جبريل في الجو. {وَهُوَ بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ} إذ رآه الرسول عليه السلام بحراء قد سدّ الأفق له ستمائة جناح وحينئذٍ دنا من محمد صلى الله عليه وسلم حتى كان قاب قوسين وكذلك هو المرئي في النزلة الأخرى له ستمائة جناح عند سدرة المنتهى. {ثُمَّ دَنَا} من رسول الله صلى الله عليه وسلم. {فَتَدَلَّىٰ} فتعلق عليه في الهواء. {فَكَانَ} مقدار مسافة قربه منه مثل. {قَابَ قَوْسَيْنِ} أي قدر قوسين فحذفت هذه المضافات والظاهر أن الدنو والتدلي كان بين جبريل عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم ويدل على ذلك قوله: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ} وسدرة المنتهى قيل هي شجرة نبق في السماء السابعة ثمرها كتلال هجر وورقها كآذان الفيلة تنبع من أصلها التي تذكرها الله تعالى في كتابه يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها والمنتهى موضع الانتهاء كأنه ينتهي إليها علم كل عالم ولا يعلم ما وراءها صعداً إلى الله تعالى. وقال الشاعر في وصفه صلى الله عليه وسلم: شعر : إلى السدرة العليا تسامى حقيقة فكان به المجد المؤثل للسدر تفسير : {عِندَهَا} الضمير عائد على السدرة. {إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ} فيه إبهام الموصول وصلته لتعظيم الغاشي وتكثير الذي يغشاها إذ ذاك أشياء لا يعلم وصفها إلا الله تعالى. {مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ} أي ما مال لا هكذا ولا هكذا. {وَمَا طَغَىٰ} أي ما جاوز المرئي إلى غيره بل وقع عليه وقوعاً صحيحاً وهذا تحقيق للأمر ونفي للريب عنه. {لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ} قيل الكبرى مفعول رأى أي رأى الآيات الكبرى والعظمى التي هي بعض آيات ربه أي حين رقي إلى السماء رأى عجائب الملكوت وتلك بعض آيات الله تعالى وقيل من آيات هو في موضع المفعول والكبرى صفة لآيات ربه ومثل هذا الجمع يوصف بوصف الواحدة وحسن ذلك هنا كونها فاصلة. {أَفَرَأَيْتُمُ} خطاب لقريش ولما قرر الرسالة أولاً واتبعه بما اتبعه من ذكر عظمة الله تعالى وقدرته الباهرة بدأ بذكر التوحيد والمنع عن الإِشراك بالله تعالى فوقفهم على حقارة معبوداتهم وهي الأوثان وأنها ليست لها قدرة واللات صنم كانت العرب تعظمه. قال قتادة: كان بالطائف. وقرىء اللات، قال ابن عباس: كان هذا رجلاً بسوق عكاظ يلت السمن والسويق عند صخرة وقيل كان ذلك الرجل من بهزيلت السويق للحاج على حجر فلما مات عبدوا الحجر الذي كان عنده إجلالاً لذلك الرجل وسموه باسمه. {وَٱلْعُزَّىٰ} صنم وقيل صخرة كانت بغطفان وأصلها تأنيث الأعز بعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها وخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها داعية ويلها واضعة يديها على رأسها فجعل يضربها بالسيف حتى قتلها وهو يقول: شعر : يا عز كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك تفسير : ورجع فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام: حديث : تلك العزى ولن تعبد أبداً . تفسير : {وَمَنَاةَ} قيل صخرة كانت لهذيل وخزاعة وقيل غير ذلك والذي يظهر أنها كانت ثلاثتها في الكعبة لأن المخاطب بذلك قوله: "أفرأيتم هم قريش" والظاهر أن. {ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ} صفتان لمناة وهما يفيدان التوكيد قيل ولما كانت مناة هي أعظم هذه الأوثان أكدت بهذين الوصفين كما تقول: أرأيت فلاناً وفلاناً ثم تذكر ثالثاً أجل منهما فتقول