٥٣ - ٱلنَّجْم
53 - An-Najm (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
18
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: فيه دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم، رأى ليلة المعراج آيات الله، ولم ير الله، وفيه خلاف ووجهه: هو أن الله تعالى ختم قصة المعراج ههنا برؤية الآيات، وقال: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً } تفسير : إلى أن قال: {أية : لِنُرِيَهُ مِنْ ءايَـٰتِنَا } تفسير : [الإسراء: 1] ولو كان رأى ربه لكان ذلك أعظم ما يمكن، فكانت الآية الرؤية، وكان أكبر شيء هو الرؤية، ألا ترى أن من له مال يقال له: سافر لتربح، ولا يقال: سافر لتتفرج، لما أن الربح أعظم من التفرج. المسألة الثانية: قال بعض المفسرين {لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ ءايَـٰتِ رَبّهِ ٱلْكُبْرَىٰ } وهي أنه رأى جبريل عليه السلام في صورته، فهل هو على ما قاله؟ نقول الظاهر أن هذه الآيات غير تلك، وذلك لأن جبريل عليه السلام وإن كان عظيماً، لكن ورد في الأخبار أن لله ملائكة أعظم منه، والكبرى تأنيث الأكبر، فكأنه تعالى يقول: رأى من آيات ربه آيات هن أكبر الآيات، فإن قيل قال الله تعالى: {أية : إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ } تفسير : [المدثر: 35] مع أن أكبر من سقر عجائب الله، فكذلك الآيات الكبرى تكون جبريل وما فيه، وإن كان لله آيات أكبر منه نقول سقر إحدى الكبر أي إحدى الدواهي الكبر، ولا شك أن في الدواهي سقر عظيمة كبيرة، وأما آيات الله فليس جبريل أكبرها ولأن سقر في نفسها أعظم وأعجب من جبريل عليه السلام فلا يلزم من صفتها بالكبر صفتها بالكبرى. المسألة الثالثة: (الكبرى) صفة ماذا؟ نقول فيه وجهان أحدهما: صفة محذوف تقديره: لقد رأى من آيات ربه الآية الكبرى، ثانيهما: صفة آيات ربه وعلى هذا يكون مفعول رأى محذوفاً تقديره رأى من الآيات الكبرى آية أو شيئاً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لَقَدْ رَأَىٰ } فيها {مِنْ ءَايَٰتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ } أي العظام، أي بعضها فرأى من عجائب الملكوت رفرفاً أخضر سد أفق السماء وجبريل له ستمائة جناح.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْكُبْرَى} ما غشي السدرة من الفراش، أو جبريل ساداً الأفق بأجنحته، أو ما رآه في النوم ونظره بفؤاده.
التستري
تفسير : {لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ} [18] يعني ما يبدي من صفاته من آياته رآها، ولم يذهب بذلك عن مشهوده، ولم يفارق مجاورة معبوده، وما زاده إلا محبة وشوقاً وقوة، أعطاه الله قوة احتمال التجلي والأنوار العظيمة، وكان ذلك تفضيلاً له على غيره من الأنبياء. ألا ترى أن موسى صعق عند التجلي، ففي الضعف جابه النبي صلى الله عليه وسلم في مشاهدته كفاحاً ببصر قلبه، فثبت لقوة حاله وعلو مقامه ودرجته.
السلمي
تفسير : قال سهل: {لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ} فلم يذهب بذلك عن مشهوده ولم يفارق مجاورة معبوده. قال ابن عطاء: رأى الآيات فلم تكبر فى عينه لكبر همته وعلوّ محله ولاتصاله بالكبير المتعال. وقال بعضهم: من الآيات ما لو رآها غيره لكبر فى عينه وعظم ولكنه لتمام تمكينه لم يستكبر كبيراً ولم يُعر طرفه شيئاً {مَا زَاغَ} عن قصده {وَمَا طَغَىٰ} عن يقينه. قال ابن عطاء: رأى من آيات ربه الكبرى فهرب منها والتجئ حتى أدنى من محل الرؤية فشكر. وقال جعفر: شاهد من علامات المحبة ما كبر عن الإخبار عنها.
