٥٣ - ٱلنَّجْم
53 - An-Najm (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
19
Tafseer
الرازي
تفسير : لما قرر الرسالة ذكر ما ينبغي أن يبتدىء به الرسول وهو التوحيد ومنع الخلق عن الإشراك، فقوله تعالى: {أَفَرَءيْتُمُ } إشارة إلى إبطال قولهم بنفس القول كما أن ضعيفاً إذا ادعى الملك ثم رآه العقلاء في غاية البعد عما يدعيه يقولون انظروا إلى هذا الذي يدعي الملك، منكرين عليه غير مستدلين بدليل لظهور أمره، فلذلك قال: {أَفَرَءيْتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ } أي كما هما فكيف تشركونهما بالله، والتاء في اللاّت تاء تأنيث كما في المناة لكنها تكتب مطولة لئلا يوقف عليها فتصير هاء فيشتبه باسم الله تعالى، فإن الهاء في الله أصلية ليست تاء تأنيث وقف عليها فانقلبت هاء، وهي صنم كانت لثقيف بالطائف، قال الزمخشري هي فعله من لوى يلوي، وذلك لأنهم كانوا يلوون عليها، وعلى ما قال فأصله لوية أسكنت الياء وحذفت لالتقاء الساكنين فبقيت لوه قلبت الواو ألفاً لفتح ما قبلها فصارت لات، وقرىء اللات بالتشديد من لت، قيل إنه مأخوذ من رجل كان يلت بالسمن الطعام ويطعم الناس فعبد واتخذ على صورته وثن وسموه باللاّت، وعلى هذا فاللاّت ذكر، وأما العزى فتأنيث الأعز وهي شجرة كانت تعبد، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد رضي الله عنه فقطعها وخرجت منها شيطانة مكشوفة الرأس منشورة الشعر تضرب رأسها وتدعوا بالويل والثبور فقتلها خالد وهو يقول:شعر : يا عز كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك تفسير : ورجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بما رأى وفعل فقال تلك العزى ولن تعبد أبداً، وأما مناة فهي فعلة صنم الصفا، وهي صخرة كانت لهذيل وخزاعة، وفيه مسائل: المسألة الأولى: الآخر لا يصح أن يقال إلا إذا كان الأول مشاركاً للثاني فلا يقال رأيت امرأة ورجلاً آخر، ويقال رأيت رجلاً ورجلاً آخر لاشتراك الأول والثاني في كونهما من الرجال وههنا قوله {ٱلثَّالِثَةَ ٱلأَخْرَىٰ } يقتضي على ما ذكرنا أن تكون العزى ثالثة أولى ومناة ثالثة أخرى وليس كذلك، والجواب عنه من وجوه الأول: الأخرى كما هي تستعمل للذم، قال الله تعالى: {أية : قَالَتْ * أُولَـٰهُمْ لأَخْرَاهُمْ } تفسير : [الأعراف: 39] أي لمتأخرتهم وهم الأتباع ويقال لهم الأذناب لتأخرهم في المراتب فهي صفة ذم كأنه تعالى يقول ومناة الثالثة المتأخرة الذليلة، ونقول على هذا للأصنام الثلاثة ترتيب، وذلك لأن الأول كان وثناً على صورة آدمي والعزى صورتها صورة نبات ومناة صورتها صورة صخرة هي جماد، فالآدمي أشرف من النبات، والنبات أشرف من الجماد، فالجماد متأخر والمناة جماد فهي في الأخريات من المراتب الجواب الثاني: فيه محذوف تقديره أفرأيتم اللات والعزى المعبودين بالباطل ومناة الثالثة المعبودة الأخرى والجواب الثالث: هو أن الأصنام كان فيها كثرة واللاّت والعزى إذا أخذتا متقدمتين فكل صنمة توجد فهي ثالثة، فهناك ثوالث فكأنه يقول لهما ثوالث كثيرة وهذه ثالثة أخرى، وهذا كقول القائل يوماً ويوماً والجواب الرابع: فيه تقديم وتأخير تقديره ومناة الأخرى الثالثة، ويحتمل أن يقال الأخرى تستعمل لموهوم أو مفهوم وإن لم يكن مشهوراً ولا مذكوراً يقول من يكثر تأذيه من الناس إذا آذاه إنسان الآخر جاء يؤذينا، وربما يسكت على قوله أنت الآخر فيفهم غرضه كذلك ههنا. المسألة الثانية: وهي في الترتيب أولى ما فائدة الفاء في قوله {أَفَرَءيْتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ } وقد استعمل في مواضع بغير الفاء؟ قال تعالى: {أية : أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } تفسير : [الأحقاف: 4] {أية : أَرَءيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ } تفسير : [فاطر: 40]، نقول لما قدم من عظمة آيات الله في ملكوته أن رسول الله إلى الرسل الذي يسد الآفاق ببعض أجنحته ويهلك المدائن بشدته وقوته لا يمكنه أن يتعدى السدرة في مقام جلال الله وعزته، قال أفرأيتم هذه الأصنام مع زلتها وحقارتها شركاء الله مع ما تقدم، فقال بالفاء أي عقيب ما سمعتم من عظمة آيات الله تعالى الكبرى ونفاذ أمره في الملأ الأعلى وما تحت الثرى، فانظروا إلى اللاّت والعزى تعلموا فساد ما ذهبتم إليه وعولتم عليه. المسألة الثالثة: أين تتمة الكلام الذي يفيد فائدة ما؟ نقول قد تقدم بيانه وهو أنه يقول هل رأيتم هذه حق الرؤية، فإن رأيتموها علمتم أنها لا تصلح شركاء، نظيره ما ذكرنا فيمن ينكر كون ضعيف يدعي ملكاً، يقول لصاحبه أما تعرف فلاناً مقتصراً عليه مشيراً إلى بطلان ما يذهب إليه ثم قال تعالى:
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ} {وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ} لما ذكر الوحي إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وذكر من آثار قدرته ما ذكر، حاجًّ المشركين إذ عبدوا ما لا يعقِل وقال: أفرأيتم هذه الآلهة التي تعبدونها أَوْحَيْنَ إليكم شيئاً كما أُوحِي إلى محمد. وكانت الَّلاتُ لثَقِيف، والعُزَّى لقريش وبني كِنانة، ومَناةُ لبني هلال. وقال هشام: فكانت مناة لِهُذَيْل وَخُزَاعة؛ فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا رضي الله عنه فهدمها عام الفتح. ثم ٱتخذوا اللات بالطائف، وهي أحدث من مَنَاة وكانت صخرةً مُربَّعة، وكان سَدَنتها من ثَقِيف، وكانوا قد بنوا عليها بناء، فكانت قريش وجميع العرب تعظمها. وبها كانت العرب تسمى زيد الّلات وتيمَ الّلات. وكانت في موضع منارة مسجد الطائف اليسرى، فلم تزل كذلك إلى أن أسلمت ثَقِيفٌ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المغيرة ابن شعبة فهدمها وحرقها بالنار. ثم ٱتخذوا العُزَّى وهي أحدث من الّلات، ٱتخذها ظالم بن أسعد، وكانت بوادي نَخْلة الشامية فوق ذات عِرْق، فبنوا عليها بيتاً وكانوا يسمعون منها الصوت. قال ٱبن هشام: وحدّثني أبي عن أبي صالح عن ٱبن عباس قال: حديث : كانت العُزَّى شيطانة تأتي ثلاث سَمُرات ببطن نَخْلة، فلما ٱفتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، بعث خالد بن الوليد رضي الله عنه فقال: «ٱيتِ بَطْن نخلة فإنك تجد ثلاث سَمُرات فٱعْضِد الأولى» فأتاها فَعضَدها فلما جاء إليه قال: «هل رأيت شيئاً» قال: لا. قال: «فٱعضِد الثانية» فأتاها فَعضَدها، ثم أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «هل رأيت شيئاً» قال: لا. قال: «فٱعضِد الثالثة» فأتاها فإذا هو بحبشيّة نافشة شعرها، واضعة يديها على عاتقها تُصَرِّفُ بأنيابها، وخلفها دُبَيَّةُ السُّلَمّي وكان سادِنَها فقال: شعر : يا عُزّ كُفْرَانِك لا سبْحانِك إني رَأَيْتُ اللَّهَ قَد أهانَكِ حديث : ثم ضربها ففلق رأسها فإذا هي حُمَمَة، ثم عَضَد الشجرة وقتل دُبَيَّة السادن، ثم أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: «تلك العُزَّى ولن تُعبَد أبداً» تفسير : وقال ٱبن جُبير: العُزَّى حجر أبيض كانوا يعبدونه. قتادة: نبت كان ببطن نَخْلة. ومَنَاة: صنم لخزاعة. وقيل: إن الّلات فيما ذكر بعض المفسرين أخذه المشركون من لفظ الله، والعُزَّى من العزيز، ومَنَاة مِن مَنَى الله الشيءَ إذا قدّره. وقرأ ٱبن عباس وٱبن الزبير ومجاهد وحُميد وأبو صالح «الّلاتّ» بتشديد التاء وقالوا: كان رجلاً يَلُتّ السَّوِيق للحاجّ ـ ذكره البخاري عن ٱبن عباس ـ فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه. ٱبن عباس: كان يبيع السَّوِيق والسَّمْن عند صخرة ويصبه عليها، فلما مات ذلك الرجل عبدت ثَقِيف تلك الصخرة إعظاماً لصاحب السَّوِيق. أبو صالح: إنما كان رجلاً بالطائف فكان يقوم على آلهتهم ويَلُتّ لهم السَّوِيق فلما مات عبدوه. مجاهد: كان رجل في رأس جبل له غُنَيْمة يَسْليِ منها السَّمْن ويأخذ منها الأَقِط ويجمع رِسْلَها، ثم يتخذ منها حَيْساً فيطعم الحاج، وكان ببطن نَخْلة فلما مات عبدوه وهو الّلات. وقال الكلبيّ كان رجلاً من ثَقِيف يقال له صِرمة بن غنم. وقيل: إنه عامر بن ظَرِب العَدْوانيّ. قال الشاعر:شعر : لا تَنْصُروا الّلاتَ إِنَّ اللَّه مُهْلِكُهَا وكيف يَنْصُرُكُمْ مَنْ ليس يَنْتَصِرُ تفسير : والقراءة الصحيحة «اللاَّتَ» بالتخفيف ٱسم صنم والوقوف عليها بالتاء وهو ٱختيار الفراء. قال الفرّاء: وقد رأيت الكسائيّ سأل أبا فَقْعَس الأَسَديّ فقال ذاه لذات (ولاه للات) وقرأ «أَفَرَأَيْتُمُ الَّلاهَ». وكذا قرأ الدُّورِيّ عن الكسائيّ والبَزِّي عن ٱبن كثير «الّلاه» بالهاء في الوقف، ومن قال: إن «الّلات» من الله وقف بالهاء أيضاً. وقيل: أصلها لاهة مثل شاة (أصلها شاهة) وهي من لاَهَت أي اختفت؛ قال الشاعر:شعر : لاَهَتْ فما عُرِفت يوماً بخارجةٍ يا ليتها خَرجتْ حتَّى رأيناها تفسير : وفي الصحاح: اللات ٱسم صنم كان لِثَقيف وكان بالطائف، وبعض العرب يقف عليها بالتاء، وبعضهم بالهاء؛ قال الأخفش: سمعنا من العرب من يقول الَّلاتِ والعُزَّى، ويقول هي الّلاتْ فيجعلها تاء في السّكوت وهي الّلاتِ فأعْلَمَ أنه جُرَّ في موضع الرفع؛ فهذا مثل أمِس مكسورٌ على كل حال وهو أجودُ منه؛ لأن الألف واللام اللتان في الّلات لا تسقطان وإن كانتا زائدتين؛ وأما ما سمعنا من الأكثر في الّلاتِ والعُزَّى في السّكوت عليها فالّلاهْ لأنها هاء فصارت تاء في الوصل وهي في تلك اللغة مثل كان من الأمر كَيْتِ وكَيْتِ، وكذلك هيهاتِ في لغة من كسرها؛ إلا أنه يجوز في هيهاتِ أن تكون جماعة ولا يجوز ذلك في الّلاتِ؛ لأن التاء لا تزاد في الجماعة إلا مع الألف، وإن جعلت الألف والتاء زائدتين بقي الآسم على حرف واحد. قوله تعالى: {وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ} قرأ ٱبن كثير وٱبن مُحيْصن وحُميد ومجاهد والسُّلَمي والأعشى عن أبي بكر «وَمَنَاءَةَ» بالمدّ والهمز. والباقون بترك الهمز لغتان. وقيل: سمي بذلك؛ لأنهم كانوا يريقون عنده الدماء يتقرّبون بذلك إليه. وبذلك سميت منًى لكثرة ما يراق فيها من الدماء. وكان الكسائي وٱبن كثير وٱبن مُحَيْصِن يقفون بالهاء على الأصل. الباقون بالتاء ٱتباعاً لخط المصحف. وفي الصحاح: ومناة ٱسم صنم كان لهُذَيل وخُزَاعة بين مكة والمدينة، والهاء للتأنيث ويسكت عليها بالتاء وهي لغة، والنسبة إليها مَنَوِيّ. وعبدُ مَناةَ ٱبنُ أُدّ بن طابِخة، وزيدُ مناة ٱبن تميم بن مُرٍّ يُمدّ ويقصر؛ قال هَوْبَر الحارثي:شعر : أَلاَ هلْ أَتى التَّيْمَ بنَ عبدِ مَنَاءةٍ على الشِّنْءِ فِيما بيننا ابْنُ تَمِيِم تفسير : قوله تعالى: {ٱلأُخْرَىٰ } العرب (لا) تقول للثالثة أخرى وإنما الأخرى نعت للثانية، وٱختلفوا في وجهها فقال الخليل: إنما قال ذلك لوفاق رؤوس الآي؛ كقوله: {أية : مَآرِبُ أُخْرَىٰ} تفسير : [طه: 18] ولم يقل آخر. وقال الحسين بن الفضل: في الآية تقديم وتأخير مجازها أفرأيتم اللاّت والعُزَّى الأخرى ومَنَاة الثالثة. وقيل: إنما قال{وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ} لأنها كانت مرتبة عند المشركين في التعظيم بعد اللاّت والعُزَّى فالكلام على نسقه. وقد ذكرنا عن (ابن) هشام: أن مَناةَ كانت أولاً في التقديم، فلذلك كانت مقدّمة عندهم في التعظيم؛ والله أعلم. وفي الآية حذف دل عليه الكلام؛ أي أفرأيتم هذه الآلهة هل نفعت أو ضرّت حتى تكون شركاء لله. ثم قال على جهة التقريع والتوبيخ: {أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ} ردًّا عليهم قولهم: الملائكة بنات الله، والأصنام بنات الله. قوله تعالى: {تِلْكَ إِذاً} يعني هذه القسمة {قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ} أي جائرة عن العدل، خارجة عن الصواب، مائلة عن الحق. يقال: ضَازَ في الحكم أي جار، وضَازَ حقّه يَضِيزه ضَيْزاً ـ عن الأخفش ـ أي نقصه وبخسه. قال: وقد يهمز فيقال ضأزه يَضَأَزُه ضَأَزًّا وأنشد:شعر : فإنْ تَنْأَ عنَّا نَنْتقِصْكَ وإنَ تُقِمْ فقِسْمُكَ مَضْؤوزٌ وأنفُكَ رَاغِمُ تفسير : وقال الكسائي: يقال ضازَ يَضِيز ضَيْزاً، وضازَ يَضُوز ضَوْزاً، وضَأَز يَضْأَز ضأزاً إذا ظلم وتعدّى وبخس وٱنتقص؛ قال الشاعر:شعر : ضَازَتْ بنو أَسدٍ بِحُكمِهِمُ إِذ يجعلون الرأسَ كالذَّنَبِ تفسير : قوله تعالى: «قِسْمَةٌ ضِيزَى» أي جائرة، وهي فُعْلى مِثل طُوبَى وحُبْلى؛ وإنما كسروا الضاد لتسلم الياء؛ لأنه ليس في الكلام فِعْلى صفة، وإنما هو من بناء الأسماء كالشِّعْرى والدِّفْلى. قال الفرّاء: وبعض العرب تقول ضُوْزى وضِئْزى بالهمز. وحكى أبو حاتم عن أبي زيد: أنه سمع العرب تهمز «ضِيزى». قال غيره: وبها قرأ ٱبن كثير؛ جعله مصدراً مثل ذِكرى وليس بصفة؛ إذ ليس في الصفات فِعْلى ولا يكون أصلها فُعْلى؛ إذ ليس فيها ما يوجب القلب، وهي من قولهم شأزته أي ظلمته. فالمعنى قسمة ذات ظلم. وقد قيل هما لغتان بمعنًى. وحكى فيها أيضاً سواهما ضَيْزَى وضَأْزى وضُوزَى وضُؤْزى. وقال المؤرِّج: كرهوا ضم الضاد في ضِيزى، وخافوا ٱنقلاب الياء واواً وهي من بنات الواو؛ فكسروا الضاد لهذه العلة، كما قالوا في جمع أبيض بِيضٌ والأصل بُوضٌ؛ مثل حُمْرٍ وصُفْر وخُضْر. فأما من قال: ضاز يَضُوز فالاسم منه ضُوزَى مثل شُورَى.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مقرعاً للمشركين في عبادتهم الأصنام والأنداد والأوثان، واتخاذهم البيوت لها مضاهاة للكعبة التي بناها خليل الرحمن عليه السلام: {أَفَرَءَيْتُمُ ٱللَّـٰتَ} وكانت اللات صخرة بيضاء منقوشة، وعليها بيت بالطائف، له أستار وسدنة، وحوله فناء معظم عند أهل الطائف، وهم ثقيف ومن تابعها، يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش، قال ابن جرير: وكانوا قد اشتقوا اسمها من اسم الله، فقالوا: اللات، يعنون: مؤنثة منه، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً، وحكي عن ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس: أنهم قرأوا: اللات، بتشديد التاء، وفسروه بأنه كان رجلاً يلت للحجيج في الجاهلية السويق، فلما مات، عكفوا على قبره، فعبدوه. وقال البخاري: حدثنا مسلم، هو ابن إبراهيم، حدثنا أبو الأشهب، حدثنا أبو الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ} قال: كان اللات رجلاً يلت السويق؛ سويق الحاج. قال ابن جرير: وكذا العزى من العزيز، وكانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة، وهي بين مكة والطائف، وكانت قريش يعظمونها؛ كما قال أبو سفيان يوم أحد: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم»تفسير : وروى البخاري من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من حلف فقال في حلفه: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعالَ أقامرك، فليتصدق» تفسير : فهذا محمول على من سبق لسانه في ذلك؛ كما كانت ألسنتهم قد اعتادته في زمن الجاهلية، كما قال النسائي: أخبرنا أحمد بن بكار، وعبد الحميد بن محمد قالا: حدثنا مخلد، حدثنا يونس عن أبيه، حدثني مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: حلفت باللات والعزى، فقال لي أصحابي: بئس ما قلت! قلت هجراً!. فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: «حديث : قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وانفث عن شمالك ثلاثاً، وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم لا تعد»تفسير : . وأما مناة، فكانت بالمشلل عند قديد بين مكة والمدينة، وكانت خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتها يعظمونها، ويهلون منها للحج إلى الكعبة. وروى البخاري عن عائشة نحوه، وقد كان بجزيرة العرب وغيرها طواغيت أخر تعظمها العرب كتعظيم الكعبة، غير هذه الثلاثة التي نص عليها في كتابه العزيز، وإنما أفرد هذه بالذكر؛ لأنها أشهر من غيرها. قال ابن إسحاق في السيرة: وقد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجاب، وتهدي لها كما يهدى للكعبة، وتطوف بها كطوافها بها، وتنحر عندها، وهي تعرف فضل الكعبة عليها؛ لأنها كانت قد عرفت أنها بيت إبراهيم عليه السلام. ومسجده، فكانت لقريش، ولبني كنانة العزى بنخلة، وكان سدنتها وحجابها بني شيبان من سليم، حلفاء بني هاشم، قلت: بعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد ابن الوليد، فهدمها وجعل يقول:شعر : يا عُزَّى كُفْرانَكِ لا سُبْحانَك إنِّي رأيْتُ اللّهَ قَدْ أهانَك تفسير : وقال النسائي: أخبرنا علي بن المنذر، أخبرنا ابن فضيل، حدثنا الوليد بن جميع عن أبي الطفيل قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكانت بها العزى، فأتاها خالد، وكانت على ثلاث سمرات، فقطع السمرات، وهدم البيت الذي كان عليها، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: «حديث : ارجع فإنك لم تصنع شيئاً» تفسير : فرجع خالد، فلما أبصرته السدنة، وهم حجبتها، أمعنوا في الحيل، وهم يقولون: يا عزى يا عزى فأتاها خالد، فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثو التراب على رأسها، فغمسها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: «حديث : تلك العزى!»