وفلاناً الآخر الذي من أمره وشأنه ولفظة آخر وأخرى يوصف به الثالث من المعدودات وذلك نص في الآيات: "واللات والعزى" ومناة منصوبة بقوله: "أفرأيتم" وهي بمعنى أخبرني والمفعول الثاني الذي لها هو قوله: {أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ} على حد ما تقرر في متعلق أرأيت إذا كانت بمعن أخبرني ولم يعد ضمير من جملة الاستفهام على اللات والعزى ومناة لأن قوله وله الأنثى هو في معنى وله هذه الإِناث فأغنى عن الضمير وكانوا يقولون في هذه الأصنام هي بنات الله تعالى فالمعنى ألكم النوع المستحسن المحبوب الموجود فيكم وله النوع المذموم بزعمكم وهو المستثقل وحسن إيراد الأنثى كونه نصاً في اعتقادهم أنهن إناث وأنهن بناته تعالى وإن كان في لحاق تاء التأنيث في اللات وفي مناة وألف التأنيث في العزى ما يشعر بالتأنيث لكنه قد يسمى المذكر بالمؤنث في قوله الأنثى. نص على اعتقاد التأنيث فيها وحسن ذلك أيضاً كونه جاء فاصلة إذ لو أتى ضميراً فكان التركيب ألكم الذكر وله هن لم تقع فاصلة عندكم والإِشارة بتلك إلى قسمتهم وتقريرهم أن لهم الذكران ولله البنات وكانوا يقولون ان هذه الأصنام والملائكة بنات الله تعالى. و{ضِيزَىٰ} أي جائرة يقال ضاز يضوزه ويضيزه وضأزه يضأزه وقرىء ضيزى بغير همز وبالهمز ووزنها فعلى والألف فيها للتأنيث. {إِلاَّ ٱلظَّنَّ} هو ترجيح أحد الجائزين. {وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ} أي تميل إليه بلذة وإنما تهوى أبداً ما هو غير الأفضل لأنها مجبولة على حب الملاذ وإنما يسوقها إلى حسن العاقبة والعقل. {وَلَقَدْ جَآءَهُم} توبيخ لهم فالذي هم عليه فاصل واعتراض بين الجملتين أي يفعلون هذه القبائح والهدى قد جاءهم فكانوا أولى من يقبله ويترك عبادة من لا تجدي عبادته شيئاً. {أَمْ لِلإِنسَانِ} هو متصل بقوله: {وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ} أي بل للإِنسان والمراد به الجنس. {مَا تَمَنَّىٰ} ما تعلقت به أمانيه أي ليست الأشياء والشهوات تحصل بالأماني بل الأمر لله تعالى فقولكم ان آلهتكم تشفع وتقرب زلفى ليس لكم ذلك. {فَلِلَّهِ ٱلآخِرَةُ وٱلأُولَىٰ} أي هو مالكها فيعطي منها من يشاء ويمنع من يشاء وليس لأحد أن يبلغ منها إلا ما شاء الله تعالى له وقدم الآخرة في الذكر لشرفها وديمومتها وآخر الأولى لتأخيرها في ذلك ولكونها فاصلة فلم يراع الترتيب الوجودي كقوله: {أية : وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ}تفسير : [الليل: 13].
الجيلاني
تفسير : {وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ} [النجم: 1] أي: وحق النجوم الثواقل الهاوية، النازلة بقلوب أرباب الإدارة من عالم اللاهوت؛ ليهتدوا بها في ظلمات التعينات إلى فضاء التوحيد وشمس الوحدة الذاتية الحقيقية. {مَا ضَلَّ} أي: ما انحرف وعدل {صَاحِبُكُمْ} الرسول المؤيد من عند الله، المستوي على صراط العدالة الإلهية عن طريق التوحيد والتحقيق {وَمَا غَوَىٰ} [النجم: 2] أي: ما ضلَّ وانصرف في سلوك سبيل الحق نحو الباطل الزاهق الزائغ. {وَمَا يَنطِقُ} ويتكلم بالقرآن المعجز {عَنِ ٱلْهَوَىٰ} [النجم: 3] الناشئة من ظلمات الطبيعة والهيولي. {إِنْ هُوَ} أي: ما القرآن الذي ينزل إليه صلى الله عليه وسلم ويتكلم هو به {إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ} [النجم: 4] إليه من عند ربه، بلا تصنع له فيه، وتكلف من جانبه. بل {عَلَّمَهُ} عناية عليه وتكريماً، وتأييداً بشأنه وتعظيماً {شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ} [النجم: 