اسماعيل حقي
تفسير : {لقد رأى من آيات ربه الكبرى} اى وبالله لقد رأى محمد عليه السلام ليلة المعراج الآيات التى هى كبراها وعظماها فأرى من عجائب الملك والملكوت مالا يحيط به نطاق العبارة فقوله {من آيات ربه} حال قدمت على ذيها وكلمة من للبيان لانه المناسب لمرام المقام وهو التعظيم والمبالغة ولذا لم تحمل على التبعيض على ان يكون هو المفعول ويجوز ان يكون الكبرى صفة للآيات والمفعول محذوف اى شيأ عظيما من آيات ربه وان يكون من مزيدة يعنى على مذهب الاخفش وكان الاسرآء ليلة السابع والعشررين من رجب على ما عليه الاكثر فى السنة الثانية عشرة من النبوة قبل الهجرة بقليل كما فى تفسير المناسبات وفيه اشكال فان هذه السورة نزلت فى السنة الخامسة من النبوة على مامر فى اول السورة قال ألمفسرون رأى عليه السلام اى ابصر تلك الليلة رفرفا اخضر سد افق السماء فجلس عليه السلام وجاوز سدرة المنتهى والرفرف البساط وهو صورة همته البسيطة العريضة المحيطة بالآفاق مطلقا لانه عليه السلام فى سفر العالم البسيط ولا يصل اليه الا من له علو الهمة مثله وقد قال حسان رضى الله عنه فى نعته عليه السلام شعر : له همم لامنتهى لكبارها وهمته الصغرى اجل من الدهر تفسير : ورأى تلك الليلة طوآئف الملائكة وسدرة المنتهى وجنة المأوى وما فى الجنان لاهل الايمان وما فى النيران لاهل الطغيان والظلم والانوار ومايعجز عنه الافكار وتحار فيه الابصار ومن ذلك مارأه فى السموات من الانبياء عليهم السلام اشارة بكل نبى الى امر دقيق جليل وحالة شريفة قال الامام ابو القاسم السهيلى رحمه الله فى الروض الانف والذى اقول فى هذا ان ماخذ فهمه من علم التعبير فانه من علم النبوة واهل التعبير يقولون من رأى نبيا بعينه فى المنام فان رؤياه تؤذن بما يشبه من حال ذلك النبى فى شدة او رخاء او غير ذلك من الامور التى اخبر بها عن الانبياء فى القرءآن والحديث مثلا من رأى آدم عليه السلام فى مكان على حسنه وجماله وكان للولاية اهلا ملك ملكا عظيما لقوله تعالى {أية : انى جاعل فى الارض خليفة}تفسير : ومن رأى نوحا عليه السلام فانه يعيش عيشا طويلا ويصيبه شدة واذى من الناس ثم يظفر بهم ومن رأى ابراهيم عليه السلام فانه يعق اباه ويرزق الحج وينصر على اعدآئه ويناله هول وشدة من ملك جائر ثم ينصر ومن رأى يوسف عليه السلام فانه يكذب عليه ويظلم ويناله شدة ويحبس ثم يملك ملكا ويظفر و من رأى موسى وهرون عليهما السلام فان الله يهلك على يده جبارا عنيدا ومن رأى سليمان عليه السلام فانه يلى القضاء او الملك او يرزق الفقه ومن رأى عيسى عليه السلام فانه يكون رجلا مباركا نفاعا كثير الخير كثير السفر فى رضى الله ومن رأى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وليس فى رؤياه مكروه لم يزل خفيف الحال وان رأه فى ارض جدب اخصبت او فى ارض قوم مظلومين نصروا ومن رأه عليه السلام فان كان مغموما ذهب غمه وان كان مديونا قضى الله دينه وان كان مغلوبا نصر وان كان محبوسا اطلق وان كان عبدا اعتق وان كان غائبا رجع الى اهله سالما وان كان معسرا اغناه الله وان كان مريضا شفاه الله تعالى وحديث الاسرآء كان بمكة ومكة حرم الله وامنه وقطانها جيران الله لان فيها بيته فأول من رأه عليه السلام من الانبياء كان آدم عليه السلام الذى كان فى امن الله وجواره فأخرجه ابليس عدوه منها وهذه القصة تشبهها الحالة الاولى من احوال النبى عليه السلام حين اخرجه اعدآؤه من حرم الله وجوار بيته وكربه ذلك وغمه فأشبهت قصته فى هذه قصة آدم مع ان آدم تعرض عليه ارواح ذريته البر والفاجر منهم فكان فى السماء الدنيا بحيث يرى الفريقين لان ارواح اهل الشقاء لاتلج فى السماء ولا تفتح لهم ابوابها ثم رأى فى الثانية عيسى ويحيى عليهما السلام وهما الممتحنان باليهود اما عيسى عليه السلام فكذبته اليهود وآذته وهموا بقتله فرفعه الله واما يحيى عليه السلام فقتلوه ورسول الله عليه السلام بعد انتقاله الى المدينة صار الى حالة ثانية من الامتحان وكانت محنته فيها باليهود آذوه وظاهروا عليه وهموا بالقاء الصخرة عليه ليقتلوه فنجاه الله كما نجى عيسى منهم ثم سموه فى الشاة فلم تزل تلك الاكلة تعاوده حتى قطعت ابهره كما قال عند الموت (وفى المثنوى) شعر : جون سفيها نراست اين كارويكا لازم آمد يقتلون الانبيا تفسير : ومما يؤثر عن سعيد بن المسيب رحمه الله الدنيا بذلة تميل الى الابذال ومن استغنى بالله افتقر اليه الناس واما لقاؤه ليوسف عليه السلام فى السماء الثالثة فانه يؤذن بحالة ثالثة تشبه حالة يوسف عليه السلام وذلك ان يوسف ظفر بأخوته بعدما أخرجوه من بين ظهرانيهم فصفح عنهم وقال {أية : لاتثريب عليكم اليوم}تفسير : الآية وكذلك نبينا عليه السلام اسر يوم بدر جملة من اقاربه الذين اخرجوه فيهم عمه العباس وابن عمه عقيل فمنهم من اطلق ومنهم من فداه ثم ظهر علهيم بعد ذلك عام الفتح فجمعهم فقال لهما "حديث : اقول ماقال اخى يوسف لاتثريب عليكم"تفسير : ثم لقاؤه لادريس عليه السلام فى السماء الرابعة وهو المكان الذى سماء الله مكانا عليا وادريس اول من