تفسير : قال ابن إسحاق: وكانت اللات لثقيف بالطائف، وكان سدنتها وحجابها بني معتب. قلت: وقد بعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم المغيرة بن شعبة، وأبا سفيان صخر ابن حرب، فهدماها وجعلا مكانها مسجداً بالطائف. قال ابن إسحاق: كانت مناة للأوس والخزرج ومن دان بدينهم من أهل يثرب على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها أبا سفيان صخر ابن حرب، فهدمها، ويقال: علي بن أبي طالب. قال: وكانت ذو الخلصة لدوس وخثعم وبجيلة، ومن كان ببلادهم من العرب بتبالة. قلت: وكان يقال لها: الكعبة اليمانية، وللكعبة التي بمكة: الكعبة الشامية، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم جرير بن عبد الله البجلي، فهدمه، قال: وكانت فَلْس لطيء ومن يليها بجبلي طيء من سلمى وأجأ، قال ابن هشام: فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليه علي بن أبي طالب، فهدمه، واصطفى منه سيفين: الرسوب والمخْذم، فنفله إياهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فهما سيفا علي. قال ابن إسحاق: وكان لحمير وأهل اليمن بيت بصنعاء يقال له: ريام، وذكر أنه كان به كلب أسود، وأن الحبرين اللذين ذهبا مع تبع، استخرجاه وقتلاه، وهدما البيت. قال ابن إسحاق: وكانت رضاء بيتاً لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، ولها يقول المستوغر بن ربيعة بن كعب بن سعد حين هدمها في الإسلام:شعر : ولَقَدْ شَدَدْتُ على رِضاءٍ شَدَّةً فتَرَكْتُها قَفْراً بِقاعٍ أَسْمَحا تفسير : قال ابن هشام: إنه عاش ثلاثمائة وثلاثين سنة، وهو القائل:شعر : ولَقَدْ سَئِمْتُ منَ الحَياة وطولِها وعُمِرْتُ من عَدَدِ السنينَ مِئينا مائةً حدَتْها بعدَها مِئتانِ لي وعُمِرْت من عددِ الشهور سِنينا هل ما بقي إلا كما قد فاتَنا يومٌ يمرُّ وليلةٌ تَحْدونا تفسير : وقال ابن إسحاق: وكان ذو الكعبات لبكر وتغلب ابني وائل وإياد بسنداد، وله يقول أعشى بني قيس بن ثعلبة:شعر : بينَ الخَوَرْنَقِ والسَّديرِ وبارقٍ والبيت ذو الكعباتِ من سندادِ تفسير : ولهذا قال تعالى: { أَفَرَءَيْتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ } ثم قال تعالى: {أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنثَىٰ}؟ أي: أتجعلون له ولداً، وتجعلون ولده أنثى، وتختارون لأنفسكم الذكور؟ فلو اقتسمتم أنتم ومخلوق مثلكم هذه القسمة، لكانت {قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ} أي: جوراً باطلة، فكيف تقاسمون ربكم هذه القسمة التي لو كانت بين مخلوقين كانت جوراً وسفهاً؟ ثم قال تعالى منكراً عليهم فيما ابتدعوه وأحدثوه من الكذب والافتراء والكفر من عبادة الأصنام وتسميتها آلهة: {إِنْ هِىَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم} أي من تلقاء أنفسكم {مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ} أي: من حجة {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ} أي ليس لهم مستند إلا حسن ظنهم بآبائهم الذين سلكوا هذا المسلك الباطل قبلهم، وإلا حظ نفوسهم في رياستهم وتعظيم آبائهم الأقدمين. {وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ} أي ولقد أرسل الله إليهم الرسل بالحق المنير، والحجة القاطعة، ومع هذا ما اتبعوا ما جاؤوهم به، ولا انقادوا له. ثم قال تعالى: { أَمْ لِلإِنسَـٰنِ مَا تَمَنَّىٰ}؟ أي: ليس كل من تمنى خيراً حصل له {أية : لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ} تفسير : [النساء: 123] ما كل من زعم أنه مهتد يكون كما قال، ولا كل من ود شيئاً يحصل له. قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا تمنى أحدكم، فلينظر ما يتمنى، فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته» تفسير : تفرد به أحمد. وقوله: { فَلِلَّهِ ٱلآخِرَةُ وٱلأُولَىٰ} أي: إنما الأمر كله لله مالك الدنيا والآخرة، والمتصرف في الدنيا والآخرة، فهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. وقوله تعالى: {وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَـٰوَٰتِ لاَ تُغْنِي شَفَـٰعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىٰ} كقوله: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} تفسير : [البقرة: 255] {أية : وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} تفسير : [سبأ: 23] فإذا كان هذا في حق الملائكة المقربين، فكيف ترجون أيها الجاهلون شفاعة هذه الأصنام والأنداد عند الله، وهو تعالى لم يشرع عبادتها ولا أذن فيها، بل قد نهى عنها على ألسنة جميع رسله وأنزل بالنهي عن ذلك جميع كتبه؟
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَفَرَءَيْتُمُ ٱللَّٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ }.
الماوردي
تفسير : {أَفَرَءيْتُمُ اللاَّت وَالْعُزَّى} أما اللات فقد كان الأعمش يشددها، وسائر القراء على تخفيفها، فمن خففها فلهم فيها قولان: أحدهما: أنه كان صنماً بالطائف زعموا أن صاحبه كان يلت عليه السويق لأصحابه، قاله السدي. الثاني: أنه صخرة يلت عليها السويق بين مكة والطائف، قاله عكرمة. وأما من شددها فلهم فيها قولان: أحدهما: أنه كان رجلاً يلت السويق على الحجر فلا يشرب منه أحد إلا سمن معبوده، ثم مات فقلبوه على قبره، قاله ابن عباس، ومجاهد. الثاني: أنه كان رجلاً يقوم على آلهتهم ويلت لهم السويق بالطائف قاله السدي، وقيل إنه عامر بن ظرب العدواني ثم اتخذوا قبره وثناً معبوداً، قال الشاعر: شعر : لا تنصروا اللات إن الله مهلكها وكيف ينصركم من ليس ينتصر. تفسير : وأما {الْعُزَّى} ففيه قولان: أحدهما: أنه صنم كانوا يعبدونه، قاله الجمهور. الثاني: أنها شجرة كان يعلق عليها ألوان العهن تعبدها سليم، وغطفان، وجشم، قال مقاتل: وهي سمرة، قاله الكلبي: هي التي بعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد حتى قطعها، وقال أبو صالح: بل كانت نخلة يعلق عليها الستور والعهن. وقيل في اللات والعزى قول ثالث: أنهما كانا بيتين يعبدهما المشركون في الجاهلية، فاللات بيت كان بنخلة يعبده كفار قريش، والعزى بيت كان بالطائف يعبده أهل مكة والطائف. {وَمَنَوةَ الثَّالِثَةَ الأَخْرَى} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه كان صنماً بقديد بين مكة والمدينة، قاله أبو صالح. الثاني: أنه بيت كان بالمسلك يعبده بنو كعب. الثالث: أنها أصنام من حجارة كانت في الكعبة يعبدونها. الرابع: أنه وثن كانوا يريقون عنده الدماء يتقربون بذلك إليه، وبذلك سميت منى لكثرة ما يراق بها من الدماء. وإنما قال: مناة الثالثة الأخرى، لأنها كانت مرتبة عند المشركين في التعظيم بعد اللات والعزى، وروى سعيد بن جبير وأبو العالية الرياحي أنه لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم {أَفََرأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى} الآية. ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهم ترتجى، وفي رواية أبي العالية: وشفاعتهم ترتضى ومثلهم لا ينسى، ففرح المشركون وقالوا: قد ذكر آلهتنا، فنزل جبريل فقال: أعرض عليّ ما جئتك به فعرض عليه، فقال: لم آتك أنا بهذا وهذا من الشيطان، فأنزل الله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُوْلٍ وَلاَ نَبِّيٍ إلاَّ إذا تََمَنَّى ألْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ}. {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى} حيث جعلوا الملائكة بنات الله. {تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى} فيه أربعة أقاويل: أحدها: قسمة عوجاء، قاله مجاهد. الثاني: قسمة جائرة، قاله قتادة. الثالث: قسمة منقوصة، قاله سفيان وأكثر أهل اللغة، قال الشاعر: شعر : فإن تنأى عنا ننتقصك وإن تقم فقسمك مضئوز وأنفك راغم تفسير : ومعنى مضئوز أي منقوص. الرابع: قسمة مخالفة، قاله ابن زيد. {أَمْ لِلإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى} فيه وجهان: أحدهما: من البنين أن يكونوا له دون البنات. الثاني: من النبوة أن تكون فيه دون غيره. {فَلِلَّهِ الأخِرَةُ وَالأُولَى} فيه وجهان: أحدهما: يعني أنه أقدر من خلقه، فلو جاز أن يكون له ولد - كما نسبه إليه المشركون حين جعلوا له البنات دون البنين وتعالى عن ذلك علواً كبيراً - لكان بالبنين أحق منهم. الثاني: أنه لا يعطي النبوة من تمناها، وإنما يعطيها من اختاره لها لأنه مالك السموات والأرض.
ابن عطية
تفسير : قوله تعالى: {أفرأيتم} مخاطبة لقريش، وهي من رؤية العين، لأنه أحال على أجرام مرئية، ولو كانت: أرأيت: التي هي استفتاء لم تتعد. ولما فرغ من ذكر عظمة الله وقدرته، قال على جهة التوقيف: أرأيتم هذه الأوثان وحقارتها وبعدها عن هذه القدرة والصفات العلية و: {اللات} اسم صنم كانت العرب تعظمه، قال أبو عبيدة وغيره: كان في الكعبة، وقال قتادة: كان بالطائف. وقال ابن زيد: كان بنخلة عند سوق عكاظ، وقول قتادة أرجح يؤيده قول الشاعر: [المتقارب] شعر : وفرّت ثقيف إلى لاتها بمنقلب الخائب الخاسر تفسير : والتاء في: {اللات} لام فعل كالباء من باب، وقال قوم هي تاء تأنيث، والتصريف يأبى ذلك، وقرأ ابن عباس ومجاهد وأبو صالح: "اللاّت" بشد التاء، وقالوا: كان هذا الصنم حجراً وكان عنده رجل من بهز يلت سويق الحاج على ذلك الحجر ويخدم الأصنام، فلما مات عبدوا الحجر الذي كان عنده إجلالاً لذلك الرجل وسموه باسمه، ورويت هذه القراءة عن ابن كثير وابن عامر، {والعزى}: صخرة بيضاء كانت العرب تعبدها وتعظمها، قاله سعيد بن جبير وقال ابن مجاهد: كانت شجيرات تعبد ثم ببلاها انتقل أمرها إلى صخرة. و "عزى" مؤنثة عزيز ككبرى وعظمى، وكانت هذه الأوثان تعظم الوثن منها قبيلة وتعبدها، ويجيء كل من عز من العرب فيعظمها بتعظيم حاضرها. وقال أبو عبيدة معمر: كانت {العزى} {ومناة} في الكعبة، وقال ابن زيد: وكانت {العزى} بالطائف، وقال قتادة: كانت بنخلة وأما {مناة} فكانت بالمشلل من قديد، وذلك بين مكة والمدينة، وكانت أعظم هذه الأوثان قدراً وأكثرها عابداً، وكانت الأوس والخزرج تهل لها، ولذلك قال تعالى: {الثالثة الأخرى} فأكدها بهاتين الصفتين، كما تقول رأيت فلاناً وفلاناً ثم تذكر ثالثاً أجل منهما، فتقول وفلاناً الآخر الذي من أمره وشأنه. ولفظة آخر وأخرى يوصف به الثالث من المعدودات، وذلك نص في الآية، ومنه قول ربيعة بن مكدم: [الكامل] شعر : ولقد شفعتهما بآخر ثالث تفسير : وهو التأويل الصحيح في قول الشاعر [عبيد بن الأبرص]: [مجزوء الكامل] شعر : جعلت لها عودين من نشم وآخر من ثمامه تفسير : وقرأ ابن كثير وحده: "ومناءة" بالهمز والمد وهي لغة فيها، والأول أشهر وهي قراءة الناس، ومنها قول جرير: [الوافر] شعر : أزيد مناة توعد بابن تيم تأمل أين تاه بك الوعيد تفسير : ووقف تعالى الكفار على هذه الأوثان وعلى قولهم فيها، لأنهم كانوا يقولون: هي بنات الله، فكأنه قال: أرأيتم هذه الأوثان وقولكم هي بنات الله {ألكم الذكر وله الأنثى}، أي النوع المستحسن المحبوب هو لكم وموجود فيكم؟ والمذموم المستثقل عندكم هو له بزعمكم، ثم قال تعالى على جهة الإنكار: {تلك إذاً قسمة ضيزى} أي عوجاء، قاله مجاهد، وقيل {ضيزى} معناه: جائرة، قاله ابن عباس وقتادة، وقال سفيان معناه: منقوصة، وقال ابن زيد معناه: مخالفة، والعرب تقول: ضزته حقه أضيزه، بمعنى: منعته منه وظلمته فيه، و: {ضيزى} من هذا التصريف وأصلها فُعلى بضم الفاء ضوزى لأنه القياس، إذ لا يوجد في الصفات فِعلى بكسر الفاء، كذا قال سيبويه وغيره، فإذا كان هذا فهي ضوزى: كسر أولها كما كسر أول عِين وبيض طلباً للتخفيف، إذ الكسرة والياء أخف من الضمة والواو كما قالوا بيوت وعصى هي في الأصل فعول بضم الفاء، وتقول العرب: ضزته أضوزه فكان يلزم على هذا التصريف أن يكون ضوزى فعلى، وفي جميع هذا نظر. وقرأ ابن كثير: "ضئيزى" بالهمز على أنه مصدر كذكرى، وقرأ الجمهور بغير همز. ثم قال تعالى: {إن هي إلا أسماء} يعني أن هذه الأوصاف من أنها إناث وأنها تعبد آلهة ونحو هذا إلا أسماء، أي تسميات اخترعتموها {أنتم وآباؤكم} لا حقيقة لها ولا أنزل الله تعالى بها برهاناً ولا حجة، وقرأ عيسى بن عمر: "سلُطان" بضم اللام، وقرأ هو وابن مسعود وابن عباس وابن وثاب وطلحة والأعمش "إن تتبعون" بالتاء على المخاطبة، وقرأ أبو عمرو وعاصم ونافع والأعمش أيضاً والجمهور: "يتبعون" بالياء على الحكاية عن الغائب و {الظن}: ميل النفس إلى أحد معتقدين متخالفين دون أن يكون ميلها بحجة ولا برهان وهوى الأنفس: هو إرادتها الملذة لها وإنما تجد هوى النفس أبداً فيترك الأفضل، لأنها مجبولة بطبعها على حب الملذ، وإنما يردعها ويسوقها إلى حسن العاقبة العقل والشرع. وقوله تعالى: {ولقد جاءهم من ربهم الهدى} اعتراض بين الكلام فيه توبيخ لهم، لأن سرد القول إنما هو يتبعون ولا {الظن وما تهوى الأنفس}، {أم للإنسان ما تمنى}، وقف على جهة التوبيخ والإنكار لحالهم ورأيهم، ثم اعترض بعد قوله: {وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى} جملة في موضع الحال، والهدى المشار إليه، محمد وشرعه. وقرأ ابن مسعود وابن عباس: "ولقد جاءكم من ربكم" بالكاف فيهما، وقال الضحاك إنهما قرآ "ولقد جاءك من ربك". و "الإنسان" في قوله: {أم للإنسان}، اسم الجنس، كأنه يقول ليست الأشياء بالتمني والشهوات، إنما الأمر كله لله والأعمال جارية على قانون أمره ونهيه فليس لكم، أيها الكفرة مرادكم في قولكم هذه آلهتنا وهي تنفعنا وتقربنا زلفى ونحو هذا. وقال ابن زيد والطبري: "الإنسان" هنا: محمد، بمعنى أنه لم ينل كرامتنا بتأميل، بل بفضل الله أو بمعنى بل إنه تمنى كرامتنا فنالها، إذ الكل لله يهب ما شاء، وهذا لا تقتضيه الآيات، وإن كان اللفظ يعمه. و: {الآخرة والأولى} الداران، أي له كل أمرهما ملكاً ومقدوراً وتحت سلطانه. وقوله تعالى: {وكم من ملك} الآية، رد على قريش في قولهم: الأوثان شفعاؤنا، كأنه يقول: هذه حال الملائكة الكرام، فكيف بأوثانكم، و {كم} للتكثير وهي في موضع رفع بالابتداء والخبر: {لا تغني} والغناء حلب النفع ودفع الضر بحسب الأمر الذي يكون فيه الغناء وجمع الضمير في {شفاعتهم} على معنى: {كم} ومعنى الآية: {أن يأذن الله} في أن يشفع لشخص ما ويرضى عنه كما أذن في قوله: {أية : الذين يحملون العرش ومن حوله} تفسير : [غافر: 7].