5] الذي لا حول ولا قوة في الوجود إلا منه وبه وله؛ إذ لا موجود سواه. هو سبحانه {ذُو مِرَّةٍ} قوة وقدرة ذاتية محيطة لعموم ما ظهر وبطن من المظاهر، وبعد تعليم الحق إياه صلى الله عليه وسلم وتقويته وتأييده {فَٱسْتَوَىٰ} [النجم: 6] تمكن واعتدل صلى الله عليه وسلم على صراط العدالة، وتمكن على مرتبة الخلافة والنيابة. {وَهُوَ} حينئذ من كمال التربية والتأييد تمكن {بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ} [النجم: 7] الذي هو أفق عالم اللاهوت، ومطلع شمس الذات من مشرق عالم العمى، الذي هو {أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ}تفسير : [النور: 35]. {ثُمَّ دَنَا} وتقرب إلى ربه {فَتَدَلَّىٰ} [النجم: 8] وتعلق به سبحانه نوع تعلق ولحوق إلى حيث {فَكَانَ} قرب ما بينها {قَابَ قَوْسَيْنِ} أي: مقدار قوسي الوجوب والإمكان، الحافظين لمرتبتي الألوهية والعبودية {أَوْ أَدْنَىٰ} [النجم: 9] وأقرب منهما لفناء حصة الناسوت مطلقاً في حصة اللاهوت. وبعدما صار صلى الله عليه وسلم ما صار وقرب إلى حيث قرب {فَأَوْحَىٰ} وألهم سبحانه {إِلَىٰ عَبْدِهِ} الذي هو سبحانه أقرب إليه من نفسه {مَآ أَوْحَىٰ} [النجم: 10] من المعارف والحقائق، والمكاشفات والمشاهدات الفائضة عليه من لدنه سبحانه، الخارجة عن طور ناسوته وبشريته، فرأى صلى الله عليه وسلم ما رأى، وانكشف بما انكشف؟ وبالجملة: {مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ} أي: فؤداه صلى الله عليه وسلم الذي هو من منهيات عالم اللاهوت، المتمكن في قلوب ذوي العناية، وأولي الألباب على سبيل الوديعة من قِبل الحق {مَا رَأَىٰ} [النجم: 11] وشهد حين وصوله ولحوقه بالأفق الأعلى. {أَ} تنكرون انكشافه وشهوده صلى الله عليه وسلم أيها المحجوبون المحرومون {فَتُمَارُونَهُ} وتجادلون معه على سبيل المراء والمكابرة {عَلَىٰ مَا يَرَىٰ} [النجم: 12] من الذوقيات والوجدانيات التي تأبى عنها عقولكم، وتعمي أبصاركم، ولا يمكن إلقاؤها وكشفها لكم. وكيف تستبعدون وتنكرون له صلى الله عليه وسلم أمثال هذا {وَ} الله {لَقَدْ رَآهُ} ما رآه من الشهودات التي تدهش منها عقول العقلاء، وتتحير أوهامهم وخيالاتهم {نَزْلَةً أُخْرَىٰ} [النجم: 13] مرة أخرى قبل عروجه ووصوله إلى الأفق الأعلى، والمقام الأدنى الذي هو اليقين الحقي، وذلك {عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ} [النجم: 14] التي ينتهي إليها ودونها اليقين العلمي والعيني. إذ {عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ} [النجم: 15] التي يأوى إليها أرباب العناية شوقاً إلى لقاء الله، وهو موعد الرؤيا والعيان، ومقام التوحيد والعرفان. {إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ} المعهودة؛ أي: يغطي الموعد الموعود، ويحيط بها {مَا يَغْشَىٰ} [النجم: 16] من التجليات الإلهية المتشعشعة حسب الشئون المتجددة، المحيرة لعيون النواظر من أرباب الولاء، الوالهين بمطالعة وجه الله الكريم. وبالجملة: {مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ} أي: ما مال وانحرف بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند تعاقب التجليات الإلهية، وترادف شئونه الغيبية، وتطوراته الجمالية والجلالية حسب أسمائه وصفاته العلية، عن وحدة ذاته، وما يشغله شيء منه عنه سبحانه {وَمَا طَغَىٰ} [النجم: 17] خرج نفسه صلى الله عليه وسلم عند رؤية ما رأى من العجائب والغرائب عن ربقة الرقية صلى الله عليه وسلم، وعروة