٥٣ - ٱلنَّجْم
53 - An-Najm (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
3
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا يَنطِقُ } بما يأتيكم به {عَنِ ٱلْهَوَىٰ } هوى نفسه.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَمَا يَنطِقُ} عن هواه {إِنْ هُوَ إِلا وَحْىٌ} يوحيه الله تعالى إلى جبرائيل عليه السلام ويوحيه جبريل إليه أو وما ينطق عن شهوة وهوى {إِنْ هُوَ إِلا وَحْىٌ يُوحَى} بأمر ونهي من الله تعالى وطاعة له.
ابو السعود
تفسير : {وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ} أي وما يصدرُ نطقُه بالقرآنِ عن هَوَاهُ ورأيهِ أصلاً فإنَّ المرادَ استمرارُ نفي النطقِ عن الهوى لا نَفيُ استمرارِ النطقِ عنْهُ كما مرَّ مِراراً. {إِنْ هُوَ} أي مَا الذي ينطقُ به من القرآنِ {إِلاَّ وَحْىٌ} من الله تعالى. وقولُه تعالى: {يُوحَى} صفةٌ مؤكدةٌ لوحي رافعةٌ لاحتمالِ المجازِ مفيدةٌ للاستمرارِ التجدديِّ {عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ} أي مَلَكٌ شديدٌ قُواهُ وهو جبريلُ عليهِ السَّلامُ فإنَّه الواسطةُ في إبداءِ الخوارقِ وناهيكَ دليلاً على شدةِ قوتِه أنه قلعَ قُرَى قومِ لوطٍ من الماءِ الأسودِ الذي هو تحتَ الثَّرى وحملَها على جناحِه ورفعَها إلى السماءِ ثم قلبَها وصاحَ بثمودَ صيحةً فأصبحُوا جاثمينَ وكانَ هبوطُه على الأنبـياءِ وصعودُه في أسرعَ منْ رجعةِ الطرفِ {ذُو مِرَّةٍ} أي حصافةٍ في عقلِه ورأيِه ومتانةِ في دينِه {فَٱسْتَوَىٰ} عطفٌ على علَّمه بطريقِ التفسير فإنَّه إلى قولِه تعالى ما أَوْحَى بـيانٌ لكيفيةِ التعليمِ أي فاستقامَ على صورتِه التي كانَ يتمثلُ بها كلما هبطَ بالوحَيْ وذلكَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أحبَّ أنْ يراهُ في صورتِه التي جُبلَ عليها وكانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بحراءَ فطلعَ له جبريلُ عليهِ السَّلامُ من المشرقِ فسدَّ الأرضَ من المغربِ وملأَ الأفقَ فخرَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فنزلَ جبريلُ عليهِ السَّلامُ في صورةِ الآدميـينَ فضمَّهُ إلى نفسِه وجعلَ يمسحُ الغُبارَ عن وجههِ قيلَ: ما رآهُ أحدٌ من الأنبـياءِ في صورتِه غيرُ النبـيِّ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فإنَّهُ رآهُ فيَها مرتينِ مرةً في الأرضِ ومرةً في السماءِ وقيلَ: استوَى بقوتِه على ما جُعلَ له من الأمرِ. وقولُه تعالَى: {وَهُوَ بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ} أفقِ الشمسِ حالٌ منْ فاعلٍ استوى {ثُمَّ دَنَا} أي أرادَ الدنوَّ من النبـيِّ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ {فَتَدَلَّىٰ} أي استرسلَ من الأفقِ الأَعْلى مع تعلقٍ بهِ فدنَا من النبـيِّ، يقالُ تدلّت الثمرةُ ودلَّى رجليهِ من السريرِ وأدلَى دلْوَهُ والدَّوالي الثمرُ المعلقُ {فَكَانَ} أي مقدارُ امتدادِ ما بـينَهما {قَابَ قَوْسَيْنِ} أي مقدارَهُما فإنَّ القابَ والقِيْبَ والقادَ والقِيْدَ والقِيْسَ المقدارُ، وقيلَ: فكانَ جبريلُ عليهِ السَّلامُ كَما في قولكَ هو مِنِّي معقدُ الإزارِ. {أَوْ أَدْنَىٰ} أيْ عَلى تقديرِكم كَما في قولِه تعالى: {أية : أَوْ يَزِيدُونَ } تفسير : [سورة الصافات، الآية 147] والمرادُ تمثيلُ ملَكةِ الاتصالِ وتحقيقُ استماعِه لما أُوحيَ إليه بنفِي البُعدِ المُلبسِ.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ}[3] يعني لا ينطق بالباطل قط. قال كان نطقه حجة من حجج الله تعالى، فكيف يكون للهوى والشيطان عليه اعتراض؟
السلمي
تفسير : قال جعفر: كيف ينطق عن الهوى من هو ناطق بإظهار التوحيد وإتمام الشريعة وإيجاب الأمر والنهى بل ما ينطق إلا بأمر ولا سكت إلا بأمر وكان أمره قربة من الحق وكان نهيه أدبًا وزجرًا. قال الحسين: من عرف اللطائف علت أخطاره وجلَّت أقداره وكان الشيخ فتنة عليه. قال لصفيه {وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ} أخذته النعوت مبتدلاً فى شواهد شعاعها فلا يهتم لآدم ومن دونه لفنائهم عنده ومن لبس الأولية بتيقنه وارتدى الآخرية بتودده ارتفع كل حدث عن صفاته وأحواله.