ابن عبد السلام
تفسير : {الَّلاتَ} صنم بالطائف كان صاحبه يلت عليه السويق لأصحابه، أو صخرة يُلَت عليها السويق بين مكة والطائف {وَالْعُزَّى} صنم كانوا يعبدونه عند الجمهور، أو سَمُرة يعلق عليها ألوان العهن يعبدها سليم وغطفان وجشم فبعث إليها الرسول صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها، أو كانت نخلة يعلق عليها الستور والعهن، أو اللات والعزى رجل وامرأة زنيا في الكعبة فمسخا حجرين، أو اللات بيت بنخلة تعبده قريش والعزى بيت بالطائف يعبده أهل مكة والطائف، واللاتَّ بالتشديد رجل كان يلت السويق على صخرة فلا يشرب منه أحد إلا سمن فعبدوه ثم مات فعكفوا على قبره، أو كان رجلاً يقوم على آلهتهم ويلت لهم السويق بالطائف فاتخدوا قبره وثناً معبوداً.
ابن عادل
تفسير : قوله: {أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ} لما قرر الرسالة ذكر ما ينبغي أن يبتدىء به الرسول وهو التوحيد ومنع الخلق عن الإشراك، فقوله: "أَفَرَاَيْتُمُ" إشارة إلى إبطال قولهم بنفس القول كما إذا ادعى ضعيفٌ الملكَ ثم رآه العقلاء في غاية البعد عما يدعيه يقولون: انْظُرُوا إلى هذا الذي يدعي المُلْكَ منكرين عليه غير مستدلين بدليل لظهور أمره فكذلك قال: {أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ} أي كما هما فكيف تشركونهما بالله؟ فصل والألف واللام في (اللات) زائدة لازمة، فأما قوله: شعر : 4555-....................... إلَى لاَتِهَا..................... تفسير : فحذفت للإضافة. وقيل: هي والعزى علمان بالوَضْع، أو صفتان غَالِبَتَانِ؟ خلاف. ويترتب على ذلك جواز صدق "أَل" وعدمه. فإن قلنا: إنهما ليسا وصفين في الأصل فلا تحذف منهما "أل". وإن قلنا: إنهما صفتان وإنّ "أَلْ" لِلَمْحِ الصفة جاز، وبالتقديرين "فأل" زائدة. وقال أبو البقاء: وقيل: هما صفتان غالبتان مثل الْحَارِث والْعَبَّاس فلا تكون أل زائدة. انتهى. قال شهاب الدين: وهو غلط، لأن التي للمح الصفة منصوص على زيادتها بمعنى أنها لم تُؤْثِر تَعْريفاً. واختلف في تاء اللات، فقيل: أصل وأصله من لاَتَ يَلِيتُ فألفها عن ياء، فإن مادة "ل ي ت" موجودة. وقيل: زائدة وهي من لَوَى يَلْوِي، لأنهم كانوا يلوون أعْنَاقَهُمْ إليها، أو يلتوون أي يَعْتَكِفُونَ عليها. وأصلها لَوْيَةٌ فحذفت لامها، فألفها على هذا (بدلٌ) من واو. قال الزمخشري: هي فَعْلَة من لَوَى يَلْوِي، وعلى هذا فأصلها لوية فسكنت الياء وحذفت لالتقاء الساكنين، بقيت لَوْة فقلبت الواو ألفاً لفتح ما قبلها فصارت "لاَت". واخْتَلَف القُرَّاءُ في الوقف على تائها فوقف الكسائي عليها بالهاء. والباقون بالتاء. وهو مبني على القولين المتقدمين. فمن اعتقد تاءها أصلية أَقرها في الوقت كتَاء بِنْتٍ، ومن اعتقد زيادتها وقف عليها هاءً. قال ابن الخطيب: والتاء في اللات تاء تأنيث كما في المَنَاة لكنها تكتب ممطوطةً لئلا يوقف عليها فتصير هاءً فتشبه باسم (الله) فإن الهاء في (الله) أصلية ليست تاءَ تأنيث ووقف عليها فانقلبت هاءً. واللاَّتُ اسمُ صنم. وقيل: كان لثقيف بالطائف. قاله قتادة. وقيل: بعُكَاظ. وقال زيد: بيت بنخلة. وقيل: صنم. ورجح ابن عطية الأول لقول الشاعر: شعر : 4556- وَفَرَّتْ ثَقِيفٌ إلى لاَتِهَا بمُنْقَلَبِ الْخَائِبِ الْخَاسِرِ تفسير : والعامة على تخفيف تائها. وقرأ ابن عباس، ومجاهدٌ، ومنصورُ بن المُعْتَمِر، وأبو الجَوْزَاء، وأبو صالح وابنُ كثير - في رواية - بتشديد التاء. فقيل: هو رجل كان يَلِتُّ السَّوِيقَ، ويُطْعِمهُ الْحَاجَّ، فلما مات عكفوا على قبره يعبدونه، فهو اسم فاعل في الأصل غلب على هذا الرجل وكان يجلس عند حجر، فلما مات سمي الحجر باسمه وعُبِدَ من دون الله. وقال مجاهد: كان في رأس جبل له غنيمة يَسْلأُ منها السَّمْنَ ويأخذ منها الأَقطَ ويجمع رسلها ويتخذ منه حيساً فيطعم الحاج وكان ببطن النخلة فلما مات عبدوه وهو اللات. وقال الكلبي: كان رجلاً من ثقيف يقال له: صَرْمَة بن غَنْم وكان يَسْلأُ السَّمن فيضعه على صخْرة، ثم تأتيه العرب فتلتُّ به أَسْوِقَتَهُمْ، فلما مات الرجل حَوَّلَتْهَا ثَقيفٌ إلى منازلها فعبدتها. وقال القرطبي: كانت صخرة مربَّعة وكان سَدَنَتُها من ثقيف وكانوا قد بنوا عليها بناءً، فكانت قريش وجميع العرب تعظمها وبها كانت العربُ تسمّي زيدَ اللاتِ وتَيْمَ اللات، وكانت في موضع مسجد الطائف اليسرى، فلم تزل كذلك إلى أن أسلمت ثقيفٌ. فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عَلِيًّا فَهَدَمَهَا وحَرَقَها بالنار، ثم اتخذ العرب العزى وهي أحدث من اللات، اتخذها ظالمُ بن سَعِيد. والعزى: فعلى من العز وهي تأنيث الأعَزّ كالفُضْلَى والأَفْضَل. وهي اسم صنم. وقيل: شجرة كانت تُعبد. قال مجاهد: هي شجرة كانت بغَطَفَان كانوا يعبدونها، فبعث النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - خالدَ بن الوليد فقطعها فجعل خالدٌ يضربُها بالفَأس ويقول: شعر : 4557- يَا عُزَّ كُفْرَانَكِ لاَ سُبْحَانَكِ إنِّي رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ أَهَانَكِ تفسير : فخرجت منها شيطانة مكشوفة الرأس، ناشرةً شعرها، تضرب رأسَها وتدعو بالوَيْل والثُّبُور فقتلها خالد. وروي أَنَّ خالداً لما قطع الشجرة رجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: قد قَطَعْتُها، فقال: ما رأيت؟ قال: ما رأيت شيئاً. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما بلغت. فعاودها ومعه المعول فقلعها واجتثَّ أصلها فخرجت منها امرأة عُرْيَانة فقتلَها، ثم رَجَعَ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخبره بذلك فقال: تلك العُزَّى، ولن تُعْبَدَ أبداً. وقال الضحاك: هو صنم لغَطَفَان وضعها لهم سعدُ بن ظالم الغَطَفَانِيّ. وذلك أنه قَدِمَ مكة فرأى الصَّفَا والمَرْوَة، ورأى أهل مكة يطوفون بينهما فعاد إلى بطن نخلة وقال لقومه: إن لأهلِ مكة الصَّفَا والمَرْوَةَ وليستَا لكم ولهم إله يعبدونه وليس لكم قالوا: فما تأمرنا؟ قال: أنا أصنع لكم ذلك، فأخذ حجراً من الصفا وحجراً من المروة ونقلهما إلى نخلة فوضع الذي أخذ من الصَّفا فقالَ: هذا الصفا ثم وضع الذي أخذ من المروة فقال: هذا المروة ثم أخذ ثلاثة أحجار فأسندها إلى شجرة وقال: هذا ربكم فجعلوا يطوفون بين الحَجَريْن ويعبدون الحجارة حتى افتتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة فأمر برفع الحجارة، وبعث خالد بن الوليد إلى العُزَّى فقَطَعَها. وقال قتادة وابن زيد: هي بيت بالطائف كانت تعبده ثقيف. وقال ابن جبير العزى حجر أبيض كانوا يعبدونه. قوله: (وَمَنَاةَ) قرأ ابن كثير: مَنَأَةَ بهمزة مفتوحة بعد الألف، والباقون بألف وحدها، وهي صخرة كانت تعبد من دون الله. فأما قراءة ابن كثير فاشتقاقها من النَّوْءِ، وهو المطر، لأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء ووزنها حينئذ "مَفْعَلَة" فألفها عن واو وهمزتها أصلية وميمها زائدة وأنشدوا على ذلك: شعر : 4558- أَلا هَلْ أَتَى تَيْم بْنَ عَبْدِ مَنَاءَةٍ عَلَى النَّأيِ فِيمَا بَيْنَنَا ابْنُ تَمِيمِ تفسير : وقد أنكر أبو عبيدة قراءة ابْنِ كثير، وقال: لم أسمع الْهَمْز. قال شهاب الدين: قد سمعه غيرهُ، والبيت حجَّةٌ عليه. وأما قراءة العامة فاشتقاقها من مَنَى يَمْنِي أي صَبَّ لأن دِمَاءَ النَّسائك كانت تُصَبُّ عندَها، وأنشدوا لجرير: شعر : 4559- أَزَيْدَ مَنَاةَ تُوعِدُ يَا ابْنَ تَيْمٍ تَأَمَّلْ أَيْنَ تَاهَ بِكَ الوَعِيدُ تفسير : وقال أبو البقاء: وألفه عن ياء كقولك: مَنَى يَمْنِي إذا قدر، ويجوز أن تكون من الواو، ومنه مَنَوَانِ فوزنها على قراءة القصر فَعَلَةٌ. فصل قال قتادة: مناة صخرة كانت لخُزَاعةَ بقَدِيد. وقالت عائشة (رضي الله عنها) في الأنصار كانوا يصلون لمناةَ فكانت حذو قَديدٍ. وقال ابن زيد: بيت كان بالمشلل تعبده بنو كعب. وقال الضحاك مناة صنم لهُذَيْل وخُزَاعَة تعبده أهل مكة. وقيل: اللاَّتُ والعُزَّى ومناة أصنامٌ مِنْ حجارةٍ كانت في جوف الكعبة يعبدونها. قوله: (الأُخْرَى) صفة لمَنَاةَ. قال أبو البقاء: و "الأُخْرَى" توكيد لأن الثالثة لا تكون إلا أُخْرَى. وقال الزمخشري: والأخرى ذم وهي المتأخِّرة الوضيعة المقدار، كقوله: {أية : قَالَتْ أُخْرَاهُمْ} تفسير : [الأعراف: 38] أي وُضَعاؤهم لأَشْرَافِهمْ. ويجوز أن تكون الأولية والتقدم عندهم لِلاَّتِ والْعُزَّى. انتهى. وفيه نظر، لأن "الأخرى" إنما تدل على الغيرية، وليس فيها تعريض لمدح ولا ذمٍّ، فإن جاء شيء فلقرينة خارجيَّةٍ. وقيل: الأخرى صفة للعُزَّى؛ لأن الثانية أخرى بالنسبة إلى الأولى. وقال الحُسَيْنُ بن الفَضْلِ: فيه تقديم وتأخير أي العزَّى الأُخْرَى، ومناة الثالثة. ولا حاجة إلى ذلك؛ لأن الأصل عَدَمُهُ. فصل قال ابن الخطيب: فإنْ قِيلَ: إنما يقال: أَخَّرُوا "أُخْرى" إذا (تقدم) أول مشاركٌ للثاني فلا يقال جَاءَنِي رَجُلٌ وامْرَأَةٌ أُخْرَى فيلزم أن تكون العُزَّى ثالثةً! فالجواب: قد يستعمل الآخر والأُخرى للذَّمِّ، فالمراد بالأخرى المتأخرة الذليلة. واللات على صورة آدمّي. والعُزَّى شجرة وهي نبات. وقيل: صخرة جَمَاد وهي متأخرة عنهما. أو في الكلام حذف أي اللات والعزى المعبودين بالباطل ومناة الثالثة الأخرى. أو المعنى ومناة الأخرى الثالثة على التقديم والتأخير. ومعنى الآية هل رأيتم هذه الأصنام حقَّ الرؤية فَإنْ رأيتموها علمتم أنها لا تَصْلُحُ للإلهيَّةِ. والمقصود إبطال الشركاء وإثبات التوحيد. فصل "أرأيت" بمعنى أخبرني فيتعدى لاثنين أولهما اللات وما عطف عليه، والثاني: الجملة الاستفهامية من قوله: "ألَكُمُ الذَّكَرُ". فإن قيل: لم يعد من هذه الجملة ضمير على المفعول الأول. فالجواب: أن قوله "وَلَهُ الأُنْثَى" في قوة: له هذه الأصنام وإن كان أصل التركيب ألكم الذكر وله هُنَّ أي تلك الأصنام. وإنما أوثر هذا الاسم الظاهر لوقوعه رأسَ فاصلةٍ. وقد جعل الزجاج المفعولَ الثَّانِي محذوفاً، فإنَّه قال: وجه تلفيق هذه الآية مع ما قبلها فيقول أخبروني عن آلهتكم هل لها شيء من القدرة والعظمة التي وصف بها ربّ العزة في الآي السالِفةِ. انتهى. فعلى هذا يكون قوله (أَلَكُمُ الذَّكَرُ) مُتعلِّقاً بما قبله من حيثُ المَعْنى لا من حيثُ الإعراب. وجعل ابن عطية الرؤية هنا بصرية فقال: وهي من رؤية العين، لأنه أحال على أجرام مرئيَّة، ولو كانت "أرأيت" التي هي استفتاء لم يتعد. وقد تقدم الكلام على ذلك في الأنعام وغيرها. فإن قيل: ما فائدة الفاء في قوله: "أَفَرَأَيْتُمُ" وقد وردت في مواضعَ بغير فاء، كقوله تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} تفسير : [الزمر: 38] (و) {أية : أَرَأَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ} تفسير : [فاطر: 40]. فالجواب: لما تقدم عظمة الله في ملكوته وأن رسوله إلى الرسل يسد الآفاق ببعض أجنحته ويهلك المدائن بشدته وقوته ولا يمكنه مع هذا أن يتعدى السدرة في مقام جلال الله وعزته قال: أَفَرَأَيْتُمْ هذه الأصنام مع ذلتها وحقارتها شركاء لله مع ما تقدم فقال بالفاء أي عقيب ما سمعتم من عَظَمَةِ آياتِ الله الكبرى ونفادِ أمْرِهِ في الملأ الأعلى وما تحت الثَّرى انظروا إلى اللات والعزى تَعْلَمُوا فَسَادَ ما ذهبتم إليه. قوله تعالى: {أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ} قال الكلبي: كان المشركون بمكة يقولون للأصنام والملائكة بناتِ الله. قال ابن الخطيب: معناه كيف جعلتم لله البنات وقد اعترفتم في أنفسكم أن البناتِ ناقصاتٌ والبنون كاملونَ والله كامل العظمة فكيف نسبتم إليه الناقص وهو في غاية الذلة والحقارة حيث عبدتم الجماد من الحجارة والشجر ثم نسبتم إليكم الكامل فهذه قسمةٌ جائرةٌ على زعمكم وعادتكم لأنه كان ينبغي أن تجعلوا الأعظم للعظيم والأنقص للحقير فخالفتم النقل والعقل والعادة؟ قوله: {تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ}، "تلك" إشارة إلى محذوف تقديره تلكَ القِسْمَةُ قسمةٌ غير عادلةٍ. ويحتمل أن يقال: تلك النسبة؛ أي التي نسبوها إلى الله بأَنَّ له البناتِ. وقوله (إذَنْ) جواب نسبتهم البنات إلى الله. وقوله: "ضيزَى" قرأ ابن كثير ضِئْزَى بهمزة ساكنة والباقون بياء ساكنة. وزيد بن عليّ ضَيْزَى بفتح الضاد والياء الساكنة. فأما قراءة العامة فيحتمل أن تكون من ضَازَهُ يَضِيزُهُ إذا ضَامَهُ وجار عليه فمعنى ضِيزَى أي جائرة. وقال مجاهد ومقاتل: قِسْمَةٌ عَوْجَاءُ. وقال الحسن: غير معتدلة، قال الشاعر: شعر : 4560- ضَازَتْ بَنُو أَسَدٍ بِحُكْمِهِمُ إذْ يَجْعَلُونَ الرَّأسَ كَالذَّنَبِ تفسير : وعلى هذا فيحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون صفة على "فُعْلَى" - بضم الفاء - وإنما كسرت الفاء لتصحَّ الياء "كَبِيضٍ". فإن قيل: وأي ضرورة إلى أن يقدر أصلها ضمّ الفاء؟ ولم لا قيل: إنَّها فِعْلَى بالكسر؟. فالجواب: أن سيبويه حكى أنه لم يرد في الصفات فِعْلَى - بكسر الفاء - إنما ورد بضَمِّها، نحو: حُبْلَى وأُنْثَى ورُبَّى وما أشبهه إلا أنه قد حكى غيره في الصِّفات ذلك؛ حكى ثعلب: مِشْيَةٌ حِيكَى. وَرُجلٌ كِيصَى، وحكى غيره: امرأةٌ عِزْهَى، وامرأة سِعْلَى. وهذا لا ينقض، لأن سيبويه يقول في حِيكَى وكِيصَى كقوله في ضِيزَى: لتصحَّ الياء. وأما عِزْهَى وسِعْلَى فالمشهور فهيما عِزْهَاةٌ وسِعْلاَةٌ. وقال البغوي: ليس في كلام العرب فِعْلَى بكسر الفاء في النعوت إنما يكون في الإسماء مثل ذِكْرَى، وشِعْرَى. والوجه الثاني: أن تكون مصدراً كَذِكْرَى. قال الكسائي: يقال ضَازَ يَضِيزُ كَذكَرَ يَذْكُرُ، ويحتمل أن يكون من ضَأَزَهُ بالهمز - كقراءة ابن كثير، إلا أنه خفف همزها وإن لم يكن من أصول القراء كلهم إبدالُ مثل هذه الهمزة ياء لكنها لغة التزمت فقرأوا بها. ومعنى ضَأَزَهُ يَضْأَزُهُ نَقَصَهُ ظلماً وجوراً. وممن جوز أن تكون الياء بدلاً من همزة أبو عُبَيْدٍ وأن يكون أصلها ضُوزَى بالواو، لأنه سمع ضَازَه يَضُوزهُ ضُوزَى وَضَازهُ يَضِيزُهُ ضِيزَى وَضَأَزَهُ يَضْأَزُهُ ضَأزاً، حكى ذلك كله الكسائي. وحكى أبو عبيد: ضِزْتُهُ وضُزْتُهُ بكسر الفاء وضمها فكسرت الضاد من ضُوزَى، لأن الضمة ثقيلةٌ مع الواو. وفعلوا ذلك ليَتَوصَّلوا به إلى قلبِ الواو ياءً وأنشد الأخضر على لغة الهمزة: شعر : 4561- فَإنْ تَنْأَ عَنْهَا تَنْتَقِصْكَ وإنْ تَغِبْ فَسَهْمُكَ مَضْئُوزٌ وَأَنْفُكَ رَاغِمُ تفسير : وضيزَى في قراءة ابن كثير مصدر وُصِفَ به، ولا يكون وصفاً أصلياً لما تقدم عن سيبويه. فإن قيلَ: لِمَ لا قيلَ في ضيزى بالكسر والهمز إنّ أصله ضُيْزى بالضم فكسرت الفاء كما قيل فيها مع ألفها؟ فالجواب: أنه لا موجب هنا للتغيير، إذ الضم مع الهمز لا يستثقل استثقاله مع الياء الساكنةِ. وسمع منهم: ضُؤْزَى بضمِّ الضاد مع الواو والْهَمْزِ. وأمَّا قراءة زيد فيحتمل أن تكون مصدراً وُصِفَ بِهِ كَدعوى وأن تكون صفة كسَكْرَى وعَطْشَى وغَضْبَى. قوله: (إنْ هِيَ) في (هي) وجهان: أحدهما: أنها ضمير الأصنام أي وما هي إلا أسماءٌ ليس تحتها في الحقيقة مُسَمياتٌ لأنكم تدعون الإلهية لما هو أبعد شيء منها، وأشد منافاة لها. وهذا على سبيل المبالغة والتجوز، كما يقال لتحقير إنسان: ما زيد إلا اسم إذا لم يكن مشتملاً على صفة معتبرة كقوله: {أية : مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ} تفسير : [يوسف: 40]. الثاني: أن يكون ضمير الأسماء وهي اللاَّت والعُزَّى ومَنَاة، وهم يقصدون بها أسماء الآلهة يعني وما هذه الأسماء إلا سَمَّيْتُمُوها بهواكم وشهْوتكم ليس لكم على صحة تسميتها بُرهانٌ تتعلقون به. قال أبو البقاء: "أَسْمَاءٌ" يجب أن يكون المعنى ذَوَاتُ أَسْمَاءٍ، لقوله: "سَمَّيْتُمُوهَا"؛ لأن الاسم لا يسمى. فإن قيل: كيف قال: سميتموها أنتم مع أن هذه الأسماء موضوعة قبلنا؟ فالجواب: أن كل من نطق بهذه الألفاظ فهو كالمُبْتَدِىء الواضع؛ لأن الواضع الأول لهذه الأسماء لما لم يكن واضعاً بدليل نقلي أو عقلي لم يجب اتباعه ولا يجوز فصار هو كالمبتدىء؛ إذ لا مُقْتدى لَهُ. فإن قيل: الأسماء لا تسمَّى وإنما يسمى بها فكيف قال: أسماء سميتموها؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن التسمية وضع الاسم فكأنه قال: أسماء وضعتموها، فاستعمل سَمَّيْتُمُوهَا استعمال وضَعْتُمُوهَا. الثاني: لو قال: أسماءٌ سمَّيْتُم بها لكان هناك غير الاسم شيء يتعلّق به الباء في قولك بها؛ لأن قول القائل: سميت به يستدعي دخُولاً آخر، تقول: سميتُ بزيدٍ ابني أو عبدي أو غير ذلك فيكون قد جعل للأصنام اعتباراً. فإن قيل: هذا باطل بقوله تعالى: {أية : وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} تفسير : [آل عمران: 36] حيث لم يقل: وَإنِّي سَمَّيْتُهَا بِمَرْيَمَ ولم يكن ما ذكرت مقصوداً وإلا لكانت مريم غير ملتفت إليها كما قلت في الأصنام. فالجواب: بَيْنَهما بونٌ عظيم؛ لأن هناك قال: سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ فذكر المفعولين فاعتبر حقيقة مريم بقوله: سميتها واسمها بقوله: مريم، وأما ههنا فقال: {إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ} موضوعة فلم تعتبر الحقيقة ههنا واعتبرها في مريم. قوله: {مَّآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} أي حجة بما يقولون: إنها آلهة. واستعملت الباء في قوله (بِهَا) كقولك: ارْتَحَلَ فلاَنٌ بأهله ومَتَاعِهِ أي ارتحل ومعه الأهل والمتاع. كذلك ههنا قوله: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ} هذا رجوع إلى الخبر بعد المخاطبة فقال: إن يتَّبعون إلاّ الظَّنَّ في قولهم: إنها آلهة. قرأها العامة على الغيبة التفاتاً من خطابهم إلى الغيبة عنهم تحقيراً لهم، كأنه قطع الكلام معهم وقال لنبيِّه: إنهم لا يتبعون إلا الظن فلا يلتفت إلى قولهم. ويحتمل أن يكون المراد غيرهم، وفيه وجهان: الأول: أن يكون المراد آباءهم كأنه تعالى قال: سَمَّيْتُمُوهَا أنتم وآباؤكم فكأنهم قالوا: هذه الأسماء لم نضعها نحن، وإنَّما تلقيناها من آبائنا فقال: وسمَّاها آباؤكم وما يتبعون إلاَّ الظَّنَّ. فإن قيل: كان ينبغي أن يكون بصيغة الماضي. فالجواب: وبصيغة المستقبل أيضاً كأنه يفرض الزمان (بعد) زمان الكلام كقوله تعالى: {أية : وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ} تفسير : [الكهف: 18]. الثاني: أن يكون المراد عامة الكفار. وقرأ عبدُ الله وابنُ عباس وطلحةُ وعيسى بن عُمَر وابنُ وثاب: بالخطاب. وهو حسن موافقٌ. فإن قيل: كيف ذمهم على اتِّباع الظَّنِّ ونحن مأمورون باتباعه في الفقه، وقال - عليه الصلاة والسلام - حكاية عن الله تعالى أنه قال: "حديث : أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي؟ " تفسير : فالجواب: أن الظن خلاف العلم وقد استعمل مجازاً مكان العلم والعلم مكانه وأصل العلم الظهور ومنه العَالِم. وحروف العلم في تَقَالِيبِها فيها معنى الظهور منها لَمَعَ البَرْقُ إذا ظَهَرَ، ولَمَعَ الغَزَالُ إذا عَدا، وكذلك عَلِمت. والظن إذا كان في مقابلة العلم ففيه الخفاء ومنه بئرٌ ظنونٌ لا يدري أفيه ماءٌ أم لا؛ لخفاء الأمر فيه ودينٌ ظَنُونٌ. يخفى الأمر فيه فنقول: يجوز بناء الأمر على الظن عند العجز عن درك اليقين، وأما الاعتقاد فليس كذلك، لأن اليقين لم يتعذّر علينا. وإلى هذا أشار بقوله: {وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ} أي اتبعوا الظن وقد أمكنهم الأخذ باليقين. وفي العمل يمتنع ذلك أيضاً. والله أعلم. قوله: {وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ} نسق على (الظّن) و "ما" مصدرية، أو بمعنى الذي. والمراد بما تهوى الأنفس هو ما زين لهم الشيطان. قوله: {وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ} يجوز أن يكون حالاً من فاعل (يَتَّبِعُونَ) أي يَتَّبِعُون الظنَّ وهوى النفس في حالٍ تُنافي ذلك وهي مجيء الهدى من عند ربهم. ويجوز أن يكون اعتراضاً فإن قوله: "أمْ للإِنْسَانِ" متصل بقوله: {وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ}، وهي أم المنقطعة، فتقدر ببل والهَمْزَة على الصَّحِيح. قال الزمخشري: ومعنى الهمزة فيها الإنكار أي ليس للإنسان ما تمنى. فصل المعنى ولقد جاءهم من ربهم البيان بالكتاب والرسول أنها ليست بآلهة وأن العبادة لا تصلح إلاَّ للَّهِ الواحد القهار. {أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ} أيظن أن له ما يتمنى ويشتهي من شفاعة الأصنام. ويحتمل أن يكون معناه: هل للإنسان أن يعبد بالتمني والاشتهاء ما تهوى نَفْسُهُ. قوله {فَلِلَّهِ ٱلآخِرَةُ وٱلأُولَىٰ} أي ليس كما ظن وتمنى بل لله الآخرة والأولى لا يملك فيها أحدٌ شَيْئاً إلاَّ بإذنه.
البقاعي
تفسير : ولما أخبر سبحانه من استقامة طريق نبيه عليه الصلاة والسلام مما ثبتت رسالته بما أوحي إليه وما أراه من آياته التي ظهر بها استحقاقه سبحانه الإلهية متفرداً بها، سبب عنه الإنكار عليهم في عبادة معبوداتهم على وجه دال على أنها لا تصلح لصالحة فقال: {أفرأيتم} أي أخبروني بسبب ما تلوت عليكم من هذه الآيات الباهرات. هل رأيتم رؤية خبرة بالباطن والظاهر {اللاّت} وهو صنم ثقيف {والعزى} وهي شجرة لغطفان وهما أعظم أصنامهم فإنهم كانوا يحلفون بهما {ومناة} وهو صخرة لهذيل وخزاعة، ودل على أنها عندهم بعدهما في الربوبية بقوله مشيراً بالتعدد بالتعبير عنه بما عبر به إلى أن شيئاً منها لا يصلح لصالحة حتى ولا أن يذكر: {الثالثة الأخرى *} أي إنه ما كفاهم في خرق سياج منها العقل في مجرد تعديد الإله بجعله الاثنين حتى أضافوا ثالثاً أقروا بأنه متأخر الرتبة فكان الإله عندهم قد يكون سافلاً ويكون ملازماً للإنزال وللسفول بكونه أنثى، قال الرازي في اللوامع: وأنثوا أسماءها تشبيهاً لها بالملائكة على زعمهم بأنها بنات الله - انتهى، ولا شك عند من له أدنى معرفة بالفصاحة أن هذا الاستفهام الإنكاري والتعبير بما شأنهم بالولادة التي هي أحب الأشياء إلى الإنسان بل الحيوان لا يوافقه أن يقال بعده ما يقتضي مدحاً بوجه في الوجوه، فتبين بطلان ما نقل نقلاً واهياً من أنه قيل حين قرئت هذه السورة في هذا المحل: تلك الغرانيق العلا - إلى آخره لعلم كل عربي أن ذلك غاية في الهذيان في هذا السياق، فلا وصلة بهذا السياق المعجز بوجه. ولما كان التقدير بما أفهمه السياق، كيف ادعيتم أنها آلهة أهي كذلك مع أن عادتكم احتقار الإناث من أن تكون لكم أولاداً، فكيف رضيتم أن تكون لكم آلهة، وتكونوا لها عباداً مع أنها لم تنزل لكم وحياً ولا أرسلت لكم رسولاً ولا فعلت مع أحد منكم شيئاً مما كرمنا به عبدنا محمداً صلى الله عليه وسلم ولا أرتكم قط آية ولا هي متأهلة لشيء من ذلك، بل لا تملك ضراً ولا نفعاً وادعيتم أنها بناته واستوطنها جنيات هي بناته وادعيتم مع ادعاء مطلق الولدية لمن لا يلم به حاجة ولا شبه له أن له أردأ الصنفين، فكان ذلك نقصاً مضموماً إلى نقص - وعلا سبحانه تعالى عن صحابة أو ولد، فاستحققتم بذلك الإنكار الشديد، وعلم بهذا التقدير الذي هدى إليه السياق بطلان حديث الغرانيق ولا سيما مع تعقيبه بقوله: {ألكم} أي خاصة {الذكر} أي النوع الأعلى {وله} أي وحده {الأنثى *} أي النوع الأسفل. ولما كان الاستفهام إنكارياً رد الإنكار بقوله فذلكة لفعلهم: {تلك} أي هذه القسمة البعيدة عن الصواب {إذاً} أي إذ جعلتم البنات له والبنين لكم {قسمة ضيزى *} أي جائرة ناقصة ظالمة فيما يحسن للحق للغاية عرجاء غير معتدلة حيث خصصتم به ما أوصلتكم الكراهة له إلى دفنه حياً، وقد علم أن الآية من الاحتباك: دل ذكر اسمها في أسلوب الإنكار على حذف إنكار كونها آلهة وإنكار تخصيصة بالإناث على حذف ما يدل على أنهم جعلوها بناته.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان اللات رجلاً يلت سويق الحاج، ولفظ عبد بن حميد: يلت السويق يسقيه الحاج. وأخرج النسائي وابن مردويه عن أبي الطفيل قال: حديث : لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكان بها العزى فأتاها خالد وكانت على ثلاث سمرات فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها، ثم أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: ارجع فإنك لم تصنع شيئاً، فرجع خالد، فلما أبصرته السدنة، وهم حجبتها، امعنوا في الجبل وهم يقولون يا عزى يا عزى، فأتاها خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحفن التراب على رأسها، فعممها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: تلك العزى ". تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس أن العزى كانت ببطن نخلة وأن اللات كانت بالطائف، وأن مناة كانت بقديد. وأخرج سعيد بن منصور والفاكهي عن مجاهد قال: كانت اللات رجلاً في الجاهلية على صخرة بالطائف وكان له غنم فكان يأخذ من رسلها ويأخذ من زبيب الطائف والأقط فيجعل منه حيساً ويطعم من يمر من الناس، فلما مات عبدوه وقالوا: هو اللات، وكان يقرأ اللات مشددة. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان اللات يلت السويق على الحاج فلا يشرب منه أحداً إلا سمن فعبدوه. وأخرج الفاكهي عن ابن عباس أن اللات لما مات قال لهم عمرو بن لحي: إنه لم يمت ولكنه دخل الصخرة فعبدوها وبنوا عليها بيتاً. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {أفرأيتم اللات} قال: كان رجل من ثقيف يلت السويق بالزيت فلما توفي جعلوا قبره وثناً، وزعم الناس أنه عامر بن الظرب أخذ عدواناً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {أفرأيتم اللات والعزى} قال: اللات كان يلت السويق بالطائف فاعتكفوا على قبره، والعزى شجرات. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله {أفرأيتم اللات والعزى ومناة} قال: آلهة كانوا يعبدونها، فكان اللات لأهل الطائف وكانت العزى لقريش بسقام شعب ببطن نخلة، وكانت مناة للأنصار بقديد. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي صالح قال: اللات الذي كان يقوم على آلهتهم، وكان يلت لهم السويق، والعزى بنخلة كانوا يعلقون عليها السبور والعهن، ومناة حجر بقديد. وأخرج عبد بن حميد عن أبي الجوزاء قال: اللات حجر كان يلت السويق عليه فسمي اللات. قوله تعالى: {تلك إذاً قسمة ضيزى} . أخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {ضيزى} قال: جائرة. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول امرىء القيس: شعر : ضازت بنو أسد بحكمهم إذ يعدلون الرأس بالذنب تفسير : وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {ضيزى} قال: منقوصة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {ضيزى} قال: جائرة. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك مثله. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {ضيزى} قال: جائرة لا حق فيها. قوله تعالى: {أم للإِنسان ما تمنى} . وأخرج أحمد والبخاري والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا تمنى أحدكم فلينظر ما تمنى فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته ". تفسير : قوله تعالى: {وكم من ملك في السمٰوات} الآية. أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً} قال: لقولهم: إن الغرانقة ليشفعون.