العبودية، بل التزم حينئذ بقيام ما لزم من آداب العبودية ولوازم الإطاعة والانقياد أكثر مما التزمها قبل انكشافه. والله {لَقَدْ رَأَىٰ} صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء {مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ} [النجم: 18] أي: الآيات الكبرى التي هي آيات ربه الذي رباه على رؤية آياته الكبرى، ما لا يراه أحد من المكاشفين، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل من بني نوعه. {أَ} تنكرون أيها الجحادون وحدة الحق عز شأنه وجل برهانه، وانكشاف حبيبه صلى الله عليه وسلم بوحدته وبلوازم ألوهيته وربوبيته، ورسالته من عنده سبحانه على عموم بريته وكافة خليقته؛ ليرشدهم إلى الإيمان به، ويهديهم إلى توحيده {فَرَأَيْتُمُ} أثبتم وأخذتم الأصنام شركاء له، مشاركين معه في ألوهيته وربوبيته؛ يعني: الأولى {ٱللاَّتَ وَ} الثاني {ٱلْعُزَّىٰ} [النجم: 19] {وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ} [النجم: 20] مع أنها جمادات لا شعور لها ولا يصدر شيء منها. وأعظم من ذلك أنكم أثبتم له سبحانه الأولاد أخسها وأدونها، {أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ} الأشرف والأكرم أيها الحمقى {وَلَهُ} سبحانه مع كما تنزهه عن نقيصه، اتخاذ الوالد المترتب على القوة الشهوية {ٱلأُنْثَىٰ} [الأنثى: 21] المرذولة المستهجنة. والله {تِلْكَ} القسمة التي جئتم بها مع استحالتها في حقه سبحانه {إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ} [النجم: 22] أي: لو فرض في شأنه سبحانه هذه، لكانت قسمتكم قسمة عوجاء جائزة مائلة عن العدالة؛ إذ أنتم أيها الحمقى تستنكفون عن الأنثى، وتثبتونها لله المنزه عن الأهل والولد، المقدس عن مطلق أمارات الحدوث وعلامات النقصان. وبالجملة: {إِنْ هِيَ} أي: ما آلهتكم التي أنتم أثبتموها، واعتقدتم شركتها مع الله {إِلاَّ أَسْمَآءٌ} لا مسيمات لها أصلاً بل {سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ} تبعاً {وَآبَآؤُكُم} أصالة من تلقاء أنفسكم؛ إذ {مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} برهان واضح، وحجة قاطعة بل {إِن يَتَّبِعُونَ} أي: ما يتبع أسلافكم الحمقى {إِلاَّ ٱلظَّنَّ} والخيال الناشئ من أوهامهم وأحلامهم السخيفة أمثالكم أيها الجاهلون {وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ} أي: ما تهويه وتشتهيه نفوسهم {وَلَقَدْ جَآءَهُم} ونزل عليهم حينئذ أيضاً على ألسنة رسلهم {مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ} [النجم: 23] المصول إلى مرتبة التوحيد، فتركوها ظلماً وعدواناً، ولم يتبعوها أمثالكم أيها الحمقى. أتطمعون الشفاعة من تلك الآلهة الهلكى، وتأملون معاونتهم ومظاهرتهم إياكم أيها الحمقى؟! {أَمْ} تعتقدون أن يحصل {لِلإِنسَانِ} جميع {مَا تَمَنَّىٰ} [النجم: 24] وتأمل من اللذات والشهوات. بل {فَلِلَّهِ} وفي قبضة قدرته وتحت صرفه {ٱلآخِرَةُ وٱلأُولَىٰ} [النجم: 25] أي: ما جرى في النشأة الأولى والأخرى من الكرامات، يمنُّ بها على من يشاء، ويصرفها عمن يشاء إرادة واختياراً، لا يحكم عليه ولا ينازع في سلطانه، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. ثم قال سبحانه تسجيلاً على غاية غبواوتهم، ونهاية بلادتهم وحماقتهم في اتخاذهم الأصنام آلهة، واعتقادهم شفعاء: {وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: كثير من الملائكة المقبولين عند الله، المهيمين بمطالعة وجهه الكريم، مع ذلك القرب