آتاه الله الخط بالقلم فكان ذلك مؤذنا بحالة رابعة وهو علو شأنه عليه السلام حتى اخاف الملوك وكتب اليهم يدعوهم الى طاعته حتى قال ابو سفيان وهو عند ملك الروم حين جاءه كتاب النبى عليه السلام ورأى مارأى من خوف هرقل كسبحل وزبرج لقد امر امر ابن ابى كبشة حين اصبح يخافه ملك ابن ابى الاصفر وكتب عليه بالقلم الى جميع ملوك الارض فمنهم من اتبعه على دينه كالنجاشى بالتخفيف وملك عمان ومنهم من هادنه واهدى اليه واتحفه كهرقل المقوقس سلطان مصر ومنهم من تعصى عليه فأظفره الله به فهذا مقام على وخط بالقلم جلى نحوما اوتى ادريس ولقاؤه فى السماء السادسة لموسى عليه السلام يؤذن بحالة تشبه حالة موسى حين امر بغزوة الشام وظهر على الجبابرة الذين كانوا فيها وادخل بنى اسرائيل البلد الذى خرجوا منه بعد اهلاك عدوهم وكذلك غزا رسول الله عليه السلام تبوك من ارض الشام وظهر على صاحب دومة الجندل حتى صالحه على الجزية بعد ان أتى به اسيرا وافتتح مكة وادخل اصحابه البلد الذى خرجوا منه ثم لقاؤه فى السماء السابعة لابراهيم عليه السلام لحكمتين احداهما انه رأه عند البيت المعمور مسند اظهره اليه والبيت المعمور حيال الكعبة اى بازآئها ومقابلتها واليه تحج الملائكة كما ان ابراهيم هو الذى بنى الكعبة واذن فى الناس بالحج اليها والحكمة الثانية ان آخر احوال النبى عليه السلام حجه الى البيت الحرام وحج معه ذلك العام نحو من سبعين الفا من المسلمين ورؤية ابراهيم عليه السلام عنداهل التأويل تؤذن بالحج لانه الداعى اليه والرافع لقواعد الكعبة المحجوجة قال الامام ان هذه الآية تدل على ان محمدا عليه السلام لم ير الله ليلة المعراج وانما رأى آيات الله وفيه خلاف ووجه الدلالة انه ختم قصة المعراج ههنا برؤية الآيات وقال فى موضع آخر سبحان الذى اسرى بعبده ليلا الى أن قال لنريه من آياتنا ولو كان رأه لكان ذلك اعظم مايمكن من الكرامة فكان حقه أن يختم به قصة المعراج انتهى.يقول الفقير رؤية الآيات مشتملة على رؤية الله تعالى كما قال الشيخ الكبير رضى الله عنه فى الفكوك انما تتعذر الرؤية والادراك باعتبار تجرد الذات عن المظاهر والنسب والاضافات فاما فى المظاهر ومن ورآء حجابية المراتب فالادراك ممكن كما قيل شعر : كالشمس تمنعك اجتلاءك وجهها فاذا اكتست برقيق غيم امكنا تفسير : انتهى واما اشتمال ارآءة الآيات على ارآءة الله تعالى فلما كانت تلك الآيات الملكوتية فوق الآيات الملكية اشهده تعالى فى تلك المشاهد ليكمل له الرؤية فى جميع المراتب والمشاهد ومن المحال أن يدعو كريم كريما الى داره ويضيف حبيب حبيبا فى قصره ثم يتستر عنه ولايريه وجهه وفى التأويلات النجمية يشير الى ان لله تعالى آيات كبرى وصغرى اما الآيات الكبرى فهى الصفات القديمة الازلية المسماة عند القوم بالائمة السبعة كالحياة والعلم والقدرة والارادة والسمع والبصر والكلام والآيات الصغرى هى الاسماء الالهية التى قال الله تعالى {أية : ولله الاسماء الحسنى}تفسير : وانما سميت الاولى بالكبرى والثانية بالصغرى لان الصفات مصادر الاسماء ومراجعها كما ان الحى يرجع فى الوجود الى الحياة والعليم الى العلم والقادر الى القدرة ولان الاسماء مظاهر الصفات كما ان الحى يرجع فى الوجود الى الافعال والافعال مظاهر الاسماء والآثار مظاهر الافعال واما التخصيص بالكبرى دون الصغرى وان كانت من آيات الله كما قال تعالى {أية : قل ادعوا الله او ادعوا الرحمن اياما تدعوا فله الاسماء الحسنى}تفسير : لان شهود الآيات الكبرى يستلزم شهود الآيات الصغرى لان الله تعالى اذا تجلى لعبده بصفة الحياة والعلم والقدرة لابد للعبد أن يصير حيا بحياته عليما بعلمه قديرا بقدرته تلخيص المعنى ان النبى صلى الله عليه وسلم لما عرج به الى سماء الجمعية الوحدانية وادرج فى نور الفردانية تجلى الحق سبحانه اولا بصورة هذه الصفات الكبرى التى هى مفاتيح الغيب لايعلمها الا هو بحيث صارت حياته مادة حياة العالم كله علويه وسفليه وروحانيه وجمسانيه معدنيه ونباتيه وحيوانيه وانسانيه كما قال {أية : وما أرسلناك الا رحمة للعالمين}تفسير : وقال لولاك لما خلقت الافلاك وقال عليه السلام "حديث : انا من الله والمؤمنون منى"تفسير : وكذا صار علمه محيطا بجميع المعلومات الغيبية المكوتية كما جاء فى حديث اختصام الملائكة انه قال فوضع كفه على كتفه فوجدت بردها بين يديى فعلمت علم الاولين والآخرين وفى رواية علم ما كان وما سيكون وكذا قدرته كسر بها اعناق الجبابرة وضرب بالسيف رقاب الاكاسرة وخرب حيطانهم وحصونهم فما بقين ولا بقوا وببركة هذا التجلى الجمعى الكلى والاحاطى صار آدم بتبعيته وخلافته خليفة العالم كما اخبر فى كتابه العزيز {أية : انى جاعل فى الارض خليفة}تفسير : واسجد الله الملائكة لتلألؤ نوره الوحدانى فى وجه آدم هذا تحقيق قوله {لقد رأى من آيات ربه الكبرى} اللام جواب القسم ومن مزيدة انتهى. وقال البقلى رحمه الله أراه سبحانه من آياته العظام مالا يقوم برؤيتها احد سواه اى المصطفى عليه السلام وذلك بأن البسه قوة الجبارية الملكوتية كما قال {لقد رأى من آيات ربه الكبرى} وذلك ببروز انوار الصفات فى الآيات وتلك الآيات لو رأها احد لاستغرق فى رؤيتها فكان من كمال استغراقه فى بحر الذات الصفات لم يكبر عليه رؤية الآيات قال ابن عطاء رأى الآيات فلم تكبر فى عينه لكبر همته وعلو محله ولاتصاله بالكبير المتعال قال جعفر شاهد من علامات المحبة ما كبر عن الاخبار عنها