اسماعيل حقي
تفسير : {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى} هى اصنام كانت لهم فاللات كانت لثقيف بالطائف اصله لوية فاسكنت الياء وحذفت لالتقاء الساكنين فبقيت لوة فقلبت الواو الفا لتحركها وانفتاح ماقبلها فصارت لاة فهى فعلة من لوى لانهم كانوا يلوون عليها ويطوفون بها وكانت على صورة آدمى قال سعدى المفتى فان قلت هذا يختص بقراءة الكسائى فانه يقف على اللاة بالهاء اما الباقون فيقفون عليها بالتاء فلا يجوز ان تكون من تلك المادة قلت لانسلم ذلك فانهم انما يقفون بهاء مراعاة لصورة الكتابة لاغير انتهى والعزى تأنيث الاعز كانت لغطفان وهى سمرة كانوا يعبدونها فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها وهو يقول ياعزى كفرانك لاسبحانك انى رأيت الله قد أهانك فخرجت من اصلها شيطانة ناشرة شعرها واضعة يدها على رأسها وهى تولول فجعل خالد يضربها بالسيف حتى قتلها فاخبر رسول الله عليه وسلم فقال "حديث : تلك لن تعبد أبدا"تفسير : وفى القاموس العزى صنم او سمرة عبدتها غطفان اول من اتخذها ظالم بن اسعد فوق ذات عرق الى البستان بتسعة اميال بنى عليها بيتا وسماه بسا وكانوا يسمعون فيها الصوت فبعث اليها رسول الله خالد ابن الوليد فهدم البيت واحرق السمرة انتهى ومناة صخرة لهذيل وخزاعة سميت مناة لان دماء المناسك تمنى عندها اى تراق ومنه منى وفى انسان العيون مناة صنم كان للاوس والخزرج ارسل رسول الله عليه السلام سعد بن زيد الاشهلى رضى الله عنه فى عشرين فارسا الى مناة ليهدم محلها فلما وصلوا الى ذلك الصنم قال السادن لسعد ماتريد قال هدم مناة قال انت وذاك فأقبل سعد الى ذلك الصنم فخرجت اليه امرأة عريانة سودآء ثائرة الرأس تدعو بالويل تضرب صدرها فقال لها السادن مناة دونك بعض عصاتك فضربها سعد فقتلها وهدم محلها انتهى ووصف مناة بالثالثة تأكيدا لانها لما عطفت عليهما انها ثالثتهما والاخرى صفة ذم لها وفى المتأخرة الوضيعة المقدار اى مناة الحقيرة الذليلة لان الاخرى تستعمل فى الضعفاء كقوله تعالى {أية : قالت اخراهم لاولاهم}تفسير : اى ضعفاؤهم لرؤسائهم قال ابن الشيخ الاخرى تأنيث الآخر بفتح الخاء وهو فى الاصل من التأخر فى الوجود نقل فى الاستعمال الى المغايرة مع الاشتراك مع موصوفه فيما اثبت له ولايصح حمل الاخرى فى الآية على هذا المعنى العرفى اذ لا مشاركة لمناة فى كونها مناة ثالثة حتى توصف بالاخرى احترازا عنها فلذلك حمل على المعنى المذكور انتهى وقد جوز ان تكون الاولية والتقدم عندهم للات والعزى فتكون مناة من التأخير الرتبى يعنى ان العزى شجرة وهى لكونها من اقسام النبات اشرف من مناة التى هى صخرة وجماد فهى متأخرة عنها رتبة ويقال ان المشركين أرادوا أن يجعلوا لآلهتهم من الاسماء الحسنى فأرادوا أن يسمعوا واحدا منها الله فجرى على ألسنتهم اللات وارادوا أن يسموا واحدا منها العزيز فجرى على ألسنتهم العزى وأرادوا أن يسموا واحدا منها المنان فجرى على ألسنتهم المناة وقال الراغب اصل اللات اللاه فحذفوا منه الهاء وادخلوا التاء فيه فانثوه تنبيها على قصوره عن الله وجعلوه مختصا بما يتقرب به الى الله فى زعمهم وقال السهيلى اصل هذا الاسم اى اللات لرجل كان يلت السويق للحجاج بسمن واقط اذا قدموا وكانت العرب تعظم ذلك الرجل باطعامه فى كل موسم فلما مات اتخذ مقعده الذى كان يلت فيه السويق منسكا ثم سنح الامر بهم الا أن عبدوا تلك الصخرة التى كان يقعد عليها ومثلوها صنما وسموها اللات اعنى ملت السويق ذكر ذلك كثير ممن الف فى الاخبار والتفسير انتهى وهذا على قرآءة من يشدد اللات اى التاء منه وقد قرأ به اى بالتشديد ابن عباس وعكرمة وجماعة كما فى القاموس ثم انهم كانوا مع ماذكر من عبادتهم لها يقولون ان الملائكة وتلك الاصنام بنات الله فقيل لهم توبيخا وتبكيتا أفرايتم الهمزة للانكار الفاء لتوجيهه الى ترتيب الرؤية على ماذكر من شؤون الله المنافية لها غاية المنافاة وهى قليبة ومفعولها الثانى محذوف لدلالة الحال عليه فالمعنى أعقيب ماسمعتم من آثار كمال عظمة الله فى ملكه وملكوته وجلاله وجبروته واحكام قدرته ونفاذ امره فى الملأ الاعلى وما تحت الثرى ومابينهما رأيتم هذه الاصنام مع غاية حقارتها بنات له تعالى قال بعضهم كانوا يقولون ان الملائكة بنات الله وهذه الاصنام استوطنها جنيات هن بناته تعالى او هذه الاصنام هيا كل الملائكة التى هن بناته تعالى. وفى التأويلات النجمية يخاطب عبدة الاصنام صنم لات النفس وصنم عزى الهوى ومناة الدنيا الدنية الخسيسة الحقيرة الواقعة فى أدنى المراتب لخسة وضعها ودناءة قدرها ويستفهم منهم انكار الهم وردا عليهم اخبرونى عن حال آلهتكم التى اتخذتموها معبودات وتمكنتم على عبوديتها هل وجدتم فيها صفة من صفات الالهية من الايجاد والاعدام والنفع والضر وامثالها لا والله بل اتخذتموها آلهة لغاية ظلو ميتكم على انفسكم ونهاية جهوليتكم بالاله الواحد الاحد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا احد (قال المغربى رحمه الله) شعر : بود وجود مغربى لات ومنات او بود نيست بتى جو بود او درهمه سو منات تو
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {أفرأيتم اللاتَ والعُزّى ومناةَ الثالثةَ الأخرى} أي: أخبروني عن هذه الأشياء التي تبعدونها من دون الله، هل لها من القدرة والعظمة التي وُصف بها رَبُّ العزة في الآي السابقة حتى استحقت العبادة، أم لا؟ واللات وما بعدها: أصنام كانت لهم، فاللات كانت لثقيف بالطائف، وقيل: كانت بنخلة تعبدها قريش، وهي فَعْلَةٌ، من: لوى؛ لأنهم كانوا يلوون عليها ويطوفون بها. وقرأ ابن عباس ومجاهد ورُويس بتشديد التاء، على أنه اسم فاعل، اشتهر برجلاً كان يُلتُّ السَّوِيق بالزيت، ويُطعمه الحاجَ، فلما مات عكفواعلى قبره يبعدونه. {والعُزى} كانت لغفطان، وهي شجرة كانوا يعبدونها، فبعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خالدَ بن الوليد فقطعها، فخرجت منها شياطنة ناشرة شعرها، واضعة يدها على رأسها، وهي تُولول، فجعل خالد يضربها بالسيف حتى قتلها، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"حديث : تلك العُزى، لن تُعبد بعد اليوم أبداً ". تفسير : {ومناة}: صخرة على ساحل البحر لهذيل وخزاعة، وقيل: بيت بالمشلّل يعبدوه بنو كعب، وسميت مناة؛ لأن دماء النسائك تُمنى، أي: تُراق عندها؛ لأنهم كانوا يذبحون عندها. وقرأ بان كثير بالهمزة بعد الألف، مشتق من النوء؛ لأنهم كانوا يستمطرون بالأنواء عندها، تبرُّكاً بها، وقيل: سَموا هذه الأصنام بأسماء الله، وأَنَّثوها، كأنها بنات الله في زعمهم الفاسد، فاللات من "الله"، كما قالوا: عمر وعمرة، وعباس وعباسة، فالتاء للتأنيث. والعُزَّى: تأنيث العزيز، ومناة: تأنيث منان، فغُيّر تخفيفاً، ويؤيد هذا قولُه تعالى ردّاً عيهم: {ألكم الذكُر وله الأنثى}. و {الأخرى}: صفة ذمّ لها، وهي المتأخرة الوضيعة القدر، كقوله:{أية : قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ}تفسير : [الأعراف: 38] أي: وضعاؤهم لرؤسائهم، وقيل: وصفها بالوصفين؛ لأنهم كانوا يُعظِّمونها أكثر من اللات والعزى، والفاء في قوله: {أفرأيتم} للعطف على محذوف، وهي لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: عَقِب ما سمعتم من كمال عظمته تعالى في ملكه وملكوته، وأحكام قدرته، ونفوذ أمره في الملأ الأعلى وما تحت الثرى وما بينهما، رأيتم هذه الأصنام مع حقارتها بنات الله، مع وأدكم البنات، وكراهتكم لهنَّ؟. {ألكمُ الذكرُ وله الأنثى} أي: أتُحبون لكم الذكر وتنسبون له الأنثى كهذه الأصنام والملائكة؟ {تلك إِذاً قسمةٌ ضِيزَى} أي: جائرة، من: ضازه يضيزه: إذا ظلمه، وصرّح في القاموس بأنه مثلث الضاد ضيزى وضوزى وضازى، وهو هنا فُعلى بالضم، من الضيز، لكنه كسر فاؤه لتسلم الياء، كما فعل في "بيض"، فإن "فِعلى" بالكسر لم تأت وصفاً، وإنما هي من بناء الأسماء، كالشّعرى والدفلى. وقال ابن هشام: فإن كانت فُعلى صفة محضة وجب قلب الضمة كسرة، ولم يُسمع من ذلك إلا "قسمة ضيزى" "ومشية حِيكى"،أي: يتحرك فيها المنكبان. هـ. وقرأ المكيُّ بالهمز، من: ضأزه: ظلمه، فهو مصدر نعت به. {إِنْ هي} أي: هذه الأصنام {إِلاَّ أسماءٌ} وليس تحتها في الحقيقة مسميات؛ لأنكم تدّعون لها الألوهية، وهي أبعد شيء منها، {سميتموها} آلهة، أو: سميتم بها هذه الأصنام، واعتقدتم أنها آلهة، بمقتضى أهوائكم الباطلة، {أنتم وآباؤكم ما أنزل اللّهُ بها} بعبادتها {من سلطان} من حجة. {إِن يتبعونَ} فيما ذكر من التسمية والعمل بموجبها {إلاَّ الظنَّ}: إلا توهم أنَّ ما هم عليه حق، توهُّماً باطلاً، {وما تهوى الأنفُسُ} أي: ما تشتهيه أنفسهم الأمّارة، {ولقد جاءهم من ربهم الهدى} الرسول والكتاب فتركوه. {أم للإِنسان ما تمنَّى} . "أم": منقطعة، والهمزة للإنكار، أي: ليس للإنسان كل ما يتمناه وتشتهيه نفسُه من الأمور التي من جملتها أطماعهم الفارغة في شفاعة الآلهة ونظائرها، كقول بعضهم: {أية : وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّى إِنَّ لِى عِندَهُ لَلْحُسْنَى}تفسير : [فصلت: 50]، وكَتَمَنِّي بعضُهم أن يكون هو النبي، {فللّه الآخرةُ والأُولى} أي: الدنيا والآخرة، هو مالكهما والحاكم فيهما، يُعطي الشفاعة والنبوة مَن شاء، لا مَن تمناها بمجرد الهوى، وهو تعليل لانتفاء أن يكون للإنسان ما تمنّى، فإنَّ ختصاص أمور الآخرة والأُولى به تعالى مقتضٍ لانتفاء أن يكون للإنسان شيء مما تمنى إلا ان يشاء ويرضى. الإشارة: هذه الأصنام موجودة في كل إنسان، فاللات: حب اللذات والشهوات الجسمانية الفانية، فمَن كان حريصاً عليها، جامعاً لأسبابها، فهو عابد لها، والعُزى: حب العز والجاه والرئاسة وسائر الشهوات القلبية، فمَن طلبها فهو عبد لها، ومناة: تمني البقاء في الدنيا الدنية الحقيرة، وطول الأمل فيها، وكراهية الموت، فمَن كان هذا وصفه فهو عبد الدنيا، كاره لقاء الله، فيكره اللّهُ لقاءه، فتوجه لهؤلاء العتاب بقوله تعالى: {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر} حيث تُحبون ما هو كمال لأنفسكم، {وله الأنثى}؟ حيث جعلتم هذه الأشياء الحقيرة شريكة لله في استحقاق العبادة والمحبة، تلك إذاً قسمة ضِيزى جائرة، ما هي إلا أسماء ليس تحتها طائل، تفنى ويبقى عليها العذاب والعتاب، سميتموها واعتنيتم بشأنها والانكباب عليها، أنتم وآباؤكم، ما أنزل الله بمتابعتها والحرص على تحصيلها من سلطان ولا برهان، إن يتبعون في ابتاعها والحرص عليها إلا الظن، ظنوا أنها كانت مباحة في ظاهر الشرع لا تَضُر القلبَ ولا تحجبه عن شهود الرب، وهو رأي فاسد؛ إذ ليس للقلب إلا وجهة واحدة، إن توجه لطلب الحظوظ أعرض عن الله قطعاً، وإن توجه لله أعرض عما سواه، وراجع ما تقدم في قوله:{أية : أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ}تفسير : [الأحقاف: 20] الآية. ويتبعون أيضاً ما تهوى الأنفُس الأمَّارة؛ لأنها لا تهوى إلا ما فيه حظها وهواها، ولقد جاءهم من ربهم الهُدى، أي: مَن يهدي إلى طريق السلوك، بقطع العلائق النفسانية والقلبية، وهم خلفاء الرسول عليه السلام، الدعوان إلى الله، من شيوخ التربية في كل زمان، أم للإنسان ما تمنى، ليس له ما يتمنى إلا بسابق العناية، فلا يُدرك العبدُ من الدنيا والآخرة، ومن الله تعالى، إلا ما سبق به القدر، كما قال الشاعر: شعر : ما كل ما يتمنى المرءُ يُدركه تجري الرياحُ بما لا تشتهي السفنُ تفسير : فلله الآخرة والأولى، قال القشيري: يُشير إلى قَهْرمَانيةِ الحق تعالى على العالم كله، ملكه وملكوته، الأخروي والدنيوي، فلا يملك الإنسان من أمر الدارين شيئاً، بل ملك الآخرة تحت تصرف يده اليمنى، المتقضية لموجبات حصول الآخرة من الأعمال الصالحة والأفعال الحسنة، يهبه باسمه الواهب لمَن شاء أن يكون مظهراً للطفه وجماله، وملك الدنيا تحت تصرف يده اليسرى، المقتضية لأسباب حصول الدنيا، من حب الدنيا الدنية، المنتجة للخطيئة ومتابعة النفس الخبيثة، وموافقة الطبيعة اللئيمة، باسمه المقسط، لمَن شاء أن يكون مظهر قهرِه وجلاله، وليس ذلك يزيد في ملكه، ولا هذا ينقص من ملكه، وكلتا يديه ملأى سحّاء، أي: فيّاضة. هـ. ثم نفى الشفاعة عَمَّن يستحقها من الملائكة الكرام، فضلاً عمن لا يستحقها من الأصنام اللئام، فقال: {وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ}.
الجنابذي
تفسير : {أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ} اى اخبرونا عن هذه الآلهة الّتى تعبدونها يضرّونكم او ينفعون؟! او هى بنات الله؟! وقيل: انّهم زعموا انّ الملائكة بنات الله وصوّروا اصنامهم على صورهم وعبدوها من دون الله واشتقّوا لها اسماء من اسماء الله فقالوا: اللاّت من الله، والعزّى من العزيز، وقيل: انّ التّاء فى اللاّت اصليّة، وقرئ اللاّتّ بتشديد التّاء، قيل: كان صنماً نحتوه على صورة رجل يلتّ السّويق ويطعم الحاجّ، وقيل: انّ اللاّت كان صنماً لثقيفٍ، والعزّى صنم، وقيل: انّها كانت شجرة يعبدها الغطفان فبعث اليها رسول الله خالد بن الوليد فقطعها، ومناة كانت صنماً بقديد بين مكّة والمدينة، وقيل: ثلاثتها كانت اصناماً فى الكعبة يعيدونها، والثّالثة نعتٌ لمناة وكذلك الاخرى وكانتا نعتين بيانيّين.
اطفيش
تفسير : {أفرأيتُم} أجهلتم أعظم الجهل مع صحة عقولكم، أو أتستمرون على ما أنتم عليه بعد الحجة، فرأيتم هذه الأصنام الثلاثة مع حقارتها جدا، ومع عظم شأن الله عز وجل بنات الله عز وجل، بدليل: "أية : ألكم الذكر وله الأنثى" تفسير : [الجم: 21] وقيل: أرأيتم هؤلاء الثلاث مع حقارتها وعجزها شركاء لله، مع عظم شأنه وقدرته، أو المعنى أخبرونى ألها شىء من القدرة التى لله عز وجل على الخلق والرزق، وكل نفع أو ضر، أو يقدر قل لهم: أفرأيتم أو أرأيتموها تنفعكم ان عبدتموها، وتضركم ان تركتموها، والهمزة للانكار والتوبيخ، والخطاب لعبادها، والرؤية بصرية أو علمية أو ظنية أو اخبارية كما رأيت {اللات} هى صنم لثقيف بالطائف، وكانت قريش تعبدها قال قائل: شعر : وفرت قريش الى لاتها بمنقلب الخائب الخاسر تفسير : وقيل: كان بالكعبة، وقيل: بنخلة عند سوق عكاظ تعبده قريش، ويجمع بأنه كان فى موضع من تلك المواضع، وحمل الى المواضع الأخرى، أو تعدد، وألفه عن ياء وتاؤه أصل أو عن واو من اللوت وهو اللطخ، وقيل: عوض عن الكلمة، وأصله لوية لأنهم يعكفون، أو يطوفون عليه ويلوون للعبادة، وقلبت الواو ألفا لتحركها بعد فتح فهو كأخت وبنت، ويحتمل أن يكون مخفف لاتُ بالشدّ، كما قرىء بالشد اسم فاعل لتَّ أى عجن، كان رجل يلتّ السويق على حجر للحجاج ولا يشرب منه أحد إلا سمن، ولما مات عبدوا ذلك الحجر إعظاما له، وقيل: عكفوا على قبره وعبدوه كما فى البخارى عن ابن عباس، وعن مجاهد: صخرة بالطائف يصنع رجل عليها حيس لمن يمر، ولما مات عبدوه على تلك الصخرة، وقيل: قال لهم عمرو بن لحى: لم يمت إلا أنه داخل الصخرة فعبدوها وبنوا عليها بيتا، وقيل: كان رجل من ثقيف يقال له: صرمة بن غنم يضع السمن على الصخر، فتلت العرب به أسوقتهم، ولما مات حولتها ثقيف الى منازلهم. ويناسب ما ذكرت من التخفيف عن الشد، ما روى أن رجلا من ثقيف بلت السويق بالزيت للمار، ولما مات عبدوا قبره، وقيل اللات عامر بن الظرب {والعُزَّى} مؤنث الأعز صنم لغطفان، وهى سمرة بنخلة، وضعها لهم سعد بن ظالم الغطفانى، وقيل: ثلاث سمرات، لما فتح صلى الله عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد فقطعهن، وهدم بيتا كان عليها، فأتى فقال صلى الله عليه وسلم: ارجع لم تفعل شيئا، فرجع فلما رأته السدنة مضوا وقالوا: يا عزَّى يا عزَّى، فأتاها فاذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثوا التراب على رأسها، وتدعو بالويل، ووضعت يدهاعلى رأسها، فجعل يضربها بالسيف حتى قتلها، فأتى فأخبره فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الآن قتلتها تلك العزى لن تعبد أبداً" تفسير : وقيل: قال له: "ارجع" فرجع فقطع أصلها، ولما قطعه خرجت تلك الشيطانة تقول ما ذكر. وقيل: لقومه لأهل مكة الصفا والمروة وإله يعبدونه، ورأى أن أصنع لكم مثل ما لهم فقالوا: نعم، فأخذ حجرا من الصفا، وحجرا من المروة، ووضع كلا فى موضع، فقال الحجران، الصفا والمروة لكم، وجمع ثلاثة أحجار فقال: هذا ربكم، وقد أسند الحجارة الى شجرة فعبدوا الحجارة وطافوا بين حجر الصفا وحجر المروة، فأمر صلى الله عليه وسلم بقطع الشجرة وازالة الأحجار والحجرين، وقيل: العزى بيت بالطائف لثقيف، وكان خالد يقول حين يقطعها: شعر : يا عز كفرانك لا سبحانك إنى رأيت الله قد أهانك تفسير : وكانت بالطائف وقيل بالكعبة كما قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، ويجمع بالنفل أو بالتعدد.