والشرف {لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً} من الإغناء {إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ} لهم ليشفعوا عنده سبحانه {لِمَن يَشَآءُ} سبحانه خلاصهم من عباده {وَيَرْضَىٰ} [النجم: 26] بشفاعة الشفعاء عندهم لاستخلاصهم بإذن منه سبحانه. وهؤلاء الحمقى يدعون الشفاعة لأولئك الهلكى، ويعتقدونها آلهة متشاركين مع الله في الألوهية والربوبية ظلماً وعدواناً، بلا حجة وبرهان، ومن غاية عدوانهم وطغيانهم: يهينون الملائكة المكرمين المقربين، ويستحقرونهم حيث ينسبونهم إلى الأنوثة المستلزمة لغاية النقصان.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : أيها المسبح بأعداد النجوم عند نزول النجم الحقيقي الذي صار محلاً للقسم، حيث قال في كتابه المحكم: {وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ} [النجم: 1]؛ يعني: بحق اللطيفة الخفية النازلة على محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم، {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ} [النجم: 2]؛ يعني: ما ضل محمد صلى الله عليه وسلم فيما اختار طاعة الله وعبادته، وما غوى فيما يأمركم به وينهاكم عنه، {وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ} [النجم: 3]، وما يتكلم عن هوى نفسه أبداً، {إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ} [النجم: 4]؛ يعني: ليس نطقه وكلامه إلا وحياً من الله تعالى يوحي إليه، {عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ} [النجم: 5]؛ يعني: علمه جبرائيل الذي هو أمين الوحي، وحظك منه أيها السالك في عالم الأنفس أن تعلم أن الله أودع فيك اللطفيفة الخفية؛ وهي داعية إلى الحق اللطائف القالبية والنفسية، والقلبية والسرية، والروحية والخفية، وقواها والوارد الذي يرد عليك عند التصفية والتزكية كان من عند الله، علمتك القوة الروحانية الشديدة على الشيطان. {ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ} [النجم: 6]؛ يعني: ذي قوة معتدلة بأمر الحق عند اللطيفة الخفية، {وَهُوَ بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ} [النجم: 7]؛ يعني: محمد كان بالأفق الأعلى حين ذي قوة استواء جبرائيل والأفق الأعلى كان لمحمد ولروحانيته؛ لأن أفقه كان أعلى الأفق، ولكل لطيفة أفق ما فوقه وأفق ما تحته، فملحمد أفقان: أفق الفوق إلى الحق: وهو الأفق المبين. وأفق التحت إلى الخلق، والأفق الأعلى؛ أي: أفقه أعلى الأفق ومنتهى وصول اللطائف إليه، فكذلك للطيفتك الخفية أفقان فاطلب أفقها، واجتهد أن تأخذ من الحق في الأفق المبين؛ يعني: بلا واسطة ولا تقنع بالستور؛ لئلا تكون ممن أكل من تحته، وكن عالي الهمة لتأكل من الفوق والتحت ومن جميع الجهات، ثم لا تقنع بهذا حتى تصل إلى مقام تأكل منه، ولا يمكن لأحد أن يأكل من ذاته إلا بعد وصوله إلى الذات الواحدة وهلاكه فيها، وبيان سر الهلاك في الذات يقرع باب الطلع، وأما مأمور شدة فأعبر وأعتبر. {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ} [النجم: 8]؛ يعني: نزل شديد القوة على اللطيفة ودنا منها فكان دنوه، {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ} [النجم: 9] مقدار قوسين أو أدنى، افهم يا سالك أن اللطيفة الخفية دنت من الحق، فتدلت بنزولها من أفق الأزل إلى أفق الأبد حتى تصل أفق الأزل بالأبد، وهو عبارة عن {قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ} [النجم: 9]، إشارة إلى: اتصال طرفي القوس عند غاية النزع، وهذه