القشيري
تفسير : أي ما ينطق بالهوى، وما هذا القرآنُ إلا وحيٌ يُوحَى. وفي هذا أيضاً تخصيصٌ له بالشهادة؛ إذ قال لداود: {أية : فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ}تفسير : [ص: 26]. وقال في صفة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم {وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ}. (ومتى ينطق عن الهوى) وهو في محل النجوى؟ في الظاهر مزمومٌ بِزِمام التقوى، وفي السرائر في إيواء المولى، مُصَفًّى عن كدورات البشرية، مُرَقًّى إلى شهود الأَحَدِية، مُكاشَفٌ بجلالِ الصمدية، مُخْتَطفٌ عنه بالكُلِّيَّة، لم تبقَ منه إلا للحقِّ بالحقِّ بقية...ومَنْ كان بهذا النعت... متى ينطق عن الهوى؟.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ} كيف ينطق عن الهوى من ليس له علة الهوى وكان مقدسا من شوايب الخليقة منور بانوار الحقيقة كان نطق نطق الحق وفعله فعل الحق وقلبه ميادين تجلى الحق كيف يجرى عليه الخطرات الشيطانية والهواجس النفسانية وكان محفوظا بعين الكلاية وحسن والرعاية ما نطق فهو وحى الله وكلامه واشارة الله والهامه جعله الله مصباح وجوده فى العالم وانوار جوده فى أدم قال الحسين من عرف اللطائف علت اخطاره وجلت اقداره وصار الشح عليه فتنة قال لصفيه وما ينطق عن الهوى اخذته النعوت فنبذته فى شواهد شعاعها فلا يهتم لأدم ومن دون لقيامه عنده وامن لبس الاولية بتيقنه وارتدى الأخرية بتوحيده ارتفع كل حادث عن صفاته واحواله قال الواسطى الوحى للانبياء ضروب الوحى للعامة من الانبياء بالرسل من الملائكة والثانى أداب نفوسهم من القوة الفهم ما ينطق عن الهوى ان هو الا وحى يوحى بان الوحى المهام يومئذ تحدث اخبارها والثالث ما كان منه فى المنامات وهو على شئ لهم ليس لغير الله فيه معنى قال الاستاذ متى ينطق عن الهوى من هو فى محل النجوى فى الظاهر مزموم بزمام التقوى وفى السرائر فى ايواء المولى مصفى عن كدورات البشرية مرقى الى شهود الاحدية مكاشف لجلال الصمدية مختطف عنه بالكلية لم يبق عليه منه الا الحق بالحق بقية فمن كان بهذا النعت متى ينطق عن الهوى.