الجنابذي
تفسير : {لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ} مثل سدرة المنتهى وجبرئيل على صورته الّتى خلق عليها، وقيل: سمع كلاماً لولا انّه قوِّىَ ما قوى، وقيل: رأى رفرفاً اخضر من رفارف الجنّة قد سدّ الافق، وقيل: رأى ربّه بقلبه، وقيل: رأى عليّاً (ع) فانّه الآية الكبرى الّتى لا اكبر منها، وروى عن النّبىّ (ص) انّه قال لعلىّ (ع): "حديث : يا علىّ انّ الله اشهدك معى فى سبع مواطن وعدّ من ذلك ليلة الاسراء ."
اطفيش
تفسير : {لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى} من البيان أي والله لقد رأى محمد الآيات الكبرى وهي آيات ربه وعجائبه الملكية والملكوتية ليلة المعراج في مسيرة ورجوعه فالكبرى مفعول رأى أو من للتبعيض والكبرى نعت الآيات والمفعول محذوف أي شيئا منها أو من زائدة في الايجاب والمعرفة عند مجيز ذلك. وعن ابن عباس وابن مسعود: رأى رفرفا اخضر من الجنة سد الافق، وعن ابن مسعود: رأى جبريل على صورته وله ستمائة جناح. وقال عياض: قصرت الاحلام عن تفصيل ما اوحى وتاهت الاحلام في تعيين تلك الآيات الكبرى، وزعم بعض أنه رأى ربه، وزعم عن الحسن انه رأى ربه ليلة الاسراء. وزعم عن ابن عباس انه قال تعجبون ان تكون الرؤية لمحمد والخلة لابراهيم والكلام لموسى صلى الله عليه وسلم وزعم ان ابن عمر راجع ابن عباس وراسله فاثبت له الرؤية فان صح ذلك عن ابن عباس فليس الحق معه في هذه المسألة ولو كان خبر الامة واعلم من عائشة بل الحق معها في نفي الرؤية وما تقرر في الاصول من ان المثت مقدم على النافي محله ما اذا لم يمنع مانع من الاثبات وقد قام المانع هنا وهو ان المرئي لون ذو أجزاء وجهات فوق ومكان وتحت آخر وجسم والله منزه عن ذلك وغيره مما تستلزمه الرؤية كما قال {أية : لا تدركه الأبصار}تفسير : وقال {أية : أو من وراء حجاب}تفسير : أي لا يراه خلق وان قلنا معنى الحجاب لم يجاهرهم بالكلام ففي الدلائل المذكورة ما يغني وابن عباس قال ما قال غفلة منه عن تلك الدلائل اثباتا منه لا سماعا من النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف عائشة فنفت الرؤية بالآيات والسماع منه صلى الله عليه وسلم سالته عن الآيات السابقة في هذه السورة قال لها هو جبريل. قال عياض: وحديث عائشة قاطع بكل تأويل في اللفظ وذكر بعد تلك القدرة والصفات العلية الاصنام ذما لها لحقارتها وبعدها من تلك القدرة والصفات فقال {أَفَرَأَيْتُمُ} مفعوله الثاني محذوف أي قادرة على تلك القدرة والصفات فتعبدوها دون الله القادر وقدره بعضهم افرأيتموهن بنات الله أو ملائكته وقد يجعل المفعول الثاني جملة الكم الذكر معلق عنه بالاستفهام وذلك أنهم ينسبون الاصنام المذكورة بنات الله وهو ضعيف. {اللاَّتَ} اسم صنم مشتق من اسم الله وكان بالطائف وقيل ببطن نخلة تعبده قريش وقرىء اللات بالتشديد واصله رجل يلت السويق للحاج فلما مات عبدوا قبره وقيل رجل يطعمهم الحيس ببطن نخلة عبدوه بعد موته وقيل صرمة بن غنم من ثقيف يضع السمن على صخرة فتلت العرب به اسوقتهم فحولها ثقيف بعبد موته إلى منازلهم وعلى التخفيف فهو علة من لوى لمعنى اعتكف وطاف كانوا يعتكفون ويطوفون على الصنم والتشديد قراءة يعقوب في رواية البزي وورش وابن عباس وعكرمة وغيرهم وقال الشيخ خالد ان المخفف اصله التشديد من لت السويق يلته وال فيه وفي العزي زائدة لازمة {وَالْعُزَّى} صنم مشتق من اسم العزيز الذي هو اسم الله وقيل تأنيث الاعز وهي شجرة لغطفان يعبدونها بعث اليها صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها وجعل يضربها بالفاس ويقول شعر : يا عزي كفرانك لاسبحانك إني رأيت الله قد اهانك تفسير : فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها داعية ويلها واضعة يدها على رأسها كذا قيل والحق ما ذكره الزمخشري والشيخ خالد انه قطعها فخرجت الشيطانة كذلك جعل يضربها وتقول البيت، وقيل حديث : أنه قطعها فقال صلى الله عليه وسلم ما رأيتم شيئا فقال ما قطعت فعادوها ومعه المعول فاجتث أصلها فخرجت عريانه فقتلها فأخبر النبي حين رجع فقال تلك العزى ولن تعبد أبدا تفسير : وقيل صنم لغطفان وضعه سعد بن ظالم الغطفاني وقيل قدم مكة فرأى الصفا والمروة يطوف اهل مكة بينهما فرجع إلى بطن نخلة فقال لا صفا ولا مروة ولا إله لكم وكان ذلك لاهل مكة فقالوا ما تأمرنا فقال: انا أضع لكم ذلك فاخذ حجرا من الصفا فوضعه لهم كالصفا وحجرا من المروة فوضعه كالمروة واخذ ثلاثة احجار فوضعها إلى الشجرة فقال هذا ربكم فطافوا بين الحجرين وعبدوا الحجارة الثلاثة ولما فتحت مكة أمر صلى الله عليه وسلم برفع الحجارة وأمر خالد بقطع الشجرة وقيل: بيت بالطائف تعبده ثقيف والصحيح الصخرة.