الالوسي
تفسير : هي أصنام كانت لهم، فاللات كما قال قتادة: لثقيف بالطائف، وأنشدوا: شعر : وفرت ثقيف إلى (لاتها) بمنقلب الخائب الخاسر تفسير : / وقال أبو عبيدة وغيره: كان بالكعبة، وقال ابن زيد: كان بنخلة عند سوق عكاظ يعبده قريش، ورجح ابن عطية قول قتادة، وقال أبو حيان: يمكن الجمع بأن يكون المسمى بذلك أصناماً فأخبر عن كل صنم بمكانه. والتاء فيه قيل: أصلية وهي لام الكلمة كالباء في باب، وألفه منقلبة فيما يظهر من ياء لأن مادة (ل ي ت) موجودة فإن وجدت مادة (ل و ت) جاز أن تكون منقلبة من واو، وقيل: تاء العوض، والأصل لوية بزنة فعلة من لوى لأنهم كانوا يلوون عليه ويعتكفون للعبادة، أو يلتوون عليه أي يطوفون فخفف بحذف الياء وأبدلت واوه ألفاً، وعوض عن الياء تاءاً فصارت كتاء أخت وبنت، ولذا وقف عليها بالتاء. وقرأ ابن عباس ومجاهد ومنصور بن المعتمر وأبو صالح وطلحة وأبو الجوزاء ويعقوب وابن كثير في رواية بتشديد التاء على أنه اسم فاعل من لت يلت إذا عجن قيل: كان رجل يلت السويق للحاج على حجر فلما مات عبدوا ذلك الحجر إجلالاً له وسموه بذلك، وعن مجاهد أنه كان على صخرة في الطائف يصنع حيساً ويطعم من يمرّ من الناس فلما مات عبدوه، وأخرج ابن أبـي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس أنه كان يلت السويق على الحجر فلا يشرب منه أحد إلا سمن فعبدوه، وأخرج الفاكهي عنه أنه لما مات قال لهم عمرو بن حلي: إنه لم يمت ولكنه دخل الصخرة فعبدوها وبنوا عليها بيتاً، وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنه قال: كان رجل من ثقيف يلت السويق بالزيت فلما توفي جعلوا قبره وثناً، وزعم الناس أنه عامر بن الظرب أحد عدوان، وقيل: غير ذلك. والعزى لغطفان وهي على المشهور سمرة بنخلة كما قال قتادة وأصلها تأنيث الأعز، وأخرج النسائي وابن مردويه عن أبـي الطفيل قال: « حديث : لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة وكانت بها العزى فأتاها خالد وكانت ثلاث سمرات فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها ثم أتى النبـي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: ارجع فإنك لم تصنع شيئاً فرجع خالد فلما أبصرته السدنة مضوا وهم يقولون يا عزي يا عزي فأتاها فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثو التراب على رأسها فجعل يضربها بالسيف حتى قتلها ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال عليه الصلاة والسلام: تلك العزى » تفسير : وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم بعث إليها خالداً فقطعها فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها داعية ويلها واضعة يدها على رأسها فضربها بالسيف حتى قتلها وهو يقول: شعر : يا عُزَّ كفرانَكِ لا سبحانَكِ إني رأيت الله قد أهانك تفسير : ورجع فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام: ( حديث : تلك العزى ولن تعبد أبداً » تفسير : وقال ابن زيد: كانت العزى بالطائف، وقال أبو عبيدة: كانت بالكعبة، وأيده في «البحر» بقول أبـي سفيان في بعض الحروب للمسلمين لنا العزى ولا عزى لكم؛ وذكر فيه أنه صنم وجمع بمثل ما تقدم. ومناة قيل: صخرة كانت لهذيل وخزاعة، وعن ابن عباس لثقيف، وعن قتادة للأنصار بقديد، وقال أبو عبيدة: كانت بالكعبة أيضاً، واستظهر أبو حيان أنها ثلاثتها كانت فيها قال: لأن المخاطب في قوله تعالى: {أَفَرَءيْتُمُ } قريش. وفيه بحث. ومناة مقصورة قيل: وزنها فعلة، وسميت بذلك لأن دماء النسائك كانت تمنى عندها أي تراق. وقرأ ابن كثير على ما في «البحر» مناءة بالمد والهمز كما في قوله: شعر : ألا هل أتى تيم بن عبد (مناءة) على النأى فيما بيننا ابن تميم تفسير : ووزنها مفعلة فالألف منقلبة عن واو كما في مقالة، والهمزة أصل وهي مشتقة من النوء كأنهم كانوا / يستمطرون عندها الأنوار تبركاً بها. والظاهر أن (الثالثة الأخرى) صفتان لمناة وهما على ما قيل: للتأكيد فإن كونها ثالثة وأخرى مغايرة لما تقدمها معلوم غير محتاج للبيان، وقال بعض الأجلة: (الثالثة) للتأكيد، و (الأخرى) للذم بأنها متأخرة في الرتبة وضيعة المقدار، وتعقبه أبو حيان بأن آخر ومؤنثه أخرى لم يوضعا لذم ولا لمدح وإنما يدلان على معنى غير، والحق أن ذلك باعتبار المفهوم الأصلي وهي تدل على ذم السابقتين أيضاً قال في «الكشف»: هي اسم ذم يدل على وضاعة السابقتين بوجه أيضاً لأن {أُخْرَىٰ } تأنيث آخر تستدعي المشاركة مع السابق فإذا أتى بها لقصد التأخر في الرتبة عملاً بمفهومها الأصلي إذ لا يمكن العمل بالمفهوم العرفي لأن السابقتين ليستا ثالثة أيضاً استدعت المشاركة قضاءاً لحق التفضيل، وكأنه قيل: الأخرى في التأخر انتهى وهو حسن. وذكر في نكتة ذم مناة بهذا الذم أن الكفرة كانوا يزعمون أنها أعظم الثلاثة فأكذبهم الله تعالى بذلك. وقال الإمام: (الأخرى) صفة ذم كأنه قال سبحانه: ومناة الثالثة الذليلة وذلك لأن اللات كان على صورة آدمي والعزة صورة نبات ومناة صورة صخرة، فالآدمي أشرف من النبات، والنبات أشرف من الجماد فالجماد متأخر ومناة جماد فهي في أخريات المراتب، وأنت تعلم أنه لا يتأتى على كل الأقوال، وقيل: (الأخرى) صفة للعزى لأنها ثانية اللات، والثانية يقال لها الأخرى وأخرت لموافقة رؤوس الآي، وقال الحسن ابن المفضل: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير والعزى الأخرى ومناة الثالثة ولعمري إنه ليس بشيء. والكلام خطاب لعبدة هذه المذكورات وقد كانوا مع عبادتهم لها يقولون: إن الملائكة عليهم السلام وتلك المعبودات الباطلة بنات الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً فقيل لهم توبيخاً وتبكيتاً: {أَفَرَءيْتُمُ } الخ والهمزة للإنكار والفاء لتوجيهه إلى ترتيب الرؤية على ما ذكر من شؤون الله تعالى المنافية لها غاية المنافاة وهي علمية عند كثير، ومفعولها الثاني على ما اختاره بعضهم محذوف لدلالة الحال عليه، فالمعنى أعقيب ما سمعتم من آثار كمال عظمة الله عز وجل في ملكه وملكوته وجلاله وجبروته وإحكام قدرته ونفاذ أمره رأيتم هذه الأصنام مع غاية حقارتها بنات الله سبحانه وتعالى.
ابن عاشور
تفسير : {أَفَرَءَيْتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَٰوةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ * أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنثَىٰ * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ * إِنْ هِىَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أنتُمْ وءابَاؤُكُم مَّا أنزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان}. لما جرى في صفة الوحي ومشاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام ما دل على شؤون جليلة من عظمة الله تعالى وشرف رسوله صلى الله عليه وسلم وشرف جبريل عليه السلام إذ وصف بصفات الكمال ومنازل العزة كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالعروج في المنازل العليا، كان ذلك مما يثير موازنة هذه الأحوال الرفيعة بحال أعظم آلهتهم الثلاث في زعمهم وهي: اللاتُ، والعزَّى، ومناةُ التي هي أحجار مقرّها الأرض لا تملك تصرفاً ولا يعرج بها إلى رفعة. فكان هذا التضاد جامعاً خيالياً يقتضي تعقيب ذكر تلك الأحوال بذكر أحوال هاته. فانتقل الكلام من غرض إثبات أن النبي صلى الله عليه وسلم موحىً إليه بالقرآن، إلى إبطال عبادة الأصنام، ومناط الإِبطال قوله: {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباءكم ما أنزل الله بها من سلطان}. فالفاء لتفريع الاستفهام وما بعده على جملة {أية : أفَتُمَارُونَه على ما يَرى}تفسير : [النجم: 12] المفرعة على جملة {أية : ما كذَبَ الفؤادُ ما رأى}تفسير : [النجم: 11]. والروية في {أفرأيتم} يجوز أن تكون بَصَرية تتعدّى إلى مفعول واحد فلا تطلب مفعولاً ثانياً ويكون الاستفهام تقريرياً تهكمياً، أي كيف ترون اللات والعزّى ومناةَ بالنسبة لما وصف في عظمة الله تعالى وشرف ملائكته وشرف رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا تهكم بهم وإبطال لإِلهية تلك الأصنام بطريق الفحوى، ودليله العيان. وأكثر استعمال «أرأيت» أن تكون للرؤية البصرية على ما اختاره رضيّ الدين. وتكون جملة {ألكم الذكر} الخ استئنافاً وارتقاء في الرد أو بَدلَ اشتمال من جملة {أفرأيتم اللات والعزى} لأن مضمونها مما تشتمل عليه مزاعمهم، كانوا يزعمون أن اللات والعزى ومناة بنات الله كما حكى عنهم ابن عطية وصاحب «الكشاف» وسياق الآيات يقتضيه. ويجوز أن تكون الرؤية علمية، أي أزعمتم اللات والعزى ومناةَ، فحذف المفعول الثاني اختصاراً لدلالة قوله: {ألكم الذكر وله الأنثى} عليه، والتقدير: أزعمتموهن بنات الله، أتجعلون له الأنثى وأنتم تبتغون الأبناء الذكور، وتكون جملة {ألكم الذكر} الخ بياناً للإِنكار وارتقاء في إبطال مزاعمهم، أي أتجعلون لله البنات خاصة وتغتبطون لأنفسكم بالبنين الذكور. وجعل صاحب «الكشْف» قوله: {ألكم الذكر وله الأنثى} سادًّا مسدَّ المفعول الثاني لفعل «أرأيتم». وأيضاً لما كان فيما جرى من صفة الوحي ومنازل الزلفى التي حظي بها النبي صلى الله عليه وسلم وعظمة جبريل إشعار بسعة قدرة الله تعالى وعظيم ملكوته مما يسجِّل على المشركين في زعمهم شركاء لله أصناماً مثل اللات والعزى ومناة. فسادَ زعمهم وسفاهة رأيهم أعقب ذكر دلائل العظمة الإِلهية بإبطال إلهية أصنامهم بأنها أقل من مرتبة الإِلهية إذ تلك أوهام لا حقائق لها ولكن اخترعتها مُخيّلات أهل الشرك ووضعوا لها أسماء ما لها حقائق، ففرّع {أفرأيتم اللات والعزى} الخ فيكون الاستفهام تقريرياً إنكاريًّا، والرؤية علميةَ والمفعول الثاني هو قوله: {إن هي إلا أسماء سميتموها}. وتكون جملة {ألكم الذكر وله الأنثى} الخ معترضة بين المفعولين للارتقاء في الإِنكار، أي وزعمتوهن بنات لله أو وزعمتم الملائكة بنات لله. وهذه الوجوه غير متنافية فنحملها على أن جميعها مقصود في هذا المقام. ولك أن تجعل فعل «أرأيتم» (على اعتبار الرؤية علمية) معلّقاً عن العمل لوقوع {إنْ} النافية بعده في قوله: {إن هي إلا أسماء سميتموها} وتجعل جملة {ألكم الذكر وله الأنثى} إلى قوله: {ضيزى} اعتراضاً. واللاتُ: صنم كان لثقيف بالطائف، وكانت قريش وجمهور العرب يعبدونه، وله شهرة عند قريش، وهو صخرة مربعة بنوا عليها بناء. وقال الفخر: «كان على صورة إنسان، وكان في موضع منارة مسجد الطائف اليسرى» كذا قال القرطبي فلعل المسجد كانت له منارتان. والألف واللام في أول {اللات} زائدتان. و (ال) الداخلة عليه زائدة ولعل ذلك لأن أصله: لاَتْ، بمعنى معبود، فلما أرادوا جعله علماً على معبود خاص أدخلوا عليه لام تعريف العهد كما في {الله} فإن أصله إله. ويوقف عليه بسكون تائه في الفصحى. وقرأ الجمهور: {اللات} بتخفيف المثناة الفوقية. وقرأه رويس عن يعقوب بتشديد التاء وذلك لغة في هذا الاسم لأن كثيراً من العرب يقولون: أصل صخرته موضع كان يجلس عليه رجل في الجاهلية يلتّ السويق للحاج فلما مات اتخذوا مكانه معبداً. و{العُزى}: فُعلَي من العِزّ: اسم صنم حجر أبيض عليه بناء وقال الفخر: «كان على صورة نبات» ولعله يعني: أن الصخرة فيها صورة شجر، وكان ببطن نخلة فوق ذات عرق وكان جمهور العرب يعبدونها وخاصة قريش وقد قال أبو سفيان يوم أُحد يخاطب المسلمين «لنا العُزى ولا عزى لكم». وذكر الزمخشري في تفسير سورة الفاتحة أن العرب كانوا إذا شَرعوا في عمل قالوا: بسم اللات باسم العزى. وأما {مناة} فعَلَم مرتجل، وهو مؤنث فحقه أن يكتب بهاء تأنيث في آخره ويوقف عليه بالهاء، ويكون ممنوعاً من الصرف، وفيه لغة بالتاء الأصلية في آخره فيوقف عليه بالتاء ويكون مصروفاً لأن تاء لات مثل باء باب، وأصله: مَنَواة بالتحريك وقد يمد فيقال: منآة وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. وقياس الوقف عليه أن يوقف عليه بالهاء، وبعضهم يقف عليه بالتاء تبعاً لخط المصحف، وكان صخرة وقد عبده جمهور العرب وكان موضعه في المشلل حذوَ قديد بين مكة والمدينة، وكان الأوس والخزرج يطوفون حَوله في الحج عوضاً عن الصفا والمروة فلما حج المسلمون وسعَوا بين الصفا والمروة تحرج الأنصار من السعي لأنهم كانوا يسعون بين الصفا والمروة فنزل فيهم قوله تعالى:{أية : إن الصفا والمروة من شعائر اللَّه فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما} تفسير : كما تقدم عن حديث عائشة في الموطأ في سورة البقرة (158). وقرأ الجمهور {ومناة} بتاء بعد الألف. وقرأه ابن كثير بهمزة بعد الألف على إحدى اللغتين. والجمهور يقفون عليه بالتاء تبعاً لرسم المصحف فتكون التاء حرفاً من الكلمة غير علامة تأنيث فهي مثل تاء {اللات} ويجعلون رسمها في المصحف على غير قياس. ووصفها بالثالثة لأنها ثالثة في الذّكر وهو صفة كاشفة، ووصفها بالأخرى أيضاً صفة كاشفة لأن كونها ثالثة في الذكر غير المذكورتين قبلها معلوم للسامع، فالحاصل من الصفتين تأكيدٌ ذكرها لأن اللات والعزى عند قريش وعند جمهور العرب أشهر من مناة لبعد مكان مناة عن بلادهم ولأن ترتيب مواقع بيوت هذه الأصنام كذلك، فاللات في أعْلى تهامة بالطائف، والعُزَّى في وسطها بنخلةَ بين مكة والطائف، ومناة بالمُشلل بين مكة والمدينة فهي ثالثة البقاع. وقال ابن عطية: كانت مناة أعظم هذه الأوثان قدراً وأكثرها عابداً ولذلك قال تعالى: {الثالثة الأخرى} فأكدها بهاتين الصفتين. والأحسن أن قوله: {الثالثة الأخرى} جرى على أسلوب العرب إذا أخبروا عن متعدد وكان فيه من يظنّ أنه غير داخل في الخبر لعظمة أو تباعد عن التلبس بمثل ما تلبس به نظراؤه أن يختموا الخبر فيقولوا: «وفلانٌ هو الآخَر» ووجهه هنا أن عُبَّاد مناة كثيرون في قبائل العرب فنبه على أن كثرة عبدتها لا يزيدها قوة على بقية الأصنام في مقام إبطال إلهيتها وكل ذلك جار مجرى التهكم والتسفيه. وجملة {ألكم الذَّكر وله الأنثى} ارتقاء في الإِبطال والتهكم والتسفيه كما تقدم، وهي مجاراة لاعتقادهم أن تلك الأصنام الثلاثة بنات الله وأن الملائكة بنات الله، أي أجعلتم لله البنات خاصة وأنتم تعلمون أن لكم أولاداً ذكوراً وإناثاً وأنكم تفضلون الذكور وتكرهون الإِناث وقد خصصتم الله بالإِناث دون الذكور والله أولَى بالفضل والكمالِ لو كنتم تعلمون فكان في هذا زيادة تشنيع لكفرهم إذ كان كفراً وسخافة عقل. وكون العزَّى ومناة عندهم انثتين ظاهر من صيغة اسميهما، وأما اللات فبقطع النظر عن اعتبار التاء في الاسم علامة تأنيث أو أصلاً من الكلمة فهم كانوا يتوهمون اللات أنثى، ولذلك قال أبو بكر رضي الله عنه لعُروة بن مسعود الثقفي يوم الحُديبية «امصُصْ أو اعضُضْ بَظْرَ اللات». وتقديم المجرورين في {ألكم الذكر وله الأنثى} للاهتمام بالاختصاص الذي أفادته اللام اهتماماً في مقام التهكم والتسفيه على أن في تقديم {وله الأنثى} «إفادة الاختصاص» أي دون الذكر. وجملة {تلك إذا قسمة ضيزى} تعليل للإنكار والتهكم المفاد من الاستفهام في {ألكم الذكر وله الأنثى}، أي قد جرتُم في القسمة وما عدلتم فأنتم أحقاء بالإِنكار. والإِشارة بــــ {تلك} إلى المذكور باعتبار الإِخبار عنه بلفظ {قسمة} فإنه مؤنث اللفظ. و{إذن} حرف جواب أريد به جواب الاستفهام الإِنكاري، أي يترتب على ما زعمتم أن ذلك قسمة ضِيزى، أي قسمتم قسمة جائرة. و{ضيزى}: وزنه فُعْلى بضم الفاء من ضازة حَقَّه، إذا نقصه، وأصل عين ضاز همزة، يقال: ضَأَزه حقه كمنعه ثم كثر في كلامهم تخفيف الهمزة فقالوا: ضَازهُ بالألف. ويجوز في مضارعه أن يكون يائي العين أو واويها قال الكسائي: يجوز ضَاز يضِيز، وضَاز يضُوز. وكأنه يريد أن لك الخيار في المهموز العين إذا خفف أن تُلحقه بالواو أو الياء، لكن الأكثر في كلامهم اعتبار العين ياء فقالوا: ضَازه حقه ضَيْزاً ولم يقولوا ضَوْزاً لأن الضوز لوك التمر في الفم، فأرادوا التفرقة بين المصدرين، وهذا من محاسن الاستعمال وعن المؤرّج السَّدُوسي كرهوا ضم الضاد في ضوزى فقالوا: ضيزى. كأنه يريد استثقلوا ضم الضاد، أي في أول الكلمة مع أن لهم مندوحة عنه بالزنة الأخرى. ووزن {ضيزى}: فُعْلى اسم تفضيل (مثل كُبْرى وطُوبى) أي شديدة الضيز فلما وقعت الياء الساكنة بعد الضمة حرّكوه بالكسر محافظة على الياء لئلا يقلبوها واواً فتصير ضوزى وهو ما كرهوه كما قال المؤرج. وهذا كما فعلوا في بيض جمع أبيض ولو اعتبروه تفضيلاً من ضاز يضوز لقالوا: ضُوزى ولكنهم أهملوه. وقيل: وزن {ضِيزى} فِعلى بكسر الفاء على أنه اسم مثل دِفلى