العبارة والإشارة يدلان على وصول اللطيفة الخفية إلى الحق على حد ما كان لأحد أن يتجاوز ذلك الحد، والذي أشار إليه المفسرون: إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبرائيل بحيث سد الأفق قول صدق وكلام حق، ولكن ينبغي أن يعرف اللطيفة الجبرائيلية والأفق، ويعلم أن صورته كيف سرقت الأفق وما يعني سد الأفق، وحقائق هذه الأشياء متعلقة بحد القرآن مما لا يؤذن تفسيره، خذ من تفسير بطنه نصيب باطنك، وخذ من ظهره حظ ظاهرك؛ وهو الإيمان والإقرار مما قال الله تعالى، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرادوا أراد رسول الله بذلك القول. {فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ} [النجم: 10]؛ يعني: أوحى الله تعالى إلى محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام أعلى مقام الزلفى والقربى جهراً، ما أوحى إلى سره قبل ذلك الوقت سراً، وهذا السر كشوفي ثم شهودي؛ يعني: ألهم الرب سر السالك من حيث الكشف في البداية سراً، ثم يلهمه بعد إيصاله إلى حضرة المشاهدة جهراً؛ ليتفق بالإلهام الكشفي أنه كان من الحق سبب الوحي الجهري حالة الشهود، وهذه الطريقة مبناه واضحة عند أصحاب الوصول في السير والسلوك. {مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ} [النجم: 11]؛ يعني في الوحي الشهودي لا يمكن للقوة المدركة أن تكذب ما رأى فؤادها، غير أنها في عالم الكشف كانت دخيلة نظراً عليها الشبهة بإلقاء الشيطان في روعها، {أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ} [النجم: 12] في المشاهدة؛ يعني: خاطبي قواك، أتنكرون على اللطيفة ما رأت في عالم الشهود؟ ويجادلها {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ} [النجم: 13]؛ يعني: اللطيفة الخفية، رأى الحق بعد نزوله من الأفق الأعلى إلى سدرة المنتهى وسدرة المنتهى ووحيه، كما أن الأفق الأعلى خفي، فيها جنة المأوى كما قال تعالى: {عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ * عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ} [النجم: 14-15]، وكل ما ذكره أهل الظاهر في تفسير سدرة المنتهى حق، فينبغي أن يشاهد السالك في معراجه مثل ما ذكروه، وجنة المأوى اليوم موجودة بل هي معك، فإن كنت عمرتها وزرعت فيها البذور والطيبة صارت جنة المأوى، والنار موجودة وهي معك، فإن كنت عمرتها وزرعت فيها البذور الفاسدة صارت جهنم وهي أيضاً معك، وكلاهما في المنتهى، ولكل أحد من الناس سدرة المنتهى حاصلة؛ لأن منتهى سره يكون إليها ولا يمكن التجاوز عنها، فأما المخصوصون المجذوبون فإنهم جذبوا عنها بجذبات اللطف، كما أخبرنا الصادق الصدوق صلى الله عليه وسلم بقوله: "حديث : جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين"؛تفسير : لأن العامل يصل بعمله إلى سدرة منتهاه، ولا يمكن التجاوز عنها بعمله؛ لأن العمل يتعلق بالعامل، ولا يصل أحد إلى الله بعمله إلا بتوفيقه وجذبته، ولكن يصل بعمله المخلوق إلى سدرة منتهاه؛ وهي أيضاً مخلوقة، فاجتهد في أن تصل إلى سدرة منتهى استعدادك اليوم، وتشاهد ما هيئت نفسك في سدرتك، ولا تلتفت إليه وتوجه بالكلية شطر جناب الجبروت؛ لأن السدرة وما فيها ملكوتية.