اطفيش
تفسير : {لَقَد رأى} ليلة الاسراء {مِن آيات ربِّه الكُبْرى} من للتبعيض متعلق بمحذوف حال من الكبرى، والكبرى مفعول به لرأى على حذف الموصوف، أى لقد رأى بعينه الآيات الكبرى من آيات ربه، وعن ابن مسعود: الكبرى واحدة هى رؤية جبريل على صورته، فيكون مفعولا به لرأى، والتفسير بالآيات الكبرى أولى، وأل للحقيقة، وهذا أولى من جعله مفعولا به مضافا لآيات، إذ لا دليل على اسمية من التبعيضية، والكبرى نعتا لآيات، وأولى من جعل الكبرى نعتا لآيات، والمفعول محذوف، أى شيئا ثابتاً من آيات ربه، وأولى من جعل آيات مفعولا به على زيادة من فى الاثبات والتعريف، والمقام لتعظيم، فالوجه الأول أولى. ثم هذا من حيث المعنى، لأن المناسب للتعظيم الذكر إلا أنه لا مانع من أنه حذف للتفخيم، أى رأى من آيات ربه الكبرى ما رأى، ومن ذلك أنه رأى رفرفا من الجنة أخضر سد الأفق، رأى جبريل فى صورته المهولة التى خلق عليها، وغير ذلك مما يذكر فى أخبار الاسراء، وبينما الانسان يوحد الله سبحانه وتعالى وينزهه عن صفات الخلق، رجع على عقبيه، وأثبت الشبه ونقض قوله، وقال: انه صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة الاسراء، وأنه يراه المؤمنون يوم القيامة فى الجنة، وأنه يجىء الى المحشر فى هيئة سيئة فيقول له أهل المحشر: نعوذ بالله منك، لست ربنا، ثم يجىء فى هيئة حسنة فيقولون: أنت ربنا، وفسر الآية بأنه صلى الله عليه وسلم رآه ليلة الاسراء، قالت عائشة: أنا أول من سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: "حديث : إنما رأيت جبريل" تفسير : وقرأت مستدلة على نفى رؤيته: "أية : لا تدركه الأبصار" تفسير : [الأنعام: 103] وقالت: من قال ان محمد رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، وقالت: الضمائر فى "أية : دنا فتدلى" تفسير : [النجم: 8] و "أية : قاب قوسين"تفسير : [النجم: 9] و "أية : فاستوى * وهو بالأفق الأعلى" تفسير : [النجم: 6 - 7] وهاء رآه لجبريل، ومن قال لِلَّه جل وعلا فقد أخطأ. وزعم بعض أن "أية : فاستوى * وهو بالأفق" تفسير : [النجم: 6 - 7] الله عز وجل على معنى العظمة، ولا يحسن ما قيل عن الحسن إن "أية : شديد القوى"تفسير : [النجم: 5] هو الله، وجعل القوة للتعظيم، وأن "أية : ذو مرة" تفسير : [النجم: 6] هو الله عز وجل، وأن المرة هو الحكمة، وما ذكر تلميذ السيوطى أنه قال صلى الله عليه وسلم: "رأيت ربى" موضوع، ومن قال رأى ربه بقلبه أخطأ أيضا، لأن الرؤية به ادراك، والادراك هو المحذور، وحديث رأيته بفؤادى موضوع، أو معناه أيقنت بوجوده، وقالوا: انه قال: رأيته بفؤادى مرتين أنه قال مرتين رأيته بفؤادى أى أيقنت به، وهو خطأ فانه موقن بالله دائما لا مرتين فقط، وان كان المراد أنه رأى جبريل مرتين بمعنى أيقن به فخطأ أيضا، لأنه أيقن به دائما لا مرتين فقط، رآه على صورته التى عليها مرتين أو على غير صورته، وحجج إثبات الرؤية والتأويل إليها، وحجج خلق الفاعل فعله، وحجج المجبرة واهية متكلفات، كما هو شأن العاجز شبيهة بتعمد العناد، بل روى عن أحمد بن حنبل، أنه إذا سئل عن الرؤية قال: رآه رآه رآه حتى ينقطع نفسه عنادا وعجزا، وذلك ليلة الاسراء، أو قال: يراه يراه يراه وذلك فى الجنة.