اسماعيل حقي
تفسير : {وماينطق عن الهوى} يقال نطق ينطق نطقا ومنطقا ونطوقا تكلم بصوت وحروف يعرف بها المعانى كما فى القاموس فلا يستعمل فى الله تعالى لان التكلم بالصوت والحروف من خواص المخلوق والهوى مصدر هويه من باب علم اذا احبه واشتهاه ثم غلب على الميل الى الشهوات والمستلذات من غير داعية الشرع ومنه قيل صاحب الهوى للمبتدع لانه مائل الى مايهواه فى امر الدين فالهوى هو الميل المخصوص المذموم ولهذا نهى الله انبياءه فقال لداود عليه السلام ولا تتبع الهوى ولنبينا عليه السلام ولا تتبع اهوآءهم ولم يمل احد من الانبياء اليه بدليل قوله عليه السلام "حديث : مااطلى نبى قط"تفسير : يقل اطلى الرجل اذا مال الى هواه (حكى) عن بعض الكبار انه قال كنت فى مجلس بعض الغافلين فتكلم الى أن قال لامخلص لاحد من الهوى ولو كان فلانا عنى به النبى عليه السلام حيث قال حبب الى من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وقرة عينى فى الصلاة فقلت له اما تستحيى من الله تعالى فانه ماقال احببت بل قال حبب فكيف يلام العبد على ما كان من عند الله تعالى ثم حصل لى غم وهم فرأيت النبى عليه السلام فى المنام فقال لا تغتم فقد كفينا امره ثم سمعت انه خرج ضيعة له فقتل فى الطريق نعوذ بالله من الاطالة على الانبياء وورثتهم الاولياء وضمن ينطق معنى الصدور فتعدى بكلمة عن فالمعنى ومايصدر نطقه بالقرءآن عن هواه ورأيه اصلا فان المراد استمرار نفى النطق عن الهوى لان فى استمرار النطق عنه وقد قال عن هنا بمعنى الباء اى وما ينطق بالهوى كما يقال رميت عن القوس اى بالقوس وفى التنزيل وما نحن بتاركى آلهتنا عن قولك اى بقولك قال ابن الشيخ قال اولا ماضل وما غوى بصيغة الماضى ثم قال وما ينطق عن الهوى بصيغة المستقبل بيانا لحاله قبل البعثة وبعدها اى ماضل وما غوى حين اعتزلكم وما تبعدون قبل أن يبعث رسولا وماينطق عن الهوى الآن حين يتلوا عليكم آيات ربه انتهى. يقول الفقير فيه بعد كما لايخفى والظاهر ان صيغة الماضى باعتبار قولهم قد ضل وغوى اشارة الى تحقق ذلك فى زعمهم واما صيغة المضارع فباعتبار تجدد النطق فى كل حال والله اعلم بكل حال
الجنابذي
تفسير : {وَمَا يَنطِقُ} بالقرآن او بالولاية او بمطلق ما ينطق به او بالاحكام الشّرعيّة {عَنِ ٱلْهَوَىٰ} اى هوى نفسه من دون امر ربّه.
اطفيش
تفسير : {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} رد عليهم اي لا يتكلم بما يهواه من تلقاء نفسه وفاعل ينطق ضمير الصاحب وقيل ضمير القرآن وهو بعيد، قيل: وعن بمعنى الباء، وال عوض عن الضمير أي عن هواه أو الضمير مقدر أي عن الهوى له، قال ابن هشام: والظاهر أنها للمجاوزة أي ما يصدر قوله عن الهوى.
اطفيش
تفسير : من عند نفسه، بل بما مَنَّ الله تعالى به من قرآن وغيره، وعن بمعنى الباء، لأنه يقال نطق بكذا من نيابة حرف عن حرف عند الكوفيين، وقال البصريون، عن على: أصلها لتضمن ينطق معنى ما يتعدى بعن، مثل يصدر، وهكذا فى جميع المواضع، الكوفيين يقولون: حرف بمعنى آخر، والبصريون يأولون المتعلق بما يناسب أصل معنى الحرف، اختار بعض المحققين المتأخرين قولهم، وأظن ابن هشام، اختار قول الكوفيين.
الالوسي
تفسير : {وَمَا يَنطِقُ} أي النبـي صلى الله عليه وسلم لتقدم ذكره في قوله سبحانه: { أية : صَـٰحِبُكُمْ } تفسير : [النجم: 2] والنطق مضمن معنى الصدور فلذا عدي بعن في قوله تعالى: {عَنِ ٱلْهَوَىٰ } وقيل: هي بمعنى الباء وليس بذاك أي ما يصدر نطقه فيما آتاكم به من جهته عز وجل كالقرآن، أو من القرآن عن هوى نفسه ورأيه أصلاً فإن المراد استمرار النفي كما مر مراراً في نظائره.