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقسم تعالى بالنجم عند هويه أي: سقوطه في الأفق في آخر الليل عند إدبار الليل وإقبال النهار، لأن في ذلك من آيات الله العظيمة، ما أوجب أن أقسم به، والصحيح أن النجم، اسم جنس شامل للنجوم كلها، وأقسم بالنجوم على صحة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الوحي الإلهي، لأن في ذلك مناسبة عجيبة، فإن الله تعالى جعل النجوم زينة للسماء، فكذلك الوحي وآثاره زينة للأرض، فلولا العلم الموروث عن الأنبياء، لكان الناس في ظلمة أشد من الليل البهيم. والمقسم عليه، تنزيه الرسول صلى الله عليه وسلم عن الضلال في علمه، والغي في قصده، ويلزم من ذلك أن يكون مهتديا في علمه، هاديا، حسن القصد، ناصحا للأمة بعكس ما عليه أهل الضلال من فساد العلم، وفساد القصد. وقال { صَاحِبُكُمْ } لينبههم على ما يعرفونه منه، من الصدق والهداية، وأنه لا يخفى عليهم أمره، { وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى } أي: ليس نطقه صادرا عن هوى نفسه { إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى } أي: لا يتبع إلا ما أوحى الله إليه من الهدى والتقوى، في نفسه وفي غيره. ودل هذا على أن السنة وحي من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: {أية : وَأَنزلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } تفسير : وأنه معصوم فيما يخبر به عن الله تعالى وعن شرعه، لأن كلامه لا يصدر عن هوى، وإنما يصدر عن وحي يوحى. ثم ذكر المعلم للرسول صلى الله عليه وسلم، وهو جبريل [عليه السلام]، أفضل الملائكة [الكرام] وأقواهم وأكملهم، فقال: { عَلَّمَهُ [شَدِيدُ الْقُوَى] } أي: نزل بالوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام، { شديد القوى } أي: شديد القوة الظاهرة والباطنة، قوي على تنفيذ ما أمره الله بتنفيذه، قوي على إيصال الوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنعه من اختلاس الشياطين له، أو إدخالهم فيه ما ليس منه، وهذا من حفظ الله لوحيه، أن أرسله مع هذا الرسول القوي الأمين. { ذُو مِرَّةٍ } أي: قوة، وخلق حسن، وجمال ظاهر وباطن. { فَاسْتَوَى } جبريل عليه السلام { وَهُوَ بِالأفُقِ الأعْلَى } أي: أفق السماء الذي هو أعلى من الأرض، فهو من الأرواح العلوية، التي لا تنالها الشياطين ولا يتمكنون من الوصول إليها. { ثُمَّ دَنَا } جبريل من النبي صلى الله عليه وسلم، لإيصال الوحي إليه. { فَتَدَلَّى } عليه من الأفق الأعلى { فَكَانَ } في قربه منه { قَابَ قَوْسَيْنِ } أي: قدر قوسين، والقوس معروف، { أَوْ أَدْنَى } أي: أقرب من القوسين، وهذا يدل على كمال المباشرة للرسول صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وأنه لا واسطة بينه وبين جبريل عليه السلام. { فَأَوْحَى } الله بواسطة جبريل عليه السلام { إِلَى عَبْدِهِ } محمد صلى الله عليه وسلم { مَا أَوْحَى } أي: الذي أوحاه إليه من الشرع العظيم، والنبأ المستقيم. { مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى } أي: اتفق فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم ورؤيته على الوحي الذي أوحاه الله إليه، وتواطأ عليه سمعه وقلبه وبصره، وهذا دليل على كمال الوحي الذي أوحاه الله إليه، وأنه تلقاه منه تلقيا لا شك فيه ولا شبهة ولا ريب، فلم يكذب فؤاده ما رأى بصره، ولم يشك بذلك. ويحتمل أن المراد بذلك ما رأى صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، من آيات الله العظيمة، وأنه تيقنه حقا بقلبه ورؤيته، هذا [هو] الصحيح في تأويل الآية الكريمة، وقيل: إن المراد بذلك رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم لربه ليلة الإسراء، وتكليمه إياه، وهذا اختيار كثير من العلماء رحمهم الله، فأثبتوا بهذا رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم لربه في الدنيا، ولكن الصحيح القول الأول، وأن المراد به جبريل عليه السلام، كما يدل عليه السياق، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى جبريل في صورته الأصلية [التي هو عليها] مرتين، مرة في الأفق الأعلى، تحت السماء الدنيا كما تقدم، والمرة الثانية فوق السماء السابعة ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال: { وَلَقَدْ رَآهُ نزلَةً أُخْرَى } أي: رأى محمد جبريل مرة أخرى، نازلا إليه. { عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى } وهي شجرة عظيمة جدا، فوق السماء السابعة، سميت سدرة المنتهى، لأنه ينتهي إليها ما يعرج من الأرض، وينزل إليها ما ينزل من الله، من الوحي وغيره، أو لانتهاء علم الخلق إليها أي: لكونها فوق السماوات والأرض، فهي المنتهى في علوها أو لغير ذلك، والله أعلم. فرأى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل في ذلك المكان، الذي هو محل الأرواح العلوية الزاكية الجميلة، التي لا يقربها شيطان ولا غيره من الأرواح الخبيثة. عند تلك الشجرة { جَنَّةُ الْمَأْوَى } أي: الجنة الجامعة لكل نعيم، بحيث كانت محلا تنتهي إليه الأماني، وترغب فيه الإرادات، وتأوي إليها الرغبات، وهذا دليل على أن الجنة في أعلى الأماكن، وفوق السماء السابعة. { إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى } أي: يغشاها من أمر الله، شيء عظيم لا يعلم وصفه إلا الله عز وجل. { مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى } أي: ما زاغ يمنة ولا يسرة عن مقصوده { وَمَا طَغَى } أي: وما تجاوز البصر، وهذا كمال الأدب منه صلوات الله وسلامه عليه، أن قام مقاما أقامه الله فيه، ولم يقصر عنه ولا تجاوزه ولا حاد عنه، وهذا أكمل ما يكون من الأدب العظيم، الذي فاق فيه الأولين والآخرين، فإن الإخلال يكون بأحد هذه الأمور: إما أن لا يقوم العبد بما أمر به، أو يقوم به على وجه التفريط، أو على وجه الإفراط، أو على وجه الحيدة يمينا وشمالا وهذه الأمور كلها منتفية عنه صلى الله عليه وسلم. { لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى } من الجنة والنار، وغير ذلك من الأمور التي رآها صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به.
همام الصنعاني
تفسير : 3020- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ}: [الآية: 1]، قال: تلا النبي صلى الله عليه وسلم: {وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ} فقال ابن أبي لهب - حسبت أنه قال: اسمه عتبة بن أبي لهب - كفرت بربِّ النجم، فقال النبي صلى الله عيه وسلم: "حديث : احذر، لا يَاْكلك كل الله ". تفسير : 3021- قال عبد الرزاق، قال معمر، وأخبرني ابن طاوس، عن أبيه قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أما يَخَافُ أَنْ يُسَلِّط الله عليه كلبه"تفسير : فخرج ابن أبي لهب مع أُناسٍ في سَفَرٍ حتى إذا كانوا ببعض الطريق سمعوا صوت الأسد فقال: ما هو إلا يريدني، فاجتمع أصحابه حوله وجعلوه في وسطهم، حتى إذَا نامُوا جَاءَ الأسد فأخذ بِهَامتِهِ. 3022- حدثنا عبد الرزاق، قال أنبأنا ابن عُيَيْنة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: {وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ}: [الآية: 1]، قَالَ: الثُّرَيّا إذَا غَابَت. 3023- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن مجاهد، عن أبيه مثله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):