الالوسي
تفسير : أي والله لقد رأى الآيات الكبرى من آياته تعالى وعجائبه الملكية والملكوتية ليلة المعراج ـ فالكبرى ـ صفة موصوف محذوف مفعول لرأى أقيمت مقامه بعد حذفه وقدر مجموعاً ليطابق الواقع، وجوز أن تكون {ٱلْكُبْرَىٰ } صفة المذكور على معنى: ولقد رأى بعضاً من الآيات الكبرى، ورجح الأول بأن المقام يقتضي التعظيم والمبالغة فينبغي أن يصرح بأن المرأي الآيات الكبرى وجوزت الوصفية المذكورة مع كون (من) مزيدة، وأنت تعلم أن زيادة (من) في الإثبات ليس مجمعاً على جوازه، وجاء في بعض الأخبار تعيين ما رأى عليه الصلاة والسلام، أخرج البخاري وابن جرير وابن المنذر وجماعة عن ابن مسعود أنه قال في / الآية رأى رفرفاً أخضر من الجنة قد سد الأفق. وعن ابن زيد رأى جبريل عليه السلام في الصورة التي هو بها، والذي ينبغي أن لا يحمل ذلك على الحصر كما لا يخفى فقد رأى عليه الصلاة والسلام آيات كبرى ليلة المعراج لا تحصى ولا تكاد تستقصى. هذا وفي الآيات أقوال غير ما تقدم، فعن الحسن أن { أية : شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ } تفسير : [النجم: 5] هو الله تعالى، وجمع {ٱلْقُوَىٰ } للتعظيم ويفسر {ذُو مِرَّةٍ } عليه بذي حكمة ونحوه مما يليق أن يكون وصفاً له عز وجل، وجعل أبو حيان الضميرين في قوله تعالى: { أية : فَٱسْتَوَىٰ * وَهُوَ بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ } تفسير : [النجم: 6-7] عليه له سبحانه أيضاً. وقال: إن ذلك على معنى العظمة والقدرة والسلطان، ولعل الحسن يجعل الضمائر في قوله سبحانه: { أية : ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ * فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ } تفسير : [النجم: 8ـ10] له عز وجل أيضاً، وكذا الضمير المنصوب في قوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ رَءاهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ } تفسير : [النجم: 13] فقد كان عليه الرحمة يحلف بالله تعالى لقد رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه وفسر دنوه تعالى من النبـي صلى الله عليه وسلم برفع مكانته صلى الله عليه وسلم عنده سبحانه وتدليه جل وعلا بجذبه بشراشره إلى جانب القدس، ويقال لهذا الجذب: الفناء في الله تعالى عند المتأهلين، وأريد بنزوله سبحانه نوع من دنوه المعنوي جل شأنه. ومذهب السلف في مثل ذلك إرجاع علمه إلى الله تعالى بعد نفي التشبيه، وجوز أن تكون الضمائر في { أية : دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ } تفسير : [النجم: 8-9] على ما روي عن الحسن للنبـي صلى الله عليه وسلم، والمراد ثم دنا النبـي عليه الصلاة والسلام من ربه سبحانه فكان منه عز وجل قاب قوسين أو أدنى والضمائر في {فَأَوْحَىٰ } الخ لله تعالى، وقيل: {إِلَىٰ عَبْدِهِ } ولم يقل إليه للتفخيم، وأمر المتشابه قد علم. وذهب غير واحد في وقوله تعالى: { أية : عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ } تفسير : [النجم: 5] إلى قوله سبحانه: { أية : وَهُوَ بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ } تفسير : [النجم: 7] إلى أنه في أمر الوحي وتلقيه من جبريل عليه السلام على ما سمعت فيما تقدم، وفي قوله تعالى: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ } الخ إلى أنه في أمر العروج إلى الجناب الأقدس ودنوه سبحانه منه صلى الله عليه وسلم ورؤيته عليه السلام إياه جل وعلا فالضمائر في {دَنَا}، و {تَدَلْى} وكان و {أَوْحَىٰ } وكذا الضمير المنصوب في {رءاهُ } لله عز وجل، ويشهد لهذا ما في حديث أنس عند البخاري من طريق شريك بن عبد الله « حديث : ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى إليه فيما أوحى خمسين صلاة » تفسير : الحديث، فأنه ظاهر فيما ذكر. واستدل بذلك مثبتو الرؤية كحبر الأمة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره، وادعت عائشة رضي الله تعالى عنها خلاف ذلك، أخرج مسلم « حديث : عن مسروق قال: كنت متكئاً عند عائشة فقالت: يا أبا عائشة ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله تعالى الفرية قلت ما هن؟ قالت: من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، قال: وكنت متكئاً فجلست فقلت: يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني ألم يقل الله تعالى: {وَلَقَدْ رَءاهُ بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ } [التكوير: 23] {وَلَقَدْ رَءاهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ } [النجم: 13]؟ فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لا إنما هو جبريل لم أره على صورته الذي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض » تفسير : الحديث، وفي رواية ابن مردويه من طريق أخرى عن داود بن أبـي هند عن الشعبـي عن مسروق « حديث : فقالت: أنا أول من سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا فقلت: يا رسول الله هل رأيت ربك؟ فقال: إنما رأيت جبريل منهبطاً »تفسير : ولا يخفى أن جواب رسول الله عليه الصلاة والسلام ظاهر في أن الضمير المنصوب في {رءاهُ } ليس راجعاً إليه تعالى بل إلى جبريل عليه السلام، وشاع أنها تنفي أن يكون صلى الله عليه وسلم رأى ربه سبحانه مطلقاً، وتستدل لذلك بقوله تعالى: { أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ } تفسير : [الأنعام: 103] وقوله / سبحانه: { أية : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً } تفسير : [الشورى: 51] وهو ظاهر ما ذكره البخاري في «صحيحه» في تفسير هذه السورة، وقال بعضهم: إنها إنما تنفي رؤية تدل عليها الآية التي نحن فيها وهي التي احتج بها مسروق. وحاصل ما روي عنها نفي صحة الاحتجاج بالآية المذكورة على رؤيته عليه الصلاة والسلام ربه سبحانه ببيان أن مرجع الضمير فيها إنما هو جبريل عليه السلام على ما يدل عليه جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها، وحمل قوله صلى الله عليه وسلم في جوابها «لا» على أنه نفي للرؤية المخصوصة وهي التي يظن دلالة الآية عليها ويرجع إلى نفي الدلالة ولا يلزم من انتفاء الخاص انتفاء المطلق، والإنصاف أن الأخبار ظاهرة في أنها تنفي الرؤية مطلقاً، وتستدل عليه بالآيتين السابقتين، وقد أجاب عنهما مثبتو الرؤية بما هو مذكور في محله. والظاهر أن ابن عباس لم يقل بالرؤية إلا عن سماع، وقد أخرج عنه أحمد أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : رأيت ربـي » تفسير : ذكره الشيخ محمد الصالحي الشامي تلميذ الحافظ السيوطي في «الآيات البينات» وصححه، وجمع بعضهم بين قولي ابن عباس وعائشة بأن قول عائشة محمول على نفي رؤيته تعالى في نوره الذي هو نوره المنعوت بأنه لا يقوم له بصر، وقول ابن عباس محمول على ثبوت رؤيته تعالى في نوره الذي لا يذهب بالأبصار بقرينة قوله في جواب عكرمة عن قوله تعالى: { أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } تفسير : [الأنعام: 103] ويحك ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، وبه يظهر الجمع بين حديثي أبـي ذر، أخرج مسلم من طريق يزيد بن إبراهيم عن قتادة عن عبد الله بن شقيق عن أبـي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: « حديث : نور أنى أراه » تفسير : ومن طريق هشام وهمام كلاهما عن قتادة « حديث : عن عبد الله قال: قلت لأبـي ذر لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لسألته فقال: عن أي شيء كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله هل رأيت ربك؟ فقال أبو ذر: قد سألته فقال: رأيت نوراً » تفسير : فيحمل النور في الحديث الأول على النور القاهر للأبصار بجعل التنوين للنوعية أو للتعظيم، والنور في الثاني على ما لا يقوم له البصر والتنوين للنوعية، وإن صحت رواية الأول كما حكاه أبو عبد الله المازري بلفظ «نُورَانِيّ» بفتح الراء وكسر النون وتشديد الياء لم يكن اختلاف بين الحديثين ويكون نوراني بمعنى المنسوب إلى النور على خلاف القياس ويكون المنسوب إليه هو نوره الذي هو نوره، والمنسوب هو النور المحمول على الحجاب حمل مواطأة في حديث السبحات في قوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : حجابه النور » تفسير : وهو النور المانع من الإحراق الذي يقوم له البصر. ثم إن القائلين بالرؤية اختلفوا، فمنهم من قال: إنه عليه الصلاة والسلام رأى ربه سبحانه بعينه، وروي ذلك ابن مردويه عن ابن عباس، وهو مروي أيضاً عن ابن مسعود وأبـي هريرة وأحمد بن حنبل، ومنهم من قال: رآه عز وجل بقلبه، وروي ذلك عن أبـي ذر، أخرج النسائي عنه أنه قال: « حديث : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه بقلبه ولم يره ببصره » تفسير : وكذا روي عن محمد بن كعب القرظي بل أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبـي حاتم عنه أنه قال: « حديث : قالوا: يا رسول الله رأيت ربك؟ قال: رأيته بفؤادي مرتين ولم أره بعيني ثم قرأ {مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ} [النجم: 11] » تفسير : وفي حديث عن ابن عباس يرفعه « حديث : فجعل نور بصري في فؤادي فنظرت إليه بفؤادي » تفسير : وكأن التقدير في الآية على هذا ما كذب الفؤاد فيما رأى، ومنهم من ذهب إلى أن إحدى الرؤيتين كانت بالعين والأخرى الفؤاد وهي رواية عن ابن عباس، أخرج الطبراني وابن مردويه عنه أنه قال: إن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه عز وجل مرتين مرة ببصره ومرة بفؤاده؛ ونقل القاضي عياض عن بعض مشايخه أنه توقف أي / في الرؤية بالعين، وقال: إنه ليس عليه دليل واضح قال في «الكشف»: لأن الروايات مصرحة بالرؤية أما أنها بالعين فلا، وعن الإمام أحمد أنه كان يقول: إذا سئل عن الرؤية رآه رآه حتى ينقطع نفسه ولا يزيد على ذلك وكأنه لم يثبت عنده ما ذكرناه. واختلف فيما يقتضيه ظاهر النظم الجليل فجزم صاحب «الكشف» بأنه ما عليه الأكثرون من