وشِعْرى، ويبعِّد هذا أنه مشتق فهو بالوصفية أجدر. قال سيبويه: لا يوجد فِعلَى بكسر الفاء في الصفات، أو على أنه مصدر مثل ذِكرى وعلى الوجهين كسرته أصلية. وقرأ الجمهور {ضِيزى} بياء ساكنة بعد الضاد. وقرأه ابن كثير بهمزة ساكنة بعد الضاد مراعاة لأصل الفعل كما تقدم آنفاً. وهذا وسم لهم بالجور زيادة على الكفر لأن التفكير في الجور كفعله فإن تخيلات الإِنسان ومعتقداته عنوان على أفكاره وتصرفاته. وجملة {إن هي إلا أسماء سميتموها} استئناف يكر بالإِبطال على معتقدهم من أصله بعد إبطاله بما هو من لوازمه على مجاراتهم فيه لإِظهار اختلال معتقدهم وفي هذه الجملة احتراس لئلا يتوهم مُتَوَهم إنكار نسبتهم البنات لله إنه إنكار لتخصيصهم الله بالبنات وأن له أولاداً ذكوراً وإناثاً أو أن مصب الإِنكار على زعمهم أنها بنات وليست ببنات فيكون كالإِنكار عليهم في زعمهم الملائكة بنات. والضمير {هي} عائد إلى اللات والعزى ومناةَ. وَمَا صدق الضمير الذات والحقيقة، أي ليست هذه الأصنام إلا أسماءُ لا مسمّياتٍ لها ولا حقائق ثابتة وهذا كقوله تعالى: {أية : ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها}تفسير : [يوسف: 40]. والقصر إضافي، أي هي أسماء لا حقائق عاقِلة متصرفة كما تزعمون، وليس القصر حقيقياً لأنّ لهاته الأصنام مسميات وهي الحجارة أو البيوت التي يقصدونها بالعبادة ويجعلون لها سدنة. وجملة {ما أنزل الله بها من سلطان} تعليل لمعنى القصر بطريقة الاكتفاء لأن كونها لا حقائق لها في عالم الشهادة أمر محسوس إذ ليست إلا حجارة. وأما كونها لا حقائق لها من عالم الغيب فلأن عالم الغيب لا طريق إلى إثبات ما يحتويه إلا بإعلام من عالم الغيب سبحانه، أو بدليل العقل كدلالة العالم على وجود الصانع وبعض صفاته والله لم يخبر أحداً من رسله بأن للأصنام أرواحاً أو ملائكة، مثل ما أخبر عن حقائق الملائكة والجن والشياطين. والسلطان: الحجة، وإنزالها من الله: الإِخبار بها، وهذا كناية عن انتفاء أن تكون عليها حجة لأن وجود الحجة يستلزم ظهورها، فنفي إنزال الحجة بها من باب:شعر : على لاحب لا يهتدي بمناره تفسير : أي لا منار له فيهتدى به. وعبر عن الإِخبار الموحَى به بفعل (أنزل) لأنه إخبار يَرد من العالم العلوي فشُبّه بإدلاء جسم من أعلى إلى أسفل. وكذلك عُبّر عن إقامة دلائل الوجود بالإِنزال لأن النظر الفكري من خلق الله فشبه بالإِنزال كقوله: {أية : هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين}تفسير : [الفتح: 4]، فاستعمال {ما أنزل الله بها من سلطان} من استعمال اللفظ في معنييه المجازيَيْن. وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: {أية : ويعبدون من دون اللَّه ما لم يُنزِّل به سلطاناً وما ليس لهم به علم} تفسير : في سورة الحج (71)، وتقدم في سورة يوسف (40) قوله: {أية : ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل اللَّه بها من سلطان}تفسير : . وأكد نفي إنزال السلطان بحرف (من) الزائدة لتوكيد نفي الجنس. {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الهُدَى}. هذا تحويل عن خطاب المشركين الذي كان ابتداؤه من أول السورة وهو من ضروب الالتفات، وهو استئناف بياني فضمير {يتبعون} عائد إلى الذين كان الخطاب موجهاً إليهم. أعقب نفي أن تكون لهم حجة على الخصائص التي يزعمونها لأصنافهم أو على أن الله سماهم بتلك الأسماء بإثبات أنهم استندوا فيما يزعمونه إلى الأوهام وما تحبه نفوسهم من عبادة الأصنام ومحبة سدنتها ومواكب زيارتها، وغرورهم بأنها تسعى في الوساطة لهم عند الله تعالى بما يرغبونه في حياتهم فتلك أوهام وأمانيَّ محبوبة لهم يعيشون في غرورها. وجيء بالمضارع في {يتبعون} للدلالة على أنهم سيسمرُّون على اتباع الظن وما تهواه نفوسهم وذلك يدل على أنهم اتبعوا ذلك من قبل بدلالة لحن الخطاب أو فحواه. وأصل الظن الاعتقاد غير الجازم، ويطلق على العلم الجازم إذا كان متعلقاً بالمغيبات كما في قوله تعالى: {أية : الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم} تفسير : في سورة البقرة (46)، وكثر إطلاقه في القرآن على الاعتقاد الباطل كقوله تعالى: {أية : إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} تفسير : في سورة الأنعام (116)، ومنه قول النبي: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث" وهو المراد هنا بقرينة عطف وما تهوى الأنفس} عليه كما عطف {وإن هم إلا يخرصون} على نظيره في سورة الأنعام، وهو كناية عن الخطأ باعتبار لزومه له غالباً كما قال تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم}تفسير : [الحجرات: 12]. وهذا التفنن في معاني الظن في القرآن يشير إلى وجوب النظر في الأمر المظنون حتى يلحقه المسلم بما يناسبه من حُسن أو ذم على حسب الأدلة، ولذلك استنبط علماؤنا أن الظن لا يغني في إثبات أصول الاعتقاد وأن الظن الصائب تناط به تفاريع الشريعة. والمراد بـــ {ما تهوى الأنفس}: ما لا باعث عليه إلا الميل الشهواني، دون الأدلة فإن كان الشيء المحبوب قد دلت الأدلة على حقيقته فلا يزيده حُبه إلا قبولاً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه، ورجل قلبه معلق بالمساجد» تفسير : وقال: «حديث : وجعلت قُرّة عيني في الصلاة»تفسير : . فمناط الذم في هذه الآية هو قصر اتباعهم على ما تهواه أنفسهم. ثم إن للظن في المعاملات بين الناس والأخلاق النفسانية أحكاماً ومراتب غير ما له في الديانات أصولها وفروعها، فمنه محمود ومنه مذموم، كما قال تعالى: {إن بعض الظن إثم} وقيل: الحزم سوء الظن بالناس. والتعريف في {الأنفس} عوض عن المضاف إليه، أي وما تهواه أنفسهم و{ما} موصولة. وعطف {وما تهوى الأنفس} على الظن عطف العلة على المعلول، أي الظن الذي يبعثهم على إتباعه أنه موافق لهداهم وإلفهم. وجملة {ولقد جاءهم من ربهم الهدى} حالية مقررة للتعجيب من حالهم، أي يستمرون على اتباع الظن والهوى في حال أن الله أرسل إليهم رسولاً بالهدى. ولام القسم لتأكيد الخبر للمبالغة فيما يتضمنه من التعجيب من حالهم كأن المخاطب يشك في أنه جاءهم ما فيه هدى مقنع لهم من جهة استمرارهم على ضلالهم استمراراً لا يظن مثله بعاقل. والتعبير عن الجلالة بعنوان {ربهم} لزيادة التعجيب من تصاممهم عن سماع الهدى مع أنه ممن تجب طاعته فكان ضلالهم مخلوطاً بالعصيان والتمرد على خالقهم. والتعريف في {الهدى} للدلالة على معنى الكمال، أي الهدى الواضح.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أفرأيتم اللات والعزى: أي أخبروني عن أصنامكم التي اشتققتم لها أسماء من أسماء الله وأنثتموها. ومناة الثالثة الأخرى: وجعلتموها بناتٍ لله، افتراء على الله وكذبا عليه. ألكم الذكر وله الأنثى: أي أتزعمون أن لكم الذكر الذي ترضونه لأنفسكم ولله الأنثى التي لا ترضونها لأنفسكم. تلك إذاً قسمة ضيزى: أي قسمتكم هذه إذاً قسمة ضيزى أي جائرة غير عادلة ناقصة غير تامة. إن هي إلا أسماء سميتموها: أي ما اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى إلا أسماء لا حقيقة لها. أنتم وآباؤكم: أي سميتموها بها أنتم وآباؤكم. ما أنزل الله بها من سلطان: أي لم ينزل الله تعالى وحياً يأذن في عبادتها. إن يتبعون إلا الظن: أي ما يتبع المشركون في عبادة أصنامهم إلا الظن والخرص والكذب. وما تهوى الأنفس: أي وما يتبعون إلا ما تهواه نفوسهم وما تميل إليه شهواتهم. أم للإنسان ما تمنى: أي بل أللإِنسان ما تمنّى والجواب لا ليس له كل ما يتمنى. فلله الآخرة والأولى: أي إن الآخرة والأولى كلاهما لله يهب منهما ما يشاء لمن يشاء. وكم من ملك في السماوات: أي وكثير من الملائكة في السماوات. لا تغني شفاعتهم شيئا: أي لو أرادوا أن يشفعوا لأحد حتى يكون الله قد أذن لهم ورضي للمسموح له بالشفاعة. معنى الآيات: بعد أن ذكر تعالى مظاهر قدرته وعظمته وعلمه وحكمته في الملكوت الأعلى جبريل وسدرة المنتهى وما غشاها من نور الله وما أرى رسوله من الآيات الكبرى، خاطب المشركين بقوله {أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ} أي أعميتم فرأيتم هذه الأصنام أهلاً لأن تسوَّى بمن له ملكوت السماوات والأرض وعبدتموها معه على حقارتها ودناءتها، وأزددتم عمىً فاشتقتتم لها من أسماء الله تعالى أسماء فمن العزيز اشتققتم العُزى ومن الله اشتققتم اللات، وجعلتموها بنات لله افتراء على الله بزعمكم أنها تشفع لكم عند الله، أخبروني ألكم الذكر لأنكم تحبون الذكران وترضون بهم لأنفسكم، وله الأنثى لأنكم تكرهونها ولا ترضون بها لأنفسكم، إذا كان الأمر على ما رأيتم فإنها قسمة ضيزى أي جائرة غير عادلة وناقصة غير تامة فكيف ترضونها لمن عبدتم الأصنام من أجل التوسل بها إليه ليقضى حوائجكم؟ إن هي الا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم. إن أصنامكم أيها المشركون لا تعدو كونها أسماء لآلهة لا وجود لها ولا حقيقة في عالم الواقع إذ لا إله إلا الله، أما اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى فلم تكن آلهة تحيى وتميت وتعطى وتمنع وتضر وتنفع. إن هي أي ما هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان أي لم ينزل بها وحياً يأذن بعبادتها. وهنا التفت الجبار جل جلاله في الخطاب عنهم وقال {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ} أي إن هؤلاء المشركين ما يتبعون في عبادة هذه الأصنام إلاَّ الظن، فلا يقين لهم في صحة عبادتها. كما يتبعون في عبادتها {وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ} أي هوى أنفسهم {وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ} فبيَّن لهم الصراط السوي فأعرضوا عنه وهو لحق من ربهم. وتعلقوا بالأماني الكاذبة وأن أصنامهم تشفع لهم، أم للإنسان ما تمنى والجواب ليس له ما تمنى، إذ لله الآخرة والأولى يعطى منها ما يشاء ويمنع ما يشاء وكم من ملك في السماوات لا يعدون كثرة لا تغني شفاعتهم شيئاً من الإِغناء ولو قلّ إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء أن يشفع من الملائكة وغيرهم، ويرضى عن المشفوع له، وإلاّ فلا شافع ولا شفاعة تنفع عند الله الملك الحق المبين. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- التنديد بالشرك والمشركين وتسفيه أحلامهم لعبادتهم أسماء لا مسميات لها في الخارج إذ تسمية حجراً إلهاً لن تجعله إلهاً. 2- بيان أن المشركين في كل زمان ومكان ما يتبعون في عبادة غير الله إلا أهواءهم. 3- بيان أن الإنسان لا يعطى بأمانيه، ولكن بعمله وصدقه وجده فيه. 4- بيان أن الدنيا كالآخرة لله فلا ينبغي أن يُطلب شيء منها إلا من الله مالكها. 5- كل شفاعة تُرجى فهي لا تحقق شيئاً إلا بتوفر شرطين الأول أن يأذن الله للشافع في الشفاعة والثاني أن يكون الله قد رضي للمشفوع له بالشفاعة والخلاصة هي: الإِذن للشافع والرضا عن المشفوع.
القطان
تفسير : اللات والعزَّى ومناة: اصنام كانت تعبدها العرب في الجاهلية وأبطلَها الاسلام. اللات: كانت صخرة مربعة بالطائف، وبها سمى العربُ في الجاهلية زيدَ اللات، وتَيْم اللات. وكانت في موضع منارةِ مسجد الطائف اليسرى اليوم. وبعد فتحِ الطائف بعث الرسولُ الكريم المغيرةَ بنَ شُعبة فهدمها وحرقها بالنار. العُزّى: شجرة من السَمُرِ كانت بوادِ حَراضِ عن يمين الذاهب الى العراق، وأولُ من اتخذها ظالم بن اسعد، وكانت أعظمَ الاصنام عند قريش. وبها سمت العرب: عبدَ العزى. فلما كان عامُ الفتح دعا النبي خالدَ ابن الوليد فقال له: انطلق الى شجرةٍ ببطن نَخْلَةَ فاعصرها، فقتلَ سادِنَها وقطع الشجرة. مَناة: وهي أقدم هذه الاصنام، وكان صنمه منصوباً على ساحل البحر بناحية المشلل بِقَديدٍ، بين المدينة ومكة. وكانت العرب جميعا تعظّمه وتذبح حوله. وكانت الأوسُ والخزرج تعظّمه أكثرَ من جميع العرب، وكانوا يحلقون رؤوسهم عند مناة. وبعد فتح مكة أرسل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عليَّ بنَ ابي طالب كرم الله وجهه فهدَمها وأخذ ما كان لها. وكان من جملة ما وجدَ عندها سيفان، فوهبَهما الرسولُ الى علي رضي الله عنه. والعرب تسمى: عبدَ مناة وزيدَ مناة، وكانت أقدم الاصنام الثلاثة. ضِيزى: جائرة، يقال: ضاز يضيز ضيزا: اعوجّ وجار، وضازه حقَّه ظَلَمه. من سلطان: من حجة. يخاطب الله تعالى قريشاً فيقول: {أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ....} أخبِروني عن هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله وهي اللات والعزى ومناة.... هل لها قدرة توصف بها؟ وبعد ان أنّبهم على سُخف عقولهم بعبادة الاصنام، التي كانوا يزعمون انها هياكل للملائكة وان الملائكة بناتُ الله، قال: {أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ} ان هذه القسمة جائرة، وغير عادلة. ثم أنكر عليهم ما ابتدعوه من الكذِب والافتراء في عبادةِ الأصنام وتسميتها آلهةً بقوله: {إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} هي أسماء لفّقتموها، وما تتبعون الا الظنَّ الذي تهواه أنفسكم في هذا الشأن. أما الآن وعلى لسان محمدٍ، فقد جاءكم من ربكم الهدى لو تتبعونه. ومع هذا فإن هذه الأصنام لا تنفعكم، ولا تشفع لكم عند الله، وما هي الا أباطيل من صنع الكهنة والسَدَنة ليأكلوا أموالَ الناس بالباطل.. اما كل ما في هذا الكون دنيا واخرى، فهو مِلك له تعالى، لا شريك له ولم يلد ولم يولد. وان كثيرا من الملائكة لا تفيد شفاعتهم شيئا، {إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىٰ}، فاذا كان هذا حالُ الملائكة المقربين عند الله، فكيف حال الأصنامِ الجامدة الميتة!! قراءات: قرأ رويس ويعقوب: اللاتّ بتشديد التاء، والباقون: اللات من غير تشديد. وقرأ ابن كثير: مناءة بمدّ الالف والهمزة المفتوحة، والباقون: مناة.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَفَرَأَيْتُمُ} {ٱللاَّتَ} (19) - يُقَرِّعُ اللهُ تَعَالى المُشْرِكِينَ عَلَى عِبَادَتِهِم الأَصْنَامَ والأَوْثَانَ، وَعَلى اتِخَاذِهِمْ إِيَّاهَا أَرْبَاباً، وَعَلَى إِقَامَةِ بُيُوتِ العِبَادَةِ لَها وَيَقُولُ لَهُمْ: لَقَدْ سَمِعْتُمْ مَا قَصَّهُ اللهُ تَعالى عَنْ عَظَمَتِهِ وَجَلاَلِهِ، وَوَاسِعِ قُدْرَتِهِ فِيما خَلَقَ، أفَبعْد ذَلِكَ تَجْعَلُونَ هذهِ الأَصْنَامَ، التِي لاَ تَمْلِكُ لِنَفْسِها وَلا لِغَيرِهَا نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً، شُرَكَاء للهِ في العِبَادَةِ؟ الَّلاَتَ - صَخْرةً بَيْضَاءَ مَنْقُوشَةً كَانَ عَلَيها بَيْتٌ بِالطَّائِفِ لَهُ أَسْتَارٌ وَسَدَنَةٌ يَفْتَخِرُونَ بِهِ عَلَى أَحْيَاءِ العَرَب بَعْدَ قُريشٍ. العُزَّى - شَجَرَةً عِنْدَهَا بِنَاءٌ وأَسْتَارٌ بِنَخْلَةَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، وَكَانَتْ قُرَيشٌ تَعَظِّمُهَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الاستفهام في {أَفَرَأَيْتُمُ ..} [النجم: 19] بمعنى أخبروني عن شأن هذه الأصنام التي اتخذتموها آلهة من دون الله، وقد كانوا يتخذون الآلهة على أشكال شتى، إنسان أو حيوان أو شجرة، وربما يتخذون صنماً لا شكلَ له. و{ٱللاَّتَ ..} [النجم: 19] صنم على شكل رجل كان عندهم يلتُّ العجين ليريح النساء من هذا العمل الشاق، ومات ولم يترك خَلفاً بعده يقوم بهذا العمل، فحزنوا لموته، وصنعوا له تمثالاً تكريماً لذكراه ثم بعد ذلك عبدوه. و{وَٱلْعُزَّىٰ} [النجم: 19] اسم شجرة كانوا يعبدونها، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم خالداً أن يذهب ويقطعها، وكان يقول: شعر : يا عُزَّى كفرانك لا غفرانك إني رأيت الله قد أهانك تفسير : {وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ} [النجم: 20] مناة أيضاً اسم صنم لهم، وقال: {ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ} [النجم: 20] فهي ثالثتهم ولم تكُنْ على شكل إنسان أو حيوان، فقال: {ٱلأُخْرَىٰ} [النجم: 20] على سبيل تحقيرهم والاستهزاء بهم وبمَنْ عبدوهم. الحق سبحانه وتعالى جعلهم حكاماً على ما يفعلون وعلى عبادتهم للأصنام، فقال لهم: أخبروني عن هذه الأصنام هل تستحق أنْ تُعبد، هل لها قدرة أو إرادة، وهي أحجار جئتم بها بأيديكم وصوَّرتموها على صورة تريدونها؟ ثم إذا سقط الصنم وأطاحت به الريح أقمتموه، وإذا كسر ذراعه أصلحتموه، فكيف تعبدونها؟ وأين عقولكم؟ لكنها طبيعة التديُّن في الفطرة البشرية، فقد جبل الخالق سبحانه الإنسان على التدين، وقبل أنْ يُخلق آدم وهو ما يزال في عالم الذر وأخذ علينا العهد ونحن في عالم الذر في ظهر آدم عليه السلام. فقال سبحانه: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ}تفسير : [الأعراف: 172-173]. إذن: عبدوا الأصنام لما عندهم من إيمان الفطرة في النفس، لكن الإيمان له تبعات ومطلوبات قد تشقُّ على النفس وتقيد حركتها نحو الشهوات، فيميل الإنسانُ إلى عبادة إله بدون تكليف ليُرضيَ غريزة التدين في نفسه، ومن هنا عبدوا الأصنام لأنها آلهة في زعمهم، لكن ليس لها مطلوبات وليس لها منهج، وما عبدوها إلا لراحة مواجيدهم الإيمانية. ونلاحظ هنا دقة الأداء القرآني في قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ} [النجم: 19-20] لأنهم عبدوا أيضاً الملائكة من دون الله، لكن لم يذكرها مع اللات والعزى ومناة، لأن الملائكة لا تُرى. فلا يصح أنْ يقول: أفرأيتم الملائكة لأنهم لم يروا الملائكة، إنما سمعوا عنها وآمنوا بها غيباً، وقالوا على كل هؤلاء: شعفاؤنا عند الله، وقالوا: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ..}تفسير : [الزمر: 3] إذن: حتى في كفرهم بالله يتمحّكون في الله. وقوله تعالى: {أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ} [النجم: 21] استفهام للتعجُّب والإنكار عليهم، حيث نسبوا لله تعالى الملائكة وجعلوها إناثاً لوجود تاء التأنيث بها. والملائكة مخلوقات لله تعالى نورانية لا تأكل ولا تشرب ولا تتناسل، ولا تُوصف بذكورة ولا بأنوثة. فهذا تعدٍّ في الحكم وقسمة سماها القرآن {تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ} [النجم: 22] جائرة ظالمة، لأنكم نسبتُم لأنفسكم الجنس الأعلى ولله الجنس الأدنى، فالخطأ الأول أنهم جعلوا الملائكة إناثاً، والثاني أنهم عبدوها. والحق سبحانه يرد عليهم: {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ}تفسير : [الزخرف: 19]. وقال: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ..}تفسير : [الأنبياء: 98] أي: وقودها الذي تتأجج به والعياذ بالله. فالمأزق الذي وقع فيه عُبَّاد الأصنام أنهم قالوا: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ..}تفسير : [الزمر: 3] ولو قالوا: ما نتقربُّ إليهم إلا ليقربونا إلى الله لكانت مقبولة، لكن قالوا: (نعبدهم) وهو قول باطل، فردَّ الله عليهم: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ..}تفسير : [الأنبياء: 98]. فإنْ قلتَ: فما ذنب عيسى والعُزير؟ وما ذنب الملائكة وقد عبدوها من دون الله؟ والجواب في نفس الآية، تأمل {أية : وَمَا تَعْبُدُونَ ..}تفسير : [الأنبياء: 98] فـ(ما) هنا لغير العاقل ولم يقُلْ: ومَنْ تعبدون، فسيدنا عيسى والعزير والملائكة لا يشملهم هذا الحكم. وتأمل كلمة {ضِيزَىٰ} [النجم: 22] تجدها كلمة غريبة في تركيبها وفي نقطها ولم تتكرر في مفردات القرآن، جاءت هكذا عجيبة لتدل على أن فعلهم غريب وعجيب، وأن قسمتهم هذه جائزة ظالمة، لأنهم نسبوا لله تعالى وهو الخالق الجنس الأدنى. أي: في نظرهم هم. فالعقائد لا تُفضّل الذكر على الأنثى، فهما سواء في ميزان الشرع، ولبيان هذه المسألة اقرأ مثلاً في قصة السيدة مريم: {أية : إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً ..}تفسير : [آل عمران: 35] أي: محرراً وموقوفاً على خدمة البيت، والخدمة في أماكن العبادة خاصة بالذكور ولا تصح لها الإناث. {أية : فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ ..}تفسير : [آل عمران: 36] أي: ليس كلأنثى في آداء هذه المهمة، فبيَّن الله لها أن الأنثى التي أريدها ستأخذ منزلة لم تأخذها أنثى غيرها. فالذكر الذي طلبْتِه ليس كالأنثى التي وهبتُها لك، لأن هذه الأنثى سيكون لها منزلة في تاريخ العقائد، موقف يرفعها على جميع النساء. لذلك لما تكلم عن نماذج من النساء قال (امرأة) ولم يُسمِّ إلا مريم، فقال: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ ..}تفسير : [التحريم: 10] وقال: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ ..}تفسير : [التحريم: 11] ولم يُسمِّها إلا رسول الله، فقال: هي آسية بنت مزاحم. فالحق سبحانه لم يُسمّ هؤلاء، فهُنَّ نماذج لحالات مختلفة هدفها واحد وهو حرية العقيدة للمرأة، ولا أحدَ يستطيع أنْ يُرغم أحداً على عقيدة بعينها. أما مريم فسمَّاها باسمها واسم أبيها {أية : وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ ..}تفسير : [التحريم: 12] لأنها نموذج فريد وحالة خاصة لن تتكرر بعدها. إذن: إبهام الشخصيات له موضعه، وتعيُّنها له موضعه، وكُلّ له حكمته. ففي قصة أهل الكهف ذكر قصة الفتية {أية : إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}تفسير : [الكهف: 13] ولم يُعيِّن القرآن أسماءهم ولا عددهم، ولم يذكر عنهم إلا وصف الإيمان بالله، وهذا هو القدر المراد في قصتهم ولا يُهم بعد ذلك عددهم أو أسمائهم، فهو عِلْم لا ينفع، وجهل لا يضر كما يقولون. فهم نموذج للفتية المؤمنين المتمسكين بعقيدتهم المجابهة للظلم في أيِّ زمان وفي أيِّ مكان، بأيِّ عدد وبأيِّ صورة، ولو عيّنهم وسمّاهم لكانوا حالة خاصة ليس بالضرورة أن تتكرر. وأحبُّ أنْ أستدرك الحديث عن مسألة رؤية سيدنا رسول الله لربه، لأنها مسألة كَثُر فيها الكلام بين المفسرين، وتباينت فيها الآراء بين مؤيد ومعارض. وأقول: أولاً إنها مسألة لا تضر أصل العقيدة، لأنها لا تأتي بشيء جديد إلا أنْ نعرف منزلة محمد من ربه، فالذين يحبون رسول الله يريدون أنْ يصلوا به إلى مرتبة أنه رأى ربه فيُثبتون له ذلك. وآخرون مُحبُّون أيضاً لرسول الله لكنهم يريدون أنْ يُجنِّبوا الناس متاهات الشك، فيحاولون تخفيف هذه المسألة بأنها رؤية على غير الحقيقة. ونحن بدورنا نريد أنْ نُبسِّط المسألة تبسيطاً يُيسِّرها على الجميع، ومن الطبيعي أنْ تختلف آراء العلماء، وهو اختلاف يُعزِّز الدين في ذاته ولا يقدح فيه. والمتتبع لآيات سورة النجم من أولها يجدها تحدثتْ عن الوحي في موضعين: الأول: {أية : إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ * عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ}تفسير : [النجم: 4-5] والمراد: الوحي الذي نزل به جبريل على محمد وهو في الأرض. إذن: فقوله تعالى بعدها: {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ}تفسير : [النجم: 10] ليست بالمعنى الأول، بل تضيف جديداً، فالوحي فيها يُقصد به الوحي المباشر من الله تعالى لنبيه محمد. بدليل أن الآية هنا لم تذكر جبريل واسطة الوحي، ثم أبهمتْ الوحي فقالت: {أية : مَآ أَوْحَىٰ}تفسير : [النجم: 10] والوحي الذي نزل به جبريل معلوم وغير مُبْهم. كما أن إبهام الوحي هنا يدل على عِظمه، وأنه شيء كثير فوق الحصر، أو أنه شيء غريب وعجيب كما جاء في قوله تعالى: {أية : فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ}تفسير : [طه: 78]. إذن: نحن أمام نوعين من الوحي، وإذا كانا بمعنى واحد فما ضرورة أنْ يذهب رسول الله في هذه الرحلة من الأرض إلى السماء ما دام جبريل ينزل عليه. ويُوحي إليه؟ نفهم من ذلك أن {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ}تفسير : [النجم: 10] عطاء جديد لرسول الله، لكنه عطاء مُغلّف بالغيب، فليست كل العقول مهيئة لتقبُّله، وعلى قدر صفاء النفس يكون الاقتناع بمثل هذه المواقف، والناس يختلفون كثيراً في هذه المسألة. ومن هنا رأينا المؤيد والمعارض، والحمد لله فهذا خلاف لا يقدح في العقيدة، والحق سبحانه وتعالى خاطب الجميع مَنْ اكتفى بالفرائض، ومَنْ زاد عليها وأوغل في النوافل، جعل لكلٍّ عطاءً يناسبه. والوحي المباشر من الله تعالى لنبيه محمد يقتضي القُرْب، ويقتضي السماع، وقد أوضح سيدنا رسول الله الرؤية فقال: حديث : نور أنَّى أراهتفسير : ، فقد رأى صلى الله عليه وسلم النور، وهل بعد ذلك غاية تُدرك؟ وقد ورد في أثر ما يؤكد هذا أن رسول الله ضرب على صدر أحد الصحابة حتى أحسَّ برد أنامله. وقال: أعطاني ربي ثلاثة أوعية: وعاء أمرني بتبليغه وهو الصلاة، ووعاء خيَّرني فيه (يعني: أبلغه لأصحاب الصفاء الذين يحسنون الاستقبال عني وأكتمه عن الذين لا يُحسنون الاستقبال)، ووعاءً نهاني الله عنه (وفي هذا الوعاء أمور فوق مدارك البشر جميعاً ولا تتحمله عقولهم فأُمِر رسول الله بأنْ يكتمه). والصحابة أنفسهم كانوا يتفاوتون في فَهْم مثل هذه الأمور، فسيدنا عمر لما طاف بالكعبة ووقف أمام الحجر الأسود قال: والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنِّي رأيتُ رسول الله يُقبِّلك ما قبَّلتك. يريد عمر أنْ يلفتنا إلى أن العمل العبادي لا يُؤدّى لذاته، إنما ثقة في الآمر به. أما سيدنا علي فعنده لَوْن آخر من الفيض ومن الفهم، فيأتي سيدنا عمر ويقول له بينه وبينه: يا أمير المؤمنين، ولكني أعرف أنه يضر وينفع، ألا يشهد لصاحبه يوم القيامة. إذن: ليس بالضرورة أنْ نعلم كلَّ شيء، والله يقول: {أية : وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}تفسير : [الإسراء: 85] مهما كنت، وعندنا في حياتنا اليومية نغلف الشيء النفيس في أكثر من غلاف، فنضعه في ظرف، والظرف في خزينة مُحكمة، والخزينة في مكان خاص، فما بالك إذا كان الأمرُ خاصّاً برؤية الله جَلَّ وعلا، فلا بأس أنْ تغلف في هذه الأساليب ولكل عقل أنْ يتقبَّل منها ما يريد. ثم في قوله سبحانه: {أية : أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ}تفسير : [النجم: 12] الوحي يُرَى أم يُسمع؟ الوحي يُسمع، فلماذا قال {أية : عَلَىٰ مَا يَرَىٰ}تفسير : [النجم: 12] إذن: لابد أن يكون هناك رؤية. والذين لا يقبلون الرؤية يستشهدون بقوله تعالى: {أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ ..}تفسير : [الأنعام: 103]. نعم لا تدركه الأبصار، فقد حدد آلة الإدراك وهي (الأبصار)، وهذا يعني أنه لا مانعَ أنْ يدرك بغير الأبصار، فالمنع هنا للأبصار فقط، فحين يرد خبر معناه: انعكس بصري على بصيرتي، فرأيت مَنْ لا كمثله شيء لابد أن نفهم أن المسألة فيها تغليف وسَتْر لأمر نفيس وعجيب. بل إن المتدبر للآيات يجدها تذهب إلى أبعد مما تتكلَّمون فيه، اقرأ: {أية : أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ}تفسير : [النجم: 12] وبعدها {أية : لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ}تفسير : [النجم: 18] يعني: رأى أكثر من الذي تتكلمون فيه، فما حالكم لو أخبرناكم بكلِّ ما رأى؟ وفي قصة سيدنا موسى عليه السلام لما قال لربه: {أية : رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً ..}تفسير : [الأعراف: 143]. تأمل أولاً {أية : لَن تَرَانِي ..}تفسير : [الأعراف: 143] ولم يقُلْ: لن أرى، يعني: لن تراني يا موسى وأنت على هذه الهيئة لأنها لا تُمكنك من الرؤية، لكن تجلى للجبل والتجلِّي يقتضي الرؤية. إذن: الأمر هنا في الرائي ومدى استعداده للرؤية. ومحمد مثل موسى في هذه المسألة، لكنه لما صعد إلى السماء أخذ شيئاً من الملائكية تُمكنه من الصعود والاختراق، ملائكية غطَّتْ على بشريته وتغلَّبتْ عليها.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ} قال: هي أصنامٌ كانوا يَعبدُونَها.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر تعالى ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق، والأمر بعبادة الله وتوحيده، ذكر بطلان ما عليه المشركون من عبادة من ليس له من أوصاف الكمال شيء، ولا تنفع ولا تضر، وإنما هي أسماء فارغة عن المعنى، سماها المشركون هم وآباؤهم الجهال الضلال، ابتدعوا لها من الأسماء الباطلة التي لا تستحقها، فخدعوا بها أنفسهم وغيرهم من الضلال، فالآلهة التي بهذه الحال، لا تستحق مثقال ذرة من العبادة، وهذه الأنداد التي سموها بهذه الأسماء، زعموا أنها مشتقة من أوصاف هي متصفة بها، فسموا "اللات" من "الإله" المستحق للعبادة، و"العزى" من "العزيز" و "مناة" من "المنان" إلحادا في أسماء الله وتجريا على الشرك به، وهذه أسماء متجردة عن المعاني، فكل من له أدنى مسكة من عقل، يعلم بطلان هذه الأوصاف فيها. { أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنْثَى } أي: أتجعلون لله البنات بزعمكم، ولكم البنون؟. { تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى } أي: ظالمة جائرة، [وأي ظلم أعظم من قسمة] تقتضي تفضيل العبد المخلوق على الخالق؟ [تعالى عن قولهم علوا كبيرا]. وقوله: { إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ } أي: من حجة وبرهان على صحة مذهبكم، وكل أمر ما أنزل الله به من سلطان، فهو باطل فاسد، لا يتخذ دينا، وهم -في أنفسهم- ليسوا بمتبعين لبرهان، يتيقنون به ما ذهبوا إليه، وإنما دلهم على قولهم، الظن الفاسد، والجهل الكاسد، وما تهواه أنفسهم من الشرك، والبدع الموافقة لأهويتهم، والحال أنه لا موجب لهم يقتضي اتباعهم الظن، من فقد العلم والهدى، ولهذا قال تعالى: { وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى } أي: الذي يرشدهم في باب التوحيد والنبوة، وجميع المطالب التي يحتاج إليها العباد، فكلها قد بينها الله أكمل بيان وأوضحه، وأدله على المقصود، وأقام عليه من الأدلة والبراهين، ما يوجب لهم ولغيرهم اتباعه، فلم يبق لأحد عذر ولا حجة من بعد البيان والبرهان، وإذا كان ما هم عليه، غايته اتباع الظن، ونهايته الشقاء الأبدي والعذاب السرمدي، فالبقاء على هذه الحال، من أسفه السفه، وأظلم الظلم، ومع ذلك يتمنون الأماني، ويغترون بأنفسهم. ولهذا أنكر تعالى على من زعم أنه يحصل له ما تمنى وهو كاذب في ذلك، فقال: { أَمْ لِلإنْسَانِ مَا تَمَنَّى فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأولَى } فيعطي منهما من يشاء، ويمنع من يشاء، فليس الأمر تابعا لأمانيهم، ولا موافقا لأهوائهم.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ} [19] 565 - أخبرنا أحمدُ بن بكارٍ، وعبد الحميد بن محمدٍ، قالا: حدثنا مخلدٌ، قال: حدثنا يونسُ، عن أبيه، قال: حدثني مُصعب بن سعد بن/ أبي وقاصٍ، عن أبيه، قال: حديث : حلفتُ باللاَّتِ والعُزَّى، فقال لي أصحابي: بئس ما قلت، قُلت [هُجراً]، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت/ ذلك له، فقال: "قُل: لا إله إلا الله وحده لا شريك لهُ، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كل شيء قدير، وانفث على شمالكَ ثلاثاً، وتعوذ باللهِ من الشيطانِ (الرجيم)، ثم لا تعد ". تفسير : 566 - أخبرنا أحمد بن سليمان، قال: حدثنا مسكينُ بن بُكيرٍ، قال: حدثنا الأوزاعيُّ، قال: حدثني الزُّهريُّ، عن حُميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حلف منكم، فقال في حلفهِ باللاتِ والعُزى، فليقل: لا إله إلا اللهُ ". تفسير : 567 - أخبرنا عليُّ بن المنذرِ، قال: حدثنا ابن فُضيلٍ، قال: حدثنا الوليدُ بن جميعٍ، عن أبي الطُّفيل، قال: لمَّا فتح رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم مكةَ، بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكانت بها العُزى، فأتاها خالدٌ وكانت على ثلاث سَمُراتٍ، فقطع السَّمُراتِ، وهدم البيت الذي كان عليها ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: "ارجع فإنك لم تصنع شيئاً، فرجع خالدٌ، فلما (أبصرت) به السَّنةُ، (وهم) حجبتها أمعنُوا في الجبل وهم يقولون: يا عُزَّى، فأتاها خالدٌ، فإذا (هي) امرأةٌ عُريانةٌ ناشرةٌ شعرها تحتفنُ التُّراب على رأسها فَعَّممها بالسيفِ حتى قتلها، ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه فأخبرهُ، فقال: "تلك العُزي".
همام الصنعاني
تفسير : 3036- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ}: [الآية: 19-20]، قال: هي آلهة كان يعبدها المشركون، وكانت اللاَّت لأهْلِ الطائف، وكانت العزّى لقريش، وكانت مناة للأنصار. 3037- عبد ا لرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: سمعت ابن عباس قال: ما رأيت شيئاً أشبه باللَّمَمِ مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّ الله كتب على ابنِ آدم حَظَّه من الزنا أدْرَك لا محالة، فَزِنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنَّفْسُ تتمنى وتشتهي، والفرج يُصَدِّقُ ذلِكَ كله أو يكذبه ". تفسير : 3038- عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة مثل حديث ابن طاوس عن أبيه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):