د. أسعد حومد
تفسير : (3) - وَلاَ يَصْدُرُ مَا يَنْطِقُ بِهِ مِنَ القُرآنِ عَنْ هَوًى في نَفْسِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذه الآيات امتداد لجواب القسم {أية : مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ}تفسير : [النجم: 2] وهنا يقسم الحق على صفة أخرى لسيدنا رسول الله {وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ} [النجم: 3] النطق هو القول، أي ما يقول عن هواه، ولا يأتي بشيء من عنده ولا باجتهاده. {إِنْ هُوَ ..} [النجم: 4] أي: ما هو والمراد القرآن الكريم الذي نطق به محمد {إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ} [النجم: 4] أي: من عند الله، وهذا أسلوب قصر: ما القرآن إلا وحي وليس شيئاً آخر. {عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ} [النجم: 5] الذي علّمه محمداً وأوحاه إليه {شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ} [النجم: 5] وهو أمين الوحي جبريل عليه السلام. والقُوَى جمع قوة، فله قُوى متعددة تناسب مهمته، له قوة ذكاء في الاستقبال، وقوة في الحفظ. وقوة في الإرسال والإلقاء، وليس لديه هوى يغير ما جاءه ولا خيانة ولا كذب. وهذه الصفات هي التي حمتْ القرآن من التغيير كما غُيِّرتْ الكتب السابقة. وقد حكى الله تعالى عن أهل الكتاب: {أية : يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ..}تفسير : [البقرة: 79]. وكلمة {شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ} [النجم: 5] فسَّرها في آيات أخرى فقال، حتى قبل نزول القرآن: {أية : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ}تفسير : [الواقعة: 77-79]. وقال: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ}تفسير : [الشعراء: 193]، وقال: {أية : ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ * مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ}تفسير : [التكوير: 20-21] هذه كلُّها صفات جُمعَتْ لجبريل عليه السلام. وهنا قال: {ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ} [النجم: 6] أي صاحب (مِرَّة) وهي القوة في كل ما يتناوله، وهي الدقة التي لا تخطئ، والمرَّة صفة تقوى الشيء، تروْنَ الحبل مثلاً عندما يُفتل يكون فَتْله مناسباً لمهمته، فحبل الغسيل مثلاً غير الحبل الذي يُشدُّ به شراع المراكب. كذلك مهمة سيدنا جبريل مع سيدنا محمد، أنْ يؤدي هذه المهمة بقوة ودقة وذكاء بحيث يأتي رسول الله بصورة مقبولة لا تُرد، صورة فيها تشويق لتلقِّي الوحي ولا تردها طبيعة محمد البشرية، كذلك كان للكلام حلاوة لأنه كلام الله ليس كلام البشر، وله ظواهر تدل عليه وعلى مصدره الإلهي. وأول ما جاء الوحيُ رسولَ الله أجهده، لأنها المرة الأولى التي تلتقي فيها الطبيعة البشرية بالطبيعة الملائكية، لذلك تصبَّب عرقاً وبرد وقال: زملوني دثروني، إذن: أثّر في جسده ونفسه، حتى أنه خاف أنْ يكون ما حدث له شيئاً من مسِّ الشيطان. ولما أخبر السيدة خديجة بالأمر وكان لها فطنة في هذه المسألة فقالت له: عندما يأتيك أخبرني، فلما جاءه الوحي أخبرها فجلستْ على ركبته وقالت: أتراه؟ قال: نعم، فكشفتْ عن صدرها وقالت: أتراه؟ قال: لا، قالت: إذن هو مَلَك وليس شيطاناً. وتأمل هنا حصافة السيدة خديجة وما تتمتع به من فقه قبل نزول الإسلام، وكأنَّ الحق سبحانه أعدَّ للإسلام أناساً من الرجال والنساء يستقبلون خبره الأول ويؤيدونه ويُصدِّقونه دون أنْ ينتظروا معجزة يرونها ليصدِّقوه، لأن معجزة رسول الله عندهم كائنة في شخصه وفي سيرته بينهم، معجزته بالنسبة لهم في صدقه وأمانته وكرمه ومروءته. ويكفي أنْ نذكر في هذا المقام موقف الصِّديق لما قالوا له: إن صاحبك يدَّعي أنه نبيٌّ ويُوحى إليه، فقال الصِّدِّيق وكان عائداً من سفر: إنْ كان قال فقد صدق، إذن: دليل صدقه في نظر الصديق أن يقول، مجرد أن يقول يكفي قوله ليصدق. وهذا المعنى واضح في قوله سبحانه: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ ..}تفسير : [الفتح: 29] يعني: يكفي في تعريفه أنه (محمد) الذي تعرفونه هو رسول الله، فمنزلة رسول الله بين قومه لا تحتاج إلى وصف ولا إلى تعريف فوق ذلك. وكان المنتظر منهم أنْ يقولوا: ومن أوْلَى بالرسالة منه، لكنهم قالوا كما حكى القرآن {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}تفسير : [الزخرف: 31]. ومن معاني {ذُو مِرَّةٍ ..} [النجم: 6] أي: صاحب الخُلق الحسن والمنظر الحسن الجميل، فكان يأتي رسول الله بالمنظر الحسن الذي يحبه، وكان صلى الله عليه وسلم يحب النظر إلى دحية الكلبي فكان يأتي على صورته. إذن: معنى {ذُو مِرَّةٍ ..} [النجم: 6] أي: فيه كل الصفات الطيبة التي تجعله مقبولاً غير مردود، وهو موصوف مع ذلك بالقوة، فلما ظهر لرسول الله بصورته الحقيقية ظهر في صورة طائر جميل له أجنحة. كما قال تعالى: {أية : أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ ..}تفسير : [فاطر: 1] ويكفي في بيان قوته أنه ضرب قرى لوط بريشة واحدة من جناحه فدكها وجعل عاليها سافلها. وما أدراك بمَنْ {عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ} [النجم: 5] فالتعلّم يشرُف بشرف المعلم، كما نرى مثلاً خطيباً مُفوَّهاً لا يلحن في خطبته لحناً واحداً، فنقول: نعم فالذي درس له فلان. كذلك الذي علَّم رسول الله هو جبريل بكلِّ ما عنده من صفات القوة والذكاء والأمانة والصدق .. {ذُو مِرَّةٍ ..} [النجم: 6]. ومعنى {فَٱسْتَوَىٰ} [النجم: 6] علَّمه جبريل حتى استوى رسول الله ونضج في عملية التحصيل الكافي لهداية العالم، فحمَّله هذه المهمة ليهدي الناس، ومنه قوله تعالى في سيدنا (موسى): {أية : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ}تفسير : [القصص: 14]. لكن كان الوحي في أوله يثقل على رسول الله كما قال سبحانه: {سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} [المزمل: 5] فأراد الحق سبحانه أنْ يريح رسوله من هذا التعب ليعطيه الفرصة ليتذوق حلاوة ما ألقى إليه ويشتاق إليه من جديد، فيكون الوحي أخفَّ على قلبه وتهون عليه معاناته. ومعلوم أن الإنسان عادة يتحمل المشاق في سبيل ما يحب، لذلك لما فتر الوحي عن رسول الله ستة أشهر، فأخذها أعداء الدعوة فرصة وقالوا: إن رب محمد قلاه، سبحان الله، الآن وفي المصيبة يعترفون برب محمد. لذلك ردّ الله عليهم {أية : وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ}تفسير : [الضحى: 1-5]. أي: ما ودعك ربك يا محمد وما قلاك، إنما أراد لك أنْ ترتاح. ثم أعطاه مثالاً من واقع حركة الكون، فما أنت بالنسبة للوحي إلا مثل الضحى والليل، فالضحى للعمل، والليل للراحة، ثم يعاود من جديد لتقبل عليه في نشاط وقوة، كذلك الوحي سيعاودك وسيكون أحبّ إليك وأيسر عليك، وستكون الآخرة خيراً لك من الأولى. ثم إن كلمة الوداع {أية : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ}تفسير : [الضحى: 3] تدل في ذاتها على المحبة، فلم يقُل هجرك مثلاً إنما ودَّعك، والوداع يكون على أمل اللقاء كما يودع الحبيب حبيبه عند سفره.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ} معناه أي بالهَوى.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):