أن الدنو والتدلي مقسم ما بين النبـي وجبريل صلاة الله تعالى وسلامه عليهما أي وأن المرئي هو جبريل عليه السلام، وإذا صح خبر جوابه عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله تعالى عنها لم يكن لأحد محيص عن القول به، وقال العلامة الطيبـي: الذي يقتضيه النظم إجراء الكلام إلى قوله تعالى: { أية : وَهُوَ بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ } تفسير : [النجم: 7] على أمر الوحي وتلقيه من الملك ورفع شبه الخصوم، ومن قوله سبحانه: { أية : ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ } تفسير : [النجم: 8] إلى قوله سبحانه: {مِنْ ءايَـٰتِ رَبّهِ ٱلْكُبْرَىٰ} [النجم: 18] على أمر العروج إلى الجناب الأقدس، ثم قال: ولا يخفى على كل ذي لب إباء مقام {فَأَوْحَىٰ } الحمل على أن جبريل أوحى إلى عبد الله ما أوحى إذ لا يذوق منه أرباب القلوب إلا معنى المناغاة بين المتسارين وما يضيق عنه بساط الوهم ولا يطيقه نطاق الفهم، وكلمة {ثُمَّ } على هذا للتراخي الرتبـي والفرق بين الوحيين أن أحدهما وحي بواسطة وتعليم، والآخر بغير واسطة بجهة التكريم فيحصل عنه عنده الترقي من مقام { أية : وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } تفسير : [الصافات: 164] إلى مخدع { أية : قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ } تفسير : [النجم: 9]. وعن جعفر الصادق عليه الرضا أنه قال: لما قرب الحبيب غاية القرب نالته غاية الهيبة فلاطفه الحق سبحانه بغاية اللطف لأنه لا تتحمل غاية الهيبة إلا بغاية اللطف، وذلك قوله تعالى: { أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ } تفسير : [النجم: 10] أي كان ما كان وجرى ما جرى قال الحبيب للحبيب ما يقول الحبيب لحبيبه وألطف به إلطاف الحبيب بحبيبه وأسر إليه ما يسر الحبيب إلى حبيبه فأخفيا ولم يُطلعا على سرهما أحداً، وإلى نحو هذا يشير ابن الفارض بقوله: شعر : ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا سرّ أرق من النسيم إذا سرى تفسير : ومعظم الصوفية على هذا فيقولون بدنو الله عز وجل من النبـي صلى الله عليه وسلم ودنوه منه سبحانه على الوجه اللائق وكذا يقولون بالرؤية كذلك، وقال بعضهم في قوله تعالى: { أية : مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ } تفسير : [النجم: 17] ما زاغ بصر النبـي صلى الله عليه وسلم وما التفت إلى الجنة ومزخرفاتها ولا إلى الجحيم وزفراتها بل كان شاخصاً إلى الحق وما طغى عن الصراط المستقيم. وقال أبو حفص السهروردي: ما زاغ البصر حيث لم يتخلف عن البصيرة ولم يتقاصر وما طغى لم يسبق البصر البصيرة ويتعدى مقامه، وقال سهل بن عبد الله التستري: لم يرجع رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى شاهد نفسه وإلى مشاهدتها وإنما كان مشاهداً لربه تعالى يشاهد ما يظهر عليه من الصفات التي أوجبت الثبوت في ذلك المحل، وأرجع بعضهم الضمير في قوله تعالى: { أية : وَهُوَ بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ } تفسير : [النجم: 7] إلى النبـي عليه الصلاة والسلام وهو منتهى وصول اللطائف، وفسر { أية : سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ } تفسير : [النجم: 14] بما يكون منتهى سير السالكين إليه ولا يمكن لهم مجاوزته إلا بجذبة من جذبات الحق، وقالوا في {قَابَ قَوْسَيْنِ } ما قالوا وأنا أقول برؤيته صلى الله عليه وسلم ربه سبحانه وبدنوه منه سبحانه على الوجه اللائق ذهبتَ فيما اقتضاه ظاهر النظم الجليل إلى ما قاله صاحب «الكشف» أم ذهبتَ فيه إلى ما قاله الطيبـي فتأمل والله تعالى الموفق.
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَاتِ} (18) - وَقَدْ رَأَى مُحمَّدٌ لَيْلَةَ المِعْرَاجِ الكَثِيرَ مِنْ آياتِ رَبِّه الكَرِيمِ، وَعَجَائِبِ خَلْقِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: رأى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كثيراً من آيات الله في رحلة الإسراء والمعراج، آيات في الأرض وآيات في السماء، وكلمة {ٱلْكُبْرَىٰ} [النجم: 18] مؤنث جمع كبيرة، وللمذكر كبير وأكبر. والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم رأى كثيراً من آيات ربه التي تُوصَف بأنها آيات كبرى، أو رأى الكبرى من الآيات كلها. وبعد أنْ حدَّثتنا الآيات وأقسمتْ على صِدْق سيدنا رسول الله في البلاغ عن ربه، وذكرت لنا بعض الآيات الكونية والمعجزات تنتقل بنا إلى المقابل، إلى الحديث عن الأصنام وعُبَّاد الأصنام.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ} معناه من علاماتِهِ وعجائبهِ.
همام الصنعاني
تفسير : 3035- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ}: [الآية: 18]، أنَّ ابن مسعود، قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم رفرفاً أخضر من الجنَّة قد سَدَّ الأفق.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):